جواد بشارةفيلم "الطفيلي" ولعبة توزيع جوائز الأوسكار

استحوذ فيم "الطفيلي Parasite" للمخرج الكوري بونغ جوون هو على ست جوائز أوسكار من بينها جائزة أفضل فيلم، وحقق ما أسمته الصحافة ووسائل الإعلام بالنصر التاريخي بعد فوز مخرجه بالسعفة الذهبية في مهرجان كان. وهو أمر استثنائي في تاريخ الجوائز والمهرجانات يعزى لعدة عوامل منها ما يتعلق بهوليود وبالأكاديمية التي تمنح الجوائز وبالمخرج نفسه وبالسينما الكورية الجنوبية. فالقواعد المتبعة عدلت منذ عام،2016 وتوسيع رقعة المصوتين وشمول شخصيات غير أمريكية منذ عام 2017 واستبعد تأثير اللوبيات التي كانت تتحكم بآلية توزيع الجوائز وتؤثر على منحها، ما فسح المجال لتطور نوعية الاختيار وتوفير الفرص لأفلام طموحة ومتميزة لم يكن لها في السابق نفس حظوظ المشاركة ناهيك عن الفوز مثل الرجل الطير والجاذبية وضوء القمر وروما الخ.. وتم تخطي التوقعات التي كانت تلوح بفوز فيلم 1917 لسام ميندس. إلى جانب ذلك هناك شخصية المخرج الكوري الجنوبي بونغ يون هو المتميزة وقوة فيلمه الذي سبق له أن حاز على أشهر جائزة سينمائي في العالم وهي السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي الدولي رغم أنه لم يكن الأفضل بين الأفلام المشاركة في تلك الدورة. لكن صرامة الإخراج والمزج النوعي بين الكوميديا والرعب وحضور الطابع الشخصي في الإخراج وطغيان السمة المحلية للموضوع على الرغم من شموليته في ما يخص اللاعدالة الاجتماعية المنتشرة في كل بقاع الأرض جعل من الفيلم بمثابة الشيء المناسب في المكان المناسب والوقت المناسب كما وصفه أحد النقاد الفرنسيين. والمخرج موهوب وسطع نجمه منذ فيلمه الروائي الطويل الثاني "ذاكرات قاتل 2003" وأثبت قدرته على تدويل ونشر نتاجه عالمياً خاصة بعد إخراجه لحساب نتفلكس فيلم خيالي علمي عابر للحدود وهو أوكيا سنة 2013. نجح المخرج في اللعب بحذاقة على الأماكن والفضاءات المتعددة كمصادر درامية. لقد برع في تسليط الأضواء في أعماق مدينة معاصرة على ما يحدث لعائلة فقيرة تفتقد حتى للاسم والكنية ينهشها العوز وتفتقد لمصادر العيش محرومة حتى من أكثر الأساسيات اليومية في الحياة المعاصرة كالانترنت وتعيش في أحد الأقبية ومكونة من أربعة أفراد الأب والأم والإبن والإبنة يبحثون عن مخرج حتى يغدو كل واحد منهم شخصاً آخر على التوالي من خلال انتماء كل واحد منهم لكيان فرد من أفراد عائلة أخرى. وبالمقابل هناك عائلة بارك التي تعيش في منزل باذخ بمعمارية جاذبة ومؤلفة من أربعة أفراد أيضاً الأب والأم والإبن والابنة، حيث تقرر العائلة الغنية تبني أفراد العائلة الفقيرة كل فرد يتبنى نظيره وتحت مسمى مختلف، الأب الغني يتبنى الأب الفقير كسائق شخصي له، والأم الغنية تتبنى الأم الفقيرة كخادمة خاصة لها أو مدبرة منزل، والإبن الغني يتبنى الإبن الفقير كمدرس لغة انجليزية، والإبنة الغنية تتبنى الإبنة الفقيرة كمدرسة تصميم ورسم. وعلى خط هذه الحكاية الساخرة، التي لا تلغي عنف التفاوت الاجتماعي والطبقي، لا يقحم المخرج كليشيهات الفقراء والأغنياء المتداولة، على شخصياته وهذا سر تميزه فلا هم أخيار كلياً ولا هم أشرار كلياً، مما يغني الدافع العام للفيلم. وعلى عكس كوميديات المخرج الإيطالي دينو ريزي، يطور فيلم الطفيلي تعاقب حوادث تثري الطابع العام والجو العام للفيلم دون أن تخضع لمنطق توضيحي ولا لوحدة في المنهج أو اللهجة. هذا المزيج، الذي يصعب الاحتفاظ به بمرور الوقت، يضيف شخصيتين إضافيتين أخريين في الطريق ويضفي أبعاداً هزليّة، عنيفة أو رائعة، ما يشكل الوقود الحقيقي لسينما مؤلف فيلم "المضيف". إذا كان البناء السردي ماهراً للغاية، فإن التدريج هو الذي يجعل تسلسل المغامرات حياً وممتعاً. اذ تلعب هذه المرحلة بشكل رائع على استخدام المساحات كموارد هائلة. توفر الهندسة المعمارية للمنزلين، الطابق السفلي المتهالك والقصر ما بعد الحداثة، بشكل خاص، ترسانة كاملة من التوترات السردية والبصرية. المخرج يبرع ويتفوق بنفس القدر في إعطاء معنى للحركات - خاصة مع مشهد العاصفة الغزيرة وترجمة أوجه عدم المساواة التي تتحقق من تدفق المياه. تكرس الألعاب المتعددة على التحرك العمودي أهمية الحركة الأفقية للأحرف في فيلم Snowpiercer المأخوذ عن قصص رسوم متحركة فرنسية بعنوان "ثاقب الثلج". وفي هذه المرة، فإن تقسيم المساحات واستحالة إبقاء الجميع في مكانهم - وهي الاستحالة التي تؤدي إلى الرعب - هو في الواقع الينبوع الدراماتيكي لهذا الفيلم، الذي يعبئ بشكل خاص القوى الحسية لجعل الموقف ملموسًا. ينشأ هذا الموقف من تقسيم العالم، المغلف بالكلمات والاتفاقيات غير المعلنة، وهو محفوف بالمصائب التي يستوعبها الجميع، الأغنياء والفقراء على حد سواء. الشراهة والرغبة الجنسية والأشكال البلاستيكية وألعاب الأطفال والروائح ستصبح قضايا تمايز ومواجهة وكارثة. لكن الفيلم لا يتعلق فقط بأجهزته الدرامية والمكانية. بعيدًا عن أن يكون راضياً عن ترك ينابيع الميكانيكا التي أنشأها، فإن المخرج يحبط المبنى. مثل شخصياته، فهو يبالغ، يتفوق، يتجول. يرجع فنه إلى حد كبير إلى قدرته على تعطيل آلة البرمجة النصية الخاصة به للاستفادة من التدريج، والفيلم ككل لفرض أسلوب شخصي.

هنا هو النجاح الحقيقي للطفيلي، على حدود الإتقان والمرح. يشبه الحجر الأخضر الغريب الذي يدور من دون سبب مفهوم في جميع أنحاء الفيلم بمثابة تجسيد كتلة التعتيم هذه في قلب الفيلم.

يستفيد هذا العمل المتوازن الفريد أيضًا من القوة المزعزعة للاستقرار التي يتمتع بها أعضاء فريق العمل - أولئك الذين، لحسن الحظ، لا يلعبون لعبة التفسير الوحيد لشخصياتهم ولكنهم يقدمون الجنون فيها، والذي يعد أيضًا علامة اجتماعية وأجيال غريبة وغريبة جدًا لعالمين ومجتمع واحد. إن الوالدين في العائلة الفقيرة، والأطفال في العائلة الغنية والزوجين غير المحتملين الذين يتألفون من المربية السابقة وزوجها المنبوذ، كل ذلك بنبرة معينة، هو الذي يهز مسار السيناريو بإيماءاتهم. وهي نبرة مليئة بالفعل وبالتقلبات والمنعطفات.

لأسباب مختلفة، لا يعرف هؤلاء الأشخاص كيف يلعبون دورهم في العالم: فقد كان كبار السن مناصبهم ومرجعياتهم ومعالمهم التي يستدلون بها طريقهم، والأصغر سناً لم يسبق لهم ذلك، فهم على خلاف مع ما كشفته القصة. والرموز الاجتماعية. من هناك سوف يولد هذا الشكل الخاص من الفوضى، التي لا تخلو من الفكاهة، حيث لا تتوقف الشخصيات عن التعريف على الشاشة، في حركة البندول بين جنون وجود خطة وكارثة عدم وجود واحدة.

من ناحية أخرى، يعرف المخرج كيف يصنع فيلمًا يتم فيه تنفيذ الخطة وقبول البهجة بعرقلة التخطيط بالكامل.

لذلك يقدم المخرج ملفًا فريدًا للغاية، قادرا على تسجيل النقاط على العديد من الطاولات - فهي ليست كثيرة جدًا في هذه الحالة، كالتي يتمتع بها المخرج التايواني أونج لي في بعض النواحي، مسبوقًا بمسارات مختلفة، وهو في طريقه إلى اعتراف دولي يجب أن يكون موقعه في هوليوود.

ولكن يفسر مصير فيلم الطفيلي أيضًا البيئة التي وُلد فيها، وهي ديناميكية للسينما الكورية مع بعض الأمثلة الأخرى. قد لا يكون هذا الفيلم هو الأفضل لصاحب فيلم - Myother (2009)، كما يدعي - لكنه يكرس مسارًا تم إنجازه في إطار محدد للغاية. خلف المخرج بونغ جوون هو، أو بجانبه، هناك مجموعة مخرجين مبدعين ليس لهم مثال آخر في العالم، وهم ثمرة تاريخ غني ومعقد.

فهو يجمع بين قوة الصناعة الوطنية، والإجراءات المحددة من قبل السلطات العامة الممثلة في (مجلس الأفلام الكوري) الذي يعمل لصالح ازدهار القطاع السينمائي المدعوم من الدولة وتنوع الأعمال، وتعزيز فن السينما، ولا سيما بفضل شبكة نشطة من المهرجانات، من بينها مهرجان أن بوسان وهي واحدة من أهم النشاطات في العالم، والنقاد.

يعد بونغ جوون أحد أركان السينما الكورية الجنوبية وقد توجت الآن من خلال الشخصية الأبرز اليوم للسينما الكورية الجنوبية.. هذا المخرج يقع فعلاً ضمن مجموعة غنية جدًا من كبار المخرجين السينمائيين، منذ عميد السينما الكورية آيم كون تيك، وخاصة مع هونغ سانغ سوو و جيون سوو إل وكيم كي ديوك ولي شانغ دونغ وبارك شان ووك ... مع كل الخصائص الخاصة بها، واستقلال ذاتي لا يعارضه أحد، ويعد المخرج بونغ جوون هو أيضًا نتاج هذا السياق الإبداعي في بنيان السينما الكورية الجنوبية.

 

د. جواد بشارة- باريس / خاص

 

شكلت الروايات الحديثة قراءة حقيقية لواقع اجتماعي معاش، وهو صورة مرئية معاشة، نعيشها بتفاصيلها، أنتقلت إلى وثيقة سردية مدونة .

وحققت الروايات الحديثة هذه النمطية في الكتابة السردية أغلبها ؛ لأنها سردية واعية لواقع اجتماعي مأساوي.

واسست هذه الكتابات نقداً معلناً للضغوطات المحيطة بواقعنا جميعها، وأخطر هذه الضغوطات تلك التي تلبست برداء الدين والسياسة، وهو ما يعرف بضغط الأسلام السياسي، أو ضغط الأحزاب السياسية الدينية، وهو ماسعت رواية (انتهازيون.. ولكن)، إلى معالجته وقراءته، ونقده، بالطريقة السردية.

وتحت مظلة الحكم الفاسد تجري عمليات الانتهاز والاستغلال، وهذا ما جسدته الرواية، إذ إنَّ امتيازها اينحصر في شخصياتها الموظفة ضمن نطاق عائلة واحدة باستثناء الشخصيات الثانوية (سلوى، توفيق)، أمَّا (ناهض، وفائز،و خالد، وجبار، وحسون، وصباح (اختهم)، والأب، والأم) عائلة انتهازية بحد ذاتها، وهؤلاء يصورون تحولات / انتهازيون، فـ (جبار) الابن الأكبر لهذه العائلة يمثل المثال الأكبر للإنتهازية، حتى في زواجه كان انتهازياً.

وسعى الروائي إلى توظيف تقنية الاسترجاع للماضي وربطها بفكرة الانتهاز في زواج (جبار)، فالقضية الاجتماعية المعروفة في زواج المرأة من الاخ الشقيق بعد وفاة زوجها، هذه القضية جعلها عذراً وسبباً في زواجه - جبار - ليملك المال والبيت، العائدات من زوجة اخيه. 

وتصنف شخصيات هذه الرواية تحت نطاق الشخصيات المسطحة ؛ لأنها من عائلة واحدة، لا تتجدد.

ويوظف عنوان الرواية (انتهازيون .. ولكن)، وتفصيله وشرحه داخل الرواية، عندما يصور ويسرد انتهازية الأحزاب، وانتهازها واضطراب الأوضاع، وعن طريق هذه التوظيفات سعت الرواية الى نقل الحقيقة نفسها بحبكة روائية معاشة.

واهتمت سردية الرواية برصد واقع العراق بعد (2003). ̏ بعد الفوضى الكبيرة التي عمت المحافظة والبلد في العموم ̋.

فانتهازية جبار اوصلته لنيل ̏ النقطة التي راهن عليها جبار هو أنه أصبح يمثل الحزب الديني في محافظته، بعد أنّ استطاع أن يزيح من طريقه الرئيس السابق للحزب ̋، وهذه إشارة واضحة لحرب الأحزاب، ويعيش العراق حرب أحزاب الداخل وأحزاب الخارج، لتتحول حياة الإنسان العراقي إلى حياة مضطربة إذ ̏ صار الواقع بيد السلطة وأجهزتها اللعينة واحداً من الاحتمالات ̋ المعاشة يومياً.

و ̏ على الرغم من أنَّ الأحزاب الدينية كلها تكونت خارج العراق، ففي ايديولوجيتها أن تكون ثائرة ومناهضة ضد الظلم والاحتلال، فكيف هي اليوم تضع يدها بيد الاحتلال وتتسنم مناصب سيادية في المحافظة، وإن كانت بالشكل فقط ̋.

ولكل روائي منابعه الخاصة التي يظهر عن طريقها بنية نصه الروائي، وتكون هذه البنية، إما بالتضمين المباشر - أي تضمين النص بلغته التي ورد بها - أو بالتضمين غير المباشر - أي تضمين النص عن طريق المراوغة والإشارات الطفيفة - .

وفي هذا النص السردي نرصد كلا التوظيفين المباشر وغير المباشر، إذ يوظف الروائي تقنية الاستمرارية بوساطة الفعل المضارع الذي يغلف هيكلية النص كله (تكونت، تكون، تضع، تتسنم)، هذا التوظيف إشارةً مباشرةً لفعل الأحزاب ؛ لأنها في تجديد دائم من دون توقف.

و(على الرغم من الأحزاب كلها ..)، إشارة إلى هيكلية بناء الأحزاب ونفوذها المعلن واضح، وجعلها في سياق الفعل المضارع، فهي ثابتة لا تتحرك، بل في عملية تجديد مستمر، عن طريق امتلاكها (الدين، والسياسة، والقداسة، والحضور الطوعي، والغياب...الخ).

وتعد الإشارات والمباشرات الموظفة داخل النص السردي، من التقانات التي يستعملها الروائيون في كتاباتهم السردية على النحو الآتي:

(فإنّ في ايديولوجيتها أن تكون ثائرة ومناهضة ضد الظلم) ← جمع ثائرة ومناهضة← ضد الظلم، هذه صورة مبطنة مزيفة، عملية إعلامية ودعاية مجانية لنفسه، مناهضة ضد الشعب وثائرة، (فكيف وهي اليوم تضع يدها بيد الاحتلال وتتسنم مناصب سيادية في المحافظة) ← الصورة هنا تعكس الصورة السابقة، فدلالة الصور تجسيد لواقع مزيف..

ونرصد في قوله: (إن كانت بالشكل فقط)← فالظاهر غير الباطن. ← وهو دلالة على الكل من دون الإشارة الى المفرد، أي أن المستبد يضع مصالح الاحتلال بيده فـ (تضع، تتسنم) فعل استمراري.

اضيف،أن الرواية وغيرها من الروايات حققت امتيازها على المحيط السردي، والأجتماعي؛ لأنها دونت ما هو معاش، وممنوع، ومحظور، بلغة كتابية واعية، بعيدة عن التزيف، والتهليل المتبع في بعض السرديات.

 

د. وسن مرشد

 

لمحمد الورداشي:

جوابا على العنوان أقول:

يتنكر الوطن ولا يتنكر المواطن، فحضور كلمة الوطن في العنوان دليل على الوطنية الصادقة التي تنخر أجسادنا كما ينخرون عظام وطننا الجريح.

قراءة في العنوان:

حينما: وجود الظرفية دلالة على وجود فترة تخدير أو إن شئنا قلنا فترة راحة لا نحس فيها بوخز أو ظلم أو غير ذلك، إنها حالة اللاوعي اللذيذة التي نظل نشعر فيها بأننا أبناء أسرنا ووطننا وجيراننا وهلما جرا، حيث هناك الكثير من "الحينات" إن صح التعبير، فترة لا أحد يتقبل صراخنا نوعا ما. فهناك ثدي نعود إليه في الجوع وهناك سرير نقصده للنوم وحنان متدفق من كل حدب وصوب وقُبَل وغيرها، نَخَال العالم حينها جميلا وأننا أطلقنا صرخة الولادة عبثا وأن تخوفنا لم يكن في محله. حينها لم نكن نعي أن سعادتنا بنيت فوق أنقاض وجروح. (إنها ظرفية جاءت كناية عن الماضي.)

يتنكر: المنطق حاصل في ذهنك حضوره في ذهن سقراط قبل استشهاده، الحاضر هنا يبدأ بالنكران، هنا ندرك عزلتنا ووحدتنا، وندرك انتهاء الأحايين التي خلفناها على وجه الخطأ "حينات"، الانتقال في الزمن مخضب بالوعي الغائب في زمن المضي والصبا، هذا الزمن الذي يظهر رفعه في آخره، صحيح دون علل .. لذة الوعي بالألم أشهى من لذة الشهد بالجهل، ولعلني لست مضطرا لاستحضار بيت عنترة، إدراكك لتنكر الوطن فردي ليس فيه حاجة للآخر. حاضر يقيس اللحظات بكتل الألم، يوازي المعرفة بالجرأة والحفر والبحث، لم تعد عبدا يتقى العطايا بل سرت حرا يدرك اللعبة. (وهذه ظرفية الحاضر.)

1347 الورداشي

الوطن: الحنين له ينبع من كوننا جزءا منه، ليس انتماء يقف عند العرقية والمذهبية أو غيرها.. إنه انتماء من حيث المادة والتكوين، فمع إحساسنا أن الوطن لهم والوطنية لنا، فكوننا آدميين طينيين، كان كافيا لحضور الوطن، ويحضر بدافع الانتماء لكن قبل حضور فعل النكران، يجعله وطنا يحتاج إلى أن يصبح له فينا حق وليس مجرد أم حنون تترقب مبيت أبنائها بين أحضانها. (وهذه ظرفية تجمع الماضي بالحاضر.)

لبنيه: (الجار والمجرور ) لا يهم من عمل في الآخر فتبادل الشد والجر بين الوطن والمواطن له  النتيجة نفسها، ثمة حرب تدور رحاها بين الجلد والعظم، فكل انتصار يعد هزيمة لا محالة. (وهذا مستقبل متوقع لأبناء المستقبل.)

بين دفتي الكتاب:

اللغة:

تأخذ اللغة في كتابات الكاتب محمد الورداشي نمطين اثنين، نمط حكائي تشعر فيه بالوقائع تستخدم الألفاظ لتعبر عن ذاتها، وهذه هي صورة السرد في بنيته الأولى، حيث لا تدخل للسارد في الأحداث حتى ولو كان جزءا منها، اللهم ما تقتضيه الكتابة السردية من خصائص، (تقديم تأخير، استشراف / استباق بلغة الأدب)، في جين يبقى تنامي الأحداث عاديا بطيئا حينا وسريعا آخر.

ونمط خطابي وفيه تحس أن الاحداث على أهميتها ليست سوى عنصر ثانوي، وهناك مقاصد ثاوية تحتها هي المراد والمقصود، إنها تورية إرادية قوية لا يمكن أن تحضر ّإلا في الكتابات "الثورية" التي ينفرد فيها صوت الكاتب عن تقاليد السرد النمطية، فنية الكاتب المبنية من وراء الأحداث هي المهمة وليس الأحداث ذاتها.

إن الخطاب لدى الكاتب ذو بعدين، الأول يهدف إلى مخاطبة الحس والعاطفة واستمالة العنصر المحايد في البشرية عاطفة كان أو شعورا، والبعد الثاني بعد التدبر والوعي الذي لم يجد الكاتب من يشاركه فيه، وبالتالي يظل يسعى بنقراته بين الفينة والأخرى ليقتسم تجربته داخل سطور كل حكاية.

منظور السارد:

يمكن تصور وضع السارد في هذا الكتاب "كعنصر محرك"، فوقتما تحس أن الحكاية أخذت وضعا رتيبا عاديا، تفاجئك مقاصد الكاتب لتبعث روح الحماس من جديد، فالكاتب يزاوج بين الرؤية من الخلف والرؤية مع المصاحبة، فمعرفته ومشاركته في الأحداث أكبر من أن تساوي معرفة الشخصيات.

الشخصية:

تحضر الشخصية في العمل ككائن نصي، فالشخصية أو الشخوص ليست بشرية قطعا، فليست إنسانا وليست ورقا وإنما هي حصيلة علاقات ووشائج بين البشري واللغوي. إن الشخصية بالمعنى الدلالي تعيش بين عالمين، فهي تارة راغبة وتارة مكرهة، تعيش زمنها وزمن غيرها، لا خلاص لها سواء في بعدها الذاتي أو الورقي.

إنها شخصية عادية في بعدها الأخلاقي كاذبة مخادعة سارقة تمارس الفاحشة حتى، وفي الآن ذاته لا إرادة لها في كل اختياراتها، (قصة الغوغاء  الصفحة 29 تمثل نموذجا للتحليل الذي نريده هنا)، فعندما تحس بأن الشخصية فارغة بهذا المعنى يأتي دور السارد الذي يتسلح بالخطاب ويتنكر للحكي من أجل أن يصبح للنكرة في نظر العامة معنى. فهجرة الأربعة كانت من أجل تغيير الوضع وبحثا عن أفق ينتهي مغلقا بدلالة الحكي لا الخطاب. وسيتضح هذا عند توقفنا مع وظائف السارد.

الوصف:

يلتقي الوصف والتشخيص في هذا العمل بشكل سلمي لا دخل فيه للسارد حكيا أو خطابا، يقترن بالأمكنة والشخوص، وله دور في نقل الانفعالات والحالات النفسية والجسدية، وصف تتسمر اللغة أمامه قولا وفعلا ورؤية.

وظائف السارد:

كل خطاب هدفه تقويض الأيديولوجية وزعزعتها لا يخلو من أيديولوجية مغايرة أو لنقل مناهضة، وهنا تنبعث شرارة الوظيفة الأكثر انسجاما مع عمل ثوري وصريح منذ العنوان إلى الغلاف إلى الألوان.. كلها علامات تصرخ عكس الأيديولوجية (علم السر) التي تستخدم أسلحة ضمنية، فالسارد هنا، وإن كان يخفي الموقع الحقيقي الذي يمثله هو كذات، إلا أن كتاباته تنساق وبصوت مجاهر وراء الفضح والكشف والتعرية.

ولعل الوظيفة التواصلية في العمل كانت توجيهية من حيث جناتها وأسّها، فمضمون الخطاب الموجه للقارئ يحتاج طبعا إلى تأمل آخر خارج ذات السارد، وإلا بقي توجيهيا محضا. في الحقيقة استطاع السارد أن يخلق جسرا مع القارئ الذي يكتب له، وإن كنت شخصيا أشكك رغم قراءتي هذه للعمل في رؤيته للنور؟؟؟

 كلمة لا بد منها:

أمتعني كتابك بقدر ما انتابني الفضول حول فضولك النقدي الممارس على لوحة الواقع، فقد تساءلت غير ما مرة كما تساءلت وكان الفارق الزمني بين تساؤلي وبحثي عن الإجابة اندثار عدة أفكار ورؤى قد كشفت عنها في عملك هذا.

آمل أن تستمر قلما يجحف الواقع ولا يستسلم للحقائق المزيفة المرتدية ثوب البسالة المنزوعة من أهلها، واعذرني على تقصيري في أحقية عملك للدراسة، وآمل أن يترك لي الزمن فرصة لقراءة أخرى، أعدل فيها حروفي وأحسن ذوقي تجاه إبداعاتك.

 

من إعداد: جواد ذو الهمة.

 

احمد الشيخاويللشاعر فريد اليوسفي

في هذه المجموعة المعنونة "وفي لرقم حذائي" لمبدعها فريد اليوسفي، الصادرة حديثا، عن جامعة المبدعين المغاربة، في قطع متوسط، وتوزيع لمواضيع موغلة في الخطاب الواقعي، في حدود حيّز قارب المائة صفحة، تتجسم تيمة الفقد، وتنضح تجربة الإحساس براهن الفراغ النفسي الذي خلّفه رحيل شقيقة الشاعر، مشّفة عن فعل إبداعي يجترح من متون المأساوية، ويسبح مع تياراتها ما يدمي القلوب، علما أن كهذه مغامرة كلامية، لا تبرح مستوى البوح الخفيض، مدغدغة بمرثاة ضمنية، كأنما تعيد إلى إدراكنا بعضا من طقوسيات المأتم الذي جعل من الشاعر العربي الجميل الراحل نزار قباني، كائنا حروفيا بدرجة أولى، يحمّل الحرف والشعر دم شقيقيته المنتحرة جراء ضغوطات وإكراهات حياتية، بل من أجل الحب، كما جاء على لسان نزار قباني، أدت به إلى الالتزام بقسم، ووعد قطعه على نفسه، بأن يثأر للراحلة أخته، إبداعيا، فكان أن انطلقت الشرارة الأولى لفورة شعريته، إلى أن انتهت بما انتهت به، ريادة وتألقا وخلودا في العقل والوجدان العربي.

من قلب القصيدة المحمولة على روح الانكسار والفقد، يتم الاحتفاء بهذه الملهمة، قدرا يضطرم به حضورها المستفز، وتنزف له الذات المصدومة والموجوعة، بما يجعل الشعر متسربلا بأبدية وصحو وواقع مواز يغذيه الذاكراتي، والاسترجاعات التي ما تفتأ تتشرّب نبضها فسيفساء بوح جريح يمارس على المتلقي سلطة وجلدا من نوع آخر بتفاصيل عوالم الجنائزية وفصول المرثاة، وشاعرنا يحاول ترتيبها مجددا، وجعلها ألصق لحمة بدفاتر يومياته وألوان معيشه.

نقتبس له القول التالي:

[ جرح على جرحٍ

والبوح جهات البوصلة

سفَرُ الروح

في محراب اليوتوبيا

وانتفاضة بحجم الشنق

على واضِعِي المقصلة ](1).

ويقول :

[من أعلى البرج في الليل

أعترف

أن جرحي سؤال

يواري سؤال

وصمتي نشيد

يعلو

على كل حال](2).

بذلك، وعلى هذا النحو من التصوير الفني البديع، لمشهدية باهتة، مطفأة المقال، فصيحة الحال، نستوعب أو نستسيغ حجم الجرح الناجم عن كهذا فقد، يتحول له الكائن بالكامل، فتنزف له قصائد روحية، مسترسلة في الانسكاب، قاهرة بسياقات الرثاء المدثر بوجع ثان مطايف، يفرزه واقع التحديات والتجاوزات الجائرة على حقوق وهوية وإنسانية الكائن.

من تمّ هذه القصائد المتسامية عن الثغرة أو الغفوة، كي تكون جديرة بتخليد سيرة أنثى خطفت في سن الزهور واشتهتها يد الردى، مبكّرا.

إذ الحاصل هاهنا، أن الذات الشاعرة، دائما تستشعر هذا التأنيب، كونها، مهما حاولت لتضميد جراحات الفقد، إبداعيا، يستفيق الوجع والمكابدة، من زاوية أخرى شاردة وغير متوقعة، كأنما يطالب بميلاد القصيدة المختلفة التي في مقدورها جب الأقدم، وتناسيه.

نطالع له كذلك قوله:

[ حينما يدنو الليل

من أجراس أناملي،

يرقبك الطيف ثملا

كما الحبر

يمدد اشتهاءه

بعيون يقظة

على أسرّة من بياض

كما الشوق

يقود اللوعة سرّا،

خارج مدارات البوح،

ينقل عينيّ

تنقل الدهشة يديّ

نحو قصيدة

لوحة

رسمتها الغواية علنا،

ومضت

تحكي قصتها

في رحم الظلام](3).

وإذن هي سلسلة أسئلة تتناسل، كلما زاول جرح الفقد، صحوه في القصائد، بما يمدد المتاهة الوجودية، ويستنزف الذات الشاعرة، ويعرّي واقعها الذي تزلزله إيقاعات المرثاة.

إنها متوالية اعترافات تكشف عن كامل هذا العجز ولقصور، عجز الشعر، ومن ورائه قائله أو صاحبه، وحيلولة دوخة الفقد، دون رسم ملامح نهائية قد تخمد زمجرة الجرح .

يقول كذلك:

[ أيا مناديا بالبياض

جفف حيرتي

على جبين الورق السميك

واقرأ ألمي سعيدا

مع مطلع كل جرح،

علها قصائدي الصغيرة

تنمو في أحداقك

سنبلة

متى حاصرتك الأسئلة ](4).

ويقول:

[امرأة من ثلج

تغمرني بالبياض

وكثير من المرح

تتدفق بهاء

وتنساب في غفلة من مشاعري

ماء طيعا بين الظلال

امرأة

توشحني دوما

بوسام من درجة طفل](5).

كل هذا مقصودا، ولعلّه أريد للشعر، من خلال فعله المخملي هذا والنافذ في ضمنية المرثاة المدبجة بحضور نفسي قوي.

كون الميلاد المتجدد للقصائد، ومعه روح الشاعر المظللة بأطياف الشخصية المفتقدة، شقيقته، باعتباره لم يزل تحت الصدمة، هو ميلاد تظل ترعاه تلكم القراءة المتلعثمة للجرح في كمونه.

وهكذا معايشة قدر الفقد، بروح طفولية، محرّضة على مزيد من الأسئلة، وتفجير المواقف في ديباجتها الفلسفية، على الدوام، وبلا انقطاع.

إنها لذة المرثاة، في هذه الشعرية، وقد استطاعت أن تصون للشعرية خطاّ للتسامق، وتأمم اللامحدود.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

........................

هامش:

(1) مقتطف من نص" مكابدة "، صفحة 12.

(2) مقتطف من نص "اعترافات" صفحة 15.

(3) نص "سرّا ألهو مع الطيف "، صفحة 21/22.

(4) مقتطف من نص "دعوة عامة"، صفحة40.

(5) مقتطف من نص "امرأة من ثلج"، صفحة 90.

 

 

فالح الحجيةوجد الشاعر العربي نفسه قديما وحديثا خاضعا للقيود الشعرية ابتداءا من البيت الشعري الواحد وسياقه الهندسي وانتقاء البحر الموسيقي بنغميته المعينة فالشاعر الحديث او المعاصر دائما يسعى إلى بناء وايجاد موسيقى شعرية جديدة تتفاعل من التطور الزمني من دون ان تهدم الأصول الموسيقية الموروثة، بل كان غرض الشاعر من ذلك أن يتحرر من بعض القيود الشعرية وبالقدر الذي يتيح له فسحة من الحرية وبما يسعفه في التعبير عن عواطفه وأحاسيسه في تخيلات شعرية في اطار الفكرالناضج . واماله واحاسيسه . وما تشخص اليه نفسه ويأمل ان يحصل على قدر معين من هذه الحرية التي تمتع بها وقد أتاح له أن يطوع تلك الحالة الى ما يشبه القوانين وأن يطورها ليضيفها إلى الخصائص الجمالية للبحور الشعرية العربية التقليدية، واضافة امور وخصائص جمالية أخرى تستمد أصولها من التطور الذي أصاب او يصيب مستقبلا المضامين الشعرية نفسها. حيث سيحقق تطورات في الاطار الموسيقي للقصيدة الشعرية .

لذا نلاحظ بعض الشعراء بدأ بالثورة على القيود الشعرية المتوارثة واولها تجاوز نظام الشطر والعجز في البيت الواحد وبهذا خلق شعرا حديثا او معاصرا باشكال جديدة وهيكلية غير الهيكلية المورثة وتم استبدال نظام الشطر الشعري الى السطر الشعري وقد يطول او يقصر هذا السطر بحسب ما يتضمن من نسق شعوري أوفكري. أي تحول بادئ ذي بدء من شعر البحور الشعرية في البيت الشعري الى شعر التفعلية في الشعر الحر الجديد بالتزام السطرالشعري وطول هذا السطر قد يتراوح ما بين تفعيلة واحدة الى تسع تفعيلات وهو اطول نفس فيها .

ا ن التفعيلات في الشعر العربي والتي تمثل موسيقى الشعر العربي فقد كانت اعدادها وانواعها تختلف من بحر الى اخر وتخرج من دوائر عروضية متقاربة او مختلفة عن بعضها في ستة عشر بحرا كما اثبتها الفراهيدي البصري رحمه الله وقد ظل الشعراء ينظمون فيها قصائدهم طوال كل العصور الماضية وحتى العصر الحديث ولا يزال كل الشعراء من التزم الشعر العمودي او التقليدي ينظمون في هذه البحور . بينما التزم شعرا ء الشعر الحر او شعراء شعر التفعلية بسبعة بحور من البحور الفراهيدية وهذه البحور التي تفعيلتها حرة اصلية غير مختلفة بنغمية واحدة متسقة وهي:

الوافر: تفاعليه (مفاعلتن – مفاعلتن – مفاعلتن)

الكامل: وتفاعيله (متفاعلن – متفاعلن – متفاعلن)

الهزج: وتفاعليه (مفاعلين – مفاعلين –مفاعيلن)

الرجز: وتفاعيله (مستفعلن – مستفعلن – مستفعلن)

الرمل: وتفاعيله (فاعلاتن – فاعلاتن – فاعلاتن)

المتقارب: وتفاعليه (فعولن – فعولن - فعولن)

والمتدارك: تفاعيله (فاعلن – فاعلن – فاعلن)

لكن الفارق بين استخدامات شاعر العمود وشاعر التفعلية ان الاول يلتزم بالتفاعيل كاملة في شطر البيت وعجزه او مجزوئها – أي انقاص تفعلية واحدة من كل من الشطر والعجز أي تكون الموسيقى الشعرية في الصدر والعجز متساوية النغمات ومتناسقة بينما شاعر التفعلية لايلتزم بذلك فله الحرية المطلقة في النظم بتفعلية واحدة او عدة تفعيلات في السطر الشعري وهو ما يماثل البيت الشعري في الشعر التقليدي او العمودي وهذا ما يمكن الشاعر الحديث شاعر التفعيلة ان يستخرج من البحر الواحد اكثر من نغم موسيقي من خلال الخلط بين البحور في داخل القصيدة الواحدة فتاتي الموسيقى الشعرية بانغام عديدة تتناسق فيما بينها وفقا لقابلية الشاعر الشعرية واللغوية وتمكنه من التمازج بين الحروف والالفاظ وربما يكتفي الشاعر بنغم واحد أي ان نظام التفعيلة الشعرية اكثر طواعية اومرونة من قصيدة العمود .

واؤكد ان البحور الشعرية القديمة (الفراهيدية) تتوفر فيها انغام موسيقية وا سعة فيما لو استغلت افضل استغلال من قبل شعراء العربية ككل منها تناغم الاضرب وتنويعها وتلوين النغم الموسيقي بحيث يعمد الشاعر الى توظيف تفعيلات معينة تعود لدائرة معينة او ضمن الدائرة العروضية الواحدة دون الاكتراث بالقافية وربما دعى الامر الى ان هذا ا لاندماج بين البحور المتشابهة مثلا تفعيلات الرجز (مستفعلن\ مستفعلن \مستفعلن) وتفعيلات السريع (مستفعلن \ مستفعلن \ مفعولات) المتقاربة جدا . الا ان هذه الامور بحاجة الى دراسة من قبل ذوي الاختصاص ومن الشعراء والنقاد على حد سواء ووضع الصيغ الكفيلة بانجاحها وتكييفها بافضل ما تكون وبهذا نقدم تطورا جديد ا للغة العربية وادابها وللشعر وللشعراء وايجاد صيغ لنغمية الموسيقى الشعرية . وقد سبق ان وجد مثل هذه الامور في الشعر العمودي في مسألة الخبب او الخبن اوالزحاف وهي من امراض الوزن اذ اصبح وجودها في حشو البيت الشعري مقبولا لكثرتها في الشعر الحديث ومستساغا لدى اغلب الشعراء والمتلقين وبهذا يكون الشاعر قد حصل على اكثر من ايقاع نغمي جديد جراء استعمالهما او استعمال أي منهما .فامكانية الشاعر ومقدرته الشعرية اراها تمثل بلاغة الشاعر اللغوية ونغمية قصيدته وقوة هذه النغمية في القصيدة وفقا للمساحة المتاحة له ضمن البحور الشعرية في قصيده ككل او البحرالواحد ضمن القصيدة الواحدة وبكفاءة عالية . فالشاعر الملهم والمقتدر هو من يستطيع التنسيق الجميل والرائع في قصيدته وما تحتاجه من فن عال باقتدار والهام بحبث تكون قصيدته اقرب الى كونها قطعة موسيقية بنغمية عالية . لاحظ هذه الابيات من الهزج اقول فيها:

صَباحَ الخَيْرِ ِ بَلْ أكْبر ْ          الى الحُبِّ الذي يَكْبَر ْ

صَباح َ الوَرْد ِبَل أكْثرْ         منَ الشّوق ِالذي أ بْحَرْ

الى الحرف ِالذي يَهوى       كَلامَ الرّوح ِ كالجُوهَر ْ

فَأنتَ الوَرْدُ والرَيْحا          نُ وَالغُصْنُ الّذي أزْهَر ْ

وأنْتَ الشّوقُ والأنْغا              مُ وَالدّنيـا التّي تَكْبَـرْ

وأنْتَ الماء ُ وَالخَضْرا        ء تَزْهو وَالرَّجا أخْضَرْ

فهذي النّفْسُ تَـهْواكُم             فُؤادي بالهَوى يَسْعَر ْ

وَقَلبي بالوَفــا يَسْعى          وبا لأ شْواق ِ اذ ْ يَزْخَر ْ

لَكم ِ في القَلب ِ إيْناسٌ          وَنَسْماتُ الهَوى عَنْـبَر ْ

وَعِطْرُ الحرف ِ ِ َيزجيني      لَأ نْ أحْيـا ولا أ قْـدِ ر ْ

لَعَلَ الشوق يَسْقيني            لَذيذَ الشّهْد ِ إنْ أ ز ْهَـر ْ

فَأجْني فُســحَة العُـمْر ِ       بِوَصَل ِ النّفْس ِ أو أقْبَـر ْ

وَ غيْضَ الماءُ مَجْراها           ومَرْساها فَـلا تـَنْهَر ْ

وفي شعر التفعيلة تظهر دفقة واسعة او ضعيفة في حركة الافكار والمشاعر والاخيلة بحسب امكانية الشاعر وقدرته الشعرية في ذات الوقت بحيث تتجاوز ما رسم لها في البيت الشعري العمودي وتتجاوزه الى مدى اطول ويظهر ذلك جليا في شعر نازك الملائكة التى ربما استعملت تفعيلة خماسية او ربما تساعية وهي اطول نفس في الشعر الحر او شعر التفعيلة . لاحظ قول نازك في قصيدتها الغرباء:

أطفئ الشمعةَ واتركنا غريبَيْنِ هنا

نحنُ جُزءانِ من الليلِ فما معنى السنا؟

يسقطُ الضوءُ على وهمينِ في جَفنِ المساءْ

يسقطُ الضوءُ على بعضِ شظايا من رجاءْ

سُمّيتْ نحنُ وأدعوها أنا:

مللاً. نحن هنا مثلُ الضياءْ

غُربَاءْ

اللقاء الباهتُ الباردُ كاليومِ المطيرِ

كان قتلاً لأناشيدي وقبرًا لشعوري

دقّتِ الساعةُ في الظلمةِ تسعًا ثم عشرا

وأنا من ألمي أُصغي وأُحصي. كنت حَيرى

أسألُ الساعةَ ما جَدْوى حبوري

إن نكن نقضي الأماسي، أنتَ أَدْرى،

غرباءْ

اما في قصيدة النثر المعاصرة فان نغميتها تعتمد على امكانية ومقدرة الشاعر في ايجاد موسيقى معينة تتناغم مع سطورها الشعرية من حيث اختيار الالفاظ وتقاربها فيما بينها بحيث تكون ذات تعبير موسيقي جديد يتفاعل مع التغيير الجذري لهذه القصيدة وقصيدة العمود الشعري مرورا بشعر التفعلية . يقول الشاعر محمد عفيفي:

يا أول الإيقاع في الفوضى وفاتحة الجمال

فاهبط خفيفًا واستمع:

تقبل القُربان منك، وقربتي رُدَّت علي

أختان من بطنين حالية وعاطلة

وأنت جميلة الثنتين لك

وأنا رجيم، والقبيحة لعنة قُدِّرت علي

فارفع سلاحك نحتكم لمن الغنيمة

سوف آخذ ما أشاء كما أشاء

ولأقتلنَّك

فالشاعر من استجابت له حركة الشعر في نغمية القصيدة فتاتي ساحرة تواقة يتذوقها الشاعر والمتلقي وتنساب الى نفسه وذهنه انسياب قطعة موسيقية راقصة جميلة .

 

امير البيـــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــد روز

 

جمعة عبد اللهبرز المبدع الراحل (مهدي عيسى الصقر) من جيل الرواد في الرواية العراقية، التي اتجهت في الاتجاه الوقعي في منعطفات عالم السرد الروائي، في الصياغة والمنهجية الواقعية، في الطرح والتناول. وقد احتلوا مكاناً مرموقاً في تطوير الرواية العراقية الواقعية. والمبدع الراحل يملك اسلوبية متطورة في السرد وضبط ايقاعاته. في الابتكار وخلق فكرة الحدث السردي في النص الروائي، في مهارة متمكنة من ادواتها التعبيرية واسلوبية الطرح ضمن منهج الواقعية الاجتماعية، التي تعطي الزخم في الكشف والغوص في المعاناة والقهر الاجتماعي، وخاصة للشرائح الفقيرة، المظلومة والمسحوقة في البؤس الاجتماعي. وهذه رواية (الشاهدة والزنجي) كشفت عن عمق الصراع الاجتماعي، في التناول أدق القضايا الحساسة والملتهبة في عصب الحياة والواقع، وخاصة بما يتعلق أو ما يخص بالمرأة، من الظلم الواقع على كاهلها بالاثقال الثقيلة التي لا تطاق ولا تتحمل بشكل كثيف ومتزاحم. ان منصات السرد كشفت هذه المعاناة بالوصف والتصوير الواقعي. الذي استخدم في لغة السرد الضمير (المخاطب والمتكلم) بعمق الكشف الجوهر الحقيقي للصراع، ولدوافع البؤس الاجتماعي الظالم، في حساسيته ومشاعره المتعلقة تجاه المرأة. ان المتن الروائي يدخل في العمق الصراع الاجتماعي المتعدد الجوانب، في الفعل الدرامي الملتهب في ملاحقة مسار الاحداث، ورصدها والكشف عنها، بطريقة مشوقة تشد القارئ اليها في المتابعة المرهفة. والنص الروائي يسلط الجانب المظلم، الذي يجلبه الاحتلال الاجنبي. والرواية تتحدث عن الفترة التاريخية من عمر العراق في الاربعينيات من القرن الماضي، عن الاحتلال الامريكي لمدينة البصرة. واتخذ الجانب الاخر من ضفة النهر، ضفة البساتين في اقامة معسكراته وثكناته ومستودعاته العسكرية، والجانب الاخر من النهر ترك الى سكان أهل البصرة. واشارات المتن الروائي تدلل في رؤيتها التعبيرية، بأن الحياة ضمن ثقل الاحتلال المفروض، تكون مفترسة تمزق المعايير والقيم، بأن القاتل والمغتصب يظل حراً طليقاً، بينما الضحية تصبح كبش فداء، وما الضحية (نجاة) التي وقعت ضحية الافتراس، ماهي إلا أشارة ترميزية الى المدينة المفترسة من قبل المحتل الامريكي. والمبدع الراحل (مهدي عيسى الصقر) أبداع في بناء الشخصيات الرئيسية في النص الروائي. نجد الجانب السلبي في فعلهم وتصرفاتهم بهذا الشكل وذاك. ما عدا شخصية المترجم (توفيق) الذي يعطي سمة الشخصية الايجابية. الذي يحاول بكل جهده تقديم الدعم والمساعدة المعنوية الى الضحية (نجاة).

أحداث المتن الروائي:

يتحدث النص الروائي عن فتاة صغيرة (نجاة) ذات السادسة عشرة عاماً، تزوجت من (حسون) الذي تجاوز الخامسة والاربعين عاماً. وقعت في زواج فاشل، وهي مازالت في عقل الطفولة الساذجة، وهي بذلك تكون سهلة الانقياد والافتراس. فهي متعطشة للحب والحياة، بسبب هذا الزواج غير المتكافئ. ووقعت بسهولة في براثن (أبراهيم ابن الخبازة) في الاحتيال في بيع الحب المزيف لها. فكان يطاردها بالاستمرار بحجة الحب والغرام حتى وقعت في الفخ الذي نصب لها، لكي يتاجر بها جنسياً في بيع جسدها الى جنود الاحتلال. وكان يقوم في جنح الظلام حين يعبرن بنات الهوى الى الضفة الاخرى، ضفة البساتين ليبعن جسدهن الى جنود الاحتلال، فكان يسلب ما يحصلن عليه من الاموال تحت طائلة التهديد والتخويف، ليأخذ محصولهن الليلي. لذلك اقنع (نجاة) في الذهاب الى البساتين في جنح الظلام، وبالفعل ذهبت معه الى الضفة الاخرى واغتصبت من قبل جنديين زنجيين، ولكن كشف الامر من قبل حراس المعسكر، ودارت معركة قتل فيها أحد جنود الاحتلال، وهي وقعت في قبضتهم، واعتبرت الشاهدة الوحيدة التي شاهدت المجرم، الذي اغتصب وقام بالعملية الاجرامية في القتل. وكانت بين فترة واخرى تجلب الى معسكر الاحتلال لاجراء التحقيق لمعرفة القاتل، والتعرف على وجه المجرم من خلال اصطفاف الجنود في عراء في سخونة نهار الصيف، وهي تتجول بين الوجوه، لكي تتعرف وتشخص القاتل الحقيقي من الجنود الواقفين في قيظ الشمس الحارقة. وكانت عملية جلبها من بيتها ومرورها في السوق الشعبي برفقة الجنود والشرطة. كانت تشعر بالاهانة والاذلال.. وكانت تشعر بالاحباط والجزع والعيون تتطلع فيها، بعدما انتشر خبر عملها الفاحش. حتى زوجها طلقها حتى يتخلص من عارها المشين. فكانت في كل مرة تفشل في العثور على القاتل، وهي تلوم نفسها بشدة وندم، كيف طوعت نفسها في تصديق الحب المزيف من قبل (أبراهيم ابن الخبازة) رغم تحذير المجنون (حميد) الذي حذرها في الابتعاد عنه لانه سيء الاخلاق والتصرف والسلوك، حيث قال لها (أنه أنسان لا يتورع على القيام بأي شيء، من اجل ان يحصل على المال...... حتى أمه ليبيعها اذا وجد من يشتريها) ص45. لذلك جزعت من حياتها وهي تجد نفسها تتحطم جسدياً ونفسياً، في دوامة الجلب الى المعسكر، والتفتيش في وجوه جنود الاحتلال. وكان في كل الجولات يصاحبها المترجم (توفيق) ليقوم بمهمة الترجمة، ويقول لها بأن افادتها في مركز الشرطة تؤكد بأنها شاهدت وجه القاتل الذي اغتصبها، فلماذا لا تركز في الوجوه وتنتهي مشكلتها. ترد عليه بأنها لم تصرح بأنها شاهدت وجه المجرم (- أنا ما قلت أنني رأيته، ابداً ما قلت. لكنهم أصروا.. ماذا افعل أنا !؟) ص31. ويلح عليها (توفيق) ان تكون هادئة وتركز بدقة، وهي تتطلع في الوجوه، فلابد ان شاهدت شيء مثير يجلب الانتباه في القاتل، اثناء عملية أغتصابها، وحتما ستصل الى القاتل وتنتهي مشكلتها العويصة (- اذا تعر فت ِ عليه تنتهي المسألة بالنسبة لكِ

فسألته.

- وهو ؟

قال لها:

- يعدم طبعاً، هو وصاحبه. ماذا تتوقعين؟) ص41.

لذلك انها في قرارة نفسها لا يمكن ان تجازف في حياة أنسان ربما يكون بريء، وليس ذلك المجرم الحقيقي.

وتتذكر بأن (توفيق) قال لها بأنه حين ينتهي عمله في المعسكر ويرحل المحتل الامريكي من المدينة، فأنه يعود الى مدينته واهله. وكانت تتمنى في قرارة نفسها، ان يأخذها معه وينقذها من معاناتها، ينقذها من الجزع الحياتي، من هذه المحنة السوداء. فيقول لها مواسياً (- لالا..... لاتيأسي من الدنيا هكذا بسرعة، هذه قضية بسيطة. سوف تنتهي قريباً،،، صدقيني... ربما تنتهي هذا اليوم.. وانتِ لا تزالي شابة صغيرة.. والمستقبل كله مفتوح امامكِ) ص58.وكذلك تحثها امامها على انهاء المشكلة كيف ما يكون، بأشارة الى اي جندي من الواقفين وتنتهي المسألة العذاب والمعاناة. ولكنها تصر على عدم ظلم اي أنسان، ضميرها لا يطاوعها على فعل ذلك، وتوجه كلامها الى امها بجزع ويأس:

(- رأيك... أقتل نفسي !؟

شهقت أمها.

 - لا بنتي... أسم الله عليك. لماذا تقتلين أنتِ نفسك. أشيري الى اي واحد منهم والسلام... كلهم خنازير)ص74. فلم تعد تطاق محنتها وعذابها، فقد انهكتها جسدياً وروحياً. بالهموم التي تتجرعها كالعلقم. ولم تعد تتحمل نظرات الناس القاسية، كأنها اصبحت منبوذة، بل عار عليهم، وعليها الرحيل عن المدينة، لان وجودها غير مرغوب فيه، من فعلها الفاحش الذي سودت المدينة بالعار. وحرصاً على سمعة المدينة ونسائها عليها الرحيل فوراً. صعدت الى سلم البيت بصعوبة وهي تجر قدميها لتسلق الدرج، وهي في حالة يرثى لها، انهت حياتها لتريح الناس وتستريح، فلم تعد تطيق الحياة، وكانت النهاية في تلك الليلة الرهيبة، لتنام في قعر البئر العميق، وهي توجه صرخة أحتجاج الى الزمن المتوحش والمفترس.

 

 جمعة عبدالله

 

عبد الله الفيفييظلُّ الشاعر أكبر من العَروض، شريطة أن يكون الشاعر شاعرًا، بالمعنى الفنِّيِّ النوعيِّ للنعت. وكثيرًا ما يخرج الشعراء على قواعد العَروضيِّين، قديمًا وحديثًا. أمَّا قديمًا، فنحن في غِنًى عن التمثيل. وأمَّا حديثًا، فحدِّث ولا حرج. ونضرب على خروج بعض الشعراء المحدثين على قواعد العَروض الخليليَّة بعض الأمثلة. فـ(أحمد شوقي)، مثلًا، يقول، من البحر المتدارك، والمسمَّى أحيانًا: الخَبب:

[نَتَّخِـ]ـذُ الشَّمسَ لَهُ تاجا ... وضُحاها عَرشًا وَهَّاجا

وكذا يقول من نصٍّ آخَر:

[نَبتَدِ]رُ الخَيرَ ونَستَبِقُ ... ما يَرضَى الخالِقُ والخُلُقُ

فخرج عمَّا أجازه العَروضيُّون في حشو هذا البحر، من الخبن والتشعيث إلى ما يشبه (القبض)، وليس بقبض، وهو حذف الخامس الساكن، فتُصبح تفعيلة (فاعلنْ): (فاعلُ)، وذلك في ما جعلناه بين قوسَين مربَّعين من مستهلِّ بيتيه. قلتُ ليس بقبض؛ لأن القبض زحاف، والزحاف لا يكون إلَّا في ثواني الأسباب.

وحكاية البحر المتدارك حكايةٌ تطول، لكثرة رُخَصه: فاعلن/ فَعِلُن/ فاعلْ+ فاعلُ! حتى تَصوَّر بعضٌ أن الخَبب بحرٌ مستقلٌّ؛ لأن التفعيلة (فاعلن)، التي يُفترض أنها أصل هذا البحر، تبدو نابيةً حين تَرِد مع تفعيلات (فعِلُنْ/ فاعلْ). كما أن هذا البحر قد يتَّفق إتيانه في النثر المحض؛ ولعلَّ ذلك سبب إهمال (الخليل) إيَّاه. وأرى أن هذا بحرٌ واحدٌ، أصل تفعيلاته (فاعلن)، كما قرَّر (الأخفش) ومَن تلاه مِن العَروضيِّين. لكنه يجوز في حشوه: الخبن (فَعِلُنْ)، والتشعيث (فالن/ فاعلْ)، لا غير. أمَّا (فاعلُ)، فتبدو محض خطأ عَروضي، يقع فيه بعض الشعراء. ونعدُّه خطأً لأنها تتجاور بسببه المتحرِّكات على نحوٍ ثقيل، إذا جاءت بعد تفعيلة (فاعلُ) تفعيلةُ (فَعِلُنْ)؛ فتتوالَى متحرِّكاتٌ خمسةٌ بلا فاصل سكون. فضلًا عن انتهاء المقطع التفعيلي بمتحرِّك، وابتداء الذي بعده بمتحرِّك. ولئن جاز هذا في أبحر أخرى، فإنه يثقل في المتدارك لتنافيه مع طبيعته الراقصة. ولو أُجيز مثل هذا- أي استعمال (فاعلُ) في المتدارك- لأُجيز، إذن، كلُّ اختلالٍ عَروضيٍّ، أو كلُّ نصٍّ نثريٍّ يَنسب نفسه إلى النَّظم؛ لأن العربيَّة بصفةٍ عامَّةٍ لغةٌ موسيقيَّةٌ بطبيعتها، وكثيرٌ من كلام العرب يأتي اتفاقًا على المتدارك. وحين يتلاشى الفارق الإيقاعيُّ بين شِعر العربيَّة ونثرها إلى هذه الدرجة، فقُل على الإيقاع الشِّعري السلام؛ حينئذٍ لن يبقى بين المنظوم والمنثور من فارق. وبذا فإن قصيدة النثر تصبح قصيدة تفعيلة، وَفق هذا التحلُّل من ضوابط النَّظم الشِّعري! فكيف بما أُسمِّيه قصيدة النثريلة (قصيدة النثر التفعيليَّة)، وهي ضربٌ مزيجٌ من التفعيليِّ والنثري؟!

هذا، وليس الضابط في الأمر كثرة استعمال الشعراء؛ فلَكَمْ وقع الشعراء في مزالق العَروض، منذ ما نُسِب إلى (عَبيد بن الأبرص)، وإلى (أبي تمَّام)، وصولًا إلى (أحمد شوقي). وإنَّما الضابط النظرُ في نواميس العَروض العربيِّ الموسيقيَّة الغالبة، وهي تدلُّنا على اضطراب الإيقاع ما زاد توالي المتحرِّكات على ثلاثة أحرف. والسبب واضح، وهو أن الإيقاع في الموسيقى قائمٌ أصلًا على تناوب المتحرِّك والساكن، أمَّا أنْ تتعاقب المتحرِّكات فوق ثلاثة؛ فثقيلٌ حتى في النثر الخالص.

إن الشِّعر: لعبة التحرُّر والانضباط في قيثارةٍ واحدة!

-2-

وإذا كان الضابط ليس باستعمال الشعراء في إجازة وحدةٍ نغميَّة كـ(فاعلُ) في المتدارك، فليس الضابط كذلك باستعمال الشعراء ليزعم زاعمٌ أن ثمَّةَ بحرَين شِعريَّين، منفصلًا أحدهما عن الآخر، هما: (المتدارك) و(الخَبب)؛ بحُجَّة أن الشعراء نادرًا ما جمعوا بين التفعيلات (فاعلن، وفَعِلُن، وفاعلْ) في نصٍّ واحد. ذلك أن الشعراء عادةً إنما ينسج بعضهم على منوال بعض، بالحفظ والترديد والمحاكاة. حتى إن فلتات التجديد لا تظهر غالبًا إلَّا لدى أولئك الشعراء الذين ضعفت لديهم خاصيَّة الحفظ والترديد والمحاكاة، منطلقين من حسِّهم الموسيقيِّ وذائقتهم الخاصَّة. أضف إلى هذا قلَّة استعمال البحر المتدارك في التراث العربيِّ أساسًا، حتى لقد أهمله الخليل، لا عن جهلٍ به؛ لأنه مستوعَبٌ في دوائره العَروضيَّة، بل لأنه وزنٌ نثريٌّ، قد تأتي عليه عباراتٌ كثيرةٌ وطويلةٌ من النثر، الذي لم يعمد قائلوه إلى وزنه، إضافةً إلى أن الخليل لم يجد عليه في عصره شواهد تُذكَر من شِعر العَرَب. ولولا الإلف، وتوارث الشعراء أصوات بعضهم بعضًا، لأمكن أن نجد قصائد تجتمع فيها التفعيلات الخَببيَّة (فاعلن، وفَعِلُن، وفاعلْ). كأن نقول، مثلًا:

للخَيْلِ أنا السَّائسُ ... تَعْدُو، رَسْنُها الهاجِسُ

ثابـتٌ أبـدًا سَرجُـها ... ليسَ يَـــنبو بهــا الفارسُ

فاعلْ/ فعِلُن/ فاعلن ... فاعلْ/ فاعلن/ فاعلن

فاعلن/ فعِلُن / فاعلن ... فاعلن/ فاعلن/ فاعلن

فهذا بحرٌ واحدٌ، اجتمعت فيه التفعيلات بلا نُبُوٍّ، حينما جاء توزيع المتحرِّكات والسواكن سائغًا. وبغير هذا يقع التضييق على الشعراء، إمَّا بفرض تفعيلة (فاعلن)، السليمة من الزحاف، في النصِّ الواحد، وإمَّا باستبعاد تلك التفعيلة، وفرض تفعيلاتٍ مزاحفةٍ فقط، بالخبن والتشعيث. ومثلما أنَّ للشِّعر العربيِّ ضوابطَ عَروضيَّةً لا تقبل التوسُّع، فإنَّ عَروض الشِّعر العربيِّ في غِنًى عن التضييق في ما وُسِّعت قواعده، وإنْ لم نَجِد شواهد عليه عند الشعراء بالضرورة.

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

وليد خالديقراءة في رواية: أصابع الاتهام لجميلة زنّير

ننطلق من مسلمة مفادها، أن الخطاب النسوي كان ولا يزال يطرح العديد من الأسئلة الشائكة والمعقدة، مما جعل منه موضوعا جديرا بالاهتمام من قبل الدارسين والباحثين والنقاد على اختلاف مشاربهم، وتزداد هذه الصورة إيضاحا، كلما اقتربنا شيئا فشيئا من عوالم الكتابات السردية ذات الأصداء الصارخة، والتي تشي بنبرة خطابية رافضة  للتراتب الأنطولوجي والتفاضل الأخلاقي داخل الواقع المعيش، وبالتالي، شكلت هذه الإبداعات في جوهرها منعطفا حقيقيا داخل صرح الفكر العربي المعاصر.

وبناء على ما سبق، فإن رواية "أصابع الاتهام"  للكاتبة جميلة زنّير، الصادرة سنة 2008م، عن دار النشر والطباعة موفم بالجزائر، تعد من بين النصوص السردية التي فقست بيضة الصمت وكسرت حاجز الممنوع والطابو، عبر ممارسة خطابية تطالعنا في بناء لغوي محكم، يشعّ بالدينامية والفاعلية، ويمكننا رصد هذه الصورة الحيّة ضمن براديغم يؤثث لوظيفة جوهرية، تتبدى في نقد التمركز وتعزيز فكر الاختلاف والتعدد الهوياتي، تجسدت معالمه في ضوء بنية فنية بجميع ما تحويه من تشكيلات رمزية ومعلنة، حيث حاولت الروائية من كل ذلك، القبض على تجربة إنسانية تعاني الإحباط والتمزق والاغتراب الأنطولوجي، في ظل أنظمة حكم السلطة البطريكية الأبوية، ويبرز هذا بصورة أكثر وأجلى في انكفائها على الدوائر الضيقة المحكومة بأنماط الرؤية المتصلبة والمغلقة، وهو شكل من أشكال الهيمنة والسيطرة على الآخر المختلف جنسيا/ الأنثى، والنظر إليه داخل بوتقة الجسم الثقافي العام نظرة استخفاف واحتقار، وهذا ما دفع بالكاتبة إلى أن تقوم بعملية حفر أركيولوجية؛ جنحت إلى استنطاق الأعراف والتقاليد البالية التي تحدد أشكال الوعي، كبنية تحتية تشتغل بطريقة لا مرئية، وهي تتشكل حسب فوكو "من شبكة مفهومية تؤسس ما يسميه بالأوليات التاريخية A prioi historique  أو الشروط القبلية". والمثال الذي استنطقت به الساردة هذه الحقيقة المرَّة، قولها: يكفيك أن تلفظ اسمها عند مدخل البلدة لتتجه أصابع الاتهام نحوها "زيزي" الاسم المصغر لـ "زينة " إن أي أحد لم يدللها ولكن صغر الاسم لتحقيرها والتصغير من شأنها وحسب، يراها الناس كأرنب مذعورة تقطع الدرب الطويل، طريقها الوحيد بين البيت والمدرسة حيث تعمل، فلا يحييها أحد ولا يكلمها أحد ومن يكلمها وهي المتهمة قبل أن تأثم؟ المذنبة قبل أن تخطئ.. "وقد نفهم من هذا المقطع السردي، نقطة في غاية الأهمية، تتجلى في محاولة التأكيد على تلك الحركة الاحتجاجية المضادة، ملمحها الجوهري تمرد الأنا على كل أنماط التفكير السائد، وتكمن هذه الخاصية من خلال تقنية المفارقة الاسمية، كأفق دلالي مغاير، يقوض أقانيم المركزية الذكورية، حيث تمظهر في إطار قالب فنيّ، يستند إلى منطق يدحض التراتب الهرمي القيمي، ويطيح بكل أسباب الجور والتعسف في صورة بانورامية، استدعت في جوها العام التأمل والتفكير من الظاهرة المعاشة، سعيا منها إلى تجسيد مشاعر الإنسانية في أسمى معانيها، ولن يتأتى هذا الأمر، في منظور الساردة، إلا ضمن المحمولات الثقافية والحضارية التي تسترشد بالمنظومة الأخلاقية النبيلة.

فكلمة زينة بمعناها الواسع، توحي إلى كل أشكال الجمال والحسن والإعجاب، حتى النفس تهفو إليه، وتكون في حالة تطلع واشتياق لرؤية صاحبه، لذلك بمجرد سماع هذه الحروف المتكونة من أربعة حروف (زينة)، تقرع الآذان قرعا، وتهز الوجدان هزا، فاسم زينة يصرف الذهن من أول وهلة إلى تلك الفتاة المدلّلة التي تحظى بمكانة سامية وسط عائلتها، تصل إلى درجة العيش الكريم بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، والروائية في هذا الموضع تصور لنا حياة الفتاة زينة بطريقة مقلوبة، تنم عن تلك الأوضاع البائسة التي تعيشها، والأزمات الخانقة التي تمر بها، نتيجة فقدانها لأبويها، مما تسبب لها بشكل أو بآخر إلى توجيه أصابع الاتهام لها، كونها وحيدة في هذا الوجود، حيث تقول: وحدها في الدنيا بلا أهل ولا سند..وحيدة على درب الحياة الموحش..لا أحد يخرجها من الدوامة التي تغوص فيها، لقد ودعت عالم الأحياء وصارت تسبح بأفكارها في عالم سكانه أطياف رحماء كخالتها "فيكون التشظي على هذا النحو يشكل محورا أساسيا في الخطاب مشحونا بدلالات القهر والضياع والاغتراب والإحباط والتشرد والتمزق الذي لا تحده تضاريس الواقع.

ومما يستوجب الإشارة إليه أيضا، أن لقب "زيزي"  في عرفنا السائد يأتي في مقام المدح بمعانيه الإيجابية، وهو ما يحيلنا في المقام الأول إلى نقيض الدلالة المتوخاة من النص، وهو نوع من أنواع المحاكمة التي تدين الضمير الجمعي، ونعاين هذه المساءلة والمراجعة كون لقب " زيزي " من حيث الشحنة الدلالية يقزم من قيمة الشخص، ويجعل منها ذاتا ليست جديرة بالاهتمام والتقدير، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، حينما يصبح هذا اللقب مدعاة للنظرة الدونية الهابطة من على سلم الترتيب الاجتماعي. بهذا المعنى، جاء التوظيف يشكل حملة شرسة وعنيفة، تنقب عن بؤر التوتر في ثنايا المجتمع، إذ ولّدت في سياقها العام حالة من حالات صراع الذات مع الآخر/ الرجل، ووسيلة للمواجهة أمام الأفكار والتصورات والممارسات والأحكام المسبقة، التي تنتظم في إطارها الأشياء هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إدخال العقل في مناطق جديدة للتفكير، تستند لحركة الوعي الموضوعي، بالاحتكام إلى بنية التوازي بحمولتها الثقافية المطلوبة، ويتعلق الأمر  في صورته الإيجابية ترقية الوضع الإنساني.

 

د. خالدي وليد/ الجزائر.

 

حسين سرمك حسنقصة (في الهواء رنين أجراس) أنموذجا

في ذكرى رحيل المبدع الكبير مهدي عيسى الصقر:

«الغريب إن نطق.. نطق حزنان متقطعاً، وإن سكت.. سكت حيران مرتدعاً.. وإن قرب.. قرب خاضعـاً.. وإن بَعُد.. بعد خاشعاً.. إن أصبح.. أصبح حائل اللّون من وساوس الفِكرْ.. وإن أمسى.. أمسى مُنتهبَ السرّ من هواتك السِّتر.. مصّه الذبول.. وحالفه النحول».

«أبو حيان التوحيدي»

كتاب «الإشارات الإلهية»

من الحالات النادرة في تاريخ الأدب العراقي القصصي، أن يمنحنا كاتب ما فرصة التعرّف على سيرته الإبداعية، وبشكل خاص الاعتراف بمصادره الواقعية، والكيفية التي يتحول فيها الواقع إلى نصّ، إلى ورقة كتابة، إلى مخيّلة، لأنّ من المعروف، أنّ الكاتب العراقي لا يعطي قيمة لسيرته بل يخجل منها أحياناً ويصاب بالحرج في حـلة إعلانه عن طقوس إبداعه «وخفايا» آلياته الإبداعية. وقد يكون المبدع العراقي الكبير «مهدي عيسى الصقر» هو أولّ من حاول القيام بذلك بصورة منهجية ومدروسة ومقصودة من خلال كتابه «رجع الكتابة» الذي يقول فيه: «طرحت إحدى المجلات سؤالاً على عدد من الأدباء «العراقيين»، حول سبب إحجام الكثير منهم عن كتابة مذكراتهم الشخصية. قال أحدهم: إنه لا يرى نفسه شخصاً مهماً إلى درجة تجعله يسجّل تفاصيل حياته، ليقرأها الآخرون، وإن كانت حياته مليئة بالأحداث».. «وجع الكتابة ص62».

ويعلق «الصقر» على هذا الخلل السلوكي الإبداعي لدى الكتّاب العراقيين بالقول: «في تقديري إنّ كتابة المذكرات بحاجة إلى جرأة كبيرة، واستعداد لتحّمل العواقب، فالمذكرات ليست قصّة، أو رواية، يتخّفى فيها الكاتب أحياناً، وراء شخوصه الوهميين، ليلامس جراحه الخاصّة، في تردّد وحذر، بل هي نبش مباشر يفترض فيه أن يكون صادقاً، وأمينا يكشف، بلا مواربة، عمّا يدور في أعماق النفس، من نوازع «ربما كانت شريرة» وما دار حقّاً، في حياة الكاتب، وفي المحيط، الذي عاش فيه. وكتابة المذكرات تغدو أكثر صعوبة، لمن يريد أن يتحدث، عمّا دار في حياتنا، من أحداث تجاوزت كلّ ما هو خرافي. أمّا عذابات النفس، وخيباتها، فإننا نحاول أن نتناساها، قدر المستطاع، من أجل أن نقدر على مواجهة مصاعب حياتنا اليومية، لابسين قناع التفاؤل فوق وجوهنا الحزينة».. «وجع الكتابة ص62».

1341 مهدي عيسى الصقرأي أنّ «الصقر» يقرّ بأن كتابة المذكرات أو السيرة الذاتية هي «كشف» يتطلب جرأة وروحاً تعرّضية، وقد قدّم هذا المبدع – وفق هذا التصوّر – سيرة ذاتية «منضبطة» همّها الأساسي تقديم الحوادث والوقائع واليوميات ذات الصلة بالعملية الإبداعية، مبتعداً عن الطريقة الفضائحية الصادمة التي اتبعها بعض المبدعين الذين سطّروا سيرهم الذاتية في الأدب العالمي والعربي، تلك الطريقة التي حققت لمذكراتهم انتشاراً واسعاً بين القرّاء الذين يستولى عليهم الفضول الشديد للتعرف على خفايا  «النصف الأسفل» من حياة المبدع السرّية وبشكل خاص الجوانب الجنسيّة المثيرة. ولعلّ أهمّ ما قدّمه «الصقر» في مذكراته، بالإضافة إلى عرض طقوسه وعاداته الإبداعية وهو أمر قليل الحصول في الأدب العراقي، هو تصوير الكيفية التي يلتقط بها موضوعاته من أرض الواقع ليعيد تشكيلها، عبر المخيلة، في سماء النصّ، أي أنّه يقدم لنا درساً هاماً في الإجابة عن تساؤل هام هو: كيف تكتب قصّة؟ وكيف يتحول ما هو واقعي ومادّي إلى إبداعي لغوي؟ وما الذي يحققه القاص أو يضيفه إلى الحدث؟ ثم، وهذا هو الأهم، ما هو المقدار الذي تلعبه دوافع المبدع اللاّشعورية في تشكيل النتاج القصصي النهائي؟

لقد قدمنا دراسة حول هذا الأمر؛ كيفية نقل الواقع إلى النصّ، من خلال متابعة مراحل خلق «الصقر» لقصته القصيرة: «زوجة محارب» ركزّنا فيها على فعل لاشعور المبدع وتجاربه المختزنة في تحديد مسارات تشكّل التجربة النصيّة، وأقدّم هنا دراسة ثانية عن قصة: «في الهواء رنين أجراس» التي ضمتها مجموعته القصصية «أجراس».

كيف «التقط» القاص موضوع قصّته من بين الكم الهائل من الحوادث الذي يحفل به الواقع والتي تواجهه في حياته اليومية؟

يقول «الصقر»: «قبل نحو عشرين سنة، وأنا في سفر، خارج العراق، التقيت رجلاً كهلاً، من اسكوتلندة، كان مسافراً هو أيضاً. ومثل أي غريبين، بعيدين عن الوطن، ينشدان الرفقة، والتواصل مع الآخرين، رحنا نتحدث، قال: إنه في طريقة لزيارة صديق ألماني مقيم في مدينة «ميونيخ»، تعرّف عليه أيام الحرب. نظرت إليه في دهشة:

«تقول: أيام الحرب؟»

«نعم، أيام الحرب».

«ولكن كيف، وأنتما من بلدين، كان في حالة صراع؟»

ابتسم الكهل: «لن تندهش إذا عرفت الحكاية، أو لعلك تندهش قليلاً، ولكن لسبب آخر». وراح الرجل يروي لي حكايته، بكلماته الهادئة البطيئة وبلهجته الاسكوتلندية التي يتندّر عليها الإنجليز أحياناً: «في الحقيقة أنا كنت أسيراً في ألمانيا، وكان صديقي هذا – الذي أذهب لزيارته الآن – واحداً من حرس المعسكـر، الذي كنت فيه. ونظر الكهل في وجهي: «أتدخن أنت؟».

«لا».

«حسناً تفعل، فهذه النـزوات التافهة، التي نعتاد عليها، في حياتنا، تجعلنا نتعرّض لكثير من المهانة أحياناً». «في الماضي كنت أدخن كثيراً، أنت لا تستطيع أن تتصوّر كم كنّا نكرههم، هؤلاء الحرس، لقد جعل «هتلر» من رجاله وحوشاً، لا يتورعون أن يأكلوك، وأنت حي. كانوا يستمتعون بتعذيبنا، نحن الأسرى، كنّا نعمل، في العراء، نستخرج لهم البطاطس، والأرض تغطيها طبقة من الثلج، ونحن شبه عراة، وهم بملابسهم الدافئة وأحذيتهم الثقيلة، يتجولون بيننا، يحملون مسدساتهم وعصيهم ويدخنون باسترخاء. وكان الواحد منهم، إذا انتهى من تدخين سيجارته، رمى بالعقب جانباً، حتى إذا لمح يد واحدٍ من الأسرى، تمتد لالتقاطه، من على الأرض، أقبل كالنمر، وسحق بجزمته اليد، والعقب، بالتراب، فترتفع عندئذٍ، ضحكاتهم المتشفية. كانت تلك واحدة من اللعب التي يتّسلون بها، يومها أقسمت أن أترك التدخين، ولكن، في ذلك الوقت كان الدخان سلوتنا الوحيدة».

ورأيت الكهل يمد يده إلى جيبه، كأنه يبحث عن شيء. إلاّ أنه أخرجها فارغة، بعد قليل.

«في أحد الأيام جلست أستريح قليلاً فشعرت بكعب حذاء واحد منهم ينـزل، بين أكتافي، وصوت غاضب يصرخ بي: «أربايته.. دوشفاين» «اعمل أيها الخنـزير». سقطت على وجهي، ثم جلست أنفض عني الثلج المعفّر بالتراب، وتابعت العمل. لم أرفع رأسي. شعرت، بعد ذلك، بالأقدام تبتعد، مرّت لحظة، ثم لمحت ساقين، وحذاءين ضخمين، يقتربان منّي ، انكمشت على نفسي. هل عاد هذا المتوحش ليضربني؟ بقيت خائفاً. سمعت صوتاً يقول: «حاول أن تكون أكثر حذراً لكي لا تُضرب». كان ذلك صوت رجل آخر. فوجئت. لم تفاجئني الكلمات. فنحن كنّا معتادين على التهديد. إنّما فاجأتني النبرة التي لفظ فيها الحارس كلماته. أحسسـت كـأن الرجل ينصحني. رفعت وجهي إليه، فرأيت ما يشبه العطف، في عينيه، أحقيقة ما أسمع وما أرى. لم يقل الحارس شيئاً آخر، ومضى يبتعد عنّي. كنّا نرتاب في نواياهم، ونخشى أي اتصال بهم. قلت لنفسي: لعلّي أتخيل أشياء لا وجود لها. أحياناً، في ساعات المحنة، يتمنى الإنسان أشياء مستحيلة فيصوّر له خياله حدوثها. بقيت حائراً، مرتبكاً، ولكن في اليوم التالي، وهو يمر بجواري يتفقد العمل، ترك سيجارة تسقط، من بين أصابعه، في حفرة صغيرة أمامي، كأن ذلك حدث سهوا . " سيجارة كاملة ، تصور !! " . ولمعت عينا الكهل وهو يستعيد ذكرى ما جرى. «ثمة أشياء لا نكترث لها كثيراً، في حياتنا اليومية الاعتيادية، تغدو كأنها أكسير الحياة، في مواقف معينة. سيجارة كاملة، تقع في يدي، ونحن نحلم بالعثور على عقب واحد غفل عنه الحارس».

قلت له: «إنني أستطيع أن أتصور مشاعره ساعتها».

«ربّما.. ربّما.. ولكن ما لم تعش التجربة، أنت بنفسك، فإنك.. على أية حال أنا تركت التدخين، بعد خروجي من المعتقل. أمّا في ذلك الوقت. «وأغمض الكهل عينيه لحظة».

«في الأيام التالية أخذ هذا الرجل يحدثني عن نفسه. ليس علناً طبعاً، ذلك مستحيل. كان يأتي ليقف فوق رأسي، ويصيح بي معنفاً، ثم يهمس بكلمات قليلة، عبارة، أو عبارتين، ويمضي. وبدأت أطمئن إليه، ورحت أرد عليه، وأنا مطرق، مواصلاً عملي، عرفت أنه كان مدرّساً للموسيقى، قبل الحرب، وأنه متزوج، وله بنت واحدة اسمها «مارتا»، وإنه يمقت العمل الذي يقوم به، في المعسكر. ومع الأيام نمت بيننا – في ذلك المكان المرعب – صداقة حذرة، متكتمة، محفوفة بالأخطار، ساعدتني كثيراً، على تحمل ما تبقى من سنوات الأسر، وسط ذلك الجحيم.

«وأنت تذهب الآن لزيارته».

«وإلى أين تذهب أنت؟»

قلت له: «إني أعود إلى بغداد.. ثم افترقنا». «وجع الكتابة ص142 – 146».

ثم يتحدث «الصقر» عن الكيفية التي أثّرت تلك الحكاية في وجدانه وكيف اختمرت فكرتها ثم بزغت ناضجة كموضوع قصّة قصيرة تدخل في تشذيبها الخيال، فيقول: «... وقد هزتني تجربة هذا الكهل، مع أنّ علاقات الصداقة، والحب أحياناً، التي تنمو – مثلما تنمو الزهور البّرية، في وسط مستنقع – بين أناس من فريقين متحاربين، هي ممارسة إنسانية قديمة تناولها الأدباء والشعراء في قصصهم، وقصائدهم، وهي تكشف لنا  أنّ الإرهاب والخوف، وليده الشرعي، لا يستطيعان أن يتغلبا، على الخصال النبيلة، في القلوب الحرّة، والشجاعة. وبقيت حكاية الرجل الأسكوتلندي، وصداقته، مع حارس المعسكر النازي أيام الحرب، ترقد في رأسي، لعدد من السنين، بين حشد الذكريات والانطباعات، التي عدت بها من السفر، حتى جاء يوم وجدتها تخرج إلى السطح فوضعتها، عندئذٍ، في أقصوصة أسميتها: «في الهواء رنين أجراس»؛ غير أنّ الخيال كان قد أضاف إليهـا، وحذف منها، كالعادة طبقاً للضرورات الفنية. إلاّ أنّ الجوهر يبقى كما هو – موقف الإنسان، الذي يرفض أن يتخلّى عن شروط إنسانيته، في مواجهة القوى، التي تسعى إلى مسخه، وسلبه حرّية الاختيار». «ص 147».

لقد نقلنا هذا النصّ الطويل لأنّه في غاية الأهميّة، فهو «النصّ» المرجعي الذي سوف نقيس النصّ الإبداعي/القصّة عليه لنرى ما الذي فعله «الصقر» به حين استخدمه مادة أولية شكّل منها ما أنجزه من أنموذج فنّي، وينبغي أن ننتبه أولاً إلى أنّ الكاتب قد اختزن هذه الحادثة لأكثر من عشرين سنة، ثم «طفت» الفكرة إلى السطح ذات يوم، أي أنها اختمرت لمدة طويلة جداً، وكان «انبثاقها» وفق حالة أشبه بالإلهام، إذ لا يستطيع المبدع القول أين كانت هذه التجربة مختبئة طول هذه السنين، ولماذا انبثقت في تلك اللحظة بالذات، وكأن قوة «سحرية» مدّت لها «حبلاً» وسحبتها من بئر الذاكرة المظلمة. وقد يكون المحفز لتحريك الفكرة المخزونة حادثة خارجية بسيطة كقراءة خبر في صحيفة أو رؤية مشهد في التلفاز مثلاً. إلخ.. وقد يكون المثير مرتبطاً بمتغيرات الواقع الاجتماعي الذي يعيشه المبدع الذي يتفاعل مع أحوال مجتمع بضمير حيّ واستجابات ساخنة. وإذا أعدنا إلى ذهن القارئ أن الكاتب قد كتب قصته في «تموز 1988»، أي  بعد شهر واحد على نهاية الحرب بين العراق وإيران، والتي أكلت «الأخضر واليابس» في حياة البلدين ، فإنّ هذه القصّة هي استجابة خلاّقة تشجب العدوان وتراهن على الدوافع الإنسانية لدى الإنسان في كل مكان، وأنّ الطريق الوحيدة للقضاء على غولة الحرب تكمن في المراهنة على الأخوة البشرية التي تتجاوز حدود اللون والعرق واللغة والقوميّة، لقد حاول الكاتب تقديم حلّ لحالة العدوان المدّمرة للمجتمع البشري من خلال الفنّ، ومن خلال حادثة ظلت «نائمة» أكثر من عشرين سنة.

ومرحلة كمون الفكرة أو الواقعة هو ما يسميّه المختصون بـ«مرحلة الحضانة أو  الاختمار – incubation» حيث يرون أنّ «العملية التي يتم بها الإبداع الملهم تجتاز أربع مراحل:

1- مرحلة الإعداد التحضير: Preparation:

وفيها تحدّد المشكلة وتفحص من جميع النواحي وتجمع المعلومات وتهضم جيّداً، ثم يقوم المبدع بمحاولات للحل يستبعد بعضها ويستبقي البعض الآخر لكن يصعب الحل وتبقى المشكلة قائمة، وقد قال «جوته» في وصف هذه المرحلة: «كل ما تستطيعه هو أن نجمع الحطب ونتركه حتى يجف، وستدب النار فيه في الوقت المناسب».

2- مرحلة الحضانة أو الاختمار:

وهي مرحلة تريّث وانتظار لا ينتبه فيها المبدع إلى المشكلة انتباهاً جدّياً، غير أنها ليست فترة خمود بل فترة كمون، فيها يتحرّر العقل من كثير من الشوائب والمواد التي لا صلة لها بالمشكلة، وفيها تطفو الفكرة بين آن وآخر على سطح الشعور.. وقد تطول هذه المرحلة لعدة سنين وتكون المشكلة إبان هذه الفترة تحت تأثير عمليات لا شعورية مختلفة لتلك العمليات الهامة الخافية التي تحدث في البيضة أثناء مرحلة الحضانة.

3- مرحلة الإلهام أو الإشراق:

فيها يثب الحل إلى الذهن ويتضح على حين فجأة.. مثل من ينظر في صورة من تلك الصور الملغزة يحاول أن يكشف فيها عن رسم غزال مختبئ، أو صيّاد متربّص أو طائر على شجرة.

4- مرحلة إعادة النظر أو التحقّق: Verification:

«قد يكون الإلهام الخطوة الأخيرة في التفكير الإبداعي أحياناً، غير أنه في أغلب الأحيان يتعيّن على المبدع أن يختبر الفكرة المبتدعة ويعيد النظر فيها ليرى هل هي فكرة صحيحة أم تتطلب شيئاً من الصقل والتهذيب». «أصول علم النفس – أحمد عزت راجح – ص361 – 364».

ولكن ما الذي حصل لدى «الصقر» وهو يبدع قصّته هذه؟ وكيف سنفهم تسلسل هذه المراحل الإبداعية ارتباطاً بتجربته؟

لم يخطط «الصقر» أولاً لاختيار موضوعه، لقد التقى بـ«مصدره» مصادفة أثناء سفره خارج العراق واختزن الفكرة لعشرين سنة ثم بدأ بالتخطيط لوضعها في صورة قصّة قصيرة في يوم معيّن، أي أنّ تسلسل مراحل الإلهام الإبداعي بالسنبة لهو هو: الاختمار  الإعداد والإنجاز  التحقّق. ولم تبزغ الفكرة بصورة إشراقية ولم يأتِ موقفه معتمداً على «الحدس». كان هناك مثير حفز الفكرة المختزنة والكامنة فصعدت إلى سطح الشعور لتتلقفها أنامل المبدع البارعة. أي أن تسلسلاً آخر موازياً للتسلسل الأولى يمكن أن يرسم مراحل الفعل الإبداعي وهو:

تجربة (حادثة، لقاء..إلخ)  فكرة   اختمار   محفز   عودة الفكرة «وفي أحشائها تفاصيل التجربة القديمة   إعداد وإنجاز   تحقق . وأعتقد أنّ الكثير جوانب الخلق الفني لدى المبدعين تقوم على أساس اختزان التجارب اليومية من علاقات وتجاذبات وحوادث وصدمات واختزانها في هيئة أفكار، وصور تختمر لأوقات قد تطول أو تقصر منتظرة مثيراً ما – خارجياً أو داخلياً – يحفزها ويحرّكها. وقد تتحفز الفكرة أو الصورة لأكثر من مرّة لكنها لا تدفع المبدع إلى العمل بسبب انتظار «المموّل» الداخلي الذي يمنحها الطاقة النفسية الكافية . وهذا الممّول يكون في العادة رغبة لاشعورية تبغي الإشباع أو صراع لاشعوري يطلب الحل أو دافع لاشعوري هو الذي يموّل إخراج الفكرة الكامنة إبداعياً لمصلحته. وإذا راجعنا دراستنا الموسّعة حول «قلق الموت لدى المبدعي مهدي عيسى الصقر» سنكتشف حافزاً مضافاً جعل الذكرى النائمة تصحو وتطرق أبواب شعوره ليستلهمها في قصته، وهذا الحافز هو قلق الموت الذي تأصل في لاشعوره منذ طولته وتحديداً منذ أن واجـه تلك التجربة الفاجعة المتمثلة في حضوره – صغيرا ووحيداً- احتضار والدته، وقد تجلّى هذا القلق – كما بينّا في دراستنا تلك – في مجمل نشاطه الإبداعي، رواية وقصّة وسيرة، ومن الواضح أن تقدّم «الصقر» في العمر لأكثر من عشرين عاماً قد رفع من حدّة هذا القلق وجعله يستعيد التجارب التي يستطيع توظيفها بطريقة تخفف من حدة مخاوفه وتحافظ على تماسكه النفسي وتمنحه الإحساس بالديمومة ومقارعة الفناء. ومن بين هذه التجارب لقاء «المصادفة» الذي حصل مع ذلك العجوز الأسكوتلندي الذاهب إلى رؤية «جلاّده» السابق في معسكر الأسر خلال الحرب العالمية الثانية. فالحادثة التي «قصّها» العجوز هي واقعة مواجهة مع الموت لأنها حصلت في أتون الحرب، والحرب هي الغولة التي يبعثها الموت كي «تلحس» لا أقدام وجودنا فحـسب، بـل أرواحنا موتى وأحياء؛ فحتى الناجين من مخالبها الباشطة يعودون وقد ركبهم الشعور بالذنب؛ ذنب النجاة.. «لماذا عاشوا في الوقت الذي مات فيه زملاؤهم؟ لماذا لم يفعلوا شيئاً لإنقاذ الآخرين؟ هل انتهزوا الفرصة على حساب غيرهم؟ هل ضحّى الآخرون بأرواحهم من أجل إنقاذهم؟..».. ثم هناك ذنب القتل وخطف روح آخر شبيه بهم من حيث تعلّقهم بالحياة وبعائلاتهم.. العائدون من الحرب يعودون بغيلان صغيرة سوداء تعشش في زوايا أرواحهم وتنشط في أحلامهم وتجعل حياة يقظتهم جحيماً لأنّها تقفز من أماكنها بصورة شيطانية مع أي محفّز – مهما كان بسيطاً – يعيد ذكريات الموت بصورة إشراطية «قد يجفل محارب سابق بعد الحرب عند سماعه صوت تكسّر قدح زجاجي أو زعقة منبّه سيارة.. إلخ» وقد عاد العجوز الأسكوتلندي من معسكرات الأسر الألمانية الرهيبة التي كان يديرها وحوش فعليون كما وصفهم في حديثه للصقر، قلّة قليلة كانت تعود إلى ديارها على قيد الحياة من تلك المعسكرات.. (إنّ أي شك حول التأثيرات الرهيبة لعمليات الأسر على الإنسان يمكن طرحها جانباً من خلال مراجعة الإحصائيات التي أوردها المختصون حـول الأسـر خـلال الحرب العالمية الثانية حيث وصلت معدلات الوفيات بين أسرى الحرب إلى مستويات لا تصدق قدرت بين «6 – 10» ملايين، فمن بين جميع الأسرى البريطانيين والأمريكيين مات (11%) تقريباً خلال فترة الأسر، وأغلبهم بسبب سوء التغذية أو الإهمال، و(45%) من الأسرى الألمان في معسكرات السوفييت و(60%) من الأسرى السوفييت في معسكرات الألمان لم يعودوا إلى بلدانهم بعد الحرب حيث ماتوا خلال «الأسر».

في الواقع حدّث العجوز الصقر عن المعاملة اللاإنسانية والشرسة التي كان يقوم بها الحرس «استخراج البطاطا من تحت طبقة الثلج بأصابع عارية، العمل في الصقيع شبه عراة، محاربة الأسرى المدخنين بأعقاب السجائر، بالأحذية، والشتائم».

لكن في القصّة، أضاف «الصقر» طريقة تعذيب لا أعلم أين اطلّع عليها حيث يقول: «كانوا ينـزعون عن الأسير ثيابه، ويسكبون ماءً بارداً على جسده العاري، ويتركونه ساعات طويلة في العراء تحت الثلج المتساقط في ليالي الشتاء.. ثم يأتون به إلى حجرة دافئة، جسداً متصلباً.. ويجيئون بامرأتين عاريتين، ويجعلون كل واحدة منهما تنام على جانب من الجسد المتجمّد وتعملان معاً على بعث الحياة فيه من جديد، بحرارة لحمهما العاري. وفي الغالب يكون الأسير الذي يؤتى به من العراء قد فارق الحياة منذ بعض الوقت. وتكتشف الامرأتان بعد وهلة، أنهما كانتا تلهثان على جثة هامدة. ولكن كان يحدث أحياناً أن يستعيد الأسير وعيه شيئاً فشيئاً، وينتعش الجسد البارد، وفي بعض الحالات يطبق الرجل المستثار على إحدى الامرأتين فيضاجعها وسط ضحكات المشرفين على التجربة..» «أجراس، ص 20 – 21».

أنا، شخصياً، اطلّعت خلال القراءة المستفيضة، على الكثير من أساليب تعذيب الأسرى في معسكرات النازي، ولم أطلّع على مثل هذه الطريقة رغم أنّها ممكنة الحصول، لكن السؤال الهام الذي يثور في ذهن المتلقي هو ما الذي دفع بالكاتب إلى اختيار تجربة يمتزج فيها التعذيب الجسدي بالجانب الجنسي الإستثاري؟

إنّ السبب الذي يطرحه الكاتب لتبرير هذه التجربة الغريبة هو أنّ الجلادين كان يهمهم أن يعرفوا إلى أيّ مدى يستطيع الإنسان أن يصمد أمام البرد القارس، وما هي أنجع سبل العلاج لجندي موشك على الهلاك برداً، لكي يوفروا أسباب السلامة للجندي الألماني الذي يقضي فترات طويلة في الخنادق، وهو عامل متهافت علميـاً، لكن العبارة الكاشفة هي التي يقول فيها «الصقر» من أنّ الجلادين كانوا يدهشون للقدرة السحرية التي يمتلكها جسد الأنثى على إعادة الحياة إلى رجل هالك، ثم الصعود به إلى ذورة النشاط الجنسي. فهذه التجربة الجنسية في مضمونها رغم غطائها العلمي تشبع الدوافع التبصصّية والاستعرائية الممزوجة بالسادية لدى الجلادين.. والمبدع حين يبني مشاهد نصّه يسترق ويتبصّص ويفرغ دوافعه السادية أيضاً. ومن ناحية ثانية، من الضروري الإشارة إلى أنّ هناك عوامل كبيرة تتحكم في الكيفية التي يبني بها الكاتب نصّه وبشكل خاص تسلسل حوادثه من بين أهمها الإشراط النفسي اللاّشعوري. وبقدر تعلق الأمر بتجربة «التعذيب» التي أشار إليها «الصقر» فإنها من الناحية الفنية والنفسيّة تضعف حدّة وحشية أساليب التعذيب الأخرى التي أخبره بها العجـوز والـتي سطّرها في قصته أيضاً لأنّ الوقع النفسي لتعذيب ينتهي بالجماع الجنسي والمغازلات المهيّجة لا يولّد الانطباع المأساوي الذي تخلقه الطرق الوحشية الأخرى. فلماذا ذكرها الكاتب؟ ولمَ لمْ ينتبه إلى المفارقة التي يخلقها هذا النوع من «التعذيب» مع المسار الدموي والشرس المعروف عن الأنواع الأخرى؟

لقد جعل القاص بطله العجوز «توم تبلر» في القصّة – يتشارك في مقصورة واحدة من القطار الذي أقلّه إلى «ميونيخ» لملاقاة جلاّده/ صديقه السابق، مع زوجين: أفريقي أسود وألمانية شقراء. وعند منتصف الليل توسد حقيبته وغطى نفسه بالمعطف. لم يستطع النوم بعمق بسبب حركة القطار. ثم أطفئ الضوء داخل المقصورة. سمـع همسـاً وتنهـدات فبقـي سـاكـنـاً، لم يشـأ أن يقطـع علـى الأفريقـي وزوجته ماكانا فيه... انفلتت ضحكة صغيرة من فم الامرأة النشوى على المقعد المقابل، وسمع الأفريقي يهمس محذراً: «إ شـ شـ ش..». «ص20».

إنّ من المؤكّد أنّ المغازلة بين الزوجين قد أثارت قواه المتهالكة وأشاعت التهيّج في أوصاله، ومن الطبيعي أن «يسحب» هذا المشهد، بعملية إشراط لاشعوري وليس بالإشراط «البافلوفي»، ذكرى ذات طابع جنسي من مخزون ذاكرة العجوز «بتلر» تتلّبس بأغطية العذاب من تجربته المريرة التي يصوغها القاص الذي «تماهى» مع بطله وانسجمت دوافعه الخاصة، ككاتب تقدم به ا لعمر مثل «بتلر»، مع الاستثارة الحسيّة التي ولّدتها خلوة الزوجين في ظلمة المقصورة. ولهذا استدعى الكاتب تلك التجربة، تجربة «تعذيب» الأسير واستثارته بامرأتين عاريتين، ليضرب عصفورين بحجر لا شعوري واحد.



عندما نقل القاص الواقعة الفعلية إلى عالم النصّ، قام بتحويرها وتطويرها وتطويع تفصيلاتها لمتطلبات الفن القصصي فعرض حكاية العجوز في ثلاثة أقسام، هي:

1- الفتى الصغير.

2- الأفريقي وزوجته.

3- رنين الأجراس.

1- في القسم الأول عرض لنا حالة بطله «توم بتلر»، العجوز الأسكوتلندي، وهو يبحر بعبّارة من ميناء «دوفر» البريطاني إلى «أوستند» في بلحيكا، فهو متهالك القوى لا يقوى على الصعود والنـزول على السلالم الحديدية ليرى البحر بكل سعته وامتداده من سطح السفينة مثل الآخرين، ولكنه كان يشعر بالبهجة، كما لو كان يجلس وسط نادٍ كبير، أو يشارك في مهرجان، ويقدم القاص لنا ملاحظة عرضية هامة عن شعوره بالسعادة فيقول: «لأول مرّة – منذ زمن طويل – يشعر بالبهجة لوجوده بين الناس»، أي أنّ «بتلر»، قد أمضى العقود السابقة من حياته بعد خلاصه من الأسر، منعزلاً عن الآخرين ولا يشعر بالارتياح حين يكون بينهم، وهذه من علامات الخراب النفسي الذي سبّبته الفاجعة التي تعرّض لها. فالعائدون من تلك الفاجعة يشعرون بدرجة كبيرة من الاغتراب عن ذواتهم وعن الآخرين، وقد يصل الأمر حدّ تحطم أواصر حياتهم العائلية. وفي استهلال القصة يبين لنا الكاتب أنّ «بتلر» قد خرج من إسار عزلته بفعل إلحاح زوجته عليه بالسفر.

خلال الرحلة يجلس أمامه شاب صغير «يبتسم طوال الوقت، وكانت خصلة من شعره الأشقر تسقط على جبينه كلما تحرك، فينفضها إلى الوراء بحركة سريعة من رأسه كما تفعل فتاة في مقتبل العمر» «ص9».. وعندما يبدأ «بتلر» بالحديث مع الشاب الجميل يقدم لنا القاص ملاحظة أخرى هامة يقول فيها: «الحديث مع الناس يجعل المخاوف تبدو أقل حدّة»، وبعد أسطر قليلة ينقل إلينا جانباً من مشاعر «بتلر» بعد أسئلة وأجوبة مع الشاب فيقول: «لم يرد على الفتى بشيء ، راح يحدق إلى البحر ساهماً.. من وراء الزجاج السميك.. الحديث مع الناس يفتح – أحياناً – الجراح القديمة..» «ص10».

المخاوف والجراح القديمة نامت بعين واحدة كما يقال توقظها المثيرات البسيطة فترفع رؤوسها السود ويكون ثمن هذه اليقظة باهظاً. هذه اليقظة غير مباركة، تثير القلق والخوف القديم في نفس «بتلر» وتحفزّ غيلان التجربة الكريهة، تبذل الضحية الناجية من الفاجعة جهوداً مستميتة للابتعاد عن مسرح التجربة الكارثية القديمة، ولهذا نجده يؤجّل زيارة صديقه و«جلاّده» السابق في ألمانيا من سنة إلى أخرى. «زمن طويل مرّ وهو يؤجل هذه الزيارة من سنة إلى أخرى. كان يتذرع بأعذار مختلفة أمام زوجته الحائرة، ولكنه لم يذكر لها أبداً السبب الحقيقي الذي كان يجعله يتردّد في الذهاب، خشية أن تظنه جباناً، أو مصاباً بمرض نفسي، وتقترح عليه الذهاب إلى طبيب. كانت تنتابه المخاوف عند التفكير برؤية ألمانيا مرّة أخرى.. مخاوف غامضة.. مدّت جذورها في أعماق نفسه خلال تلك السنين السوداء». «ص11».

إن هذه الجذور الأفعوانية تغوص في تربة روح الضحية حتى بعد انتهاء الفاجعة زمنياً ومكانياً. وقد تكاثرت في أعماق «بتلر» مثل رؤوس الميدوزا خلال الأربعين سنة التي تلت إطلاق سراحه، ولهذا نجده لا يشعر بالخوف والتوتر من مجرد فكرة العودة إلى ألمانيا فحسب بل يحاول تجنّب أيّ مثير يذكره بها أيضاً. بالنسبة له يعمل (الرمز) عمل الوحش الأصلي تماماً، بل قد يفوقه أحياناً، فالأصل كان محدداً ويطلق سهامه المدمّرة نحو الضحية من الخارج، أمّا الرمز فإنه يشعل التهديد من الداخل، وأنّ أكثر أنواع المعارك دماراً هي التي تكون ساحة عملياتها نفوسنا الممزّقة. إن أفظع حالات التهديد تحصل حين يكون عدوّك رابضاً في داخلك ويشكّل جزءاً من واقعك النفسي. والأشد بشاعة أيضاً، هو عندما يثخن هذا العدو نفوسنا بالجراح العميقة دون أن يكون لدينا حول أو قوّة لردعه أو لجم عدوانه. فوق ذلك فإن تأثير المحفزات التي تنشط همّة هذا الخصم الشرس يتم «آلياً» و«اقتحامياً» فيجعل حياتنا جحيماً في اليقظة والمنام على حدّ سواء، إن بإمكانه، هذا العدو الداخلي، أن يخرّب علينا فرصة للبهجة والاندماج التلقائي في الحياة البشرية الدافئة. وهذا ما حصل لـ«بتلر»، فعندما سأل الشاب الصغير الجميل عن وجهته وقال له إنه عائد إلى وحدته العسكرية في ألمانيا وعلم أنه جندي متطوع في قوات حلف الناتو، «أراد أن يقول له: أوَلمْ تجد حرفة أخرى؟» «ص10».

لقد انزعج لأن ذكرى الجندية نهضت في ذهنه بكل مآسيها وعذاباتها والفاجعة الشخصية التي تضمنتها. حصل هذا الانزعاج رغم أنّ الشاب كان يرتدي ثياباً مدنية، بالإضافة إلى ذلك فإن رحلة الشاب من بريطانيا إلى ألمانيا تذكره برحلته القديمة نفسها. لقد خرّبت الجندية حياته وضيّعت أجمل سنوات عمره بسبب الحرب الطويلة. سمع الفتى يسأله وهو ينهض من مكانه: «أنا ذاهب إلى حانوت السفينة.. هل آتيك بشيء؟ بيرة؟ سجائر»؟!

قال له: «لا.. شكراً».

غريب كيف ماتت رغبته في التدخين دفعة واحدة..»

إنّ عرض الخدمة الذي قدمه له الشاب أزعجه أيضاً. وهو يبّرر موت رغبته في التدخين بأن إدمانه على التدخين هـو الـذي جعله يعرّض نفسه إلى المهانة. وهذا تبرير مراوغ يقلب الحقائق ويوقف الأمور على رأسها، فمن المفترض أنّ خلاصه من الأسر يمثل فرصة للتعويض عن الحرمان الذي عانى منه، حيث يستطيع في ظلّ عودته إلى الحريّة والحياة المدنية أن يدخن بالكيفية التي يريدها، لقد ترك واحدة من أهمّ المتع في حياته حين تيّسرت له الفرصة لممارستها، وكان شغوفاً بها حدّ تحمل المهانة والأذى حين كانت ممنوعة عليه وهو في معسكر الاعتقال، فأيّ المكانين وأي الزمانين هو الملائم لإشباع رغبته؟ لقد ترك عادة التدخين إلى الأبد بعد أن أصبح حراً، لكنه في الواقع لم يستعد حريته النفسية الكاملة، لقد أكره على التخلي عن رغباته ومنها التدخين. أصبحت السيجارة مصدر تهديد لأنها صارت من مسبّبات يقظة شياطين الداخل. وحتى على المستوى السلوكي العام نجده يشير إلى معلومات تشير إلى «نكوصه» النفسي واعتماديته الشديدة: «منذ أن عاد من الأسر قبل أكثر من أربعين عاماً وزوجته تعامله كما لو كان طفلاً مريضاً. وكان ينتبه إليها أحياناً وهي ترنو إليه في أسى.. عندما تراه يجلس صامتاً.. ساهماً.. ساعات طويلة». «ص12». يختم القاص القسم الأول من قصّته بالقول: «كانت الحركة على ظهر السفينة قد هدأت، وخفّ اللغط، بعدما استنفذ المسافرون ما لديهم من كلام، وظهر التعب على الأطفال.. وكان هو يشعر بشيء من الحزن وهو يتأمل الفتى النائم» «ص13». كان يتمنى لو بقي هذا الشاب الصغير في وطنه ولم ينخرط في سلك الجندية التي لا تعني بالنسبة له سوى الموت والخراب المؤبّد. في هذا القسم استخدم القاص ما يمكن أن نسميّه بـ«مرتكزات الإسقاط الانفعالية» وهي أشياء حيّة أو جامدة يوظفها الكاتب في قصّته من أجل أن يسقط عليها جوانب من الحالة  النفسية الانفعالية لشخوصه أو لتعكس جوانب من الموقف النفسي الكلي في القصة «صراعاتها، تجاذبات علاقاتها ومكبوتاتها..إلخ». وقد كان طائر النورس، في هذا القسم، هو مرتكز الإسقاط الانفعالي في هذا القسم، فمع بداية رحلة «بتلر» وبهجته النسبيّة يقول القاص: «العبّارة تشق صفحة البحر في هدوء.. يرافقها سرب من النوارس يخفق بأجنحته البيضاء في الشمس.. فوقها وعلى جانبها». «ص9». تعكس النوارس السكينة العامّة في أجواء القصّة وكشارة سلامة للرحلة المقبلة، ولكن عندما تبدأ المخاوف تستولي على نفس «بتلر» وينـزعج من ذكرى الجندية من خلال إجابة الشاب الصغير/الجندي ويحدق إلى البحر ساهماً ويشعر أن حديثه مع الشاب قد فتح جراحه القديمة، يقول القاص: «كانت النوارس قد اختفت.. عادت إلى اليابسة، غير نورس وحيد ظل يحوم حول السفينة في إلحاح».. «ص10». وحركة النورس الوحيد هي تعبير عن وحدة «بتلر» وعزلته المضنية، أمّا عندما «تنضج» آلام «بتلر» وتعود الذكرى الفاجعة التي طالما تهرّب منها، يقول القاص: «أصبح البحر امتداداً لا حدود له، وكانت السماء لا تزال صافية تقريباً ولم يعد طائر النورس الذي كان يلاحق السفينة وحده، لعلّه حط على ظهرها ليستريح بعد أن أجهده التعب». «ص12». وهي حركة عكست فرصة لالتقاط الأنفاس وهدوء الانفعال، والشاب يحتسي البيرة وهو يتناول طعامه وشرابه. وفي هذا القسم أيضاً بدأ القاص بمحاولات تمهيدية لترميم الواقع النفسي المتداعي لبطله من خلال إشارات ومواقف تعزّز في داخله الأمل وتشيع مسحة من التفاؤل في نظرته إلى الحياة والعالم وصولاً إلى المراهنة على إنسانية الإنسان، هذه المراهنة التي ستنسيه وحشة جلاّديه السابقين الذين ذاق الأمرّين على أيديهم. هناك ركاب السفينة من رجال ونساء وهم يتحدثون ويضحكون ويشربون وكأنهم في مهرجان، وهناك الشاب الصغير الجميل الذي يعرض عليه خدماته وهو يبتسم دائماً ويلاحق الفتيات بنظراته ثم يغفو مثل طفل صغير، ولكن الأهم هو الموقف الذي صمّمه لمد الجسور بين «بتلر» وجلاّده/ صديقه السابق، فقد أشار إلى أنّ هذا الصديق هو الذي كان يلحّ على «بتلر» لزيارة ألمانيا وتحقيق لقاء بينهما، كما أنّ هذا الصديق قام بإرسال ابنته «مارتا» لتقيم مع «بتلر» وزوجته أكثر من ستة أشهر لتتعلم اللغة في بريطانيا، وقد رعتها زوجته وأحبتها كما لو كانت ابنتها الوحيدة وعندما تركتهما وعادت إلى أهلها شعرا بفراغ كبير، لكنها ظلت تتراسل مع زوجته. وعن طريق ذلك يحاول القاص تمتين وشائج الأخوة الإنسانية بين «بتلر» وصديقه والتأكيد على أنّ التصالح بين الضحية والجلاد ممكن بعد الخراب العاصف.

2- في القسم الثاني الذي حمل عنوان «الأفريقي وزوجته» يصعّد الكاتب من جهوده البنائية التي تحاول تجميل صورة العالم أمـام عيـني «بتلـر» اللتـين لم تعدا تريان غير  الجانب المظلم من هذا العالم. ترك القاص، بقصدية ودراية، امتداداً من القسم الأول يعزّز الأواصر السردية بين القسمين: الأول والثاني، تمثل هذا الامتداد في تأخر «بتلر» عن قطاره في المرحلة الثانية في رحلته، لأنّه أضاع بعض الدقائق في محاولة إيقاظ الفتى الثمل.. «ولكنه اضطر في النهاية إلى تركه في مكانه يتمطى ويتثاءب وينظر حوله في ذهول.. كان يداخله شيء من القلق عليه، ولكن ماذا كان بمستطاعه أن يفعل، كان عليه أن يلحق بقطاره».. «ص13».

في القطار، جعل القاص بطله يتشارك في المقصورة مع زوجين: أفريقي أسود وألمانية بيضاء شقراء. كان «بتلر» يعتبر مثل هذه الزيجة عجيبة من عجائب الدنيا. «كان قيام رجل غير ألماني بمضاجعة امرأة ألمانية يعد عملاً شائناً. أما أن يضاجعها أفريقي أسود فتلك كان جريمة بشعة. ولكنهم كان يجيئون بالنساء قسراً، من البلدان المحتلة، من أجل متعة الضباط الألمان». «ص20». والأكثر إثارة للدهشة في نفس «بتلر» هو أنّ الأفريقي أخبره بأنهما – هو وزوجته – ذاهبان لزيارة أهل زوجته. وقد تعمد القاص أن يظهر الزوجين «المتناقضين» وهما في غاية الانسجام والرضا والسعادة. وهذا دليل شكّله القاص ليثبت «لبتلر» - ولنا أيضاً – أن العالم مازال بخير وأنّ الفوارق التي أسستها السياسات والأيديولوجيات بين البشر على أساس أعراقهم وألوانهم يمكن أن تزول، وبالتالي – وهذا هو القصد النهائي للقاص. فمن الممكن أن تلتقي الضحية بجلادها مادام الاثنان هما ضحية تلك السياسات والأيديولوجيات نفسها. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ العالم الآن لا تسوده الأحقاد وروح العداء بل الألفة والمسالمة. الكل يساعد بعضه البعض الآخر. لقد أبدى له الزوجان الكثير من ألوان المساعدة وكانا حريصان على راحته، حتى أنهما خرجا يدخنان في الممر حين عرفا أنه قد ترك التدخين منذ زمن بعيد.. وقد صمّم القاص مشاهد هذا القسم بذكاء بحيث جعل المواقف الإيجابية المحملة بالروح الإنسانية التي تجري في حاضر القصة تستدعي وتوازي الممارسات السلبية التي تبزغ في ذاكرة «بتلر» الجريحة. فالزوجان يدخنان بحرّية ويعرضان عليه علبة السجائر في الوقت الذي يتذكر فيه حرمانه من التدخين في معسكر الأسر، والمهانة التي يتعرض لها الأسرى حين يلتقطون أعقاب السجائر التي يتعمد الجلادون رميها ثم سحق يد الأسير التي تمتد نحوها خلسة بكعاب الأحذية الثقيلة، وفي هذه اللحظة يسترجع موقف صديقه/  جلاده الذي منحه القاص اسم «هانز هوفمان» الذي كلمه بنبرة صديقة لا تُصدق وألقى له بسيجارة كاملة في بادرة إنسانية لا يمكن توقعها وسط أجواء العذاب والعدوان. لكن قبضة الخراب الخانقة لم ترتخِ تماماً وظلّت شياطين الفجيعة تتقافز كلما سنحت لها الفرصة وتوفّر لها المثير المناسب. فمشهد الزوجين وهما يدخنان وعرض التدخين الذي قدّماه له أهاج جروحه القديمة وأعاد إليه الذكريات المؤلمة. ومازال كيان «بتلر» هشّاً أمام «الرموز» المهددة. فعندما يُطرق باب المقصورة ويدخل المفتش بقي «بتلر» مضجعاً لا بحب أن يرى رجال بثياب دكناء. هذه الثياب تذكره بملابس الحرس النازي وتستدعي، بالتالي، سلوكهم الوحشي. وفي موقف آخر: «.. دخل المقصورة رجل آخر.. سمعه يكلّم الأفريقي باللغة الألمانية. ولمح ساقيه تنتصبان على مقربة، فانقبض قلبه».. «ص22». لقد أمضى سنوات اعتقاله مطأطأ الرأس ومنحنياً وكلما همّ برفع بصره اصطدمت عيناه بمشهد ساقي الحارس الضخمتين تنتصبان بجانبه وتكادان تلامسانه. وعندما شاهد الزوجين الشابين يضحكان بانطلاق: «فكر مع نفسه وهو يتأملهما.. ما أروع زمن الشباب وما أقصره، أما هو فقد أضاعوه عليه»، لم يكن قادراً على نسيان أنّ من عذّبوه كانوا وحوشاً، وكان الصوت يضج في أعماقه: «وحوش.. وحوش.. سمع عجلات القطار تردّد وراءه في ضربات رتيبة متواصلة.. وحوش.. وحوش.. وحوش». «ص16» ناسياً أنّ منقذه الحارس كان يلبس الثياب نفسها، ويحمل مسدساً كبيراً وعصا سوداء مثل الحراس الآخرين، ولكنه كان إنساناً فريداً، كان تعرّفه على الحارس «هانز هوفمان» هو الذي ساعده على العيش والتّحمل.

3- في القسم الثالث والأخير الذي حمل عنوان: «رنين الأجراس»، ففيه لحظة الذروة، لحظة لقاء «بتلر» بصديقه/جلاده القديم «هانز هوفمان». وفي بداية هذا القسم يستمر القاص في توكيد وحدة قصته ويثبت أنّ المبدع المقتدر هو الذي يمتلك انتباهة حادّة ونظرة شمولية تجعله لا «ينسى» أيّاً من شخوص قصته الأساسيين.

ها هو العجوز «بتلر» ينـزل من القطار وقتياً ليشاهد جندي «الناتو» الصغير بخصلة الشعر الساقطة على جنبيه، كان مثل طفل يلهو فتمنى «بتلر» لو أنّ هذا الفتى بقي في وطنه معبّراً عن سأمه من حرفة هدفها الأساسي هو احتراف فن مواجهة الموت. ولكن هذا جانب من الهدف الأكبر والأسمى للكاتب، هدفه المتمثل في رسالة الأديب الإنسانية المقدّسة والتي تتجسد في المراهنة على إنسانية الإنسان ونبله، وإثبات أن هناك بذرة للنماء وسط أشد ظروف العدوان قساوة. في المحطة راح «بتلر» يتأمل بناءها الضخم ويفكر «كم يبدو الناس صغاراً تحت هذا السقف المهيمن!» هو يتساءل: «يعرفون كيف يبنون إذا أرادوا»، الناس في حركة عمل ونشاط هائلين، «لمح بناءً ضخماً تعلوه رقعة كبيرة كتبت عليها كلمة واحدة «مرسيدس». لقد قام الإنسان بإعمار ما خرّبه من منجزاته بفعل قسوته وساديّته. ها هي المراعي الخضراء تمتد أمام عينيه، وها هو – وهنا بيت قصيد الكاتب - «بتلر» يجد نفسه من جديد في ساحة جحيم معاناته السابقة. «داخله شعور بأنّ تلك المخاوف الغامضة، التي شلّته دهراً هي ليست سوى عرض مرضي من بقايا سنوات الأسر الطويلة». «ص25». وهو محق في ذلك وإن كان وصوله إلى هذه الحقيقة قد تأخر لعقود طويلة – أكثر من أربعين عاماً – وكان ثمن هذا التأخير المزيد من المعاناة والألم والوحشة. ينظر من خلل نافذة القطار المندفع بجنون فيشاهد أبقاراً سمنية، بضروع ملأى وهي ترعى مطمئنة وفي عنق كلّ واحدة منها جرس كبير. «وكان لرنين أجراسها وقع غريب على الأذن، وهي تفرّ مذعورة على غير هدى، بين هدير الطائرات المغيرة، ودوي انفجارات القنابل، ووسط كل ذلك.. الخراب». «ص25». ورغم هدير القطار المجنون، لا تفزع ولا تجفل. ملعون عدوان الإنسان فقد كان قادراً على بث الرعب في نفوس حتى الحيوانات المسكينة، فكيف الحال بالإنسان نفسه؟ إذا كانت الأبقار تفرّ مذعورة ويتصاعد رنين الأجراس المعلّقة في أعناقها كشارة للموت والخراب، فـإن ما حصل «لبتلر» وباقي رفاقه الذين عاشوا فاجعة الأسر هو أنّ الحرب قد علّقت الأجراس، السوداء المدوية في أعناق أرواحهم المذعورة المتلفتة أبداً فصارت تدق وتزعق ليل نهار محطمة وجودهم ومخربة حيواتهم. لكن «تغيرت كثيراً هذه الأبقار! كل شيء تغير.. ولم يتبق من آثار ذلك الزمان غير ندوب قديمة في نفوس الشيوخ أمثاله، و – أحياناً – في أجسادهم.. وحشد من الذكريات ما عادوا يرغبون الحديث فيها. هذه الأبقار التي ترعى على بعد قليل من سكة القطار، ترى كيف يبدو رنين أجراسها الآن ؟ كم يحب أن يسمعه». «ص25» وهنا تتجلى «فلسفة» عنوان القصّة: في الهواء رنين أجراس، لم يكن في هواء «القصة» أي رنين للأجراس، وكان العجوز «بتلر» يتمنى أن يسمع رنين الأجراس المعلّقة في أعناق الأبقار، ومن المؤكد أن هذا الرنين سيكون هادئاً ولطيف الوقع لأنه يصدر عن حركة أبقار مطمئنة في مرعاها في مرحلة  السلام بدلاً من ذلك الرنين الغريب لأجراس الأبقار المذعورة في مرحلة الحرب. وبالتالي فإن هذا العنوان سيكون مضلّلاً ومورّطاً إذا أخذنا معناه المباشر على طريقة «ثريا النص» الجامعة المانعة، إن المعنى الكامن والعميق لهذا العنوان، وبعد أن قطعنا هذا الشوط الطويل في تحليل وقائع القصّة – يشير الى رنين أجراس الرعب والعذاب المعلقة في أعناق أرواح ضحايا الفاجعة كما قلنا، وهو رنين مُنفر ومقلق يخنق «هواء» أجواء النفس البشرية للناجين الذين لم يستطيعوا النسيان وظلّت مخاوف الشدّة الفاجعة تتطفل على عقولهم كما يمتص العلق دم ضحيته، لكن لابدّ من النسيان، وأن نكافح من أجل النسيان كمنفذ وحيد للخلاص، ويجب أن نتعاون جميعاً من أجل النسيان وطيّ صفحة العذاب، وهذا هو الدرس الإنساني الهائل الذي يقدّمه «الصقر» لنا وهو يختم قصّته الرائعة، ولكنه يضعنا أمام معضلة خطيرة جديدة ليس هنا مجال بحثها ومفادها أنّ النسيان يبدو أكثر يسراً على الجلاّد منه على الضحيّة. يصف «الصقر» لحظة لقاء «بتلر» بصديقه في المحطة في نهاية القصة قائلاً: «كان «بتلر» يقف حائراً عندما لمح كهلاً مقبلاً من بعيد، وهو يجهد ليجعل خطواته أسرع قليلاً، وكان يحمل رقعة في يده، لعله هو، انتظره حتى دنا ، كان الاسم واضحاً، ولكنه تعرف عليه من نظرة عينيه، هو نفسه، صديقه القديم «هانز هوفمان» فالزمن مهما عبث بملامح وجهه فإنه لن يستطيع أن يغيّر من تلك النظرة التي عرفها هو جيداً في تلك الأيام. انبسط وجهه ومشى يلتقيه، طوى «هانز» الرقعة ودسها في جيبه، ثم بسط له ذراعه:

- وأخيراً جئت!

وتعانقا

- ولكن أين بقية أمتعتك؟

أراه الحقيبة والكيس

- هذا كل شيء.. فما عاد للمقتنيات الكثيرة من معنى.. منذ أن..

لكن حارسه القديم قاطعه وهو يمسك بذراعه في مودة:

- حاول أن تعود إلى العالم يا صديقي.. وأن تنسى.. حاول أن تنسى..

ثم قاده برفق،وخرج به من المحطة.

ملاحظة بسيطة: في أثناء وصف القاص لمعاناة بطله وكيف ضربه الرقيب الجلاد بالسوط وقال له: «أربايته.. دوشفاين»، لم يفسر لنا معنى هذه الجملة الألمانية في حين كان قد فسّرها في كتابه «وجع الذاكرة» وهو يشرح الواقعة الفعلية، ومعنى هذه الجملة هو: «اعمل أيها الخنـزير».

 

الدكتور حسين سرمك حسن

......................

المصادر:

1- وجع الكتابة، مذكرات ويوميّات - «مهدي عيسى الصقر» بغداد - دار الشؤون الثقافية – 2001.

2- أجراس، أعمال قصصية (1950 – 1988) «مهدي عيسى الصقر»- بغداد – دار الشؤون الثقافية 1991.

3- أصول علم النفس – أحمد عزت راجح – من دون تاريخ .

 

 

مادونا عسكركلّ ما نعرفه عن شخصنا ما هو إلّا القشرة الخارجيّة الّتي يجتمع فيها الظّاهر المرئي أو الظّاهر الواعي. ولا تتعدّى هذه المعرفة  كونها معرفة بسيطة جدّاً أمام حجم العالم الّذي يحيا وينمو في داخلنا. وإذ نستخدم لفظ "الأنا"، فلا يعني بالضّرورة أنّنا على يقين تامّ بها، وإنّما هذا اللّفظ يتحدّد في ظاهرنا الحسّيّ لا الباطنيّ العميق أو الحميم. فقول "أنا موجود" يعكس إدراكنا للوجود الحسّيّ الحياتيّ اليوميّ، أي حركتنا اليوميّة، ونشاطنا الجسديّ والفكريّ والرّوحيّ. بيد أنّ قول "أنا موجود" تفترض وعياً خاصّاً وعميقاً لمعنى الوجود، ووعياً أعمق لكينونتنا الإنسانيّة (الأنا) الّتي تنمو وتتدرّج من أسفل إلى علو ضمن الذّات الإنسانيّة، إلى أن تتخطّى الّذات وتصبح أنا كونيّة. "أنا موجود"، يشمل الأنا الكلّيّة أي الدّائرة الإنسانيّة الجامعة للغرائز والرّغبات والنّزعات والشّوائب في أسفلها، والجمال والفنّ والانجذاب إلى الأنوار في علوّها.

لعلّ الشّاعر فراس حج محمد في ديوان "ما يشبه الرّثاء" (طباق، فلسطين، 2019)، تحقّق من (الأنا) أو لامس خيوطها السّفليّة والعلويّة. وأعاد تفكيكها والتّأمّل بها، وكتابة سيرتها الوجوديّة، إن جاز التّعبير. ولقد سبق وذكرت في قراءة نقديّة سابقة للديوان، أنّ الشّاعر استخدم لفظ "أنا" ستاً وأربعين مرّة. فأتى لفظ (الأنا) كمفتاح للدّيوان ومحوره وسببه وغايته. فالشّاعر أغلق ذاته على ذاته بل توحّد معها، ولعلّه بلغ ما بلغه من اتّحاد الذّوات الإنسانيّة عندما أدرك الأنا أناه في الذّات الشّعريّة. بمعنى أدقّ، تباعد الشّاعر عن أناه ليبلغ عمقها الحقيقيّ. فكأنّه خرج من (الأنا) ليعود ويبلغها  أقرب ما يمكن إلى تمام معناها.

ولئن كانت (الأنا)، أنا الشّاعر، مفتاح الدّيوان ومحوره وسببه وغايته، بدا الدّيوان حركة تأمّليّة تعيد قراءة (الأنا) على ضوء (الأنا) الظّاهرة للآخر من جهة، ومن جهة أخرى على ضوء (الأنا) الغائبة الغريبة عن العالم. ولقد برز هذا المعنى جليّاً في الظّهور الأوّل لأنا الشّاعر في قصيدة (أنا) (ص 29):

أنا

أنتم، وأنتنَّ، وأنتِ، وأنتما ....

وهما، وهنَّ، وهم، وأفرادهما....

كلّها ضمائر شاهدهْ:

متكلمهْ،

متخاطبهْ،

إلا "أنا"

و"أنا" ضمير غائبٌ.

في هذه القصيدة يظهر مفهوم الأنا المنفصلة عن الآخر (أنتم، وأنتنَّ، وأنتِ، وأنتما ..../ وهما، وهنَّ، وهم، وأفرادهما). وهدف الانفصال تأمّليّ يعبّر عن رؤية الشّاعر الخاصّة في أناه وفي أنا الآخر. (أنا ضمير غائب). فالمتكلّم هنا، أنا الشّاعر، الأنا الإنسانيّة العميقة. وهي غائبة بحكم تخطّي الأنا المتكلّمة. فجميع الضّمائر (أنتم، وأنتنَّ، وأنتِ، وأنتما، وهما، وهنَّ، وهم) الّتي ترمز إلى الآخر، أو إلى حركة الوجود الظّاهريّ منفصلة عن أنا الشّاعر (إلّا أنا). وهي ضمير غائب وحاضر في آن. غائب عن الأنا المتكلّمة لتتجلّى الأنا العميقة ، وحاضر في صلب الأنا الوجوديّة لتبرز هشاشة الأنا الظّاهريّة من جهة، وربّما وهم الأنا. ومن جهة أخرى لتكشف علوّ الأنا الغريبة عن هذا العالم بعد اختباره. وفي استخدام لفظ (كلّها) انفصال حتميّ عن ضجيج العالم وولوج في صمت العالم الدّاخليّ (الأنا). غاب الإنسان فكتب الشّاعر واغترب ثمّ عاد ليقول. والأنا المراد الإشارة إليها في الدّيوان هي الأنا الشّاملة جسديّاً ونفسيّاً وروحيّاً. لقد عبّر الشّاعر عن أناه بأدقّ تفاصيلها أمام أناه أوّلاً كفعل اغتسال داخليّ يؤسّس لانفتاح أعمق على الحالة الشّعريّة. فالشّاعر ينقل للقارئ هذه الحالة بعد فعل اغتسال الأنا ليكون الشّعر في أبلغ مقام. وإذ يستخدم الشّاعر لفظ (الغريب) سبع مرّات فليؤكّد على تمام غربته أو غربة الأنا تحديداً فتتبيّن رؤية الشّاعر المختلفة للعالم وللاختبار الوجوديّ.

في الظّهور الثّاني للفظ (أنا) في قصيدة "خرخشتي الموحشة" (ص34)، يبدو للقارئ إدراك الشّاعر للأنا الظّاهرة:

الشّعر لا يشفع لي

لأكون حبيبا علنيّا

فهْيَ تريدني افتراضيّا وأزرقْ

كيف سأظهر معها

وأنا أعاني ما أعاني

من عرج ونحول وشيبْ

وعروق وجهي الصّابئةْ

وصوتي اليشغب خرخشة موحشةْ

لفظ (أنا) في هذه القصيدة إدراك للأنا الظّاهريّة المترادفة والإدراك الضّعيف للأنا الشّخص. وهي متلازمة و(أنا) في قصيدة خلايا الحزن (ص41) الّتي ما تزال عند حافّة الأنا الفعليّة العميقة:

فأنا منذ تفتّحت

وداعبت صبايا

لم أرتّل غير أحزاني

لا ريب في أنّه من الضّروريّ الانطلاق من الأنا الظّاهريّة لبلوغ الأنا العميقة. وتكمن أهمّيّة هذا الانطلاق في كون الشّاعر متصالح مع ذاته ومع واقعه على الرغم من كلّ الاختبارات الحزينة والمؤلمة الّتي مرّ بها. وفي هذا التّصالح قوّة تدفع الشّاعر لسبر أغوار نفسه العميقة وملاحظة تفاصيلها بوضوح تام ليتمكّن من التّخلّص من شوائبها وتخطي ذاته لبلوغ الأنا الشّخص. فلا بدّ من تحرّر من قيود الأنا الظّاهريّة لبلوغ حرّيّة الأنا العميقة، لتنكشف ظلال هذا التّحرّر في قصيدة "سراب" (ص 43) حيث يتطلّع الشّاعر إلى جرحه كمعلّم ومرشد يكشف له أناه. (أنا إن نسيت الجرح علَّم في خواطري/ الجريحة).

الوعي بحقيقة الأنا صعب وأشدّ إيلاماً من جهلها. فالوعي بها لا يعني بالضّرورة امتلاك فهمها بشكل كلّي، بل هو دخول في دائرة أخرى، تبدّل الرّؤية، والفكر، وكيفيّة الفهم. ولعلّها أشدّ إيلاماً لأنّ المعرفة والوعي في عالم يجنح إلى الغوغائيّة والتّفاهة يؤلمان بعنف من بلغ معرفة أناه. وإن دلّ عنوان القصيدة (سراب) على شيء فهو يدلّ على رؤية الشّاعر أو إدراكه لخدعة العالم، وخدعة مفهوم الأنا الظّاهريّة.

يبدو للقارئ في أبيات هذه القصيدة كأنّ الشّاعر يخطو كطفل نحو اكتشاف أناه. (أنا ما أكنّ من الهوى/ خافٍ عليّ مساره). فالشّاعر يتلمّس أو يكتشف ملامح أناه الّتي يشعر بحقيقتها ضمناً (أنا ما أكنّ من الهوى). وكأنّي به يخطو نظريّاً نحوها، أو يبدو اكتشافه للأنا اكتشافاً بالقوّة حتّى يبلغه بالفعل:

هذا أنا

من قبضة اللاشيء أحيا

هو ذا أنا

ليل بلا قمرٍ، بلا رؤيا، بلا حلْمٍ، بلا فلك يعاوده المدارْ

لا حلم لي حتى أكون كما أنا

هو ذا أنا أعلنت موت الشارة الأولى

 لتبدأ محنة أخرى بشكل الدائرة

لقد تجرّد الشّاعر من هيئة الأنا الظّاهريّة ليتمكّن من رؤية الأنا بوضوح ونقاء تامّين. وبفعل هذا التّجرّد يتحوّل إلى ضدٍّ اجتمعت فيه الأضداد في قصيدة "ضدّ عليك" (ص 59). فهو ضدّ الزيف والخداع والضّلال والانحراف ووهم الاستقامة، إلّا أنّه لا يدخل في دور الواعظ لأنّه عمليّاً يعيد قراءة أناه. وإن بدا يتطلّع إلى الآخر من خلال القصيدة، إلّا أنّه يتطلّع نحو أناه ولعلّه يدخل في حوار معها:

كالمجد كن

حرفين كن، لغتين كن...

فهو يعي تماماً بشريّته المتناقضة والضّعيفة وبذات المستوى من الإدراك ارتقى عن خدعة العالم. والانتقال من (أنا) إلى (كن) انتقال مبدئيّ لإدراك الأنا. وأمّا الانتقال الفعليّ فيتجلّى مع الفعل (صرت) في قصيدة "يا غوايات المقلّ" (ص 99) (صرت كلّي يا أنا). وهنا اتّحاد ضمنيّ بين الأنا الظّاهريّة والأنا العميقة لتتجلّى الأنا/ الشّخص. وفي قصيدة "السّندباد" (ص 110) (فكان "صوفيا" توحّد بالأنا). وهنا يظهر المفهوم الآخر أو الحقيقي للتصوّف من ناحية الارتقاء بالذّات إلى الدّائرة الأعلى للإنسانيّة. وفي الاتّحاد بهذا المفهوم إدراك عميق وحميم للأنا خرج به عن مفهوم الزّمن في قصيدة "الوقت مشبع بالثّرثرة" (ص 138) وفي قصيدة "حبّة من شعر" (ص 147) "أنا فقير مريض ويقال: "شاعر) أشار بالفقر والمرض إلى الدّائرة المؤلمة الّتي دخلها، دائرة الوعي الحقيقيّ والمعرفة الحقيقيّة. إلّا أنّ هذه المعرفة تخصّ الشّاعر وحده، يدور في فلكها ويحتمل شقاءها.

"وجع السّؤال... تعب الحقيقة"، كذا يقول الشّاعر، وكذا يعبّر عن همّ  المعرفة المرتبط بوهم المعرفة. فكلّما تقدّم نحوها أدرك وهمها، لذلك فهو في تعب مستمرّ، لأنّ في تلمّس المعرفة مزيد من البحث عنها، وفي البحث عنها مزيد من التّعب. ويظنّ العارف أنّه يعرف وهو لم يعرف إلّا القليل القليل.

أقلت أنا؟

لعلّني أنا هو

غارق في الوهم حتّى العظم

بل وهمٌ وراءه وهْم وهَمّ.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

اعادتني قصيدة " أموت غريبة " للشاعرة سمية العبيدي الى زمن كان قد مضى ولم يبق الا شيء قليل مما علق في الذاكرة وما كان له ان يزول ففي المعقل  وفي مجلة الموانئ العراقية خرج بدر شاكر السياب حيث كان يعمل وكان الجو ماطرا الا انه لم يلبث الا ان عاد الى مكان العمل ثم خرج بعدما يزيد على خمس عشرة دقيقة بقليل وفي جيبه قصيدة – مدينة بلا مطر- التي ما كان للسياب الا ان ينفثها بعد طول حصر في العقل وفي الوجدان فكانت بصورها وأفكارها ورؤاها واحدة من القصائد التي يضن بها الزمان في شعرنا الحديث .

وهكذا كان الأمر مع قصيدة " أموت غريبة " ففي اقل من عشر دقائق كانت هذه القصيدة قد انبثقت من مكامن الأسرار لتقول الشاعرة العبيدي من الشعر ما تشاء وتهوى حين تقفل الى النفس بتاريخها وتراثها بنخيلها ونهرها ومن ثم الإنغراس بطمي العراق حيث يتشكل الوجود بحضور إيجابي لا سلبي.. لذا فان الشاعرة تشبثت بهذا كله مزيحة عنها صورة السياب ونازك الملائكة لانها إرتأت الا تكون مثلهما كيلا تموت كما ماتا غريبين عن العراق.

ما كنت نازكة

ولا أشبهت بدرا

- ومثلهما أموت غريبة -

وما ذاك الا لانشدادها وإنغراسها في ملاعب صباها ومواطن أحلامها حيث تتكور وتنمو الحياة فتغدو تاريخا حاضرا لا انفصام عنه بل مداومة فيه وانغراس رغم الغضب ورغم الحزن والألم الذي يلفنا ويحتوينا .

قدماي عالقتان في طمي العراق

وملء أنفي عطره

ورغم معاناتها الذاتية التي لم تفصح عنها مباشرة الا اننا نستشف ذلك من الصورة الكبيرة التي تعرضها وما ذاك الا شعورها باللامبالاة فهي ملفوظة مثل التمرة التي يلوكها آكلها ثم يقذف بها غير آبه لما فعل لكنها تظل قائمة لا تزحزح عن الأرض التي عرفت وأحبت مع ظنها بقرب خطوات الإنطفاء منها.

كنواة تمر ... مجها

فمه الجهول

وأنا المسافر لا حقائب لا وداع

قيد الافول

وهنا تبدا رحلة الإنعكاف الى الذات أي العودة الى منبع الأطياف والأحلام لقولبة الذي نعرف ولا نعرف فإذا بها تكتشف ان الربيع لا يأتي من الخارج بل هو كامن هنا فينا في هذه الأرض التي نعيش حيث يتشكل الوجود هنا لا في بلاد لا نعرف ولا ندري.

سافرت نحو سريرتي

فإذا الربيع

أُكذوبة الغرباء

تحفل بالخداع

لكن السعي الى المستغرب لم يتأت عبثا او رغبة فيه لولا الهمجية التي تغلغلت في النفوس فجففت سواقي الفراتين وأيبست سعفاته وأقامت الموت في جوانبه وحوافيه دونما أي التفات الى الموتى الذين يتساقطون مثل " خلال الطوش " وما يعقب ذلك من أيامى ومن يتامى ومن ثكالى فالموت في ازدياد والجوعى في ازدياد وكأن سواقي الفراتين لا تشبع ولا تغني من جوع .

وإذا الرعاع

شنوا بها حربا على حرب

وموتا فوق موت

ليضاعفوا عدد اليتامى

والأيامى

والجياع

ولا تنسى الشاعرة أن تشير الى النهازين والى الذين يتقنون لعبة القرود فكلهم في ساحاتنا يرقصون ولكن أي رقص هذا الذي يرقصونه انه رقص الأغبياء الذين لا يفقهون الفعل الذي يفعلون وإنما هم اليها يسعون لان فيها الجمار والخبز ولأن فيها الرغد الذي لا تزغب فيها الحواصل و البطون دونما التفات منهم الى الطريقة أو السبيل .

تعثو بها الحرباء والرعناء

في رقص غبي

أيٌّ تفوز بها

وتلبس تاجها المصنوع من طلح

ومن جمارها المسكي من

نارنجها المشحون فخرا

من مائها والخبز من

فوح الفطائر في المساء

وعلى الفراتين تنثر الشاعرة رؤاها وكذا معهما الزاب والغراف وما ذاك الا رمز واشارة الى ان العراق واحد كلي لايصيبه انفطار او تمزق وابناؤه ينجذبون اليه لانه لهم جميعا دون ان يفقه الرعاع انه للجميع يسبغ عليهم خيره ويظلهم بخيمته .

ومن الرؤى

عطفات ظل ساحر

نحو الفرات ودجلته

والزاب والغراف وال .....

سمك يطرز بالحنين

امل يقبل بالجبين

وما تلبث القصيدة الا ان تنحو نحو بغداد لان فيها الاحلام وفيها الذكريات وفيها التاريخ الذي يهمي بحضارته وفيها يتم الالتصاق بالطمي والنخيل حيث تشرق صورة بغداد كأحلى ما تكون وأجمل ما يرى لا تحجبها ستائر الزيف ولا عواء الذئاب فهي مليحة المليحات وعروس هذا الشرق .

بغداد اغنيتي وحبي

إن زيفوا من وجهك العربي.. لا

انت المليحة في فؤادي

وعروس شرقي

.. ان الشاعرة كما بدأت قصيدتها فانها تنهيها بالتفاتها الى شاعرين رمزين هما السياب والملائكة بهدهدة لا يمكن ان تكون الا هكذا..

يابدر نم رغدا

ونازك هللي

مازلت انت أثيرة ... فيها

وان بعد المراح

وهذه القصيدة من القصائد الي لا يعتورها غموض ولا تدخل في دياجير الأسرار ولا تحتاج معها الى من يفتح لك باب الطلسم فهي تلقي نفسها بين يدي المتلقي بسهولة ويسر مع ميل قليل الى استخدام المجاز مما اعطى القصيدة طابعا إنسيابيا لا عثرة فيه. وأعطتنا الشاعرة فهما ان بغداد ليست اسمنتا او آجرا وليست حديدا وقيرا إنما بغداد هي الحياة التي تنمو وتترعرع في عروق الشاعرة وفي عروقنا فلا مليحة سواها ولا اغنية الا هي وما ذاك الا بسبب هذا الهوس الذي يتخطى حالة العشق الى حالة الذوبان فيه باستدامة..

 

علي حسن

........................

* قصيدة (أموت غريبة) هي قصيدة للشاعرة سمية العبيدي

كانت قد نشرتها صحيفة (المشرق) على صفحتها الثقافية بتاريخ 22 / 6 / 2.14

ونشرتها صحيفة المثقف في 5/9/2.18

 

حميد الحريزيرواية المهمشين والسؤال المشاكس، القاء حجر في بركة آسنة

العنوان

يقول الكاتب (ان التعريف أنا وضعتها للشارع لكنه حسب علمي يرفض ويكره الحروف التي تفيد التعريف، شارع وليس الشارع) ص222

هذا عنوان الرواية (شارع الكتروني) شارع غير معرف بأل التعريف، هذا اللامعرف الذي يترفع على كل تعريف تحاول أن تسرق مجهوليته وتواضعه وانتمائه للمهمشين، كلنا يعرف دلالته ومعنى ان يقال لتوصيف أحدهم للنيل منه بانه (ابن شارع).

تضاف الى هذه المجهولية كونه ليس شارعا من شوارعنا المتعارف عليها وانما هو شارع الكتروني لايحده حد ولايعرف توصيف، فهو حيز مفتوح لايُطالب ساكنه أو سالكه بأية وثائق أو مستمسكات أنه شارع العولمة القريب البعيد الواسع الضيق الصادق الكاذب النظيف المنير المظلم، وهو الموصوف بالعشوائية واللانظام (النظام جيب مثقوب يبتلع ولايمتليء ياسيادتكم) ص221.شارع فيه كل (الناس اصبحوا الكترونيين) ص205.

يوصف ب (الشارع الجميل، نعم الجميل لأنه ورشة الحماقات،البسطاء والمسحوقيين، ولامكان فيه لأحد مصاب بمرض السمو) ص222.

(شارعنا أرحام عاهرات وفي خياله ذكر وفي جبينه نهر...)ص141.

هذا هو شارع الروائي صالح مهدي ياصديقي (واقع)عليك تفهم ذلك ان أردت أن ترافقني في هذه الرحلة للتعرف على سكنة هذا الشارع ومعتقداتهم علماً بأن الرواية منقوعة في القول الفلسفي وتجاوز الواقع والتقليدالقائم والروائي لايبخل علينا باجاباته حول علامات الاستفهام وعلامات التعجب التي تستحوذ علينا وتصدمنا في مقولاتنا وكسر تابواتنا وما اعتدنا عليه من قيم وسلوكيات وتكسير أصنامنا بفأس التفكر والتساؤل والتحدي الفلسفي من قبل شخصيات الشارع(الحي الميت الذي لايغيب) ص131، وماعلينا الا أن نكون صبورين ونحن نشاهد عرض الروائي لشخصيات شارعه، ؟أن يحتمل كشفه لخفايانا، وفضح مستورنا، وهو يهشم سلسلة قيودنا والعبودية للاعراف والتقاليد التي اعتدناها، أن نحتمل جرأة السؤال وغرابة المقال، وأن لا تأخنا العزة بالاثم حينما يكشف لنا عمى بصرنا وبصيرتنا عما يدور حولنا، ولا أن نصرخ بوجهه حينما يكشف لنا قبح قولنا و فعلنا،ويقدلنا الدليل حول خوفنا وجبننا فلانجزع حينما يرينا من(قتل ابيه ليتزوج أمه) ص 152 .

لاتجفل حينما ترى فؤاد عضلة عاريا وهو يصرخ(أنا عاريا بمعنى انا لست كاذبا) ص149، مابالك ياواقع انه تعبير مجازي هل تظن اننا يجب ان نخلع ملابسنا التي تخفي قبحنا ووساختنا عبر هندام انيق ونظيف وبراق ؟؟

الا ترى ان هذه حقيقة فكم من سارق ومحتال ودنيء ومجرم يتبختر بأبهى الحلل ليظهر جمال جسده مخفيا قذارة قلبه وفعله وروحه ؟؟

ولكن واقع فغر فاه عجبا واستنكارا حينما سمع دلال المرأة القحبة (ان اول من قام بفض بكارتي هو شخص معمم) ص107 فلا تغرنك العمامة فقد تكون وسيلة ستر وتستر،وحينماتسمع ان من تقدسه وتمنحه التبجيل والتقدير انما هو أحقر خلق الله فهاهي القحبة دلال التي خبرة تصرفات الرجال من هو الشريف والوضيع فتعلن تجربتها (اهل الشرعيات، فهم من أنجس وأحقر الرجال الذين شاهدتهم في حياتي) 105

وتدرك عظمة وصدق مقولة الامام علي عليه السلام (لو كان الفقر رجلا لقتلته)، فها هي دلال امامك تصرح (أجبرتني حياتي الفقيرة على أن اكون قحبة) ص106.

عليك ان تفهم لماذا يرفع جدك فتات الخبز من على الطريق يقبله ثم يضعه في مكان يبعد الى مكان بحيث لاتدوسه اقدام المشاة حينما تستمع لقصة دلال مخاطبة ولدها صديق

(ياصديق ان دلال أمك كانت دمية مشت قليلا ثم تعبت من البكاء، رآها ملك من ملوك الفضيلة . ضحك عليها بسلطته وخرافاتها ثم قام بفض بكارة ثوبها الوردي . تحولت انسانة، اتهمت بالعهر من قبل جميع سفلة المدينة، من قبل الحركة والجماد، ثم مشت جائعة، قال لها الرغيف :- كوني قحبة وستشبعين مني، وقفت ملبية لنداء الرغيف ثم مشت بعدما صارت قحبة، بفقيت قحبة الى كفرت برب الرغيف) ص113

عليك ياواقع ان تعرف تماما أنَّ الذين يسبون ويلعنون القحبة يمارسون الجنس معها غير مدركين ان السبب الاساسي لامتهانها الدعارة وبيع جسدها هو الفقر والجوع والحاجة، فها هي تقول لودها صديق

(انت فكرة سببها متاعب أمك دلال، الانسانة التي كانت دمية التي صارت وتحولت قحبة بسبب فقرها وحقارة الناس) ص113.

التفت واقع صوبي قائلا ضمن هذا الوصف اذن اغلبنا حقراء ونحن نصنع العاهرات !!

نعم ياواقع هذا هو واقع الحال ياواقع هذا ما نحن عليه فعلا .

في شارع صالح الالكتروني سيد شعواط وعربانته هذا الذي يمشي حافيا دافعا عربانته ليعيش وفيه الآنسة مياسة التي تجر عربانتها التي تحمل الأنابيب التي تدخل من الخلف لتتأوه وتستمتع

فشتان بين عربانة سيد شعواط وعربانة مياسة، فهل تلوم من يرفع شعار التهكم (العربانة لسيد شعواط والوطن لكم) ص116.

ولاشك انك تعلم ان الشعواط توصيف للألم والمعاناة ولا شك انك سمعت امك تقول (يمه ولك لا تشعوطني) حينما تعبث وتؤذي ولا تلتزم بوصاياها .

حبيبي واقع لاتصدمك كذب وزيف ورياء الأثرياء وصدق ونبل وطيبة الفقراء (الفقير لايكذب والقبيح لايكذب ياصديق، لايكذب من عجينته الايام بكفوفها طينا حرا، لايقول المبررات، الكذب غناء المترفين) ص107

اضبط أعصابك حينما تسمع دلال تقول (لاتقل أبن ابي، لأن الأب فاعل غبي، قل ابن امي لأن الام كون المحتوى) ص106 .

حينما تسمع دلال تقول (أنا زوجة كل الرجال وام لولدي فقط) ص104

اكيد سنزمجر ونرعد ونربد بوجهها وقد نفعها ونطردها حينما نسمعها تنصح ولدها قائلة له (لاتكن ولدا مثل الأولاد التي انجبتهم الشرعيات أنا ضحية الاكاذيب الشرعية لولا أهل الشرعيات لم أكن في هذه الصورة ياصديق، هم السبب في خدش انوثتي وعفافي وهم سبب ضياعي وعذابي) ص106

فماذا سنفعل ونحن في طريقنا لتسليم الحقوق (الشرعية) لأصحاب الشرعيات من المعممين؟؟!!ليخدشوا نوثة دلال والعشرات من أمثال دلال . في الوقت الذي نطرد دلال ونزجرها حيما تطلب منا المساعدة لكي تعيش !!

نعم لقد اطلنا المقام عند دلال ولكن عذرنا في ذلك ياواقع انها صورة صارخة لامتهان الانسان وفقدانه كرامته وشرفه مما يضطره لبيع جسده مقال رغيف خبز ونحن نرى الكثيرات من مثيلات دلال ان لم نكن احد ازواجها الكثر ونحن ضمن شاتميها ونابذيها .

يأخذنا الرواي الى صدمةكبرى تكاد تفجر رؤوسنا الآسنة حينما يحاول ان يثبت لنا ان ديننا سببا لوحشتنا، ولولا ما نشاهده وما عشناه من سلوكيات وافعال داعش وأخواتها بأسم الدين من وحشية وهمجية بأسم الدين ويفعلون فعلهم في القبح والسبي والقتل مكبرين باسم الله واسم نبيه وما نشهده منأدعياء الدين في حكم العراق من سراق وقتلة لحللنا دم القائل (منظومة اخلاق اسلامية + مجموعة من الناس= مجتمع يعتقد أن الاخلاق صحيحة هنا، غير صحيحة ناك وهذا يعني الانغلاق، الانغلاق يعني التوحش والنتيجة لا اخلاق) 108

وكذا امر بالنسبة لليهودية التي ولدت بالتخادم مع الرأسمالية الصهيونية العالمية، وهم شعب الله المتار وغيرم دونهم وحتى لايستحق الحياة

وتاريخ المسيحية يعج بالاحداث الاجرامية والوحشية على يد محاكم التفتيش والكل يعرف يعرف أيضا مجازر الحملة الصليبية .؟؟!!!

يبدو اني اخطأت في مرافقتك، ولكنك لاتستطيع مهما حاولت ا تقدم لي من الصور والبراهين والأدلة على فسادي وتخلفي ولا عقلانيتي كواقع لاتتمكن من اقتلاع جذور ما تدعيه بالظلم والتخلف والحقارة والتعسف المتجذرة في عقول اغلب الناس المقفلة الغير متسائلة، لذلك ترى ان اعدى اعدائي هي الفلسفة هذه المشاكسة المتسائلة المشككة في كل شيء ...

وانت تتعمد ان تسبب لي المزيد من الاستفزاز حيما تثبت لي ان الانسان هو المتطفل على حياة الكلاب السائبة (الانسان اول متطفل عى الارض) ص159، وقد وصف الكلب باسائب بعد أن تطفل على عالم الكلاب والحيوانات عموما (عندما تمدن الانسان في عالم الكلب، اصبح الكلب سائبا ودخيلا، اذا كيف يكون الهراء ايها الانسان . كيف) ص159 وان (الانسان وحش يتظاهر بثقافة السلم والسلام، الحضرةكذبة) ص159 !!!

(هناك حالات حيوانية أنبأ من المتنبئين وأشعر من الشعراء وافهم من العلماء) ص156

نعم ياواقع اننا نندهش لبلاهتنا وتصالحنا مع الواقع، دعي التحضر والتمدن والعالم يعيش اكثر الحروب وحشية، في العالم 180 مليون عاطل العمل، صراعات دموية حتى اثناء لعبة كرة القدم في اكثر بلدان العالم تمدنا وتطورا، جياع ومشردين وجرائم ودعارة علنية وتسول في اكثر بلدان العالم ثروة وتطورا وتقدم كامريكا وفرنسا وبريطانيا ووو

نفتح افواهنا استغرابا عند سماع مقولة (الحب لغير الذات مذلة) ص198.

فأين اصبحت مفاهيم الاديان ولأفكار العقائدية التي تغلب حب الله والأنبياء والأئمة والزعماء على حب الذات ؟؟

ماذا تقول حول اتهامنا كرجال بالغباء (الرجال أغبياء الجنس سبب تنازلهم للمرأة) ص196. هل أنا وانت ايها الواقع من هؤلاء الأغبياء؟

هل نمتلك الجرأة للاقرار بهذه الميزة الهامة للمرأة؟

هنا الكثير من المقولات التي يستفزنا نحن الناس ممن لم نتفكر في الكثير من السلوكيات والافعال والعادات والممارسات التي نعيشها ولم نفكر بتجاوزها وتحديها وحتى مسائلتها؟

يكاد الروائي يصدمنا بما ذهب اليه حول المثلية الجنسية بين البشر ولا يعتبره شذوذا

(يكون شذوذا عندما نشاهد الشخص المتهم بالشذوذ يمارس الجنس مع عمود كهرباء أو أي شيء ليس من جنسه) ص218.

فماذا تقول يا استاذ واقع؟

نعم كما انه يرى أن السحاق ومثلية الذكور اللواط ليس شذوذا، ولاشك اننا نقر بوجود هذه الممارسة بين البشر منذ زمن سحيق ولنا في قوم لوط مثلا معروفا، وما نرصده في واقعنا المحيط حتى في اكثر التجمعات تدينا ومحافظة وتزمتا اخلاقيا، ولكن أرى ان الشذوذ لايمارسه سوى الانسان من الجنسين وغير موجود في عالم الحيوان وهو المعلم الاول للانسان (أول من علم ألأنسان الحيوان) ص156 .

فالجنس الغاية منه ادامة النوع وليس اللذة الجنسية أكثر من خديعة للطبيعة وحافز للكائن الحي ومنها الانسان لممارسة الجنس بين أنثى وذكر لأدامة النوع ... لذلك نرى أن الحيوان يتوقف عن الممارسة الجنسية فيما يتم التلقيح واستكمال مستلزمات تكوين الجنين، فالانسان وحده هو الحيوان العاقل الوحيد الشاذ عن قانون الطبيعة ومتطلباتها واسرف في استغلال حافز الطبيعة في ممارسة الجنس حتى بعد تلقيح البيضة، او ممارسة الجنس اللامنتج عبر المثلية الجنسية وقد تم شرعنة هذا الفعل في الكثير من بلدان الغرب الرأسمالي للاسباب عديدة لسنا في صدد التعرض لها .

استمعت بأنتباه كبير لما قاله واقع مقتنعا بما ذهب اليه من حكم يؤكد شذوذ المثلية الجنسية .

وقد لفت واقع انتباهي الى مقولة تومض باللون الاحمر من بين الكثير من النقاط الحمراء ضمن متن الرواية وهذه المقولة هي (الفن أصل الأنحطاط) ص123

حكم صادم فالكل يعرف ان الفن هو غنى وثراء وجمال الحياة ورفعة السلوك والشاعر وسمو الانسان وليس العكس .

وقد كان (عظيم) المتسول، فنانا وممثلا ناجحا بأمتياز في استكمالة واستغلال عواطف الناس لكسب المال .

(حلم كبير السن لكن حلمه كحلم اطفال الشارع، لاتربطه صلة بما يشغل تفكير الكبار) ص135.

أنا وانت ياواقع كم نتمنى ونحلم أن نعيش كالاطفال، ونعوض حرمان أغلبنا بحكم الظروف المادية والفقر أو تحت موانع الاعراف والتقاليد، هل يمكن أن نتصرف كما تصرف حليم ؟

(المسخ كان عملا غبيا للغاية) ص141.

يصدمنا بقوة ويصدم الكثيرين حين يرى أن المسخ عملا غبيا وهو اهم اعمال وابداعات كافكا الروائية وما زال النقاد والأدباء وأهل الثقافة يكبرونه لحد الآنز

يمتص دهشتنا حينما يقول محمد بركات العامل في الحمام)انا اعمل في الحمام لأعيد الانسان انسانا وكافكا يكتب ليخرب ما اعمله يوميا) ص141

يستعرض لنا الروائي شخصيات شارعه الالكتروني (رياح) بائع ثياب الموتى (الدفان الذي يدفن الموتى ويذهب للملهى !!

يستعرض لنا الحياة والموت، الضحك والبكاء، الطيبة والبساطة والثعلبة والتعقيد، البرد والدفء وما بينهما القطة العالمة (القطة تعرف السر مثلما تعرف السماء سر الارض) ص155.

الحبكة والاسلوب السردي:

تميزت رواية (شارع الكتروني) بحبكة واسلوب سرد جديد على الساحة السردية الروائية النجفية وان لم يكن الاول في الفضاء السرد العراقي، يبدو بان الروائي مشبعا بأسلوب الرواية الغربية الحديثة وعلى وجه الخصوص الرواية الفرنسية والرواية مشبعة بالسؤال والتفكر الفلسفي ...

فليس هناك بطل مميز في الرواية ربما الشارع هو البطل حاضن ابطالا او شخصيات ثانوية مشاركة بصورة فاعلة ومباشرة في تصنيع وتخليق المشهد الحكائي السردي للرواية ...

اختيار شارعا الكترونيا افتراضيا بالنسبة للروائي اختيار ذكي وناجح ليمتلك القدرة على احتواء كل الشخصيات التي تحدث عنها واغلبها ان لم تكن جميعها من المهمشين والكادحين والفقراء الحالمين من نساء ورجال، حياتهم المريرة في ظل مجتمع الهيمنة للاثرياء والمرفهين .

الروائي يمتلك خزينا لغويا ثريا، متمكنا من السرد بعبارة متماسكة رشيقة معبرة بوضوح عن مبناها ومعناها .

تمكن الروائي من الغور بعيدا في نفسية الانسان العراقي المهمش الفقير، المتسول، العاهرة، المثقف، الداعية، تمكن من تخليق شخصيات تبقى عالقة في ذاكرة المتلقي وخيال القاريء

كما ان الرواية تحمل تساؤلات ومقولات وتحديات فلسفية تمتلك الجرأة والعمق وأثارة السؤال وتعمق الوعي المتسائل وتثير المسكوت عنه في واقع يهيمن عليه العقل الجمعي وغياب أو تهميش الذات الواعية ذات الفرد الفاعل المتسائل المتفكر .(رأيت ايضا ذاتي العريقة، التي بحثت عنها كثيرا بين الرؤوس والاحذية) ص153.

كما ان الروائي تجاوز المألوف في ذكر وتوصيف مفردات يتجنبها اغلب الكتاب العراقين وكل الكتاب النجفيين مث (كس، طيز، خصاوي...) بالاضافة الى ماسبق ذكره

نرى ان (رواية شارع الكتروني) اضافة نوعية للرواية النجفية واضافة مهمة للرواية العراقية الحديثة .

 

بقلم:  حميد الحريزي

 

جمعة عبد اللهالشعر والثورة عملية متلازمة في الاندماج في الصياغة التعبيرية، هذا ما يروم اليه الشاعر حميد الحريزي ان يقدمه في منصاته الابداعية في هذا الديوان (لا يعني) ان يحرك النص الى ذروة الفعل والحركة والعنفوان الثوري الدال، في مواجهة القضايا الحساسة التي تخنق مفاصل الوطن، وتدفعه الى الازمة الحياتية بكل تداعياتها وتجلياتها . ان يسلط الضوئية الدالة في ثيمات التكالب على السلطة واللصوصية والفساد، في الجشع والاستيلاء والاسحواذ . هذه منصات القصيدة النثرية في قصائد الديوان . لكي يضيء الفهم والادراك والوعي . ان يحرك موجات وامواج الشارع الشعبي والسياسي، في التحدي والرفض والتمرد . لان الشاعر ينطلق من مبادئ الالتزام لقضايا الشعب والوطن، في مواقف المثقف الملتزم بهويته الوطنية والسياسية . في زمن القحط واليباس، في زمن الارتداد بعيداً الى الوراء . من اجل ان يحمل فانوس عراقي ينير درب الظلام الداكن، أن ينقله الى مصاف النور . من عملية اغتصاب الوطن وخنق مفاصله المتحركة والفاعلة ، من افعال السراق واللصوص، الذين استحوذوا على عرش السلطان. ان يضيء القصائد بالاشعاع الثوري من اجل ان يخلق حالة النهوض الجماهيري المنتظر . بهذا الشكل انسابت قصائد الديوان (لا يعني) في تدفقها الغزير نحو كل صوب واتجاه،وكذلك حرث في الرومانس الثوري، من اجل ان يبرز مديات الحلم والطموح في مشاعر الوجدان الداخلي، لكي يظهرها على المكشوف . من اجل تسليط الضوء على المحنة والفاجعة والدماء ، التي اطلقت ثعابينها في كل أتجاه . مما يفزز القلق والتوجس الانساني لثيمات الواقع التي لاتعد ولا تحصى، في زمن الارتداد الاسود والزيف الممجوج الى الذين لبسوا جبة الشيطان . من هذا المنطلق فأن القصائده النثرية تملك قوة العبارة والحجة التعبيرية، قوة المجابهة على الواقع المأجور، بهذا الفهم فأن الحرف الشعري، يتجاوز الذاتية الى العام الاجتماعي، في القهر والمعاناة . وهذا روعة الابداع الخلاق في القصيدة النثرية . لو نأخذ على سبيل المثال من أبرز شعراء القصيدة النثرية (محمد الماغوط) الذي يوظف ممتلكات القصيدة . في الانتقاد اللاذع والساخن الى الظلم الاجتماعي في القهر والمعاناة على الواقع، منطلقاً من معاناته الذاتية، ليصب جام غضبه الى عدة جهات تتحكم بالشأن الاجتماعي ،لانه عانى وذاق من العذاب في العيش، وفي قسوة السجون والحرمان الحياتي، لذلك يكون احتجاجه وتمرده منطلقاً من الذات الى العام، بينما الشاعر حميد الحريزي يتخطى ويتجاوز الحدود الذاتية، وانما يوجه صوته الشعري الى الذات العام أو المعاناة الجماعية، ويحدد بالضبط الجهة المسؤولة عن الظلم والقهر الاجتماعي والحرمان وتفتيت الحياة وتجفيفها من كل جمال حياتي . انه يوجه احتجاجه وتمرده نحو الطغمة الحاكمة بالتحديد، اي أنه يوجه سهامه بالتصويب بشكل مباشر، الى عش الظلم والفساد سواء كانوا من (المدنيين او الدينيين) في هرم السلطة . لكي يوجه رسالة واضحة الى القارئ في خطابه الشعري الثوري . الى مسبب الخراب والاحزان والتمزق والشقاق . اي ان الشاعر يمسك بالضبط نبض المشكلة والعلة والازمة، عن واقع الحال البائس والمزري، الذي لبس السواد والارتداد الى الوراء، ووقع الوطن تحت حوافر هذه الطغمة الحاكمة . والقصائد الديوان (لا يعني) بأنها تعني الكثير والكثير، وكذلك لغته استلهمت محسنات علم البديع في اشكالها المتنوعة في (الجناس والطباق والمقابلة والاستعارة) من اجل اعطى الزخم التعبيري الدال، في ضوئيته الكاشفة في غزارة المعنى البليغ .

× الشاعر الملتزم :

أن

تكتب الشعر

لا تعني

 أنك تُحسنُ تسطير الكلماتِ

أن

تكون شاعراً

يعني

أنك ثائر سلاحه الجمال

× تسليط الارهاب بتعليق صورة الصنم المقدس، او قائد الضرورة في البيوت

أكوام

القمامة

تقتحم بيوتنا دون أستئذانٍ

لا يعني

أن بيوتنا بلا أسيجةٍ

بل

القمامة تحمل صورة السلطان

× صديق الشدة والضيق :

أنْ

تكون صديقي

لا يعني

أن تحفظ رقم هاتفي

يعني

أن تكون معي وقت المحنة

× ماهية الحاكم :

أنْ

تكون حاكماً

لا يعني

أنك أمتلكت رقاب الناس

أن

تكون حاكماً

أنك ملكت رقبتك

لمحكوميكَ

× مفهوم المبادئ الحسينية :

أنْ

تلبس السواد

لا يعني

أنكَ حُسينٌّ

أن

 تكون حسينياً

أن يلبس قلبك

البياض

× الخداع الديني :

أن

تقيم الولائم

لا يعني

أنك انتصرت للحسين

أن

تنتصر للحسين

يعني

أن تنتمي لثورة

الجياع

× جشع السعالي :

أيتها (السعالي)

متى تشبعين

من دماء أبناء شعبي

الذي

أسرتهُ الخرافة ؟؟؟

× انتصار للحق :

أن

تنتصر للحق

لا يعني

أنك تضحي

فمن ينتصر للحرية

يولد من

جديد

× في الحب الرومانسي الذي يفرش قلبه للحب :

لماذا

كلما فرشت لكَ قلبي

بساطاً

من زهور

جعلتَ طريقي حقلاً

من

مسامير ؟؟

× مسخرة حكام العراق المسخرة :

كانت

ولم تزل المسخرة في بلدي

تنحسرُ

الحياة وتتسعُ

المقبرة !!!

الى متى

العالم يسير الى الامام

ونحنُ نعود

القهقرى !!

كل العالم يشهدُ

هذه المسخرة

في عاصمتنا

المدورة

× خداع العمائم الشيطانية :

أيها

الشقيُ

المخدوع بعمائم

الملالي

الساهرون كنزاًلاموالِ

المغفلين

هل

مازلت

تظنهم قابعين يتلونَ

آيات الكتاب

المبين ؟؟

× الاعلان الاخير :

أعلن النفير

الى ميدان التحرير

عمال ونساء

رضعوا الحب والوفاءَ

فلبوا النداء

لتقرير المصيرْ

فكان

النفير

تنادت الحناجر

أستجابت الجموع

يرحلُ الطغاة يحررُ الاباة

من دون هذا لا رجوعْ

فلابد للسلطانِ أن يستجيب

× كواتم الصوت

في (دم) قراطية مسلحةٍ

كاتم الصوت

لا يحب الكلام

كاتم اصوت

(جندي من عسل)

سكين تعشق رؤوس

**

أذاً

سجلوا الفاعل مجهولاً

وأختموا أفواه

حكايات

كتموهُ بكاتم اعمى . لا كُرهاً لدوي

الطلقات

**

× عنوان الكتاب : لا يعني

× أسم المؤلف : حميد الحريزي

× الطبعة الاولى : عام 2019

× عدد الصفحات : 399 صفحة

***

جمعة عبدالله

 

 

 

1333 سعداعتمد شاعرنا العراقي، شاعر الأرض والوطن والهوية الدكتور سعد ياسين يوسف الأشجار رمزاً و(ثيمة) في مجموعته الشعرية (أشجار لاهثة في العراء) كما في سابقاتها، وهنا لابد أنْ يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري لماذا الأشجار؟

يقول ابن عربي: "الشجرة: هي الإنسان الكامل" (ابن عربي معجم اصطلاحات الصوفية ج12/130-131) من هنا كانت الشجرة عند شاعرنا سعد ياسين يوسف تعني الانسان كله، تعني وجوده، ونهر مرجعيته الثقافية الذي ينهل منه وهو ما يُصدم القارئ اعجاباً وهو يقرأ العنوان في أول وهلة حيث يتجلى ذلك التفكيك في ثنائية رائعة بين (الثبات / اللاثبات)، ثبات الأرض والوطن يقابله تشتت الانسان وضياعه وهو اللاثبات..، وفي نظري هذا ما يطلق عليه فوكو بالحفر المعرفي وهذه هي المنطقة التي حاول فوكو اقتحامها بتحليلاته الأثرية الاركيولوجية: الاشتغال على الخطابات بالحفر في طبقاتها وتفكيك بنياتها أو بتعرية بداهاتها وكشف طيّاتها،

من هنا يتبادر للقارئ ومنذ اللحظة الأولى معاناة شاعرنا التي هي معاناة الوطن المتنقل بين صروف الدهر بلا مرسى لسفينته الحائرة، يقول في (عشبة السماء) وهي أول قصيدة في ديوان (أشجار لاهثة في العراء) موضوع البحث:

(قبل أنْ يختفي

تحت سحابة البرق

أومأ إلى الجسور التي

أحنى ظهرها انتظارٌ عتيق

وهي تتفقدُ كلّ يوم

سلالَ زهورها البيضاء) ص7

يلتمس هنا مرحلة الأمل الذي نأى عن الشاعر فقد (اختفى تحت سحابة البرق) وهي رسالة للأجيال وهو (انتظار عميق) من غير أن يرتاح في دنيا خُلق فيها من أجل تعب مستمر كلّ يوم ولكنْ (على امتداد خيط الدخان)، في رمزية واضحة لما يجري في عراق الحضارة من تفجيرات ومآسٍ تمرُّ على الوطن الجريح...

ويستمر العناء في هذه الدنيا التي رمز اليها الشاعر ب(العراء) وكيف لا وهو القائل:

(بالصّرخاتِ المضرّجة ِباختناقِ الحروفِ

قبلَّ أنْ يعبر جسر الأمنياتِ

لتضجّ فوق ظهره

خطى العابرين المثقلين بلا وجوه

وهم يسرقون فضاءات الضياء) ص8

ونحن هنا نتفق مع من يرى في أنّ المخيلة الابداعية عند سعد ياسين يوسف تفكك العالم وتعيد بناؤه وتنظيمه وخلقه على شكل عالم جديد بقوانين تنبعث من أعماق الذات الإنسانية، أي بناء عالم غير واقعي بسبب الحاجة للهروب من الواقع الضيّق عكس ما موجود من نسخ للواقع كما هو وبما يشبه التصوير الفوتغرافي ."

وتشكل العنونة عند سعد ياسين يوسف إضافة نوعية للنصوص بوصفها عتبة الديوان، فهو يخطّ من الخيال خيالا ليُحاكي بصوره المتراكمة ذات البعد الإنساني في تصوير تلك المعانات بعمق وتحليل دقيق، ارتباط الإنسان بالوطن وهذا ما نلمسه في ديوانه السابق الصادر 2017(الأشجار لا تغادر أعشاشها) ليستمر بتصوير معاناة الانسان ومأساتهِ في هذه الأرض التي جاءت قصيدة (عيون الصبار) محملة بشحنة عالية من الدلالات الضاجة بالألم إنَّها أسطورة (الألم والأمل) الألم في مرارة ذلك النبات والأمل بالصبر على هذا الوجع والألم:

(فوق نافورةٍ من دم

توضأ بالبراءة

فالموت بجناحيه المهولين

تسحّرَ بالكرادة ِ

وأفطر جثثاً متفحمةً) ص9

كيف لا يكون هذا الصبار رمز الخلود، ولكن عذراً يا كلكامش ليس رمزاً لخلودِ الحياة، بل لخلود الموت الذي بات عند الشاعر مشهداً مألوفاً وهو يرى تلك الجثث، وصور الموت في كلّ مكان، لقد أعاد شاعرنا سعد ياسين يوسف كتابة التاريخ بصورته الرمزية كما يراها هو لا كما يراها الآخرون وعلى طريقة (فوكو) الذي يقترح كتابة تاريخ يضفي صفة الحياة على الفهم الاعتيادي للأحداث التاريخية، ولعل هذا العراء (الموت القاتل) يجعل الشاعر أمام النهايات المأساوية لصورة الأجساد التي تحولت إلى أشباح، ولكن تبقى القلوب ترتبط بالأرض ... بالتراب وتبقى تستمطر الرحمة من الخالق لعلّها تُبقي شيئًا للأجيال القادمة:

(قلوبٌ غادرها النبض ُ

تتلو آياتك ...

تحتَ ركام ِالنزواتِ

تستمطرُك الرحمة

والرحمةُ شجرة ...) ص10

 

إنَّها آهات الأنا التي تتشبث بالأمل بعد أن غادرت الحياة، ليعود الشاعر بعد طول هذه الرحلة مع الشجرة موظفاً تقنية التناص بتداخل دراماتيكي مع التراث وأسطورة الطوفان، في مشهد تراجيدي وهو يصور مأساة الفرد العراقي في بلاد الرافدين، ولعل ذلك المشهد المأساوي يتكرر ونحن نقرأ قصيدة (شجرة العروج) التي أكملت ذلك المشهد الاستعاري الذي يبدأ بالصعود إلى السماء:

(عفوكَ ربّي

قامتْ قيامتُهم

سيأتونك عندَ سدرةِ المنتهى

ولكنْ كما رسَمَتْهم النيرانُ) ص11

هذا ليس بالغريب ولا سيما نحن نرى من خلال سعد ياسين يوسف الدمار الذي قتل الروح قبل الجسد لتسير نصوصه بانسيابية وخط زمني متراتب مع الحزن، ليصور تلك الشجرة / الانسان، وهي تتجسد في الطفولة المفجوعة بالقتل ومواكب الأطفال الشهداء كأسراب الملائكة وهي تعرج من الأرض إلى السماء:

(أطفال بلا عيون

تشرقُ شمسُ الكركراتِ

من محاجرِهم

يحملونَ ملابسَ بيضاء

بلونِ الفرح القتيلِ لم تُلبس بعد

ودمىً مبتسمةً) ص11-12

يصور الشاعر فاجعة الكرادة التي أحرقت السنابل اليافعة أطفال العراق، وأزهقت أرواح العوائل البريئة ... إنَّها كرادة الوميض المتأتي من النار المحترقة بأجسادهم (الشجر/ أجساد) داعيا لهم بالرحمة مترجيًا لهم الشفاعة:

(رحماك ....

فلا تردَّهم

ولا تردَّ هداياهُم

لانَّهم ومع تراتيلِ ليلةٍ

أسميتَها القدر

أتوكَ من مكانٍ بعيد ٍ

وقريبٍ جداً أتوكَ ...

من الكرادة) ص13

وهنا نسجل وقفتين، الأولى: الرؤية الشمولية لدى الشاعر وهو يتحدث عن الوطن ، ثم الوقفة الثانية هي تلك النهايات المفتوحة التي يتركنا فيها الشاعر معبراً بقوة الصمت عن المسكوت عنه من ألم،تلك النقاط ولا سيما مع فاجعة الكرادة وسط مشهد سياسي معقد وأنا هنا ساترك النقاط مفتوحة لأنني لا أعلم إلى أين نتجه ......

هكذا هو شاعرنا سعد ياسين يوسف ينتقل بأغصان شجرته من غصن إلى آخر من قصيدة إلى أخرى، انطلق من (اللاهو) ليضعنا أمام غريزة القتل الغائرة في أعماق التاريخ الإنساني منذ هابيل وقابيل واقتراف الجريمة الأولى رافضا أنْ يشرب الأنسان دم أخيه الإنسان، ومستنكراً وحشيته حين تتلبسه ليصير كائناً آخر تشحب ملامحه وتفقد كلّ أفقها الإنساني وليتحول هذا العالم الفسيح إلى عالم موحش،وهذه هي الصورة المخيفة التي تؤرق الشاعر وتقلقه وتخيفه مما سيؤول إليه العالم إذا ما استمر الإنسان على وحشيته هذه :

(سنواتُه ُ

تجاوزتِ الكهوفَ .....

والتواريخَ المسحوبةَ بالسُّرفات

وما يزالُ ....) ص15

ما يزالُ يا شاعرنا ؟ ما يزال القتل والدمار والنوم على أرصفة الشوارع حيث الإنسان هو القيمة المهمشة في وطنه،نعم قد يكون ذلك لكنْ الشاعر يتنبأ بأن الأرض ستلفظ كلَّ أولئك الذين فقدوا إنسانيتهم وأوغلوا في أذى الإنسان والشجر وسيشحبون وينبذهم التاريخ لأنهم لا يملكون من الصفات الإنسانية شيئاً:

(ستفزعُ منكَ يداكَ السّادرتانِ

وتنكِرُكَ الأرضُ وتلوذُ

بعباءةِ وحشتِها

راثيةً أنَّك انسان) ص18

وفي قصيدته (أشجار لاهثة في العراء) وهي ما توشحت به مجموعته الشعرية التي تجسد مصير الانسان الذي وبفعل الظلام وجد نفسه في عراءٍ قاتل بعد أنْ أخرج قسراً من الدفء، من بيته ومدينته إلى الصحراء طلبا للنجاة من الموت والقتل وعلى شفتيه تموت الأسئلة المتلاحقة بلا إجابة  ..

ليبدأ قصيدته متعمقاً في المعنى عمق جذور أشجاره قائلا:

(الدمعُ صفيرُ الريحِ

ونشيجُ الرّملِ

إذ ينهمرُ على جدارِ لحمنا الحيّ

عارياً تحت غيمة ٍ

تُمزقُها أنيابُ الظهيرةِ) ص19

هذه اللوحة الدرامية هي (متلازمة الحزن) (دمٌ، قميصُ دمٍ، رمال سفتها الرّيح) بل هي تجسيد لدمارٍ للشجرة وللإنسان:

(وقمصان دم ٍ

قُدّتْ من جهاتٍ أربع

حتى استحالَ الدّمُ نهرًا

من رمالٍ سفتها الريحُ) ص20

وبطبيعة الحال ستنتهي تلك الشجرة كما انتهى الانسان ولو أن الشاعر يرى في أنَّ شجرة القيم السماوية والقيم النبيلة ستظل تكابد لتبقى في العراق وهذا هو شاعرنا سعد ياسين يوسف لايعدم الحياة حتى وسط ركام الموت فهو يرى ثمة أمل:

(وتدافعتْ بحثًا عن نفسٍ من خُضرةٍ

لما تبقى من شجرةِ الأنبياء.)

ويستمر المشهد في قصائده الأخرى التي هي امتداد لصورة تلك الشجرة المكابدة لعصف الريح، رديف ذلك الإنسان الذي لا يبحث إلاَّ عن ميناء ليُرسي في شواطئه بأمان (قلاع مخلعة الأبواب، عصافير ميتة، حادث دهس ليلي...) وتطول القائمة لينتهي بقصيدة تحت عنوان (مكابدات خيمة) وهي تصور مكابدات من فُرض عليهم واقع مؤلم لم يكن بحسبانهم في يومٍ ما على الإطلاق .

(تعال بعريكَ

موسوماً بنقوش الرملِ،

بصرخةِ شمسِ الهاجرةِ

في جوفِ جبينِكَ

علَّكَ تدركُ هلعَ الخيمةِ

حين تكابدُ عبثَ الرّيحِ...) ص123

المكابدة والضياع هنا تحت ظلال الخيمة، والخيمة وطن فكيف بوطن الحضارات وهو يتمزق، لقد أثقلت الآلام التي يكابدها العراق سفن شاعرنا الذي أوجعه ما أوجع الوطن وأحزنه أن تذبل شجرته فجاءت قصائده برؤية ثاقبة وصوره بعمق دلالي وقّاد نسجها الشاعر لوحة حزن أسطورية لايمكن أن نفكَّ نسيج خيوطها في هذا الوقت القصير.

حاول الشاعر أن يخفي الجروح وأن لا يتكلم بما هو في عُتمته بيد أن شخصيته الطموحة والمفردات العميقة وقفت ندًّا وعنادًا لما أراد أن يخفيه والتي انمازت بجمال فني؛ إذ استطاعت مفرداته أنْ تصوّر لنا مرحلة مهمة من مراحل العراق وهذا يدلّ على شخصيته المقدّرة للمسؤولية تجاه شعبه ووطنه، فكانت شخصيته فعّالة ومؤثّرة في المشهد الثقافي والوطني فهو يدرك أنَّ الثقافة هي الطريق لحياة أجمل، وهذا ما لمسناه من خلال قراءة الديوان الذي هزّ أعماقنا وجعلنا نتفاعل ايجابيا مع قصائده .

 

ا. د. أيسر الهاشمي

أستاذ النقد الأدبي الحديث

كلية الآداب – جامعة الأنبار

.............................

* نص القراءة النقدية التي قدمها الدكتور أيسر الهاشمي خلال الاحتفاء بالشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف من قبل اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين في العاصمة عمان في 19-8- 2019

 

1331 رجاء الربيعيعندما يفرغ المرء من قراءة مجموعة (وجوه ملونة)(1) للقاصة رجاء الربيعي، تصبح لديه قناعة قارة، بأن هذه المجموعة القصصية ذات شجن ومعاناة حادة، تعيشها الذات الأنثى وخصوصية علاقتها مع الآخر.. هذه الخصوصية أدت في مضمونها إلى إدانة للمجتمع أو إدانة للعصر،  من خلال هيمنة العلاقات الإنسانية على التجربة المعاشة في المجتمع العراقي... وبعد: فإن هذا المقال يحاول استغوار المَشاهد المكثفة المتلاحقة التي تتحرك فيها... إن المشهد كما يرى ليون برميليان (عبارة عن فعل محدد حدث مفرد، يحدث في زمان ومكان محددين، ويستغرق من الوقت الذي لا يكون فيه أي تغيير في المكان أو قطع في استمرارية الزمن)(2) وعلى هذا الأساس ؛ يكون المشهد (هو كل ما يعرض ليسترعي النظر ولاسيما إذا كان مثيرا غير اعتيادي)(3) من خلال اللحظات المكثفة والعلاقات الحميمية التي تنماز بتقريب اللقطة ؛ فتثير المتلقي وتحفز قابلياته التخييلية، فالمشهد يتكون إجمالاً من عناصر عدة (شخصيات وحوار وحركة داخل المكان الموصوف) وإن هذه العناصر كما أزعم، تخلق لدى المتلقي نوعاً معرفياً للوعي... إن هذه المجموعة القصصية تضم بين دفتيها (24) قصة قصيرة تتبعها (8) قصص قصيرة جداً صيغت بلغة سلسة لا إسفاف فيها ولا تقعر أو هذيان، انصهرت فيها - القصص - قضايا اجتماعية، تجسدت فيها حقائق الحياة ومفارقاتها... توظف القاصة المشهد في إبراز تلك القضايا، من ذلك ما جاء في قصة (آذار) (عادت لغرفة الأضابير، وأخرجت من إحدى المجرات سكيناً حادة، بعد أن فتحت النافذة القريبة إلى أرضية الغرفة، وفي الحال مزقت بقوة المشبك الحديدي المانع لدخول الحشرات، عملت شقاً ليمر كلاهما تباعاً، فيما تحاول التهدئة من روعه، وهي تمازحه، حاذر كي لا تتعثر ! سارا خلف البناية، وولجا بناية أخرى كشفت عن ساحة كبيرة لشاحنات متخصصة لنقل المواد الغذائية.... أماكن لم يعهدها قبل، فيما استغرب لمثل هذه الفتاة كيف تعرف مسالك تلكم الأزقة والطرقات ؟!) ص 28 إن ما يثير الانتباه في هذا المشهد، الحركية التي تضيء لحظة التوتر والقلق والخوف من رجل الأمن ؛ كون بطلة القصة خاتلته ومكرت به ؛ كي تهرب زميلها في العمل.. أما في قصة (وجوه ملونة) فتتجلى نقاوة الروح، وتماهيها (أخرجت مظلتي الصغيرة، ذات وجوه الأطفال الملونة.. شرعت أرقص على إيقاع القطرات النازلة على أوراق الأشجار، فاح عطر النارنج والليمون وبدا يداعب أنفي بقوة... لمحتني أمي بقلق، فصاحت تطلب مني أن أدخل البيت مسرعة خوفاً من نزلة برد.. لم أنتبه إلى ملابسي التي تبللت، أحسست بأني أكثر جمالا ونقاء وخفة، حاولت الهرب منها إلى بيت الجيران، فأنا أحب اللعب مع الأطفال في الزقاق) ص 56 إذ نرى في هذا المشهد بنية التفصيل باستعمال الجمل الفعلية المتتابعة التي جسدت لنا مشهداً لفعالية اجتماعية عراقية مألوفة ؛ لتكون أكثر حرارة وحميمية وتأثيراً في تركيز المتلقي الذي ينتظر بلهفة ما سيحدث وراء هذا المشهد. في قصة (حلم بطعم الحياة) نجد المشهد الحزين ضمن فضاء الفقدان (لم تجد منه شيئا إثر الانفجار الذي صادف تواجده في شارع مزدحم، ذهب لشراء زهور جديدة ؛ لأن زهورها ذبلت.. ترجل من سيارته ومعه أجمل باقة تناثرت فوق جسده المتفحم، فقط بقيت الزهور هنا وبقي هو فيها ؛ لأنها تحمل منه صبياً كان ينتظر وصوله بلهفة الأب الحنون) ص 62 إن الحزن قد فرض حضوره في هذا المشهد بأدوات سردية، ذات مرتسمات لغوية، منحت لكل كلمة عدستها اللاقطة ؛ نظراً لحدة الموقف الذي يحكي قصة ألاف الشهداء والأرامل في العراق... وإذ نعطف على قصة (حلم ذات نهار) نجد المشهد ينساب في عيون الساردة ؛ لغرض إبراز علاقتها بالمكان المقدس (مع ارتفاع الأذان وتوجه السابلة إلى ذلك المرقد ذي القبة المذهبة، هلعت روحي وهي تسبح في أزقة وشوارع غريبة عني لا أعرفها، كيف سأوحي لنفسي أنني أعرف الطرق وهي تعرفها سرا وأقدامي تعاجل تلك السيارات القادمة من بلاد الفرات والنخيل، تلك البلاد التي ودعت فيها أنفاسي، وحبست فيها دموعي، وخرجت إلى ما لا نهاية، ولا قرار معلوم) ص 68 إذ حرصت القاصة هنا على نقل هذا المشهد إلينا ؛ لأجل استيعاب العين بما تمر به في حالة السفر إلى بلاد أخرى، من خلال الحوار التعبيري للموقف أو التوصيفي له، أما في المضمون، فتطرح القاصة شدة الشوق الأنثوي للأم... إن المشهد في هذه المجموعة يعد بؤرة الإثارة في بنية هذه القصص، ولاسيما أن الجسد يتمظهر شاخصاً في غالبيتها ؛ لدوره في تدعيم الحدث وتحريكه، فضلا عما يعنيه من عاطفة ؛ ولذلك يرى دي سي لويس في المشهد بأنه (رسم قوامه الكلمات المشحونة بالإحساس والعاطفة)(4)  وتأسيساً على هذا، نجد أن المشهد في هذه المجموعة جاء عن طريق تقانة التجسيد أو التشخيص أو التصوير أو تبادل الحواس ؛ لأن طبيعة النصوص السردية تتنوع بتنوع الأحداث التي غالباً ما تستعين بالمشهد بوصفه مسرحاً يستمد مادته من الحواس...

 

د. مثنى كاظم صادق

...........................

الهوامش:

1- وجوه ملونة / مجموعة قصصية / رجاء الربيعي / دار ميزوبوتاميا ط1 2018م.

2- بناء المشهد الروائي / ليون برميليان / ترجمة فاضل ثامر / مجلة الثقافة الأجنبية ع 3 / 1978 ص 78.

3- معجم المصطلحات الأدبية / إعداد إبراهيم فتحي / الموسوعة العربية للناشرين المتحدين / تونس ص 330.

4- الصورة الشعرية / دي سي لويس ترجمة أحمد نصيف الجنابي مراجعة عناد غزوان / منشورات وزارة الثقافة والاعلام / دار الرشيد للنشر 1981 ص 23.

 

محمد فتحي عبدالعالستظل قضية فلسطين هي القضية المحورية للعرب المسلمين في الماضي والحاضر والمستقبل ولقد قدم الكاتب الجزائري واسيني الأعرج في روايته سوناتا لاشباح القدس والتي صدرت عن دار الآداب عام ٢٠٠٩ عملا فنيا من طراز فريد محركا ببراعة للزمن الروائي تقديماً وتأخيراً ومعبرا عن شخصيات قصته بلغة شاعرية تجمع بين الموسيقى والفن وقد أجاد في رسم ملامح شخصياته بتفاصيل شيقة وغنية ومعبرة وموحية في الوقت ذاته واللغة في الرواية جاءت مزيجا بين الفصحى والعامية فكانت اللغة الحوارية العامية بلهجات تحاكى بيئة الشخصيات وأماكن الأحداث وتنوعها فاستخدم اللهجة الفلسطينية في بعض مواضع الرواية واللهجة اللبنانية أحيانا أخرى أما اللغة السردية الحاضرة بكثافة في أسلوب الأعرج فكانت بالفصحى بحكم كونه اكاديميا يشغل منصب أستاذ كرسي في جامعة الجزائر المركزية وجامعة السوربون في باريس مما يعكس ثقافة الكاتب واسلوبه المتميز. كما أضفي لونا شعريا وموسيقيا على روايته باختياره سوناتا عنوانا وهي مأخوذة من كلمة إيطالية بمعنى اصدار الموسيقى والغناء

القصة باختصار:

تحكي الرواية عن الفنانة التشكيلية الفلسطينية مي والتي غادرت مدينة القدس عام ١٩٤٨ في سن مبكرة بعدما اغتيلت والدتها وأهلها إلى بيروت ثم إلى أمريكا حيث العالم الحر وفي الوقت ذاته كانت رائحة المنفى التي تشبه رماد حرائق الأشجار والعجائن القديمة والورق الأصفر المنقوع بالماء تزكم أنفها وتنجح مي في أن تجمع شتات نفسها وتنتصر على النفي بالتمرد لتتحول إلى فنانة تشكيلية من الطراز الأول ولقد كان الاسم الذي اختاره لها خالها غسان بالاتفاق مع ابيها صافو تيمنا بسوفو نيسبي رمز التمرد ضد الاحتلال الروماني... تمضي السنوات بمي أو صافو اسمها الجديد الا انه لا تغيب ابدا عن مخيلتها ذكريات القدس لون طفولتها المسروقة والتي عاشتها ولم تغادر مخيلتها وعبرت عنها عبر لوحاتها التي منحتها الاستمرارية والحياة فقد ابتدعت لونا جديدا أسمته فراشات القدس ذلك اللون الذي أضحى رفيقها في غربتها ولا يزال يأتيها أصوات ذكرياتها من القدس مع صوت أبو نجيب وهو يمدح سندوتشات الفلافل التي يصنعها : (يا الله يا فلافل! طعم الغني والفقير، الصغير والكبير) إضافة لحرصها على قراءة الإصحاح الرابع والعشرين من الكتاب المقدس حيث ذكر جبل الزيتون وتظل أمانيها معلقة بالقدس فتقول (أتمنى أن أرحل ولو بروحي وآخذ حفنة من تراب القدس وأشمها ثم أزرعها على الفراش وأتوسدها كأي درويش مأخوذ بسحر المبهم) ومع نهاية حياتها بسرطان الرئة توصي ابنها يوبا العاشق للموسيقى والرسم أن يحرق جسمانها ويذر رمادها فوق نهر الأردن وفي حارات القدس وان تدفن عظامها في أمريكا ليكون لها قبرا يزوره ابنها كل ثلاثاء

مناقشة الرواية:

تتحدث الرواية عن حق الفلسطينين في العودة إلى وطنهم فالغربة بحسب مي هي (أكبر محرقة يعيشها المرء هي أن تسرق منه أرضه ويرمي على حواف المبهم) وتبدو نهاية المناضل والباحث الفلسطيني إدوارد سعيد حاضرة وبقوة في ذهن الأعرج وهو يكتب سوناتا فقد مات ادوارد في إحدى مستشفيات نيويورك عام ٢٠٠٣ وكان أمنيته الاخيرة أن يدفن في القدس فرفضت إسرائيل ذلك فأوصى بحرق جثته ونثر ودفن رمادها في لبنان وهو ما تم فعلا... لكن الكاتب يضفي على الرواية رؤيته التشاؤمية بشأن تحرير القدس يوما من قبضة الاحتلال الصهيوني البغيض مستبعدا هذا الخيار تماما على لسان مي فتقول: (تعبت، وأندم كثيرا على أني لم أبق هناك، لا لتحرير الأرض، فهذه مسألة لم تعد واردة، على الاقل بالنسبة لي، ولكن للموت فقط، والتمزق عند بوابات القدس) وعلى لسان الخالة دنيا وهي تقول لمى : (أرأيت المفتاح الخشن المعلق عند مدخل البيت؟ هل تعتقدين أنه سيفتح شيئا يوما ما؟ لا أعتقد. الأحياء تسرق واحدا بعد الاخر، بعد سنوات قليلة لن يصبح لهذا المفتاح أي معنى، باستثناء التذكر والألم).. كما تبدي الرواية تعاطفا مع الموروثات الصهيونية فجدة مي بكت اليهودي الذي اقتيد إلى حمامات الموت والهولوكوست. كما تقول مى لابيها المولع بايفا موهلر الألمانية :(لقد أحرق أصدقاؤك النازيون، وأحباب إيفا موهلر، يهودا أبرياء، وأبادوا الملايين فقط لأنهم يهود؟ هل تتصور هول الفاجعة).

كما يعرض الكاتب رؤيته على لسان بطلته بشأن الحوادث المبكرة على أرض فلسطين وظروف نشأة الدولة الصهيونية هناك فهو يرى أن التسامح منذ البداية كان هو الأمر المفقود فمي مثلا تستهجن مشاركة والدها في اقتحام جريدة بالستاين بوست والتي كانت تبث دعاية عدائية ضد العرب فتقول مي :( لم أصدق أذني عندما سمعت أن والدي الطيب والمتسامح، يحكي عن العملية التي شارك فيها باقتحام جريدة بالستاين بوست بانتشاء) وهنا يظهر التناقض فالضحية في الرواية عليه أن يكون أكثر تسامحا تجاه الجانى الذي قتل والدة مي وهي الطيبة المحبة للموسيقى والرسم والتي لم تكن تحمل لديها سكينا ولا بارودا ولا حتى سكينا للمطبخ.

الرواية وحقائق التاريخ:

إن الهدف من أي عمل روائي ليس فقط التشويق والإثارة فنشر الوعي وكشف الحقيقة دون مواربة يضيف إلى أعمارنا الحقيقة أعمارا افتراضية جديدة فضلا عن أن دراسة التاريخ بعناية بغية الاستفادة من تجارب الماضي هو هدف أسمى يقينا الفتن والانشقاق والتمزق والكاتب خالف ذلك حينما اعتبر الهولوكوست حقيقة مسلم بها والهولوكوست مصطلح يشير إلى الإبادة الجماعية التي تعرض لها اليهود على أيدي الألمان النازيين في معسكراتهم إبان الحرب العالمية الثانية واسفرت عن قتل ستة ملايين يهودي بحسب التقديرات اليهودية والهولوكوست مصطلح يوناني يعني القربان ويقابله في العبريه كلمة شواه بمعنى المحرقة.... ولقد ظلت هذه الإبادة المزعومة وسيلة الصهاينة لابتزاز الرأي العام العالمي اخلاقيا وجلب الأموال الطائلة كتعويضات ويشير تقرير لوشتر الخبير الأمريكي الشهير حول معسكرات أوشفيتز وبركاناو وميدانك والمفترض ان المحترق بحق اليهود كانت بها والتي زارها الخبير ميدانيا وأخذ عينات من جدرانها وارضيتها وسقوفها وحللت في مختبرات ألفا ببوسطن وقد خرج تقريره بنتيجة مفاداها عدم وجود إمكانية هندسية وكيميائية لهذة المعسكرات لقتل هذه الملايين الست كما أن غاز السيانيد لا يوجد بالنسب المرتفعة التي يمكنها قتل أحد وتوالت الأبحاث بعد ذلك لتشير أن غرف الغاز كانت في حقيقتها تستخدم لتطهير الملابس وحرق جثث الموتى خشية انتشار الأوبئة وعن رقم الستة ملايين ففي كتاب دوجلاس ريد الشهير الصادر بالولايات المتحدة عام ١٩٤٧ والذي أورد مقارنة هامة بين عدد اليهود قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية حسب إحصاء عصبة الأمم وعددهم بعد الحرب بحسب إحصاء الأمم المتحدة أي الفترة من ١٩٣٨ إلى ١٩٤٥ مثبتا أن عدد اليهود قبل وبعد الحرب بقى كما هو..

الأمر الاخر في الرواية هو تسطيح حقائق التاريخ وعدم الإشارة إلى الجانى الحقيقي في هذا الصراع وهو العدو الصهيوني الذي مارس تطهيرا عرقيا لا مثيل له في التاريخ في سبيل اجلاء الفلسطينين عن أراضيهم ويكفي أن نسوق في هذا الصدد ما اعترف به مناحم بيجين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق في كتابه الثورة : (لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل) وهي المجزرة التي نفذتها عصابات الصهيونية ضد المدنيين العزل في دير ياسين عام ١٩٤٨ والقت الرعب في نفوس الفلسطينين ليبدأ النزوح من الوطن ورحلة الغربة داخل الديار الفلسطينية وخارجها... وحينما نتحدث عن حلم العودة لمى بطلة القصة نجد الكاتب يقع في تناقض عجيب فالبطلة تزور الأندلس لكنها تعزف عن زيارة القدس وهي بالقرب منها عند الأردن وتقول: (لا... قلتها ببرودة كبيرة، لا أحد لي هناك إلا القبور، ولا أريد أن ارجع لكي أزور القبور فقط ثم أنزوي مع أشباحي وأبكي)... وبين القدس والاندلس صفات مشتركه فكليهما إرث الأجداد الذين رحلوا ولم يعد من ذكراهم سوي القبور!!..

يبقى القول أن الرواية نجحت فنيا لكن من الناحية الايدلوجية من الصعب أن تكون محايدا في صراع طويل وممتد والجميع على دراية من الجانى؟ ومن الضحية؟

 

د. محمد فتحي عبد العال

 

جمعة عبد اللهللكاتب فيصل عبدالحسن

الكاتب متميز في براعته الاسلوبية في عالم السرد (قصة ورواية) في التناول والصياغة مشبعة في الاتجاه الواقعي بكل مساراته المتنوعة من مفردات واشياء الواقع الفعلية، يصوغها بمهارة محترف في صناعة فن السرد بتمكن في جمع مكونات الواقع، والمتخيل الفني في بوتقة واحدة، في عالم السرد الواقعي بكل اشكاله التعبيرية التي تخوض في تداعيات الواقع وتفرزها على الملأ، يسكبها في الصياغة الفنية الحديثة . لذلك يحمل النص او الحدث السردي بالاشباع الحياتي والواقعي وفي السرد الفني، وفي اللغة السردية المشوقة التي تشد القارئ برهافة حميمية . ان عالمه السردي متنوع العطاء والتجلي لمفردات الواقع وتداعياته المختلفة، في الرؤية والرؤى في الاتجاه النقد والانتقاد اللاذع، في اتجاه السخرية الساخرة بالكوميدية التراجيدية . في حالتها التي تفضي الى الانتهاك الاجتماعي في القهر والمعاناة . لذلك ان النص السردي يحمل حالات انسانية مظلومة ومحرومة في معاناتها الاجتماعي. في مشاعرها الملتهبة في الوجع الحياتي في هواجسها الوجدانية الداخلية والخارجية . لذلك نجد ان شخصية الحدث أو (البطل) السرد يخوض معاناة قاهرة في الواقع والحياة المتجمدة في العذاب والتعذيب الروحي والاجتماعي، أن يكون مشبعاً بالهواجس والهموم، في الفقر والعوز الحياتي، في الحالات النفسية الجريحة ومؤلمة في الوجع من سكاكين الواقع الجارحة، ليخوض غمارالانكسار والاحباط والانهزام، في كل مفردات الحياة بما فيها الحب، وكذلك يواجه الغطرسة والتعالي والفساد والنفاق المسلط على الشرائح المظلومة في المجتمع . وكذلك امام المواجهة الحدية والصارمة في بشاعة قسوتها من الارهاب السلطوي المرعب . يواجه الطموحات الانسانية التي تنقلب الى وهم وسراب . لتدفعه ان يكون غريقاً بالحزن والالم، في جراحات تحرث في الخيبة والاحباط، في وهم الاحلام التي يتصورها قريبة المنال، ولكنها في حقيقتها بعيدة المنال . ان الحبكة السردية في ثنايا احداثها السردية المتنوعة . تمثل بانوراما الحياتية بكل مرادفاتها المتناقضة التي حملتها المجموعة القصصية (بستان العاشقين) للاديب فيصل عبدالحسن . وهو يكون عجينة تشكيلية يخلقها من صلب الواقع ويرسمها بعدة لوحات سردية مشبعة في الدلالات العميقة في التعبير والمغزى الدال في ايقاعاتها المختلفة، في العالم السردي المتمكن من ادواته وتقنياته الحديثة . التي تحرث في الوطن والمنفى والحب والمعاناة الاجتماعية . والمجموعة القصصية ضمت 21 قصة قصيرة، نقتطف بعضها بأيجاز شديد:

1 - قصة الطعام الاسود: الاهداء (الى ولدي محمد) وهي اشارة بليغة بتذكير الابناء الى المعاناة القاسية التي تجرعها الاباء وحملوها على ظهورهم كصخرة سيزيف في المشقة والعناء .

وحدث القصة تدور حول أب لعائلة يحاول ان يجد فرصة عمل للعيش هو وعائلته، حتى يتهرب من ذل السؤال من الدائنين، لذلك يتهرب منهم لعوزه المادي والمعيشي في دفع ديونه المرتبة عليه، ويبحث عن فرصة عمل مهما كانت مشقتها وخطورتها، واخيراً بعد بحث مضني ومتعب، وجد فرصة العمل في حديقة الحيوانات لاطعام الاسود والنمور . رغم تحذير مدير الحديقة في اختبار مدى تحمله بالتحذير الموجه له (ربما سنطلب منك يوماً تنظيف أسنان الاسود بالفرشاة ومعجون الاسنان) لكي يخيفه ويتنصل عن العمل، لكنه اصر على تحمل كل المخاطر . وبدأ يمارس الصمود البطولي الكاذب امام المدير، لكي يقنعه بالقبول بالعمل في الحديقة الحيوانات، وعرف ان عمله يقتصر على تقديم شرائح اللحوم المستوردة والمجمدة الى الاسود صباحاً ومساءاً اقتنع بعمله، وهويدغدغ هواجسه بأنه سيقتطع قطعة من اللحم الى عائلته المحرومة من اللحم والى جيرانه، الذين قدموا الدعم والمساعدة في فقره وعوزه . لكن في النتيجة العملية تبخرت هذه الرغبات . حين عرف بأن اللحم الذي يصل بالسيارات المبردة للحوم، يتقاسمها المدير والموظفين . وحصة الاسود والنمور، هو تقديم طعام خليط من الفول والرز وفتات الخبز والامعاء وفضلات اللحوم، لذلك ان الاسود والنمور في حالة شحوب وضعف، كأنها على وشك السقوط والاغماء في كل حظة .

2 - قصة ردني الى بلادي: يهزه الشوق والحنين الى بلاده بعد سقوط النظام الدكتاتوري، ويصر الى العودة الى احضان الاهل والاحبة . التي تتحرك ذكرياته بحزن وشوق . رغم مخالفة زوجته التي تشعر بالحزن والقهر والآهات والدموع، خوفاً عليه لان الوضع في بلاده مخيف بالارهاب والتفجيرات اليومية، وخوفاً ان يصيبه مكروه ويتيم اطفاله، رغم انه يعيش مع زوجته في بحبوحة الحياة في حب ولوئام، لذلك تحرص على حياته من هذه السفرة المخيفة عير مطمئنة نتائجها . ولكن الشوق الى الوطن اكبر من حزن زوجته ودموعها، وحالات الحرجة بعدم انتظار عودة اطفاله من المدرسة، خشية ان يضعف امامهم ويبطل عن الرحيل . ومع اعتراض زوجته ودموعها الباكية، يصر على الذهاب الى الوطن مهما كانت العواقب .

3 - قصة قص الشريط: قرر الرئيس ان يفتح داراً جديدة للامتاع والمؤانسة، وهي الدور التي تطلق لدور التعذيب الوحشي لدائرة المخابرات والامن ضد المعارضين السياسيين، يوزعون على اقسام هذه الدور الجهنمية في الرعب والفزع في اساليب التعذيب والبطش بالسجناء السياسيين، فهناك دور مخصصة في وضع السجناء المعارضين في الحوامض التيزاب لذابتهم . وهناك دور لقلع العيون والاعضاء الجنسية وقلع الاظافر، وهناك دور تستخدم الكهرباء في تعذيب الجسد . وهناك دور تمارس البطش الوحشي لابناء السجناء حتى يعترفوا الاباء ويسقطوا . هذه بركات الحكم الدكتاتوري .

4 - قصة يوم الكلب: دخل كلب ضخم على الجدة وهي عارية في غرفتها تتهيء الى الاستحمام في الماء الساخن . وهي تخاف من رؤية الكلاب والقطط . فقد افزعها بالرعب، ومن ارتباكها سقط الماء الساخن، ومن خوفها حملت سيف حديدي، وبدات تتصايح بهلع وخوف، تجمهر حولها عائلتها والجيران وغطوا جسمها العاري بالبطانية، ولكن المصيبة الكلب حشر نفسه في زوية ولم يستسلم لصيحات والتهديدات، فأقترح احدهم في اعطائه شرائح اللحوم . وبالفعل جلبوا شرائح اللحوم فلم يقترب الكلب اليها، ادعوا بأنها مجمدة والكلب يريد لحوم طازجة وبالفعل جلبوا اللحوم الطازجة لكن دون فائدة، فأستعانوا بتاجر المخدرات والحشيشة وكان شاباً مفتول العضلات فأقترب من الكلب واخرجه خارج الغرفة، في استسلام دون ممانعة .

5 - قصة المخطوفة: استدرجت عصابة خطف الاطفال، طفلة صغيرة في خداعها بالحلوى ولعب الاطفال، ولكن من اجل تبديل اعضاء جسمها بجسم الصبي المريض، الراقد على سرير المرض في المستشفى . فسلموا الطفلة الى الطبيب ليقوم بالفحوص والتحليلات اللازمة قبل عملية تغيير الاعضاء . وسلموا المال الى المختطف، واستعدوا الى اجرى العملية الجراحية، شعرت الطفلة الصغيرة بالخوف والمكيدة التي وقعت فيها، واستعدت للهروب، وسنحت لها الفرصة في التغافل . واندست بين الناس المراجعين في ازدحامهم الشديد على المستشفى ووصلت الى الشاع والخوف يأكل قلبها .

6 - قصة وحمدت الله لاني فقير: تشير الى مضامين الجشع الذي لم يتوقف في الاستحواذ غير المشروع . وهي تحكي بأن فقير جائع رث الملابس يعزف على الربابة بصوته الشجي، فرق لحاله صاحب الدكان واجلسه على دكة الدكان وراح يعزف ويغني على الربابة . ولكن غنائه يتجه الى صوب اخر الى التنبوء والحدس الى صعود اسعار البضائع او نزولها في الاسواق . وكل تنبواءته كانت صحيحة ومضبوطة يسير عليها صاحب الدكان، فحين يعلن بصعود اسعار الفصولياء والعدس بأنها سيرتفع ثمنها، تشحن الهمة بصاحب الدكان ويبيع بما يملك، حتى باع اثاث بيته ليشتري الفصولياء والعدس، وحين اختفت من الاسواق، عرضها في السوق وربح بها ربحاً مضافاً عدة مرات . وحين تنبأ بصعود اسعار السكائر، هب بما يملك ليخزن صناديق السكائر، وبالفعل حين ختفت في الاسواق، عرضها للبيع ليربح بها ربحاً كبيراً . وكذلك الحال للسكر وغيره من البضائع، حتى اصبح اغنى الاغنياء، واشترى افخم السيارات والفلل وتزوج مرة ثانية وثالثة حتى اصبح امبراطور المال . ولكن في احدى الليالي داهمه حلم مرعب، بأن صاحب الربابة يحمل مسدس لقتله، اذا لم يسجل كل امواله وعقاراته بأسمه، وقبل بالعرض حتى لا يموت، لكن صاحب الربابة طلق عليه الرصاص الغزير، ليفز من النوم مرعوباً من الكابوس . لكن وجد نفسه ذلك الفقير الحال، فقد كان حلماً مرعباً في كابوسه .

7 - قصة بستان العاشقين: جلست أمرأة شابة في العمر الخامسة والعشرين تغطي ملامح وجهها الحزن والالم، وقد سمعت حكايات عن هذا المقهى المشبوه السيء السمعة، في اختلاط النساء والرجال بموعد فيه، كأنه بستان العشاق يلتقون فيه، ومن ضمنهم زوجها وهي تشك بأنه لديه عشيقة يتواجدون في هذا المقهى، فطلبت الشاي وحاولت استدراج النادل، ان تستفسر هل زوجها من رواد المقهى، بعدما اعطت اوصافه، حاول النادل بتفادي الحرج بحرف الموضوع، لكنها اصرت بالجواب، واخرجت من محفظتها الجلدية، قنينة دواء مليئة بالحبوب السامة، وهي توجه كلامها الى النادل، بأنها لا يمكن ان تتصور وتتخيل بأن أمرأة تخطف زوجها منها، وهي تحبه حباً شديداً، عرف النادل بأنها مقبلة على الانتحار بلا محالة، فأخترع قصة وهمية، فأخذ النادل قنينة السم وقال هذا الدواء بعينه دمر حياتي الى الجحيم ("نعم.. نعم.. إنه ذات الدواء، الذي ابتلعت منه كمية كبيرة، بعد ان فشلت في امتحان البكالوريا للمرة الثالثة، وقررت أن أضع حدا لحياتي …") قالت متسائلة: ("يبدو أنه لم يقتلك.. تنهد النادل، ونظر بعينين حزينتين إلى المرأة الشابة: - لو مت في ذلك الوقت لكان ذلك أفضل لي مائة مرة !!.. لقد مزقت هذه الحبوب معدتي، وبقيت تحت رحمة الاطباء، ومشارطهم وخيوطهم يعيدون رتق معدتي، في كل مرة أسقط وأنا بين الموت والحياة، وفي النتيجة النهائية توصلوا إلى منعي عن الأكل طيلة حياتي الباقية .. أتصدقين يا سيدتي إني منذ سنوات مراهقتي أعيش على خمسة ألتار من الحليب يوميا !! " تساءلت المرأة خائفة: "تعيش على الحليب وحده؟ !!") ص104 . فارتجفت بخوف وقلق وخرجت من المقهى ورمت قنينة السم في اقرب مكب للنفايات

 

جمعة عبدالله

 

مادونا عسكرقراءة في نصّ للشّاعر التّونسي يوسف الهمامي

أثمرتني شجرة

في ركن أصفى

من السّماء

..

وضعني الغيم

في يد الفاتحة

يد الفاتحة أفاضتني

..

الأرض مادتْ

عباءة الكون تجلّدَتْ

الرّحم أحاط

- القراءة:

يدور هذا النّصّ في العوالم العلويّة إذ يستهلّ الشّاعر نصّه بعنصرين أساسيّين يوجّهان النّصّ إلى ما قبل الخلق، أو بمعنى أصحّ يكشفان عن تأمّل الشّاعر الشّخصيّ في مصدر وجوده، (شجرة/ السّماء). لذلك ينبغي أن يتنبّه القارئ إلى رمزيّة الشّجرة الرّوحيّة في هذا النّصّ الّتي تتّخذ معنى أعمق وأبعد من الدّلالة اللّفظيّة. فالشّاعر جعل الشّجرة في ركن أصفى من السّماء. وبذلك يكون قد تخطّى دلالة السّماء بالمعنى الكتابيّ المراد به ما بعد الموت، أو الحالة الّتي سيؤول إليها المؤمنين إلى ما هو أصفى من السّماء التّي هي صافية. ولا ريب أنّ الشّاعر أراد بالقول (أصفى من السّماء) قلب الله أو الدّائرة الإلهيّة المطلقة.

ولئن اتّخذت الشّجرة رمزيّة روحيّة، استخدمها الشّاعر بصيغة النّكرة من باب المطلق للإشارة إلى شجرة فريدة متفرّدة Unique لا مثيل لها، أو لا يشبهها شيء في العالم الحسّيّ. ولعلّ استخدام الفعل (أثمر) في صيغة الماضي دلّ على تجدّد الشّاعر نفسه. فكأنّه يشير إلى تجدّد الخلق وتجدّد ذاته الحاضرة في قلب الله.

(أثمرتني شجرة/ في ركن أصفى من السّماء) حالة خارجة عن الزّمان والمكان، حاضرة قبل الوجود، لكنّها حاضرة كذلك في ذهن الشّاعر وفي عمقه الإنسانيّ. وكأنّي بالفعل (أثمر) يستعيد ذهنيّاً وروحيّاً هذه الحالة المتمدّدة في الوجود بأسره. فوجوده وكينونته امتداد لهذه الشّجرة الّتي أثمرته وما زالت تثمره في ركن أصفى من السّماء. 

الشّجرة تخرج من الأرض، لكنّ شجرة الشّاعر في ركن أصفى من السّماء، فهي خارجة من ذلك الرّكن الأصفى إن جاز التّعبير، وبالتّالي فالشّاعر خارج من الشّجرة كما هي خارجة من السّماء. وإذ اعتمد الشّاعر الفعل (أثمر) فللدّلالة على انبثاق كانبثاق النّور من النّور الأعظم. فيحيلنا إلى الآية 35 في سورة النّور "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لّا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ". وفي هذه الآية السّماويّة النّورانيّة يتجلّى فعل النّور الإلهيّ وتفاعله مع المنجذب إلى هذا النّور، الإنسان. فالله يوقد من شجرة مباركة زيتونة يكاد زيتها يضيء. وما الزّيتونة إلّا بعد من أبعاد النّور الإلهيّ الّتي يكاد يضيئ زيتها وذلك بحكم المتفاعل مع هذا النّور. فبقدر ما يتفاعل الإنسان مع النّور يقترب ويبصر. وما الشّجرة المباركة إلّا عنصر من عناصر النّور الإلهيّ. ولعلّ الشّاعر في قوله (أثمرتني شجرة في ركن أصفى من الصّفاء) أراد أن يشير بشكل أو بآخر إلى عنصر النّور الّذي أثمره، أو أوجده. وقد يمكننا القول إنّ الشّاعر يدرك بدرجة ما في عمق ذاته بعضاً من تجليّات النّور الّذي يملأ الوجود. فالله نور السّماوات والأرض متغلغل في الوجود وما بعده، وتلمّس نوره فيض يتجلّى في نفس الإنسان، كلّ بحسب قدرته.

عنصران آخران في القسم الثّاني من النّصّ يحدّدان أكثر عمق المعنى السّماويّ للنّصّ (الغيم/ الفاتحة). في غالب الظّنّ يرمز الغيم إلى الحضور الإلهيّ الّذي تقف أمام نوره نفس الشّاعر. والفاتحة الّتي كنيت بأمّ الكتاب والرّكن الأعظم من أركان الصّلاة أفاضت الشّاعر. وما هذا المعنى إلّا بعد إيمانيّ  اختباريّ خاصّ وحميميّ لدى الشّاعر يعبّر عن تلمّس حقيقة ما تعيد تفسير الخلق في فكر الشّاعر وروحه انطلاقاً من تأمّل فلسفيّ وإيمانيّ على حدّ سواء. ما أغرق الشّاعر في عمق النّور الإلهيّ المشار إليه في القسم الأخير من النّصّ (الرّحم أحاط)

الأرض مادتْ

عباءة الكون تجلّدَتْ

الرّحم أحاط

الأرض التّي يتحدّث عنها الشّاعر أرض جديدة، أو سماويّة، لا علاقة لها بالعالم الأرضيّ. ولبس الكون عباءة الحضور الإلهيّ النّور. الأرض أرض الله والكون كونه، وما الرّحم الّذي أحاط الشّاعر وكونه إلّا هذا الحضور النّور الّذي يجذب إليه الله من يشاء.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

محمدـحسينـ الداغستانيتوق التغيير في مجابهة تحديات المكان

يشكل هاجس الاغتراب دافعاً مهماً للتغيير لدى شعراء العرب قديماً وحديثا ً، فالواقع المشحون  بالإحباط والفساد والإقصاء وما يجري حول الشاعر من أحداث يعمّق فيه الاحساس بالغربة والقلق وكان ولا يزال يحثه الى التطلع للبديل المثالي الذي يوفر له البيئة الضامنة للتعبير عن معاناته وبحثه المشروع عن الامان والسكينة .

وفي الغور في إنثاليات الإرث الشعري الحافل بمعطيات الحزن والعزلة والوحشة وبالمعاناة والرغبة العارمة في التغيير بل وفي كثير من الأحيان لتلبية حاجة نفسية تمور في اللاوعي، كانت تجليات ثيمة الرحيل بوصفها قيمة إنسانية تتبلور في الكثير من نماذج شعر المتنبي و مالك بن الريب التميمي وابن زريق البغدادي والبحتري والبارودي وفي اندلسيات احمد شوقي. وصولا الى بدر شاكر السياب و أدونيس والعشرات غيرهم الذين كانت قصائدهم تعزز هذه الرؤية 

ونتيجة الكوارث و المحن والويلات التي تعصف بإنساننا، فقد شكل الاغتراب في الشعرالعراقي المعاصر ولدى شعراء كركوك أيضاً والشباب منهم على وجه التحديد محطة فارقة في نتاجهم الشعري الذي ضجّ بالرغبة في الانعتاق من استبداد المكان وبؤسه وآلامه، ولم يكن الشاعر هشام القيسي استثناءً من هذا التوصيف فتوق السفر نحو المجهول بحثاً عن الخلاص بات سمة بارزة تبصم نصوص مجموعته الشعرية الموسومة ( ثمة ما يجري دائماً):

أوقات دائمة التنقل

تدعوني الى العزف

كي يهطل الضوء

وفي مهد السفر

أحدق في المرآة

من أجل ليلة تشهد نفسها

بوثيقة الشعر

هناك أطل على أقاصي الحكمة

هناك أستيقظ ثانية، وأغني !

ولا شك أن الإنتقال المادي الفردي من المكان بمعناه التقليدي والمألوف لم يكن مبعث هذه التداعيات في تركيبة البناء الشعري للمجموعة، وإنما شكل حافزاً معنوياً حاداَ لمغادرة السكون والبحث عن السعادة المفقودة لكل من في حوله، لهذا فإن متواليات مفردات اللغة عززت هي الاخرى شحن الفكرة، فكان (الآخر) الذي إستعان الشاعر بأسماء الإشارة للتدليل على حضوره في سويداء الحدث، فمثلما سبق له ووظف (هناك) للتأكيد على المكان / الحلم فإنه يكررإستخدام (هذا) لتصعيد وتيرة الفعل بتناسق مبهر للفظ بقصد إضفاء إيقاع شعري يكون بديلاً عن القافية والوزن في مسعى لتعميق تجربته والتأثير في المتلقي بأسلوب يتجاوز تحدي المكان الى حيث الاسفار الطويلة:

أصعد في هذا المكان

أهبط في هذا المكان

تحت كل أسطوانة

جذور في طريقها

إلى كلمة مفتوحة

والى شرارة

طيلة الوقت

والى أسفار طويلة . 

ويبدو واضحاً إسراف الشاعر بوعي في المضي بإستنباط أسلوب التكرار، فهو يعمل على تطويع إسم الإشارة (هذا) مرة تلو الأخرى في خلق نمط غنائي يؤلف بين علاقاته عن طريق التكرار مع النسق الصوتي النابع عن فضاءات إسلوبه اللغوي المباشر والمضي قدماً لمغادرة تجربة مرارة المكان والزمان معاً، ليتفاعل مع دفقه الإنساني ورغبته الدفينة في رؤوية الصباح لكن بعد أن تغسل الايام محنة الفراق الموجوع:

هذا الشاعر لا يتوقف عن الحديث ..

هذه الكؤوس لا تنس المدينة ..

وهذا البستان لا تختفي أوراقه ..

وعندما تغسل الأيام فراقها

يتذكر الصباح ينابيعه

وبلغة شعرية طرية مترعة بالنداوة يؤدي الخيال الابتكاري لدى القيسي إضافة نوعية لتشكيل الرؤية المستقبلية في تطلعاته، فالبناء الشعري الذي أسسه بمفرادته منح البيئة السايكولوجية لإصرار فارسه على نيل فرصة السفر الى مدن جديدة بُعداً آسراً تنبض بالفرح، وهي معادلة منصفة ذلك لأن الأسفارالموحية بالإنجاز تستحق من الشاعر أن يقايضها بما تبقى من العمر:

انت الآن تكتب أسفار المدن الجديدة

وأنت الفرح الذي يجدد بناء البيت

أغنياتي إليك

وفي موجك

أمنحك أنفاسي الأخيرة . 

ويتناغم هاجس السفر والبعد الروحي مع الصورة الشعرية التي يرسمها القيسي بكلماته الموحية، ويتشظى المعنى على أديم النص لخلق الدلالة النفسية في القارئ وهي إحدى مكونات النص الاساسية في نصوص مجموعته، فيغدو التشبيه في (تدمع الجهات..) ترجمة لما يقوله الجاحظ على وصفه للشعر (بأنه فن تصويري يقوم جانب كبير من جماله على الصورة الشعرية وحسن التعبير) فالصورة فجرت الطاقة الفنية للمفردة وزاد في اندفاعاتها الدلالية:

في كل مساء

فيما تدمع الجهات

وحيثما تشهر قلقاً

يقدم الأحياء

تذاكر المحطات البعيدة !

وفي مسعاه لإضفاء الغموض على بعض مضامين نصوصه والذي هو من أبرز سمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر، فقد أثار القيسي صوراً وعناصر متنافرة لا رابط لها في الواقع ودون أي توضيح ليلهب بذلك خيال القارئ تاركاً له المجال واسعاً للتحليق في المعاني بعد أن حقن الصور التي ابتدعها بطاقة لغوية أعانته على التعبيرعن مقاصده المبهمة في غربته ورحلته الطويلة وبشكل يخالف الصيغ المألوفة والتقليدية للقصيدة، لذلك فإنه عمل على تفكيك الألفاظ والتراكيب من مدلولاتها وأعطاها معان ٍجديدة للتفسير والتحليل:

إنه إبتداءٌ ... إنه رغبة

إنه وصول الى رحلة هاوية

يدخن في كل الساعات المتأخرة !

 

ولا يكتف القيسي بالتدخين في ساعات الليل المتأخرة مخترقاً ضباب وحدة الروح وغربتها فهو حريص أيضاً على الإطلالة من خلال النوافذ البعيدة، يدعو الغربة تنهل من نبع مبارك وهدنة مع المسافات الممتدة على مدى البصر لكن اليأس ينتابه من ومضة ٍ لقادم يجيد الصمت ويتآلف مع العتمة ..

كلم الأيام الى النوافذ البعيدة

ودع السفر الطويل يبارك البئر

فلم يعد حكم الهمس

يومض في الطرقات .

هكذا إذاً يدرك القيسي إن الرحيل الى المجهول له وجهه الآخر فيمضي في سعيه المحموم بلغته الغامضة ليطرح الواقع الاليم الذي يطفح بالاحساس بالقلق والإختناق إلا أن المعضلة تكمن في النهار الذي يشبث بالموجودات من حوله والذي لا يمضي باليسر المرتقب:

مرة أخرى

ليس الهواء أبداً

لم يعد يصلح الآن للإقامة

إنه لا يغادر ظله

حتى يسعل النهار

آخر مديحه !

إن الإحساس بوطئة التفرد والانقطاع عما يجري خارج الذات من مرارة وبؤس وخلل إجتماعي بيّن، يحث الشاعر على الرفض وإعلاء صوته وإعلان مشاركته الوجدانية والنفسية مع من يعاني من الحنين فينغمس في شواهد إستدعاءاته ويلوذ برمزية عناصر الطبيعة لكي يجسد طموحه الدؤوب نحو حل معضلة إغترابه الروحي وتجفيف وطأته:

وها أنا الباقي

أرفع صوتي شموعاَ

تطلع منها علاماتي

وتطلع مائدة بين المحطات

ترسل أشجان الكأس

إلى من يشكو الحنين

والى حلم.. والى أغنيات

لم أزل، أيتها الحديقة الفواحة

لا يلزمني غير غيمة وأمل.

لقد بدا واضحاً أن الشاعر تصدى لمعاناة الإنسان في مجتمعه وهو يجابه تحديات الواقع وأزمة الهوية وما يجري من حوله دائماً، وأدرك تماماً أن عليه إنتهاج فعل إرادي لتحقيق الحلم الآسر والتوق الى غدٍ يمور بالأمل وغيمة تبشر بيُمن وفير .

 

محمد حسين الداغستاني - كركوك

 

فالح الحجيةلم يسر الامويون على السياسة التي انتهجها الاسلام في القران الكريم (ان اكرمكم عند الله اتقاكم) وما سار الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم او الخلفاء الراشدون من بعده في تسيير دفة الحكم وامور الدولة .

فقد انتهجت الدولة الاموية سياسة التعريب وتفضيل العنصر العربي على غيره من اتباع الدولة الاسلامية التي اصبح في داخلها ومن رعاياها الفارسي والرومي والهندي والافريقي والاوربي والتركي ومن كل العناصر الانسانية الاخرى فكانوا يسمون غير العرب (الموالي) ويعتمدون العنصر العربي في كل مفاصل الدولة ويفضلونهم على غيرهم من الاقوام أي ان الدولة الاموية دولة قومية عربية فيقدمونهم على الموالي الذين ينظرون اليهم نظرة فيها نوع من ريبة وخشية ومذلة ولا يستخدموهم في شؤون الدولة الا النزر القليل منهم والذي لا يجدون عنه بديلا عربيا . لذا عزف الموالي عن وظائف الدولة وتحولوا للعمل في الحرف و الصناعا ت البسيطة كل بمعرفته لتلك الحرف التي كان يأنف منها العربي او يستهجنها ويعتبر العمل فيها عيبا .

ومن المعلوم انه نبغ في العصر الاموي او قال الشعر فيه عدد من الشعراء كثير . فقد ذكر ان عدد شعراء هذا العصر او من قال الشعر فيه قد تجاوز عددهم مائتي وخمسين شاعرا منهم المخضرمون الذين عاشوا في عصر صدر الاسلام والعصر الاموي وقالوا الشعر في كل منهما . وقد انتقيت في هذا الكتاب كما في العصر الجاهلي والاسلامي كوكبة من الشعراء فترجمت لحياتهم وقد شمل هذا الاختيار كل مناحي الحياة في هذا العصر وكذلك كل الفنون الشعرية وجئت بالافضل والاسمى في الاختيار فيما يخص الاشخاص والقصائد المقالة والاغراض الشعرية وانواعها .

وقد ادى هذا التصرف الخلافي الى ظهور التباغض والتناحر والكراهية بين العرب وبين العناصر الاخرى من المسلمين الاعاجم وخاصة الفرس , وقد ظهر هذا جليا في الشعر اذ ظهر شعراء من الموالي تعصبوا لقومياتهم وافتخروا بها ثم كانوا وبالا على العربية ومستقبلها كالشاعر الفارسي اسماعيل بن سيار الذي راح يفتخر بالفرس ويفضلهم على العرب .

وعلى العموم اتسعت افاق الشعر في كل مدارج الحياة في هذا العصر بعد ركودها في عصر صدر الاسلام الاول ويمكن ان نقول ان الشعر في العصر الاموي كان في بداية ثورته وبداية شدة غليانه .

وكان من الطبيعي ان تتوسع وتزداد الفنون الشعرية في هذا العصر بعد الانكماش الذي لحقها في العصر الذي قبله فقد طرق الشعراء في هذا العصر ابوابا فنية كثيرة في الشعر منها ما كانت موجودة في الجاهلية والاسلام فوسعوها واكثروا فيها . ومنها ما هو محدث وجديد ابتكروه تبعا لظروف الحياة وسعتها ومتطلباتها ومنها ما كان له اثر في الجاهلية و الاسلام فا ضا فوا فيه حتى جعلوه غرضا مستقلا قائما بذاته فمن الفنون التي اتسعت في هذا العصر:

الفخر والمدح : فقد توسعت فنون شعر الفخر في هذا العصر كثيرا لوجود التحزب واشتداد المنافسة بين الاحزاب من جهة وبين التعصب القبلي من جهة اخرى ايضا فتفاخر الشعراء كل بقبيلته او حزبه او مذهبه كما تفاخروا في الشجاعة والكرم وكثرة الاموال والاولاد ويتميز الفخر هذه المرة بطابعه الاجتماعي الجماعي وسلوكه جماعية الفخر وابتعاده عن الفردية ومن اشهر شعراء الفخر :

 

جرير والفرزدق والاخطل وقيس الرقيات ومن شعر الاخير هذه الابيات: 

خلق من بني كنانة حولي

بفلسطين يسرعون الركوبا

 

من رجال تفنى الرجال وخيل

رجم بالقنا تسد ا لغيوبا

 

وان قوم الفتى هم الكنز في

دنياه والحال تسرع التقليبا

 

اما في المدح فقد بالغ الشعراء متأثرين بالتيارات السياسية والتحزب و التعصب القبلي او الطمع والتكسب في الشعر لدى بعض الشعراء وخاصة شعراء خاصة الخلفاء وامراء الولايات الجديدة. 

والمديح اما حزبيا فيعبر عن رأي و عاطفة الشاعر بصدق اتجاه ما يحمل من افكار ومفاهيم او قبليا مدافعة عن عصبيته وقبيلته وفي كل تنبع العاطفة فيه صادقة تعبر عما يجيش في نفس الشاعر اتجاه الممدوح او من احب ومن ذلك قول الشاعر الكميت الاسدي في

مدح بني هاشم يقول:

بني هاشم رهط النبي فانني

بهم ولهم ارضى مرارا واغضب

 

فمالي الا ال احمد شيعة

ومالي الا مذهب الحق مذهب

وربما كان المدح عن طمع وتكسب فيكون الكذب والمخاتلة الشعرية واضحة فيه وغير معبر عن عاطفة صادقة خالصة ويكون التكلف ظاهرا فيه ومنه قول الفرزدق البصري مادحا الخليفة عبد الملك بن مروان:

ارى الثقلين الجن والانس اصبحا

يمدان اعناقا اليك تقرب

 

وما منهما الا يرجى كرامة

بكفيك او يخشى العقاب فيهرب

 

وما دون كفيك انتهاء لراغب

ولا لمناه من ورائك مذهب

اما الهجاء فهو ايضا فن توسع كثيرا في هذا العصر وقد تشعب عدة شعب او فنون ترفد كل فن روافد اخرى فكان الهجاء السياسي والهجاء المذهبي و الهجاء الفرقي الطائفي والهجاء التعصبي القبلي ومن الهجاء قول الاخطل التغلبي النصراني في هجاء الانصار:

ذهبت قريش بالمكارم والعلى

واللؤم تحت عمائم الانصار

 

فذروا المعالي لستموا من اهلها

وخذوا مساحيكم بني النجار

ومنه الصراع القبلي الذي ادى الى انقسام العرب الى يمانية وعدنانية وفيه يقول الشاعر الطرماح بن الحكيم في هجاء قبائل تميم:

تميم بطرق اللؤم اهدى من القطا

ولو سلكت سبل المكارم ضلت

 

ولو ان برغوثا على ظهر نملة

يكر على صفي تميم لولت

ومنه الهجاء الفردي الذي يظهر فيه العداء الشخصي للشاعر او المنافسة بينهم وقد ظهر لدى فحول الشعراء مثل الفرزدق وجرير و الاخطل ويتميز بتجاوزه حدود الهجاء التي كانت معروفة من قبل وربما تجاوز الاداب الاجتماعية التي كانت سائدة حيث يهجو الشاعر غريمه باقذع الكلمات واخسها مما لم تألفه العرب من ذي قبل وبذلك ظهر فن جديد سمي (النقائض) . من ذلك هجاء جرير للفرزدق:

خلق الفرزدق سوءة في مالك

ولخلف ضبة كان شر غلام

 

مهلا فرزدق ان قومك فيهموا

خورالقلوب وخفة الاحلام

 

كان العنان على ابيك محرما

والكير كان عليه غير حرام

 

مازلت تسعى في خيالك سادرا

حتى التبست بعرتي وعرامي

 

واما الرثاء بقي على ما هو عليه في الجاهلية والاسلام غير موسع الا انه ظهر فيه فن يكاد يكون جديدا هو رثاء الخلفاء والامراء والقادة واؤلي الشأن ولم يكن صادق العاطفة بل في اكثر الاحيان كان تقليدا طمعا في التكسب والمال الا ان بعضه ذو عاطفة صادقة فياضة ,عندما يكون المرثي ذا علاقة بالشاعر كالقرابة والصداقة فتشعر بحراة نفسه المتاثرة او المحزونة على فقد المرثي .

ومن اشهر شعراء الرثاء: الاخطل وجرير وليلى الاخيلية التي تقول في رثاء حبيبها المتوفي:

لعمرك ما الموت عار على الفتى

اذا لم تصبه في الحياة المعاير

 

وما احد حي وان عاش سالما

باخلد ممن غيبته المقابر 

والوصف رغم حدوث تطور كبير في كل مجالات الحياة فقد ظل الشاعر الاموي يصف ما وصفه شعراء الجاهلية مثل وصف الناقة والضعن والاطلال ومجالس الخمر ولم يأتوا بجديد الا انه وجدت ومضات وصفية جميلة لدى بعض الشعراء ومن الشعراء الذين اشتهروا بالوصف: ذو الرمة والاخطل يقول الاخطل في وصف الخمرة:

فصبوا عقارا في اناء كأنها

اذا لمحوها جذوة تتآكل

 

تدب د بيبا في العظام كانه

دبيب نمال من نقى يتهيل

ووجدت اغراض او فنون مبتكرة او لها اثر جاهلي فتوسع الشعراء فيها بحيث ا صبحت ا غراضا جديد ة منها الغزل .

يتبـــــــــع

 

امير البيــــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلـــــد روز