 قراءات نقدية

الأيديولوجيا أو إعادة توزيع المسكوت عنه في القصة القصيرة جدا

حيدر الاديبمقاربات سيمائية في الحدث والشخصية في نماذج القاص العراقي عبد الله الميالي

تتجه مجموعة القاص العراقي عبد الله الميالي " رصاص القلم "  اتجاها أيديولوجيا في إعادة بث وتوزيع مناطق الفراغ الدلالي واللامصرح عنه والمسكوت عنه بل أنه يستخدم فلسفة إعادة توزيع المناطق الصامتة ومن هذا المسكوت عبر أيديولوجيا إبداعية من صميم حركية الأدب لا انه يجعل الأدب قالبا يمرر منه جواهز المقولات والمعتقدات والمواقف التي تنتجها الأيديولوجيا رغم ان هناك نظريات تشبتك بصورة عنيفة ومريرة وصعبة فهناك من يرى ان كل نص هو أيديولوجي بطبعه ومنهم من يرى ان للنص ثمة ارتباط بالأيديولوجيا لا انه أيديولوجي بحت ويتمثل هذا الارتباط بما لا يقال لا الذي يقال

يقول عبد الجليل الأزدي (إن العمل الأدبي لا يرتبط بالإيديولوجية عن طريق ما يقوله، بل عبر ما لا يقوله. فنحن لا نشعر بوجود الإيديولوجية في النص إلا من خلال جوانبه الصامتة الدالة، أي نشعر بها في فجوات النص وأبعاده الغائبة. هذه الجوانب الصامتة هي التي يجب أن يتوقف عندها الناقد ليجعلها تتكلم. فالنص قد يحرم -إيديولوجيا- من قول أشياء معينة، ويجد المؤلف نفسه مضطرا للكشف عن حدود الإيديولوجيا التي يكتب منها، مضطرا للكشف عن ثغراتها وصوامتها، أي الكشف عما هو غير قابل لأن يقال، وما دام النص يحتوي هذه الثغرات والصوامت فإنه يظل غير متكامل. وبدل أن يكشف عن وحدة شاملة متجانسة، فإنه يكشف عن صراع المعاني وتضاربها داخله. ولذلك تكمن دلالة العمل في الخلاف بين معانيه، أكثر مما تكمن في الوحدة بين هذه المعاني.

ان عبد الله الميالي يتلاعب بمواقع مركزيات القيم فالشخصية عنده منظم يتحكم بمناسيب المتخيل والواقعي والمفارقة هي الحدث عنده باعتبارها علامة فارقة في الزمن المتصل بغية خلخلة الصامت والمسكوت عنه

والحدث بتعبير سعيد بنكراد هو وقوع شرخ داخل المتصل الزمني والمتصل الفضائي. فإنتاج نص ما هو في واقع الأمر تكسير للمتصل من أجل تسريب اللامتصل.

ومن هنا فالقصة القصيرة جدا عند عبد الله الميالي في بعض نماذجها نشاط علاماتي يعيد توزيع المسكوت عنه والصامت في عوالم ممكنة من انتاج ايديولوجيات او تحريك ايديولوجيات موجبة لمقولة الخير والجمال والسلام والتحريض ضد الشر فكل مسكوت عنه في السرد هو أيديولوجيا كامنة وتكون المفارقة هي الحدث الحقيقي لا مجموعة أفعال السرد فهذه الأفعال ليست حدثا انها منتج يومي عادي او متخيل يحاول التنبه الى عاهة اليومي

وما يجعل من الحدث حدثا هو انما الوقع الدلالي الصادم وهو يتحرك وفق نسقه الثقافي ويلاحظ لوتمان أن (الحدث داخل النص هو تنقل الشخصية عبر حدود الحقل الدلالي) ولنا ان نتسائل ما هو المعيار الذي يصنفه الى حدث وغير حدث

يجيب على ذلك بقوله (إلا أن هذا الحدث نفسه لا يدرك كـ "حدث" أو " لاحدث "، إلا عندما يوضع داخل إطار ثقافة تحدد وضعه وسمكه).

وهذا يعني ان الشخصيات التي يتعامل معها الميالي في مجموعته القصصية (رصاص القلم) هي مداليل ثقافية ولما كانت مداليل ثقافية فأنها تنمو في دوائر المتلقي لا في بنية التشكيل اللغوي كي نقول ان قصر القصة القصيرة جدا يمانع من نمو الشخصية ولا يسمح بتناول ابعادها المتنوعة نتيجة القصر في الشكل ونتيجة نوعية الجنس القائم على الالتقاط والايحاء والتكثيف هذا انما يصح في أنماط الشخصيات الأخرى لكن القصة القصيرة جدا تتعامل على الاغلب الأشد مع الشخصية ذات نمط مغاير (باعتبارها مورفيما فارغا، أي بياضا دلاليا وهي بذلك لا تحيل الا على نفسها وهو ما يعني انها ليست معطى قبليا وكليا وجاهزا، انها تحتاج الى بناء، بناء يقوم به النص لحظة " التوليد  وتقوم به الذات المستهلكة للنص لحظة " التأويل " ويتجلى هذا المورفيم الفارغ من خلال دال لا متواصل يحيل على مدلول لا متواصل كذلك، فكما ان المعنى ليس معطى في بداية النص ولا في نهايته وانما يتم الإمساك به من خلال النص كله كما يقول رولان بارث، فان ملامح الشخصية لا تكتمل (لا تتلقى دلالاتها النهائية) الا مع عمليات التلقي (القراءة) ونهاية " مختلف التحولات التي كانت سندا لها وفاعلا فيها ".

وهذا يقرب من المنتخبات الإلهية المعروضة في الذكر الحكيم حيث يتم التقاط شرائط ونتائج الواقعة ومفارقاتها التي مارست فيها الشخصية سلوكا ما بمعادل لغوي يؤسس عند قراءته أنماط وسنن ادراكه بمعنى انه يمارس تسنين الومض لفتح الدلالة بحيث تنمو الشخصية في متسع التدليل لا متسع التشكيل اللغوي للاية فمثلا

1- مثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث 

2- مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ذهب الله ما حولهم

3- فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا

4- فتقبلها ربها بقبول حسن وانبتها نباتا حسنا

وغير ذلك كثير من روائع الاستعمال الإلهي فهو لا يعتني بابعاد الشخصية انما ببعدها الثقافي معتبرا أيها دال ثقافي ينمو ويتعدد في المصداق عبر الأجيال

يرى سعيد بنكراد ان الشخصية ليس كدال لغوي وحسب، بل وباعتبارها مدلولا ثقافيًا أيضاً، وبؤرة جذب لكل القيم الثقافية

المنتشرة في ثنايا النص السردي. ذلك أنه من المتعذر إدراك الزمن أو الفضاء، على سبيل المثال، دون التركيز على الشخصية كُبعد ثقافي تتحرك في الفضاء وتجوب الزمن وتنشئ عوالمها الممكنة...

بعد هذه المقدمة لنتأمل النص التالي من مجموعته الانفة الذكر

(1) قلم

كتبَ مقالاً عن حُرية التّعبير، داهمهُ جُندُ الحاكم،

اعتقلوا خلاياه التي حرّضت على الشغب، أطلقوا

 سَراحهُ صارَ يطوفُ الشوارع يحرّض الناس على

الصمت!

هذا النص يعيد  انتاج المسكوت عنه عبر علامات سيمائية تتجه العلامة ظاهريا الى المعجم والمرجع ويحرض المتن بسخرية مريرة الى التدليل المعارض لتجر شخصيات المسكوت عنه الى الظهور عبر تحريض العلامات داخل المتن السردي فالقلم الماتح من نون التاريخ وما يسطرون به الان محاصر بمهيمنات نفسية واجتماعية وسياسية والنسق المضمر هو الاعتقال كظاهرة استعلائية (ان فرعون علا في الأرض) فرعون الظاهرة وقلم الظاهرة القلم الشاهد على عصره  اما يخضع لجند لا يراهم الا القلم كاحياء مجهرية في مزاج محبرته كالمثقفين والكتاب التكفيريين الذين يحرضون على الصمت إزاء الكلام الواعي او هم دعاة حق انقلبوا وانسلخوا بفعل الاعتقال الناعم لأنفسهم باتباع مشتهيات الهوى فهؤلاء يكتبون الكتاب الحياتي والحضاري والمشهد الإنساني بايديهم وايديهم هنا هي الخلايا المعتقلة رهبا ورغبا 

نلاحظ ان أفعال النص قامت مقام الوصف والوصف لا يتقوم الا بنمو وامتداد الشخصية فنحن هنا امام ست حالات نفسية وحركية  وفكرية واجتماعية استعرضها النص باريحية تامة (كتبَ مقالاً عن حُرية التّعبير/ داهمه جند الحاكم / اعتقلوا خلاياه/ أطلقوا سراحه / صار يطوف / يحرض الناس) هذا يعني قدرة القصة القصيرة جدا على الوصف بنفس تقنية التكثيف المانعة للوصف فمن قال ان الوصف هو الاسترسال الكمي فيمكن ان يكون أستقطاب كيفي (عبس وتولى / فحشر فنادى / انه فكر وقدر / ثم نظر ثم عبس وبسر ثم ادبر واستكبر) هذه أفعال تقوم مقام الوصف عبر التكثيف

يخبر النص عن جذر الواقعة اللغوية كتبَ مقالاً عن حُرية التّعبير ثم ينتقل السارد الى وضع الرائي كي تكون نظرته بتعبير فيليب هامون المكون الرئيس في المشروع الوصفي فالنظرة تضعنا هنا امام (داهمه / اعتقلوا / أطلقوا سراحه / صار يطوف / يحرض الناس)

السارد هنا هو عبارة عن (نظرة) وهي بتصور هامون كما يقدمها سعيد بنكراد بترجمته انها ثيمة مركزية انها تقديمية فمن خلالها تتم بلورة موضوعات مدرجة في النص ستوضع امام شخصية او امام قارئ محتمل من خلال اجزاءها ومظاهرها وحجمها وامتدادها وعلاقتها مع موضوعات أخرى

ان الأفعال الواصفة هنا تمكن السرد من تقطيع زمنيته وتشكل حضور الشخصية في واجهات متعددة

وبهذا نزعم ان نمو الشخصية ممكن في رؤى التحليل السيمائي غاية الامر ان الحذف والتكثيف والاختزال يمارس نشاطا لغويا لكنها أي الشخصية تمارس نموها خلف الكواليس او انها فعلا تمارسه كونها دال ثقافي فسعيد بنكراد يؤكد قائلا

وإذا كنا قد لاحظنا أن أصل بناء الشخصية هو وجود بنية دلالية مجردة ذات طابع كوني، فإن وضع هذه البنية داخل شكل خاص معناه استحضار النص الثقافي العام الذي ينتج داخله النص السردي.

ونتيجة لذلك فإن بناء الشخصية ومثولها أمام المتلقي ككيان متكامل هو بناء ثقافي. فالمتلقي لا يستطيع إدراك هذه الشخصية ومعرفـة أسرارهـا إلا من خلال المخزون الثقافي المشترك بين محفل الإبداع ومحفل التلقي. "فالشخصية الفنية تبنى لا كتحقيق لترسيمة ثقافية محددة فحسب، بل تبنى أيضا كنسق من الانزياحات الدلالية تجاه هذه الترسيمة، ووجود هذه الانزياحات هو الخالق للوصفات الخاصة.

ولفهم الأيديولوجيا التي يتبناها عبد الله الميالي في هذا النص وفي نصوص أخرى ضمن مجموعته رصاص القلم يمكن القول

ان المبدع يخلق اشكالا جديدة لتحقق القيم من خلال إعادة توزيع المسكوت عنه والحامل لتلك القيم وفق (الاستراتيجية التي تمليها الانساق التي يستند اليها في تحقيق هذه القيم ويجب النظر لهذه الاستراتيجية باعتبارها طريقة خاصة في تنظيم المعنى وتنظيم المعنى في طبقات هو ما يحدد أيديولوجية المعنى)

في مجموعة رصاص القلم نرى ان القصص هي اشكالا مخلقة وجديدة وليست تحديدا لمضامين وكما يقول اليزيو فيرون (ان الأيديولوجيا ليست سجلا لمضامين الإرادة والمواقف او حتى التمثيلات بل هي قواعد لتوليد المعنى أي استثمار المعنى في مواد دالة ولا يمكن تبعا لذلك تحديدها من خلال المضامين)

وبهذا فان الميالي في قصصه يتحول من القيم الى نظام تحقق القيم وما الأيديولوجيا الا الوجه المشخص لهذه القيم ولكنها قيم مجردة تتشكل في تشخيصيا في سياقات خاصة فـــي هذا الخصوص يؤكد بنكراد (ليس النص السردي مجرد تسنين لساني يحاول أن يوازي أو يماثل بين ذلك التنظيم وتمثلاته الذهنية المرتبطة به، إنه أيضا (وبالإضافة إلى ذلك) "سيرورة خطابية" تتشكل حسب أطوار ومراحل متباينة، وهذا ما يمنح للمستوى الأكسيولوجي والمستوى الإيديولوجي قيمتهما في تحقيق بعض التحديدات الخاصة بتسنين النص السردي).

 

حيدر الأديب

.........................

رصاص القلم / قصص قصيرة جدا صدرت عن الرابطة العربية للأداب والثقافة (فرع بغداد) الطبعة الأولى 2007

عبد الله الميالي / قاص وكاتب وباحث عراقي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5083 المصادف: 2020-08-05 13:01:12