 قراءات نقدية

حين يرتعش القلم أسىً

عبد السادة البصريقراءة في قصيدة (تأشيرة شِعر إلى جنّة رابعة) للشاعرة ذكرى لعيبي

هل يرتعش القلم أسىً؟!

هل تنزف الروح صبابةً؟!

هل نقف عند ذكرياتنا نمطرها بوابل من التصدّعات؟

تساؤلات تأخذك وأنت تقرأ هذا النص الطافح بالمرارة والدمع!!

ما أن تقف عيناك على حروف العنوان حتى تأخذك سرحة تأمل طويلة، بين الشعر والجنة ورابعة العدوية، تلك المرأة التي ذابت في العشق الإلهي، وحلّقت في سماوات التجلي، حاملة كل مرارات الأسى والحزن لتفرش الروح رياحين حبٍ أزلي أمام معبود منحته كل شيء!!

ولأن الشاعرة حملت أساها ومرارتها، وجاءت ألينا بتأشيرة دخول إلى ما تريده من تصوّف رابعة في العشق هذا ..جنة المتيمين المعجونين بمرارته وحلاوته حدّ الضياع!!

(قلمي طافحٌ بالحكايات)

هنا تؤكد على أولى الخطوات في دخولها، وهي الحكايات التي لملمتها وعجنتها بروحها فطفحت بها الأقلام والكراريس، لكنها لا تستطيع البوح بها:

(لكن فمي لن يعينني على التصريح)

وكأنها تقول لا استطيع الكلام عنك أيها المعشوق الذي اخرس لساني وسدّ شفتي بما كبّلني به من حب وعهود قطعها لي ذات يوم:

(إني تعويذتك التي سقطت من جيب السماء

  فاحتفظت بي في جيب عمرك

وما قالته ساعتها:

(انك وريقة سقطت من شجرة الله)

إلاّ أن هذه العهود، وكلمات الوله والهيام قد ذهبت أدراج الرياح، وطوّحها في مهبّ خيانته وغدره بها، من خلال التفريط بأسمى حب وثقة منحتهما إيّاه، والركض وراء بهرجة سراب سيتلاشى ذات نهار، حيث جلست تعدد له كل ما منحته من راحة واطمئنان وشوق ولهفة وهيام، وكيف كان يخدعها وهي تعلم ذلك بغريزة الأنثى التي تشتمّ رائحة الخيانة عن بعد ــ هنا نقطة ضعف تحسب عليها، كونها لم تواجهه بالحقيقة، وتكشف زيف ادعاءاته، بل مضت بافتعال اللامبالاة أمام خناجر الغدر التي كان يصوّبها نحو خاصرتها، بعلاقته مع امرأة أخرى، لتظلّ تمنّي النفس بعودته بعد أن يثوب إلى رشده ويفيق على ما هو فيه من حلم كاذب ــ هنا تأخذنا الشاعرة برحلة أخرى من خلال تضمينها لبعض مقاطع من أغنية الفنان سعدي الحلي (غفا رسمك بعيني من الصبا لليوم) التي جاءت متطابقة ومكمّلة للنص الشعري، وكأنها كُتبت خصيصاً لهكذا حالات، بعد ذلك تنتصر لأنوثتها وتفتح باب العتب الشفيف ــ حتى عند معاتبتها له تظل تحمل عشقاً كبيرا ــ لتؤكد ذوبانها في العشق حد التقديس والتيه تصوّفاً، لتكتب ما يدغدغ مشاعر الكل من خلال لغة شعبية تتغلغل داخل زوايا النفس البشرية وتطرده من عالمها بأسلوب شفيف أيضاً:

(وداعة الله

  بيع كل شوكي وتكتّر

وانسه كلشي

ابداعة الدمع التطشّر)

لتعود قائلة أنها ما تزال بقوّتها وكبريائها وشموخها واقفة حيال الحقيقة بكل ما فيها:

(سأتبع الحقيقة، صوتها، وظلها، بنيها، بناتها) وأقف فارعة مثل تأشيرة شعر إلى جنة رابعة ولتؤكد أنها أقوى منه، وستنتصر في النهاية بعد أن يحمل خيباته ويمضي، لكنها تسأله وبكل ما عانته من مرارة الحيف والغدر:

(سأسألك:  بأي ذنب مسحت تواريخي؟!)

لم يكن هذا سؤالا عابرا، بل صرخة في وجه كل مَنْ يحاول إيذاء الآخرين الذين يحملون له بذرة طيبة وتسامح ومحبة!!

الشاعرة ذكرى لعيبي، تركت لقلمها حرية البوح بقوة وعمق، إذ جعلت القارئ يشعر برعشة وقشعريرة القلم، وخفقات القلب ساعة الكتابة!!

إنها الكتابة الصادقة التي امتزجت بكل آهة ودمعة وشهقة!!

في أسلوبها الجديد هذا، والذي يختلف عن قصائدها السابقة منحتنا ذكرى لعيبي تأشيرة دخول جديدة إلى عالمها الشعري من خلال تجاربها الحياتية، ننتظر منها المزيد، لأن الإبداع تجدد وتجارب مستمرة.

 

عبدالسادة البصري

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب الناقد أستاذ عبد السادة
مساكَ الله بالخيرات والعافية والمسرات..
" هل يرتعش القلم أسىً؟!" .. نعم وأكثر من الأسى ، وأكثر من العويل الذي تكتمه داخلك لكي لا تؤذي من حولك..
شكراً لقلمك الذي صافح نصوصي بهذا الجمال
احترامي واعتزازي

ذكرى لعيبي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5158 المصادف: 2020-10-19 01:33:20