 قراءات نقدية

قراءة في قصيدتين للشاعر يوسف شحادة

عدنان عباسيضعنا الشاعر الفلسطيني، وأستاذ الأدب العربي في جامعة ياجيللونسكي بكراكوف (بولندا)، وذو الثقافتين: العربيّة والبولنديّة، يوسف شحادة، أمام عالمين أوروبيين وآخر شرق أوسطي في قصيدتين، فيحرّك وجدانه الشعري والإنساني فيهما باسترجاع أزمنة وحضور واقع جديد، كاتبًا في الأولى يوم  20/09/2019 عن (صحو الذكريات)، التي عاش أوقاتها الجميلة في شرق أوروبا - أوكرانيا، وأكبر مدينة فيها هي العاصمة كييف، التي تقع في شمال وسط البلاد، متنقّلًا بين معالمها ذات الطراز المعماري الأنيق، ومتحرّكًا مع حركة نهر الدنيبر الجاري فيها بخيلاء. يترك الشاعر وراءه، على الرغم من زيارته القصيرة لهذه المدينة، ذكرًى جميلة مزهوّة ببريقها وآثار تاريخها وسحر حسناواتها، ذكرًى حميمة بالألفة، وشفّافة تمتزج فيها البهجة بالحزن، ومرسومة بجماليّة شعريّة أخّاذة بالإيقاع في نصّ سارح بتجلّيات رقيقة على ضفة الدنيبر. يتوجّه الشاعر بعد مرور عام تقريبًا على زيارته لكييف، إلى وسط غرب أوروبا في زيارة إلى ألمانيا، فمدينة دوسلدورف، عاصمة ولاية شمال نهر الراين الذي يشقّها إلى نصفين، والمشهورة عالميًّا بثرائها وصالونات أزيائها ومعارضها التجاريّة، فيكتب يوم 14/07/2020، نصّه الآخر (على تخوم الراين)، المسترسل بأسلوب قصيدة النثر أو الشعر الحرّ على الطريقة الأوروبيّة، رابطًا فيه تداعيات ذاته الشاعرة بعالمي دوسلدورف والراين، ومسترجعًا ماضيًا شرقيًّا في حاضر غربي يحاول التفاعل مع طبيعته، فينعكس ذلك على نفسيته كشاعر شرقي الهوى، ومزاجه كأوروبي التحصيل والإقامة.

ولجماليّة هذين النصّين الشعريين، اللذين يتعلّقان بمدينتين ونهرين، ولاقتراب بعض الأفكار، ووجود قاسم أوروبي وشرقي مشترك بينهما، ولتوليف نسبي للعناصر المنتجة للحالة المطروقة فيهما، أدوّن أدناه قراءتي لهما، ولاسيّما من ناحيتي التصوير والتلوين.

* جماليّة الصورة في قصيدة (صحو الذكريات):

العودة الشفيفة إلى زمن الذكريات المتألقة بالدهشة في قصيدة (صحو الذكريات)، والتي يقودنا الشاعر يوسف معه إليها، مبتدئًا بأداة التنبيه "ها"، لنرافقه في قطار العمر الماضي بنهب السنوات، هي عودة إلى إشراقة الشباب وحيويّته أيضًا، والمكوث الجميل في مدينة "كييف" والتمتّع بمعالمها الأخاذة، ورقّة انسياب الدنيبر، بلْ والحزن والحسرة على مرورها وتحولها إلى ذكرًى حتّى وإن كانت ذكرًى مفرحة وحميمة خالطها الحزن والحنين. عندما أبدأ بمعاينة هذا النصّ، أجد نفسي أمام وجدان جيّاش بالأحاسيس الرقيقة لشاعر مرهف، يحفزّني إلى التأمّل في مرآة كلّ مفصل من مفاصل نصّه، والمرور على أكثر من محطّة فيه، استطاع الشاعر التوقف عندها ومن ثم اجتيازها بجدارة، بلْ وتمكّنه من تنظيم "حركة المرور" بين هذه المحطة أو تلك باقتدار. 

ما جلب انتباهي وأثار إعجابي في هذا النصّ أمور غير قليلة، ولاسيّما صورها، ابتداءً من اختيار عنوان تشخيصي للمجرّدات وانتهاءً بمحسوسات النصّ عبر صور تؤنسن الذكريات ومدينة مثل "كييف" التي حلّ الشاعر فيها زائرًا، حيث يسترجع زمنها الأخضر الرائع وصولًا إلى "التنزّه" في أروقتها وكأنّما نستعيد فيها معه طراوة الأيام السالفة وألقها. يظهر في النصّ مونتاج حيوي لسلسلة من الصور الموزّعة بين الفنّيّة والتشخيصيّة، حيث الريح تُلقى، وللخريف كتف، وهناك عودة لسنوات خوالٍ من زمن "حضن المشيب" مرّت سريعًا وخلّفت ألمًا في نفس الشاعر، وإنْ تركت وراءها حلاوة أوقات محفوظة في شغاف القلب، ورجوع إلى البراعم التي "تركت فراشات الربيع" "تدقّ أجراس الرقة" في الوقت نفسه. للرفيف في النصّ صورة بأجراس مثلما للفراشات أيادٍ تدق، وللعمر صورة بغطاء رقيق، انكمش على بعضه بفعل مضي العمر، كما أنّ للحياة صورة بأنسام فوّاحة بعطر "بنفسج" دافئ وكلف. لم يبخل الشاعر كذلك بمداهمتنا برموز ذات دلالات موحية نستنبطها من الصور المبثوثة في النصّ، ترتبط بالبراعم والفراشات والأجراس والغلالة والبنفسج والقوافل والفجر والدمعة، كما لا يتردّد بإثارة بهجتنا عند قيامه باسترجاع ذكرياته أو أيّام الشبيبة، غارقًا في تأمّلات مخيّلته على ضفة الدنيبر، وحنينه إلى أوقات قضّاها مع هذا النهر ومرّت بسرعة، ومستعيدًا فيها رونق المشاهد التي يرسمها بمفردات الجمال ونضارة الشابات التي تشرق وجوههن بالبسمة وتحتضن الحياة بالدفء وغنج رقّة البنفسج وعطره. يمكننا أيضًا أنْ نستنتج تضادّ عناصر من سياق كلمات تشير إلى أصوات "أجراس" و"ريح" عالية و"أنفاس" هامسة، وحركة تحوّلات لونيّة من "خريف" العمر الرمادي، وبياض سنوات "المشيب"، إلى نضارة "الربيع" وبراعمه الخضراء، ومن ثمّ إلى ريعان زرقة "زهرة البنفسج" المائلة للحمرة.

ينتقل الشاعر من هذا التوزيع الوردي بصورة البنفسج، وتلوين أنفاس الحياة به، إلى تشكيل صورة أخرى بمخيّلة حالم، من خلال التشبيه بـ"بريد عشق" يحمل للمحبّين وجد الشاعر وولهه، وعندما تغوص الذكرى في هذا الوله المتيّم الذي يصورّه الشاعر مجازيًّا، يستدرك بتحويل الحلم إلى "وهم" "لاهب" بصورة استعاريّة، فهو يتجمّل بالعينين ملاذًا لوهم يؤرقه في أروقة المدينة وشوارعها الممتعة للناظر، في الوقت الذي لا تبدو الصورة محاطة باللهب الحارق فقط، وإنّما أيضًا بطيف يمرّ خاطفًا، ويضفي على المشهد جاذبيّة تخطف أنظار الشاعر الزائر ليتعايش مع الإثارة التي تمنحها هذه المدينة.

الانتقال من فعل المخاطب إلى آخر، بصيغة المفرد التي تداهم المخاطبين بالإثارة وتحفّزهم إلى الانتباه، يجري على الإيقاع ذاته الذي طرحه الشاعر بالفعل "تمضي"، فكان مجيء الفعل "تمتطي" ليتناغم ومشهد الحركة الحثيثة للزائر، بصورة ترتسم على ضفة الدنيبر، وهو يستوي على جناح "قطرات الفجر". تتعانق حركتا النهر وضفته بصورة تشخيصيّة شفّافة أخرى، تتمثّل بإغفاءة الفجر في فترة اختلاط البياض بالظلمة مع إطلالة اللحظات الأولى منه، ولم يعد الشاعر في لحظات تجلّيه هنا إلّا أنْ يتمّ مشواره باقتفاء ما تبقّى من عشقه الملتهب، وهو يتملّى شاطئ النهر، جاعلًا حرقة الجفون صنوًا لحرقة العشق بدلالة كلمة "الوجد"، في صورة تبدو وكأنّها تعكس إشراقة وجد صوفي.

يدفع الشاعر ذواتنا بالفعل "تستجدي"، إلى أنْ نتحسّس خطاب ذاته كشاعر مولع بهذه الهبّة، مستشرفًا من التنزّه والتأمّل على ضفة الدنيبر مفارقة، تقوم على التنازع بين حالتين: الحاضر المفرح ببهجة النهر، والماضي المحزن المتمثّل بدرب الغبار الصحراوي، أيْ بين انسياب النهر وخضرة ما حوله، وانفتاح "أسارير" الأفق، والنزهة التي تعانق انسياب النهر من جانب، وبين الدرب المعفّر بالغبار والريح الحارقة بحفيفها المتحرّك في ذاكرة يستدعي الشاعر فيها أزمنة عالم الجدب الصحراوي بدلالة "القوافل" من جانب آخر. نشعر هنا بانكسارات وجدان الشاعر عبر احتدام أحزان على ماضٍ مغبّر في ظلال حاضر رائق، في صورتين متقاطعتين: صورة الطبيعة المتمثّلة بضفة النهر الواثقة من ريعان مباهجها ورقّة نسائمها وارتخاء روّادها، وصورة درب الغبار المرهق بصحرائه وازورار آفاقه، وباستعانته بالدمعة "الصامتة" يكون الشاعر قد استرجع قسوة أحوال الماضي، في حاضر لا يتناغم وهذه الأحوال.

يشكّل الشاعر إذًا مشاهد صوره بالذكريات والحزن والدموع والانبهار والدهشة والفرح، مستخدمًا متوالية فعليّة: "تمضي، تمتطي، "تقتفي"، "تستجدي"، ومسترجعًا زمنًا وحياة ودروب قوافل صحراويّة، وجفافًا وغبارًا وحرارة أيّام ملتهبة، لتظهر من خلالها صورة الشرقي الحالم والحزين بدمعة تترقرق عبراتها في العين، وتستقرّ بصمت داخل حدقتها. أمّا عالم ضفة الدنيبر في المدينة المخضرّة بالأمل، والمولعة بالحياة، فكأنّه حافز له كي يتجاوز صور الماضي التي تؤرقه، بدون تحاشي ذكريات بعض فرح عالم البداوة، ولو أنّه ينظر إليه كأحد عوالم معاناته، لأنّه جاحد في التسرية عن نفسه الظمآنة للبهجة والنقاهة.

يحثّ الشاعر خطاه الشعريّة صورة إثر صورة، ومشهدًا بعد مشهد، ويقدّم مفارقة تجمع الحزن والهمّ على ما ينقصه، والفرح والسعادة على ما يعوّضه، في لحظة تأمّل على ضفة الدنيبر، ويخاطب "حزنه السعيد"، بصوتي الماضي والحاضر، في الوقت الذي يجعل لهذا الماضي مخالب تشقّ على النفس أوجاعها وجراحها. يرسم بعد ذلك مشهدًا لهذه الصورة بإضاءة من التمنيّات بـ"ليت" بعد أنْ "يستفتحها" بالأداة "ألا"، بأنْ لا تصحو ذكريات الماضي من جديد وأنْ لا تستعيد طاقاتها في نفسه، فتكدّر مزاجه وتشوّش على متعته في تنقّلاته بين كييف ونهرها، وتؤثّر على تفاعله الوجداني معهما، وأنْ تدفع طاقة روح الشباب الوثّابة التي يتمنّاها إلى انطلاق حياة الحبور في نفسه. يكرّر الشاعر هنا عبارة "ليت الشباب" مرّتين، و"ليت" ثلاث مرّات، ليتعايش مع دهشة الواقع الجميل لمنظر الدنيبر، ومباهج  كييف الخلّابة، وليستعيد نضارة عهد الشباب للتواصل مع نضارة مدينة جميلة تستحقّ الانشراح.

بهذه المشاهد المفعمة بالفرح والحزن في كييف الحالمة بالغد، ونهر الدنيبر المتناغم مع شاطئه وأفقه، وبهذا التأمّل الذي تتوالى فيه الذكريات التي يختلط فيها الماضي الحزين بالحاضر البهيج عبر تداعيات زمنين وذكرياتهما، يكون الشاعر يوسف قد قدّم لنا نصًّا متكاملًا بفكرته وصوره ودلالاته وانتقالاته اللونيّة والصوتيّة، مستفيدًا من أساليب، مثل المفارقة والإنشاء الطلبي، والتدوير الكامن في انتقالات الإيقاع عبر توزيعه بين السطور بشكل انسيابي، ومن تراتبيّة أفعال وتناغم صفات لإضفاء حيويّة على المعنى، ومن تطويع أداة "ها" للتنبيه للفت نظر القارئ، وتسخير اسم الفعل المضارع "آهٍ" لشحنه بطاقات من التألّم والحسرة، ومن صور، ومنها التشخيصيّة، متواشجة فيما بينها بشفّافيّة جماليّة، على وجه الخصوص.

* التلوين المشهدي في قصيدة (على تخوم الراين):

تبرز في هذا النصّ الشعري المنساب نثريًّا، بمناخاته الداخليّة وألوانه المنظّمة مشهديًّا، تداعيات ماضٍ شرقي مهموم بالمعاناة والحرب والأمل المصادر بالطلقة والأرض الموجوعة برماد الواقع وفجائع الإنسان، وهي تتحرّك في وجدان شاعر، كزائر غريب يحمل همّ الجذر الشرقي إلى مدينة تنضح بالجمال والفرح، ولكنْ عبر صراع بين عالم أوروبي غربي حاضر، أنيق في تجلّياته، وعالم شرقي ماضٍ سابح في مخيلة الشاعر ولا فكاك منه، صراع بين سيكولوجيّة ذي بعدين: جاذبة وطاردة في ضوء العلاقة بين الذات والمكان (دوسلدورف والراين). يرافق ذلك تساؤل ينطلق بعيدًا في الذاكرة باسترجاع زمن الشبيبة وأحوال الشرق، والنفس المطاردة باصطياد الحياة بدلالة البجعات التي تتناثر ريشها على الشاطئ بأصوات  الرصاص، بلْ وبلونها الرصاصي الشاحب الذي يتجانس ولون نهر الراين، وإنْ في مغزًى آخر وحالة مختلفة، وفي مشهد للراين يُضاء بإشراقة فضائه ومحيط ما حوله في مدينة تحتضنه بعفويّة رائقة.

يتأمّل الشاعر النهر، ويتوجّس موقفًا عنده بعد تنقّله البهيّ كمهموم بين ذكريات الطفولة والصبا وأناقة هذه المدينة الغربيّة ونهرها المنساب ماؤه برويّة، ويتناوب الاسترجاع مع الاستباق في زمنين متفاوتي الدلالات، يتراوحان في بعض الحالات بين رماديّة النفس من جهة، وبهاء إطلالة المدينة من جهة أخرى. تتلوّن مشاهد الراين والمدينة وفصول السنة والفضاء والبجعات والوجوه بألوان مختلفة، وتتمخّض الرحلة عن دوّامات تتنازع فيها المتضادّات، وتتبارى فيها المتناغمات بتراتبيّة أفكار وانكسارات نفس في واقع غربي متحفّز إلى البهجة واحترام الحياة والطبيعة، وواقع شرقي مكدور بتلاشي الأحلام وتدمير الطبيعة. يقوم الشاعر بتصوير ذلك على شريط مشهدي تنتظم على سطحه الألوان التي تتراوح بين الشحوب والإشراق، بين "سواد" الحزن وسكون حركة الحياة وشحوبها، وبين "بياض" الفرح، ونضارة اخضرار الحياة وحيويّتها بجريان الراين في دوسلدورف. تتلوّن مفردات القصيدة بمشاهد صورها لتستضيء بمداد خبرة شاعر في المونتاج السينمائي، ورهافة وجدانه في تشكيل الأحاسيس والفكرة، بحيث يرتبط التلوين الطبيعي "الشاحب" لمشهد الراين، بشحوب وجه الزائر المشتّتة أعماقه واقترابها من التلاشي، في الوقت الذي "ينهض" الراين نقيضًا بعدم مجاراته أحزان الزائر، منتظرًا رحيله، وإنْ كان يحثّه ضمنيًّا إلى التأمّل في الطبيعة، والتعايش مع جمال النهر الذي يضخّ التمتّع بلحظات النزهة على ضفافه.

يتنقّل الشاعر على شاطئ الراين أو على تخومه بمشهد مرسوم بتداعيات الماضي القاسية للبجعات عند الشواطئ بريشها المتطاير بحركة الموج، في مخيّلة يمتزج فيها وقع الصوت بتلوّن الشاطئ رصاصيًّا كي يتناسب وشحوب وجه الزائر وشكل الراين على السواء، ولو بدلالات مختلفة، لتتشكّل بذلك صورة يتراوح مشهداها بين الواقع والرؤيا، وبين التلوين بالرصاصي والأصفر، والصوت بحركة الموج ووقع الإطلاقة، ويتعانق فيها احتباس ذات الشاعر وانفراجها على الراين، فضلًا عن همّها إزاء القسوة على تخوم الشرق. لقد أجاد الشاعر في جمعه بين الماء والرصاص والحركة واللون والصوت، على شريط يقوم بتوليف لقطاته برمزيّة ذات دلالتين متنافرتين، تتجاور فيها المعاناة مع الانبهار، شريط شفّاف كشفّافيّة الماء وحركة الطيور، ومضطرب كحركة الموج وعبثيّة القلق، ورمزي يتواتر بفعل مخاطبة المفرد المشير إلى الجمع. يجعلنا الشاعر في نصّه هذا شهودًا أيضًا على حدث يجمع النقيضين: الشحوب والرماديّة، وسماويّة زرقة اللازورد الصافية المائلة إلى الحمرة أو الخضرة، ملوّنًا النقيض الثاني بثلاثة ألوان لنهر يتماهى مع الصفاء على الرغم من شحوبه، ويتعارض في الوقت نفسه مع شحوب وجه الزائر، ورفضه مجاراته في أحزانه، وبذلك يضيء الشاعر المشهد بلقطة جديدة على "تخوم السماء"، أيْ على الحدود الفاصلة بين الراين أو شاطئه والسماء الصافية الزرقاء المطلّة عليه لتضفي هذه اللقطة جمالًا أخّاذًا على المشهد التصويري الذي نسجه الشاعر ببريق لون اللازورد. وفي الوقت الذي يعبّر الشاعر عن دهشته العاطفيّة وانهياره الداخلي عندما يضيق شحوب ذاته الموجوعة في دائرة "اتّساع الأناقة"، فإنّه يضعنا أمام ردّة فعل شعوريّة تتمثّل بذهول الوجه الشرقي وهو يشاهد إشراقة المدينة ورونقها المغري للحياة، كما تستند هذه الحالة من الجانب الآخر إلى عدم التعاطي المشترك بين الشاعر والنهر، وعدم تفاعل الموقف الغربي مع الوجدان الشرقي لغريب في مدينة تختلف عن مدنه، ولاسيّما عندما يقوم بنقل ذكرياته وهمومه إلى عالم جديد لا يجاريه في ذلك.

يزخرف الشاعر حافّات المشهد بتلوين أنيق للمدينة وهو وحيد في نزهته "الغربيّة"، ومأخوذ بفتنتها، ومتمتّع بمعالمها، وحزين بوحدته ودوّامة نفسه كشرقي فيها، راسمًا صورة استعاريّة مجرّدة تدخل إلى الحسّ بدلالة الضوء ولونه المبهر، وتعكس في الآن ذاته دلالة رمزيّة تشير إلى انبهار النفس وظمئها للرقّة وجمال الحياة. يترك الشاعر كذلك فسحة للتأمّل عندما تسرح مخيّلته في "ضباب الذكرى"، باستعادة ذكريات تبدو مشوّشة أو عابرة، وإنْ كانت محفورة في القلب، أو كضباب يخيّم على النفس في لحظات البهجة، ولو أنّه يأخذ بالزوال تدريجيًّا، إنّه يسترجع ماضيًا وإنْ كانت ذكرياته ضبابيّة. يبقى الشاعر كغريب في هذه المدينة المضيئة برخائها على تخوم نهرها العريق، ماضيًا بالدهشة، ومندفعًا بالتأمّل، فتتنافر الفصول في أزمنة الذاكرة، وتتقاطع الألوان، وتختلط المواسم في بلاد الجذر والذات معًا، فيصبح الصيف خريفًا، والربيع شتاءً، وتتجمّل النفس بحوارها الصامت مع المدينة والنهر، ويشتدّ وخز الهمّ والحسرة في الذاكرة. يتقهقر الحدث الآني، حتّى يتحوّل المشهد إلى اللامشهد تدريجيًّا بـ"شتاء الصفر"، عندما يسترجع الشاعر صخب أسواق "البيع والشراء" و"النخاسة" لأحداث سابقة في المنطقة مقارنة بلحظات التسرّي "الغربي" التي يعيشها، فضلًا عن استدعاء رتابة الحياة اليوميّة السابقة وعدم مبارحتها ذاته، بلْ وحتّى اضطرابات النفس بتداخل المناخ وتناقضات البيئة، مستعينًا برمزيّة اختلاط الأزمنة التي تشير إلى التباس الأحوال.

تستعيد الألوان شحوبها في الغربة، وتستمرّ على هذا النسق بدلالة مفردة "كعادته"، وهكذا يبدو تمتّع المغترب القادم من أسرار الشرق والمهموم بيوميّاته الرماديّة في "فسحته" ونقاهته، وكأنّه موزّع بين ذاتين، ومتحرّك بخطوات متعثّرة، لا يقوى على الخروج من مأزقه المتردّد، وحيرته بين حالين وزمنين. يتشكّل من ذلك مشهد جديد، يتنافر فيها لون الظلام بلقطة، والإشراق بإضاءة، مشهد تتباين فيه اللقطات بين الماضي والحاضر، وتتنازع فيه رمزيّة كهف النفس "المنشرحة" في قيلولتها، وشحوب المكان المثير للملل والانغلاق والسكونيّة، مع حيويّة نفس تستضيء بأنوار "عتبة" المرور إلى دوسلدورف المبهرة بالسرور والحركة الدائبة، وزرقة فضاء نهرها المحفّزة إلى الانطلاق.

الشاعر وهو يتنزّه على شاطئ الراين أو تخومه بحاجة إلى التخفيف من هموم النفس والتسرية عنها، فيقوم بتشكيل صورة في إطار من الشكوى التي ترتفع رويدًا رويدًا بلولب يلتفّ حول محوره، لتتصاعد هذه الشكوى كالحلزون بمسلسل من تداعيات الماضي ومشكلاته مع ارتقاء المشهد بعنصري الحركة والصوت، فضلًا عن حركة معالم تضخّ الشجن في ذاته المفجوعة لأنّه لم يألفها سابقًا. يظهر هذا المشهد على شريط لا تنتهي لقطاته بسكون الحالة، بلْ باستمرارها بدوّامات الشكوى بدلالة هذا اللولب الحلزوني، الذي يتمكّن من النفس لأنّه يتحرّك فيها بمتوالية همّ متواصل، يتزايد صعوده وتتّسع دائرته.

يخرج الشاعر في مقطع تالٍ، من حالة الشحوب (الحزن) الجامع لوجهه مع الراين إلى مشهد تصويري يتعانق فيه الاثنان بالدهشة والاندهاش تناوبًا أو تعارضًا، فتصبح أحزانه وكأنّها "أحزان" هذا النهر، ولو أنّها ليست كذلك. يبرز كذلك مشهد آخر، ترتسم فيه اللقطات ببسمات تعكس "استثناءات" النهر إزاء الشاعر الزائر، ويستقلّ الأخير "صهوة" استعداده للرحيل، بعد أنْ يجمع بين حلم أو كابوس يمور في مخيّلته وواقع يدفعه إلى المغادرة بعد أنْ حانت ساعة الوداع. يبدو مشهد الراين في هذا المقطع متقاطع الدلالة بين الشحوب والابتسام، ويبرز صراع أو تنازع، يرسمه الشاعر صورته التشخيصيّة على مشهد يصبح النهر فيه "سعيدًا"، أيْ خارجًا من شحوبه، ومبتسمًا بالزهوّ من جانب، وجنائزيًّا عندما ينظر إلى الشاعر كـ"مهد" لأيّامه الحزينة، التي لا يجاريها الراين الغربي، ولا يشاطر الشاعر همّه الشرقي ولا يتعايش معه. يوزّع الشاعر لقطات المشهد هنا بين المهد والزمن والطيف عند الوداع، طيف شاعر سيتوارى بلا شكّ، عندما تودّعه قطرات ماء متطايرة من الراين أو من أعشاب شاطئه، تحمل معها هذا الطيف بعيدًا عنه وعن دوسلدورف.

استطاع الشاعر يوسف إذًا في نصّه هذا أنْ يلوّن مشاهده بلونين متنازعي الدلالة: الشحوب والإشراق، بلون رمادي تنازع فيه النفس صورة الراين، وآخر زاهٍ يرتقي فيه الأفق بزرقة الصفاء، صوّرها بإضاءات تختلط فيها ألوان المواسم وأحوال الأيّام أيضًا، وتلتبس فيها المشاعر وتتشوّش فها الذات، وتتناقض فيها المواقف بين أمس واليوم، الشرق والغرب، الغريب المحروم في وحدته، والمدينة والنهر اللذين تنازعا وإيّاه اللون والصوت والبصر، وتقاطعا مع همومه وأحزانه، حتّى وإنْ "تركا" له حرّيّة الانبهار والمتعة. استعان الشاعر باللون والصوت والحركة في قصيدته "الألمانيّة"، وأهمل الإفادة من الإيقاع، الذي يمكن أنْ يضفي حلّة جماليّة إضافيّة على مشاهدها التصويريّة الملوّنة. لقد جعل مشاهد قصيدته تطير بالبجعات، وتتألّم بتناثر ريشها في الذاكرة، جعلها تجاري لغة الراين وتخومه، ومعالم المدينة ورونق محيّاها، وتمكّن أنْ يشكّل صورها بجماليّة، ينفث فيها همومه الذاتيّة وهموم الشرق باسترجاع الزمن الشرقي وسبر ذكرياته في واقع غربي، داخلًا إلى عالمي صراع جدلي بالمتناقضات، ومحاولًا الخروج من كهف سكون النفس والماضي إلى أروقة الحياة وحركة الحاضر. انطلق من الهمّ الشرقي كشاعر يحمل ملامح الشرق ومشكلاته، الأمر الذي يبدو وكأنّ الراين في صراع معه ومع والشرق معًا، أو وكأنّ هناك صراعًا يتنافس فيه واقعان ومخيّلتان، نفسان وعالمان. هكذا قدّم الشاعر مشاهد نصّه التصويريّة وشكّلها ببنية سليمة، ولوّنها بألوان تتقاطع فيما بينها هنا وتتناغم هناك، بطريقة تضفي على النصّ حللًا متنوّعة، واستخدم الحركة والصوت والفكرة لتعزيز دلالاتها، منطلقًا من مخيّلته الموزّعة بين عالمين.

***

* صحو الذكريات

ها أنتَ تُلقي الريحَ عن كَتِفِ الخَريف

تعودُ مِن حُضنِ المَشيبِ إلى بَراعمِكَ التي

ترَكَتْ فراشاتِ الربيعِ تدقُّ أجراسَ الرفيفْ

آهٍ كييفُ! غِلالةُ العمرِ انطوَت

أتعودُ أنفاسُ الحياةِ ببنفسجِ الدفءِ المُعنّى؟

حالِماً كبريدِ عشقٍ

بلْ كوهْمٍ لاهبِ الجَفنينِ تمضي...

تمتطي قطراتِ فجرٍ نام في غبَشِ الدِّنِبْرَ

وتقتفي ظِلّي بقايا وجدِكَ المَحموم

تستجدي القوافلَ في دربِ الغبار

على خطاه نسيتَ دمعتَكَ الصموت

وبعضَ أفراح البداوةِ والجُحود

يخاطبُ الحزنُ السعيدُ براثنَ الماضي

ألا ليتَ الشبابَ يقضُّ صحوَ الذكرياتِ المستعادة

ليتَهُ... ليتَ الشبابَ يعود

***

* على تخوم الراين

شاحب الراين كعادته

يمتطي الأمداء على غروب الحزن

وأنت تبحث عن ريش بجعات

توَسَّلها الموج بين صفير الرصاص

ووداعة اللازورد على تخوم السماء

شاحب وجهك

على اتساع الأناقة في دوسلدورف

وحدك تسير على رصيف الضوء

تتأمل ضباب الذكرى

صيفك خريف، ربيعك شتاء...

شتاؤك صفر في سوق المواسم.

شاحب الفضاء كعادته

يعد خطواتك المترددة

بين كهف الماضي وعتبة الشروق

ودربك إلى الراين

محفوف بمسلة الشكوى

تصعد حلزونها أعلى فأعلى

إلى آخر النهايات

وأول الرؤى تنفث أشواق الرحيل

ترى الراين، على غير عادته،

مبتسما!

يراك مهدا في جنازة الأيام

ويراك طيفا

يتوارى في رذاذ المسافات

***

 

بقلم: عدنان عبّاس

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

نظرة شاملة فاحصة في خبايا القصيدتين وما تحملان من معاني وشعور بين جوانحهما... في اتجاهين وزمنين متباعدين... وبلغة واحدة وقلب واحد...
سلمتما شاعراً وسابراً... 🌹🌹

Mohammed Abu Nasser
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5071 المصادف: 2020-07-24 03:47:15