 قراءات نقدية

قراءة في قصة (ساعات كالخيول) للكاتب الكبير محمد خضير

حيدر عبدالرضامؤشرات الرؤية الزمنية وتماثيل التشكيل في فواصل المحاور الزمنية

توطئة:

لا يكف المستوى الوصفي في مؤشرات المحدد الزمني، إلا أن يكون تلك الضرورة للصيرورة المحورية في المشهد القصصي العام والخاص، وذلك الباعث الأيقوني الذي من خلال علاماته تتسع وتدرج اتصالات الفاعل الذاتي في وظيفة البناء الفواصلي الناجم من تمظهرات أحوال علاقة الأمكنة إزاء نوعية ذلك الزمن أو الأزمنة المحاكاتية في موجهات عتبة النص الأولى .من هنا يمكننا التعامل مع مستهل العتبة الأولية من قصة (ساعات كالخيول)، على أنها جاءتنا بطريقة (فواصل المحاور) المتصلة في ممكنات الفعل السردي وعلاقاته، وبهذا فأن هذه الفواصل في المحاور أخذت تعرض بدورها جملة من تنقلات الشخصية المحور، في طبيعة صيغة حاضرية من الفاعل الذاتي وأفعاله إزاء عوالم حكاية ذلك البحار الساعاتي القاطن في أقصى مدينة الجنوب، وتعد مراجعات وأحداث الشخصية مع موجودات كينونة الفعل الزمني (الساعات القديمة) هي بمثابة المنظومة الاستدعائية والاسترجاعية لحكايات علاقة الزمن بالمكان ومحاور الصورة الشخوصية العائمة في قاع من الزمن وأعماق خصوصية البحر . ولعل من أهم ما جاءت به قصة الكاتب محمد خضير، ذلك الاستخدام الوصفي الخارق في رؤية مستوى وظيفة المشاهد في النص، وربطها ضمن خصيصة خاصة من تفاعلات الذات الشخوصية واهتماماتها في سياق مسرودات النص . 

ـ مكانية الفاعل السردي وتراتيب العلاقة الزمنية .

ثمة تقاطعية مشهدية خاصة، تتركز في علاقة العتبة الأولى من النص إزاء محمولات من المحاور الفاصلة في البعد الزمني والمشهدي: (قد يحدث هذا اللقاء / أصلح ساعتي / وأخرج إلى أرصفة الميناء / ثم أعود آخر الليل إلى الفندق / فأجده نائما في فراشي / يدير وجهه للحائط / ويعلق عمامته الحمراء على المشجب . / ص55) تستوقفنا هذه الأفعال التوزيعية القادمة من على لسان السارد العليم أو الشخصية المشاركة من جهة ما، حتى آخر مقاطع الختامية من القصة ذاتها، فيما تبدأ الحكاية بوقائع من الوظيفة التراتيبية بواسطة الفاعل الذاتي، ليخبرنا: (ما زلت أملك حتى اليوم مجموعة من الساعات القديمة، تلقيتها من عم لي كان بحارا . / ص55) وتعزيزا للمسافة في لغة الحكي، نعاين جملة من الأحداث الخاصة والمتحصلة عبر كيفية تقادم الفعل السردي نحو مسار من الكشف: (ساعات جيب قديمة ذات سلاسل وأغطية مطلية بالفضة، يحتويها صندوق خشبي صغير في جيوب من القماش الأزرق اللامع / كنت أخرجها من جيوبها الزرقاء وأتفحص صناعتها محاولا أن أكشف شيئا فيها يتعدى ـ الزمن المحشو كقطن قديم في حشية صغيرة ـ كما دونت في دفتر مذكراتي يوما . / ص55) وباستقرائنا لهذه الوحدات السردية، التي تهيمن عليها تفاصيل الوظيفة التواصلية إلى جانب لغة القدم أو المذكرات أو الصندوق الخشبي أو سلاسل وأغطية، وهذه المحاور المشكلة بدورها للأداة (الذات الداخلية) أو أنها الذات الباحثة في انشطارها الزمني ما بين وعي الذاكرة ومضمر الذات الغائبة بذاتها الزمنية ومنذ سابقة العتبة الأولى (قد يحدث هذا اللقاء .. أصلح ساعتي .. أرصفة الميناء .. يدير وجهه للحائط .. عمامته الحمراء على المشجب) أي بمعنى ما أن الذات في محكي النص هي بمثابة فاعلية الخطاب الزمني، حيث أن علامة فعل ملفوظها داخل حالات النص، غدا يشكل بذاته ذلك التشخيص المضمر في حكاية البحر وقصص أولئك البحارة في كهوف قصورات مراكب الإبحار الخشبية الراحلة نحو جزر الخليج العربي والهندي . ونلاحظ موقع الشخصية في مكان ما داخل المقهى: (تسكعت طويلا في سوق الدجاج قبل أن أجلس في مقهى . أقبل القهوجي وسألني عن الوقت .. سحبت الساعة بهدوء من جيبها الأزرق . كانت ساعتي عاطلة عن حساب الوقت شأن ساعات الصندوق الأخرى . / ص55) أن السارد الشخصية في هذه الوحدات، قد يتبدى منفصلا عن صوت الزمن الحاضر من حساب الوقت، إذ إن ظهور توقف (ساعتي عاطلة) يشير إلى التمسك بواقع دلالات زمن (دفتر مذكراتي .. يوما .. الزمن المحشو .. كقطن قديم .. أعود آخر الليل .. يعلق عمامته على المشجب) فهذه التشكلات الزمنية هي اللحظات السكونية في وحدات النص التي تقودنا إلى انفصال المحاور الزمنية عن بعضها البعض، فيما تبقى فاعلية المكان الشخوصي، بمثابة العلامة الفاصلة بين الماقبل والمابعد الزمني، وحتى ذلك الحوار المتواصل بين القهوجي والشخصية، إذ بات يشكل دليلا على نمو وتعطيل مؤشرات الزمن المفصول عن عينات أفعال الزمن الحاضر تماما: (ـ هل كان قريبك بحارا ؟ ـ نعم،: لم يبق من مشاهير البحارة أحياء سوى ثلاثة أو أربعة: قريبي كان يدعى مغامس، ـ مغامس ؟ لا أعرفه / هكذا البحارة ! نسيت بحارا يدعى مرزوقا ؟ .. يسكن الفاو منذ أن وطأ اليابسة آخر مرة . فتح دكانا لتصليح الساعات هناك بعد أن تعلم الصنعة من البرتغاليين . أنه وحده يستطيع تصليح ساعات قديمة كساعتك . / ص56) .

ـ الساعاتي ورؤية الملحمة الزمنية . إن ماهية الترتيب الخطي في وظيفة مسار الأحداث، قد لا يعفها من تمويه بعض الأسرار اللازمنية داخل مستوى إشكالية زمن الشخصية (الساعاتي) إزاء منظور تفاوت وانفلات وخروج وتقاطع وفواصل الخيط الزمني الحقيق لديه افتراضا . إن فكرة التركيز على حاضر وصول الشخصية الساردة إلى مكان إقامة الرجل الساعاتي، ذلك الرجل العجوز الغاطس في موانيء طقطقات وتكتكات عقارب ساعاته، راح يشكل بذاته ذلك الظهور الممتد نحو عمق ماكنة الزمن الذاكراتي . وتتداخل زمانية تطبيقات أنظمة الساعات في استجلاء ذلك المكون الحكائي من وسط حضوراته المعلقة بمادة التذكر وتحقق شواهد الأعوام الخاطفة من سيرورة تقاويم عقارب ذاكرة الرجل العجوز الساعاتي: (قادني الصبي إلى الساعاتي ووضعني أمام بيته وانصرف . فجوة لبلاطة منزوعة من مكانها في إفريز الباب العلوي تجعل هذا المخل لا ينسى يوما ما من الأعوام الاستوائية، توقف قبلي بحار مزعزع بدوار البحر، أو جندي من السيخ تكبله الشهوات، ونظر إلى البلاطة التي حفر عليها تاريخ أو عبارة، قبل أن يواصل رحلته المجهولة . / ص58) القابلية الرمزية في لغة القص، تضعنا أمام خصيصة دلالية مصدرها تعاقب محاور الشخوص الزمنية في خطوات وتخطيات حدود العتبة التناظرية الواقعة ما بين صياغة الحكاية التي علقت على شاهدة عتبة منزل العجوز الساعاتي، وقد تكون هذه الأعوام الاستوائية بمثابة البوصلة البانورامية في شريط تعدد المراحل الزمنية والعقود التي سلخها هذا الساعاتي في تواريخ وتقاويم غابرة في ملحمة الساعات العمرية والحكائية على ظهر وداخل غرف سفن البحر . من هنا تقودنا البنية الحكائية إلى خطاطة دهليزية محفوفة بعشرات أمكنة الساعات القديمة وأجسادها الفضية المفتوحة نحو تقادم وانسلاخ الزمن، ومع دخول الشخصية الساردة إلى منزل ذلك الساعاتي الكهل، تصادفنا هذه الوحدات من السرد: (كانت الساعات جميعها تتشابه في حجمها وعتق خشب صناديقها، وفي شكل موانيها المستديرة وأرقامها اللاتينية وعقاربها الدقيقة السهمية، سوى أن هذه العقارب تشير إلى أوقات مختلفة . / ص59) .

1ـ اختلاف العلاقة الزمنية وانعكاس الاستبصار الذاكراتي:

ما الذي يعنيه محمد خضير من مؤشرات هذه الوحدات (كانت الساعات تتشابه في حجمها / وعتق خشب صناديقها / سوى أن العقارب تشير إلى أوقات مختلفة ؟) ما يعنى هنا افتراضا، بأن زمن مصدر الساعات عائدا إلى مرحلة واحدة أو أكثر من عدة رحلات، ما يجعلنا نخمن تواقيت أزمنة ساعات تلك الصناديق العتيقة، والتي تحمل حسابات ووجهات البلدان التي جلبت منها، فيما ظل الزمن الحاضر على تلك التكتكات والأصوات المتحركة منها بمثابة الزمن المجهول في فعله المضارع، كرحلات ذلك البحار المجهولة في النص: (كان لابد من أن أتبع استدارة الرواق الخفيفة لأفاجأ بآخر البحارة العظام في قبوه . / ص59) وفي سياق مؤشرات مكانية ال (استدارة الرواق) تكمن حقيقة حسابات الزمن النصي، فهذه الاستدارة هي مدار العلاقة الرابطة بين الزمنين (زمن الشخصية ـ اداة الحضور / زمن الساعاتي العجوز ـ فضاء الزمن المعطل في فعل الحاضر وقد نجد تقابلا ما بين زمانين وفضائين، بين ماضي الساعاتي العجوز وساعاته، وبين الشخصية الساردة وزمن ساعته المعطلة: (تعلو رأس ساعاتي، كانت على وجه الدقة ماكنة ضخمة دقائق مصنوعة من النحاس الأصفر رفع ميناؤها وجردت من صندوقها فتجلى الزمان فيها عاريا لامعا على تروسه المسننة بتسلل آلي منتظم، من لفك الزنبرك إلى البندول المتأرجح في ذبذبة متوافقة، ومنتهيا بزحزحة العقارب مسافة معينة من رحلة الزمن . / ص59 ص60) .

2ـ مساحة إبطاء لغة الزمن .. مساحة إبطاء زمن النص:

أكيد إن عملية تتابع عمل أحشاء ماكنة الساعة، تتطلب من الكاتب محمد خضير ذلك الإبطاء في محيط أشتغالية زمن العجوز الساعاتي، وذلك الزمن الذي يتطلبه شرح العجوز نفسه واستفسارات الشخصية المشارك في النص، كما وذلك النهج الآلي في محرك أحوال الساعة العارية، والتي يمكننا عدها بمثابة المعادل الموضوعي والنصي المقارب إلى شخصية العجوز الساعاتي عبر زمنه الأسطوري وإلى جانب تكتكات كائنات خيول الساعات وخيول البحر . غير إن الحساب الزمني في النظر إلى ربط علاقة محرك الساعات بزمن العجوز قد يتطلب من القاص نفسه مقاربة خاصة وركيزة مختبرية أكثر مساحة وأبلغ مما عليه طبيعة بناء موضوعة النص ودلالاته، قد نفترض من جهة ما، من أن المبدع الكبير محمد خضير أراد حالة ربطية أو معادلة ما من شأنها قياس عمل أحشاء ماكنة الساعة بمحتوى علامة الساعاتي نفسه؟ ولكنها تبدو لنا النتيجة وقوع الإشكالية المعادلة في الطرف الثالث وهو زمن الشخصية المشاركة التي تفترض لموسومية ساعتها الاشتغال في الزمن المضارع، وإذا اتفقنا من جهة أخرى بأن هذا الشأن من حصولية الطرف الثالث على سلامة مضارع أفعال زمن ساعته، فيمكننا القبول بإحتمال أن الساعاتي ما هو إلا اتصالا حاضرا في حساب الزمن الحاضر، وليس محض نغمة ذاكراتية تستهويها عقارب وتكتكات من الحساب الماضوي المتحجر في ميناء أيقونته العمرية والزمنية . على أية حال تنعقد تساؤلات الشخصية المشاركة نحو مصير سلامة تصليح ساعته: (كان يحتفظ بساعتي في قبضة يده، قال: قد تدق عدة ساعات سوية تدق على هواها .. لم أشأ توقيت ساعاتي بوقت واحد .. كلفت أبنتي بملئها فقط . إنها تتسابق كخيول .. عندي ساعات أشتريتها من الناس الذين نهبوها من دور الموظفين الأتراك الذين أخلوها على عجل بعد سقوط البصرة .. كما حصلت على ساعات تركها اليهود المهاجرون فيما بعد . / ص60 ص61) يمكننا فهم حكاية وثيمة (الخيول) في محاور دلالات النص، على أنها أمكانية الاستعارة الزمانية، وتفاوت جهات مؤشراتها الإقليمية، كما يمكننا عد الخيول أيضا بالمسافة الذاكراتية وعدوها الزمني كعقارب الساعات في منظومة التبئير النصي، مع ذلك فإنها تلعب دورا تشكيليا خاصا في فضاء مخصوصية دلالات النص: (تتسابق كخيول ـ زمن سقوط البصرة ـ تواريخ اليهود المهاجرون ـ حامية قلعة قائد الفاو التركي) أن القارىء قد يلاحظ بأن زمن السرد في النص القصصي لا يتحرك إلى الأمام، عبر تلك المساحة المنفتحة من الفعل التبئيري في القص، بل أنه غدا ركيزة لارتدادات زمنية خاصة بتواقيت متفاوتة في حسابات الأزمنة القديمة من رحلات ذاكرة البحارة في سفن شحن الخيول والطواويس والقرود والخمور الهندية .

3 ـ التناسب بين تواقت الحكاية وواقع الاحساس بالزمن:

وهو الأمر الذي يقودنا إلى تبيان الموازاة بين حكاية العجوز الساعاتي والاحساس بارتباط الزمن المبثوث من كلام العجوز نفسه، اقترانا بالانطباعات التوقيتية الصادرة من تخالف وتفارق من مواعيد وحسابات زمن الساعات القديمة: (الخيول كان تثير ضجيجا وغبارا عندما يسحبونها من أعنتها إلى السفينة التي كانت تقف في نهاية إسكلة تمتد إليها من الضفة . كانت السفينة تهتز وينعقد فوق رؤوسنا نثار التبن فيما ينادي السواس الخيول بأسمائها طالبين منها الهدوء حتى يكملوا ربطها في مرابطها .. لم يكن الأمر سهلا، فطيلة الرحلة كانت الأمواج أو سكون البحر غير المنظور يثير فرسا من الأفراس أو يمرضها مما يستدعي أن يقضي سائسها الليل معها رقيبا أو مؤنسا . / ص64) وبالمقابل من حكايات البحر، توافينا حكايات ذلك المضيف المسقطي الذي كان يتدبر شؤون ضيافة البحارة، تخبرنا القصة على أنه (رجل جبلي من قبائل الجبال المواجهة للخليج .. ثم أنه كان ساحرا . / ص64) وفي ختام النص تكشف لنا وحدات القص إلى تسلم الشخصية المشاركة لساعته (أطبقت على الساعة راحة يدي، وأنصتنا للبحر يدوي في ساعات القبو .. القوام الرشيقة للخيول تجري في شوارع الميناء، وتخطف في زجاج الساعات الدقائق الكبيرة . الساعات تتكتك، تدق حوافر رنانة، دقات تتدافع كالأمواج . / 67) ولعل هذا الحساب الزمني هو السبب من وراء مجيء الشخصية إلى العجوز الساعاتي حتى يكشف لنا لعبة المماثلة التخييلية في مؤشرات الرؤية للزمن المتعاضد في تشكلات فواصل المحاور النصية .

تعليق القراءة:

في الواقع التقديري الشخصي، وليس النقدي، أقول أن من أهم تجارب قصص الكاتب الكبير محمد خضير، أي ما بعد مجموعته الخالدة (المملكة السوداء)، هي نصوص (في درجة 45 مئوي) فهذه التجربة للأسف لم تحض بذلك الوعي النقدي الذي يؤهلها تنظيريا وتطبيقيا، ولكن لربما نقادنا في ظلالة وغفلة من الوعي عن فحوى دلالات هذه المجموعة الساحرة، والتي هي أسمى ما كتبه المعلم السردي الكبير محمد خضير في تجربة (الحكاية البانورامية) في الأدب القصصي، وهذا الأمر بدوره ما ينسحب على دلالات قصة موضع بحثنا (ساعات كالخيول) لما يتوافر في أبعادها الصورية والدلالية والأسلوبية من أسرار الزمن باللازمن وذلك الإنتقاء الدقيق لأهم وظائف مؤشرات الرؤية الزمانية الكامنة في تشكلات فواصل الأنساق والمحاور الداخلية والخارجية من فضاء علاقات النص القصصي المكين.

 

حيدر عبد الرضا

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5192 المصادف: 2020-11-22 02:56:34