 قراءات نقدية

رؤية نقدية لرواية مصحف احمر

سحر النحاسللأديب اليمني الغربى عمران بعنوان: معمارية المكان في الخطاب الروائي واستقراء العلاقة التأثرية بين الشخصيات والأمكنة

أن الممارسة الأدبية لكل ما هو واقعي حقيقي تُبين أهمية الترابط من بين هذا الواقع والشمولية ويقصد بالشمولية أن يستوعب الكاتب جميع جوانبه، وأن يقوم ببحث جميع ترابطاته وتوسطاته، وأهمية السيطرة عليه.وعمق الصياغة الأدبية، وسعة نفاذ الكاتب الواقعي تتعلق تعلقًا كبيرًا بمدى الوضوح، الذي يمتلكه، حيث أن سطح الواقع الاجتماعي كما يرى باوخ يتكشف عن تفككات تنعكس على مجتمعه كالمرآه وفقًا لمستو وعى الناس

لذا فإن الروايات التى تتسم بالواقعية تعد نوعاً يمكن تسميته بأنه تاريخ ما لا يذكره التاريخ، إنها تاريخ الأشخاص فى فرديتهم، تاريخ الوعى الأخلاقى والاستجابات الفردية تجاه التحولات الاجتماعية والانسانية العامة. ومن ثم فإن العلاقة بين الانسان والتاريخ هى التى يمكن أن تمثل مفاتيح فهم الرواية. ومدى فاعلية التاريخ الحقيقية وغير المرئية من خلال تبديه على نفوس الأفراد وجوانب حياتهم الداخلية والخارجية، وصراعاتهم بشأن تحديد مصائرهم فى خضم تحولاته اجتماعيا وسياسيا وعقائديا وبالتبعية أخلاقيا وسلوكيا

خاصة عندما يؤكد فريدريك إنجلز أنه قد تعلم من روايات "بلزاك"، اكثر مما تعلم ..من جميع كتب المؤرخين والاقتصاديين المهنيين جميعا،

حملت رواية مصحف احمر على عاتقها اقتحام عبابَ يمٍ متلاطمة أمواجه عصي على الفهم: واقع يقوم على صراع نوعي وكمي مختلف عن كل تجليات الصراع المعهودة التي نظر لها الفلاسفة والمفكرين كصراع الأجيال والصراع الطبقي وصراع الأديان والحضارات… إذ وجد الكاتب نفسه في لج مرايا متقابلة وصراع وقف أمامه مشدوها لا يعرف فيه الصديق من العدو، ولا يعرف من يصارع من؟ وكل ما يراه أشلاء الموتى في كل زاوية دون أن يدرك من يقتل من؟ ولأية أهداف يتقاتل العرب؟ ولماذا غدت بلاد العرب والمسلمين على كف عفريت وبؤرة صراع في وقت تنعم باقي بلدان المعمور بالسلم والطمأنينة؟

كان لكل شخصية بالرواية قضيتها الذاتية تبحث لها عن مخرج في واقع متشرذم فاسد يعمه الدمار والعنف حتى لكأنَّ روايتنا أضحت حسب تعبير جورج لوكاتش (تاريخ بحث منحط عن قيم أصيلة في عالم منحط)، لذلك تميزت أفعال معظم أبطال تلك الرواية العربية المعاصرة بطابع (التشيطن) فتنوع الأبطال بين المحتال، المتملق، المجنون،المجرم الوصولي والأناني والمتطرف في كل شيء (في شرب الخمر، في الجنس، في تعاطي الدعارة، وفي الدين…) وغيرها من الشخصيات التي لا تعير اهتماما للقيم في مجتمعات عربية تتجه نحو الفردانية والامتثال لقوانين اللبيرالية المتوحشة بشكل يستحيل معه أن نفصل بين ما ينسجه خيال الروائى وما يدور تحت أقدامنا على الأرض. ودون القول بالانعكاس الآلي الميكانيكي بين العالمين، ولكن على الأقل عكس إحساس المبدع بالعجز أمام التحديات الكبرى التي فرضت نفسها على واقعنا المعاصر، حتى وإن لم تكن بشكل واقعي صرف فعلى الأقل في إطار ما سماه لوكاتش (الواقعية الكاذبة للرواية).

السرد الروائى جاء على كل شكل رسائل تبعث بيها الام سمبرية الى ابنها حنظلة كمشاعر وداع أو كنوع من الاعترافات الذاتية او التخلص من عبأ الاسرار التى اثقلت كاهلها تحكى عن الاب الغائب الذى لم يراه منذ مولده والجد العطوى والقبيلة وحصن عرفطة وشيخهم الكبير الذى اتى من عقود زائرا لارضهم ومكث 7 ايام كضيف ثم ما لبث ان طلب الاقامة خارج الحصن وكون امبراطورياته بأمواله وحاشيتة ومواشية ثم استغلال نفوذة فى حكم الحصن والتحكم فى مصائرهم بعد ان استولى على اراضيهم بالحيلة والجهل للمزارعين البسطاء وفرض سطوته بالحديد والنار على كل من يخالفه بالسجن والتنكيل والتهديد

معمارية المكان في الخطاب الروائي واستقراء العلاقة التأثرية بين الشخصيات والأمكنة

، أصطلح عليه النقاد بـ( الفضاء) – أو المكان، ويؤلف المكان إطارا ً محتويا ً ومتفاعلا ً مع بقية العناصر البنائية الأخرى، ويقوم المكان بأداء وظائف عدة في النصوص السردية، لعل أبرزها في نظر النقاد هي قابليته لاستيعاب الزمن مكثفا ً فيه (1)، فوظيفة المكان تتمثل (في احتواء الزمن مكثفا ً في مقصوراته المغلقة التي لا حصر لها فللمكان الروائي أهمية كبيرة لا تقل كثيرا ً عن أهمية الزمان، وإذا كانت الرواية في المقام الأول فنا ً زمانيا ً يضاهي الموسيقى في بعض تكويناته، ويخضع لمقاييس مثل الإيقاع ودرجة السرعة، فإنها من جانب آخر تشبه الفنون التشكيلية من رسم ونحت في تشكيلها للمكان ونظرا ً لارتباط المكان بتقنية الوصف الزمانية، فإنه يمكن أن يجيء المكان عنصرا ً تابعا ً للزمان الروائي، على أن ذلك لا يقلل من اهميته في شيء، خاصة إذا ما توطدت العلاقة بينهما إلى الحد الذي يستحيل فيه دراسة المكان بمعزل عن تضمين الزمان، كما يستحيل دراسة الزمان في أي عمل سردي دون أن ينشأ عن ذلك مفهوم المكان في أي مظهر من مظاهره، وهو ما يُطـلق عليه بـ( الزمكاني الروائي) الذي يعني على حد تعبير باختين (العلاقة المتبادلة الجوهرية بين الزمان والمكان المستوعبة في الأدب استيعابا ً فنيا ً إسم Chronotope

ففي وصف المكان الروائي يبرز ما يسمى بـ(الفضاء) الذي يعني في مفهومه الفني، مجموع الأمكنة التي تظهر على امتداد بنية الرواية، مكونة بذلك فضائها الواسع الشامل

أن الاتجاه النقدي الحديث أدخل الاهتمام بالمكان في ضمن أبرز التحولات التي حدثت في الرواية الجديدة، فظهرت تصنيفات عدة للمكان منها الأليف والمعادي، والمغلق والمفتوح، والواقعي والخيالي، والعتبة والواصل، وكل هذه الثنائيات الجدلية تتحدد على وفق ما يتركه المكان من انطباع في نفس الشخصية فأن فالتجربة المكانية هي التي تحدد المكان وأبعاده . وقد أكد باشلار أن للوضع الجسدي للرؤية دوره في استيعاب واحتواء المكان

2- فالتجربة المكانية هي التي تحدد المكان وأبعاده . وقد أكد باشلار، في دراسته للمكان، على استكناه جميع الظواهر الحسية والشعورية والنفسية، حيث حاول تحديد الأسباب التي تدفعنا للالتصاق بمكان ٍ ما وألفته، ومعرفة الاحساسات التي تحدو بنا لكره مكان ٍ ما ومقته، بوساطة استحضار ذكرياتنا وخبراتنا الشعورية ونوعية التجارب التي مررنا بها في هذا المكان بعينه، حيث تبرز مشاعر الخوف والأمن والطمأنينة والاحساسات

الفضاء المكانى الاليف كالبيت تقول سمبريه لابنها : تودع تضايس غرفة جدك رشاش كلانشنكوف مساند صندوق خشبى المصحف الاحمر

اتخيلك تهرب الى غرفتك الشمالية تستنطق زواياها تتكى على القمرية تحتضن باقة من اغصان القات بين ذراعيك صوت جدك يملاء المكان

نفس المكان اصبح للبطل عتبة مكانا معاديا تنتظرنى رشاشاتهم وبنادقهم

المكان المغلق والمفتوح فالقرية مكان مفتوح، تتحرك فيه الشخصيات وتتعامل بأساليب وأشكال مختلفة، وهي تشتمل على مجموعة من البيوت المغلقة، والحقول والبساتين المفتوحة تنوعت الاماكم المغلقة ما بين البيت الفندق المطار السجن سيارة الاجرة الطائرة المفتوح كالسهول والوديان الشارع الطرق بين المدن

عندما ذهبا الى فندق للمبيت استعادت ذكريات الوادى والبراح وطبيعة المكان تقول

أستعيد فتاى القديم استحضر اللحظات القديمة تحت عراش الكروم فى كهوف قريتنا مساقط الشلالات

الفضاء المكانى المعادى

فيأتي في الطرف النقيض للمكان الأليف، فثمة أمكنة لا يشعر الإنسان بألفة ما نحوها، بل يشعر نحوها بالعداء والكراهية، وهي أماكن قد يقيم فيها الإنسان تحت ظرف إجباري، كالمنافي والسجون والمعتقلات والأماكن الخالية من البشر وأماكن الغربة تحتوي كل رواية على مسرح تقع فيه الأحداث وتتصارع في ميدانه الواسع الأفكار والشخصيات

تمثل الاماكن المعادية للبطل عتبة فى السجن والجبل حتى حصنه وقريته اصبحت تمثل تهديدا لحياته وامكنه غير امنه فالحرية التي كان يتمتع بها لم تعد متاحة لـه في السجن، والأشياء التي كانت مألوفة وحميمة عنده ليست أمامه . ولذلك تولد لديه شعور عدائي نحو هذا المكان الذي فرض عليه بشكل إجباري .

المكان لواقعى والخيال : يصف الكاتب الغربى عمران فى روايته مصحف احمر توصيفا واقعيا على لسان البطلة الأم سمبريه : (وصلنا الشارع الامامى للمطار واجهات معدنية مواقف السيارات تشبه بئر عميق حركة رتية ازيز زوايا معتمة لامح مختلفة ضجيج جنود الوان وروائح جديدة ابحثعن مقعد لخفقان قلبى فى وجوه الحاضرين)

ثم يلى ذات توصيف للمكان المتخيل أو حلمه فى ذهن زوجها عتبة يقول

عتبة: حيث اطلق حديثة على المسافرين انا مناضل كبير لم اتخل خوفا او جبنا بل كنت احاول ان ارسم حلمى حلم اليمن الواحد الموحد بالحرية والعادلة وزوجتى سمبريه تعلم أنا مناضل مخلص لوطنى لكننى الان لا ازل مطاردا مهداا بالقتل فى اى لحظة

الخاتمة

فى حين رأى البعض في كل ذلك عينا سوداوية ينظر بها كتاب الرواية إلى الواقع العربي، فنحن نرى أن ذلك تعبيرا عن تعدد المرجعيات، وتنوع زوايا النظر للواقع مما جعل من الرواية أطارا لكل المتناقضات قادرا على تمثيل مختلف الحساسيات والمرجعيات الثقافية وإعادة تشكيلها في قالب فني ولعل ذلك ما عجزت عنه عدة فنون أخرى، حتى ليمكن القول إن الرواية تمكنت من أن تقول (ما لا يمكن أن تقوله إلا الرواية) وكأننا بالرواية المعاصرة وظيفتها أن تكشف بطرقها الخاصة ما لا يمكن أن تقوله إلا الرواية حسب عبارة هرمان روخ) ففي الرواية فقط يمكن بناء مجتمع للمؤلف فيه الحق في السخرية من غطرسة الساسة الحاكمين، وعناد رجال الدين المتزمتين، وسذاجة البسطاء المغلوبين على أمرهم على قدم المساواة

 

سحر النحاس - كاتبة من مصر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5080 المصادف: 2020-08-02 01:34:56