1151 جاسم العليلدى الشاعر العراقي "جاسم العلي" في مجموعته "ومض الأجنحة".

لا أستغرب أبدا حين أقرأ الكثير من المقالات عن هذه المجموعة الشعرية الأولى للشاعر العراقي "جاسم العلي" وخاصة من أسماء مهمة في المجال النقدي في الساحة العراقية والعربية ، وهم يشيدون بهذا المنجز الإبداعي الأول ، مطالبين الشاعر بالمزيد والمواصلة من آجل الإرتقاء بهذه القصيدة ، وأقصد قصيدة "الومضة" في سماء الأبداع الشعري في أيامنا هذه ، ومن هذه الأسماء كما جاء في المجموعة الناقد العراقي " اسماعيل ابراهيم عبد " والذي يقول " ببط شديد ونمو مضطرد  وبإصرار للإمساك بلحظة الشعر المنتقاة يحتفي الشاعر " جاسم العلي " بنموذجه الخاص " ومض الأجنحة " وإذ يحتفي بمعنى انه سيحتوي مسالك الشعرية للومضة الشعرية ،ص113 والقصيدة القصيرة ، والقصيدة المطولة نوعا ما .

المطرُ الذي لا يشبهُكِ

ينزلُ كالغثيان على روحي ص70

على ضوء مزاولته الفعلية واشتراكه في تكوين تجاربه في الحياة التي أراد منها على مر الأيام أن تكون مصنعا يعج بالقيم والمفاهيم الفلسفية ، وحينها كان مأخوذا بعلم جمال اللغة ، بعد أن عمل في المشهد المسرحي والشعري منذُ ُ صباه في مدينته الثورة ،والذي عمق لديه القيم والمثل في نفسه من خلال قراءاته المتصلة التي أدخلته في هذا الحقل المعرفي حتى إنه أشتغل على معرفة جميع الأداب التي أنطلقت من اليونانية واللاتينية القديمة حتى يومنا هذا .

على أي المداخل ؟

أضفنا خطونا ونسجنا

للوهم أغنية العناكب

أونشيد الأقحوان ص109

وقد حالفني الحظ أن التقيه في بغداد في زيارتي الأخيرة ، وأحصل على نسخة من ديوانه المعنون " ومض الأجنحة " الصادر من دار نشر مؤسسة ثائر العصامي ، والمجموعة من القطع المتوسط وتقع في 118 صفحة ، ولأن الشاعر قضية وموقف ترتبط مع البيئة والثقافة ، فأراد الشاعر والمسرحي " العلي " أن يرسل تلك الأشارات المعرفية عبر الدهشة والذهول لكي يحرك وعي القارىْ وتوجيهه حتى يسهم إسهاما مماثلا فيعمق الوعي ،والأدب برمته شق للحجب ومحو للطلاء حتى تتكشف الإنسانية من حقيقتها ،

المقابر ُ الخفية ُ فينا

تعبر بظلالها جسور

الأزمنة ص 35

وبدورنا وفي هذه المرحلة المهمة من حياتنا ، ان نشجع أي منجز أدبي ، وان نبحث عن مواضع الجمال والروعة فيه ،فكيف وبين يدي مجموعة شعرية تمتلك الكثير من المقومات منها قوة التصوير وفيها من الأنسجامات الصوتية التي تكون الموسيقى الشعرية الحية والخالية من الرتابة والاملال ،والشاعر " العلي " في هذه المجموعة الشعرية الأولى يعبئ الروح المعنوية منطلقا من نصوصه الشعرية المستغرقة في هذا الشجن اليومي والتأمل الذي لا ينقطع من ذهن هذا الشاعر الحالم .

على صغرها كفك

كأن أمومة

الأرض بها ص 129

و"العلي" الذي عرفته عن قرب يحاول بهذه المجموعة اكتناز معظم الدلالات ضمن إرضية ضيقة ومفردات قليلة لها وقع في النفس البشرية، والأ ما هي الأسباب التي دعت الشاعر " العلي " من أن يحمل خصوصية متفردة يسعى من خلالها الى التجريب والتفرد في صوره الشعرية القصيرة التي عمقها حسب مخزونه المعرفي وكذلك منظوره الجمالي الذي يلفت النظر في معظم قصائده " الباء ، الواو " لقاء ، انغلاق " وغيرها الكثير من القصائد .

ينهمر ُ الوجعُ المقفى

بالرصاص

فتذكر ُ تلك  الليالي والسؤال

والصور . ص 81

وكما يقال عن قصيدة الومضة ، هي  شكل من أشكال الإنزياح الذي يباغت المتلقي ويخيب أفق انتظاره، فا للا منتظر هو تلك التركيبة الأسلوبية المتميزة القائمة على مصاحبة لغوية عادية .1 حتى يبعث لك ومن خلال نصوصه الشعرية القصيرة تلك الرسائل الجمالية والمعرفية الى الأخر المتابع، وتبقى نصوصه هي طرح المعادل الموضوعي على صعيد ما يرسمه في وعيه من علاقات خارجية ، والذي يعرف الشاعر "العلي" يجده قلقا في طرح قضاياه وافكاره ، لأن الأستقرار الداخلي هو ناتج عن اضطراب الرؤية الخارجية ، لذلك ينعكس الهم الحياتي على الهم الشعري انعكاسا تراكميا ينتج عن نص ينطوي على المواجهة والتحدي ،

حين تصير الأحلام

على أرصفة ِ

الوجع

محض سراب ص60

وهذه المجموعة هي صراخات داخلية مشتعلة بفلسفة الحياة المعبأ بلون الحزن ، فيعبر عنها من خلال قدرته على التلاعب بالكلمات والمعاني ، وهومن  الذين قست عليهم الحياة كغيره من الأف الرجال ،وتقصير ملكته عن تحقيق طموحهم ، الإ إنه أحسن نسيج تصوير مفرداته الشعرية بدقة وامانة .والعارف أو الدارس يجد في الشعر التصويري والذي يستمد جماله من روعة هذا التصوير اكثر مما يستمد من موسيقاه وخاصة في القصائد الطوال في هذه المجموعة التي تتضمن 90 نصا شعريا ينقسم بين الومض القصير والمتوسط والطويل .

لا ترقد بمساحات ِ

الحلم

والأزقة ُ تتوهج ُ

بجثامين الورد

معراج ألم ص65

واخيرا نحن وهو نظل حالمين بالحان مجنحة وفي اجواء منغمة لما للحياة من طعم آخر، حتى انه ومن خلال هذه المجموعة قدم لنا اضافة مميزة للمكتبة العربية في عالم شعر الومضة التي هي اداة للتعبير عن باطن النفس .

وقود ُ الأيام ُ

على ألاعتاب

ورود

ووتر ُ الأه النازف ُ

بالروح

صرخة ُ عود

***

قاسم ماضي – ديترويت

 

1149 احمد بياضلقد أضحى في الفترة الأخيرة، الانجذاب إلى الكتابة الملتصقة بمفهوم السرد التعبيري، ملمحا إبداعيا، تزخر به الشعرية العربية في فضاءاتها المابعد حداثية، وثمة أسماء استطاعت بصم حضورها الوازن، في غمرة هذا المد الذي له مبرّراته، بكل تأكيد.

وممن أجادوا الممارسة في السرد التعبيري، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، الشاعر المغربي الدكتور أحمد بياض، الذي يبدو أنه وجد ضالته في هذا الحقل المغري، عبر مجموعته " موت كف على غسيل نجمة" الصادرة سنة 2018، عن جامعة المبدعين المغاربة، الدار البيضاء .

وتقع هذه المجموعة في ما يربو على الخمسين صفحة بقليل، 22 نصا، مغازلا بسحر هذا الانشغال داخل دهاليز البوح التعبيري، منتصرا لكثافة الأحاسيس وتوليد أقصى الضغوط من لممها ونثارها، على حساب السيميائية المقنعة بمتاهات الغموض، في الكثير من الأحايين.

لهذا القالب التعبيري، أبعاده الرّسالية التي تحمي النص من فخاخ السفسطة، وتدوير المفردات بشكل عبثي عشوائي، تختنق له الدلالة ويضيق على الحمولة المعرفية، المطالبة بتأدية وظائفها، وبامتياز، قصائد تدّعي أنها من رحم الواقع، وتنهل من يومياته، متشربة بمعجمها، دقّ وجِلَّ التفاصيل.

بحيث يركز الشاعر احمد بياض، على المعنى الإنساني، كتيمة ركيزة وأساسية، ينبض بها بوحه التعبيري، مع تخفف وتحرر كبير من مقومات السرد الذي قد يجهز على التفشي البصري في إطار حداثي، من ورائه متلقّ يتطلّع إلى لغة الصورة، في تضمنها لجوانب رسالية، تمس صميمه الإنساني، فتشبع فضوله المعرفي والجمالي على حد سواء، كما تطفئ غبنه الوجودي، ككائن بات يميل إلى الغرابة، هروبا من عالم أمعن في أسر الروح وتغريبها، ومن ثم، لم يعد للمفردة الطنانة، حيّزا في سلم أولويات قارئ شغوف بماهية الصورة، فيما تحمله من تقزيم جملة الرسائل ليسهل عليه تلقّفها والتقاطها، على نحو لاهث متسارع، طبيعته من طبيعة العصر، فهو بالتالي، يتصيد محطات المفارقة، كي يغنم لذة النص والزمان والمكان، يعشق اللوحة التي تصور الرسالة على عجل، فلا تسرف ولا تطنب بما كان بالأمس، يؤديه العنصر السمعي.

إنها لغة القليل الدال، تترجمه صور السرد التعبيري، مثلما سنتابع ذلك في جملة من مواقف شاعرنا الذي نحن بصدد مقاربة منجزه، موت كف على غسيل غيمة.

كتب مقدمة هذه المجموعة الدكتور أنور غني الموسوي، قائلا :

[إن هذا الفهم المهم للقصيدة وهذا التحول الفكري في اللغة يفتح آفاقا جديدة في الكتابة بل في الحضارة الإنسانية حيث يتحول النص من كتلة دلالية إلى كتل شعورية وهذا هو البعد التعبيري للكتابة.

أما اللمحات التجريدية في كتابة احمد بياض فإننا نجدها متحققة في نصوص من ديوانه "موت كف على غسيل نجمة " بتركيز عال وتجل قوي للبعد الإحساسي وخفوت الغايات الدلالية والإفهامية].

ترجح الميكانيزمات التجريدية على بقية معطيات الكتابة الذهنية، في تجربة احمد بياض، من خلال منجزه هذا، لتركّز الخطاب الإنساني، والبعد الرّسالي في صور خاطفة تترادف وتأخذ خطا تصاعديا، تشفّ له المقاصد من كلية النص.

نقتبس له المقتطفات التالية:

[الفضاء المشلول جرح الولادة ؛ بسوس على نجمة الريح...

وعادت النوارس تسبح في فضاء الدخان وراء الأبعاد المتنحية بثوب العشق ؛ حالمة بأديم الغياب وصفرة الريح](1).

هي مشاهد قمة في الخريفية، تظل الذات عبرها، ومن خلالها، مشدودة إلى خلل ما في الولادة، سماه صاحبنا جرحا، أي نعم، وهو يرخي بتبعاته على وجودنا الإنساني، حدّا تتمزق له الهوية، ولا تتم اللملمة إلا بالتمكين للغة العشق، للوظيفة الإحساسية السيكولوجية، وإلاّ فالسباحة في دخان الخراب والهزائم والانكسارات والوجع الكوني، الذي ما يفتأ يتجرعه الإنسان، مستمر وأبدي، لحين الانقراض الكلي والإبادة الشاملة.

يقول :

[لهجة متصوفة على شفتي بئر...ترعى حلم الأطفال، حين يبحر النشيد في مملكة الدخان.

رماد جارح، وشم مبتور، ولغة الحنين قميص الهواء.

شوق ينمحي في عرق الوصول.

لا تمطر السحابة الثكلى والقلب يحمل آهات الرخام ] (2).

من أي ثغرة، ننفذ إلى لبّ هذه الصورة المرتجة الراجفة لرعاف الأحاسيس؟

وأنى لنا الوصول، وإن تأويلا، إلى ما يود شاعرنا الذهاب إليه، سوى ما يفيده " الحلم الطفولي" في إعادة إنتاج معاني إنسانية الآباء المحترقة مصائرهم في مملكة الأنانيات الآدمية، إيديولوجيا وثقافيا، وفي جميع المجالات التي تستعبد البشر فتحولهم إلى وحوش يلتهم بعضهم بعضا.

هي مملكة الدخان، مثلما أصرّ على تسميتها صاحب المنجز، في أكثر من مناسبة، الكائن القاتل المقتول، الجاني المجني عليه، والمعنى الزئبقي للأخ الذئب.

أنانية حالت دون دور الكبار في رعاية أحلام الصغار، فاستأسدت كامل طقوس هذه الجنائزية وصال الخراب في عالمنا وجال.

مثلما يقول :

[تحاكي جدتي الوشمة الباقية في زهد الليل.

على الوسادة حلم عالق في حوض الشتاء.

لقد شيد الخريف طقوس الفراغ.'

على المجلدات الباهتة وشم الحروف نمسح جذور التأمل على موج البحر...

سحابة تمطر بلون الخليج اختلال المنابع](3).

"جرح الولادة " و اختلال المنابع" وغيرها من الصياغات التي تصب في هذا الاتجاه، متوفرة ومتعددة التجليات في الديوان، كي تمنحنا فكرة عميقة عن وعكة وجودية ولدت معنا، كأجيال لم يُحترم حلمها، ولم تترك لها حرية تنفس الذاكرة، بروح مبدعة ومجددة ومبتكرة.

خلاصة القول أن إنتاج المعنى في شعر احمد بياض، يتم عبر شرايين البوح التعبيري، السانح للمكون البصري، بقول كلمته، وتلوين بياض العالم والذات، بأصواته، كلمة فصل، محققة للإدهاش المطلوب، ومحمولة على تيار المفارقات القادر على صناعتها خطاب الصورة المكتّلة للأحاسيس.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

............................

هامش:

(1) من نص "مسام الجليد" صفحة 10.

(2) نص "شوق مبتور" صفحة18.

(3) من نص "ريح الصمت" صفحة44.

 

فالح الحجيةالشعر هو الكلمة الجميلة التي تنمو ضمن مفاصل الحياة ومن خلالها لتسجل اعمق بواطنها فحلم جميل تسعد اليه النفس وتسمو اليه الروح حتى في حالة شقائها . .

فالشعر معرفة انسانية مستلهمة تحمل معطيات الرؤية و الاحساس النابع من القلب وهذا الاحساس هو المصدر الوحيد لمعرفة الاشياء في العالم وقد يكون تعبيراً عن العلاقات التي تخلفها اللغة لو تركت لذاتها بين الحد العيني والتجرد المادي والمثالي وبين المجالات المختلفة للحواس. او بمعنى اخر أن الشعر هو الإيحاء بصور مثالية تتصاعد إلى الإعلى محلقة باجنحة شعرية منبثقة من روحية الشاعر وعاطفته المنبعثة من اعماقه وممتزجة بخوالجه المتدفقة منها المشحونة بها لتبحر في هذه القصائد عبر مسارات النفس الشاعرة لتغدق عليها نبعا متدفقا وفيضا غامرا وحدسا راقيا ليشكل معينا لا ينضب والهاما جميلا كان قد اكتسب – فيما اراه – حالة فنية وانسانية بما يحقق توازنا شاملا بين سعة هذه الحياة وما فيها من مفردات وتجارب وقدرات صاغتها بجمالية مفرطة ولفظة راقية . فالشعر عندي يمثل جزءا من إ صل الجمال، وعندما ينتج الشاعر الجمال في شعره يكون قد اكتسب حالة فنية وانسانية راقية من خلال نظرتها الحساسة في سبر اغوار نفسيتها الشاعرة المرهفة من خلال الكلمة الجميلة لتنمو في مفاصل الحياة ومن خلالها و لتسجل اعمق بواطنها واعلى شواّفيها وتجمعها في بوتقة حلم جميل تسعد اليه الانفس وتسمو اليه الارواح والافئدة عما يجيش في نزعاتا ممتزجة بأقوى عناصر الجمال الشعري والشعوري الذي يتمثل في الموسيقى الكلامية المنبعثة من امكانية الشاعر في الايتاء بها من خلال تمازج او تزاوج الحروف اللغوية مع بعضها بحيث تعطي نمطا او نسقا موسيقيا معينا تبعا لأمكانية شاعرتنا الفذة ومقدرته على الخلق والابداع لأنها طريق السمو بالروح نحو مسارات عالية ذات نغمات تنبثق مشاعر ها وعواطفها وامكانيتها التعبيرية والتي هي السبيل للإيحاء وللتعبير عما يعجز التعبير عنه الاخرون .

ومن المعلوم ان الشعر يدخلنا في حالة من الانبعاث والتأثر النفسي او ربما يمزتح الى الوجل النفسي،وهذه حالة تنتج عن جمالية النص الذي نقراه ونتاثر به حيث شفافية المشاعر، وروعة الأسلوب، والنغمية المتولدة في الألفاظ والتراكيب التي أبدعها الشاعر واوجدها حية بين الألفاظ والتراكيب اللغوية بقوة حدسه وشاعريته مهما كان نوع هذا الشعر: عمودي او شعر تفعيلة وهذا ما تحققه قصيدة النثر ايضا حيث أنها اكتسبت مشروعية وقبولا لدى المتلقين في كل انحاء العالم واتسعت منافذ وجوديتها وكثر من كتب فيها ونلاحظ اغلب ما فيها ما نسميه قوتها التاثيرية في النفس (الصدمة الشعرية) حيث انها إحدى أبرز المعايير في تلقي قصيدة النثر فهي ليست هذيانا ولا افتعالا ولا تراص لفظي فقط .

فقصيدة النثر شكل أدبي جديد معاصر اوجد ت مجالها الواسع في مجال الشعر ويتسع هذا المجال كلما تقدمت وتطورت الحياة فهي قد تحقق الدهشة أو قل الصدمة في التعبير المستجد المستحدث وهذا متوقف على امكانية الشاعر في التقاط رؤيته المثالية وصياغتها في بنية جديدة، قوامها الصور والرموز الشعرية غير الموغلة في الابهام والتوهج المنبعث من التركيب اللفظي وكيفية استخدامه في التعبير وجماليته من حيث الانتقاء والبيان اللغوي ..

ومن المهم أن نعرف ان مصطلح (قصيدة النثر) قد اكتسب شكلا ادبيا و رسوخا ثابتا، وتنظيرا واضحا، استقرت معه الكثير من الأطر الجمالية وهو الأساس لقصيدة النثر المعاصرة والتي تظهر ابرز ملامحها في التخلي عن الوزن والقافية، والإبقاء على روح الشعر المتمثلة في الإحساس المتقد، والصورة الخلابة، واللفظ المنغّم وتستقي جماليتها منها . والتي كانت كمحاولات تعود إلى أشكالية مصاحبة للمدرسة الرومانسية للشعر في مطلع القرن العشرين وقد امتازت باعتماد ها على وحدة السطر الشعري بدل البيت العمودي القديم وكذلك على نغم الألفاظ، وجمال الصورة، وتألق العاطفة فنجد في قصيدة النثر نفس مفاهيم الشعر الرومانسي وآلياته وقد نعتبره في الاغلب الأب الشرعي لقصيدة النثر في الأدب العربي المعاصر، ومن المهم كيفية قراءة قصيدة النثر في ضوء تجربة هذا النوع من الشعر.

ويجدر بالذكر أن الشعر المنثور، يخالف بكل شكل من الأشكال ما يدونه البعض من الخواطر المكتوبة فخو ليست بخاطرة لكنه ربما يكون قريبا منها من حيث التعبير وانتقاء الكلمة الاوضح وهذا واضح ومفهوم فالشعر المنثور نص عالي الشاعرية وقد يدور حول رؤية جديدة أساسها الوجدان المتقد وما يحقق من جمالية عالية مستفيضة كالزهرة في الحديقة العامة فعي ملك للجميع وتنثر شذاها اليهم بالتساوي.

ومن اهم خصائص جمالية قصيدة النثر وهو الإيجاز ونعني به الكثافة في استخدام اللفظ سياقيا وتركيبيا – والتوهج ونعني به الإشراق حيث يكون اللفظ متقدا متألقا في سياقه، كأنه مصباح يطفح نورا حتى إذا استبدلناه بغيره ينطفئ بعض بريقه او يتلاشى وتكون في هذه القصيدة واعني قصيدة النثر متوحدة في صياغتها بحيث يكون السطر الشعري (البيت الشعري فيها) وحدة متكاملة مع بقية سطورالقصيدة فلا يقرأ بمفرده اي ان القصيدة تكون مترابطة متوحدة شمولية لا تحدد بزمن بحيث تكون تنسيقية متفاعلة مفتوحة اطرها تخلت في بنائها عن النغمية والايقاع العمودي لحساب جماليات جديدة، وأساس هذه الجماليات: تجنب الاستطرادات والإيضاحات والشروح، وهذا ما نجده في الأشكال النثرية الأخرى على ان تكون قوة اللفظ وإشراقه قوة جديدة فيها.

فقصيدة النثر: تؤلف عناصر من الواقع المنظور وفق الرؤية الفكرية للشاعر بعلاقات جديدة بين ألفاظ النص وتراكيبه، هذه العلاقات مبنية على وحدة النص وحدة واحدة، ذات جماليات مبتكرة تعتمد على رؤية الشاعر للواقع المادي الخارجي بمنظور جديد،وامكانياته الشعرية في سياقاتها نحو الجمالية والافضلية بحيث تنعكس هذه الرؤية على العلاقة اللفظية، وبنية التراكيب، وقوة التخييل، وجدة الرمز وهذه الرمزية اتخذها بعض شعراء هذه القصيدة ذريعة في الايغال في الابهام والغموض بحيث انعكست سلبا على المتلقي وادت الى عزوفه عن قراءتها في بعض الاحيان حيث يفضل عليها قصيدة العمود الشعري لما فيها من موسيقى في الوزن والقافية القريبة الى اذن المتلقي العربي الموسيقية والتي تعودتها اذنه واحبتها نفسيته فيميل اليها كصيرا خاصة في الشعرالذي يتخذ صيغة الخطاب الشعري كما في الشعرالوطني والحماسي وفي استنهاض الهمم والعواطف والعربي معروف بعاطفته.

 

امير البيـــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلـــــد روز

 

1142 لودي الحدادقراءة في ديوان: نفحات من جليد ونار للشاعرة اللبنانية لودي الحداد.

هكذا تصرح الشاعرة لودي الحداد عن مغزى الكتابة الشعرية قائلة:

"اكتب لأسكب أشواقي على دفاتر الأيام علها تصلك ..اكتب وألون على الرياح علها تلفح وجهك ..اكتب لأموت بين ثنايا الأحرف علني أولد في قصائدك ..اكتب واكتب ..ويقيني نزف وشغف وموج مزبد على شواطئك.."

المجموعة الشعرية نفحات من جليد ونار هي التجربة الثانية للشاعرة لودي الحداد، بعد ديوانها الأول "كؤوس الأحلام" الصادر سنة 2017"، ويقع ديوانها "نفحات من جليد ونار " في مائة وست وعشرين صفحة من الحجم المتوسط ، ويحتوي على أربع وخمسين قصيدة.

وأشعر أنني لا أقف إزاء القصائد إلا إذا أدهشتني وحركتني ارتكازاتها وحركت في داخلي ارتباطا بين اللغة الشاعرية وبين انزياحاتها الفاعلة، ولا أتذكر من القائل: "أشعر الناس من أنت في شعره حتى تفرغ منه"، فإذا ما عشتُ أنا في النص؛ فإن قلمي يخرج عن طوعي ولا أدري كيف يسوح . ذلك ما يشدني إلى قصائد لودي الحداد الوارفة الظلال. وفي اعتقادي أن الشعر ضروري ضرورة الماء والهواء ..

لا ملجأ لنا إلا الشعر نتعلم فيه الصدق والخير والجمال ونستعيد علاقتنا الحميمة بالأرض والسماء، والنهر والشجر، والسحاب والمطر. لأن الشعر وعي كامل، واتصال كامل، واستغراق حميم للعواطف السامية .

في الشعر تجتمع اللغات والثقافات كما تجتمع في الحب الأعراق والأنساب والديانات والمذاهب وفيهما معا، في الشعر نرى الإنسان في أجمل صورة وأكملها نرى الإنسان كله، والدين كله، والوجود كله

أسئلة أخرى تتداعى في أذهاننا ؛ لمن تكتب الشاعرة، ومتى تكتب، وعلام تكتب؟ ما جدوى أن يكتب الشعراء الشعر في زمن الحرائق، والتخاذل والإبادة الجماعية والجموع الهاربة من الموت في جهات الأرض الأربع والهجرات السرية والعلنية إلى المجهول ؟ في زمن يحن فيه إلى لحظة سعادة غامرة لحظة فرح كهذه اللحظة ..إن الشاعرة تكتب لمن له قلب وعقل وإحساس ..هي لا تختار اللحظة التي تكتب فيها بل اللحظة هي التي تختارها لتقتنصها تائهة بين دروب اللغة محلقة بأجنحة الخيال لتولد القصيدة ..هي تكتب عن كل شيء ربما عن شيء لم يلتفت إليه الإنسان العادي وقد تكلّم طائرا أو فراشة أو بحرا أو وردة ..

الشعر حصان نافر في ثنايا المخيلة،وبحر الأشواق عصي على كل ضرورة، فهو برق، وبئر أسرار، ونبع جمال غريب هو الضرورة المقيمة في لغزها العصي والشعر كوكب الكلمات السابح في كونه الشخصي يغامر في الوصول إليه عشاق مسحورون مسكونون بالكلمات مثل الشاعرة لودي الحداد .

عنونت الشاعرة قصيدتها الأولى بـ "أمي" تلك الأم التي حظيت بإهداء الديوان ومن غير الأم أولى بهذه الهدية المطرزة بحروف تنبع من ماء القلب؟ وهي عبارة عن مناجاة شعرية ، افتتحتها الشاعرة بالإبحار عميقا في عاطفة الأمومة التواقة للحب وللحنان والدعاء ونور الإنسانية ؛ فرارا من كل ما ينغص ويكدر صفو الحياة الغريبة والمتناقضة والغامضة في النفس البشرية، ليس في مجال عظمتها العارمة، أو خذلانها الرهيب، بل في مجال تلك الصراعات الصغيرة الأكثر إثارة ضمن إيمان عميق بأن هذه الصراعات جديرة بالاهتمام والتفهم والتقدير، لا تفضي إلى سكينة أو معنى، وتُلحِقُ هذه

ويمرُّ الإنسان أحيانا من أبوابٍ لا يعرفها، أو هي لا تعرفه، وكذلك مفاتيح تلك الأبواب قد تكون في يد أديب أو فيلسوفٍ يبحث عن الحكمة ليُشيّدها دربا جميلا يسيرا لمن يريد السير فيه؛ ليجد أسمه بارزا أينما سار في ذلك الدرب، والشاعر في يده مفتاح لبوابة واحدة على الأقل.

و تتدفق القصيدة لدى الشاعرة فتغوص عميقا في الذات الأنثوية عندما تقف أمام نفسها وتبوح بما لديها من أشواق جياشة ملونة بمشاعر إنسانية نبيلة ومعطرة بالذكرى الجميلة حين يتحد الأنا مع ال(أنت) مسترجعة رحيق الطفولة ينصهر الشوق والحنين جراء البعد والرحيل وتتوالى أوراق السنين هناك تكون ولادة الإنسان ..تقول في قصيدة : انصهار وولادة :

أنا أنت ..

رحيق الطفولة

وشوق ثائر يتصاعد

مع تنهدات الأنين

وأنت أنا ...

أطياف حلم

يناجي اليقظة ويعزف

على أوتار الحنين .

كيف لا نندهش حالمين ونحن نسمع من شاعرة أو نقرأ لها قصائد رائعة وقد اكتنزت بالأصوات والصور والرؤى والأفراح والأتراح والأحلام والأشواق والحنين ؟ وكيف نكون بإزاء قصيدة خرجت من رحم الحنين ، تنتقل بنا نحو عوالم الجمال وفيض العاطفة هي صوت كمان وحيد ليس إلا..نسمعه في شرفة نائية حالمة مفعمة بالشوق والأنين والحنين .. ولست أدري لماذا ينتابني شعور بالسكينة ووالراحة وكأنني في حلم جميل كلما دخلت محراب شعر لودي الحداد؟ لعل ذلك يعزى لاختيار ألفاظ قصائدها الأنيقة وصورها الأخاذة ..

تقول في قصيدة حبر السنين:

أما أنا ...

فأذكرك بحبر السنين

وأرسم وجهك

في نهاية السطر..قمر ..

والشاعرة وفية باقية على العهد ومهجتها سلسبيل من الود فياضا على روابي الشوق ولن تتبدل ولن تتغير لأبدا عكس ما قاله علي بن أبي طالب :

ولا خير في ود امرئ متلون ...إذا ما الريح مالت مال حيث تميل .

تقول في قصيدتها "العهد":

لن أخون العهد وأتغير

مهجتي سلسبيل من الود

يفيض على روابي الشوق

فتتدلى العناقيد

تروي الصحاري لتسكر ...

ولعل الشاعرة تهيم بنا في غياهب الخيال الذي تتراءى منه خيوط الأمل لتنطلق من حلمها مكسرة جدر الكبرياء وصهيل رياح الرغبة وهدير الموج وصخب البحر ونقاء المطر لتحلق بنا نحو سماوات النور ومواطن الجمال ..إنه تدفق شلال سلسبيل نابع من جليد ونار ..

 وقد تبدو للقارئ أن القصائد صغيرة في حجمها لكن حين تأملها تجد أنها عميقة كبيرة في نوعيتها والعبرة بالكيف والنوع لا بالكم والطول ..إنها قصائد يجتمع فيها جمال المبنى وجمال المعنى وتتجلى فيها المشاعر الإنسانية النبيلة فيمتزج لديك الفرح بالحزن والشوق بالحنين والسلام وكأن روحك ترتدي لباسا من نور معطرا بعطر سحري ينبع روابي الجمال وأنفاس الربوات وصليل الصبوات ..من نفحات جليد ونار..أخال أنها قبسات نورانية وجدانية نفخت فيها الشاعرة لودي الحداد من روحها الشاعرية التي تنادينا هامسة :

 أنا ابنة الريح

 حفيدة الشمس

 في جداولي ينبض الإنسان

 أنا الدمع حين يعتصر

 والغضب حين يتوهج ويهدر ..

هنيئا لك شاعرتنا لودي على هذا المنجز الشعري الجميل "نفحات من جليد ونار" ..المولود الثاني الذي خرج إلى الوجود ليرى النور ولعلها "الولادة العسيرة كما قال محمود درويش حين سئل عن ميلاد القصيدة..وأنا جد مسرور وفخور أن كان لي شرف في تقديم قراءة انطباعية للديوان وأنا على يقين من أنك ستثري خزانتنا الشعرية العربية بكنوز ونفائس أخرى في مقبلات الأيام .

 

بقلم ذ.عبد العزيز أبو شيار

 

ابراهيم اوحسينقراءة في رواية "نزوة قابيل" للأديبة اليمنية د بلقيس الكبسي.

إننا حقا في مرحلة تاريخية وحضارية حاسمة،ونقصد بلا شك، نحن المنتمين إلى هذا الجزء العربي الثابت على هذه الأرض المتحركة والمتحولة على الدوام. وإذ نعبر هنا بعبارة "الحسم"، فإننا حقا إزاء قرار نهائي لا رجعة بعده، مفاده :  نكون أو لا نكون ! 

بهذا أومأت الأديبة بلقيس الكبسي في باكورتها الروائية "نزوة قابيل" وإن لم تكن الإيماءة باللفظ الصريح، وبهذا زحرت وصرخت، رافعة عقيرتها أمام العالم بكتابة الذات، ممتطية صهوة السرد حينا، وصهوة الشعر حينا آخر؛ والتمازج الشعري والنثري – على كل حال - يضفيان على العمل الأدبي بشكل عام جمالية لغوية تنضاف لجودة سبك المبنى وتشييد المعنى، ومن ههنا ننطلق، مشيرين إلى أن القراءة هاته تتوخى التعريف بالعمل مع إلقاء طيوف ضوئية على بعض جوانبها، دون السعي إلى تقمص دور الناقد ومازلنا في صفوف القراء لا أقل ولا أكثر.

إذا جاز لنا اللعب بالألفاظ نوعا ما، قلنا بلا مواربة إن العمل الروائي الماثل بين يدينا لهو "رصاصة مسدس" بالتعريف التقليدي للشيء الجامعِ الحجمَ الصغير والمفعولَ الكبير في آن. ولعل مئة وثمانين صفحة تثبت بجلاء ما زعمناه في ذياك التشبيه في شقه الأول، أما المفعول الكبير فقصدنا رأسا حجم ما بسطته الكاتبة على امتداد هذه الصفحات من معاناة دموية ألمّت باليمن حضارةً وتاريخا وشعبا على حين غرة، بعدما داهمتها قوى التحالف العربية- فيما سمي بعاصفة الحزم-، مجبرة إياها الدخول في متاهات حرب اشتعلت منذ 2015 ولم ينطفئ - للأسف- فتيلها إلى اليوم، وكأن نبوءة البردُّوني قد تحققت حين أنشد قبل سبع وأربعين عاما :

وُلدتْ صنعاءُ بسِبْتَمْبَرْ // كي تَلقى الموت بنُوفَمْبَرْ 

وتموتُ بيومٍ مشهورٍ // كي تولدَ في يومٍ أشْهَرْ

وتظلّ تموت لكي تحيا // وتموت لكي تحيا أكثرْ

هي صرخة يكاد  دويّها يبلُغُ العالم العربي من أقصاه إلى أدناه، ومن شماله إلى جنوبه، تماما كصرخة المرأة - في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم - المنتهك عرضها من يهودي من بني قينقاع، فكان أن تحرك جيش كامل لنصرتها واستجابة لندائها؛ أو كالعربية المسجونة بعمورية أيام الخليفة المعتصم، هذا الأخير الذي أعد جيشا بحياله أمام استغاثتها واستنجادها بصيحتها المشهورة : وامعتصماه !؛ أو كاللواتي صرخن في الهند والسند " واحجَّاجاه !"  مستنجدات بالحجاج بن يوسف. وإن شئنا التخفف من استدعاء المواضي مخافة إخجالنا،استدعينا علوم الفيزياء إلى حاق الأدب فشبَّهنا صرخة الكاتبة بمفعول أثر الفراشة (نظرية الفوضى)، حيث تستحيل رفرفة جناح في الصين فيضانات وإعصارات ورياحا هادرة في أقاصي أمريكا أو أفريقيا أو أوروبا. فمن يسمع عويل نساء اليمن وقد ولّى زمن المعتصم؟ ومن لمملكة سبأ ولم تعد بها فراشات ترفرف؟ ومن لذاك الماضي الهادئ الجميل إذا كان الحاضر قد نصب كمائنه وألغامه في كل مكان؟ من يحرر رسالة لسيف بن ذي يَزَن يستدعيه من عالمه الروحاني لعله يطهر البلاد ويحرر العباد؟ هي أسئلة  محرجة وأخرى طرحتها الرواية استنكارا، تاركة المستقبل القريب أو لعله البعيد يقدم أجوبة شافية لها، لأنه سيكون آنئذ الشاهد الوحيد على تداعيات الماضي المُعاش اليوم .

الغلاف/ العنوان : لمحة سريعة

إن مجرد إلقاء النظرة الأولى على غلاف الرواية وعناصره المتداخلة  كاف للتخمين  ولإصدار حكم مبدئي على ما قد يحويه هذا العمل الأدبي، خصوصا عند التمعن في العنوان (نزوة قابيل) المحيل رأسا على قصة قابيل وهابيل في الموروث الديني، سواء اليهودي أو المسيحي أو الإسلامي،الذي تكاد تُجمع أدبياته على ثبوت الجريمة الأولى في التاريخ البشري (قتل قابيل أخاه هابيل)، مع اضطراب واضح في ثبات الأسباب المقترنة بالقرابين. لكن على كل حال، شخصية قابيل مرتبطة في الوعي الجمعي بالقتل وباستنان الإجرام في السلوك البشري، بالرغم من تحفُّظنا على مصطلح "نزوة"، المرتبط في أدبيات علم النفس بالحالة الشعورية المتواصلة التي تولّد سلوكات متكررة إشباعا لحاجة ما، عكس السلوك القابيلي الذي - على ما يبدو - لم يتكرر مرة أخرى؛ إنما يسوغ توظيف المصطلح على سبيل الإشارة  إلى الحرب اليمنية المُشتجَرة غير المنتهية . لن نطيل التوقف عند أعتاب العنوان كثيرا ، فالعناوين وإن كانت المنفذ الأول لأي عمل مهما كان، إلا أنها قاصرة إلى حد كبير عن الوشاية بما يكتنزه المتن بين دفتي الغلاف؛ إذ نزعم أن عنوانا مثل "الإخوة كرامازوف" - للروسي ديستوفسكي - يستحيل أن يقدم لنا أبسط الملامح عن العالم الإنساني المتشعب والمتنوع المبسوط بين أحداث هذا العمل الكبير وقس على ذلك. نشير كذلك إلى أن الكاتبة هنا اختارت نمطا دارجا من العناوين، وهو المُعرب نحويا خبراً لمبتدأ محذوف تقديره اسم إشارة (تقدير الجملة : هذه نزوة قابيل) . أما الغلاف الخارجي للرواية، سواء كان من مخيال الكاتبة أو  من مخيال المصمم، فله ما يبرره شكلا ومضمونا؛ فاختيار اللون الأسود لونا مكتسحا وطاغيا يبعث برسالة تلقائيا إلى المتلقي مضمونها الحزن والغموض والضياع والأفق المسدود، في حين أن السواد أيضا يرمز للجمال وللأناقة وللسكون وللحب، وكم احتفى العرب بهذا اللون في خواطرهم وفي أشعارهم،إذ لازلنا نتذكر قول قيس بن الملوح :

وقالوا عنكِ سوداء حبشية // ولولا سوادُ المسكِ ما بِيعَ غالِيَا

وقول القائل :

إذا لبس البياضَ صار بدراً // وإن لبس السَّوادَ سَبَى العِبَادَا

 

وغيرها من الأعمال الأدبية المحتفية بالسواد، نذكر مثالا لا حصرا : أرض السواد /عبد الرحمن منيف؛ حليب أسود / إليف شافاك؛ الأسود يليق بك/ أحلام مستغانمي؛ العسكري الأسود/ يوسف إدريس؛ غواية السواد/ كريم بلاد؛ التراب الأسود / أيوب النحاس ... وغيرها قديما وحديثا. يشار كذلك إلى أن الغلاف ضم تسعة مؤلفات شعرية ونثرية، كما يمكن للقارئ منا ملاحظة العبارة المُذَيِّلة للدفة الخلفية المقتبسة من متن الرواية نفسها، التي تقول : " الحرب لا تنام والحب لا حد له، لذلك لن أخوض أية حروب فاشلة مهما تمادى الألم لن أنهزم، لن أجازف بالقلب ، سألزم الصلاة والحب، يقينا سأنتصر ..."؛ عبارة وشت بالكلمتين / المفتاحين اللتين يجوز بهما  الدَّلف إلى عمق الرواية وغورها، وهما : الحب والحرب ...

الحب والحرب : ثنائية التلازم والترادف

كانت ثنائية الحب والحرب ولا تزال الشغل الشاغل للكائن البشري العاقل،بل، إن معظم تاريخ الإنسان تاريخُ حربٍ وحبٍّ؛ فإذا كان الحب بلا شك غريزة آدمية ، فالحرب كما زعم ابن خلدون في مقدمته " أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل".و إن ثبتت الثنائية في حق الإنسان،فلن نبالغ إن أثبتناها أيضا في حق غير العقلاء ، ونقصد الحيوان بالذات؛ فهو  كما تحدث عنه الجاحظ في موسوعته  الحيوان  لا يمنعه ارتقاءه سلّم الإنسانية سوى عوزه إلى القدرة على التفكير والوصول إلى حرية الاختيار، أما ما عدا ذلك، فهو مضارع للإنسان في  أغلب غرائزه، وهو  إذن محبٌّ ومحاربٌ . فإذا كان الأمر كذلك فمن غير المستغرب أن نجد في الأساطير اليونانية والإغريقية  حديثا واسعا عن آلهتي الحب والحرب (إيروس وآريس)؛ ومن نافلة القول إذن التذكير بقصص تاريخية كان الحب والحرب فيها الحبكة الثابتة والمتحولة ، وهنا نقصد حرب طروادة، وحرب قبيلة بكر بن وائل من أجل الجليلة حبيبة كُليب بن ربيعة، وبطولات عنترة العبسي من أجل عبلة بنت مالك، وغيرها كثير؛ كما يمكن التذكير على السواء بأعمال روائية  احتفت بهاتيك الثنائية لا على سبيل الإمتاع والمؤانسة فحسب، بل، لأن أحدهما حقا يستلزم الآخر ومرادف له بشكل ما وإن بدا لنا الموضوعان على طرفي نقيض؛ ولنا مثال في :" في الحب والحرب " و" لمن تقرع الأجراس" / همنغواي ؛ "عالقة بين الحب والحرب" / أريج الخصاونة ؛ " لماذا تكرهين ريمارك؟" / محمد علوان  جبر؛ "أوان الحب أوان الحرب" / كريم بلاد ؛ "الدرب الضيق إلى مجاهل الشمال " / ريتشارد فلاناغان؛ " وقت للحب.. وقت للحرب " / إريك ريمارك ؛ "ذهب مع الريح" / مارغريت ميتشل؛ " دكتور جيفاكو " / موريس باسترناك ؛ "باب الشمس" / إلياس خوري ؛ " نوستالجيا الحب والدمار" / السعيد الخيز؛ "أحضان مالحة" / ريمة راعي... وغيرها من أعمال نظرت إلى الثنائية من زوايا متعددة، مُضْفِية عليها لمستها النوعية في الحدث والمخيال والشخوص، وكذا في الزمان والمكان. إنها الثنائية التي ألهمت الشعراء والروائيين والمفكرين، بل، شغلت حتى علماء النفس كفرويد  مؤلف كتاب " الحب والحرب والحضارة والموت "، و مايكل ماتيوز  صاحب كتاب " رأس صلب "، والموضوع على كل حال له امتدادات وتشعبات في مختلف المجالات المعرفية الإنسانية ، إلا أن المقام لا يتسع للإسهاب وللتفصيل، وسنكتفي بما تم إيراده وإن اتسم بالإيجاز.

الرواية : المتنُ حاملا موضوعتي الحب والحرب.

يُحسب للكاتبة في الحقيقة جرأتها - وهي تكتب عملها الروائي الأول - على الجمع بين موضوعي الحب والحرب، لما يتسمان به  من صعوبة في التناول والتفكيك، فالأول مَعينه العاطفة ودواخل الوجدان، والثاني يصنع المآسي الكبرى ويفتح العين على مشاهد لا تتأتى إلا للقليل، بل، إن الحرب تُلجم اللسان وتُجمّد الأقلام وتُوقف التفكير؛ لكن الروائية استطاعت - بعدما أخذ الشعب اليمني في التعوُّد على آثار تلك الحرب العدوانية - حزم أمرها واستجماع قواها الذاتية والانفعالية، وتمكنت من كتابة باكورتها الأولى " نزوة قابيل" مُنهية إياها قبل انتهاء الحرب التي مازالت تحصد الحصائد إلى يوم الناس هذا كما أسلفنا بالذكر.

الرواية صيغت من عشر فصول ومن ثنتين وثمانين ومئة صحيفة ، مما يُبرز بجلاء أن الكاتبة إنما كتمت مأساتها الحقيقية وجروحها الغائرة ولم تبح إلا بالنزر اليسير عوض إيثار الكتمان والصمت.

استأنفت الكاتبة روايتها بمعجم مِلنخولي تطبعه السوداوية وكل مفردات الكآبة واليأس والضياع والألم - كأنك تقرأ بؤساء فيكتور هوغو أو جين آير لشارلوت برونتي-  ، والأصل أن تكون لغة تصف الحرب ومخلفاتها كذلك، فاختارت الكاتبة اقتحام معمعان الحرب وساحتها ووصف ما أحدثته القذائف والقنابل في حضارة امتدت لآلاف السنين وفي بلد أصبح في طرفة عين أكواما من جثث بشرية متعفنة وركاما من حيطان أسمنتية وأخرى حجرية. كل شيء عاد القهقرى وعاد به الزمن خلفًا حتى غدت اليمن بقايا دولة وأشلاء تاريخ . هكذا نظرت البطلة " تُوق "إلى المشهد خصوصا بعدما تُوفي أبوها وأمها وجدّتها نتيجة إحدى القذائف المفاجئة التي أصابت بيت الأسرة جاعلة إياه أثرا بعد عين، إضافة لفقدان أخيها الأكبر "تاج" وعدم ظهور أثر له سواء بين الأحياء أو بين الموتى، بالرغم من وجود شبيه له في غرفة حفظ الجثث.هنا، تتساءل تُوق : لماذا يُقصف المدنيون العُزَّل المجرّدون من كل درع واقٍ؟ السؤال الذي يحيلنا مباشرة إلى مقولة روسو في عقده الاجتماعي مؤكدا أن الحروب إنما هي علاقة بين الدول لا بين البشر، والعداء يكون للجندي لا للإنسان الأعزل؛ كما يحيلنا السؤال بالضرورة إلى الموضوعة القديمة الجديدة : الحرب والأخلاق. هي أسئلة لم تتعرض لها تُوق بالإجابة الفلسفية في تضاعيف الأحداث وإن حامت حول حماها في بعض المقاطع. المهم أن البقية الناجية من الأسرة (توق) انتقلت للعيش مع العمّ "راجي" بعدما قضت توق أياما في المستشفى، الحدث الذي سيولّد  صراعات وتجاذبات نفسية وعاطفية تارة مع زوجة عمها " دهمة" - المتسلطة الظالمة- وتارة مع ابن العم " ركان" بارقة الأمل وجذوة الحب الأولى؛ هنا ستتقمص توق ثلاثة أدوار بالضبط مُحافِظة عليها  إلى نهاية الرواية : الصراع مع دهمة و البحث عن الأخ المفقود ومشاركة "ركان" ابن عمها مشاعر حب عذري. يستمر هذا الدور ثلاثي المسارات إلى محطات تُفاجئ حقيقة أفق انتظار القارئ، بل، يبدو أن الكاتبة استعجلت إنهاء الرواية وختمها ، لأنها - ونقصد الكاتبة والبطلة في ذات الوقت- كالتي يُطلب منها رسم وشوم على جسد جثة ساكنة !! من أين لها بالنفس الطويل لابتداع أحداث أخرى في روايتها والجرح المفتوح أعمق مما نظن؟؟ هكذا تداعت الأحداث بسرعة، فأضحت دهمة المتسلطة مُقعدة بعدما غادر الزوج البيت ، واختفى ركان بعد انضمامه لصفوف المدافعين عن الوطن، واستطاعت توق العثور على أخيها المفقود لكن بذاكرة مفقودة كذلك؛ فلم يكن أمام توق إلا الاعتناء بدهمة وبالبيت الذي أصبح شبه فارغ، منتظرة حبيبها ركان لعل المستقبل يجود به يوما ما.

 صنع الحرب والموت ما صنعاه  في اليمن  الجريح، وكان ما كان من شأن الأرواح والجدران، وقد تساءلت الروائية في تضاعيف الرواية : ما الذي يمكن أن يحدث بعد الذي حدث؟ الأحباب شأنهم شأن الموتى أو المفقودين، والوطن تلاشى ودُفن تحت التراب ... كأنها في الحقيقة تُذَكِّرنا  بأبيات عبد العزيز الماجشون أحد فقهاء المدينة - في عهد الخليفة العباسي المهدي - حين فقد أحبابه قائلا :

للهِ باكٍ على أحبابهِ جَزَعَا // قد كُنتُ أَحْذَرُ هذا قبل أن يَقَعَا

ما كان والله شُؤْمُ الدّهر يتركني // حتى يُجرِّعَنِي من بَعْدِهِمْ جُرَعَا

إن الزمان رأى إِلْفّ السّرورِ  لَنَا // فَدَبَّ بِالبَينِ فيما بيننا وَسَعَى

فليصنعِ الدّهرُ بي ما شاء مُجتهداً // فلا زيادَةَ شيءٍ فوق ما صَنَعَا

إلا أن الحرب لم يمنع الحب من الميلاد والترعرع، كما لم تمنعه الكوليرا في رائعة كارسيا مركيز، بل، من المصائب ما يجعل هذه العاطفة الإنسانية تبزغ وتتنامى؛ أَ لَمْ يتذكر عنترة ثغر عبلة المتبسّم في خضم إحدى معارك عبْس الحامية؟

إن الموت ينجب الحياة بلا شك، كالحرب تتعهد الحب في رحمها، وما تَوَلَّدَ بين ركان وتوق تحت نير لهيب القذائف إنما هي مشاعر حب عذري بدأ ولم ينته؛ رباط عاطفي جعل البطلة توق تشتبك بحبائل السراب والوهم، خصوصا بعد مغادرة ركان بيت العشق إلى خط اللاعودة... وهكذا الحب ،كما ذكر  ابن حزم الأندلسي في طوق الحمامة ، أوّله هزل وآخره جِدّ ، ولا يتعانى تداعياته حقيقة إلا من تعاطاه بجدية تامة وتصدى لِلُجَجِهِ الهادرة، وهنا تقدم لنا توق درسا في الوفاء رغم ما يلتبس به من انتظارية ذات أفق متلاشٍ، مؤكدة في ختام الرواية بقاءها على العهد وعلى ذكرى البدايات؛ تقول  (ص 182) : " سأنتظرك سواء راودتك مسافات الإياب أو باعدتك سنون الغياب، سواء عدت أو لم تعد، سأبقى على قيد الوطن " .

الخاتمة : الباب المفتوح وما بعد النزوة...

البقاء على قيد الوطن إنما هو إحالة على خاتمة مفتوحة، والكاتبة طبعا أذكى من أن تجعل لروايتها نهاية قاطعة، مادامت الحرب مستمرة ولم يخمد  لهيبها بعد. الرواية إذن فتحت احتمالا لنهايات متعددة يمكن أن تختم الأحداث البدئية. وإن شئنا الحديث بلغة المناطقة، أكدنا بلا مجازفة، أن أي عمل روائي مهما كانت أحداثها وشروطها ومنطلقاتها الأولية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال تثبيت نهاية واحدة وإن كانت منسجمة حدّ الكمال مع السياق الروائي العام. إن النهايات الروائية إنما تُكتب اضطرارا لضبط العمل بعدد صفحات محدد دون تمطيط الأحداث إلى حد الشعور بأننا أمام أوديسة أو ملاحم مطوّلة. والحقيقة أنه مادامت الفيزياء المعاصرة استسلمت لمفهوم الزمكان (ارتباط الزمن بالمكان دون فيصل)، فالحدث إن كانت له بداية فنهايته أبعد في المستقبل مما نظن.

ماذا بعد النزوة؟ سؤال يؤرق القارئ أكثر مما أرّق الكاتبة بلقيس الكبسي، كونه يطرح سؤال موازيا يدخل في علم الغيب الخارج عن طوق علم اليقينيات، وهو ببساطة : متى تنتهي حروب العرب؟ أو على مستوى أعلى ، متى تنتهي الحروب جملة؟ متى تنقضي أطماع المقتاتين على آلام الشعوب؟ ... أو لعلها لن تنقضي الأطماع مادامت جزءا من الذات الطامحة والمتطلعة... هنا ينبغي الغوص في رواية " كي لا تنتهي الحرب" لجورج فرشخ، فلعلّه يطلعنا على نزوة أخرى بعد نزوة قابيل.

 

إبراهيم أوحسين - المغرب

 

معراج احمد الندويالقصة هي فراسة الحياة الاجتماعية بكل أبعادها، فهي ليست حكاية للأحداث وسردا للوقائع فحسب، وإنما هي فقه حياة الناس وما يحيط بها من ظروف وزمان يتتابع فيها أحداث. وللقصة تأثير بالغ في نفوس الناس حيث تريهم ما يغفلون عنه أو تقص عليهم خبر قوم ما أو شخص ما فيأخذون العبرة منها بدون نصائح مباشرة حيث ينفر الناس غالباً من النصح المباشر،تمثل لأن القصة تمثل خبرات وتجارب ومشاعر وأحداث الإنسان التي مرّ بها في حياته سواء الواقعية منها أو تلك التي من إبداع التخيل الانساني. وللقصة دور في بناء الثقة وخلق الاتباع.

إن للقصة أثرا قويا في النفوس الإنسانية، فهي وسيلة من الوسائل المثيرة للفكر الإنساني، والمربية للنفس البشرية. ولما كان للقصة هذا التأثير الكبير في إثارة الفكر وتهذيب النفس اتخذها القرآن الكريم وسيلة من وسائل الدعوة والتذكير والتوجيه إلى عبادة الله عز وجل. فجاء القرآن الكريم بأحسن القصص. تتضمن القصة القرآنية من الأمثلة والحكمة والمواعظ والمواويل، ولها أنواع كثيرة حسب الموضوع أو الغاية كالدينية والخوارق والإنتقاد الاجتماعي وقصص الحيوانات ستبقى القصة القرآنية إذن الشعلة التي تضيء لهذا الانسان لتصل حاضره بماضيه، وستبقى النفحة الربانية التي تشرق بها النفس وتعمر القلب، وستبقى الوثيقة الوحيدة الصادقة الخالدة التي يطمئن الانسان لمصداقيتها.

تمثل القصة القرآنية ربع القرآن الكريم. والقصة لها تأثير فعال. لأنها تستوي أذهان الناس وتفضل سماعهم وتترك أثرا واضحا في نفوسهم. فقد استخدم القرآن الكيم القصة كوسيلة لغرس قيمه وافكاره واتجاهاته.في القرآن الكريم ثروة ضخمة من القصص والحكايات.

إن القصة الأدبية فتقوم على الخيال السابح والتوهم والتخيل في حين أن القصة النبوية مصدررها الوحي، فهي نسيجة من الصدق الخالص وعصارة من الحقيقة الصافية التي لا تشوبها شائبة، فلا تزيف ولا تخيل ولا تحريف فيها. إن المقصود الذي جاءت به القصة النبوية هو تحقيق أغراض دينية كإثبات الوحي والرسالة والبعث وتعميق العقيدة في النفوس وتبصيير العقول.

تعتبر القصة النبوية أسلوبا تربويا ينهض على التحسين والإثارة والتشويق، ثم من النفس البشرية. والقصة النبوية امتداد وبيان للقصص القرآني لأن كلاهما يؤدي الغرض نفسه وهو الغرض الديني التربوي، وعلى هذا جاء القصص النبوي كلون من البيان وأسلوب من أساليب الأداء، فمقاصده هي التي تستوعب الأسلوب والطريقة وهي التي من أجلها يسلسل القرآن الكريم الأحداث ويربط بينها برباط العاطفة والوجدان، لقد حذت القصة النبوية حذو القرآن الكريم، وهي القصة تقوم على سلامة فطرة القاص وتكفى كل الكفاية في تقرير العرض الأدبي والعاطفي والفني وتروع كل الروعة في تسلسل الأحداث والباقة الحوار وتصوير الأشخاص وتتبع فكرتها من أجناس النفوس الكائنة الحية، فلا تعالج أنماطا منها في عالم المجهول.

اتخذت القصة النبوية أيضا وسيلة من وسائل الدعوة كالقصة القرآنية  وتهدف إلى إقامة صرح الإيمان، وقد خضعت القصة النبوية في موضوعاتها وطريققة عرضها وإدارة حوادثها لمقتضى الأغراض والأهداف الدينية، وهذا الخضوع للغرض الديني لم يمنع بروز الخصائص الفنية في عرضها، فكانت في ذلك متتبعة لمنهج القصة القرآنية ولنسق البيان القرآني.

 إن مفهوم القصة النبوية لا يخرج عن مفهوم القصة كما عرفها العرب، بل هي تتبع الأحداث الماضية وتقوم بابراز جانب صغيرة فيها، تتناول القصة النبوية أخبار الماضيين وأحداث الأولين سواء كانوا من الأنبياء والرسل أو من أقوامهم مع التحديد الزماني والمكاني.

القصة النبوية هي مجموعة أحداث مرتبة ترتيبا سببيا، تدور حول مواضيع إنسانية شتى، وتقوم بتحليل الأحاسيس والمشاعر والمعرفة النفسية. لقد اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم من القصص وسيلة للبلوغ الغرض الديني. فهي اقناع العقل وامتاع العاطفة بأسلوب حكيم وهادف. والقصة النبوية بعيدة كل البعد عن القصة الأدبية الفنية التي وضع لها الأدباء عشرات القوعد الفنية في البنناء، وبهذا ينبغي أن يكون النظر إلى القصة النبوية مختلفا عن النظر إلى القصة الأدبية، فالقصة النبوية ليست للمتعة ولا للتذوق الأدبي المجرد، ولا غرابة في ذلك ، فهي ذات مصدر خاص وهدف خاص مغاير للمصادر التي تقوم عليها القصص الأدبية الفنية.

تحتوي القصة النبوية الكثير من تاريخ الرسل مع أقوامهم والشعوب وحكامهم، تضرب لسيرهم النمثل من المواضيع التي يقف الفرد على نتائج واقعية من هذا الماضي، فيقيس عليه حاضره ويعد مستقبله. كان الرسول صى الله عليه وسلم يقص على أصحابه قصصا تعددت أنواعها وموضوعاتها تشمل جميع العناصر القصيية والفنية والتقنيات السردية من حدث وحوار وشخصيات وزمان ومكان وما إلى ذلك.

إن لكل قصة غايتها المستمدة من الرسالة التي تقوم على سلامة فطرة القاص، ومن أجل ذلك كانت القصة النبوية أسلوبا ناجحا في الدعوة إلى الدين، وهي تحكي الواقع بكل صراحة ووضوح كما جاء في القرآن الكريم. في القصة النبوية الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني وتخاطب خاصة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية.

لا تجري القصة النبوية في أسلوب واحد ولا تحدد نمطا واحدا من الأداء ولكنها تختلف حسب ما يميل مقام الفكرة، فطورا قصيرة وطورا آخر طويلة، تتفاعل وتتحرك لتولد العبر والعظات مما يثير نفس الملتقي ويشوقها بما تتتخلله من مفاجأت تذكي الشوق إلى متابعة القصة.

 تنقسم القصة النبوية إلى ثلاثة أنواع:

 1- القصة الواقعية: القصة الواقعية هي حكاية واقع تاريخي مضى وانقضى، وإما حكاية واقع سيكون في المستقبل. وهذا النوع من القصص. فهي أحداث وتجارب ذاتية وقعت في الرسول صلى الله عليه وسلم من حياته وفي ظروف مختلفة، وهذا القصص أشبه ما تكون المذكرات التي يسجلها الإنسان عن ما بعض ما يمر به في حياته، ومن أبرز هذه القصص التي تعالج مرحلة من مراحل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم هي قصة "الإسراء والمعراج" التي قص فيها الرسول صلى الله عليه وسلم مرحلة في حياته. وهي قصة واقعية حكاها النبي صلى الله عليه وسلم وساقها بأحداثها شخصياتها، لا لمجرد التسجيل التاريخي، ولكن للعظة والعبرة والتوجيه.

2- القصة التمثيلية: هذا النوع من القصة اتخذه الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم مثالا للفكر المطروحة أو القضية المقررة سواء وقع هذا المثال على أرض الواقع أو لم يقع، فالقصة التمثيلية تصور الأحداث والوقائع مثل القصة التي رواها النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهمواعلى سفينة فأصاب بعضهم أعلاها ويعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على فوقهم، فقالوا، لو أن احرقنا خرقا من نصيبنا ولم نودئ من فوقنا، فإن يتركواهم وما أرادوا هلوكا جميعا، وإن أخذا عل أيديهم نجدو نجو جميعا.

3- القصة الغيبية: النوع الثالث من أنواع القصص النبوي هي القصة الغيبية. تتناول هذه القصة الأحداث والوقائع من مستمدة من مشاهدة الآخرة، وهي غيب سواء وقعت في الماضي أو سوف تقع في المستقبل، وهي بالنسبة للإنسان غيبا مجهولا، لا تقع تحت حواس البشر.

إن هذه الأنواع الثلاثة للقصة النبوية سيقت بأساليب متنوعة، فهي من ناحية طريقة العرض وأسلوب الأداء تتجلى إما في شكل خبر قصير، ولا يتجاوز في شكل مشهد قصصي، وإنما تظهر في قصة مكتملة البناء والعناصر الفنية. ومن القصص التي تعرض بهذا الأسلوب قصص السيرة الذاتية للرسول صلى الله عليه وسلم والقصص التاريخية. فربما تطول الأحداث وتتنوع ويحتدم الصراع وتنمو الشخصيات والتعدد ويمتد زمان الأحداث.

تنبع القصة النبوية من الواقع التاريخي وتمثل الصراع الفكري بين قوى الخير والشر في النفوس وهي هادفة لأهمية الكبرى في حياة البشر، فكل يجد من هذا القصص النبوي يعد من أنجح الطرق التي اتبعها الحديث النبوي في تأديب النفوس. وهكذا نجد أن القصة النبوية ترسم خطاها في اتخاذ القصة وسيلة من الوسائل التربية والتوجيه وتصوير المبادئ في حية مشرقة.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

1138 هواجس الضياعفي منجزه الروائي الباكورة، الصادر حديثا عن دار الدراويش بجمهورية بلغاريا، والذي انتقى له عتبة "هواجس الضياع"، يحاول المبدع المغربي الحسين أيت بها، المنحدر من مدينة زاكورة، تقديم مشروعه على أنه كيانا يتوسل ملامح الاكتمال، لا فقط، عصارة حكاية تشوش عليها التشعبات، فهي تُتداول بعفوية وشكل منمط، وتتناقلها الألسن للتسلية، عوض عروض النهل من عبر وحكم شتى، في مقدورها التغيير من عقلية جيل، تجاه ظاهرة الجنون.

بحيث تقترح هذه الفسيفساء السردية، في تركيزها على البطولة الواحدة، مثلما ترجمت ذلك شخصية عبد العالي الملقب ب" الهداوي"، مقاربة مغايرة بالتمام للمنظومة المفاهيمية التي تعنى بمثل هذه الظواهر، وهذا يحيلنا إلى لون إبداعي جديد، دامغ برؤى أكثر موسوعية وشمولية، ضمن خطاب أدبي مسكون برح الإنساني ونورانيته، بما هو جنوح ونزوع إلى واقع الرقي الفكري والروحي.

رواية تتلعثم بالكثير من الرموز، خاصة أنها استهلت بالبعض منهم، قصد إعطاء صور ذروة في الجمالية والرمزية والمجاز، لنظير هذه الحالة الإنسانية التي من السخيف أن تقابل في مجتمعاتنا المصطبغة بجملة من أقنعة المقاومة والتجريح والانحطاط، إذ الأصوب، والأنجع هو التعاطي معها بحيطة أكثر وحساسية تليق بعمق ما تزلزل له هوية "الكائن المجنون".

وإذا ما عدنا قليلا إلى الوراء، سوف نجد إشراقات ومحطات وامضة لهذا الضرب من التعامل مع كهذه ظاهرة، على نحو هش وواع، يذوب الفوارق بين الضفتين، أعني بين عالمين : ذوي الإحتياجات الخاصة، حسب التعبير العلمي العصري للظاهرة، والأسوياء، وقد كانت تتم المناداة على فاقد البصر، البصير، أي الذي يرى بعقله وبواطنه، وفاقد العقل، البهلول، أي الحكيم بمعنى من المعاني، وهذا على سبيل المثال، لا الحصر، ما أصّل نوعا ما، لثقافة مبنية على أسس عقلانية تتجاوز العاطفة والشفقة، لرسم إستراتيجية إدماج حقيقي وفعال، سهل راهن مكابدة المعاناة، من لدن هذه الفئة المحاصر بالخلل الوجودي الذي له انعكاسه السلبي، بالتأكيد، على الهوية الفردية، سواء أكان هذا الاختلال أو الحالة المرضية جسدية أو نفسية أو عقلية.

وهو سلوك وملمح للرقي يجب تبنيه، على نطاق واسع، بما تنفكّ له لعنة هؤلاء الذين لا ذنب لهم في ما يعانون ويكابدون.

ينبغي فك الضريبة الوجودية عنهم، أقله تنويرهم بما يؤهلهم لانخراط فعلي إيجابي في مجتمعاتهم، ويعفهم في نفض تبعات السيكولوجي الجارح والقاتل أحيانا.

وأحسب الرواية كرست رسائلها لهذه الغاية بدرجة أولى.

يقول الراوي في موضع:

[إلا أن الطبيب تابع حديثه وهو يعاتب عبد الرحمن على إهماله، قائلا له بأن إمكانية شفائه منذ الوهلة الأولى واردة، ولكنكم تأخرتم في ذالك، والحقيقة أني أحسست بطمأنينة رهيبة بعد كلام الطبيب، كما أني كنت متيقنا بأن عبد العالي، سيعود إلى رشده كما كان في السابق بالرغم مما وقع من أحداث أوصلته لما هو عليه](1).

بالنسبة لبناء الرواية أو معمارها، نجده وقد التزم بمعجم السهل الممتنع، وقنّن باللغة السلسة، كامل فصول هذه السردية، فضلا عن أنه فصلها بإحكام، ما أعطاها تسلسلا منطقيا، يغري بالمطالعة، ويبسط على المتلقي متاهات تتبع المشاهد وتقصي الأحداث، والتزود بالأفكار التي تفيد حالة العودة من الجنون، وتذود عن ثقافة جديدة في التعاطي مع كهذه ظاهرة قديمة ومتجذرة في الأبجديات البشرية.

يقول أيضا في موضع ثان:

[آه هل الآلام والعذابات في هذا العالم مصدرها الإنسان؟ حقير هذا الذي تسبب له في ذلك، أخوه عبد الرحمن كان ظالما جاحدا، كيف أمكن له أن يفعل ذلك ويتركه بعد مرضه، وبعد أن قام بتكبيله، لمدة أيام معدودة، وهو يعاني ويصرخ بأعلى صوته، فتارة ينادي أمه وتارة يستعطف أهله بأن يفكوا وثاقه، كبلوه لأنه كان يحدث الفوضى، لقد قام بضرب أحد أبناء عبد الرحمن، وكسر عدة أواني، لذلك أحضروا مشعوذ القرية الذي قام بربطه، وإجباره على شرب الدواء الطبيعي، وعوض أن يهدأ، ساءت حالته، غير أن صوته خفت وأصبح وديعا، لذلك قام عبد الرحمن بإطلاقه.

مرت أيام وعبد العالي لازال في الشمس حتى كبرت أظافره وبدأ شعره ينمو بشكل كثيف، لقد تحول إلى رجل وديع يجلس في الشمس بجانب أخيه، حتى عبد الرحمن رقّ لحاله فأطلقه](2).

تشير الرواية إلى عبثية التعاطي مع الظاهرة، وتؤكد على أنه لا جدوى من انزلاقات الشعوذة والتدجيل في التصدي لمضاعفات هذه الحالة الخطيرة التي تلغي هوية المفرد وتهدد أمن الجماعة وتبصم بالعار جبين الوطن.

يختلط الديني بالسياسي بالمجتمعي، من أجل صياغة مشهدية تدمي، وتحيل على أفق للمفارقة، فمن جهة التطور الذي أحزره الطب وسائر العلوم، ومن جهة مقابلة هذا الانحطاط العقلي المكرّس لسلطة الماضوية أو الرجعية التي يعشش فيها الدجل وتلبسها وصايا الشعوذة.

يقفل المنجز بشذرة دالة على واقع التشظي، عنونها صاحب الرواية " ذكرى الهداوي" كأنما أتت كوة أو بصيصا لهذا الرقي في المناولة الذي تناوبت عليه الذات الساردة، على امتداد فصول الشفاء، الجنون والعظمة، المصير، كرامات الهداوي، هواجس، العشق، الاعتراف، الحقيقة، وأخيرا الذكرى كسجن، تتوزع مرارته على هذه التيمات جميعها، كي تضعنا إزاء حالة تتكرر في عبورنا الآدمي، غير أنا نجابهها بكثير من العبثية واللامبالاة والإهمال والاستخفاف، مفوتين فرص إنقاذ أجيال تتعاقب وتتضارب أهدافها وأحلامها.

يقول:

[الحكاية التي لن تنساها مخيلتي على مر السنين، والتي أبكتني مرارا، فلترقد روحك بسلام، وليرحمك الله، يا ولي الله الصالح، الذي أخذت منه الدنيا الشيء الكثير، فليرحمك الله، صديقي عبد العالي...

أيها الهداوي: المتصوف، العاشق، الحبيب](3).

خلاصة القول أنه، من هذه الخلفية المتشبعة بالخطاب الحِكَمي الصوفي، تنطلق الرواية في معالجة حالة إنسانية متكررة اسمها " الجنون" لتقود إلى ثقافة تنتصر للرؤى الموسوعية والتوجه العلمي، معززا بفكر تجاوز العاطفة ومضايقها، بغية بسط صفحات جديدة تلونها منظومة مفاهيمية مغايرة، في مقاربة عالم الجنون المرتبط منذ القدم، بمفردات العظمة والعبقرية والنبوغ.

 

احمد الشيخاوي -  شاعر وناقد مغربي

..........................

هامش:

(1) مقتطف من فصل الرواية الأول، الشفاء، الصفحة 14.

(2) مقتطف من فصل الرواية الثاني، الجنون والعظمة، الصفحة20.

(3) مقتطف من الفصل الأخير، ذكرى الهداوي، الصفحة 96.

* هواجس الضياع (رواية) طبعة أولى2019، دار الدراويش، جمهورية بلغاريا.

 

جمعة عبد اللهتتميز الرواية في براعة السرد وتقنياته وآلياته المتعددة الاساليب والاشكال في بنية النص الروائي، في التوسع والتمدد في المتن السردي، الذي يلاحق ويرصد ادق تفاصيل الاحداث المتن الروائي، بهذا التزاحم المتلاحق والعاصف، لكن بترتيب وتنسيق مدهش في تناسق بنائه الروائي، في الغوص في عوالم الاشياء الحياتية بالتفصيل والتوسع المشوق، في اشكالية متطورة من التعبير والصياغة، وفي الاستيعاب الهائل لمسار الاحداث وتتبعها في أدق التفاصيل، في ابراز مضامين البارزة في الارهاب والحرب، في ثنائية الموت والجحيم. التي مارسها النظام السابق، واشعاله نار الحرب، فالرواية تتحدث عن فترة الثمانينات القرن الماضي، أبان الحرب المشتعلة بين العراق وايران، والتي اصبحت تحصد الهزائم في جحيم خنادق الموت المرعبة، تجعل الحياة في ظل هذا الجحيم والمعاناة لا تطاق ولاتتحمل. لان الجندي يعتقد انه وقود في استمرارية المحرقة. ولا خلاص إلا بالمجازفة والمخاطرة والمغامرة في حياته، طالما الحرب تلعب لعبة الموت والحياة، المنتصر هو الموت والخاسر هي الحياة. هذا ماكشفه الابداع السردي الروائي، ولابد من ذكر ابرز معالم السرد، هي البراعة المدهشة في فن التصوير الملهم والخلاب. كأن الروائي يحمل كاميرا التصوير، ويصور ويصف الاشياء في محركات المتن الروائي في عدسة التصوير. كأننا امام دليل سياحي يصف ويصور معالم الاماكن السياحية في دهشة التصوير، يجعل القارئ ينشد اليها بتشوق مرهف وجذاب. يجعلة كأنه يعيش هذه الاماكن السياحية، في ادق مهارة وبراعة في عدسة التصوير. هذه التقنية المتطور في اسلوب السرد وحثيثاته. ولا يمكن ان يكون الوصف والتصوير بهذا الشكل الباهر، إلا من عايش وشاهد هذه الاماكن. ولا يمكن من كشف حالة الغربة واللجوء، وشحتهما القاسية، إلا من عايش معاناة الغربة واللجوء، لذلك جاء المتن الروائي بهذه الدقة في تسليط الضوء على قسوة معاناة الغربة،والصعوبة الشاقة والمرهقة في الحصول على هوية اللجوء. كأنها اختبار لطاقة التحمل والتحدي، رغم شحة الحالة المادية وفقرها ويباسها التام، اضافة الى الحياة القلقة والخوف من المجهول، والخوف من عدم وجود ملاذ آمن يبدد مخاوف اللاجئ، وتفززه هذه المعاناة القلقة، تجعل اللاجئ والغريب في حالة بحث دائم بتعب مرهق، في وجود ماؤى موقت، حتى تسنح له الظروف في الحصول على اللجوء من البلدان الاوربية، لذلك يسعى بجهد في الحصول على جواز مزور حتى يطير به الى دول الهجرة واللجوء. كما أن اعين عملاء النظام من ازلام سفاراتهم، تلاحق وتطارد العراقيين، حتى تجعل حياتهم جحيم لاتطاق، حتى يرجعوا الى العراق خائبين، او ايذائهم او كيل التهم اليهم او اختطافهم. يعني بكل بساطة ان حياة العراقي في الغربة هي جحيم المعاناة. بين الحياة والمجهول. هذه الحالة افرزتها الرواية (هزائم وانتصارات)، وسلطت الضوء على معاناة العراقيين في الغربة واللجوء. انها مخاطرة ومجازفة حياتية. بدليل بطل الرواية (سامر) نجى من الموت المحقق سبع مرات في اماكن متعددة (العراق، كردستان شمال العراق. ايران. باكستان. الهند. تايلند. النيبال). ان الحدث المتن الروائي يشير بأن (سامر) من الموصل هرب من جبهات الموت او من خنادق الموت، حين صدم بوجود مجندين صغيرين وفي اولى ساعات وجودهما خلف السواتر، واذا بقذيفة صاروخية، تحيلهما الى أشلاء مبعثرة ومتفحمة. هذه مآسي الحرب، الكل يفكر بالموت القادم اليه عاجلاً أم آجلاً، لا محالة. لذلك هرب مع صديقة (ياسين) النائب الضابظ. كاتب الفرقة، الى شمال العراق، ثم اجتاز الحدود الى أيران، ووجد الحالة الايرانية لا تختلف على الجحيم العراقي، ويفرض عليهم التجنيد في جبهات القتال، او السجن والتحقيق، لذلك جازفا بالمخاطرة في حياتهم في الهروب الى باكستان. وحصلا بالمشقة على هوية لاجئ. واخذ يتنقل (سامر) في البلدان المجاورة للباكستان، بهوية أيرانية مزورة وبعد ذلك اشترى جواز سفر يوناني مزور،تنقل فية في المحطات التالية ( باكستان. الهند، تايلند، نيبال) وكل محطة يتجرع الشقاء والمعاناة والمجازفات الخطيرة، عاش حياة التشرد والقهر كلاجئ يبحث عن مستقر موقت قبل ان تسنح له الفرصة في الانتقال الى اوربا، بجوازات مزورة، لذلك اتقن عملية التزوير. وساعد الكثير في الحصول على جوازات مزورة، يبعها الاوربيين حين يفلسوا ولكي يشتروا المخدرات بالفلوس الجواز، ثم يذهبون الى سفارات بلدان حتى يسفرونهم الى بلدانهم مجاناً. وكان يتخذ من عملية التزوير لتخفيف معاناة اللاجئين العراقيين، حتى تسنج لهم السفر الى البلدان الاوربية بهذه الجوازات المزورة. ومنهم صديقه (ياسين) ارسله الى الدنمارك. فقد برز (سامر) كناشط أنساني وجماهيري، يقدم خدماته بتعب وارهاق الى الذين يحتاجون فعلاً الى المساعدة، كأنها واجب انساني صرف. لتخفيف من جور الحياة المرهقة والناشفة والشحيحة. لذلك كان يسعى الى تقديم العون، ويفضح اساليب سفارات النظام ضد العراقيين الى المنظمات الانسانية والحقوقية العالمية. وكان يرفض ان يتلوث بافعال والاعمال الشائنة واللاشرعية، حتى يحافظ على قيمته الانسانية رغم الظروف الصعبة التي يمر بها. والرواية قسمت الى ثلاث اجزاء وهي :

1 - القط ذو الارواح السبع

2 - مزيف أجوزة السفر

3 - مصائر متقاطعة

والمتن الروائي يتابع حياة ومسار الاحدث العاصفة التي يواجهها (سامر) في تنقلاته في البلدان، في جواز يوناني مزور. يجازف بمجازفات خطيرة في اجتياز الحدود والتنقل بين البلدان. ليقدم خدماته في مساعدة اللاجئين. وينخرط في الحياة العامة كبائع متجول في بيع التحفيات في الاماكن السياحية، ورغم شحة ظروفه لكنه لم يتوانى في تقديم مساعدته وخدماته في مهنة التزوير. نجى من الموت سبع مرات. واحب خمس مرات من النساء اللائي دخلن في اعماق قلبه، بالحب العاصف بالهوى، لانه يجد في الحب الامل في التغلب على صعاب الحياة، والامل في الحصول على اللجوء في البلدان الاوربية. فاحب بكل جوانح عقله ووجدانه، وكان على استعداد ان يضحي في حياته من اجل الحب والهيام، وبالفعل تبادلن معه بنفس الحب الوجداني العاصف، ماعدا البريطانية اللعوب (سانتا) التي ارادت ان تتخذ من منصة الحب، ان يشاركها في تجارة المخدرات، بحجة انها تدر المال الوفير والرفاه في الحياة والتنقل في بلدان الاوربية بسهولة، بدلاً من ان يكون بائع جوال في شحة المال والحياة، لكنه رفض بغضب واستنكار. بأنها لعوب وافعى لا تستحق الحب. وتتخذ من الحب ان يقترف جرائم ضد الابرياء بالمسحوق الابيض، الذي تعتبره اثمن من الجواهر وخفيف الوزن، وتساءلت في اعجوبة في رفضه القاطع بأن تجارة المخدرات رابحة بقولها (تجارة يا مجنون، فكر في ألفين دولار ربح صافي لكل رحلة مع جواز اصلي لأي دولة تختارها بأتيك الى مكانك ! من دون مجازفة ! الطريق ممهد ! نذهب معاً ونأتي معاً، أيوجد أحلى من هذه الحياة) ص212. لكنه هتف بها غاضباً وحانقاً (أكل ذلك الحب تمثيل ؟

نهضت : أصول عمل. تساءل مستغرباً : أنكِ لم تحبيني !

- بالطبع لا. مهنتي اختيارك. أعدادك للعمل. هذا تدريب لتأهيلك للمهنة !)

 

هتف بغضب (أنتِ أفعى) اكدت على كلماتها : لا. تاجرة) ص212. طردها وداس على حبها المخادع. أما الاخريات فكانت بريئات في حبهن النقي، لكنهن وقعن في مصيدة المخدرات والادمان، بفعل غدر الحب من جانب الخليل والحبيب، الذي استثمر براءة الحب في تجارة المخدرات، وقعن في مصيدة السجن، مثل حالة (هيلين) استغل براءة قلبها بالحب واوقعها في مصيدة تجارة المخدرات وكان مصيرها السجن وهرب وانسل منها كالشعرة من العجين. حاول (سامر) بجهوده المضنية في متابعة قضيتها وتوسط لها في اعادة محاكمتها لانها بريئة وضحية نصاب تاجر المخدرات، واقتربت مساعية الى بارقة الامل والنجاح، بتسهيل اطلاق سراحها، لكنه اصطدم بالخبر المفجع والصادم في انتحارها في السجن، لانها يأست من الحياة ولا يمكن ان تستمر سنوات طويلة في السجن. اصيب بالاحباط والحزن لم يصدق موتها وفقدان حبه، الذي كان يأمل به الخلاص والامل والاستقرار في البلدان الاوربية (أخذت الدنيا تدور، وتدور. أكنت تصدق أتحبك أمرأة مثل هذا الحب العظيم، يا لك من محظوظ. يا لك من سيء الحظ !. تضببت الرؤية أحس بنفسه تغور في اعماق الظلام، كاد يسقط على الارض) ص545. كان يساعد الفتيات المدمنات على المخدرات في علاج الشفاء، في ارسالهن الى (بيت الاصدقاء) وهو مصح يساهم في علاج من انهارت اعصابهن، نتيجة الادمان على المخدرات. كما رفض بشموخ وطني ان يجند نفسه ضمن المخابرات الامريكية بعدما عرضوا عليه الطلب، وعرض المغريات المالية، والدعم في تقديم طلب اللجوء الى اية دولة يطلبها. كما اشار له الموظف الامريكي، لكنه اجاب بالرفض القاطع (في العراق يريدون منا أن نقتل الايرانيين. وفي ايران يريدون منا أن نقتل العراقيين. أينما نذهب يريدون أن يلوثوا أيدينا بالدم ) ص 221. وكان يعاني ارهاق الغربة وتعاستها الفادحة. لذلك لم تغب عن باله مسألة الشعب والنظام والحرب المدمرة، وحالة العراقيين البائسة في الغربة واللجوء، في المصير الاسود الذي يتجرعه العراقيين في الداخل والخارج، في صعوبات الحياة وانعدام الملاذ الآمن. وكل تحركاته ونشاطاته الانسانية والجماهيرية، هي في عيون الرصد والملاحقة من ازلام النظام في سفاراتهم الخارجية. لذلك يتلقى رسالة من العراق، تشير بأن أبيه اخذ الى السجن كرهينة وهو مصاب بمرض السكر، ولا يطلق سراحه إلا برجوعه الى العراق، يصيبه الاحباط والحزن. ولكن اصدقائه شدوا من عزيمته، بأن هذه الاجراء التعسفي في سجن والده، هي من ألاعيب النظام في الابتزاز النشطاء في المعارضة، بهدف رجوعهم، حتى ينتظرهم. الاعدام والموت. لذلك تتولى عليه المحن الحزينة، وبضياع الامل في موت (هيلين)، والتشاؤم في الحصول على فرصة اللجوء في البلدان الاوربية.

 

× الكتاب : رواية هزائم وانتصارات

× المؤلف : محمود سعيد

× عدد الصفحات : 545 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

اللغةُ الشعرية قبل أن تكون وصفية وجمالية هي انتماء وهذا الانتماء هو الذي يرسخ الهوية ومنه ننظر إلى الشعر في العراق في الوقت الحالي بأنه ليس مقاربة معرفية وصورية قائمة بذاتها ومنعزلة عن أيَّة انتماء، بل ننظر إليه بوصفه شعراً قائماً على أساس تثبيت دعائم مركزية الهوية التي تبعثرت أجزاؤها في المدة الماضية ولا سيما عند نشوب الحروب الطائفية، وهيمنت الهويات الفرعية الصغيرة، فاللغة الشعرية ليست كينونة ثابتة بل متحركة وفعّالة وإذا اردنا أن نعرف ما شكل تعبير الكاتب الأدبي أو الشعري فإننا نطرح تساؤلات عن لغته ومعرفته ومن هو؟ وبهذا يمكن أن نحكم هل لغته كانت مماثلة ومطابقة لشاعر ما؟ فمثلاً شوقي حين قلد البحتري في سينيته هل كان يعني الهوية ذاتها؟ بالتأكيد لا؛ لأنّ الهوية في شوقي تختلف عن قصيدة البحتري، ومعنى ذلك أن هذا التطابق مهما كان متماثلاً فلا بد من وجود فوارق في جوهريته وذلك لأنّ المفهوم العميق في النص الشعري للهوية لا يقلد . وفي الشعر العربي المعاصر تحديداً مرحلة فقدانه للوظيفة الاساسية نلحظ أن بعض التطابق ظهر عند شعرائه، لكن هذا التطابق لا يعني أنهم اتحدوا في هوية واحدة، فأجود مجبل حين عاد بنصوصه الشعرية بلغة تجمع بين الحداثة والقدم، متفرداً بهوية فردية لا تتوحد مع باقي الشعراء، فيقول في قصيدة كأس لانقراض ساعي البريد :

  ستُعلنُهم مرايا الوجد سكرا       وهم ضمأ الحروب الى ذويها

وتأريخ الرصاص إذا اكفهرا      وهم في فزع المراكب هزيع

نرى لغة الشاعر قد عادت الى القصيدة الجاهلية لمتانتها وسمكها وأنها قائمة بنفسها ولنفسها مما اتضحت الهوية العربية التي غابت في مناخ التقسيم والتهشيم محاولاً لتثبيتها . ويعود الشاعر ايضاً الى التاريخ والاسطورة يوظفهما بمفردات لغوية تتناسب مع روح العصر ولا سيما في قصيدته خيانات انيقة اذ يقول :

وتُدهشُ الارضَ إذ نعانقها

نيرون عُودَ الثقاب كان بها

لكن روما لها حرائقها

وصبيةُ الأبجدية احتفلوا

في ليلةٍ زُوّرت دقائقها

خانوا على غفلةٍ مُعلّمهم

في لحظةٍ جمّة مزالقها

لم يسألوا عن خطاه

النص جمع بين أسطورة نيرون والعشاء الأخير واليسوع مع تلاميذه، وهاتان الاسطورتان كثيراً ما وظفهما الشعراء في قصائدهم، لكنّ هذا لا يعني أن هويتهم واحدة، بل هنا سعى الشاعر الى توظيف التاريخ بلغة حداثوية تتناسب مع هوية العصر المفرقة التي حاول لمّ شتاتها . وفي قصيدة السومريون سعى الى تسليط الضوء على هوية محددة، فيقول : في ليلةٍ

مع زَقّوراتهم ولدِوا

والقمح مازال طفلاً بعد لم يطحن

فاستقبلتهم أكُفُّ الريح حانية

وعانقهم غصون الآس والسوسن

لغة القصيدة في النص أعادت الهوية الى موطنها الأصلي ولا سيما حين ربط الشاعر ولادة الفرد مع الزقورة السومرية، فركز على الهوية العراقية ذات الجذور العميقة . يمكنني القول إنِّ أجود مجبل سعى الى توظيف اللغة المركبة؛ لإثبات الأصالة للهوية العربية اولاً، والعراقية ثانياً وبهذا تتضح وظيفة الشاعر عن طريق الرؤيا العميقة للهوية الممزقة في السنوات الأخيرة ولا سيما بعد ثورات الربيع العربي.

 

موج يوسف

 

 

1133 سورانيعندما قرأت قصيدة (أرواح صغيرة) للشاعر سوران محمد أنتابتني الشكوك حول موضوع النص/الثيمة، هل هي سياسية أم غير ذلك، بما انه تزامنا مع عنوان الشعر کتب: قصيدة سياسية، فراجعت قراءتها مرات تلو الاخری، کي أتأكد من درجة فهمي لها، أم انه خطأ حصل أثناء الكتابة، ولم لا؟ فمنذ الوهلة الاولی لا يحس القاريء بأي اشارة مباشرة تأخذ بيده ويطرق معه ابواب السياسة النتنة ومجرياتها و واقعها المأساوي وما يترتب عليها في يومنا هذا من المآسي والتشرد والتقتيل، بحيث لا يخفی علی القاصي والداني مساويء السياسيين وما يقومون بها من الابادة والاهانة والتهدير وتخلف الشعوب بناء عليه، ولو وضعت أصبعك علی أي بقعة لخريطـة عالمنا العربي لتجد فيها الاجندات تعيد نفسها لكن بوجوه مختلفة واسماء أخری، وكل ما يحدث هنا وهناك يمكن أن يكون موضوعا حيويا وحديثا لمضمون نص جيد، وغالبا يتوقع القراء العصري من الشعر أن يکون أداة مناهضة لأعوجاج المتهورين الذين سموا أنفسهم السياسيين والقادة باستعمال لغة سهلة وعاطفية، وفي نفس الوقت أخذت في بالي ان وظيفة الشعر لا تقتصر علی نفخ الحماسة فينا وتجيش  القراء ضد ظاهرة معينة لو اراد النص البقاء والمقاومة ضد النسيان  والتهميش، ثم بدا لي شيئا فشيئا صحة تصنيفها سياسية، وتيقنت ان هذه‌ القصيدة  سياسة بحتة  اذا استطاع القاريء کشف المستور ما وراء الرموز والحبکة التي تحتويها الصور الشعرية الکونية فيها، أي بمعنی آخر ان خطاب الشعر يصلح ان يکون لكل زمان ومكان مادام فيها ظاهرة الجور وحكام الجهل والفساد، الذين لا يراعون في الضعفاء الا ولا ذمة، يطحنوهم وهم يزعمون انهم يناضلون من اجلهم، يحرمون السواد الاعظم من حقوقهم وهم يرفعون شعار العدالة والمساوات.

‌الميزة الرئيسية التي تتميز بها هذه القصائد هي وجود اسلوب آخر للتعبير غير الذي عاودناه اثناء قراءاتنا لكثير من الاشعار، الا وهي جعل الصراعات عاما وموضوعيا وکونيا بدلا من حصره في زاوية محددة بالاسماء والاماكن والاوقات المعينة، اذ ان الضعف والقوة هما مضادان وونتيجتان للصراعات في آن معا، لكن كيف نستطيع استعادة القوة للضيف کي يسترد عافيته ويكون متوازيا ومتساويا مع الذي شرده وجوعه وکسر اضلاعه الا من خلال زاوية فنتازيا الشاعر الذي يدور في الكون ويستعير المفردات الخفية ثم يصنع منها مادة لصور متجددة ومغايرة للتي نلتمسها ونراها في واقعنا اليومي.  يتجول الشاعر في الكون الشاسع، ينظر عاليا ويختار وظيفة (السحب) من الطبيعة كي يقرب فکرته الی اذهاننا ويرسم لنا لوحة سريالية تعبر من خلالها البون الشاسع بين هارمونيا الطبيعة ومدی خطورة انحراف الانسان علی هذا الخط ان سلك طريق الطغيان، بحيث يصبح كل شيء داخل هذا العالم المظلم معاکسا للطبيعة او شبيها بکابوس يجلب السخرية والاستهزاء معا ولو ان هنالك من يعانون ويموتون حقا علی أرض الواقع الا ان القتلة لا يتوقفون عن سهرهم وسمرهم وضحكهم، حينئذ يتوقف الشاعر عن الغناء لعشق ليلی، ولا ينتظر منه القاريء ان يكون جوقة لأوكسترا الحرب والابادة في سبيل ادامة حياة الاستبداد والظلم الواقع علی أكثرية الشعب الذين سحقوا سحقا بطريقة ما أو بأخری، مباشرة أو غير مباشرة، جسميا أو نفسيا، فرديا أو جماعيا، والشيء المؤسف ونتيجة للمسلمات هذه انها مازالت الاسوداد الناجم عن الغطرسة والطغيان غطت وجه شمس المساوات والعدالة، لذا يحاول الشاعر ان يقول لنا عن طريق هذا النص يا أيها القاريء العزيز لا تنتظر مني ان اكذب مع نفسي واحشر نفسي مع  الاکثرية وانسی معاناتكم فانا المسيح المضحي من اجلكم ولو لا تشعرون، فلا مفر من محاسبة النفس ان جهلت نفسي وبعت ضميري بثمن بخس.

لو اردنا توضيح أكثر لهذا المعنی الذي ذکرناه آنفا، نتمكن من كشفه عن طريق فهم استعارة الشاعر للصور الكونية وتوظيفها في قصيدته، اذ ان السحب في الطبيعة تمطر مطرا أو ماءا نشربه‌ فيما بعد وله لون معين، ولو ان البعض يقولون ان لون الماء يتغير بتغير الاشياء الذي حوله، فمثلا تری ان لون ماء البحر أزرقا ارتدادا للون السماء، الا ان لونه هنا في هذا النص اسود، لأنعکاس لون الظلمة والاحزان الناجم عن قوة الغطرسة، ولو ان الشاعر ما أطال في حيثيات ووصف مصدر المآسي الا انه استعمل الاتجاه الفوقي تعبيرا للسلطة ، بما ان السحب في الطبيعة تمر وتمطر من السماء عالية مطرا تزهوا به الازهار والحياة المتنوعة علی وجه الخليقة الا ان هذه الغيمة اللئيمة الكدرة التي تمطر من علی علو کرسي القصر لا يبشر بالخير ولا ينبت به سوی أرواح صغيرة وضعيفة کأرواح الفراشة أو النحلة أو الدودة ولا تستطيع مقاومة الظلم والاستبداد،  اذ انها ترمز للطبقة الكادحة المقهورة التي ليست بيدها حيلة الا الموت البطيء المأساوي، ولو يطلب من الشاعر ان ينسی كل ذلك ويغوض في النظريات ولو بخداع النفس الا ان سلطة هذا الواقع المأساوي تحرك الشاعر من الداخل لتکوين قصيدة تناسب وتستحق حجم الكوارث والخسائر في زمن لا يلقي القاريء بالا الی خلفية الشظون وما وراء الاحداث الذي يحدث من حوله. ومرة أخری ينهي الشاعر نصه بصيرورة دوامة الصراعات ونزول هذا السواد من علی کرسي العرش علی قصائد الشاعر كذلك بدلا من الرأفة والرحمة والتسامح الموجود في الصورة الکبيرة کونيا، وهكذا يتألم الشاعر کالعصفور الضعيف التائه الواقع تحت سياط العذاب، دون مخرج ومأوی الی ان يسطع شمس حقيقي تنير دهاليز الجهل والحرمان، حينئذ يبتسم الشاعر مع آخر وردة متفتحة التي ترجع للحياة معناها الحقيقي، لكن لا تنسوا ان ما نعايشه هو حلم مر لا خلاص منه الا بالمثابرة والجد والنهوض. وان هذه ليست قصة من التأريخ بل واقع حاضر يعاني منه الشاعر ويلقي عڵيه الضوء في عمله کفرد واع في مجتمع فوضوي خرج علی سكة القانون ونتيجة لذلك يعاني الجميع معا في مشرق مليء بالفوضی، وهذه‌ الرؤية ليست تشاؤما کما يسميها البعض..

ظلال الغيوم المظلمة

تأتي من المشرق

وتحتل الاجواء..

ومازالت تمطر بغزارة

علی مزرعة القصائد

اذن نستطيع توضيح هذه التقنية الشعرية المستعملة في خطاب النص بهذه الصو‌رة التوضيحية:-

-أنظر الی صورة رقم 1 و2:

***

عبد الغني عطية

 

1129 مستغانميآخر ما أبدعت الروائية الكبيرة سيدة الرواية العربية الأديبة أحلام مستغانمي: (شهيا كفراق) كتابها الجديد، تحكي أحلام مستغانمي قصة رجل لوّعه الفراق، ففقد ثقته في الحب من الأساس. رجل غامض يتقرب من الكاتبة، بطلة القصة، ويخاطبها بكلماتٍ ليست سوى كلماتها. جملٌ سبق وقالتها لكاميليا، ملهمة كتاب (نسيان كوم) الذي حقق أعلى المبيعات... والاهتمام من طرف القراء .

من هو هذا الرجل وماذا يريد منها؟

كالعادة، تحملنا أحلام إلى كالعادة، تحملنا أحلام إلى عوالم العشق المثيرة وألاعيب القدر الخبيثة.

تقول احلام: (أحلام مستغانمي عن رواية شهيا كفراق: إن كتابى الجديد شهيا كفراق موجه للعقول، ويحمل حبًا، وأوجاع الوطن العربى؛ لأننى لم أشْفَ من عروبتى، كما أشارت الكاتبة إلى أنها كتبته حتى تتخلص من أوجاعها)

كيف لا وهي من كتبت عن الحب واستطاعت ان تملك قلوب الملايين، ويعقل اننا نزرع الحب ونحصد الوجع، هي اوجاع الوطن التي لا تغادرنا، ولا تترك مكانا للحب في قولبنا، تتطرق احلام الى هذا العالم الافتراضي الذي اصبح يسطوا على بيوتنا ويجبرنا ان نتجه نحوا العولمة، في كل شئ،حيث تقول:

(هذا زمان الوصفات الجاهزة: كيف تصبح ثريا، كيف تغدو سعيدا، كيف تتقن الطبخ، كف تتعلم الانجليزية، كيف تقوي جهاز مناعتك، كيف تدير وقتك، كيف تفوز بقلب حبيبتك، كيف تختار وجهتك، وتوظب حقيبة ذاكرتك. كيف تكون شخصا محبوبا. كيف تكسب جبالا من الحسنات في دقائق، وتخسر كيلوغرامات من الدهو في أسبوع، كيف تكسب المزيد من الأصدقاء في حسابك، وكيف تستعد لآخرتك ويوم حساب.. وكيف تغدو خبيرا في شؤون القلب وشجونه، وتقلباته وجنونه، ولا تبكي ولا تشقى بعد اليوم بسبب أحد.)

هنا يجد الانسان نفسه يجري وراء الدنيا، وربما لا يمكنه أن يتذوق حلاوتها الحقيقة،جسما توصلوا اليها العلماء، سياتي يوماً أن يسافر الانسان الى لعالم يجلس على طاولة الغداء مع اصدقاء افتراضيين، ويستمتع بالمكان وهو جالس أمام حاسوبه ....

 في هذا الكتاب أيضًا صفحات من ذكريات أحلام الكاتبة والإنسانة، تسردها لأول مرة على القارئ. ذكريات طريفة عاشتها مع قامات عاصرتهم مثل نزار قباني وغازي القصيبي، وأخرى عائلية خصة فيه أيضًا أبطال رواياتها، علاقتها بهم وبالكتابة، فراقها لهم بعد كل، كتاب، ولقاؤها المتجدد مع الكتابة بعد كل حين.

كل ذلك بالأسلوب الممتع المكثّف سريداً الذي عوّدتنا عليه، وبالمحتوى الزاخر بقصصها وقصص الآخرين وهمومهم وهواجسهم إن كانت عاطفية أو اجتماعية أو وطنية.

 عوالم العشق المثيرة وألاعيب القدر الخبيثة، حيث تحاكي لنا عن ابطال في اشهر الروايات التي كان لها تاثيراً كبيراً ونجاحا عبر العالم كقصة، {زوربا اليواناني} للكاتب الكبير الامريكي ارنست إمينغوايا } والتي انتجت فلم هلويديا لقى نجاحا كبيرا، الى فيلم، كان من اشهر الافلام عبر التاريخ،

في هذا الكتاب أيضًا صفحات من ذكريات أحلام، وخاصة تجربتها الرائعة مع قرائها عبر صفحتها على الفيس بوك ...

{شهّياً كفراق} هو ايضا عنوان متناقض يثير الدهشة والتطفل والتطلع لما يحمل عمقه من رسالة طويلة لهذه الحياة التعيسة المفرحة الظالمة القاسية، الشائبة الوارفة في القلوب، الخائنة للعواطف، التي تتعلق بها القلوب، تفرعها الى سابع سماء من الحلم الجميل والحب والحياة الجميلة الشهية المليئة بالملذات، فتغدر بالقلوب فتهوا بها إلى سابع أرض من الظلمات، حياة المرأة بعد الستين حين يخونها الحب ويغيب الشباب عن ربيع العمر، ويبقى القلب متعلقا الا بالذكريات الحالمة التي تغر القلب فرحاُ ...

(شهياً كفراق) كل ليلة أقرأ منه بعض الصفحات فتقول لي أحلام لا تتوقفي واصلي القراءة، غوصي بعمق في قلب الانثى القوية التي كتبت تاريخا من الصمود، في وجه الاعاصير التي تضرب القلب العاشق، الخائف من الزمن، المتناقض للحياة الرافض للظلم تلك هي الاشياء الخفية الذكية التي نقراها في مرآة احلام التي تعكس لنا حياة انثى بعمر الضياء، تهزم الالم وتفرش الدروب فرحاً، حتى لا يقال عنها انها الانثى الضعيفة التي تستسلم في اول وهلة لعاطفة الرجل، ذكرني هذا العمل الرائع بنضال الاديبة الكبيرة غادة السمان، التي حاربت الظلم وقهر الرجال للمرأة،  استمتعت بهذا العالم الجديد من الابداع الذي تعتبر الروائية أحلام مستغانمي أبدعت فيه وأتقنت وتفننت في خلق نوع جديد من الادب العربي، الذي سيكون ميلاده يحمل افكاراً جديدة فريدة من نوعها عبر تاريخ الادب العربي، رغم أن سبقتها اليه الروائية الاديبة الكبيرة غادة السمان بنفس السخرية، والجرأة الكبيرة في وصف حقائق  المجتمع الرجولي والتهميش والتخلف الذي تعيشه المرأة العربية،في صراعات عقائدية وأعراف لا يريد المجتمع الخروج منها، بحجة اننا نعيش في بيئة عربية مسلمة لا فرار منها، الا أنهما يختلفان في الكثير من الاتجاهات والأفكار والزمكان الذي يمد للأخر وجهة نظر محايدة ومستقلة في فنيات الإبداع.

الكتاب عبارة على أنثروبولوجيا لحياة الانسان الذي يتعلق بقشة هشة فارغة اسمها الحب، هذا الحب الذي يدوم حسب تحليلات الروائية احلام مستغانمي وينشأ هذا الحب بين قلبين وحقيقة عمره الا ثلاثة سنوات  فقط ؟ حسب تعبيرها، و تقول أحلام في الصفحة 11: (انتبه أيها المسافر، قد يأتي الحبّ كرفيق مصادفة، ثمَ تفاجأ به يلازمك . اترك له مقعداً شاغراً جوارك، كي يستدلّ عليك وسط الزحام . ذالك أنهُ يصل عندما نكون مزدحماً بكل شيء عداه) ... هكذا هو الحب يأتي للذين منشغلين بأشياء أخرى، وللذين لا ينتظرونه لكنه يغيب عن القلوب المشتاقة اليه ... هو تحليل منطيقي صحيح يعبر لحظات الحب العابرة كما كنا نشاهدها في افلام هوليود، وقصص الحب العربية التي يبقى فيها البطل بلحم بلفاء حبيبته وفي النهاية يموت البطل، ويخلد الحب في قصص ليس لها نهاية، الحب الذي يلد بين قلبين عبر رحلة طويلة في القطار أو الطائرة، والكل يتعلق بقلب الاخر ويحلم بأن يستمر هذا الحب، لكنه ينتهي بمجرد انتهاء الرحلة، والكل يذهب الى حياته الخاصة، حيث يستنتج القارئ من هذا الكتاب أن الحب طفلٌ يلد صغيراً ويموت صغيراً وتبقى الالام في القلوب ونبقى نبحث عنه وهو يهرب منا، وأحيانا يأتي  والقلوب مثقلة بالآهات والآلام والاحتياجات لحياتنا اليومية، وأحيانا الفقر هو من يكون السبب في موت الحب العصري، لان متطلبات الحياة أصبحت جد مكلفة وباهظة الثمن،فنظرة الحب اليوم اختلفت، تبحث فيه المرأة عن الماديات قبل الاحاسيس المرهفة التي تثقل القلب، وتهينه لأنه حب بصدق، فيهرب الحب من الفقر، كما كتبت أنا ذات يوما  قصيدة عنوانها {للفقراء حبٌ مؤجلُ} والتي أثارت جدلا كبيراً بين النقاد والقراء كيف للفقراء أن يؤجل حبهم ..

تقول احلام : (لست هنا لأنني أمتلك وصفة أو أجوبة، بل لأنني كاتبة، فالكتابة هي ما أتقنه حقا. لطالما على مدى عمر، كتبت كثيرا عن العواطف في تضادها، وفي ذهابها وإيابها، عن علو الأحاسيس وانهياراتها، عن النفس البشرية وتناقضاتها بين واحب الحكمة ونوازع الأهواء، عن تلك الأسهم النارية التي ترافق ميلاد الشاعر، وعن انطفاء حرائق اللهفة، ورماد النهايات وموت الكلمات، واحتضار الأمل على مرأى من الأمنيات..

أصبت غالبا وحد أن أخطأت، وما زلت أتأمل في دهاليز النفس البشرية ومتاهاتها. فللكاتب واجب تأملي تجاه المشاعر، ما دامت العاطفة هي ما يحكم الناس في الحياة، وما يحرك الأبطال في الروايات… المصدر: رواية شهيا كفراق للكاتبة أحلام مستغانمي.

كتاب يستحق الاهتمام فهو جدير بالقراءة لما يحمه من عمق في الابداع،وتقرى الفكرة الجدية ف يذهن احلام انها عندما تريد الكتابة تعود الى قاعدة الابداع وتغلق كل صفحتها على شبكة التواصل الاجتماعي، كي ترتب ابجديات الحروف وتبدع أكثر بعيدا عن التكنولوجيات الحديثة، وتسامر ابطال روايتها الجدد، هنا ندرك أن الابداع روحي وواقعي ينبع من عمق الذات .

- شهياً كفراق، للكاتبة أحلام مستغانمي

- نوفمبر 2018

 

سليمة ملّيزي

 

صالح الرزوقتحتكر موضوعات الشاعر العراقي “يحيى السماوي” مسألتان، وهما المرأة والوطن. وهذا واضح منذ عناوينه مثل (هذه خيمتي فأين الوطن)، و(قليلك لا كثيرهن) و(أطفئيني بنارك) وسوى ذلك. ولكنه أضاف في فترة وسيطة قصيدة الرثاء التي خص بها أمه. وكتب في هذا الاتجاه مطولات جميلة وحزينة تذكرنا بأهم قصائد الرثاء المعاصرة. وكان في هذه الفترة بالذات يرثي بلاده الجميلة ونفسه ووالدته بآن واحد. غير أنه منذ فترة ليست بالبعيدة بدأت المرأة وحدها تستولي على قصيدته منذ العنوان وحتى المضمون. فقد أبدى اهتماما بجسد القصيدة (الشكل والأسلوب) بمقدار اهتمامه بصفات المرأة وتولعه بها، حتى يمكنك القول إنه تحول لشاعر حسي يتحرش بالنساء بمناسبة وبلا مناسبة. وهذا هو حال آخر مجموعاته (نهر بثلاث ضفاف)*. أهم ميزات المجموعة أنه لا يكرر نفسه، والأهم أنه لا ينسخ سواه. بل على الضد من ذلك اقترب من موضوعه بطريقه الخاصة. وأولها استعمال أسلوب الإنشاد التوراتي كما في (نشيد الإنشاد). بالإضافة لتكنيك الرحلة التي تشكل عمود الشعر العربي منذ فجره وحتى ظهور الرومنسية الجديدة (أو الحداثة المبكرة كما أحب أن أسميها). لكن هذه الإشارة تحتاج لتوضيح.

 بالنسبة للإنشاد.

لم يكن السماوي يحاكي بالضرورة افتتاحية العهد القديم المعروفة، ولكنه استلهم روحها وتراكيبها. فقد كان يعزو للمرأة صفات طبيعية. بمعنى أنه أسقط جماليات الطبيعة على صورة المرأة، وبأسلوب تركيبي غير مباشر. لقد ابتعد ما أمكن عن تكنيك المرايا وعدسة الكاميرا، ولجأ لطريقة الحدس. واحتفظ بمسافة بعيدة بين المشبه والمشبه به حتى تحول المنظور إلى قيمة عاطفية. لقد كان يشعر بجماليات المرأة ولا يراها. وبهذه الطريقة دمج الصورة مع التصور، وأنشأ بينهما علاقة توليد أو قيمة ثالثة. وعمد لتحويل المبني للمجهول ببناء عكوس إلى المبني للمعلوم. بتعبير آخر إن العاطفة الغامضة أصبحت بمساواة المعالم والملامح. وهكذا احتلت الغريزة دورا أكبر من الحب المجرد أو العذري. ولكن لا يجب أن نفهم أنه يوجد أي اتجاه يحض على الحب المدنس. بالعكس كان، في أساس هذه اللعبة الشعرية، الحبل بلا دنس، وبمفهومه التوراتي. وحصل ذلك من خلال التماهي بين رموز أساسية تدل على المرأة بشكل مباشر، وهي الأم والحبيبة والإلهة السومرية إنانا. وبذلك أصبح الحب والاحترام والتقديس أو العبادة بمقام واحد. مع التزام السماوي بالإبدال بين أضلاع هذا المثلث الرمادي هربا من الإحراج وتنظيفا للعاطفة من أخطاء وأوشاب النوايا الشريرة وغير الإنسانية.

ويجدر التنويه أن نساء السماوي لسن من طينة واحدة.

فهن من نسل حواء أحيانا. ولكن في كثير من الحالات تبدو المرأة عاصية ومتمردة. ومن شجرة ليليث التي ورد أيضا ذكرها في العهد القديم، وتحولت مع الزمن إلى رمز أنوثي قضيبي، أو إلى شعار من شعارات تحرير المرأة. وينوه لهذه المشكلة بمجموعة من الصور المبتكرة كقوله: إينانا البعيدة بعد قلبي عن يدي (من هبوط إينانا، ص 19). وقوله: احذر من عقاب لن تطيق لظاه (من تضرع في محرابها، ص57).  أو قوله بلغة مكشوفة تذّكّر المؤنث جريا على عادة العرب في المديح: لئن عاندت أوجاعي فعذري / حبيب لا يمل من العناد (من أخاف على الليل من سهادي، ص 96).

77 samawi600

 وأعتقد أن السماوي بطبعه شخصية حائرة. فهو لم يحسم أمره، وبقي على مفترق الطرق بين مشاغبات ليليث وإغواءات حواء. وانعكس ذلك أيضا على اختياراته الفنية. فمجموعاته لا تخلو من إشكالية التجاور بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة، مع أجواء يخيم عليها القلق وأحيانا التوسل ثم التهديد والوعيد. ومثل هذا الطيش إن دل على شيء فهو دليل على واحد من إثنين.

1- الماشيزمو أو الفحولة الشرقية.

2- الطيش والتهور الرومنسي.

وبهذه الطريقة تتناوب خصائص العقل البدوي الصحراوي مع العاطفة اللاتينية. وبتجاور الطرفين ينشأ مخاض فروسي لا تنقصه العنتريات. وبودي تشبيهه بالسير والملاحم الشعبية مع الاحتفاظ بالفرق الأساسي بين االسيرة النفسية للملحمة والبنية النفسية للقصيدة. فالأولى تصور عشقا تصوفيا يفتح الباب لسلسة من المغامرات التي تصل لحد الجنون. والثانية تخلص لموضوعها العشقي بلا منازع. وعليه يمكن تبرئة السماوي من عقلية السير. فهي من نتاج ثقافة الابن وابنه. في حين أن شعريته من نتاج رجل منقسم على نفسه، ويفكر بالمرأة كموضوع وكذات، وينظر إليها كحبية وكأم. ولذلك يساوي بين النوم في أحضانها طلبا للدفء وطلبا السعادة. وعلى الأغلب هذا هو السبب في تركيزه على الثغور والأخاديد ذات الوظيفة الغذائية كالفم والنهدين والحلمات .

إن نساء السماوي أحفوريات وكذلك عاطفته. وهي تضغط باستمرار لتصوير يوتوبيا تليق بالمرأة النموذجية التي يتخيلها بجوارحه. وهي يوتوبيا تذكر الإنسان بمفاتن الجنة مع فرق واحد. أن السعادة في العالم الآخر دون توتر (بلغة علمية بلا أعصبة ورهابات) . لكن يوتوبيا السماوي موعودة ومنوعة ومفكر بها، فهي ذهنية بشكل واضح وليست رمزية. وأهم عناصرها النهر والشجرة. وإذا كانت الأنهار تخلو من معناها الأزلي الذي يدل على عدم التكرار والتعاقب، باعتبار أنها أنهار متخيلة ومؤجلة أيضا. فالشجرة تأخذ عدة أشكال وصور. النخيل (سيد الشجر كما يسميه - ص 15) مثلا يشير لحضارة ما بين النهرين أو لفلسطين. ولكل حالة حيثياتها. إذا كانت الشجرة مجردة ومفردة فهي دليل على بلاد سومر. وإن كانت متحركة ويلعب بها النسيم وأحيانا تحتها العذراء فهي تدل على فلسطين. ويبدو أن فلسطين هي الغائب الذي لا يزال يتحرك في لا وعي الشاعر. أولا من خلال أسلوب نشيد الإنشاد (ويأخذ شكل مونولوج درامي على طريقة شكسبير وغيره من شعراء الرومنسيات الكبرى والتراجيديات الأساسية). وثانيا من تكرار اسم الصفصاف واللوز**، وكلاهما نباتات توراتية. أساسا كانت الصفصاف هي المسكن الذي تأوي له المرأة المتمردة ليليث. والاسم بالأصل عبري وقد ورد في حزقيال (17:5). ثم تكرر في خمسة مواضع وأشهرها المزمور 137 حيث توجد إشارة واضحة للسبايا الذين أسروا في بابل حوالي عام 600 ق.م. وهذا يربط مأساة اليهود القديمة مع مأساة فلسطين الحالية. ولحينه توجد في الأراضي المحتلة قرية باسم صفصاف وتعود للإمبراطورية الرومانية. وكان اسمها حينذاك صافصوفا safsofa. وقل نفس الشيء عن أشجار اللوز. فهي الشجرة المفضلة عند تميم البرغوثي ومحمود درويش وأدباء المقاومة إجمالا.  وعلى الأغلب الصفصاف تدل على الماضي الدامي بينما اللوز تدل على النزوح المعاصر. ومثل هذه الروح الشعرية ساعدت السماوي على إغناء درامية قصائده. فهي توفر نوعا من التقابل أو التضاد، وبتكنيك يشبه تماما الذاكرة والذاكرة المضادة. ويكفي أن لأوراق الصفصاف لونين.. أخضر رمادي من الأعلى وأبيض من الأسفل. وأن شجرة اللوز لها لون ناري متورد في الربيع وداكن كئيب ورمادي في بقية الفصول. علاوة على أن الزهرة الوردية تعطي ثمرة مرة المذاق. وهكذا يتطور صراع بين عناصر الخير والشر بطريقة تسعف السماوي على تنقية غزلياته من المعاني الأوديبية وتقدم لها إمكانية للتحويل والتصعيد. ولذلك إن شعرية السماوي في ديناميكية دائمة. وتحت غزلياته يمكن أن تعد ثلاث حركات.

الأولى تكنيك الأصوات االذي لجأت إليه أيضا الرواية الحديثة ابتداء من (السفينة) لجبرا وحتى (خمسة أصوات) لغائب طعمة فرمان و(ضباب في الظهيرة) لبرهان الخطيب. وهذا الجانب يوفر لقارئ مجموعاته الأخيرة وحدة عضوية، حتى إنها تبدو أشبه بقصيدة طويلة تتألف من فصول (مثل: طرفة في مدار السرطان لعلي الجندي وفيها يأخذ طرفة المتمرد الوجودي واللاهي والعابث موضع الملك الضليل امرئ القيس. ويحدد لنفسه هدفا سياسيا). أو أنها تبدو مثل حلقة متتالية من الأناشيد (مثل: الدخول في شعب بوان لمحمد عمران. وهي محاولة لترقية المشاعر الوطنية إلى عواطف إنسانية. وتصعيد للنبوءة السياسية إلى مستوى ظاهرة أو حدس بشري). ولكن هذه المطولات تأخذ شكلا دراميا بالبنية، بينما مطولات السماوي يربط وحداتها التصعيد النفسي، أو تنامي الغاية والهدف. مثلا من (هبوط إينانا) إلى (وصايا إينانا) وحتى ثمرة حب إينانا (كما تفضل الدكتور عبدالرضا علي بالشرح وبإسهاب في مقدمته المتميزة للمجموعة- ص 6).

الحركة الثانية الإشارة الواضحة لحضارة وادي الرافدين مع الإشارات الخفية لفلسطين (النخلة والعذراء ثم الصفصاف واللوز). ويمكن القول إن هذا الاتجاه يعبر عن رحلة تاريخية من نكبات الماضي إلى نكبات الحاضر، ويصنع فرصة لحوار داخلي، ومن خلف ستار، بين تهجير اليهود إلى بابل ونزوح الفلسطينيين إلى كافة أرجاء المعمورة.

الحركة الثالثة والأخيرة هي الانتقال بدراما القصيدة من المفرد إلى التثنية. ولا أقصد علاقة الرجل بالمرأة، أو المذكر بالمؤنث فقط، وإنما كذلك ضياع هوية المذكر بين أب وابن أو محب ومحبوب، واختزال الرجولة بصورة طفل. ويبدو لي أن هذا هو سبب الحيرة التي هي الجو الأساسي في المطولات العربية سواء في الشعر أو النثر. ومثل هذه الحركية أوجدت لدراما السماوي إيقاعا داخليا أنقذت القصيدة من الركود والتجمد، وقدمت لها هوية متحركة عابرة للحدود.

وعن ذلك يقول في قصيدة (ألفة - ص 104):

بين أضلاعي شعوب وأمم.

ليضيف لاحقا بكثير من الورع والتجلي:

أنا في قلبي الله. ص 103.

***

صالح الرزوق

.........................

* اصدار مؤسسة المثقف في سيدني - استراليا، ودار تموز، دمشق - سوريا 2019. وأرقام الصفحات المذكورة تشير لهذه الطبعة.

**في هذه المجموعة يذكر اللوز مرتين. أما الصفصاف فقد ورد في أعمال سابقة.

 

جمعة عبد اللهللشاعرة إلهام زكي خابط

صوت شعري ملهم ومتألق، في شغاف الرومانسية الجميلة والشفافة، بصياغاتها الطافحة بالحلم الرومانسي العذب، الذي يخطف القلوب في الهوى والهيام، يجعلها تتراقص على نسائم الحب، المرهف في بساطته وتواضعه في روحها الشفافة والنقية، الغامرة بلهفة الشوق والهيام، بعذوبة معزوفاتها الشذية الناعمة في وداعة الهناء والحبور، بشفافية رقيقة كالحرير .المطعمة في خمرة النبيذ النقية، لتجعل خوالج الوجدان تهمس بمراسيل الحب، بعذوبة الندى في الفجر، بعذوبة زقزقة العصافير في الصباح. لذلك تجعل للحب والعشق، أسمى قيمة أنسانية في الوجود والحياة، قيمة روحية في بهائها وسحرها الفتان، ان تسافر احلام الحب، كالفراشات في الربيع، حي تتفتح الازهار وتزكي بعطر الياسمين والرياحين. في انغام تجعل القلب يرقص في وداعة نقية ومتواضعة، في الشفافية الحلم الرومانسي. لاشك ان الشاعرة (إلهام زكي خابط) تختلف كلياً في الرؤى الرومانسية في التعاطي والرؤى والرؤية مع الشاعر (نزار قباني) التي تطمح احلامه الرومانسية في امتلاك الجسد في الاقتحام والفحولة . بينما الشاعرة تهدف الى امتلاك الروح بوداعة ودلال شفاف ورقيق وناعم في عذوبته الشذية، لذا فأن حلمها الرومانسي الجميل يقترب من ضفاف الشاعرة الكبيرة (لميعة عباس عمارة) في شفافية الهوى والهيام، في شفافية الشوق والاشتياق . واعتقد وكلي أمل ان تستمر الشاعرة في هذا المسار الابداعي الجميل والساحر، حتى تكون الوريثة الشرعية، بأقتدار وتمكن شعري متألق . لشاعرة الحب والشوق الشفاف. الشاعرة (لميعة عباس عمارة) وهي تترنم في أغاني الهوى والهيام، في عطر المحبة والصفاء والحنان، في روحية عابقة في فيضان الهوى والهيام، كما عزفتها بتراتيل الحب والغرام، في مجموعتها الشعرية (رقصات النسيم) التي احتوت على 33 قصيدة، أو بالاحرى 33 سمفونية في الحب والهيام. كما كان للوطن نصيباً مهماً في هذه المجموعة الشعرية، وهي تغرد للوطن بالحب والشوق، وتصب جام غضبها على كل الذين ساهموا في خراب وتدمير الوطن . وكما تصب جام غضبها على الطائفية المقيتة، التي جلبت البلاء والنوائب واحرقت البلاد والعباد، ومزقت الوطن بالتخندق والحراب والاحتقان الطائفي الهجين .وكما تقف في اناشيدها للوطن، اجلالاً وتعظيماً الى شهداء الوطن الابرار، من كل اطياف النسيج العراقي، الذين ضحوا بدمائهم الطاهرة والزكية في سبيل الوطن . وتتطلع من اعماق قلبها الى يوم الخلاص، الى يوم اشراقة الصباح بعد ليل طويل . ليطوي الوطن صفحات سنوات العجاف . سنوات الموت والدماء والخراب ..... هكذا غردت سمفونية المجموعة الشعرية (رقصات النسيم) على حرير الكلام بعسل الحب والهيام . لنأخذ مقتطفات من نهر الحب والعشق والهوى:

1 - تتراقص نسائم الحب في دلال وحبور . تفتح قلبها في بهاء وزهوً للعشق والهوى، الذي يبلل رذاذ مطره المحمل بعطر الندى الصباحي، يفوح من شذا عابقة بالحلم والبهجة في قلوب العشاق . تتمايل وقت السحر، لتزيل دمعات المطر، في انغام السحر، يلملم احزانها، كما شاء لها القدر .

 رقص النسيم يوماً

 بين أحضان الزهور

 يقبلُ فاه البنفسج

 في دلالِ وحبور

 حاملاً عطرَ الندى

 وخموراً من شذا

 بهجة للعاشقين

 أما شممت عطرهُ

مترنماً يتمايلُ

 حين يدور

 وعلى وجنات الأنام

 تاركاً عبق السرور

 رقص النسيم

2 - ما أحلى ساعة السحر بمغازلة العاشقة لعاشقها . في همسات الهيام التي تخفق لها القلوب طرباً، في بهاء مشع في الروح، لكنه يجري بصمت مكبوت، يكاد يفضح مشاعره المرهفة في اخدود العشق . تغمر روحها في حالة غريبة . كما تلعب في ورق الزهرة، بقلب خافق في انبهاره وتوجسه (يحبني . لا يحبني) تقدح الروح، بين اليقين والشك . بين الزهو والتيه. لكن العيون تكاد تفضح أسرار ما تخبأ بالروح، حين يلفظها (حبيبتي) تحلق في اجنحة الشوق والاشتياق في اعلى فضائها، لتجد مرفئها في القلب الغامر في الهوى والهيام، فتصدح أغاني العشاق طرباً في بهجة وحبور .

 حين تغازلني

 أحساس غريب

 يغمرني

 وأنبهارٌ بصمت مؤنسٍ

 يكاد يفضح

أسرارَ صمتي

 وما بين التيه والزهو

 وما بين اليقين والشك

 في عينيكَ أبحرُ

 عَلَّي آجدني

 أحقاً ما تقوله تراني

 حبيبتي

 بحرقة الشوق تنطقها

 وبعجالةٍ

 يردُ نبض قلبي

 وفرح لذيذ

 في الروح يسري

3 - في سمفونية الحب متكاملة، تكتبها في جوانح المشاعر المرهفة، في خلوة ثلاثية متوحدة بالحب (أنا وأنتَ والبحر)، على عزف اوتار الامواج التي تبارك الحب، بترنم تعزفها الامواج في سمفونية الحب والهوى . تداعب برذاذ امواجها القلوب العاشقة التي تتسامر بهيامها على ضفاف البحر، في نسائم الروح الغارقة في الهيام، بصدق وحنان وشوق . دون رياء، تناثرت حروفها على رمال البحر . ليكون البحر شاهداً لحظة سحر العشق، التي تفوح بعطر الياسمين تداعب وجنات الحب الشفافة في غمرة السحر، بين (أنا وأنتَ والبحر) تمازج روحي في ثلاثية الشوق والاشتياق . دون ان يبقى الحب يلتف بعباءة الخفاء .

 أنا وأنتَ والبحرُ

 وهمسات قلبٍ

 أثملت سحر المكان

 وجدائلُ موج

 على الرمال سابحة

 تتأملُ أسرار الغرام

 من شوق عينيكَ إليَّ والحنان

 أنا وأنتَ

 أسطورة حبٍ

 على الرمال تناثرت

 أو يبقى الحبُ رهينة

 أثواب الخفاء

4 - نقاوة الحب الشفاف في عذوبته، ان تحفظ أسمه بين جفون العيون، واعماق القلب يرقد بكل وداعة . في سر القلب والهوى، خشية ان يذاع سره، هكذا تهمس بخمائل الروح الغارقة في الغرام، في طيفه الجميل . هكذا دخل الحب اعماق الوجدان . دون ان يدري العاشق بزهو الهوى، لذلك تهمس له كاشفة سر روحها الراقد في اعماق الفؤاد، تهمس له بنغمات الهوى حتى مطلع الصباح، تحبو اليه كالطفل الذي يحبو في لمسة حنان، لينكشف سر الغرام .

 أخبأ أسمك بين جفوني

 خوفاً من أن يذاع

 في الهوى سري

 ولوعة أداريها

 وهي خمائل الروح

 تسري

 تغتال الرقاد وتطيل سهدي

 من آذن لطيفك الجميل

 الجلوس بالقرب مني

 يشغل الفؤاد وصفوة ليلي

 هويتُكَ من دون ان تدري

 وما كان في ظني أن الهوى

 في داخلي كالعشبِ ينمو

 وفي وجداني وروحي وعقلي

5 - هل يتمرد القلب على اشواقه في الغرام يوماً ما، وعلى ينابيع عواطف الهوى، ليسير في الدرب وحده، دون قرين روحه الاخرى، او نصفه الآخر، مهما تكابر وتجلد وتوهم بأنه حرسعيد، يدون غمرة حياته وحده . لكن من المحال ان يتغلب على هموم السنين في أطياف الحب، لا يمكن ان يتغلب على أنين القلب المنزوعة في قلبه وروحه في العشق والغرام في الآخر . لذلك يتغلب على القلب العنيد ويرجع الى سكة الحب، واليه يطلب الغفران والمعذرة .

 تمرد القلب يوماً

 على الهوى

 فلملمَ الاشواق ثم مضى

 وسار في الدرب وحيد

 لكنه حرٌ سعيد

 قد ظن في البعد

 نعيماً

 وهذا ما أبتغاه

 حتى مرَ

 من قربه مهمومٌ حزين

 في عينيه بانت

 عذبات السنين

 وصبابة ٍ تشغل في القلب الأنين

 أستدركَ القلب العنيد

 وإلى من فات عادَ مسرعاً

**

 ثم بالود عليه أقبلَ

 وبالعناق

 يرجو المعذرة

 - وحفلت المجموعة الشعرية (رقصات النسيم) حصة مهمة في اشجان وعذابات ومعاناة الوطن، بالاوجاع المؤلمة التي تتوغل في أعماقه، وتصيبه في جراح نازفة، في التمزق والخراب، منذ مجيء حكام الطائفية والفرهود الطائفي، الذي هلك البلاد والعباد، وتمزق نسيجه الوطني بالتشتت والتمزق والشقاق، حين دخلت افعى الطائفية السامة . وكذلك ترسل ألف تحية اجلالاً وتعظيما الى روح الشهداء الابرار، من كل الاطياف والمكونات، الذين ضحوا بدمائهم الزكية والطاهرة في سبيل الوطن . وكما تصب غضبها على كل من سبب الخراب والدمار، من الاحزاب الطائفية الحاكمة . لنأخذ بعض مقتطفات القصائد التي تقف مع الوطن بكل شموخ وطني .

 من قصيدة يا وطني لك َ التحية:

 يا وطني ألف تحية

 لراية ترفوفُ

 فوق روح الشهداء

 لفداكَ راحت ضحية

 لتموزك الخالد

 في القلوب

 والدماء الطاهرة الزكية

 يا وطناً يسكن فينا

 في مجلسنا، في مآكلنا

 في حاضرنا وماضينا

 وصوت كصوت الناي

 من عمق الرافدين

 يشجينا

- تدعو الى الصمود في وجه الرياح السوداء والصفراء، التي جاء بها الحاكم المسعور الطائفي، وذبح الوطن من الوريد الى الوريد . وتدعو الى الصمود والثبات في وجه الطغاة الطائفيين والسلفيين .

 من جحيم الطائفية

 ورغم كل الأذية

 يا وطني لك التحية

 لك المجد المعبق بالخلود

 والثبات المسلح

 بالصمود

 في وجه الطغاة

 أولاد الزنا

 والمواخير السلفية

 - والى الحاكم بذئابه المسعورة للدماء والخراب، وما جاء لحماية الوطن، بل لقتل الوطن واطياف الحرية .

 ما جاء حاكم بأسمك يحمينا

 بل ذئابه تطاردنا وتؤذينا

 مذبوحة فيك

 أطياف الحرية

 - والى بغداد المجروحة، تسأل أين شهرزاد ؟ كيف عصف بها الزمان الاسود ونحر بغداد ؟ . التي كانت عروس الشرق في ثوبها الابيض الزاهي، لكن الطغاة لطخوه بالسواد، أحفاد الطائفية والسلفية حولوا رياض بغداد الخضراء، الى مقابر وخراب .

 عروس الشرق أنتِ

 يا بغداد

 ثوبك الابيض الزاهي

 قد لطخه االسواد

 وبالدمار طرز

 وبأحقادٍ واحقاد

**

 يا شهرزاد

 يا بنت العراق وبغداد

 مليون قصة وقصة

 حزينة بائسة

 على أفواه العباد

 أين المصباح

 أين هو ديك الصباح

 الذي يوقظُ الفجر

 

 ويقوظُ النهار

يوقظُ السلام

 ويشلُ

 يد السياف

**

 كفانا

 أحقادٍ في كل شبرٍ

 من ارض بلادي

 تستعرُ

 × المجموعة الشعرية: (رقصات النسيم)

× المؤلف: الشاعرة إلهام زكي خابط

× صورة الغلاف: الفنانة التشكيلية رنا حليم الخميسي

× اصدار: دار النشر فيشون ميديا - فكشو / السويد

× تاريخ الاصدار: عام 2017

× عدد الصفحات: 117 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

 

عدنان حسين احمدتُوغِل الروائية وفاء عبد الرزاق في روايتها التاسعة ذات العنوان المُشفّر "دولةُ شِين" في مناطق مجهولة لم يطأها أحد من قبل بهذه الجرأة النادرة التي تناولت فيها الموضوعات المحظورة، والقضايا المسكوت عنها متجاوزة التابوهات الثلاثة دفعة واحدة، ومُعرّية إيّاها أمام الملأ بحجج دامغة من دون خوف أو وجل.

تُعد هذه الرواية الأكثر عُمقًا وحساسيّة بين رواياتها الثماني السابقات لأنها تتمحور، حقيقة ومجازًا، على صاحب العرش العظيم الذي يعرف ما في السرائر، ويستجلي ما في النفوس والأذهان، وإذا اتفقنا أن نذهب إلى الفضاء المجازي الذي لا يقلُّ أهمية عن الفضاء الحقيقي المستقر في ذاكرة الروائية وفاء عبد الرزاق فإن شخصية كريم بوصفه الملك الأعظم الذي يتسيّد على الجهات الأربع لهذه المعمورة، وإن تنقّلت بنا الكاتبة منذ بدء الخليقة حتى الوقت الحاضر وأخذت من الزمان والمكان والشخصيات والأحداث ما يناسب نسقها السردي الذي بدا سلسًا وعفويًا ومُقنِعًا إلى درجة كبيرة يؤكد تمكّنها من أدواتها الفنية بطريقة لا تقبل الجدل، ولعل سرّ النجاح يكمن في إقناع القارئ بأنّ الوقائع والأحداث التي تجري أمامه كأنها حقيقية وليست من صنع الخيال.

قد تكون "دولة شين" رواية خيالية مطعّمة بالواقع، والعكس صحيح لكن فنتازيتها أقوى وأشدّ وتصل بها إلى درجة الغرابة، ذلك لأن مضامين النص وتشعباته الحكائية المبثوثة في النسق السردي الذي يتألف من 13 بابًا تنتمي إلى الفضاء الديستوبي   Dystopian الفاسد والمرير الذي راهن عليه شين وكسب الرهان في خاتمة المطاف.

الأواني المُستطرَقة

لا يكمن نجاح هذه الرواية في مضمونها فقط على الرغم من أهميته وإنما في تلاحم الشكل مع المضمون بحيث تماهيا معًا وأصبحا مثل الأواني المستطرقة التي  يُغذّي بعضها بعضًا، فلقد رسمت الروائية مُخططًا مُحكمًا للبنية المعمارية التي تتألف مبدئيًا من شخصيات المملكة الرئيسة التي يتربّع على عرشها "الملك" كريم والقادم الجديد "نديم" الذي سيتزوج من "حسنى"، المرأة التي يحبها، ويُنصِّبه رئيسًا لوزراء المملكة الأمر الذي يستفزّ "شين" ويُغضبه فيتمرد على الملك ويعصي أوامره لأنه لا يريد الخضوع إلى شخص أدنى منه مرتبة وشرفًا. وحينما يشمّ الملك رائحة التمرّد والعصيان يقرر نفي "شين" وطرده من أعالي الجبل إلى أعمق وادٍ فيه. وإذا كان الملك يرى فيه أول عاصٍ لأوامره فإن رضوان يرى فيه "أول ثائر كوني وأزليّ" ترك المملكة وراء ظهره، وتوعّد "نديمًا" وذريته الفاسدة بالويل والثبور. وفي طريقه التقى الراهب الذاهب إلى زيارة المملكة وطلب منه أن يأتيه بأخبار "نديم" وما يدور داخل المملكة. وحينما عاد أخبره بأنَّ "نديمًا" قد خرق الوعد وأنَّ الملك قد غضب عليه ونفاه خارج سور المملكة.

أشرنا سلفًا إلى غرائبية النص، فبدل أن تدور الأحداث في عمق الوادي نرى الراوي "شين"، المطرود من جنّته في صحراء، وثمة أبواب صُفت إلى جوار بعضها وكوّنت سورًا من دون حوائط أو جدران، فأخذ يتلصص من الثقوب ويصرخ عاليًا: "أما من مُعلمٍ خلف هذه الأبواب؟" تنكّر "شين" بملابس فقير ليلج الأبواب الثلاثة عشر ويدوِّن كل ما يراه ويسمعه في دفتره ليُثبت خسة الإنسان ودناءته. تتصدر كل باب توطئة تُمهِّد لقصة جانبية تؤازر الثيمة الرئيسة وتُعمِّقها مثل "الاكتشاف"، "حيرة"، "ليل حالك السواد" حتى ننتهي بـ "الرجوع". وفي بعض الأبواب هناك أكثر من قصة تُعرّي سلوك الكائن البشري. ففي تمهيد الباب الأول يرى الراوي من ثقب الباب قرودًا تُعاشر الحمير وتُنجب ذريّة مشوّهة. أما متن الباب الأول فيكشف عن "أمير" وعلاقته بالمومس "إسراء"، ويحاول أن يسحب بساط العفّة من تحت قدميّ "أنور". وثمة حكمة في كل فصل من فصول الرواية على غرار:"الدين ليس سكينًا للذبح، الدين قناعة ورضا".

الشخصيات وأندادها  

تتجسّد في الباب الثاني قصة الشبيه أو القرين أو الندّ، فلكل شخصية من شخصيات الرواية نظيرها الذي يلازمها على الدوام، تمامًا مثل شبيه "بشرى" أو شيطانها على الأصحّ، ثم يلتقي الشياطين الثلاثة لأمير وأنور وبشرى، وهكذا نتعرّف على شخصيات الرواية بحسب حروفها الأبجدية التي تبدأ بـ "أ" وتنتهي بالحرف الثالث عشر "شين". ما تعرفه بشرى أن إمام المسجد الجديد هو والدها، وقد شاع بين الناس أنه هارب من السجن، ومتخفٍ بهذه الهيأة، وقد اكتشفت زوجته مداعباته الغربية للطفلة بشرى فأقسمت أن تبلّغ عنه الشرطة. وفي منازعته للموت اعترف بأنه اعتدى عليها غير مرة ولعلها تسامحه في النزع الأخير.  يتلقّى أحد الجيران رسالة تهديد بخطف حفيده الصغير فلم يكتثرت بها لكنهم خطفوه وابتزّوه ماديًا، وفي غضون أسبوع وجدوا الطفل مخنوقًا في ثلاجة إمام المسجد، وأظهرت التحقيقات أنّ إمام المسجد وزوجته يرأسان عصابة لسرقة الأطفال!

يضم هذا الباب أكثر من حكاية حيث نتعرّف على برهان الذي يرسم الأوشام على الأكتاف والصدور، وبشير الوافد الباكستاني الذي يعتبر الرسم حرامًا لكنه تفاعل معه وبدأ يرسم صورًا للشياطين، فاجتمع الشياطين الأربعة، ودرّبوا شيطان برهان الذي ما يزال بِكرًا، ثم وجّهوا الدعوة لشيطان بشير كي يكون عونًا لهم في جلب شياطين آخرين.

تتواصل تقنية التلصص من ثقوب الأبواب فنرى بعين الراوي أناسًا يسلخون جلود الحيوانات وهي حيّة، وآخر يدفع حماره من قمة شاهقة ويتلذّذ بمنظر جسده المشطور إلى نصفين. وفي هذا الباب يصادق التاجر توفيق جارته تغريد التي منحها الله زوجًا خائنًا، وحبيبًا لا يفهم كُنه المرأة، ومع ذلك تستلقي على السرير وتخون زوجها الذي خانها مع الخادمة، وصادق يخون زوجته لأنها خانته مع سائقه، فيتحرر الاثنان من وجع الخيانة بخيانة مُضادة. 

تحاول الروائية تغطية مساؤئ البشر التي راهنَ عليها "شين" فلاغرابة أن نرى القتل، والتمثيل بالجثث، والخيانة الزوجية، واغتصاب الأطفال، وزنا المحارم، وممارسة اللواط، والسحاق وما إلى ذلك فنحن في حقل يزرع الخسة وينتظر حصاد الشرور. ولا بأس في العودة إلى الأساطير والخرافات التي تستثمرها وفاء عبد الرزاق بدراية في قصة "جاسم" الذي تنكّر بشخصية ساحر يعالج طفلاً مصروعًا بغية الوصول إلى شقيقته "جميلة" الحسناء التي يقنعها بالهروب معه والزواج منها، ثم يختفيان مع السائق، وتُسجّل القضية ضد مجهول.  

منظمة الغواية   

وبينما يُنتخب أمير رئيسًا لمنظمة الغواية وأنور نائبًا له تتوالى القصص الفرعية، فثمة رجل طاعن في السن يشتري الطفلة حذام وينفث سمومه فيها، وخليل، مالك البناية يخدع خولة ويتزوجها على أمل تسجيل العمارة باسمها لكننا نكتشف أنه متزوج من ثلاث نساء وكلّما تزوج الرابعة طلّق إحداهن كي يظل مسلسل الزواج قائمًا. في الباب الثامن تتزوج دلال من مدير مدرسة المدينة فيغرقها بالأكل والشرب والذهب لكن جسدها الغضّ يظل جائعًا للجنس فتغوي ابن أخته وتمارس معه الفاحشة، فيموت المدير في حادث سيارة، ويسافر ابن أخته إلى الخارج. وفي الباب ذاته يمارس دريد زنا المحارم مع بناته وتموت إحداهن نتيجة لعملية الإجهاض، بينما يُزَجُّ بالمجرم إلى السجن. ولا تتورع "دينا" من إغواء شقيقها الأصغر ليتضاعف عدد الشياطين في منظمة الغواية.                                

ما يحدث في الباب التاسع أقسى وأمرّ، فذو النون الخمّار، والمرتشي، وبائع الحشيش يعتدي على ابنه ذياب ويعاشره يوميًا، ولم يمانع من بيع جسده لذاكر شرط مضاعفة الثمن لكن ابنه يصب عليهما النفط، ويُشعل فيهما النار، فيموت الأب ويتم إنقاذ ذاكر. وفي خضمّ هذه الأحداث يدوّن "شين" كل ما يراه لكي يثبت أحقيته في الثورة التي فجّرها بينما يتضاعف عدد الملتحقين بمنظمة الغواية.

تتوالى الفظائع في البابين العاشر والحادي عشر حيث يستدرج "رسول" مجنونًا إلى المقبرة ويمارس معه تجربته الأولى، ويغوي طفلة يقضي وطره منها وهي حيّة ليكرر فعلته الشنعاء وهي جثة هامدة ثم يرميها بين قبرين بعيدين. أحدهم يقدّم تقريرًا مزورًا لمصلحة ثري كي يذهب للحج بالمال الحرام، وابن تغويه أمه إلى زنا المحارم فيذبحها بالسكين بعد أن يقع في فخّ الغواية.

نواجه في الباب الثاني عشر أبشع وجه للإنسانية حيث يقرر "شين" أن يُلغي البشر ويحتفظ بأسماء الشياطين الذين بلغ عددهم 32 اسمًا يبدأ بأنور وأمير وإسراء، ويمرّ بخولة وخليل ودلال، وينتهي بزهدي وسعيد وسمير.

دولة الشياطين

يؤسس "شين" دولته ويتم انتخاب أنور رئيسًا لمدة أربع سنوات، وأمير نائبًا له فيما يتولى الآخرون مناصب الدفاع والداخلية والخارجية والثقافة ولا يفرّقون بين أصيل ووافد لأنهم يتعاملون مع قوة وعمق الشيطنة في كل شخص على انفراد، ولم يتركوا شيئًا على حاله فلقد جلبوا الرؤوس لجزّها، والصبيات لمعاشرتهن، وهدموا كل شيء على وفق دستور الدولة الشينية. كما علّقوا على الجدران شعار مدينتهم "اليد الحمراء" المصبوغة بالدم. ورغم كل الحقائق التي دوّنها "شين" إلاّ أنه كان يشعر بأنه المتصحِّر الوحيد بين المخلوقات كلّها.

يمهد باب "الرجوع" إلى النهاية المدروسة بعناية فائقة، فحينما دفع "شين" الباب الثالث عشر لم يكن يعرف أنه باب بيته فوجد في داخله اثنين من أعوان "كريم"، أحدهما لديه دفاتر كثيرة، والثاني لديه دفتر واحد فقط. في دفاتر الأول ثمىة تزكية وتأييد لمواقف "شين"، أما الثاني فلم يدوّن سوى سطور قليلة. أخبر "شين" صديقيه بأنه عازم على الرحيل إلى الجبل حيث القلعة وهو يحمل تحت ابطه خزينته لعل "الملك" لن يفرّط به ثانية. يحاور "شين" في دخيلته الملك الساكن في الأعالي، ويسأله عن سبب قسوته التي أفضت به رغم ذلك إلى السعادة الغامرة فلاغرابة أن يشتاق لمداره الصافي، ولجلال طلعته البهيّة. وحينما دخل "شين" وجلس في مكانه الفارغ الذي لم يملأه أحد في غيابه فغيّر "كريم" مسار خطبته وقال:"إن أردت أن تحيا حياة هادئة، فلا تكترث لأيامك السابقة، وعليك أن تنعم بحضورك". وضع "شين" الدفتر الذي ينطوي على إثبات براءته أمامه، بينما تحلّق الفرسان حول "كريم" مُدركين تمامًا بأن مؤسسة الشرّ هي التي تحكم العالم فغابت الشبهات المُبهمة وتلاشت إلى الأبد.

وفاء عبد الرزّاق: "دولة شين"

دار أفاتار للطباعة والنشر، ط2، القاهرة، 2019

184 صفحة

 

عدنان حسين أحمد

 

جمعة عبد اللهشاعر متمكن من موهبته الشعرية الفذة. يبحر في الحروف الشعرية الجميلة، في لغته الرشيقة. والعميقة في الصياغة الصور الشعرية البليغة في مدلولاتها. يطوف بقيثارته الشعرية، المحطات والمرافئ، وارصفة المنفى والتشريد والتهجير. انه سندباد الشعر في الهموم الغربة ومحطات المنافي، بلا كلل ولا وهن. طالما الحنين والشوق يهزه من اعماق وجدانه. من اعماق المعاناة الانسانية. من معاناة العراقي، الذي اصبح حقيبة سفر، في التشرد والغربة، ويخوض اعماق محنته الى المنافي الغربة. لكنه يأخذه الشوق والحلم، أنه شاعر حالم رغم المحنة التي تغلي وتفور في الضلوع. أنه حالم رغم لوعة الالم. يتنفس بشوق وحنين رائحة العراق. أنه يحمل العراق في اعماق وجدانه. ولا يكف عن حب العراق، طالما يتنفس هواء الحياة، يحمل معاناة العراق في شعره ووجدانه، لذلك يعزف في الناي والربابة، ليثبت انه عراقي المنشأ والاصل، عراقي يلبس ثوب نخل العراق.. لذلك يجد الشعر وسيلة للدفاع عن صرح العراق، ويعلن للملاء محنة العراق، إلا بقيثارة الشعر وايقاعها الرنان. يسهر الليالي بأرق العراق. ويحلم من السحب والغيوم الكثيفة، ان تمطر لو مرة واحدة، لتغسل احزان العراق. تنشف دموع المعذبين والمعدومين. هكذا يصهل بكلمات الشعر، بالحب المقتول والمغدور، كالحلاج الذي صلبته الكلمة الشريفة والنزيه، صلبه العشق والحب والهوى للناس والحياة، لم يهادن محاكم التفتيش. لم يغازل الاغنياء والسلاطين، ودافع عن شرف الكلمة ونقاوتها، من ان تتلوث بالسواد. هكذا صدحت المجموعة الشعرية (على أثير الجليد). بما تحمل من عذاب ومحنة. لكنها في نفس الوقت تحمل الحلم بالغرض النبيل. يضعها في صفاء الذهن والرؤية. يضعها في خمرة الشعر بحلاوته الجميلة. يحمل عالمه الصغير (العائلة) وعالمه الكبير الاكبر (الوطن / العراق). لذا فأن قلبه مشطوراً الى نصفين، ولكن يغطيهما بالحلم الاتي بالغد. هذه المديات الجمالية، سكبت حروفها على أثير الجليد والثلج في البرد والهجير. ليتدفئ بنار الشوق والحنين. عسى ان يطل باب الفرح. بعدما طفح الكيل. لكن انطلقت صفارة الانذار، لتكسر سارية الفرح.. في دورة الظلام ليذوب في شعابها الفرح

دقَّ طفل مشرقي بابَ الفرحْ

لم يجبه أحد،

تزاحم الخيول

تنتظر  السباق نحو ساحة الفرحْ

فأنطلقت صفارة  الانذار

قد كسرت سارية الفرحْ

فمالت الزهرة فوق راحة العشبِ

تشرب من برودة الندى

تدفق النور رقيقاً موقظاً حرارة العشبِ

فأستيقظ الفرح

لكنه سرعان ماغاب

ودارت دورة الظلام

فذاب في شعابها الفرح

لذلك لم يبق له وسيلة، سوى العزف على الناي، ليسكب اوجاع القلب بلحن حزين، الذي لم ينام، ولا يتعب من الترحال والتجول في محطات التهجير، وارصفة الغربة، وفي عز البرد والجليد. من معاناة الهجير والترحال. يستيقظ حادي عازف الربابة، يعدو، يصرخ لكن صوته يضيع ويتيه بين الرمال والكثبان. . يا عذاب هذا القلب من الترحال والتهجير . ماذا يبغي من هذه المعاناة بعد ذلك

يا أيها القلب الذي  ما نام

من كثرة الترحال.....

والتجوال...

والتهجير !

ما تبتغي

من بعد هذا البرد والهجير ؟

**

أستيقظ الحادي

يعدو على رجليه

يصرخ خلف الريع والركبان

وصوته يتيه بين الرمل

والكثبان

ويأخذه ويهزه الشوق والحنين الى الوطن الراقد في اعماق الروح والقلب. يتقاسمه خبز الحنين. يمسد نبض الوطن المكلوم، في لوعة ولهب وشجن ووحشة، والاشتياق يهزه من الاعماق. حين يشم ريح الوطن البعيدة، والقريبة من جدران القلب، للوطن النائم في الروح

المطر الهامس يبكي

يزحف

والقلب غريق في الرهبة

في الوحشة

في الأنس القادم

عبر رنين الصوت الحالم

- ألو بيروت !

ألو بغداد !

ألو .... ألو ........ !

يأكل الوطن النائم في الروح

لوع.. شوق... لهب..

شجن.... يقفز.. يقتربُ

من بين خزائن جرح نار تلتهبُ

يهبط الثلج فوق سور الليل، في صمت وشجون، ليشعل نار الشوق. مصلوباً على شمس الغد، او ما بعد الغد، برودة أمل تسري على اوتار القيثار بدون حد

الثلج يهبط فوق سور الليل

والشجر المسجى غصنها في الصمت

والشوق الحزين

تسبح في الشمس غداً ؟

أم بعد غدْ ؟

برودة تسري على القيثار دون حد

تمضي السنون وتتساقط الاوراق والفصول. والعراق في غابات الادغال الوحشية. يحمل مأساته، كصخرة سيزيف، يحملها على ظهره في معاناة الهجرة والتهجير والترحال. كأنه حقيبة سفر بين المحطات وارصفة الغربة. اصابه وباء التشرد والتهجير. ويطوف في المحطات الصغيرة والكبيرة، في الزمن الصعب، تتجرد فيه الاشجار، وتهوي الخيول بين مدن المنفى . وتمضي السنون حالكة يلوكها الزمن الصعب . وتسقط  في الرحيل الصعب،

تمضي السنون

تتساقط الاوراق واحدة .....

فواحدة

وتغفو في محاجرها العيون

تمضي السنون

تتجرد الاشجار ..... تعرى ..

والجليد هو الفصول

تحكي الفصول

قصصاًعن الرايات لوتها الرياح

وارختها بين غابات الرحيل

أوآهِ من هذا الرحيل الصعب !

يا زمن البديل الصعب 

خيل هوت بين المدائن

 

 هكذا اصبح العراقي حلاج جديد، يطارده الموت والصلب. اينما وجد، واينما صهل بخيول الشعر، تنادي بالحب والعشق، وبأسمه يدعو الى منازلة الاغنياء والسلاطين، الذين سدوا هواء الحياة وحرموا الفقراء من رغيف الحياة. ولم يعرف للخوف طريقاً. ولم يهادن بالحب والهوى. من قصيدة (الحلاج مصلوباً).

لوحةُ الشعر  تنادي الحبَّ

من بين صهيل الشعراء

واهتزاز الاتقياء

هو ذا الحلاج مصلوباً

ويزهو

دون ان يعرف للخوف طريقاً

او رفيقاً

لم يهادن في الهوى لوناً

سكوناً

بأسمك اللهمَّ  يدعو الفقراء

لنزال الاغنياء

وحروب الاقوياء

فكل يوم محنة في اشرعة المنفى، هربا من غابات الادغال الوحشية، بالاشباح والاضداد.ويموت شاعر بصمت حزين في المنفى، رغم ان روحه تصعد مع السماء، لتواجه الحساب في ثوب وقلب ابيض ناصع البياض، بالدفاع عن صرح الوطن، وحق الفقراء في رغيف الوطن. قصيدة الى الشاعر الراحل (رشدي العامل).

في كل يوم هجرة،

فشاعر يحط بين غابةٍ

تلتف بالاشباح والاضداد،

وشاعر ينام في أردية الاجداد،

وشاعر يغفو مع الصمت لظىً

منتظراً أشرعة النداء،

وشاعر مات مع السماء،

في كل يوم هجرة...

منفى.. رؤىً...... صمتاً.... واختفاء،

 قد كتب النزال والنفي على

الشعراء

الانبياء

في زمن يسد باب الاتقياء،

هذه مزامير الشرق الحزينة في الزمن الصعب، بين الهجرة والهجير والصمت والاختفاء، تتلوى بوجعٍ على ابجدية المجموعة الشعرية (على أثير الجليد).

 

جمعة عبدالله

 

جمعة عبد اللهيتميز الروائي الخطيب، في المهارة والخبرة في التقنية السردية، في اسلوبه الواقعي. الذي يتعامل مع الواقع برؤية وابداع في طرح الواقع الحياتي والمعاشي، والغوص في اعماق المؤثرات الاجتماعية والدينية والسياسية وتأثيراتها، وبراعة استغلال وتوظيف الزمكان في المتن الروائي. بتسليط الضوء في التجاذبات الصراع من مختلف القوى المتصارعة، في هدف الاستيلاء والاستحواذ. يرسم شخصياته بدقة متناهية، ويجعلها تتحرك وتتفاعل على رقعة واسعة في المنظور الزمكان، في الاحداث الجارية والعاصفة، والمتنقلة والمتغيرة، في دلالتها المتنوعة والمختلفة في النص السردي، رواية (أخبار أخر العشاق)، تحرث في الكشف عن تفاعلات العقلية العراقية بكل جوانب الحياة، وفي علاقتها مع البيئة والمجتمع الريفي او القروي، الذي تلعب به مختلف المؤثرات، التي تتحكم بعقليته، وتقوده الى الفعل ورد الفعل المضاد، وخاصة في الجوانب الدينية والسياسية، وعلاقته في الارض والترحال، هذه العلاقات حتى تتحكم في مصير حياته . ففي جانب المؤثرات الدينية، تلعب دوراً هاماً في عقليته، التي تسيره الخرافة والجهل، بحيث يعتقد الانسان البسيط، بأن التعاويذ والادعية والحجاب . كفيلة بطرد سم الافعى من جسم الانسان . ومن الناحية الاجتماعية، هناك انتهاك صارخ بحق المرأة، بالظلم والحيف والاجحاف . بحيث تقرر مصير حياتها، الظنون والشكوك والاقاويل، القيل والقال بثرثرتها المجة، بذريعة غسل العار . اما من ناحية التمسك بالارض والتراحل، هناك ازدواجية في التعامل المتناقض . بين التشبث الصارم بالارض، والرغبة في الترحال، او الانتقال من مكان الى آخر. او الهجرة الداخلية والخارجية (- أجدادنا عشاق ترحال تدري.. لم يكن لهم مكان ثابت .. خلقنا متنقلين مثل ذرات التراب) ص152 . اما في العقلية المحافظة، التي ترفض الجديد، او ادخال التطور في حياتها . مثل رفض شق طريق جديد في القرية، بحجة هدم خرائب البيوت. ولم يستوعبوا بأن شق الطريق سيساعد على بناء بيوت جديدة، وليس بيوت خرائب آلية للسقوط، سيدخل التطور في القرية يرفل بحياة جديدة . ويظل هذا الصراع المحتدم . حتى انتصرت عقلية التطور في نهاية الامر، ودخل الى القرية شيء جديداً لم تعهده من قبل (تتغير قريتنا كثيراً، أنابيب الماء تدخل بيوتنا، مشروع الخزان يكتمل. الطريق بيننا بين المدينة تعبد، أسلاك الكهرباء تمد) ص256 . اما من ناحية الهجرة . بعد سدت الابواب في المعاناة الحياتية في الداخل، واصبح العراق، كالنسر الجريح الذي تطارده سيارة الصيادين في الصحراء، كما جاء في بداية الرواية، يدل على الصراع القوى في مختلف اغراضهم واطماعهم، في الاستحواذ والاستيلاء، في منفعة الضيقة، او دفعه الى حروب عبثية، او مسك السلطة بالقبضة الحديدية، مما يدفع أنسان الوطن الى الرحيل والهجرة (تهاجر الطيور جماعات جماعات، يطير الجراد أسرباً أسرابا، والانسان عاشق الاستقرار يولي الادبار أحياناً لأهله والديار) ص73 . وسحر الهجرة تفعل فعلها من اجل ايجاد عشب اخضر وحياة جديدة (لم لا ... هيا نعبر الحدود ..... الى هناك ...

ويرسل بصره بعيداً الى حافة الافق .. يتنهد :

- هناك كل شيء أخضر .....) ص151 . ولكن مصيبة الهجرة في بلدان الهجرة، تضيع فيها المعايير والمقاييس . يتساوى الاخضر واليابس معاً، او النبتة الصالحة، والنبتة النتنة والفاسدة معاً . يعني بكل بساطة تتساوى سوية (القرعة وأم الشعر) يتحول العشق الى بزنس، او الى انحلال وانحطاط حتى بين أبناء البلد الواحد . ثم بعض المؤثرات الدينية الجديدة التي ادخلتها الاحزاب الدينية في حكمها القائم، هي عقلية الحواسم، تضفي عليها شرعية دينية . بحجة سرقة مال الكفار حلال وشرعاً . أو هي غنيمة حواسم . هذه الاخلاق الجديدة التي جاءت بها الاحزاب الدينية، وروجتها وطبقتها بشكل بارع يفوق الوصف . لذلك الرواية مليئة بالاحداث العاصفة، في تتبع أخبار العشاق في الزمن الصعب . وقسمت الرواية الى قسمين . القسم الاول، عشاق الفيافي وهو يضم تسعة الاخبار أو قصص قصيرة . والقسم الثاني عشاق المنافي، يضم ثمانية اخبار أو قصص قصيرة . رغم ان الرواية تضم مجموعة قصص قصيرة من الجانبين، لكنها ترتبط بنسق روائي مترابط ومتناسق بشكل واضح، وبلغة سردية شفافة، تغوص الى عمق الحدث في المتن الروائي، لذلك نتابع اخبار آخر العشاق، بشكل موجز قصير . واهم الشخوص العاشقة في النص الروائي :

1 - أحسان: المهندس، وكان منذ الطفولة يتميز بالذكاء والفطنة ومتابعة الدروس بجد واهتمام . وبعيداً عن الزعرنة الطفولية والمراهقة . مسالم في السلوك والتصرف . وعندما اصبح مهندساً تحلى بروحية العمل والاخلاص وحب الناس والعاملين، ساهم في انقاذ القرية من طوفان الفيضان . وكان يحظى باحترام وحب الناس له . هذه الخصائل حرثت في عشق الوطن وتحمل تبعياتها . بالمعاناة والوجع، من وطن تفترسه الذئاب وتقوده الى الحروب . وعندما ضاق به الحال في الوطن، اختار الرحيل والهجرة الى بلدان المهجر و هناك وجد معاناة اخرى، في ضياع المعايير، واللازمة المحبوبة للحصول على اللجوء، يدعي انه كان مناضلاً سياسياً يعاني المطاردة والملاحقة، حتى تجار البزنس، وتجار الباحثين عن المتعة الجنسية، اصبحوا مناضلين سياسيين في سبيل الوطن، واخلاقهم وسلوكهم تحرث في الاعمال غير الشرعية والقبيحة في السلوك، في الغربة تساوت القرعة وأم الشعر سوية، وفي نفس الكيل والمعيار الواحد، بحجة البحث عن الجنة في بلدان المهجر . بينما الوطن المستباح يعاني من لعنة الحروب (تبهدلنا في الغربة، القرعة وأم الشعر منا فيها سواء، لا يتركوننا نعمر بلدنا يحركون غرور زعماء، أطماع أتباع، يثيرون الحروب ونتشرد) ص267 .

2 - شتيوي ومشتهاية: الراعي الفقير. يرعى في قطيع الشيخ ضاري الاقطاعي، دأب في محاولاته التقرب من (مشتهاية) في الحب وان يقنعها بالزواج الحلال والشريف، بدون الاحتيال، لكنها تحاول ان تتملص منه بذريعة أنه فقير لا يملك شيئاً (لا حلال ولا مال ولا سقف عندك، تريد ذياب أبوي يوافق ؟) ص118 . لكنه لم ييأس في محاولاته حتى يظفر بالزواج منها . وعند مخاض الولادة تموت، ويخرج الجنين سالماً، ويسمى (حسان)، لم يقتنع في تغيير المكان والرحيل عن القرية . من اجل طفله، ويعتقد بقناعة، أن الفقير في كل مكان بلا سند . ويكون غريباً ويتيماً في كل مكان . لكنه بعد ذلك يتزوج من أمرأة لديها بنت (حسنة) بعمر ابنه (حسان) .

3 - غضبان ورمزية: أبن الشيخ ضاري الاقطاعي، وعند زواج ابيه من أمرأة اخرى، كف ان يصرف عليه ويقدم الدعم المالي له، مما اضطر الى ترك المدرسة ويشتغل عامل في الفحم، ويتبنى الافكار الثورية المناهضة للاقطاع والاستغلال، يصبح ثورياً متمرداً على المجتمع وتقاليده . يرتبط بعلاقة صداقية مع (احسان) منذ الطفولة . وبسبب افكار الثورية المتمردة، يعاني المطاردة والملاحقة والاضطهاد من رجال الشرطة . لكن معاناته تجعله يستمر في مواصلة طريق النضال . يقع في حب وعشق الغجرية (رمزية) وتبادله نفس العشق والحب، حتى هي تتمرد على عادات الغجر، ان تكون نساء الغجر للكيف والطرب والرقص، ويحاول ابيها تبرير تمردها بأنها مجنونة (- لا تهتموا للبنت رمزية تراها مجنونة .... أنا حالف برأس والدي غير بناتي لا ترقص واحدة تحت سقف هذي الخيمة.. لكن عجيب .. الزلم عشاق الطرب تحبها.. دق يا أعور) ص172 . وتتمنى (رمزية) ان تهرب مع (غضبان) الى الولاية، لتتخلص من حياة الغجر . ولكن (غضبان) لا يريد ان يترك قريته، ويتردد في الموفقة في أزدراء . عناد العاشق (- تريدين ننزل الولاية ... نسلم حالنا يد المدينة .. تحبسنا بيوت طابوق.. نمشي شوارع رفيعة حد السيف ... أضيع رمزية وهذا الهوأ) ص179 . . وفي احدى مطارات رجال الشرطة له، يطلقون في اتجاهه وهو ينهزم منهم، لكن الرصاص يلاحقه، ويقال قتل، حين رجع حصانه وحده، وتضيع اخباره . ولكن عندما يلتقي (حسان) في بلاد المهجر بالمهندس (أحسان) حينما سأله عند صديق وزميل مدرسته (غضبان) يجيبه بأنه يقال عن ابن الشيخ ضاري بأنه (قتل دفاعاً عن مطار بغداد أيام غزو تخوم الالفين) ص277 .

4 - حسان وحسنة : بينهما حب وعشق خفي، فهي أبنة زوجة ابيه، وفي نفس العمر . يجدان في خلوتهما الانسجام والتودد . وكانت ترافقه ولا تتخلى عنه في رعي الاغنام،ولكن هذه الخلوة تناوشتها القيل والقال والظنون المريبة، بالفعل الفاحش بينهما (لولاها لا يجد حسان، مكاناً لخلوته الاثمة مع حسنة، وهي مثل أخته

- روح تصيبها لعنة العشق قل عليهما السلام، تنسخ شياطينها في ذريتها .

- لا عجب، لحقولنا بساتيننا من حكايات الحب ما لطلع نخيلها قبل الرطب ......

- فما ذنب الهرية .. وأي جديد من حرام بها يلصق أو منها ينبق !) ص196 . لذلك صارت خلوتهما مرتع للاكاذيب والخيالات بشى النعوت البذيئة . بأن فعل الحرام وقع لا ريب بينهما . وتحت ضغط الظنون المريبة، تطلب منه (حسنة) ان يهربان سوية . قبل ان يقع المحظور على رأسهما، لكنه يريد الهرب بنفسه من دونها، لذلك تقول له (- لا تصدق خوفي عليك .. والله تعمى عيوني من البكاء لو تترك ديرتنا) ص220 . وبالفعل يهرب بمفرده، ويتركها علكة لظنون والشكوك، بأنه هرب بعدما فعل الخسة الحرام، وخوفاً من الفضيحة هرب . التي ارتكبها في نشوة العشق الحرام، ولم تستطع (حسنة) تحمل هذه الضغوط، التي تلوح بالسيف فوق رقبتها . وجدت نفسها في محنة عويصة لا تطاق، لذلك هربت، ولكنها لم تجد الشفيع الذي ينقذها، فرجعت وكان السيف لها بالمرصاد لغسل العار، وهذا ما حدث فعلاً . ولكن بعد رجوع (حسان) الى القرية، اصيب بالصدمة الحزينة على مقتل (حسنة) . واعتكف بعيداً عن الناس، يناجي حزنه ومعاناته، صوب النهر، يتطلع اليه عسى ان تظهر حسنة، وتسكن اوجاعه واحزانه، التي استسلم لها . وبعد ذلك ضجر وجزع من الحياة، لم يعد أمامه، سوى الهجرة . وحين يلتقي بالمهندس (أحسان) يذكره بأن ابيه اعطاه اسم (حسان) تكريماً واحتراما لاسمه .

هذه أخبار آخر العشاق، سواء عشاق الفيافي، او عشاق المنافي .

 

× الكتاب : رواية أخبار آخر العشاق

× المؤلف : برهان الخطيب

× الطبعة الاولى : القاهرة عام 2017

عدد الصحات : 288 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

1118 مصطفى بوغازيالرمزية والواقعية وجماليات الزمكان في الرواية .

الرواية فنٌ نثري وسردي أدبي جميل، تُعتبر من أشهر أنواع الأدب العرب والعالمي، وتقومُ على طرح قضايا أخلاقية واجتماعية مختلفة بهدف معالجتها أو محاولة البحث فيها، وتختلف وجهة نظر تجسيد الحكاية أو السرد الروائي من كاتب لأخر، فهناك من يوظف فيها شيئا من الخيال حتى يطفى عليها نوع من التشويق، وأخذ القارئ إلى عالم جميل، وهناك من يصفُ السرد الحالم العاطفي، حيث نجدُ معظم المشاهد العاطفية عبارة على لوحات شاعرية، وهناك من يطرح الواقعُ المعاش لحقبة معينة من الزمن، والأحداث الأليمة للوطن، حيث تعتبر الرواية الواقعية هي الأكثر تشجيعاً وقراءةُ، إلا أنها تعتبر كموثق للتاريخ.

اليوم وأنا أقرأ للروائي والاعلامي الجزائري مصطفى بوغازي، الإعلامي المتمرس والأديب المبدع، الذي تنوعتْ إبداعاته وأعماله الأدبية بين القصة القصيرة والشعر والرواية والمقالة الصحفية، حيث صدر له :

رماد الذاكرة المنسية رواية، أحلام الفجر الكاذبة، مجموعة قصص، أفاق الإنسان، دراسة، مسألة القيّم في أدب الطفل، كتاب حوارات في الثقافة والأدب، كتاب حوارات في الثقافة والنقد، تأوهات في زمن النرجس – شعر.

أديب استطاع أن يلملم شتات الذاكرة، وعبق الحروف ليصنع منها عناقيد للفرح، للألم، للتحدي للأحلام، لواقع معاش، انبهرت وأنا اقرأ روايته (امرأه على قيد سراب) رواية إنتاج بيئتها، ليس فقط من حيث القصة والخطاب، وإنما من حيث اكتسابها كل آليات البنية التبليغية العامة للخطاب اللغوي عبر المسار البلاغي للنص، المنحى الجمالي في الرواية لم يخرجها عن واقعيتها باعتبار، أنّ السارد وإن امتلك خيالاً واسعاً إلاّ أنّه لم يجنح عن الأرض بعيدا وظل يستنطق الواقع بكل ما يحملهُ من تناقضات ليغوص في وجدانيات أسلوبه الواقعي، الذي يوصف كل مقاييس الرواية الناجحة بتسلسل، والوصف للأمكنة والأشياء اليومية التي يعيشها الإنسان خاصة في الريف، ما يجعل القارئ يعيش الأحداث بكل تفاصيلها، وأعتقد في راي، هذا هو الروائي الناجح الذي يترك القارئ يتابع الأحداث بكل شغف، ويغوص فيها وكانه سافر الى تلك الأمكنة والأزمنة .

هكذا أحسست جماليات الرواية في (امرأة على قيد ساب) للروائي مصطفى بوغازي حيث يوصف بكل دقة تفاصيل الحكاية، الريف، والطبيعة الخلابة التي تأسر القارئ، وفصل الربيع الذي يتحول في تلك المنطقة إلى جنة، وصفه لكل الأحداث والزمكان يوحي بأن الرواية لها بعد فكري وأدبي راقي ومحببة لدى القارئ حيث لا يمل وهو يتابع أحداثها .

وصف الأمكنة في الفصل الأول بطريقة جد رائعة، حيث يغوص القارئ في تفاصيل الحكاية، بوصفه للطبيعة الخلابة التي تمتاز بها منطقة الريف الجزائري.

(تدانى الربيع مسرعا، فقد كان الشتاء ممطرا، وظلت قمة الجبل تحتفظ ببقعة من الثلج، يعكس تمازج بياضه بزرقة مشعة، بينما راحت أشعة الشمس تغازل الأحياء بدفء لطيف، فيتصاعد بخار خفيف، يعبق برائحة الأرض، وتنساب الجداول رقراقة تتخلل الشعاب، كما تشق السواقي طريقها بين الحقول، فتتفتح ثغور الزنابق والرياحين بألوانها، وتشرئب نحو حزم النور في أبهة وخيلاء.

هنالك على مقربة من سيمفونية الطبيعة، تعالت أعمدة الدخان نحو السماء من سقوف الأكواخ وهي تنفث احتراق ما تبقى من مخزون الوقود، وتظل حوافها تعصر الصقيع قطرات، على منحدرات مائلة تبلل الجدران، وتنحت ثقوبا على الأرض).

وصف للطبيعة الساحرة يفوق الخيال بينما هو الواقع الذي يأخذنا إليه الروائي مصطفى بوغازي ألي بيئته التي ربما عاش فيها أجمل لحظات الشباب، مما يجعله يكتسب المكان في الرواية أهمية كبيرة، لا لأنه أحد عناصرها الفنية، أو لأنه المكان ألدي تجرى فيه الحوادث، وتتحرك خلاله الشخصيات فحسب، بل لأنه يتحول فى بعض الأعمال المتميزة إلى فضاء يحتوى كل العناصر الروائية، بما فيها من حوادث وشخصيات، وما بينها من علاقات، ويمنحها المناخ الذي تفعل فيه، وتعبر عن وجهة نظرها، ويكون هو نفسه المساعد على تطوير بناء الرواية، والحامل لرؤية البطل، والممثل لمنظور المؤلف، وبهذه الحالة لا يكون المكان لوحة فنية بالنسبة إلى الفنان، بل يكون الفضاء ألذي تصنعه الرواية بكل جماليات المكان والزمان، والحدس الإنساني للأشياء الملموسة التي تعبر عن معاناته،

يبقى الروائي في وصف المكان والجمال للبيئة بكل تفاصيلها حيث يشعر القارئ وهو يعيش الأحداث وكانه هناك يعدوا مع الأبطال في الريف الجميل وأصوات العصافير وخرير الماء في النهر، حتى السحاب الذي يجري في السماء يشعر به القارئ، وأنفاس الطبيعة الخلابة التي تمحي وجع الإنسان، الطبيعة الجميلة التي تعرف بها منطقة سطيف بالهضاب العاليا، حيث يوصف الروائي مصطفى أحياناً الوجع كصراخ في الذات للرفض لطقوس وعادات بقيت تقيد تفكير الإنسان

(في ظل هذا الوجع القاسم للظهر، وقرابين الألم في تتابعها على مسرح حياتنا يتراءى لي الريف الجميل بنقائه وصفائه، وطيبة أهله الكرماء، ليصرخ الوجع في أعماقي، تمنيت لو أن والداي لم يغادرنه، وأزهو في طفولتي مسرعة في ذلك المنحدر المعشوشب بين البيت و"الكتاب"، أحمل كسرة ساخنة لأبي مع لبن منعش طفت رغوته وزبده على السطح، وأستظل تحت الشجرتين الكبيرتين لانهمك في حوار صامت مع دميتي، لا أسمع عدا رقرقة الماء في الساقية القريبة، وزقزقة الطيور على الأغصان، لا أحد يتجرأ بالاقتراب، ولا دكاكين تغري بما تعرضه فتجعلني الحاجة فريسة لمصدوم في واقعه، لم يجد سقفا يأوي إليه بمساحة قدمين مربعين يحقق أحلام الزواج فيه، فراح يصب مكبوتاته في جسد ي الغض الذي كان يجهل لغة التحاور بالاحتكاك، فكان يزفر وتهيج أنفاسه وتنتفخ أوداجه، ليتنحى من أمامي فجأة متهالكا، وهو يتفصد عرقا، فتمتد يده إلى مناديل الورق ليطمس آثار جرمه مع.)

نعيد ترتيب الأحداث في الرواية إلى اهم شخصية تحرك الحكاية وهي (راوية) الفتاة الجميلة التي كانت مدللة في بيت والدها رغم بعض التضييق الذي يعيشه مجتمع محافظ، أن المرأة ليس لها الحق أن تدلي برأيها خاصة في الزواج .

تدور أحدثاها في منطقة نائية في ضواحي سطيف، أين تكون الطبيعة في الشتاء قاسية، ولها جمال خارق في بقية الفصول، تحكي عن معاناة سيدة رفضت التقاليد والأعراف تحاك القصة، على لسان الفتاة حنان بطلة روايته، التي عانت من ضغط التقاليد والاضطهاد في مجتمع محافظ،معاناتها منذ الصغر وصولا إلى شبابها الذي قضته محبطة، البائس لرفضها للعديد من الأعراف والتقاليد التي خنقت أحلامها، ففارقت محيطها البائس المعزول الذي تركها تدور في ألاعيب سياسية واجتماعية ترفض أي رأي لفتاة تريد التغيير لبيئتها خاصة الظلم الذي تعرضت إليه والدتها،

(حنان) التي تقمصت شخصية الراوي، والبطلة في تفس الوقت، التي ترفض عمل والدها والذي ينغمر بفعل المادة في الدجل والشعوذة، (إلا أن مهنته الحقيقية هي التعليم) ويتنكّر لعائلته ويهجر زوجته، والضياع في العلاقات المتعددة، يقود حتما إلى اضطراب الأسرة والأبناء . يكتب بلسان السارد، عن البيئة التي عاشت فيها أمها والجد المتعصب، التربية القاسية، رفض تزويج الأم لأبن العم العاشق، أصابتها بمس من الجن نظرا للبيئة التي تعيش فيها، يؤمنون بهذه الطقوس والأعراف والخرافات،والتي تعتبر جزء من حياتهم، والتحكم بمصيرها ومستقبل العائلة، الرجل المتجبر على مِن يعمل ويعيش في كنفه، غير أن والدها يفسخ خطوبتها على إبن العم هروبا من العار وكلام القرية التي لا يخفى عن أهلها لا صغيرة لا كبيرة، فيحتار الأب في مرض ابنته (راوية) التي كانت فائقة الجمال ولا يراها أحد، تقع في براثين مدرس القرية أو (الطالب)، الذي أت به والدها ليعالجها ويخرج منها الجن الذي سكنها، فينبهر بجمالها ويلازم التردد على البيت، حتى قنع والدها وتزوج بها أخيرا .

رغم ما عانته الأم إلا أنها بعد ميلاد ابنتها الأولي (التي تصبح هي بطلة الرواية) حنان كانت فرحت الأب كبيرة وتنبأ بالفرح والنجاح، حيث بعد ولادتها جائه تعيين للعمل في المدينة، كمدرس ومن هنا بدأ السعد .يضحك للعائلة ولراوية التي تزوجها سي البشير مدرس القرآن، فأصبح سي البشير يعالج المرضى وتأتيه شخصيات حتى من الطبقة المثقفة، وتحسن وضعه المادي ورزق بأبناء آخرين هما صالح وسعاد ورقية،

وضع الروائي مصطفى بوغازي في هذه الرواية الكثير من العادات والطقوس التي كانت تمارس من طرف شيوخ القرية لمعالجة وإخراج الجن من المريضة (راوية) . هنا نجد الوصف لهذه الأحداث بملعب دقة وهذا ما يشعر القارئ بأهمية الزمان والمكان والأحداث في الرواية، حيث تخرج عن صمتها البطلة وتعنت والدها الذي اصبح بيته ملاذ لكل أنواع البشر من إرهابيين وقياديين في الدولة،ومجرمين يتعاطون المخدرات، ومدمنين عن شرب الخمر، وتنفتح العائلة على الربح السريع من جلب المال من كل هؤلاء البشر، حتى انتقلت جريمة المخدرات إلى أخوها الذي أمسكت به الشرطة، قصص متشعبة تصف الأحداث الأليمة التي المت بالوطن أثناء العشرية السوداء والذي اختلط الحابل بالنابل.

حنان التي أرادت أن تنجح بطريقة كانت وكان عارف والدها ساعدتها من اجل إتمام دراستها والدخول في سلك التعليم، هذا ما أضاف لها العديد من الفرص والحظ للظفر بفراس أحلامها، وتحقق ولو جزء بسيط من سعادتها التي لم تذقها في حياة والدها المتشعبة، والخرافية التي ترفضها في داخلها لكنها مرغمة على المشي قدوما فيها .

ويسافر بنا الروائي مصطفى بوغازي عبر الأحداث المتشعبة إلى نهاية صادمة غير معهودة يكتشفها طارق مدير دار النشر في نهاية الأحداث،بعد معاناة مع المرض سرطان الثدي الذي أود بحياتها وهي لاتزال تحمل في أفكارها أحلاماً يافعة لم تتحقق بعد تحمل المشعل ابنتها دعاء، وتريد ترتيب أوراقها، أو مخطوط كتابها الذي تركته حنان، ليضع القارئ وبطريقة ذكية على نفس الخط مع الشخصية الرئيسية ككل القصص الخالدة، والكلاسيكية، بموت البطلة، رغم النهاية المؤلمة للرواية إلا أن القارئ يشعر عن هناك بقية القصة التي تلد مع ابنة البطلة، القصة الألمية والمتشوقة والمتشعبة أخذتنا الروائي إلى شعابها وملاذها وعنفوانها ولغتها الراقية الجميلة، وأجاد الكاتب في سبك أحداثها وعرض الأفكار العديدة من خلال تلك الأحداث الواقعية التي حتماُ ستؤرخ حقبة معينة ومهمة، من تاريخ الجزائر الجريح.

 

الأديبة والصحفية سليمة ملّيزي

 

احمد ختاويبناء الاسوار الحسية في قصة "الاحتراق في ظل الموت" للآديبة الالمعية هيام فؤاد ضمرة ينبعث من مواجع "ندين"

بدءا بمساءلة الفقد كوجع في مكنون المكان الحسي كمعطي شعوري، استنباطي، في مخيال القاصة، الاديبة فؤاد هيام ضمرة، كمقوم تفاعلي لهندسة مستنبط آخر في مكنون الزمكانية الحسية بمنظور تقاطع المكان بالزمن الحسي دائما / الحس / المشفى . ..

التقاطع بين الحسي والادراكي في مفعول حركية الاصطبار بأسئلة الدلالة وعلائقها بين الممكن واللاممكن .جلب - حسيا * لا زمكانيا بانبعاثية قصوى في عبثية الوجودية - حيث الدلالة والتدليل ومسار التراجيديا ومقارعة مجاهلها ومآلاتها تربعت على عرش هذا التجلي.

تقاطبات وتجاذبات هذه الوسائل الحسية جعلت أيضا من ملفوظ الانين صياغة بينية

تراجيدية بشكل استوائي في غاية الاهمية والعمق والتناول والتداول على صعيد الخطاب السردي، و"تسريد" المباني والمنحنيات الكامنة في عمق المأمول والمحلوم به

بدءا بأول زفرة الى غاية المشفى ومساءلة البرزخ كمقوم روحي ودلالي لبناء هذه الاسوار في عملية " تسريد " ندين " كمعطي، وكمفصلية في توطين هذا البرزخ في المعطي الادراكي المتأجج..

المحلوم به في سياقات ممكن ولا ممكن البرزخ كمفصلية محورية جعل أيضا من القاصة والاديبة الأردنية الكبيرة فؤاد هيام ضمرة بمراسها أن تتبنى قيّم " وهن التمنى " رذاذا لا يجلب مطرا أو فألا، بقدر ما يستجيب لقدرية المحتوم، لا المحلوم به وإن كانت في مخيال القصة والمخيال ضربا من ضروب الاستشراف في البناء الواعي لما ستؤول اليه مجريات ومسارات القصة، وهذا لا يصدر إلا من وعي أديبة مقتدر أوأديب مقتدر، قدير يحسن فن السرد وترويض الشخوص من حجم الاديبة الالمعية فؤاد هيام ضمرة . وهذا ما حصل في " الاحتراق في ظلال الموت "...

وعند القاصة معا من أنه سيكون إحدى البدائل في الدار الاخرى، لم يتضح هذا مأملا وإنما ظل عائما محلوم به هكذا كان استشراف الادبية الالمعية الاردنية في الاحتراق في ظلال الموت...

الأديبة الاردنية الكبيرة فؤاد هيام ضمرة حين تؤكد / ..قولها:

" ياه يا راضي.. ما أضعفنا نحن البشر حتى ونحنُ نُحاول أنْ نرتدي ثوب التجالد والقوة، يتبدى الهول في داخل أعيننا، فالضعف فينا يشف كما الزجاج من تحت جلودنا، إنه أقوى منا، ينتظر فينا اللحظة الحاسمة ليتفجر من عمق مكنوننا، فإذا به قد غدا قيحٌ يأكل داخلنا ويفتت عضدنا، الحكمة العلمية تقر بحاجتنا التعبير عن مكنوناتنا واستخراج الضغط الجاثم على صدورنا، والحكمة الروحية تطالبنا حسن التصبر والتجالد وتمنحنا عليه " أجراً، فأين نحن منهما؟ " لتدحض ذلك في ارتداديتها هذه السردية في قولها " :

" مكتوب عليك أيها الإنسان أن تحتمل قهر القاهر الأكبر، ذلك الموت الذي إما يباغتك فيجفلك بالقهر أو يبتعث مسنناته ليحفرك بالأخاديد مُجرَّحاً، وبكلا الحالين فأنت مشروعه الأكبر للألم المُضني وانهيارات الأحزان "

لتؤكد ايضا في تقاطع وجودي، ارتدادي، ضمني مناصفة مع روح التمني فيها أن المحلوم به سيتحقق

تقول في محاورة هذا الممكن / اللاممكن : :

- "هلْ تدرين أني سأتمنى على خالقي أنْ تكوني أنتِ حوريتي في الدار الآخرة!؟ "

فترد الأنات والزفرات الحسية :

"جفلني كلامك، شعرت أني اخترق مكاناً ضيقاً يخنق أنفاسي، لقد أعدتني بسرعة عجيبة إلى ظلال الموت، وكان انقشع لبرهة يسيرة عني، هربت من براثنه في وقت كان يتلبسني كجلدي، لا يسمح لي بالابتعاد بضع هنيهات، فقد كانت أنيابه قريبة من عنقي، يوشك أن ينقض ماصاً آخر قطرات دمي "..

هنا ينام المحلوم به بين دفتي المخيال والتخييل معا في الماورائي الحسي و ما ينسجه ذات المخيال من تأمل وارتباك الذات في هذا التجلي ايضا، قولها :

"صباح ذلك اليوم الذي بدا كئيباً منذ لحظته الأولى، وقد احتقنت السماء بغيوم صيفية جافة تدفع القلب إلى الانقباض، تسحبت بأرَقي الليلي بعد صلاة الفجرلأتمدد بملابس صلاتي على الأريكة الكبيرة في صالة المعيشة، لتسحبني غفوة عطشى إلى شاطئها المتباعد، لم يكن قد مضى على غفوتي كثيراً حين وجدتكَ فوق رأسي تستنجدُ بي"

"ندين.. ندين؛ أنظري كأن خطواتي لا تأخذ لها استقامة، أحس بانحراف اتجاهي رغماً عني .. أرجوكِ راقبي سيري.. هل تلاحظين ذلك؟"

هذه الرهافة الحسية في مغازلة الممكن بمنأى عن حتمية ما يخبئه البرزخ كنهاية لكل هذه التجاويف المخيالية لتكون حجة قدرية بفعل القدر ذاته من منظور أزلية الرؤي و الرؤى معا ..

المبنى التصاعدي على صعيد المعمار الهندسي في خطاب " التسريد في قصة " الاحتراق في ظلال الموت "...

للقاصة الاردنية الكبيرة فؤاد هيام ضمرة أججتْ،

الاقاليم الحسية في مبانيها، حيث

تنامت جذورها البنائية من صيغة المتكلم والمخاطب ليتقاطعا بتىوين الدلالة والمبنى توافقا وانسجاما

وظائف تلاوين الخطاب السردي في ذات القصة لم تبحر - عبثا - خارج تأطير المبني الحسي كمفصلية في البُعد الدلالي الزمكاني - حسيا - باستثناء وتبة واحدة في التعاطي مع الزمكانية في ثنائية المعطي (المشفى) كمكان جامد، فيما توزعت تضاريس القصة على أقاليم حسية ومحيطات إدراكية تنبئية شعورية .

شمولية تأسيس المبنى الخطابي في منحاه " الحفري " بحثا عن المأمول ..و.مقاومة البطلة ندين " والخوف من طلائعية البرزخ كمقدام من وراء وجود ميتافيزيقي قد ينخر ويغدر بذات الذات المتأججة، الذات هذه التي جعل منها أيضا بوابة مناولة لقدر مجهول، كمن يسند له مشروع بناء وهو ليس المقاول الحقيقي .

في سياقات هذه القصة وحده البرزخ من يملك تأشيرة الوصاية على القدر المحتوم لا المحلوم به .والذي توجست منه غريمته البطلة " خيفة ليس كمأمل موعود به بالدار الاخرى وإنما كشبح يسكن ريب البطلة .. ويؤرقها .

تستعيذ منه، كما تتودد له -- عند انهيارها - كمعطى حسي جدير بأن يخلق الفارق التأملي في ما تسعى اليه

لكن هذا البرزخ بوصفه طرفا معاندا لا يستجيب ..

ويظل طرفا مخيفا، هاجسا يسكن مجاهل توددها

تؤكد ذلك في قولها

" لست أدري أيها الغالي أكنتَ أنتَ مَنْ يُسارع الخروج مِنَّ الحياة، أم أنَّ الموت كان يستعجلُ اختطافك.. لكنه القدر يا عزيزي وقد قال قولته الأخيرة وأغلق بعدها الكتاب، القهر الأبدي الذي وُجِدَ للسع قلوب البشر وحفر أثر الفقد عميقاً، النهاية الحتمية التي نخطو كل خطوات الحياة لنصل محطتها الأخيرة شئنا أم أبينا، نعبر بوابتها إلى عالم برزخي مجهول المعالم "..

.. اللسعة تجيء - إصرارا - من هذا العناد

ويستسلم التودد والاستعطفاف لجبروت البرزخ كسلطة فوقية تسكن مجاهلها ومجاهل الماورائية

فتستلسم في كل محاولة يائسة منها، وترضخ لمبارزة خرجت منها مصلوبة على أعمدة القدر بحتمية هذا الاخير

قولها "في تأكيد ثان"

"حط الموت بضخامة جناحيه مغلقاً كل احتمالات التصابر ليخذل عقلي، ويقهر أملي، ويصعق تلافيف دماغي صعقته الأشد، ليس فقط لأنه هلهل سقف حياتنا بافتقادك وأطفأ شعلة الحياة فينا، بل لأن ما بعد فقدك كان هناك منا من جعلنا نسيرُ على حافة الجُرف على رؤوس أصابع أقدامنا، وفي القاع فك يوشك على افتراس احتمالنا، فلا قائد لنا بعدك ولا ظهر نتكئ على صلابته، فبغيابك فقد الملاذ دفئ زواياه وحط الصقيع فصلا طويلا لا ينقطع "

تبدد كل شيء في هذه النهاية المفتوحة،

برزخ يمكربها بشهية القسوة، يعكر مأملها وأن بدا مستحيلا ...

ويمتزج المخيال وتظل المناولة حجر أساس لمشروع حياتي غامض وميؤوس منه في

قصة ظلت معفرة بالزفرات

خاصة الزفرات التالية التي طرحتها ارضا على الحلبة

هذه المدخلية الراضخة

" فلا قائد لنا بعدك ولا ظهر نتكئ على صلابته، فبغيابك فقد الملاذ دفئ زواياه وحط الصقيع فصلا طويلا لا ينقطع ".

يرتطم هاهنا المبني بالدلالة بالمأمول بالمحمول به بواقع صلب دخوله يقتضي ويقاضي في ذات الاوان أوراق شجرة التوت، رمز الاستمرارية أو شجرة الصفصاف، أو حتى انين الاطفال، وتنهيدات " تدين " أو نظرات الزائغة تغرق في فراغات أخرى، ليس بالضروة أن تلد أوراق توت أو حتى إذا تم تلقيمها أو تلقيحها بمآلات أخرى فإنها قد لا تلد منافذ حياتية أخرى " بقارس معقود على نواصيه المأمول المرتقب والامل المفقود ..

النهاية في فك المخيال ها هنا انتشلتها الاسوار وإن بدت عبر مسار القصة مأمولا وحورية منتظرة ..وتطمينات قدرية قد تبدو مسستبعدة ..من منطلق رؤية البطلة بأن البرزخ شبح وهو من أخذ أبو راضي بقوة قانون القدر ..

..لترتد مباني الارتدادية الخطابية في صيغة المخاطب فتذرف تلك الزفرات مطرا عقيما،

تقول في هذا السياق "

" نظرات زائغة تغرق في الفراغ"

ليسدل الستار ويعفر على لسانها

نظرات زائغة تغرق في الفراغ .. في وحل موميات المحتوم لا المحلوم به

 

كتب أحمد ختاوي / الجزائر

 

1113 منية الجبالي"خواطر" تقصدت فيها الكاتبة الافصاح عن أحاسيسها وفق تلقائية سردية بشحنة من الوجدانيات..

الذات في حلها وترحالها تقتحم عوالم البوح قولا بالكينونة تحتفي بشواسعها وهي تراوح بين تلوينات شتى من الحلم والأمل والرغبة وفق ضروب الكتابة بما هي شجن ولوعة وسلوى ومساحة وجد .. الذات تعلن عناوين تفاصيلها حيث الكلمات موسيقى من نهوند وصبا .. انها لعبة الكتابة بما تتيحه من تجليات الذات تكشف حيزا من الاعتمالات والهواجس والأحاسيس.. والذكرى.. الذكرى الحية المتجددة تجاه المنشود والمرغوب ..

من هنا نلج عوالم الكتابة عند الكاتبة منية الجبالي التي صدر كتابها مؤخرا بعنوان " اليك ترحل الدنيا " عن دار السكرية للنشر والتوزيع بمصر وفي 85 صفحة من الحجم المتوسط.

الكتاب تضمن عددا من النصوص منها " طفولتي " و" صمت " و" الحبر السري " وهروب " ومشاعر خرساء " وثرثرة وهذيان " و" نزيف الشوق " و" نبض قلب " و" عطر كلماتي " و" ذكريات " و" ليتك تعلم ".. .

هذا الكتاب أشار في غلافه الى جنس نصوصه "خواطر" حيث تقصدت الكاتبة منية الجبالي الافصاح عن معترك أحاسيسها وفق تلقائية سردية فيها شحنة من الوجدانيات ولا ترتجي سوى البحث عن ذاتهابين السطور.. وهنا تقول في نصها " توهان في سراديب الحياة " ص38 :

" أكتب لأبحث عن نفسي بين السطور.. لربما تحادثني ذاتي بين الحروف .. علني أخترق صمت روحي فتتكلم وتبوح.. أكتب علني ادون في دفاتري ما يخفيه عقلي.. طفلة يتيمة زادها بعض الكلمات .. قصيدة وأغنيةحزينة.. أكتب حتى لا أرحل دون أن أترك أثرا."

تخيرت الكاتبة شكل الخواطر والخاطرة هي ضرب أدبي ".. كغيرها من الفنون الأدبية متشابهة إلى حد كبير مع أساليب القصة والرسالة الأدبية والقصيدة النثرية(ويكيبيديا) إلا أنها تتميز الخاطرة بأنها غير محددة "برتم" أو وزن موسيقي معين أو قافية وتخلو من التفصيلات فهي تعبير عما يجول بخاطر الكاتب أي تعبر عن حالة شعورية خاصة بالكاتب في قالب أدبي بليغ ويكثر فيها استخدام المحسنات البديعية والتصوير والكلمات القوية أي أنها انفعال وجداني وتدفق عاطفي ومن اسمها (خاطرة) هي خطر على البال مرّ أو ذكر بعد النسيان ويكون وليد اللحظة أو الحين ومدته قصيرة فهي تكتب لحظة حدوث الشيء أو بعده ولا تحتاج لاعداد مسبق ولا تحتاج لأدلة او براهين وقد تتعدد اشكالها ما بين قصر وطول .. ".

في " اليك ترحل الدنيا " تسافر بنا الكاتبة الى عالمها الزاخر بالذكرى وبما تنشده هي كذات حالمة يهزها الشجن والحنين ومن حنينها الخصب نذكر ما جاء في نصها حكايات المطر " ص 65 :

" أذكر صغيرة ابتهاج أمي بهطول الأمطار فهي ابنة فلاح والمطر بالنسبة لها استمرار للحياة أما أنا فلي مع المطر حكايات وروايات.. صغيرة كنت أرفع رأسي الى السماء أفتح فمي وأحاول الارتواء.. صغيرة كنت أفتح يدي لأحسب قطرات المياه ثم أركض وأركض أسابق الحياة.. صغيرة كنت أفرح وأمرح وأبلل وجهي وشعري ولبسي وجسمي وكلي والآن جدا كبرت لكنني لا زلت كما كنت."

انها كتابة مفعمة بالاحساس الدفين تجاه التفاصيل بما هي عنوان وجد وحنين تقود الكائن الى ذاته في كون معولم ينمط العناصر والأشياء والتفاصيل فهذا النص هو في خانة الذاكرة الحية التي هي مجال قول بالهوية والشخصية والخصوصية في أدق حميميتها وصدقها.. الكاتبة تسعد فقط بما تذكره من تفاصيل أهملت في أيام الناس هذه ليعم الهوان والسقوط المريب..

في نصوص أخرى تخاطب الكاتبة منية الجبالي من تحلم به واقعا ومتخيلا يقاسمها الاحاسيس يلائم صورة وفكرة وكيانا ما بخيالها تعيش على ايقاعه من زمان ويشكل الهاجس والمنتظر .. هي ترسم بهذه الكلمات البورتريه المنشود لهذا الكائن الحبيب والرفيق والسكن أمسها والغد.في نص بعنوان " من أنت " ص 92 تقول :

" أتعلم من أنت عندي.. أنت عندي فرحة سكنت روحي .. أنت بسمتي .. ربيع عمري ونور فجري .. أنت سكينتي وتوازني .. جميل ما يسري في دمي .. أنت حاضري غدي وأمسي .. أنت عندي وطني وموطني.. ".

الكتاب تضمن في قسم منه نصوصا جاءت باللغة الفرنسية وبنفس الاسلوب وهي من ترجمات الكاتبة كما كان الغلاف من تصميم شادي راغب .

كتابة رامت من ورائها صاحبتها الكاتبة منية الجبالي القول باللأحاسيس والحنين تجاه الكائن الساكن فيها فكرة وشكلا تتقصد الرحيل تجاهه بل هي حشدت له دنيا من الشوق والكلمات .. " اليك ترحل الدنيا " خواطر الذات للنظر بعين القلب لا بعين الوجه..

 

شمس الدين العوني

 

عبد الله الفيفيمن غرائب مآخذ (ابن معقل الأزدي، -644هـ= 1246م)، في كتابه «المآخذ على شُرَّاح ديوان أبي الطيِّب المتنبِّي»(1)- وهو يَرُدُّ على (ابن جنِّي، -392/ 393هـ=1001/ 1002م)، في شرحه شِعرَ أبي الطيِّب، في كتابه المسمَّى «الفَسْر»- ومن طرائف فهمه للشِّعر، أنْ قال:

«وقوله: نَزَلْنا عَنِ الأَكوارِ نَمشِي كَرامَةً ... لِـمَنْ بانَ عَنهُ أَنْ نُلِمَّ بِهِ رَكْبا

لم يذكُر معنى البيت، وهو من أغرب المعاني وأحسنها. يقول: نزلْنا عن إبلنا نمشي إكرامًا للمَحبوب الذي بانَ عنه؛ أي: لم يَعْلَم أنْ نُلِمَّ به، أي: بالرَّبع، رَكْبًا، أي: لو أَلْمَمْنا به راكبينَ، لم يَعْلَم بذلك لبُعده عنه، ولكنَّنا أَلْمَمْنا به ماشينَ كرامةً له. فأنْ والفعلُ في موضع رفعٍ بأنه فاعلُ «بانَ عنه.«»

وأقول: لم يشرح (ابنُ جنِّي) البيتَ لوضوحه وتقليديته. أمَّا شرح (ابن معقل)، وتفسيره قول أبي الطيِّب: «لِـمَن بانَ عنه» بأنه يعني: لِـمَن «لم يَعْلَم أننا نُلِمَّ به- أي: بالرَّبع- رَكْبًا...»، فتكلُّفٌ خواء من فهم أساليب الشعراء في التعبير والتصوير. وإنَّما أراد الشاعر القول: «نَزَلْنا عَنِ الأَكوارِ نَمشِي؛ إكرامًا للمحبوب- الذي بانَ عَن الرَّبْع مفارِقًا- وتأدُّبًا من أَنْ نُلِمَّ بِرَبْعِهِ راكبين». ففي البيت تقديمٌ وتأخير، وأصله: «نَزَلْنا عَنِ الأَكوارِ نَمشي كَرامَةً للرَّبْع من أَنْ نُلِمَّ بِهِ راكبين، وتلك الكرامة هي لِمَن بانَ عَنهُ، وليست للرَّبْع نفسه». أمَّا أن يقول الشاعر: إنهم فعلوا ذلك على الرغم من أن المحبوب غائبٌ لا يدري عن فعلهم، ثمَّ زعمُ ابن معقل أن في ذلك غرابةً بلاغيَّةً استحسنَها، فليس بشيء. وشتَّان بين البلاغة والبلاهة، يا ابن معقل، غفر الله لك! ثمَّ إن ما استغربتَه، يا صاحب المآخذ، ليس بأغرب من مخاطبة الشعراء، منذ أقدم الشِّعر العربي، رسومَ الدِّيار وجنادلَها، وتقبيلِهم ثراها وأركانها، حنينًا لمن بانَ عنها وكرامةً له! كما قال (مجنون ليلَى):

أَمُرُّ على الدِّيارِ دِيارِ لَيلَى ... أُقَبِّلَ ذا الجِدارَ وذا الجِدارا

وما حُبُّ الدِّيارِ شَغَفنَ قَلبي ... ولَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيارا

وقد التفتَ (عبد الرحمن البرقوقي)(2) إلى المعنى التداوليِّ لبيت أبي الطَّيِّب، في مثل قول (السري الرفَّاء) عن الطَّلل:

نَحْفَى ونَنْزِلُ وهْوَ أَعْظَمُ حُرْمَةً ... مِن أَنْ يُذَالَ بِراكِبٍ أو ناعِلِ

ونُعيد القولَ، الذي زعمناه في مقالٍ سابق: إنَّ (ابن معقل) ما ينفكُّ يبالغ في التماس مآخذه على (ابن جنِّي)، حتى يورده التمحُّلُ مواردَ تبدو فيها مآخذه عليه هو لا له. انظر، من شواهد ذلك، كيف يأخذ على ابن جنِّي شرحه، قائلًا:

«وقوله: وأُوْرِدُ نَفْسِي والمُهَنَّدُ في يَدِي ... مَوَارِدَ لا يُصْدِرْنَ مَن لا يُجَالِدُ

قال: أي: مَن وَقَفَ مِثلَ موقفي في الحَرب، ولم يكن شجاعًا جَلْدًا، هَلَكَ.

وأقول: لم يَفْهم المعنى، وهو: إنِّي أُوْرِدُ نَفسي مَوارِدَ من الحَرب لا يُنْجي فيها الفِرارُ، لِشِدَّتها وضِيقها وصُعُوْبَتِها، ولا يُنْجِي فيها إلَّا الجِلاد.»(3)

والحقُّ أنَّ في عبارة «لا يُصْدِرْنَ مَن لا يُجَالِدُ» معنًى عامًّا، لا يتعلَّق بـ«الفِرار» وحده، وعموميَّتها أشعر من الإلحاح فيها على فكرة الفِرار؛ فمَوارد الهلاك لا تُصدِر مَن يَرِدُها، لا بالفِرار ولا بغيره، ما لم يكن الجِلادُ منجاةَ الواردين. ومن هنا فتفسير (ابن جنِّي)- كما ترى- أنسب وأحصف وأوجز وأشعر.

وكذا قال (ابن معقل) (4):

«وقوله: عَرَضْتَ لهُ دُوْنَ الحَياةِ وطَرْفِهِ ... وأَبْصَرَ سَيْفَ اللَّهِ مِنْكَ مُجَرَّدا

قال: لمَّا رآكَ لم تَسَعْ عَيْنُهُ غيرَك لعِظَمِكَ في نَفسِه، وحُلْتَ بَيْنَه وبينَ حياتِه فصارَ كالميِّتِ في بُطلانِ حواسِّهِ إِلَّا مِنك.

وأقول: وهذا الذي ذَكَرَه ليس بشيء!

والمعنى: أنَّ الدُّمُسْتُقَ لمَّا رأَى سيفَ الدَّولة خافَ منه؛ فلِشِدَّةِ خَوْفِهِ كأنه حالَ بينَ طَرْفِهِ وحياتِه...».

وفَهْمُ (ابن معقل) مُسِفٌّ عن فهم (ابن جنِّي)، ومع ذلك فهو يرى قول ابن جنِّي ليس بشيء عند قوله! فما الجديد في قول ابن معقل: «إن الدُّمُسْتُقَ خاف من سيف الدَّولة، فكأنَّه حالَ بينَ طَرْفِهِ وحياتِه»؟! وليس هذا سِوى تكرار لبعض عبارة ابن جنِّي، بل تكرار لقول الشاعر نفسه: «عَرَضْتَ لهُ دُوْنَ الحَياةِ وطَرْفِهِ»! على حين شمل تفسير ابن جنِّي: معنى عِظَم الممدوح، حتى لم يَعُد الدُّمُسْتُق يرى سِواه. والقول: إن حيلولة الممدوح بين الدُّمُسْتُق وطَرْفه حيلولةُ فَناء، لا حيلولة نَظَرٍ فقط. كيف لا وهي حيلولة سيفٍ بتَّار، في حَدِّه الحَدُّ بين الحياة والموت!

فأيُّ التفسيرين ليس بشيءٍ، يا (ابن معقل)؟!

بل بلغ الأمر بـ(ابن معقل) مبلغَ الجهل، أو التجاهل، شغفًا بأن يعيب (ابن جنِّي). حتى ليقول:

«وقوله: رَأَيْتُكَ مَحْضَ الحِلْمِ في مَحْضِ قُدْرَةٍ ... ولو شِئتَ كانَ الحِلُمُ منكَ المُهَنَّدا

قال: أي حِلْمُكَ عن الجُهَّال عن قُدْرَةٍ، ولو شِئتَ لَسَلَلْتَ عليهم السَّيفَ.

وأقول: الجَيِّدُ لو قال: (لقَتَلْتَهُم) بالسَّيف.»(5)

أتُراه لا يعرف أن عبارة «سَلَّ السَّيف» كناية تتضمَّن معنى «القتل» وزيادة؟! فكيف استجادَ عبارته المباشرة القميئة: «لقَتَلْتَهُم» على عبارة (ابن جنِّي) البلاغيَّة: «لسَلَلْتَ عليهم السَّيف»؟!

وختامًا، فإن المتأمِّل في مآخذ (ابن معقل) سيلحظ أن نحويَّة الرجل قد جَنَتْ على الذوق الأدبي لديه، إنْ وُجِد. ولا أدلَّ على غيابه من منظوماته الضعيفة، التي كان يَعُدُّها من الشِّعر، وما هي منه. أضف إلى هذا نزوعه النفسي، المشار إليه سابقًا، لتخطيء الشُّرَّاح، ربما لكي يحظى- واقفًا على مشارف عصر «المستدركات» و«الموسوعات» و«الحواشي» و«التعليقات»- بمثل ما حظي به غيره من أعلام تلك القرون. هذا فضلًا عمَّا كان بينه وبين (ابن جنِّي)، خاصة، «ممَّا صنع النُّحاة»، من أسنَّة المِراء والتلاحي، فجاء تحاملُه عليه وعلى شرحه لافتًا جِدًّا(6).

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

.....................................

(1) (2003)، المآخذ على شُرَّاح ديوان أبي الطيِّب المتنبِّي، تحقيق: عبد العزيز بن ناصر المانع (الرياض: مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلاميَّة)، 1: 21- 22.

(2) (1986)، شرح ديوان المتنبي، (بيروت: دار الكتاب العربي)، 1: 182.

(3)، (4)، (5) ابن معقل، 1: 50، 54- 55، 56.

(6) انظر شواهد هذا التي رصدها محقِّق المآخِذ في مقدمته، 1: 56- 58.