 قراءات نقدية

النصوص السرديّة القصيرة جدًّا للكاتب محمّد سعدون السباهي

عدنان عباسقراءة في أربعة منها: سدّ فراغ، محنة، المصيدة، شيخوخة

عُرف جنس القصّة القصيرة جدًّا (مايكرو قصّة) في عصر الحداثة وما بعدها، وانتشر على نطاق واسع في أوساط المهتمّين، ولهذا النوع من الأدب السردي المركّز مواصفاته التي تدور حول فكرة محدّدة، وتستند آليّات الكتابة فيه، مثلما يشير بعض الباحثين، إلى عنصرين رئيسين، هما البنية أو التقنيّة "(الإطار الخارجي للنصّ)"، والفكرة المكثّفة التي تنطلق من تصوّرات الكاتب في صياغة المتن "(السياق الداخلي للمتن)". يقترب هذا الجنس السردي من أدب المراوي أو المرويّات القصيرة، من خلال الربط بين الحالة الشعوريّة الخاصّة بالراوي، وتكثيف الحالة، وترشيق الصياغة من الناحيتين اللغويّة والأسلوبيّة، ويجمع بين المفارقة والخاتمة، برؤية سرديّة تضخّ فيهما مغزًى لفكرة واحدة محدّدة أو حدث بعينه. وإذا كانت البنية السرديّة في الأعمال القصصيّة والروائيّة تتشكّل من عناصر غير قليلة، كالشخصيّة والمكان والزمان والحدث والرؤية، فإنّ كتابة القصّة القصيرة جدًّا لا تستوعب التفصيل في هذه العناصر، وإنْ لم تخلُ منها تمامًا، كما أنّ بناء هذا الجنس يحتاج إلى إمكانيّات تتعلّق بتكثيف المعنى في حالة واحدة بعينها، أو شخصيّة أو حدث محوري ما، تجعل من الكاتب أكثر وعيًا بخفايا السرد القصير وتحديد مقوّماته ووظيفته وصفاته.

يظهر الكاتب في هذا النوع من السرد كراوٍ، وصانع للحدث، ومتحرّك في "أزقّة" السياق بنسق محدّد، انطلاقًا من "مناورته" في ضخّ أفكاره في المتن، وبقدر ما تتراوح فكرة النصّ بين الواقعيّة والافتراضيّة أو المجازيّة، فإنّ الكاتب يبحث عن أفضل الوسائل للوصول إليها، ويستعين بتلك الأدوات الناجعة للتفاعل مع توقّعات القارئ بخاتمة بعينها، أو يترك استنتاجها أحيانًا لإحساسه. يعتبر اختيار العنوان في هذا الجنس السردي مهمًّا كعتبة أو فضاء ذي دلالات رمزيّة، تدفع القارئ إلى تلمّس هدف الكاتب المباشر وغير المباشر في نصّه، مثلما تتفاعل لغة السرد وأسلوبه بطريقة تبعدهما عن الاسترسال والترهّل، وكذلك عن الالتباس والوقوع في "شراك" الأجناس السرديّة الأخرى، كالحكاية أو المقالة. من جانب آخر، قد يجد القارئ نفسه أكثر تعاطيًا مع الومضات القصصيّة بسبب ضغط الوقت وربّما المزاج، ولرشاقة لغتها، واختصار موضوعها ووضوحه، وتميّز خاتمتها، ومقدرة الكاتب على إيصال فكرته بأقصر الطرق وأقلّ المفردات، في ضوء علاقة "تداوليّة" حميمة ينسجها بينه كراوٍ، وبين هذا القارئ كمروي له، وليس عن طريق الفعل وردّة الفعل. 

ما يثير الاهتمام في النصوص القصصيّة القصيرة جدًّا للكاتب محمّد سعدون السباهي، صياغة الاستهلال أو العنوان بشكل دقيق، ورشيق لا يتجاوز المفردة الواحدة، سواء عبّر عن دلالة رمزيّة غير مباشرة، أو عن معنًى مباشر، وبراعته في التنقّل في "دهاليز" الفكرة، وإلمامه بالحالة المطروقة وتحديد خاتمتها، أو تركها مفتوحة لحدس المتلقّي. يقدّم فِكَر نصوصه بوعي العارف بمهنته، ويختزل فضاءاتها لتناسب اختزال الموضوع، ويشحنها بطاقات المكان الذي يختاره بعناية، فالمكان في نصوصه كمعلم واقعي أو متخيّل، له هندسته الجغرافية أو المجازيّة ووظيفته ومستوياته وأبعاده، ولاسيّما السيكولوجيّة والاجتماعيّة، بلْ والمأساوية (كورونا وسواها)، فضلًا عن صورة الشخصيّة والحدث وزمنه في هذا المكان، بطريقة تدور في سياق فكرة واحدة. يلاحظ في عدد غير قليل من نصوص السباهي الاهتمام بالوصف التفسيري والاستقصائي، وبالتصوير الداخلي والتوصيف الخارجي، وهما موزّعان على شريط سينمائي، يعرف الكاتب كيف يوزّع لقطاته المتوائمة أو المتنافرة بالإضاءات، وكيف يولّف فيما بينها، ويدرك أين تكمن وظائفها الجماليّة. يطوّع بعض عناصر السرد أيضًا بهدف الخروج بفكرة مكثفة بمعناها، ومثيرة لعقل المتلقّي ووجدانه، أو يعمل على استنباط أفكار جديدة، ترتبط بأحداث، بعضها وليد الساعة، وبعضها الآخر يصلح لكل زمان، مستعينًا في الآن ذاته بأساليب، مثل السخرية والمفارقة والمفاجأة، والطلب الإنشائي، ومنظومات فعليّة تراتبيّة، ومستفيدًا من موروثات وعادات واعتقادات، وقيم وثقافات وقنوات معرفيّة متنوّعة.

سأقوم أدناه بقراءة أربعة نصوص سرديّة للكاتب، ترتبط الثلاثة الأولى منها بتداعيات وباء كورونا الاجتماعيّة والنفسيّة، في الوقت الذي يتعلّق الرابع بصورة مدينة بغداد بين الأمس واليوم، ولعلّ الواقع الجديد الذي فرضه الفيروس التاجي على البشريّة والملامح التي رسمها لهذا الزمن، ومعاناة بغداد وهموم أهلها، فضلًا عن أهمّيّة هذا النوع من الكتابة في الأدب العربي السردي المعاصر، كانت حافزًا لاختيار هذه النصوص للقراءة.

* الشخصيّة بين التصوير والتوصيف في (سدّ فراغ):

بالتصوير السينمائي للمشاهد واللقطات والإضاءات وبانتقالات حثيثة للأفكار بشكل مثير للاهتمام، وبمتواليات أفعال وصفات تتشبّع فيها معاني المتن، وبشخصيّة حيوانيّة محوريّة مباشرة - العنز، وأخرى "فيروسيّة" ضمنيّة - كورونا، وشخصيّة إنسانيّة، تسرح مخيّلة الكاتب السباهي الجامحة في أروقة الفكرة ومغازيها ليضخّ فيها تصويرًا بالمشهد وتوصيفًا بالحالة، وترميزًا بالدلالة، وينطلق من صدمات الواقع إلى بناء جدليّة صراع بين الانغلاق والانفتاح في زمن يتنازع ضدّاه - الصنو والنقيض. يمنحنا الكاتب في هذا النص السردي القصير كثيرًا من الذهول، والقيلولة "للاسترخاء" من وباء كورونا، و"التمتّع" بطاقة حركة الخارج المكاني بوقت يتّسع "للتجوال"، إزاء هشاشة سكون الداخل المكاني بالحجر في المنازل، عاكسًا من خلالها غرائبيّة مظانّ النفس في الزمن الغارق حتّى أذنيه في الخوف، زمن يسرق من الإنسان ثباته ويتركه عرضة للهواجس، كما يدهشنا الكاتب في رسم عدد من حالات "سدّ فراغ" كبير، بعد أنْ يترك النفوس الموجوعة بهجوم كورونا وفيروسات العسف والزيف، وهي تحاول التشبّث بشيء من "النقاهة" والهدوء. تلعب الشخصيّة الحيوانيّة في هذا النصّ دورًا محوريًّا، مثلما هو الأمر في أعمال غير قليلة لعدد من الكُتّاب والروائيّين، ومنها على سبيل المثال رواية (مزرعة الحيوان) لجورج أورويل. تشير هذه الشخصيّة في نصّ السباهي إلى رمزيّة دلاليّة، فهي أوّلًا تعبّر عن الرغبة بالانفلات من القيود، والتحرّر من عبوديّة السجن المتمثّلة بمشهد "القفص" في الحديقة، وثانيًا تبحث عن قيلولة في زمن الوباء بعنصرين يفترق أحدهما عن الآخر - "انشراح" الحيوان، ومعاناة الإنسان، وثالثًا تمتلك فسحة "نفسيّة" كبيرة أو مساحة "انفراج" شاسعة يوفّرها الوباء للخروج من شرنقة "الحبس"، ورابعًا تتوجّس من الطبع "الإنساني" المندفع بغريزة القتل الذي يقترب في هذا المنحى أو ذاك من غريزة الدمار التي تستحوذ على فيروس "كورونا، وخامسًا تتنقّل هنا، وتجري هناك على الرغم من ضياعها أو تواريها عن الأنظار. يمكن أنْ نستنتج من النصّ أيضًا مقارنة بين الطبيعة الحيّة المسالمة "غير العاقلة"، المعبّر عنها بالحيوان، والطبيعة الحيّة غير المسالمة "العاقلة" المعبّر عنها بالإنسان، فضلًا عن المقارنة بين الإفادة من الفرص "الذهبيّة" للخروج من عذاب انتظار العدوى، أو تعذّر حصولها بسبب سيادة القلق وقوّة الخشية. تبرز في هذا النصّ إذًا شخصيّة حيّة تتمتّع بالنشاط الذي يهبه الفيروس، ويضيق فضاء انطلاقها أو يتّسع في ضوء درجة ما يوفّره المكان والحدث وتحاشي العدوى وعدم الاكتراث، من فسحة اجتماعيّة ونفسيّة في الوقت نفسه. 

نصّ (سدّ فراغ) حافل بالمشاهد التصويريّة السينمائيّة ذات اللقطات المتعدّدة، تبدّا بمشهد يتشكّل بلقطة تضيء حركة هذه الشخصيّة الحيوانيّة المحاصرة في القفص وهي تتحرّر من سجنها الذي تُحشر فيه من أجل تسمينها استعدادًا لـ"ذبحها" في مناسبة ما أو بدونها، ولقطة تمتلئ بالعشب الأخضر كطعام لسد رمق الجوع، وبماء للارتواء من ماء هذا العشب الندي، ويُعَزَّز هذا المشهد بمتوالية فعليّة مقرونة بتوصيف عبر الإفادة من صفات تفسيريّة لبعض عناصر الطبيعة كالحديقة والعشب والماء. يرسم السباهي بعد ذلك مشهدًا آخر لهذه الشخصيّة الحرّة والمعافاة، المطمئنّة وغير المهتمّة بويلات كورونا، يتكوّن بلقطة الحركة بدلالة "الجولان"، عندما يقوم الكاتب بتصوير هذا المتنقّل وهو يستمع إلى أصوات السعال والعطاس والأنين للناس، على أنْ يرفق المشهد بتوصيف حالة تخلّف وراءها العجز والألم والمعاناة. يتواتر مدى إضاءة هذا المشهد بحركة المطاردة، وبصوت وقع الحوافر وضربات المرض وأصوات الأنين، وتلتئم كلماته بعنصرين تتفاوت وتائرهما بصوت "حزّ الرؤوس" وسرعة عجلة مارّة، في مدينة يخيّم عليها السكون بسبب الإجراءات القسريّة.

يستنفر الكاتب مفرداته بمفارقة تفرضها هيمنة شخصيّة "كوفيد" في هذا الزمن، مقدّمة بمعانٍ تعبّر عن شكل الصراع بين الطبيعة والإنسان، أيْ بين هذا الحيوان الذي يربّى عادة للذبح، وزهو الإنسان بارتكابه هذا الفعل لتطمين حاجاته بغض النظر عمّا يمكن أنْ يتركه هذا الفعل من عذابات للضحيّة. يضفي السباهي على شخصيّة النصّ الحيوانيّة نوعًا من الوداعة والغبطة إذا ما قورنت بشخصيّة الإنسان المتفنّن في اختيار أدوات النحر بدلالة "سكاكين باشطة"، في قيلولة حجر المدينة و"غموض" مثير للتساؤل، وإذا كانت القيلولة الاختياريّة تدلّ على أخذ قسط من الراحة بحرّيّة، فإنّها تشير هنا إلى "الاسترخاء" الاضطراري المنتظم بالاحتياطات المفروضة. يطلق الكاتب متوالية فعليّة من جديد، ولكن هذه المرّة بصيغة النفي وفعل الاستمراريّة، ويعزّزها بتوصيف متعدّد يقتضي وروده سياق الفكرة، أيْ وصف الكائن البشري بالشراسة وعدم الرأفة وبلادة الإحساس، وصوت السيّارة المسرعة بالزعيق، وسكون المدينة بالركس. هناك إذًا مشهد يتشكل بلقطات تتوزّع بين المطاردة والشراسة والحزّ والحدّة والسرعة والصوت والركس والقيلولة.

يتحرّك متن النصّ لاحقًا بهذه الشخصيّة الحيوانيّة في رحلة تصويريّة سينمائيّة أخرى من خلال مشهد يرسم قيلولتها، تتعدّد لقطاته بالتمدّد تحت الشجرة والاجترار والغفوة والتقلّب على العشب واللعب بالقوائم، وحكّ الظهر و"وخز الدويبات"، في الوقت الذي يتشكّل مشهد آخر بلقطة مرسومة بزينة واجهة إحدى البوّابات بالقماش. تعكس صورة هذه القيلولة المضيّ في الانشراح والحبور والراحة، إذا ما قورنت بقيلولة البشر الملاحقة بالهوس والهستيريا والرعب والانغلاق المكاني. يصوّر السباهي مشهدًا جديدًا قائمًا على المفاجأة وحركة هذه الشخصيّة، عبر لقطات النهوض والتقدّم، والاستضاءة بلمعان البوّابة وزينتها، ولقطات أخرى تنظّم حالات التحدّي واستجماع القوّة والتوقّف والتراجع والتوثّب والاستعداد للمناطحة، ومشهدًا آخر جامعًا لخداع البصر وصوتي تهشّم الزجاج والثغاء، لينير ذلك بأفعال وأوصاف وألوان وإشارات، ويؤجّج طاقاتها بصراع التوهّم بين خصمين مفترضين. أمّا المفارقة التي يتخلّلها عنصر المفاجأة، فتكمن بمشهد البوّابة الزجاجيّة وهذا العنز المتحرّر - التائه في تجواله، والمصّر على قيلولته وإكمال نزهته، حيث يقوم بنطح نفسه بنفسه، مهشّمًا الزجاج، متوهّمًا أو وظانًّا أنّه يناطح عنزًا منافسًا أو غريمًا له. بهذه المفارقة أو الفكرة المرتبطة بهذه الشخصيّة الحيوانيّة يترك السباهي للقارئ أيضًا مساحة من الحرّيّة للخروج الممكن إلى دلالات ترتبط بالواقع الإنساني.

هكذا أدرك الكاتب السباهي طبيعة حالات "سدّ الفراغ" فرسمها بدقّة، ونفذ إلى وجدان الشخصيّة الحيوانيّة المحوريّة فصورّها تشخيصيًّا، وأغناها بدلالات رمزيّة يمكن استنتاجها من سياق النصّ، تشير إلى إصرارها وشجاعتها وتحرّكها إلى مقصدها بإرادة حرّة ويسيرة، مثلما تشير من الطرف الآخر إلى عدم اكتراثها بانكسار غريمها – الإنسان. أشار الكاتب إلى أهمّيّة القيام بالمحاولة وتجاوز اليأس، والميل إلى الحرّيّة والاسترخاء، وشكّل مشاهد نصّه باللقطة والحركة والصوت، وفعّل معانيه بالصراع بين النفوس المسالمة بالانعتاق والنفوس المخرّبة بالقهر، وعزّز هذا النصّ بأبعاد سيكولوجيّة تتعلّق بالفرد والمجتمع والمدينة والحيوان والطبيعة في زمن الوباء. انطلق دلاليًّا من خلال الشخصيّة الحيوانيّة إلى عالم أوسع تتنازع فيه القيم والأوبئة، كما ذكّر بحالة الرعب التي طغت على الحياة اليوميّة للشخصيّة الإنسانيّة المكابرة بالقوّة والاستبداد والتخريب، فضلًا عن ضعفها وقلّة حيلتها وتضاؤلها بسبب هجوم فيروس "ضئيل" ولكنْ جبّار في نشر سلطانه المدمّر. يمكن القول، إنّ الكاتب السباهي كان متميّزًا في توصيف أحوال الناس والطبيعة وتصوير شخصيّاته، ولاسيّما الشخصيّة الحيوانيّة، وبارعًا في صياغة وعاء لمعالجاته في هذا النصّ، الذي تمور فيه إفرازات الفيروس التاجي، والحرّيّة والانحباس، ومخلّفات جموح الشرّ الاجتماعي، وأمراض تهافت الزمن، كما عرف كيف يوظّف نصًّا سرديًّا قصيرًا لشدّ انتباه القارئ، وكيف يتقفّى آثار خطوات حدث في زمن وبائي.

* مرايا المأساة في (محنة):

مرّة أخرى، يعود فيروس كورونا ليصبح مادّة في نصوص السباهي، تدور حول وباء لا يمكن الفكاك من تداعياته بسهولة، ولا يمكن التهرّب من مخلّفاته في أجواء الخراب الذي ينشره، وصراع الإنسان معه. يدخلنا الكاتب في نصّ "محنة" إلى عالم مأساوي يصوّر فيه صراع الإرادات الفرديّة والعائليّة في أجواء الحدث المفاجئ، في الوقت الذي لا تكتمل قراءته بمعزل عن عاملين رئيسين متشابكين، هما العامل السيكولوجي والعامل الاجتماعي، خصوصًا وأنّهما يتركان وراءهما وقعًا شديد التأثير على النفس والمزاج والسلوك، ويمسّان بالصميم منظومة غير قليلة من القيم والتقاليد والعادات والأعراف. يمكن النظر إلى هذا التأثير من خلال متابعة سلوك وأفعال الشخصيّة المحوريّة "الحيّة"، أي الابن عبر ارتباطها الروحي بشخصيّة أخرى راحلة إلى الأبد، أي الأمّ، وشخصيّة رئيسة متفاعلة مع نظيرتيها، أيْ "كورونا". يتواشج هذان العاملان أو البعدان بعناصر ينهض النصّ بها، تتمثّل بالتربية والسلوك والمسؤوليّة الأخلاقيّة أو الاجتماعيّة في مراعاة الأعراف، التي اختزلها التباعد الاجتماعي كثيرًا بسبب التحسّب من الظرف الوبائي والخشية النفسيّة منه. يبرز هنا أيضًا عنصر الحيرة الذي يتراوح مداه بين التردّد والقلق من القيام بفعل مطلوب، والرغبة الذاتيّة الواجبة عرفًا بإجراء وداع قريب من القلب، وتدلّ على أنّ خيارات الإنسان في الحسم تنحسر بشكل كبير بسبب الضغط النفسي المتولّد من قوّة الحدث، فضلًا عن عنصر المفاجأة الذي يعمّق هذه الحيرة أثناء اكتساح الوباء وفرض "إراداته" على العائلة، بلْ والمجتمع والعالم.

لقد استطاع السباهي أنْ ينظّم بعض "الضوابط" البنائيّة لـنصّ "محنة"، ومنها التوصيف الضمني للعنوان، الذي يستفزّ القارئ بفضائه القلق، والذي يضيق بشكل تدريجي بضيق الخيارات "المعدومة"، وبمساحته التي "تتّسع" لعناصر غير قليلة، تتمثّل بالحيرة والقلق والصراع، وكأنّما أراد السباهي أنْ يعبّر هذا العنوان عن نفسه بنفسه، فضلًا عن رسم معالم الإطار العام للنصّ في ضوء منظومة صفات ومعانٍ "خاصّة" في زمن المحنة. يمكن النظر إلى المتواليات الوصفيّة في هذا النصّ عبر مرايا معيّنة، هي مرآة الواقع التي ينعكس عليها الرعب في أجواء الفجيعة، ومرآة النفس المهمومة بالقلق القائم على الاحتراس من العدوى، ومرآة الوجدان العاكسة للمشاعر المرتبطة بالالتزام بالأواصر العائليّة الموروثة في وداع الأحبّة الراحلين، ومرآة الوعي المشكّلة لمشهد الخوف من الشماتة التي يتجسّم على سطحها شعور بالذنب من عدم تأدية واجب يعتبر مقدّسًا في الأحوال الاعتياديّة، ومرآة الصراع بين الاندفاع للشروع بأمر مهمّ، والتراجع عن تنفيذه خوفًا واحتراسًا من نتائجه.

تبدأ معالم طريق البطل المحوري (الابن) في النصّ بدوّامات نفسيّة، بدءًا من الاتّصال الهاتفي مرورًا بالتخوّف من الفيروس التاجي والخشية من العدوى، وانتهاءً بالانعزال المنزلي وحجر النفس بين الجدران، كما تتشكّل عناصر المتن بتفاعل شخصيّتين - البطل المحوري ونقيضه "فيروس كورونا"، وشخصيّة (الأمّ) "المسجّاة في قاعة الموتى" مع الواقع "سلبيًّا"، وارتقائهما "إيجابيًّا" إلى حجم المأساة، بقاسم موضوعي مشترك هو المحنة في زمن استثنائي. تبرز بداهة الحدث بدون ترتيبات مسبقة، أيْ بالمفاجأة والإفرازات التي يخلّفها "الكائن" الثاني على حياة ومزاج الكائن الأوّل، من كوارث ووساوس وحيرة وإحباطات. يقع البطل المحوري في شرك لا يمكن الخلاص منه بسهولة في هذه الظروف القاهرة التي يعيشها اليوم، أسوة بالبشريّة جمعاء، حيث تحتلّ الحيرة مكانًا بارزًا فيها، وتنتفي "المغامرة" في أزمنة المحن في ظلّ سيادة فيروس "كوفيد"، وتتغيّر المقاييس وتُضرَب الأعراف في مقتل، ويتطيّر الناس بالخوف حتّى من أحبّتهم، والتعامل معهم كغرباء ينشرون الرعب، فيبدون وكأنّهم رمال تذروها الريح.

يتعامل السباهي كذلك مع المكان المتمثّل بالمشفى والبيت وأمكنة وأحياز أخرى عبر وضع ثلاثة مستويات له، هي المغلق الأليف – البيت، والمغلق – غير الأليف – المشفى والشارع، والموحش – الردهات وقاعات الموتى. وبقدر ما يمرّ على دلالات هذه المستويات فإنّه يوصّف انعكاساتها على الابن والحياة اليوميّة للناس بشكل عامّ، ويشير إلى "عدالة" هذا الوباء في توزيع الشرور، وانتفاء اللوم أو العتاب في ظلّه، فالكل سواسية أمام الهجوم المباغت للفيروس المؤذي. يطرح السباهي في النصّ كذلك تساؤلًا يرتبط بحيرة الابن وعدم قدرته على تحديد موقف واضح من وداع الأمّ الميّتة، حتّى وإنْ كان ذلك بإلقاء نظرة على جثمانها من وراء زجاج القاعة، مركّزًا بذلك على عظم الوقوع في المأزق، والإصابة بهوس القلق والهستيريا، وعدم "الشجاعة" أو العجز في اتّخاذ القرار، والاكتفاء بعينين تترقرقان بالعبرات، ووجه يتمزّق بالحسرات، وقلب يتألّم بالفجيعة، ولكنْ عن بعد.

الصراع بين الخشية من الفيروس والعدوى، والتردّد في التمسّك بالأعراف الاجتماعيّة، يتعزّز في كل مفصل من مفاصل المتن، إنّه صراع مشحون بالتردّد، وهو نزاع مع النفس، يوزّع طاقته بين الرعب من الاقتراب من جهة، والتوق بالاندفاع لوداع عزيز راحل إلى الأبد من جهة أخرى، هو صراع نفسي يعذّب الضمير، ويضع النفس أمام واقع جديد، تتلاشى فيه بعض القيم وتذهب بعض العادات سدًى، خوفًا من الوباء الذي يطبق على الأجواء بشروره. يتوقّف السباهي عند هذا النزاع والحيرة، ويشير إلى الأحاسيس "الرهيبة" التي ستتحوّل بـ"التخاذل" إلى خطيئة أو كابوس سيعيشه الإنسان في ما تبقّى من حياته عندما تمرّ لحظة الوداع بدونه إلى الأبد.

ينتهي المقطع الأخير من هذا النص بعنصرين، هما الحمّى وما يرشح من الجلد من قطرات في مثل هذه الحالات، الحمّى التي تصيب مقدّمة الرأس أو الجبين كنذير شؤم لعدوى أو مرض يعانيه الابن، أو بسبب الاضطراب النفسي الذي يعيشه في تحديد موقفه بشكل نهائي، أو خشيته من التضحية بما تربّى عليه بعدم إمكانيّته إلقاء النظرة الأخيرة على جثمان راحلة عزيزة على النفس. تشرع هذه الشخصيّة الحائرة والمتعبة بالحمّى وغير القادرة على الحركة السليمة بدلالة الفعل "جرجر" إلى الاكتفاء بالتطلّع من شبّاك غرفتها، إلى عالم خارج حجرها المنزلي، سارحة عن بعد بصورة الأمّ في وحدتها الأبديّة، ويرسم الكاتب ثلاثة مشاهد متتالية لهذا العالم الخارجي بعد ذلك، هي سقوط الثلج بدلالة "هميه"، ولزوم الطيور المبلّلة لأماكنها على الأسيجة بدلالة "جاثمة"، مع تشبيهها بـ"خرقة مبلّلة"، ونزيف المصباح وهو يخفت تدريجيًّا بدلالة صورته الاستعاريّة "ينزف ضوءه" الذي قد "يخمد" رويدًا رويدًا.

يحفل هذا النصّ بمنظومات وصفيّة عديدة، الأولى في المشفى حيث جثمان الأم المسجّى في إحدى القاعات، ومحنة كورونا حيث "العسر، والخصوصيّة"، والمسؤوليّة حيث القيمة "الأخلاقيّة"، ووصف الوباء بـ"المباغت" و"العادل" في توزيع الشرور، ثمّ توصيف أحد مظاهر الوداع غير المتحقّق بـ"العين الدامعة"، ووصف الأحاسيس بـ"الرهيبة". يرتبط عنصرا "الخشية والرغبة" بصفات تتراوح بين الاندفاع والتخاذل و"الاحتقار" و"الإثم" والحسرة والحيرة، كما يبرز توصيف الحمّى بتحسّس الجبين، وتصبّب العرق، والجرجرة في المشي، والمكان الخارجي بتساقط الثلج وابتلال الطيور "الجاثمة على السياجات"، والمصباح بخفوت نوره وتلاشيه.

لقد برع الكاتب في هذا النصّ بوصف الحالتين النفسيّة والاجتماعية، وأشار بتساؤله إلى عمق المأساة التي تنعكس على مرايا النفس المتعدّدة، التي تتوزّع على سطحها شخصيّات وصفات، الأمّ الراحلة، والابن الخائف المتردّد، والفيروس اليقظ المتوثّب للانقضاض، ورسم كذلك صورة الحدث الوبائي وتداعياته، وحدّد مستويات مكانه، وعزّز فكرته بالحيرة والخشية. وضع السباهي قارئ نصّه أمام شدّة المحنة ومفارقاتها في زمن الوباء، وعبّر عنها بشحّة خيارات الإنسان، وعظم همومه في زمن يلاحقه فيه أذى هذا الفيروس، الذي "يرقص" على أشلاء الجسد وانكسارات النفس والوجدان، زارعًا الرعب والقلق والتردّد، ودافعًا إلى الخوف من الالتزام ببعض القيم والأعراف.

* تداعيات الحدث نفسيًّا في (المصيدة):

(المصيدة) نصّ آخر في زمن كورونا وعن كورونا بعد (سدّ فراغ) و(محنة)، نصّ يجعلك تحاذر وتتحاشى وتتحسّب، وتقي نفسك بالحجر أو الوقاية، يشخّص فيه الكاتب العلّة والمعلول، ويتقصّى فيه حركة هذا الفيروس "المتوّج" بملكيّته الهمجيّة وباكتساحه العلاقات العائليّة الحميمة والأواصر الإنسانيّة على حين غرّة، ويكشف درجة التأثير النفسي والرعب الاجتماعي التي ترافق الناس أينما حلّوا، في البيت والشارع وأجواء الهواء الطلق والمشفى، حيث تختزل الكمّامات وجوه المارّة، والقفّازات أياديهم، وحيث "تموت" الفوارق في تحدٍّ كبير يفرض على العالم مواجهة هذا الوباء والتقيّد بقوانينه الصارمة، فكلّ شيء يفقد أهمّيّته في حركة "خيلاء" هذا الفيروس "المدلّل". يفرض لمعان "التاج الملكي" نفسه ليصبح مادّة الساعة أينما قرأت نصًّا أو شاهدتً فيلمًا أو استمعت إلى مذيع، أو تحدّثت في مقهًى أو لقاء، وتجده حاضرًا في نتاجات الكُتّاب وقصائد الشعراء ولوحات الفنّانين، مثلما في نصوص الكاتب السباهي أيضًا. إنّه وباء كورونا، وموضوعاته التي لا يمكن الفكاك منها إلى حين احتواء التداعيات، وحتّى الانتصار النهائي عليه، وعندما تقوى النفوس بعدم الاستسلام لـ"إغراءاته"، وترتقي بطاقاتها لتفادي الهوس والرعب والكوابيس، وتتحسّب للشلل الذي يمكن أنْ "يتوّج" الحياة والنفوس بالخراب، والواقع الذي يريد أنْ يفرض نفسه قسرًا على الإنسان في كرّه وفرّه مع هذا الفيروس.

نتابع في (المصيدة) سلوك الشخصيّة الرئيسة وأحلامها، أي المرأة المصابة بكورونا وحالتها النفسيّة، وحالة عائلتها، والمشفى الذي تحلّ فيه، كمكان واقعي، فضلًا عن علاقة هذه الشخصيّة بشخصيّات، مثل الزوج والأبناء، وأخرى مرتبطة بالجيش الأبيض من المعالجين في المشفى، وشخصيّة عابرة في الذاكرة هي المغنيّة فائزة أحمد. يسترجع الكاتب زمنًا وذكريات، ويضع مقارنات تعكس المغزى الاصطلاحي للمصيدة، وعلاقتها باصطياد الفئران في البيوت العراقيّة، بلّ وعلاقتها الرمزيّة بما يضمره أحد للآخر، وتكتمل الشخصيّات والمكان بلا شك بـ"شخصيّة" رئيسة وقاسية هي "كورونا"، متفاعلة بـ"حميميّة" مع نظيرتها الزوجة العليلة، ومتقاطعة معها نفسيًّا.

تبرز في النصّ الخشية من انفراط عرى العائلة بخوف الزوج والأبناء من رحيل عزيزة على النفس، والنفسيّة بلوعة الزوجة، والأمّ في الوقت نفسه، ووحشتها بالوحدة التي تشعر بها قبل أنْ تلفظ أنفاسها، وبتحسّب الزوج والأبناء من مرافقة الأم إلى داخل المشفى، بلْ ومنعهم من القيام بذلك بسبب القيود الرسميّة الصارمة بالتباعد وعدم الملامسة، أو بسبب تراجع ما تعوّدوا عليه خوفًا من انتشار الوباء. يبرز هنا أيضًا عنصر القلق أمام هذا المرض القاتل الذي لا يترك للمرضى فرصة كبيرة لالتقاط الأنفاس، ويجعلهم خاضعين للأجهزة الطبيّة التي تبدو لهم كأشباح، مثلما تواجهه البطلة، ويدلّ كذلك على أنّ خيارات الإنسان في الحسم بشكل عامّ تنحسر كثيرًا بسبب الضغط النفسي المتولّد من الرعب والاستسلام، بسبب جبروت الوباء وفرض "إرادته" على الضحيّة أينما كان، سواء في المشفى أو خارجه، في العراق أو العالم أجمع.

ينطلق السباهي من مغزى العنوان، الذي يبدو متحرّكًا على وجع سياق المتن المرتبط بالحالة النفسيّة للمريضة وعامل الخشية الذي يرافقها، وصعوبة التنفّس التي تعانيه، وتلاوة الآيات القرآنيّة لدفع الشرور، بانتظار المخلّص، والخشية أيضًا من ظروف المشفى، والمعاناة، والتوق إلى الشفاء، والرغبة بالرجوع إلى البيت "إكمالًا" للعلاج، وسرحان المخيّلة في منظومة من الذكريات اليوميّة البسيطة، والرغبة الجارفة باستعادة الزمن "الجميل". يقوم أيضًا بتنظيم بعض العناصر المكوّنة لفكرة نصّ (المصيدة)، ابتداءً من التوصيف للمشفى بــ"معقّماته الصادمة" وروائحه ورثاثته، مرورًا بالأجهزة وطاقم العلاج والممرّضات، وانتهاءً بردهة النساء والأسرّة ونقّالات الموتى.

يمكن تحديد عناصر النصّ بالرعب الذي يرافق المريضة المصابة بكورونا، والقلق الموزّع بين عدم استعادة صحّتها، وتعذّر خروجها من المشفى، والشعور أو وساوس الاستسلام لمصيرها ورحيلها المبكّر، وبين التمنيّات السابحة في مخيّلة "الاطمئنان" بتجاوز المحنة. يسترجع الكاتب في هذا النصّ زمنًا يربط مصيدة الفئران بالمصيدة الإنسانيّة، أي الوقوع في شراك الموت، ويخرج فيه من واقع "صحّي" سابق إلى آخر مرضي، ومن انفراج إلى ضيق نفسي في المشفى، ومن فضاء مفتوح على الذكريات العائليّة، إلى فضاء مغلق بالإصابات والأجهزة. تبدأ معالم طريق البطلة المحوريّة في النصّ بدوّامات نفسيّة، واستعداد للهروب، في ضوء صراع موزّع بين عالمين، واقعي وخيالي، صراع  مع الموت مادّيًّا ومع الروح نفسيًّا، يستند إلى نزاع مرير بين العليلة والفيروس، وإلى هواجس ترافق المصابة بشرور "التاج" الملكي، مرورًا بانعزالها بين جدران المشفى، وانتهاء بإحباطها واستسلام الرئتين للفيروس غير المرئي. تقع البطلة في "مصيدة" فيروس "كوفيد"، تاركة وراءها غصّة وحيرة على نفس قد تتحفّز إلى "مغامرة" ما غير محسوبة النتائج حتّى وإنْ كانت هذه المغامرة افتراضيّة هروبًا من الضيق النفسي في المشفى الذي يتنقّل فيه هذا الفيروس. يتعامل السباهي في هذا الإطار كذلك مع المكان المتمثّل بالمشفى وجواره، وردهات المرضى وأسرّتهم وأحياز الموتى وغيرها برسم مستوياته، وانعكاساته السيكولوجيّة على المرضى.

يقوى الصراع ويضعف عبر التفكير في البحث عن مهرب من المكان الموحش وظلال كورونا المرعبة، وبين الخوف من الوقوع الحتمي في المصيدة، والرجوع مرّة أخرى إلى ذات الحيّز بعزلته ووحشته ووحدته بانتظار الفراق أو الموت الأبدي. تصاحب ذلك حيرة من السرحان الوجداني عندما ترى هذه المرأة "المتروكة" في وحدتها وهمّها، وهي لا تشاهد سوى الجدران ولا تستقبل سوى الوساوس، ولا تلتقي إلّا بجيش أبيض يبذل كلّ شيء في صراعه مع الوباء، حيث لا مهرب من الأجهزة التي ترافقها إمّا إلى بالحياة، أو إلى انتظار شحّة الأوكسجين وضعف الرئتين وصولًا إلى حشرجة الموت، خصوصًا أنّها ترى الممرّضات وهنّ يقمن بنزع الأجهزة عن جاراتها الميّتات في الردهة. يعطي النصّ أشكالًا متنوّعة من الهيئات والملابس والكيانات البيضاء التي بقدر ما تثير الاطمئنان كرسل للعلاج، فإنّها تثير الهواجس باستثنائيّتها. يطرح السباهي في النصّ كذلك تداعيًا نفسيًّا يلف ذاكرة العليلة، عندما تسرح ذكرياتها في ألفة هموم البيت اليوميّة من مطبخ، فتسوّق وأصوات باعة، وصوت أغنيّة للمطربة فائزة أحمد، وهي في وحدتها تصارع الموت في ردهة عزل منفرة بروائحها، و"شبحيّة" بأجهزتها، هذه الذكريات التي أصبحت تثير الجزع والألم في نفسها لكونها بعيدة أو صعبة المنال. كلّ ذلك يرتبط بتشوّش النفس والتحرّك في مأزق دائرة القلق والهستيريا والعجز، لأنّ الوباء استطاع أنْ يدمّر ثقتها بحالات تبدو يسيرة قبل ذلك.

الصراع بين الخشية النفسيّة من الفيروس، والتردّد يحفّز النفس إمّا إلى الرعب من هواجس الموت أو التوق بالاندفاع إلى الحياة، هو صراع يقود إلى تشكيل سيكولوجيّة المريضة الراقدة في المشفى، مثلما يشكّل سيكولوجيّة الأقربين الذين يتعذّر عليهم الاقتراب منها أو توديعها، وتصطدم رغباتهم بشرور الوباء. يتوقّف السباهي إذًا عند العذاب النفسي للشخصيّة، وشرودها الهارب إلى ذكريات ما تزال تطرق أسماعها، ولكنّها تتلاشى في وحدتها، فلم تبقَ إلّا أحاسيسها "الرهيبة" إزاء انقضاض كابوس يصادر ما تبقّى من أحلامها عندما تمرّ لحظة الاختناق الأبديّة.

لقد رسم الكاتب في هذا النصّ السردي القصير ثلاثة مشاهد متتالية لمصيدة الوباء، يتراوح زمنها بين ماضي ذكريات البيت الأليفة، وحاضر صراع بين الخشية والأمل في سيّارة الإسعاف والمشفى، وحرّك طاقات بآلام يخلّفها الوباء، وحفل النصّ بتوصيفات محنة كورونا، والنفس الموزّعة بين الرغبة والقلق والخوف، عبر التذرّع بآيات قرآنيّة للتخلّص من المحنة، مثلما تعوّدت عليه الضحيّة في تراثها الديني. عزّز الكاتب الحدث الوبائي بالصدمة التي تعانيها المرأة العليلة، فخرج النصّ عاكسًا لدوّامتها النفسيّة التي مرّت بها، وهي تختنق بوحدتها وهجوم مرض غير رحيم، وتتقطّع أنفاسها رويدًا رويدًا ليطبق فيروس كورونا الغادر على رئتيها، ولتتلاشى ذكرياتها، وتأفل حياتها.

* مستويات المكان ببن زمنين في (شيخوخة):

تأتي أهمية المكان في السرد كونه أحد عناصر بنيته الرئيسة، وهو في نصوص السباهي القصيرة جدًّا ذو مستويات متنوّعة، يدخل في سياقها حدث وزمن، بغضّ النظر عن كون المكان هندسيًّا أو مجازيًّا، أو كون الزمن عاديًّا أو سيكولوجيًّا، أو أنّه يتراوح بين الاسترجاع والاستباق.

(شيخوخة) المدينة – بغداد للكاتب السباهي تجعلنا نتوقّف بحزن مؤلم عند مفارقات بالتلميح والتصريح ترتبط بهذه المدينة العريقة التي كانت تحمل عبق الأدب والتصوّف والعلم والمعرفة والحضارة والتنوّع في التاريخ، ثمّ شاخت عندما خذلها "سوفان" الرثاثة، وأنهكتها سنوات الإهمال، وصادر أحلامها الغزاة والدجّالون والجهلة واللصوص. ماذا ستقول رابعة العدويّة عاشقة الله الأبديّة، والحلّاج المصلوب بـ"أنا الحقّ"، والجنيد والجيلي من متصوّفة هذه المدينة عمّا يحلّ بها اليوم؟ وماذا يقول بشّار وهو يتوثّب عاطفيًّا بأذنه "المبصرة"، وأبو نواس وهو يهيم بصفرة خمرياته "المعتّقة" شعريًّا في كرخ بغداد، ودعبل وهو يحمل كفنه على ظهره و"لا "يرى أحدًا"، وابن زريق وهو يعتصر ألمًا على قمره الكرخي - زوجته، والشريف الرضي وهو يبثّ رسائل شوقه إلى الشفاه، وعلي بن الجهم وهو يغازل "عيون المها" بين الرصافة والجسر، والمتنبّي وهو يسرح في "ليل العاشقين الطويل"؟ ماذا ستحفظ ذاكرة حاضر المدينة عمّا تعيشه اليوم، وقد كانت موئلًا لرسوم الواسطي، ونوبات إبراهيم الموصلي الموسيقيّة، وشجن المغنيّة "غريب"، وتفنّن رزين العروضي، وألق شهرزاد في حكايات ألف ليلة وليلة، وحركة فنّانين ولغويين وكُتّاب ومبدعين ومترجمين ورحّالة ومؤرخين وفلاسفة؟

ماذا تقول بغداد أو "بغدان" أو "الزوراء" – مدينة السلام، هذه العطيّة أو الهبة الإلهيّة أو عدله، أو هبة البستان، أو"هيكل الصقر"، إزاء أنقاض الخراب والموت والرثاثة بين عصرين، مثلما تشير (شيخوخة): عصر مغولي قبل حوالي ألف عام، وحاضر ما يسمّى بعهد التغيير؟ بغداد – المنصور، المولودة بالأمل، والمشرقة بذهبيّة الرشيد، ومعارف المستنصريّة ومداد بيت الحكمة وإخوان الصفا والمعتزلة، وقبب المراقد والأضرحة، والتاريخ الضارب في أعماق التجديد والأناقة تتقاطع معالمها، بين يوم كان من يزور بغداد فكأنّما زار العالم، يوم تبختر فيها الشعراء والكُتّاب على شاطئ دجلة، وتبغدد فيها الجواهري بـ(دجلة الخير) في القرن العشرين. ما أقسى أنْ "تسقط" بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي على يد المغول وغيرهم ممّن جاؤوا بعدهم، وأنْ يتصدّر المشهد العراقي اليوم، ولاسيّما البغدادي منه أناس لا يدركون قيمة هذه المدينة، ولا أهمّيّة تاريخها ومعالمها وأزقّتها وشناشيلها، ولا انسياب دجلة بين كرخها ورصافتها وما بينهما. وفي الوقت الذي يصف السباهي هذه المدينة بـ"الثريّة" في عصرها العبّاسي الزاهي، تتحوّل اليوم إلى رثة بشهادات دوليّة للأسف، تشيخ وتشحب رويدًا رويدًا منذ الضربة المغوليّة، وتتنازعها النائبات وتقف على قدميها، وتتعمّق معاناتها وجراحها في الوقت الحالي، وتتناوبها أيادي المحتلّين والطامعين الغرباء، وينتصر حكّامها لإرادات ما وراء الحدود. بغداد التاريخ التي حماها حتّى لصوصها العيّارون قديمًا، تتحوّل اليوم إلى فريسة تنهشها أيادي السلطة، حيث يتمّ الاستحواذ على قوت أهلها، وتُمتهَن فيها كرامة بناتها وأبنائها، وتُصادر حياتهم، وأمالهم بمدينة أحبّوها وما يزالون.

يسترجع الكاتب تاريخًا بحوافر خيول المغول قديمًا وما تلاه، ودبّابات الاحتلال وطمع الجوار حديثًا، لتتعذّب مؤرقة بالترييف والقتل والفراهيد، تنطلق فتكبو وتتألّم بفجيعة زمن التراجع ومعاناة ساكنيها التي هي معاناة العراق، وتنهض بشيخوخة ترسم ملامح الضعف والإرهاق هذا اليوم. وبقدر ما يدفعنا هذا النصّ إلى استرجاع التاريخ الجميل من جانب، والمأساوي من جانب آخر، فإنّ صورة المكان تتراوح مستوياته بين النضارة والهرم، الفرح بأصوات محبّيها، والانتكاس بإهمال شوارعها وأزقّتها ومعالمها ونهرها، وخذلانها من أبنائها قبل أعدائها. يستخدم الكاتب متوالية تراتبيّة في عبارات مثل "شاخت المدينة الثرية، فقدت ذاكرتها وغادرها الزمن" ليذكر بأسلوبي المقارنة والمفارقة منظومة من الأحداث، تمرّ بها في القرن الحادي والعشرين، متمثّلة بالخراب والدمار والتشويه، وبهذا التوصيف بالمتواليات يحسّ القارئ بألم الكاتب وعذابات حروفه التي هي جزء من عذابات المدينة اليوميّة. يطرح الكاتب مستويات المدينة (بغداد) موزّعة بين زمنين، زمن ماضٍ تألّقت فيه بالعلوم، وتحرّكت بثقة نحو الغد، وزمن حاضر تقهقرت فيه مكرهة، كـ"قرية مزرية"، امتدادًا لزمن الدمار بعد أنْ أدماها المغول باللون الأحمر، وسوّدوا دجلتها بمداد الأسفار والمخطوطات. يستعين في الآن ذاته بوصف استقصائي لهذه المدينة "الطريحة" حاليًا، حيث "سماؤها معفرة بدخان البنادق وحرائق النفايات، ماؤها وشل، وبطائحها ملاعب للأشب"، جامعًا بذلك بين صفات كالخوف والحيرة والحزن والتجاهل والغدر والمعاناة، ورابطًا بين النزف والتنفس وكساح المدينة وبين "تكلّس" الضمير مجازيًّا، أيْ بين ما هو مجرّد وما هو حسّي. تغدو هذه العاصمة في (شيخوخة)، مثلما يكتب السباهي، "حلّابة" بدلالة رمزيّة تشير إلى أنْ الجميع قد تركوها "جلدًا على عظم"، وحيث تصبح الأشواك زمامًا لها. لا يتوقّف الكاتب عند صورة واحدة لهذه المدينة، التي تحتضن الشباب والشيوخ، و"الطالب، والموظّف، والباعة الجوّالة والمتسولين والبدو والقرويين والأفنديّة"، بل ويرسم صورًا أخرى لأماكن تدعو إلى الفخر، أيْ دور العلم والتعليم والإدارة، وأخرى تضجّ نشاطًا في حركة توافد الطلبة والموظّفين. 

يستعرض الكاتب تناقضات هذه المدينة من الداخل، وإنْ كانت الرثاثة والفقر وعدم الاعتناء هي الصفات الغالبة على مدارسها وإداراتها، ودورها، وشوارعها، وأحيائها، وسيّاراتها وطرقها وأزقّتها وإشارات مرورها، وحميرها وخيولها وعرباتها. الحياة معطّلة في هذه المدينة، مثلما يراها الكاتب الذي يعيش فيها، فيحسّ بأوجاعها وأحزانها، ويعاني تقهقرها ومرضها، ويشهد على إهمالها وسرقة فرحها من قبل حكّامها، وعلى الرغم من ذلك، يشعر الكاتب بشيء من السرور بظهور بعض المشاهد المرتبطة بدور المعرفة ونشاط الحياة اليوميّة، مثلما ما مرّ أعلاه، ومشاهد أخرى يرسمها بأسلوب المفارقة الساخرة، تتمثّل بحركة "الحمير والخيل التي تنقل الناس والبضائع بانسيابيّة وأريحيّة، وفوق هذا تضفي على المشهد مزيدًا من السرور"، ويسبغ أوصافًا مثيرة على العربات والحيوانات التي "تقهقه من دون توقف"، وعلى الخيول والحمير التي "تتقدم ضاحكة في شماتة صريحة من السيارات العاطلة والمعطلة بفعل الزحام والحر وسوء التنظيم".

يستخدم السباهي أسلوب الصدمة، ويدخل إلى حاضر هذه المدينة الصاخب والمزدحم، محاولًا إحصاء سكّانها الذي لم يعرف عددهم بالضبط (خمسة أم ثمانية ملايين)، هذا العالم الجغرافي الواسع، والمزدحم بناسه ومركباته ومعالمه وهمومه وحيواناته وأمراضه، وضوضائه، وآماله وأحزانه، يتحوّل إلى خريطة نازفة بنزيف شبابه وأقلامه. يرجع السباهي إلى هذه "البقعة" التي يسكنها ناس تتناغم مواقفهم ومشاعرهم، لأنّهم، مثلما يذكر "يتشابهون في أسمائهم وسحناتهم تشابه بيوتهم وأزقتهم وأشجارهم الذاوية"، في الوقت الذي يتوقّف عند اختلافات تتعلّق بالتنوّع القومي والديني من خلال الأزياء أو اللهجات بين البغداديين والقادمين إليها من مختلف أنحاء العراق، فالناس في بغداد من "جلد واحد"، مثلما يكتب، وهم متساوون بـ"الغرائز والعواطف والمشاعر وربما السلوك أيضًا"، والكاتب لا يجد فرقًا فيما بينهم إلّا في اللباس واللهجة، رابطًا أيضًا بين المستوى الفنّي للمكان وسيكولوجيّة الساكنين فيه ربطًا واقعيًّا، ويتحدّث كذلك عن بعض العادات والأعراف في المدينة بسبب الفقر والحاجة، كزواج الفتيات في سنّ مبكّرة، أو ترك الأولاد مقاعد الدراسة من أجل التحاقهم بالجيش والمؤسّسات الأمنيّة، إعالة لعوائلهم.

يستند توصيف المكان والتنوّع في مستوياته إلى رؤية الكاتب لهذه المدينة التي أسهب في الدخول إلى عوالمها، دون أنْ ينسى المرور على مصائب أخرى تحلّ بها، مثل تقلّبات المناخ لتتلاءم مع تقلّبات أمزجة الناس، ودرجة الحرارة غير الرحيمة في الصيف، والشلل في توفير الخدمات العاديّة. يعبّر عن هموم المدينة اليوميّة ومعاناة أهلها، بعد أنْ تحوّلت "من مدينة العلم والمعرفة" سابقًا، "إلى أسوء مكان للعيش في العالم" حاليًّا، مثلما يكتب السباهي. وعلى الرغم من ذلك، يترك الكاتب للقارئ فسحة من الانشراح تتمثّل بتفاعل السكّان مع حركة المدينة، وتوصيف مزاجهم الساخر، وحياتهم اليوميّة، حيث "ينكّتون ويضحكون ويتبادلون أرقام هواتفهم"، فضلًا عن "العفوية المباشرة وسرعة البديهية الدافئة التي يتآلفون بها"، ويعبّر في الوقت نفسه عن قلقه وخشيته على نسيجها الاجتماعي، من كثرة المنافقين "الثعالب" والانتهازيين سواء في الإعلام أو في الحياة اليوميّة، ويحذّر من أفعالهم.

هكذا جعلنا السباهي نتحسّس آلامه من خلال آلام بغداد، ونتابع شريط هذه المدينة في زمنين متناغمين من جهة، ومتناقضين من جهة أخرى، مستعينًا بأسلوب استرجاع زمن عريق وزمنين مأساويين. قدّم لنا نصًّا يشبه السيرة التسجيليّة "السريعة" للمدينة، واضعًا إصبعه على الجرح العراقي الذي ما تزال بغداد تنزف فيه بالخراب والأوجاع والإهمال والأوبئة وفساد السلطة، ومعاناة ناسها وأحيائها وبيوتها وأزقّتها وشوارعها ومركباتها وحيواناتها، تتنوّع مستوياتها بصفات متقاطعة، تشتدّ بالظلام في أحوال، وتقوى بالأمل واسترخاء أهلها على الرغم من مصائبهم ومآسيهم في أحوال أخرى. لقد خرجت (شيخوخة) من ذكريات التاريخ النضر لبغداد إلى زمن مغولي ملوّن بالدم وحاضر سابح في اليأس والنكد، استطاع السباهي أنْ يجمع خيوط السرد للمكان وتناقضات أو صراع ما يدور فيه، وجعلنا نتحرّك معه في هذا المشهد البغدادي عبر التاريخ والأزمنة والمتغيّرات، خصوصًا عندما تتغضّن ملامح المدينة بمشاهد ظلال شاحبة، مرسومة بالضيق والحزن والإرهاق وتقلّبات الأمزجة والمناخ.

يمكن القول أخيرًا، إنّ الكاتب محمّد سعدون السباهي يمتلك مهارة إبداعيّة في صياغة نصوصه القصصيّة القصيرة جدًّا، ويستعين بأدوات معرفيّة واعية وآليّات سليمة في صياغة هذا النوع من السرد، من حيث بنيته وموضوعه، ويتحكّم بتنظيم تشكيلاته برشاقة لغويّة وأسلوبيّة، فتظهر حينئذِ ملوّنة بمعانٍ غنيّة، يتناغم فضاء النصّ الحسّي بالصوت واللون والنظر والحركة، لتخرج الفكرة مكتملة الجوانب، وغالبًا ما يترك الكاتب فسحة من الحرية للمتلقّي كي يتفاعل بحدسه مع حدس الكاتب في نصوصه وخواتيمها للخروج بتصورات محددة.

من جانب آخر، أرى أهمّيّة عدم إهمال تكثيف بنية السرد أو الفكرة في بعض النصوص عند استخدام المفارقة واستدعاء الزمن وسواهما، ولاسيّما في بعض مفاصل نصّ (شيخوخة)، حتّى لا تختلط الأجناس فيما بينها، ولكي لا يقترب أسلوب كتابة النصّ من أسلوب المقالة. وبحسب معرفتي ببعض أعمال الكاتب سواء الروائيّة (مثل، "كوكب المسرّات" التي سبق أنْ تناولتها في إحدى قراءاتي المنشورة)، أو نصوصه القصيرة جدًّا، ولإمكانيّاته في تجربته الكتابيّة الطويلة، أرى أنّ السباهي يدرك بحدسه كيف يتعامل مع حركة السرد ومقوّماته في هذا النوع من النصوص بشكل سليم، وكيف يحصّن عمله من الوقوع في شراك الاندفاع، أو الوقوع في هاوية الالتباس في الأشكال أو الأجناس. وبقدر ما تعتبر هذه النصوص القصيرة جدًّا للكاتب البارع محمّد سعدون السباهي جادّة في موضوعاتها ومهمّة في معالجاتها وسليمة في بنيتها، فإنّها تستحقّ أنْ يوليها النقّاد الاهتمام والعناية، وأنْ تخرج إلى النور في كتاب جامع لها (وهي كثيرة على ما أعتقد)، من أجل إغناء معارف القرّاء والمكتبة الأدبيّة العراقيّة والعربيّة بهذا النوع من السرد في الوقت نفسه.

***

تُنْظَر نصوص الكاتب محمّد سعدون السباهي:

* سد فراغ

أفلتَ بطريقةٍ ما من قفصه في حديقته الخاصة، كان جائعا فرتع في عُشب الحدائق الندى الكثيف، وارتوى من مياهها الباردة...

جالَ في الحارات الصامتة مستمتعا بوقع أضافه على الطرقات، أحيانا يسمع ما يشبه أصوات سعال وعطاس خافتة، وانينا مخنوقا...

لم يطارده ذلك الكائن الشرس الذي طالما رآه يجز رؤوس أقرانه بسكاكين باشطة، ولم يستفزه بوق عجلة مسرعة، إذ المدينة على ما يبدو لا تزال راكسة في قيلولة غامضة...

تمددَ تحتَ فيء شجرة تظلل واجهة مبنى عالية من الزجاج،

اجتر طعامه بهدوء، غفا قليلا، استيقظ، تقلب على العشب ولاعبَ قوائمه في الهواء، وحكّ ظهره جراء وخز دويبات غافيات بين طيّات شعره الكثيف...

نهض وتقدم يجتذبه لمعان البوابة المزيّنة بمزق أقمشة ملونة، توقف فجأة إذ رأى عنزًا يشبهه تمامًا...تراجع قليلا وهيأ نفسه لمناطحة دامية لا مفر منها، ليرى الآخر يفعل الشيء نفسه، الأمر الذي أغاظه كثيرا...

وفي محاولة منه لطرد خصم عنيد لا يريد أن يفسح له الطريق ليكمل نزهته، استجمع قوته، صوّبَ قرنيه نحو راس الخصم مباشرة، ووثب...

صوت زجاج يتهشم، وثغاء مرتفع لعنز تائه في قاعة فارهة، فارغة!!.

***

* محنة

اتصلوا به عبر الهاتف النقال، ليتبينوا رأيه، فيما اذا كان يودُ أن يلقى نظرة الوداع الأخيرة، على جثمان والدته المسجاة في قاعة الموتى بجوار المشفى العام...

فجأة، وجدَ نفسه أمام محنة عسيرة لم تخطر في باله يوما، ولعل خصوصيتها أنها لا تخضع لأيّ من التبريرات، إنها فوق ما يسمى بالمسؤولية الأخلاقية التي تم َغرسها في النفوس جيلا بعد جيلا...

المنطق يقول: إن من الأنسب له أن يظل حيث هو، وأن ما حصل لأمه، ويحصل للناس منذ اكثر من شهر، قضية باغتت الجميع، نحس لا يمكن تفسيره، طال عامة الناس من دون تحيز، ومن ثم لا يمكن رمى اللوم على احد بعينه...

ثم هبّ انه تمكن من الوصول وإلقاء النظرة الدامعة، من وراء الزجاج، على وجه العزيزة الراحلة، من سيضمن له العودة سالما؟

ومن جانب آخر، انه إن لم يلب النداء، يعني سيعيش ما تبقى من حياته، يحتقر نفسه، يشعر بالإثم، وأن هذه الأحاسيس الرهيبة يمكن أن تداهمه كل يوم، و تتكرر كل ساعة!

تلمّس ناصيته المنداة بعرق الحمى، بصعوبة جرجر جسده نحو الشباك وتطلع إلى الخارج: نديف الثلج يهمي من دون انقطاع، وطيور مثل خٍرق مبتلة جاثمة على السياجات، ومصباح ينزفُ ضوءَه، يمكن أن يخمد في أية لحظة.

***

* المصيدة

جاءوا بها إلى المشفى بحالة بائسة، منعوا زوجها وأبناءها المحمرة عيونهم من مرافقتها...

ربطوها من أكثر من مكان من جسدها المتضعضع على، الأجهزة التي رفع وميضها وتكتكتها نسبة الخوف لديها، وضاعفتها اكثر رائحة الردهة المشبعة بالمعقمات الصادمة، ثم تركوها تحت رحمة الأجهزة...

أمضت ليلتها الأولى صابرة تتلو ما تحفظه من آيات قرآنية على أمل أن يفوا بوعدهم (ما أن تتحسن حالتها حتى تعود إلى البيت لتكملة العلاج هناك) هذا ما سمعته وهي تعاني صعوبة في التنفس..

في الليلة الثانية تنبهت إلى الممرضات المنهكات وهن يحررن المريضات الهامدات من حولها من أسلاك الأجهزة، يغطينَ وجوههن بالشراشف المبقعة بالسوائل ويسرعن بهن على النقالات إلى الخارج...

رهاب الموت والوسواس يشتد، وبالمقابل تزداد رغبتها بالعودة إلى أسرتها، وانها متعجلة إلى رائحة المطبخ وحيوية نشر الغسيل على سطح الدار، والرد على الهاتف فيما "فائزة" تغني لها في التلفاز "مال علىّ مال" وما إلى ذلك من مباهج الحياة البسيطة، ثم لتمت بين ذويها فذلك امر مقدر على الجميع..

جاهدت أن تفصح عن رغبتها تلك، لكن من لديه الوقت والمزاج ليستمع إلى توسلاتها، إذ الجميع ببدلاتهم المسرفة بالغرابة، المثيرة للفزع يعملون من دون أن يسمع لهم صوت؟..

فكرت أن تهرب، لكن كيف ومتى، وهي التي تكاد لا تعرف أزقة حيهم جيدا على قلتها...

لا تدري لماذا يلح عليها منظر الفأر في المصيدة التي نصبها زوجها ذات مرة، الفأر يدور حول نفسه مذعورا، فيما الجميع بمن فيهم هي يضحكون بشماتة؟

تشعر أنها جائعة منذ مدة طويلة، تحاول أن تتذكر مخزونها من الأطعمة في البراد.. تسمع نداءات الباعة الجوالة تردد: طماطة، بامياء، بطيخ، عويل سيارات الإسعاف في ازدياد، هي وحيدة ومهجورة، نفسها يثقل.. تسمع حركة من حولها.. نفسها، يثق... ي.. ث...

***

* شيخوخة

شاخت المدينة الثرية، فقدت ذاكرتها وغادرها الزمن، عادت مثلما كانت قبل أكثر من ألف عام، عادت قرية مزرية من جديد، سماؤها معفرة بدخان البنادق وحرائق النفايات ،ماؤها وشل، وبطائحها ملاعب للأشباح...

طريحة تنزف وتتنفس في صعوبة، فقد نالت منها السهام، أصابتها بالكساح وفقر الدم وتكلس الضمير دفعة واحدة...

احتلبها الجميع وتركوها جلد على عظم، يجوس خطمها في التراب الأشواك....

من مدينة العلم والمعرفة، إلى أسوء مكان للعيش في العالم..

مليون طالبة وطالب، ومثلهم من الموظفين والباعة الجوالة والمتسولين، بدو وقرويين وبقية أفندية، مرزومون في وسائط نقل تحتشد في الشوارع والطرق الفرعية، ولان إشارات المرور معطلة- الأعذار نفسها، جاهزة وملبلبة - تخيل ماذا يحصل إذ كلها تريد أن تسير في وقت واحد؟ لذا فازت بالكأس المعلى، الحمير والخيل التي تنقل الناس والبضائع بانسيابية وأريحية، وفوق هذا تضفي على المشهد مزيدا من السرور، إذ هي تقهقه من دون توقف، نعم. الخيول والحمير تتقدم ضاحكة في شماتة صريحة من السيارات العاطلة والمعطلة بفعل الزحام والحر وسوء التنظيم...

هذه الملايين الخمسة - هناك من يزعم أنها ثمانية - يسكنون البقعة ذاتها، يتشابهون في أسمائهم وسحناتهم تشابه بيوتهم وأزقتهم وأشجارهم الذاوية، لا يختلفون سوى في الأزياء، واحيانا في تلفظ بعض حروف اللغة المشتركة، ماعدا ذلك فهم في جلد واحد، الجلد هنا: مجموعة الغرائز والعواطف والمشاعر وربما السلوك أيضا...

سواسية في الأساسيات فمثلا، تغادر فتياتهم المدارس في سن مبكرة من أجل الزواج، ويترك الفتيان قاعات الدرس، و مختبرات البحوث للالتحاق بثكنات العساكر..

وبغض النظر عن تقلبات المناخ المفاجئة، و الضغوطات والمصائب الجمة من عسر ومشقة وسوء طوالع، يمكن أن ترى جموعهم مع صررهم في كل مكان، ينكتون ويضحكون ويتبادلون أرقام هواتفهم...

لكن، آه، إذ هذه العفوية المباشرة وسرعة البديهية الدافئة التي يتآلفون بها، يمكن أن يتمزق نسيجها، حين ينسل خلسة بينهم ثعلب – ما أكثر الثعالب يا إلهي - يزرع لغما تحت أقدامهم، ويذهب ليعوي في الفضائيات...

***

بقلم: عدنان عبّاس

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5076 المصادف: 2020-07-29 13:04:33