احمد الشيخاويالأجمل في الكتابة السردية، عموما، هو التخفف ما أمكن من الأسلوب المثخن بمثلبة إصدار الأحكام، لصالح الانخراط في عمليات الوصف المقنن، المراعي شرط التقشّف، بدل الإكثار الذي يشوه فعل تلوين أسطر المنجز السردي، نهاية، والأجدر، أن يشكّل فسيفساء وكتلة، وإن تنوّعت الأغراض والحمولات، في تعرية الواقع، وفضح المكنون.

ممارسة يجب إن تتيح لكاميرا الذات، أفقا أرحب للانتقال والامتداد، رصدا والتقاطا لنثار التفاصيل، توغلا في الهامشي والمقصي والمعطل.

السارد مطالب بأن يكون مخمليا في عبوره، قدر المستطاع، جانحا إلى قوالب تكثيف معاني رسالته، وأن تثرثر بياضات ما يبدع، نيابة عنه، فوق ما قد يتقاذف هو من مفردات، حري أن تلتزم بخطاب السلاسة والبساطة والميل إلى ما يثور نطاق القواسم المشتركة، ضمن حدود العملية التواصلية، برغم اختلاف مستويات الوعي عند التلقي، وتباين الأذواق.

يحاول المبدع المغربي الشاب ، المنحدر من مدينة زاكورة، عبر باكورته القصصية التي بين أيدينا، وقد انتقى لها عتبة ملهمة وغزيرة الدلالة ومفجرة لطقوس الطفولة البعيدة جدا، وحنين الذاكرة، في كائن تكفنه معاناته، ويدفع ـــ مجبرا ــــ ضريبة انتمائه إلى عصر التقنية الجائرة التي غرّبت الروح، ونزفت لها الإنسانية طويلا.

عنوان "النقش على الحجر"، أراه اختيارا موفقا، واش بعمق الرّسالة، وموسوعية الرؤية، مسايرة وتماهيا مع خطوط الإبداع الرمزي مهما تقنّع بواقعيته، إذ يوبخ عالم تجاوزات الملائكية والنورانية في هذا الجيل وهو يهادن سكرته، وتنويم مشاتل النبل والنضارة والهشاشة والجمال، في الأرحام، مقابل تأجيج أدوار أبالسة وأباطرة الفوضى والهدم والانتهازية والافتراس والتوحش، إيذانا بقيامة وانقراض وشيك.

هي تجربة انشطار إلى فصلين:

- صفحات الضربة القاضية، وتترعها باقة من نصوص، تراوح بين القصر والانخطاف الومضي، تزكي طرح كون حياة الإنسان المعاصر، غدت مجرد حلبة للصراع النفسي الداخلي، قبل أن تكون معتركا لمناورة ما ورثته إيديولوجيات القهر والاستعباد والريع الاقتصادي وتغيب الخطاب العقلي، وأسهمت فيه من مظاهر للتردي والتقهقر والانسحاق.

- ملف معاناة تترتب على ما قبلها، بحيث تخوض مشاهدها في مستنقع الأوبئة المجتمعية والسياسية و الثقافية.

تجريها إيقاعات في القص، تمتص عصارة اليومي، وتحتفي بنبض الشارع، على مستوى بيني، تتحاشى صياغاته الإنشائية والدفق التقريري المباشر، مثلما تحترز من ولوج فضاء الغموض و التعتيمات التي لا طائل منها.

من طقوس المجموعة نطالع المقطع التالي:

[عمي الروداني شيخ كبير متعب، ضعفت قواه فلم يعد قادرا على الحركة، كانت زوجته خربوشة العورة، تلفه في سلهام أسود وجلباب من الصوف، ثم تحمله وتضعه أمام عتبة باب المنزل الصغير، ليستدفئ كل صباح هاربا من قساوة البرد الذي يملأ زوايا وجدران الدار، ثم تغير مكانه نحو الظل، عند الظهيرة، حينما تشتد حرارة الشمس، اتفقت القبيلة في شخص الرايس دحمان، على جمع التبرعات لمساعدة الرجل وزوجته، وشراء الدواء الذي يحتاجه عمي الروداني، نمر عليه حينما كنا صغارا، فنجده على تلك الحالة، فكنا نشفق على حاله، وكنا نرى زوجته خربوشة العورة التي اختيرت لمساعدته والعناية به، وقد لقبت خربوشة بالعورة، لأنها لا ترى إلا بعين واحدة، لكنها مع ذلك كانت زوجة أمينة وحافظة لزوجها الروداني، صابرة لاتكل ولا تمل في العناية به، كانت امرأة طيبة تعاملنا نحن الصغار معاملة جيدة.فضلا عن عملها في صناعة الأواني والصحون من جريد وسعف النخيل، كنا نجدها كل يوم جالسة بجانب زوجها وقد جمعت الكثير من سعف النخيل، تتعهده بالتشذيب والتنقية ثم تقوم بصبغه، صباغة طبيعية متعددة الألوان، ثم تتركه في الشمس ليجف، فتنسج به أواني وسلال، بمهارة فائقة قل نظيرها، ثم تحمل ما أتقنت صنعه فوق رأسها، متجهة به نحو السوق، تبيعها لتساعد زوجها ونفسها بما قدرت عليه، فكانت مثالا للمرأة المكافحة والمثابرة].

تجدر الإشارة إلى أن الكاتب بصدد عمل روائي بوسوم " هواجس الضياع "، قيد الطّبع.

يستأنف مشواره الإبداعي بإصرار وإخلاص، لا شك، سيؤتيان ثمارهما، مستقبلا، وعلى كل، في اعتقادي، أحسب هذه الباكورة مؤشرا على إشراقات يلوّح بها أفق السرد العربي، إجمالا، شأو العديد من الأسماء الواعدة التي مثل حضورها الأول المطبوع قفزة نوعية، تنعش في معشر النقاد والقراء والمهتمين، على حدّ سواء، الأمل بغد مشرق في السرد، على نحو يحتفي بمنزلة رواد هذا الجنس التعبيري، ويعبق بعبورهم، الأحياء منهم كأحمد بوزفور متمنين له طول العمر والعطاء، أو سرب الراحلين المخلّدين في أدبياتهم كمحمد زفزاف ومحمد شكري، على سبيل المثال لا الحصر.

تلكم سردية استرجاع، تسرق من صفحات الطفولة، وتنهل من معجم الهشاشة والهامش، تكفر بالهيمنة المركزية، وكأنها تعدّ لاصطدام مخملي، براهن الإسمنتية والتخشب.

ترعى مثل هذا الطرح وتتبناه، ترويجا هذيانيا، تتنفسه الذات الساردة بسرية، أقساطا ومساحات كافية، يسهل معها امتصاص المعاناة في تركيبيتها وتشابك عقدها الاجتماعية والنفسية والعاطفية.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

 

ماهر حميدإنَّ صدور رواية (الهشيم) للروائي العراقي حسنين فلاح سيُمثّل نقطة من نقاط التحوّل المهمة في السرد العراقيّ بعد 2003م، ولاسيما بعد أن صدرت مجموعة كبيرة من الروايات العراقية ذات الطابع الإيديولوجي التي حاول من خلالها كثير من الكتاب الكشف عن ذات الأخر سواء أكان السياسي أم الديني. فجاءت رواية الهشيم مصطبغة بلون مُغاير لتسلط الضوء على بعض التابوات المُحرّمة والتوغّل في المسكوت عنه وبيان الوجه الأخر للحقائق الزائفة، في مجتمعاتٍ عرف عنها بأنها ملتزمة.

حاول الكاتب الكشف عن المسكوت عنه وبيان المقموع والبوح بما هو محرم بفعل الذات الجماعية والأنا العُليا التي لا تكاد تنعتق من هالة التقديس الزائف للآخر؛ نتيجة لهيمنته الدينية وتسلطه الإيديولوجي الذي يحاول من خلاله أن يبقى محافظاً على ما هو عليه.

وبفنية مميزةٍ تلاعب الكاتب بلغةِ السرد ووظّفها ليرسم الوجه الآخر للواقع، فهو يُريد من وراء عمله هذا أن يصوّر الواقع الاجتماعي، ولاسيما في البيئة الدينية وما بُنيتْ عليه الشخصيّات من ازدواجيات في نواحٍ عدّة ، وأن يسلط الضوء على خلفيات ثقافيّة باحثاً في المُضمر في الذات البشريّة التي تعيش في بيئاتٍ كهذه، بعد أن وجد نفسه طرفاً فاعلاً فيها.

عنون الرواية (الهشيم) أحد أهم الرموز في النصّ كونه يُمثّل تحدّياً كبيراً للآخر، والدليل إنه سرعان ما انهارت مركزيته سواء أكانت الدينية أم الاجتماعية وفقد مكانته السياسية بعد أن ظهر على حقيقته أمام الجميع " أنا أتحدث إليك ، وإلى كل شخص دخل عالم السياسة الفاسد هذا.. لكني ألومك أنت بالذات لأنك شخص متدين.. شخص تعتلي المنبر، وتنادي بالزهد والزهد بريء منك" الرواية: ص:173

هكذا ينكشف الشيخ تدريجياً الجميع وعلى يد أحد تلامذته  بعد أن يعمد السيد جواد إلى البوح بما هو مقموع وإظهار المسكوت عنه " سكت قليلاً السيد جواد ، تلعثم بالكلام، وهو يقول كلمته الأخيرة، وكأنه كان يطلق سجيناً من فمه ، فقال : أيّها المرائي.. أنت هو المرائي الذي تحدث عنه المختار الثقفي في خطبته الأخيرة .. أنت الدودة الصماء التي تسير على الحجر الأملس، أنت وأمثالك يرتدون عمامة رسول الله (ص)...أنا حزين جداً؛ لأن الناس لا تراكم على حقيقتكم ولا تعرف ما أعرفه أنا ولا يصدقون أي كلمة أقولها عنكم، يدافعون عنكم بشكل مستميت .. لا أعرف ما الذي يحصل؟ فبمجرد أن يراكم مواطن بسيط من الطبقة الكادحة في المجتمع سرعان ما يأتي إليكم راكضاً حتى يقبل أيديكم ويتلهف لسماع أي ترهات تطلقونها من فمكم حتى يصيغها قلادة ذهب، فيضعها حول عنقه!..."ص: 175، هذا ما قاله السيد جواد للشيخ كاظم، ولم يتوقف عند هذا الحد بل ذهب إلى أبعد من ذلك، محطماً كل القيود التي من شأنها أن تُبقي الشيخ محافظاً على هالة التقديس الزائف التي يتمتع بها ويمارس من خلالها أفعاله المشينة جرياً وراء شهواته الجنسية الشاذة " لكني متشائم جداً، فعندما رأيتك تتحدث قبل قليل وأراك مصدقاً لما تقول، ورأيتُ تأثر من حولك بكلامك، وهم يعلمون بأنك شخص فاسد !.. فإن كنت قد أتهمتني بصفة لا أملكها فأن أتهمك بصفة تملكها أنت ويعرفها الجميع أيّها اللوطي.."ص:175.

إذ يسعى الكاتب من خلال شخصية السيد جواد إلى التواطؤ مع نصه من أجل أن يلج إلى الواقع وكشفه عن طريق أحد أفراده ، فضلاً عن إن حضور الكاتب ضمنياً يُمثل عتبةً داخليّة يُمارس من خلالها دوره في سرد الأحداث فيشكل وجوده عتبة داخل نصيّة تضيء لِما سبقها من عتبات أخرى كعتبة العنوان الخارجي (الهشيم) والداخلي (ذكريات من طين) وما لها من علاقة وثيقة بما حدث بعد كشف ذات الآخر الذي سرعان ما انهارت مركزيته لتتحول إلى هشيمٍ لا يمكن معه أن يستعيد ما كان عليه سابقاً.

وهكذا استطاع الكاتب من الكشف عن عددٍ من الأنساق الثقافية السائدة التي تحكم المجتمع وأفراده بطريقة مستبدة، ولاسيما في البيئات الدينية التي تمثل رأس الهرم، وكيف إنها قد أصبحت من أكثر البيئات هشاشةً وانحرافاً ؛ نتيجة لِما أصابها من انحلال ديني، فيظهر لنا بشكل واضح اهتمام الكاتب بقضايا مجتمعه وما يعاني منه، والكشف عنها بأسلوب أدبي تمثل في نص روائي يمكن لنا أن نستشف من خلاله تلك العلاقة الكامنة بين الأدب والمجتمع.

كان لحضور الكاتب أيضاً صوره المتعددة التي أدّت إلى خلق ميثاق سرديّ بين العنوان الرئيس (الهشيم) وبين كثير من عناوين الفصول (خريف العمر، نسيان ، لحن الخلود، الصدمات ، المقاريض ، طاولة من جليد ، كلب بلا ذيل ، هذيان ، عصر التفاهة، ريشة من نار) الأمر الذي كشف عن تلك العلاقة الكامنة بين الكاتب وبين نصه من جهة، وبينه وبين المجتمع من جهة أخرى ، ولاسيما بعد أن وجد نفسه طرفاً فاعلاً فيه" إن كنُّا لا نجرؤ أن ننطق بما نخشاه ، فما الفائدة من بقيّة الحروف التي ننطق بها؟ ألِغرض التعايش؟ يا له من سخف ! فلو كان بيدي الأمر، لقصصت ألسن الجميع، وجعلتهم خُرس، ما أجمل أن تستلذ بنغمة الصمت وهي تدوي في العالم أجمع، لقد أمتلأ هذا العالم بالنميمة والكذب والبهتان والكلام الفاسق، فما الضير أن أُخْرِسُ جميع الألسن!.. ولو حتى ليومٍ واحد. علّ هذا العالم يتطهّر من آثامه وذنوبه، ما ذا لو كنتُ أنا الله!"ص:23

ولهذا نجد إنَّ هذا النص يكشف عن توجه الكاتب الإيديولوجي، إلى جانب ما يحمله كل عنوان داخلي من رمزٍ روائيّ بما فيه من حمولات متعددة تبعاً لتعدد وجهات النظر واختلافها على وفق تباين الشخصيات فيما بينها وما له من علاقة وثيقة بدلالة الأسماء متجاوزاً بذلك كثير من النصوص الموازية داخل الرواية، الأمر الذي زاد من التكثيف الدلاليّ عبر تعقيد الأحداث وتطوّرها.

وهكذا مثل تواطؤ الكاتب مع نصه ممارسة نقدية إيديولوجية تجاه الأخر الأمر الذي كشف عن وجهة نظره تجاه الواقع وما يحدث فيه من انهيار أخلاقي بدءاً من أعلى سلطة مركزية.

ملخص الرواية:

- تبدأ رواية (الهشيم) بسرد مُبهم عن شخصية دينية عبر الأحلام (الكوابيس) المرعبة التي كانت تراود الشخصية الرئيسة في الرواية (وائل)، والتي سرعان ما بدأت هذه الكوابيس تتوضح تبعاً لتفاوت لغة السرد وطبيعة الحوار بين الشخصيات المتصارعة سواء أكانت الشخصيات الرئيسة (الديناميكية)، أم الثانوية والهامشية التي أسهمت في بناء الأحداث وتسلسلها الزمني عبر لغة مكثفة تحتفي بالرؤى والأحلام، فضلاً عن طبيعة التشكيل السردي وما يتضمنه من دقة في توظيف الشخصيات وما تؤديه من دور داخل العمل الروائي، إذ بلغ عدد الشخصيات التي وظفها الكاتب في بناء روايته (40) شخصية.

- أما فيما يتعلّق ببناء الرواية فقد عمد الكاتب إلى هندسة البناء الفني للرواية بشكلها العام، الأمر الذي جعل من هذه الرواية عملاً فنياً ونقدياً لبيئة ذات طابع أيديولوجي وخطوط حمراء، ولكنه استطاع ببراعته الفنية وجرأته السردية أن يشكل طابعاً روائياً جديداً خاصاً به كشف من خلاله عن ذات الآخر ونقده للمركزية الدينية التي سرعان ما انهارت بعد تحطيم أنساقها الظاهرة وعرّى المُضمرة منها.

- وقد وظّف الكاتب أنواعَ البناء (المتتابع والمتداخل والمتوازي والمكرر، والتضمين والدائري)(1) محاولاً الجمع بين ما هو واقعي وما هو تخييلي (غرائبي)، ولكن نسق البناء المهيمن في الرواية هو الدائري؛ لأن الأحدث في الرواية تبدأ من نقطة ما ثم تعود في النهاية إلى النقطة نفسها. ولهذا يمكن القول إن هذه الرواية ما هي إلا معرضاً فنياً وفكرياً وأدبياً وسياسياً، وهذا النوع من الكتابة الروائية هو أصعب ما يكون على الكاتب أن يجمع بين كل هذه الأنواع أوالألوان الفكرية في عمل ابداعي واحد.

- أما بالنسبة لطبيعة السرد فنجد أن الكاتب قد اعتمد على السرد الموضوعي أولاً الذي يكون فيه الكاتب مُطّلعاً على كلّ شيء، حتى على الأفكار السريّة للأبطال " كانت الأفكار كثيرة التي راودته بعدما وضع رأسه على الوسادة لينام، لكن أكثر فكرة كانت تشغل باله هي كيفية تعامل هذه الأسرة مع الضيوف، إذ بدأ بالتساؤل بينه وبين نفسه..."ظ: ص:23 ، وعلى السرد الذاتي ثانياً الذي تكون فيه العلاقة متساوية بين الراوي، والشخصيّة؛ لأنّ الراوي في هذا النمط من السرد يكونُ مُصاحباً لشخصيات يتبادل معها المعرفة بمسار الوقائع(2)، وهذا ما نجده في هذه الرواية إذ أنّ الكاتب سرعان ما يترك المجال واسعاً أمام شخصياته لكي تقوم برواية الأحداث، ظ:32،33،43، كون هذه الرواية تعد من روايات الشخصية ذات البطل الإشكاليّ، ولهذا كان السرد الذاتي هو النمط المهيمن على البناء الروائي العام .

- وقلما أجد الكاتب يعتمد على العنصر التاريخي الحقيقي، ولم يتخذ منه مرتكزاً للأحداث الروائية الأمر الذي أوقعه في خطأ كبير؛ لأن اعتماد العنصر التاريخي في الكتابة الروائية هو أحد أهم المميزات التي ينماز بها الكاتب الناجح الذي يتخذ من التاريخ منطلقاً لأحداثه الروائية من غير أن يجعل من التاريخ قيداً يحد من حريته الفكرية في الزمكان، ولاسيما بعد أن يصور لنا الأحداث والشخصيات تخييلياً جامعاً بذلك بين التاريخ والتخييل، وهذا مالم يفعله الكاتب.

- اعتمد الكاتب في ترتيب أحداث الرواية بناءً على تصوير جمالي يلغي تتابع الأحداث الروائية وتسلسلها التقليدي في كثيرٍ من الأحايين مستعيضاً عنه بالتحريف الزمني الذي لا يلتزم بالتتابع الطبيعي في سير الأحداث وتواليها، بل يتصرف في ترتيبها تبعاً لغايات فنية وجماليّة وإيديولوجيّة يقتضيها السرد الروائي، ولاسيّما في بيئة دينيّة ومنغلقة مثل النجف التي يُقال عنها إنها بيئة محافظة، ولكن الرواية تحاول أن تثبت خلاف ذلك، وإنما قيل عنها بأنها بيئة محافظة ما هو إلا بسبب الغطاء الديني المهيمن فيها على كل شيء؟!

- وتقوم هذه الرواية على الاسترجاع بأنواعه سواء أكان (الخارجيّ، أم الداخليّ، المزجي)؛ بسبب عدم تطابق زمن القصة مع زمن القص، وهذا ما نجده في البداية والمنتصف والنهاية " فعلاً أنَّ النسيان أمرٌ غير إرادي، لكن أمي كانت تقول لي : يا لمى عوّدي نفسك ودربيها على النسيان..." ظ: 21 ، و90، و119، و179،211، و273، و354،258. الأمر الذي أدى إلى إحداث مفارقات سردية وخلخلة في الزمن الروائي الذي كان سيكولوجياً (نفسياً) منذ البداية وحتى النهاية، هذا فضلاً عن أنه متغيراً باستمرار؛ لأنه زمن مركب وهو متصل بتيار الوعي لدى الكاتب والقارئ معاً.

- أما الزمان في بداية كل جزء من الرواية فقد كان زماناً خالياً (اللازمان)؛ لأنه يفتقد للحركة نتيجة الحلم، الذي يفتتح به كل فصل جديد، ظ: 9، 123، 135، 245، 357. على حين جاء المكان مُتعدد الانواع بين المجازي الذي جاء مكملاً للأحداث، والهندسي الذي تعرضه الرواية بقدرة وحياد من خلال أبعاده كلّها، والمكان كتجربة معيشة داخل العمل الروائي وهذا ما نجده بشكل ملفت للنظر في هذه الرواية؛ كون المكان هو العنصر القادر على إثارة ذكرى الأمكنة عند الكاتب والمتلقي، ظ:10، 19، 146، 207، 247، 234، 359.

- وجاء الحوار متقناً إلى حدٍ ما، فضلاً عن لغته ذات الطابع الفلسفي، ولاسيما في الأجزاء الأخيرة وتحديداً في(المحكمة)،ظ:269، 283، 297، 317، 329، 337. ولكن ما يؤخذ عليه هو الإطالة في عرض الأفكار وعدم اختزالها.

- الخلاصة بتقنياتها الأربعة كانت متقنة نوعاً ما. سواء التي تخص تسريع السرد، أم التي تخص إبطاءه. في الختام كل هذه هي مجرد وجهات نظر لا تقلل من هذا العمل الذي قلما نشهده في وقتنا هذا، وما أحوجنا لهكذا أعمال روائية تعمل على كشف المسكوت عنه عبر سحق المركزية المهيمنة وأنساقها القارة، وتحطيم الغطاء الديني الزائف... أتمنى للكاتب كل التوفيق في حياته، ولاسيما الروائية منها؛ لأن "السرد بحثٌ عن الحياة" هكذا علمنا (بول ريكور)...

 

م.م: ماهر حميد

........................

مصادر الدراسة:

- الزمن النوعي واشكاليات النوع السردي، هيثم الحاج علي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت- لبنان، ط1، 2008، ص :

- الهشيم، حسنين الحسيني، آشور للنشر والتوزيع، العراق – بغداد شارع المتنبي،  ط1، 2019م.

- بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، حميد لحميداني، المركز الثقافي العربي، بيروت- لبنان، الدار البيضاء، ط1، 1991م.، ص :

- خطاب الحكاية ، بحث في المنهج ، جيرارا جينيت، ترجمة : محمد معتصم، وآخرون، الهيئة العامة للمطابع الأميرية، ط2، 1997م، ص:

- الوجود والزمان والسرد، فلسفة بول ريكور،

- معجم السرديات، محمد القاضي وآخرون، الرابطة الدولية للناشرين المستقلين، ط1، 2010م، ص :

 

 (نحن الذين لسنا فرسان الإيمان، مثل ابراهيم، ولا الانسان الأعلى، الذي يتحدث عنه نيتشة، لا يتبقى لنا، إلا مراوغة اللغة وخيانتها. وهذا التلافي والهروب، هذه الخديعة العجيبة التي تسمح بادراك اللغة خارج سلطتها، في عظمة ثورة دائمة للغة، هذا هو ما أطلق عليه أدبا).. رولان بارت٭

* آهٍ !.. مـا أَجمَـلَ الحُلُـمَ !..

آهٍ!.. كَـمْ تَعِبنـا مـن المنـافـي والقِفـارِ والجبـال ..

بالكتابة أُحاول تضميد جراحاتٍ تناسلت بداخلي،

دون شكوى أو إستفاضة بالشَجَن ..

فنحنُ أَخطاءُ "آبائنا "، نبحثُ عن صوابنا ..!!

يحيى علوان

غايتنا هي تقديم خطوات منهجية لدراسة نص" مطارد بين... والحدود "٭٭ للكاتب يحيى علوان انطلاقا من كون النقد كما تعرفه "دائرة المعارف البريطانية" على انه المناقشة المنطقية والمنظمة للعمل الفني وتفسيره وتقويمه.

تحدد تعريف النص سبعة معايير: هي التماسك الداخلي والاتساق والتقبل ومراعاة الأحداث والإخبار والتناص ٭٭٭. كما إن تّحليل النص يعني فصلَ مكوّنات النّص عن بعضها ودراسة أجزائهِ. إضافة إلى تقويم الوسائل التي استخدمها المُؤلّف يحيى علوان لإنجاز نصّه الأدبيّ.

يعتقد المؤلف بأن النص ليس:

- "كتابةً نادمة على ما فات، بل نَصوصاً مفتوحةٌ، صَبَبْتُ فيها شيئاً من نزيف الروح وما جفَّ من حبال الحنجرة..عُصارة ما جَنيتُه من خِبرةٍ حياتية متواضعةٍ .. أصبتُ فيها حيناً، وأَخطأتُ أحياناً .. لا هي رواية ولا هي قصة لا هي نصٌّ علميٍّ .. بمعنى لا مكانَ فيه للأستدلال أو التوثيق .. بلْ هي نصوص أدبية تَعرض لـ جانبٍ فقط من تجربةً شخصية، لا تنفي غيرها .. تُحاولُ إستقراءَ التجربة في جانبها "الفرداني" بعلاقاته مع "الآخر" قصدَ التكامل معه، وما يرشح منها في الوعي والذاكرة، لتكوِّنَ زُوّادةً لما بقي من فُضلَةِ العمر!..إنها كتابةٌ أدبيةٌ، فيها هَمسٌ وبَوْحٌ موجوعٌ، حتى وهي تصرَخُ أحياناً !.. نصوصٌ مُؤثَّثة بلغةٍ غير مُستهلكة، لا علاقة لها بلغة الفاست فود الثقافي !... Food Food الذي يملأُ سوقَ الكتاب " نصوصٌ تشتغلُ على اللغة، تَتَجرَّأُ على التابوهات، وأولها التابو السياسي / الحزبي، الذي كانَ مُهاباً .. فيها مُساءلةٌ لتلك التابوهات عن شرعيتها إزاءَ حريةٍ جرى إكتسابها بمَشَقَّة!..

فقد إنهارت فينا "المرجعية"، التي كانت تؤطِّرُنا، تُنَظِّمُ العالمَ من حولنا .. تزودنا بموقعٍ وهويَّة، مقابلَ أنْ نتخلّى لها عن رأينا الشخصي !.. تحطَّمتْ، وغدا كلٌّ منا " مرجعيةً " لذاته، معيارها الصدقية .. ذلك أنَّ التجربة قد غَمَرتنا، سَحَقتنا، فَرُحنا نمشي على " لَحمِ أسنانا "، مما لم نتعوَّد عليه من قَبل !.. وحينَ غَيَّرتنا (التجربةُ)، رُحنا نُقطِّرُ الأسئلةَ والشكَّ، بلْ ولَجنا عالمَه، فلم يَعُدْ بمقدورنا تصديق ما يُروى لنا. صِرنا أمامَ سؤالٍ مِلحاحٍ كيفَ نُغيرُ التعبير عنها أو نُحيطَ بها كفايةً لنهظمَ ما أَلمَّ بنا..

ونحوِّلَها إلى مِلكٍ لنا، وليسَ لـ" المرجعية "!.. إلى معنىً جديدٍ مُيسَّرٍ لحياتنا، كي نتعرَّفَ على ذواتنا لِنُدرِكَ كمْ تغَيّرنا، كيفَ .. وإلى أينَ نحنُ سائرون !.."

تعيد تقنية الإبداع خلق عملية الحياة مشروطة فقط بتلك الظروف الخاصة التي يتطلبها فن الأدب. فللأدب قواعد وتقاليد نشأت خلال ممارسته الإبداعية، قادت إلى طريقتين في التعبير عن دلالة الصورة الأدبية :

- واحدة توظّف دوالّها وفقاً لطريقة «التعيين»

(و)

- ثانية، توظّف دوالها وفقاً لطريقة «التضمين»

ويفسر رولان بارت العمليات الدلالية التي تُنْعَت عادة بلفظي التعيين DENOTATION بالمعنى المباشر الحرفي ويعني في الأدب عادة استعمال دلالة اللغة بطريقة تدل بها على ما تقوله والتضمين.CONNOTATION بالمعنى الثاني الإيحائي. ويعني في الأدب عادة استعمال دلالة اللغة بطريقة تدل بها على غير ما تقوله. ويحدث التضمين عندما تصبح نفس العلامة، الناتجة عن علاقة بين الدال والمدلول، دالا على مدلول جديد، أي المعنى الثاني الإيحائي.

ويبين نص "مطارد" كيف يجمع المؤلف بين التعيين والتضمين في تركيب مميز ويوظف أسلوبا سرديا متنوعاً، لدرجة أن الناقد العارف لا يعود يميز بين التعيين أو التضمين، لأن الاثنين يصوغان شعرية مبتكرة تبدو كما يقول جون ليفنجستون لويس : " أعط كوليردج كلمة واحدة مفعمة بالحيوية من حكايات قديمة، ودعه يمزجها بكلمتين في ذهنه مترجما (المصطلحات الموسيقية إلى مصطلحات من الكلمات ومن ثلاثة أصوات) فانه لن يصوغ صوتا رابعا وإنما سيصوغ نجماً!".

ومع إن عملية السرد في أي نص، مهما كان جنسه أو نوعه، تنتج في الغالب من حصيلة جدلية للطريقتين، أي حصيلة تركيب فني من ما هو شعريُّ ومن ما هو نثريُّ أو العكس، لكن تبدو لنا إن عملية التركيب بين عناصر السرد الشعري وعناصر السرد النثري قي نص "مطارد بين... والحدود " مركبة من نوعية خاصة، مميزة وفريدة. وكما يعتقد المؤلف فأن نصه بمثابة نَصوصٌ مفتوحةٌ :

- "لا هي رواية ولا قصة ولا هي نصٌّ علميٍّ ... أي لا مكانَ فيه للاستدلال والبَرهنة أو التوثيق ... إنما هي نصوص أدبية تَعرض لـجانبٍ فقط من تجربةً شخصية، لا تنفي غيرها. ... "

وإذا ما عدنا الى الوظيفة الشعرية كما عرفها رومان جاكبسون فيمكن ان نفهم أن البعد التعبيري في النص يهيمن عليه التضمين وبالتالي يتأسس على وظيفة شعرية، تهدف إلى إرسال رسالة كما لو أنها بمثابة غاية لذاتها. وكما لو إن ذات متلقي الرسالة هو في الغالب ذات من يرسلها.

يحضر المرسل في هذه النصوص، بقوة، بحيث لا يكون فقط ضمير المفرد بالضرورة. بل يؤلف ما يسميه المؤلف مركزية "السارد"... في نص يجري فيه التعبير عن "الكل " في لغة نص...نص "قاموسٍ شخصي "ينحت في اللغة ، ولا يوجد إلا في اللغة، ويظل مقصورا من إلفه إلى يائه على اللغة وحدها، فهو ليس سوى لغة ذات:

- "جديدة مُجربة، لديها ما تقوله عن تجاربها بلغتها الخاصة، غير"البائتة"، لُغةٌ لا تُدوِّرُ المعاني المجردة والماهيّات الثابتة، بلْ تستولدُ أسئلة جديدة وأدوات تفكير جديدة بغيةَ بناءِ هوياتنا العامة والفكرية، على مسؤوليتنا وإنحيازنا، لا وُفقَ ما تراه " المرجعية "! لُغَةٌ تعتمدُ أدواتٍ وأشكالاً تعبيرية أقلُّ " إنضباطاً " من الأشكال المألوفة، التي لا تنسجمُ مع حُرقَةِ التجربة الشخصية المُعاشة ! وبالتالي فهي كتابةٌ ليست هاربةً من التفاصيلِ والصراع، لا تُولِّدُ معنىَ جديداً .. يَحتملُ أَنْ يُفضي إلى الإنعتاق ... بل هي كتابةٌ عن تجربةٍ ساخنة، لا تعتمد "الأذنَ"– دونَ إذلالها !– بل"العين" الرائية، إلى جانب عينٍ داخليةٍ، تُنظّمُ ما ترى وتُحوِّلُ

"المحسوسَ" إلى "معقول" مصدراً أساسياً للكتابة . فقد دخلَ " الجسَدُ " في الصراع وتعرّضَ إلى ما تَعرَّض، وجرى إكتسابُ وعيٍ آخر .. كَسرَ القوالب اللغويةَ الجامدةَ والمُحنَّطة، التي تُراوغُ عن المساءلةِ، و"تتَعفَّفُ"! عن تسميةِ الأسماءِ بأسمائها .. تستعيض عنها بالتعميم والمُداوَرَةِ، والكلام، الذي لا يقول شيئاً مُحدَّداً ولا يتناولُ أوضاعاً محدَّدَةً بعينها في زمانٍ بعينه ومكانٍ موصوفٍ بعينه ... قوالبَ لغوية عمومية، لا تُناقِش أو تُحاور، لا تنتفضُ على " التابو "، وبذلك لا تُغادرُ "المرجعيةَ" المَصونة، التي لا "تستعمرُ" الخبرةَ حسب، بل حتى اللغة .. وتحتكرها لنفسها فقط !!"

إن تحليل النص إلى وحدات مستقلة متساوية القيمة أو تسلسلها المنطقي في مركبات – حسب يوري لوتمان - يقدمان المعايير التي تسمح باستخلاص المستويات الملموسة لبناء النص. فبعد القيام بتقطيع النص إلى وحدات قرائية متجاورة متفاوتة الحجوم أو الأحجام، يتحول فيها النثري إلى شعري، ويعيد سرد الأحداث الواقعية أصلاً، بحيث تتحول إلى أحداث يردها خيال فني هاجسه النحت في أسلوبية شعرية، تكاد تكون مهيمنة في كلية النص. وعلينا، كما يتطلب النص، أن نحاول تبيان كيف تُشكل وحداته المستقلة أسلوبه التعبيري : بحيث يتطلب تأويله استنباط القواعد التي تحكم تآلف وتنظيم تياراته السردية، انطلاقاً من أن النص يشكل وحدة كلية مترابطة الأجزاء، جمله تتبع بعضها بعضا، وفقا لنظام سديد ، بحيث تسهم كل جملة في فهم الجملة التي تليها فهما معقولا، كما تسهم الجملة التالية في فهم الجمل السابقة بشكل أفضل . وهذا يبين ان الجملة ليست وحدها التركيب الذي يحدد المعنى، إنما يتحدد المعنى أيضا من خلال النص الكلي الذي تتضامن أجزاؤه وتتآزر، لأن بنية الكل شيء آخر غير مجموع الأجزاء . فالكيان المنظم يتكون من أجزاء يرتبط ويعتمد بعضها على بعض والقصد ان تشترك جميعها في النًسج، لتصبح العلاقة بين الكل والجزء علاقة مشحونة بالمعاني.

وعلى الرغم من كثرة الأساليب المستخدمة في النصوص الأدبية، يبقى المهم هو دور الكاتب المبدع، الذي يقوم بإعطاء أسلوب الكتابة معنى، وجمالاً، من خلال نصه الذي ينسجه عبر اللغة .

تهتم الرؤية السردية باستخراج قواعد داخليّة من الأجناس الأدبية، وتوجيه أبنية النظم واستنباطها أيضاً؛ بالإضافة إلى تحديد كافّة السمات والخصائص التي تتسم بها الأعمال الأدبيّة. كما هو متداول فإن هناك أشكالاً ثلاثة مستقلة للسرد " هي:

أولاً : نوع سردي متسلسل، يقوم في الأساس على نظام خطي واضح وواقع ضمن تصور للزمن ، يعتمد السارد فيه على التدرج في وقوع الأحداث فيقوم بسرد الحدث الأول ثم الحدث الثاني والثالث، وهكذا حتى نهاية الأحداث .

ثانياً :- نوع سردي تناوبي، يحكى بواسطته عدداً من القصص المتناوبة فتبدأ قصة، وتتلوها أخرى، ثم تعود القصة الأولى، ومن ثم العودة إلى القصة الثانية مرة أخرى،

ثالثاً:- نوع سردي يقوم في الأساس على مخالفة التسلسل المنطقي، والخاص بوقوع الأحداث، ويعتمد على تقنيات كتابية متعددة مثال الحذف، و التلخيص، و الاسترجاع، و الوصف...

يستخدم النص الأشكال السردية الثلاثة بشكل متداخل غير مألوف ومبتكر.

وينطلق المؤلف من ماذا حدث حقا في الواقع، وكيف يسرد تلك الأحداث في النص..

تسرد الأحداث في النص في الزمن الحاضر خطيا، لتتولد منها حكايات، يطلق عليها تودوروف " توالد الحكايات" وهي ظاهرة سردية خالصة ميزت " ألف ليلة وليلة "، وشكلت سرديا حالة خاصة من الترابط في نص "مطارد" . ففي كل مرة تظهر شخصية في رحلة السارد تتوالد فيها تجربته في حكاية جديدة، كذلك يأتي سرد أحداث من الماضي – استرجاع : فلاش باك- أي عودة للماضي، مع تعقيبات حوارية مباشرة للسارد على شكل تناص، ففضلا عن الهوامش، التي يصل عددها الى (68) هامش والى 4402 كلمة تَتغذّى كتابتها من مخزونٍ المؤلف الثقافي والفكري، مما يعمق من التناص ويضيف لمتنه معلومات ضرورية عن المكان والأشخاص والأساطير والتنظيمات السياسية و: سيجد القاري - حسب قول المؤلف - في المتن تعابيرَ وإحالاتٍ إلى أشخاص وكتّاب من مختلف القارات، والأزمنة وضعتها بين قويسات، توخياً للدقّة، وما تستلزمه الأمانة.

ــ بعض الأسماء ترد بصيغة "أبو فُلان.." ليس تصنُّعاً، إنما لأنني أجهل أسماءهم الحقيقية فعلاً. فحيثما كان متوفراً لي معرفته وضعته بين قوسين !..

أمثلة:

- نَتَـذكَّـرُ أَيـامَ غُـربَتِنـا هنـاك، يـومَ كُنَّـا نـرقُصُ فـوقَ الحقـائب سـاخِـريـنَ مـن سـيرةِ المنفـى، ومـن بـلادٍ سـوفَ يهجُرُهـا الـحنين...

نُـردِّدُ مـعَ بريشت:

" لا تَـدُقَّ مِسـماراً فـي الحائط،

إرمِ مِعطَفـكَ علـى الكرسـي،

فأنتَ عائـدٌ غـداً !.. "

أو في الهوامش:

قولٌ للجواهري الكبير: " لو في يدي لَحَبَستُ الغيثَ عن وطنٍ مستسلمٍ وقطعتُ السلسلَ الجاري .. بيعَ الدراهمِ باعوا وإشتروا وطني فكلُّ عشرةِ أميالٍ بدينارٍ "

أو:

كـانط:" يُمكـنُ لنارِ جهنمَ أن تحرق كـلَّ شيءٍ فيكَ، إلاّ ذكـرياتِكَ وأمنياتِكَ، التـي لـم تَتَحَقَّقْ !.. "

ومع إن النص - حسب بارت - نسيج من الاقتباسات تنحدر من منابع ثقافة متعددة، لكنه يرى أن الكاتب يتمتع بالقدرة على اختيار العناصر التي يوُلف فيما بينها . أي إنه يوُلف فيما بين اقتباسات لا يقدمها كذلك ويعرضها دون وضعها بين اقواس.

كيف؟

يقدم الناقد الدكتور صبري الحافظ، بتحوير طفيف، تعريف جوليا كريستيفا التَّنَاصُّ ٭٭٭ بأنه " جمل من المعارف التي تجعل من الممكن للنصوص ان تكون ذات معنى وما ان نفكر في معنى النص باعتباره معتمدا على النصوص التي استوعبها وتمثلها، فإننا نستبدل مفهوم تفاعل الذوات بمفهوم التناص ". وهو ما يشير إلى علاقة بين نصوص مسبقة ونص جديد، يتداخل معها ويحاورها ويتفاعل معها، و"تتقاطع في فضائه أقوال عديدة من نصوص أخرى، مما يجعل بعضها يقوم بتحييد بعضها الآخر ونقضه " . إن مثل هذا التصور للنص جعل كريستيفا "تقترح رؤية نقدية جديدة، تؤكد انفتاحية النص الأدبي على عناصر لغوية، وغير لغوية (إشارات ورموز) متجاوزة بذلك التصور البنيوي .".

إضافة إلى ذلك فأن التناص هو ايضا مفهوم إجرائي يساهم في تفكيك شفرات النصوص ومرجعيتها وتعالقها بنصوص أخرى. فاني أعود بدوري الى رواية "أرض البشر" التي هي أيضا كنص "مطارد" من فنون السيرة الذاتية، يروي بها "سانت اكزوبيري " خلال قيادته لطائرات البريد الجوي عبر صحراء شمال أفريقيا، ومن تلك التجربة يستمد سيرته الذاتية وتتعرُّف على نفسه من خلال تصرفاته أمام ما يصادفه من تحديات ومخاطر، تصل إلى ذروتها عندما يحكي عن نجاته بأعجوبة بعد تعطل طائرته في الصحراء."

وكأن سانت أكزوبيري يتحدث عن مصيره الشخصي في تلك الصحراء لكنه في رواية "الأمير الصغير " يقول على لسان الامير الصغير : "للناس نجوم يختلف بعضها عن البعض الآخر، فمن الناس من يُسافر فتكون النجوم مرشدات له، ومن الناس من لا يرى في النجوم إلا أضواء ضئيلة، ومنهم من يكون عالِماً فتصير النجوم قضايا رياضية يحاول حلها، ومنهم من يحسب النجوم ذهبا، وهذه النجوم على اختلافها تبقى صامتة، أما أنت فتكون لك نجوم لم تكن لأحد من الناس". وهكذا هو أمر مؤلف "مطارد"، فأنه في مراوغته للغة يحاور نجوما بعيدة، لا يصل ضوءها للناس، لتكون مرشدات له في محطات رحلة الضنى الطويلة، علهّا ستصيرُ، بلغته الشعرية : نجـومـاً، تُزيدُ ضوءَ السماء !.

يكرس يحيى علوان 65 صفحة لوصف الصحراء في فصل "حينَ يغدو المُؤمَّلُ كميناً !"

رَملٌ .. رَملٌ، ثُم رملٌ .. فرملٌ..

على إمتدادِ النظر .. وما خَلفَ تُخـومِ المـدى..

لا شيءَ غيرَ الرملِ .. حتى ما وراء السراب،

وحيداً يتَمَطّى في عُزلَتِهِ..

رَملٌ يقضي العُمرَ يلتحِفُ برملٍ،

رَملٌ يرحلُ.. ورملٌ يأتي، بُروقٌ ورُعودٌ من سحابٍ عاقِرٍ...

مُوحِشٌ هـذا الرمـلُ..

ضَجِـرٌ يبحثُ عن ظِلِّه، ومُضجِرٌ هذا الرملُ الأخرَس .. يعجزُ، حتى عن إرجاعِ صوتِ كَعبٍ عالٍ، تَتَلَهَّف إليه مسامعي، تَتَلهَّى به مُخيَّلَتي، تَرسِمُ قِواماً مَلائكيَّاً فوقـه !.. كانَ (الرملُ) يُمَنّي نفسَه، أَنْ يتَوَزَّعَ في ساعاتٍ رمليّةٍ .. ولَمّـا أَدرَكَ عَبَثيَّةَ الفِكرَةِ، سَقَطَ في كآبَـةٍ أَبَديَّةٍ، لا خَلاصَ له منها، إلاَّ بالتآخي مع الريحِ، تَذْرُوه، تركلُه .. تَسحله وراءَها، أو تسوقُه أمامها، حيثُ تَهـوَى !..

..........

نَسيَ الزمانُ أَنْ يَمُرَّ من هنـا، كلُّ شيءٍ بقيَ على حاله .. رَملُ !..

الرملُ هوَ الرملُ .. حيثُ تَتَصحَّرُ اللغةُ، فَتَتَهَدَّلُ،

قَحطٌ بَصَريٌّ .. تَتَوَحَّشُ فيه طِبـاعُ البَشَرِ،

يَنِشُّ برائحةِ رِيبةِ الظُلمَةِ ورَعشَةِ القَلَقِ والتَرَقُّبِ..

والرَملُ، فوقَ هذا وذاكَ، يَشحَذُ الحواسَّ كالنِصـالِ!..

رَملٌ وكثبـانٌ بلونِ النحاس، تُزيدُ الشعورَ بلظى الصحـراء..

هِيَ بحـرٌ نعبره بقاربٍ مكسورٍ، زادُنـا بَوصَلَةُ وجَعٍ،

مأخوذينَ .. نَنْزَعُ عن الكَلِمَ كلَّ حروفِ النَفيِّ .. نفتحُ نوافِذَ الرهبَةِ، نُصغي لِهَمسِ العواصفِ الملعونَةِ، نَتدثَّرُ بأعاصيرِ السؤال..

ونلتحِفُ بجبالَ الرعـد ..(...) لا صوتَ في الصحـراء، ولا صريرَ .. سوى ثَرثرَةُ ريحٍ تَلثَغُ، فَتُصفِرُ في صِوانِ الأُذنِ .. فالريحُ عباءةٌ، لا أحد يرى أَلَمَكَ وسط هذا الرمل / العذاب، حتى الصدى إلتهمه الرملُ. صمتٌ يُصِرُّ الآذانَ، تروحُ معه تسمعُ أَنفاسكَ فتفقدُ حتى حِسَّ التعاطفِ مع نفسك !.. والسماءُ حُفرَةٌ فارغَةٌ مخيفةٌ تُوَلِّدُ الرهبَةَ، تُطِلُّ ضاحِكةً بمكْـرٍ من عَلٍ .. والرملُ، غَيبٌ محفوفٌ بالريبـةِ أو الكَمَـأ .. رُغمَ شَكّي الكبير في أَنْ تكـون هذه الأرضُ قد حَمَلَتْ ذاتَ يومٍ كَمَـأً !... فحتى السحابُ هنا خُلَّبٌ !...

لا بابَ لهذه الفَلاة .. مُشرَعةً للريحِ تدفعني إلى منفىً مستديمٍ، لو أَفلحتُ في النجاةِ مما تُخبئه لـي ..

وحيدٌ أَنا، ولا أَحَدَ يبكي عليَّ إِنْ مِتُّ هنـا، وبانَ ما إستبطنتُ من أسرارٍ!..

لا حَجَرَ يتخبّى خلفه الحَجَلُ،

تُرى أيّ طائرٍ سيحطُّ فوقَ جثتي إنْ نَفَقْتُ تحتَ هذه الشمس اللئيمة!..

........

يومَ كُنّـا صغاراً، قبلَ أَنْ نَتعلَّمَ فَكَّ الحرف، حينَ لَمْ نكُنْ نعرفُ لُعَبَ الأطفال، كُنّا نتحايَلُ على البنّائينَ، نملأُ الجيوبَ وحُضنَ الدشداشة (الجلاّبية) ونَفِرَّ هاربينَ كالشياطين، بما سرَقناه من رملٍ .. فَرحانينَ، نفرشه في الصينية، أو على صفيحةٍ معدنيةٍ، نصنعُ منه تشكيلاتٍ من بناتِ خيالاتِ الطفولة .. ولَمّا نَملّ منها، لا نلبثُ أَنْ نُطيحَ بها، قبلَ أنْ تُغنّي السيدة فيروز

:" بكتُب إسمك يا حبيبي عالحوْرِ العتيق..،

بتكتُب إسمي يا حبيبي عا رملِ الطريق .."

(...)

مفيستو ينقُرُ على كتفي مُعابثاً:" ما دُمتَ تشكو من الوحدة، لماذا لا تبحثُ عن أشباهِكَ الأربعين كي تصيرَ علي باباـهم ؟!.."

لَـنْ أّشكو من تَعاسةٍ تَغمُرُني برعايتهـا !.. لَـنْ أَلتفِتَ إلى ظِلّـي الحزينِ، يكنِسُ خَطوي ورائي، يَعرِجُ صامِتاً في دروبِ الرملِ..

مثلَ ذئبٍ مصابٍ بالحُمّى، أَتبَدَّدُ داخِلَ وَحشَتي،

سأَرمي ذاكرتي، جُبنَةً لفئرانِ النسيانِ..

وسيتشظّى الهـواءُ عندَ تُخومِ فَمـي، نَسِيَ الكلامَ، كلّما زَمَمتُه وهَمَمْتُ..

فلا حاجةَ الآنَ للكلام !.. لأنَّ " الضروريَّ " يأتي غَفلَـةً، دونما تخطيطٍ !..

خَسِئتَ، أيها الرملُ اللعين، أراكَ تَتَلمَّضُ بقَضمِ ساعاتِ عمري، لكنني لن أستسلم، فلديَّ الكثيرُ ممّـا لم أُنجزه بعد!..

ولديَّ وعدٌ، مَزمومٌ على نفسهِ، بالعبورِ إلى الضفّةِ الأُخرى..

أكرهُ الرملَ، وأَدري أَنه كُرهٌ غيرُ منطقيٍّ !.. لكنه يُذكِّرُني، غريزيَّاً، بصهاينةِ العُربِ في "الجزيرة شبه العربية "!.. من ملوك الرملِ، سلاطين الرملِ وأُمراءِ الرملِ !... (...) تَحَرَّكَ "مُنقذي" بدراجته النارية، وأَنـا أَحتظنُ خاصِرَتَه من الخلفِ. كنتُ جاهزاً، إلاّ قلبي، يَستبطِنُ الريبةَ والشكَّ !.. والريـحُ مُهرَةً جَموحٌ .. ما أنْ تَركنا الشريطَ الحدوديَّ، وَلَجْنَـا في جَوفِ الصحراء .. تاهَتْ عليَّ الإتجاهاتُ، لأنَّ

" صاحبي " لَمْ يَسلكْ خطّـاً مستقيماً .. صار الرملُ من أَمامنا، ومن خلفنا رَملٌ !...

وينتهي فصل الصحراء بحوارٍ مع أحد المُهربين، يقول فيها :

 

فهذه الصحراءُ كبيرةٌ لا تَحُدها إلاّ رحمَةُ الباري عَزَّ وجَلْ .. قد يحاوِلُ البعضُ، طَلَباً للرزقِ، إجتيازَهـا بمفرده أو بوسائطَ، لا تَنفَعُ في هذا المكان من أرض الله .. سيموت ولا يجدُ مَنْ يواريه التُرابَ .. ويكونُ فريسَةً سهلةً للضواري، فتَظلُّ روحه هائمَةً في الصحراء .. وهو ما لا يجوز، لأنه حَرامٌ !.. فأنْ خَرَجتْ الروح من الجَسَدِ، لا يبقى منه سوى قشرةٍ يَغزوها الدُودُ والنملُ، بعدَ أَنْ تنهشه الضواري والعُقبانُ..

نحنُ من المحظوظينَ، فقد وَهبَنا الله هذه الدَواب، وأشارَ إلى الدراجة الناريةِ، وأنتَ محظوظٌ أيضـاً، إذْ دَلَّكَ علينا، وإلاّ كُنتَ وقعتَ بأيدي مَنْ لا يَخافُ اللهَ .. كانوا سيقتلونكَ ويَنهبونَ، حتى ثيابَكَ، ويتركونَكَ طُعمـاً للضواري !.. "

يتم سرد النص في تيارات ثلاثة :

تيار تعبير شعري يجمع في بنيته، عناصر سرد شعرية، تكون طاغية

- يـومَ صُحبةِ "ماسِ السماءِ" نَحوَ أرضِ آشورَ سَرَيْنَـا،

كان القمرُ وردة من فِضَّة تَتَفَتّحُ على مَهلِها خلفَ الجبل،

حَكيمٌ عند بوّابة آشورَ، أَسَرَّ لَنـا :

" أنصحكم أَنْ تقطعوا أوردةَ الزمـان عن شُجيراتِ أَعماركم ...

فهذه أرضٌ طاردةٌ لأهلهـا، سَتُبَدِّدُ أَحلامَكم ... لأنهـا تَتَهيأُ لِمَـا

سيأتيها من هُبوبِ الهَبَـاء، وتَنْصِبُ خيامَـاً للنواحِ وللحنين،

خُـذوا معكم ما يكفي من الذكـرى، زُوّادَةً، تحتاجونها عمّا قريبٍ

في القحطِ الزاحِف عليها ..!

* تَعِبنا من الموتِ .. من "حضارةِ" الموت، من إعلامِ الموت .. من مُثَقّفي الموت،ونياشينِ الموتِ.. ونُصوصِ الموتِ..

*  نحنُ مُشَرّدو اليوتوبيا، هَرَبنا لما بعدَ السماءِ السابعة !.. نجهَشُ بالنورِ، كي لا تَستقيمَ                          الخطيئةُ، فيَهلَكَ البيانْ .. لأنَّ هناكَ مَنْ يُصرُّ على تَدْجينِنا كي ما نكونَ "قَنوعينَ"، نكِفَّ عن

"النَقْ ..!"، وعن محاولةِ إقتحامِ " السماءِ بقبضاتٍ عارية "..!

لَمْ يبقَ أمامنا، غيرَ أَنْ نُلَملِمُ ذؤآباتِ طيوفِنا، نُرمِّمُ المرايـا، مُكسَّرَةً، بعجينة الـ" خيّاط فرفوري" حتى لا ننسى مَنْ نحنُ، وكيف كُنّا..

عزاءٌ يتيمٌ .. حيثُ لا مرسـىً في خَبَلِ العاصفة !..

تيار تعبير نثري يجمع في بنيته، عناصر سرد نثرية، غالباً ما تكون مهيمنة، إلى جانب عناصر سرد شعرية مُكملة.

- قبـلَ أنْ نصلَ طهـران بحوالي ساعةٍ ونصفِ الساعة، توقَّفَ الباصُ فجأةً عند حاجز للتفتيش تابعٍ لما يُسمَّونَ بـ "حرّاس الثورة ".. صَعَدَ شابٌّ بوجهٍ ريفيٍّ، كَـدَّه التعَبُ والسَهَرُ، بسَحنةٍ خشنةٍ، تحنُّ لكفٍّ من المـاء.. راحَ يتفَرَّسُ في وجوه المسافرينَ، ويَتَشرَّبُ سَحناتِهم، أو هكذا درّبوه، يشيرُ بيده إلى رجلٍ طويلٍ يجلِسُ في الصفوفِ الأماميةِ أَنْ يميلَ جانباً لِتَتَسنّى له رؤيةُ مَنْ يجلسُ وراءه !.. يتسارعُ النبضُ، وينطُّ القلبُ مثلَ سنجابٍ مَفزوعٍ .. كأنّي أَحسبُ أَنهـم يبحثـونَ عنّي !.. أَروحُ أَتَحسّسُ الهويةَ المزورةَ وكذلك إجازةَ المقاتِلِ!..

يتخـاذلُ الوقتُ في جَرَيانـه، فَيُزيـدُ من عذابِ لحظـةِ الترقُّبِ، المشنوقَةِ تحتَ خيمةِ الليلِ..

تيار تعبير نثري تقريري مباشر:

- لَفَّني دُوارٌ، تقلَّصتِ المسافاتُ .. ظننتُ معها أنَّ الجدران تكاثرَتْ وراحت تنهارُ نحو الداخل مثل صندوقٍ من الكارتون..

أرجعني ذاك الشعور إلى غرفة في سطوحِ " فندقِ الأَعيان" بشارعِ المتنبي في بغداد، كنتُ إستأجرتها بثلاثةِ دنانيرَ ونصف (ما يعادل آنذاك 10 $) في الشهر عندما كنتُ أدرسُ في الجامعة، حتى مغادرتي العراق في أواخرِ عام 1969. لم تكن تلكَ الغرفة / القِنْ تَتَسِعُ لأكثر من سرير .. وطاولةٍ صغيرةٍ من الفورميكا، وضعتُ فوقها غراموفون، إستَعرتُه، حينها من إبن خالتي، مع ثلاثِ إسطواناتٍ " حلاّق إشبيليه"، "بحيرة البجَع" و"شهرزاد ".. كَبَسَني مسؤوليَ الحزبي، ذاتَ ظهيرةٍ قائظةٍ، لمّا زارني على غيرِ موعدٍ، يحملُ مجموعةً من المنشورات الحزبية السريّة.

إنتقدَني / قُلْ وبَّخني على "سلوكي البرجوازي الصغير بسماعِ موسيقى غربية!.." حاولتُ حينها إقناعه بأنَّ الموسيقى غذاءٌ للروح مثل الكتاب .. لم يقتنع، أصرَّ على أَنَّ سلوكي

" برجوازي صغير لا يتماشى مع السلوك الشيوعي .. كذا"

 

 

يبدو هاجس الحال السردي في بنية النص كما يقول فال انكلان : "تعسا لمن لا شجاعة له على الجمع بين كلمتين لم تقترنا أبدا من قبل". فالسرد ينحت كتابته بلغة للتأمل : لُغةٌ لا تَتَبرَّأُ من الخيال...لغة تتوسَّلُ كل ألوان الكتابة، وتوظف الصورة والإشارة والتلميحَ والرمز وحتى الدُعابة، إلى جانبِ دفقٍ من مَجازٍ وعفوية:

- لا مَنـارةَ، تتَحرَّشُ بِخاصِرةِ السماءِ، فينفرِطُ منها عقدُ نُجيماتٍ ..

لا مئذنة فوقها يحطُّ لَقلَقٌ، يتدفّأُ بالأَذانِ، ولَمّا يعودُ بعدَ عامٍ، يجهَشُ باكيـاً حنيناً لبقايا عِشٍّ كانَ لـه في زمانٍ رَحَلَ ..

أمْ أنه لللَّقلَقِ أعشاشٌ أُخَرٌ في أماكِنَ أخرى .. أمْ أنه يسكنُ خَفقَ جناحِه، يَتوسَّدُ حَجَراً لَمّـا يتعَبُ..؟!

يتناول نص "مطارد بين ... والحدود * " محطات رحلة ضنى للكاتب استمرت لستة شهور بدأت من كردستان العراق إلى غرب إيران ثم إلى طهران ومنها إلى مشهد فالمثلث الحدودي بين إيران وباكستان وأفغانستان، حيث وقع في كمين لحرّاس الثورة، وتمَّ زجه في السجن بكرمان، ليهرب بتدبير رشوة ويتابع مسيره على الأقدام، بركبة معطوبة وعصا، في العبور إلى أفغانستان ... إلى هِراتْ، حيث تم حجزه في بيت تابع للاستخبارات العسكرية الأفغانية وجرى تحريره وبعد أسابيع ليتابع السفر إلى كابُل .. ومن * كابُل إلى ألما آتا (كازاخستان ) وموسكو ,اخيرا إلى برلين الشرقية / مقر إقامة عائلته.

ستنتهي، إذن، رحلة الضنى في موسكو أخيراً : وسيحلَّ موعد السفر !..

أتيتُ من تيـه، لأدخلَ في تيـه !..

ودَّعتُ أبا مخلص " الرفيق عبد الرزاق الصافي عضو المكتب السياسي .. ولمّا لاحظ ما كان يعتريني من قلقٍ، قال : روح، وشوف !..

خلّيك مفتوح على كل الاحتمالات !.. المهم، تشوف بنتك أولاً .. والبقيّة إلها حَلاّل !.."

أُغادرُ موسكو إلى برلين متوفِّزاً .. دون فرح، كنتُ أرعاه في الجبل.!..

 

بقلم: قيس الزبيدي

...............

٭ رولان بارت، درس السيمولوجيا، ترجمه. بنعبد العالي، دار توبقال للنشر 1980

٭٭ يحيى علوان " مطارد بين ... والحدود " دار الفارابي بيروت 2018

٭٭٭ عبد الوهاب شعلان . لسانيات النص. مكتبة الآداب القاهرة 1923

٭٭٭٭ د. صبري حافظ . أفق الخطاب النقدي دار شرقيات للنشر والتوزيع القاهرة 1996

 

انعام كمونةلنص الشاعرة التونسية فاطمة محمود سعد الله / بعنوان /نوافذ مشرّعة على البحر

مقدمة: لا شك أن لكل شاعر خصوصيته وهو يتأمل بمنطلق فكري معرفي رؤيوي. ولكل واحد تصورات فلسفية تختلف في آفاقها الاجتماعية والثقافية والتاريخية وحتى الدينية والسياسية. تصورات يستحضرها بإدراكه الذاتي، حينما يدخل متاهات الروح بصفوة تأمل ونقاء تصوف تحمله رؤى ظواهر الكون، فيغدو مغردا بكينونة لغة متميزة تنبع من عمق الوجدان، وتتفاعل مع سياق إحساسه وتذوقه، لتمد العقل الخلاق بتصور شمولي، يتحرر به من ضغوط الواقع فيملأ خيال حريته بمطلق الاشتهاء ...

- ومن المؤكد أن الشاعرة فاطمة سعد الله تلاحق مأوى الخيال الممتد لمنتهى المدى تستلهم من جوهر الطبيعة صيرورة رؤى لتقتنص ضالتها المبتغاة لدلالة المضمون بطاقة فكرية تدب في الشعور واللا شعور، تشرع نوافذ رؤياها برهافة أدبية- فلسفية، متبحرة .. متأنية بقدرة معرفية مدعومة باختصاص لغوي وأدبي يعود إلى تكوينها ومهنتها التدريسية وخبرتها الوطيدة وموهبتها الشعرية فتعبر بفلسفتها عن غاية شعورية بتقاربات رمزية من وحي الوجود مجسدة رؤياها بلغة باذخة الإيحاء بروح إِنسانية رقيقة عذبة البوح شفيفة التوهج ...

- وبما أن اختيار الكلمات يعتمد على المتخيل لإيحاء القصيد فالشاعرة فاطمة سعد الله تنتقي وحدات النص برؤية فلسفية ملتفعه بيئة الحواس، تغزل رموزا من كينونة الطبيعة كظاهرة دلائلية لما تود أن تشير المعجميات من صوتٍ ومعنى وعلامة ودلائل يطغي وجودها في نسق النص، تتآلف وتختلف فتتشابك لتشي بالفكرة، مثل اختيارها مفردة صوتية رائعة مثل رمزية البحر، ويذكر الدكتور أحمد غنام (أهتم علماء الأنثروبولوجيا كثيرا بدراسة الرموزلأن الأنسان وحده الذي ينفرد بالسلوك الرمزي وبالقدرة على استعمال الرموز والتعامل عن طريقها)*1، فللرمز صوت ومعنى داخلي يصدح في الفكر والقلب كيفما يكون له من الأثر والتأثير بما يعني ظاهره وباطنه لإيحاء المضمون، وما يدل عليه أنه ذو أثر نفسي مترسخ في ذات الشاعرة والتي تبث فيها حواس الخيال وتحرك وجدان الشعور لديها بذهنية غامرة الإحساس بتصويرها الشعري، تزاوج صفاته الطبيعية أو تنتزعها كليا أو جزئيا للخوض في مدى غير نمطي وصياغته بخلق جديد غير مألوف لأستخدامه في اللغة الشعرية بما يغني النص ويثري السياق عمقا وتوسعا مع طبيعة الرمز ...

- ويعتبر الرمز من العناصر المهمة في النص الحديث، وقد أشار الدكتور أحمد غنام لتعريفه، (إن تعريف الرمز أو تحديده أمر ينطوي على بعض العناء والمشقة، لأن الرمز بنية مركبة تركيبا خاصا يشكل منصة الحضور الأنساني في التعبير الخاص عن معنى خاص بلغة خاصة، ولذلك كل محاولة لتعريف الرمز ليست إلا نوعا من المجازفة الفكرية لأنه لا يعدو كونه محاولة الأقتراب من معنى الرمز أكثر مما هو دخول في حقيقته )*2 ...

- وفي تقديري المتواضع للرمز ضمن حدود فكرة الشاعر: إن دلالته المعجمية في اللغة مع دلالته الشعرية هي بؤرة الأيحاء في النص وزبدة القصد الهلامية، على أن لايكون موقعه في نسق النص عشوائيا لإتقان وجوده في إضفاء المعنى العميق وبهذا أن يمزج دلالته الجوهرية عند الشاعر بحالته النفسية وإحساسه العميق ليوصل المعنى وليظهر فلسفتة الأدبية ومكنوناته الروحية بخياله الابتكاري ليبثه الى المتلقي باسلوب مميز وماتع متوهج بلغة فنية، وهذا ما يميز فاطمة سعدالله وسماتها الأدبية الرائعة في انتقاء الرمز استعارة مكثفة القصد بليغة البيان لتوصيل الفكرة، لما له من أهمية في أسلوب وبناء النص الحديث للتعبير عن مكنونات مختلفة حسبما تبثها لمضمون ما، وتبنى عليها حقيقة الموضوع فينطبق مع قول الفيلسوف الأديب أحمد غنام عن الرمزية (فتبدو في حقيقة الأمر توحيدا بين الوجود المطلق والشعور)*3 وقد تطرق الكثير من الشعراء لتوظيف رمزالبحر لبث متنوع من الصور النفسية والأجتماعية والفلسفية، والسياسية والدينية، لا اتطرق لها للأطالة ...   

- عمدت إلى نص شعري مميز الفكرة بتضمين رائع لسيمائية حديثة متوج بعنوان (نوافذ مشرّعة على البحر)، فرمزية البحرتتمثل في ما توحي من سمات ميتافيزيقية الخيال، ووجود تاريخي ببايولوجية تراثية استدلالية التصور، وتناغم حيوي الدلالة في رؤى الشاعرة لسيرورته الأحيائية المعالم مقارنة بمعاني الحياة على الأرض ببيئة مختلفة، وبتشكيل غير استقراري متغير المناخ ومساوقٍ زمنيا لأي تأثر وانفعال روحي يحرك خلجات الشاعرة لمقتضيات الموضوع الرؤيوي ...

- قد وظفت الشاعرة معجمية البحر بلغة إيحائية أكسبتها صفة غير مألوفة لإيعاز الدلالة فتفردت باستخدامها بلغة شعرية مبتكرة التميز، ومنه نستدل للبحث الدلالي ميزة متفردة للفكر الخلاق وعالم معرفي متنوع برحاب سيمة روحية الهيمنة بثراء دلالي، تطوعه بسلسبيل الفكرة تقلبه كيفما تشاء من معنى ومغزى لتلقفه الأثر والمبتغى،، تبوح به صور خلابة الأسرار وتكتمه جرح المعاناة فهو الحقيقة والوهم في واقع الخيال، لذا ارتأيت ان تكون مقاربة لرمزية البحر ودلالاته المختلفة في نصها الآتي على ان لا نبخل على بقية الرموز ومن ثم أعرج لأستقراء ما يطيب من استقطاف جميل نصها واستنطاقه ...

 - العنوان / (نوافذ مشرّعة على البحر)منه نستدل لمستوى إجرائي يشير إلى تقنية مجاز بصيغة جمالية وعذوبة تعبير بتشكيل بنيوي متناسق، يخبئ في طياته دلالات متعددة توحي بمعنى الظاهر وبعد باطني بتشكيل انزياحي حركي يمهد لبناء دلالي للفكرة بدراية وخبرة الشاعرة لتثبت تفرد خصوصية ثيمة (البحر) بكيان مكاني تحيلنا على دلالة استهلالية لقصدية النص،  فالبحر رمز مكاني بواقع وجودي غامض والذي يجذب الشاعرة لإدراكه واستكشاف ماهية وجوده، له دلالات عديدة من التاثيرات النفسية والتصور الجمالي ومصادر الحياة في البعث والموت لذا نتوسم منه احتمالات لدلائل أخرى تتشعب في أفق المتلقي، ولنبقى في تأويل الدلالة وتفسيرها فيما يعنيه بحدود رؤيا الشاعرة في قصدية النص...

- من تركيبة العنوان ونسق البنية ورهافة التصوير تلاحقنا متعة الفضول الاستقرائي بلذة المتابعة ويتلوها السؤال :متى تشرع الشاعرة نوافذ رؤياها ؟ وبأي وقت تشرق أبجدية فلسفتها لفضاء التأمل لتبحر تيارات الشعور بأشرعة الأحاسيس ؟، وهذا ما يحثنا على التطرق إلى مستوى إجرائي يقحمنا في مدار الزمن، إذ أن لمعجمية (نوافذ) سمة الإيهام بعدم تعريفها وألحقتها الشاعرة بصفة (مشرعة)، فنزوعها للتنكير لعبة حاذقة فنيا باللغة ومؤثرة ذهنيا تستفز القارئ بأبهار غامض فيبحث عن حدود زمن يفترش البحر على مصراعي الرؤى لتأمل الشاعرة والمعطرة حروفها بولادة فكرة ما...

- كما نستكشف تناغم رمزية (البحر) بشفافية المعنى وغور الدلالة مكان عابق بالسِحر الخلاب متلون بدلالة ما تنقله الأحاسيس في ذهنية القارئ / والمتلقي وكما يقول هيغل بفلسفته عن التفاعل مع الجمال والفن ((..هو الصورة الحسية الأولى التي تتجلى فيها الفكرة))، فللبحر جمال استثنائي عميق الخبايا شاسع الاِمتداد كمداد الحروف يهفو في غمر الأحاسيس رمزية هيبة باعثة للتمعن بتوبوغرافية دال متقلب الهواجس يثير ذهن المتلقي فيطرق أبواب رؤياه ببعد خيالي ليعكس اجتياح الفكرة وما ضمرت بقصدية الشاعرة بدلالة معرفية والاِنتشاء بما تتناوله ذبذبات التأويل للتواصل والاستمتاع، فالشاعرة تشي بمدلول متنوع الصور متفرع الإشارة فتطالعنا عيون الدهشة لاستقرائها بلذة نهمة ...

- النص/ وقبل الغوص للبحث عن لآلئ الأعماق يراودنا سؤال آخر، هل تلك النوافذ التي تطل منها الشاعرة فاطمة سعد الله روحيا وتعانق بحر تأملها بصمت وسكون تكون سيرة ذاتية حقيقية لولادة نص يشمر عن حروفه ليبلغ شهقة الحياة !؟ وهل للنوافذ زمن معين لتغلق؟ ...

- ولنرويَ فضولنا ومتعتنا فلنطل مع الشاعرة ونبحر معها من نوافذ رؤياها،  إذن سنتابع صيغة فلسفية لرؤى الشاعرة بأبجديات تأمل بصور متسلسلة ترسم دورة حياة كيان نصي بمنحى صوفي رؤيوي يرتقي بالنفس البشرية إحساسا وتذوقا للتأمل بطابع ذاتي يعبر عن الأنا المنعتقة من محاور الذات المادية محلقة في مدارات الخيال الوجودي بمحاكاة النشوء والتكوين ...

- ابتدأت الشاعرة بزمن معين لتصرح بموارد الجواب فتسرد لنا من تلابيب النص بــــــــــــ            

عندما تشرّع السكينةُ نوافذها على البحر

تخلعُ القصيدةُ غلالةَ التكتّم

تنزلُ بدلاٍل نحو الزّرقة المشفّرة برذاذ الكلمات

تداعب الشمسُ المملّحةُ عنقَها البلّوْريّ الناعم

تدرجُ قدماها نحو اللانهاية الزرقاء

كحمامة تجمّع الدفء للزغاليل... و

تطير الفرحةُ العنقاءُ

لتحطَّ على كتف القصيدة المدلّلة الخجولة

يقترف البحر غواية الهمس

يضعُ ذراعه الوثير

على خصرها الجفولِ ...

فتستكين

 - استهلال زمني بــــــــــ (عندما ) تجيب الشاعرة عن تساؤلاتنا بظرف زمان يحدد متى تفتح نوافذ تأمل الشاعرة وبأي مكان والذي يدعوها لتسترق الرؤى من رموز أحد مرافئ الطبيعة الأكثر غموضا باسراره الكونية المتعارف عليها، فتعتكف سكينة التفكر بارقة طيف لتنسج من رمز البحر نبض تأمل بوجدان صوفي الإحساس، فتكرارمعجمية البحر من الوهلة الأولى في الصورة الشعرية بديل استعاري لرفد صورة العنوان بالدلالة الرمزية، فترسم لنا مستوى اجرائي رصين الإشارة حيث لا ينفك العنوان عن عتبات النص بل وحدة من أجزائه بآصرة تجمعهما لتأكيد الدلالة والاستحواذ على سعة جمالية بصرية للصورة الشعرية المنتقاة مع إضفاء تداولية واقع المعرفة لعملية التأمل المتواري التي تجتاح الشاعرة فاللغة والأدب والرؤى بحر للتراكم المعرفي ...

- نستقرئ نزعة السرد بسلاسةِ المفردات وعمق التعبير أدى إلى جمال الوصف بلغة عذبة المجاز تنبض بفنية جمالية وخيالية بارعة الإضاءة تتسع لتوقيت التأمل بسعة التفاعل الحسي ورمزية البحر، تدخرها مخيلة الشاعرة ببديهة منطقية تلفتنا الى مدى تعلق وذوبان الشاعرة في تفاصيل بيئتها ومحيطها لتعطي ملامح لولادة الفكرة أولا في قرارها المكين، فحريّ بنا أن نستشهد بقوله تعالى (ثم جعلناه نُطفة في قرارٍ مكينٍ)*4 فالبحر أفق إحالة لتحفيز نشوء الفكرة وإيحاء روح التأمل، وبما أن النطفة أول التكوين فالنشوء في مهد تغلغله لصياغة القصيد بلملمة الحروف على مهل الرؤى ...

- وحين تفرد السكينة نوافذها على مدى البحر تتقد الرؤى في محراب الفكر الخلاق وتغترف من مداد البحر الإيحاء لكتابة قصيدة نثرية تراود خيال الشاعرة وبمقدرة لغة غنية متنامية الغوص في دلالات البحر تطل الشاعرة على ساحل رؤاها تنتزع غلالة صمت الحروف فتسري غواية الشعر لتدوين فكرة فلسفية تجتاح الرؤى بروض التأمل ليبدأ مخاض النشوء، فرمزية البحر أيضا اشارة تاويلية لفضاء الرؤى الشاسع وإحالة على منحى العطاء اللامتناهي لمداد الشاعرة و حروفها...

- ومنه نستدل مستوى إجرائيا لصورة شعرية فنية رقيقة معطرة برائحة البحر ببلاغة تشكيل واستعارة مكنية مبنية على التصور للبعد الرمزي بقدرة تعبيرية وانزياح تركيبي حركي بتكثيف وتناغم مترف يدعو المتلقي إلى التأمل وما يستنبطه من تأويل ...

-كما اِجتمع في الصورة الشعرية عنصرا الزمان والمكان وتوظيف استعارة التضاد بينهما بتجانس شعوري تتزحلق من دهاليز التخيل بدفقات شعرية الوعي أو اللا وعي بإيحاء وفاعلية إحساس نفسي للحظة التأمل ولا عجب في الاِندماج مع رموز الطبيعة وهي عاشقةُ البحر نشأت بين فيء البساتين واغترفت لؤلؤ الرمال كمحارة تستنشق نسمات الأرض لتشرق حروفها بلمعان الموج ...

ولنتابع لؤلؤا آخر في رحلة الرؤى...  

تنزلُ بدلاٍل نحو الزّرقة المشفّرة برذاذ الكلمات

(تداعب الشمسُ المملّحةُ عنقَها البلّوْريّ الناعم)

- وبصورة رائعة الجمال تشي بخطوة نشوء حيوية تبث روح المتعة بتدرج لحظات ممتزجة الحقيقة مع الخيال تتفرد بجمال رؤى لشاعرة تتضح بعبارة فلسفية التكوين حسية الوجود رائعة البوح تقودنا الشاعرةالى رحم غزِل الحروف لاستكمال رحلة النشوء في أفق زرقة البحر، فحين تنبت بادرة الفكرة في روض الخيال يطل جنين حروفها بدلال وغنج يستنشق روحه من مشيمة البحر فتنمو الى علقة حروف تتماهى على عتبات نص تسبح في مدى( الزرقة المشفرة ) دلالة رامزة باذخة الوصف توحي لنشأة الحروف فوق زرقة السطور الممتدة بامتداد زرقة البحر، ومن ثم تتنامى عناصره الأخرى بإيحاء المعنى ودلائل القصد، استهلال لمخاض عتبات النص بتأمل فكري ...

- وبتأويل دلالي آخر للصورة الساحرة المكتنزة المعنى فالمداد بحر يستمد لونه من زرقة الطبيعة من سماء وبحر، نلاحظ عبارة (الزرقة المشفرة) تستفز القارئ بغموضها فيبحث عن زرقة الطبيعة ويطرق أبواب معرفته ليستلب منها المضمور في خفايا اللون وما تعنيه الشاعرة، يغرق في التامل سابحا في ملكوت الزرقة، فيسترجع الهامه ليوقظ الكثيرمما تشي به من تفسير وآخر من الخفايا البعيدة الدلالة وتلك متعة لا تستكين الا بالمتابعة لخاتمة النص تزيد اللهفة ...

- وقد نعتمد مستوى إجرائيا مذهلا باختيار الشاعرة رمز اللون الأزرق لإثراء الصور الشعرية بدلالات عدة فالزرقة طبيعة وجود تغني فضاء التأويل عند المتلقي وتحلق بمناخ الفكرة لأي زرقة يختار؟ إيحاء بزرقة البحر أم السماء، زرقةالمداد أو السطور، أو زرقة أخرى تحاكي متعة تأمله فتبزع براعة الشاعرة الفذة في أختيارها الرقيق من الأصوات والعميق من الأيحاء، وهي متعة متجددة تنعش الشعور بدلالات عديدة ...

 - وأما معجمية (المشفرة) والتي تحيلنا على جنين الحروف وضبابية طور التكوين، اليس للكائن الحي فترات نمو من طور إلى طور، فما زالت الشاعرة فاطمة سعدالله تستجمع حروف رؤاها في مسار التأمل، وصف جدا رائع ودقيق ومناسب مضمخ بظواهر الطبيعة البشرية وفطرة الوجود بمحاكاة زمن النشوء، فتتفتح في أفق القارئ / المتلقي مدارات الخوض بدلائل متنوعة كما تهوى نفسيته في لحظة القراءة الماتعة وما يشعر حينها بما يحيطه من فكر لخلق تراتب المعنى وأي طور بتصوره، ولهذا تشي للمتطلع والباحث دلائل متنوعة كما يرتئي بغوصه فيكشف المستور من الخبايا كي يمزق غلالة الغموض وينعم بالاكتشاف المريد ...

- ولنتابع ولادة الحروف بمرحلة أخرى وباستعارة رائعة ترفدها الشاعرة بصورة شعرية مبتكرة العذوبة تتوهج بروعة الأنزياح الدلالي وعمق تكثيف حين تقول(تداعب الشمسُ المملّحةُ) هو استشراف الحروف بطيب عذب التأمل تستذوقه بجزالة الترحيب (فالشمس) رمز لزمن طبيعي التوهج بشروق نهارجديد (سيمائية حدث لولادة نص)، وغد يجدد دفء الحياة بأمل وتفاؤل، ورمزية جديدة تبعد الرتابة عن القارئ وتزيده شوقا للمتابعة، وحتى لا تنفك الشاعرة عن أنهمار دفقات الشعور، تربت الرؤى بلمسات أم حنون وتداعب الحروف بدفء التأمل، وهذا ما ينم عن الرضا الذاتي بقناعة اقتدار أديبة بادواتها الشعرية المختمرة الخبرة لرسم لوحة فنية شعرية بتوظيف عناصر مهمة وتفعيلها في بناء اسلوب النص، من استعارة وتشبيه وترميز وغيرها ولنكمل من تداعب الشمس وبماذا؟ ...

- نستوفي الجواب من جزء استكمال الصورة الشعرية الجذابة (بعنقها البلوري الناعم) تشبيه لأستهلال الحروف حين تتوهج أعتاب النص، فالشاعرة تتغزل بجمال وليدها الجديد والمتوقع بثقة عما سيكون عليه من بهاء وروعة بصورة شعرية رائعة الجمال وعذبة الوصف مكتملة المعنى متراتبة الترابط بمرحلة أولية لانهمار الحروف هاقد تحول الجنين الى علقة في رحم التكوين وهذا سيرورة نشوء لمخاض الحروف في طور التكوين، وقد استحوذ الزمن على تسلسل أطوار النشوء والمكان رموز من الطبيعية خلق بيان التضاد متزامن لمدار الرؤيا بطريقة شعرية مختلفة بمهارة نسقية وبراعة تخيل ومستوى اجرائي رائع لصورة شعرية مكتنزة بالمحسنات البديعية بحس شاعري، باستعارة مكنية تبعث التأويل على مدارات الفكر الأستقرائي بمستوى معرفة القارئ بمتعة التجديف بين ثنايا الجمال ليكتشف البعد الغائر من المعنى فيستبطن الدلالة بمستوى تأويله الثقافي وتفسير ما يستطيب من وقفاته الأدبية ومراجعه المعرفية ...

 

- ولنكمل مراحل النشوء لرؤيا الشاعرة فاطمة ...

تدرجُ قدماها نحو اللانهاية الزرقاء

كحمامة تجمّع الدفء للزغاليل... و

تطير الفرحةُ العنقاءُ

- وبطاقة إيحائية تؤولها عذوبة الرؤيا وإلهام الخيال نتسلل إلى صورة شعرية جميلة بانزياح دلالي راقٍ هو (تدرجُ قدماها نحو اللانهاية الزرقاء) نستدل ما زال جنينها حيز النماء تسشعر به بإحساس كيان طبيعي فطري، اذ لا يختلف بولادته عن اي كائن آخر في الوجود ففي الصورة الشعرية الباذخة التميز والمتآلفة التدرج للأيحاء بالفكرة والمتممة لبنية الأنساق لعمق المضمون برهافة أسلوب وبدلالة التأويل ما زال النص يحبو النشوء فالحروف أصبحت (مُضْغة) تتمهل خطوات وليدة على مداد الزرقة صورة حقيقية لطبيعة ولادة كائن حي بفيض التأمل ينتظر التنفس من رئة الشاعر ويجري بشريان رؤاه ...

- ونستذكر تأويل اللون في الصوره الشعرية السابقة (الزرقة المشفرة) ونشير لتكراره في (نحو اللانهاية الزرقاء) جمالية رؤى بمنظومة فنية معتمدة أفق التخيل تأكيدا لنوافذها المشرعة على رمز الرؤى (البحر) وإشارة للأستعانة بلون البحر قصدية تحرك نواة التفسير والتأويل عن القارئ مما يدل قوة ترابط الفكرة للتركيز على إيحاء المضمون مع تماسك الأنساق وجميع الصور السابقة بمعمارية متراتبة التنظيم الأفقي والعمودي ...

-وفي الصورة الشعرية (كحمامة تجمّع الدفء للزغاليل... و) نطوف مع رمز حي آخر تتحفنا به الشاعرة بدقة متناهية القصد ورقة أحساس بذكاء شاعرة متمرسة الحرف ببلاغة جمع الأستعارة والتشبيه، هو رمز (كحمامة) التي تنبع بالشعور المطلق بتشبيه حرية بدأ الحياة، فحرف (الكاف)تشبيه صريح وبيان لغة، و(الحمامة) مدلول رمزي للسلام ومنبع الأمومة بتفاصيلها الطبيعية ومكمن وجود وحضن الأحتواء، وبما يحمل من عمق دلائل نستشف من باطنه دلالة وجدانية على وشك اكتمال توالد لأبنائها الحروف تتمثل برمزية الزغاليل، وهانحن على أبواب نضوج القصيد بوجهة رؤى الشاعرة وفلسفتها التكوينية، بدلالة تأويل كيان يحاكي عظمة خلق البشر، فالزغاليل حروف الشاعرة، إشارة تنفس تلابيب النص للحياة رامزة للسعي نحو التجدد والاِنبعاث الوجودي، مؤطر بدفء الأنوثة والاِحتضان الفكري للمعرفة الأدبية عبر الدفقات الشعورية الرقيقة، والتأويل باتجاهات عديدة يفتح مدى التفسير لنا وينفخ في روح الدلالة عدة استجابات ومداليل، فرمزالحمامة ممكن أن تكون هي الشاعرة فاطمة حين تستمد رؤى فلسفية لحروفها الزغاليل تلملم عناصر النص بروية لمسيرة خطوات الخلق، فترحل لحياة رؤياها لتتهيأ لمخاض الحروف بحماس فلسفي ومقدرة شعرية لاحتواء رموز رؤياها ونسجها في عنوان وعتبات القصيدة لخاتمة تتنفس الصعداء لآخر نقطة من بحر الرؤى ...

- ومن ثم تروج لنا ببياض الفكرة استراحة فرضية لفكر القارئ وليتمطى ذهنه في انطباعات خياله لينال من شاعريته المعرفية وتثاقفه الفلسفي وما أحدث الاِستكشاف من أثر فني ليستنبط من رؤياه بما يود ان يبحر من بصيرة التأويل لظاهر الدلالات والغور في بحرها المتلاطم بفسحة أنفراج فلسفة ذاته وفق بنائه الذهني وإيحاء التأويل بمدار طاقة الرؤى وما تحدثه من عمق استقرائي فتتبعها ب (واو عاطفة) لاستمرار الحدث في حيز فلسفة الرؤى واستكمال رحلة النشوء ...

- وبرحلة التأمل منعطف آخر تلمح به الشاعرة بعلامة سيميولوجية أخرى فتنحو بتوظيف رمز ميثولوجي من التراث والحكايات الشعبية باستعارة رمز أسطورة (يقول بارت إن الأسطورة هي نظام من التواصل انها لغة واصفة انعكاسية، قول، دليل، رسالة) *5، نرى مستوى أ\إجرائي تضمن أنحراف قصدي غائر الدلالة لضرورة ترابط المضمون غُمِسَ بنسق النص بوعي قصدي ومرجعية معرفية لضرورة إيحاء دلالة معينة لمفهوم وتصورذهني للمتلقي لتأويلها الاستقرائي لمحاكاة أسطورة التكوين، فكيان (العنقاء) دال صوتي مبهر إيقاعي التواجد يشي بعمق فلسفي لمدلول يحيلنا لمبعث الحياة وولادة متجددة تتأجج من رماد السكون، وجنين فاطمة سعدالله يتمهل رويدا رويدا ليشرق قصيدة مدللة تتأنى الحضور تتغنج بين أترابها القصائد للشاعرة باستقبال مهيب حتى تكاد تلمسها بغبطة الحضور وتربت على اكتافها بالحنو مصافحة جيدها الخجول ...

- قد رسمت الشاعرة صورة شعرية رائعة الأنزياح الحركي بشخصنة وأحساس، لقد أنسنت رمزية القصيدة ومكنتها من الخضوع لشعورها الرقيق والتَماس العذب مع الحروف ككائن حي يستحق السمات الأنسانية والتي تبلغ به أوج أحاسيس الوجود الطبيعي، والذوبان الفلسفي في مراحل النشوء الفاطمي الرؤى، والتي توشك ان تصل إلى بر النهاية بخلاص المخاض وهاهو توحد الأحساس مع رمز الدلالة فكلاهما واحد ...

ولنعاود رحلتنا مع رؤى الشاعرة إذ تقول ...

يقترف البحر غواية الهمس

يضعُ ذراعه الوثير / شخصنة

على خصرها الجفولِ .../

فتستكين

تغوص في عينيه

تغوص في قلبه

تملأ فؤادها رواء وكفّيْها محارْ

أما الشاعرُ ... فيقف هناك

على رمْضاء الانتظارْ

- نواصل مراحل أطوار نشوء القصيدة فالبحر محور البوح وباطن الرؤى لرحلة المخاض ففي الصورة الشعرية الآتية (يقترف البحر غواية الهمس)، لمَ يقترف البحر؟ وماذا يقترف؟ الشاعرة دقيقة الاختياروقد فضلت الفعل المضارع (يقترف)لأنه فعل قوي التأثيرعلى القارئ منسجم مع باقي المفردات بانزياح رائع لتهب لرمز البحر بعدا آخر بفاعلية فلسفية ولتؤكد مسيرة النشوء، ولننحو لتأويلها باقترافه غواية الهمس فهو يهمس لها عذوبة الحرف، وفي هذه المرة نرى الجواب قريبا بإغراء التأمل لفيض الحروف، وحقا له الهمس لأنه داناها الخيال وأقتناها الرؤى ففي همسه بشرى النضوج وتمام النشوء، مما يعني التواصل الفكري الفلسفي في ريعان الرؤى وما تسعى الشاعرة لتحقيق ما تعبر عنه بأنسنة البحر وشخصنته فنلمس عدة مستويات إجرائية بسمة ابتكارية فنية الجمال بغمار المعنى في نفس الصورة الشعرية تكثيف مدهش عميق، كما ان تكرار معجميته ظاهرة ايقاعية تموج بعدة صور مختلفة الدلالة يعطي ترابط بأنساق البنية وتداخل صياغة أجزائه بمضمون مكتمل الفكرة في تجربة الشاعرة لمتابعة دفقات التأمل بتتابع منطقي لأبعاد دلالية لرمزية البحر ...

 

- فالقصيدة ارتوت الرؤى وأكتست النضوج فاينعت روحها من عيني وقلب بحر الرؤى بصفوة أنسياب الفكرة ووضوح المضمون بأبجديات تأمل طبيعية الأطوار مدهشة المحاكاة لصورفطرية الوجود والنشوء لأي كائن حي، وقد راقصها البحر وفاء لرؤى اعتنقته مسرح خيال مهنئا بهدوء مخاض التأمل وخضوع القصيد بين أنامل الشاعرة فاطمة سعدالله، وحان الآن قص الحبل السري للرؤى الفلسفية للشاعرة، مما يحيلنا على الاستشهاد بـــــ قوله تعالى من كتابه الكريم ( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين )*6 ...

- وتبقى هناك فاطمة سعدالله بحنان ولهفة على مضض الانتظار تستقبل وليدها في زمن لا حصر له، مكانه الأحساس الغائر والفائض في جيد النص يستنشق مداد الحروف، وبتأكيد الأستعانة بعناصر الطبيعة ورموزها وانسنتها لتكن موضع الأحتواء لرؤاها ورحم الأنبثاق بمحاكاة ولادة بشرية ...

- وببيان المعنى ترتقي الصور الشعرية لخاتمة باِنتظار مشوق لينبعث كيان جديد اكتمل طورمخاضه فتجلي كائنا حيا وليد الفكرة وقد أبدعت الشاعرة برسم صورة واقع من عمق الخيال بفلسفة رؤى بمعاناة خلق القصيدة وتكالب المتعة ...

- وأجادت بشخصنة كيان النص وخلق توالد زمني له متسلسل الروعة لولادة كائن من كائن، وبث الروح فيه ليحبو النمو ويترجل الحياة بعالم النص كائنا حسيا من دنيا اللغة، بمراحل خلق ونشوء وولادة فلسفية الرؤى ..

- ولنعرج آخر المطاف على مدار استحداثي فعال بمستواه الأجرائي فيه طغىت الأفعال المضارعة على أنساق النص بأحصاء محايث، (تشرع، تخلع، تنزل، تداعب، تدرج، تجمع، تطير، تحط، يقترف، يضع، تغوص، تملأ، يقف)، بظاهرة دلالية نستدل منها استمرارية الحدث الآني وتحريك الشعور، كما جاء تناسبها بإبداع مع تجربة الشاعرة الأدبية والفلسفية، وقد وظفتها بإتقان فعال ينسجم مع تناسق المعنى وإيغال الفكرة لكل صورة شعرية بأسلوب متقن الأنساق لتحفيز التواصل ...

- وإن تعامل الشاعرة مع الحروف بلمسات رقيقة يدل على إحساس مرهف بدلائل المعنى ونعومة الوصف ببريق المعجميات المخملية المتعاقبة ببنية التشكيل النصي مثل (غلالة، الشمس، البلوري، الناعم، الحمامة، الزغاليل، المدللة، الخجولة، الهمس، الوثير، الخصر، الجفول) والتي تناسقت بجمالياتها الفنية وإيحائية عميقة بتكثيف الرؤى وللإبحار في خلجات الروح بشفافية الشعور وتفاعل فلسفي حريري الانفعال مبهر المتعة ...

- هاقد تابعنا رحلة سيرة ذاتية لكيان رؤيوي ومخاض شعوري بفلسفة حسية فندرك بعد تمام الخلق إن نوافذ فاطمة لا تكاد تغلق حتى تنهمر رؤيا أخرى من سواحل التأمل لذا فمدار مصراعيها مكتظٌّ بالحروف الرائعة ...

- خاتمة

 - قد هيمنت رموز الطبيعة على بنية النص وتعددها أرسى جماليات الطبيعة ورسمت ظلال الوجود بتشكيله الفني المتعدد وقرينة دلائل معنوية ببراعة اِحتراف وإيقاع داخلي وخارجي متناغم بجمال البنى وتعدد أصوات الرموز، ببيان اللفظ وإيجاز التضمين وأدراج القصد وتكرار متلائم بأدوات بلاغية بارتباط أفقي متين وتسلسل عمودي مندمج البنية فكونا هيكل النص البديع فاستقام المفهوم، مما جرف متعتنا بشوق المتابعة والتواصل لأستكشاف دهاليز النص دون عناء والغوص في تلافيف الفكرة ...

 - وكذلك نتوقع أن هناك الكثير من النشوء والخلق لنصوص غارقة في مداد الرؤى للشاعرة تنتظر مخاضا آخر في بحر التأمل تنبعث للوجود من نوافذها المشرعة دوما ...

- خاتمة النص تستحيل لبؤرة استجمام مدهشة للتأمل باستكمال عناصر النص ووضوح مقدرة الشاعرة لارتكازها على مراجع وعلوم معرفية مهمة اجتمعت وانسجمت لإستجلاء فكرة استثمرت منها كينونة نص بسيرة مخاض أدبي، وهذا ما يبقى في ذهن المتلقي تأملا يافعا استجابة لحيثيات فضوله بتاثير مبدع، وهو الهدف المقصود من شعرية النص ورمزية رائعة مبتكر الفكرة فيكون أيقونة رمزية نموذجية لولادة نص برؤى فلسفية أدبية فكرية .

 

/ قراءة إنعام كمونة

....................

هامش المصادر:

1 - في كتابه الفلسفة الرمزية لدى الشيخ الرئيس

2- المصدر السابق

3- المصدر السابق

4- سورة المؤمنون / آية 13

5- في اصول الخطاب النقدي الجديد ترجمة احمد المديني

6- سورة المؤمنون/ آية 14

.......................

نوافذ مشرّعة على البحر

عندما تشرّع السكينةُ نوافذها على البحر

تخلعُ القصيدةُ غلالةَ التكتّم

تنزلُ بدلاٍل نحو الزّرقة المشفّرة برذاذ الكلمات

تداعب الشمسُ المملّحةُ عنقَها البلّوْريّ الناعم

تدرجُ قدماها نحو اللانهاية الزرقاء

كحمامة تجمّع الدفء للزغاليل... و

تطير الفرحةُ العنقاءُ

لتحطَّ على كتف القصيدة المدلّلة الخجولة

يقترف البحر غواية الهمس

يضعُ ذراعه الوثير

على خصرها الجفولِ ...

فتستكين

تغوص في عينيه

تغوص في قلبه

تملأ فؤادها رواء وكفّيْها محارْ

أما الشاعرُ ... فيقف هناك

على رمْضاء الانتظارْ

***

فاطمة محمود سعدالله / تونس

 

 

1023 فراس حاج محمدللشّاعر الفلسطينيّ فراس حج محمد

إنّه ما يشبه الرّثاء، لكنّه ليس رثاء بالمعنى الاصطلاحيّ  الّذي هو غرض من أغراض الشّعر الغنائيّ يقوم على بكاء الميت وذكر صفاته الحميدة. فما بين أيدينا ديوانٌ يكشف عن وعيٍ خاص ودقيق وشامل بالواقع الّذي اختبره الشّاعر وعاشه. يطلّ الشّاعر فراس حجّ محمّد به على القارئ، ويسلّط الضّوء على ظلمات واقعيّة، يلمسها حسّيّاً لكنّه يبدو وكأنّه يتحدّث عنها من خارج الواقع. دلّت على ذلك القصيدة الأولى (هكذا أتيتكم/ ص7) الّتي اختصرت بشكل أو بآخر وعي الشّاعر لتفاصيل الإنسان المتناقضة الّتي أنهكت التّاريخ الإنسانيّ، وأنهكت الشّاعر.  وقد دلّ عنوان القصيدة على معنى ضمنيّ  يبيّن غياب الشّاعر عن الواقع؛ ليعود إليه بعد تفكّر وتأمّل عميق. هذا الوعي بدقائق الأمور حالة شديدة الصّعوبة، فالإنسان في هذه الحالة تختلف رؤيته للأمور وتتبدّل مفاهيمه وقناعاته، وتدخله في دائرة التّأمّل الّذي كلّما أبحر فيه اشتدّ الألم.

يستخدم الشّاعر فعل القول بصيغة المتكلّم سبع مرّات ولعلّه أراد أن يبلغ منتهى القول. (أتيتكم لأقول/ كيف أقول؟/ أنتظر الرّدّ من امرأة أقول لها/ وأقول: أنا الغريب هنا وهي الغريبة هناك/ أقول أو لا أقول/ هنا سأقول). تتدرّج الحالة الشّعريّة بين فعل القول الأوّل المترافق وفعل (أتيتكم) وفعل القول الأخير المحدّد إطاره بالانفتاح على الكمال والبعد النّهيويّ للحالة الشّعريّة.

سأجلو الذّاكرةْ

وأحتّ وهم القلب

وأكفر بالقصائد المتعلقة على ضفاف السّنوات

أكفِّر عن خطاياي القديمةْ

لعلّي أولد من جديد طفلا بلا أمنيات خائبةْ

وأستريحُ على نهارٍ أبيضِ الخطوات نحو الآخرةْ

هنا سأقول:

إنّي انتبهت للون شَعري

وطول أعشابي على جسد النخيلْ

لا شيء ينفعُ بعد اليومْ

غير أنّي استمعتُ لوقع خطوي في الظّلالْ

في هذا المقطع من قصيدة (وأخيراً) يعبّر الشّاعر عن وقفة أمام ذاته الشّعريّة الّتي بلغها في لحظة انتقال من الإنسان إلى الشّاعر متوغّلاً في عمق المفهوم النّهيويّ. وكأنّي به يتحدّث من هناك، من مكان آخر، من واقع آخر يرنو إليه بالرّجاء، أو بالاستنارة العقليّة (لا شيء ينفع بعد اليوم/ غير أنّي استمعت لوقع خطوي في الظّلال). في هذين السّطرين نفحة صوفيّة تبلّغ تحرّر الشّاعر من كلّ شيء إلّا من الشّعر الّذي يرتفع بالإنسان إلى أعلى الدّائرة الإنسانيّة. لذلك استخدم الشّاعر عبارة (هنا سأقول)، محدّداً إطار قوله الأبعد من الحدود ومنبّهاً إلى ارتفاعه فوق العالم ثمّ النّزول إليه ليقول بطريقة أخرى.

أنا

أنتم، وأنتنَّ، وأنتِ، وأنتما ....

وهما، وهنَّ، وهم، وأفرادهما....

كلها ضمائر شاهدهْ:

متكلمهْ،

متخاطبهْ،

إلا «أنا »

و «أنا » ضمير غائبٌ.

لفظ الأنا المستخدم ستاً وأربعين مرّة مفتاح الدّيوان ومحوره وسببه وغايته. فالشّاعر أغلق ذاته على ذاته بل توحّد معها ولعلّه بلغ ما بلغه من اتّحاد الذّوات الإنسانيّة عندما يدرك الأنا أناه في الذّات الشّعريّة. (أنا ضمير غائب) يترادف وحالات الأنا عند الشّاعر المعبّرة عن الغربة/ الغياب. غاب الإنسان فكتب الشّاعر واغترب الشّاعر ثمّ عاد ليقول. والأنا المراد الإشارة إليها في الدّيوان هي الأنا الشّاملة جسديّاً ونفسيّاً وروحيّاً. لقد عبّر الشّاعر عن أناه بأدقّ تفاصيلها أمام أناه أوّلاً كفعل اغتسال داخليّ يؤسّس لانفتاح أعمق على الحالة الشّعريّة . فالشّاعر ينقل للقارئ هذه الحالة بعد فعل اغتسال الأنا ليكون الشّعر في أبلغ مقام.

نصّان موجعان سوادويّان ينفضان الغبار الأسود عن أنا الشّاعر. (فكرة/ ص 14) (أحزان مدنّسة/ ص 17)  لقد احتلّ هذان النّصّان الصفحات الأولى من الدّيوان  كتعبير عن فعل اختلاء بالذّات وانفتاح على النّور الشّعريّ حتّى معاينة أسفل الدّائرة الإنسانيّة واقتلاعها كفعل انتقال من أسفل إلى علو. من هنا سيأتي القول أصفى وأنقى بعيداً عن الوعظ. فلئن بدأ بغسل أناه  أراد الشّاعر معالجة الوجع الواقعيّ بالوجع الشّعريّ المرتبط بالوعي. عندئذٍ يمكنه  الحديث عن المثقّف، المرأة، الوطن، السّياسيّ، الشّعر، الحبّ... لأنّ هدف الشّاعر الاكتمال الكلّيّ.

متى تأتينَ طبعتيَ النهائيةْ؟

فتكملين النقص كل النقصِ

يا آي الجلالْ

فلا تتقاعسي عني وتبلجي سفرا شهي الاكتمالْ

والاكتمال لا يكون إلّا بالموت. ذاك ما نفهمه من لفظ الموت واشتقاقاته اللّغويّة الحاضرة في الدّيوان. (الموت/ الموتى/ مات/ الممات) يتدرّج الموت في الدّيوان من الموت الجسديّ إلى الموت المعنويّ إلى الموت الرّوحيّ إلى الموت الخلاص ثمّ في الختام إلى الموت الكمال.

لا تستوي الأفكار فيَّ وتعتم الألفاظُ

تنطفئُ اللّغةْ

تصابُ بالإيضاحْ

على حين غرّةٍ من سؤالْ

والجملة أعمدة أثريّة بليغة في الظّلّ

تموتُ كشمعةٍ في الرّياحْ

يا أيهُّا اللّا شّيءْ

أطبق طباقكَ واستبدّ كحرفِ جرّْ

لا شيءَ أصعبُ من مرض اللّغةْ

وهنا بلغ الشّاعر منتهى العجز أمام اللّغة القاصرة عن إبلاغ مقاصد الحالة الشّعريّة. فالخلاص في الموت اللّغويّ أي الصّمت البليغ المتكلّم. إلّا أنّه في قصيدة (رثاء) ص 127 يستخدم الشّاعر عبارة (قد مات) ثلاث عشر مرّة وينهي القصيدة بعبارة (يا ليته ما مات) يكون عدد مرّات استخدام الفعل (مات) أربع عشر مرّة. وإن دلّ الرّقم (7) على الكمال الرّوحيّ فالرّقم (14) هو مقياس مضاعف للكمال الرّوحيّ. وتكرار عبارة (قد مات) ما هو إلّا تكرار تأكيديّ على حالة الخروج من الواقع والارتقاء إلى فوق أحكمها الشّاعر بجملة (يا ليته ما مات) ففي حالة الموت الخلاص حالة تحرّر من كلّ ما يقيّد الشّاعر فكريّاً ونفسيّاً وروحيّاً وواقعيّاً.

قولي لكلّ خليّة في الكونِ،

ذبذبةٍ، وأغنيةٍ، وساقيةٍ

«بأنّ الشاعر المحمومَ في آماله متكاملا مع ظله

هو راحل مع سرّه، وبوهمه قد ماتْ

قولي لهُم: «قد مات »

فما شكل الصباح بدونه

يا ليتهُ...

ويلاه يا ويلاه يا ويلاه

يا ليته ما مااااااااااااااااااتْ

(ليت) حرف تمنٍّ يتعلّق بالمستحيل غالباً، وهنا يستحيل على الشّاعر العودة إلى ما كان عليه. وفي استحالة العودة علوّ وارتقاء نحو الأعلى. وما هذا الارتقاء إلى مشقّة وعذاب من نوع آخر كقول درويش في (لاعب النّرد):

لولا وقوفي على جَبَل

لفرحتُ بصومعة النّسر: لا ضوء أَعلى!

ولكنَّ مجداً كهذا المُتوَّجِ بالذهب الأزرق اللّانهائيِّ

صعبُ الزيارة: يبقى الوحيدُ هناك وحيداً

ولا يستطيع النّزول على قدميه

إنّها حالة التّفرّد والانفراد الّتي فيها تختلف النّظرة للأمور فيكون الشّقاء والعذاب من نوع آخر. ثمّة تقارب بين مرثيّة درويش وما يشبه رثاء فراس حج محمّد. الاثنان يكتبان من علوّ، من فوق لا يدركه إلّا من تدرّج إلى فوق. الاثنان يكتبان الأنا المدركة، لا الأنا الظّاهرة. لذلك يبدو الدّيوان محكم الإغلاق. بمعنى آخر، إنّه ديوان صاغه الشّاعر بقول الأنا المائتة عن العالم، الحيّة فوق الجبل حيث مجد الشّعراء.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

1021 علاوي كشيشالقصيدة في شعر علاوي كاظم كشيش أنثى، تُجيد حُسن الكلام، لتكون أنت رجلاً في قولك الذي يُلامس أنوثتها ليكشف عن نهر (هرقليطس) الذي لا تنزل فيه مرتين، لأنه على الدوام مُتغير..

تلك هي القصيدة (الأنثى) تنثر قليلاً من الفرح لتمازجه ببعض من الألم، فتخرج القصيدة كعارضة أزياء فيها من جمال (عرض الأزياء والجسد) ما تطرب له النفس، وتكتنز من حلاوة الألم ما يهد الجبال..

لو كان الحُبَ أقل شراسة

لروضناه في الأقفاص

لو كان الحُبَ أقل ترافة

لطردناه خارج قصيدتنا

القصيدة (أنثى غجرية) في شعر علاوي كاظم كشيش و(غجرية) معنى غير مُبتذل للأنوثة، لأن فيها من متع الجمال ما تُقبل عليه النفس المحبة، وفيها من اللوعة والألم ما:

يكسر زجاج هدوئنا

الشعر خط سير وحياة عند علاوي كاظم كشيش:

في الورق الذابل شعر كثير

في الشعر الذابل ورق كثير

ما يُميز علاوي كاظم كشيش أنه مصاب بلوثة الشعر، فـ:

كل شيء مصاب بالشعر

في ترجيديا الصراع بين الألم والفرح يكتب قصيدته:

أعلم هذه الروح على اخضرار

أعلَمها بين الأنهار والجحيم

أجمع الطين والنار في جسد ذاهب نحو الربيع

علاوي كاظم كشيش ابن (الحرب):

وحروب الوق تعتصرُ

مشى بلاداً تخلَت عن طفولته

ودار فيها وحيداً

 يُجيد كتابة الشعر عنها والسرد، ولكنه في الآن ذاته يُجيد رسم صورة الجمال وهو يعيش لحظات الصراع ليخلق لنا ربيعاً في (رسم الكلمات) شعراً بعد أن لم نستطع خلق جمال مواز لربيع الحياة:

حاشد هذا القلب بالأغاني

1022 كشيش

أعوَد هذه الروح على الاخضرار

على البهجة والألم

قارئ لشعر الأولين والآخرين، يُجيد الكتابة بكل تنوعات الشعر، عمودياً كان أم تفعيلة، ولربما في النثر له صولات وجولات في لجم فضاضة كتاب قصيدة النثر المُتطفلين من الذين ينطبق عليهم قول قائل (أخوان أبشركم تره صارت القصيدة لا وزن ولا قافية، اكتبوا بكيفكم)!!.

اقرأ نصه هذا وتأمل الجمال:

كيف تُنقذ عاشقاً

كيف تحذف لذعة حُبَ من أغصانه

لا تأخذه إلى النهاوندلكي لا تندمل الموسيقى في قلبه

كيف تُنقذ عاشقة من هيامها؟!

كيف تشطب لدغة الحُبَ عن أغصانها؟!

أي شاعر هذا الذي تميل معه المفردات أينما مال، كيف تمكن من اختراق صمت النساء في تغنيهن بالجمال ليجعل منهن أشجار وحمائم ورعشة سماء...

حذراً أمر على ارتعاش غصوني فالخصب يضربني وتسكبني ظنوني

.......

ريان أقرأ كل نهر فائض عني   وأشيل من غرقي نهارات الجنون

إنه (شاعر الأنوثة الحُرَة) بامتياز، بل شاعر الشغف وبساتين المحبة (الأنسية) وبهاء التوَق المخضر بسُقيا دموع العاشقين.

"الابداع قلق"

لتأتي القصيدة حُرَة

...

فللقصيدة حياء عروس

...

وخُذ القصيدة الأنثى لتجمع بين النقائض كُلَها

يكتب علَاوي كاظم كشيش وجع القصيدة بلغة جمالية ليقهر الوجع بالغناء

ففي قلبك أيها العاشق جمال يهدر خُضرة تُضيء

وعصافير من بلادك تُغني

كُنَ جميلاً فتخشاك الثعالب

كُنَ نهراً ليشربك العابرون

ويهابوك بمحبة

يُحاول علَاوي كاظم كشيش أن ينساب مثل ايقاع حُبَ يكسر وحشة الولهان ويتدفق أحيناً كشلال جبلي هادر ليكسر حجارة صمت الغافل ويوجع الأرض التي حملت كل مآسي النساء الحالمات، بعض مهن أمهات:

أجعل الكلمات أمهات عاشقات

 وأخوات، وأخريات زوجات أو حبيبات ينتظرنَ (عودة الإبن الضال) لا لأنه يعشق الغياب، ولكنه يعشق لذة شعور الغياب في قلب أنثى:

على الرصيف موسيقى

لقد أصبحت أنثى أيها الجمال

وكالتين لاذعاً ولذيذاً

مفردات علَاوي كاظم كشيش خليط عجيب من جمال شاعر يحتفي بعطاي معاني اللغة وأشكلات شاعر مُتفلسف:

أنا نهر مُصاب بالحقيقة

وتلك هي مهمة الفيلسوف قبل الشاعر، ألا وهي البحث عن الحقيقة ليطلب من اللغة فوق ما تستطيع بعبارته..

أعود وأقول أنه (هرقليطي) في الشعر والفلسفة، ليجعل من نفسه وشعره نهراً:

أتدفق وأردَم منذ بدء الخليقة

ولا أتكرر

...ألمح نهاياتي فتلد البداية

أين البداية؟

...

أنا نهر مُصاب بالحقيقة

أواصل عزفي على الماء مُنفرداً

رؤيته للقصيدة مُغايرة فيها من التنظير بقدر ما يها من تكثيف الشعر لاثبات الرؤية، فالقصيدة خرق للغة بالكلام الشعري المُغيَر والمُخرج على غير العادة، لأن ما يكتبه الشاعر المبدع ولادة وديمومة وخلق وصيرورة حياة.

يكتب الشعر لا لأنه يرغب أن يكون شاعراً، بل الشعر هو الذي يكتبه، وأظن أن القصيدة والبيت الشعري يقض مضجعه ويستفزه بليله ونهاره ليدون أشعاره في الذاكرة حيناً، وعلى الورق المتاح حيناً آخر، وعلى كل ما يصلح لتدوين ارهاصاته الشعرية، لأن القصيدة عنده تلد نفسها، ولا يسعى بقصدية لكتابة قصيدة، وما انثيالاته وفيوضاته الشعرية هذه سوى مخاض عسير لقراءات معجونة بموهبة ضاغطة على المخيلة والعقل معاً لتُنتج نصاً بكل هذا الجمال الأخاذ تفرح به القصيدة لأنها تُحسن الظن به لاتقانه تضميد الجرح فيها ليستلذ به القارئ ويحمل الشاعر جرح القصيدة في مكنون قلبه لينزف الجرح على لسانه شعراً

"كُنَا ملوكاً وعروشنا الخراب".

 

ا. د. علي المرهج

 

عدنان حسين احمدتُعدّ مسرحية "جوغينغ" للمخرجة والممثلة اللبنانية حنان الحاج علي من أهمّ العروض المسرحية التي قُدِّمت في مهرجان "شبّاك: نافذة على الثقافة العربية المعاصرة" في لندن للفترة من 28 يونيو/حزيران ولغاية 14 يوليو/ تموز 2019 . وربّ سائل يسأل عن سبب تفرّد هذه المسرحية دون غيرها من الأعمال الفنية التي نالت هي الأخرى اهتمام النقاد، وعناية المشاهدين الذين التهبت أيديهم بالتصفيق لمجمل العروض النوعية لهذا المهرجان الجاد؟ ويأتي الجواب سريعًا: صدق الثيمة الرئيسة، وبراعة الأداءالعفوي للفنانة حنان الحاج علي التي قوّضت الحواجز كلها، وجعلت الجمهور جزءًا حيويًا من العرض المسرحي والدليل أنّ هناك أربعة أشخاص شاركوا، بطريقة أو بأخرى، في متن النص سواء بتقديم شخصيات المسرحية الثلاث التي ستتقمصها البطلة أو بمساعدتها في أحد التمارين الرياضية الذي ينطوي على إيحاءات إيروسية متسامية لا تسقط في فخّ الابتذال. وعلى الرغم من مونودرامية هذا العمل المسرحي الذي يتكئ على شخصية واحدة إلاّ أن نجاحه الكبير يعود إلى نخبة من الفنانين والتقنيين الذين يقفون خلف الكواليس مثل الدراماتورغي، ومصمم الإضاءة، والمؤثرات الصوتية، وسينوغرافيا العرض وما إلى ذلك.

ما إن يدخل الجمهور إلى القاعة حتى يتفاجأ بوجود الممثلة على خشبة المسرح وهي تؤدي فعل الغرغرة الذي يتمثل بترديد الماء في جوف الحلْق، ثم تقوم بتمارين على 27 كلمة تجمع ما بين الخاء والراء بحجة تقوية اللهاة نهارًا، والوقاية من الشخير ليلاً من بينها "خابَ، خافَ، خانَ، خدرَ، خدعَ، خذلَ". وبينما هي منهمكة في هذه التمارين الرياضية تطلب من إحدى الحاضرات أن تقرأ ورقة مكتوبة تلتمس فيها من الجمهور أن يُغلقوا الهواتف النقّالة، ويمتنعوا عن التصوير تفاديًا للفضيحة لأنّ المسرحية "بنت حرام"، وغير مرخّصة، ومَن يشعر بالحرج عليه مغادرة القاعة واسترداد ثمن البطاقة.

تروي البطلة سيرتها الذاتية بضمير المتكلم فنعرف أن حنان الحاج علي هي لبنانية أصيلة، وقد أصبحت مواطنة فرنسية منذ أكثر من عشر سنوات، ومتزوجة من لبناني ماروني أصيل لكنها شيعيّة المذهب منذ الولادة، وهي في بداية الخمسينات من عمرها، ولديها أربعة أولاد غادروا البلد مثل رفاقهم، وتمارس الجوغينغ أي الهرولة أو العدْو الوئيد لتتفادى السمنة، وترقّق العظام، والتوتر النفسي. تستعيد حنان في أثناء هذا الروتين الرياضي أدوارًا وشخصيات متعددة تدفع جسدها لفرز هُرمونيّ الأدرينالين والدوبامين. تحلم البطلة بتأدية الأدوار العظيمة منذ أيام الإغريق وحتى الوقت الحاضر مثل فيدرا، أندرومارك، كاسندر، ميدي وتتعالق مع هذه الشخصيات التي رسخت في الذاكرة الجمعية للفنانين على وجه الخصوص، وأولى هذه التعالقات تحدث مع ميدي البربرية، حفيدة إله الشمس التي تقتل وَلَديها انتقامًا من زوجها جاسون، كما تنقّع فستان عروسته بالسم وتقدّمه هدية لها في ليلة الزفاف فيحترق جسدها البضّ الجميل.

في قصة مشابهة لأسطورة ميدي تقدّم حنان شخصية إيفون، المواطنة اللبنانية التي قررت يوم الخميس المصادف 19 نوفمبر 2009 أن تقتل بناتها الثلاث نورا وأليسا ومريم وأن تلحق بهنّ إلى العالم الآخر حيث تقوم بتحضير سلَطة الفواكة وتضيف إليها سمّ الفئران، وتطعم بناتها، وبعد أن تسجّل شريط فيديو لزوجها تأكل من السَلَطة المسمومة وتخلد إلى جوار بناتها لكن الشريط يختفي مثلما تختفي العديد من الجرائم في لبنان ثم نفاجأ بأنّ هذه الرسالة التي سجّلتها في الشريط هي ليست رسالتها وإنما رسالة الروائية البريطانية فرجيينا وولف التي كتبتها قبل أن تنتحر حينما أصيبت بكآبة حادة بعد الحرب العالمية الثانية.

يبدو أن الحكايتين السابقتين تمهِّدان للحكاية الثالثة التي تحمل ثقلاً نوعيًا للعرض المسرحي وهي حكاية زهرة، المرأة التقليدية التي تنتمي للضاحية الجنوبية في بيروت. وقد تعرّفت منذ السبعينات على الرفيق محمد فقلبَ حياتها رأسًا على عقب حينما اختلط الحُب بالنضال، والمقاومة باليسار فعشقت قضيته، ووقعت في حبه وهيامه. وحينما دخلت السجن كانت واحدة فأصبحت اثنين وعندما خرجت صاروا ثلاثة هي وابنها والله. في معركة خلدة عام 2006 استشهد اثنان من أولادها وهما يقاتلان العدو في الجنوب، غير أن زهرة ليست مثل ميدي فهي لا تمتلك عربة سحرية، وجدها ليس إله الشمس، لكن قصتها لم تنتهِ بعد، فقد قُتل ابنها الثالث عام 2013 وهو يحارب في أقصى الشمال في سورية. وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة كتب رسالة صريحة وواضحة إلى أمه يقول فيها أنه عاش 19 سنة لكنه الآن يريد أن يغادر وهو مُوقن تمامًا بأنه قتيل وليس شهيدًا وأنّ أمه تعرف هُوية القاتل، وعلى رأي أبيه:"نيال اللي بيموت مظلوم ومش ظالم". يقرّ الابن المقتول بصريح العبارة قائلاً:"ماكنش في يا أمي لا مخربين  ولا تكفيريين، بيجوز في بغير محل بس أني ما شفت غير عيل جوعانة وناس معتّرة عم تنزتْ عليهم البراميل...الضابط ما كنش عم يضربني ليوجعني... كان عم يضربني ليهينّي ويكسر راسي... وقتها عرفت أنه الكرامة ممنوعة على يللي مثلنا". يطلب الابن القتيل من أمه ألاّ تصدق أنّ ابنها خائن أو عميل أو جبان فهو أشجع من أن يسقط في دائرة الجبن. وإذا كانت هذه هي الشهادة فهو لا يريدها لكنه يصر على وصيته التي يقول فيها:"يا أمي ما بديش عفّن بالتراب، ولا بدي شي يجمعني بهالبلد... أني كفرت فيه، ما بديش أندفن يا أمي. . الله لا يسامحك إذا تلبسي أسود عليي، الله لا يسامحك إذا بتردّي ع حدا بيعيطلك أم الشهيد". يعتقد الابن القتيل بأنه سيحاسبهم في يوم القيامة وأنهم سيكونوا هم المتهمون هذه المرة.

تتضمن المسرحية الكثير من الآراء الحادة التي تنتقد فيها حنان الحاج علي الحكومة اللبنانية، وقد استعارت غير مرة مقولات مأخوذة عن مسرحية شكسبير من بينها:"هناك شيء عفن أو تراجيدي" في الجمهورية اللبنانيةبدلاً من الدنمارك، فلا غرابة أن تأتي على ذكر قضية رأفت سليمان الذي ذوّبوه في الأسيد ليموّهوا على قضايا تزوير وسرقة بملايين الدولارات اشتركت في نهبها رؤوس كبيرة في الدولة العتيدة، أو الإشارة إلى قضية الطفلة نيكول التي كانت تُخدّر وتُغتصب من قِبل خوري المدرسة قبل أن تلقى مصيرها المحتوم بينما اعتاد الشعب اللبناني على القبول بسياسة الأمر الواقع الاستسلامية التي تقول:"قدرنا نعيش بهالبلد، ومهما بعنا وشو ماعملنا مارح يتغير فيه شيء".

يجمع موضوع المسرحية بين الدين والسياسة، ويزاوج بين الحقيقة والخيال، ويفحص مكونات الشعب اللبناني من دون أن يسيء إليها أو ينتقص منها لكنه لا يجد حرجًا في انتقاد حزب الله الذي يكرّس الطائفية، ويزعزع الأمن حيثما يحلّ، وأكثر من ذلك فقد ناصرَ الدكتاتور بشّار الأسد وآزرهُ في الوقت الذي كان يقف على حافة الهاوية لو لم يأتيه المدد الطائفي المقيت من المليشيات المذهبية الخارجة على القانون، إضافة للقوة الجوية الروسية التي رجّحت الكفّة لمصلحة جيش الأسد وأزلامه الذين فتكوا بأبناء شعبنا السوري الأبيّ وفرّقوهم أيدي سبأ.

قبل أن نطوي صفحة هذا المقال لابد من الإشارة إلى العناصر المكمّلة لهذا العرض المسرحي الذي استعمل الهزْل، والمفارقة، والسخرية السوداء لتعزيز النص الجاد الذي لا تُغادركَ شذراته والتماعاته الذكية بعد وقت طويل، فلقد لعب الدراماتورغي عبدالله الكفري دورًا مهمًا في تشذيب القصة المسرحية، وحواراتها الفطِنة الواخزة التي جعلت الجمهور يضحك طوال العرض المسرحي. أما سينوغرافيا العرض فقد كانت متقشفة لكنها كانت مستوفية لشروطها الفنية والجمالية ولم تُضيّق الخناق على الممثلة البارعة حنان وهي تتحرك بحرية تامة في مساحتها الدائرية التي استقطبت أعين الحاضرين، وهذاالأمر  يُحسب لإريك دونيو، والإشادة موصولة إلى مُصممَيّ الإنارة إلى ريّان نيحاوي وسرمد لويس، ولا تفوتنا الإشارة إلى دقّة المترجم والمؤلف المسرحي حسن عبدالرزاق في نقل هذا النص المكتوب بالمحكية اللبنانية "العسيرة" في بعض المواضع وطوّعها بلغة إنجليزية سلسة تفاعل معها الجمهور البريطاني وأحبّ ثيماتها الرئيسة والفرعية.

 

عدنان حسين أحمد

 

جمعة عبد اللهيضعنا امام براعة مقتدرة في الفن القصة الحديثة، بشكل متألق من الابداع الجميل، ويأخذنا بكل شوق الى مسارات غير مألوفة، في الطرح والمناقشة، في قضايا حساسة وجوهرية وملتهبة . في معالم الكون والحياة والوجود، وعلاقتهم بالانسان، يطرحها في المنصات الرؤية الفكرية والفلسفية، التي تتناول قضايا الكون الحساسة، بحبكة سردية بسيطة لكنها مدهشة وعميقة المحتوى والمضمون، يطرحها بكل بجرأة ، من اجل استفزاز وتحريك العقل والذهن، في المناقشة الفكرية في معانيها وترميزها الدال، وهي موجهة بالصميم لاشياء الكون والحياة . تحرث في تلافيف عقيد التناسخ، او انتقال الروح من جسد الى جسد آخر، في الحياة الموازية، او الحياة السابقة، في تعاملها اليومي بالسلوك والتصرف . لذا يضعنا امام شخوص المجموعة القصصية (حياة سابقة)، بأنهم يمتلكون قوة الحدس والتنبوء، قوة المناعة في المواجهة في اشياء الواقع ومفاجأته الصادمة ، يملكون القدرة والدراية في مواجهتها . يطرحها بأسلوب واقعي بسيط ورصين، ويمتلكون المناعة في المواجهة ، يملكون رصيد من الاقناع بافعالهم وسلوكهم الانساني السوي ، لكن افعالهم تملك عمق وبعد فكري وفلسفي، ليس بالطرح البوليسي، او كما في الادب الروايات الخيال العلمي، الذي تكمن فيها جوانب الفزع والرعب، وانما بالطرح الذي يمتلك  النزعة الانسانية . لذلك يسخر الاديب العلامة خزينه الثقافي المتنوع والكبير، ويوظفه قدرته في تناول هذه الاشياء الصعبة والمتشابكة، بكل اقتدار رصين . والمجموعة القصصية تقدم شخوص متفاعلة في الحدث ومعالجته، في الانحياز الى الهموم الانسانية، بهواجسها العامة، في مسألة البحث عن الهوية أو البحث عن الذات، في جوهر الاشياء المحيطة بها . يقدمها في قوة الحجة في حكايات واقعية مبسطة في لغتها الجميلة، دون تعقيد وابهام وغموض، وانما يجعل مسارات احداثها واضحة المعنى والمغزى الدال في مدلولاته . في مناقشة مسألة استنساخ الروح، او عقيدة التناسخ . وقد تناولها القرآن الكريم، في الكثير من الآيات القرآنية ، التي تشير الى هذا الجانب، او بما يطلق عليه في علم النفس التحليلي (الحياة الموازية) او (حياة سابقة) . ونذكر بعض الآيات القرأنية التي تشير الى هذا الجانب .

1 - {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8] .

2 - ((يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ).

3 - (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)

4 - (اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (يونس: 34)،

5 - ((مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ).

ومحاولة تسليط الضوء، على بعض النصوص القصصية في المجموعة (حياة سابقة) .

1 - قصة (الوهم): طالب من القرية، انهى دراسته الثانوية وحصل على منحة دراسية في الجامعة الامريكية في بيروت، ويشد الرحال الى لبنان، ويصل الى القسم الداخلي، المخصص لسكن الطلبة، ويقع حظه العاثر مع زميل شريكه في الغرفة، من اول وهلة لم يشعر بالراحة النفسية، ليس لان زميله عيناه اليسرى مطفأة او مغلقة، لكنه من اول نظرة شعر بالقلق والخوف والتوجس بأن زميله يضمر له شراً ، هكذا تراوده الشكوك، ويتخذ الحيطة والحذر، في تجنب وقوع الكارثة، لذلك يتابع خطواته بالترصد والحذر والمراقبة ، وفعلاً تحققت هواجسه وحدسه وتنبوئه، حين التفت فجأة اليه، ليجده ماسكاً السكين يهم بطعنه في الظهر، ويتفادها في آخر لحظة

2 - قصة (اللقاء): منذ عام وهو يطاردها ويترصدها في كل مكان . ويكثر من اتصالاته التليفونية، بهدف الظفر بعلاقة حب معها ، ويكشف اسراره الحياتية لها . بأنه ارمل توفيت زوجته، ولديه ابنة يرعاها بالحب الابوي، وهي تعزف على البيانو، وتواصل دراساتها العليا . ولكن يتفاجئ بكلام المحبوبة المعنية بقولها (تمنيت لو كنت والدي) وبعد سهرة مسائية تأتي معه الى البيت، واشار اليها ان تنام في غرفة ابنته وتنام على فراشها . وفي لحظات تصاعد الشهوة الجنسية للاقتحام بجواده الجاهز للاقتحام، فجأة ترأت امامه، بأن النائمة هي ابنته في السرير، فهبطت عزيمته وأنطفأت شهوته، وتركها تنام بوداعة في فراش ابنته .

3 - قصة (موعد في كراتشي): يكون من بين المدعوين في المشاركة في المؤتمر الدولي المنعقد في (بنغلادش) ويلتقي دون سابق معرفة وموعد مع البرفيسور (انو دل) كأنه هذا على معرفة حميمة سابقة، ويعرف اسمه (علي) ويقدم له هدية، مزهرية منقوشة عليها اسمه (علي) . ثم يدعوه الى المائدة المسائية في كراتتشي، فيعتذر لانه سيسافر على الخطوط الجوية الفرنسية في المساء الى باريس . ولكن البرفيسور يصر على انه على يقين سيصحبه الى كراتشي، وان موعد الطائرة، سيتأجل الى الصباح، وان الخطوط الجوية ستغير وجهة طيرانها، الى كراتشي ثم وتقلع في الصباح الى باريس ، وبالفعل تحقق التنبوء والحدس، وصحبه الى كراتشي الى المائدة المسائية .

4 - قصة (التخاطر): كان استاذاً جامعياً عمره (35) عاماً . وهي طالبة عمرها (21) عاماً اسمها (رابحة) ، ارتبط معها في علاقة حب وطيدة بهدف الزواج، لكنه تركها بكل خسة دناءة وسافر الى الخارج . وبعد تقدمه في العمر رجع الى مدينته، محملاً بالذنب والندم على فعلته الشنيعة، بترك حبيبته دون ان يلتزم بوعده بالزواج . عرفت حبيبته القديمة (رابحة) التي تزوجت وانجبت اولاد، برجوعه الى مدينته في آخر العمر ، كانت تتصل عليه على الدوام، بحجة الاستفسار عن احواله وصحته، وكذلك تقدم له التهنئة بعيد ميلاده او بمناسبة عيد الاضحى ، ويستغرب من كثرة هذه الاتصال ، ويتوجس بقلق ويقول لها:

ـ إذن، لماذا تتّصلين بي بكثرة هذه الأيام؟

  ـ تعرف، يا سليم، أنَّ في هذه الدنيا الحياة والموت.

  ـ صحيح أنا متقدِّم في السنِّ، ولكن مَن أنبأكِ بأنَّني سأموت قريباً؟

لكن المفاجأة، بأن هناك فتاة تتردد على صالة الالعاب الرياضية . فتاة تشبه (رابحة) تماماً (يخلق الله من الشبه اربعين) يطيل النظر اليها طويلاً ويتابع حركاتها وخطواتها عن كثب . وشعرت الفتاة بهذه النظرات الحرجة التي تطاردها وترصدها بتأمل طويل . فتفتح الفتاة الحديث معه، عن سبب هذا التبحلق والتحليق الطويل بها، فيقول لها بأنه عندما كان شاباً أحب فتاة تشبهها بالضبط، ويستفسر عن اسمها، فتقول بأن أسمها (رابحة) .

5 - قصة (النداء): كان على صلة حميمية مع صديقه (سيدي محمد) يقضي معه احلى ساعات المسائية بالسمر والمناقشة . بالارتباط الاخوي العميق، لكن صديقه توفى وترك جرح لايشفى وفراغاً لا يعوض، فقد شعر بصدمة الوحشة لفراق صديقه، حتى ضاقت نفسه وشعر بالغربة والوحدة الحياتية الثقيلة . وفي احدى الليالي داهمه الحلم، ليجد صديقه المتوفي، في فرح وبهجة وسرور، وترجاه ان يجمع مقالاته المبعثرة، بجمعها في كتاب واحد للنشر، ووعده بتنفيذ طلبه . وفي الصباح يرن جرس التليفون وينهض من فراش النوم، ليعرف من المتكلم، واجابه المتكلم:

ـ أنتَ لا تعرفني، يا سيدي، ولكنّني أعرفك. اسمي الخرشاف. قمتُ وبعض زملائي من قدامى طلاب الأستاذ سيدي محمد بجمع مقالاته التي كتبها بالإنكليزية عن المغرب، وترجمناها إلى العربية بقصد نشرها في كتابٍ واحدٍ إكرامًا لذكراه. ونحن نرجوك مساعدتنا في مراجعة الترجمة.

ـ سأفعل بكلِّ سرور. شكرًا، شكرًا لكم.

.................

6 - قصة (لقد سقاني قهوة): كان يعيش حالة القلق والتوجس تنتابه، من نتائج الامتحانات البكلوريا للمدرسة الثانوية، لكن أباه يطمئنه بارتياح، بأن طاف في الحلم بأنه قرأ نتائج الامتحانات في اللوحة المعلقة في المدرسة، ليجده الناجح الاول، وبالفعل ظهرت نتائج الامتحانات وكان الناجح الاول في محافظته، ويروم مواصلة دراسته في الجامعة، وعليه ان يحصل على شهادة حسن السلوك من الشرطة، وهنا تكمن صعوبة الحصول، لانه ذات يوم اشترك في مظاهرة غير مجازة، لذا عليه ان يسافر الى العاصمة، ليحصل على شهادة حسن السلوك من مديرية الامن، ويسافر مع ابيه الى العاصمة، ويجد تزاحم الناس بشكل كبير جداً، من اجل الحصول على شهادة حسن السلوك لاولادهم، حتى يكون بمقدورهم السماح بدخول الجامعة، وفي معمعة الصخب والتزاحم . يقبل عليهم رجل وقور في هيئة مهابة، في شكل سعاة القهوة . ويقول لهم (هل جئتم للحصول على شهادة حسن السلوك) يجبه الاب بنعم، فيسقيه فنجان قهوة، ويغيب دقائق معدودة ويجلب معه ورقة شهادة حسن السلوك، ويختفي في لمح البصر، ويفتشون عنه هنا وهناك، ويسألون سعاة القهوة، لا احد يعرفه، ولم يكن من سعاة القهوة، ويقول الاب بفرح وبكثير من الرضا:

ـ " لقد سقاني القهوة."

7 - قصة (حياة سابقة) التي حملت عنوان المجموعة القصصية . تحمل رؤى الحياة السابقة . كان في رحلة في الطائرة وجلس قربه الدكتور (جيمس هندرسون) متخصص في مجال علم النفس الموازي، ويحمل دورقاً زجاجياً يحمل ثلاث عينات لاشخاص كانوا في حياة سابقة، وهذه العينات:

1 - طفل بلغ السنة الرابعة، ولد بثلاث اصابع مقطوعة في يده اليسرى، واخذ يكشف عن نفسه الى عائلته، بأنه كان في الحياة السابقة، مهندساً تعرض لحادثة في العمل وقطعت ثلاث اصابع من يده اليسرى . وبعد التحري والتدقيق في هويته، يثبت حقاً صحة ادعاءاته .

2 - طفل رضيع كان يصرخ برعب وفزع، كلما دخل اباه الى محطة الوقود ليملأ خزان البنزين، ولم يهدأ، إلا بالابتعاد عن محطة الوقود، وهو في السنة الثالثة يعترض على اسمه (جوني) وانما يصر بأن اسمه (هاري) وحينما يسأله ابواه (هاري منْ ؟)، وبعد التحقيق في هويته، يظهر فعلاً ان اسمه (هاري) مدير اعمال، وابنته تدير شؤون اعماله في الشركة، ولكنه لقي حتفه وهو يملي خزان البنزين في احدى محطات الوقود، التي شبت فيها النيران واحترق فيها .

3 - الحالة الثالثة: طفل صغير اسمه (فرانكي) من عائلة امريكية يتكلمون الانكليزية فقط لاغيرها، ولكن الطفل يتكلم الالمانية بطلاقة، وحين يتحقق في هويته، يظهر، بأن بيته تعرض في الحرب العالمية الثانية في المانيا الى قذيفة صاروخية هدمت البيت وقتلت جميع افراد العائلة

 

جمعة عبدالله

 

 

انعام كمونةقراءة للمعادل الوجداني المعنوي لرموز ودلالات الطبيعة في النص الحديث

سأتناول مضمون النص المعنوي لأبحر في مدى روحي أكثر اتساعا لاستقراء المعادل الوجداني لكيانات الطبيعة في عاطفة الشاعر عنوز، ولنتسرب لآفاق فلسفته ورؤاه الفكرية والنفسية واتجاهات تأمله بالحدس المعرفي والتذوق الصوفي، لنلتقط المبهم والمجهول اللامرئي بلغة التحليل بطوبوغرافيا فلسفية التأويل، فالشعر فلسفة رؤيا للشاعر يرسم فضاء تأمله عبر اللغة كما أن الشعر لا يخلو من فلسفة ذاتية ورؤيا تجريبية، (يقول شيلينغ: "ان على الفيلسوف أن يمتلك من القوة الجمالية قدر ما يمتلكه الشاعر"*1 (أذ لا شعر بدون فلسفة) "، وأقول أن على الشاعر أن يمتلك قدرة لتصوير الجمال بقدر ما يمتلكه الفنان برشقات ريشته وعين خياله، وبما تتجاوزه رؤى الفيلسوف بإيداع التأمل حيز البصيرة لتحويل الذات الى موضوع بفكر مبدع، ، فكلاهما يرتبطان بكينونة الفكر والخيال بشكل روحي مباشر وغير مباشر، ومن تجاور المعرفة تتوالد افتراضات فلسفية تتناغم سويا مع فكر الشاعر بطريقة شعرية، فالغوص في أبعاد جغرافية الذات اِنفلات متفاوت التأزم لكيان واحد لتحرر الذات الإنسانية من نمطية الانكماش والانحشار بروتين خصومة الآخر فيبعث على التحفيز لتجديد الرموز ودلالات أقرب للذات بمهارة التخيل، فالفكر الخلاق للشاعر لغة النضوج وناصية أثر لبصمة العصر معرقة المعرفة تحاكي تاريخ الماضي والحاضر، ومن زمن لآخر يتشرب الواقع فيهما بمستوى اختلاف الضبابية والوضوح لشعرية الفكر وروحانية الوجدان ...

- ولنقطف لحظات الصفاء الروحي بعمق تأمل الشاعر عنوز وتوهج رؤياه بكينونة التفاعل مع جماليات الطبيعة كبيئة جذابة لتغريب المعنى فنقف امام أسلوب البعد المراوغ المستفز لشهية القارئ من اول وهلة لعتبات العنوان بتشكيلات لغوية مدهشة ...

- العنوان ...

- امنحيني مطرَ الدّفء :- العنوان دفقة شعورية مجسدة بسيمائية النص الحديث، يشي عاطفة إنسانية حميمية التوقد مخملية التعبير، وثراء لغوي شفيف التوهج، صياغة فنية رصينة المفردات مكثفة الدلالة مؤثرة الإيحاء، يخامره تناغم داخلي حثيث بعبق حب أسطوري، يضوع من بودقة التأمل أريج أنتعاش مفرط الرقة ...

- ولننحو لمفردة تضمنت الفعل والفاعل والمفعول به في آن واحد وامتداد نحوي بارع الألتقاطة من خزين الشاعر اللغوي، أينعت جمال التشكيل البصري وهيمنة المعنى فتكورت بإيحاء المضمون واختزلت الفكرة، وهي تلك المعجمية المزدانة بأنهار العطاء وبلاغة لغة وانهمار المعاني، ألا وهي (امنحيني) ....

- امنح .. فعل امر مبني على السكون كسر لالتقاء الساكنين والياء الاولى للمخاطبة فاعل , والنون للوقاية , والياء الثانية مفعول به اول , والمطر مضاف وهو مفعول به ثاني , ودفء مضاف اليه وعلامة جره الكسرة ,علما ان منح من افعال العطاء المتعدية التي تنصب مفعولين مما يدل أن مرتكز العنوان على رموز الفكرة في الصورة الشعرية بتعالق مشترك للتشكيل البلاغي العميق ...

- المنح هو خلاصة الكرم وهبة جزلة العطاء، وضمير المتكلم هو صوت الذات الفاعلة بوعي الأنا لتحقيق أمنية وخاطر موغل الجوهر في ذهن الشاعر، يشي بروحانية التقديس لتبجيل إنسانية الانثى بشكل عام في وجدانهِ والمتحققة في المفعول به الأول، فدلالة معجمية (امنحيني) هو الاستسقاء الروحي المشحون بالعاطفة، وطلب بأمر يتضمن بعدا خطابيا موجها لأمرأة ما تداولي الإشارة وما يتوارى خلالها هو إيحاء لوجود رمزي مقدس، وكيان لا ينفصل عن الوجود ...

- (المطر والدفء):- لنبحر في أُفق هاتين الاستعارتين ونستظهر عمق الباطن المعنوي لمضمون سيرورة الدلالة ومدى تفاعل نفسية الشاعر بأجواء البيئة، باستلهام مفردتيهما اضافة لصوت معجميتها رموزا دلائلية بفاعلية الحركة أوقدت الأبداع بخصوصية اقترنت بسيولة الحس الإنساني، مما يدل اندماج الشاعر ببيولوجية الكون متفاني الانصهار بحذافيره الوجودية، مؤمن بكينونة انتمائه لفطرة الطبيعة بل جزءً لا يتجزأ، معها يتكيف وبها يتأثر ويؤثر بتغيراتها فهو مادة الكون وعجينة النوع الرمزية ...

- ما يلفت لمعجمية المطر إيحاء ميتافيزيقي التردد، يخضب الحواس برائحة التراث، يفوح منها صدى فلكلوري، من أغاني وأشعار تستحضر الماضي بنشوة الحاضر، تنعش القلب وتبلل ارواحنا بنقاء المطر فتغسل همومنا، وللمطر أسطورة مشاعر غريبة تفيض التأمل بنكهة روحانية الآفاق لاسيما انه منزل من السماء، بهذا تستجلي اهتمام مشاعر الوجدان الروحي وتطلق عنان الفكرة بأبعاد مستحدثة لغير المألوف نتلمسها عند الكثير من الشعراء منهم الشاعر العراقي الكبير السياب وانشودة المطر التي تعتبر ملازمة لخاصية أشعاره وميزات اسلوبه بدلائل متضاربة ، فارتسمت في تاريخ الأدب العربي حاضرته الشعرية ...

- ومن الأبداع ان يتخذ الشاعر عنوز عناصر الطبيعة محورا لخطابه ويتجلى تأمله بخصائص جمال الطبيعة فسيولوجيا كرموزا للتعبير عن فكرة رومانسية المغزى، واغتنام مفردة عميقة المعنى ممتلئة الدلائل غائرة المكنون بإتقان مذهل فتكون متعددة الوجوه في مرآة خيال الشاعر تنعكس في ذهنية المتلقي رؤى تأويلية، وكما تتميز معجمية المطر من دلائل روحية لكل ما في الوجود لأنها رمز الخصب وأصول الحياة متجذرة بمعتقدات شتى بأشكالها التاريخية والعقائدية والاجتماعية بعمق سيكولوجي لجوهر العلاقات الإنسانية، فتتوغل في فكر القارئ البسيط المعرفة و المتلقي الملم بمكامن المعرفة تاريخا وحضاريا فيترف في تأويلها لما تملكه معجمية المطر من مرونة معاني تعبيرية سطحية ورموزا عميقة مواربة الإحساس للطبيعة طاغية في الوجدان، وكم من قواميس لسانية يطربها السمع بخفة الوتر ونشوة النبض فتُحيي الروح من العدم، فكيف ان تضمنتها روحا شعرية..! سيكون الأبداع غاية الإتقان لنتاج الشاعر عنوز ...

- وحين نسترسل في رؤى الشاعر تراودنا اسئلة شتى بدهشة الفضول الأدبي الممتع ...هل للدفء مطر؟ .. ومتى يكون؟ تتمحور الإجابة بما تبوحه العبارة بمكنونها التأويلي بإيحاء ذاتي التحفيز في ذهن المتلقي وما يلتمسه ورؤياه المعبرة باستحضار استبصاره الروحي وبلورة آفاق تحليله المحتمل بالمستوى المعنوي بما تسترجعه ذاكرة البحث والتفسير ويستدرجه مستوى شغفه وتأويله ...

- ولنتابع استقراء خفايا ومضمون العنوان نعرج أولا لمعجمية المطر وما توجت بلآلئ مميزة تملأ التأمل ...

- محورا رابطا بين مفعولين قبلها وبعدها في نسق بنيوي غاية الإتقان على مستوى التركيب اللفظي بجمالية فنية وتشكيل لغوي بارع بوعي او لاوعي اخترق نفسية الشاعر مما ينم عن مهارة لغوية للشاعر عنوز وخبرة مقتدرة لصياغة حالة شعورية دقيقة بزخم عاطفي روحي برصانة وتمكين ...

- اتخاذ مفردة المطر موقع اسنادي للمعنى التعبيري تمثلت بمستوى أساسي لتشكيل النسق التعبيري لصيغة العنوان بصورة شعرية ربطت دليلين لمصاهرة عمق المعنى وتكثيف الدلائل بالتقاطة شاعرية ينبئ بعدا دلاليا مكتنز الإيحاء برتم مبهر وايقاع تشكيلي برهافة حسية توقد الحواس ...

-مضمونا بيانيا باكتساء المطر دليلا حيويا لعاطفة البشر شخصنته روحيا باستعارة مكنية كوسيلة تجسيد في مدى خيال الشاعر، منه يتجلى لنا ميزة التشخيص والإنابة باكتساب مفردة المطر صفة غزارة الإحساس في عمق الذات المتخيلة بوعي محسوس ولا محسوس متجذر في جوهر طبيعة الخلق، فأنتجه بسحر المغزى بديلا عن مفردة الأحضان مما زاده غنى في ايصال الفكرة بعدة دلائل وأثراء التأويل للمتلقي...

- ولننعطف لمعجمية الدفء ورمزيتها المتناظرة في المعنى مع المطر والمتوازية في المستوى الطبيعي للتباين الحراري خلقت روح التضاد حيث ان البرد والحرارة كلاهما متغيرات لنوع طبيعي واحد بنفس المستوى الا انهما قطبي اختلاف وتعارض أثرهما في عمق الإحساس البشري ما ان نستحضر البرد في اعماقنا الا ونطمح لدفء مماثل ليوازن التوتر الحاصل بينهما فالمطر يذكر ارواح اشتهاءاتنا بالسماء .. البرد.. البرق .. الرعد ..الشتاء ..الأمل .. النماء والدعاء وبالتالي الحياة والأهم الحب، اما الدفء هو الأرض الطيبة.. الوطن.. الحبيبة.. الحلم .. الأماني، (ودلالات اخرى سوف لن اتطرق لها لأبقى في حيز ما اطمح لاستقرائه)، فرغم التنافر بينهما في الموقع والصفات، الا أن تنوع عناصر كينونتهما حققوا بنية الاتساق بترابط جذاب وفنية عالية في التكامل التام بإضافتهما في مبنى مختزل كل التغيرات البيئية والطبيعية وكشفت عن مدى احتياج بعضها واندماجها بكينونة توازن لغاية كامنة وراء وجود كنه البشر لتكتنف حلم الأنسان ...

 - المطر والدفء:- من تغاير صفاتهم وترادف تكوينهم خلق الشاعر الأبداع باقتدار مميز من عناصر بيئية التكوين ..وأنتج من حيز انصهارهما كيميائية نواة رائعة الخيال بوشيجة فطرة التكوين وما جبل عليه من تناقض، ومن مستوى الباطن نستكشف ما رسم الشاعر من طقوس للمطر والدفء ببذخ المشاعر وأحاسيس وجدانية بتشكيلة فنية ساحرة الوصف ولوحة شعرية بجمال خلاب بوجهة نظر فلسفية لحُلم عاشق ولهان، مما ازدانت الغرابة بدهشة التذوق عند المتلقي الباحث عن جمالية التفرد والتكامل ...

- ومن سابق مارسمته العلائق السابقة، تميز العنوان بانزياح جمالي خرق اللغة المعيارية بأبداع باذخ، وهذا التوظيف للانزياح الدلالي الغير مألوف خلخل الصورة فوَلَدَ ديناميكية حركية لصورة فنية انسجمت بين الحقيقة والخيال، الحلم والواقع، وينطبق مع(قول اليوت :-“وحده الخيال – ذلك الشباب الأبدي – يستطيع أن يجمع بين المثالي والحقيقي في قيادة عجلته، وهذا، في الفن أو في الفلسفة، هو انتصار الرؤيا الغنية بالخيال“)*2، وهكذا خلق الذوبان بين المعنى الظاهري لرمزية المطر وما ضمره الباطن بعمق الدلالة بنشوة التخيل ...

- وبما ان لحبات لمطر صفة السعة المتناهية ظرفيا كونها لا تعد ولا تحصى زمانا ومكانا فلا ظرفية تحدهما ولا تقيدهما، أذ لا يمكن عدها او تأطيرها بمسافة أو تحديدها بفترة زمنية معينة، فنستقرؤه من ذرى التمني تأويلا المعادل الوجداني لهما أن يحصل على حنين وافر بفضاء عدد حبات المطر للاستعارة عن مدى شاسع للاحتواء والحنين وهو المكافئ الدلالي لمطر الدفء، وإشارة الشاعر الى الاستمرارية وأمل التواصل اللا محدود بسعة خصوصية حبات المطر ...

- ما يشي مطر الدفء من ايحاء في ذهنية المتلقي ينأى به التأويل بما تتفتق ذاكرة معرفته الفكرية بتيار فلسفي، قد تكون أمنية روحية تحلق بفكره ليستدل الى استقرار البحث في عمق المعنى المعنوي بمطلق طبيعة حبيبات المطر، فيوجب له الأبحار بأشرعة شتى مع اي تيار، بل يطلق العنان للوقت وخارج حدود بوصلة المسافات ليسترسل في حيز معنوي بقدر ما يصاحب ذهنية القارئ من ومضات روحية تستجلي الدلالة الخيالية للشاعر ويكشف عما تضمره بنيوية المفردة متمددة وغائرة خلف قناع المعنى والرمزية وتجريدها من واقعها المادي وتلك بلاغة الشاعر ...

- من خلاصة العنوان وظف الشاعر عنوانا مكتنزا بصورة شعرية خصبة الرموز، بسيطة المفردات، بليغة البناء التعبيري، باستعارة جغرافية الظواهر كونية الطباع، ائتلفت بتضاد متنافر بين رمزي الطبيعة، باختراق باطنهم المتواري امتزاج حيوي التوحد للمعنى الحقيقي مما يدل على الأبداع الخلاق باحترافية الشاعر وبراعة استهلال يبان تعالقه النسقي مع جسد النص ...

- النص ...

- تميز اسلوب النص بجمالية التشكيل اللغوي بصياغة فنية رائعة لصور متوهجة، مكثفة المعنى بعنفوان عاطفي، واتقاد روحي ينبض شعورا ببراعة التخيل متعددة المضمون تتناغم بانساق متماسكة الارتسام بإيحاء رقيق لا تفلت منها الفكرة من الاستهلال لخاتمة جذابة تستفز المتلقي لآخر المطاف، وقد اكتنزت صوره الشعرية بعناصر متنوعة رائعة بسيمائية النص الحديث مثل الرموز والتناص والاستعارة والتضاد وهذه الميزات القيمة اثرت الدلالات بأبعاد معنى اللفظة الدالة وعمق دلالتها وما تشي لتأويل باذخ مما يدل على جدارة الشاعر في تقنيات اللغة وحسن البيان بالسهل الممتنع وهذا ما يوافق قول الجاحظ :(« أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغا واحدا و سبك سبكا واحدا فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان »)*3والأروع ايقاعات النص الداخلية المتنوعة مدهشة بهمسات عزفها تبحر بنا لهدير الروح والتوحد معها ...

- ولنبحر في بعض مدارات إجرائية لجسد النص بمستويات متنوعة للخلق الإبداعي بلغة متموجة باعثة للدهشة من روح القصيد الذي يبعث لإمكانية القراءات المتعددة واستكشاف خبايا سيكولوجية النص الممرغة بالحواس وآفاق تلوح بذات الشاعر تارة وفلسفة الأنا الروحانية تارة اخرى مخضبة بتجارب الحياة وخبرة مخضرمة المعرفة متميزة الاطلاع بدروب معاجم اللغة وتقنياتها السيمائية، وينطبق ما يعنيه الآمدي حينما قال: (" ليس العمل على نيّة المتكلم، وإّنما العمل على توجيه معاني ألفاظه")، وهذا بمرجعية التناغم الجمالي المتظافر العزف بأسلوبية تميز الشاعر المبدع وتوحي بتقنية متمكنة وشاعرية فذة ...

- من بداية النص نستمتع بأفق اجرائي تتعين فيه ظرفية حركية تنبع من نفسية الشاعر فتتعالق مع زمن احساس الشاعر في مفردة (كلّما) وهي ظرف زمان يفيد الشرط، دلالى الإشارة ليؤكد مشاعره المتأججة حين يعقب احساسه سكون من فيض مشاعر والذي يبعث على الاستذكار، ثم يوثق ما يليه ب (واو العطف في "وغيض") فيتبع استرساله بالتشكيل اللفظي وانعطافها على البيت السابق ليجسد امتداد زمن السكون مؤقتا، تجسيد رائع لروحانية الوجد بصوفية التعبير وانزياح رقيق لصورة شعرية جذابة وعمق احساس باستعارة الفاظ احدثت التضاد، مثل (طوفان وغيض / هدأ ويفور) ...

- ان التركيب اللفظي بوجود مفردتي الوجد واللهفة وهي جدلية الحواس الأزلية وميزة صفات شعور العاشق وخاصية التوله عند الأنسان فهي جزء من إنسانيته والتي تنقلنا لتزاوج الحواس مع عناصر الطبيعة في معظم أنساق النص، فابدع الشاعر في انزياحهما بتغيير معايير اللغة وتمرد حرفه بخرق المألوف فأضاف بعدا جماليا رائعا ...

- كما هيمن تناسل المفردات العاطفية الأخرى بأسلوب النص والتي أدت وظيفة شعورية بوجدان نفسي عميق وحررت شاعرية المعنى للتعبير عما يجول في ذات الشاعر ونفسيته حيث شغلت تبادلا لعدة معاني بإيحاء آخر فصبغت الصور الشعرية بإحساس نفسي طاغي مثل ::، أمان، اشتياق، وله، نجوى، الحنين، التوق، زينت النص بدهشة التمكن سعى الشاعر لإبرازها وايصالها للمتلقي مرادفة لانفعال المتابعة لسياق النص بجمالية الصور وتشكيلتها الفنية المتنوعة تبهر القارئ على امتداد النص ...

- وفي مدار آخر اضاف الشاعر مفردات تناصية من بيان القرآن الكريم مثل طوفان وغيض ويفور التنور، قال تعالى (وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ)*4، كذلك (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ)*5، لرسم بقية اللوحة بطاقة لغوية تتناغم مع انفعال كيانه الروحي فيلوذ بنجواه الذاتي ليجسم صور شعرية روحانية التناص شعورية اللقطة ليرتقي بتجليات الروح في غمر المطلق والسمو لاعتلاء عوالم صوفية الاجتراح، والتناص مع القرآن الكريم أروع سمة في النصوص الحديثة لبيان الأسلوب البلاغي للدلالة وعمق المعنى بوشيجة طبيعية نفسية الانتماء لثقافة فكر وانتماء بيئي واجتماعي، لذا تنوع المفردات الجميلة وتجانسها في الصورة الشعرية بانزياح يلقي عليها سحرا آخر بمنتهى التذوق للرؤيا من زوايا عدة ويتكرر التناص القرآني بجمال المعنى الظاهري وما يتوارى في الروح من وعي ذاتي يشي بأطر الدلالة من غياهب الوجدان مثل :- سآوي الى، التيه، لتعصميني، غرق، نجوى، آناء وأطراف، سرابيل، وكما يُعرف أدونيس الرمز الصوفي على أنّه (« طريقة الكشف عن المعرفة، والبحث عن المعنى ووسيلة لبناء الهوية، كما هو دعوة لتحرير الكيان البشري إلى جانب كونه دعوة إلى تحرير الفكرة.»)*6، فالتنصيص يجعل النص بحوارية مع النص التناصي الآخر ولكن بذاتية مستقلة مكثفة الإيحاء مما يلفت استغراق القارئ لاكتشاف الجمال ويستفز ذهنية المتلقي لمنابع البحث والتأويل ...

- ونرى تحرير الفكرة من تحرير الذات وعتقها من جمود التقليد والخوض في ابتكار الصور ليبرهن الأبداع والتميز في كينونة التنصيص بما يحمله من خبايا دلالات لنكتشف ولادة جديدة من مخاض الأبداع تشق سبل التذوق ...

- وكما جسد الشاعر لوعة الاشتياق المتأجج باختياره لمعجميات صوفية المعنى مثل:- تسابيح، مناسك ، وتهاليل، سخرها بلغة خصبة الدلالات تشي بما يجتاحه من مشاعر نفسية خلع عليها صوفية التواجد الوجداني برؤى ذاتية وتأملات حسية عميقة تتكور في تكثيف المبتغى الموضوعي للشاعر، فتُغرق المتلقي بمتعة المتابعة بالبحث والتنقل برحاب التصوف وبيان اللغة ...

- هيمنت الأفعال المضارعة متوالية في بداية كل صورة شعرية وخلالها أيضا مثل :- يفور، يعشّش، يؤجج، يتبدى، تدب، يجرجر، تصطاف، ينثر، تموء، تلم، يورق، يهيم، يمحص، يمحق، يتراقص، تتبوء، يزدهر، تضج، تتناسل، تتألق، يستفيق، تشاكس، تقولي، يرحل، يلتحف ... وهذه الأفعال مؤثرة بالمعنى وببنية النص وتمد بأفق الرؤيا في تأويل المتلقي لما لها من استمرارية حضور وزمن يتنامى تبرز من وعي او لاوعي اثر الانفعال الوجداني العميق وفلسفة ذاتية لفكر الشاعر، فتطغي قوة التحفيز للالتفات لمعيار الصورة في ذهن المتلقي وهي نقطة معبرة بالروعة لتجربة الشاعر في فن مهنية الأبداع ...

- على سبيل قطفة اخرى روحية الوجدان ميتافيزيقية الوجود تراثية الأثر تؤكد أهمية التواصل الاجتماعي والثقافي في فكر الشاعر نتأملها في السطر التالي: (مكتظّة برائحة قهوة الحنين)، الحنين صفة حسية والقهوة رمزا لرؤيا تراثية تعكس نكهة الأُلفة والتقارب الروحي لمراسيم مجتمع لها مرجعية تاريخية، ومن عتمة لونها تجسد لحظة فيزيائية توحي بامتداد تصوري للقارئ لعمق المشاعر بانعكاس الرؤيا بشعور حسي بتناغم تراثي يترأى بتفاعل التاريخ مع الأدب عبر جوهر الفكرة بتأثير نفسي عميق المغزى وباستخدامه مضافا مجردا الى مضاف اليه محسوس فأنتج استعارة رائعة بصورة تجريدية في تشكيلة منسجمة بالشكل والمعنى، وهو ابتكار الشاعر لأثارة ذهن المتلقي بخبرة أدواته الشعرية الماهرة ...

- ومن مستوى اجرائي آخر من الشطر التالي (يتراقص شجر الحِنّاء على نَجيع ضفاف (الفاو) / وظف الشاعر صورة شعرية بارعة البنية، منطقية الدلالة، بتركيب خاص مميز مبتكر، بمزج رموز التراث والفرح بالأرض، الحنة مراسيم تراث توحي بالفرح والمناسبات الاجتماعية بعقائد روحية متنوعة الغرض، و(الفاو) منطقة مشهورة بحنتها في جنوب العراق(" الرمز في اللغة هو الإيماء والإشارة والعلامة ")*7 وكلا الرمزين بجوهرية الصورة والدلالة للحبيب الوطن، وهنا يلوح قلقه الروحي وشعور يفيض بالانتماء الى ترابه فيطفو بفلسفة ادبية تعانق حروفه ضفاف وطن كلل هموم الشاعر بغربة مجردة حلمه من أماني السلام ...

- امنحيني مَطر الدِّفء!! ايقاع متكرر للعنوان في متن النص يؤازر نسق النص ترابطا ممتدا بالانسجام الكلي للبنية التركيبية وسيماءً للتواصل الدلالي للشاعر مكثفة لرؤاه الشعرية وروحانية تأملاته، فنستوضح جذورا متلاحمة لبنية العنوان في هيكلية النص تتجلى إحالة دلالية بإيحاء معنوي روحي الأبعاد بسيكولوجيا فطرية لمحتوى عبارة مشبهة غزارة المطر بزمن مفتوح الأفاق يوحي للتواصل المستمر يروي الشوق والحنين ومنه يستغرق تساؤل الاستقراء بنهم المتابعة وما ضمر خلف اللفظ من دلائل بانزلاق وتروي شيق المتعة لاستكمال النص دون كلل ...

-وعلى ابواب خاتمة النص دفقة شعورية رائعة، تستوقفنا برهة تأمل وتمعن بسرد مكثف مبهر مرتكزه الأنا وضمائر المخاطب ولنحصي الجمال من منابت العتاب والذكريات وشغف محب مؤثر ...

- (منذ عرفتكِ رقصت سنابلُ أُفقي، عشقت الغناء..)، شعرية حوار داخلي(مونولوج) يعطي بعدا تقنيا مكثفا فنيا بصورة شعرية رائعة السبكة تحكي قصة اللقاء بأفق زمني واستخدام الضمائر تضمنت ال(الكاف في عرفتك) ضمير المخاطب، وضمير المتكلم الياء في أفقي .. ترانيم حوار بلقطة شعورية اختزلت قصة التوله الصوفي ووفق في التوقيت اللا محدود ب (منذ) مما يعطي علامات الاستغراب حيز فضاء الفضول فترتسم تساؤلات القارئ وجه رؤية ليبحث عن بداية الحكاية بشوق متلهف ...

- مَن قال: انّ الغناءَ لغوٌ ماكرٌ وفيه تتألّق الأرواح؟)، (مَن قال) خطاب موجه لغائب حاضر باستنكار حاد الانفعال يحلق في مخيلة الشاعر واستذكار يلتفعه تساؤل يلج بمنولوج داخلي تعمده فلسفة انسانية التجديد وحضور معرفي عما يقال بالماضي من خرافات واعتقادات متداولة تراثية من تراكمات فكرية ترفضها الأنا في مخيلة الشاعر، فيتأجج احتجاجا يؤكد بما تمتلكه معجمية (الغناء) من رقة وخفة تخترق الأسماع فيستنير طرب الأحاسيس بلذة الانطلاق في كونيات الأمل عبر الوجود يجاوز زمن الحلم، جمال الإيحاء بمزج الحسي بالمعنوي فانتج تفاعل الحواس بالتذوق الذهني عبر عوالم مخبوءة بالغموض والإبهام مشوبة بالخوف والتوتر مخبأ نفسيا في كوامن الفطرة على مستوى الدلالة النفسية للشاعر المرمزة بالأرواح تجيز لنا أُفق إجرائي آخر بالمستوى الصوتي ، وقد أبدع الشاعر بمزج الذات بالموضوع ، فاظهر جمالية اللغة بطاقة انزياحية عززت أدوات الإيحاء لتأويل الدلالة ...

- سأظل أُغنيكِ (السين) تأكيدا للحالة الحسية مع الفعل أظل لاستمرارية الحالة، والغناء تتناغم وكلام مدعاة لسبيل تواصل روحي، (حتى) ظرف زمان بمعنى الى أن وما يوحي للاستمرارية والتواضب الحسي فنمرق مدار آخر خرق المألوف بانزياح مستساغ لتحديد الصورة الفنية المتعالقة موضوعيا ومتناسقة اسلوبيا ومنسجمة انسيابيا في بنية النص متفاعلة مع السابق والاحق من الأنساق ...

- (حتى يستفيق صحو الشتاء وتشاكس القصيدة سرابيل المساء) والشتاء استذكارا للمطر والدفء، هكذا نعاود التأكيد بصورة مدهشة للعنوان وما حمل من اشارات ودلالات لجسد النص فكل الأنساق متشابكة متساندة بالخطاب تبوح بمدى الوجود وتستغرق مدارات الوقت، و قد برع الشاعر باستخدامه معجمية المساء وما تشي اللفظة للهدوء وانزواء للذات واستذكار الكثير، فانتج صورة مدهشة بمدار اجرائي لصورة شعرية بانزياح رائع بإضافة جماد معنوي الى محسوس معنوي ... والقصيدة هي حروف الشاعر في قرى نفسيته، غزله ..غناءه ..أمانيه ...

- خاتمة النص حوارية وجدانية الروح يتقد فيها استبصار نفسي تلج بذات الشاعر انفعال وجداني غائر بحنايا الروح معلنا احتجاجه واصراره استفهام السؤال بإصرار ليجيب باستمرارية الأبحار الروحي وتواتر الأنا يُغنِّي الإجابة برؤيا الأمل والتي تزهر من سمات الطبيعة البشرية لملء الحلم بفلسفة كونية من ذات الفكر والتأمل طموحه لا يخبو ساريا عبر (الزمن كله)، (هو نهارٌ يلتحف الزمان كلّه) نرى مدار انزياحي لصورة شعرية مبهرة، ومنه يكون المستوى الإجرائي مرتبطا بزمن مفتوح لا حد له ينسجم وأبعاد مفهومية وما تضمنته لغة المطر اللا محدودة ومعجمية النهار حركية انتقال بتأويل واضح الرؤيا، صادق الوجد، مبهج للنفس بمدار تأمل ...

 

بقلم إنعام كمونة

........................

هوامش

1: من كتاب الفلسفة والشعر لعبد الهادي مفتاح

2: اسرار البلاغة في علم البيان ص 41)

3: أبو عثمان عمربن بحر الجاحظ، البيان والتبيين)

4: سورة44 هود

5: سورة 40هود

6: يوسف اليوسف:ما الشعر العظيم

7: جميل صليبا : المعجم الفلسفي

........................

امنحيني مطرَ الدّفء

نص / شلال عنوز

كلّما هدأ طوفان تسابيح الوَجد

وغِيضَ دمع الّلهفة في مُدُني

يفور تنّور ذكرى

محمولا على أكتاف مهرجان عنيد

يعشِّش فيه يَمامُ أمانٍ صمّاء

يُؤجّجهُ هدير يتبدّى إشتياقا

تدبّ فيه تراتيل عُري نسيان

يُجرجره تيّار تتسكّع فيه

مناسِك الولَه

تصطاف فيه عصافير الترقّب

ينثرني ملحا وماءً

على أجنحة فراشات

ملوّنة الإتجاهات

في جزر مَنسِيّة

تَموء فيها قِطَط التغرّب

سآوي اليكِ ....

عند مُنعطفات تهاليل نجوى

مكتظّة برائحة قهوة الحنين

لتعصمينني من غَرق تدفّق

جوع الذبول

وتلمّينني قمح إنتماء

لحقول المجرّات

يُورق انتظاراً أبديّ الطّلع

في نُخيلات عُمري

يَهيم في مقتربات الحُلم

ليُمحّصَ وجع التّيه

..يمحقَ الجفاء

عندما تُزغرد العَنادل

على وَشوشات هَمسِك

يتراقص شجر الحِنّاء على نَجيع

ضفاف (الفاو)

امنحيني مَطر الدِّفء

فأنا أفقٌ بلقعٌ

هجرته رطوبة الوَدْق

وأنتِ مَدارات غُيوم ضاحكة

تَتبوّئين إحتشاداً للغَيث

كي يزدهرَ حرثُ العمر..

بساتينَ فرح

طفلٌ مستفزٌّ أنا

وأنتِ هدهدات أمٍّ حانية

عطّريني بنَقاء المُروج

لأشمَّ نفح عطر العَنبر

عبر قارات قَسرِ التهجير

آناء التَّوق وأطراف السَّهر

إرسميني لوحة يتيمة المَلامح

كلّ لوحاتكِ تُبحر فيها النجوم

تَضجُّ حقولَ سعادةٍ شرقيّة الدّلال

تَتناسل فيها أسرار الرُّقم الخالدة

منذ عرفتكِ رقصت سنابلُ أُفقي

عشقت الغناء..

مَن قال: أنّ الغناءَ لغوٌ ماكرٌ

وفيه تتألّق الأرواح؟

سأظلّ أغنّيكِ

حتى يستفيق صحو الشتاء

وتُشاكس القصيدة

سرابيلَ المساء

لا تقولي:

غبشاً يرحل بالجنون؟

هو نهارٌ

يلتحف الزمان كلّه

شلال عنوز

 

احمد الشيخاوييطالعنا القاص المغربي أحمد العراف، عبر مجموعته القصصية "شطحات الثعبان الأرقط" الصادرة حديثا عن جامعة المبدعين المغاربة، بمتوالية نصوص تنضو عن مرايا هذا الجيل، ضباب الدوخة الوجودية، بحيث تفتحه على جهات العراء الكامل فيما يتعلّق بكارثية،ما يحصى عليه من أخطاء وانزلاقات، أسهمت في عيش مثل هذه الغيبوبة ومكابدات الخدر الذي حقنته به التسويفات الأيديولوجية المعطّلة لبزوغ فجر، تتبدّد معه العديد من الأوبئة المشتعلة في مركزية كما هوامش  الكائن المعني بخطاب،كهذه فسيفساء سردية، أعمق انتصارا لهمومه ومشاغله وهواجسه، وهو المحروم والمغبون والمطعون في حريته وحقوقه وكرامته وهويته.

نجد الدكتور خالد التوزاني،وقد بصم مقدّمة هذا المنجز اللافت، يقول: [إن الكاتب المبدع الأستاذ أحمد العراف وهو يرصد لحظات من المعيش اليومي لا يركز على الوصف والسرد فحسب، وإنما يستدعي ثقافته التاريخية والفلسفية الواسعة ليخاطب قارئا مثقفا ذكيا، يدرك جيدا معنى بعض الإشارات الخفية التي قد لا يفقهها إلا من عاش في الهامش وخبر حياة المهمشين، وبذلك يحقق الكاتب المبدع الأستاذ أحمد العراف جزء من رسالة المثقف في البوح بالوجع والثبات على المبدأ والصمود أمام عوادي الزمن الرديء].

صفحات المجموعة تربو على الثمانين، قطع متوسط، زاخرة بعناوينها ومضامينها،التي تركّز على الرأسمال البشري،وتتوسل صور بناءه البناء الصحيح،على نحو يمنحه التوازن الذاتي، مابين كفتي الحق والواجب.

درءا لما يمكن أن تتولد عنه الحالات الإنسانية الشاذة، والأكثر تعصبا وتطرّفا، تغذي خيار الفوضى والاضطراب، وتسجن هذا الرأسمال في ثالوث الدم والجنس، حسب تعبير الكاتب، علاوة على التطبّع بالعقلية الاستهلاكية، بدل محاصرة الراهن بأسئلة حارقة ومقلقة، بغية تأجيج الاستفزازات الكافية لملامسة كامن الهوية وأنْوية الوجود.

ما يثبت سريانا أو دينامية وجودية غير صحية،تترجمها رواسب حضور عقلية القطيع، عوض أرق البحث عن بدائل تقترح مقاربات جديدة في أبجديات تحرير العقل وفك الغربة عن روح الكائن المصفّد بتجاوزات عصر التقنية والتوحش السياسي.

نقتبس للقاص قوله : [همست: الورقة بين يديك فنفذ ما ورد فيه، أرواح الموتى والأحياء معك وتحميك، فأنت نصف حي ونصف ميت،صوتها وقع عليه كجرس يرنّ في رأسه المتهدّم،نبست بهذه الكلمات وانصرفت مع النسوة اللواتي كن داخل الضريح يتبرّكن ببركة ولي مجهول الأصل والهوية،فقد اختلفت الروايات حول أصله وفصله.

الهدايا والمأكولات يستفيد منها القائم على الضريح، ذو العينين الجاحظتن والجسم المكتنز، ظاهريا يدعي الورع والوقار،أما باطنيا فهو أكبر صعلوك أنجبه القرن.يوهم الناس بأنه من حفدة الولي المدفون  و أنه من سلالة شريفة فهو نسج خرافات حول الولي بأنه ذو كرامات لا تحصى وكل من مسه بسوء يصاب بأذى أو تلحق  مصيبة، وهكذا يروج الأضاليل  لينعم بتك الإتاوات والهدايا.

يملك عقارات بالمدن المجاورة، وأبناؤه يركبون أحدث السيارات،كل ذلك من فضل بركة الولي الصالح،لمح هذا المخلوق العجيب المعلم يذبح الديك فطلب القسمة وهو عرف ساري المفعول بينهما خصوصا إذا كان من ذات الخمار الأسود](1).

تصوير فني بديع، يعكس ثقافة عقلية القطيع السائدة، إزاء الاستغلال غير البريء للدين،والمنطق الانتهازي المقنع باللبوس العقدي، كون هذا الأخير، أي الجانب العقدي وترا حساسا يسهل على الدجالين والمحتالين والأبالسة والآلهة الصغيرة، استثماره والعزف عليه، في ضحاياهم المترهّلين بملامح الفقر والجهل وسائر أشكال التخلف، ليسهل جذبهم إلى حقل الدين الملغوم بالخرافة وتعطيل الوظائف والأدوار العقلية الدامغة.

بذلك يلتقي سماسرة وتجار السياسة والدين، في هذه النقطة بالذات الواصمة بعار التاريخ، أو خندق التلاعب بمن لم يجتز بعد، حضورهم وهويتهم، مجرد كونهم متخلّفين متأخرين عن زمانهم بسنين ضوئية، تحكمهم، كما أسلفنا، عقلية القطيع.

نقرأ له في موضع آخر، أيضا، قوله: [جماجم منتشرة بشكل مبعثر، سأل حارس المقبرة عن مصدرها فأجابه هؤلاء أكلوا من شجرة اللعنة ولم يشفع لهم لا نسبهم ولا ولاؤهم، أراد أن يروض الزمن الرديء إلا أن الأمر استعصى عليه فمن مقبرة إلى أخرى ومن تساؤل إلى آخر، الجلاد في الأسواق ينعق ويصيح :حقوق الإنسان، ديمقراطية من يشتري؟ كل شيء في المزاد العلني، الذئب أصبح حملا والحمل تحول إلى ذئب، الثعبان الأرقط خرج من مزبلة التاريخ يطلق سمومه، أصيب بالذهول لأن سمه لم يقتل أحدا،إيقاعات دفوف عيساوة أبطلت مفعوله، " شيلاه سيدي بنعيسى" تحلّق الناس حول هذا المخلوق الأرقط، وهو يقدم شطحاته وصوت البندير والمزامير يحرّكانه](2).

بالعودة إلة عتبة المجموعة ذات الطابع الغرائبي، نلفي المبدع وكأنما يجبر المتلقي على أن يعيش وضعية فرجوية، ساخرة من سلبية ونقصان عالمه، مادام هذا الكائن عاجزا، أو فلتقل نسبي التحرر والانعتاق من عقلية القطيع، راضيا بالخطاب الخرافي الذي يصادر مكامن العوز الوجودي والخور الآدمي والخدر أو الدوخة، فيه.

ما يشبه الاصطدام بطقس بوذي، تستعرضه ساحات "جامع الفنا" صارخة بنظير هذه المفارقات الحزينة جدا.

وإذن هي سردية شعب يدفع ضريبة الخنوع للخرافي، في الوقت الذي هو ملزم ببعض التمرد على زوايا الإيديولوجي والعقدي المتكالبان على أفق ثقافة التوعية والتنوير عبر رهان تحرير العقل والانتصاف لروح الكائن المغتربة.

 

احمد الشيخاوي

.................

هامش :

(1)مقتطف من نص " ذات الخمار الأسود" صفحة 24.

(2) مقتطف من قصة " شطحات الثعبان الأرقط" صفحة 46/47.

* شطحات الثعبان الأرقط (مجموعة قصصية)،لأحمد العراف، طبعة أولى 2019،جامعة المبدعين المغاربة، الدار البيضاء.

* شاعر وناقد مغربي

 

 

1017 علي الفاغورحينما يكون الشّاعرُ بوصفه رائياً في مقدمة من يتصدى لتفكيك شفرات الواقع فهو بذلك يضع على عاتقه التنبؤَ بمستقبل أمة بأكملها وهنا تصبح للشّاعر ريادةُ الحياة والمجتمع موظفاً رؤاه الفكريّة والفلسفيّة وأدواته الشِّعريّة في بناء القصيدة التي هي عنده بيانُ استشراف لما سيكون حتى لو أحاطت الظّلمة به من كلِّ اتِّجاه معتمداً نورَه الداخلي في أستبيان الطريقِ إلى السَّماء وكما قال الشَّاعر الكبير (أودونيس) "إنّ من لا يعرفُ أنْ يرى الظّلمة لن يَقدرَ أبداً أن يرى النّور" .فيما يرى (فيكتورهيجو) في مجموعته (أوراق الخريف) أن الشّاعر هو "الرّائي" الذي يرى ما لايراه الآخرون .

 الشّاعر علي الفاعوري في مجموعته الموسومة (مقام الضَّباب) (*) متسلحاً بأدوات الرائي اقترب كثيراً مما أشرنا إليه مخترقاً ضباب العالم الذي يحيطه ليبصرَ من خلاله ما سيكون وهو في مقامه المضبب إذ تغيب الرّؤية وتتلاشى الأشياء عن البصرعند الآخرين.

 ومن البداية تُحيلُنا العنونة إلى مداليلَ تمتد عَبر ثمانٍ وعشرين قصيدةً تلتقي أحيانا مع العنونة، وتفترق، مركزةً على رؤية الشّاعر لما يحاصره ويحيط بهِ . فمفردة مقام كما وردت في معجم المعاني الجامع، "هي أسم جمعها مقامات والمَقَامُ : مَوضعُ القَدَمين، ويعني المجلسُ : وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم حين رفع بناء البيت .والعرب قالت : لِكُلِّ مقام مقال : وتعني الدعوة إلى الملاءمة بين القول والموقف، وفي الموسيقى يعني سُلَّم الموسيقى، وهو تَسَلْسُل النَّغم درجةً فوق أُخرى".

 والشّاعر المولع ب(العدول) أي بانزياحات اللّغة وتشظي المعنى لتوليد معنىً آخرَ ربما يجد نفسَه في كل هذه المعاني، إلا أن الفاعوري أراد أنْ يشتغل على معنيين من هذه المعاني، المعنى الأول :(موضعُ القدمين) أي من مكان الأرض التي يقف عليها وهي الأرض العربيّة، والمعنى الثاني هو ما يندرج تحت مفهوم الموسيقى وهو(تسلسلُ النغمِ درجةً فوق أخرى) معتمداً الصوت والإيقاع في التعبير عن حزنه الذي تراكم ليشكّلَ صورة الأعرابي الذي تبتلعه رمال الصَّحراء رويداً رويداً وهو يلحّ بالنداءعلى أخوته وأبناء عمومته محذراً اياهم من ضياع لن يُبقي ولن يذر بعد أنْ غلّف الضَّبابُ الأرضَ وما عليها ليأتي (مقامُ الضَّبابِ)مضافاً إلى (360) مقاماً في الموسيقى العربيّة التي عرفنا منها مقامات الحجاز والصّبا والبيات واللامي والنّهاوند وغيرها .

 وفي القصيدة التي أخذت المجموعة منها عنوانَها (مقامُ الضَّبابِ) يتنبأ الشاعرُ بأن الضَّبابَ سيعقبهُ ضبابٌ آخرَ، بعد سبعٍ يباب، متناصاً مع سورة يوسف في القرآن الكريم، والتناص عند الفاعوري وفي أكثر من موضع في المجموعة يُحيلنا إلى المرجعيات الثقافية الرصينة للشاعر والبيئة التي نشأ فيها في مجتمعه :

" هو الصّبحُ يفتحُ للهاربين َمن الهمِّ

عشرينَ بابْ

وبعضُ الرّواة ِ يقولونَ

إنَّ الرياحَ ستهدأُ عما قريبْ

وماءٌ غريبْ ..

يجيُ إلى الحي ِّ بعد َ سَبعٍ يباب ْ

يُغنّي مَقام َ الضّباب ْ " ص19

 ومن مقامهِ في الضَّباب انشغل الشّاعر باستشراف الضَوءِ بحثاً عن حقيقة الوجود، وجودهِ، ووجودِ الآخرين في حياته، والضَّوءُ هنا يُعبرُعنه بأكثرَ من مصدرٍ فمرةً هو (شمعةٌ) كما في الإهداء :

" إلى سلوى

الشمعة التي تُنير سنواتي

وكلماتي " ص 7

وأخرى هو القمرُ، ولكنه ليس القمرَ المزهوَ في السَّماء بل هو قمرٌ منكسرٌ ..انكسارَ الشاعرِ نفسِه من جراء الضَّبابِ الذي يحيط به .

" قمر ٌ على وشكِ السقوطِ

وشاعرٌ متناثرٌ

ما بين كأسِ صُداعهِ

وقصيدتين ! " ص17

وهو في هذه القصيدة نجدهُ باحثاً عن الضَّوء رديفاً للحياة بعد أن اصفرَّ العشقُ مثلَ العُشبِ، والضوءُ مانحُ الخضرةِ والتي هي رمزُ الحياةِ والتَجدّدِ والذي يسعى إليه الشَّاعر هذا الكائنُ المتوجسُ الحساسُ مما دفعه إلى استشرافِ الموتِ القادمِ الذي سيكلّلُ السَّماءَ بالدُّخانِ بوصفه نقيضاً للضَّوءِ ومعادلاً موضوعياً آخرَ للموت والدّمار:

" العشقُ مثلُ العُشبِ

أصفر ْ

وكأنّهُ فقدَ الشَّهية للدخولِ إلى قلوبِ السّاكنينَ

مدينةَ الحُبِّ المؤجّرْ

خمسون موتاً تستعدُّ الآنَ كي تبني سماءً من دخانٍ

ليس أكثرْ " ص 18

وهرباً من واقع يسودهُ الظّلام والدُّخان نجده في قصيدته (مقامُ الضَّباب) يفتتح القصيدة بالشّمس والتي تعني الحياة َوالحريةَ والأملَ وهي تمزق الظلام وتُشِيعُ الفرحَ بعد الهمّ وتفتحُ عشرين باباً بعد أن تكسِر صمت السَّحاب المقيتِ ..هذا السَّحاب الذي لا يرتجى منه الغيث، لكنَّ الصُّبحَ المنبلجَ من الشَّمسِ سيكون بالنهايةِ المنقذَ :

" على رِسلِها الشمس ُ تصحو

وتكسِرُ صمت َ السّحابْ

هو الصّبح ُ يفتح ُ للهاربين َ مِنَ الهم ِّ

عشرين َ بابْ ...."ص19

ويعود في مقطعٍ آخر من القصيدة يبكي حُلمَهُ الذي طالَ انتظارُهُ بعد أن ذَبُلت شموعُ الأمل فيه، ولذبُولِها معنىً آخرَ يتمثل بحلول الظّلام وإنعدام الرّؤية بما يعني حلول الضَّباب :

" في حيِّنا ليلٌ تَمزَّقَ ثوبُهُ

وخيامُهُ تبكي الشّموعَ الذابلات ِ

على حنينِ الانتظار ! " ص21

وفي القصيدة التي تليها (سُمّاق) يفتتح علي الفاعوري القصيدة بالصَّباح وبإشراقة الشَّمسِ الضاحكةِ بإنزياح لغوي وبلاغي جميل أي بوصفها مشرقةً وكأنَّ الشَّاعرَ الذي ملَّ الضَّباب والدُّخان والظَّلام يبتكرُ لنفسه وللوطن نهاراتٍ مشرقةً ..

"صباحاً... مثلَ عادتها

لمحتُ الشَّمسَ ضاحكة ً

تغازلُ شَعركِ العاجي " ص27

وفي نهاراته هذه يتوحد الذاتي بالموضوعي، مفاتنُ الحبيبةِ بمفاتنِ الأرض وأشجارِها وعصافيرِها وسمائِها التي تمتدُّ إليه منها أصابعُ النجماتِ لتمرَّ على تفاصيله عَبر رؤيةٍ حُلمية لا يبدّدُها إلا دُخانُ أحلامِه حينما يكون شريانُ قلبهِ التّاجي شالاً للحبيبةِ - الأرض :

" رأيتُ أصابعَ النجمات ْ

تمرُّ على تفاصيلي

وتجْمَعُني

كمصباحٍ تكَسَّرَ ضُوءُهُ الخمري ّ

من شوقٍ وإحراجِ

لمحت ُ دُخانَ أحلامي

يطاردُ شالَك ِ المشغولَ من شريانيَ التّاجي ... " ص28

وتتواصل في قصائد علي الفاعوري اللاحقة ثنائيةُ الّنور والظّلام وكما في قصيدة (حديث الخرافة) حيث الدُّخان والشَّمس وما بينهما من (ظلام، ونجوم، وغمام، وصباحات، وفجر، ومساء، وبياض، وشمع يذوب) بصياغة صانع ماهر يبتكر من طين هذه المفردات قيماً للجمال المتمثل في المرأة، ولكن وفق ثنائياته التي جاءت معكوسة هذه المرة إذ قدّم الدُّخان مفتتِحاً به القصيدة ومنهياً بالشَّمس، والتي بنورها تستكين الرّوح وتطمئن القلوب .

" تقولُ الحقيقةُ

إنَّ النساءَ

سَقَطنَ من الشَّمسِ يوماً علينا

فكان َ الجمال ُ... " ص33

 وقي (أوان القصيدة) يستشرف الفاعوري حجم الدَّمار الذي سيلحق بنا داعياً الي التمسك بما تبقى من الحُلم للوقوف بوجه كلِّ هذا الدُّخان والزَّمن الرَّمادي الذي غلَّف المشهد بعتمَتهِ القاتلةِ مما دفع الشّاعر إلى تكرار مفردة الرَّمادي في القصيدة ثمان ِ مرات فيما تكررت مفردةُ الدُّخان أربعَ مراتٍ ليضعنا أمام بانوراما الحروب والضَّياع والعجزالذي أصاب الأمة.

" وقتٌ رماديُ الملامحْ

لاشيء فيه سوى دخانْ

والساعة ُالمجنونةُ الخطواتِ

تحملُنا إلى غبشِ المكانِ

فاقترب من راحتيك

هي ذي القصيدةُ هيأتْ أسبابَها

وقد آن الأوان " ص34

وبعد هذه الشّحنة الثّقيلة من الظّلمة والدُّخان والرَّماد تختفي الشَّمس في فضاءات الشَّاعر وحتى في قصيدتيهِ (أبي، أمي) لن نجدَ تكراراً للشَّمسِ كمفردة إلا مرة واحدة في قصيدة (أبي) الذي لم يجد الشَّاعر فيها الحاجة إلى استدعاء الشَّمس ليبدّد الظَّلام الذي يحيط به والضَّباب الذي غشيَهُ، بل آثرَ أستدعاءَ وجه أبيهِ لينيرَ له حياتَهُ ويبدّدَ سدوفَ الظّلام :

" ثلاثون َ صيفاً تلاشتْ

ثلاثون نجماً قضى نحبَه ُ

ثلاثون شمساً سَرَت للرّحيلْ

وما زالَ وجهُكَ قنديلَ روحي

وصوتُكَ يُهدي دروبي السبيلْ .." ص 43

وإذ تختفي الشَّمس في (الكلام المرّ) و(السّكوت المرّ) فإنها تظهر بقوة في قصيدة (الفصول) في تراتبية الظّهور والاختفاء كرسامٍ ماهر يرسمُ اللّون و نقيضه فالظّلال هي ما تُظهرُ الضَّوءَ تماماً كما في حياتِنا التي تكتنفها فصولٌ من الفرح والحزن والقوة والضّعف والحضور والغياب ومن هنا ولدت مبررات العنونة للقصيدة (الفصول) لتأتي معرفة بالألف واللام وكان من الممكن ان تكون(فصول) لكنَّه أصرَّ على تعريفها لتكون متماسةً تماماً مع حياته عَبر فصولها المتعددة والتي سترحل فصلاً بعد فصل باتساق جميل مع حركية الكون من حوله وعدم ثبات الأشياء .

" أبُنيّتي ...

هذا الخريفُ المنتشي ببقائه ِ

لابُد َّ يرحلْ..

وشتاؤُنا المحبوبُ يحمل ُدفئَهُ يوماً

ويرحلْ ..

حتى الرَّبيعُ المنتشي بغرورِه

حتماً سيرحلْ !

أبُنيّتي ...

والصّيفُ يرحل ّ " ص 57

إنَّ تناوبَ الفصولِ يكاد يكون هو الآخر معادلاً موضوعياً لتتابع الضَّوء والظّلمة، الشَّمس، والضَّباب، النُّور والدُّخان .

" أستميحُ الشَّمس عذراً إن ظللتُ معبأً

ومخبأً في الظّلِّ ألتحفُ الزّوايا " ص54

 والضَّوء عند الفاعوري يتجسد في أكثر من قصيدة، في وجه الحبيبة التي يراها شمسا كما في قصيدة (تقدَّمي) بعد ما ملأت قلبه الظّلال استحضر الشَّمس لتضيء له حياته وليهاجر إليها هرباً من ظلام وجعه :

" إنّي إلى كفيكِ أُعلنُ هِجرتي

هل ممكن ٌ

أن يهرب َ الإنسانُ من وجعِ المُحالِ

إلى المحال ِ؟!

ياهذهِ الشَّمسُ التي تغتالُ

طعمَ قصيدتي

وتذيقُني ذُلَّ السؤالِ " ص68

وفي صداع شجي ومنذ المقطع الأوّل في القصيدة يتدفق الضَّوء ويأخذ شكل وجه الحبيبة أيضاً، تلك الحبيبة التي أفقدته اتّزانه وجعلته يفرُّ إليها عَبر القصيدة ليحيل ظلام المساء الثقيل إلى نهاراتِ فرح باللقاء ويبثُها بوحَهُ في أجواء حلمية ابتكرها الشَّاعر في ثنائية الضَّوء والظّلمة هرباً من صداعه الذي أورثته إيّاه الحبيبة فآثر أن يسميه شجياً معبراً بذلك عن حبه لهذا الصداع فأستبدل الصّفة الأصلية للصّداع من (موجع، مؤلم، مقلق، قاتل، مؤرق، مزعج، رهيب....الخ) بالشجي تحبباً في انزياحٍ لغوي جميل :

" كماءٍ شقيّ

تسرّبتِ بين أصابع شِعري

على حين عشقٍ

وسافرتِ في ّ

تدفقتِ ضوءً على بابِ عيني

وحينَ فتحتُ لكِ البابَ فاض َ

الجنونُ علي ّ...! ص99

وتعود ثنائية الظّل والضَّوء في قصيدته (شروق) والتي تناوب فيها النّهار واللّيل من خلال توظيفه للمفردات الدّالَّة وهي (الصَّباح، اللّيل، القمر، الضَّوء، والشّروق) في إطار سعي الشّاعر الحثيث نحو التجدّد، فالشّروق يعني ديمومة الحياة ولذا فهو يسعى إلى الاستمرار في الحياة متحدياً الانتحار الذي يشكّله البقاء السّاكن فيها .

 وهو أذ يترك للدُّخان أن يكتب سيرتَهُ في (مطر غريب) فإنه يراة في الضَّوء أملاً رغم شروق شمسِها الحزينة في قصيدة (المدينة) :

" صباح هذه المدينة المسكينة

مُبلّل بلهفة الأمل

وشمسها الحزينة

تُطلُّ في خجل

لتنشرَ السَّكينة " ص112

إن علي الفاعوري بمنجزه الشّعري هذا انحاز بكلِّ جلاء إلى تحديث لغة القصيدة العمودية باعتماده المفردة السَّلسة وتوظيفها لتعميق المعنى الذي يبتغيه بعيدا عن المفردات القاموسيّة الثّقيلة وهو بذلك يسعى إلى الوصول الى أكبر شريحة من جمهور المتلقين وفق رؤيته، وحتى القافية في قصائده وجدتها تأتي لتكمل المعنى ولم يأتِ بها عنوة لغرضٍ إيقاعيّ فحسب البتة .

 كما اشتغل على جماليات التشكيل للصورة الشِّعريّة متجاوزا بذلك محدّدات الشَّطرين والقافية والإيقاع ليرسم لنا صوراً شعرية عذبة على امتداد قصائد الدّيوان مستمداً ذلك من قدرته العالية على الرَّسم وإستخدام الظّل والضَّوء ومما تأثر به من صور ترسخت في لا وعيه لتلحَّ عليه بالخروج متشكلة ً بمعنى جديد قد يكون في بعض الأحيان هو الحجر الأساس، وعليه تعلو أبيات القصيدة المتدفقة تباعاً.

 

د. سعد ياسين يوسف

..............

(*) علي الفاعوري، مقام الضباب، (مجموعة شعرية) وزارة الثقافة الأردنية 2018

 

1016 خالد الحليقصائد تتميز بحرارة العاطفة والصدق.. خرجت من القلب فوقعت في القلوب1

لقد بات من الضروري، قبل الولوج في قراءة أي عمل أدبي قراءة جمالية، التعريج على العنوان لكونه عتبة النص الرئيسية ومفتاحه الأساسي ونقطة الإرسال الأولى بين المرسل والمرسل إليه. هو الذي يحدد هوية النص ويعين قصديته ويخلق أجواءه النصية والتناصية، وهو الذي يقدم الآلية لضبط انسجام النصوص وفهم ما غمض منها. وهو المحور الذي يتنامى و يتوالد و يعيد إنتاج نفسه. وإن صحت المشابهة فهو بمثابة الرأس من الجسد، وبناء عليه، حظيت العناوين بأهمية كبيرة في المقاربات السيميولوجية باعتبارها أحد المفاتيح الأولية والأساسية التي يجب على الدارس/الدارسة، أن يحسن قراءتها و تأويلها والتعامل معها لأن العنوان يمارس غواية و إغراء للمتلقي/ة، فهو الإشارة السيميائية الأولى في الكتاب كونه يتصدره ويبث خيوطه وإشعاعاته فيه "ويشرف عليه كما لو أنه يضئ العتمات و يجليها"2 .

إن صحت هذه الصفات، فإنما تصح في هذا العنوان "لا أحد يعرف اسمي". هو فعلاً حامل جيناته، إذا صح التعبير، المبثوثة في ثنايا النص الـمُؤَلَف من أربع وعشرين قصيدة، وهو فعلاً مفتوح على عدة تأويلات. فالجملة على قصرها ترصد خسارات المنفى التي هي حياة خارج المألوف، ومعايشتها أمر مريع، لأن عالم المنفي كشاعرنا خالد الحلي، عالم غير طبيعي وعدم طبيعته تشبه المتخيل. هو على حد قول إدوارد سعيد كالعمل الروائي الذي يبدع من خيال طموح وغير واقعي وقائم على مجتمع متغير3 . فالشاعر الذي وقع في بيئة غير بيئته وبين أناس غير ناسه شعر بالفقد والحزن المضني اللذين ولّدهما الاغتراب. جرّده المنفى من كل ما راكمه من قبل من علاقات وانتماءات ومكاسب مادية ومعنوية، فلا النافية للجنس في جملة "لا احد يعرف اسمي"غبر المتبوعة بإداة استثناء، تنفي ما بعدها في المطلق، وعبارة "لا أحد" هنا لا تعني الأنسان فقط، وإنما هي تنسحب على كل ما هو كائن من انسان وحيوان وجماد. وإن كان محمود درويش قد تعزى عندما لم "يعرفوه في جواز السفر"، فذلك لأن الشجر يعرفه وتعرفه كل أغاني المطر والسجون والعصافير، بينما الشاعر خالد الحلي في هذا العنوان لا تعزية له وليس أمامه إلاالتظلم والشكوى. ويحيل ضمير المتكلم إلى خصوصية التجربة الشعرية التي ستأخذنا إلى عالم الشاعر الداخلي، وستحكي الأثر الذي تركته دورة الحياة في وجدانه.

تكمل عتبات النص الأخرى دورها في تحفيز ذهن القارئ وإثارة فضوله، فالغلاف الخارجي عبارة عن لوحة شاعرية متلونة بألوان شاحبة ناعسة تثير في النفس أحاسيس متضاربة تتراوح بين الخلود إلى المشاعر الناعمة من حب ودفء وحنان وبين أحاسيس الحزن والاكتئاب والانكسار التي يستدعيها مشهد شمس مودّعة آفلة إلى الغياب. وتكمل التوطئة رسم معالم الديوان فنعلم أن حالة الاغتراب التي تحكيها هذه الجمل المكثفة ليست حالة رهابية أو نفسية أو عصبية وإنما هي إرث جمعي أورثه وطن ابتلي بالمآسي والحروب للأنا الشاعرة.

"لمَ لا تتركنا

أيها الحزن العراقي الطويل

لمَ لا تتركنا ؟

لمَ لا تتركنا ؟"

وللكتاب خصيصة أخرى هي ترجمة انكليزية للدكتور رغيد نحاس موازية لكل قصيدة بلغة متمكنة مخلصة للمضمون وحريصة على نقل روح النص بأقل ضرر ممكن. ولا تقتصر فائدة هذه الترجمة على تقديم النص بلغة تستطيعها شريحة كبرى من المجتمع الاسترالي، وإنما تتعداه إلى مساعدة من له/لها إلمام محدود باللغة العربية على فهم بعض الصور الشعرية المركبة التي يستعصي عليهم فهمها كمثل ما جاء في قصيدة "ألفية ومرآة “The Millennium and a Mirror:”

اسأل نفسي

كيف يسير بهذي الدنيا الوقتُ

ولماذا كنتُ

أتعب ما يتعبني هذياني الصامتْ

ولساني الباهتْ

ودماغي المشغول باسئلة لا تحصى

My hallucinations are silent

My tongue is dull

My mind s busy by endless questions

These are the things that torment me the most

يتألف الديوان الصادر عن دار كلمات في سدني، من أربع وعشرين قصيدة مكتوبة على امتداد ثلاثين عاماً (1988-2018) أولها "رماد وانتظار" ومكانها الرباط، وآخرها "جنون" ومكانها ملبورن- أستراليا. ولا يخضع ترتيب القصائد لهذه الزمكانية. فالقصائد الاربع الأولى (ألفية ومرآة – أغصان متناثرة) تحكمها رؤية وجودية غاضبة ضاجة لا ترى إلا سواداً وظلاماً يلف العالم، في حين تخفت اللهجة المعاتبة ويسيطر شجن وحنين للوطن في القصائد الواقعة بين صفحة (23-64).وتحضر المرأة إما واقعاً وإما رمزاً في القصائد اللاحقة فجر غائب- رماد وانتظار (65-82). وتطل انطباعات المنفى في القصائد الأخيرة من الكتاب (حزر بلا تراب- ربيع في آب)

وتعمل الصور الفوتوغرافية الداخلية4 على إضفاء بعد إيحائي على القصيدة المصاحبة. كأن تكون الزهرة البنفسجية وخلفيتها الخضراء المصاحبة لقصيدة "ذاكرة سكرى" ايحاء بتأرجح القصيدة بين اليأس والأمل أو تكون صورة الكانغارو المنزرع في الرمال الباهتة تعبيراً عن دهشة القادم الجديد كما في قصيدتي "ايقظني كنغر" و"لا أحد يعرف اسمي".

تتتميز قصائد "لا احد يعرف اسمي"، بحرارة عاطفتها وصدقها فقد خرجت من القلب فوقعت في القلوب. وهي ذات رؤية وجدانية وجودية واضحة، وتكتنز صورها الشعرية المكثفة الثرية الدلالات معاني الاغتراب كالتهميش وفقدان التواصل الاجتماعي والشكوى الخفيضة، فنعلم اننا أمام حالة اغتراب أو غربة قطع صاحبها صلة التواصل بين الناس وعاش مهمشاً، فمنذ التوطئة يصدمنا الشاعر بهذا التساؤل المرير والمتكرر، لم لا تتركنا. . . لمَ لا تتركنا ؟، فيحرك الراكد في الضمائر، ويحملنا على استرجاع تاريخ العراق المليئ بالمآسي والحروب. من مأساة كربلاء إلى الاحتلال الأميركي 2003، مروراً بحرب الاستقلال والانقلابات العسكرية المتكررة والحكم الدكتاتوري الذي جثم ثقيلاً على صدور العراقيين وجرهم الى حروب عبثية، والعراقيون يقدمون الضحايا والأثمان من أرواح أبنائهم درأً لطمع أجنبي غازٍ أو مقادون برغبة دكتاتور فاسد، والنخبة منهم دفعوا الثمن نفياً وعزلة وسجناً وتصفيات جسدية، وشاعر المهجر الأسترالي خالد الحلي الذينعاش فوبيا التشظي والطرد والتخوين والعزل الثقافي تنفس معاناته بقصائد ودواين تحكي تحربته وتترجم مشاعره في ثلاثة دواوين كان آخرها "لا أحد يعرف اسمي" تحكمهاجميعاً رؤية وجودية اغترابية يجري التعبير عنها بصور شعرية متنوعة: فهي غاضبة عالية اللهجة حيناً، هامسة حزينة حزن العراق الأزلي حيناً آخر، ووجودية مشككة حائرة في أحيان كثيرة. ففي القصيدة الأولى من الديوان،"ألفية ومرآة"، يخرج الشاعر عن السرب المهلل المبتهج بقدوم الالفية الثالثة، ففي حين راحت عواصم العالم تتبارز في استعراض بهجتها بالقادم الجديد بألعاب نارية واستعراضات ومهرحانات بهلوانية، وفيما كان الناس يتبادلون التهاني ويشربون نخب قدومها، كان الشاعر منكفئاً يصب جام غضبه عليها وعلى سابقتها الألفية الثانية. ف"حين انتصف الليل وراحت أجراس الألفية تقرع" كان الشاعر "يحرق أوراق فجور سني القرن العشرين" ويرى بين رماد الأوراق تاريخاً يبصق موتاه ويزغرد فوق دماء ضحاياه.

تغمرني الأشلاء فأغفو

توقظني أصوات سكارى وحيارى يرتج لها الشارع

أفرك عيني وأبصر في مرآة الألفية رقم ثلاث

فتبكي المرآة

وتنفجر المرآة

تحكى/ تبكي

تبكي/ تحكي

تشتم تضحك/ تضحك تشتم

أهرب مذهولاً

هذيانٌ... هذيانٌ... هذيانْ...

هذيانٌ يخرسني

هذيانٌ يقطع لي اذني

هذيانٌ... / هذيانٌ (ص 11)

(2)

نشعر ونحن نقرأ قصيدة "ألفية ومرآة"، التي اختتمنا الحلقة السابقة بالحديث عنها، وكأننا في ساحة وغى إغريقية تتلاعب فيها الالهة بمصائر الناس وتصنع شقاءهم. هي لا تقول بقيم الشفاهة، فلا تمجد بطولة ولا تغنى انتصاراً، وإنما تكتب الهامش، تكتب ذاكرة المغلوبين على حد تعبير فيصل درّاج الذين يقع البلاء عليهم فيستسلمون له بقدرية عاجزة.هم السكارى والحيارى والموتى الذين بصقهم التاريخ وزغرد فوق دمائهم. وهم الأنا الكاتبة (الشاعر) المفجوع من قسوة الزمان الذي لا يملك إزاء طوفان الجنون إلا الهذيان5.

يصل الشاعر الى فكرته بصور شعرية لماحة، ويستخدم مفرداتٍ وتراكيبَ لغوية تحدث جرساً موسيقياً له رنين على حد قول غاستون باشلار. "الموتى الذين بصقهم التاريخ وزغرد فوق دمائهم"، صورة شعرية لا تختصر معركة أو حرباً فحسب، بل تستنهض كل ما في الإنسانية من بؤس وعبثية منذ فجر التاريخ، فهم موتى، لا شهداء ولا ضحايا. هم وخم، (بصاق التاريخ)لا مواكب ترافق نعوشهم ولا أمهات وحبيبات يندبنهن، وإنما تهاليل وزغرداتاحتفاء بتلاشيهم وتطهير الوجود من دنسهم.

تقاس قيمة العمل الفني بمدى تأثيره في ذهن المتلقي/ة، وبما يحدثه من حراك في مداركه ومشاعره. إنه العمل الذي يدوم أثره فينا وتستدعيه مخيلتنا عند تعرضنا لتحربة مماثلة. من ناحيتي، لا أعتقد أن أحاسيسي ومشاعري ستبقى هي ذاتها عند مشاهدة موكب جنازة مهيب بعد قراءتي لهذه الصورة الماحقة للموت

وفي قصيدة "أيقظني كنغر"،يتماهى الشاعر بحيوان الكنغارو. كلاهما يعيش أزمة انتماء ووجود، فالكنغر انكره المستوطنون الجدد والشاعر تسلمه الأيام لمتاهة أزمنة تنكره. كلاهما يطارد القدر فيتحدان بالمصير في دوران عبثي ليس لأحدهما منه هروب:

أيام مبهمة

تتركني بين اناس غابوا

تسلمني لمتاهة ازمنة تنكرني

. . .

أتخيل وجهي يتشرد مغترباً بين شوارع بغداد

يبصر بغداد تغادر بغداد

وأرى نفسي بين ركام من ايام لا اعرف معناها

فأغادر خارطة وألوذ بأخرى

. . .

تتدافع نحوي امواج تتدفق منها نيران

النيران تطاردني

النيران تطوقني

النيران...

النيران...

النيران

أيقظني كنغر

كان الكنغر يركض خلفي كانت نيران تركض خلفي

 وانا اركض خلف كنغر (87)

لا تحتاج هذه الصورة إلى إعمال فكر حتى نتحسس مأساة الشاعر الاغترابية، فهو فيها غريب الوجه واليد واللسان (على حد قول المتنبي، مع فارق الاستخدام). بل كإنسان جان بول سارتر الذي عصفت به الحروب وﺍلأﺯمات اﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔفأضاع انتماءه المجتمعي وانكفأ إلى صحراء قاحلة أشعرته بأزمة وجود وتمزق واغتراب. وتكمل قصيدة "لا احد يعرف اسمي"، ما بدأته "ايقظني كنغر" بصورة شعرية متظلمة خفيضة (مسالمة كي لا نقول مستسلمة) فالكنغر رمز السكان الأبوريجينيين، أمسى على أيدي المستوطنين البيض غريباً متوحشاً خارجاً من التاريخ والحضارة، إذ تتماهى هذه الفكرة بأكثر من فكرة سابقة قالها الشاعر في بغداد:

 صوتك يأخذني نحو سنين البهجة في بغداد

ولكن ماذا حل ببغداد

         واين هي بغداد الآن؟

ولا يخفى ما وراء هذا التساؤل من إجابات مريرة عمّا هو عليه الحال في بغداد زمن كتابة القصيدة (2006). وبالنسبة لي رحلت بي المخيلة إلى فلسطين فرأيت في مأساة الكنغر6 الذي لا أحد يعرف اسمه مأساة فلسطينيي الداخل الذين تفرض عليهم هوية وتاريخ وجعرافيا غير هويتهم وتاريخهم وجغرافيتهم، وتتداعى الى الذهن تجربة مماثلة (مع فارق ردات الفعل) للشاعرة ليلى علوش تقول فيها:

في الطريق المدهش المسحوب من حلق

                           التواريخ الجديدة7

في التاريخ المدهش المسحوب من قدسي العتيقة

         رغم تهجين الإشارات، الحوانيت، المقابر

جمعَتْ أجزاءُ نفسي ’شملها‘

للقاء الأهل في حيفا الجديدة!

. . .

في الطريق المدهش المسحوب من حلق

                           التواريخ الجديدة

لا تقتصر بلاغة الصورة الصورة الشعرية على مستوى الدلالة والتركيب فقط، بل يضاف اليها ما سماه البلاغيون المستوى الصوتي كالإيقاع والوزن والتنسيق الداخلي بين المقاطع8، وفي مجال الألفاظ تؤثر تركيبة الكلمة وصيغتها الاشتقاقية على الفكرة.فالعمل الفني هو انتقاء لما يناسب المعنى من النظام الصوتي. وللنظام الصوتي وسائل عديدة من بينها أنماط الحروف الصوتية، وهذه الألوان تتعدى الجانب الصوتي إلى جانب التأثير النفسي والى مناجاة العقل والنفس9 . وتجربة الحلي في هذا المجال ثرية فهو ينتقي من هذه المحسنات ما يناسب موضوعه فيوظف التكرار ليؤكد المعني ويستخدم البياض ليترك للمتلقي/ةالمجال ليملأه بما تجود به مخيلته من معانٍ: "تلعن أبناء سنين مرت/ وقرون فرت/... و ... و...."، وفي تكرار الطباق في قوله تحكي تبكي/ تبكي تحكي/ تشتم تضحك/ تضجك تشتم"، تأكيد على فداحة الحدث، وتحفيز لمشاعر القارئ/ة ليحس بما يحسه الشاعر. ويتفنن الشاعر في استخدام الأصوات. فعندما يكون المشهد غاضباً يستخدم الأصوات القوية كالقاف والضاد والعين وما شابه:

كنت وحيداً أحرق أوراق فجور سني القرن العشرين

كنت أرى بين رماد الأوراق

العار او العار

ورماداً يتسيده خصمان

وإذ تتلاشى فورة الغضب ويحل محلها الحزن والانكسار، تبرز الأصوات الهادئه الشبيهة بموسيقى هامسة: الهاء، الذال، النون . . .

أتعب ما يتعبني هذياني الصامت

ولساني الباهت

ودماغي المشغول بأسئلة لا تحصى

وهو خبير بصفات المفردات وميزاتها الغريبة، ويعلم أن لكل مفردة رنة وصبغة أو لون، وهو عندما يريد الإفصاح عن عاطفة او فكرة، يجمع بين مفردات يتولد من تآلف رناتها لحن رقيق شجي فاستخدام الاشتقاق ومجانسة حروف الكلمة وسيلة لإثراء الموسيقى الصوتية بالاعتماد على التشابه في الوزن والصوت وعلى الجمال الإيقاعي في تكرار الصوت وملامح المعنى:

"أتعب ما يتعبني هذياني الصامت/ ولساني الباهت".

ومن المحسنات اللغوية الواردة بكثرة في هذه المجموعة الشعرية، تقنية التكرار، ويستخدمه الشاعر لتصوير حالته النفسية وشرطه أن يأتي في سياق شعوري كثيف، وتكمن قيمته الجمالية في أنه يؤدي إلى رفع مستوى الشعور في القصيدة، ويلجأ الشاعر إلى تكرار العبارة عندما تلح عليه فكرة ما ولم يشبع شعوره أحادية التعبير،ويأخذ التكرار بعداً آخر حين يلجأ الشاعر الى التشكيل الطباعي المعتمد على مساحة البياض وهندسة السطور بما يخلق فضاء نصياً ذا سمة خاصة10، كما في بعض مقاطع هذه القصيدة:

قد يحدث ولا يحدث..

قد.

سكين القد تقددني

قد... قد... قد... قد... قد... قد... قد..

خارطة الأيام سنين مبهمة

ترهقني في كر وفر

تغرق أفراحي في مد وجزر

وقد لا يأتي

قد يرتد...ولا يمتد

تشرب دمع لساني أيام خرساء

 وتراود شطآن عيوني أشرعة عمياءترسو ظمأىفوق دموع بلهاء

أحلامي شرفات مشرعة

تهرب أحلامي في هلع

تعدو منهكة فوق سراب من رمل

قد تأتون...

قد تأتون... ولا تأتون

لا أحد يدري

لكن __

قد...

قد

قد..

يمضي "القد" عنيداً مبتهحاً

وأنا وحدي تتقاذفني الأيام

مكتئباً... مكتئباً... مكتئباً

رقماً مجهولاً بين ركامات الأرقام (119)

عمل التكرار في هذه القصيدة على توثيق المعنى، وساهم الجرس الموسيقيللكلمةعلى جعلها أقوى واكثر علوقاً في النفس واستقرارا في الذهن. وكونه أتى كثيفاً فإنه سيبقى الصوت المتردد على اللسان والمصقول على السمع والمحاكي في الصدى وهو سيبقى الصورة العالقة في المتخيلة.

تميزت مجموعة " لا أحد يعرف اسمي" بوحدتها العضوية، فقد اشتركت عتبات النص من عنوان وغلاف وتوطئة، مع الصور الشعرية المبتكرة، والمحسنات اللفظية كالإيقاع والوزن والتنسيق الداخلي على جعل الكتاب نزهة للعقل، ومتعة للعين والأذن.

 

د. نجمة خليل حبيب - سدني / أستراليا

....................

الهوامش:

1- خالد الحلي،لا أحد يعرف اسمي، الترجمة الانكليزية، رغيد نحاس، ط/1، سدني أستراليا: كلمات، 2019

2 - https://revues.univ-ouargla.dz/index.php/numero-07-2014/2136-2014-12-18-10-17-56

نقلاً عن: جوزيف بيزا كامبروبي، وظائف العنوان، ترجمة عبد الحميد بورايو، مقال منشور في سلسلة وقائع جديدة، مطبوعات جامعية، ليموج،فرنسا، 2004، ص 0

3 - Edward W. Said, Reflections on Exile and Other Essays, Cambridge, Mass: Harvard University Press, 2000, p. 173

4 - بعدسة د. رغيد نحاس

5 - خالد الحلي،لا أحد يعرف اسمي، الترجمة الانكليزية، رغيد نحاس، ط/1، سدني أستراليا: كلمات، 2019

6 - "لا أحد يعرف اسمي" قصيدة تماهى فيها الشاعر بحيوان الكانغارو فحكى مشاعره وهو يواجه المجهول في أرض وزمن غريبين

7 - ليلى علوش، "درب المودة"، سلمى خضراء الجيوسي، موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر، ج/1، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1997، ص 355

8 - ابتسام أبو شرار، "التناغم الصوتي في "حالات لتساع الروح" للشاعر محمد حلمي الريشة، الديوان الآن، عدد/2، ص 77، نقلاً عن:

محمد ابراهيم رشادي، الصورة بين القدماء والمعاصرين، مطبعة السعادة، مصر، 1991، ص، 67

9 - المصدر نفسه، نقلاً عن: محمد بن أحمد وآخرون، البنية الإيقاعية في شعر عزالدين المناصرة، ط/1، الاتحاد العام للكتاب الفلسطينيين، القدس، 1998، ص 82

10 - مصدر سابق، ابتسام أبو شرار، ص، 85، نقلاً عن: محمود اسماعيل عمّار، "صورة الحجر الفلسطيني في الشعر السعودي، ط/1، الأردن: مجدلاوي للنشر والتوزيع، 2003، ص 271-272

 

صفاء الصالحياولت الدراسات السردية الحديثة باالسنوات الاخيرة اهمية كبيرة لدراسة العتبات النصية، ودلالاتها ووظائفها في النص الروائي، لاسيما عتبة الاستهلال، بأعتبارها مفتاح الرواية وأول خيوط نسيجها السردي، وفرصة الإلتقاء الاول قبل الاندماج بين النص والمتلقي، كما انه يشكل العنصر الاهم في بناء النص، لذلك شكل الاستهلال هاجس عانى منه حتى كبار الروائيين في العلم عند شروعهم بكتابة رواية  جديدة . وعن أهمية الاستهلال بالرواية يقول ماركيز "المشكلة الرئيسية تكمن في البداية، الجملة الاولى في الرواية او القصة تحددان امتداد النص، ونطاقه، ونبرته، وإيقاعه، وأسلوبه، وأصعب ما في الرواية الفقرة الاولى، ما أن تتقن ذلك حتى تسير الامور بانسيابية وسهولة، في الفقرة الاولى تحل كل المشاكل التي تواجهك في كتابة الرواية، لقد بحثت عن الجملة الاولى المناسبة لرواية خريف البطريرك طوال ثلاث اشهر،ولكن عندما وجدتها أدركت كيف تكون الرواية بأسرها(1) .

بلعبة سردية فنية مغايرة للسرود التقليدية، وبقالب طبع عليه البعد الغرائبي والواقعي، وعلى شكل مقاطع مرقمة تنتهي بالمقطع (28)  منثورة على 184 صفحة بلسان سارد دائم الحضور، يقدم الروائي عبد الزهر علي منجزه الروائي السادس بالعنوان الموسوم " مصل الجمال اولاد الكلب "، والصادر عن دار لارسا للطباعة والنشر. الرواية تصور صراع بين طائفتين من البشر يحاول كل منهما ان يصرع الاخر، طائفة تحمل الجينات الانسانية تشترك بمعاني نبيلة تشتعل فيهم جذوة الخير والحب والجمال والخير متمثلين في الرواية بشخصيات (الراوي، المهبول، ثائر، حسنة، وكل من يشترك معهم بالمعاني النبيلة)، وطائفة أخرى مستكلبة تشتعل فيهم جذوة الطمع والقبح والخراب متمثلين في الرواية بشخصية (جلاب وكل من يهم في تخريب معالم الجمال والحب والخير)، تتسع دائرة الصراع في متن النص فيستولي جلاب على بعض الاراضي من خلال تقربه من النافذين الجدد في البلد، ويصبح بعد بيعه هذه الاراضي من الأغنياء، ويتكاثر نسله وما عاد يتوانى في محطات أنحطاطه، لينشب مخالبه في اجساد ألآخرين، وينتهي الصراع الى صنع مصل هو خليط من الثقافة والادب والوعي والتعاون الذي يكافح الآفات التي جاءت بها الطائفة المستكلبة وتحميهم من شراسة المستكلبين (في دورق كبير جمع ثائر قصاصات الشعر وجمل النثر، وقطع اشرطة الغناء، واجزاء من لوحات فنية، ثم اضاف اليها اوراق من شجرة السدر، وازهار الحديقة العامة، وسكب عليها ماء فاتر مذاباً فيه عسل النحل، ثم قام بتسخين المواد كلها على نار هادئة .. بعدها بأ بتقطير المحلول الناتج منه، حصل على مصل ذو لون بنفسجي لقد غطى لون الأحبار على لون العسل، اسماه مصل الجمال  ص173)، تتجلى في البنية السردية تفاصيل فنطازية غرائبية مبنية على بؤر أشارية تتعدد فيها الدلالات والمعاني والرموز، مزجت بين العالم الواقعي المحسوس بعالم آخر من انتاج الخيال، لايقتصر على الوعي والفائدة والتعرف على حياة المتجاوزين القاطنين بالعشوائيات الجغرافية وإنما فيها من متعة المحاكاة التهكمية التي تتبنى ثيمة ذات طبيغة سياسية، وكثيراً ما يتسلل السرد الغرائبي الى بعض البنيات السردية الاخرى ويلتحم معها محركاً الاحداث واضعاً اياها في بوتقة الحدث الفانتزي الغرائبي . في نقطة اللقاء الاول بين الكاتب والمتلقي يمسك الكاتب بتلابيب القارئ ويثير سلطته التأويلية، وينقله من صورة مرئية بشعرية خاصة الى عالم الرواية التخيلي بكل ابعاده، بأفتتاح الرواية بأستهلال نثري بارع يحاكي بتهكم الانسان المستكلب بتقديمه " الكلب الرمادي " الرمز الدال الى نمط معين من الانسان الكلب وبالتحديد الى الشخصية المحورية المستكلبة في الرواية " جلاب " الذي سيشكل لاحقاً بؤرة مركزية في الرواية ترتبط بها الاحداث (وقد تناثرت السحب، وتوقف المطر، بدأ شعاع الشمس ينسل خجولاً الى الطرقات الموحلة، في هذا الوقت عينه كان يركض بمفرده وحيداً بلونه الرمادي، مر وقت طويل وهو يخوض في البرك والطين تتعثر قوائمه باغصان الأشجار الساقطة في الوحل .. ص5) . ثم يستمر نمط الاستهلال ويمتد بسعته ليشمل فصلاً كاملاً من الرواية ليؤسس الى متن حكائي للرواية، مشحون بكثافة رمزية، تلعب فيه الاشارات والرموز دورها للوصول الى دلالاتها العميقة في النص . وبالاضافة الى الاشارة الى الشخصية المحورية في الرواية تضمن الاستهلال مجموعة من المكونات تمثل بتقديم صور عن فضاء الرواية، من خلالتعين الفضاء الزمني للرواية بعد التغير عام 2003  والاحتلال الامريكي وتداعياته المختلفة على الواقع من خلال الاشارة الى الواضحة (حيث رأى رجالها يغادرون مواقعهم، تاركين اسلحتهم ومعداتهم في اماكنهم، يهربون وهم متخفون بين الادغال والاحراش  ..ص5)، ومن خلال  الاشارة الجغرافية الى المكان (أخذ من الحفرة العميقة التي احدثتها الحفارة عند بناء مشفى لمعوقين الحرب ملاذ له .. ص7) حد الفضاء الجغرافي للرواية كما فصلها لاحقاً في المقطع الثالث من النص (ومن هيكل المشفى المتروك والذي كان مخصصاً بعد اكماله لمعالجة معوقي حرب الثمانيننات، يقع على تقاطع الطريق بين الاعلام وحي الشرطة والمعالف في بغداد ..ص26)، كما تجلى في الاستهلال تصوير رمزي لبعض الحيوانات كالقرود تقبلت اجتياح المزرعة المرموزة للعراق، والكلاب التي رأت ان المائدة مدت وعليهم تقاسمها، فكانت بمثابة تمهيداً لأحداث رئيسية تم تفصيلها ضمن اللاحق من الفصول . لقد حقق الاستهلال في رواية "مصل الجمال اولاد الكلب" وظيفة جذب انتباه القارئ الى عالم النص من خلال الكلمات المشحونة بالإيحاء والاسلوب المتميز الذي أحال المتلقي الى مدارات التأويل والتحليل والكشف، وحقق ايضاً وظيفة التلميح لمضمون الرواية، وقدم فكرة عن الشخصيات والأحداث في الرواية فكان بمثابة البداية البارعة التي كان لها الدور الحاسم في اثارة انتباه القارئ وتحفيزه لمواصلة التفاعل مع النص .

 

صفاء الصالحي

........................

1- افاق واعماق عشرون رواية مصرية، احمد فضل شبلول، ص167 .

 

عدنان حسين احمدصدرت عن دار "الأهلية" بعمّان رواية " وردة الأنموروك" للروائي العراقي عوّاد علي، وقد ذيّلها بعنوان فرعي هو "سَنة الأرمن" في إشارة واضحة إلى مجازر الأرمن التي وقعت عام 1915 وما تلاها من عمليات الإبعاد والتهجير القسري حيث توزّع الناجون بين المنافي العربية والأوروبية وقد اتخذ بعضهم من بغداد وبقية المدن العراقية ملاذًا آمنًا لهم يرمّمون فيه خساراتهم الكبيرة، ويبدؤون خطواتهم الأولى في تحقيق أحلامهم التي تكتظ بها أذهانهم الإبداعية المتوهجة.

تبدأ أحداث الرواية زمنيًا بافتتاح كنيسة شهداء الأرمن في دير الزور في شتاء 1991 لكنّ الساردة تعود إلى سنة الإبادة عام 1915، وتذهب أبعد من هذا التاريخ لتغطي جانبًا من حياة أبويها وارتان وتامار أو تلمّح ببعض الإشارات والإيماضات إلى حياة جدها هوانيس. أما الأمكنة فهي كثيرة لكنها قدر تعلّق الأمر بالشخصيات الرئيسة فإنها تبدأ من بلدة سِيفان، وتمر ببحيرة "وان"، ودياربكر، وألبيرة، والموصل، ثم تنتقل منها إلى كركوك حتى تصل إلى بغداد في خاتمة المطاف. أما الشخصيات الثانوية فتمر بمدن تركية وتتجه صوب دير الزور والحسكة وتتوزع إلى لبنان وفلسطين ثم تعود إلى العراق. وهناك مَنْ ينطلق من بغداد إلى الهند ومنها إلى باريس ثم يعود إلى العراق ثانية مثل سارة خاتون التي ألهبت قلب الوالي العثماني ناظم باشا وهربت منه بشقّ الأنفس تاركة إيّاه يتخبّط بمشاعره المُتصابية.

يتكئ عوّاد علي في معظم رواياته على التقنية الميتاسردية، وفي "وردة الأنموروك" هناك دفتر مذكّرات نسيتهُ لوسين حينما ذهبتْ إلى الموصل عام 1953 لزيارة مربيتها المريضة جوري الشمّرية التي تعدّها بمثابة أمها الثانية، وحينما توافيها المنية بعد شهرين تحضر لوسين العزاء لكنها لم تجد الدفتر فتحزن لضياعه كثيرًا. وبما أنّ الأنساق السردية لهذه الرواية تنطوي على مفارقات عديدة فإن سلطانة، ابنة جوري تفاجئها بأنها تحتفظ بدفتر المذكّرات في بيت حفيدها هاشم في حلب ووعدتها بأن تجلبه في المرة القادمة غير أنّ لوسين التي جاوزت التسعين عامًا كانت تخشى من عبث الأقدار فأرسلت ابنها صوغومون وفي اليوم الثاني عاد متأبطًا هذه المدوِّنة الروحية التي وثّقت الأحداث بعين سينمائية تكشف المحجوب، وتعرّي الأشياء المسكوت عنها زمنًا طويلا. لا تستطيع راوية النص وكائنته السيرية في الوقت ذاته أن تقرأ المذكرات بسبب بصرها الكليل فتُوكل المهمة إلى صوغومون الذي سيقرأ لها كل يوم فصلاً كاملاً، وصارت تستعيد الأحداث كما لو أنها تعيشها مُجددًا ولكن بواسطة راوٍ آخرَ في محاولة للتنويع السردي، وتعددية الأصوات خاصة وأنّ هناك رواة آخرين يسردون قصة نجاتهم من موت محقق في قافلة الإبعاد مثل صديقتها مريم وأمها كلاديس وسواهم من الشخصيات الكثيرة التي تؤثث المتن السردي المُدوّن بلغة مكثّفة، شديدة الدلالة.

ولكي يُذكِّرنا عوّاد علي بنكهة المكان الأول يتوقف عند بعض العوائل والشخصيات التي تنتمي إلى قوميات وأديان أخرى مثل راؤول الذي يعتمر "الكيباه" دائمًا، وزوجته شوشانة، وبناته الثلاث سارة وراشيل وأستير، أو العجوز كاجال التي تُطعّم النص السردي بمروياتها الخرافية التي تعْلق بالذاكرة لطرافة معلوماتها الناجمة عن شطحات المخيّلة الشعبية.

تتمحور تيمة الرواية على فكرتي النفي والإبعاد لكنّ قصص الحُب تُرصّعها وتمنح قارئها فرصة لالتقاط الأنفاس. فما إن يصدر الفرمان الهُمايوني الذي ينصّ على مغادرة الأرمن مدينة سِيفان وترك ممتلكاتهم التي ستؤول إلى الحكومة العثمانية حتى تبدأ المحنة الحقيقية للشعب الأرمني الذي ستكون عائلة لوسين أنموذجًا مُصغّرًا له خاصة وأنّ "الدولة العليّة" قد وصفت الأرمن "بالسرطان الذي يجب استئصاله" وأنّ شعار حملة السلطان عبدالحميد يقول بصريح العبارة:"افعلوا بالأرمن ما تشأؤون!" لأنه يعتقد أنّ التطهير العِرقي هو أفضل طريقة لقيام دولة طورانية نقيّة خالية من المنغِّصات واختلاط الأعراق. أما التُهمة الرئيسة المُوجهة للأرمن فهي الخيانة، والانضمام لحزب التحالف "الطاشناق"، والتمرّد المسلّح لمصلحة روسيا.

يلتقي آرشاك في عرس أخته أنوشكا بلوسين ويقع في حبها، ويقدّم لها ورودة الأنموروك بوصفها "فاكهة العاطفة" لكن هذه القصة العاطفية لم تكتمل لأنه يسقط مضرجًا بدمائه وهو يقاوم الطورانيين بينما تُساق أسرتها بالكامل باستثناء جدتها الطاعنة في السن مع قافلة المُبعدين إلى المجهول. تضم العائلة خمسة أفراد وهم الأب وارتان، والأم تامار، والأبناء الثلاثة آرام، ولوسين، وشقيقتها الصغرى زاروهي، وقد وشمت الأم أسماءهم على معاصمهم كي يتعرفوا على بعضهم بعضا إن فرّقتهم الأقدار. وبما أنّ لوسين جميلة جدًا فقد كان عليها أن تقص شعرها، وترتدي جلبابًا قديمًا لآرام، وتضع لثامًا على وجهها كي تستر أنوثتها الطاغية، وتُبعد عنها شبح الاغتصاب. لم يتبّع عوّاد علي نسقًا خطيًّا في سرد المذكرات وإنما كان يعود إلى قصص جانبية لأسرة لوسين منها قصة التحاق وارتان بالثوار وفراره إلى مدينة ماردين "السورية آنذاك" وعودته إلى سِيفان صحبة آبوش، وفقدانه لنوبار، شقيق القس ميناس الذي كان يُعذبه الدرك وهو مقيّد اليدين. في الطريق تنهار الأم تامار فيقبّلها الأب وارتان على جبينها ويبدأ بتلاوة تعاويذ الانتقال السرمدي فهو مساعد شمّاس فلاغرابة أن يقول:"الربّ أعطى، والربّ أخذ". يفقد آرام السيطرة على أعصابه حينما يرشقه الأطفال بالحجارة فيشتمهم بالأرمنية مما دفع أحد الجنود لأن يضربه بالهراوة عدة ضربات قاسية أفضت به إلى الإغماء، وحينما استشاط الأب غضبًا، وبصق على العريف سدّد هذا الأخير بندقيته وأرداه قتيلاً في الحال، ثم صوّبها على آرام ووضع حدًا لحياته. في مدينة ألبيرة باع الدرك شقيقتها زاروهي إلى قطّاع الطرق أما الراوية لوسين فقد حملها رقيب متوحش وقذف بها إلى النهر لكن الحاج لقمان وابنه آزاد أنقذاها من الغرق واصطحباها إلى المنزل غير أنّ خشية الحاج من تفتيش الجندرمة دفعته لأن يضمها إلى جماعة من غجر "الدومر" الذين يتكفلون بإيصالها إلى السيدة جوري الشمرية في ولاية الموصل.

لا تنتهي المذكرات عند هذا الحدّ حيث تنتقل لوسين إلى كركوك وتتعرف على أرمين وتقترن به، وما إن تنجب منه أول طفل حتى تسمّيه صوغومون تيمنًا بالطالب الأرمني الذي اغتال الصدر الأعظم طلعت باشا في برلين. تكشف الأصوات السردية المتعددة عن الفظائع التي ارتكبها الجندرمة العثمانيون والعصابات المبثوثة في مختلف أرجاء السلطنة، وثمة تقارير أميركية توثق الجرائم التي ارتكبها الاتحاديون بحق الأرمن ومحاولة طمس معالمهم الثقافية. أما السحل، والقتل، والخوزقة، وبقر البطون، والرمي من الأماكن الشاهقة، والاغتصاب، ودفن الأحياء في مقابر جماعية فهي ظواهر عادية ومألوفة يرويها الناجون وكأنها عمليات ممنهجة يتبعها الجندرمة العثمانيون الذين نجحوا في قتل أكثر من مليون ضحية أرمنية لكنهم ظلوا "أحياءً في قضيتهم" التي يعدّها الكثيرون إبادة جماعية مروّعة بينما ترفض الحكومات التركية المتعاقبة هذا التوصيف وتؤكد بأنهم سقطوا نتيجة للحرب الأهلية، ولم يكونوا ضحية إبادة ممنهجة.

جدير ذكره أنّ الروائي عوّاد علي المعماري قد أصدر حتى الآن ست روايات وهي:حليب المارينز، ونخلة الواشنطونيا، وحماقة ماركيز، وأبناء الماء، وجسر التفّاحة، ووردة الأنموروك، وهي للمناسبة الرواية العراقية الثانية المكرسة لمجزرة الأرمن بعد "الطيور العمياء" للروائية الآشورية ليلى قصراني.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

صالح الطائيتمتاز مناطقنا الريفية بأنها لا زالت تحمل كماً يفوق الخيال من الطيبة والعذوبة والكرم، تلك الصفات التي تنتقل مع من يخرج من قوقعة الريف إلى عالم المدينة الرحب المفتوح، فيبقى متمسكا بها، وكانه يريد التأكيد على أصوله التي فارقها، بل يعمد أحيانا إلى التصريح بها من خلال قول أو موقف، لكي يراها الآخرون في منهج حياته، فكيف إذا ما كانت تلك الصحائف البيضاء مطرزة برائحة العنبر وعبير الأرض الطيبة؟

المرحلة الأولى

وصديقنا الرائع والمبدع الأديب الحقوقي الأستاذ شلال الشاعر، واحد ممن تعفرت أرواحهم بعبق العنبر وطين الفرات، من أصول نجفية، ولد في غماس  ونشأ وترعرع فيها، وغماس لمن لا يعرفها مدينة وناحية من نواحي محافظة الديوانية تتبع إداريا قضاء الشامية، يبلغ عدد سكانها نحوا من 140 الف نسمة، وهي تقع على طريق الديوانية – النجف، وتبعد عن مركز المحافظة بحدود 57 كم، وتشتهر بالزراعة ولاسيما زراعة محاصيل رز العنبر والقمح والتمور، ويقال: إنها سميت بهذا الاسم (غماس) لأنها كانت في الأزمان الساحقة مغموسة بالمياه.

غماس هذه ليست مدينة مستحدثة، فهي تحمل عبق التاريخ، وكانت بحدود سنة أربعمائة للميلاد من ضمن اراضي الحيرة في زمن النعمان بن المنذر، وهي تعود إلى ما قبل ذلك التاريخ بزمن طويل، وهو ما اثبتته المواقع الاثارية التي يبلغ عددها بحدود الستة والثلاثين موقعاً وتلاً، والتي يعود تاريخها الى ما قبل حكم المناذرة، ولا زالت تطرز وجه المدينة بالأصالة.

غِنى عطرَ العنبرِ، وعذوبةَ المياهِ، وسحرَ اهازيجَ الفلاحين، وهوسات المهوال، ورنةَ الفنجان في مضايف الأهل، كانتْ المحطة الأولى التي لونت فكر ذلك الطفل المتفوق دراسيا، شلال عنوز، الذي كان يحرق مراحل صفوف الابتدائية ليتسلح بقوة القراءة على عاديات دهره، ويتخذ من مكتبة المدرسة ملاذا ليحصل لعقله على متعة النبوغ. من هنا، تمكن قبل أن يلج الثانوية من قراءة مصطفى لطفي المنفلوطي وتوفيق الحكيم وجبران خليل جبران وجرجي زيدان وجورج جرداق وغيرهم.

المرحلة الثانية

كل هذا الموروث سيتلاشى إذا لم يجد دواعم تعطيه القوة وتعلمه الصمود، وكان لعودة عائلة الأستاذ شلال إلى المدينة التي نزحت منها، أي إلى مدينة النجف الأشرف مدينة العلم والأدب والحضارة والمعرفة أثرا كبيرا على نمو ذائقته الأدبية وقوته الفكرية وشخصيته المتفردة، فحينما ينجح الإنسان في التوفيق بين موروث جميل وواقع متحضر ممكن أن يتحول إلى كيان من الإبداع والتألق والسمو الفريد.

عودة العائلة إلى النجف فتحت أمام شلال الآفاق ليكمل دراسته الثانوية في اعدادية النجف العريقة, وليعيش ألق الإبْهار الذي تشعهُ تلك المدينةُ الكبيرةُ العامرةُ تاريخيا بمنائِرها الذهبية وتاريخها الماسي وموروثِها العريق ومكتباتها الفخمة ... والعامرة مجتمعيا بمنتدياتها الثقافية وبعلمائها وأدبائِها وشعرائِها ومواسِمها الأدبية والشعرية والدينية ومناسباتِها المختلفة وثقافة أهلها وكثرة المبدعين فيها.

وحينما تجتمع الرغبة والفرصة، رغبة الحصول على المعرفة وتحقيق الذات من خلال الحلم، وفرصة وجود الأسباب التي تدعم ذلك الحلم، مع قليل من الإصرار والعزم ممكن أن يتحقق المستحيل.

وبالفعل ارتوت تلك الرغبة الأدبية العارمة التي تعمر نفس شلال من أنهار فحول الشعر ورجال الأدب النجفي، حيث أتيحت لشلال فرصة الإصغاء إلى تغريد الجواهري والشرقي وعبد المهدي مطر ومصطفى جمال الدين وعبد الأمير الحصيري  وشعراء آخرون.

وهي الفرصةُ التاريخيةُ نفسُها التي أتاحتْ لهُ مزاملةَ الكثيرِ من الشعراءِ المبدعينَ المجيدينَ، ليُسهمَ معهمُ في تنميةِ مداركِ الأمةَ لموروثِها الأدبيِ، بعدَ أنْ كانَ قدْ أرتقى منصةَ الشعرِ لأولِ مرةٍ عام 1968 وهو في ريعانِ الشبابِ، وكان ذلك في جامع الهندي المعروف في النجف، وقدمه الى المنصة يومها المرحوم الشيخ عبد الجبار الساعدي.. ثم كان للرابطة الادبية التي انتمى إليها الاثر الواضح في صقل موهبته الشعرية، ومن خلالها التقى بشعراء كان لهم الاثر الكبير في تغذية وتنويع شعره.

المرحلة الثالثة

بعد أن انهى دراسته الاعدادية، تقدم للدراسة في بغداد العاصمة بكل ما تمثله من وهج وعبير وسحر وانفتاح، وقُبِلَ في كلية العلوم في الجامعة المستنصرية. لكنه سرعان ما اعتقل بسبب نشاطه السياسي، فرقن قيده من الدراسة, ليساق إلى أداء الخدمة العسكرية الالزامية وفق القوانين السارية.

وقد ترك فيه موضوع ترقين القيد والحرمان من إتمام الدراسة بسبب النشاط السياسي أثرا بالغا، دفعه إلى التخلي عن العمل السياسي. وتم تعيينه في وزارة الثقافة والاعلام/ الدار الوطنية للنشر والتوزيع والاعلان، ثم نقل بعدها الى وزارة الصناعة والمعادن، واحيل على التقاعد بناء على طلبه عام 1990.

لم تفارق خياله حسرة الحرمان من إكمال الدراسة الجامعية، ولذا عقد العزم بعد أن أحيل على التقاعد على متابعة الدراسة وتقدم إلى إحدى الجامعات ليتم قبوله لدراسة القانون، وهي الدراسة التي حولته إلى شاعر حقوقي، وحقوقي شاعر، يمارس المحاماة ليعيش ماديا ويمارس الشعر ليعبش روحيا، ويزاوج بين القانون والشعر ليعيش جماليا، فكتب شعر العمود والتفعيلة وقصيدة النثر، فضلا عن كتابة الرواية والقصة القصيرة، وهو اليوم إحدى العلامات الفارقة في دنيا الأدب العراقي والعربي، ولاسيما بعد أن ترجمت أشعاره إلى لغات أخرى وسافرت قصائده ودواوينه في دنيا العرب.

 

صالح الطائي

 

 

ابو الخير الناصريللزهرة رميج (*)

1- دلالة العنوان: عنوانُ الرواية من الناحية التركيبية مركب إضافي مكون من مضاف (قاعة) ومضاف إليه (الانتظار). وهو من الناحية النحوية خبرٌ لمبتدإ محذوف تقديره اسم الإشارة (هذه).

ووفقا لهذا التقدير (هذه قاعة الانتظار) فإن عنوان الرواية يشير إلى مكان إشارةً تُكسبه التعريف، فيتوقع القارئ للعنوان أن يصير بعد قراءة الرواية عارفا بهذه القاعة، مُلمّا بمحتوياتها، عالماً بما تشهده من أحداث وأحاديث.

ولا نكاد نتقدم صفحات معدودات في القراءة حتى نجد ذكراً لقاعة الانتظار أول مرة في إشارة عابرة، وذلك في قول الساردة: "نهضتْ فدوى دون أن تنبس بكلمة، وقد فهمتْ أن الدكتورة أنهت المقابلة التي لا شك أنها طالتْ أكثر من اللازم على حساب وقت المرضى المزدحمين في قاعة الانتظار" (ص31- 32).

إنها مكان في عيادة غاصٌّ مخصص للمرضى المنتظِرين دورَهم في زيارة الطبيب. هكذا يحضر هذا المكانُ في أوائل الرواية، وهكذا يحضر في آخر ظهور له عند قول الساردة: "نظرت [فدوى] حواليها. وجدتْ قاعة الانتظار غاصة بالمنتظرين. هالها منظرُها فقد أُزيلت الأرائك واستُبدلت بكراسي ضيقة رُصَّتْ في صفوفٍ طويلة. أحستْ وكأنها أمام إحدى القاعات بمؤسستها التعليمية" (ص524).

غير أن هذا الظهور الأخير للقاعة في الرواية يُسجّل بعض التحولات الطارئة على المكان، وأهمُّها حلولُ الكراسي الضيقة محلَّ الأرائك، إشارةً إلى اكتظاظٍ ناتجٍ عن تزايد عدد رواده من المرضى وذويهم.

في ضوء هذه المعطيات فإن عنوان الرواية يدل على مكان في مصحة مخصص للانتظار. لكن تجاوز هذه المعطياتِ والاقترابَ من أحاسيس المنتظِرين داخل القاعة والإنصاتَ إلى أحاديثهم يَقودُنا إلى مَنْح هذا المكان معنى آخر، وذلك بضَرْبٍ من ضروب التأويل المستند إلى معطيات نصية روائية.

ففي الفصل السادسَ عشرَ من الرواية (ص172- 193) نقف على حوار داخل قاعة الانتظار بين فدوى وميرة بن المدني المصابة بالسرطان، وهو حوارٌ يتجاوز موضوع المرض إلى قضايا تشغل الوطن كلَّه، ومن اللحظات الحوارية بينهما قول ميرة "لماذا تُصرف ملايين الدراهم في الغناء والرقص والمشاريع التافهة، ولا يُصرف شيء على هذه المنطقة [الريف] التي لم تحل بها لعنةُ السرطان وحسْب، وإنما لعنة الغضب أيضا؟" (ص179).

وفي الفصل السادس والعشرين (ص253- 260) نجد حوارا بين فدوى وبعض النساء موضوعُه الجنس وخيانةُ الرجل للمرأة إذا مرضتْ.

- وفي الفصل الثلاثين (ص288- 297) نقرأ حواراً بين فدوى وحمادة موضوعُه سرقة المال العام وعدمُ محاكمة السارقين.

- وفي الفصل الثامن والثلاثين (ص371- 386) نتابع فدوى ونزهة تناقشان السرقة والسيبة في الدار البيضاء.

إن مثل هذه الحوارات المليئة بالحزن والأسى تؤكد أن قاعة الانتظار ليست مجرد مكان ينتظر فيه المريض وذووه دورَه لزيارة الطبيب والاستفادة من حصة علاج، ولكنها مكان لمناقشة الشأن العام وإبداء الامتعاض من السياسات الجائرة. إن "قاعة الانتظار" من هذه الناحية معادلٌ لأمكنة كثيرة تَشهد نقاشات كالنقاشات المذكورة (المقهى/ ساحة الكلية/ قاعة الندوات/ المنزل/ مقر الحزب/ مقر النقابة....).

ليس المراد إذن بـ"الانتظار" في عنوان الرواية انتظارَ علاج من المرض فحسب، ولكنه انتظارُ علاج الوطن كله من أمراض تنهكه كالجهل، والفقر، والسرقة، والتبذير، وتمجيد التفاهة..وهي أمراض ناقشتها فدوى، وميرة، ونزهة، حمادة وغيرُهم من شخوص الرواية.

واستنادا إلى ذلك يغدو المراد بقاعة الانتظار المغربَ بأغلب أمكنته وفضاءاته، وتصير "قاعة الانتظار" داخل المصحة صورة مصغَّرة تعكس ما ينتظره جلُّ المغاربة من تغيير في مختلف المجالات، وهذا ما تؤكده مقاطع نصية كثيرة، في الرواية من أكثرها دلالة قول: "الأوساخ تتزايد..التلوث يتزايد..الغش يتزايد..النهب يتزايد..عدد الأثرياء يتزايد..عدد الفقراء يتزايد..عدد الأمراض يتزايد..إلهي من يوقف هذا الطوفان الأسود؟ إلهي، أين المفر" (ص438). إنه انتظار الخلاص، خلاص المجتمع من أدوائه الكثيرة، وليس خلاص فرد واحد أو مجموعة أفراد من السرطان فحسب.

2- قسوة الطبيب في علاج الحبيب

"قاعة الانتظار" هي قصة امرأة [فدوى] أصيب زوجها بالسرطان، وأخبرها الطبيب أن زوجها سيموت بعد ثلاثة أشهر، لكنها لم تستسلم، وتشبثت بالأمل، وناضلتْ عنايةً واهتماما بصحة زوجها من جوانبَ متعددة أبرزها الاهتمام بتغذيته تغذية طبيعية صحية.

لم يمت زوجها يوسف بعد ثلاثة أشهر، بل عاش عاميْن بعد علمه بمرضه، ثم مات مخلّفا زوجته فدوى وولديْه عاطف ودنيا، ومخلفا وصية غريبة لحمادة (والد طفل مات بالسرطان) كي يتزوج فدوى ويرعى ولديْه بعد مماته.

وبين بداية الرواية ونهايتها تتناسل أحداث وحكايات وحوارات عديدة تجعل من هذا العمل الروائي عملا غنيا ومفتوحا على قراءات متعددة؛ وذلك لأنه يناقش قضايا متعددة منها على سبيل المثال: أدوار المرأة المغربية في المقاومة (مقاومة الاستعمار والفساد)، وسياسة الدولة تجاه أبناء الريف، ومعاناة مرضى السرطان وذويهم جسديا ونفسيا بسبب سوء أحوال القطاع الصحي.

ولقد اخترتُ أن أتحدث عن جانب واحد من جوانب هذا الموضوع الأخير، مركزا على العنصر البشري لكونه أهم عنصر يسهم في العبور بالمرضى إلى بَرّ الأمان أو يغرقهم في مزيد من المعاناة والعذاب. وبعبارة أخرى: اخترتُ أن أبرز صورة الطبيب كما تُجلّيها رواية "قاعة الانتظار"، ساعيا للكشف عن بعض الآليات والتقنيات التي اعتمدها هذا العمل الروائي لإبراز قسوة الطبيب في علاج الحبيب (حبيب فدوى). وسأتحدث، في هذه الورقة، بإيجاز وتركيز عن ثلاث آليات تبيّن تلك القسوة، وهي: التشبيه، والمقارنة، والتسمية.

أ- التشبيه

تعتمد الرواية التشبيه آلية من آليات بيان قسوة الطبيب وعدم رفقه بالمرضى. وأقترح لبيان هذه الآلية أن أقرأ بعض التشبيهات المتصلة بيوسف وزوجته فدوى وأوازنها بتشبيهات أخرى تتصل بالبروفيسور حجاج.

يجد القارئ للرواية في الصفحة الستين مقطعاً يكشف نظرة فدوى لزوجها يوسف وقد أخبرتْه الدكتورة منال بإصابته بالسرطان، بَدا لها "كأنه تائه في صحراء قاحلة، يكاد يموت عطشا، ولا واحة في الأفق. كأنه طائر جريح يحلق بعيدا ودماؤه تنزف من الداخل" (ص60).

التائه في الصحراء عطشان يحتاج إلى مَن يمده بالماء، والطائر الجريح محتاج إلى من يضمد جُرحه. والفعلان معا (تقديم الماء وتضميد الجرح) لا يَصدران إلا عن قلب رحيم تَجاوز الإحساسَ بآلامه إلى استشعار آلام الآخرين.

إن مشاعر الرحمة هذه هي ما يستدعيه في نفس المتلقي قراءتُه لمقطع من الفصل الرابع يُبين كيف بدتْ فدوى لخادمتها بعدما علمتْ بإصابة زوجها بالسرطان "انتابها [الخادمة] فرحٌ طفولي وهي تساعدها [فدوى] على غسل شعرها، وتمرر كيس الصابون على جسدها. لكن فرحها سرعان ما تلاشى وهي ترى حالة الوهن التي بدت عليها. فهذا الجسد الذي لم تره قط إلا منتصبا ومشدوداً إلى الأعلى بدا لها اليوم وكأنه شجرة منخورة إن لم تسنده هَوى إلى الأرض" (ص57).

هكذا تظهر فدوى وزوجها في أوائل الرواية: هي مثل شجرة منخورة، وهو مثل تائه في صحراء ومثل طائر جريح، إنهما معاً في حاجة إلى رعاية وعناية وهما مقبلان على ارتياد المصحات بحثا عن علاج ليوسف من السرطان. فهل لقيا ما كانا يبحثان عنه؟

تصف الساردة البروفيسور حجاج في أول لقاء بينه وبين فدوى وزوجها فتقول: "بَدا لها البروفيسور كعملاق جبار بقامته الفارعة وجسده الممتلئ. أثارت انتباهها ذراعُه المفتولة وهو يمد يده إليهما مودّعا. لم تدر لماذا تذكرت في تلك اللحظة  جزار الحي الذي كان يقوم وحده بذبح كل أكباش سكان العمارة في عيد الأضحى" (ص79).

يُشبّه البروفيسور، في هذا المقطع، بعملاق وبجزار الحي الذي يُفترض فيه ألا يكون قلبُه فيض رحمة تُجاه الأكباش حتى يستطيع وضع نهاية لحياتها، فهذا التشبيه يبين أن فدوى/ الشجرة المنخورة ويوسف/ التائه في الصحراء والطائر الجريح وجدا نفسيْهما داخل المصحة أمام جزار مستعد للذبح.

على أن من اللافت للانتباه أن تشبيه البروفيسور بالجزار يتكرر في أواخر الرواية: "في قاعة الانتظار راحتْ فدوى تتخيل البروفيسور وهو يفرغ الماء من رئة يوسف، ويُلصقها بأضلعه، فيقشعر بدنُها. عادت إليها صورة جزار الحي المفتول الذراعيْن وهو ينحر أضاحي العيد ويداه ملطختان بالدم..تخيلت يوسف مثل كبش الفداء، مستسلما رغم أنفه لعدوه" (ص401).

إن تكرار هذا التشبيه رغم التراخي الزمني  (ص79/ ص401) ورغم تنامي أحداث الرواية يبتغي تثبيت صورة الطبيب القاسي في ذهن المتلقي، فقسوة الطبيب هي هي لم تتغير ولا تتغير وهو يجرّب أنواع الدواء في جسد المريض الذي لا يستطيع أن يدفع عن نفسه هذه القسوة. لذلك ظهر يوسف في التشبيه الأخير "مثل كبش الفداء مستسلما لعدوه".

ولتأكيد هذا المعنى فإن الرواية تقدم مقاطع أخرى يبدو فيها الطبيب عديمَ الإحساس بمآسي الناس وأحزانهم. ومن أبرز هذه المقاطع تشبيه البروفيسور حجاج بالصخر وهو يخبر فدوى وزوجَها بانتقال السرطان إلى رئته: "لم تظهر عليه أي ذرة تعاطف مع يوسف. بدا لها كجلمود صخر لا أثر لحرارة الإنسانية فيه" (ص432). ومن المقاطع الدالة أيضا في هذا الجانب تشبيه كلام البروفيسور بالقذائف: "كان كلامُه كقذائفَ نارية" (ص321)، وتشبيه كلامه بالحشرة العطشى التي تُدخل خرطومها الطويل في وجه يوسف وتمتص كامل دمه (ص321).

إن هذه التشبيهات تؤكد كلها معنى واحدا هو قسوة البروفيسور حجاج في مراحل علاجه ليوسف حبيب فدوى الذي أرادتْ له أن يُعالج برحمة وإنسانية وفق ما يقتضيه قسَم أبقراط.

ب- المقارنة

من آليات الكشف عن قسوة الأطباء في هذا العمل الروائي المقارنةُ بين البروفيسور حجاج صاحب مصحة السعادة وبين أطباء آخرين من خارج المغرب ومن داخله.

مثال ذلك الحسرة التي طبعت حديث فدوى عن البروفيسور برنار ديسكوت الذي قرأتْ مقالا عنه في مجلة "الصحة للجميع". تقول فدوى بعدما قرأت عن تجاربه في العلاج بمنتوجات النحل: "آه يا بروفيسور ديسكوت، لَوْ حَظينا في المغرب بأطباء حقيقيين. أطباء باحثين وإنسانيين مثلك يضعون علمهم وخبرتهم لصالح الناس، لا للمتاجرة بها وخدمة  مصالحهم الخاصة. أطباء متواضعين لا يعتبرون أنفسهم مالكين للحقيقة المطلقة، لا يؤمنون بالطب الحديث والأدوية الكيميائية فحسب، وإنما ينصتون إلى تجارب الناس، ويستفيدون منها" (ص170).

فهذا المقطع ينطوي على مقارنة بين البروفيسور ديسكوت وبين البروفيسور حجاج الذي كان سَخِرَ من كلام فدوى عن أهمية الغذاء الطبيعي ودوره في علاج السرطان، ودعاها إلى ألا تمنع زوجَها من أكل ما تشتهيه نفسُه، لأنه سيموت – بزَعْمه الواهم – بعد ثلاثة أشهر.

ومن المقارنات الدالة في هذا الجانب حديث فدوى عن الدكتورة كوسمين صاحبة التجارب في علاج المصابين بالسرطان بواسطة النظام الغذائي الطبيعي (ص284- 287).

إن حديث فدوى عن هذه الطبيبة وإنْ خلا من أي إشارة إلى البروفيسور حجاج، إلا أنه لا يُفهم حق الفهم إلا باستحضار السياق الذي دعا فدوى إليه وهو اتباعُها نظاما غذائيا طبيعيا لعلاج زوجها، خلافا لرأي الدكتور حجاج في هذه المسألة.

ومما يدخل في هذا الباب أيضا تلك المقارنات المتكررة في صفحات من الرواية بين البروفيسور حجاج الشبيه بالجزار وبين الدكتور رحيمي المشْبَع إنسانية ورحمة، وذلك كقول فدوى في مقطع من الرواية وقد أُعجبتْ كثيرا بطريقة إخبار الدكتور رحيمي لزوجها بإصابة كبده بالسرطان: "الدكتور رحيمي يمتلك قلوبَ كل المرضى نساءً ورجالا بتفهّمه وإنسانيته. لو كان البروفيسور حجاج مكانه، هل كان تعامُله بمثل سَعة صدره ورقته؟ حمدتُ الله لكون الدكتور رحيمي مَنْ يُشرف على علاجه الكيماوي" (ص236).

إن هذه المقارناتِ كلَّها تبتغي مزيد بيان لقسوة البروفيسور حجاج صاحب المصحة ولغلظته وافتقاده للرحمة والإنسانية اللازمتيْن في مجال الطب.

ج- التسمية

ذلك، ومما يسهم في خدمة المعنى المتحدث عنه في هذه الورقة (قسوة الطبيب) طبيعةُ الأسماء التي تطلقها الروائية على الأشخاص والأمكنة. وأمثل بإيجاز لكل منهما فيما يلي:

أما الأشخاص فحسبي أن أشير إلى اسم البروفيسور "حجاج" الذي أذاق فدوى ألوانا من العذاب النفسي على امتداد فصول الرواية. إن هذا الاسم (حجاج) يدعو المتلقي لاستحضار اسم آخر في تاريخ العرب والمسلمين هو الحجاج بن يوسف الثقفي المشهور بقسوته وغلظته ودمويته.

لقد اختارت الروائية للبروفيسور اسماً مشحونا بحمولة سلبية تجعل المتلقي ينفر منه لأنه يتوقع منه القسوة والشدة في موضع يتطلب الرأفة والرحمة وهو موضع التداوي وطلب العلاج.

وأما الأمكنة فأشير إلى تسمة المصحة "مصحة السعادة" التي تنطوي على مفارقة ساخرة تُجاه أناس مرضى لا تحتمل نفوسُهم الهشّة السخرية. ومن المقاطع المعبّرة عن هذا قولُ يوسف لزوجته فدوى عند وصولهما أول مرة إلى هذه المصحة: "السعادة ! قال متهكما. كيف يلتقي النقيضان؟ السعادة والسرطان" (ص72).

وجدير بالذكر أن تسمية الأشخاص والأمكنة في الرواية لا ينفك عن الآليتيْن السابقتين (التشبيه والمقارنة)، فتسمية البروفيسور حجاجا – مثلا – لا تنفك عن تشبيهه داخل الرواية بالجزار الذي يذبح الأضحيات دونما رحمة بها، تماما كما كان الحجاج بن يوسف الثقفي يفعل بخصومه.

ولما كان الحجاج بن يوسف يقدّم نفسه، هو الدمويُّ القاسي، مدافعاً عن الإسلام منفذا لتعاليمه الرحيمة بالناس فإن البروفيسور حجاج يقدّمُ نفسَه سبيلا لإسعاد الناس؛ لذلك سمّى مصحته "مصحة السعادة"؛ فكان بذلك كالحجاج بن يوسف يُناقض قولُه فعلَه، خلافا – مثلا – للدكتور رحيمي الذي كان في سلوكه رحيما بالمرضى مسهما في الرأفة بهم.

تلكم بعض الآليات التي اعتمدها هذا العمل الروائي للكشف عن واقع المصحات الخاصة ببلادنا، وإبرازِ قسوة الأطباء في علاج المرضى. والحقُّ أن الروائية وُفقتْ كثيرا –بتلك الآليات وغيرها - في الكشف عن هذا الواقع المرير الذي باستمراره وبقائه نبقى في قاعة انتظار كبرى، انتظارِ تحسُّن الأحوال ببلادنا في مختلِف المجالات، في الصحة، والتعليم، والعدل وغيرها.

 

أبو الخير الناصري

......................

(*) الورقة التي شاركت بها في حفل توقيع الرواية في المركز الثقافي بالقصر الكبير يوم الخميس 28 من مارس2019م.

 

 

عدنان حسين احمدعُرضت على خشبة مسرح باترسي للفنون في لندن مسرحية "إكس عدرا" للمُخرج السوري رمزي شُقير المقيم في مدينة مارسيليا حاليًا، ونالت استحسان المُشاهدين البريطانيين الذين ينتمون إلى جنسيات مختلفة. لا تنتمي الشخصيات الست الرئيسة للعمل المسرحي إلى عالم التمثيل لكنها تمكنت من تأدية أدوارها بمهارة معقولة لا يتوفّر عليها الناس العاديون. فهنّ لسنَ فنانات مُحترفات، ويمكن اعتبارهنَّ هاويات تمامًا لكنهنَ مُصرّات على تقديم هذا العمل الفني الذي يروينَ بواسطته حكاياتهنَّ المريرة ليكشفنَ عن بشاعة النظام السوري في عهد حافظ الأسد، والابن بشّار الذي سارَ على خطوات أبيه وأوغل في القتل والتخريب والتشريد، وأمعنَ في مصادرة الحريات الشخصية والعامة فأدخل البلاد في نفق مظلم يصعب الخروج منه إلاّ بخسائر جمّة، ومَنْ ينجو بجلده من سجون النظام ومعتقلاته، سيئة الصيت والسمعة، فإنه يحمل معه سجنه الانفرادي أو زنزانته الجماعية التي تحمل في العادة أسماء الأحزاب السياسية المناهضة للنظام مثل "زنزانة الإخوان المسلمين" أو "زنزانة الشيوعين" وهكذا دواليك، فحزب النظام هو الصفوة والأنموذج، بالنسبة لرؤيتهم المِعوجّة، والآخرون جميعهم يقفون على الضفة المناوئة لهم، ولا يجدون حرجًا في تسميتهم بالخندق المعادي للشعب مع أنهم يشكلّون الغالبية العظمى فيه حيث تُنتهك حقوقهم وإنسانيتهم في كل لحظة أمام أنظار العالم من دون أن يُحرّك ساكنًا ليُوقف هذا الدمار الكبير الذي يلحق بأشقائنا السوريين القابعين تحت قصف الطائرات، ودويّ البراميل المتفجرة أو المحشورين في سجونه ومعتقلاته المبثوثة في طول البلاد وعرضها.

تتمحور فكرة المسرحية على سجن الناشطات السياسيات السوريات من مختلف المشارب والأعمار، وهنّ بكلمات أخر، النخبة الفكرية للمجتمع، وصفوته الثقافية التي تزاول حراكها السياسي بإصرار عجيب على الرغم من قساوة النظام ووحشيته التي يندر أن تجد لها مثيلاً في مجمل دول المعمورة. أما الزمان في المسرحية فيمتد منذ ثمانينات القرن الماضي حتى انطلاق الثورة السورية المجيدة عام 2011 بتداعياتها المعروفة للجميع الأمر الذي يتيح للمخرج وكاتب النص أن يسلّط الضوء على حقبة الطاغية حافظ الأسد ونجله في الوحشية والدمار الذي لم "يبشِّر" شعبه إلاّ بالقتل والتجويع والتشريد والاعتقال. تنفرد الشخصيات الست للعمل المسرحي بخصوصيات ذاتية دقيقة لكنها تشترك جميعها بمحنة السجن والاعتقال بغض النظر عن المُدد الزمنية على الرغم من أهميتها وتأثيرها على شخصية السجينة، وقدرتها على تحمّل الظروف الشاقّة التي لم تعهدها من قبل. يتكئ العمل المسرحي على ست شخصيات وهي على التوالي: هند القهوجي، وعلي حامدي (عُلا سابقًا) ومريم حايد، ورويدة كنعان، وهند مُجالي، وكندا زاعور، إضافة إلى المغنية هلا عمران، الآصرة التي توحّد شخصيات العمل المسرحي وتشدّ بعضها بعضًا.

تستهل المطربة هلا عمران المسرحية بأغنية معبّرة جدًا تلامس شغاف القلوب مفادها:" يا نجمة الصبح فوق الشام علّيتي/ الجْواد أخذتي، والنِذال خلّيتي/ نذراً عليّ إن عادوا حبابي ع بيتي/لأضوّي المشاعل وحنّي العتاب". ثم تتوالى الشهادات، ويتعمّق البوح، فالسجينة "إكس" لا تعرف مكان سجنها وكأنهم زجّوها في تجربة اللامكان الذي سوف يفضي بالضرورة إلى اللازمان أيضًا، وربما تنتهي إلى المنطقة العائمة التي تتوارى فيها الأبعاد الأربعة، وهذا الضياع ناجم عن فظاظة الجلادين الذين يُنزلون بضحاياهم أقسى العقوبات، ولم يبقَ أمامها سوى خيارين لا ثالث لهما فإمّا الموت بشرف أو نيل الحرية بكرامة، وينبغي على هذه السيدة أن تغادر هذا المكان اللعين.

ليس بالضرورة أن نتوقف عند السجينات الست إذا ما استثنينا المطربة هلا عمران، فهند القهوجي، وهي أكبرهن سنًا تعود بذاكرتنا إلى بداية الثمانينات حيث سُجنت مرتين بسبب انتمائها لحزب العمل الشيوعي السوري، ففي عام 1982 زُجت في السجن لمدة سنة واحدة  تحمّلتها على مضض، لكن هذه المدة ستطول عام 1984، وسوف تقبع في السجن لمدة سبع سنوات وسبعة أخرى أشهر تقضي بعضها في زنزانة انفرادية ثم تُنهي بقية محكوميتها في سجن "قَطَنة" المخصص للنساء، ولعلها المرة الأولى التي ينقلوا فيها معتقلة سياسية إلى سجن مدني. وعلى الرغم من معاناتها الشديدة خلال هذه السنوات الطوال إلاّ أن وجود الطفلة "سُميّة" سوف يخفّف عنها وطأة الألم، والتوحّد، والشعور بالغربة وهي في دمشق، قلب بلدها النابض.

إذا كانت قصة هند القهوجي تذكّرنا بمحنة الأطفال الذين يولدون ويترعرعون بين جدران السجون المُوحشة فإن حكاية الإعلامية رويدة كنعان تُحيلنا إلى الغياب القسري لصديقها خالد الذي سُجن بسببها ولم تعرف مصيره حتى هذه اللحظة مع أنها كانت تحبه بصمت لكنها قطعت على نفسها عهدًا بعد غيابه بأنها سوف تظل تحبه وتنتظره إلى الأبد.

تأخذنا الشابة التي أُعتقلت في سن الثامنة عشرة في عام 2009 إلى تُهم غرائبية من قبيل "إضعاف الشعور القومي" أو "المساس بهيبة الدولة" وقد تعرّضت هذه الضحية لشتّى أنواع التعذيب. وحينما أُفرج عنها أجبرها والدها على الزواج من ابن خالها رغمًا عنها. أما القصة الموازية لها فهي قصة صديقتها "منال" التي تعرضت للاغتصاب على يد السجّان باسل بطريقة بشعة بعد أن ثبّتها في دولاب سيارة، وقيّد معصميها بجامعة يدوية، ثم نال وطرهُ منها بخسة ودناءة، تاركًا إياها تتخبّط في يأسها وانكسارها وكرامتها المجروحة.

لا تخلو قصة عُلا التي تحولت جنسيًا إلى علي وبعث في خاتمة المطاف رسالة إلى أمه المتوفاة يخبرها بأنه لم يكن بنتًا ذات يوم ولن يكون في المستقبل، وقد علّمه السجن بأن يكون رجلاً، أما عُلا السابقة فقد ماتت ولن تشرئب برأسها ذات يوم.

أفادَ المخرج المبدع رمزي شُقير من تقنيات الفوتوغراف، والكتابة، والشاشة البيضاء في عرضِه المسرحي الذي عزّزه الدراماتورغ وائل قدّور، كما لعبت الإضاءة المتقنة لفرانك بيسون دورًا مهمًا في التناغم مع المناخ السردي المؤلم. ويبدو أن المخرج قد أخذ بعين الاعتبار الجمهور الإنجليزي فلاغرابة أن يسند عملية الترجمة الدقيقة إلى أربعة مختصين وهم فرح عليمي، وعمّار حاج أحمد، وأميلي سكاريت ونادين لطيف الذين لم يَفُتْهُم شيئًا من المعاني الحقيقية والمجازية، ولهذا تفاعل الجمهور مع العرض المسرحي، وظل يصفق لدقائق طويلة مُعربًا عن إعجابه بقدرات الممثلين الأدائية، والتقنيات الصوتية والبصرية التي تألق فيها الفنيون، هذا إضافة إلى الرؤية الإبداعية المُرهفة لمخرج النص وكاتبه الذي استطاع أن يطوّع مادته السردية إلى هذه الدرجة الاحترافية بحيث لم يشعر المتلقون بأي نوع من الملل، بل بالعكس كان الجميع متفاعلين مع قصص الضحايا، ومتعاطفين معهم إلى درجة أن البعض منهم كان ينشج في بعض المواقف المؤلمة سواء في التعذيب أو الاغتصاب، أو القتل الوحشي اللامبرر.

 

عدنان حسين أحمد

 

(بلا أذنين ولا شفتين أودعني الحق ظله، كانَ الثَّمنُ أبخس من رعشةِ ذبابة، هددني الغول بالمزيد إنْ لم تسند ظهره أصابعي المكسَّرة، مع أول رمشة بوح صفعتني مطرقة القاضي الذي أنكر معرفتي في حفلة التعذيب...)، صحيفة المثقف، ٣/٧/٢٠١٩

http://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/938081

المقدمة:

إن الحضارة الغربية رغم كلِّ ما أبدَعته من الإنجازات المادية والعلمية والتكنولوجيَّة، وما ترتَّب عليها من رفاهية مادية، كانت وما زالت في موقع الاقتدار المدني، فلا شكَّ أنها تَشهد الآن انحدارًا منحرفا وانْحِطَاطا متقهقراً في المعايير الأخلاقية والحضارية في مقابل مضاعفة الإنهماك الجامح في الإشباع الذاتي المادي الحِسي، للتعبير عن حقيقة حال المجتمع الغربي، الذي طغَت عليه قِيَمُ الاستهلاك، ونَزعة إشباع الغرائز بشكل مجنونٍ؛ حيث ينتشر الفساد

و تتفشى الإبَاحيَّة، ويعم الإِنْحِرَاف

والانحطاط الأخلاقي ويذاع التزييف الثقافي.

ولعل تلك التداعيات بتفاعُلها السلبي، مع التناقضات البنيوية الأخرى التي تُعاني منها الحضارة الغربية - ستكون من أهم عوامل انهيارها، رغم كل عناصر الاقتدار المادي التي تعمل على إطالة عُمرها إلى أقصى سقفٍ زمني مُمكن.

لا يُمكن أن تكون الحضارة الغربية

ﻣﻨﻬﺞ ﺣﻴﺎﺓ، ﻭﻣﺸﺮﻭﻉ ﺣﻀﺎﺭﺓ، ﻭﻣُﻨﻄﻠﻖ ﺩﻋﻮﺓ، ﻭﻭﺛﻴﻘﺔ ﺇﺻﻼﺡ، ﻭﺣﻞّ ﻟﻤﺸﻜﻼﺕ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ، ﻭﺷﻔﺎﺀ ﻷﺳﻘﺎﻡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ، ولا نمطا عالميا نبيلا، تَحظى بقَبول شعوب العالم الأخرى، وهي لَم تزَل تَغَصُّ بالعشرات من الجرائم الأخلاقية والسلوكيات المنحرفة؟! كالتغطرس والإحتلال والإنتهاك والإستعباد .

التحليل الأدبي والفني:

ديستوبيا..العنوان نكرة لقصة بيانها ناطق، ولفظها دافق، وأسلوبها سامق.

القاصة دعاء عادل سلطت الأضواء على أبعاد عظيمة المرغب وجليلة المقصد ..

قلّت ودلت، مكثفة الإيحاء مشبعة الاثارة والمفارقة والقفلة الصادمة المدهشة.. أفعال حركة ماضية، مجاز وكناية، لوحة اخبارية تقريرية وسرد أدبي بليغ البيان، غاية في الوصف، آسرة في الحبك ساحرة في السبك. من خلال توظيف أسماء ذات معانى عميقة، واسهاب وافر لتبحر بنا الى عالم الإستبداد بكل أشكاله وتجنح بنا الى الفتنة الغاشمة والتوتر الهدام وتدنو بنا

الى التسلط الطاغي والحكم الظالم والإحساس الهمجي، للتاريخ، القيم والمبادئ وبالخصوص ضرب الانسان في كرامته وفطرته، وتاريخه.

(ديستوبيا): ﺑﺪﺍﻳﺔً ﻣﻊ عنوان.. كاشف ﻟﺪﺧﻮﻝ ﺍﻟﻤﺘﻦ .. ﻣﻔﺮﺩﺓ ﻭﺍﺿﺤﺔ المعلم، ظاهرة المقصد واضحة المرغب هادفة المغزى .

العنوان يعد بيت القصيد ..لقصة ققج بليغة السبك، فصيحة الحبك، صقلتها الكناية المجازية وحوتها الإستعارة والبيان، أبعادها أنثروبولوجية، أكاديمية، علمية، دينية، سياسية وفلسفية .

ديستوبيا كلمة يونانية..قلت ودلت احتوت البنية السردية، لمفهوم إصطلاحي معناه المكان الخبيث ..لفظ يرمز بها أدب المدينة الفاسدة او عالم الواقع المرير: (بالانجليزية: Dystopia) هو ذلك المجتمع الخيالي، المنحرف والفاسق، مذموم ومنبوذ غير مرغوب فيه . وقد تعني الديستوبيا مجتمع متوحش غير فاضل، تسوده الفوضىٰ، لعالم وهمي ليس للخير فيه مكان، تحكمه قوى الشر المطلق، وتسيره أيادي آثمة فاجرة ومن أبرز ملامحه الخراب والقتل والدمار والقمع والفقر والمرض، بإختصار هو عالم يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته، فتغيب البصيرة والبصر ويتحوّل فيه المجتمع إلىٰ مجموعة من المسوخ تناحر بعضها بعضاً.

"بلا أذنين ولا شفتين أودعني الحق ظله"...الفقرة مشبعة بالدلالة السيميولوجية، نستنبط لمسات بيانية تلميح وتصريح لإقصاء لغة الحوار وإلجام العقل وصفد الافواه وتكبيل حرية المحبة وإبعاد أواصر التلاحم والاخوة وفرض ثقافة القساوة وفنون الصلابة .

"كانَ الثَّمنُ أبخس من رعشةِ ذبابة "...الفقرة ترمز للظلم وضرب المثل بالذبابة مجاز للمبالغة حتى تصل فكرة الإحتقار والإستصغار والمذلة وهوان الروح البشرية.

"هددني الغول بالمزيد إنْ لم تسند ظهره أصابعي المكسَّرة".. الفقرة اشارة لتشبيه الحاكم بالغول والمثل يضرب في الشيء الوهمي الذي لا وجود له، يرمز للتَحْذِير، والتَنْبِيه، واطلاق آلة التَرْهِيب، التَفْزِيع والتَهْدِيد .

"مع أول رمشة بوح صفعتني مطرقة القاضي الذي أنكر معرفتي في حفلة التعذيب".. تلكم المفارقة الصادمة والقفلة المدهشة ..المقام رهيب، انقلاب سلم القيم وتحول القيم البشرية إلى أشياء هامشية، ومن ثم سطوة الأحزاب السلطوية والشمولية على الناس والشعوب ليكونوا مجرد أرقام في الحياة بلا مشاعر ولا عواطف، وليس لديهم طموحات أو آمال، حيث يعملون كالآلات خوفًا من سياسة الحديد والنار. حب التسلط والهيمنة والمناصب نوع من العشق، فحب السلطة وجنون العظمة وهذيان الأنفة، يسكر الانسان ويعمي بصيرته، فيظلم ويستبد ويعمل المستحيل حتى يبقى في طغيانه وعدوانه، فيعادي ويسيئ اقاربه ويضر حتى أحبابه.

 

ابراهيم ميزي/ الجزائر

 

عدنان النجمكيف لي أن اخبر (حميد الحريزي) بان روايته التي اهداها لي بأجزائها الثلاثة قد ضاعت بين قبائل المستعيرين.. دون ان اقرأ منها حرفا واحدا ؟؟.. وبعد عناء وطول انتظار عاد اليّ (البياض الدامي).. ولكن كيف لي ان استطلع بياضا دون (عربانه) توصلني الى (كفاح).. ادركت الحرج الشديد.. حينما كان متلهفا وهو يريد ان يرى خلجات وحيه ماثلة على وجهي.. تذكرت يوما ان (أبا أمجد) اهداني رابطا الكترونيا لمحطاته عبر حوار بيني وبينه على (الماسنجر) لذلك عدت الى المحادثات القديمة.. فكم كانت فرحتي لا توصف وانا اظفر بالرواية باجزائها الثلاثة عبر هذ الرابط..

 لذلك كانت قرائتي لها مختلفة، تتمثل بشوق عارم يحدو بي للولوج في عوالم حميد الحريزي، فضلا عن الرغبة الجامحة لإيفاء حالة الانتظار للرواية.. كما أن قرائتي لهذه الرواية انتهت بأبعاد مختلفة، لانها تمحورت في اربعة اتجاهات، الاتجاه الاول: هو قراءة ترتكز على ايجاد الابعاد الفنية في الرواية فيما يتعلق بقواعد السرد الروائي كالراوي والزمان والمكان والعقدة والشخصيات والحوار والحبكة والخيال والاساليب واللغة وغيرها..

فيما كان اتجاه القراءة الثاني وهو ما يتعلق بصفتي قارئا باحثا عن المتعة والتشويق والاثارة التي غالبا ما كنت ابحث عنها في سرديات حميد الحريزي سواء كانت في مجال القصة القصيرة او القصيرة جدا او القصة الطويلة او الرواية القصيرة وغيرها من فنون السرد .

أما الاتجاه الثالث وهو الغوص التاريخي باطار روائي محترف ضمن فن الرواية التاريخية الذي يعد مشوقا ومثيرا وخصوصا ما امتازت به (المحطات) من سلوك ممر التاريخ الوطني الشامل .

اما الاتجاه الرابع: فهو أجمل ما اكتشفته في الرواية من خلال ما تضمنته من ابعاد اجتماعية ومحاولة أرشفة الواقع الاجتماعي العراقي بعاداته وتقاليده ومقدرة الكاتب العجيبة على تدوين الاستعمالات اللفظية للادوات والاصطلاحات التي يعجز حتى ابن الواقع نفسه من استذكارها نظرا لضخامة الكمية ودقة النوع..

 ولكي اكون منصفا في هذه القراءة كان يجب أن تأتي وفق هذه الاتجاهات الاربعة.. لكني ساكتفي ببحثين ربما هما سيكونان كافيين لابراز معالم هذا الانجاز الجبار.. ضمن حلقتين هما:

الحلقة الاولى (من عربانة حميد الحريزي الى بياضه الدامي.. البنية السردية وعوامل الابداع الفني في رواية محطات)

الحلقة الثانية (المصطلح التراثي في رواية محطات للروائي حميد الحريزي)

 

 

 

 

 

الحلقة الاولى (من عربانة حميد الحريزي الى بياضه الدامي.. البنية السردية وعوامل الابداع الفني في رواية محطات)

1- محاور الرواية (عناصر السرد)

 تبنى الرواية عادة على ثلاثة محاور يسميها بعضهم عناصر السرد (الراوي – المروي – المروي له) وهو ما يراه عمر عيلان في كتابه (مناهج تحليل الخطاب السردي).. وعند تقصي العناصر الثلاثة في محطات حميد الحريزي نكتشف ما يلي:

 أولا: الراوي:

هو ذلك الشخص الذي يروي الحكاية او يخبرعنها.. بمعنى ان لا وجود للراوي بدون (مروي) ولا وجود لمروي بدون (مروي له).. رغم ان هناك من يرى بأن الراوي ليس هو (الكاتب) نفسه، حيث ان الكاتب هو من يخلق العناصر الثلاثة.. بما فيها تقنية الراوي التي قد تكون بضمير (الأنا).. حيث سيكون فيها بطلا مفترضا داخل الراوية، أو ظلا من شخصية سردية لا يجب ان تظهر في الاحداث والوقائع وازمنة الرواية . وقد عرفه حميد الحميداني في كتابه (بنية النص السردي) على انه: (الاداة أو تقنية القاص في تقديم العالم المصور، فيصبح هذا العالم تجربة انسانية مرسومة على صفحة عقل او ذاكرة او وعيا انسانيا مدركا) .

 وهكذا فإن الراوي الذي صنعه حميد الحريزي في محطاته متغيرا بحسب فصول السرد فكان في جزئها الاول ضميرا منفصلا يشاهد ما يرى.. وخبيرا عارفا مهيمنا على جيلين من الزمن.. ومُشاهدا حيا لعوالم الفت الموت.. فكان الراوي غير متقيد بزمن معين ولا بشخصية ثابتة ضمن شخوص الرواية وان كان (كفاح) بطلا افتراضيا يبدو في مطلع الاحداث (شخصا مجنونا) يحاول الراوي اظهار هويته رويدا رويدا..ثم تتوالى الاحداث التي يسوقها ضمن مشاهد متعددة يبدو فيها (كفاح) وحبيبته (احلام) وهما يتبادلان الغزل المشروط بسرد الاحداث وهكذا يتحول الراوي من شخصية وهمية الى واقعية تمكن (الكاتب) من خلقها لتكون هي الرواي في معترك الانهمار السردي الى اخر الرواية .

 وغالبا ما يعهد المؤلف او الكاتب الى الراوي مهمة سرد الحكاية..لكي يكتسب وجود احد عناصر نجاح روايته.. وتمكن حميد الحريزي من ايجاد راو ٍ مميز عاش زمن الرواية بكل تفاصيله، حتى انه لا يمكن تحديد هويته الاجتماعية او السياسية حيث منحه صلاحية ابن القرية وابن الهور وابن المدينة على حد سواء، كما البسه ثوب السياسي الحاذق والمفكر الملهم وهو يكشف حيثيات الاحداث وظروفها، ولم يكتفي بذلك بل قلده مهمة المكافح والمناضل .

 أراد حميد الحريزي من خلال (الراوي) اقحام ذاته بما تحمله من ايديولوجيا، فتارة يصبح الراوي مفسرا للاحداث، كاشفا للافكار، مبررا للمسارات التي تتجه اليها الرواية، وتارة اخرى يجعل (الكاتب) من الراوي اداة مهمة لتوجيه رسائله الاجتماعية والسياسية، فكان الرواي عنصرا مهما وجادا في صناعة احد اركان الراوية باجزائها الثلاثة .

ثانيا: المروي (الرواية):

يعرفه محمد ابراهيم في مجموعة السرد العربي على انه: (كل ما يصدر عن الراوي وينتظم ليشكل مجموعة من الاحداث مقترنة باشخاص ومؤطرة بفضاء الزمان والمكان، وتعد الحكاية جوهر المروي والمركز الذي تتفاعل كل العناصر حوله)

 وكان حجم المروي الذي هيأه المؤلف في رواية محطات كفيلا بأن يضع مهمة معقدة للراوي حيث تراكم الاحداث وازدحام الامكنة وتعدد الشخوص، الامر الذي اجبره على الخوض في ازمنة متعددة فضلا عن الامكنة التي تنوعت بحسب سير الاحداث، هذا الكم الهائل من (المروي) يحتاج بالتأكيد الى (حبكة سردية متقنة) وهذا ما امتازت به المحطات وهي تكشف عن مادة روائية متراصة.. الامر الذي هيأ ليكون المتن الروائي عبارة عن مجموعة متون متحدة (مظلوم وقصته – كفاح واحلام وقصتهما – الاقطاع – الثورات – مراحل النظال – سعيدة – سرحان....الخ) كلها اجتمعت في متن واحد هو (مراحل التغيير السياسي في العراق لستين عاما مضت)، واتخذ الراوي اسلوب التدرج السردي من اجل الظفر بالعقدة الرئيسية للرواية ومنح هذه التدرجات السردية شكلا فنيا مميزا لتبدو مجموعة كبيرة من العقد الفرعية (فعقدة العربانه) و(وعقدة العلاقة بين مظلوم وغنودة) و(عقدة العلاقة بين مظلوم وغزالة) و(عقدة احلام وكفاح) و(عقدة سعيدة وسرحان) و(عقدة التكيف للعيش في المدينة) و(عقدة التكيف للعيش في العاصمة) فضلا عن العقدة الرئيسة التي جعلها الراوية تتماهى ضمن الاطار العام والتي قد تكون (الثورات الجماهيرية وانحرافاتها) او (قصة حياة مظلوم ورحلته الايديولوجية) أو (العراق في العهود الجمهورية حتى عام 2003) .

 وكان السرد والحكاية بصفتهما وجها المروي ماثلين بشكل واضح وجلي في كل صفحات الرواية، إذ تمكن المؤلف من رسم معالم السرد سواء كان باسلوبه او بلغته او بنقاط الحوار، وان كان بالاسلوب الكلاسيكي لكنه اخذ بعين الاعتبار (الحشو الحكائي) في كل مقطع او في كل جملة.. حتى في التسطير التاريخي (الذي سأتناوله في عنوان اخر) بدا السرد واضحا مبتعدا تماما عن تقليد التدوين الذي يعتمده المؤرخون .

 ان ميزة الانهمار الحكائي وكثافة السرد شكلت سمة خاصة انفرد بها حميد الحريزي في رواية محطات.. حيث مطاولته في نزف المزيد من الاجزاء وان وصلت ثلاثة، لكنه جعلها مفتوحة لتبتلع اجزاء اخرى تحمل المعالم والعوالم نفسها وتكشف بنية روائية جديدة تعكس صورة (مطلوم آخر) ضمن مرحلة ما بعد التغيير .

ثالثا: المروي له (القارئ)

 يقول صادق قسومه في كتابه (طرف تحليل القصة) (ان وجود راو يروي القصة (نظريا ومنطقيا) يقتضي وجود طرف ثاني يتلقى الرواية باعتبارها شكلا من اشكال التواصل القائم – وجوبا- على ثنائية المرسل والمتلقي)

 ولذلك فالمتلقي كشحصية الرواي في الرواية، يبنيها قبل الشروع في الحكي، وحميد الحريزي عندما شرع بكتابة روايته وحدد الراوي لم يحدد المروي له بل جعله مجهولا يبتكره الزمن، وربما كانت غايته ايصال (المروي) الى الانسان.. الانسان الذي قد يكون ممثلا بشعب، او عدة شعوب، او الانسان الذي قد يكون مناضلا او مكافحا، او الانسان الواعي والمفكر أو البسيط المتواضع، الانسان العاشق الرومنسي .

 ولكنه في مواضع مختلفة من روايته يبدو حميد الحريزي مخاطبا (الضمير).. الضمير الحي القادر على تمييز الجمال من القبح، او الضمير الحاكم بمطلق العدالة الانسانية، او الضمير المثالي الكامل.. حيث ان (الاعدامات الكيفية) أو (التعذيب في السجون) أو حتى (التقاليد العرفية المنحرفة) أو (الخدع الاجتماعية)...الخ، هي كانت رسائل واضحة للضمير الحي، فضلا عن كونها أرشفة تاريخية موجهة للاجيال القادمة تكشف غياب هذا الضمير او انتحاره في زمن ما من ازمنة (العراق) .

2- البنية السردية

ليس السرد هو الحكي أو القصّ.. وانما هو تحليل مكونات الحكي وآلياته، كما يراه عبد الله ابراهيم، وان البنية السردية هي عملية (الحبكة) التي تنتج سيلا من الاحداث مستغرقة زمنا معينا.. ويذهب البعض الى ان القص مبنيّ على الجملة الفعلية عادة (أكل – شرب – ذهب....الخ) بينما تأتي الرواية لربط هذه الافعال بآليات محكمة وفق اسلوب فني عالي التقنية، فضلا عن تبيرير الفعل (لماذا أكل – لماذا شرب – لماذا ذهب...) او (كيف اكل – كيف شرب – كيف ذهب....) او بمرافقة الزمن لتصبح (متى أكل – متى شرب – متى ذهب...) هذه الكيفية غالبا ما تكون هي قواعد البنية السردية المتمثلة بالحبكة التي يعتقدها (والاس مارتن) . وقد استعمل حميد الحريزي في المحطات بنية سردية متكاملة العناصر، كيف لا وهو العارف المتمكن والناقد المتمرس بأصول السرد،

 ومن اجل الاطلاع على البنية القوية في رواية محطات نستطلع ثلاثة من عناصر البنية السردية فيها وهما (الشخصية والزمان والمكان)

 (أ) الشخصية: تعد الشخصة العنصر الذي يحرك احداث الرواية ويدرك الكتاب عموما اهمية اختار الشخصية لاسيما الشخصية المركزية (الرئيسية) في الرواية، ويهتم الكثيرون بجعلها مميزة وتمتلك خصائص مهمة ونادرة،ولذلك فإن شخصية (مظلوم) التي اظهرتها احداث رواية محطات على انها الشخصية الرئيسية، ليست خيالية الى الحد الذي يجعلها مستحيلة على الواقع، ولا واقعية بما تمتلكه من امكانات وقدرات خلاقة، فقرويته وطيبته من جهة واميته وجلهه من جهة اخرى ربما ستكونان عاملي الاستحالة على من مثله التعاطي مع الافكار والتناغم مع الوقائع وهو الذي كل جهده ليحيا برفقة (عربانة اللبلبي) ليصبح مفكرا ثوريا ووسيلة فاعلة من وسائل السمو الاجتماعي، نعم وان كان الكاتب يريد تضمين رسالة مفادها (ان الفكر الذي آمن به مظلوم هو فكر البسطاء والكادحين والمظلومين)، لكنها ستظل شخصية (مظلوم) علامة فارقة ميزت البناء السردي في المحطات .

 كما عكست الشخصية الرئيسية (المركزية) بما تحمله من صفات انسانية خيرة روح الكاتب وفكره وهو الذي تعمق كثيرا في كشف تفاصيلها النادرة، ودلّ ذلك العمق على مقدرة الكاتب الفذة من التوغل بعيدا في جوهر الانسان العراقي (المكافح) وهو يكشف حتى التفاصيل الدقيقة في مفاصل حياته..

 وقد بنى حميد الحريزي شخصياته وفق متضادين ظاهرين هما الشخصية السلبية والشخصية الايجابية وان كان منحازا الى الشخصية الايجابية التي تحمل روح رسالته التي يريد ايصالها الى الجمهور فبناءه لشخصية (حاشوش) بالتأكيد يختلف عن المادة التي بنى عليها شخصية (سرحان)، إذ ان الراوي عادة ما يكون محايدا وهو يكشف بواطن شخصياته، غير انه في رواية محطات عمد الى الوقوف بجانب (سرحان) – مثلا- مبررا له تحركاته وافعاله واهدافه، بينما حاول عرض الفعل الذي قامت به شخصية (حاشوش) دون العناء في ايجاد المبرر سوى انها شخصية شريرة، وفي ذلك دلالة واضحة لبيان اهمية رسالته كـ (كاتب) .

 والجدير بالاشارة والملاحظة ان شخصيات حميد الحريزي (الايجابية) امثال (الاستاذ منير وحسن وجمال وكفاح وحيوته وغزيله وحتى غنودة...) هي شخصيات لا يمكن عدها (ثانوية) نظرا لأهميتها في تشكيل الاحداث وبناءها، واجتهد حميد الحريزي كي يربطها بسلسلة الاحداث المهمة في الرواية من اجل خلق دراما مميزة تشد المتلقي وتجذب المتابع .

 (ب): الزمن / تقول مها حسن القصراوي في كتابها (الزمن في الرواية العربية) (ان الزمن هو محور الرواية وعمودها الفقري كما هو محور الحياة ونسيجها) ولذلك فعملية تحليل الزمن نقديا تحتاج الى قراءة دقيقة وفاحصة للرواية، وهكذا حينما نريد تفحص الزمن رواية محطات يجب ان تحاط جميع اجزاءها باهتمام دقيق واستغراق تام، من اجل الحصول على رؤية حقيقية لزمن المحطات، وحينما يقسم النقاد الزمن في الرواية الى ازمنة متداخلة في الخطاب الروائي هي زمن المغامرة، وزمن النص، وزمن الخطاب، نجد ان حميد الحريزي اعتنى كثيرا بها من اجل اتمام ابعاد الراوية المهمة وتهيئة قالبها الحقيقي وتقديمه للقارئ جاهزا .

 فكان زمن المغامرة، أي زمن القصة الحقيقي ضمن الرواية هو زمنا طويلا نسبيا حيث امتد ليشمل جيلين كاملين (1952- 2005)، وهي دلالة على الامكانية السردية في المطاولة لدى الراوي، كما ان الزمن في رواية محطات لم يكن رتيبا مملا، حيث كان زاخرا بالحوادث المتراكمة وهي تحكي حقبة تاريخية في زمن العراق حافلة بالثورات والانقلابات والتغييرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فضلا عن التطورات المتسارعة في الفكر والايديولجيا، والتي تمكن الكاتب من تضمينها والاحاطة بها بشكل ملفت للنظر، يدل على اتساع الذاكرة الروائية وعمق الفهم والتحليل، في المقابل كانت تلك الحقبة الزمنية حديث المئات من الكتب والمجلدات والبحوث والاطاريح، لكن الراوي تمكن من رص ّ الزمن بما يحتويه من حوادث في ثلاثة اجزاء من القطع المتوسط، كانت كفيلة لتعكس للقارئ صورة واضحة وجلية للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للعراق في تلك الفترة من خلال المصادر الحية التي اعتمدها الكاتب سرد بعض الاحداث الواقعية .

وقت استعمل الكاتب ترتيبا زمنيا مباغتا.. أسس فيه عنصري المفاجأة والتشويق، فهو انطلق باسلوب السرد الاستذكاري او (الاسترجاع) كما تسميه (سمر روحي الفيصل) في كتابها الرواية العربية البناء والرواية، فكانت اول لبنات البناء الرواي انطلقت من دخول قوات الاحتلال الامريكي للعراق، حيث يبدو كفاح المجنون، ومن خلاله انتقل الكاتب بالزمن نحو (احلام) في منتصف الزمن تقريبا ليعودا – كفاح واحلام – سوية مستحضرين الزمن والحوادث.. ويرى حميد الحميداني في بنية النص السردي ان التلاعب بالزمن يدل امكانية الكاتب في الاحاطة بموضوعه وهو يحافظ على الثيمة النهائية للرواية، وهذا ما يحسب لحميد الحريزي بصفته روائيا محدثا ومعاصرا..

 اما زمن النص، وهو الزمن الذي استغرقه الكاتب في كتابة الراوية، يبدو انه يشغل احتمالات عدة، لعل ايرزها ان الكاتب شرع في كتابة روايته منذ ظهور كفاح المجنون على الساحة حيا يرزق، وربما منذ الاختلاف الايديولوجي حول ماهية الاحتلال الامريكي والوقوف معه من عدمه.. وقد يكون الشروع في الكتابة نتيجة موقف مشابه او حادثة مؤثرة يجهلها القارئ، لكن كل تلك الاحتمالات لا يمكنها الغاء حقيقة ان الروائي يشرع في كتابة نصوصه داخل جمجمته اولا، ومن ثم يحاول ترجمتها على الورق، سواء كان زمنا قصيرا او طويلا، ويرى بعض النقاد ان الرواية المشبعة بالامكانيات السردية هي تلك التي يطول زمن ولادتها، أو انها تنام وتستيقظ طويلا في رأس الراوي، والمحطات هي جزء من حياة الروائي حميد الحريزي وهو ما يؤكد مثولها طويلا في ذاكرته لما تحمله من العديد الحوادث التي خلدت ضمن مسيرته المهنية والسياسية .

 بينما كان زمن الخطاب - وهو الزمن الذي يستغرقه القارئ للرواية – عبارة عن اداة فاعلة ربطت الراوي بالمروي له وتمكن حميد الحريزي من الاخذ بيد القارئ نحو تقليص تقليص الزمن ومحاولته الفاعلة في تأجيج مبادرة المقارنة الزمنية من خلال اصطحاب المتلقي لممارسة زمن المغامرة وان كان يسمى هذا الزمن بالزمن النفسي، غير ان الزمن الخارجي الذي يحيط متلقي النص الروائي يعتمد كثيرا على عدد الاسطر وحتى الكلمات، فضلا عن اعتماده على مقدرة المتلقي في تفسير الجمل والالفاظ واستغراقه في معاينها، غير ان حميد الحريزي اختصر ذلك كثيرا على المتلقي وهو يثبت الزمن بالتاريخ واليوم للكثير من الاحداث، الامر الذي يساعد المتلقي على اختصار زمن الخطاب ويبعده كثيرا عن عناء احتساب الزمن الذي هو ليس من مهمة المتلقي .

 فكان زمن الخطاب سلسا للغاية في رواية محطات رغم انها بثلاثة اجزاء بمعدل 200 صفحة للجزء الواحد.. كما ان اشعال عنصر التشويق في العديد من مقاطع الرواية يساعد كثيرا على تخطي الملل حينما يتعلق الامر بسرد الحوادث وتفاصيلها .

(جـ) المكان او الفضاء: يعد المكان بأنه المسرح الذي تجري عليه احداث الرواية، وقد استعمل حميد الحريزي الامكنة المفتوحة في محطاته من اجل خلق عملية الاتصال بين شخوص روايته فضلا عن قابلية انتاج مسرح واسع للسرد بما تقتضيه حاجة الحدث .

 وقد تنوعت الامكنة في في رواية المحطات تبعا لخيال الكاتب وانسجاما مع متطلبات القص، فكانت (القرية) احد ابرز الامكنة التي اتاحت للكاتب الانفتاح والتخيل حيث ولادة مظلوم ونشاته، كما انها نقطة انطلاق الطيبة والبراءة من جهة والجهل والتخلف من جهة الاخرى ومنها ايضا انبثقت الامكنة الفرعية كالنهر والبستان وحقول الزراعة وصولا الى تفرعات دقيقة كشفها الكاتب بحكم خبرته ودرايته بفضاءات القرية وتفاصيلها .

 ثم انتقل الكاتب يتبع بطله (مظلوم) في المدينة (ولاية النجف) لتكون مكانا واسعا لمجريات الاحداث الكبيرة كالمظاهرات والاسواق والازقة والشوارع والبيوت العالية وغيرها، وعندما علم انه بحاجة لمسرح اوسع حمل بطله واتجه الى العاصمة (بغداد) ـ حيث هناك تبدأ الاحداث بحاجة لأمكنة اكثر التصاقا بمجريات الرواية كالمطبعة والمعسكرات والبيوت والحدائق، فضلا عن نهر دجلة الذي يعد ابرز الامكنة الرومنسية والتي حاورها الكاتب كثيرا..

 وعندما تطلب النضال مساحة اخرى انسحب متجها للاهوار حيث كانت غايته الكشف عن هذه البيئة بطبيعتها وسكانها كما جعلها محطة لمجريات العديد من الاحداث .

 هذه الامكنة وظفها الكاتب من اجل الحصول على الحياة ممثلة بمجالات عدة، فمنها الرومنسية، حيث بساتين النخيل والحقول، او بيت غنوده، او الانتقال الى نهر دجلة وبستان فؤاد او العودة الى الاهوار والمشحوف وغابات البردي والقصب، او منها الاماكن الاجتماعية كـ (المضيف) في القرية أو المقاهي في المدن، او تجمعات الصيادين في الاهوار، أو منها الاماكن الاقتصادية، كالاسواق وغيرها .

 في الختام.. ان رواية محطات بجميع اجزائها (العربانه – كفاح – البياض الدامي) كانت في معظم احداثها قد تضمنت افكارا متناقضة فيها الصراع بين الوجود واللاوجود، وذلك يعود الى خيال الراوي وطبيعة ما تحتويه من حقائق تاريخية وواقعية، لقد كان الراوي هو من صناعة الكاتب في اغلب تفاصيل الرواية، وقد اراد الكاتب ان يكون الراوي قريبا من ذاته وهو يكلفه بعملية السرد والنطق والعرض لوجهات نظره ولا تظهر الشخصيات الاخرى الا من خلاله او من خلال علاقته معهم، فضلا عن تضمينها لشخصيات نموذجية وتاريخية كشخصية عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وسلام عادل وحسن سريع وغيرهم .

 تحددت المدة الزمنية للرواية من خلال تقنيتين وهما تبطئة السرد في بعض الاحداث التي تتطلب الوقوف عندها كثيرا، مفصلا، ومفسرا، ومحللا، ومبررا، كما استعمل ايضا تقنية تسريع السرد تحديدا في المدة الزمنية التي تواجد فيها الراوي في الاهوار ايام الثمانينيات والتسعينيات وايام الحصار، ويعود السبب في ذلك بحسب وجهة نظري الى فسح المجال لتناول هذه المدة الزمنية وتحديدا في الاهوار الى سرد اخر سواء منه او من كتاب اخرين .

 وقد حمل المكان ايضا دلالات كثيرة حينما اجاد الراوي في تخطي الامكنة المفتوحة وان كان قد ركز كثيرا ووقف الى جانب مكاني الاهوار والقرية، نظرا لتعلق الكاتب بالطبيعة الحية وتفرعاتها في هاتين البيئتين الجميلتين .

يتبع

 

عدنان النجم

..................

الحلقة الثانية (المصطلح التراثي في رواية محطات للروائي حميد الحريزي)

 

 

1007 مزامير المدينةرواية مزامير المدينة أنموذجا

تأتي رواية مزامير المدينة الصادرة عن دار الفؤاد للنشر والتوزيع عام ٢٠١٨ إتماما وتكملة لهذيانات ومرثيات التوجع العراقي في رواية الصورة الثالثة للكاتب الصادرة عام ٢٠١٥

حيث كانت القواسم المشتركة بالهموم والمواجع وفقدان بوصلة الأستقرار للشخصيات التي جاءت بمستويات سردية لتمثل اختزالا لمرحلة من الضياع عانته

قاعدة عريضة من الجمهور كان يبحث عن لحظة أمان ويتطلع الى بارقة أمل يمنح هذه الجموع المحرومة قسطا من الحلم وبحبوحة من السلام ولكن للحرب جنونها وللسلطة شهوتها وتوق الحاكم لكتابة تاريخ بدماء الضحايا ولأن الطاغية لايفكر يوما بضحاياه يعمد جنونه ببطولات وهمية وكوارث منقوشة على جدران الذاكرة التي تشوهت بصور الموت والخراب والخواء في رواية الصورة الثالثة كانت البطلة سلوى المرأة الممشوقة جمالا ونقاءا وسحرا وإنوثة وكان الشاب محسن الذي أرهقه الفقر  والحاجة وطاردته أشباح الحرب وزبانية اللون الزيتوني فكانت تلك هي بوابات النفي والعقم التي إستلذ بها الطاغية لتمنحه مزيدا من الزهو الفارغ ولو ان السرد لم يقترب من الأرهاصات السياسية وجذور الفواجع الكونية وألقى تبعتها على الحرب ضمن عناوينها وفواجعها الكارثية العريضة .فقد مثلت البطلة سلوى الحاضرة في ذهن ووجدان الشاب محسن المحروم عاطفيا وماديا والتي قد تغيبت بوجودها الواقعي في فضاء رواية مزامير المدينة والتي أضحت رمزا جوانيا  للرغبة والحنين ومن زاوية اخرى صورة لفداحة الخسارات المتوالية وجسامة مرثيات الوطن على بوابات عويل ضحاياه هكذا تتراسل الحواس مع شخصيات الرواية مزامير المدينة ليستكمل البطل محسن هذياناته الضاجة بالهول والفزع والخيبة مما آلت اليه المصائر والأرادات فكانت الأرض الباثة للثراء والجالبة للغنى لكل من أخذ بتلابيب الأثر

ومواريث السلطنةالروحية الموهوبة من فجر التاريخ في وطن تناوشته الخطوب وأنهكته الحروب وكما جاء في الرواية على لسان والد محسن في وصف الحرب انها مثل طابوقة نامت لن تتزحزح فكانت العبارة

بوابة السرد ومرثية هذيانات أبطال السرد وهم يتناولون يوميات القرف بأيقاع سردي يتوسط بين السرعة والأبطاء ولكنه مشحون بمخلفات حربية لن تتزحزح كما هي الحرب في وعي الناس ومواجعهم اليومية فجاءت رواية مزامير المدينة تؤرشف محنة وطن في مرحلة دقيقة من صخب مراياه الأنسانية والكونية

حيث لملمت إغترابات الوطن والمواطن الذي يتطلع نحو الحرية والخلاص ليجد نفسه في أزمة متاهات جديدة يفتحها التصارع المحموم على السلطة والثراء والبذخ بعد زوال الكابوس حيث رصد الروائي عبر هذيانات التراسل الشفاهي بين البطل محسن والأصدقاء مجتبى ومحمود وناهض وآخرين ليرصد الحكي مستويات التفاوت الطبقي والزمن الفائض بالعبث والخواء واللا أدرية بين مجموعة محسن أصدقاء الثقافة والهموم اليومية المزمنة    والوجدانية كما يكشف الملفوظ السردي في لعبة الرواية انعدام الترابط الحميمي مع تكالبا مشوبا بالجشع على المنافع والمواريث وشهوة الأستحواذ على جغرافيا المكان الجاذب للثراء والوجاهة والسلطة على مرأى مواجع المعدمين والمهمشين والمغيبين بالفقر والعوز والحرمان.

فقد لجأ الروائي علي لفته في بناءه الفني لرواية مزامير المدينة في تتويج اللعبة السردية

وإتمام هوس التوجع والتأسي ومراجعة ثرثرات التاريخ وتقليب أوراقه الصفراء عبر شخصية في ظل السرد إبتكرها الروائي تشارك البطل محسن في سردياته فهذه الشخصية الكامنة في الخفاء كانت ترسل برقيات الشحن النفسي والأخباري بيوميات الفقد والألم والثرثرة التي عايشها البطل محسن ورفاقه فالشخصية المبتكرة في الظل كانت شخصية كلية العلم مطلعة على خبايا وأسرار بقية الشخصيات واتصفت بكم معلوماتي واسع عن شخصية محسن وباقي الشخصيات فضلا عن المحيط الأجتماعي ودوامة الصراعات الأجتماعية والطبقية حيث مثلت الضمير الجواني الناطق والراصد لشخصية محسن والمشكل لوعيه والراصد لصيرورة تحولاته الزمكانية .

ان لجوء الروائي الى إظهار شخصية تحاكي شخصية محسن الى اظهار الدور الخفي للضمير الغائب الذي فرضه الروائي للمراجعة والتثبت اضافة الى منحه فضاءا أوسع وأطلق خيال السرد في ابتكارات أحداث ومواقف إتصفت بالمشهدية والحالية كما أغنت الرواية عبر ملفوظها السردي من خلال مواقف الأبطال ويومياتهم المجترة بهذيانات تتراسل من حوارات وسرديات الشخوص ليشكل صداها فضاء الواقع الجديد وأزمة ضمير تحاصر البطل محسن بأنزياحات متوالية

لتضييق عوالم المكان والزمان وخنق عالم الشخصية وأحلامها المرتقبة .لم يكن اختيار البطل للأمكنة خيارا  بل كان قدرا قاهرا معمدا بالفقر والخواء التي ورثها الأبطال من طبول الحرب وشتات المدن الصاخبة برهانات الربح والخسارة فتنقل البطل محسن من شخصية تعد الأرصفة بمتاهات المدن الى مشغل مولدة في فندق في رواية الصورة الثالثة الى جندي يساق الى جبهات الحرب ثم الى مهازل يوميات الفراغ المقيت واستسلامه للعمل حفار قبور في رواية مزامير المدينة . جاء في السرد .......

دعني يامحسن أستريح وأرتاح قليلا وأنت ماعليك سوى أن تلقي جسدك على اي قبر وأغمض عينيك واحلم ...كن شبيه روحك فتنطلق من حيث لاتدري الى الدموع ص٤٨

وقوله... عندما خرجت من بطن القبر تمنيت الا يكون هناك أحد يرى الشكل المترب الذي يشي بميت عاد الى الحياة وتمكن من الخروج من القبر .

كان المكان المقبرة والعمل فيها يشكلان معادلا موضوعيا للمقبرة الأكبر التي تحتضن عوالم الشخصية فهو المكان السلب والعقم الذي يقضم مناخات الأرتقاء والسلام والبحبوحة فكل شيء يشي بالجدب فكانت رحلة الهروب من القبر الى القبر التي تلاحق البطل الباحث عن الأمان والعيش الكريم ...

لكن الأبطال لايملكون الا صراخهم اليومي وعبثهم الذي يطارد أشباح الخواء والخدر ذلك الهذيان الذي يتجاذبون به أطراف الهم اليومي والخدر الزمني الوئيد ليجتر كل من الشخصيات مواجعه وتأوهاته.

 

للناقد ظاهر حبيب الكلابي