 قراءات نقدية

قراءة نقدية في رواية: موت الأم للروائي حنون مجيد

عبد الرضا صالح محمداشكالية التراجيديا ومدلولات المجتمع في السرد

تحت عنونة المدلولات في المجتمعات الإنسانية وانساقها المتباينة تتضح بجلاء مواصفاتها وكيفية عيشها، وتحيلنا فيما بعد إلى الصفات والعادات والتقاليد التي تحكمها.

وحيث أن الأسرة هي الوحدة أو أصغر خلية في تكوين المجتمع، تشكل في سلوكيات عناصرها لتتوضح بذلك مميزاتها والتي تختلف من مجتمع لآخر.

وبما أن دراسة الأسرة وما يطرأ عليها من تطور بفعل تطور المجالات الأخرى فان تأثيرها يبقى ضعيفا تجاه تقاليدها وعاداتها وما يرافقها من صفات جماعية لتعطينا صورة واضحة عن هذا المجتمع أو ذاك.

وبما أننا بصدد المجتمع العراقي، نلاحظ صفة طاغية على معظم الأسر العراقية في التماسك الأسري الرصين بين عناصرها، وهذا يعني أن الفرد الذي يولد في الأسرة الواحدة يبقى أمينا على انتمائه إليها مهما كان جنسه ذكر أم انثى.

من هذه المقدمة، ونحن بصدد قراءة واعية لرواية (موت الأم) للروائي القدير(حنون مجيد) دار أمل الجديد/ سوريا ب263 صفحة من القطع المتوسط  نلاحظ:

أن الفرد في الأسرة العراقية يظل في كنف الأسرة ولا يفارقها حتى اذا تزوج وصار لديه ابناء فإنه لا يخرج من بيت أبيه حتى يضيق البيت بالأبناء والحفدة/ أما إذا لم يتزوج أو تتزوج فسيظلون تحت هذا البيت إلى آخر العمر إن لم يطرأ عليه طارئ غريب.

وهذه الظاهرة لا نجدها في المجتمعات الغربية وحتى في بعض المجتمعات العربية، فالأبناء سرعان ما يغادرون الأسرة الأم، ما إن يبلغوا السن القانوني.

1825  موت الاممن عتبات رواية (موت الأم) أي من عنونتها وصورة غلافها نرى توافقها الكبير مع متن الرواية، وحينما نتجتاز بخطواتنا عتباتها نقف أمام مشهد حزين، ألا وهو العزاء المنصوب لفقدان الأم، محور البيت ووتدها الشماخ، مما يثير بنا مشهد السردق المنصوب للعزاء وحضور المعارف والجوارين لمواسات أهلها، والحزن والألم، وما يرافق ذلك من تقاليد وعادات في اقامة العزاء وقراءة الفاتحة، وحضور شيخ للختمة بعد الوليمة الكبيرة في اليوم الثالث.

(قبل أن يحين موعد عشاء اليوم الثالث... حل عليه رجل دين، مرصع الجبهة، كث اللحية، يلقي محاضرة عامة على الحاضرين، يصبر فيها ذوي الميت، ويستعرض فضائل أهل البيت) ص 45

وحينما نعود خطوات إلى الزمن الماضي وما يرافقه من سعادة ووئام لأسرة عبدالغفور الأب وحبه بما تتصف به هذه الأسرة من حب ووئام وسعادة قبل أن يطرأ عليها طارئ يقوض كل ما شيدته تلك الأسرة:

( سمع قهقهات قصيرة خافتة تهبط من الاعلى؛ إنها قهقهات رأفت وأخته آمال؛ هبطا على ضرب الملاعق والصحون... وأكثر ما يفرحه في هذا الوقت هو التِمام عائلته والتئامها على مائدة الشاي.) ص55

ثم نمضي قدما في معايشة صفحاتها بخطوات هادئة وتتبع أحداثها والأسباب التي أدت إلى وفاة الأم، ومن هنا تبرز أمامنا اشكالية قد تكون متفشية بين الأزواج الذين يطمحون لحياة متجددة جراء ما يحرزونه من ثروة تؤهلهم لذلك.

(فتح سجل مبيعاته وجعل يدون ما استجد من بيع هذا اليوم ... سلم قائمتي المشتريات لزبونيه وتسلم ثمن بضاعة كل منهما) ص 81

ومن خلال الإمساك بطرف الخيط، نلاحظ أن موت الأم لم يكن موتا طبيعيا، وإنما هناك امور خفية شغلها عن الاهتمام بحياتها وحياة أسرتها، اسباب تمس كرامتها جراء سلوكك زوجها عبد الغفور وكرهها له بعد كل هذا العمر من التضحية والإخلاص له

....(وتدرك ادراك المرأة المخلصة أن نزوعه إلى امرأة غيرها أبلغ ما يلحق بها من حيف... ومع ذلك آثرت الصمت ولو ان في هذا ما يأكل القلب أو يدفع إلى الجنون.) ص 186

كل ذلك حصل بسبب تسلل سعاد إلى قلب الرجل، بوسائل خبيثة، اهداءاتها اليه التي تثير الريبة في قلب ليلى، مظلة نسائية في يوم شديد المطر، عطر مميز تتوغل رائحته إلى صميم ليلى.

امرأة بقدر ليلى تربت في بيت على الفضيلة والصدق والاحترام لا يمكن لها أن تعيش مع رجل تشك بأفعاله ونواياه مع غيرها بعد العشرة الطويلة، وهي الأم الصالحة التي لم ينقصها شيء في جمالها وعفتها ونسبها وهذا يتضح من حديثها لزميلاتها في المدرسة:

(لقد وهبته أعظم ما أملك؛ قلبي ووجداني، بل أني رحت أعيش على حب رسمه هو لي قبل خيالي.) ص 136

وجود المظلة النسائية في خزان ملابسه، ومحاورتها له حول وجود هذه المظلة في بيها فجر بداخلها غيرة قاتلة، افقدتها فيما بعد حياتها:

(السود للرجال، والملونات؛ الزرق، الصفر والخضر للنساء) ص 141

وتذكرها للعطر الذي كانت سعاد جارتها أرملة صديق زوجها وهي تتعطر به في لقائها معها في مرقد الشيخ، بعد هديتها لها عن طريق زوجها الذي أخفى على زوجته أنه هدية من سعاد عشيقته.

(لم يشغل ليلى من العطر الفاضح الذي تعطرت به سعاد حال التقتها تزور الشيخ، سوى أنها امرأة حزينة لم يمض سوى بضعة أعوام على وفاة زوجها) ص116

وهكذا ظل يجري للعائلة من نكد، فليلى في موعد مع منيتها، والأبناء (رأفت وآمال) صارا بين الواجبات المدرسية، ومدارات أمهما المريضة، بينما الأب غفور يرفل بحمى سعاد. جاء ذلك برسالة المدرسة للاب:

(تكررت غيابات رافت وان لا تدري برغم اشعار اول ارسلناه على عنوان بيتك، فنحن الأن نبلغك بهبوط مستوى ولدك كذلك.)ص 158

سعى الأب إلى التجديد مع خطيبته الجديدة غير مكترث لعائلته التي راحت تتقطع أوصالاً. ونلاحظ ذلك من خلال الحوار الذي دار بين اصدقائه.

(حول عدم أحقية زواج عبدالغفور، أو عدم انسانيته بتعبيرهما مرة ثانية، من امرأة أخرى على ليلى، صحيحة أو مريضة، ولو بمرتبة امرأة مثل سعاد) ص 240

من هنا نشعر بالدرس البليغ للمجيد في روايته (موت الأم)، وما تتضمنه من حكمة في وحدة البيت، ومركزية الأم في ضياع الأسرة، لمجرد غرور يقود الزوج لتجديد حياته بعد المشاركة الحقة والتضحية الصادقة،

لقد نجح الروائي في تقديم هذا المشهد الدرامي والصورة المعتمة بأسوبه الفذ وبلغة شعرية قوية، وثيمة طالما هدت عروش أسر معروفة في مجتمعاتنا العربية

 

الروائي عبدالرضا صالح محمد

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

مبارك لك صديقي السارد المبدع هذه القراءة النقدية لأحداث الرواية والبحث في تشكيلات مفاصلها وفروعها في الواقع العراقي ...دمت مضيئا مثابر ا وكل التوفيق للأستاذ الروائي حنون مجيد هذا السفر الاجتماعي الواثب.

د. جبّأر ماجد البهادلي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك دكتور جبار ناقدنا الفذ وتحية كبيرة لكلماتك الطيبة . تحياتي وتقديري واعتزازي

عبدالرضل صالخ محمد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5136 المصادف: 2020-09-27 03:45:56