 قراءات نقدية

أدمن الجرح مع لذَة الوجع.. يحيا السماوي في كتابه: ملحمة التكتك

انطوان القزيينصب للحرية عروشاُ بين الكراسي العفِنة

"الطيور لا تبني أعشاشها على شواهد القبور"، ورقصة القناديل لا تغادر ثغور الجداول قبل إشراقة الغسق.. ويحيا السماوي لا يبلّ ريق ريشة قبل أن تعصر المناديل أحداق الدموع، ولا يغافل المساءات قبل أن يطمئن الى الثريّا وهي تدغدغ الجفون وتهدهد أطفال الرافدين، ولا يسلّم السيف قبل أن يرى مروحة النخيل تطارد سكان القصور حيث "الخلافة باتت منتهية الصلاحية".

هو الشاعر الذي صاح ديك العراق على أقباس بيانه، والحانوتي الذي وزّع ماء الحياة على نفوسٍ تستمطر الرجاء، وهو السندباد العائد يشقّ قوس قزحِه ، يلوّن الجنائن التي حوّلوها إلى يباس.

يعود يحيا السماوي مع "ملحمة التكتك" على حصانه الأبيض، شراعه يرسم إشراقة الإنتظار ويراعه يزنّر خريطة وطن "ليس للبيع والإيجار في حوانيت المحاصصة".

يقولون هو شاعر، لغته القلب والعيون والنجوم، فكيف يتحدث عن لصوص وسارقين.

ويقولون هو رقيق ولمّاح، فكيف يقارب كلاماً عن الذئاب والظالمين.

ثم يقولون كيف تطلّ "الضاد" من يديه كالعنقاء سحراً وبهاءً وهو ينازل وحشة الظالمين؟!.

لا يا سادة، فيحيا السماوي كما أعرفه، ليس حبراً أو قلماً أو سرداً، بل هو ديوان وجودي، حالة إنسانية، وطنية، أوجدته حكاية العراق كي يحمل مناراتها إلى مراسي الكون، وأخصبته جنائن بابل كي يزيد عطر ورودها، ووافته شهرزاد كي يكمل مشوار ألف قصيدة وقصيدة ويعيد الى الرحلة مفاتنها،  يعيدها الى التاريخ الذي يمحوه مارقون، يدنّسون أعتاب وطنه وينشرون راياتهم العالية فوق صباحاته الرمضاء.

1778  ملحمة التكتك

يحيا السماوي في "ملحمة التكتك" وهج أولم  لدرر الكلام وسيف يومض جنون البرق وناموس جديد برسم المنافقين والفاسدين والقتلة.

من بغداد، الى الكرخ والرصافة، والسماوة والبصرة، الى كل مكان في هذا الفضاء الرحب، يقارع يحيا السماوي الفساد وهوليس سياسياً ، يحمل السيف وهو ليس قاتلاً، بل ينصب للحرية عروشاً بين الكراسي العفنة.

...وأنت أيها الشاعر، ترمم الجسور، تطيّب الخواطر، لتلفّ أعناق الزنابق برذاذك المسافر.

وأنت تعصر الحبر من شفاه البنفسج، تدمن الجرح مع لذة الوجع "لأن عذوبة نهر الثورة ولا يعكّرها رصاص القتلة ".

وأنت تغافل الكلمات الى الينابيع ومسارب الامطار، أراك "تغسل الضمائر الوسخة"، وتدخل الميادين مزهواً لانك انتصرت لشعبك، ولانك ايها الشاعر العذب تحمل فاكهة الفرح الى بيوت أنهكتها لافتات الحداد ، تأخذ بأيدي بني قومك من الكهوف الى مطارح الضوء".

يحيا السماوي، علّمتنا كيف ندفن حبّة القمح لتغدو سنبلة، علّمتنا ان نعبر حفاة فوق رصيف الصابرين كي نتوجه الى ساحة التحرير.

وأخيراً علّمتنا ايها الكبير، "كيف يظلّ خطو الحر ضوءاً مستقيماً مهما تعرّجت الدروب".

يحيا السماوي، لن نغادر الأسوار ولا أحد قادر ان يحرق عشبنا ، وستبقى أنت كوكباً يعانق ظلال الناس، يسامر مراياهم ، ودعني أقول فيك ما قالت النحلة في البحر: "ان البحر لا يساوي عندي قطرة من الندى.. أيها القطرة الجميلة المتأرجحة بين ضفاف الفرات ودجلة".

 

بقلم رئيس تحرير "التلغراف" الأسترالية أنطوان القزي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الشاعر / الناقد / والإعلامي الكبير أ . أنطوان القزي : تحاياي المشفوعة بجدول نبض من نهر قلبي .
أقول وأنا بكامل دهشتي وثمَلي وانتشائي : مقالك / نصّك قصيدة إبداعية ، حجم الشعرية فيها أكبر من حجمها في قصائد مجموعتي ـ ولا عجب بالنسبة لشاعر وناقد مثلك سيدي .
شكرا لك بحجم شعريتك وشاعريتك ، ومحبة بحجم عمري .

يحيى السماوي
This comment was minimized by the moderator on the site

كما يليق العطر بأكمام الأقاح، وكما يليق قوس القزح بأسحار الربيع، تليق بك قلادة الشعر وتفخر.
حياك الله

انطوان القزي
This comment was minimized by the moderator on the site

مسامرة فاقت ما قالته النحلة للبحر فيها من أزهار الكلم و الشهّي من الثمار، ألوح لكما بالتحية يا من صغتما من الأدب شعرا و نقدا.

إحسان أبو شكَاكَ
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً للصديق إحسان أبو شكّاك على اهتمامه ورأيه ومروره النبيل

أنطوان القزي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5124 المصادف: 2020-09-15 02:50:10