تعتبر رواية خمسة أصوات (النموذج الفني الأكثر تعقيداً)(1) وذلك لازدواجية الوعي والايديولوجية، لوجود وعي لخمسة أشخاص مع أفكارهم المتعددة أيضاً على خط متوازٍ، فالمؤلف وأبطاله يمارسون الوعي (وعملية الوعي) مع أنهم أصحاب مذهب آيديولوجي كلهم، ولكن مما يجعل المؤلف يفترق عنهم أنه وعياً داخل الوعي بمعنى أنه يحمل وعيه هو ووعي أبطاله، ولكن وعي غائب، وغائب نفسه لا يتجادل مع أبطاله ولا يتفق معهم. إنه لا يتحدث معهم بل عنهم مع أن كل واحد منهم له وعيه المواز للآخر، وهذا ما يقوله باختين بخصوص هذا [مؤلف الرواية المتعددة الاصوات مطالب لافي أن يتنازل عن نفسه وعن وعيه، وإنما أن يتوسع إلى اقصى حد أيضاً في إعادة تركيب هذا الوعي وذلك من أجل أن يصبح قادراً على استيعاب أشكال وعي الآخرين المساوية له في الحقوق](2).

وهي في الأصل منولوجات مستقلة وواضحة و (ان هذا المونولوج حاسم لانه يبدو ان كل شيء في الرواية قائم عليه او منبعث منه)(3)، لذا سميت بالاصوات، كل صوت له تجربته الخاصة به وله تفكيره وشخصيته وله طابعة الخاص به، وصراع الاصوات الايديولوجية في أساس الشكل الفني للرواية وفي أساس أسلوبه.

وأبطال غائب يشتركون جميعهم… في صفة واحدة هي أنهم يحملون الوعي المأساوي بواقعهم وبالحياة، ويحاولون الخروج من مفهوم الواقع للانطلاق نحو الواقع المفهوم – وهذا يمتلكه المؤلف – المستمر بذاته في انسيابية كثيفة وتنحية الافكار اللاعقلانية اللاواعية، لكنها تبقى افكار مثقفين – برجوازيين لم يتجاوزوا الحاجز النفسي المصنوع من خيوط اللاتجربة العملية بالحياة والانحدار الطبقي واستيعابهم للمضمون الاجتماعي لم يكن كاملاً لذا لم يصبحوا اناساً كاملين، ولم يستطيعوا خلق العالم بصورة حقيقية، لذا كان عليهم الاصطدام بطريق مسدود. معاناتهم لم تصل الاعماق رغم انها حقيقة بل تتحرك ضمن دائرة المحافظة على توزان طرفي الخيط.

إن (خمسة أصوات) رمز لازمة المثقفين التي عانى المثقفون العراقيون في الخمسينات منها لانعدام الحريات وللحالة الاقتصادية المتدهورة والاجتماعية المختلفة ولا يجمعهم في هذا الوسط المديني سوى البؤس والفقر والتذمر وليس لديهم تصور شامل للتغيير ولا تصور سياسي ذو وزن متبلور رغم امتلاكهم لثقافة رصينة.

ففي رواية (النخلة والجيران) كانت الشخصية المحورية هي المجتمع العراقي اما في (خمسة اصوات) فالشخصية المحورية هي شريحة المثقفين البرجوازية الصغيرة والمتبرجزة الصغيرة رغم تناول غائب طبقة الفقراء ومواقعهم وبيئتهم لكنهم يظلون خلف الصورة المرسومة.

أما الطريقة السردية التي يتبعها غائب في الرواية فهي الانتقال من شخصية إلى أخرى ولكل منها فصل مستقل، ولم يتدخل غائب فيها وظهرت وجهة نظره متخفية غير ظاهرة مما أتاح الحرية الكاملة لشخصياته، لذا بقينا نسمع في الرواية خمسة أصوات او منلوجات داخلية أصبحت المحور الرئيسي لها، مكونة التحاماً بنائياً متجانساً في فصولها.

والرواية تتكون من سبعة وثلاثين فصلاً كل فصل باسم شخصية طارحة وجهة نظرها باستثناء فصلين تلتحم فيهما الاصوات الخمسة التحاماً فنياً مذهلاً يبرز فيهما السرد المتداخل(*) بوضوح، والفصلان هما السادس عشر والفصل الاخير حيث تتزاوج فيهما الرؤى ووجهات النظر وهذا ما تميز به غائب من اسلوب السرد المتداخل، ويذكرنا هذا البناء الفني للرواية بمبدأ تعدد النغمات وتداخلها في الموسيقى.

إن غائب قد استفاد من تجارب روائية عربية وبشكل خاص من رواية نجيب محفوظ (ميرامار) من حيث تعدد الاصوات فقط، ونحن لانقول بانها استفادة حرفية او مطابقة تامة، لا فكل رواية لها وشمها الخاص بها، ولها اسلوبها وبناؤها الروائي.

والملفت للنظر، وهذا يجب ان يوضع بالحسبان بانه لايوجد صوت نسائي ابدأ لدى غائب في هذا الرواية. انها رواية متعددة الاصوات رجالياً، أي عالم رجالي، والنساء فيها مهمشات او في مواقع دون الثانوية، صورهن تخطيطات شاحبة باهتة مظللة بظلال قاتمة لاتنفذ منها الالوان، سطحية لان (كل فتاة عراقية تقضي اغلب عمرها حبيسة الجدارن) ص34، ومسحوقات اجتماعيا ونفسياً، بينما نشاهد ان هذه الصورة تتغير وتكون اكثر انفتاحاً ومشاركة اجتماعية للمرأة في رواية (المخاض)، التي يعطيها المؤلف حرية اوسع كمشهد حفلة الوكالة. والسبب في هذا هو تطور الوضع الاجتماعي – الاقتصادي للمرأة العراقية نسبياً بعد ثورة 14 تموز.

هذا بينما المثقف العراقي يعيش بين نقيضين، حالة الانتماء والاغتراب في وقت واحد، فالانتماء لدى المثقف العراقي هو بالضرورة يعني التغيير، يلازمه شعور حاد بالاغتراب بسبب ما يحيط به، أي عدم التمكن من الاندماج والتآلف مع المجتمع فيكون وهذه الحالة "المنتمي المغترب".

ومن هذا الفهم والتصور لرؤية فرمان نستطيع الاحاطة بشخصيات الرواية الخمس المثقفيين او نتوغل في دواخلهم باضاءة جوانب كثيرة معتمة فيها، واستخراج طروحات مبعثرة موجودة بين الكلمات ولتزداد قرباً وتحسساً لسبر أغوارها الدفينة وللدخول إلى الدائرة ذات البوابات النصف مواربة والنصف مضاءة.

من هنا تتدفق الرواية بالتفاؤلية والسوداوية والسخرية والادانة الصريحة لوضع قائم ولتتحول مشكلة المثقفين الخمسة الحياتية ومعاناتهم اليومية لتصبح هموم وطن أوسع وأعمق يتسم بالقلق المسكون المترقب، ولازاحة استار الذات والموضوع ولاستئصال زوائد الداخل والخارج وللتواصل بين الجزء والكل، هكذا تكون قراءة الواقع في الرواية لينبثق منها قراءة رواية من الواقع.

يقول غائب عن رواية (خمسة أصوات):

(اما "خمسة أصوات" فهي ايضاً مرحلة من المراحل التي ارتبطت بها حياتي، فمرحلة 1954 القوية لاتخفي أهميتها بالنسبة لتاريخ العراقي أحسست ان أعبر عن فترة قوية وحساسة في تاريخ العراق)(4). ان البوابة العريضة التي نلج منها للرواية هي بوابة السياسة ولايمكن ان نسلخها عنها والا جاءت كالرأس المقطوع، وليس من الممكن استخلاص رؤية جدلية صحيحة لزمنها الواقع دونها، فلقد تركت ظلالها على مداخل ومخارج الرواية رغم تحيز غائب لعلاقة الخارج المحكوم بالنص المتحرر الخاضع للجدل المفتوح بين النص والتاريخ اكثر من علاقة الداخل المحكوم بالنص المقيد الخاضع للجدل المغلق بين النص وذاته.

ومن خلال هاتين العلاقتين، علاقة النص المتحرر المفتوح على التاريخ بالنص المقيد المغلق على الذات تنشأ علاقة جدلية بينهما وهي ما أراده غائب من أن لا تطغي ولاتنفي جمالية العمل الادبي.

البعض من النقاد حاول ان يطبق عليها تنظيراته النقدية الغربية على وفق قياسات قسرية، لتأتي النتيجة تجريدية مفرغة من محتواها الإنساني لذا نقول ان أي ابتعاد عن هذا الجانب المهم الا وهو الجانب السياسي لتلك (المرحلة) يكون حكماً نقدياً غير رصين ومجحفاً في حق العمل الادبي والتاريخ، خاصة ان (لسنة 1954 في تاريخنا السياسي والثقافي خصوصية و (كثافة) لاسباب معروفة)(5).

ينسحب هذا على الاصوات – الخمسة المثقفة التي تعيش حالتين غير متوازيتين، الحياة الفكرية / الحلم والحياة العملية / الواقع وما بينهما من صراع وتناقض وتطلّع والمواقف المتباينة ازاءهما وأول الشخصيات (سعيد) شخصية ايجابية ملتزمة لكنه متردد في اتخاذ القرارات الحاسمة، وخجول تعوزه (الثقة بالنفس) ص25- كما يصفه ابراهيم – وأنه (لايدير شيئاً ولايحل اصغر مسألة) ص20، وسط هذا الواقع / الحلم تاه وبدأ يبحث عن نفسه (لو أعرف من أنا؟) ص115، وتفاءله بالشعب العراقي لاحدود له لكنه تفاؤل ساذج ورؤية ثورية مغرقة بالرومانسية لاتخضع لأسس موضوعية: (لماذا لم تتحسن حياة الشعب العراقي بشكل بناسب تذمره، فالتذمر كما يقولون أول خطوة نحو التغيير، والتذمر كان عنوان الشعب العراقي. ومرضه منذ البداية) ص26.

ورغم ان سعيد يعمل في احدى الصحف الوطنية المعارضة للسلطة الرجعية، الا انه خير من يمثل شخصية وهموم ونفسية البرجوازي – الصغير في تطلعاته ومواقفه وهمه هو أنه: (مهدد دائماً، وأعيش ثقافياً على ما يرسمه الآخرون لي، وأحاط بالممنوعات والمحذورات، والحكام ينظرون إلي كمشبوه) ص56.

ومحاولاته تباء بالفشل في اصلاح ذات البين بين حميد وزوجته وهذه المحاولة تأخذ حيزاً كبيراً من بداية الرؤية حتى نهايتها.. بحيث تصبح مشكلته هو .. من دون أن يدري تكون معه في البار في الجريدة.. وهذا يعطينا دلالة على أن سعيد مفرط في حساسيته تجاه الاحداث والمواقف وتنتهي بموت الطفلة وطلاق الزوجة ورحيل سعيد الى …

وفي الفصل الاخير… يفصح سعيد عما يعتلج في نفسه من قهر واضطهاد في حديثه مع أمه عن الوضع العام في العراق وهو يشكل ذروة ايجابيته.

(لماذا يتدخلون هم ويحكمون ولانتدخل نحن?) ص296.

ويعزز ذلك سفره أو هجرته نحو الداخل نحو البحث عن الهوية الحقيقية لإنسان سحقته الظروف الاقتصادية والاجتماعية ثم السياسية الرجعية.

قد يتساءل قارئ الرواية لِمَ لمْ يبق سعيد في بغداد / مدينته ومع اصدقاءه للوقوف والتصدي لكافة الظروف كما تصدى للفيضان. أهو جبان حقاً كما يقول عنه عبد الخالق ام شجاع لاتخاذ قراره الحاسم؟.

هو هارب ام مناضل يترجح بين الاختيار والضياع؟ أم يود أن يتحرك ويحطم الجمود الجاثم على حياته؟.

الصوت المتميز والمتوازن والاكثر عقلانية وايجابية هو (ابراهيم) الصديق المقرب لسعيد الذي يعمل معه في صحيفة (الناس) ذاتها نائب رئيس تحرير بينما سعيد مسؤول عن صفحة شكاوي الناس أي المسؤول عن المنبر الحر لقضايا الشعب الآنية، ويتعرف بنا ابراهيم في الفصل الثاني من الرواية، وهو متلبس للخروج من دائرة اللا استقرار وللدخول إلى دائرة الاستقرار، لبناء اسرة واتخاذ زوجة ليتدفأ بحضنها مستعيضاً عن دف الخمرة. (سيتزوج هو، سيخرج من خط بليقس، والسهر خارج البيت ويستعيض عن دفء الخمرة المحموم بدفء جسد إنساني) ص141-142. هذه النظرة البرجوازية المؤمن لها ابراهيم، تقابلها نظرة عملية – عقلانية عندما يقول ان (مشكلة المثقفين ليست القراءة بل معرفة الحياة) ص13، نظرة واقعية ومهمة في آن، فالاصدقاء الخمسة يشتركون جميعهم في خاصية (القراءة) بمعنى أنهم ينظرون ويتعاملون مع الحياة مع الواقع اليومي من خلال الكتب، لا من خلال الحياة وطقوسها المتنوعة، لذا فعندما تحتك هذه المفاهيم بـ الاغلبية تهتز(6).

انا لا اتفق مع الدكتور نجم عبد الله كاظم بأن ابراهيم يسعى و(يكافح من أجل تحقيق أهدافه … السياسية)(7)، فـ ابراهيم لديه موقف سياسي هو واصدقاءه، ولكن ليس التزاماً سياسياً، هذا الموقف نشأ نتيجة رد فعل لقراءتهم وظروفهم المادية، ولم نعثر من خلال قراءتنا للرواية بأن أي واحد منهم كان منتمياً لاي حزب سياسي قط، رغم ايمانهم بالتغيير، وخاصة ابراهيم فالتغيير لديه (يعني زوال السلطة) ص171، فهي (حماسة سياسية إلى التغيير)(8).

شخصية شريف شخصية متناقضة بينهما وبين العالم وبينها وبين ذاتها، له عالمه الخاص به جداً، له معبده الذي يتلو صلواته بمفرده به، عالم متوحد وهو (شخصية حسية واضحة المعالم، ومعروف جيداً أن هذه الشخصية الروائية تستلهم سيرة الشاعر الراحل حسين مردان)(9)، يعيش في العالم الذي اختلقه من الوهم: (أنا بودلير العصر) ص13 ص38.

والعالم الواقعي المحيط به أو المقذوف به حسب التعبير الوجودي لايعرفه الا من خلال النساء والشعر والخمرة وهو يقول (خلقت لأعربد كما فعل بودلير في زمانه) ص40.

والقارئ يحس بالأفكار الوجودية وتأثيرها على شريف حين يقوم بوصف الظلمة، التي تعني عنده الظلمة التي تتوجه إلى الداخل إلى ذاته الزاحفة من الخارج:(كانت تملأ حواسه، يشمها يتلمسها يحس بها كائناً حياً يزحف على جسمه)ص41، لايفصله عن العالم الا ستارة شبيهة بستارة عشيقته المومس صبرية وعند ازاحتها كأنما تزاح (عن كل قذارة العالم)ص43.

فهو الطفل – النقي غير الملوث بقذارة العالم والشيء الذي يربطه به هو بودلير وصبرية والعرق، رغم هذا فهو يشعر بوطأة العالم عليه الذي يجعله دائماً في حالة من السأم الثقيل (كان السام، هذا الحيوان الخرافي ذو الألف والسبعمائة ذراع يطوقه بقوة حتى يكاد يخنقه) ص120.

حتى تعامله مع الآخرين تحس به يتهكم به ويسخر مع مسحة لتأكيد الذات (الأنا) مع شعور حاد بالتفرد الحوار التالي الذي يدور بينه وبين صبرية المومس:

[- هل تعرفين بودلير؟

- اعرفه يمثل في سينما الحمراء. سمين مثلك

- كفرت ياخنساء

- ومن هو؟

- شاعر عظيم

- يعني ممثل.] ص93.

هل قام شريف برفض العالم؟ لا أظن ذلك وخاصةً كما قلنا سابقاً انه يعيش عالمين ومشدود اليهما بقوة رغم تفوق احدهما لذا فإن (البطل الذي يفترض أنه يرفض المجتمع لم يقم في الحقيقة الا برفض رؤيته)(10)، وهذا ما لم يؤمن به ، انما آمن بأن (الإنسان يعيش حياة واحدة فيجب ان يعيشها ممتلئة طافحة إلى الحافة بكل شيء)ص29.

وشخصية حميد تلتقي مع شخصية شريف في خطها العام من حيث تمردهما ولكن يختلفان في التفاصيل، شريف متمرد على الوضع العام برمته، لكنه اكثر انفتاحاً على ظلمته غير المتفاهم معها بينما حميد متمرد على وضعه الشخصي فالعام لايعنيه البتة أكثر انغلاقاً على وحدته المتفاهم معها.

و(حميد) الشخصية الرابعة (خفاش من خفافيش الليل، ملك متربع على عروش الحانات، ويسهر حتى الساعة الثانية عشرة.. وبعدها يهيم في الشوارع)ص18، انتهازي يفتقد الصراحة والوضوح والصدق يعيش في كذبة كبيرة من حيث تمثيله لشخصيتين مختلفتين، الأولى رب اسرة قاسي جدا بخيل عليها غير مبال بها بحيث يموت له ثلاثة اولاد ولايهتم ولا يرمش له طرف ولايعود إلى البيت الا في ساعة متأخرة جداً ويخرج مبكراً انه مأوى لقضاء ليله فقط. يعيش مع زوجته كـ (غريب) ، يقول لـ سعيد معللا ذلك:

(ما تسميها عائلتي ليست عائلتي، بل من مخلفات والدي الذي زوجني وأنا صغير) ص204.

وشخصية حميد تلتقي مع شخصية حسين في (النخلة والجيران) من حيث إنهما يخسران كل شيء حتى نفسيهما.

والثانية عازب، كريم، مرح، واقع في الحب يسهر حتى منتصف الليل، كل ذلك ينقلب عندما يعلم بأن سعيد يعرف سره بعد أن كانت حياته سراً وملكه الخاص (ولا أحد من اصدقائي يعرف أني متزوج) ص112 ، وأزمة حميد أزمة مختلفة كما يقول له سعيد:

- أنت تخلق لك مأساة وهمية ص112.

كذلك يشير عبد الخالق إلى إزدواجية حياة حميد حينما يقول:

- أنت شخص تضحك على مأساتك محاولاً إخفاءها وراء سنك الذهبية ص107.

ولكن رغم هاتين الشخصيتين يعيش حميد الوحدة بكل أبعادها كبطل رواية سارتر (الغثيان)، روكنتان، حينما يفكر بانه (ملقىً ومتروك في الحاضر. أما الماضي فأحاول عبثاً أن أتصل به: انني لا أستطيع أن أفر)(11).

فالوحدة تؤام لـ روكنتان، جزء منه اما عند حميد فالوحدة وحش خرافي مخيف (اللعنة على الوحدة، لو كانت وحشاً لقتلته) ص113 ويكرهها ويخافها (أنا أخاف الوحدة) ص100.

ومن هذا التناقض تكون سلبية حميد العميقة التي تؤدي إلى الضياع والتشرد ويفقد عمله ويدمن على الخمرة، ويسير في نهاية الرواية إلى الموت وحيداً.

أما الشخصية الخامسة الاخيرة فهو (عبد الخالق)، يمتلك ثقافةً عالية ووعياً عميقاً، ونضوجاً فكرياً. لكنه غير مندمج في المجتمع فهو مستوعب المجتمع والمجتمع غير مستوعبه من هذا ولدت الرتابة والملل لديه:

يوم آخر من حياتي، يوم لن يختلف عن يوم

أمس وما قبله … ثم رفع ساقه المتوترة

واولجها في بنطلونه، وترك سترته تلبسه) ص53.

وفي مقطع آخر يتكلم بحرارة وشعور بالانسلاخ عن الحياة:

(أحس بأنني أعيش حياة مستعارة مزيفة….

وأحس بالغربة في بيتي) ص58.

ويحس بشعور خفي بان شيئاً ما سيحدث في العراق وهو شخصية ايجابية مبدعة يكتب القصة ، لكنه يعرف بأن (قراء الفأل يحظون بشعبية أكثر من أي كاتب) ص108.

متفائل بالرغم من كل الاخفاقات والنكسات التي يمر بها البلد ويحمل صليب الايمان نحو الجلجلة / المستقبل.

في (خمسة أصوات) ينعدم الرمز تقريباُ. فهي رواية مباشرة صريحة لاتحمل الكثير من التلميحات والاشارات والدلالات الا ما ندر مثل الفيضان الذي يجتاح بغداد فهو يمثل اجتياح القوى الرجعية للبلاد وتشريد الآف المثقفين خارج العراق:

ومشهد التابوت والمهد الذي يواجه سعيد وهو ذاهب إلى زوجة(حميد). انه جاء عفوياً وغير مقحم وغير متعمد مما أكسبه زخماً فنياً ناجحاً.

والرواية (يمجملها صورة روائية فنية للمجتمع العربي ولفئة المثقفين بخاصة، وللزيف الذي يعيش فيه معظمهم ومحاولتهم الهرب من الواقع بالانغماس في الخمرة او الجنس، وللغربة التي يشعرون بها في مجتمعه)(12).

 

أسامة غانم

..........................

الهوامش والاحالات

1- م. باختين- قضايا الفن الابداعي عند دوستويفسكي – ت د. جميل نصيف، ص390 دار الشؤون الثقافية، ط1، بغداد، 1986.

2- المصدر السابق، ص97.

3- مالكم برادبري- جيمس ماكفارلين، الحداثة جـ2 مؤيد حسن فوزي، ص212، دار المأمون، بغداد، 1990.

(*) أطلق الناقد تزفتان تودوروف على هذا الاسلوب اسم ((التناوب)) وهو يعد من الأساليب الحديثة المستخدمة في الرواية الحديثة. ولكني أرى أن تسميته بالمتداخل أكثر صوابية وموضوعية لأنه يأخذ طابع الحوار المجازي ويقول في هذا الشأن باختين (ان الرواية المتعددة الاصوات ذات طابع حواري على نطاق واسع).

4- د. نجم عبد الله كاظم- الرواية في العراق، ص227. دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1987.

5- د. عبد الجبار عباس- الحبكة المنغمة، ص293- دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1994.

6- فاضل ثامر، الصوت الآخر، ص77، دار الشؤون الثقافية، ط1، بغداد، 1992.

7- الرواية في العراق، المصدر السابق، ص59.

8- طراد الكبيسي، كتاب المنزلات، جـ2، منزلة النص، ص49، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1995.

9- فاضل ثامر، الصوت الآخر، ص77 ومحمد الجزائري، خمسة اصوات صرخة في الوعي، جريدة الوان، العدد 14 في 27/12/1997.

10- عدد من الباحثين السوفييت، نظرية الادب، ت. جميل نصيف التكريتي، ص381، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1980.

11- جان بول سارتر، الغثيان، ت. سهيل ادريس، ص51، منشوؤات دار الادب، بيروت، ط2، 1964.

12- جورج سالم، المغامرة الروائية، ص149، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1973.

 

علاء اللاميلم يتعرض أديب مبدع وأصيل حقا، أثَّرَ بشكل عميق على أجيال من الأدباء بعده، للتشويه والافتراء وتحريف السيرة والإنجازات الأدبية، كما تعرض الروائي التشيكي والكاتب باللغة الألمانية فرانز كافكا. فقد جعلت مجموعة من الظروف الخاصة والعوامل الاستثنائية والشخصيات ذات المواصفات المعينة والمصادفات الغريبة دورا مهما في نسج وتسهيل عملية التحوير والتعديل والمسخ لهذا المبدع الكبير وأدبه. ففي حين تقدم القراءة المتعمقة والرصينة لأدب كافكا صورة للأديب المهتم بالإنسان المأزوم وابن عصره، الرافض للقمع والاستلاب والتغريب واختراق حرية وعزلة وخصوصية هذا الإنسان الباحث عن معنى وجوده والمحتج على بطلان وسلبية وسواد وعبث هذا الوجود، وعلى الصورة والنمط والمضمون الذي يكون عليه هذا الوجود، في هذا الحين والحال، أفلح شخص واحد، وضعته مجموعة من الظروف والمصادفات في بؤرة الأحداث والعلاقات التي مرت في حياة كافكا القصيرة والحزينة، في دفن كافكا الحقيقي وتقديم نسخة أخرى شوهاء ومزورة عنه.

هذا الشخص هو ماكس برود، الصهيوني المتحمس والنصاب الكبير، والأديب الفاشل بعد سلسلة من الروايات والمشاريع الأدبية التي لم تلفت إليه الانتباه قط، ولكنه أيضا – علينا أن نعترف بهذا - صاحب الفضل في إنقاذ كافكا وأدبه  من الإهمال والنسيان، وهو - مرة أخرى - صاحب الأذى الأكبر الذي يبلغ حد المَسْخِ والتشويه الذي ألحق بكافكا وأدبه. ستكون أية موازنة أو مقارنة أو عملية حساب معيارية جمالية أو غير جمالية، بين طرفي هذه العملية أو الحالة (إنقاذ تراث أديب من جهة ومسخه وتحريفه من جانب آخر) غير ذات مغزى وقليلة أو معدومة الفائدة على الصعيد التحليلي النقدي، إنما يمكن النظر إليهما كوجهين لعملية تاريخية وواقعية ملتبسة واحدة.  ولعل أبغض ما أفلح برود في إلصاقه بكافكا هي قضية علاقته بالحركة الصهيونية حيث حوله، بقصد وتخطيط مسبقين، وعبر عملية طويلة ومجهدة حقا، من كاتب حرٍّ وإنساني النزعة إلى مجرد كاتب ديماغوجي وشبه حزبي تابع لهذه الحركة السياسية بالغة الرجعية، وقد انتشرت وترسخت هذه القناعة الفاسدة في ساحتنا الثقافية العربية أكثر من غيرها لأسباب شتى سنلقي عليها وعلى سيرورة تكرسها ومآلاتها نظرة تحليلية ضافية في أحد فصول هذا الكتاب عبر تفكيك منهجي وعلمي لما اصطلح عليه بالكافكوية " الكافكولوجيا"[1] .ومن الغريب والجدير بالتفكر والاعتبار أن الذين يبرئون كافكا من تهمة التعاطف أو التحمس للحركة الصهيونية وهي التهمة ذات الجذور الصهيونية كما سندلل، هم في الأغلب الأعم نقاد وأدباء غربيون أوروبيون أما الذين انهمكوا في نبش وتحليل وقراءة الوثائق والمدونات التي حرصت الحركة الصهيونية على إخفائها أو التعتيم عليها فهُم نقاد وأدباء عرب، وبعضهم من أولئك الذين يزعمون معاداة الصهيونية. لنتأمل هذا المشهد غير المتوقَع والمستنكَر: الحركة الصهيونية، ومنذ ماكس برود، تحاول استثمار ومسخ وتوظيف فرانز كافكا وأدبه لصالحها، ولصالح أهدافها السياسية والأيديولوجية الخاصة عبر تلفيق وتزوير الوثائق والأحداث، و نقاد غربيون يحاولون تفنيد هذه الخرافة ذات المنشأ الصهيوني بفضح تلك الوثائق ، في مقابل هؤلاء ثمة  نقاد عرب يزعمون معاداة الحركة الصهيونية يؤيدون فعلا ما تقوم به – هذه الحركة - ويوجهون التهمة ذاتها إلى كافكا!   لقد حاول ماكس برود حبس بحر شاسع يدعى فرانز كافكا في علبة سموم صغيرة اسمها "الحركة الصهيونية" وهذا الكتاب محاولة متواضعة لاستعادة سيماء وزرقة ذلك البحر الرائع.

  منذ عقدين تقريبا، بدأت الصورة النمطية والبالغة السلبية للروائي التشيكي الشهير فرانتس كافكا بوصفه ، بحسب تلك الصورة، كاتبا وإنسانا كابوسيا وسوداويا، متشائما ومضطربا، عصابيا وعدوانيا إلى درجة مرضية، وتلك هي الكلمات التي تلخص لنا أحد الوجوه التي تعنيها الكافكوية أو الكافكولوجيا بمعناها السلبي، بدأت هذه الصورة بالاهتزاز والتفكك فالتلاشي رويداً رويدا. حدث ذلك  تحت وطأة كتابات نقدية إيجابية مضادة للتنميط و"البديهيات" الشائعة والفاسدة مضمونا كان من بين أهم المبادرين إليها الروائي التشيكي ومواطنه ميلان كونديرا، غير أن هذا الحدث الثقافي الملهم ظل بعيدا عن التأثير والفعل في الساحة الثقافية العربية السريعة التأثر عادةً بما يرد من الحواضر الأوروبية من غث وسمين بفعل آليات التبعية "الحضارية والثقافية "  الشاملة. وهكذا بقيت صورة "كافكا الظلامي" و "أدبه الجحيمي " كما هي منذ سنين طويلة، بل وفاقم من سوئها لدينا نحن العرب خصوصياتٌ وثيماتٌ "ثقافية عربية " أخرى، من بينها غياب أية تقاليد في التضامن الإنساني البديهي والخارج عن الغرض بين المثقفين عموما والمبدعين منهم خصوصا، و هيمنة القراءات السطحية اللاتاريخية وغير المتفحصة لكل ما هو قادم من أقلام الأورومركزية الغربية التي فارق أغلبُها التراثَ والجذور التنويرية الرشدية والتصق بعنصرية  أدولف هتلر ومارغريت تاتشر. مضاف إلى هذا وذاك، سيادة نمط أيديولوجي من النقد الأدبي وغير الأدبي والذي لا يرى أبعد من أرنبة أنفه، وأخيرا فثمة  تأَثُّر هذه الساحة الشديد والمباشر بإفرازات الصراع العربي الصهيوني مما أعطى ثقلا ورنينا خاصين للمزاعم التي تذهب إلى أن كافكا كان  مؤيدا متحمسا للحركة الصهيونية إن لم يكن صهيونيا متعصبا، الأمر الذي أظهرت الدراسات السردية والوثائق والشهادات اللاحقة زيفه وتناقضه كما سنرى. وقد انتشرت هذه القناعة الفاسدة –للأسف-  لدى أفراد النخب الثقافية والمثقفة في بلداننا العربية مع أن شعوبنا هي الضحية الأولى لهذه الحركة العنصرية الرجعية. ورغم أن هذه المزاعم - كما سيتضح – هي، من حيث الجوهر والفعل والمصدر، صهيونية بحتة يقف خلفها صهيوني متعصب هو الكاتب التشيكي والإسرائيلي لاحقا ماكس برود الذي جعلته مجموعة من الظروف والمصادفات الوصي وشبه الوريث الوحيد لكافكا.  

إن أهمية العودة إلى هذا الموضوع لا تنبع فقط من الأهمية الفائقة لكاتب  رائد، تأسيسي، و مبدع بقامة كافكا في ميدان الرواية والسرديات الحديثة فحسب، بل وأيضا من جملة عوامل لعل من أبرزها - كما قلنا قبل هنيهة - الخصوصية الفائقة لموضوعة اتهام كافكا بالصهيونية وترسخ هذا الاتهام كنوع من "البديهية" في أذهان عدد من الأسماء _ بعضها مهم فعلا _ في النخب الثقافية العربية، غير أننا لن نَقْصُرَ كلامنا على هذا المفصل، مع إننا سنعطيه حقه لمعرفتنا بأنه يشكل عماد النظرة السائدة عندنا والمتأثرة بالشأن السياسي شديد المباشرة ، ولكننا سنتوقف عند كافكا الآخر، كافكا الذي دفنه أو حاول دفنه ماكس برود تحت ركام افتراءاته وأكاذيبه وتلفيقاته لا لشيء إلا ليجعل منه صهيونيا متعصبا مثله. سنحاول إذاً مقاربة كافكا وأدبه في شرطه التاريخي والفني لنتلمس قسمات كافكا الأديب الإنساني المناقض بطبعه وبطبيعة مضامين منجزه السردي المناهض في العمق للقمع والتغريب وانعدام التسامح وسيادة الكراهية ولكل ما ألصق به هو شخصيا من صفات وطباع ونعوت. لكي نرى، أو نقترب من أن نرى كافكا الحقيقي، كافكا الرقيق، العاشق، الخجول، الحساس النباتي، الفرح، الدمث، المعاني والصابر في مواجهة مرض خبيث راح ينخر جسده يوما بعد يوم هو السل الرئوي، عهدَ لم يكن له أي دواء فعال، ويغرقه في نوبات رهيبة من الصداع لدرجة أنه كان يمرغ رأسه في أعشاب الحديقة من شدة الألم كما يقول في إحدى رسائله، وحتى موته المبكر والفاجع والسابق لولادته الأدبية الحقيقية بعدة سنين.

سنحاول أن ننتهي من المفصل الأول من هذه البسطة والخاص بعلاقة كافكا بالحركة الصهيونية، مؤكدين أننا لا نريد الغرق في متاهة بوليسية لنفي أو تأكيد هذا التفصيل الحدثي أو ذاك، بل سنحاول إلقاء ضوء غامر على الموضوع، ولكن من داخله ومن خلال الشرط التاريخي له، بمعنى إننا لن نعقد جلسات تحقيق وتحليل لاتخاذ موقف من هذه الحيثية الصغيرة أو تلك،  لأننا ننظر إلى هذه الرسائل كلها، وما رواه الآخرون شفاها، كحيثية صغيرة ليست لها دلالات خاصة إلا بمقدار ما استعملها الآخرون للتدليل على ما لا دليل عليه، ولأننا نؤمن بان من يريد أن يعرف كافكا على حقيقته سيجده يقينا في فنه الروائي وفي المنظومة الجمالية ولوحات الإبداع السردي الذي خلفه وراءه كجبل من الذهب في ضباب مهيب.

 ولإعطاء نكهة تاريخية حقيقية لمقاربتنا، سنتوقف عند كتاب اعتبره البعض مهما ويحوي مجموعة من رسائل كافكا ويحمل عنوانا معبرا وذا دلالات سياسية ودعائية لا تخفى ولا يمكن وصفها بالمحايدة، هو " فلسطين في رسائل كافكا" صدر عن دار "النمير" وترجمه إلى العربية محمد أبو خضور ترجمة لا تخلو من الارتباك والضعف في الصياغات اللغوية كما في المثال الذي صدرنا بهذه الدراسة.

في تلك الفترة التاريخية بالضبط، أي خلال العقد الثاني من القرن العشرين، كانت الحركة الصهيونية في أوج حراكها وقوتها، وقد كسبت إلى جانبها العديد من المثقفين والأغنياء ورجال الطبقة الوسطى من اليهود الأوروبيين غير المندمجين أو غير الداعين أو الراغبين في الاندماج في المجتمعات الأوروبية على طريقة الفيلسوف الثوري كارل ماركس صاحب الشعار الشهير (لا خلاص لليهودي الفرد إلا بخروجه من شرطه اليهودي والاندماج في مجتمعه). في هذه الفترة بالضبط يلتقي كافكا الشاب غير المعروف بين صفوف النخبة المثقفة التشيكية بالشابة فيليس باور في منزل والد صديقه ماكس برود لقاء عابرا، يعرف من خلاله أنها ذات ميول صهيونية، وإنها تروم السفر إلى فلسطين، ثم تختفي من حياته، ولكنه يتابع البحث عنها، ثم يجد عنوانا لها، ويكتب لها أول رسالة لا تخلو من الانفعال والتأثر العاطفي والخالي من أي غرض خارج نطاق العلاقة العاطفية الجارفة بين شابين تعارفا مصادفة، وهنا أيضا، ورغم رماد ماكس برود التشويهي تلتمع صورة الفتى العاشق المحب للحياة والذي يصف حبيبته بالكلمات التالية (إنها فتاة سعيدة تمور بالعافية والثقة بالنفس) وعن حبه لها يكتب في مذكراته العبارة المدهشة التالية (فكرت كثيرا بالآنسة فيليس باور ..يا إلهي أيه ارتعاشات أحس بها). وإذا ما علمنا أن أي ذكر للصهيونية أو لأصل كافكا اليهودي لم يرد في كتاباته أو رسائل قبل هذه الواقعة فسنفهم بسهولة الخلفية الحقيقية والأساسية لجميع الرسائل التي جمعت في هذا الكتاب، وخضعت بالتأكيد لماكنة ماكس برود وغيره من المحرضين الصهاينة بهدف توظيفها لخدمة أغراضهم.

 إن القارئ لمجموعة الرسائل التي ترجمها أبو خضور يمكن أن يقع تحت إغواء القراءة "التحقيقية" والتي لا تخلو من الوهم التالي وهو إنها لا تبحث عن الحقيقة بل عما تعتقد أنه الحقيقة أي عن صورة مسبقة وشخصية ترغب في إثباتها عبر القراءة غير المحايدة والتصنيف والرصف بموجب نوايا مسبقة وتلك هي الرغبوية أو الإرادوية في أجلى صورها. هذه الحالة أو الطريقة في القراءة -كما سيتأكد لنا-  قاصرة تماما، وغير متوازنة، بل هي تؤدي إلى نتائج عكسية تماما فتهدر السياق التاريخي والواقعي للشخص المقروء ونتاجه، بل وتسقط - دون إعطاء تفسير- أمورا ونصوصا جوهرية أو إنها تضيف إليها هوامش ومتعلقات بعيدة عنها تحت وطأة الحمية التحقيقية كما حدث مع المترجم أبو خضور الذي راح يطمر كافكا تحت العديد من الممارسات والصفات والأحداث التي يعتقد بأنها ستزيد من إدانته. من هذا القبيل يشير المترجم إلى افتراق كافكا  عن صديقته التي ستصبح فيما بعد خطيبته رسميا خطيبته فيليس باور وارتباطه بعلاقة بالآنسة غريت بلوخ، كما يشير إلى علاقته بالممرضة التي كانت تشرف على علاجه، في أيامه الأخيرة ، أو بأنه كان " يقترف الكذب / بنص عبارة المترجم " في تعامله مع خطيبته، وقد اعترف كافكا ذاته في إحدى رسائل إلى الآنسة باور  بأنه كذب عليها ذات مرة حين سألته إن كان مخلصا لها، فالأمر إذن لا يتعلق بقضية كبرى أو بحكم قضائي رسمي صدر من المحاكم على كافكا بالكذب، بل بدعابة عادية اعترف هو نفسه بها في بطاقة بريدية لخطيبته. وهكذا تتحول الدعابة أو المكاشفة الحميمة بين حبيبين، أو العاطفة العميقة بين رجل مريض مرضا خطيرا وممرضته إلى أدلة جرمية ضده!

هذا المثال يعطينا فكرة أولية عن الطريقة "المعيارية" التي تخلط الأخلاق بعلم الجمال بالشأن الجنائي التحقيقي بالسياسي لتقدم لنا من كل هذا الخليط ضربا من الشورباء المكتوبة والتي كثيرا ما يحررها كتاب محكومون بالأفكار والأحكام المسبق حتى لو كان الموضوع يتعلق بشأن لا سابقة له وعلى مستوى عال من التعقيد والتناقض والغموض.

غير أن هذا كله يظل في خانة التفاصيل التي لا تقدم أو تؤخر كثيرا مع إنها تعطينا صورة عن طريقة تفكير البعض في نخبنا الثقافية العربية، ولكن الأمر الأكثر مدعاة للتأمل العميق والرفض كممارسة نقدية معا هو في إهدار  أو تجاهل حكم معياري من الدرجة الأولى يقوله المتهم نفسه، وينفي عن نفسه تهمة الصهيونية كما في نص قصير ومهم  لكافكا جعلناه  مقدمة مفتاحية لدراستنا هذه ورد في إحدى رسائله ، ولم يتوقف عنده لا المترجم العربي ولا المقدم للترجمة العربية حسن حميد ولا المقدم للنص الأصلي الألماني إلى الفرنسية للرسائل إلياس كانتيني.

ومع أن حميد يقول بأنه لم يترك نصا أو ورقة لكافكا أو عنه إلا وقرأها، ولكنه لم يتوقف قط عند أمرين شديدي الأهمية: الأول هو النفي القاطع بلسان كافكا نفسه للاتهام القائل بأنه كان صهيونيا. والثاني هو كونه لا يقلق بسبب ذلك بل ينتهي – حميد- إلى نتائج معاكسة يجملها في أن كافكا كان مهتما جدا بالبيوت اليهودية وانه حضر المؤتمرات الصهيونية وكان مثالا في هذا المجال (الرسائل تحدثت عن حضوره مؤتمر واحد وكان حضورا سلبيا تماما وشعر بأنه لا يستطيع تحمل المؤتمر ولا من حضره)  وانه تحمس لحماسة الشباب اليهود الذين انخرطوا في عمل "البيوت اليهودية" التي يصفها حميد بأنها "كانت مخفية وراء عنوان المعونات الإنسانية"ولم يتكرم علينا الكاتب بذكر حقيقتها وحقيقة نشاطاتها بل إن كافكا شجع صديقته - التي يذكرنا حميد بأنها ستصبح زوجته مستقبلا - على العمل في أحد هذه البيوت في فيينَّا / ص23).. التساؤل المؤرق هنا، والذي لم نجد له تفسيرا ممكنا كأن يكون متعلقا بالسهو وعدم الانتباه، هو لماذا أغفل حسن حميد أهم رسالة من رسائل كافكا وتوقف عند رسائل أخرى ليست بتلك الأهمية، بل هو أورد نصوص رسائل وبطاقات بريدية فارغة وتافهة ولا تحوي شيء ذا بال ومثله فعل المترجم محمد أبو خضور ومقدم الكتاب باللغة المترجم عنها إلياس كانتيني ونقصد رسالته المؤرخة في 12 أيلول 1916... يتبع

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

..........................

[1] - سنناقش تفصيلا المعنى العام والمشمولات والمتعلقات النقدية والتعريفية بهذا الاصطلاح " الكافكوية / الكافكالوجيا KAFKOLOGIE " في الأجزاء القادمة من الدراسة.

 

نجيب طلالبين النضال والتضليل: تأسيسا لقول ما تحمله الأبواب؛ فالمسرح في عمقه نضالي، وحتى وإن اختلفت الاتجاهات والمنطلقات والمواقف والآراءوالمذاهب. فبين نتوءاته تتفاعل نضاليته في تركيبة الأشياء والألوان والأدوار والأضواء والشخصيات؛ تلك التي تناضل من أجل شريحتها وفئتها لترسيخ قضاياها وأفكارها. فالبورجوازية (مثلا) وإن كنا نختلف معها فكريا وإيديولوجيا؛ فهي تناضل من أجل البقاء والسيطرة؛ متخذة المسرح كواجهة دعائية تمريرية لطروحاتها وهكذا؛ لأن المسرح فعل وجود. ولهذا السبب تعددت المسارح كإبداع وليس بناية، وأفضل المسارح تلك التي كانت ولازالت تبدع وتناضل من أجل كرامة الإنسان وترسيخ إنسانية الإنسان؛ البسيط / الكادح؛ بكل تلقائية ولا تكلف. للرفع من قيمته الاعتبارية في مجتمع إما استهلاكي أو استبدادي أو إقصائي أو إقطاعي.. وبالتالي فالذي يدعي أو يتبجح علانية أنه مناضل؛ ويحمل مشعَل النضال من قلب معممان المسرح (تحديدا) ففي الأصل يمارس التضليل ويغالط نفسه قبل الآخرين . باعتبار أن النضال الحق؛ وليس الادعائي / المزيف! تصريف عملي وفعل بذات قوة النضال في عمق الشرائح الإجتماعية والثقافية. لكن الأنكى أن يدعي ليبرالي بأنه مناضل. فالمفهوم في سياقه (النضالي) تميَّع إلى حد خطورة التضليل والتعتيم والتزييف! وهذا ما يمارسه صاحب (الإحتفالية) التي نناقشها كما قالوا (تيار/مذهب) نزل للساحة المسرحية؛ ليمارس علينا التضليل والوهم . وبالتالي فإن تم إقحام ع الكريم برشيد ما مرة في الأبواب: كشخص في سياق النقاش. ففي حد ذاته ليس صراعا شخصيا أو تصفيات حسابات بيننا. ولكنه اختلاف / نقاش. ناتج عن تحقيق تجانس فكري واستراتيجي للأبواب التي أفتحها أمام (الإحتفالية) كمنظومة في اعتقاده !وفكرية في بياناته! وعقائدية في أوهامه ! وجمالية في نصوصه ! تلك التي ظل يمثلها.لأن صاحبنا في (الواجهة) علنا . وهو الوحيد في ملكوت الله يتكلم ويَهْتبل ويُهَلل كمن يؤذن في مالطا ويعيد إنتاج نفس خطاب أواخر السبعينيات من (ق، م) لمفهوم الاحتفالla cérémonie أو الحفلة أو العيد (la fête) مرتبط بالإحتفالية كمنظور منحول ومُهجَّن من تاريخ المسرح ومن التنظير المسرحي بكل تجلياته؛ بحيث: كلمة الاحتفال [cérémonie] مأخوذة من اللاّتينية التي تعني الصفة المقدسة والاحتفال هو فعل على درجة من الوقار والجدية يرمي إلى تكريس عبادة دينية كالقداس، أو مناسبات اجتماعية كأعياد الميلاد والزواج أو سياسية كالأعياد القومية، أو رياضية كالألعاب الأولمبية (1) ولكي يختفي ويتغلف هذا المبدأ عند الداعية لتنظير مسرح عربي: فقد كان ضروريا أن يرتبط التأسيس الجديد بالجماعات المسرحية وليس بالفرق؛ أي أن يكون انحيازا فكريا وفنيا لكل الذين يؤمنون معنا بالبحث والاجتهاد؛ وذلك من أجل ايجاد فن مسرحي مغاير وتأسيس فكر مسرحي مختلف (2) أين هي تلك الجماعات؟ ألم تكن سوى "جوقة / كورس"(3) كما أشرنا؛ وبذلك لم يعجبه (فقيه الإحتفالية) صدق الكلام/ التحليل؛ نتيجة العصبية الفكرية؛ والشيزوفرانيا التنظيرية. مما كان رده علينا ردا انفعاليا متوثرا؛ تأكيدا، بأن هنالك خللا في) النظرية (يستوجب أكثر من علامة استفهام؟ لأن كنهَ وجوهر الطقس (الإحتفالي) عند هذه (الجوقة) وليست (الجماعة) أضحى غائبا وغير مفهوم؛ للذين لا يحسنون قراءة الرسائل ويحملون وعيا متخلفا وآراء مريضة أو صبيانية؛ بأنها استعارت من المضمون الاحتفالي شكله وقشوره فقط. دونما الاهتمام بجوهرية الطقس ووظائفيته، والهدف الأساس في ذلك إحداث عنصر الإبهار والإدهاش. لغرس وتفعيل الأطروحة الليبرالية في مجال الفن المسرحي؛ كصيغة ودواء مهادن ومتناقض /معارض مع أطروحة الفكر والإبداع الراديكالي؛ الذي انزعجت منه سلطات أواسط السبعينيات من (ق، م) من هنا كان منطلق التضليل بين النسق المفهومي والنظام المنهجي/ العملي؛ كإسهام قصدي لما تمارسه الثقافة الليبيرالية/ البورجوازية . ذات المنظور الرجعي؛ من تعتيم وتضليل. وهذا يتبين حينما نقرأ هذا الإهتبال:هذا التطور السريع كان ولا يزال هو المخيف في الاحتفالية، وهو الذي جعل المؤسسة الرسمية تتموقف منها وتستشعر خطورتها وبالتالي تخندقها وتحاصرها، بل وتستأجر من يقوم بالمضايقات العلنية المفضوحة. وفعلا تزايد خصومها النفعيون. إلا أن الذي لم تلتفت إليه هذه المؤسسة ولم تحسبه جيدا هو تزايد عدد المقتنعين بالفكر الاحتفالي وبرسالته الفنية (4) حقيقة فالذي لم يلتفت إليه المسرحيون، أن (تلك) المؤسسة كانت الحاضن والداعم لها؛ فمن أعطى الأحقية للاحتفالية أن تدرس في الجامعة والثانوية كنظرية ونصوص. أليست المؤسسة؟ ثم فالمواسم والمهرجانات شاهدة على ذلك؛ وكذا الخرجات والجولات في (أغلب) الدول العربية تذكي ذلك. بحيث بأي أموال كانت (تلك) الجمعية التي أنجزت إحدى أعمالك، تسافر للعراق/ ليبيا/ سوريا / تونس/..../ هل من صندوق دعم" كورونا"؟ أم من أموال (شيخنا الإحتفالي)؟ أم من صندوق المحسنين الذين لا يهتمون بالمجال الثقافي والإبداعي؟ بكل تلقائية؛ أليست (المؤسسة) التي يوهمنا أنها(ضد/ الإهتبالية) هي الممول لكل ماكان؛ ليس حبا في الإحتفالية بل في عمقها الإهتبالي؟ وباستقراء بسيط لما يلوح به (الشيخ) يفهم المرء (العادي) أسباب نزول (الإحتفالية): لأنه لم يمارس الفعل السياسي كما كان الحال إبان انقسام العالم إلى معسكرين، اشتراكي ورأسمالي، والموضة آنذاك كانت أن يدعي الكل وصلاً بالماركسية وبريخت والملحمية. وجئنا بالاحتفالية فكانوا يقولون كيف تحتفلون في زمن النكسة والنضال، على اعتبار أنه تخلي عن الفعل النضالي (5) في الأصل لم يكن مناضلا بالمفهوم الراديكالي؛ حتى تعكس الإحتفالية حقيقته؛ بل تعكس حقيقة خطاب المؤسسة التي أرادت أن يكون المسرح شعبيا / سطحيا/ فلكلوريا. لأن تصريف الأوهام قد تكون مغرية ولها غوايتها لأنها مائزة، وخاصة تلك التي يغلّفها الشيطان بالجمال الاجتماعي، ومن ثمة كيف لا يمكن لفاوست/ الإهتبالي ألا يبيعَ نفسه للشيطان! في لحظة إغراء وراء الكواليس والأبواب المغلقة! وهذا يتبين فحينما يتلون المرء في خطابه المرتبك مع خلفية سلوكياته؛ ويختار صيغ تبريرية لإخفاء مسلكياته في النسيج المسرحي وأهدافه التي هي أهداف المؤسسة؛ فلا مناص أن ينطلق أي بحث (ذو) طبيعة تمحيصية لخلفية ما وراء السطور المضمرة للفعل السلوكي؛ غير المنضبط لمصداقية القول؛ من هنا نستغل بدورنا كل الطروحات التبريرية التي يستغلها (برشيد) كأرضية لترسيخ مفهوم (الاحتفال/ الإحتفالية)= (الإهتبال/ الإهتبالية) وهاته خطة عمل. وإن كان هنالك فرق واضح في المعنى والدلالة . ولكن استغلهما كمدخل علمي وموضوعي، والمتمثل في المنهج والبحث الأصولي؛ الذي يركز على الجانب النقدي والحجاجي؛ لكي تستقيم الأبواب والعتبات. وحتى نكون منسجمين مع أنفسنا لما أشرنا إليه في(6) لمسألة الجندي الإغريقي[فيديبيدس] وليس [فيديسوس] الذي طرحها صاحبنا كقرينة لـ(النضال الإحتفالي) بهاته الصيغة: هذا المناضل الاحتفالي ليس من حقه أن يستريح، لأنه يحمل للناس رسالة، وهو بهذا يشبه ذلك الجندي الإغريقي فيديسوس، والذي انطلق من منطقة مارطون إلى مدينة أثينا سنة 480 قبل الميلاد، حاملا رسالة مفادها أن الجيش الإغريقي قد انتصر على الجيش الفارسي، ولم تكن هذه الرسالة تحتمل الانتظار والتأجيل، ولذلك فقد جرى لأكثر من أربعين كلمترا مشيا على القدمين، ولم يتوقف لحظة، ولم يكن بإمكانه أن يتوقف، ولأي سبب من الأسباب، لأنه يحمل رسالة للناس، وكذلك هو المناضل الاحتفالي في صورته الحقيقية، وعندما وصل هذا الجندي المناضل، وعندما أوصل الرسالة إلى من يهمه الأمر، في ذلك فقط، كان بمكانه أن يستريح، وأن يكون لهذه الاستراحة عند الناس اسم الموت. ولكن من يحيي الناس، ومن يفرح الناس، ومن يسعَد الناس، هل يمكن أن يموت؟ (7) طبعا لن يموت في السجل التاريخي؛ إن كان فعلا صادقا مع نفسه والآخرين؛ لأن المناضل ذاك الضمير الحي لقيمه العليا في أصدق أهدافها ومعانيها حاملا فوق أكتافه ثِقَلَ قضايا شعبه . لن يموت ذاك الذي يناضل في هدوء وتحت الظل في سبيل تحسين ظروف مجتمعه، وتخفيف معاناة أصدقائه وأحبته وعشيرته بما جادت أريحيته ولو بصدق الكلمة؛ وتوظيف إحساساته بنبلها في قضايا إنسانية أولا، لتحقيق الإنسانية؛ إنسانية غير مشروطة؛ وخاصة حملة الفكر وممارسو الإبداع . باعتبار أن المجال الثقافي أكثر واجهة نضالية من المجال السياسي الذي تنعدم فيه الأخلاق.

عارضة الباب:

فهل الذي سيحتفل ليخرق رتابة الحياة اليومية، أو يحتفل خارج الضوابط والقيود الاجتماعية، لينتشي نشوة العيدية؛ بطقوسها المختلفة من فضاء لفضاء؛ وبيئة لبيئة بشكل جماعي الذي يزيد من حجم الفرحوالحبور، ويقويه ويغنيه ليصل لذروة الانتشاء؛ يعتبر مناضلا ؟ بحكم التلاقح والمشاركة؛ لأن الأساس في وهم الاحتفالية هو الحياة وهو الحيوية، فبهما تكون وتتحقق وتتجدد وتتمدد داخل الزمن، وبالتالي فهل المأثم حياة وتمدد داخل الزمن؛ أم خارجه؟ الكل يعلم بأن المأثم نهاية للحياة وتوقف حيوية الإنسان وتدفق وجوده في الوجود؛ باستثناء الديانة الهندوسية /البراهمية؛ وفي رسائل – الدروز- اللهم إن كانت الإحتفالية تؤمن بمسألة – الحلول / تناسخ الأرواح/ التقمص/ فهي سيخيَّة العقيدة ودروزية المبدأ . وهذا نقاش آخر. لكن الأهم عندنا فهل الفلكرة / الاحتفال؛ نضال يُنمي الحياة ويساهم في نضالية الوجود وبدونها لا يمكن أن تكون أبدا، أم هو عَربدة لكي ينمو الاحتفال نموا طبيعيا؛ كما كان الشأن في احتفالات ديونيزوس؟ لأن هاته الاحتفالات يشير إليها بطريقة مواربة كما رآها موازاة مع (أناه) التي تلغي الآخر؛ الذي هو أصلا شريك في الاحتفال؛ لتبقي حضور نضاليته / زعامته هي الكائنة ولا غيرها كائن: أنا المناضل الاحتفالي مقتنع بأن الأساس في الفعل الاحتفالي أنه (فعل وجودي، وذلك قبل أن يكون فعلا اجتماعيا، إنه طقس ديني، اجتماعي، اقتصادي، وفي هذا الطقس نحقق الطبيعة دورتها (8) وبالتالي وبدون تخريجات وتلويك لغوي/ كلامي . فالمُحتفلُ ليس مناضلا بأي لغة كانت وبالمفهوم الدقيق كذلك؛ بل يساهم في تمييع أي سياق مفاهيمي سواء سياسيا / ثقافيا / اخلاقيا / اجتماعيا / فكريا / إن اعتبرنا تجاوزا(أن) الاحتفالي مناضلا؛ أكثرمما أمسى مُميعا وممْسوخا وبدون هوية ولا تعريف جذري . سواء أكان سياسيا / اجتماعيا / ثقافيا / احتياجيا / في هذا الزمن الرديء؛ الذي كثرت فيه طقوس أخرى من النضال؛ التي تخفي/ الوصولية / اللاتشبيب/ الخلود/المواربة/ الانتهازية / وتوزيع النياشين "للمناضلين" المزيفين. مما تحوَّل العديد من الناس من حالتهم الطبيعية/ الأصلية؛ إلى حالات ومقامات .حالات من الهرولة والتهافت وادعاءات مزيفة وشبه نضالا ت أصلا استعلائية . ومقامات من الانبطاح والتزلف والتملق والتسول. للعلم فعيد العمال لا يعتبر احتفالا (une fête) بل تعبيرعن غضب  un Colère ضد الاستغلال؛ واستذكار(un Rappelle) لتاريخ نضالية الطبقة العاملة، وترسيخ وعي وذاكرة ماضيها المليء بنضالات العمال وإنجازاتهم التي حققوها على مختلف بقاع الأرض. لكن الأنظمة الليبيرالية سعَت بكل وسائلها لتمييع اليوم الأممي وإفراغه من محتواه النضالي؛ عن طريق أنه مجرد احتفال وكفى؛ للإجهاز على حقوقهم التي نالوها من خلال نضالهم الطويل؛ ولقد استطاعت معية بعض (النقابات) تمييع وتشويه النضال وتحويل [عيد العمال] إلى ظاهِرة [فلكلورية / موسمية] التي أوصلت الطبقة العاملة لحافة التشرد والجُوع . وبالتالي فالنضال أدخل في الماركوتينغ فحينما نلاحظ بالخط العريض (المناضل الإحتفالي) فالمسألة من أساسها تحمل (شبهة) لأنها تندرج ضمن زيف الواقع؛ بحيث هذا المفهوم منذ صدور بيانات (الإحتفالية) لا وجود له ولم يذكر إطلاقا؛ وحتى عند المرجع ومصدره الأصلي (روسو) الذي يعترف به بالقول: لقد بحثت عن اللغة الفردوسية ووجدت أن جان جاك روسو قد سبقني إلى ذلك تماما كما سبقني إلى الاحتفالية والى العيدية المسرحية (9) يعتبر مناضل زمانه؛ بحكم أنه كان تلميذ فولتير ولكنه اتخذ منحى مخالفا عنه، دعا فيه لثورة اجتماعية والتي وضع أسسها في العقد الاجتماعي؛ لم نجد ولن نعتر على لفظ (نضال/ مناضل/ نضالية) حتى في اعترافاته؛ وإن كان ينادي بما يشعر به الشعب أنذاك. لكن شيخنا (الإحتفالي) يطرح "النضال" بأسلوب استعلائي، اعتقادًا منه أنه أحق من غيره بشرف "النضال" والمؤسف أنه نضال (تجاوزا) ذاتي وليس جماعي أو جمعوي .مما تكون عمليا ممارسة شكلية  بعيدة كل البعد عن حرارة الشارع، ونبض المسحوقين والبسطاء والمظلومين والمعذبين في الأرض.. رغم أن نصوصه توحي بأنها: تتجسد في معانقة هموم الفقراء والطبقة الكادحة وتصوير مدن الصفيح ومعاناة سكانها من الطرد التعسفي والاستغلال والظلم وتهديدات أصحاب النفوذ والسلطة. كما تتجلى هذه الشعبية في ذلك التواصل الحميمي.... تتمثل في الأمل والتغيير والتبشير بمستقبل جديد ما دام هناك إرادة التحدي والإصرار والكفاح (10) فمن خلال [المناضل الإهتبالي] أي تغيير وأي مستقبل حققته (الإحتفالية) ؟

يتبع

 

نجيب طلال

.........................

الإحالات:

1) المعجم المسرحي: لماري إلياس وحنان قصاب - ص 03 مطبعة المساحة – القاهرة/2008

2) الاحتفالية بين التأسيس وإعادة التأسيس بقلم ع الكريم برشيد في مجلة الفكر العربي ص-18 ع 69 س 13 / 1992

3) انظر حسب رغبتك لموضوعنا: ما جاء في باب جوقة الإحتفالية في مجلة مدارات ثقافية بتاريخ- 25/11/2018

4) الاحتفالية وامتداداتها الجديدة: بقلم محمد الوادي مجلة طنجة الأدبية (ملف خاص) في 12/06/2007

5) عبد الكريم برشيد رائد الاحتفالية حاوره: عباس الحايك مجلة الكلمة ع152/ دجنبر2019 نقلا عن(نقلا عن موقع سماورد)

6) انظر موضوعنا: باب ما جاء في احتفالية " كورونا " (02) في صحيفة الحوار المتمدن-ع:  6610 – في- 05/07/2020  المحور: الادب والفن.

7) المقاوم الوجودي في الاحتفال والاحتفالية لبرشيد مجلة طنجة الأدبية ع 65 في /01/ 2018

8) أنا الذي رأيت: ع. برشيد ص 159 منشورات إيديسوفت الدار البيضاء /2016

9) غابة الاشارات: لبرشيد - ص 99- ط1/1999 مطبعة تريفة- بركان /المغرب.

10) ابن الرومي في مدن الصفيح: بين واقع المدينة والنظرية الاحتفالية بقلم: جميل حمداوي مجلة طنجة الأدبية (ملف خاص) بتاريخ 12/11/2007

 

وليد العرفي نص خارج النصوص للشاعر عبد الستار نور علي أنموذجاً

لسْتُ صاحبَ حانةٍ،

لأبيعَ خمرةً مغشوشةً..

 يطرح الشاعر: عبد الستار نور علي منذ العتبة النصية في العنوان إشكالية النص في علاقته مع الموروث من جهة، والمتلقي من جهة أخرى، وهي حالة مواجهة قائمة على تعدّد التأويل المُغاير للسائد، إذ يبدو العنوان لعبة فنية إشارية تفيد بالاختلاف، وكلمة خارج إحالة مكانية وحالة تعبيرية؛ فكل خروج على النمط يُعدُّ تمرّداً , هو ما يعنيه الشاعر بالتأكيد من خلال رغبته في إحداث فعل انعتاق من كل مُحدّدات النص المُسبقة، وتجاوز جغرافية الشعر، وتاريخ اللغة معه، ولعلّ هذا الاختلاف في طريقة التناول والتعبير تبدت بظهوراتها اللغوية باستخدام الشاعر أسلوب النفي (لست) ما يفيد بإمعان تلك الحالة التي يسعى الشاعر إلى تأكيد وجودها وتأصيلها في أسلوبه الشعري، ووفق هذه الرؤيا يُشير إلى أنه ليس صاحب خمارة، والحانة هنا ترميز للثقافة السائدة بوصفها فعل تخدير للوعي في فعلها تماماً كما هي نتائج الخمرة في إذهاب الوعي وامحاء فاعلية التفكير، وجاءت الكلمة الواصفة (مغشوشة) إشارة لافتة إلى تزييف الحقيقة، إذْ يرى الشاعر أنَّ من مهام النص أن يكشف ويعري لا أن يُدلّس ويُموّه الحقائق، وهذه المكاشفة تقتضي وجود طرف مُتلقٍ يعي ما يُقال، ويدرك أهمية تلك المكاشفة التي تُمكّن من إحداث تغيير في التفكير الذي يقود بالضرورة إلى تغيير في السلوك الفردي والمجتمعي على حدٍّ سواء، وهو ما عبّر عنه شاعرنا بالقول:

 لسكارى..

لا يعرفون الكلامَ المختلف،

ويتقنون فنَّ الرَغْي..

منْ غير ألسنةٍ،

ولا عيونٍ،

ولا آذانٍ،

ولا أطرافْ.

ويبدو الزمن نقطة تحوّل فاصلة ومُفارقة لفيزيائية الوقت؛ فالساعة الخامسة والعشرون ساعة افتراضية مُضافة من مخيلة الشاعر إلى الزمن، وهو ما يعني إرادة الشاعر في زمن آخر يُمكنه من فعل ما؛ لأنه يُدرك أنَّ الزمنَ الحاليَ أضيقُ من أن يُحقّق فيه ما يأمل بإنجازه، ولذلك فالساعة هنا ملمح من ملامح المجاوزة التي بدأها الشاعر في إعلان عنونته

توقّفْتُ..

على قارعةِ "الساعة الخامسة والعشرين"؛

فقد تجاوزَني قطارُ الشرقِ..

السريعُ..

الذي انطلقَ..

في الساعةِ الرابعةِ والعشرينَ..

متوجّهاً....

الى بلدةِ "كوستانتين جيورجيو"،

عند أقاصى الذبح.

يُعيد الشاعر في لحظة التوقّف هذه الأمور إلى مساقاتها الطبيعية من حيث الزمان والمكان؛ فقطار الشرق السريع يتجاوز الشاعر، وهو تجاوز يجعل من الشاعر حالة مُتجدّدة في سعيه إلى فعل تجاوزي أكثر مساحة من جغرافية المنطقة المُحدّدة بالشرق، وهي غير خافية بدلالاتها على كل ما هو عالق في ذاكرة الشاعر من موروث ثقافي، ونمط تفكير عقائدي، وعلى هذا المنحى تبدو رمزية "كوستانتين جيورجيو" ذات مغزى اجتماعي، وبُعد فلسفي ينهض بالأسئلة التي ستبدأ من خلال حوار بين الشاعر والآخر:

سألني الواقفُ..

في المحطَّةِ الأخيرةِ مثلي:

ألستَ المُسمّى بـ(عبد الستار) ؟

قلْتُ:

(بلى)، وربِّ الكعبةِ!

قال:

لا تقلْ "بلى"!

وقلْ (نعم)..

مُخالفاً القاعدةَ

ـ سينهض المرحوم مصطفى جواد..

الجواد

محتجّاً ـ

قلْ (نعم)،

فتنالَ وسامَ التقديرِ والتصفيق..

لأنكَ خالفْتَ..

ولم (تختلفْ).

ألستَ ابنَ (الملا نور علي)..

المواظبِ..

على القياسِ،

ولم يختلفْ،

فواظبْتَ..

ولم تختلفْ؟!

قلْتُ: نعم.

فصفّقَ طويلاً..

وغابَ..

في لجّةِ الساعةِ الرابعة والعشرين..

ولم يختلفْ!

يبدو فعل القص القائم على تقنية الحوار بتناوب الفعل: قال و قلت نمطاً يُحاول الشاعر من خلاله أن يُحقّق للشعر عنصراً مهماً من عناصر التقنيات السردية، إذ الحوار من أركان البناء القصصي، ووفق هذا التصور الذي طرحه الشاعر في الاستهلال أراد الشاعر أن يقوم بفعل سردنة الشعر، أو تسريد الشعر وفق ما يجد فيه مقدرة على إيصال الفكرة وطاقة إضافية؛ لتحقيق غايته في عبوره إلى ضفاف مختلفة غير مسبوقة، وبهذا التوق وتلك الرغبة تتكشف لنا أبعاد الحوار بين الشاعر والآخر الذي يبدو عارفاً به؛ فهو لا يسأل بمقدار ما يُفسّر ويكشف وعلى هذا؛ فالسؤال ليس للإجابة، وإنما هو حوار تساؤل كاشف عارف، تلك المكاشفة التي أراد الشاعر فيها إثبات اختلافه مع المعهود والقار في الذهنية الشرقية سواء ما كان على المستوى اللغوي التي دلَّل عليها برمزية اللغوي:مصطفى جواد أم على مستوى آلية التفكير التي لم تغيّر من طبيعتها المتمثلة في والد الشاعر، وطريقته القائمة على القياس بالتزام صارم .

ولا بدَّ من التعريج على الرموز التي اتَّكأ عليها الشاعر في نصّه، إذ الرمز في النص الشعري ليس مجرّد علامة تزينية، وإحالة مرجعية وحسب، بل إنَّه عنصر داعم للفكرة، وركن من أركان التأسيس النصي في اشتغالاته البانية لثقافة ترتكز عليها القصيدة في أبعادها المتشعبة، ومن هذا المنطلق تتبدّى رموز النص وفق أبعادها الثقافية أو النفسية

الرمز الثقافي: وهو ما يكشف عنه رمزية (قطار الشرق السريع) في إحالة على إحدى روايات الإنكليزية آجاتا كريستي التي تحمل عنوان: (جريمة في قطار الشرق)، وما يؤكّد لنا أنَّ الشاعر يقوم بفعل الاستدعاء عن مقصدية هو مآل السياق في النّص الشعري (الذبح) الذي يتّفق مع عنوان الرواية الذي يبدأ بلفظ: جريمة

ويندرج في السياق ذاته التحديد الزمني: (الساعة الخامسة والعشرون) لمؤلفها الراهب الروماني جيورجيو فرجيل قسطنطين، وهي رواية تستند إلى أسئلة وجودية كبرى تتحدّث عن مصير الإنسان في واقع يمثّل متاهة لا يجد فيها الإنسان نافذة أمل للنجاة منها.

رمزية الشخوص التي اعتمد فيها على رمز لغوي باستدعائه مصطفى جواد

اللغوي المعروف في إشارة إلى عصر كانت فيه اللغة العربيّة في أوج قوَّتها وازدهارها، إذْ تجد من يدافع عنها، ويصون تراثها نحواً وصرفاً وبلاغة

الرمز النفسي الذي يمثّله استدعاء شخصيّة الأب: (الملا نور علي) وفي هذا الاستدعاء تجلّت رمزية المستدعى من ناحيتين: الأولى سيكولوجية لما تعنيه الشخصية المستدعاة للشاعر بحكم رابطة العلاقة الجامعة بينهما على مستوى العلاقة الأبوّية من جهة، وعلى صعيد المرجعيّة الثقافية بما كانت تُجسّده تلك الشخصيّة من علم ومعرفة .

تبدو قصيدة الشاعر عبد الستار نور علي قصيدة خارقة لحدود الأنماط، وهي بهذا تتشكّل في خصوصيّة غير مسبوقة، وتظل مفتوحة على أسئلة في تأكيد أن النص الشعري يظلُّ مُرتهنا بالإبداع ؛لأنَّ ديدن الإبداع الحركة،لا الثبات،والتغيير لا التأطير، وهو ما أبرزه الشاعر في جوابه الأخير بــــ حرف الجواب: (نعم) بدلاً من (بلى) في تأكيد فعل تخلّق حالته الشعرية المتجاوزة .

 

د. وليد العرفي

..........................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

نصّ خارج (النصوص) / عبد الستار نورعلي

 

وليد العرفي في شعر: سردار مُحمَّد سعيد

يبدو الشاعر: سردار مُحمَّد سعيد في نصوصه مُنشغلاً  بفكرة مجاوزة الشكل التعبيري، وهو يُعيد صياغة رؤياه حول ما يود التعبير عنه، وفي هذه المجاوزة يُظهر توقاُ إلى قولبة نصه الشعري بما يحقق له هوية خاصّة مفارقة في شكلها ومضمونها الحدود الفارقة بين الأجناس الأدبية، فالنص لدى سردار نصٌّ لا ينتمي إلى إجناسية محددة بقدر ما يُعبّر عن توق لجذب القارىء إليه وفق غواية يعرف الشاعر ممارستها بذكاء وحنكة قادرتين على شدّ متلقيه من غير أن يشعره بفعل الشدّ الحاصل، وهو ما يجعل القارىء يقع من دون أن يعرف ضحية نص في لذة وتوجع في الوقت ذاته، وهنا يبدو السؤال منفتحاً على مدى مشروعية النص في هذه الغواية

أوَّلاً - الإغواء بالأسماء الرمزية:

يُشكّل ورود  الأسماء في النص الأدبي فعل ممارسة فوقية على القارىء الذي يجد نفسه أمام سلطة ما هو خارج النص، وبهذا ينقاد إلى سلطة الاسم المُستدعى، وفعل الاستدعاء الذي يعتمده الشاعر يبدو فعلاً يقوم على توجّه إغوائي يجعل الشاعر صريع ما ينفتح عليه النص أكثر مما هو في داخل النص، وعلى هذا الأساس؛ فالنص يتطلّب من القارىء حالة مرجعية لفهم ما ورائيات تلك الشخصيات المستدعاة، ولنلاحظ كيف استدعى الشاعر في قصيدة (حكاية سُعدى) تلك الرموز يقول:

أُلّهت في أوروك، وسموني "عشتار"

وفي مصر سموني" إيزيس " أحببتُ وعشقتُ،

ومن كان بلا لحاف صرت له لحافاً،

ومن مسّه عطش سقيته لبن أثدائي

امتزجت بأجساد امتزاج الماء بالنبيذ

ذبت بأخرى ذوبان الملح بالماء .

وسميت ببلاد الإغريق" افروديت "

إذ برزت عارية كلؤلؤة من صدفة تطفو على سطح الماء

وصفتُ بآلهة الحب والعشق والشهوة

وعُرفت ُفي شتى البقاع بأسماء مختلفة

فمرّة فينوس ومرّة اللات ومرّة كليوباترا، وكلهن أنا .

أنا " سُعدى "، إسمعوني يا أهل العالَمَين العلوي والسفلي.

حمل الراية معي، وكان لي لحافاً،

ذاب فيً وذبت فيه، اندمجنا معا،

حين أكون كأساً يكون كافورها

تُمثل سعدى في هذا النص مقولة الأنثى بوصفها محور الكون، وأساس الحياة، ومانحة الوجود، وهنا لا بدَّ من طرح سؤال عن حقيقة سُعدى ؟ ومن تكون ؟ هل هي الأنثى المجردة من نسبة أم أنها رمز للأنوثة بوصف اسمها ذات إحالات على غير واحدة من سُعديات الشعر العربي اللواتي وردت أسماؤهنَّ في مدونة شعرنا التراثي؛ فقد ورد ذكرها في شعر عبيد الله بن فيس الرقيات بقوله:

بَشَّرَ الظَبيُ وَالغُرابُ بِسُعدى             مَرحَباً بِالَّذي يَقولُ الغُرابُ

وأيأً تكن الإحالة المرجعية ومقصدية الشاعر الحقيقية ؛ فإن سُعدى في النصَّ تُحيل على مقولة الأنثى بما تعنيه من رمز لدى كل شعب من الشعوب، وبهذا المستوى من الفهم تتبدّى سُعدى واحدة متحوّلة من خلال ارتباطها بالفعل الأسطوري الذي يجعل منها آلهة لدى كل شعب من الشعوب التي تغيّر في تسميتها من دون أن تستطيع الانعتاق من سطوتها على تفكير الشعب واقتناعه بقدرتها على ما تحمله من دلالة، وما تُشير إليه من رمز

ثانياً الإغواء بالأسماء المعاصرة:  يستدعي الشاعر اسم شاعرين لهما تجربتهما المتفردة في استهلال نصه، فيلجأ إلى إقامة حوار أحادي الجانب بهدف خلق أرضيّة لبناء قصيدته وفق هندسة المرجعيات الشخصية التي بدأ محاورتها:

أتشعران بي؟

أنا أشعر بكما بمجرد سماع صوت هشيم الأباريق،

وصدى وقع خطوات مريم،

فتعروني قشعريرة، يحتضن شجرتي نور الشمس فتورق،

ويضوع ريّا ثمرها الزكي .

لقد أمحضتماني الفنّ .

فإليك يا بياتي ويا سعدي ولم ترحل فراشاتكما من بستاني،

ولو أنذَ المنتأى واسع.

لكما مني تسليم البشاشة.

حاولت أن أزيح طرفاً من الستار العظيم كما فهمته منكما، أيها المعلمان.

إنَّه فعل حوار يقوم على لفت انتباه القارىء إلى تجربة كل من الشاعرين، وقد ارتبطت كل شخصية منهما باسم امرأة مع مالهما من خصوصية، وسبق ريادة في تجربة الشعر الحديث التي بدأت ملامح تشكلها الأولى على يدي السياب والملائكة والبياتي  .

إنَّ استدعاء الشخصيات المعاصرة تفرض موقفاً لا بدَّ أن يتخذه القارىء من الشخصية سواء أكان موقفه منها سلبياً أم إيجابياً، وعلى هذا للموقف  المبني على ما هو خارج السياق النصي سيبنى الموقف مما هو داخل السياق النصي، وعلى تلك اللعبة يتفّنن الشاعر سردار في فعل غوايته حيتاً وتوريط القارىء حيناً آخر في القراءة التي لا يمكن أن تكون بمعزل عن مرجعياتها الثقافية والمعتقدات الفكرية لتي يؤمن بها القارىء ويعتقد بها

ولا تكاد يخلو نص من نصوص الشاعر إلا وفيه متل هذه الاستدعاءات:كما في قصيدته أعرف أين أقف الآن التي ينهيها بقوله:

بلحظات ربيعي فالخريف قادم لا محالة تفقد وهجها البراعم

تيبس أغصان بستانك

فمن يظللني؟

ومن أين يأخذ الطين لونه

وعرايا "غوغان"  فإنَّ النص في أسئلته المفتوحة التي جاءت في ختام النص تُحيل القارىء على مرجعية الاسم غوغان، ولذلك تبدو إشارة الشاعر التعريفية في الهامش ضرورة، ومفتاحاً لفهم القصد من المسمّى غوغان الذي أشار إلى أنه رسّام فرنسي انطباعي، وفي هذه الإحالة يغوي القارىء بالعودة إلى لوحة الرسّام ليُدرك ما رمى إليه الشاعر إنها فتنة الغواية التي يعمد الشاعر سردار إليها بهدف جذب القارىء إلى مرجعيات نصّه الثقافية التي يؤسّسه عليها .

وهو ما يتبدّى في نصه الآخر بعنوان: (إيميسا) التي يستهلها بمرجعية نص قرآني كريم بما يضفي على النص من إجلال ومهابة وسلطة قادرة على تحقيق الفعل وإنجازه على وجه السرعة والآنية يقول:

كن فيكون

فكانت إيميسا

قال الماء

راح زمن العطش

ناديا تبللت شفاهها

حلَّ وقتُ الارتواء

ألقت جسداً في "العاصي"

تدافع الموج

للتبرك

يبدو فعل القول الذي يلجأ إليه الشاعر على لسان الماء فعلاً باعثاً على الحياة فالماء رمز الحياة، وإيمسيا اسم مدينة حمص وهو يعني الأرض اللينة، وفيها نهر العاصي الذي يخالف في اتجاهاته الأنهار الأخرى، ولذلك جاءت تسميته بالعاصي، ويبدي الشاعر ولهه بالحسية في النص عبر إشراك الحواس في تحقيق سطوة الإغواء على المتلقي  يقول:

أقلّب وجهي في البساتين

لا أراك

أي الفواكه أنت؟

يبدو افتتان الشاعر بالظاهري عبر سؤال ينفتح على عوالم الإدهاش بسؤاله الذي بقي بلا إجابة ؛ فالفواكه مثيرات للنفس البشرية، وهي ترتبط بفعل حسي اشتهائي، وبقاء هذا الاستتار لنوع الفاكهة يثير لدى المتلقي فضول الاكتشاف عن طبيعة تلك الفاكهة والنوع الذي يحدد مذاقها:

أتيتك لا همَّ عندي

عدْتُ وعندي ملء الأرضِ حزناً

غير أنَّ هذه الفاكهة سرعان ما تصدم المتلقّي بتحوّلها من باعثة على الاشتهاء، وإثارة الرغبات إلى مصدر همٍّ، وحزن

رشفتِ كأس القهوة

قلت ِما أمرها

اختلط رضابك بالثمالة

لعقتها فكانت كالعسل

ورغم ذلك فإنَّ الشاعر لا يغادر دائرة الاشتهاء الحسيّ إلا في إطار الموقف، إذ سرعان ما يعود إلى نطاق الحالة الحسية عبر حاسة التذوق بما تثيره تلك الحاسة من تأكيد على رغبة الشاعر في بلوغ ذروة النشوة، وغاية المتعة فالقهوة ترتشف من كأس، وليس من فنجان كما هو متواضع على تقديمها في العُرف الاجتماعي، والكأس في دلالتها المعجمية تعني حالة الامتلاء، وإلا فهي الكوب، وهو ما يُفيد بدلالة الرغبة الجامحة في الوصول إلى مراد الشاعر الذي عبَّرت عنه ظهورات الأفعال: اختلط، لعقت، كانت، وما تعنيه من حالة اندماج وتلذّذ وتماه .

ونخلص مما سبق إلى القول بأنَّ الشاعر سردار مُحمَّد سعيد ينشغل في طروحاته بالمرأة بوصفها كائناً وجودياً غير منعزل عن الواقع بما يحمله من مكابدات وإرهاصات هموم وأحزان، ولذلك فليس من الغريب أن تتبدّى مقولة الأنوثة في النص الشعري الواحد بمظهري الفرح والحزن، في انعكاس يتمثّل متناقضات الحياة بوجهيها المشرق الجميل، والمظلم القبيح.

 

د. وليد العرفي

......................

للاطلاع على نصوص الشاعر في صحيفة المثقف

سردار محمد سعيد

 

قيس عودة قاسمبين الدوافع النفسية والمتطلبات الفنية

أن صياغة وابتكار الألحان التي ترافق العرض المسرحي لدى المؤلف الموسيقي تتطلب دوافع نفسية ومبررات فنية تسهم في بناء وبلورة فكرة العرض المسرحي بصورة إبداعية متكاملة, كما يحتاج التأليف الموسيقي في المسرح الى تلبية المتطلبات الفنية للعرض المسرحي لا سيما التي تترك ثغرات او مساحات فارغة يتطلب فيها من الموسيقى المعالجة الفورية لتلك الثغرات والفراغات الشاغرة التي تسبب إرباك في إيقاع العرض المسرحي, وهذه المتطلبات والدوافع لا تأتي من دون خبرة ودراية في الجانبين المسرحي والموسيقي للمؤلف الموسيقي الذي يصمم ويؤلف موسيقى العرض المسرحي, لأن مهمة التأليف الموسيقي يجب أن تأخذ بنظر الاعتبار التعامل مع روح العصر، وتحمل مسؤولية الارتفاع بالعمل المسرحي أو الهبوط به من خلال ابتكار الموسيقى الملائمة للحدث وهذه المهمة لا يمكن بلوغها إلا عن طريق الخبرة الممكنة والمتواصلة أو المقدرة على التمييز بين الألحان الضعيفة والألحان القوية التي تصاحب العرض، لذا فأن المؤلف الموسيقي عند صياغة الألحان يسعى إلى هدف جمالي فني يدعم به الفعل المسرحي ويعزز من دور المشهد الدرامي ويسهم في بناء الأحداث المسرحية، ومن خلاله يستطيع أن يقدم فكرة اللحن بصورة جمالية مشوقة عندما تتجانس مع عناصر العرض الأخرى التي تسعى إلى تقديم العرض بصورة جمالية متكاملة لذلك فأن دور الموسيقى يقتصر على التعبير من خلال المضمون المحدد لألفاظ  الدراما التي تصاحبها أي (الحوار مع الموسيقى) وهنا يتقيد اللحن بالمضمون الذي يعبر عنه النص المسرحي اذ يصبح اللحن في خدمة فكرة النص ورؤية المخرج، فعندما يتجانس اللحن الموسيقي مع عناصر البناء الدرامي وضمن إيقاع موسيقي منظم وموزون عندها ندرك تلك العناصر ونفهم صورة وفكرة العرض بسهولة، لذلك على المؤلف الموسيقي تدبير الحلول لانسجام العرض المسرحي مع صورة اللحن بحيث يجعل المتلقي يشعر بأن الألحان الموسيقية تمثل اتجاهات الفعل المسرحي وصراعات الشخصيات وبناء الأفعال المسرحية، وبالتالي يزيد اللحن الموسيقي بالعرض المسرحي من الحركة الانفعالية المبررة للشخصيات المسرحية وصراعاتها، وبهذا فأن التفاعل بين اللحن الموسيقي والبناء الدرامي هو مجال المؤلف الموسيقي الذي يقوم بتأليف الألحان المناسبة للعرض بصورة منسجمة وداعمة ومتكاملة مع العرض المسرحي وفي كيفية الاختيار للمقامات والتنقلات والزخارف اللحنية التي تشكل مجمل الصورة المسرحية، لذلك فأن المؤلف الموسيقي يقدم لنا العديد من مظاهر الاحتكاك المقامي، والتي تبرز بدورها الإثارة والتشويق، ولعل ذلك ما يماثل الاحتكاك والصراع بين الشخصيات في العمل المسرحي وبهذا فأن حرية المؤلف الموسيقي تلعب دوراً كبيراً في إبراز معنى العرض وتحديد معالمه، لأنه يستعين بأدواته الفنية ومهاراته لينتج منها ولادة فكرة جديدة تناسب العمل الذي طرحت لأجله هذه الفكرة اللحنية الجديدة.

وهذا ما حدده (هيجل) عندما رأى أن الموسيقى التي ترتبط بنص أو موضوع فأنها تعلو على موسيقى الآلات، لأن إضافة اللغة بوصفها تعبيراً عن العقل إلى الحركة الشكلية أو الصورية التي يضيفها الإيقاع على اللحن، تصبح الموسيقى حافلة بالمعنى بعد أن كانت خيالية، وتغدو محددة المعالم بعد أن كانت غامضة فتصبح عقلية بعد أن كانت انفعالية خالصة، وبهذا أصبح اللحن الموسيقي ينقل المعنى ويحدد المعالم للعمل الفني، واللحن يعكس الصراع بين حرية خيال المؤلف الموسيقي وإطلاق العنان لهُ، لذلك فأن اللحن الموسيقي يجعل غايتهُ تتطابق مع مضمون الموسيقى المرافقة للعرض، من حيث إن دورها يقتصر على التعليق والتعبير من خلال فحوى الدراما التي ترافقها.

لذلك فإن المؤلف الموسيقي الذي يبتكر وينظم اللحن يجعله قائماً ضمن فكرة لحنية معينة تدعم الصراع الدرامي وتعزز الفعل المسرحي لذلك يقول بتهوفن : أنني احمل أفكاري معي قبل تدوينها، حيث تحتفظ ذاكرتي بالفكرة اللحنية  وكذلك يرى (هيجل) و(شوبنهاور) إن اللحن وحده مصدر الإبداع، لذلك فالمؤلف الموسيقي في العمل المسرحي له مكانه تسهم في عملية الإبداع الفني من خلال الانسجام والتوافق في المؤلفات الموسيقية ودعمها لأشكال الصراع الدرامي وأنواعه وفكرة العرض المسرحي ومضمونه .

 

الدكتور قيس عودة قاسم

 

حيدر الاديبمقاربات سيمائية في الحدث والشخصية في نماذج القاص العراقي عبد الله الميالي

تتجه مجموعة القاص العراقي عبد الله الميالي " رصاص القلم "  اتجاها أيديولوجيا في إعادة بث وتوزيع مناطق الفراغ الدلالي واللامصرح عنه والمسكوت عنه بل أنه يستخدم فلسفة إعادة توزيع المناطق الصامتة ومن هذا المسكوت عبر أيديولوجيا إبداعية من صميم حركية الأدب لا انه يجعل الأدب قالبا يمرر منه جواهز المقولات والمعتقدات والمواقف التي تنتجها الأيديولوجيا رغم ان هناك نظريات تشبتك بصورة عنيفة ومريرة وصعبة فهناك من يرى ان كل نص هو أيديولوجي بطبعه ومنهم من يرى ان للنص ثمة ارتباط بالأيديولوجيا لا انه أيديولوجي بحت ويتمثل هذا الارتباط بما لا يقال لا الذي يقال

يقول عبد الجليل الأزدي (إن العمل الأدبي لا يرتبط بالإيديولوجية عن طريق ما يقوله، بل عبر ما لا يقوله. فنحن لا نشعر بوجود الإيديولوجية في النص إلا من خلال جوانبه الصامتة الدالة، أي نشعر بها في فجوات النص وأبعاده الغائبة. هذه الجوانب الصامتة هي التي يجب أن يتوقف عندها الناقد ليجعلها تتكلم. فالنص قد يحرم -إيديولوجيا- من قول أشياء معينة، ويجد المؤلف نفسه مضطرا للكشف عن حدود الإيديولوجيا التي يكتب منها، مضطرا للكشف عن ثغراتها وصوامتها، أي الكشف عما هو غير قابل لأن يقال، وما دام النص يحتوي هذه الثغرات والصوامت فإنه يظل غير متكامل. وبدل أن يكشف عن وحدة شاملة متجانسة، فإنه يكشف عن صراع المعاني وتضاربها داخله. ولذلك تكمن دلالة العمل في الخلاف بين معانيه، أكثر مما تكمن في الوحدة بين هذه المعاني.

ان عبد الله الميالي يتلاعب بمواقع مركزيات القيم فالشخصية عنده منظم يتحكم بمناسيب المتخيل والواقعي والمفارقة هي الحدث عنده باعتبارها علامة فارقة في الزمن المتصل بغية خلخلة الصامت والمسكوت عنه

والحدث بتعبير سعيد بنكراد هو وقوع شرخ داخل المتصل الزمني والمتصل الفضائي. فإنتاج نص ما هو في واقع الأمر تكسير للمتصل من أجل تسريب اللامتصل.

ومن هنا فالقصة القصيرة جدا عند عبد الله الميالي في بعض نماذجها نشاط علاماتي يعيد توزيع المسكوت عنه والصامت في عوالم ممكنة من انتاج ايديولوجيات او تحريك ايديولوجيات موجبة لمقولة الخير والجمال والسلام والتحريض ضد الشر فكل مسكوت عنه في السرد هو أيديولوجيا كامنة وتكون المفارقة هي الحدث الحقيقي لا مجموعة أفعال السرد فهذه الأفعال ليست حدثا انها منتج يومي عادي او متخيل يحاول التنبه الى عاهة اليومي

وما يجعل من الحدث حدثا هو انما الوقع الدلالي الصادم وهو يتحرك وفق نسقه الثقافي ويلاحظ لوتمان أن (الحدث داخل النص هو تنقل الشخصية عبر حدود الحقل الدلالي) ولنا ان نتسائل ما هو المعيار الذي يصنفه الى حدث وغير حدث

يجيب على ذلك بقوله (إلا أن هذا الحدث نفسه لا يدرك كـ "حدث" أو " لاحدث "، إلا عندما يوضع داخل إطار ثقافة تحدد وضعه وسمكه).

وهذا يعني ان الشخصيات التي يتعامل معها الميالي في مجموعته القصصية (رصاص القلم) هي مداليل ثقافية ولما كانت مداليل ثقافية فأنها تنمو في دوائر المتلقي لا في بنية التشكيل اللغوي كي نقول ان قصر القصة القصيرة جدا يمانع من نمو الشخصية ولا يسمح بتناول ابعادها المتنوعة نتيجة القصر في الشكل ونتيجة نوعية الجنس القائم على الالتقاط والايحاء والتكثيف هذا انما يصح في أنماط الشخصيات الأخرى لكن القصة القصيرة جدا تتعامل على الاغلب الأشد مع الشخصية ذات نمط مغاير (باعتبارها مورفيما فارغا، أي بياضا دلاليا وهي بذلك لا تحيل الا على نفسها وهو ما يعني انها ليست معطى قبليا وكليا وجاهزا، انها تحتاج الى بناء، بناء يقوم به النص لحظة " التوليد  وتقوم به الذات المستهلكة للنص لحظة " التأويل " ويتجلى هذا المورفيم الفارغ من خلال دال لا متواصل يحيل على مدلول لا متواصل كذلك، فكما ان المعنى ليس معطى في بداية النص ولا في نهايته وانما يتم الإمساك به من خلال النص كله كما يقول رولان بارث، فان ملامح الشخصية لا تكتمل (لا تتلقى دلالاتها النهائية) الا مع عمليات التلقي (القراءة) ونهاية " مختلف التحولات التي كانت سندا لها وفاعلا فيها ".

وهذا يقرب من المنتخبات الإلهية المعروضة في الذكر الحكيم حيث يتم التقاط شرائط ونتائج الواقعة ومفارقاتها التي مارست فيها الشخصية سلوكا ما بمعادل لغوي يؤسس عند قراءته أنماط وسنن ادراكه بمعنى انه يمارس تسنين الومض لفتح الدلالة بحيث تنمو الشخصية في متسع التدليل لا متسع التشكيل اللغوي للاية فمثلا

1- مثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث 

2- مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ذهب الله ما حولهم

3- فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا

4- فتقبلها ربها بقبول حسن وانبتها نباتا حسنا

وغير ذلك كثير من روائع الاستعمال الإلهي فهو لا يعتني بابعاد الشخصية انما ببعدها الثقافي معتبرا أيها دال ثقافي ينمو ويتعدد في المصداق عبر الأجيال

يرى سعيد بنكراد ان الشخصية ليس كدال لغوي وحسب، بل وباعتبارها مدلولا ثقافيًا أيضاً، وبؤرة جذب لكل القيم الثقافية

المنتشرة في ثنايا النص السردي. ذلك أنه من المتعذر إدراك الزمن أو الفضاء، على سبيل المثال، دون التركيز على الشخصية كُبعد ثقافي تتحرك في الفضاء وتجوب الزمن وتنشئ عوالمها الممكنة...

بعد هذه المقدمة لنتأمل النص التالي من مجموعته الانفة الذكر

(1) قلم

كتبَ مقالاً عن حُرية التّعبير، داهمهُ جُندُ الحاكم،

اعتقلوا خلاياه التي حرّضت على الشغب، أطلقوا

 سَراحهُ صارَ يطوفُ الشوارع يحرّض الناس على

الصمت!

هذا النص يعيد  انتاج المسكوت عنه عبر علامات سيمائية تتجه العلامة ظاهريا الى المعجم والمرجع ويحرض المتن بسخرية مريرة الى التدليل المعارض لتجر شخصيات المسكوت عنه الى الظهور عبر تحريض العلامات داخل المتن السردي فالقلم الماتح من نون التاريخ وما يسطرون به الان محاصر بمهيمنات نفسية واجتماعية وسياسية والنسق المضمر هو الاعتقال كظاهرة استعلائية (ان فرعون علا في الأرض) فرعون الظاهرة وقلم الظاهرة القلم الشاهد على عصره  اما يخضع لجند لا يراهم الا القلم كاحياء مجهرية في مزاج محبرته كالمثقفين والكتاب التكفيريين الذين يحرضون على الصمت إزاء الكلام الواعي او هم دعاة حق انقلبوا وانسلخوا بفعل الاعتقال الناعم لأنفسهم باتباع مشتهيات الهوى فهؤلاء يكتبون الكتاب الحياتي والحضاري والمشهد الإنساني بايديهم وايديهم هنا هي الخلايا المعتقلة رهبا ورغبا 

نلاحظ ان أفعال النص قامت مقام الوصف والوصف لا يتقوم الا بنمو وامتداد الشخصية فنحن هنا امام ست حالات نفسية وحركية  وفكرية واجتماعية استعرضها النص باريحية تامة (كتبَ مقالاً عن حُرية التّعبير/ داهمه جند الحاكم / اعتقلوا خلاياه/ أطلقوا سراحه / صار يطوف / يحرض الناس) هذا يعني قدرة القصة القصيرة جدا على الوصف بنفس تقنية التكثيف المانعة للوصف فمن قال ان الوصف هو الاسترسال الكمي فيمكن ان يكون أستقطاب كيفي (عبس وتولى / فحشر فنادى / انه فكر وقدر / ثم نظر ثم عبس وبسر ثم ادبر واستكبر) هذه أفعال تقوم مقام الوصف عبر التكثيف

يخبر النص عن جذر الواقعة اللغوية كتبَ مقالاً عن حُرية التّعبير ثم ينتقل السارد الى وضع الرائي كي تكون نظرته بتعبير فيليب هامون المكون الرئيس في المشروع الوصفي فالنظرة تضعنا هنا امام (داهمه / اعتقلوا / أطلقوا سراحه / صار يطوف / يحرض الناس)

السارد هنا هو عبارة عن (نظرة) وهي بتصور هامون كما يقدمها سعيد بنكراد بترجمته انها ثيمة مركزية انها تقديمية فمن خلالها تتم بلورة موضوعات مدرجة في النص ستوضع امام شخصية او امام قارئ محتمل من خلال اجزاءها ومظاهرها وحجمها وامتدادها وعلاقتها مع موضوعات أخرى

ان الأفعال الواصفة هنا تمكن السرد من تقطيع زمنيته وتشكل حضور الشخصية في واجهات متعددة

وبهذا نزعم ان نمو الشخصية ممكن في رؤى التحليل السيمائي غاية الامر ان الحذف والتكثيف والاختزال يمارس نشاطا لغويا لكنها أي الشخصية تمارس نموها خلف الكواليس او انها فعلا تمارسه كونها دال ثقافي فسعيد بنكراد يؤكد قائلا

وإذا كنا قد لاحظنا أن أصل بناء الشخصية هو وجود بنية دلالية مجردة ذات طابع كوني، فإن وضع هذه البنية داخل شكل خاص معناه استحضار النص الثقافي العام الذي ينتج داخله النص السردي.

ونتيجة لذلك فإن بناء الشخصية ومثولها أمام المتلقي ككيان متكامل هو بناء ثقافي. فالمتلقي لا يستطيع إدراك هذه الشخصية ومعرفـة أسرارهـا إلا من خلال المخزون الثقافي المشترك بين محفل الإبداع ومحفل التلقي. "فالشخصية الفنية تبنى لا كتحقيق لترسيمة ثقافية محددة فحسب، بل تبنى أيضا كنسق من الانزياحات الدلالية تجاه هذه الترسيمة، ووجود هذه الانزياحات هو الخالق للوصفات الخاصة.

ولفهم الأيديولوجيا التي يتبناها عبد الله الميالي في هذا النص وفي نصوص أخرى ضمن مجموعته رصاص القلم يمكن القول

ان المبدع يخلق اشكالا جديدة لتحقق القيم من خلال إعادة توزيع المسكوت عنه والحامل لتلك القيم وفق (الاستراتيجية التي تمليها الانساق التي يستند اليها في تحقيق هذه القيم ويجب النظر لهذه الاستراتيجية باعتبارها طريقة خاصة في تنظيم المعنى وتنظيم المعنى في طبقات هو ما يحدد أيديولوجية المعنى)

في مجموعة رصاص القلم نرى ان القصص هي اشكالا مخلقة وجديدة وليست تحديدا لمضامين وكما يقول اليزيو فيرون (ان الأيديولوجيا ليست سجلا لمضامين الإرادة والمواقف او حتى التمثيلات بل هي قواعد لتوليد المعنى أي استثمار المعنى في مواد دالة ولا يمكن تبعا لذلك تحديدها من خلال المضامين)

وبهذا فان الميالي في قصصه يتحول من القيم الى نظام تحقق القيم وما الأيديولوجيا الا الوجه المشخص لهذه القيم ولكنها قيم مجردة تتشكل في تشخيصيا في سياقات خاصة فـــي هذا الخصوص يؤكد بنكراد (ليس النص السردي مجرد تسنين لساني يحاول أن يوازي أو يماثل بين ذلك التنظيم وتمثلاته الذهنية المرتبطة به، إنه أيضا (وبالإضافة إلى ذلك) "سيرورة خطابية" تتشكل حسب أطوار ومراحل متباينة، وهذا ما يمنح للمستوى الأكسيولوجي والمستوى الإيديولوجي قيمتهما في تحقيق بعض التحديدات الخاصة بتسنين النص السردي).

 

حيدر الأديب

.........................

رصاص القلم / قصص قصيرة جدا صدرت عن الرابطة العربية للأداب والثقافة (فرع بغداد) الطبعة الأولى 2007

عبد الله الميالي / قاص وكاتب وباحث عراقي

 

 

سعد الساعديمقدمة رواية "شمعون" للكاتبة الجزائرية فاطمة حفيظ

لمن نكتب؛ لمجتمع نحن معه، أو خارج سياقات الزمن والمكان؟ هذا التساؤل طالما طرحته كثيراً في مناسبات عديدة، وهنا أبدأ به هذه المقدمة لكي نستفيد من بعض جواب له، ونضيف عليه، أو نطور الغاية منه حين نخوض في المجال النقدي بعيداً عن صراعات فارغة؛ بل من أجل الوصول للحقائق الكامنة فيما نطرحه كجيل من المهتمين بالكتابة، أو من الكتّاب الساعين لخلق فاعلية مجتمعية تقترب من السعادة والفرح بالقدر الذي يسعى اليه الكاتب بطرح أفكاره الناصعة، لا الفكر الهدّام السوداوي كما عند البعض.

ليس بالأمر الهين سبر أغوار التاريخ والخروج منه بتشكيلات بنائية ذات دلالات نكهتها تتقلب بين الصفحات، صنعت لنا رواية، مثلما بين أيدينا رواية " شمعون" للكاتبة الجزائرية فاطمة حفيظ التي تصدر قريباً عن دار نشر الارادة التربوية في الجزائر، هذا الاسم الذي اختارته (شمعون) من بين أسماء كثيرة كبؤرةِ عنونةٍ تتمحور بين صراعات نفسية، وأمل لا يُعرف حقيقة جوهره، والماهيّة المنبثق منها ترابطياً بين الهاجس العقدي، والانتماء لأرض كينونتها أثارت جدلية واسعة، بسببها الى اليوم تسيل الدماء.

لا أريد الخوض في غمار أي جزء من تفاصيل الرواية كما يفعل البعض شارحاً مفسراً أغلب التفاصيل ليقول أخيراً: ولكي لا نفسد متعة قراءة القارئ نتركها اليه!

بدءاً يكون الانطلاق من اللغة التي كتبت بها الكاتبة روايتها والأسلوبية المشوقة في الوصف بتعدد المعاني الجمالية التي نتوقف عندها على ضوء نظريتنا النقدية الجديدة؛ "نظرية التحليل والارتقاء، مدرسة النقد التجديدية" ضمن محاور قليلة تقريباً لعدم سعة المكان.

إنَّ أي أديب هو كاتب شعبي قبل أن يكون كاتباً عالمياً اذا ما سنحت له فرصة العالمية لاحقاً، ومن بين طيات وثنايا الأدب الشعبي الحقيقي يرتقي الى إثارةٍ وإنارةٍ في انعطافةٍ تنويرية معرفية شديدة، لأن الأديب بأدبه راصد صادق لرحلة شعب طويلة، أحد المساهمين فيها هو، وهذا ما سارت عليه الكاتبة كموهبة جديدة هنا، كما يشتغل الناقد البصير في مختبر رصْدِه قبل أية كتابة، عبر ثقافة بمستوى من الرقي المعرفي، ولا بأس أن تكون ثقافته موسوعية كما سيلاحظ ذلك المتلقي وهو يطالع صفحات الرواية، و يا حبّذا للجميع تلك الثقافة، وليس وقفات بطيئة على الاشتغال.

الفلسفة التي انطلقت منها الكاتبة لم تكن ايديولوجية نتيجة افراز روحي وعقدي لأنها تابعة لعرف أو قانون، أو دين مغاير، لكنها انبثقت نفسياً، وشعوراً حضورياً، من أجل وصف حياة مرّ عليها التاريخ كثيراً، وتوقف عندها لمعرفة نوعية الملابسات المولدة لتناحرات ضحيتها البشر المسالم أخيراً، بعد انتهاك الحرية والكرامة، وإسباغ ذلّ العبودية عليه بصور شتى  قد تكون خارج إرادته، بسبب أخطاء آخرين لا ذنب له فيها غير أنه منتمٍ معهم فيما مضى من تاريخ لتأخذه العزة بالإثم بعد ايمان عميق فيما يأتي من تاريخ جديد.

هناك ثلاثة عوامل مهمة هي المرتكزات الأساسية التي يستند عليها الناص أو المُنتِج في عمله كتشخيص حالة يُراد لها الاهتمام والمتابعة والتلقي، نرى أن الكاتبة اشتغلت عليها، يمكن لأي متابع بعد ذلك تحليلها اجرائياً. هذه الحالة التي هي الانتاج الأدبي بشكله العام، تفسح للناقد و للمتلقي المجال في فهم فلسفة النص أولاً بعد كشفها، أو تحديدها بشكل أكثر وضوحاً،  وفلسفة النص في رواية "شمعون" تسعى لكشف التطورية العدالية ضمن المسيرة البشرية، وهل هناك نوعيات خاصة للحرية، أم الجبر القسري هو من يزجّ بولادة غضبٍ قسري داخلي ذاتياً، يندفع بشكل غضبٍ عام فقط يحفز المصلحة الفردية بظهور الانانية بكل تجلياتها ليعمَّ الشرّ بعد ذلك، وكيف يمكن معرفة الحقيقة كشاهد لا يعرف التزوير أمام التاريخ، وليس تمجيداً أو انتقاصاً، واسترجاع التصور المنبثق عن الكرامة المسروقة في أغلب ما جاء في الرواية كسرد تعبيري انتهجته الكاتبة في حبكة حوارية جاءت من راوٍ خبير، وثنائية تشاركية شخصوية مُسترسَلة بالوصف الابتكاري، بلغة معبِّرة، تحمل الكثير من التي تغلف العمل، كتبئير ارتكازي يرتكز على أهم ما جاءت به وهو: اللغة، والمعنى، والجمال.

مجيء النص الروائي بفكرة عميقة المعنى يقود المتلقي الى الابتعاد عن الظاهرة القشـرية لذلك النص، ولأنَّ الوظيفة النقدية تعتمد على عناصر مهمة في التحليل والكشف، فلا بد لها كي تعطي النتائج المثمرة الاعتماد على مرتكـزات الكشـف الذاتـي والموضوعي من خلال: النص والمتلقي والتأثير في الثقافة العامة، وهذا واضح في الاشتغال المتوافق تصاعدياً لدى الكاتبة في هذه الرواية بخلق دفق الترقب، والاكثار من تساؤلات المتلقي الداخلية، لمعرفة مآل الأحداث، وكيف تكون النهاية، كي يبقى حتى النهاية مشدوداً يكثر في كل مرة توقعات متَصَوَّرَة ادراكياً نجحت الكاتبة في انشائها.

نحيل كل ذلك الى المتلقي اللبيب حين يفتش بدقة بين ثنايا الرواية ليعرف ماذا أرادت الكاتبة، والى ماذا سعت، وأين مكامن القوة التصارعية الظاهرة والمضمرة في عموم النص، وكيف أمسكت الكاتبة بشدّة بهذه المرتكزات وأنتجت لنا رواية فيها الكثير من الصور والألوان ككاتبة ليست متمرّسة بكتابة الروايات لها باع طويل في هذا المجال، بل هي باكورة اعمالها، بذلت فيها الجهد الذي لا نسعى لتلميع صورته، بقدر الاشادة بقدرة الشجاعة الكتابية في ظل مرحلة حساسة تشير اليها الرواية بعمق غزير.

واذا عرفنا أن النص يتشكّل من تركيب وبناء مجموعة من الجمل مع بعضها، غير أن هذا التركيب الموقعي للجمل لا ينفع أحياناً وحده في بناء النص، إذ يمكن أن تتلاحق الكثير من الجُمل لكنها تبقى غير متمكنة عن أن تشكّل نصّاً بترابط مقنع وذي دلالة، وعليه فلابد من وجود تعالقات بين عناصر واردة في تلك الجمل المتتالية تفي بالغرض من المعنى والفهم العام، وهذا أيضاً ما اشتغلت عليه الكاتبة حفيظ ابتداءً من أول فصل في الرواية عندما وضعت اقتباساً استهلالياً فوق كل فصل يليه ترقيم وعنوان جديد تابع.

من خلال ما سبق، بعد قراءة الرواية بتمعن، تتجلى غاية وقصد أرادته الكاتبة كمرسل يقوم بإرسال رسالته الى قارئ (متلقٍ) عبر عملية اتصال لا تحتاج الى تشفير في بعض جوانبها رغم وجودها هنا؛ بل أنها رسالة اعلامية واضحة المباني والمعاني قَصَدَ صاحبها إيصالها الى جمهور خاص أو عام، عبر كلمات الرواية بما تحمل من إيحاءات وتشبيهات، وصور بلاغية متنوعة بالوصف والتشكيل، ونزف خلجات نفسية عميقة على سطح الورقة هي في الحقيقة رؤية وفلسفة الكاتبة الحياتية، وفق طروحاتها الذاتية كصانع للشخوص، ومحدد للمسارات، بلسان الراوي الواصف، وليس بلسان السارد المباشر، لنكتشف أخيراً أنها ابتعدت جداً عن المباشرة والتقريرية التي لم تعد تتساوق مع الكتابات التجديدية اليوم، وثمة اكتشاف آخر جاء كمحصلة وهو: انشاء بيانات مميزة في الكثير مما كتبته فاطمة حفيظ تستحق التأمل والوقوف عندها بما لها من إيحاءات دلالية تعزز من القوة السردية بتموجها وتأججها اللغوي التجديدي، والمقدرة الفنية التي نهجتها كروائية.

 

كتبها سعد الساعدي

 

مجاهد منعثر الخفاجيأوبئة وجوائح فتاكة عرفتها البشرية على مرتاريخها كالطاعون والكوليرا والسل؛ حيث بدأ تاريخ ظهورتلك الأوبئة وفترتها الممتدة من القرن السابع إلى القرن الثالث عشرالهجري، فحظيت تلك الفترة بتأليف واسع وكثرة المصنفات، فعلى سبيل المثال أول من ألّف في هذا المجال هو الحافظ أبو بكرعبد الله بن محمد بن أبي الدنيا (281هـ) (كتاب الطواعين)، ثم تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي (771هـ) (جزء في الطاعون)، وبعده ولي الدين محمد بن أحمد الديباجي (774هـ) (حَل الحُبا لارتفاع الوبا)، ثم الأديب شهاب الدين أحمد بن يحيى التلمساني، المعروف بابن حجلة (776هـ) (الطب المسنون في دفع الطاعون) .وابن حجر العسقلاني (852هـ) (بذل الماعون في فضل الطاعون) .و شمس الدين محمد بن علي بن طولون (953هـ) (تحفة النجباء بأحكام الطاعون والوباء). و الشيخ يوسف بن مرعي الحنبلي (1033هـ) (ما يفعله الأطباء والداعون لدفع شر الطاعون) .و زين الدين محمد الشافعي (1131هـ) (منحة الطالبين لمعرفة أسرار الطواعين) .وحمدان بن عثمان الجزائري (1253هـ) (إتحاف المنصفين والأدباء بمباحث الاحترازعن الوباء).

أما الأدب من بين كل الفنون جميعا هو أكثرها التصاقًا بالواقع، فمن خلال وحدة الآدب بالكلمة التي تعتبر أكثر الوسائط الفنية قدرة على تصوير وتشخيص واقع الإنسان، فبالكلمة يحيا الفرد ويتواصل مع غيره ثم يتجاوز الواقع المرير المؤلم . لكن عندما تفشي فيروس كوفيد-19في وقتنا المعاصر عادت الذاكرة إلى الروايات الأدبية الحديثة وبالرغم من الرمزية،إلا أننا نجد تلك الأعمال الراقية تحمل بين ثنايا سطورها مفهوما بأن الإنسان لايتقبل البلاء ويحاول أن يوهم نفسه بعدم وجوده ويعتبره كابوسا يشاهده في حلم ثم يعض أصبع الندم لآنه لم يتخذ الاحتياط. عموما كان هناك أبداع حقيقي في الآدب الروائي في العصرالحديث وأشتهرت عدة روايات منها: رواية (العمى لـ جوزيه ساراماجو)،و(الحب في زمن الكوليرا لـ غابرييل غارسيا ماركيز)، و(المحطة الحادية عشرة لـ سانت جون ماندل)، و(دفترأحوال عام الطاعون أصدرها الكاتب الإنجليزي دانييل ديفو)، و(عام الطوفان الكاتبة الكندية مارغريت آتوود)، و(ستاند لستيفن كنغ)،(ووهان 44 لدين كونتز).

وأن أفضل نتاج سردي وجودي تناول مسألة الوجود والموت قد تمثل في الأعمال الأدبية للروائي الفرنسي ألبير كامو وبخاصة في روايتيه الغريب والطاعون. وهو الفيلسوف الوجودي ألبيركامو (1913 - ت 1960) كاتب مسرحي وروائي فرنسي. ولد في قرية الذرعان التي تعرف أيضاً ببلدة مندوفى بمقاطعة قسنطينة بالجزائر. مؤلفاته الروائية : السقوط (1956)، الغريب،الطاعون، السقطة، المقصلة، الإنسان المتمرد،الموت السعيد،المنفى والملكوت،الرجل السعيد. وله عدة مسرحيات ومقالات فلسفية . رواية الطاعون تعد أكثر روايات كامو انهماكا بالشأن العام وتناولا له، وهنا يستخدم كامو لفظة "الطاعون" كاستعارة عن العبث الذي يعتري الوجود الإنساني، والموت الذي يترصد الجميع أفرادا وجماعات والذي لا يمكن رصده ولا التنبؤ به فاللفظة مجازا للتعبيرعن شكل الحياة الذي أنتجته الإيديولوجيا النازية والموت الذي بثته في هذا العالم، لذا كانت محطّ نقد شديد، إذ تشي بأن هذا الشر والموت مجهول المصدر، لا نتيجة لخطابات وسياسات وقفت خلفها السلطة النازية. لهذا يصف النقاد رواية كامو، بتجسيد صراع المقاومة الأوروبية ضد النازية، والدليل على ذلك، أن هذا العدو الذي لم يكشف عن اسمه، اعترف به الجميع، وفي جميع بلدان أوروبا، لكن لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.

وبإطار زمني محدد تتعقب الرواية وباءِ مُعين وموضوع الكاتب الحقيقي يقع خارج الزمان والمكان، خارج الرُّقع الجغرافية والأعلام والعملات والأناشيد الوطنية؛ يقول كامو: إنَّه ضعفٌ إنسانيّ عالميّ: الجميع يعرف أنَّ الأوبئةَ لها طريقةٌ متكررة في العالم، ولكنْ بطريقة ما نجدُ أنَّه من الصّعب أنْ نعتقد في أنَّها قد تسقط علينا فجأةً من السماء .

أن من شخصيات الرواية الطبيب الفرنسي برنارد رييو الذي كان يعيش في محل وجود الوباء في وهران بالجزائر .. هذا الطبيب كان يتعامل مع الفرنسيين في المدينة فقط . وغيب التعامل مع السكان العرب بشكل كامل !، لكنه بعد اكتشاف الوباء قام بواجبه الطبّي والإنساني على أحسن وجه، فلعل أكثر الشخصيات جدلاً فلسفياً هي شخصية هذا الطبيب، والذي يبدو أنه البطل الذي اختاره كامو لروايته، وذلك لدوره في مواجهة الطاعون.

لقد بدأت آلاف الجرذان تموت بالشوارع، فانتابت الناس الهستيريا فتنامت وازدادت ثم تناولت الصحف هذا الحادث حتى يتساءل كاتب عمود في الصحيفة التي تصدر في وهران قائلا: "هل يدرك مسؤولومدينتنا أن الجثث المتحللة لهذه القوارض، تشكل خطرا داهما على السكان؟ ونتيجة تذمرالاهالي قامت السلطات بجمع الجرذان وحرقها ثم دفنها، إلا أنها أغفلت بأن العامل المحفز لانتشار الطاعون هي الجرذان .

والرواية تطرح أسئلة حول ماهية القدر والوضعية الإنسانية. تتمحورحول فكرتين أساسيتين هما التمرّد والعبثية، وهي في الوقت نفسها تطرح رؤية حول الموت والوجود، وأسئلة فلسفية تتعلق بماهية القدر والوضعية الإنسانية، إذ بعد عشرة أشهر قاسية ومرعبة يبدأ وباء الطاعون بالاختفاء بفضل تكاتف الجميع وسعيهم لتحقيق خلاصهم الجماعي، إذ نجح الطبيبان ريو وكاستيل بإنتاج مصل مضاد أعطى مفعولاً في وجه الطاعون، ليترقب ريو نشرالإحصاءات العامة التي كانت تذاع في مطلع كل أسبوع، فإذا هي تكشف عن نهاية الوباء. والحقيقة الروائي ألبيركامو أبدع ابداعا ملفتا للنظر ويظهر ذلك جليا عندما شبه حالة الحرب بحالة تفشي الوباء في البلاد، وكيفية ربط ما بين طريقة تعامل الناس وتفاعلهم مع كلتي الحالتين.

ووصف كامو عالم ما بعد المرض، ويقول لقد انتهى الطاعون مع الرعب، وكانت هذه الأذرع التي تتشابك.. تُعبر في الحق عن أن الطاعون كان نفيا وتفريقا بمعنى الكلمة العميق. ولأنه لم يكن تنبؤا بقدرما كان تشابها في الحالة الإنسانية العامة التي دائما ما ترافق الأمراض والاوبئة على اختلاف مسمياتها، يمكن أن نخلُص من هذا الأمربحقيقة تدعو للتفاؤل، مفادها أن كل شيء –مهما طال عليه الأمد- يؤول في النهاية إلى زواله الحتمي. وهكذا سينتهي هذا المرض ويختفي ويتلاشى تماما كما فعل سابقوه، وستستمرالحياة مرة أخرى بشكلها الطبيعي. وأخيرا وبصورة واضحة يتخذ كامو موقف إدانة لكل أشكال التبرم والتنصل من مسؤولية الإنسان في الوجود، فمحاولات الإفلات من مواجهة الشرأو اتخاذ موقف غيرمبال تجاهه أو الاستسلام لسطوة الموت هو أمريعده كامو انتحارا فلسفيا. في النهاية، ثمة درس يستخلصه الناجون من الطاعون مفاده بـ أننا نعلم الآن أنه إذا كان هناك شيء يمكن أن يتوق له المرء دائما، ويناله أحيانا، فهو الحب الإنساني.

 

بقلم / مجاهد منعثر منشد

 

 

وليد العرفي قصيدة: (ولأنَّني)  للشَّاعر طارق الحلفي أنموذجاً

مما لا شكَّ فيه أنَّ لكل شاعر أسلوبه الخاص، وسمته الذي يبوصل رؤياه الشعرية نحوه ما يجعل لكل شاعر لغته التي يتميز فيها من الآخرين فيما يُعرّف بالأسلوب، وأسلوب الرجل كما يرى بوفون هو الرجل ذاته، وفي هذه المقاربة لنص الشاعر طارق الحلفي سأسلّط الضوء على سمتين من السمات الأسلوبيّة التي تميّز الأسلوب الشعري للشاعر، وهما سمتان لا يقتصران على هذه القصيدة، وإنما في أغلب شعره، وما أقوله في هذا السياق من النص هو من باب التمثيل لا التعميم، إذ الجزء يعني الكل .

الإضمار:

من نافل القول أن عدم التصريح أحياناً بالشيء أبلغ من البوح والإفصاح به .

ومن هنا يبدو لنا  استهلال الشاعر طارق الحلفي بالواو يشي بأن ثمة ما هو مسكوت عنه، وهذا المسكوت عنه يتطلّب من القارىء إعمال الذهن، وكدّ الفكر فيما يُمكن أن يكون ذلك المُضمر، وهي أسلوبية تبعث على جمالية خاصّة تُحفّز المُتلقّي للمشاركة في إنتاج النص، وإعادة خلقه من جديد بما يخلقه من توقّعات وإضافات، وكلما ازدادت دائرة تلك الإضافات حسب رؤيا المتلقين،  وعددهم، وتنوّع ثقافتهم كلما زاد ثراء النص، ومدّه بطاقات وقدرات متجددة قابلة لتأويل القارىء وتفسيراته، ومن غير الخفي أن تعدّد التأويلات للنص الواحد يُحمّله معانٍ ودلالات ربَّما لم تكن تخطر في بال مبدعها الأوَّل، إننا في مثل هكذا حالة من الإضمار نكون أمام شعراء عدّة يعملون بخفاء على تخليق النص،لا شاعر واحد هو الأب الحقيقي للنص، ومبدعه الأول:  " فالكاتب يصوغ النص حسب معجمه الألسني، وكل كلمة في هذا المعجم تحمل معها تاريخاً مديداً ومتنوعاً، وعى الكاتب بعضه، وغاب عنه بعضه الآخر، ولكنَّ هذا الغائب، إنَّما غاب عن ذهن الكاتب، ولم يغب عن ذهن القارىء،  فالكلمة تظلُّ حبلى بكل تاريخياتها و القارىء حينما يستقبل النص؛ فإنه يتلقاه حسب معجمه، وقد يمدُّه هذا المعجم بتواريخ للكلمات مختلفة عن تلك التي وعاها الكاتب حين أبدع نصه، من هنا تتنوَّع الدلالة وتتضاعف، ويتمكَّن النص من اكتساب قيم جديدة على يد القارىء، وتختلف هذه القيم، وتتنوع بين قارىء وآخر، بل عند قارىء واحد في أزمنة متفاوتة "[1]

يقول:

ولأنَني مستسلمٌ لِهواكِ

أنحازُ فجراً للندى

عشبٌ يطرزُ مقلتي

لأراكِ

يستهلُّ شاعرنا قصيدته بالواو،وهو استهلال يشي بمضمر مسكوت عنه،" والمجيء بالواو مبتدأً بها على هذا النحو يشي بأشياء مضمرةٍ، لا بدَّ من تقديرها جمالياً ولغوياً " [2]؛ لأنَّ مساحة اللغة في بعض المواقف قد تكون: " أضيق من أن تستوعب كلّ ما في نفوسنا من مشاعر وأحاسيس، وأحزان وطموحات وآلام وآمال وتصورات ورؤى في النفوس، ولذلك أيضاً قد يحس الإنسان عامةً، والشاعر خاصةً أن ما لم يقله أعمق وأغنى وأخطر مما قاله " [3]، ولا شكَّ في أن حالة المخاض الشعري الحق حالة احتقان، حالة ضيق الشاعر بما هو فيه لائذاً باللغة علَّها تُفضي ببعض ما لديه، ذلك الإفضاء الذي بدأ لدى الشاعر مع الواو المرتبطة بالتعليل ؛ فتلازمت مع (لأنني)، مشكّلة بذلك لازمةً تتردَّد بين مقاطع القصيدة ؛ لتكون بمثابة  فواصل تفيد الاستئناف في الكلام من جديد، إذ يجد الشاعر في كلّ مقطع ينتهي به أنه لم يُحقّق كلَّ ما في داخله، فيعيد من جديد البدء وفق تسلسل يسعى من خلاله إلى استكمال التعبير عمّا لم يقله، ” وهذه البداية المخلِّقةُ شعرياً مكملةٌ للحالة الشعرية الحقة المستمرة في حالة مخاض، على أن التخلُّق الشعري في هذه الحالة يقِر صراحة بأنه لم يأتِ على كل ما يطمع الشاعر في أن يبوح به"، وهو ما يقودنا إلى الكشف عن السمة الثانية في هذا النص .

التكرار

يبدو التكرار سمة من سمات النص لدى الشاعر طارق الحلفي، كما يبرز ركناً من أركان بناء النص الشعري في قصيدته، وتُشير: نازك الملائكة إلى هذه الظاهرة في الشعر العربي، إذْ بينَّتْ أنَّ التكرار في ذاته ليس جمالاً يضاف إلى القصيدة، وإنما هو كسائر الأساليب في كونه يحتاج إلى أن يجيء في مكانه من القصيدة، وأن تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات، لأنه يمتلك طبيعة خادعة ؛ فهو على سهولته وقدرته في إحداث موسيقي يستطيع أن يضلل الشاعر، ويوقعه في مزلق تعبيري؛ فهو يحتوي على إمكانيات تعبيرية تُغني المعنى إذا استطاع الشاعر أن يسيطر عليه ويستخدمه في موضعه، وإلا فإنَّه يتحوَّل إلى مجرد تكرارات لفظية مبتذلة[4]. كما أشارت إلى أنواع التكرار وحصرتها في تكرار الحرف والكلمة والعبارة والمقطع، والتكرار ليس الهدف بحد ذاته، وإنما جمالية التكرار تتأتى من أسلوبه، وهو ما أشار بالي إليه انطلاقاً من فهم الأسلوبية على أنها  علم الوسائل اللغوية من زاوية نظر وظيفتها الانفعالية والتأثيرية.[5] وسننظر في نوعي التكرار الواردين في قصيدة الحلفي، وهما التكرار الحرفي، وهو  يُمثّلُ: ( أبسط أنواع التكرار أو أقلها أهمية في الدلالة) [6]، والحرف هو الصوت الذي لا معنى له، فهو: (المادة الخام التي يُبنى منها الكلمات أو العبارات )[7]  لأنه ظاهرة طبيعية ندرك أثرها دون أن ندرك كنهها)[8]، فتكرار الحرف في النص الشعري يُحدث نغمة موسيقية لافتة للنظر لكن وقعها في النفس لا يكون كوقع التكرار للكلمات وأنصاف الأبيات الكاملة،  وعلى الرغم من ذلك، فإن تكرار الحرف يسهم في تهيئة السامع للدخول في أعماق الكلمة الشعرية )[9].فهو  صيغة خطابية رامية إلى تلوين الرسالة الشعرية بمميزات صوتية مثيرة هدفها إشراك الآخر المتلقي في عملية التواصل الفني، ولذلك يعد التلازم الحرفي من أعم خصائص الخطاب الشعري في البنيات التشاكلية[10]   وقد جاء التكرار بالحرف (الواو) في هذه القصيدة ( 28) مرة،  وهو عدد  ترداد يُسجّل في دائرة السمة الأسلوبية في هذه القصيدة، وهو ما يستدعي وقفة تأملية من الباحث للكشف عن وظيفة التكرار التي تخلّقت في القصيدة  وإلى أي مدى أدَّى التكرار جماليات وجوده في بنية القصيدة على مستوى البناء الكلي فيها . بداية لا بدَّ من الإشارة إلى أن الشاعر لا يكرر إلا لغاية نفسية أو حاجة تفرضها طبيعة النص، وسننظر إلى نمطية التكرار وفق مستويين لدى  شاعرنا الحلفي

ـــــــــــ التكرار الأوّل  على مستوى التركيب: وهو ما جاء بتكرار حرف الواو وسيطاً بين المتعاطفين، وأغلب هذا التكرار جاء على هذا الشكل كما في قوله:

ولأنني ذَكرُ الحَمامِ وأنتِ لي

اُنثاهُ جمراً والهديلُ

سناكِ

ـــــــــــ التكرار الثاني  على مستوى المقاطع، وهو التكرار الذي جاء على شكل وصلات فاصلة واصلة شكّلت لازمة في بناء مقاطع القصيدة التي تعاقبت فيها تكرارات حرف الواو الاستهلالي في المقاطع بعددها البالغ ( 17 ) مقطعاً وفق علاقات متباينة قامت على التعليل وإيجاد منطقية النتيجة بناء على السبب: فالمقطع الأول يوائم بين:

الاستسلام للهوى ــــــــــــــــــ والانحياز فجراً للندى

ولأنني مستسلمٌ لِهواكِ

انحازُ فجراً للندى

عشبٌ يطرزُ مقلتي

لأراكِ

في المقطع الثاني تبنى العلاقة بين  :

الوحدة ـــــــــــــــــــــــ المنفى صد المخاطبة والدنو رضاها

ولأنني وحدي وفيكِ هواجسي

منفايَ صَدُّكِ

والدنوّ رضاكِ

وهكذا تتابع إشاريات القصيدة عبر متوالياتها:

احتياج الذكر ــــــــــــــــــــ تحرسه القصائد

ولأنني احتاجُ ذكركِ دائماً

فليَ القصائدُ حارساً

ورَواؤها لِصَداكِ

الإصغاء ــــــــــــــــــــــــ الصهيل نداؤها

ولأنني اَصغي لِنبضِ حبورنا

سَرجُ الليالي

والصهيلُ نِداكِ

الانتظار ــــــــــــــــ يطرد النعاس

ولأنني كنتُ انتظرتُكِ طائعاً

طردَ النعاسُ دروبَهُ

فلعلَهُ القاكِ

وهم الانتظار ــــــــــــــــــــ لم يعد إلاها

ولأنني كنتُ انتظرتكِ واهِماً

صفوُ الصدى

لم يَرتجعْ الاكِ

احتياج الركض ـــــــــــــــــ نمو الخطى بالخضاب

ولأنني أحتاجُ اركضُ في المدى

خضراءَ تنمو بِالخضابِ

خُطاكِ

احتياج البوح ـــــــــــــــــــــــ له الأصائل

ولأنني أحتاجُ بوحُ غياهبي

فليَّ الاصائل نَرجِساً

وقصائدي بِرعاكِ

فيض ـــــــــــــــــــــــــ يبذر غيمة 0

ولأنني فيضُ سأبذرُ غيمتي

متزنّراً زلزالَ قلبي

والحصادُ رؤاكِ

شفق الشاعر ــــــــــــــــــــ هتف الوجود

ولأنني شفقٌ وأنتِ وميضهُ

هتفَ الوجودُ لِوَجدِنا

متلألئاً بِسَماكِ

وعلى هذا المنوال تبدو علائقية الفصيدة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً وفق قانوني الترابط السببي كما بينت في المقاطع السابقة،  أو التكامل كما في المقاطع الأخيرة

ولأنني اُطريكِ قوساً سِحرهُ

قزحٌ يُلونُ شهقتي

بهواك

ولأنني اُهريقُ قلبي خمرةً

أسعى لِأسهرَ في فضاءِ

مداكِ

ولأنني تاجٌ وأنتِ جواهري

بَذخاً اُرمِّمُ مهجتي

لِرضاكِ

ولأنني أحرقتُ كلَّ سفائني

قدري إليكِ ولائِذاً

بِحماكِ

ولأنني ذَكرُ الحَمامِ وأنتِ لي

اُنثاهُ جمراً والهديلُ

سناكِ

ولأنني اَتأملُ الصبحَ الجميلَ جميلتي

أتذكرُ القبلَ التي

بَهرتْ مساءَ وسادتي بِشذاكِ

ولأنني الزهرُ الذي باركتِهِ

يأتي رَخيماً مِثلُ نَفحَةِ عاشقٍ

حتّى يضمخَ بالأريجِ مَساكِ

ويُلاحظ في هذه المقاطع كثرة الفعل بالزمن الحاضر ما يعني الاستمرار في الحدث، وإفادة التكامل على مستوى الفعل، كما نجد ذلك في المقطعين الأخيرين، إذ يكون فعل: ( أتأمل) مبعثاً للتذكّر، وفي المقطع الأخير نجد الفعل: ( يأتي)  بما فيه من حركة وقدرة على إحداث التغيير يتكامل مع الفعل: ( يُضمّخ) المسبوق بحتى، وهي حرف تحقيق الغاية، وبلوغ أقصى ما يُمكن إحداثه من تغيير في مساء المُخاطبة الذي يريد تعطيره بالأريج .

 

للاطلاع على قصيدة الشاعر في المثقف

ولأنني!! / طارق الحلفي

د. وليد العرفي

.................

[1]ــ  عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية، جدة، النادي الأدبي  الثقافي بجدة، 1985 م ص 79  .

[2]ــ  محمد عبدو فلفل: (2013) م، في التشكيل اللغوي للشعر ــ مقاربات في النظرية والتطبيق ـ وزارة الثقافة، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق،  ص44.

[3] ــ محمد عبدو فلفل،: في التشكيل اللغوي للشعر،  ص 45.

[4] ـ نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر،  دار العلم للملايين، بيروت،طبعة سابعة، 1983 م،ص 263.

[5] ـ صبحي البستاني،الصورة الشعرية في الكتابة الفنية، دار الفكر اللبناني،1986 م، ص 49 .

[6] ـ عمران خضير حميد الكبيسي، لغة الشعر العراقي المعاصر، وكالة المطبوعات،الكويت،   1982 م، ص 144

[7] ـ أحمد عمر مختار، دراسة الصوت اللغوي، عالم الكتب، القاهرة،  ط ثانية 1997 م،  ص 401.

[8] ـ إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية، أنجلو المصرية، القاهرة، 2013 م، ص 9  .

[9] ـ نعمة النقد اللغوي حتى القرن السابع عشر الهجري

[10] ـ عبد الرحيم كنواه،من جماليات الإيقاع في الشعر العربي، دار أبي رقراق،2002، م، ص 290    .

 

 

رحاب عوضــ غرس في نصوصه مباعث الموسيقا الداخلية والخارجية فأثمرت جرساً نغمياً عذباً، تنوعت بين التكرار والجناس والتصريع والتوازن وتشابه المكونات النحوية وتناغم حروف الهمس والجهر واستحضار الصيغ الاشتقاقية التي تنتمي إلى جذر واحد. كقوله:

أنا المسجون والسجان

والخادع والمخدوع

في حلم فراديسي الكذوب

أوقوله:

فهي الولادة والولودة

والوليدة

وهي الشهادة يوم أُبعث

والشهيدة

أو بث إيقاع من تتالي الصيغ الاشتقاقية المتناغمة":

أيتها الرشيقة كرمح أنكيدو

الفرعاء كنخلة

المنتصبة كمئذنة

الهادئة كالنعاس

الصاخة كشغفي

إذا لم يكتب في دفترك

فما فائدته قلمي؟

أو الموسيقا المنبعثة من توازن وتوافق المكونات النحوية:

الهوى من دُبرٍ قدَّ سفني/ والدجى من قُبُلٍ قدَّ شراعي/

أو الإيقاع الشعوري الذي أوقعه أسلوب التقديم والتأخير في بيان أهمية المتقدم وإعلاء شأنه " أو دبّ التشويق " كل، محض ــ تأخير الخير" مع تقطيعه للجمل والمفردات في الشطر تبعاً لما تمخض عن الشعور:

النهر أنت

وكل ما خلق الإله من الحسان

بمقلتيّ

فمحض جدول

أو في تأخيرالفاعل في اعتراض الجملة له: هل كان سينمو / قبل أن نسقيه نبض اللثم / وردُ الجلنار؟/

وماذا عن التـكـــرار في نصوصه؟: كان له حضور جليٌّ في كثير فيها، فهو لا يأتي اعتباطياً وإنما لغايات مختلفة يخضع للحالة النفسية التي تتطلب الاستزادة من تكرار الجملة واللفظة والحرف بما يروي ظمأ الشعور والانفعال، يعكس الرقعة النفسية قبل أي شيء ولا يقتصر على الجانب الفني الموسيقي. ومن صوره "المتوالي":

كلٌّ يذهب في حال سبيله / النهر نحو البحر/ السنابل نحو التنور/ العصفور نحو العش/ الآفك نحو اللعنة / القلم نحو الورقة/ الصلوات نحو الله/ الوطن نحو الصيارفة/ وقلبي نحوك.

أوقوله:

السفينة غرقت؟ /لا ذنب للميناء/ إنه ذنبها / لا ذنب لها/ إنه ذنب المجاذيف/ لا ذنب للمجاذيف / إنه ذنب السواعد/ لا ذنب للسواعد / إنه ذنب الرأس ! / آه / كم مملكة عشق اندثرت/ لأن رأساً واحداً / رمى الفتيل في الغابة/ ليذيب الجليد المتجمد / في عروقه.

فقد حقق التكرار مجمل وظائفه ولم يقف عند حد المستوى الصوتي المرتبط بالبعد الإيقاعي المؤثر بالقارئ وإنما تعداه إلى خلق ترابط وتماسك في بنية النص وتوازن نفسي انفعالي شعوري بين الجمل بالإضافة إلى توكيد المعنى بمعية حرف التوكيد "إن" أيضاً، وأبرز الكلام في أكثر من صورة حين كرر اللفظة ذاتها في أكثر من موضع مما أضفى تلويناً جمالياً حقق للقارئ متعة القراءة فكان ضوءاً شعريا يعكس الجانب النفسي اللاشعوري للشاعر وباتت وظيفته تأكيدية بلاغية جمالية إيقاعية إمتاعية بنائية . .

أو التكرار "المتباعد" الذي كان له وقعه التأثيري المميز كما تذوقه مسمعي:

عيناي نائمتان لكن النوافذ ساهرةْ

 

هاجرت وحدي

حاملاً بعضي معي

وتركت بعضي في ملاذكِ لائذاً

خوفاً عليَّ

من احتمال اللارجوع

إلى ظلالكِ

فالطريق معبد بالجمر والضِّباع وأخوة "يوسف"

والذئاب الغادرةْ

 

أوكلت أمر سفينتي للموج

والريح الغضوب وللدجى ..

عيناي نائمتان

لكن النوافذ ساهرةْ

 

فخذي بأمر خطاي

هاأنذا أتيتك

رافعاً قلبي على ضلعي:

أسيفاً..

خاشعاً..

مستسلماً..

تعبتْ خيولي من حروب متاهتي ..

كل المعارك خاسرةْ

 

إلا انتصاري حين يقتلني هواكِ ..

فألتقيكِ ..

على سريرٍ من زهور التين والريحانِ

يوم الآخرةْ ..

تكرار العنوان مرة أخرى في متن النص كان له وقع الإمطار في فيافٍ لم تكن لتنتظره. مباغتة صوتية موفقة في ضخ دفقة انفعالية متشربة بالشجن وجرس موسيقي لم يكن القارئ يتوقعه، فأمتعه ودفعه للاستزادة من القراءة .. بالإضافة إلى الانزياح التركيبي الذي حققه من خلال الالتفات الضمائري حين عطف عن ضمير المتكلم إلى المخاطب الذي أحدث انزياحاً في مساره الصوتي تلقفه القارئ بذائقة إحساسه، مع احتساب جمالية التقطيع النظمي الشعري، يقودني تفسير هذه النقلة الشعورية المؤثرة إلى أن الشاعر كان يعيش صراعه في هدأة وحكمة، يتنقل بين الذاتي الروحي والموضوعي، بين الخارج والداخل قبل أن يشرع بالكتابة، إذ استهل النص بسرد استذكاري لحيثيات هجرته حاملاً بعضه تاركاً كله، ثم وثب إلى الخطاب" ملاذك، ظلالك"، بينما لا يزال الحديث أشبه بمونولوج داخلي لم يخرج عن داخله يجري بين طيات نفس ينهشها التمزق والفصام الروحي "حاملاً بعضي معي، وتركتُ بعضي في ملاذك لائذاً.."  ثم غير وجهته وسافر بخياله مطلاً على شرفة الوطن حيث تراءت له الرموز المظلمة فيه " الضباع، والذئاب وأخوة يوسف"، مر بالبحر والموج والريح الغضوب ..امتلأت نفسه وحمل في جعبة قلبه كماً كبيراً من الألم، ثم عاد إلى ملاذه الروحي ليُقحم الجملة في المتن ويكرر: عيناي نائمتان، لكن النوافذ ساهرة. تكراراً جاء صدى لتردد صدى صوت الشجن في داخله المضطرم، فكيف تغفو عين من يبصر النور من وطنٍ يسكنه أغمض عينيه عن مرآه مرغماً، هذا وإن انسدال الجفن لايعني النوم، ما دامت بصيرة القلب والعقل في دوار من أرقٍ وقلقٍ وتفكير. مع التماسه المدود ذات الصوت المستطيل عالياً كصدى لاستطالة الشعور المتردد في داخله مما يتيح المجال لتمدد تصاعد الانفعال وانطلاقه على صهوة ألف تمدّ حركتين أو أكثر وتاء تلفظ هاءً تتسع بخاصيتها الصوتية بمشاعر وآهات الألم والأسى " أباطرةْ سماسرةْ خاسرةْ غادرةْ ..    يعتمد شعر السماوي فكرة الكفاح والنضال والمقاومة وحب الوطن والتشبث بالأرض في كلا اتجاهيه العمودي والنثري الحداثوي اللذين أبدع فيهما. لكنه في النثري كان طائراً يعانق فضاء يتسع بذاته بأحلامه وبحريته . ونصوصه النثرية تخرج عن الأوزان العروضية المتداولة وتحشد أقصى الطاقات الشعرية التي تجعل من النص عالماً متكاملاً متماسك البنية مثقلاً بالدلالات والاختلاف الدلالي والتركيز وتخضع للزمنية فالزمن حاضر فيها يجري في حركة منتظمة لا اعتباطية ولهذا يمضي القارئ مع النص في نسق معين قلما يأخذه دوار الزمن وارتداداته في التجربة الشعرية بنقلات فجائية مرتدة بين الحاضر والماضي والمستقبل بقدر ما تأخذه رصانة الفكرة وجمالية الدلالة في حضور الزمن. من قصائده ما توجه به إليه للوطن بشكل مباشر ومنها ما مزج فيها بين الوطن والحبيبة ومنها ما احتوى الاثنين خطاباً ومضموناً متماهيين فلا فصل فيما إن كانت لذاك أو تلك، فالمرأة والوطن مندغمان متلازمان في داخله العاشق بلا فكاك، وهو القائل " من ذكورة التراب .. وأنوثة الماء .. ينبت العشق " .. وفي كافة الأحوال الحبيبة وطن ويبقى الحب المتجذر في طبيعة الإنسان هو منطلق حبه للأشياء كلها من حوله .. من ديوانه نقطف هذا المشهد المتشرب بالروح الرومنسية في صورة للتماهي المطلق في العشق تحت خيمةٍ وارفةِ الرمزِ المشعِّ بظلالِ الإيحاء ...حين يفرَغ كل من العاشق والمعشوق من نفسه ويجدها في الآخر، وتبلغ المشاعر ذروة السمو في ماهيتها مما جعله يتخذ هذا الحب ديناً ويلبسه ثوب القدسية والنزاهة ..

أنا أنتِ .. أنتِ أنا

كتاب السر مفضوح المتونِ

 

أنا أنتِ .. أنتِ أنا

حروف لم تزل

في طور سينِ !

 

صبي جنوني

واشربيني

قبلاً معتقة الحنينِ

 

فلربما

حاز الثوابَ فمٌ

على عطشي معيني

 

فدعي الوقار المستعار

إذا سريرك

يحتويني

 

هل تستحي الأشجارُ من عشّ؟

وحقلٌ من غصونِ؟

 

أم قد سمعت

بمرسلٍ حمل الكتاب

بدون دين؟

الاستهلال بضمير المتكلم أنا المؤكدة للذاتية وإلحاقه بالإخبار بضمير الخطاب ثم مبادلاتهما. واختزال الشطر بهما دون متتمات تركَ مساحات بيضاء أفسحت المجال لاسترخاء شعور القارئ فيتذوق الإحساس ويتشرب بمنثور الحروف النابع من خلق جملة تكتفي بضميرين لا متناهية المعاني فكلاهما المبتدأ والخبر منذ بدء الخليقة. ومن خلال التناص الديني أشار إلى أزلية هذا الحب. لم يخاطب الوطن من خلال المرأة هنا كما فعل في أشعاره الأخرى بدلالة قرائن لفظية: فالوطن لا يستعير الوقار ولا يستحي. إلا أنه جسد فكرته متكئاً على الاستعارة المكنية، الاندغام العاطفي الروحي في أقصى درجاته. والخلاص إلى الطبيعة بالمطلق بعيداً أي قيد هو محتوى دعوة الشاعر، الدلالات شفيفة غير قابلة للتذبذب في عيني التفسير بدلالة قرائن والفكرة مستقاة من عوالم غير مطروقة أجرى لها هندسة بنائية زراعية مهذبة بالمجاز حتى أنه لم يخدش حياء الورق ..والشاعر حالم عاشق بامتياز .أما القفلة فهي مستلهمة بطريقة متينة الإحكام ..

من جميل ما ورد من مبنى شعري متماسك النظم وتشكيل صوتي يلبي احتياج المعنى بلغة لا يكتنفها الغموض اعترافات صريحة بمحاولات له باءت بالفشل. "محاولات فاشلة":

فقد فشل في استبدال الأرض المماهية لمضمون المرأة بسواها في خيال ابتكاري يجمع بين النور والجذر في قلبه:

جرّبتُ يوماً

أنْ أمسّد غيرَ جذعكِ ..

أنْ أمشّط غيرَ سعفك ..

أنْ أشمّ سوى رحيقك ..

فانتبهت إلى يدي حجراً

وكأسي خمرها الغسلينُ

والزّقوم في صحتي

وحقلي دون عشبِ

 

ورأيتُ قلبي يستحي مني ..

فيا سُبحانَ غارسِ جذرك الضوئي

في بستان قلبي!

كما فشلَ صدقه وإخلاصه بخيانة حبيبته في الخيال:

فعرفت أني / حين أجنح عن صراط هواكِ /

أبدأ بالرزيلة والخطيئة / والزوال.

و فشلت أصالته بخيانة الأصدقاء ورفاق الدرب:

فخشيت أن يعتابني شرفي / ويبرأ من جذوري/ طين بستاني الأصيل..

ومن الفشل ما فيه ارتقاء وسمو للنفس

الرمز والأسطورة: ضمَّن نصوصه الشعرية الكثير من الإسقاطات التاريخية والدينية "ميثولوجية الدين" والأسطورة كسائر الشعراء المعاصرين فكان يستمد منها الأجواء الروحية العميقة في حاضر أسود يغص بالظلم والاستبداد مثقل بالمتناقضات شائك بالتعقيد، ومن خلالها ينطلق بالتجربة الشعرية الفردية إلى الكلية وإلى المستوى الإنساني بالمطلق لما لهذه التقنية الأسلوبية من دور في التكثيف والتركيز والإيحاء وتقديم الفكرة بعيداً عن المباشرة والتقريرية وتمكين الصورة المؤطرة لها، هذا وتحفز المتلقي لإعمال عقله والتفكير في دواعي استحضار هكذا رمز في النص، فأكسبت نصوصه حصانة فكرية ومنحتها فاعلية التأثير. وتعددت الرموز في ديوانه التراثية والأدبية والدينية فتفاحة آدم التي أخرجت آدم من الجنة أدخلته الجنة من أوسع أبوابها انطلاقاً من رؤياه وتصوراته الخاصة، فحب المرأة في نصوصه فردوسه وخمرته ووطنه التي أغنته عن كل ما في الدنيا من مغريات مادية فكيف لا يرى فيها الجنة .يقول:

وأنا دخلت جنائن الفردوس

حين قطفت من تفاح حقلك..

هل أنا في العشق آدمه البتولي الجديدْ؟

 

ما دمتِ لي

ما حاجتي بكنوز قارون

ومخدع شهريار ومُلك هارون الرشيد؟

فالحب فردوسه الذي يأخذه يسمو إلى عالم من السحر فترتوي من طيباته روحه الظامئة .

أو تجسيده للحكم الجائر من خلال استدعاء شخصية دموية ظالمة من التاريخ" أبرهة الحبشي ": أبرهة الجديد يستحم في الفرات / فمن خلال هذا الرمز في القسوة والدموية والطغيان استطاع أن يحتوي مجمل المعاني التي يريدها بحذر، "فالرمز خيمة حانية على الشاعر". وأن يُلبِس الكلمة ثوبها الجديد المعاصر يشحنها بالانفعالات والدلالات القائمة في السياق بحيث صبت تأثيرها في القارئ فبعثت على الغضب والسخط .

أو ترميزه المبتكر " صوفائيل، عشقائيل" فأراد الشاعر أن يُكسب عاطفة الحب سمواً من خلال منحها رسولاً وملاكاً جمع اسمه من الصوفية والملاك. أو العشق والملاك:

وكدت أرميني إلى حيث القرار/ فصاح صوفائيل بي/ عدَّ النبض / نحو / ظلال نخلتك الأمينة.

أو قوله:

وينبئ الجفاف عن مسغبة/ وينبئ الأثرْ

عن خيل هولاكو..

أو قوله:

كل عصر وله "ربّ" و"هولاكو" جديد/ فلمن جيَّشت الخوذةَ أمريكا / وأرستْ سفنا

في إشارة إلى الحكم الجائر الظالم في البلاد. استحضر في نصوصه شخوصاً أسطورية " آلهة العشق والجمال والحكمة والخلود" التي يجد فيها الشاعر عالماً شمولياً روحياً يغذي الخيال ويمتد اتساعاً ليتجاوز حدود اللفظة بعيداً عن قسوة الحياة فحضورها ليس افتعالاً لصنعة أو زخرف وإنما تمثيلاً لكونية التجربة والقيم الإنسانية، كجلجامش وأنكيدو وعشتار وسيزيف وشهرزاد وشهريار وإينانا وغيرها من الأساطير السومرية والبابلية: وشعراء الحب معمر بثينة وقيس ليلى العامرية  وأورد ذكر الطيور الحمامة والهزار والعندليب والصقر واللقلق والهدهد الذي يعتبر واتخذ القائد الروحي للطيور،. الطبيعة كانت حاضرة بكامل تجلياتها كانت مورد الشاعر في استلهام معانيه، ماؤها وهواؤها وترابها ونباتها وطيرها حتى رحلاته الروحية رمز لها بالإسراء والمعراج والألوان كانت ذات دلالات ورمز للمرأة والحب بالفردوس والخمرة ..فالرمزية لفظ يأخذ اختلافه بانتباه القارئ يدفعه للبحث عن ثقل المعنى بين إيحاءات تطرحها المخيلة ليوجد صلات ترابط مشتركة تمكنه من القصد فيندمج في عمقه ويتذوق جمال جمع دالٍّ ومدلول متباعدين شكلاً متداخلين مضموناً، والرمز كلمة جامدة لكنها تكتسب حركية دلالتها في كيفية وحيثية غرسها في السياق وفي الوقت ذاته تحقق حصانة للشاعر.

ـــ تكرر ذكر الخمرة مراراً في نصوصه التي كانت نديمه وسميره، لا الأشخاص. فهو على أغلب اليقين لا الظن يعتبرها رمزاً من رموز معرفة الذات الإلهية، والتماهي مع المعاني الروحية التي لا يمكنه بلوغها إلا من خلال الحرية التي يجد نفسه وذاته فيها على حقيقتها في موج كأس. الجمع بين " خمرتي" و" جمر لهاث " حرك الدلالات في السياق وخلقت دلالات جديدة تنامت فبات القصد يناور التأويل. إلا أنه ما لا شك فيه أن خمرته تستمطر غيم إلهامه وروحه حتى الارتواء. نذكر:/ خمرتي جمر لهاث / أنضب الحرف بزق الكلمات/ فأنقذيني من بقايا نزواتي/ وفي ركن آخر يقول: وأزفُّ للكأس الحرام / بشارة الخمر الحلال بزقّ مائدة / الذهول.

ــ حرص السماوي على بث مفرز الذات من الفكر المبتكرة بل كان ذلك بالنسبة له هاجساً في امتطاء سجية الخروج عن المألوف والمقتبس المجتر من صور الشعر القديم، فكيف لشاعر أن يتميز وهو لا ينفك اجتراراً لصور لطالما تكررت، وفي كل تكرار تستحضر الأصل البعيد حتى ضجرتها الآذان لمجرد أنه يضعها في قوالب لغوية مختلفة صنعها بنفسه دون جديد يُنسب له ويتفرد به! من هنا نجد ديوانه يحمل الكثير من الصور الفنية البليغة المبتكرة القائمة على مفارقات قوامها التناقض والتضاد والتقابل والتضارب اللفظي الظاهري الأمر الذي يخلق ضباباً أمام عينيِّ القارئ إلى إعمال مخيلته في البحث عن الروابط التي تقبع خلف هذا الإيهام ليستجليها فتبهره بجمال حبك ورصانة وعمق الفكرة وتزجه في متاهات الدهشة:

ما أقرب السماء من عيني

وما أبعد الأرض عن قدمي

**

وطني مستنقعٌ

إذن سأتضرَّع الله

أنْ يجعلني

صرصاراً

**

أيها الحزن لا تحزن ..

أدرك أنك ستشعر باليتم بعدي ..

لن أتخلى عنك ..

أنت وحدك من أخلص لي ..

فكنت ملاصقي كثيابي ..

حين تخلى عني الفر ح

في وطنٍ

يأخذ شكل التابوت !

**

إنْ لم أكنْ عبدَ هواكِ

فكيف سأعرفُ أنَّني

حرٌّ

**

يا عباس

أحزانُنا كأرغفةِ فقراءِ العراق

تصغرُ يوماً بعد يوم

وأحزانُنا كأرصدةِ اللصوصِ الجُدد

تكبرُ يوماً بعد آخر.

**

جئتك

أبيعكِ عمري

لأشتريك.

**

بعض السَّخين يكون برداً

حين يُمزج ... بالسَّخين

**

قلبي كالسمكة

يموتُ إن لم يغرقْ

بنهرك.

**

هي عاقلة حدّ الجنون

وأنا مجنون حدَّ الحكمة

**

أرأيتَ كلباً في الوفاء

يخونُ

 

أخلاق الكلاب؟

**

حين اتسخ علمُ الوطن

غسلناهُ بالماء ...

تُرى

بماذا نغسل الماءَ

إذا اتَّسخ؟

أنهارنا تفيضُ قيحاً وصديداً

**

إذا قشرتكِ مثلَ البرتقالة

لا ترتبكي

فأنا أريدُ أن ألبسكِ فستاناً

من القبلات

**

ما دمنا قد أوقدنا نار الخصام

فليرحل كلُّ منا في حال سبيله

أنا نحوكِ

وأنتِ نحوي!

**

سأبقى خائفاً على وطني

طالماً بقي في " قصر الخلافة"

سياسيٌّ فاسدٌ واحد..

انتهازيّ واحد ..

تاجرُ دينٍ واحد ..

إرهابيٌّ واحد ..

عميلٌ واحد ..

ولصٌّ واحد ..

هؤلاء كالطحالب

سريعو الانتشار مثل بذور الجدري.

الشاعر بطبيعته حالم في آفاق بعيدة وشاعريته هي انعكاس لأحلامه التي يجد فيها ملاذاً آمناً حين تضيق سبل الدنيا والحياة بذاته وروحه. وهو معتاد على الخيبات وخسارة الأحلام وربما بينه وبين الخيبة اتفاق ومعاهدة، يبقى بموجبه مهزوماً بينما وحدها الحروف والكلمات من تنتصر وتغنم ألقها.

يقول:

حلمتُ يوماً أنني جناحْ

وحينما استيقظت

كانت السماء صهوة وسرجها الرياحْ

وكان ما بيني وبين الوطن المباحْ

مشنقة تمتد من ستارة الليل

إلى نافذة الصباحْ.

لا غرابة في أن يكون الحلم كابوساً حين يحلم بأنه جناح سيجتاز الفضاءات ليغسل وجهه بشمس الوطن ثم لا يلبث أن يصطدم حلمه بصخر الواقع .فما كان سوى المشنوق بالشوق والحنين في لحظاته تلك منذ الغروب حتى الشروق. استحضر سرده لهذا الحلم المترع بالأسى والخيبة حلم الماغوط في إطار مبطن ملغم بالسخرية والسخط قال في قصيدته اليتيم:

وحلمتُ مرةً بالبحر

وفي الصباح

كان فراشي مليئاً بالأصداف وزعانف السمك

ولكن حين حلمت بالحرية

كانت الحراب

تطوق عنقي كهالة الصباح.

كان وارداً أن يستجيب البحر لحلمه فيجده بعظمته حاضراً بأصدافه وأسماكه في غرفته، أما الحرية فمحال. الشعراء حالمون وشاعريتهم هي انعكاس لأحلامهم وأحلام الشعب..

أو حين قال:

أنا الراعي ...

لا أملك من القطيع إلا

الروث والبعر !

ومن الوطن بعض ترابه

العالق حذائي

وأملك من "مجاهديه":

وعداً بمرحاض في الجنة!

حيث اتبع أسلوب "المدح في معرض الذم". والقدح المباشر في تحقير الحقير فالتقى مع سخرية الماغوط المبطنة بالتورية: لا يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء. مع اعتماده القصر القائم على الاستثناء المنفي فيما أفاد الحسر والتخصيص والتأكيد وبلاغة الإيجاز.

قراءة وتجوال سريع بين ما تسنى لي الاطلاع عليه من نتاجات هذه الموهبة الفذة التي كلما سقتكَ من كؤوس القصيدة ظمئت وطلبت المزيدَ، تترك في نفس القارئ حبلَ وصالٍ ممتدٍّ إليها بشغف العودة والإحاطة بها كاملة والاستزادة مما تدرُّ هذه القريحة الخصبة السامقة من شذر الشعر في سماء الأدب ..

***

رحاب عوض

 

 

 

 

حسين فاعور الساعدينماذج من شعره

من المعروف أن الأمراض التي تصيب بني البشر نوعان: أمراض عضوية وأمراض روحية. وقد ثبت بالدليل القاطع أن الكثير من الأمراض العضوية هي بالأساس أمراض روحية. في هذا النوع من الأمراض لا يمكن علاج ما أصاب الجسد إلا بعلاج ما أصاب الروح أولاً. وقد كان اليونانيون أول من اكتشف قوة الشعر وتأثيره على النفس البشرية. وقد تجلى تقديسهم للشعر ودوره في تقديس "أبوللو" إله الطب والشعر أي إله الجسد والروح. وقد كتب أرسطو عن "التطهير" الذي تحدثه التراجيديا في الملاحم الشعرية.

وقد كان الطبيب الروماني سورانوس الذي عاش في القرن الأول بعد الميلاد أول من استخدم الأدب في التداوي. وفي عصرنا الحديث بدأ استعمال الشعر كأداة علاجية تماماً كالموسيقى وغيرها من الأدوات والوسائل العلاجية قبل ما يقارب المئتين وخمسين عاماً في الولايات المتحدة وبالتحديد في العام 1751 في مستشفى بنسلفانيا. ومارسه الدكتور جاك ليدي في بروكلين بنيويورك في العام   1959 في علاج الكثير من الحالات المستعصية. وفي العام 1969 أصدر كتابه "العلاج بالشعر".

معروف في تراثنا العربي أن الكلمة تجرح كالسكين وتداوي كالبلسم وقد برز ذلك في أشعار شعراء معروفي كقيس ابن الملوح (مجنون ليلى) الذي قال:

وما أسرف الإيفاع إلا صبابة     ولا أنشد الأشعار إلا تداويا

فالشعر كان دواءه الوحيد مما أصابه في عشقه لليلى. كذلك كان حال امرؤ القيس في بكائه على الأطلال:

وإن شفائي عبرة مهراقة        فهل عند رسم دارس من معول؟

المقطوعة الشعرية التي تصلح لتكون مادة علاجية يمكن طرحها أمام الفرد المعالَج أو أمام المجموعة المعالَجة يجب أن تتوفر فيها العناصر الأساسية التالية:

1- الوضوح: يجب ألا تكون موغلة في الرمز أو اللغة بحيث يصعب على المتلقي فهمها وإدراك مغزاها.

2- الصدق: يجب أن تكون صادقة في تعبيرها عما يجيش قي نفس كاتبها. فبدون هذا الصدق لا يمكن أن تصل إلي مشاعر المتلقي.

3- العفوية: فالتصنع يجعلها بعيدة غير مستساغة وغير قادرة على الدخول إلى روح المتلقي.

4- إنسانية: المقصود أن تتناول هم إنساني يصيب أو يشغل الجميع ولا يسلم منه احد.

هذه المقطوعة أو القصيدة تُلقى على المعالَج أو تُكتب على الحائط ويتم إعادة قرائتها والتعليق على ما جاء فيها وهو ما سماه أرسطو بعملية التطهير. ويمكن تسميتها بعملية النبش لما ضُغط في أعماق النفس عند الحدث – عندما قامت النفس بتشغيل نظم الدفاع المعروفة في علم النفس.

يقول د. ريكان إبراهيم في إحدى قصائده مخاطباً أمه. (ومن ليس له أم؟):

يا أمَّ ريكانَ....خلّفتِ ريكانا

للهمِّ ... ليتَ الذي خلّفتِ ما كانا

من لا يقول ذلك في ساعة ضيق أو في حالة إحباطٍ أو حتى في لحظة تأمل؟ طرح ومناقشة مثل هذا الكلام ينفس عن الروح ويساهم في نبش ما ضُغط فيها من أوجاع وآلام في ساعة عسر. فترتاح النفس قليلا مما يثقلها.

في قصيدة "أريدُ ما لا أرى" أكثر من مقطوعة تصلح أن تكون مادة علاجية ممتازة. فهذه المقطوعة على سبيل المثال ملائمة لمعالجة المصابين بالكآبة أو الاكتئاب:

"هناكَ الكثيرُ الذي لم أرَهْ

ففي (أنتَ) وجهٌ أراهُ وآخرُ

ما زالَ لم يُكتشّفْ

وفي (هذهِ) بعضُ (هذا) ولكنني

لا أراهُ،،، وفي أسودٍ أبيضٌ

وفي أبيصٍ أسودٌ،، ولكنني لا أراى كلَّ ما عليَّ اختلفْ

وبين الذي قد رأيت وما لا أراهُ إلى الآنَ

كونٌ من الغامضاتْ

وسرٌّ يُسمى الحياة"

يصاب الإنسان بالاكتئاب عندما يفقد الأمل ويشعر انه أمام حائط مسدود ليس وراءه شيء. بواسطة هذه المقطوعة نجد أن هنالك الكثير من الأشياء التي لم نكتشفها بعد. وحتى في الأشياء ذاتها التي نظن أننا ملمون بها هنالك الكثير من الجوانب التي لم ننتبه لها ولم نرها. حتى الأبيض فيه من السواد ما لم نره وفي الأسود هنالك البياض الذي لم ندركه. والأهم من كل ذلك هنالك سر الحياة وما يتطلبه من تفكير وتأمل. عندما يشعر الإنسان بالاختناق خير دواء له هو المدى المفتوح.

قصيدة "البحث عن زمكان الحب" تصلح بكاملها أن تكون مادة علاجية غنية. وسأختار أجمل مقطوعة فيها في رأيي لأبين ما أقصده:

"لا شيءَ أرقى في الحياةِ من امتلاءِ

فراغِ كأسِكَ بالبياضْ

إنَّ البياضَ بدون ألوانٍ هو الألوانُ

أجمعُها وسَيّدُ كُلِّ أزهارِ الرياضْ

وفراغُ كأسِكَ صُورةٌ غنّاءُ من صُورِ المكانْ

بل لوحةٌ تحكي لياليكَ المِلاحَ

وتستعين على ضياعِكَ بالزمانْ

هذا هو الزمكانُ،فاحذرْ أنْ تُحِّبَ

وأنتَ خارجَهُ فتخسَرَ في

الرِهانْ؟"

في هذه المقطوعة الجميلة ما يكفي من الصور والرسومات المثيرة للدهشة والمحفزة على النقاش وإبداء الرأي. مما يوقظ في المعالَج روح المشاركة والتفاعل. الباب مفتوح على مصراعيه والمجال مشرع لمن يريد التجوال في أعماقه أو الاكتفاء بالبحث في حواشيه وجوانبه. هذا الشعر يستنطق القارئ ويغريه في التطلع إلى ذاته وتأمل ما لم ينتبه له من قبل.

في قصيدته "أبي" يمارس الشاعر إشعال حرائق فَقْد الأب بصدق وعفوية ليعبر أجمل تعبير عما يشعر به كل من فقد أباه. هذه الحرائق ما هي إلا "التطهير" الذي نحتاجه لنواصل الحياة الروحية السليمة:

يا ليتني جئتُ من أُميّ بدون أبٍ

                كي لا يموتَ فألقى فيه كارثتي

او أنّها أنكرتني أنْ اكونَ لهُ

                 أو أننيّ مَيّتٌ في بطنِ والدتي

أو أنَّ ذاكرتي شاختْ على صِغَرٍ

                حتّى اذا ماتَ لم يخَلدْ بذاكرتي

أو أنْ يعودَ أبي من موتهِ ليرى

        حُزْنَ العواطفِ في روحي وأوردتي

أقولها وأنا منها على ثقةٍ

        وصيحةُ الصِدْقِ في أوتارِ حَنْجرتي:

لن يعرفَ المرءُ حُبَّ الوالدينِ لهُ

              حتى يصيرَ أباً أو ثَدْيَ مُرضعة

هذا الذي يفوق البكاء هو مادة علاجية جيدة جداً لأنه يتناول الضعف الإنساني المشروع أمام فقدان الأب الحتمي والذي لا يسلم منه أحد. السلامة منه هو أن يولد الإنسان دون أب أو أن يموت الابن قبل أن يولد ويرى أباه ويتعلق به. أو أن يفقد الابن ذاكرته فلا يذكر أباه. هذه البدائل وهذا التفكير\الهذيان بما يحمله من مشاعر إنسانية صادقة حتى لو لم يكن واقعياً إلا أنه ينفس من الاحتقان ويخفف كثيراً من معاناة لا خيار فيها. هذه المقطوعة (كما القصيدة) غنية بالصور والخيارات التي يمكن مناقشتها مع المعالَج بأساليب مختلفة وفيها من الظلال ما يمكن المعالِج من الإبداع والابتكار.

في قصيدة "رثاء الذات" يحرر الشاعر ريكان إبراهيم النفس البشرية من قيود الموت أو الفناء ويغوص عميقاً في الذات المرعوبة الخائفة التي وصلت حد تمني الفناء وتفضيله على البقاء. لان البقاء الذي نهايته الفناء لم يعد يحتمل. 

  لمن باق؟ وقد عز البقاء

            وأصبح أنجع الحل الفناء

تغزل بالذي ولى وجهز

              لآتيك الرثاء كما يشاء

كفى بك موريات القدح عزما

           وحسبك أن يخلّدَك العطاء

على متنيك قد رقصت هموم

         وأمحل عارض وزها شقاء

وفي عينيك من سهر الليالي

         قذى وبريق شمعتك انطفاء

 هذا القلق وهذا الخوف من الفناء لا مفر منه وخير دواء له هو الحديث عنه وتناوله من مختلف الزوايا التراجيدية. كثرة الحديث عن الشيء تجعله عادياً مهما كان مرعباً ومخيفاً. هذا الإيمان المطلق والتسليم بالمصير المحتوم هو أنجع دواء للخروج من مأزق القلق والخوف من الفناء.  

في قصيدة "ابن الأرملة" يصل الشاعر ريكان إبراهيم إلى ذروة البوح الصادق المعبر عما تجيش به نفس الابن الذي فقد أباه والذي يفوق كثيراً البكاء:

 أشقى الرجالِ هو اليتيمْ

أشقاهمُ مَنْ ماتَ والدُهُ ولم يرَهُ

بما يُرضي هواهْ

هذا اليتيمُ يُطيلُ وَقْفَتَهُ،يُحدُقُ

في المرايا

وأمامَ صورةِ والدٍ هرئتْ يُفتِّشُ في الخفايا

متسائلاً: أأبي أنا؟ أم أنّنيْ

هو ما أراهُ وقد تجعّدتِ الثنايا؟

هذا الضعف الإنساني مشروع لابن يقف أمام صورة والده الذي لم يره حياً بكل ما في الأمر من حسرة ولوعة لا يمكن تعويضهما. ابن يُعاقَب وهو لم يقترف ذنباً. وهذا العقاب متواصل ويساهم فيه الآخرون دون قصد:

  "أشقى الرجال فتىً تَعوَّدَ أُمَّهُ

وأضاعَ من يدهِ أباهْ

ويظلُّ (أُوديبُ) المريضُ مطارداً وَهْمَ

التخلّصِ من أناهْ

لا الأُمُّ كافيةٌ عليهِ، ولا أبوهُ

اذا أرتجاهْ

فأبوهُ ماتْ"

أقسى ما في هذا الفقد هو الشعور بالذنب واتهام الذات بالشراكة فيما حدث. فالتعوّد على الأم هو مدعاة للشقاء! هذا التناقض أو هذا الشرخ في الروح هو العذاب بعينه. لأنه يشعر انه بسبب هذا التعود على الأم أضاع أباه. لكن هل يمكن ألا يتعوّد على الأم؟ موضوع للنقاش قد يوصل المعالَج إلى بر الأمان.

في هذه المقطوعة أعلاه تبلغ تراجيديا اليتيم منتهاها فهو بسبب ما ينتابه، فقد أمه أيضاً بعد أن فقد أباه "لا الأم كافية....وأبوه مات". لكنه لا يستسلم بل يُجمّع قواه وحواسه لاستجلاء صورة الأب ومقارنتها بالصورة التي رسمها من خياله: 

 "هو لا يرى منه سوى ما صار ذكرى

هو لا يراهْ فيستعينُ بأُذْنهِ عن عينهِ سِرّاً وجَهْرا

والكارهونَ له يَعيبونَ الكثيرَ

من الخِصالْ

والمُنصِفُونَ يُجمِّلونْ"

أراد صورة حقيقية عن والده الذي فقده. لكن كل من حوله خذله لأن كل واحد منهم أعطاه صورة صنعها هو وليست الصورة الحقيقية لوالده. هكذا هي الأشياء في هذه الحياة كل واحد يراها بمنظاره فما نراه قبيحاً قد يكون جميلاً في أعين آخرين.

"فأبي بقايا منْ ملابسَ في الخزانهْ

وأبي بقايا  صورتينِ على الجدارْ

وأريكةٌ كانتْ مُفضَّلةً لديهِ

  بَعضَ ساعاتِ النهارْ"

هذه الأشياء التي تخص والده قد تكون مصدراً قيما تفيده في رسم صورة قريبة لأبيه. الملابس تعطي صورة من كان هذا الأب أي الألوان كان يحب هل كان طويلاً أم قصيراً وهل كان نحيفاً ام سميناً. كما تعطي الأريكة المعلومة عن نمط حياته وهي أمور قد تكمل الصورة التي أعطاها الآخرون أو ربما تعدلها وتصححها. ما على الابن إلا الجد والاجتهاد في البحث والتنقيب للوصول إلى الحقيقة.

"وأنا أُحاصِرُ  فيهِ ذاكرتي بما

قد قالَ شاعرْ:

إنَّ الفتى مَنْ قالَ :هاأنذا

و(هاأنذا) صنيعةُ وعيِ أُمّيْ

والأُمُّ طيبةٌ ،تُعلِّمُني الوداعةَ

لا الشجاعةَ،

والسهولةَ لا الرجولةَ ،تلك أشياءٌ

يُعلِّمُها أبي لو كانَ حيّا"

الابن يقارن بين تربية الأب وتربية الأم وهو يعتمد في وجهة نظره على المتعارف الذي اكتسبه من المجتمع المحيط به والذي قرر أن الأب يعلم الرجولة والشجاعة بينما الأم تعلم الوداعة والسهولة. قد تكون بداية التطهير الذي تحدث عنه أرسطو. فتراجيديا فقد الأب وصلت إلى ما وصلت إليه من أبعاد مأساوية بالنسبة للابن بسبب كل هذه التداعيات التي ترافقها ومنها نوع التربية التي توفرها الأم. لكن الابن يستدرك لشعوره بالظلم الذي ألحقه بأمه نتيجة أفكاره المكتسبة من البيئة والتي لا تنطبق على أمه. إلا أنه بسبب القلق يعود ويؤكد أن اليتيم هو أشقى الرجال حتى وإن حظي بأم مثالية ربته أحسن تربية. فالأب لا يمكن تعويضه والطفل أي طفل بحاجة لأم وأب ولا يمكن لأحدهما التعويض عن الآخر: 

 "لكنّني في ظِلِّ أمي صرتُ مخلوقاً حَيّيا

أشقى الرجالِ أنا اليتيمُ

وكُلُّ عمري مُشكلةْ

رُحماكِ يا أُميّ فليسَ لكِ الخيارُ

بأنْ تكوني أرْملَهْ"

هذه القصيدة "ابن الأرملة" التي اقتبستها أعلاه بكاملها (ما عدا الاستدراك في الفقرة الأخيرة) مادة ممتازة لبناة البرنامج العلاجي المطلوب لمداواة مختلف أنواع الأمراض النفسية. وهي قريبة من الروح ونابضة بالحياة، عفوية، صادقة وإنسانية بامتياز.

شعر الدكتور ريكان إبراهيم هو ثمرة اجتماع الشاعر المرهف مع الطبيب مع الطبيب النفسي في شخص واحد. وهو ظاهرة فريدة في الشعر العربي المعاصر يجب متابعتها ودراستها بعمق أكبر.

*** 

حسين فاعور الساعدي

.....................

للاطلاع:

الشاعر ريكان ابراهيم

 

   

رحاب عوضماذا لو عصفت أعاصير الوطن بجناحي عاشقه وحاولت الذئاب والخفافيش النيل من جذوته المتمردة على الظلام .. ثم بعد مسيرة شائكة بالأرزاء والمحن والآلام، ماذا لو حكمت عليه السنون والأيام بالنفي إلى ما وراء قصيدة.. ماذا لو أمسى هذا النص وطناً خدراً بجرحه ثم استفاق على صوت الحنين وصليل الوجع !

كم سيكون حجم نزف الوريد من القصائد، قلم ضاقت الأرض بسعة وبُعدِ رؤياه .. وكم سيحتاج من الشطور ليرتق ذلك الجرح الغائر في طيات الروح وعمق الذات؟

هناا قصيدة سادية .. أبت إلآ أن تأتلق بذرف حبرِ مقلة صاحبها، قصيدة جرعت من بحور الألم والحنظل ولم ترتوِ، ثم يأتي قارئ عابر يرشف من خوابيها فإذا به يقول: أغرفُ من سكبها شهداً.!

إذا أردت أن تدخل محراب كتابات الكبير يحيى السَّماوي عليك أن تصعد أعلى قمة في الهرم كي تبلغ أدنى نقطة في عمق البئر .. ربما عليك أن تبصر في قاعه تلك القطرة التي تشهد على أنه على امتداد مسيرته الأدبية لا يزال مزناً هاطلاً بالخصب، بحب الحياة والإبداع  ... ربما عليك أن تنزع من رأسك الكثير مما قرأته من شعر ونثر لكثير من الشعراء وتتلمس بأنامل طرفك جذوة الإبداع المتقد في مكنوناته وتطلق العنان لذائقتك لترتشف ما يتسنى لها تذوقه من سلاف البلاغة وطيوب الجمال، مما يخامر رأسك ويوقفك وقفة وعيٍ للتأملِ والتمعن بما يأتيك به المدّ في شواطئ القريحة. رأيت ذلك التوهج من قنديل نصوصه العابرة كان يشعُّ ولا يُرى، الأمرُ الذي حفز فضول القراءة والاستكناه إلى استبيان الزيت المحترق في أسفله، لم يتسنَ لي بعد الغوص في كتاباته كلها، فالبحر واااسع عميق ورحلة الإبحار فيه طويلة، وقفت على شواطئها وألممت ببعضها وأدركت أنها كانت سماوية المنبع وأنه ظل لنجم كبير ضاقت السماء بخيالاته فزرعت بعضه في الأرض وبقي بعضه الآخر يطوف تائهاً باحثاً عنها في سماء الاغتراب.

حين تقرأ للسماوي تأخذك النصوص في متاهات الدهشة إلى حيث لا تميز للوهلة الأولى أي نافذة سكبت في نفسك هذا الوقع للانبهار لتعاود القراءة فتفرع في عينيك جماليات الأسلوب وتمطرك بغزارة روافد البلاغة التي تتوزع بين التصوير والمجاز والرمز والاستعارات والكنايات وضروب البديع الموظفة توظيفاً خارجاً عن المألوف المتمثل بقيمة التحسين أو إثارة خيال القارئ في صورة، وإنما تجاوزت ذلك بما انطوت عليه من بليغ الدلالة إلى عصف ذهنه برصانة وعمق الفكرة المأخوذة من عبقرية الالتقاطة والنظم والسبك وحدَّة التركيز وانتقائه للمفردة الخلاقة حين تتوالد منها الدلالات في التركيب وتخلق عالماً شعرياً يضج بطاقاته فيكسر نمطية اللغة من خلال استحداث لغة شعرية جديدة تتمرد على القوالب. خاض غمار الشعر العمودي فأثبت أن أهليه لم يرحلوا عن ديار القصيدة العمودية وأنه لا يزال للجواهري امتداد معاصر يسير في ركب إحيائها، بما تجلى عليه من متانة الصوغ وفخامة السبك واللفظ ورقرقة القوافي وزهو الروي، دونما تكلف أو صنعة، حين يستدعي المعنى القافية واللفظة لا العكس، ولا سيما وأنه يتأبط معجماً لغوياً ثرَّاً زاخراً وتمكناً من قواعد اللغة العربية يمكنه من تطويع المعاني وبناء النص "منظومة مفردات" بأسلوب "هو بصمته" بناءً يكسبه خصوصيته يقول:

أبدلتُ بالظلِّ الهجيرَ.. لأنني ......... قد كنتُ في داري غريبَ الدارِ

تعبتْ من الصمت المُذِلِّ ربابتي ... وتيبَّستْ ــ كأضالعي ــ أوتاري

فيمَ اعتذارُك بعدَ هدرِ مشاعري؟ ... ما نفعُ أشرعتي بدون صواري؟

النارُ جائعةٌ فهل أطعمتِها .............. شجني الذي أودعتُهُ أشعاري؟

لستُ الأسيفَ وإن فجعتُ بمطمحي ........ أنا مؤمنٌ بمناجل الأقدارِ

أنا ضائعٌ ــ مثلَ العراق ــ ففتشي ... عني بروضكِ لا بليل صحاري

أنساكِ؟ لا واللهِ .. تلك مصيبتي ...إن الوفاء ــ وإن خذلتُ ــ مداري

وطنٌ على سعة السماء رغيفه ............. لكنه حكرٌ على الأشرارِ

الحزن أوفى الأصدقاءــ فلم يغبْ .... عني فكان ملاصقي وإزاري

أنا لستُ أولَ حالمٍ نكثتْ به ................أحلامُه فأفاقَ بعد عثارِ

لكنَّهُ حكمُ الهوى ــ أرضى به .........قسراً عليَّ ــ فلستُ بالمختارِ

حظي كدجلةَ والفرات نداهُما ...... دمعٌ ــ ولحنُهما صراخُ: حَذارِ

يلملم النص من الذاكرة حيثيات رحلة الشاعر إلى الغربة والفراق والهجر وما آل إليه من الاغتراب كشعور ومنحى نفسي إنساني داخلي ناجم عنها، في أفعال ماضوية تسرد الحدث، في حضور للذاتية عبر ضمير المتكلم بصورتيه المنفصل والمتصل. في تقديم شبه الجملة في مطلع النص إلحاحُ بيانٍ على أهمية المتقدم يؤكد على أنه استبدل الوطن الغربة، مرغماً لا بإرادته، في مقابلة "سبب ونتيجة" من أن الديار باتت غريبة، مع تكرار "الدار" المفضي إلى نغم داخلي وتكرار الدال الجهور الانفجاري الجاهر بداخله المصرِّح بما يجيش فيه مما نجم عن تمزق الروح، بين وطن رمز له بالظل كتعبير عن التقلقل والتأزم الوجودي وبين البلاد الغريبة، فالتمس من الشجر لفظة "الظل" كحالة مؤقتة لا ثاتبة تعبر عن تجربته، ولو اختار "الشجر" لحملت اللفظة النقيض، من حيث أنها بفعل جذورها تشير إلى الثبات، معتمداً الإخبار الإنكاري المعزز بمؤكدين "لأنني، قد " ثم إن ضلوعه وعروقه شحبت وتيبست وهو يرقب واقعاً مزرياً بتفاصيله بصمت وعجزٍ، فاقداً نبض إيقاع الأمل بالحياة، ثم ينتقل إلى الإنشاء في استفهام خرج إلى معنى اللوم والعذل لهدر مشاعره الإنسانية الصادقة، مجسداً المعنوي بالمحسوس فما نفع سفينة نسفت صواريها، ليأتينا بالمبتكر المكثِّف والمعظِّم لعمق الألم من مجاز الصورة، ويدعو على سبيل الاستعارة المكنية إلى أنْ تلتهم النار حزنه المودع في أشعاره، شعور الحزن حارق فكيف للنار أن تلتهم النار .. ليستسلم إلى ضربات القدر نافياً حزنه أو ندمه " لست أسيفاً " كقفزة فجائية من نيران مشتعلة في البيت السابق إلى التسكين المكفكف للوجع، في محاولة دفع الأذى واستعادة القدرة على المواصلة انطلاقاً من إيمانه بحكم القدر، فيثبت ذاته " أنا ضائع" في تنكير يشير إلى انهيار البنيان النفسي، معترضاً بتشبيهِ نفسه بالعراق في اندغام وجودي، علماً بأن كاف التشبيه تحقق هذا الاندغام والتقارب بين طرفي التشبيه والتلاقي من حيث أنها توحي بوجوه شبه كثيرة فتتجاوز ما تفعله "مثل" التي تشير إلى وجوه شبه أقل، ومن جهة الصوت أيضاً نجد أن الكاف انفجاري شديد يعبر عن معاني الجهاد والضعف والخضوع والمقابل تفيد اللام في معاني الوصل، " كلعراق" ومع هذا الاتصال الصوتي يتحقق التماس حد التماهي بين الشاعر والعراق، إلا أنه لربما وجد في اللفظة ما حقق موسيقياه العروضية والشعورية، فكل حرف مرتبط بشيء من الذات والنفس الإنسانية، فيدعوالأرض للبحث عنه في أحد طرفي مفارقة تضادية، ليبني سؤالاً مجدداً أراد منه النفي والتعجب، إذ سأل فأجاب مؤكداً كلامه بالقسم. تنكير" وطن" أفاد التعظيم والتقديس وإعلاء الشأن، وتأخير المبتدأ "رغيفه" أفاد التشويق ودهشة القارئ في متأخِّر لم ينتظره، قد ينتظر " امتداده"، ثم يُسبغ صفة الحزن صفة الوفاء في الإنسان الذي لم يتخلَّ عنه يوماً. خاب حلمه ورضي بالمقسوم وراح يلملم شتاته ويباس روحه وانطفائها ليركن إلى جوار دجلة والفرات المنكوبين فيعزي نفسه بهما ويُسمعنا نشيجه عبرهما في اندغام وتماهٍ روحي يحمل ثقل المعنى، يجعل الماءَ دمعاً وصوته صراخاتٍ مدوية بالحذر والاحتساب، فصرخة المظلوم قهرٌ يبلغ السماء ويعِد بالقصاص والانتقام. الانزياح الضمائري بين المتكلم والغائب والمخاطب في البيت الأخير "حظي، نداهما، حذارِ" بنى تشكيلاً شعورياً جديداً منح الانفعال رقعة كسرت الرتابة وأشبعت بالمعنى . حتى أنه ختم البيت باسم فعل الأمر حذارِ محذوفَ اسمٍ منصوب كان يفرض أن يليه " المُحذَّر منه" ففتح أمام اللفظة مجالاً أرحب للمحذوف ومساحة بيضاء يملأ القارئ صموتاتها. " وفي الوقت ذاته استحدث صياغة نحوية من حيث أنه أرفق الخبر"الاسم المضاف " باسم فعل الأمر" حَذارِ" ولم يرفقه بالاسم المصدر "حِذارِ" التزاماً القاعدة النحوية. من حيث أن المضاف إليه يتبع المضاف.. مثلاً " حذارِ انتقامي" أي أحل اسم الفعل محل الاسم لكون الفعل يحمل الشحنة الانفعالية الأكبر في التحذير .. هذا وإن التنويع في القافية والروي بين راء مكسورة ذات رطوبة ورنيم في المسمع وبين راء متبوعة بياء تحمل الصوت ذاته حقق انسجاماً مستعذباً مع تساوي المتحركات والسواكن إلى حد ما مما أحدث وحدة النغم في النص.

و تبقى القصيدة العمودية التحدي الأكبر للشاعر لما تفرضه من قيود من حيث أوزانها وقوافيها، ومهما أوتي من براعة النظم فإنها ستوقف سريان استلهامه في بعض أبياته كحاجز جمركي لبرهة عند معبر التقفية إلى الروي وصولاً إلى البيت التالي مهما جهد في إطلاق طاقاته، الأمر الذي يقع على الخلاف في قصيدة النثر التي كان الشاعر متمدداً فيها بملء ذاته، بملء طاقاته وأحاسيسه تمدُّدَ الماءِ في البحر حيث يشف موج المجاز من المعاني ما يريد أن يقول ويلفُّ ما لا يريد فيه المباشرة، فألفاظه فيها مأنوسة إلا أنه يكتنفها أحياناً غموض الفكرة لعمقها وأصالتها حتى أن المجاز كان مؤتمناً أحياناً من قبل صاحبه على ترك فكرته سارحة في مساحاته النفسية تنثر خيوط إيحاءاتها هنا وهناك فتبقى زئبقية في قبضة نظرة التأويل. وهنا تكمن بدعة الشعرية حين تبث لفظته في السياق إيحاءات مختلفة يتوارى مراده بينها وهذا شأن أي شاعر يحتاج لأن يكتب دون أن يفصح أو يومئ فتبقى الفكرة حبيسة طليقة في القصيدة ..

تضمنت نصوصه الفكرة النضالية الثائرة على الظلم التي تتسم بها قصيدة النثر وحققت وحدة عضوية متكاملة وجمالية في خروجها عن الأوزان المتداولة وتفعيل أقصى الطاقات الشعرية مع بقاء الزمن حاضراً فيها فهي لم تكن اعتباطية تعتمد اللازمنية وإنما يثبت الزمن حضوره فيها، والدلالات فيها تتمرد على أقفال الرمز والمجاز وتفتح أبوابها على نحو مغاير لشعراء السوريالية مما يغلق على المعنى ويقود الغموض فيه إلى الإبهام.

عناوين قصائده تخرج عن نطاق كونها عتبة دخول تمهد لولوج النص، فهي أشبه ما تكون بومضات شعرية تصويرية قصصية بما تقوم عليه من المفارقة والتكثيف والحذف والإيجاز والعمق الدلالي والدوال المضمرة ودهشة الفكرة نذكر على سبيل المثال: عيناي نائمتان والنوافذ ساهرة، جرح باتساع الوطن، البكاء على كتف الوطن، شاهدة قبر من رخام الكلمات، هذه خيمتي .. فأين الوطن.، كذبت صدقي كي أصدق كذبها، أطفئيني بنارك، أطبقت أجفاني عليك، نقوش على جذع نخلة، قليلك لا كثيرهن، لماذا تأخرت دهراً؟، تعالي لأبحث فيك عني، عيناك لي وطن ومنفى، رغيف من الشبق على مائدة من العفاف،.....

هنااااقصة عشق أبدية سرمدية لا تنتهي ولدت وقبل أن يفتح عينيه على الحياة "بين شاعر وأرض" اسمها السماوة التي يُطلِق عليها الشاعر (السماء التاسعة) في دواوينه التي سخرها لتوثيق جراحات وطن منكوب كتبها بحبر الوجع والشوق وهو ينظر إليه من نوافذ الحنين ويطلق أصواته ومواقفه وأفكاره من حنجرة الشعر، تلك المواقف التي شارفت على إبلاغه حتفه . فشد رحال كلماته يحمل وطناً على ظهر قلبه وهو ينظر إليه من بعيد ليطلق صرخته المدوية بالألم والرفض لذبح الوطن في سياق استعاري مجازي يقول:

نعرف أن الوطن الجريح

يستحمُّ في بحيرة من الدم

المُراقْ

 

لكننا نعشقه عشقَ ضريرٍ للسَّنا

وأننا نرضى به هراوة .. مشنقة.

جوعاً .. أسى .

طاحونة أو مرجل احتراقْ

 

نرضى به سوطاً على ظهورنا

أو شوكةً تنام في الأحداقْ

 

لا تذبحوا حبيبنا العراقْ

 

نصرخُ باسم طينه

باسم يتاماه .. مشرَّديه .. جائعيه ..

باسم نخله

باسم عروبة غدت دون يدٍ وساقْ

 

لا تذبحوا حبيبنا العراقْ

ولتتركوا مصيره لأهله العشاقْ.

حيث التمس خطابه بصيغة المتكلم الجمعي " نعرف نرضى نصرخ نعشقه .. " ناطقاً باسم أبناء شعبه، باسم التراب والنخيل واليتامى والمشردين، معتمداً الاطراد الأسلوبي المرتكز على التكرار النمطي للضمير بما رسم معادلة أساسية حددت موقفه الممثل لموقف أبناء الشعب كافة، وأضاء جذوة الصراع القائم بين الظالم والمظلوم، مُدِيناً عروبةً عاجزةً مشلولةً إزاء تلك الجرائم بحق الأبرياء منوِّعاً بين الخبر المؤكد والإنشاء الطلبي" وأننا نرضى به هراوة، لا تذبحوا، ولتتركوا.." في شطور تحمل مناجاة قيثارة لامست أوتارها أنين حنجرة الشاعر فاحتضنت أشجانه في قوافيها والقاف حرف لهوي ينقفل مخرجه انقفالاً تاماً، يتسم بالقوة معناه في ذاته مأخوذ من طريقة لفظه، من حروف القلقلة أي اهتزاز الصوت لذلك تُسمع له نبرةٌ قوية فيكتسب صفة الشدة والفعالية، ويدفع الشحنة القوية عند النطق به " المراق احتراق مشنقة الأحداق العشاق .." ولما كانت أصوات الحروف طبيعية فإنه حين شعر بالقهر والألم استلهم مشاعره واهتدى إلى حرف القاف العميق، كما لجأ إلى التنكير أداة أسلوبية نروم فيها مالا نرومه في التعريف، في معرض التعظيم والتكثير من التداعيات السلبية: مشنقة هراوة جوعاً أسى .." في إفصاح وتصريح عن حبه وتشبثه بالأرض مهما جارت على أبنائها ومهما كان الثمن، ليصب فكرته ختاماً بأن الشعب هو صاحب القرار في تحديد مصيره.

ثم رمز للعراق وللإنسان العراقي بالنخيل إذ يستمد منه معاني الشموخ والكبرياء والصبر . فالبيئة الطبيعية تترك ثيماتها في التكوين النفسي لأهلها، ابن الصحراء جلود صبور وابن الساحل يتعلم رحابة الصدر من البحر والعراقي يتعلم من النخيل أبجدية الصمود. إلا أن هذا النخل كان قد اتهم وأُدينَ كما قال الشاعر:

هم يقتلون النخل!

إن النخل متَّهم برفضِ الانحناء

وبالتشبث بالجذور ..

وباخضرار السَّعف ..

متَّهم بإيواء العصافير التي

لا تحسن استقبال:

أعداء الطفولة ..

والطواغيت الكبارْ ..

 

والنخل متَّهم

بتأليب المياه على الطحالب

في بحيرات الدهاقنة الصغارْ

 

الكافرين بعشق نخلتنا القرارْ

 

ولنا عناد المستحيل بوجه جلجلة التخاذلْ

 

ماذا يريد المتخمون من الجياع؟

فلم يعد في الحقل

ما يغري المناجل بالحصاد

النخل معنيٌّ بردِّ الاعتبار إلى السنابلْ .

برغم أن الجملة الإخبارية الأولى حملت في لفظتيها " يقتلون النخل" ثقل الدلالة وتكثيفها إلا أن صوت ضمير الغائب "هم" المضبِّب قد خفتَ وحسر شيئاً من حدتها الانفعالية حين تصدر الجملة فجسد صفة القتل في القطب المعني،وأتاح للشاعر فرصة إيصال فكرته دون مساءلة، ثم أفسحت الجملة لفضولٍ استفهامي لدى القارئ ليُباغَت بمفارقة أسلوبية تقوم على التناقض تسري مع النص وتحمل الفكرة المدهشة، وحين ألحقها بجملة إخبارية طلبية مؤكدة بـ "إنَّ" بدأت حركة الانفعال التصاعدية مع التكرار النمطي للجار والمجرور " بالتشبث، باخضرار، بإيواء، بتأليب، بعشق .." ثم انعطف عن الإخبار إلى أسلوب إنشاء قوامه الاستفهام ليتساءل عما يريده المتخمون من الجياع، استفهاماً خرج إلى معنى السخط والاستنكار ليعاود إلى الإخبار عبر سرد شعري تنقل ونوّع بين الأسلوبين فعكس صورة الحالة النفسية المضطربة للشاعر وشدّ القارئ ثم زجه في التجربة معززاً لوحته بالتوظيف الرمزي " النخل، العصافير، الطواغيت الكبار، الطحالب، السنابل ..."..

ثم يصور الحال المزرية من الفقر وعقم النخيل:

موائدنا تخلو من الدسم

قدورنا بيضاء

وأعذاق نخيلنا تسيل

فما الذي أغوى

كل هذا الذباب البشري لدخول العراق؟

أوشك أن أؤمن

أن الله يحب العبد

على قدر كراهيته

لآلهة البيت الأسود في واشنطن

حيث عبر عن استغرابه لتكالب الطغاة والطامعين معتمداً الرمز والطباق في إطار من التكثيف المجازي والإيجاز والتورية فاستفهامه عن دخول الذباب لم ينتظر جواباً وإنما خرج إلى معنى التعجب والاستنكار الساخط لدخول الاحتلال الأرض ولمن عبَّد الطريق لدخول الغريب." الذباب" " الألوان في " الأبيض والأسود" " يحب كراهيته" " العبد آلهة" فقد بات مستنقعاً يغص بروائح عطن الفاسدين النتنة وفريسة بين نيوب الغرباء والخونة.

اعتمد المفارقات كتقنية أسلوبية تقوم على التناقض أو التضاد أو التضارب على سبيل الذكر قوله:

استبدَلوا:

بكوفيتي خوذةً

بحصاني دبابةً

بحديقتي خندقاً

بنخيلي أعمدة كونكريتية

بأساوري قيوداً

ب" زهور حسين" مادونا

بالقرآن مجلة ستربيتز

و دماً بماء الينبوع

وساندويشة ماكدونالد بخبز أمي .

مما يعكس ما كان عليه الوطن وما استحال إليه من محاولات طمس لوجهه وتعفير لتراثه كما أن الانزياح التركيبي الذي عطف عنه مصدراً بالجار والمجرور تكراراً نمطياً أحدث انزياحاً صوتياً بالمقابل حين عكف على العطف "ودماً، وساندويشة " فدلل على تغير موج الرقعة الانفعالية السارية في داخله.

ثم يوظف المفارقة القائمة على الاستبدال المجازي متنقلاً بين الذاتي والموضوعي في حين أنه لم يخرج عن داخله فالوطن قصيدته الخالدة التي تعيش فيه ويعيش فيها ليقول:

فهل ثمة من يلومني

إذا صرخت ملءَ حنجرتي:

أعيدوني إلى زنزانتي

وأطلقوا سراح وطني

يشير النص إلى أن الشاعر قد تعرض فيما سبق للمطاردة والتنكيل والاعتقال لكونه قال "أعيدوني " لما تحمله من ارتداد إلى ماضٍ قاتم راسخٍ في الذاكرة ولم يقل "اسجنوني" مع إفادة ضمير الإضافة الياء " زنزانتي" خصوصية الشيء وملازمته للمتكلم. كإشارة إلى ما ذاق من ويلات ذلك الحكم الجائر كما أن استفهامه لم يستجدِ إجابة وإنما خرج إلى معنى التوجع والتحسر ومع الأمر الطلبي تحول الكلام إلى زفرة ساخطة.

بدت المرأة النواة بل الجهاز العصبي لبنية النصوص التعبيرية والمحور الذي تدور حوله نصوص ديوانه " أطفئيني بنارك" وغيرها في كتاباته والانعكاس الممثل للوطن من حيث أنهما وجهان لعملة الحب والدفء والحنان والجمال فهو العاشق الذي يستجدي الكثير من الحنان الذي افتقده في وطن تجهم وجهه وعصف به حين ثار لكرامة التراب وأراد أن يشعر بوجوده الإنساني وانتمائه كابن بارّ، وما امتلك منه سوى حروفه، ليتخذ المرأة وطناً بكامل تجلياتها المطابقة لمضمون الأرض الحقيقي. وانطلاقاً من خلفيات صدَّرت تداعياتها: يمكننا القول: في ظل عوامل ومؤثرات قامت عليها بنية مجتمع شرقي يكتظ بأفكار التخلف والاستبداد وقيود وجود الإنسان وحرياته منذ نعومة أظفاره، وفي معمعةٍ من الموت المتجدد تُزهَقُ فيها الأرواح ويُضرب بالإنسانية عرض الحائط، وتُغتال أصوات الأحرار فلا صوت يعلو إلا صوت الموت، وفي دهاليز الكهوف حيث تنصب المصائد والمكائد للطيور المفطورة على الحب والحياة .. انطلاقاً من تداعيات كل سبق، تتسع الفجوة في كيانه النفسي المتشرذم لتقبض فطرة حب الحياة على متنفسٍ من خلال الحب ينشد فيه القفز من بركة الدم إلى روضة الجمال والأمان لينتفض الليبيدو المقموع ويمارس فعل الحب والحياة وتحدي الموت، ويثبت أن الإنسان هو الطاقة الخلاقة في استمرار الحياة، فيتمرد على قوافل الزمن حين يُفصح لاشعوره عن فجوات وشروخ هشمت أحلامه فيصدر مملياتها إلى عقله الباطن ليترجمها أدباً وانعكاساً مباشراً من أعمق لاشعوره ويكشف جلياً عن دوافع صاحبه المكبوتة في الكتابة الأدبية التي تمثل البناء النفسي والعاطفي والوجداني العقلي والفكري والاجتماعي والثقافي لصاحبها. فالخلفية الحسية لتجسيد المرأة في داخله دفينة خبيئةُ لا شعورِه وماضيه لكن التجلي الحاضر المنعكس عنها في كثير من أشعاره هو الوطن. فجلَّ كتاباته تتحدر وتتموضع ما بين الحب والحب،" حب امرأة بحجم وطن، وحب وطن بحجم أحلام شعبه"  أما عن تحول هذا الحب إلى البوتقة الروحية الممزوجة بتصوف يتجلى في كتاباته فإنه له تصوراته ورؤياه الخاصة به، فمصداقيته وعذرية مشاعره وما مر به من مسيرة محفوفة بالصعاب والفراق والغربة امتدت لسنوات طويلة من عمره كان كفيلاً بقربه من روح الله وبإكساب شعره تلك العاطفة الصبغة الروحانية وهو الذي صرح بأن الحب دينه وديدنه ودنياه ووطنه وموروثه:

عطش الهوى فأبى سواكِ لقلبهِ ... نبضاً ودفئاً للضلوع وريَّا

لا تنفني من حقلِ قلبكِ إنني ... عشتُ الحياة مشرداً منفيَّا

وهو الذي قال:

الحب ميراثي فأمي عبلة ... وأبي كثيرٌ والشقيق "جميل"

و"ابن الملوح" كان صنو صبابتي ....وجميعنا في عشـقه مخذولُ

فالمرأة هي الصديقة الأم والصديقة والحبيبة والصديقة ورفيقة الدرب التي يقطف لها صورة نقية من كروم التصوف يقول:

في ليل إسراء المقدسة /البتول/

الابنة / الأم / الصديقة / والرفيقة/

أشرقت شمسان ـ

شمس خضبت بالضحكة العذراء

أوتار الربابة

فاصطفاها القائمون إلى صلاة العشق

مئذنة

ثم يتجه إلى معابد العشق ليؤدي أسمى صلوات وتراتيل الحب فهو يؤمن إيماناً مطلقاً بأن الحب هو الطريق الأجدى الذي يقوده إلى ملاقاة وجه ربه الله. يقول:

فوجدتُ

أن ألذَّها كان

احتراقي في مياهك

وانطفاؤك في لهيبي

واكتشفت خطيئتي

كانت صلاتي

إدماني التجهُّد في رحابك

كافرةْ

 

وعرفت أن جميع آلهة المدينة

والدعاة إلى الصلاة

سماسرةْ

 

والقائمين بأمر أرغفة الجياع

بدار دجلة والفرات

أباطرةْ.

إذ يدين تجارة رجال الدين والساسة، ويجسد مفهوم الدين بالحب لباً وجوهراً، موظفاً الخيال الحسي الابتكاري في وثبة خيالية اتسمت بالجدة والعمق حين جمع بين المتباعدات في لا منطقية، منطقية، فالانطفاء إنما يكون بالماء بينما الاشتعال بالنار إلا أنه خرج عن المألوف في مبادلة بين الدوال والمدلولات " ليصيب قارئه بدهشة القراءة من عمق الفكرة، ويطربه التشكيلُ الصوتي اللافت الذي كانت تتراقص عليه مفرداته في نصوصه والمفضي إلى التناغم بين ألفاظٍ وظفها بعناية توظيفاً يطرب المسمع ويفسح للقارئ مناخاً تخييلياً، برغم ما تحمله من الكم الهائل من الألم والأسى، وانطلاقاً من سيمياء الحروف فإن الدلالة الطبيعية الإيحائية للفظة هي صورة سمعية ذهنية ومنبه له أثره النفسي والجمالي في إثارة مشاعر القارئ، وجعله يشارك الشاعر تجربته الشعورية الشعرية، هذا بالإضافة إلى التماسه المدود ذات الصوت المستطيل التي تحمل الشعور المتردد في داخله وتتيح للانفعال فرصة التمدد والانطلاق على صهوة ألف قد تُمد حركتين أو أكثر تتبعها تاء تلفظ هاءً أكثر اتساعاً بآهاته وعذاباته .. " نائمتاان، النوافذ سااهرة، سماسرة، أباطرة، احتراقي.." بين تناغم الصيغ.

ــ كان للمحسنات البديعية حضورها الواضح في ديوانه باتخاذه لها فناً بلاغياً يرتكز على مستويات الدلالة والتركيب وليس زخرفاً يبتغي منه التحسين والتجميل، وللطباق الحظ الأوفر في الإفراط بتوظيفه، اكتسب جمالية توظيفه من تجاوزه الشكلانية المفرطة في التكلف أو بهرجة اللفظ إلى سَوق اللفظ لخدمة المعنى دون صنعة. فنصوصه متخمة بتوظيف آلية التضاد بشكل لافت يحدِّث عن شغف وولع به. لكن هل يعود ذلك إلى واقعه المتشظي بالمتناقضات والمتضاربات والمتضادات السياسية والدينية والاجتماعية والفكرية، ولمنبته الجغرافي المشتمل على تنافر الموجودات من بوادٍ وصحارى وأنهار وعيون ماء غزيرة وغابات نخيل كثيفة ووهاد وسهول وتلال وكهوف، وهو معجون به، حتى أن نصوصه أُثقلتْ بالطبيعة بكامل تجلياتها؟ أم لهذا الكون القائم على الثنائيات منذ الأزل المتقوقع في داخله، وهو نسخة مصغرة عنه ممتدة الآفاق الرؤيوية فيه بلا حدود .... حتى وجد نقاء سريرته وتفكيره النازع بإصرار إلى إقرار وتوثيق الحقائق، مخرجاً برهانياً يدفعه إلى وضع فكرته على شرفة من نور ووضوح حين يعرض طرفي مفارقات تقوم على التضاد ويقدمها في ثنائيات .. فالأبيض لايظهر بياضه إلا عبر السواد والسواد لا يظهر سواده إلا من خلال البياض، الأمر الذي أفضى إلى تنوع صور التضاد "الطباق" بين الإيجابي والسلبي والتأويلي والوهمي والعقائدي والزماني والمكاني والمجازي ووو، على سبيل المثال " المكاني":

فاكتبي كيفما شئت / اغرسيني/ في روضة الفردوس/ أو / محض رماد / في تنانير الجحيم.

و" العقائدي": /كانت صلاتي / قيل إدماني التجهُّد في رحابك/ كافرة.

و" المجازي" / هيأت في سرداب ذاكرتي/ سريراً بارد النيران /مسعور الندى/

و" الإيجابي" مالذي يمتلكه العبد المملوك /أمام المالك المعبود

و"الزماني" المتراقص على وتر تصريع يأخذ بيد مسمع القارئ للوثوب والرقص على شطور القوافي: يومي له ليلان .. أين نهاري؟ ... أتكون شمسي دونما أنوارِ؟

أبحرتُ في جسد الفصول مهاجراً ... طاوي الحقولَ وليس مِن أنصارِ.

و"المقابلة" في قوله: بين احتضاري في غيابكِ/ وانبعاثي في حضوركِ/ مشنوقاً حبلُ أشيائي / محدِّقاً /بغدٍ/ مضى.

ــ وظف التناص الديني في بعض نثره لخاصيته في دفع الفكرة بقوة أكثر تأثيراً حين تلقي بظلالها على المتلقي، وقدرته على خلق التفاعل والتعالق مع نصوص مختزنة في ذاكرة الشاعر الثقافية تمتد إلى جذوره . فيأتي تداخلا تقابلاً تقاطعاً تضميناً تشبيهاً مقارنةً ... على نحو مجيئه " تضميناً ": طلع العشق عليناً / فاخلعي ثوييك والنعل/ أو " اقتباساً شارياً " أهي السماء تأرضت/ أن قال الله فيها كوني؟/ أوقوله: واحاتي اعتصمت بحبل مياهها وقصائدي اعتصمت بحبل هديلها/ أو قوله: حروف لم تزل في / طور سين!. متناصة مع الأقوال: طلع البدر علينا، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، واعتصموا بحبل الله، وطور سنين. أو التماسه مساراً نظمياً لبيت الشاعر العباسي الشريف الرضي:

أبكيكِ لو نقع الغليلَ بكائي وأقول لوذهب المقال بداءِ

وأعوذ بالصبر الجميل تعزياً لو كان بالصبر الجميل عزائي.

في قوله:

عاتبت لو سمع القريب عتابي وكتبت لو قرأ البعيد كتابي.

وسألتُ لو أن الذين محضْتُهم ودِّي أضاؤوا حيرتي بجوابِ

ليس التناص تضميناً هو الأمر اللافت فحسب وإنما الحالة النفسية المتشابهة لديهما من الألم والحزن التي فرضت طغيان حرف الباء لدى كليهما، لكون استيحاء معاني الحروف من أصواتها الطبيعية، فحين استبطن مشاعر الأسى والشدة اهتدى إلى الباء الجهور الانفجاري الذي يحدثُ انفراجاً في الشفتين عند النطق به فأتى كتلبية لمشاعر مختنقة تنتظر مخرجاً.

عبر عن فكرة حسية عميقة في تكوين الإنسان الروحي في إطار من التورية جسدها بالرمز المحسوس شفت رؤياه. فالإنسان عالم صغير مستنسخ عن الكبير قوامه الماء والنار والهواء والتراب "فكيف للماء أن يشعل الحرائق في اللهب" ثم إن مقابلته الاستفهامية هذه لشيئين هما طرفا نقيض" الفجائع الفردوس" خرجت عن أغراضها المألوفة واتخذت بعداً شعورياً جمالياً مختلفاً، على اقتضابها في شطور مكثفة الدلالة، تناوب فيها الإخبار والإنشاء ثم زاد من دهشة القارئ حين نفى الألوهية عن نفسه، نفيَ المنفي غير القابل ليكون في معرض النفي أو الإثبات "بخلاف الحلاج".هذا وإنه يؤمن بأن روح لله تستقر في داخله لا خارجه. نص محفوف بظلال فلسفية تخيم على عالم روحي موغل في العمق.

وأنا اللهيب البارد النيرانِ

و الماء الذي أمواجه

تغوي بساتين اللذائذ بالحريقْ

 

أهي الطريق

إلى المزيد من الفجائع؟

أم هي الفردوس؟

لست الله

كيف إذن سيعرف ما نهايته الغريقْ

***

رحاب عوض

 

وليد العرفي إشراقة العنوان: ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ العنوانَ بمثابة الرأس من الجسد يمنح القامة سيمياءها وشخصيتها المائزة، ومن هنا يبدو عنوان قصيدة  (ترنيمة في محراب الجمال) ذا أبعاد واصفة مانحة القصيدة الجسد شكل تميز، وبتحليل بنية العنوان سنجد أن البنية اللغوية نهضت على التركيب الاسمي،وهو دليل الثبات والسكون، وهذا يعني صيرورة ساكنة لا متحولة سعى الشاعر إلى تأكيدها في هذا البناء اللغوي الاسمي، وبتحليل عناصر العنوان بلحظ أنه يتألف من خبر محذوف المبتدأ إذ تقدير الكلام هي ترنيمة، وعائدية الاضار هنا إنما هي القصيدة الجسد الكلي، وشبه جملة في محراب  والمضاف الجمال، وبإمعان الدلالة المعجمية نستنتج أن الشاعر حاول الجمع في ثيمة العنوان بعناصر باعثة على الانشراح والسعادة والقداسة، وهي ما دلت عليها دالات ترنيمة والترنم فعل صوتي دال على ترجيع الصوت والتفنن بأدائه لحسن فيه، وترنيمة قصد بها الشاعر أنها واحدة غير متكررة أي هي قصيدة مفردة منفردة، ومن ثمَّ يمنحها هالة من القداسة من خلال حيز مكاني يختاره إنه اسم المكان الدال على الطهر والنقاء والصفاء، وهو ما يطلق على مكان الإمام في المسجد لأداء الصلاة، وقد أضيف هذا المكان الجغرافي الى ما هو متصور ذهني مرتبط بثالوث القيم المطلقة المتمثلة بالخير والحق والجمال، وبهذا الاستشراف العنواني يمنح الشاعر جميل حسين  الساعدي صيدته جواز سفرها؛ لتعبر قلب المُتلقّي قبل أن يبدأ بقراءتها .

في المتن اللغوي

تبدأ القصيدة

بصيغة التعجب المنبعثة من تأكيد حقيقة أنذَ ساعات الصفاء والسعادة قليلة عابرة في زمن الإنسان يقول:

 مـا كــانَ أقصــرها سويعات  الصـــفا

                  فلتملأي كأس الهــــــــوى كي نرشفـا

ولتعـــــــزفي لحْـــــنَ اللقـــاءِ لعلّنـــي

                 أنســـى بــهِ ما كانَ مِنْ زمــنِ الجــفــا

وقتُ الهنــــا هوَ لحظـــــةٌ يــا ليتـــــهُ

                   قــدْ طـــالَ أوْ ليتَ الزمــــانَ توقّفـــا

فدعـي التحدّثَ عنْ زمــــانٍ قدْ مضى

                   لا توقظــــي جرحا ً قديما ً قد غفــــا

يلاحظ لقارىء أن الحقل الدلالي للألفاظ قد اكتنز بوال سويعات وما في هذا التصغير من عمق وكشف وإبانة عن قصر الوقت الذي لا يُحقّق للشاعر نيل مبتغاه من الفرح والهناءة، ولذلك تبدو حالة القلق منبعثة بالأسلوب الإنشائي الذي تنوّع بين صيغة الطلب بالفل الأمر: (املأي، اعزفي ) والتمني باستخدام الأداة: (ليت) التي جاءت محققة غايتها في بلوغ مرغوب مستحيل التحقق لحظة مطلبه، وأسلوب الرجاء بالأداة: (لعلَّ)

وينحى الشاعر من حالة الأمنيات، وتمنّي المرغوب إلى حالة الثبات القارّة بالصيغة الفردية التي تنظر إلى الذات، وتتغلغل فيها؛ لتكتشف أسرار الحياة وجمال الحياة: يقول:

أنـا شاعرٌ عشــــق َ الجمالَ وذاق خمـ

                    ـرتهُ فأسرفَ في الشرابِ وما اكتفى

غنّـــــــى معَ الأطيــارِ ألحــانَ الهوى

                     نسـَــــج َ الأزاهـــرَ مئزرا ً وتلفلفـــا

ثمة إمعان في الحالة الفردية التي تستبطن الذات وإمكاناتها التي تتراءى في محاولة رسم بعديها المادي والمعنوي؛ فالشاعر عاشق، يستلذ مذاق خمرة العشق الذي يبدو عشقاً صوفياً، لا عشقاً مادياً، وبهذه الإحالات يكشف الشاعر عن نزوعه الرومانسي المتشح بمثالية عالية؛ فنجد مفردات المتن تحتشد بحمولاتها الدالة من مثل: (عشق، خمرة، ألحان، الأطيار، الأزاهر، الهوى)

لينتقل في التفاتة أخرى إلى طبيعة الفن الذي يمتلك مهارته، والرسم الذي يتقن تلوين لوحته به، إنه الشعر الذي يعرف الشاعر كيف يشكّل منه لوحة مرسمه النابضة بالحياة:

الحســــــــنُ جسّــــــدهُ بشعــرٍ لوحــة  ً

                   سَحَـــــــرتْ فأمسى كلّ قلبٍ مُتحفــا

ومِــــنِ النجــومِ الزُهـْــرِ صاغ َ قلائداً

                    وحِلــــى ً لربّــاتِ الجمــالِ فأنصفــا

فــــــي معبــدِ الحبّ انزوى متبهــّـــلا ً

                   وأقـــــــامَ فــي محــرابهِ وتصوّفــــا

ويبدي الشاعر في الأبيات الأخيرة من القصيدة تأكيد أنه ناسك في محراب الحب، لا يخلف وعد اللقاء، ولا يتراجع عن لحظة مُمكنة لتقريب اللقيا

ويبدو شغف الشاعر بهذه اللحظة السانحة محاولاً القبض على كل دقائق الحالة وتفاصيل الموقف؛ فيتناوب أسلوبه بين  الخبر حيناً في قوله:

اليوم للعشــــــــاقِ يومُ لقـــــــــــائهِــم

                     قــدْ خــابَ منْ عنــهُ سهـا وتخلفـــا

وأسلوب الإنشاء بصيغة النداء في قوله:

يـــــــا مَنْ عشقتِ الزهْــرَ مثلَ فراشـةٍ

                   وشـــــدوتِ للحبّ النقـــــــيّ وللوفــا

إنْ غـابَ وجهـي عنكِ يومـا ً فانظـري

                   فـــي زهرة ٍ أو فـي جنــــاحٍ رفرفــا

وإذا لقيــتِ العندليــــــبَ بروضـــــــة ٍ

                   يشــــــدو بألحــــــانِ الهوى مُتلهّفـــا

رّدّي عليــــهِ ببعضِ شعــري علـّــــــهُ

                   يتذكّـــــــــرُ المتولّـــــــــهَ المتعففــــا

ويأتي أسلوب الشرط في المتوالات الإشارية نهاية القصيدة، اشتراطات الإيجاب بالطلب،  وتعلّق السبب بالنتيجة عبر:

غياب الوجه  ـــــــــــــ بالنظر،

لقيا العندليب ــــــــــــــــ الرد بالشعر

وكل هذا الارتباط، وذلك التعلق، إنما هدفه التعلّل بتذكذر المتوله المتعفّف، وهو الشاعر نفسه الذي يُنهي قصيدته بقوله:

فالكـــونُ قبل الخلقِ كــــــانَ قصيـــدة ً

                  كنّــــــــا بها لو تذكـــرينَ الأحــــرفا

وقد جاء بيت الختام في صيغتين اسمية الصدر، وفعلية في العجز؛ ليفيد دلالتين؛ فالصدر يفيد الثبات، وهو صدر توشّح الحكمة نمطاً تعبيرياً في الصيغة والبنية، وكأنّي بالشاعر يحاول الخطاب المعهود في الكتاب المقدّس: " في البدء كانت الكلمة "، فيما جاء العجز بالصيغة الفعلية، والزمن الماضي في إشارة إلى تأكيد حقيقة أزليَّة الحبّ،  وتعبير الشعر عنه بوصفه حالة إنسانية خالدة، ومُستمرّة ما بقي الإنسان في الوجود .

 

د. وليد العرفي

 

 

سحر النحاسللأديب اليمني الغربى عمران بعنوان: معمارية المكان في الخطاب الروائي واستقراء العلاقة التأثرية بين الشخصيات والأمكنة

أن الممارسة الأدبية لكل ما هو واقعي حقيقي تُبين أهمية الترابط من بين هذا الواقع والشمولية ويقصد بالشمولية أن يستوعب الكاتب جميع جوانبه، وأن يقوم ببحث جميع ترابطاته وتوسطاته، وأهمية السيطرة عليه.وعمق الصياغة الأدبية، وسعة نفاذ الكاتب الواقعي تتعلق تعلقًا كبيرًا بمدى الوضوح، الذي يمتلكه، حيث أن سطح الواقع الاجتماعي كما يرى باوخ يتكشف عن تفككات تنعكس على مجتمعه كالمرآه وفقًا لمستو وعى الناس

لذا فإن الروايات التى تتسم بالواقعية تعد نوعاً يمكن تسميته بأنه تاريخ ما لا يذكره التاريخ، إنها تاريخ الأشخاص فى فرديتهم، تاريخ الوعى الأخلاقى والاستجابات الفردية تجاه التحولات الاجتماعية والانسانية العامة. ومن ثم فإن العلاقة بين الانسان والتاريخ هى التى يمكن أن تمثل مفاتيح فهم الرواية. ومدى فاعلية التاريخ الحقيقية وغير المرئية من خلال تبديه على نفوس الأفراد وجوانب حياتهم الداخلية والخارجية، وصراعاتهم بشأن تحديد مصائرهم فى خضم تحولاته اجتماعيا وسياسيا وعقائديا وبالتبعية أخلاقيا وسلوكيا

خاصة عندما يؤكد فريدريك إنجلز أنه قد تعلم من روايات "بلزاك"، اكثر مما تعلم ..من جميع كتب المؤرخين والاقتصاديين المهنيين جميعا،

حملت رواية مصحف احمر على عاتقها اقتحام عبابَ يمٍ متلاطمة أمواجه عصي على الفهم: واقع يقوم على صراع نوعي وكمي مختلف عن كل تجليات الصراع المعهودة التي نظر لها الفلاسفة والمفكرين كصراع الأجيال والصراع الطبقي وصراع الأديان والحضارات… إذ وجد الكاتب نفسه في لج مرايا متقابلة وصراع وقف أمامه مشدوها لا يعرف فيه الصديق من العدو، ولا يعرف من يصارع من؟ وكل ما يراه أشلاء الموتى في كل زاوية دون أن يدرك من يقتل من؟ ولأية أهداف يتقاتل العرب؟ ولماذا غدت بلاد العرب والمسلمين على كف عفريت وبؤرة صراع في وقت تنعم باقي بلدان المعمور بالسلم والطمأنينة؟

كان لكل شخصية بالرواية قضيتها الذاتية تبحث لها عن مخرج في واقع متشرذم فاسد يعمه الدمار والعنف حتى لكأنَّ روايتنا أضحت حسب تعبير جورج لوكاتش (تاريخ بحث منحط عن قيم أصيلة في عالم منحط)، لذلك تميزت أفعال معظم أبطال تلك الرواية العربية المعاصرة بطابع (التشيطن) فتنوع الأبطال بين المحتال، المتملق، المجنون،المجرم الوصولي والأناني والمتطرف في كل شيء (في شرب الخمر، في الجنس، في تعاطي الدعارة، وفي الدين…) وغيرها من الشخصيات التي لا تعير اهتماما للقيم في مجتمعات عربية تتجه نحو الفردانية والامتثال لقوانين اللبيرالية المتوحشة بشكل يستحيل معه أن نفصل بين ما ينسجه خيال الروائى وما يدور تحت أقدامنا على الأرض. ودون القول بالانعكاس الآلي الميكانيكي بين العالمين، ولكن على الأقل عكس إحساس المبدع بالعجز أمام التحديات الكبرى التي فرضت نفسها على واقعنا المعاصر، حتى وإن لم تكن بشكل واقعي صرف فعلى الأقل في إطار ما سماه لوكاتش (الواقعية الكاذبة للرواية).

السرد الروائى جاء على كل شكل رسائل تبعث بيها الام سمبرية الى ابنها حنظلة كمشاعر وداع أو كنوع من الاعترافات الذاتية او التخلص من عبأ الاسرار التى اثقلت كاهلها تحكى عن الاب الغائب الذى لم يراه منذ مولده والجد العطوى والقبيلة وحصن عرفطة وشيخهم الكبير الذى اتى من عقود زائرا لارضهم ومكث 7 ايام كضيف ثم ما لبث ان طلب الاقامة خارج الحصن وكون امبراطورياته بأمواله وحاشيتة ومواشية ثم استغلال نفوذة فى حكم الحصن والتحكم فى مصائرهم بعد ان استولى على اراضيهم بالحيلة والجهل للمزارعين البسطاء وفرض سطوته بالحديد والنار على كل من يخالفه بالسجن والتنكيل والتهديد

معمارية المكان في الخطاب الروائي واستقراء العلاقة التأثرية بين الشخصيات والأمكنة

، أصطلح عليه النقاد بـ( الفضاء) – أو المكان، ويؤلف المكان إطارا ً محتويا ً ومتفاعلا ً مع بقية العناصر البنائية الأخرى، ويقوم المكان بأداء وظائف عدة في النصوص السردية، لعل أبرزها في نظر النقاد هي قابليته لاستيعاب الزمن مكثفا ً فيه (1)، فوظيفة المكان تتمثل (في احتواء الزمن مكثفا ً في مقصوراته المغلقة التي لا حصر لها فللمكان الروائي أهمية كبيرة لا تقل كثيرا ً عن أهمية الزمان، وإذا كانت الرواية في المقام الأول فنا ً زمانيا ً يضاهي الموسيقى في بعض تكويناته، ويخضع لمقاييس مثل الإيقاع ودرجة السرعة، فإنها من جانب آخر تشبه الفنون التشكيلية من رسم ونحت في تشكيلها للمكان ونظرا ً لارتباط المكان بتقنية الوصف الزمانية، فإنه يمكن أن يجيء المكان عنصرا ً تابعا ً للزمان الروائي، على أن ذلك لا يقلل من اهميته في شيء، خاصة إذا ما توطدت العلاقة بينهما إلى الحد الذي يستحيل فيه دراسة المكان بمعزل عن تضمين الزمان، كما يستحيل دراسة الزمان في أي عمل سردي دون أن ينشأ عن ذلك مفهوم المكان في أي مظهر من مظاهره، وهو ما يُطـلق عليه بـ( الزمكاني الروائي) الذي يعني على حد تعبير باختين (العلاقة المتبادلة الجوهرية بين الزمان والمكان المستوعبة في الأدب استيعابا ً فنيا ً إسم Chronotope

ففي وصف المكان الروائي يبرز ما يسمى بـ(الفضاء) الذي يعني في مفهومه الفني، مجموع الأمكنة التي تظهر على امتداد بنية الرواية، مكونة بذلك فضائها الواسع الشامل

أن الاتجاه النقدي الحديث أدخل الاهتمام بالمكان في ضمن أبرز التحولات التي حدثت في الرواية الجديدة، فظهرت تصنيفات عدة للمكان منها الأليف والمعادي، والمغلق والمفتوح، والواقعي والخيالي، والعتبة والواصل، وكل هذه الثنائيات الجدلية تتحدد على وفق ما يتركه المكان من انطباع في نفس الشخصية فأن فالتجربة المكانية هي التي تحدد المكان وأبعاده . وقد أكد باشلار أن للوضع الجسدي للرؤية دوره في استيعاب واحتواء المكان

2- فالتجربة المكانية هي التي تحدد المكان وأبعاده . وقد أكد باشلار، في دراسته للمكان، على استكناه جميع الظواهر الحسية والشعورية والنفسية، حيث حاول تحديد الأسباب التي تدفعنا للالتصاق بمكان ٍ ما وألفته، ومعرفة الاحساسات التي تحدو بنا لكره مكان ٍ ما ومقته، بوساطة استحضار ذكرياتنا وخبراتنا الشعورية ونوعية التجارب التي مررنا بها في هذا المكان بعينه، حيث تبرز مشاعر الخوف والأمن والطمأنينة والاحساسات

الفضاء المكانى الاليف كالبيت تقول سمبريه لابنها : تودع تضايس غرفة جدك رشاش كلانشنكوف مساند صندوق خشبى المصحف الاحمر

اتخيلك تهرب الى غرفتك الشمالية تستنطق زواياها تتكى على القمرية تحتضن باقة من اغصان القات بين ذراعيك صوت جدك يملاء المكان

نفس المكان اصبح للبطل عتبة مكانا معاديا تنتظرنى رشاشاتهم وبنادقهم

المكان المغلق والمفتوح فالقرية مكان مفتوح، تتحرك فيه الشخصيات وتتعامل بأساليب وأشكال مختلفة، وهي تشتمل على مجموعة من البيوت المغلقة، والحقول والبساتين المفتوحة تنوعت الاماكم المغلقة ما بين البيت الفندق المطار السجن سيارة الاجرة الطائرة المفتوح كالسهول والوديان الشارع الطرق بين المدن

عندما ذهبا الى فندق للمبيت استعادت ذكريات الوادى والبراح وطبيعة المكان تقول

أستعيد فتاى القديم استحضر اللحظات القديمة تحت عراش الكروم فى كهوف قريتنا مساقط الشلالات

الفضاء المكانى المعادى

فيأتي في الطرف النقيض للمكان الأليف، فثمة أمكنة لا يشعر الإنسان بألفة ما نحوها، بل يشعر نحوها بالعداء والكراهية، وهي أماكن قد يقيم فيها الإنسان تحت ظرف إجباري، كالمنافي والسجون والمعتقلات والأماكن الخالية من البشر وأماكن الغربة تحتوي كل رواية على مسرح تقع فيه الأحداث وتتصارع في ميدانه الواسع الأفكار والشخصيات

تمثل الاماكن المعادية للبطل عتبة فى السجن والجبل حتى حصنه وقريته اصبحت تمثل تهديدا لحياته وامكنه غير امنه فالحرية التي كان يتمتع بها لم تعد متاحة لـه في السجن، والأشياء التي كانت مألوفة وحميمة عنده ليست أمامه . ولذلك تولد لديه شعور عدائي نحو هذا المكان الذي فرض عليه بشكل إجباري .

المكان لواقعى والخيال : يصف الكاتب الغربى عمران فى روايته مصحف احمر توصيفا واقعيا على لسان البطلة الأم سمبريه : (وصلنا الشارع الامامى للمطار واجهات معدنية مواقف السيارات تشبه بئر عميق حركة رتية ازيز زوايا معتمة لامح مختلفة ضجيج جنود الوان وروائح جديدة ابحثعن مقعد لخفقان قلبى فى وجوه الحاضرين)

ثم يلى ذات توصيف للمكان المتخيل أو حلمه فى ذهن زوجها عتبة يقول

عتبة: حيث اطلق حديثة على المسافرين انا مناضل كبير لم اتخل خوفا او جبنا بل كنت احاول ان ارسم حلمى حلم اليمن الواحد الموحد بالحرية والعادلة وزوجتى سمبريه تعلم أنا مناضل مخلص لوطنى لكننى الان لا ازل مطاردا مهداا بالقتل فى اى لحظة

الخاتمة

فى حين رأى البعض في كل ذلك عينا سوداوية ينظر بها كتاب الرواية إلى الواقع العربي، فنحن نرى أن ذلك تعبيرا عن تعدد المرجعيات، وتنوع زوايا النظر للواقع مما جعل من الرواية أطارا لكل المتناقضات قادرا على تمثيل مختلف الحساسيات والمرجعيات الثقافية وإعادة تشكيلها في قالب فني ولعل ذلك ما عجزت عنه عدة فنون أخرى، حتى ليمكن القول إن الرواية تمكنت من أن تقول (ما لا يمكن أن تقوله إلا الرواية) وكأننا بالرواية المعاصرة وظيفتها أن تكشف بطرقها الخاصة ما لا يمكن أن تقوله إلا الرواية حسب عبارة هرمان روخ) ففي الرواية فقط يمكن بناء مجتمع للمؤلف فيه الحق في السخرية من غطرسة الساسة الحاكمين، وعناد رجال الدين المتزمتين، وسذاجة البسطاء المغلوبين على أمرهم على قدم المساواة

 

سحر النحاس - كاتبة من مصر

 

سحر النحاسقصة المعطف

إنها قصـــة حزينة للغاية.. و"أكاكي كاكيفيتش" بطل القصـة موجــود بيننا،هو كل ذي حـلم بســيط تغتاله الأيام .

نيكولاي جوجول:

نيكولاي جوجول: من مؤسسي المدرسة الواقعية في الادب الروسي حتى أن بعض الادباء سموه بأبو النثر الروسي الواقعي. من خلال قصته "المعطف" التي تدور احداثها حول موظف فقير يسخر الجميع منه فمن أجل شراء معطف جديد بعد أن اصبح الأول معطفا مهترئا ممزقا لا يستطيع امساك رقعة، يحاول تقليص مصاريفه اليومية كالامتناع عن شرب الشاي بالمساء وتصرفاته السابقة كالمشي ببطأ لكي لا يبلى حذاءه بسرعة.. ثم يكمل الكاتب قصته بسرقة المعطف والمواقف التي تواجهه لوضع شكاية لينتهي به الامر ميتا بالحمى

استعمل الكاتب تعابير دقيقة وتفصيلية واوصافا اعطت للقصة جمالية رغم البداية المملة

وصف الوجوه والحجرات والشوارع صور أدق التفاصيل بوجه الخياط جلسته حجرته حتى علبة السعوط برسوماتها وصورة الجينرال الذى غطتى وجه بورقة لاصق اشار لشكل قدمه الكبير واظافره السميكة كسلحفاه الدخان المتصاعد من حجرة المطبخ اثناء طهى زوجته للسمك حتى انه لا يستبين الصراصر الموجودة بالحجرة

استعان بالتوصيف الدقيق لشخصية البطل المهزوزة يقول:"كان يستخدم حروف الجر والظروف والادوات التى لا معنى لها على الاطلاق، كان لاينهى الجملة هذا فى الواقع...وينسى ويظن انه قال كل شىء" أتاح للقارىء المشاركة الوجدانية والعقلية للغوص فى عالم البطل ومعايشة واقعة المرير كشخص مهمش لا طموح ولا احتياج انسانى كرجل لانثى لا امل فى مستقبل وسعادته فقط فى نسخ الاوراق بمتعة وهى حالة غير سوية أو طبيعية للانسان العادى

 الحبكة قوية نوعا ما وهى مزيج ما بين السرد الواقعى ثم تحول الى الاسطورى او الفنتازى بعد موت البطل الذى عاش ضعيفا مستسلما حتى سرق حلمه بسرقة معطفة الجديد الذى مثل له هدف سعى لتحقيقة لاول مره فى حياته وبعد ان عنفه المسئول المهم وفشله فى تحقيق العدالة او حتى اظهار التعاطف معه فكانت ثورته وانتقامه فى موته وكأن شبحه الذى افزع المدينة كلها واعاد المسئول الكبير الى صوابه هو البطل الوهمى الذى نراه فى الافلام الخيالية كسوبر مان الذى ينتزع الحقوق من الظالمين ويحقق العدالة

معطف أكاكي كان لعنة على سارقه وشبحه انتقم له، حتى لم يعد أحد يجرؤ أن ينتزع المعاطف من على الأكتاف في هذه المدينة

وأكثر ما علق في ذهني من القصة ذلك التحول الذي طرأ على أكاكاي منذ بدأت فكرة المعطف الجديد تلوح في ذهنه كأمر واقع بدأ بالتحقق ... مالذي حصل له؟ تلك البهجة والصلابة، حتى بعد أن ارتدى المعطف في أول يوم عاد إلى منزله مرحا ولم ينسخ شيئا كعادته ... كأن روحا أخرى سكنت جسده أو بالأحرى انبعثت من أعماقه من جديد بعد أن دفنتها الطبقية والتهميش واحتقار أكاكي نفسه لها نتيجة ما تعرض له طوال حياته من سخرية واستهزاء وكأن المعطف جاء ليؤنس وحدته ويحاوره كزوجة رضيت به واستحسنت وجوده كانسان وليؤكد له بأنه مازال إنسانا من حقه وفي استطاعته أن يحلم بالأفضل وكأن انغماسه المهووس في النسخ (ولا شيء سواه) كانت وسيلته للهروب من مواجهة نفسه قبل الآخرين بالصورة المغلوطة المشوهة عن ذاته تلك التي انطلقت من جديد ما ان لاحت لها بوادر الأمل وأن هناك ما يمكن فعله في هذه الحياة اكثر من مجرد الرضى باقل الموجود والممنوح 

الخوف من الألم (ألم البرد) هو ما دفع اكاكي لاحتمال سياسة التقشف تلك لتأمين ثمن المعطف بعد أن تيقن من استحالة ترميم القديم.. ولكن لماذا لم تكن سخرية زملائه من معطفه كافية لتدفعه إلى ذلك؟ أليست الإهانة مؤلمة؟ هي كذلك بالتأكيد، ولكنها من النوع الذي يمكن أن نغالط أنفسنا لنحتمله ولنتعايش معه أو بالأصح نرضخ له ونستمر في ذلك حتى يداهمنا ألم أكبر لا نقدر عليه فإما ان نغلبه او يقضي علينا تماما وهنا تستيقظ فينا غريزة البقاء (او التفوق) وترغمنا على الدخول في عراك مع هذا الالم ليدفع بنا الى الحدود .. حدود قدراتنا وارادتنا فترتفع اسقف احلامنا ونكتشف في انفسنا اناسا آخرين لم نعرفهم لاننا لطالما اطبقنا عليهم تلك الاسقف.. والسؤال لماذا نصر دائما على فعل ذلك؟

في النهاية يستميت ويموت اكاكاي في سبيل استعادة إنسانيته المسلوبة (معطفه) ويقرر شبحه ان ينتقم من كل من لا يزال يحتفظ بها إما لان احدا لا يجرؤ على سلبه اياها او لانه هو لا يجرؤ على تعريضها لأدنى خطر فيحتفظ بها بالية مرقعة مفرغة من اي معنى حقيقي لها تماما كمعطف اكاكاي القديم.

والمعطف هنا له أكثر من مدلول مادى فهو يمثل الامان والدفء ليس فقط من البرد ولكن كحماية من السخرية والمهانة من كل المحيطين به واحساس بانسانيته وبان من حقه ان يرتدى ملبسا جيدا وان ينال نظرات الاستحسان من النساء وان يستمتع بحياته يضحك ويسامر الناس

لم يكن معطف أكاكي أكاكيفيتش، معطفًا للبرد، بقدر ما كان رمزًا للكرامة الإنسانية التي يجب أن تحمي الفقراء كما تحمي غيرهم. كان لهذه القصة تأثير هائل لأن جوجول أحسن عرض رثاءه للموظف المغمور الذي وقع فريسة الظلم الاجتماعى والضياع وسط البيروقراطية

ويختتم جوجول القصة بنهايتين

أولها:عندما مات بالحمى بعد خروجة من مكتب المسئول الكبير الذى عنفه وامات روحه وانسانيته قبل ان يلفظ انفاسة يقول

"واختفي كأنما لم يكن موجودا فيها ابدا , اختفي وغاب ذلك المخلوق الذي لم يكن له من يحميه , والذي لم يكن عزيزا علي احد , ولا شيقا بالنسبة لاحد

والذي لم يجذب اليه انتباه حتي عالم الطبيعة الذي لا يدع ذبابة عادية دون أن يغرس فيها دبوساً ويفحصها تحت المجهر ذلك المخلوق الذي تحمل بإذعان سخريات الكتّاب الموظفين، والذي واراه التراب دون أي علم من أي أحد، ولكنه مع ذلك قد زاره ضيفًا جميلًا قبيل نهاية حياته في صورة معطف بعث الحيوية ولو للحظة في تلك الحياة البائسة"

والثانية: عند انبعاث روحه كشبح للانتقام ممن سلبوا حقه فى حلمه البسيط وعجز عن حمايته أو استرداده فى حياته المهمشة.

ان قصة المعطف تعد من أروع ما كُتب كنموذج للواقعية للقصة القصيرة للادب الروسى فى وقت كانت الرمزية والاسقاط والسرد الحكائى الطويل هى سمه من سمات ذلك العصر الذى اتسم بالبيروقراطية الشديدة والغوص داخل نفس الانسان، وطرح الأسئلة الوجودية والروحية الكبرى بكل عمق وصراحة ودراما، وتوضيح التوتر الكبير بين موجة التغريب التي اجتاحت روسيا وبين الهوية الوطنية للبلد، بالإضافة للقدرة الأخاذة على النزول والارتفاع الى مختلف فئات المجتمع.

 

بقلم: سحر النحاس

كاتبة من مصر

 

 

عدنان عباسقراءة في أربعة منها: سدّ فراغ، محنة، المصيدة، شيخوخة

عُرف جنس القصّة القصيرة جدًّا (مايكرو قصّة) في عصر الحداثة وما بعدها، وانتشر على نطاق واسع في أوساط المهتمّين، ولهذا النوع من الأدب السردي المركّز مواصفاته التي تدور حول فكرة محدّدة، وتستند آليّات الكتابة فيه، مثلما يشير بعض الباحثين، إلى عنصرين رئيسين، هما البنية أو التقنيّة "(الإطار الخارجي للنصّ)"، والفكرة المكثّفة التي تنطلق من تصوّرات الكاتب في صياغة المتن "(السياق الداخلي للمتن)". يقترب هذا الجنس السردي من أدب المراوي أو المرويّات القصيرة، من خلال الربط بين الحالة الشعوريّة الخاصّة بالراوي، وتكثيف الحالة، وترشيق الصياغة من الناحيتين اللغويّة والأسلوبيّة، ويجمع بين المفارقة والخاتمة، برؤية سرديّة تضخّ فيهما مغزًى لفكرة واحدة محدّدة أو حدث بعينه. وإذا كانت البنية السرديّة في الأعمال القصصيّة والروائيّة تتشكّل من عناصر غير قليلة، كالشخصيّة والمكان والزمان والحدث والرؤية، فإنّ كتابة القصّة القصيرة جدًّا لا تستوعب التفصيل في هذه العناصر، وإنْ لم تخلُ منها تمامًا، كما أنّ بناء هذا الجنس يحتاج إلى إمكانيّات تتعلّق بتكثيف المعنى في حالة واحدة بعينها، أو شخصيّة أو حدث محوري ما، تجعل من الكاتب أكثر وعيًا بخفايا السرد القصير وتحديد مقوّماته ووظيفته وصفاته.

يظهر الكاتب في هذا النوع من السرد كراوٍ، وصانع للحدث، ومتحرّك في "أزقّة" السياق بنسق محدّد، انطلاقًا من "مناورته" في ضخّ أفكاره في المتن، وبقدر ما تتراوح فكرة النصّ بين الواقعيّة والافتراضيّة أو المجازيّة، فإنّ الكاتب يبحث عن أفضل الوسائل للوصول إليها، ويستعين بتلك الأدوات الناجعة للتفاعل مع توقّعات القارئ بخاتمة بعينها، أو يترك استنتاجها أحيانًا لإحساسه. يعتبر اختيار العنوان في هذا الجنس السردي مهمًّا كعتبة أو فضاء ذي دلالات رمزيّة، تدفع القارئ إلى تلمّس هدف الكاتب المباشر وغير المباشر في نصّه، مثلما تتفاعل لغة السرد وأسلوبه بطريقة تبعدهما عن الاسترسال والترهّل، وكذلك عن الالتباس والوقوع في "شراك" الأجناس السرديّة الأخرى، كالحكاية أو المقالة. من جانب آخر، قد يجد القارئ نفسه أكثر تعاطيًا مع الومضات القصصيّة بسبب ضغط الوقت وربّما المزاج، ولرشاقة لغتها، واختصار موضوعها ووضوحه، وتميّز خاتمتها، ومقدرة الكاتب على إيصال فكرته بأقصر الطرق وأقلّ المفردات، في ضوء علاقة "تداوليّة" حميمة ينسجها بينه كراوٍ، وبين هذا القارئ كمروي له، وليس عن طريق الفعل وردّة الفعل. 

ما يثير الاهتمام في النصوص القصصيّة القصيرة جدًّا للكاتب محمّد سعدون السباهي، صياغة الاستهلال أو العنوان بشكل دقيق، ورشيق لا يتجاوز المفردة الواحدة، سواء عبّر عن دلالة رمزيّة غير مباشرة، أو عن معنًى مباشر، وبراعته في التنقّل في "دهاليز" الفكرة، وإلمامه بالحالة المطروقة وتحديد خاتمتها، أو تركها مفتوحة لحدس المتلقّي. يقدّم فِكَر نصوصه بوعي العارف بمهنته، ويختزل فضاءاتها لتناسب اختزال الموضوع، ويشحنها بطاقات المكان الذي يختاره بعناية، فالمكان في نصوصه كمعلم واقعي أو متخيّل، له هندسته الجغرافية أو المجازيّة ووظيفته ومستوياته وأبعاده، ولاسيّما السيكولوجيّة والاجتماعيّة، بلْ والمأساوية (كورونا وسواها)، فضلًا عن صورة الشخصيّة والحدث وزمنه في هذا المكان، بطريقة تدور في سياق فكرة واحدة. يلاحظ في عدد غير قليل من نصوص السباهي الاهتمام بالوصف التفسيري والاستقصائي، وبالتصوير الداخلي والتوصيف الخارجي، وهما موزّعان على شريط سينمائي، يعرف الكاتب كيف يوزّع لقطاته المتوائمة أو المتنافرة بالإضاءات، وكيف يولّف فيما بينها، ويدرك أين تكمن وظائفها الجماليّة. يطوّع بعض عناصر السرد أيضًا بهدف الخروج بفكرة مكثفة بمعناها، ومثيرة لعقل المتلقّي ووجدانه، أو يعمل على استنباط أفكار جديدة، ترتبط بأحداث، بعضها وليد الساعة، وبعضها الآخر يصلح لكل زمان، مستعينًا في الآن ذاته بأساليب، مثل السخرية والمفارقة والمفاجأة، والطلب الإنشائي، ومنظومات فعليّة تراتبيّة، ومستفيدًا من موروثات وعادات واعتقادات، وقيم وثقافات وقنوات معرفيّة متنوّعة.

سأقوم أدناه بقراءة أربعة نصوص سرديّة للكاتب، ترتبط الثلاثة الأولى منها بتداعيات وباء كورونا الاجتماعيّة والنفسيّة، في الوقت الذي يتعلّق الرابع بصورة مدينة بغداد بين الأمس واليوم، ولعلّ الواقع الجديد الذي فرضه الفيروس التاجي على البشريّة والملامح التي رسمها لهذا الزمن، ومعاناة بغداد وهموم أهلها، فضلًا عن أهمّيّة هذا النوع من الكتابة في الأدب العربي السردي المعاصر، كانت حافزًا لاختيار هذه النصوص للقراءة.

* الشخصيّة بين التصوير والتوصيف في (سدّ فراغ):

بالتصوير السينمائي للمشاهد واللقطات والإضاءات وبانتقالات حثيثة للأفكار بشكل مثير للاهتمام، وبمتواليات أفعال وصفات تتشبّع فيها معاني المتن، وبشخصيّة حيوانيّة محوريّة مباشرة - العنز، وأخرى "فيروسيّة" ضمنيّة - كورونا، وشخصيّة إنسانيّة، تسرح مخيّلة الكاتب السباهي الجامحة في أروقة الفكرة ومغازيها ليضخّ فيها تصويرًا بالمشهد وتوصيفًا بالحالة، وترميزًا بالدلالة، وينطلق من صدمات الواقع إلى بناء جدليّة صراع بين الانغلاق والانفتاح في زمن يتنازع ضدّاه - الصنو والنقيض. يمنحنا الكاتب في هذا النص السردي القصير كثيرًا من الذهول، والقيلولة "للاسترخاء" من وباء كورونا، و"التمتّع" بطاقة حركة الخارج المكاني بوقت يتّسع "للتجوال"، إزاء هشاشة سكون الداخل المكاني بالحجر في المنازل، عاكسًا من خلالها غرائبيّة مظانّ النفس في الزمن الغارق حتّى أذنيه في الخوف، زمن يسرق من الإنسان ثباته ويتركه عرضة للهواجس، كما يدهشنا الكاتب في رسم عدد من حالات "سدّ فراغ" كبير، بعد أنْ يترك النفوس الموجوعة بهجوم كورونا وفيروسات العسف والزيف، وهي تحاول التشبّث بشيء من "النقاهة" والهدوء. تلعب الشخصيّة الحيوانيّة في هذا النصّ دورًا محوريًّا، مثلما هو الأمر في أعمال غير قليلة لعدد من الكُتّاب والروائيّين، ومنها على سبيل المثال رواية (مزرعة الحيوان) لجورج أورويل. تشير هذه الشخصيّة في نصّ السباهي إلى رمزيّة دلاليّة، فهي أوّلًا تعبّر عن الرغبة بالانفلات من القيود، والتحرّر من عبوديّة السجن المتمثّلة بمشهد "القفص" في الحديقة، وثانيًا تبحث عن قيلولة في زمن الوباء بعنصرين يفترق أحدهما عن الآخر - "انشراح" الحيوان، ومعاناة الإنسان، وثالثًا تمتلك فسحة "نفسيّة" كبيرة أو مساحة "انفراج" شاسعة يوفّرها الوباء للخروج من شرنقة "الحبس"، ورابعًا تتوجّس من الطبع "الإنساني" المندفع بغريزة القتل الذي يقترب في هذا المنحى أو ذاك من غريزة الدمار التي تستحوذ على فيروس "كورونا، وخامسًا تتنقّل هنا، وتجري هناك على الرغم من ضياعها أو تواريها عن الأنظار. يمكن أنْ نستنتج من النصّ أيضًا مقارنة بين الطبيعة الحيّة المسالمة "غير العاقلة"، المعبّر عنها بالحيوان، والطبيعة الحيّة غير المسالمة "العاقلة" المعبّر عنها بالإنسان، فضلًا عن المقارنة بين الإفادة من الفرص "الذهبيّة" للخروج من عذاب انتظار العدوى، أو تعذّر حصولها بسبب سيادة القلق وقوّة الخشية. تبرز في هذا النصّ إذًا شخصيّة حيّة تتمتّع بالنشاط الذي يهبه الفيروس، ويضيق فضاء انطلاقها أو يتّسع في ضوء درجة ما يوفّره المكان والحدث وتحاشي العدوى وعدم الاكتراث، من فسحة اجتماعيّة ونفسيّة في الوقت نفسه. 

نصّ (سدّ فراغ) حافل بالمشاهد التصويريّة السينمائيّة ذات اللقطات المتعدّدة، تبدّا بمشهد يتشكّل بلقطة تضيء حركة هذه الشخصيّة الحيوانيّة المحاصرة في القفص وهي تتحرّر من سجنها الذي تُحشر فيه من أجل تسمينها استعدادًا لـ"ذبحها" في مناسبة ما أو بدونها، ولقطة تمتلئ بالعشب الأخضر كطعام لسد رمق الجوع، وبماء للارتواء من ماء هذا العشب الندي، ويُعَزَّز هذا المشهد بمتوالية فعليّة مقرونة بتوصيف عبر الإفادة من صفات تفسيريّة لبعض عناصر الطبيعة كالحديقة والعشب والماء. يرسم السباهي بعد ذلك مشهدًا آخر لهذه الشخصيّة الحرّة والمعافاة، المطمئنّة وغير المهتمّة بويلات كورونا، يتكوّن بلقطة الحركة بدلالة "الجولان"، عندما يقوم الكاتب بتصوير هذا المتنقّل وهو يستمع إلى أصوات السعال والعطاس والأنين للناس، على أنْ يرفق المشهد بتوصيف حالة تخلّف وراءها العجز والألم والمعاناة. يتواتر مدى إضاءة هذا المشهد بحركة المطاردة، وبصوت وقع الحوافر وضربات المرض وأصوات الأنين، وتلتئم كلماته بعنصرين تتفاوت وتائرهما بصوت "حزّ الرؤوس" وسرعة عجلة مارّة، في مدينة يخيّم عليها السكون بسبب الإجراءات القسريّة.

يستنفر الكاتب مفرداته بمفارقة تفرضها هيمنة شخصيّة "كوفيد" في هذا الزمن، مقدّمة بمعانٍ تعبّر عن شكل الصراع بين الطبيعة والإنسان، أيْ بين هذا الحيوان الذي يربّى عادة للذبح، وزهو الإنسان بارتكابه هذا الفعل لتطمين حاجاته بغض النظر عمّا يمكن أنْ يتركه هذا الفعل من عذابات للضحيّة. يضفي السباهي على شخصيّة النصّ الحيوانيّة نوعًا من الوداعة والغبطة إذا ما قورنت بشخصيّة الإنسان المتفنّن في اختيار أدوات النحر بدلالة "سكاكين باشطة"، في قيلولة حجر المدينة و"غموض" مثير للتساؤل، وإذا كانت القيلولة الاختياريّة تدلّ على أخذ قسط من الراحة بحرّيّة، فإنّها تشير هنا إلى "الاسترخاء" الاضطراري المنتظم بالاحتياطات المفروضة. يطلق الكاتب متوالية فعليّة من جديد، ولكن هذه المرّة بصيغة النفي وفعل الاستمراريّة، ويعزّزها بتوصيف متعدّد يقتضي وروده سياق الفكرة، أيْ وصف الكائن البشري بالشراسة وعدم الرأفة وبلادة الإحساس، وصوت السيّارة المسرعة بالزعيق، وسكون المدينة بالركس. هناك إذًا مشهد يتشكل بلقطات تتوزّع بين المطاردة والشراسة والحزّ والحدّة والسرعة والصوت والركس والقيلولة.

يتحرّك متن النصّ لاحقًا بهذه الشخصيّة الحيوانيّة في رحلة تصويريّة سينمائيّة أخرى من خلال مشهد يرسم قيلولتها، تتعدّد لقطاته بالتمدّد تحت الشجرة والاجترار والغفوة والتقلّب على العشب واللعب بالقوائم، وحكّ الظهر و"وخز الدويبات"، في الوقت الذي يتشكّل مشهد آخر بلقطة مرسومة بزينة واجهة إحدى البوّابات بالقماش. تعكس صورة هذه القيلولة المضيّ في الانشراح والحبور والراحة، إذا ما قورنت بقيلولة البشر الملاحقة بالهوس والهستيريا والرعب والانغلاق المكاني. يصوّر السباهي مشهدًا جديدًا قائمًا على المفاجأة وحركة هذه الشخصيّة، عبر لقطات النهوض والتقدّم، والاستضاءة بلمعان البوّابة وزينتها، ولقطات أخرى تنظّم حالات التحدّي واستجماع القوّة والتوقّف والتراجع والتوثّب والاستعداد للمناطحة، ومشهدًا آخر جامعًا لخداع البصر وصوتي تهشّم الزجاج والثغاء، لينير ذلك بأفعال وأوصاف وألوان وإشارات، ويؤجّج طاقاتها بصراع التوهّم بين خصمين مفترضين. أمّا المفارقة التي يتخلّلها عنصر المفاجأة، فتكمن بمشهد البوّابة الزجاجيّة وهذا العنز المتحرّر - التائه في تجواله، والمصّر على قيلولته وإكمال نزهته، حيث يقوم بنطح نفسه بنفسه، مهشّمًا الزجاج، متوهّمًا أو وظانًّا أنّه يناطح عنزًا منافسًا أو غريمًا له. بهذه المفارقة أو الفكرة المرتبطة بهذه الشخصيّة الحيوانيّة يترك السباهي للقارئ أيضًا مساحة من الحرّيّة للخروج الممكن إلى دلالات ترتبط بالواقع الإنساني.

هكذا أدرك الكاتب السباهي طبيعة حالات "سدّ الفراغ" فرسمها بدقّة، ونفذ إلى وجدان الشخصيّة الحيوانيّة المحوريّة فصورّها تشخيصيًّا، وأغناها بدلالات رمزيّة يمكن استنتاجها من سياق النصّ، تشير إلى إصرارها وشجاعتها وتحرّكها إلى مقصدها بإرادة حرّة ويسيرة، مثلما تشير من الطرف الآخر إلى عدم اكتراثها بانكسار غريمها – الإنسان. أشار الكاتب إلى أهمّيّة القيام بالمحاولة وتجاوز اليأس، والميل إلى الحرّيّة والاسترخاء، وشكّل مشاهد نصّه باللقطة والحركة والصوت، وفعّل معانيه بالصراع بين النفوس المسالمة بالانعتاق والنفوس المخرّبة بالقهر، وعزّز هذا النصّ بأبعاد سيكولوجيّة تتعلّق بالفرد والمجتمع والمدينة والحيوان والطبيعة في زمن الوباء. انطلق دلاليًّا من خلال الشخصيّة الحيوانيّة إلى عالم أوسع تتنازع فيه القيم والأوبئة، كما ذكّر بحالة الرعب التي طغت على الحياة اليوميّة للشخصيّة الإنسانيّة المكابرة بالقوّة والاستبداد والتخريب، فضلًا عن ضعفها وقلّة حيلتها وتضاؤلها بسبب هجوم فيروس "ضئيل" ولكنْ جبّار في نشر سلطانه المدمّر. يمكن القول، إنّ الكاتب السباهي كان متميّزًا في توصيف أحوال الناس والطبيعة وتصوير شخصيّاته، ولاسيّما الشخصيّة الحيوانيّة، وبارعًا في صياغة وعاء لمعالجاته في هذا النصّ، الذي تمور فيه إفرازات الفيروس التاجي، والحرّيّة والانحباس، ومخلّفات جموح الشرّ الاجتماعي، وأمراض تهافت الزمن، كما عرف كيف يوظّف نصًّا سرديًّا قصيرًا لشدّ انتباه القارئ، وكيف يتقفّى آثار خطوات حدث في زمن وبائي.

* مرايا المأساة في (محنة):

مرّة أخرى، يعود فيروس كورونا ليصبح مادّة في نصوص السباهي، تدور حول وباء لا يمكن الفكاك من تداعياته بسهولة، ولا يمكن التهرّب من مخلّفاته في أجواء الخراب الذي ينشره، وصراع الإنسان معه. يدخلنا الكاتب في نصّ "محنة" إلى عالم مأساوي يصوّر فيه صراع الإرادات الفرديّة والعائليّة في أجواء الحدث المفاجئ، في الوقت الذي لا تكتمل قراءته بمعزل عن عاملين رئيسين متشابكين، هما العامل السيكولوجي والعامل الاجتماعي، خصوصًا وأنّهما يتركان وراءهما وقعًا شديد التأثير على النفس والمزاج والسلوك، ويمسّان بالصميم منظومة غير قليلة من القيم والتقاليد والعادات والأعراف. يمكن النظر إلى هذا التأثير من خلال متابعة سلوك وأفعال الشخصيّة المحوريّة "الحيّة"، أي الابن عبر ارتباطها الروحي بشخصيّة أخرى راحلة إلى الأبد، أي الأمّ، وشخصيّة رئيسة متفاعلة مع نظيرتيها، أيْ "كورونا". يتواشج هذان العاملان أو البعدان بعناصر ينهض النصّ بها، تتمثّل بالتربية والسلوك والمسؤوليّة الأخلاقيّة أو الاجتماعيّة في مراعاة الأعراف، التي اختزلها التباعد الاجتماعي كثيرًا بسبب التحسّب من الظرف الوبائي والخشية النفسيّة منه. يبرز هنا أيضًا عنصر الحيرة الذي يتراوح مداه بين التردّد والقلق من القيام بفعل مطلوب، والرغبة الذاتيّة الواجبة عرفًا بإجراء وداع قريب من القلب، وتدلّ على أنّ خيارات الإنسان في الحسم تنحسر بشكل كبير بسبب الضغط النفسي المتولّد من قوّة الحدث، فضلًا عن عنصر المفاجأة الذي يعمّق هذه الحيرة أثناء اكتساح الوباء وفرض "إراداته" على العائلة، بلْ والمجتمع والعالم.

لقد استطاع السباهي أنْ ينظّم بعض "الضوابط" البنائيّة لـنصّ "محنة"، ومنها التوصيف الضمني للعنوان، الذي يستفزّ القارئ بفضائه القلق، والذي يضيق بشكل تدريجي بضيق الخيارات "المعدومة"، وبمساحته التي "تتّسع" لعناصر غير قليلة، تتمثّل بالحيرة والقلق والصراع، وكأنّما أراد السباهي أنْ يعبّر هذا العنوان عن نفسه بنفسه، فضلًا عن رسم معالم الإطار العام للنصّ في ضوء منظومة صفات ومعانٍ "خاصّة" في زمن المحنة. يمكن النظر إلى المتواليات الوصفيّة في هذا النصّ عبر مرايا معيّنة، هي مرآة الواقع التي ينعكس عليها الرعب في أجواء الفجيعة، ومرآة النفس المهمومة بالقلق القائم على الاحتراس من العدوى، ومرآة الوجدان العاكسة للمشاعر المرتبطة بالالتزام بالأواصر العائليّة الموروثة في وداع الأحبّة الراحلين، ومرآة الوعي المشكّلة لمشهد الخوف من الشماتة التي يتجسّم على سطحها شعور بالذنب من عدم تأدية واجب يعتبر مقدّسًا في الأحوال الاعتياديّة، ومرآة الصراع بين الاندفاع للشروع بأمر مهمّ، والتراجع عن تنفيذه خوفًا واحتراسًا من نتائجه.

تبدأ معالم طريق البطل المحوري (الابن) في النصّ بدوّامات نفسيّة، بدءًا من الاتّصال الهاتفي مرورًا بالتخوّف من الفيروس التاجي والخشية من العدوى، وانتهاءً بالانعزال المنزلي وحجر النفس بين الجدران، كما تتشكّل عناصر المتن بتفاعل شخصيّتين - البطل المحوري ونقيضه "فيروس كورونا"، وشخصيّة (الأمّ) "المسجّاة في قاعة الموتى" مع الواقع "سلبيًّا"، وارتقائهما "إيجابيًّا" إلى حجم المأساة، بقاسم موضوعي مشترك هو المحنة في زمن استثنائي. تبرز بداهة الحدث بدون ترتيبات مسبقة، أيْ بالمفاجأة والإفرازات التي يخلّفها "الكائن" الثاني على حياة ومزاج الكائن الأوّل، من كوارث ووساوس وحيرة وإحباطات. يقع البطل المحوري في شرك لا يمكن الخلاص منه بسهولة في هذه الظروف القاهرة التي يعيشها اليوم، أسوة بالبشريّة جمعاء، حيث تحتلّ الحيرة مكانًا بارزًا فيها، وتنتفي "المغامرة" في أزمنة المحن في ظلّ سيادة فيروس "كوفيد"، وتتغيّر المقاييس وتُضرَب الأعراف في مقتل، ويتطيّر الناس بالخوف حتّى من أحبّتهم، والتعامل معهم كغرباء ينشرون الرعب، فيبدون وكأنّهم رمال تذروها الريح.

يتعامل السباهي كذلك مع المكان المتمثّل بالمشفى والبيت وأمكنة وأحياز أخرى عبر وضع ثلاثة مستويات له، هي المغلق الأليف – البيت، والمغلق – غير الأليف – المشفى والشارع، والموحش – الردهات وقاعات الموتى. وبقدر ما يمرّ على دلالات هذه المستويات فإنّه يوصّف انعكاساتها على الابن والحياة اليوميّة للناس بشكل عامّ، ويشير إلى "عدالة" هذا الوباء في توزيع الشرور، وانتفاء اللوم أو العتاب في ظلّه، فالكل سواسية أمام الهجوم المباغت للفيروس المؤذي. يطرح السباهي في النصّ كذلك تساؤلًا يرتبط بحيرة الابن وعدم قدرته على تحديد موقف واضح من وداع الأمّ الميّتة، حتّى وإنْ كان ذلك بإلقاء نظرة على جثمانها من وراء زجاج القاعة، مركّزًا بذلك على عظم الوقوع في المأزق، والإصابة بهوس القلق والهستيريا، وعدم "الشجاعة" أو العجز في اتّخاذ القرار، والاكتفاء بعينين تترقرقان بالعبرات، ووجه يتمزّق بالحسرات، وقلب يتألّم بالفجيعة، ولكنْ عن بعد.

الصراع بين الخشية من الفيروس والعدوى، والتردّد في التمسّك بالأعراف الاجتماعيّة، يتعزّز في كل مفصل من مفاصل المتن، إنّه صراع مشحون بالتردّد، وهو نزاع مع النفس، يوزّع طاقته بين الرعب من الاقتراب من جهة، والتوق بالاندفاع لوداع عزيز راحل إلى الأبد من جهة أخرى، هو صراع نفسي يعذّب الضمير، ويضع النفس أمام واقع جديد، تتلاشى فيه بعض القيم وتذهب بعض العادات سدًى، خوفًا من الوباء الذي يطبق على الأجواء بشروره. يتوقّف السباهي عند هذا النزاع والحيرة، ويشير إلى الأحاسيس "الرهيبة" التي ستتحوّل بـ"التخاذل" إلى خطيئة أو كابوس سيعيشه الإنسان في ما تبقّى من حياته عندما تمرّ لحظة الوداع بدونه إلى الأبد.

ينتهي المقطع الأخير من هذا النص بعنصرين، هما الحمّى وما يرشح من الجلد من قطرات في مثل هذه الحالات، الحمّى التي تصيب مقدّمة الرأس أو الجبين كنذير شؤم لعدوى أو مرض يعانيه الابن، أو بسبب الاضطراب النفسي الذي يعيشه في تحديد موقفه بشكل نهائي، أو خشيته من التضحية بما تربّى عليه بعدم إمكانيّته إلقاء النظرة الأخيرة على جثمان راحلة عزيزة على النفس. تشرع هذه الشخصيّة الحائرة والمتعبة بالحمّى وغير القادرة على الحركة السليمة بدلالة الفعل "جرجر" إلى الاكتفاء بالتطلّع من شبّاك غرفتها، إلى عالم خارج حجرها المنزلي، سارحة عن بعد بصورة الأمّ في وحدتها الأبديّة، ويرسم الكاتب ثلاثة مشاهد متتالية لهذا العالم الخارجي بعد ذلك، هي سقوط الثلج بدلالة "هميه"، ولزوم الطيور المبلّلة لأماكنها على الأسيجة بدلالة "جاثمة"، مع تشبيهها بـ"خرقة مبلّلة"، ونزيف المصباح وهو يخفت تدريجيًّا بدلالة صورته الاستعاريّة "ينزف ضوءه" الذي قد "يخمد" رويدًا رويدًا.

يحفل هذا النصّ بمنظومات وصفيّة عديدة، الأولى في المشفى حيث جثمان الأم المسجّى في إحدى القاعات، ومحنة كورونا حيث "العسر، والخصوصيّة"، والمسؤوليّة حيث القيمة "الأخلاقيّة"، ووصف الوباء بـ"المباغت" و"العادل" في توزيع الشرور، ثمّ توصيف أحد مظاهر الوداع غير المتحقّق بـ"العين الدامعة"، ووصف الأحاسيس بـ"الرهيبة". يرتبط عنصرا "الخشية والرغبة" بصفات تتراوح بين الاندفاع والتخاذل و"الاحتقار" و"الإثم" والحسرة والحيرة، كما يبرز توصيف الحمّى بتحسّس الجبين، وتصبّب العرق، والجرجرة في المشي، والمكان الخارجي بتساقط الثلج وابتلال الطيور "الجاثمة على السياجات"، والمصباح بخفوت نوره وتلاشيه.

لقد برع الكاتب في هذا النصّ بوصف الحالتين النفسيّة والاجتماعية، وأشار بتساؤله إلى عمق المأساة التي تنعكس على مرايا النفس المتعدّدة، التي تتوزّع على سطحها شخصيّات وصفات، الأمّ الراحلة، والابن الخائف المتردّد، والفيروس اليقظ المتوثّب للانقضاض، ورسم كذلك صورة الحدث الوبائي وتداعياته، وحدّد مستويات مكانه، وعزّز فكرته بالحيرة والخشية. وضع السباهي قارئ نصّه أمام شدّة المحنة ومفارقاتها في زمن الوباء، وعبّر عنها بشحّة خيارات الإنسان، وعظم همومه في زمن يلاحقه فيه أذى هذا الفيروس، الذي "يرقص" على أشلاء الجسد وانكسارات النفس والوجدان، زارعًا الرعب والقلق والتردّد، ودافعًا إلى الخوف من الالتزام ببعض القيم والأعراف.

* تداعيات الحدث نفسيًّا في (المصيدة):

(المصيدة) نصّ آخر في زمن كورونا وعن كورونا بعد (سدّ فراغ) و(محنة)، نصّ يجعلك تحاذر وتتحاشى وتتحسّب، وتقي نفسك بالحجر أو الوقاية، يشخّص فيه الكاتب العلّة والمعلول، ويتقصّى فيه حركة هذا الفيروس "المتوّج" بملكيّته الهمجيّة وباكتساحه العلاقات العائليّة الحميمة والأواصر الإنسانيّة على حين غرّة، ويكشف درجة التأثير النفسي والرعب الاجتماعي التي ترافق الناس أينما حلّوا، في البيت والشارع وأجواء الهواء الطلق والمشفى، حيث تختزل الكمّامات وجوه المارّة، والقفّازات أياديهم، وحيث "تموت" الفوارق في تحدٍّ كبير يفرض على العالم مواجهة هذا الوباء والتقيّد بقوانينه الصارمة، فكلّ شيء يفقد أهمّيّته في حركة "خيلاء" هذا الفيروس "المدلّل". يفرض لمعان "التاج الملكي" نفسه ليصبح مادّة الساعة أينما قرأت نصًّا أو شاهدتً فيلمًا أو استمعت إلى مذيع، أو تحدّثت في مقهًى أو لقاء، وتجده حاضرًا في نتاجات الكُتّاب وقصائد الشعراء ولوحات الفنّانين، مثلما في نصوص الكاتب السباهي أيضًا. إنّه وباء كورونا، وموضوعاته التي لا يمكن الفكاك منها إلى حين احتواء التداعيات، وحتّى الانتصار النهائي عليه، وعندما تقوى النفوس بعدم الاستسلام لـ"إغراءاته"، وترتقي بطاقاتها لتفادي الهوس والرعب والكوابيس، وتتحسّب للشلل الذي يمكن أنْ "يتوّج" الحياة والنفوس بالخراب، والواقع الذي يريد أنْ يفرض نفسه قسرًا على الإنسان في كرّه وفرّه مع هذا الفيروس.

نتابع في (المصيدة) سلوك الشخصيّة الرئيسة وأحلامها، أي المرأة المصابة بكورونا وحالتها النفسيّة، وحالة عائلتها، والمشفى الذي تحلّ فيه، كمكان واقعي، فضلًا عن علاقة هذه الشخصيّة بشخصيّات، مثل الزوج والأبناء، وأخرى مرتبطة بالجيش الأبيض من المعالجين في المشفى، وشخصيّة عابرة في الذاكرة هي المغنيّة فائزة أحمد. يسترجع الكاتب زمنًا وذكريات، ويضع مقارنات تعكس المغزى الاصطلاحي للمصيدة، وعلاقتها باصطياد الفئران في البيوت العراقيّة، بلّ وعلاقتها الرمزيّة بما يضمره أحد للآخر، وتكتمل الشخصيّات والمكان بلا شك بـ"شخصيّة" رئيسة وقاسية هي "كورونا"، متفاعلة بـ"حميميّة" مع نظيرتها الزوجة العليلة، ومتقاطعة معها نفسيًّا.

تبرز في النصّ الخشية من انفراط عرى العائلة بخوف الزوج والأبناء من رحيل عزيزة على النفس، والنفسيّة بلوعة الزوجة، والأمّ في الوقت نفسه، ووحشتها بالوحدة التي تشعر بها قبل أنْ تلفظ أنفاسها، وبتحسّب الزوج والأبناء من مرافقة الأم إلى داخل المشفى، بلْ ومنعهم من القيام بذلك بسبب القيود الرسميّة الصارمة بالتباعد وعدم الملامسة، أو بسبب تراجع ما تعوّدوا عليه خوفًا من انتشار الوباء. يبرز هنا أيضًا عنصر القلق أمام هذا المرض القاتل الذي لا يترك للمرضى فرصة كبيرة لالتقاط الأنفاس، ويجعلهم خاضعين للأجهزة الطبيّة التي تبدو لهم كأشباح، مثلما تواجهه البطلة، ويدلّ كذلك على أنّ خيارات الإنسان في الحسم بشكل عامّ تنحسر كثيرًا بسبب الضغط النفسي المتولّد من الرعب والاستسلام، بسبب جبروت الوباء وفرض "إرادته" على الضحيّة أينما كان، سواء في المشفى أو خارجه، في العراق أو العالم أجمع.

ينطلق السباهي من مغزى العنوان، الذي يبدو متحرّكًا على وجع سياق المتن المرتبط بالحالة النفسيّة للمريضة وعامل الخشية الذي يرافقها، وصعوبة التنفّس التي تعانيه، وتلاوة الآيات القرآنيّة لدفع الشرور، بانتظار المخلّص، والخشية أيضًا من ظروف المشفى، والمعاناة، والتوق إلى الشفاء، والرغبة بالرجوع إلى البيت "إكمالًا" للعلاج، وسرحان المخيّلة في منظومة من الذكريات اليوميّة البسيطة، والرغبة الجارفة باستعادة الزمن "الجميل". يقوم أيضًا بتنظيم بعض العناصر المكوّنة لفكرة نصّ (المصيدة)، ابتداءً من التوصيف للمشفى بــ"معقّماته الصادمة" وروائحه ورثاثته، مرورًا بالأجهزة وطاقم العلاج والممرّضات، وانتهاءً بردهة النساء والأسرّة ونقّالات الموتى.

يمكن تحديد عناصر النصّ بالرعب الذي يرافق المريضة المصابة بكورونا، والقلق الموزّع بين عدم استعادة صحّتها، وتعذّر خروجها من المشفى، والشعور أو وساوس الاستسلام لمصيرها ورحيلها المبكّر، وبين التمنيّات السابحة في مخيّلة "الاطمئنان" بتجاوز المحنة. يسترجع الكاتب في هذا النصّ زمنًا يربط مصيدة الفئران بالمصيدة الإنسانيّة، أي الوقوع في شراك الموت، ويخرج فيه من واقع "صحّي" سابق إلى آخر مرضي، ومن انفراج إلى ضيق نفسي في المشفى، ومن فضاء مفتوح على الذكريات العائليّة، إلى فضاء مغلق بالإصابات والأجهزة. تبدأ معالم طريق البطلة المحوريّة في النصّ بدوّامات نفسيّة، واستعداد للهروب، في ضوء صراع موزّع بين عالمين، واقعي وخيالي، صراع  مع الموت مادّيًّا ومع الروح نفسيًّا، يستند إلى نزاع مرير بين العليلة والفيروس، وإلى هواجس ترافق المصابة بشرور "التاج" الملكي، مرورًا بانعزالها بين جدران المشفى، وانتهاء بإحباطها واستسلام الرئتين للفيروس غير المرئي. تقع البطلة في "مصيدة" فيروس "كوفيد"، تاركة وراءها غصّة وحيرة على نفس قد تتحفّز إلى "مغامرة" ما غير محسوبة النتائج حتّى وإنْ كانت هذه المغامرة افتراضيّة هروبًا من الضيق النفسي في المشفى الذي يتنقّل فيه هذا الفيروس. يتعامل السباهي في هذا الإطار كذلك مع المكان المتمثّل بالمشفى وجواره، وردهات المرضى وأسرّتهم وأحياز الموتى وغيرها برسم مستوياته، وانعكاساته السيكولوجيّة على المرضى.

يقوى الصراع ويضعف عبر التفكير في البحث عن مهرب من المكان الموحش وظلال كورونا المرعبة، وبين الخوف من الوقوع الحتمي في المصيدة، والرجوع مرّة أخرى إلى ذات الحيّز بعزلته ووحشته ووحدته بانتظار الفراق أو الموت الأبدي. تصاحب ذلك حيرة من السرحان الوجداني عندما ترى هذه المرأة "المتروكة" في وحدتها وهمّها، وهي لا تشاهد سوى الجدران ولا تستقبل سوى الوساوس، ولا تلتقي إلّا بجيش أبيض يبذل كلّ شيء في صراعه مع الوباء، حيث لا مهرب من الأجهزة التي ترافقها إمّا إلى بالحياة، أو إلى انتظار شحّة الأوكسجين وضعف الرئتين وصولًا إلى حشرجة الموت، خصوصًا أنّها ترى الممرّضات وهنّ يقمن بنزع الأجهزة عن جاراتها الميّتات في الردهة. يعطي النصّ أشكالًا متنوّعة من الهيئات والملابس والكيانات البيضاء التي بقدر ما تثير الاطمئنان كرسل للعلاج، فإنّها تثير الهواجس باستثنائيّتها. يطرح السباهي في النصّ كذلك تداعيًا نفسيًّا يلف ذاكرة العليلة، عندما تسرح ذكرياتها في ألفة هموم البيت اليوميّة من مطبخ، فتسوّق وأصوات باعة، وصوت أغنيّة للمطربة فائزة أحمد، وهي في وحدتها تصارع الموت في ردهة عزل منفرة بروائحها، و"شبحيّة" بأجهزتها، هذه الذكريات التي أصبحت تثير الجزع والألم في نفسها لكونها بعيدة أو صعبة المنال. كلّ ذلك يرتبط بتشوّش النفس والتحرّك في مأزق دائرة القلق والهستيريا والعجز، لأنّ الوباء استطاع أنْ يدمّر ثقتها بحالات تبدو يسيرة قبل ذلك.

الصراع بين الخشية النفسيّة من الفيروس، والتردّد يحفّز النفس إمّا إلى الرعب من هواجس الموت أو التوق بالاندفاع إلى الحياة، هو صراع يقود إلى تشكيل سيكولوجيّة المريضة الراقدة في المشفى، مثلما يشكّل سيكولوجيّة الأقربين الذين يتعذّر عليهم الاقتراب منها أو توديعها، وتصطدم رغباتهم بشرور الوباء. يتوقّف السباهي إذًا عند العذاب النفسي للشخصيّة، وشرودها الهارب إلى ذكريات ما تزال تطرق أسماعها، ولكنّها تتلاشى في وحدتها، فلم تبقَ إلّا أحاسيسها "الرهيبة" إزاء انقضاض كابوس يصادر ما تبقّى من أحلامها عندما تمرّ لحظة الاختناق الأبديّة.

لقد رسم الكاتب في هذا النصّ السردي القصير ثلاثة مشاهد متتالية لمصيدة الوباء، يتراوح زمنها بين ماضي ذكريات البيت الأليفة، وحاضر صراع بين الخشية والأمل في سيّارة الإسعاف والمشفى، وحرّك طاقات بآلام يخلّفها الوباء، وحفل النصّ بتوصيفات محنة كورونا، والنفس الموزّعة بين الرغبة والقلق والخوف، عبر التذرّع بآيات قرآنيّة للتخلّص من المحنة، مثلما تعوّدت عليه الضحيّة في تراثها الديني. عزّز الكاتب الحدث الوبائي بالصدمة التي تعانيها المرأة العليلة، فخرج النصّ عاكسًا لدوّامتها النفسيّة التي مرّت بها، وهي تختنق بوحدتها وهجوم مرض غير رحيم، وتتقطّع أنفاسها رويدًا رويدًا ليطبق فيروس كورونا الغادر على رئتيها، ولتتلاشى ذكرياتها، وتأفل حياتها.

* مستويات المكان ببن زمنين في (شيخوخة):

تأتي أهمية المكان في السرد كونه أحد عناصر بنيته الرئيسة، وهو في نصوص السباهي القصيرة جدًّا ذو مستويات متنوّعة، يدخل في سياقها حدث وزمن، بغضّ النظر عن كون المكان هندسيًّا أو مجازيًّا، أو كون الزمن عاديًّا أو سيكولوجيًّا، أو أنّه يتراوح بين الاسترجاع والاستباق.

(شيخوخة) المدينة – بغداد للكاتب السباهي تجعلنا نتوقّف بحزن مؤلم عند مفارقات بالتلميح والتصريح ترتبط بهذه المدينة العريقة التي كانت تحمل عبق الأدب والتصوّف والعلم والمعرفة والحضارة والتنوّع في التاريخ، ثمّ شاخت عندما خذلها "سوفان" الرثاثة، وأنهكتها سنوات الإهمال، وصادر أحلامها الغزاة والدجّالون والجهلة واللصوص. ماذا ستقول رابعة العدويّة عاشقة الله الأبديّة، والحلّاج المصلوب بـ"أنا الحقّ"، والجنيد والجيلي من متصوّفة هذه المدينة عمّا يحلّ بها اليوم؟ وماذا يقول بشّار وهو يتوثّب عاطفيًّا بأذنه "المبصرة"، وأبو نواس وهو يهيم بصفرة خمرياته "المعتّقة" شعريًّا في كرخ بغداد، ودعبل وهو يحمل كفنه على ظهره و"لا "يرى أحدًا"، وابن زريق وهو يعتصر ألمًا على قمره الكرخي - زوجته، والشريف الرضي وهو يبثّ رسائل شوقه إلى الشفاه، وعلي بن الجهم وهو يغازل "عيون المها" بين الرصافة والجسر، والمتنبّي وهو يسرح في "ليل العاشقين الطويل"؟ ماذا ستحفظ ذاكرة حاضر المدينة عمّا تعيشه اليوم، وقد كانت موئلًا لرسوم الواسطي، ونوبات إبراهيم الموصلي الموسيقيّة، وشجن المغنيّة "غريب"، وتفنّن رزين العروضي، وألق شهرزاد في حكايات ألف ليلة وليلة، وحركة فنّانين ولغويين وكُتّاب ومبدعين ومترجمين ورحّالة ومؤرخين وفلاسفة؟

ماذا تقول بغداد أو "بغدان" أو "الزوراء" – مدينة السلام، هذه العطيّة أو الهبة الإلهيّة أو عدله، أو هبة البستان، أو"هيكل الصقر"، إزاء أنقاض الخراب والموت والرثاثة بين عصرين، مثلما تشير (شيخوخة): عصر مغولي قبل حوالي ألف عام، وحاضر ما يسمّى بعهد التغيير؟ بغداد – المنصور، المولودة بالأمل، والمشرقة بذهبيّة الرشيد، ومعارف المستنصريّة ومداد بيت الحكمة وإخوان الصفا والمعتزلة، وقبب المراقد والأضرحة، والتاريخ الضارب في أعماق التجديد والأناقة تتقاطع معالمها، بين يوم كان من يزور بغداد فكأنّما زار العالم، يوم تبختر فيها الشعراء والكُتّاب على شاطئ دجلة، وتبغدد فيها الجواهري بـ(دجلة الخير) في القرن العشرين. ما أقسى أنْ "تسقط" بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي على يد المغول وغيرهم ممّن جاؤوا بعدهم، وأنْ يتصدّر المشهد العراقي اليوم، ولاسيّما البغدادي منه أناس لا يدركون قيمة هذه المدينة، ولا أهمّيّة تاريخها ومعالمها وأزقّتها وشناشيلها، ولا انسياب دجلة بين كرخها ورصافتها وما بينهما. وفي الوقت الذي يصف السباهي هذه المدينة بـ"الثريّة" في عصرها العبّاسي الزاهي، تتحوّل اليوم إلى رثة بشهادات دوليّة للأسف، تشيخ وتشحب رويدًا رويدًا منذ الضربة المغوليّة، وتتنازعها النائبات وتقف على قدميها، وتتعمّق معاناتها وجراحها في الوقت الحالي، وتتناوبها أيادي المحتلّين والطامعين الغرباء، وينتصر حكّامها لإرادات ما وراء الحدود. بغداد التاريخ التي حماها حتّى لصوصها العيّارون قديمًا، تتحوّل اليوم إلى فريسة تنهشها أيادي السلطة، حيث يتمّ الاستحواذ على قوت أهلها، وتُمتهَن فيها كرامة بناتها وأبنائها، وتُصادر حياتهم، وأمالهم بمدينة أحبّوها وما يزالون.

يسترجع الكاتب تاريخًا بحوافر خيول المغول قديمًا وما تلاه، ودبّابات الاحتلال وطمع الجوار حديثًا، لتتعذّب مؤرقة بالترييف والقتل والفراهيد، تنطلق فتكبو وتتألّم بفجيعة زمن التراجع ومعاناة ساكنيها التي هي معاناة العراق، وتنهض بشيخوخة ترسم ملامح الضعف والإرهاق هذا اليوم. وبقدر ما يدفعنا هذا النصّ إلى استرجاع التاريخ الجميل من جانب، والمأساوي من جانب آخر، فإنّ صورة المكان تتراوح مستوياته بين النضارة والهرم، الفرح بأصوات محبّيها، والانتكاس بإهمال شوارعها وأزقّتها ومعالمها ونهرها، وخذلانها من أبنائها قبل أعدائها. يستخدم الكاتب متوالية تراتبيّة في عبارات مثل "شاخت المدينة الثرية، فقدت ذاكرتها وغادرها الزمن" ليذكر بأسلوبي المقارنة والمفارقة منظومة من الأحداث، تمرّ بها في القرن الحادي والعشرين، متمثّلة بالخراب والدمار والتشويه، وبهذا التوصيف بالمتواليات يحسّ القارئ بألم الكاتب وعذابات حروفه التي هي جزء من عذابات المدينة اليوميّة. يطرح الكاتب مستويات المدينة (بغداد) موزّعة بين زمنين، زمن ماضٍ تألّقت فيه بالعلوم، وتحرّكت بثقة نحو الغد، وزمن حاضر تقهقرت فيه مكرهة، كـ"قرية مزرية"، امتدادًا لزمن الدمار بعد أنْ أدماها المغول باللون الأحمر، وسوّدوا دجلتها بمداد الأسفار والمخطوطات. يستعين في الآن ذاته بوصف استقصائي لهذه المدينة "الطريحة" حاليًا، حيث "سماؤها معفرة بدخان البنادق وحرائق النفايات، ماؤها وشل، وبطائحها ملاعب للأشب"، جامعًا بذلك بين صفات كالخوف والحيرة والحزن والتجاهل والغدر والمعاناة، ورابطًا بين النزف والتنفس وكساح المدينة وبين "تكلّس" الضمير مجازيًّا، أيْ بين ما هو مجرّد وما هو حسّي. تغدو هذه العاصمة في (شيخوخة)، مثلما يكتب السباهي، "حلّابة" بدلالة رمزيّة تشير إلى أنْ الجميع قد تركوها "جلدًا على عظم"، وحيث تصبح الأشواك زمامًا لها. لا يتوقّف الكاتب عند صورة واحدة لهذه المدينة، التي تحتضن الشباب والشيوخ، و"الطالب، والموظّف، والباعة الجوّالة والمتسولين والبدو والقرويين والأفنديّة"، بل ويرسم صورًا أخرى لأماكن تدعو إلى الفخر، أيْ دور العلم والتعليم والإدارة، وأخرى تضجّ نشاطًا في حركة توافد الطلبة والموظّفين. 

يستعرض الكاتب تناقضات هذه المدينة من الداخل، وإنْ كانت الرثاثة والفقر وعدم الاعتناء هي الصفات الغالبة على مدارسها وإداراتها، ودورها، وشوارعها، وأحيائها، وسيّاراتها وطرقها وأزقّتها وإشارات مرورها، وحميرها وخيولها وعرباتها. الحياة معطّلة في هذه المدينة، مثلما يراها الكاتب الذي يعيش فيها، فيحسّ بأوجاعها وأحزانها، ويعاني تقهقرها ومرضها، ويشهد على إهمالها وسرقة فرحها من قبل حكّامها، وعلى الرغم من ذلك، يشعر الكاتب بشيء من السرور بظهور بعض المشاهد المرتبطة بدور المعرفة ونشاط الحياة اليوميّة، مثلما ما مرّ أعلاه، ومشاهد أخرى يرسمها بأسلوب المفارقة الساخرة، تتمثّل بحركة "الحمير والخيل التي تنقل الناس والبضائع بانسيابيّة وأريحيّة، وفوق هذا تضفي على المشهد مزيدًا من السرور"، ويسبغ أوصافًا مثيرة على العربات والحيوانات التي "تقهقه من دون توقف"، وعلى الخيول والحمير التي "تتقدم ضاحكة في شماتة صريحة من السيارات العاطلة والمعطلة بفعل الزحام والحر وسوء التنظيم".

يستخدم السباهي أسلوب الصدمة، ويدخل إلى حاضر هذه المدينة الصاخب والمزدحم، محاولًا إحصاء سكّانها الذي لم يعرف عددهم بالضبط (خمسة أم ثمانية ملايين)، هذا العالم الجغرافي الواسع، والمزدحم بناسه ومركباته ومعالمه وهمومه وحيواناته وأمراضه، وضوضائه، وآماله وأحزانه، يتحوّل إلى خريطة نازفة بنزيف شبابه وأقلامه. يرجع السباهي إلى هذه "البقعة" التي يسكنها ناس تتناغم مواقفهم ومشاعرهم، لأنّهم، مثلما يذكر "يتشابهون في أسمائهم وسحناتهم تشابه بيوتهم وأزقتهم وأشجارهم الذاوية"، في الوقت الذي يتوقّف عند اختلافات تتعلّق بالتنوّع القومي والديني من خلال الأزياء أو اللهجات بين البغداديين والقادمين إليها من مختلف أنحاء العراق، فالناس في بغداد من "جلد واحد"، مثلما يكتب، وهم متساوون بـ"الغرائز والعواطف والمشاعر وربما السلوك أيضًا"، والكاتب لا يجد فرقًا فيما بينهم إلّا في اللباس واللهجة، رابطًا أيضًا بين المستوى الفنّي للمكان وسيكولوجيّة الساكنين فيه ربطًا واقعيًّا، ويتحدّث كذلك عن بعض العادات والأعراف في المدينة بسبب الفقر والحاجة، كزواج الفتيات في سنّ مبكّرة، أو ترك الأولاد مقاعد الدراسة من أجل التحاقهم بالجيش والمؤسّسات الأمنيّة، إعالة لعوائلهم.

يستند توصيف المكان والتنوّع في مستوياته إلى رؤية الكاتب لهذه المدينة التي أسهب في الدخول إلى عوالمها، دون أنْ ينسى المرور على مصائب أخرى تحلّ بها، مثل تقلّبات المناخ لتتلاءم مع تقلّبات أمزجة الناس، ودرجة الحرارة غير الرحيمة في الصيف، والشلل في توفير الخدمات العاديّة. يعبّر عن هموم المدينة اليوميّة ومعاناة أهلها، بعد أنْ تحوّلت "من مدينة العلم والمعرفة" سابقًا، "إلى أسوء مكان للعيش في العالم" حاليًّا، مثلما يكتب السباهي. وعلى الرغم من ذلك، يترك الكاتب للقارئ فسحة من الانشراح تتمثّل بتفاعل السكّان مع حركة المدينة، وتوصيف مزاجهم الساخر، وحياتهم اليوميّة، حيث "ينكّتون ويضحكون ويتبادلون أرقام هواتفهم"، فضلًا عن "العفوية المباشرة وسرعة البديهية الدافئة التي يتآلفون بها"، ويعبّر في الوقت نفسه عن قلقه وخشيته على نسيجها الاجتماعي، من كثرة المنافقين "الثعالب" والانتهازيين سواء في الإعلام أو في الحياة اليوميّة، ويحذّر من أفعالهم.

هكذا جعلنا السباهي نتحسّس آلامه من خلال آلام بغداد، ونتابع شريط هذه المدينة في زمنين متناغمين من جهة، ومتناقضين من جهة أخرى، مستعينًا بأسلوب استرجاع زمن عريق وزمنين مأساويين. قدّم لنا نصًّا يشبه السيرة التسجيليّة "السريعة" للمدينة، واضعًا إصبعه على الجرح العراقي الذي ما تزال بغداد تنزف فيه بالخراب والأوجاع والإهمال والأوبئة وفساد السلطة، ومعاناة ناسها وأحيائها وبيوتها وأزقّتها وشوارعها ومركباتها وحيواناتها، تتنوّع مستوياتها بصفات متقاطعة، تشتدّ بالظلام في أحوال، وتقوى بالأمل واسترخاء أهلها على الرغم من مصائبهم ومآسيهم في أحوال أخرى. لقد خرجت (شيخوخة) من ذكريات التاريخ النضر لبغداد إلى زمن مغولي ملوّن بالدم وحاضر سابح في اليأس والنكد، استطاع السباهي أنْ يجمع خيوط السرد للمكان وتناقضات أو صراع ما يدور فيه، وجعلنا نتحرّك معه في هذا المشهد البغدادي عبر التاريخ والأزمنة والمتغيّرات، خصوصًا عندما تتغضّن ملامح المدينة بمشاهد ظلال شاحبة، مرسومة بالضيق والحزن والإرهاق وتقلّبات الأمزجة والمناخ.

يمكن القول أخيرًا، إنّ الكاتب محمّد سعدون السباهي يمتلك مهارة إبداعيّة في صياغة نصوصه القصصيّة القصيرة جدًّا، ويستعين بأدوات معرفيّة واعية وآليّات سليمة في صياغة هذا النوع من السرد، من حيث بنيته وموضوعه، ويتحكّم بتنظيم تشكيلاته برشاقة لغويّة وأسلوبيّة، فتظهر حينئذِ ملوّنة بمعانٍ غنيّة، يتناغم فضاء النصّ الحسّي بالصوت واللون والنظر والحركة، لتخرج الفكرة مكتملة الجوانب، وغالبًا ما يترك الكاتب فسحة من الحرية للمتلقّي كي يتفاعل بحدسه مع حدس الكاتب في نصوصه وخواتيمها للخروج بتصورات محددة.

من جانب آخر، أرى أهمّيّة عدم إهمال تكثيف بنية السرد أو الفكرة في بعض النصوص عند استخدام المفارقة واستدعاء الزمن وسواهما، ولاسيّما في بعض مفاصل نصّ (شيخوخة)، حتّى لا تختلط الأجناس فيما بينها، ولكي لا يقترب أسلوب كتابة النصّ من أسلوب المقالة. وبحسب معرفتي ببعض أعمال الكاتب سواء الروائيّة (مثل، "كوكب المسرّات" التي سبق أنْ تناولتها في إحدى قراءاتي المنشورة)، أو نصوصه القصيرة جدًّا، ولإمكانيّاته في تجربته الكتابيّة الطويلة، أرى أنّ السباهي يدرك بحدسه كيف يتعامل مع حركة السرد ومقوّماته في هذا النوع من النصوص بشكل سليم، وكيف يحصّن عمله من الوقوع في شراك الاندفاع، أو الوقوع في هاوية الالتباس في الأشكال أو الأجناس. وبقدر ما تعتبر هذه النصوص القصيرة جدًّا للكاتب البارع محمّد سعدون السباهي جادّة في موضوعاتها ومهمّة في معالجاتها وسليمة في بنيتها، فإنّها تستحقّ أنْ يوليها النقّاد الاهتمام والعناية، وأنْ تخرج إلى النور في كتاب جامع لها (وهي كثيرة على ما أعتقد)، من أجل إغناء معارف القرّاء والمكتبة الأدبيّة العراقيّة والعربيّة بهذا النوع من السرد في الوقت نفسه.

***

تُنْظَر نصوص الكاتب محمّد سعدون السباهي:

* سد فراغ

أفلتَ بطريقةٍ ما من قفصه في حديقته الخاصة، كان جائعا فرتع في عُشب الحدائق الندى الكثيف، وارتوى من مياهها الباردة...

جالَ في الحارات الصامتة مستمتعا بوقع أضافه على الطرقات، أحيانا يسمع ما يشبه أصوات سعال وعطاس خافتة، وانينا مخنوقا...

لم يطارده ذلك الكائن الشرس الذي طالما رآه يجز رؤوس أقرانه بسكاكين باشطة، ولم يستفزه بوق عجلة مسرعة، إذ المدينة على ما يبدو لا تزال راكسة في قيلولة غامضة...

تمددَ تحتَ فيء شجرة تظلل واجهة مبنى عالية من الزجاج،

اجتر طعامه بهدوء، غفا قليلا، استيقظ، تقلب على العشب ولاعبَ قوائمه في الهواء، وحكّ ظهره جراء وخز دويبات غافيات بين طيّات شعره الكثيف...

نهض وتقدم يجتذبه لمعان البوابة المزيّنة بمزق أقمشة ملونة، توقف فجأة إذ رأى عنزًا يشبهه تمامًا...تراجع قليلا وهيأ نفسه لمناطحة دامية لا مفر منها، ليرى الآخر يفعل الشيء نفسه، الأمر الذي أغاظه كثيرا...

وفي محاولة منه لطرد خصم عنيد لا يريد أن يفسح له الطريق ليكمل نزهته، استجمع قوته، صوّبَ قرنيه نحو راس الخصم مباشرة، ووثب...

صوت زجاج يتهشم، وثغاء مرتفع لعنز تائه في قاعة فارهة، فارغة!!.

***

* محنة

اتصلوا به عبر الهاتف النقال، ليتبينوا رأيه، فيما اذا كان يودُ أن يلقى نظرة الوداع الأخيرة، على جثمان والدته المسجاة في قاعة الموتى بجوار المشفى العام...

فجأة، وجدَ نفسه أمام محنة عسيرة لم تخطر في باله يوما، ولعل خصوصيتها أنها لا تخضع لأيّ من التبريرات، إنها فوق ما يسمى بالمسؤولية الأخلاقية التي تم َغرسها في النفوس جيلا بعد جيلا...

المنطق يقول: إن من الأنسب له أن يظل حيث هو، وأن ما حصل لأمه، ويحصل للناس منذ اكثر من شهر، قضية باغتت الجميع، نحس لا يمكن تفسيره، طال عامة الناس من دون تحيز، ومن ثم لا يمكن رمى اللوم على احد بعينه...

ثم هبّ انه تمكن من الوصول وإلقاء النظرة الدامعة، من وراء الزجاج، على وجه العزيزة الراحلة، من سيضمن له العودة سالما؟

ومن جانب آخر، انه إن لم يلب النداء، يعني سيعيش ما تبقى من حياته، يحتقر نفسه، يشعر بالإثم، وأن هذه الأحاسيس الرهيبة يمكن أن تداهمه كل يوم، و تتكرر كل ساعة!

تلمّس ناصيته المنداة بعرق الحمى، بصعوبة جرجر جسده نحو الشباك وتطلع إلى الخارج: نديف الثلج يهمي من دون انقطاع، وطيور مثل خٍرق مبتلة جاثمة على السياجات، ومصباح ينزفُ ضوءَه، يمكن أن يخمد في أية لحظة.

***

* المصيدة

جاءوا بها إلى المشفى بحالة بائسة، منعوا زوجها وأبناءها المحمرة عيونهم من مرافقتها...

ربطوها من أكثر من مكان من جسدها المتضعضع على، الأجهزة التي رفع وميضها وتكتكتها نسبة الخوف لديها، وضاعفتها اكثر رائحة الردهة المشبعة بالمعقمات الصادمة، ثم تركوها تحت رحمة الأجهزة...

أمضت ليلتها الأولى صابرة تتلو ما تحفظه من آيات قرآنية على أمل أن يفوا بوعدهم (ما أن تتحسن حالتها حتى تعود إلى البيت لتكملة العلاج هناك) هذا ما سمعته وهي تعاني صعوبة في التنفس..

في الليلة الثانية تنبهت إلى الممرضات المنهكات وهن يحررن المريضات الهامدات من حولها من أسلاك الأجهزة، يغطينَ وجوههن بالشراشف المبقعة بالسوائل ويسرعن بهن على النقالات إلى الخارج...

رهاب الموت والوسواس يشتد، وبالمقابل تزداد رغبتها بالعودة إلى أسرتها، وانها متعجلة إلى رائحة المطبخ وحيوية نشر الغسيل على سطح الدار، والرد على الهاتف فيما "فائزة" تغني لها في التلفاز "مال علىّ مال" وما إلى ذلك من مباهج الحياة البسيطة، ثم لتمت بين ذويها فذلك امر مقدر على الجميع..

جاهدت أن تفصح عن رغبتها تلك، لكن من لديه الوقت والمزاج ليستمع إلى توسلاتها، إذ الجميع ببدلاتهم المسرفة بالغرابة، المثيرة للفزع يعملون من دون أن يسمع لهم صوت؟..

فكرت أن تهرب، لكن كيف ومتى، وهي التي تكاد لا تعرف أزقة حيهم جيدا على قلتها...

لا تدري لماذا يلح عليها منظر الفأر في المصيدة التي نصبها زوجها ذات مرة، الفأر يدور حول نفسه مذعورا، فيما الجميع بمن فيهم هي يضحكون بشماتة؟

تشعر أنها جائعة منذ مدة طويلة، تحاول أن تتذكر مخزونها من الأطعمة في البراد.. تسمع نداءات الباعة الجوالة تردد: طماطة، بامياء، بطيخ، عويل سيارات الإسعاف في ازدياد، هي وحيدة ومهجورة، نفسها يثقل.. تسمع حركة من حولها.. نفسها، يثق... ي.. ث...

***

* شيخوخة

شاخت المدينة الثرية، فقدت ذاكرتها وغادرها الزمن، عادت مثلما كانت قبل أكثر من ألف عام، عادت قرية مزرية من جديد، سماؤها معفرة بدخان البنادق وحرائق النفايات ،ماؤها وشل، وبطائحها ملاعب للأشباح...

طريحة تنزف وتتنفس في صعوبة، فقد نالت منها السهام، أصابتها بالكساح وفقر الدم وتكلس الضمير دفعة واحدة...

احتلبها الجميع وتركوها جلد على عظم، يجوس خطمها في التراب الأشواك....

من مدينة العلم والمعرفة، إلى أسوء مكان للعيش في العالم..

مليون طالبة وطالب، ومثلهم من الموظفين والباعة الجوالة والمتسولين، بدو وقرويين وبقية أفندية، مرزومون في وسائط نقل تحتشد في الشوارع والطرق الفرعية، ولان إشارات المرور معطلة- الأعذار نفسها، جاهزة وملبلبة - تخيل ماذا يحصل إذ كلها تريد أن تسير في وقت واحد؟ لذا فازت بالكأس المعلى، الحمير والخيل التي تنقل الناس والبضائع بانسيابية وأريحية، وفوق هذا تضفي على المشهد مزيدا من السرور، إذ هي تقهقه من دون توقف، نعم. الخيول والحمير تتقدم ضاحكة في شماتة صريحة من السيارات العاطلة والمعطلة بفعل الزحام والحر وسوء التنظيم...

هذه الملايين الخمسة - هناك من يزعم أنها ثمانية - يسكنون البقعة ذاتها، يتشابهون في أسمائهم وسحناتهم تشابه بيوتهم وأزقتهم وأشجارهم الذاوية، لا يختلفون سوى في الأزياء، واحيانا في تلفظ بعض حروف اللغة المشتركة، ماعدا ذلك فهم في جلد واحد، الجلد هنا: مجموعة الغرائز والعواطف والمشاعر وربما السلوك أيضا...

سواسية في الأساسيات فمثلا، تغادر فتياتهم المدارس في سن مبكرة من أجل الزواج، ويترك الفتيان قاعات الدرس، و مختبرات البحوث للالتحاق بثكنات العساكر..

وبغض النظر عن تقلبات المناخ المفاجئة، و الضغوطات والمصائب الجمة من عسر ومشقة وسوء طوالع، يمكن أن ترى جموعهم مع صررهم في كل مكان، ينكتون ويضحكون ويتبادلون أرقام هواتفهم...

لكن، آه، إذ هذه العفوية المباشرة وسرعة البديهية الدافئة التي يتآلفون بها، يمكن أن يتمزق نسيجها، حين ينسل خلسة بينهم ثعلب – ما أكثر الثعالب يا إلهي - يزرع لغما تحت أقدامهم، ويذهب ليعوي في الفضائيات...

***

بقلم: عدنان عبّاس

 

 

محمد كريم الساعدييعد كل من (هانس روبرت ياوس) و(فولفغانغ أيزر) اهم منظرين رئيسيين لنظرية التلقي الأدبية، ويعد (ياوس) من أبرز المتأثرين بمفاهيم (غادامير) التأويلية، وبالأخص مفهوم (الأفق التاريخي) الذي طوره في نظرية التلقي إلى (أفق التوقعات)، إذ يرى ياوس أن العمل يشتمل في وقت واحد على النص بوصفه بنية معطاة، وعلى تلقيه أو على إدراكه إدراكاً حسياً يقوم به القارئ أو المشاهد، بمعنى ان العمل الأدبي يتكون من محورين أولهما النص كبنية أبدعها المؤلف، والثاني تلقيه من القارئ، ويتشكل معنى النص في تجدده الدائم، معنى متجدد هو نتيجة تطابق واتحاد عنصرين: أفق التوقع المفترض في العمل وأفق التجربة المفروضة في المتلقي، بحيث تجري عملية الاتحاد والتطابق في أفق توقعات المتلقي الذي يمثل الفضاء الذي تتم من خلاله عملية بناء ورسم الخطوات المركزية للتحليل ويتشكل أفق التوقعات لدى المتلقي من ثلاثة عوامل أساسية هي التجربة المسبقة التي يمتلكها الجمهور عن الجنس الأدبي، ثم شكل الأعمال المسبقة وموضوعاتها ثم التعارض القائم بين اللغة الشعرية ولغة الممارسة،أي التعارض بين لغة الخيال ولغة الواقع اليومي، ويؤكد (ياوس) على اللحظة الأولى للفهم على اعتبار أن استقبال العمل الأدبي في اللحظة الأولى يتضمن اختبار قيمته الجمالية بالمقارنة مع أعمال تم تلقيها سابقاً . أن عمل المتلقي وفق مفهوم (أفق التوقعات) يعطي إمكانية ربط العمل الأدبي مع تاريخ استقباله، ولا يستطيع الفصل بينهما، لذا يصبح العمل وسيطاً بين الأفاق وبالتالي فهو غير مستقل عن أي أفق من الأفاق  وبما أن النص غير مستقل، وافقنا الحاضر في تغير، فأن اندماج الأفاق يتعدل من خلال عملية الاستمرار والتواصل الحاصلة بين الأفاق لذا فأن فهم النص أصبح ممكناً بهذا الاندماج وأصبح وظيفة التاريخ، وباختصار فأن النص يفهم في مدى ملاءمته أكثر من كونه وحدة ثابتة، وبالتالي فأن العمل الأدبي يتشكل في ذهن المتلقي، حيث يبدأ هذا التشكيل منذ الاستقبال الأول له ويأخذ بالتكامل تدريجياً من خلال مجموعة الإعلانات والإشارات الظاهرة أو الكامنة، ومن الاحتمالات الضمنية والخصائص المألوفة ليكتمل أفق توقعات المتلقي وصولاً إلى المعنى، والمعنى هنا يتغير كلما اختلفت وتغيرت شروط التلقي التاريخية والاجتماعية .

إذن فعملية التلقي عند (ياوس) في ضوء مفهوم (أفق التوقعات) هي عملية اتحاد وتطابق بين الأفاق التي يتضمنها العمل الأدبي في داخل فضاء التلقي لدى القارئ (المتلقي) لتنتج عملية بناء المعنى وفق عملية تكوين مركزية تساهم فيها مكونات أفق توقعات المتلقي الثلاثة، التجربة المسبقة عن جنس العمل لدى الجمهور، وشكل الأعمال المسبقة وموضوعاتها والتعارض بين لغتي الخيال والواقع اليومي .

أما (فوفغانغ أيزر) الذي قام بتأسيس طروحات خاصة بالتلقي منطلقاً من بعض مفاهيم (هوسرل) و(أنجاردن) التي أسس من خلالها مدخلاً لتحليل عملية القراءة يتشكل من أبعاد ثلاثة هي: النص والقارئ وأهم من هذا وذاك الظروف التي تحكم عملية التفاعل بينهما . لقد وضع (أيزر) عدداً من المفاهيم التي يقوم على أساسها تلقي العمل الأدبي، ويأتي في مقدمتها (القارئ الضمني): وهو بنية نصية تتوقع حضور متلق دون أن تحدده بالضرورة: أن هذا المفهوم يضع بنية مسبقة للدور الذي ينبغي أن يتبناه كل متلق على حدة أن القارئ الحقيقي أياً ما كان وكيف ما يكون، فأنه يسند له أساساً دور خاص يقوم به، وهذا الدور هو الذي يكّون مفهوم القارئ الضمني.

أما المفاهيم الأخرى التي استندت عليها طريقة تلقي العمل الأدبي عند (أيزر) فهي مفهوم (الفراغات)، ومفهوم (وجهة النظر الجوالة) ومفهوم (المركب السلبي) .

أن مفهوم (الفراغات) في النص و(عمليات النفي) هي التي تحقق فعل التواصل لدى المتلقي، فالتواصل الناجح يتحقق عندما تكون عملية القراءة محكومة بالنص، أي عن طريق اكتشاف الفراغات فيه، وهذه الفراغات تمثل ما يخفيه النص، وهي تلك المساحات في النص التي يقوم عندها القارئ بصنع العلاقات. ويأتي بعد ذلك دور عمليات النفي التي تختص باستحضار عناصر مألوفة أو محددة ثم تقوم بنفيها إلا أن ما ينفى يبقى موضوعاً في الاعتبار، ومن ثم يكون مصدراً لأحداث تعديلات في اتجاهات القارئ إزاء ما هو محدد ومألوف.

أما المفهوم الثالث فهو مفهوم (وجهة النظر الجوالة) التي تعد وسيلة من وسائل وصف الطريقة التي يكون بها القارئ حاضراً في النص . ويقع هذا الحضور عند نقطة التقاء الذاكرة والتوقع . وتحدث الحركة الجدلية الناتجة عن ذلك تعديلاً متواصلاً للذاكرة وصولاً إلى فهم النص، أي من خلال التفاعل الحاصل بين بنيات النص المتجزئة أو المتفاعلة فيما بينها، وينتج من هذا التفاعل الحاصل توليداً لنشاط أساسي يوصل القارئ المتلقي إلى فهم النص . وهذا النشاط الأساسي يعتبر نشاطاً ذاتياً " نتاجه المعنى الذي يرشحه الفهم والإدراك.

أما المفهوم الأخير، فهو مفهوم (المركب السلبي) الذي يصفه (أيزر) بأنه  نشاط القارئ في إنتاج الصور . فعندما نقرأ نصاً نكون بوعي أو بلا وعي في حالة تركيب صور، وهذه الصور هي موضوعات من نتاج مخيلة القارئ، والقارئ بالنسبة (لأيزر) حر في تشكيل صورة العمل الأدبي وبطرق مختلفة وليس هنالك من تفسير لمفردة تستطيع أن تستنفذ كل دلالاتها الكامنة . ولكن هذا الكلام يحدد بقاعدة قوية . يجب على القارئ أن يبني النص ليجعله متناغماً من الداخل هي عملية تفاعلية تقوم على القصدية في إشراك الذات المتلقية في عملية بناء  المعنى، وظروف التفاعل مقرونة بوجود عدد من المفاهيم الأساسية وهي (القارئ الضمني) و(الفراغات) و(وجهة النظر الجوالة) و(المركب السلبي)، وهذه المفاهيم تساعد في التحكم بالعملية التفاعلية بين بنيات النص المتجزئة لتولد نشاطاً ذهنياً يوصل المتلقي (القارئ) إلى فهم العمل الأدبي .

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

 

صادق السامرائيزهير بن أبي سلمى واحد ثلاثة من شعراء العرب قبل الإسلام يُعدون في مقدمة شعراء زمانهم، وهم، إمرؤ القيس، زهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني، وقد أفاض في مدح هرم وأبيه سنان، وله فيهما قصائد كثيرة وقصته معهما معروفة وطويلة.

وإبنه كعب الذي يُعد من فحول الشعراء وجهابذتهم صاحب قصيدة البردة المشهورة.

ويُذكَر أنه كان شديد العناية بتنقيح شعره وعُرفت قصائده بالحوليات، إذ يقضي عاما كاملا في تنقيحها وطبخها في أفران أعماقه الشعرية والفكرية.

ويبدأ معلقته بذات الأسلوب الذي عهدته العرب ، بالتغني بالحبيبة المفترضة وتذكّر الأيام الخوالي، وما كانت تجود به من روافد الذكريات العِذاب.

ويمعن بوصف دار الحبيبة وكأنه حي في ذاكرته التي أخذت تفتش عن شواهد تعززها وتوقظها.

ويمعن بالوصف والتصوير والتعظيم والتبجيل وتحويل الحالة إلى عالم خيالي تزدحم فيه المشاهد الدالة على سموه ورقاء الذين كانوا فيه.

ولا يُعرف لماذا قال عشرين خجة ولم يقل أربعين، لأن حرب داحس والغبراء إستمرت أربعة عقود، وكأنه يشير بأساليب ساخرة وبإستخفاف وتسفيه للحرب، على أنه أمام دار كان يعرفها قبل عشرين سنة، واليوم يجد صعوبة في تلمس ملامحها، فكيف بحرب تدوم أربعين سنة، وما خمدت أسبابها وإنطفأ أوارها.

وكيف لأجيالٍ لا تدري لماذا أُضْرِمَت وتتواصل في سفك الدماء، والإستنزاف الفنائي لوجود القبيلتين العربيتين.

ويمضي في البحث عن أدلة تذكره بتلك الحالة التي كان يعرفها.

وكالباحث الجاد المجتهد يريد التيقن من أن الدار التي يقف عندها، هي تلك الدار التي عرفها ولا يريد توهمها.

فيعلل نفسه بالحجارة وما عليها من آثار النار والدخان، وتنثال حالات تفاعله مع أهل الدار وكيف كان يخاطبهم، ويمضي بوصف الحركة والحياة وكأن كل المشاهد التي كان يعهدها قد حضرت، وأخذ بوصفها كما أشرقت في خياله.

وكعادة الشعراء العرب فلا يفوتهم التغني بالنساء والإمعان بتعظيم جمالهن، ورؤيتهن كما يتصوروهن لا كما هنّ عليه.

ويمعن بالوصف والتغزل بتلك المشاهد النابضة في مخيلته، وما هي إلا تهيؤات وحالات رمزية تحث المستمع على أن يتذكر ما هو جيد وينكر ما هو سيئ.

وكأنه يريد أن يقدم أمثلة على ضرورة إستحضار الجميل ونبذ القبيح، لأن فيه ما يصنع الحياة ويأخذها إلى آفاق الرقاء.

وربما كان يريد من القوم الإهتمام بما يعزز الحياة وينميها، لا أن يمعنوا بمضاداتها ومعوقاتها والإجتهاد بقتلها وتدميرها.

وهكذا يمضي في مسيرة التعبير الإيجابي وتأكيد أهمية الحياة والتفاعل بمفردات الفضيلة والجمال.

ويتواصل بالترغيب والتحبيب، وكأنه يقدم علاجا ترويحيا للحشود المتحاربة، ويحاججهم على أن الحياة ليست حروبا كلها، وعليهم أن ينظروها بأعين أخرى.

وبوصفه قصة الحياة الجميلة الزاهية في البادية ويرغّب فيها ويحث على صناعتها، يسعى بالحجة والدليل على تثبيط همم القتل المتبادل.

وبعد الوصف الممتع للحياة، يذكرهم بالبيت العتيد الذي شاركت ببنائه القبيلتان، وبأنهما أصحاب هدف إنساني مشترك.

ويطري على سادة ذبيان (هرم بن سنان والحارث بن عوف) اللذان قررا إيقاف الحرب بعد أربعين سنة، ويقول أنهما قد عالجا الجراح بالديّات من الأبل، وبهذا طببوا جراح الويلات التي عصفت بالقبيلتن.

أكثر من ثلث القصيدة يتعلق بآليات التفاعل التي دارت بين القبيلتين، وكان شاهدا عليها بعد أن عمّر لأكثر من ثمانين حولا، وحاولتُ أن أكثفها فيما تقدم، وتفاصيل الحرب ومتاهاتها معروفة وتناولتها الكتب والدراسات والمقالات والبحوث.

فالأبيات الخمسة والعشرون الأولى من المعلقة ملحمة رمزية ساخرة بالحرب بأسلوب زمانها، وكأنه يهزأ من حرب داحس والغبراء، التي يتعجب من تواصلها لأربعة عقود، لكنه يفسر الإستمرارية بأن للحرب أثرياؤها وأنها تبدو كالتجارة المربحة التي تغدق على الطرفين وابل الديّات والفديات، وكأن القبيلتين تتاجران بأبنائهما فلكل قتيل ثمن!!

ويبقى السؤال الذي يصعب الجواب عليه، هو كيف لحرب تستمر أربعين سنة ولا توقظ عقول حكماء القوم قبل هذا الأوان، وما هي ديناميكية النفوس المتحاربة؟!!

ووجدت الإنتقال إلى ما أريد النظر إليه يتركز في الأبيات التي إخترتها من المعلقة.

فهو يوصي القبيلتين بالحفاظ على العهد وعدم نكثه، لأهميته في الإستقرار والأمن والسلام.

فلا تكتمن الله ما في نفوسكم

ليخفى ومهما يُكتم الله يعلمِ

هذا بيت مذهل ومدهش إذا نُظر إليه في زمانه ومكانه، فهو يحذر بأن الله مطلع على ما تكتمونه في نفوسكم وتتوهمون بإخفائه، فأن الله رقيب عليكم ويعلم ما تخفي الصدور، فكونوا صادقين في قولكم وثابتين على عهدكم، لتخمد نار الحرب التي أكلتكم.

يؤخر فيوضع في كتابٍ فيدخر

ليوم الحساب أو يعجّل فينقمِ

ويتبعه ببيت مدهش حقا هو الآخر، إذ يشير إلى أن ما تقترفونه أو تقومون به سيحفظ في كتاب وستحاسبون عليه عاجلا أم آجلا!!

وما الحرب إلا ما علمتمُ وذُقتمُ

وما هو عنها بالحديث المرَجَمِ

فحقيقة الحرب ما يقاسيه المتحاربون وما يكابدونه من القلق والإضطراب وفقدان الأمان، فلا يعرف الإنسان إن سيمر ليله بسلام، وهل سيعيش لبعض الوقت لأنه عرضة للقتل من الجهة التي يتحارب معها.

فيحاجج القبيلتين ويحثهما على وعي حقيقة الحرب، وليس ظنونها وتصورها على غير حالها المرير.

وهذا إستنتاج راجح يساهم في تأييد إرادة السلام والوئام.

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة

وتضْرَ إذا ضريتموها فتضرمِ

فالحرب ما أن تستعر حتى تشب كالنار في الهشيم، وتتواصل متقدة بتزايد خسائرها وآلامها وموجعاتها التي تزيدها ضراوة وإشتعالا، تلك حقيقة الحروب بين البشر منذ الأزل، لأنها كالدوامة الشديدة ما أن يسقط فيها الناس حتى تبتلعهم بشراسة متنامية.

فتَعرُككم عرك الرحى بثقالها

وتلقح كشافا ثمّ تُنتجُ فتتئمِ

وعندما تدور رحى الحرب فأنها تطحن المتقاتلين وتسحقهم سحقا مروعا، وفيها تتوالد الشرور وتتعدد وتتعقد وتتشابك، حتى تجد الأطراف في محنة الفناء المُستقيد الطالع نحو سفك المزيد من الدماء، وتأجيج البغضاء والكراهية والأحقاد التي تمضي في دفع الناس إلى ما يهلكهم.

فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم

كأحمر عادٍ ثم تُرضع فتفطمِ

ومن نتائج الحروب الطويلة أنها تتسبب بولادة أجيال ترى الحياة سفك دماء ومناولة كريهة تجرد وجودهم من معانيه، وترميهم في جحيمات الويلات والتداعيات الجسام.

فهذه الحرب الطويلة قد أوجدت أجيالا من القبيلتين أوهمتهم بأن القتال هو الحياة، وأن القيمة الكبرى للموت المتبادل بينهما، فيموت أكثرهم ويتطفل على موتهم بعضهم، فيتحقق الإثراء الغاشم المهين.

فتُغلل لكم ما لا تُغِلّ لأهلها

قرى بالعراق من قفيزٍ ودرهمِ

وكأنه يريد القول في هذا البيت بأن مصائب قوم عند قومٍ فوائد، بأسلوب ساخر ومفنّد لتماديهم في الحرب الشرسة، التي أوجعتهم بقتل رجالاتهم وتأتيم أجيال من أبنائهم، والذين يستثمرون فيها كأنهم لا يرون أن مضارها فاقت منافعها بأكثر مما يتصورون، فلا فائدة من الحروب مهما توهمنا غير ذلك.

ويمضي بعد ذلك في عشرة أبياتٍ واصفا ما جرى بعد الصلح من قتل، وكيف يبرر القاتل قتله، ومَن هو وما يدور في خلده، وكيف أن سادة ذبيان أخمدوا الفتنة التي كادت أن تنطلق بالفديات الجزيلة.

ثم يلقي ببيته المتهكم برمزية عالية، وفيه شيئ من الجزع من سلوك البشر الذي لا يتغير ويمضي على طبعه العدواني فيقول:

سئمتُ تكاليف الحياة ومن يعش

ثمانين حولا لا أبا لك يسأمِ

فيشير إلى ملله من شدائد الحياة ومرارتها وكأنها لا تستحق العيش لما فيها من الشرور، ويشتد به الغضب عليهم، وكأنه ينبههم بأن الحياة لا تستحق هذه الحروب البلهاء الغبية التي أزهقت أرواح الأبرياء، وأشاعت الحزن والبغضاء.

وأعلم في اليوم والأمس قبله

ولكنني عن علم ما في غدٍ عمي

وكأنه ينادي القوم بحقيقة الأمور في الدنيا، فنحن ندري ما مضى وحضر ولا نعرف ما سيأتي، وعلينا أن نتعظ ونتعلم ونرتقي إلى الحلم والحكمة، ونستعمل عقلنا ونفعّله، فما فائدة هذه الحرب؟!

رأيت المنايا خبط عشواء مَن تُصب

تُمته ومن تُخطيئ يُعَمّر فيَهرمِ

ويعيدهم إلى حقيقة الدنيا وواقعها، ويُعلمهم بأن الموت يتخبط الأحياء بعشوائية ومَن يصبه يرديه، ومَن يفلت منه يعمّر لبعض الوقت ثم يموت، فلا داعي لإستعجال موتكم لأنكم ستموتون عاجلا أو آجلا في هذه الدنيا، التي ما أبقت على ظهرها حيا قبلكم، فلماذا التقاتل لأتفه الأسباب؟!!

ومَنْ لم يُصانع في أمورٍ كثيرةٍ

يُضرَّس بأنيابٍ ويوطأ بمَنسمِ

وهذا درس متمخض عن الحرب خلاصته أن الإنسان عليه أن يتعلم المهارات السياسية بدلا من التفاعلات الوحشية، التي تعكس مواقف طريقي أو لا طريق، أنت معي أو أنت عدوي، فهذه آليات تفاعل بلهاء تدفع إلى سفك الدماء والذل والهوان، فالإنسان قوي بمعيته وما حوله من أسباب التمكن والإقتدار، فالقبائل قوية ببعضها وضعيفة إن تقاتلت وتناهكت.

ومَنْ يجعل المعروف من دون عِرضه

يَفرهُ ومن لا يتق الشتم يشتمِ

ويدعو إلى المعروف والإحسان ويؤكد أهميتهما في السلوك ما بين الناس، لأنهما يصونان وكأنهما دريئة توقي الإنسان من الشرور، فيحث القبيلتين على تعلم العمل بالمعروف والإحسان، بدلا من الكراهية والأحقاد والإمعان بالقتل الشديد الذي لا يجلب ما هو صالح للقوة والبقاء.

ومن يكُ ذا فضلٍ فيبخل بفضله

على قومه يُستغنَ عنه ويّذمَمِ

ويشجع الأثرياء من القوم على البذل والعطاء وينهاهم عن البخل، لأن فيه ضعف وفقدان لقيمتهم ودورهم في المجتمع، وعندما يبذلون ما عندهم كأنهم يسقون نبتة الوجود الإنساني الطيبة بسلاف المحبة والألفة والأخوة.

ويبدو أن للمال دوره في تهذيب السلوك والإنتقال به إلى مراتب سامية عند القبائل في ذلك الزمان، ولا يزال دوره مؤثرا حتى اليوم.

ومَن يوفِ لا يُذّمم ومَن يُهدَ قلبه

إلى مطمئن البِرِ لا يتجممِ

ويؤكد على أهمية الوفاء بالعهد وضرورته لإستقامة الحياة وعزتها وكرامتها، وينهى عن التظاهر بما لا يتوافق مع المطمور في الأعماق، لأن في ذلك نفاق وعدوان على القيم الصالحة والأخلاق الحميدة، التي هي عماد الباس والإقتدار.

فالتزموا بعهودكم ومواثيقكم ولا تخلفوا العهد، لأن في ذلك عواقب مريرة وتداعيات خطيرة.

ومَن هابَ أسبابَ المنايا ينلنه

وإن يرق أسبابَ السماء بسلم

ويشير هنا إلى الخوف كدافع سلوكي، وكأنه يحاجج الخائفين من الموت بأنهم لن يفروا منه مهما توهموا، لأنه قادم إليهم بشتى الأسباب، وما عليهم إلا أن يتحرروا من قبضة مخاوفهم ويمارسوا الحياة، لأن واقع الحرب الطويلة التي عاشوها أجّجت وعززت المخاوف والشك، وحوّلتهم إلى موجودات متحفزة للعدوان على بعضها.

ومن يجعل المعروف في غير أهله

يكن حمده ذمِّا عليه ويندمِ

وكأنه يريد القول " إتقي شر من أحسنت إليه"، فليس من السهل أن يحسن الإنسان لشخص أهل للإحسان، لكنه قد لا يرى ذلك، وهي معادلة تفاعلية صعبة ومرهقة، فالبشر والإحسان إليه ديناميكية سلوكية معقدة، لا تُعرف معطياتها، فالبعض يقر ويمتن والبعض ينكر وينتقم من المحسن إليه، وأكثر الناس من الذين يؤجج فيهم الإحسان نوازع النفس الأمارة بالسوء.

ومَن يعصِ أطراف الزجاج فإنه

يطيع العوالي رُكّبت كل لهدم

ويؤكد حقيقة أفضلية الصلح على الحرب، لأن الذي لا يجنح للسلم ستذله الحرب وتهينه وتسقيه كأس الندامة، فيتمنى لو أنه ما خاضها لأن ما جناه منها لا يقاس بما فقده فيها، وهذه قاعدة سلوكية يبتعد عنها البشر، ويندفع للعدوان حتى يجثو على ركبتيه وينقصم ظهره، ويتوسل البعيد والقريب أن يساهم في إخراجه من ورطة الحرب.

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه

يُهدّم ومَن لا يظلم الناس يُظلم

هذا البيت يحتاج إلى صفحات عديدة لأنه كثّف فيه معاني سلوكية مطلقة وخبايا نفسية معقدة، فالذي لا يذود عن دياره بسلاحه تتدمر تلك الديار، وهذا واقع حالنا المعاصر الذي فيه عجزنا عن صناعة قوتنا فاعتمدنا على غيرنا فتخربت ديارنا وتدمرت أحوالنا.

ويبدو أنه يشير بمعنى الظلم إلى الإقتدار والقوة، فالذي يفقد قدرته على حماية ما عنده، يكون فريسة سهلة للآخرين الطامعين فيه.

ومَن يغترب يحسب عدوا صديقه

ومن لم يُكرّم نفسه لم يكرّم

وهنا تعبير إستقرائي مدهش، يعيشه الملايين من العرب، فالمغترب إلى مجتمعات أخرى يحسب أنه بين أصدقائه، لأن ما يحصل عليه في البلاد التي هاجر إليها لا يمكن تحقيقه في موطنه، فيتوهم الذين من حوله أصدقاء، وهو لا يعرف لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم وقليل تجربة وخبرة بهم، وهذا ما يحصل عند العرب اليوم الذين غادروا بلدانهم وتنعموا بالحياة في مجتمعات غيرهم.

كما أنه يشير إلى ضرورة الإعتداد بالنفس والحفاظ على قيمتها ودورها في الحياة، لأن الذي يذل نفسه سيتحقق إذلاله، وهذا ينطبق على الأفراد والجماعات والدول.

ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ

وإن خالها تخفى على الناس تُعلمِ

البيت يكشف عن خبرة نفسية عميقة وقدرة على فهم السلوك البشري، فهو السبّاق في هذا الميدان، ويرى أن ما يضمره الإنسان لا بد له أن يظهر في هفواته وتفاعلاته مع الآخرين، فالحب لا يمكن كتمانه مهما توهم المحب، وكذلك العدوان والكراهية، والمواقف السلبية تجاه الآخرين.

وتلك حقيقة سلوكية فاعلة في البشر منذ الأزل، بل وفي كافة المخلوقات.

وكائنْ ترى من صامتٍ لك معجبٍ

زيادته أو نقصه في التكلم

وهنا يعبّر عن معنى " تكلم لأراك"، وربما قد سبق في هذا فلاسفة اليونان، إذ يشير إلى أن منطق الإنسان وما يبوح به عندما يتكلم يرسم الصورة الأوضح عنه، أما أن تراه صامتا فلا يمكنك أن تقرر وتقدر هويته المعرفية والإنسانية وما هي معانيه.

والبيت يمنحة شهادة الفلسفة في عصره، فهو الشاعر الفيلسوف قبل عصر الفلسفة.

لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده

فلم يبقَ إلا صورة اللحم والدّم

تكلم لأرى نصف الصورة ودعني أصغي لكي تكتمل الصورة، وكأنه يترجم القول العربي " المرء بأصغريه لسانه وقلبه"، والعجيب في أمر الشاعر أنه سبر أغوار النفس وأجاد الغوص فيها، وإستخلاص قوانينها الفاعلة والمؤثرة في مسيرة الحياة.

فالكلام دفق مما في الأعماق، وبهذا التدفق يمتلئ وعاء المعنى ويفيض فترى الواقع الشخصي بجلاء، مما يؤكد على إمتلاكه موهبة الإدراك النفسي الثاقب.

وإنّ سفاه الشيخ لا حلم بعده

وإن الفتى بعد السفاهة يَحْلُمِ

وفي هذا البيت يعبّر عن " من شب على شيئ شاب عليه"، " وأن الغصون إذا قومتها اعْتدلت ...ولن تلينَ إذا كانت من الخَشب"، وهي خلاصة متمخضة من الحرب التي تحولت إلى مهزلة مأساوية لأسباب ضئيلة، لكنها تراكمت بالتقادم العدواني حتى تحوّلت إلى منازلة دامية ذات فصول مأساوية ضارية.

سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم

ومَن أكثر التسآل يوما سيحرمِ

ويختتم المعلقة بالمديح للشيخين من ذبيان، ويبين أنهما أعطيا وكلما طلب العطاء زادا بعطائهما، مع أن من طبع البشر أنه عندما يكرر السؤال لن ينال ما يريد، لأن الذي يسأله سيتذمر وينفر من الملحة، لكن الشيخين ذوي مكانة نفسية وروح إنسانية طيبة لا تسمحان لهما بغير الجود والإغداق على السائلين.

 

د. صادق السامرائي

 

 

علي المرهجإنه محمد النصار تحتفي به القصيدة وتأخذك لعوالم فيها الحياة ونزوع الإنسان للعيش في جدبها وبعض من بقايا الأمل فيها

يكتب قصيدته، من دون ارتقاب لحاكم على رؤياه، فهو "صانع المطر":

يمشي على الحبل

من طرف الساحل

إلى سارية السفينة.

في شعره صرامة يتذوق بها شعر أليوت، ليُكتب نصّه الشعري، كشاعر يرنو لشعر وللشعر فقط، فحياته قصيدة:

دون أن يقوى على تحقيق ما أي تقدم.

الحياة عنده

"تواطؤ سافر"

تكمن المعرفة فيها في التفاصيل أو:

في الجمل المشطوبة

بالتملص الحاذق

من الحديث

عن زمن المُعجزات.

1650  محمد تركي النصار الخلاصة أن النصار لغة شعرية متفردة، والنصار تدوين شعري للخلاصة!.

فهو شاعر يستمد وجوده من (نصف الحكاية).

ويُبرر وجوده بأنه كائن متململٌ.

يكتب القصيدة الطويلة أحياناً، ولكنك ستجد فيه (ومضة شعرية) توجزها.

أقول لك أيها النصار أنك (وهمٌ) تشحذ حكايتك:

تتحدث عن

"شحاذ المنعطفات"!. الذي يعيش همه (بانتظار القصيدة)، ليجد القارئ في منعطفات الحياة عنده تحولات تكتبها القصيدة عنده.

ليكتب دمعته شعراً:

الدمعة التي لا تفترق

بين الماضي والمضارع.

"الشعر عنده سؤال خارج جبروت الزمن الذي يخذلنا بالموت". كان ولا يزال مشغولاً بكتابة الشعر لأنه فضاء التعبير عن "المعنى" عنده، فلا يهم عنده أن يكون الشاعر عمودياً أو شاعر تفعيلة أو نثر، لأن ما يهمه شغف الشاعر بالمغامرة التي تجعله يصطف مع الكبار في الكشف عن لؤولؤ المعنى في صدف المحار، فالشاعر عنده غواص ماهر يستخرج جواهر الكلام ليجعل من قصيدته بمثابة عتبة فلسفية يُسميها الفلاسفة (الدهشة):

تنبت في أعماف روحك دهشة ساحرة

أشعر أن النصار يقف كشجرة وارفة تمتلئ ثمارها من كل أصناف الشعر وتحمله رطباً أو:

شجرة واثقة من نفسها

تتطفل عليها

بضع كلمات لا يعنيه العُشاق

لأنهم عازمون على الرحيل.

النصار هو الشجرة يمر به عشاق القصيدة والشعر على اختلافهم، ولكنه واثق أنه فيء القصيدة في ثباتها وجنونها، لأنه يؤمن بالصراع:

صراع أبديٌ

بين الرغبة

والوهم

تجد في شعره سعي لبناء رؤية فكرية، ولك في نصه الشعري خهذا ما يُفسر قولنا:

ما أصعب أن تضع القصيدة

بين يدي فقيه

سلبته القواميسُ

روح أن يحيا إيقاع موجة

لا يقُرّ لها قرار

وفي نصه السابق هذا نقد للقبول بهيمنة الفقهاء على الحياة، والأحق أن يكون لأهل الفكر والشعراء رؤيتهم الحرة للحياة.

ما يُميز شعر النصار أنك حينما تتأمل فيه تجده:

قصيدة تنزف أسئلة

في مرايا عشوائية الوجوه

يكتب النصار مدونته الشعرية من وحي الفلسفة بوصفها سؤال مكتنز بالمعنى، في ظاهرة سؤال واحد وفي المضمر هو حُزمة أسئلة في نص شعري واحد، ولك أن تُنعم النظر والتأمل في هذا النص المفخخ الذي يُحيلك إلى دلالات عدّة وتأويلا عدّة يتحملها ويحتملها نصه الشعري:

ويظل الدم يشربُ

سمّ البحر

وفحيح الصحراء

بين السنبلة والعصيان

لأقف عند هذا النص الذي استخدم فيه ألفاظاً متناقضة:

الدمُ يشربُ

البحر والصحراء

السنبلة والعصيان

لأذهب به لأبعد مدى في حمولته للمعنى الضامر أو (المسكوت عنه)، فيظل الدم يشربُ، والبدم لا يُشرب، بقدر ما يرمز الشاعر لتفسير حياة أهل بلاد النهرين الذين بحسب رؤية علي الوردي صاروا ضحايا صراع البداوة والحضارة، والبداوة هي (فحيح الصحراء) والحضارة هي (السنبلة) وما حصل من تحديات في بلاد النهرين، فصار النهران كأنهما (سُمّ البحر)، وفي كل تاريخ بلاد النهرين عصيان ورفض لـ (فحيح الصحراء) التي جاءت لنا فألغت كل تباهينا بتاريخنا الحضاري:

الجهات لا تتعدد

بل تبحث عن نسياناتها

المسافات لا تتبعثر

لكن يداً واحدة

لا تُجيد الكتابة

ستخطفها

ذات يوم

وقد حصل أن يداً امتدت لنا من صحراء الجزيرة العربية لا تُجيد الكتابة ألغت تاريخ حضارة خلقت الكتابة وكتبت حروف القوانين الأولى في مسلة حمورابي.

محمد تركي النصار ليس (غيمة سيئة الحظ) وليس (فضاء قابل للمحو) وبالتأكيد هو ليس (كابوس يُثرثر) بقدر ما هو قصيدة وفضاء يقبل التأويل دوما:

لم يسقط القمر

فلا زال في العراق قمرٌ

...

بل إنكسرت ذراع الفضاء.

إنه النصار أو (الحياة الثالثة) التي تشبه الخيط الرفيع الرابطة بين حب الحياة في الشعر وحب الحياة بوهجها الأنسني في الواقع رغم ما في واقعنا من ألم، ولكنه شاعر يُجيد صناعة الأمل.

 

ا. د. علي المرهج