جمعة عبد اللهتشق طريقها الشعري، بأمكانية متمكنة في ادواتها الابداعية وتنوع اساليبها . في الصياغة الفنية والتعبير الدال بالمعنى والمغزى، يشعر القارئ من خلال نغمات الحزن ومكابدة الالم، في الالفة في الصور الشعرية، ويتفاعل معها بالشحن المؤثر في احساسه الداخلي . ويدخل في مناخات القصائد واجوائها المتوترة والساخنة، ويشعر بوجع وحزن الشاعرة. في محنتها مع الواقع المر والمرير (قديماً وحديثاً)، بالتوجس العميق الذي ينعي الوطن المرمي في أتون الحروب المتواصلة، مما تثقل معاناة كاهل الغربة والاغتراب باحمال ثقيلة . وقصائد الديوان الشعري تقتحم موضوعات الواقع، في اصعب وادق ازماته الحساسة وقضاياه الملتهبة . في مكوناتها البارزة، في هوس الحروب وجنونها المزمن، بأن تجعل الحب، يكتوي على جمرة النيران والحرائق المشتعلة. تجعل الحب في دروب مجهولة، يعاني الجفاف واليباس في سحب الغيوم بالدخان الكثيفة، التي تطحن الواقع بالحزن والمعاناة . انها مواجهة حامية الوطيس بين الحب والحرب، رغم ان الاختلاف اللغوي يقتصر على حرف الراء، لكنه يرسم المحنة المأساوية الكاملة . في الدلالات التعبيرية العميقة، فالاول (الحب) يمثل الحياة، والثاني (الحرب) يمثل الموت . اي ان الشاعرة تضعنا في معادلة صعبة بين الاثنين . بين الحياة المفعمة بالامل . وبين الحياة المفعمة بالحزن والسواد . بين الحلم الذي يعزف على قيثارته العذبة، وبين صراخ الانين الذي يعزف على الآهات القهر والحسرات المؤلمة لفواجع الحرب، التي تخطف الاحبة فجأة دون سابق أنذار، في حياة تكون عبارة عن (بسطال) يركض ويهرول من حرب الى حرب اخرى . لتكون الحياة عنواناً عريضاً يقرضها، الفزع والرعب والموت . وتكون الروح مفجوعة، لانها تحولها الى توابيت ومقابر . هذه العلة المؤلمة والقاسية، ان يسلب الحب من ممتلكاته، عندما يحشر عنوة حرف الراء، بين الحاء والباء . ويكسر ظهر الحب . هذه المكاشفة الجريئة في قصائد الديوان . فقد استطاعت الصور الشعرية، ان تتلامس بالعمق مناخات الواقع، الذي يرزخ تحت جحيم الحروب المتواصلة، في حرائقها المشتعلة . حتى (يوسف) الجميل افتراضاً، لم يعد جميلاً ومرغوباً فيه، وانما تتحاشاه النساء، لانه اصبح مطرود من اي مكان يتجه اليه . حاملاً حبه المكسور بالاهات والحزن، يسألونه عن هويته وينكر صلته بالطين، فلم يعد عزيزاً ومحبوباً في اي مكان يلتجئ اليه، بل يتجول كالغريب المتشرد والطريد، يبحث عن مكاناً يقبل حبه كلاجئ حتى يأوى اليه من عنفوان جفاف الحياة .ويحشر اسمه مع الحفاة العاطلين عن الحب، يلوكون الاكاذيب، بينما (زليخة) تنتشئ في انتصارها، تجلس في شرفة دافئة متباهية بالكبرياء منتشية بكأس لبن وقضمة تفاح، وتراقب زهور البنفسج وأشجار البلوط .

لم يكن عزيزاً في مصر ولا غيرها

أينما وجه وجهتهٌ

يسألونه عن هوية شاحبة

فينكر صلته بالطين

يوسف الجميل أفتراضاً

تتحاشاه النساء

ويخاط اسمه مع اقداح شاي الحفاة،

العاطلين عن الحب

المهووسين بارتجال الاكاذيب،

ولد بثياب مقطعة

يهش الكلاب بعصاه

ويسعد حين غيابه عن الصف

زليخة منتشية بكأس لبن وقضمة تفاح

تجلس الآن على شرفة دافئة

 تراقب زهور البنفسج

أشجار البلوط (ص11)

تغفو الحياة على معاناة سوداء، فقد فقدت زينتها ونضارتها، واصبحت شاهدة لعاشق صلب حباً ومات مغنياً، تتشح المدينة بالسواد، يمتزج بنعيق الغربان، لتصبغ الحياة بلون السواد على صباحاتها، وتنام الشوارع باكراً كالدجاج . والنساء خلعت حسنهن بجفاف الحياة، ويتجرعن بالمرارة، حتى الشفاه جفت ويبست، فلم تعد حقائبهن يحملن لو بقايا (قلم الحمرة)

تغفو شاهدة لعاشق صلب حباً ومات مغنيا ً

***

هذا قبل أن تتشح المدينة بالسواد حتى أخمص نهريها

ويمتزج نعيق الغربان ولون الدم فوق صباحاتنا

وتنام شوارعنا باكراً جداً كما الدجاج (المكرك)

خلعت النساء حسنهن

ذيقت أرواحهن بالمرارة

وتيبست الشفاه

فلن تجد في حقائبهن حتى لو بقايا (لقلم حمرة) (ص16)

***

 هذا التبدل في الواقع الذي في أتون حربين، هو سبب الخلاف والعلة الخلاف في الحب الذي يفقد طريقه، وتنقلب الحياة على نفسها، حين توسط حرف الراء، بين حاء وباء، وتبدل الحب الى الحرب

ولسنا اختلفنا

إلا على الراء

حين تريد التوسط

بين حاء وباء (ص 34)

سقطت كل الازمنة وانهزمت . سوى التاريخ يسجل انتصاراً لتاريخ الدم . وحدهم التتار (واحفادهم) يكتبون صفحات التاريخ بالدم . وحدهم يتناسلون بالتوراث وتوالد، لكي يصبغوا الواقع والحياة بالدم . وحدهم يكتبون عفونتهم، الملطخة بالسواد والحزن وسفك الدماء، التي اصبحت انهاراً جارية . فلا نحلف بعد الآن بدجلة فقد جف وتقلص عمره، وتيبس الفرات وفاض بالجثث . فمن يستطيع ان يكتب قصيدة خوفاً من لعنة التتار، فلا تكتبون اسم شاعرتها، لانها ليس قصيدة . وانما تكشف عري التتار الملطخين بالدماء . من يستطيع ان يترك الاطفال ينظفون انفسهم من اردان الحروب، صاروا التتار يختارون لنا اسماء جديدة، هذا زمن المهزلة

التتار وحدهم صنعوا تاريخاً يتوالد الى الآن

أحمر - قان

لا تحلفوا بعد الآن بدجلة

فقد تناقص عمره

وفاض فراتنا يباساً

وجثثاً

مزقوا هذه الصفحة أن شئتم

فقد أتعرض لسباب حد ينتمي للتاريخ اكثر مني !

أو ...............

لا تكتبوا اسمي عليها فقد لا تكون هذه قصيدة

فقط

اتركوا أطفالنا ينظفون انفسهم من اردان الحروب ويختارون لنا

أسماء جديدة ! (ص 78)

بالوعة اسمها الحرب حين فتحت ابوابها، خلع الاب شبابه، ودخلها عارياً من العودة . فقد تحولت الحياة الى (بسطال) ينتقل من حرب حرب، وضاع العمر في ضجيج الحروب . وعاشرت الام الدموع والآهات والخيبات .

بمجرد ان فتحوا أبواب الحرب

خلع أبي شبابه

ودخلها عارياً من العودة

استقلت أمي على سرير الدمع

وتغطت بآهاتها

أنا الوحيدة التي صرت أراقب ساعة الصمت المعلقة على الحائط

ببلاهة

واعد دقاتها

خيبة

خيبة (ص111)

الذكريات العالقة بالحنين التي تشتعل في دواخل الوجدان، وتنهال في يوم عادي في مسامرة اقداح الشاي، ذكريات الام، التي كابدت معاناة سنوات العجاف في الحروب التي خنقت الحياة، وكانت تذرف دموعها حزناً على غياب الاب في الحروب، فكانت تعلعل بذرف دموعها بحجة رائحة البصل . هذه الذكريات الاليمة تنهال عنوة على دروب الغربة والاغتراب .

تجلس ايامي بكل هذه الخيبة

تعد لحظاتها الهاربة دون أن تمل العدَّ

وأنا في يومي العادي هذا

أتذكر أمي

وكيف كانت

تتحجج برائحة البصل

تذرف دموعها في المطبخ لغياب أبي

الذي تسلق حياته حرب على حرب  (ص 137)

 

- ديوان الشعر (وأنا أشرب الشاي في نيوجرسي)

- الشاعرة: فليحة حسن

- تاريخ الاصدر: الطبعة الاولى 2018

عدد الصفحات: 151 صفحة

-  اصدر: الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق

 

جمعة عبدالله

 

 

 

 

731 سعد سعيدالكاتب العراقي "سعد سعيد" من مواليد ١٩٥٧ – خانقين، له تسع روايات مطبوعة "صوت خافت جداً" التي سنتناولها آخر رواياته.

فضاء الرواية

لو تعمقنا في فضاء الرواية وتفاصيلها سنلاحظ أن القصة الرئيسة هي قصة العلاقة التي ولدت ما بين "سفانة" و"الدكتور فارس"، تطورت هذه العلاقة بعد اللقاءات المتكررة إلى أن عملت "سفانة" كسكرتيرة في عيادته وأحبت الشخصية الشاذة "فارس"، لكن القدر لم يكن لطيفاً مع هذا الحب إلى أن هاجرت "سفانة" بلدها، ومع ذلك لم تفقد الأمل بالعودة إلى وطنيها كما تقول في رسالتها "فأنت الشخص الوحيد في العالم الذي يمكنه أن يعيدني إلى العراق بإشارة واحدة منه.. لأنني مازلتُ أحبك يا فارس"، فلو كان العراق وطنها الأول، قلب "فارس" وطنها الآخر فالعودة إلى الوطن مرتبطة بقلب المحب، أي بينهما علاقة تكاملية.

أما القصص الخارجية فتتعلق بواقع العراق، أي لقصة "سفانة" والدكتور إطار قصصي أكبر يتعلق بالواقع العراقي قصصٌ تصور معاناة الشارع العراقي من القلق والخوف والفقر والقتل والحالة غير المستقرة للبلاد بشكل عام، نستطيع أن نقول فضاء الرواية قصة داخل قصص كثيرة، ومن تلك القصص الواقعية: "ألا ترين حال العراقيين، فهم يرون في الحزن جمالاً باهراً! (ولچ حتى عيدهم يبدي بالمقابر!).. هل سمعت يوماً بشيء كهذا؟.. أعياد تبدأ من البكاء على القبور؟!" ١٤٣، تصوير حالة شائعة للعراقيين بحيث يبدؤون عيدهم بالبكاء على القبور، ففي كل بيت فقيد وشهيد بسبب الأوضاع السائدة في البلاد، غير أن العراقي لو أراد التعبير عن أفراحه الكبيرة ستكون لغة ذلك التعبير البكاء فرحاً، أي في الأحزان والأفراح يبكي! وقد جاء في مثال آخر حيث يصور لنا نفسية فارس "ما إن رأى ذلك الحشد الهائل الموزع في حدائق ذلك المبنى التأريخي، حتى أضاف.. ستكون كارثة إن حدث هنا عمل إرهابي.. عادت به الذاكرة إلى عام ٢٠٠٧ حين وقف عند آثار التفجير الذي تعرض له الشارع وخلّف عشرات الضحايا، فقال لنفسه مرة أخرى.. ستكون الكارثة أكبر بكثير الآن نظراً لهذا العدد الهائل من البشر نسبة إلى ذلك الوقت" ١٠٩، أي حتى في الأوقات التي يعمّ السكون أرجاء الوطن يتوقع الفرد العراقي وقوع الكوارث، وفي مثال آخر، الحوار الخارجي الذي دار بين النقيب وفارس قال "تتظاهرون ضد الحكومة"٤٤، وكأن التظاهر ضد الحكومة جريمة ما بعدها جريمة يُحاسب عليها الإنسان بسبب طلب أولى احتياجاته البسيطة!

مدلول عام للعنوان

صوتها خافت جداً، لأن حينما تُحَدّث "سفانةُ" "فضيلة" فكأنها تحدث نفسها فقط برغم ثرثرتها الدائمة لــ"فضيلة"، لكن هي تبقى شخصية غائبة عن حياتها، وصوتها عالٍ جدا، فهي عندما تُحَدّث "فضيلة" فكأنها تحدث العالم أجمع.

تبدأ الرواية بــ"صوت خافت جدا"ً، صوت الحروف لا المكالمات، حيث تبدأ "سفانة" بكتابة رسالة طويلة لفارس بعد سفرها، كان بإمكانها أن تكلمه لكنها لم تفعل ليكون حقاً الصوت خافتا جداً.

مدلول خاص للعنوان

في الرواية نُلاحظ في أكثر من موضع مجيء العنوان أو ما يوحي له بدلالات مختلفة كما في هذه الأمثلة: "حينها رفعت يدها الممسكة بالنقود وصاحت: - نئيييييييم"، ولمعرفة معناها نستمر في الحوار إلى أن نجدها عند الدكتور: - طبعا.. هو الصوت الضعيف الخفي.. وهو كالأنين قالت حينها وهي تكاد تبكي بسبب ضغط الذكريات التي انتابتها: - على كل حال، حياتنا كانت أنيناً متواصلاً" ١٠٤، "كركرت بصوت خافت، ثم قال: -أصدقك تماماً، فأنت تختلف عنهم" ١٣٦، في العيادة.. "كتبت سفانا اسمها ورقم موبايلها على قصاصة ورق وهَبّت إلى حيث كانت بشرى جالسة، لتقول لها بصوت خافت لا يسمعه غيرها" ١٤٨، وفي كلام الدكتور "لا بأس يا سفانة.. كنتِ غاضبة وحين الغضب يخفت صوت العقل" ٢٣٢، نلاحظ أحياناً هندسة توازنية ما بين الأصوات، فلو كان صوتاً عالياً يردّ الآخر بصوت خافت والعكس صحيح، ولنا مثال في الرواية: "فصاحت: ولكن مستحيل أن أقبل، فردّ بهدوء وتصميم: -أخبرتك.. ليس من حقك أن ترفضي.. ألا تريدين إنقاذ سلواك؟"٢٤٥.

 نسق الرواية والراوي

تبدأ الرواية بالنسق الدائري حيث تبدأ من خاتمة الأحداث في رسالة "سفانة" للدكتور بعد سفرها، حيث كتبت فيها اعتذار عن غيابها وأخبارها بصوت خافت، ثم تعود بنا الأحداث إلى الوراء من نقطة بداية سرد الأحداث، وهذه الطريقة لم تقتل الإثارة والتشويق لدى القارئ بل حثّته على متابعة الأحداث، ولأنه لا يأتي النسق الدائري غالباً وحده في الروايات بل يتشارك مع أنساق أخرى بعكس بعض الأنساق الأخرى التي قد ترد وحدها، فشاركه نسق التتابع لمتابعة الأحداث جزءاً بعد جزء إلى أن وصل لخاتمة الأحداث.

 في الرواية نلاحظ الراوي بشكلين:

1- الراوي العليم: أو كما سماه الناقد "جون بويون" الرؤية من الخلف (إذ يكون الراوي هنا كلّي العلم بالأحداث ودواخل الشخصيات والانفعالات، لا يغيب عنه أصغر الأمور والتفاصيل) كما في المثال: "بدت شوارع بغداد فجأة كأنها شوارع مدينة منكوبة هبّ سكانها للفرار، فاختنقت شوارعها"٣٠.

2- الرؤية مع أو المصاحبة: شخصية تنوب عن الراوي وتقوم بسرد الأحداث من منظورها الخاص والاستعانة بضمير المتكلم الأنا كما نلاحظ في جزء كبير من الرواية ترويه "سفانة" وذلك عن طريق حواراتها مع الشخصية الحاضرة الغائبة "فضيلة" التي كان لها حيز كبير في اهتمام سعد سعيد، فلو أردنا تعليل عامية أغلب هذا الجزء فنقول: (أقرب لغة لذات الإنسان لغته الطبيعية، ما يولد وينطق بها، أي اللغة العادية، فالإنسان لا يُكَلِّم نفسه بلغة فصيحة معقدة)، ربما هذا السبب وراء اختيار اللغة العامية الدارجة لشخصية "سفانة" وكلامها الموجّه لــ"فضيلة"، فهي حينما تكلم فضيلة لا تكلم إلا نفسها، على سبيل المثال حينما يقترح الدكتور على "سفانة" لقاء فهي لا تجيبه فوراً، بل توجّه رسالة لفضيلة وكأنها حاضرة وتراها "سمعتي فضيلة؟ يريد لقاءً، هل أرفض؟.. وهل أجرؤ؟!"٥٣، فسفانة تارة تنقل لفضيلة أدقّ التفاصيل، وتارة تفضفض لها، وتارة تطلب مساعدتها حتى في الأمور التي لا تخصّ حياتها كما في المثال "لچ فضولة، شلون شسوي؟ كيف أتصرف وكأن الأمر لا يعنيني، هي سمعة امرأة على المحك.. نعم أعرف بأن الأمر قد يسبب لي مشاكل، ولكنني لا أستطيع إلا أن أتصرف.. أرجوك ساعديني في اتخاذ القرار.. ولكن حتى إن قررت، فما بوسعي أن أفعل وزوجها معها؟!"١٤٨.

سعد سعيد برغم أنه عمل على تعدد الأبعاد في روايته كالبعد التاريخي والاجتماعي والسياسي، لكنه ركز تركيزاً كبيراً على البعد الثقافي من بداية الرواية حتى نهايتها، بدأت لقاءات "سفانة" و"فارس" لقاءات ثقافية حيث جمعهما شارع المتنبي ونقاشات حول الكتب، غير أنه طرح بعض المشاكل التي يعاني منها الشارع العراقي الثقافي بطريقة غير مباشرة كما في كلام "سفانة" لــ"فضيلة" :"ما عرفتي يا فضيلة، مو قررت أألف كتاب.. نعم حبيبتي، سأؤلف كتاباً عن حبيبي.. آه لا.. لا تهتمي لهذا، فقد تغير الزمان وأصبح كل المطلوب الآن هو أن تمتلكي مبلغ الطبع لتنشري ما تشائين.. الموهبة أصبحت فكرة قديمة تنتمي لزمن آخر، الآن جيبي فلوس وحمّلي كتب"١٢١.

برغم أن صوت "سفانة" لـــ"فضيلة" كان خافتاً جداً لدرجة لم يصلها، لكن الصوت وصل لقرّاء الرواية أعلى ما يكون بتقنيات "سعد سعيد" المتنوعة وطريقته المشوقة.

 

آشتي كمال

 

732 اوراق المجهولهذه السطور هي قراءة لعتبات النص بعد أن تم كتابة رواية (أوراق المجهول) من قبلي، وطبعها ونشرها. وهي لأول مرة تحدث في النقد حسب علمي وقراءاتي المتواضعة، إذ يكتب راوي عن روايته نقداً نصياً كما أفعل أنا .

عتبات النص:

(عتبات النص بنيات لغوية وأيقونية تتقدم االمتون وتعقبها لتنتج خطابات واصفة لها تعرف بمضامينها وأشكالها وأجناسها، وتقنع القراء باقتنائها، ومن أبرز مشمولاتها: إسم المؤلف، والعنوان، والأيقونة، ودار النشر، والإهداء والمقتبسة، والمقدمة... وهي بحكم موقعها الاستهلالي - الموازي للنص والملازم لمتنه تحكمها بنيات ووظائف مغايرة له تركيبيا وأسلوبيا ومتفاعلة معه دلاليا وإيحائيا، فتلوح بمعناه دون أن تفصح عنه، وتظل مرتبطة به ارتباطا وثيقا على الرغم من التباعد الظاهري الذي قد يبدو بينهما أحيانا) . ص21 – عتبات النص في التراث العربي والخطاب النقدي المعاصر – يوسف الادريسي – الدار العربية للعلوم ناشرون – ط1 – 2015 .

إذن، العتبات هي مفتاح النص لفهمه وإدراكه، وهي: اسم المؤلف، والعنوان، والأيقونة، ودار النشر، والإهداء، والكلام المقتبس، والمقدمة . ونحن إذ سنتحدث عن كل هذا في أحدى الروايات العربية المنشورة فإن هذه الرواية العينة هي رواية لي كتبتها أنا بقلمي الذي سطر كلماتها اعتماداً على ما إختزنته ذاكرتي وذائقتي من أحداث . وربما يجد البعض من القرّاء أو المهتمين بالكتابة الأدبية والرواية خاصة في هذه السطور أمراً غريباً لم يألفوه من قبل، أن يتحدث كاتب عن كتابه من وجهة نظر نقدية، إلّا اني أقول ما دامت الرواية مكتوبة بقلمي ومن فكري وذاكرتي، فلا بأس أن أتحدث عنها نقدياً من باب الوصف ودراسة النص من داخله، وليس من باب التقويم و التقييم فهو أمر يعود لغيري .

1 – اسم المؤلف:

هو المحدد الرئيسي للنص (الرواية). وهو أنا . داود سلمان الشويلي.

كَتَبْتُ ونشرتُ أول قصة قصيرة لي وأنا في سن السادسة عشرة. ثم بعدها نشرت مجموعة من الأشعار العامية. وبعد ذلك نشرت نقداً عن الشعر العامي (لي كتاب مخطوط في ذلك). وكذلك عن فنون الأدب الأخرى . وكتبت القصة القصيرة (لي مجموعة قصصية منشورة وأخرى مخطوطة). والرواية (لي ثلاث روايات منشورة، وثلاث مخطوطة). ونقد للسرديات (لي أكثر من كتاب في ذلك منشور ومخطوط ). ولي كتابات فكرية منشورة في الصحف والمواقع الالكترونية. إذاً أنا كاتب معروف ليس في العراق فحسب بل في الوطن العربي أيضاً، ويتبيّن ذلك من نشري لكتبي ودراساتي في الصحف والدوريات العربية، فضلاً عن نشر كنبي .

كتبتُ هذه الرواية ووضعت اسمي عليها للتأكيد على أن عائديتها لي. أي أنا مؤلفها، من الغلاف الى الغلاف. تحمل أفكاري وما أعتقد وأؤمن به، فهي نص صادر عن مؤلف معروف ومشهور بكتابة هذا الفن، ومعترف بقيمته الأدبية وسلطته الرمزية، فبالتالي أصبحت لهذا النص هوية معروفة بهوية مؤلفه، ولما كان كذلك، فجودة وأتقان العمل أورداءته تعود الى المؤلف نفسه وهو المسؤول عنها .

الاسم على الغلاف كتب بالخط العريض وباللون الأسود لإبرازه أمام المشاهدين للكتاب، والشخص الذي يعرفني، وهو مهتم بالرواية حتما سيقتنيها .

وضع الإسم في وسط الغلاف تحت العنوان الرئيسي للرواية وذلك لأن إهتمام الكاتب الأول هو عنوان الرواية، ومن بعده اسم مؤلفها .

2 – العنوان:

من ضمن إشتراطات إختيار عنوان أي كتاب ما هو إختياره الدال على ما في متنه من مادة. والعنوان مركب من لفظتين. وهو محدود الدلالة واسع المعني . فهو محدد بدلالة المجهولية والأوراق، إلّا انه واسع المعاني التي نحصل عليها من تركيب " أوراق " و"المجهول " . فالأوراق هذه ذات أعداد وأشكال مختلفة ومتنوعة، ويمكن أن تكون أوراقاً رسمية ثبوتية، أو أوراق كتابة، أو أوراق أشجار، وهكذا . أما المجهولية فهي غير عائدة للأوراق وإنما عائديتها للشخص .

ولما كان كذلك، فإن عنوان روايتنا "أوراق المجهول " يؤكد على أن الرواية هذه تتكون من أوراق عديدة ومختلفة الشكل والمضمون، لهذا نجد أن متن الرواية يتألف من ثمانية عشر ورقة مذكورة بتسلسل اعدادها ـ إضافة لورقتين خارجيتين أحداهما أولى تسبق ألأوراق الثمانية عشر، والأخرى وضعت في نهاية الرواية .

أما لفظة المجهول، فإن ما في الأوراق هذه يتحدث عن شخص مجهول غير معلوم، ويمكن ان يكون موجوداً، أو لا يكون موجوداً، وهو غير موجود أصلاً بلحاظ انه قد أطلق عليه لفظة " مجهول " ولم تطلق عليه لفظة " غائب "، لأن الغياب يختلف عن المجهولية، فيمكن أن يكون هذا الشخص غائباً إلّا أنه معروف للآخرين، ولكن شخصيتنا قد أنقسم حوله ناس القبيلة، فمنهم من صدق وجوده إلّا أنه لم يره، ومنهم من انكر وجوده فتحول من غائب الى مجهول، مع العلم أن الصنف الأول من الناس صدق وجوده إلّا انه لم يره، إذاً أصبح كالمجهول عنده .

وضع العنوان بخط عريض أسود اللون ليبرز كثيراً للرائي، فيصدمه، عندها يقرر أن يقرأ الرواية التي سميت هكذا.

وقد تم إختيار العنوان بعد الانتهاء من كتابة الرواية كما عنونة كتبي كافة، إذ أضع العنوان بعد الانتهاء من كتابة النص، أو على الأقل كتابته الأولى، لأن النص عندي يخضع للكتابة مرة وأخرى وثالثة وربما أكثر من ذلك .

ومن ملحقات العنوان لفظة " رواية " وقد وضعت فوق العنوان واسم المؤلف، لأن القاريء يجب أن يعرف ماذا سيقرأ ليقرر ان كان سيختار الكتاب أم لا، حسب ذائقته القرائية.

إذن، أول ما يقرأ لفظة رواية، ثم يقرأ بعدها عبارة "الطبعة الأولى" ليعرف أن ما يراه جديداً في النشر وكذلك على ذائقته القرائية، ثم من بعدها يقرأ العنوان واسم المؤلف .

3 – الأيقونة:

من أصعب الأمور على الكاتب حين طبع كتابه هو إختيار لوحة الغلاف، أما أنا فقد تم في كتبي السبعة الماضية إختيار اللوحة من قبل المصمم، إلّا في كتابين منهما هما (الذئب والخراف المهضومة – دراسات في التناص الابداعي ) و(رواية طريق الشمس) إذ اخترت لهما لوحتين تشكيليتين من انتاج الفنان التشكيلي كامل الموسوي، أما بقية كتبي فقد كان مصمم الدار اذي طبع فيها هو الذي يضع التصميم.

في روايتي هذه ـ وهو الكتاب الثامن لي - صمم الغلاف ابني ذو الفقار داود الشويلي بعد أن عرف مضمون الرواية، وعما تتحدث عنه .

يتكون التصميم من وحدات تصميمية ثلاثة،هي :

- الوحدة التصميمية الاولى : زخرفة على شكل سهم رأسه الى الأسفل تشكل الأسكفة العلوية لباب المضيف، وفي داخلها مجموعة من الأوراق المتطايرة التي تشبه الطيور في طيرانها، والأوراق هذه بلون أبيض لأن خلفتيها بلون أسود وهو يدل على المجهولية لتطاير الأوراق في فضاء غير معلوم .

- الوحدة التصميمية الثانية : رأس السهم في الوحدة التصميمية الأولى يؤشر الى مدخل المضيف "الشكل الأصفر" الذي يشبه باب المضيف الذي كتب عنه في الورقة الاولى، وقد لون بلون أصفر فاقع ليؤشر الى أن من في داخله يختلفون في المشارب والاتجاهات، وكذلك فإنهم منفصلون عن المضيف وصاحبه الشيخ المحتضر، وعن الذين خارجه .

- الوحدة التصميمية الثالثة: وهي جانبي الشكل الكلي، فقد صبغت بلون القصب و " البواري " وهو اللون الأصفر الداكن، هذا اللون الذي يؤشر الى عمر بناء المضيف الطويل وكثرة المصائب والمحن التي مرت به . وهذا القصب والبواري هي مادة البناء لأي مضيف يبنى في جنوب العراق .

إذن، اللوحة ستنطق بما احتوت عليه الرواية من أفكار وأحداث وشخصيات تدل على "أوراق المجهول " .

4 – دار النشر:

لدار النشر أهمية كبيرة في التعريف بالكتاب، وقد وضعت دار النشر الشعار "لوغا" الخاص بها في الغلاف الأول وفي الغلاف الثاني وقد كتبت تحت هذا الشعار في الغلاف الثاني عبارة "نشر وتوزيع دار المتن " .

وضعت الدار أيضاً رقم الايداع في المكتبة الوطنية لحفظ الكتب والوثائق العراقية، مع سنة ذلك الرقم على الغلاف الثاني .

والشعار "اللوغا" ورقم الايداع هما لحماية المطبوع من أن يطبع طباعة تجارية في دار أخرى. أما رقم الإيداع فهو رقم ايداع الكتاب في المكتبة الوطنية لحفظ الكتب والوثائق العراقية، وهذا مهم للكتاب خشية السرقة والادعاء الكاذب بملكيته .

5 – ورقة العنوان:

أ – وجه الورقة:

وهي أول ورقة في الرواية وقد كتب عليها اسم الرواية الذي وضع في مكانين:

- المكان الأول الركن الأيسر من أعلى الورقة وقد كتب بخط رفيع .

- المكان الثاني وسط الورقة وقد كتب بخط عريض ولون أسود داكن.

ب – ظهر الورقة الأولى:

كتبت فيها معلومات عن الرواية،اسمها، الجنس الادبي، رقم الطبعة، وسنة الطبع، وقياس الورقة، وعدد النسخ المطبوعة، واسم المصمم، ومعلومات كاملة عن دار النشر ومصمم طباعة الرواية، ورقم الايداع في المكتبة الوطنية، ومعلومات أخرى باللغة الانكليزية .

هذه المعلومات تفيد المكتبة الوطنية للكتب والوثائق، وتفيد المفهرس، وكذلك الدارس لها كرواية أو ككتاب، فضلاً عن انها تكون شهادة أمام الغير لحفظ نفسها أمام القرصنة .

وقد وضع في الورقة نفسها شعار الدار.

6 – الورقة الثانية:

كتب عليها المعلومات التالية:

- عنوان الرواية في الجهة الشمالية العليا من الورقة بخط صغير .

- اسم المؤلف بخط كبير أسود اللون وداكن.

- كتب حرف الجر "في " في وسط الصفحة .

- تحته كتب بخط عريض عنوان الرواية .

0 كتبت تحت العنوان وبخط أصغر من خط العنوان كلمة "رواية" مع سنة الطبع .

- في وسط من الأسفل كتب رقم الطبعة وسنة الطبع بخط وسط بين خط العنوان واسم المؤلف وبين خط عنوانها في الركن العلوي الشمالي .

7 – الإقتباس:

للاقتباس دور كبير في وضع النص الروائي في مكانه الفكري (المعنوي والدلالي) عند القراء، حيث انه يعد من الأمور التي ترمز لأحداث الرواية بصورة عامة. وقد اقتبس المؤلف قولين من رواية " شفرة دافنشي " وضع الأول في مقدمة متن الرواية، ووضع الثاني في نهاية متنها .

- الاقتباس الاول :

(كثيرون هم الذين اتخذوا من الأوهام والمعجزات الزائفة وخداع البشر تجارة لهم).

- الإقتباس الثاني:

(الجهل يعمي أبصارنا ويضللنا ... أيها البشر الفانون افتحوا عيونكم).

هاتان العبارتان ترمزان بصورة عامة الى ما في مضمون الرواية من أفكار أرادها الكاتب ان تصل معانيها ودلالاتها الى القاريء .

انهما يشيران الى كثرة الأوهام والمعجزات الزائفة وخداع البشر بها والتي أصابت أبناء الشعب فتحذرهم من ذلك، لأن الجهل يعمي أبصارنا وبصيرتنا ويضللنا كذلك، فتطالبهم بأن يفتحوا عيونهم لكي لا يخدعوا بما يسمعون أو يرون من سلوك أعوج يمارس ضدهم في العلن والخفاء تحت أسماء ولافتات وعناوين كثيرة .

8 – معجم ما استعجم:

هذا العنوان غير موجود في الكثير من الكتب إلّا ان المؤلف أراد منه أن يكون مثل المعجم للألفاظ و الكلمات والعبارات والأمثال التي وردت في المتن وفيها صعوبة في ادراك وفهم معانيها من قبل البعض لأنها تستخدم في لهجة منطقة من جنوب العراق فقط .

9 – ورقة المؤلف:

ثبت فيها الكتب التي كتبها المؤلف، المطبوعة وغير المطبوعة، وهي ورقة خاصة للتعريف بنتاجات المؤلف من قبل قراء الرواية لكي تكون دافعاً لهم لقراءتها .

10 – الفهرست:

وهي تضم ما احتوته أوراق الرواية من عناوين .

11 – الغلاف الثاني:

وهو واجهة الكتاب الثانية. ويكتسي أهمية كبيرة بعد الغلاف الأول لأنه يقوم بفعالية الاغراء للقراء في اقتناء الكتاب أو الكتب الأخرى للمؤلف، وتضم:

- صورة المؤلف .

- اصدارات المؤلف السابقة والتي ستصدر لاحقاً، وقد وضعت هذه المؤلفات ضمن مريع، خطوط أركانه ملونة بلون أخضر .

- شعار دار النشر، ورقم الايداع في المكتبة الوطنية لحفظ الكتب والوثائق .

- الجزء المكمل لايقونة الكتاب وهو ركن واجهة المضيف .

***

تسهم هذه العتبات في سعة تداولية الكتاب " الرواية "، وفهم معانيها ودلالاتها وما توحي بها من رموز مخبوءة بين سطور وعبارات متن الرواية .

 

قراءة: داود سلمان الشويلي

 

فالح الحجيةالشعر ديوان العرب، مقولة قديمة نجدها في كل كتاب أو حديث عن الشعر او الأدب العربي وهذه المقولة تعبر عن ذلك الموقع الاستثنائي الفريد الذي حظي به هذا النوع من الأجناس الأدبية داخل الثقافة العربية. وقد لحق شعرنا العربي مثل غيره من ظواهر الفكر والحياة في مجال تطوير او تبديل كبير في صيغه المختلفة وطرائقه وموضوعاته. والتطور والتبدل ليسا بظاهرة تستوجب الاندهاش والاستغراب، بل الذي ينبغي أن يثير استغرابنا هو ما يلحق الفكر والوجدان من جمود، وصيغ التعبير مقابل تغير المحيط وتبدل سياقات العيش وعوائد الاجتماع.

ولكن إذا كان هذا التطور والتغير والتبدل حالة حدسية مركزة او ثابتة في مختلف أ مور الحياة، فإن من البديهي ان هذه الظاهرة لا تعني أن كل تطور هو بالضرورة امر إيجابي وأن معارضة التغيير والتقويم النقدي لمنتجاته فعل سلبي صادر عن جمود في الاحساس ونقص في الوجدان، ووقوف ساذج أمام مسيرة الحياة وحركاتها المستمرة. فكثيراً ما تطرح الحياة في سياق تطورها مستجدات ربما تكون في بعضها سلبية، فلا بد من معارضتها ومواجهتها. وان كانت قد تجاوزت السوسيولوجيا ذلك التصور الذي ساد الفكر السوسيولوجي الوضعي، وأعني به التصور المعتقد بوجود خط تقدمي في تصاعد دوما، وأخذين بالاعتبار النظر إلى الظواهر الاجتماعية بصفتها لا تشهد دائما تسريعا في تقدمها وديمومة حركتها نحو المستقبل .

ومن بين الظواهر السلبية التي أعتقد أنها أصابت الحركة الثقافية في امتنا في الصميم، هذا الشعور الفوضوي الذي سيطر على الذائقة الشعرية، ابتداء من شعر التفعيلة، فانكشفت ازاء ذلك لنا في كل لحظة حالة مضطربة او مهزوزة. و قد يقول البعض: إن الشعر العربي الآن كثيف الإنتاج، جريء في تجربته، ولم يثبت او يستوي لحد الان على سياق معلوم، ولا حتى على سياقات معلومة مضبوطة، لذا اصبح التجريب والإكثار من تنوع الشكلية والمضمون والمحاولة الجادة حالة مطلوبة ومرجوة لتطوير فكر الإنسان العربي وثقافته، ولكن ينبغي ان لا نصدر الأحكام على نتاج لم يتحقق اكتماله واستواؤه على سوقه . فانا أعتقد أنه ينبغي التقويم والحكم، ليس فقط لأن حركة التجريب في تراكيب وأساليب وأشكال الشعر العربي الحديث في تجربته التى امضى عليها اكثر من نصف قرن لأن مختلف نقاد الشعر وحتى الشعراء أنفسهم يتحدثون عن وجود أزمة في نمطية الشعر العربي حيث أن النقد فعل مطلوب حتى في اللحظات الأولى للتجربة إذ لا بد للنقد أن يرافق العمل الإبداعي ويسايره في مختلف لحظات تطوره، وحتى في بداياته لتقويمه لأنه في كثير من الأحيان ربما يكون صمام الأمان للحركة الإبداعية في نتاجاتها مهما كانت غثة او سمينة وحافزا لها في مسار تطورها وارتقائها او سموها باتجاه الافضل .

 وإذا كان الوجه الذي تقمصه الحس والذوق الشعري مع قصيدة شاعر ما كان ثوبا عبا سيا أصلا من حيث اللفظة وانتقاء الكلمة وطريقة نظمها باعتبار حركة التجديد بدأت في العصرالعباسي فإن حركة البعث او التجديد تشهد تجديدا ملحوظا في اغلب مضامين وموضوعات الشعر العربي حيث ستتناول حتما قضايا اجتماعية وسياسية معبرة عن اراء و آمال وطموحات الشعب العربي . وسيستمر هذا النهج مستقبلا سائرا نحو الافضل بطموح وقد استطاع الشعر العربي في هذه المرحلة من التفاعل مع اللغة الشعرية وأنماط التعبير خلال ما سمي بعصر الانحطاط، وذاك في تقديري تجديد مهم.

ولست أقصد بهذ ه الحالة التجربة الشعرية المعاصرة فحركة التجديد الشعري لم يكن لها أي فضل لكنها جاءت كسياق تطور مستمر بل إن الناظر في واقع الشعر العربي في القرن التاسع عشر، سيرى أن الملكة الشعرية أصابها جفاف او ركود في الشعور و تجمد و تكلس في أساليب التعبير، وكان لا بد من نهضة قوية في الشعر تدفعه الى حدوث التغيير ولنا في حركة البعث والإحياء التي برزت ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر مع البارودي اسوة حسنة، والتي ستلتمع فضل بين لا ينكر.

وإذا كان الثوب الذي ارتداه الشعر والذوق الشعري مع قصيدة البارودي ثوبا عباسيا أساسا او اشبه به، من حيث مواده اللفظية، وطرائق نسجه، فإن حركة البعث شهد ت تجديدا ملحوظا في مضامين وموضوعات الشعر العربي، حيث تناولت قضايا اجتماعية وسياسية معبرة عن آمال وطموحات جماعة الشعب العربي وقد استطاع الشعر العربي في هذه المرحلة المسماة ب(الكلاسيكية) حلحلة حالة التكلس الذي أصاب اللغة الشعرية او دفعها نحو الافضل وأنماط التعبير خلال عصر الانحطاط او الركود وذاك في تقديري تجديد مهم .ومن ثم استمر الشعر العربي مع الحركة (الرومانسية) متأثرا بشروط وعوامل مهمة جديدة و عديدة، من أهمها ما يتصل بالمثاقفة او التزاوج الثقافي والتواصل بين الأدب العربي والآداب الغربية . فكانت نتاجات الرومانسية الغربية تشكل عند شعراء الرومانسية العربية نماذج للاقتداء بها والحذو على نهجها في بناء النظرية الشعرية ونظم القصيدة الشعرية العربية . وقد تبين ان الشعر العربي قد تغيرت تعبيريته من النظرة الجماعية إلى النظرة الانفرادية، حيث ا ستثمر الشاعر الرومانسي جانبه العاطفي والوجداني في الذات الشخصية إضافة إلى استحضار روح الشعور الطبيعي. حيث لم يكن التجديد في القصيدة الرومانسية مجرد تجديد في موضوعات الشعر العربي فقط بل مس أيضا اللفظ التعبيري الشعري ذاته، فغابت عن القصيدة الرومانسية الألفاظ الوحشية او الالفاظ الصعبة التي كانت حركة البعث والإحياء تستعملها كثيرا .

 

فالرومانسية مارست التجديد ليس في الموضوع فقط كما هو شائع، او استحضار ذات الشاعر والطبيعة الموجودة، بل إن التجديد المهم هو تجديد في اللغة الشعرية، حيث تبنت لغة سهلة رائقة نابضة بالحياة . لذا يمكن ان نقول إن أهم عناصر تجديد للثقافة الشعرية العربية بعد الكلاسيكية والرومانسية هو اللغة الشعرية.

فحركة الشعر العربي شهد ت فيما بعد نقلة استثنائية، حيث طال التغيير البنية العروضية للقصيدة العربية، مع حركة الشعر الحر أو شعر التفعيلة ويعتبر الشعر الحر الثورة الثانية على العروض الشعرية الفراهيدية شهدها تاريخ الأدب العربي اذا اعتبرنا ان الثورة العروضية الاولى تمثلت في الموشحات الأندلسية. والازجال وقد التمعت أسماء جديدة في فضاء الشعر العربي في منتصف القرن العشرين، بشكل قصيدي جديد، مثل نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وعبدالوهاب البياتي، ويوسف الخال، وأدونيس. وصلاح عبد الصبور وامثالهم لكن إذا كانت القصيدة الإحيائية، وكذلك الرومانسية كانتا حريصتين على التوصيل فان حركة الشعر الحر او شعر التفعيلة ستحرص على تكسير هذا التقليد الموجود بتفاعل من إن الشعر خطاب إيحائي وترميز يتميز بكل دلائل الانزياح وكثافة المعنى وتعدد هذه الأبعاد . وإذا كان شعر التفعيلة في بدايته اقتصد او قلل في كثافة الترميز فإن تطوراته اللاحقة سرعان ما أدخلته في سماء ضيقة عندما استقر في الثقافة الشعرية العربية مفهوم خاص عن الشعر يجرده من كل معنى فيه ورسالة له .وربما جاء ذلك بعد سلسلة من التأملات البديهية في ظل النكسات السياسية التي عاشتها الامة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث ولّد حالة من اليأس النفسي الثقافي والاجتماعي.

ورغم وجود الحركة التي مست القصيدة العربية في لغتها أو صياغتها – يحق للباحث أن يبحث في حركة التطور التي شهدها الشعر العربي المعاصر عن مصداقية شعار التجديد بسبب ظاهرة تبعيتها وكذ لك التقليد الذي ميز صلة الشاعر العربي بصلة التجربة الشعرية الغربية.. فإذا كان الشاعر الرومانسي العربي ولج من حيث الموضوع من خلال التجربة الرومانسية الغربية فأن شعر التفعيلة لا يعني الدعوة إلى الجمود على عروض الخليل الفراهيدي بل هو يمثل ثورة – كما اسلفت – عليها فالتجديد شمل كل الأساليب الشعرية والأشكال والمضامين، .بالنظر إلى ايجاد تغيير في واقع الثقافة ومحيط الاجتماع فان النهج الذي سار فيه الشعر المعاصر اغرقه في الغموض وكذلك افتعال استخدام الأسطورة، وتقليد سريالية الشعور الأوروبي من دون إدراك الأسباب الحضارية والخلفيات الفلسفية التي جعلت الشعر – والثقافة الغربية ككل - ينساق في هذا المسار ثم انهيار قاعدة بناء قصيدة الشعر الحر ذاتها مع ما يسمى بـ ( قصيدة النثر ) او قصيدة النثر المعاصرة التي اوغلت حتى العظم في الغموض والابهام في بداياتها فيؤكد أن هذا السياق الذي سار فيه الشعر العربي في أمسّ الحاجة إلى وقفة ادبية ونقدية تكشف زيف شعار التجديد وتؤكد ضرورة الإبداع الذاتي الأصيل وتحجيم الغموض في كل من شعر التفعلية وقصيدة النثر .

وفي نظرة سريعة الى ما ينشر حاليا في مواقع النشر الورقية والالكترونية نلاحظ آلاف القصائد او ما يسمونها قصائد لشعراء كثيرين ( جدد ) في قصيدة النثر . انها مجرد كلمات نضدت او كلمات ألبسوها اثوابا مختلفة من الغموض والابهام ووسموها بانها (قصائد معاصرة) .

 

امير البيــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العــــراق - ديـــالى - بلــــد روز

 

 

727 صباح مطرلا يمكننا بصورة أو بأخرى حصر دور المكان الروائي كإطار لامّ لأحداث الرواية فقط، وإنما يدخل مع الشخصيات وكل بنى النص الروائي الأخرى بعلاقات بنائية، تفرض هيمنتها الكاملة في بعض الاحيان، بغض النظر عن شكل هذا المكان، إن كان مكاناً فعلياً مباشراً، أو مجرد إحالة ما، وبصورة غير مباشرة، يقول ج. ب. كولدنستين ( يحرص (الكاتب) على اعطاء كل لحظة قوية وكل مشهد من مشاهد روايته أطاراً زمكانياً، ذلك أنَّ الروائي أكثر تنبهاً الى العلاقات التي توحد بين الشخوص التي يبدع، والعالم الروائي الذي يحيط بهم)، وهذا ربما ما نلاحظه في رواية (كوثاريا)  للروائي نعيم آل مسافر، إذ إنَّ حضورها كمدينة يبدو هامشياً في القراءة المباشرة، لكنه يأخذ مديات كبيرة في بناء الثيمة الروائية، ولكن بصورة غير مباشرة من خلال المكان الروائي/ التخيلي والاحالة الى المكان الواقعي، واعتقد أنَّ لعبة النص، هي استبدال المواقع بين المدينة المتخيلة وبين المدينة الواقعية، إذ يمارس المكان هنا -وهو المدينة- سطوة على دلالات النص بالتلاعب بها على هذين الوترين، اي يصبح احدهما وجهاً للآخر، دون التفريط بأي منهما، ويصبح التاريخ الاحالي والحاضر كلاهما حاضرين يمثلان نبض النص وتناميه، و بداية لخلق الارتباط بينهما وإن كان بصورة ضمنية، فمثلاً يتخذ العنوان (كوثاريا) ترجيعاً دلالياً سيميائياً داخل النص، حيث يمثل عتبة أولى ستفرض هيمنتها الدلالية والسيميائية على مجمل محاولاتنا في استنطاق المتن السردي والبناء الثيمي، فهل كوثاريا المدينة التاريخية كانت حاضرة بكل ثقلها الدلالي والمرجعي، ام هي محاولة بناء متن افتراضي موازٍ يجمع زمنين، ماضٍ وحاضر، يحاولان أن يعضدا رؤية ابتناها الروائي، من خلال تعدد ظهور هذا العنوان ليس بصورته دالاً مكانياً فقط، وإنما هو حضور لفضاء الدلالة المقترن بالمكان الذي بناه النص، والمكان الآخر الذي يحيل اليه العنوان، وعلاقته بالاستهلال الذي سنجترح له عدة علاقات تساهم في التأثير على بناء النص وبنيته الدلالية، وهذا الحضور لكوثاريا العلامة هو حضور افتراضي لكوثاريا المكان التاريخي في مستواه الاحالي.

يستفيد الروائي من المكان الحقيقي واحالاته ودلالاتها، وأيضاً من المكان الآخر (الروائي) المتخيل والذي يضلل القارئ من خلال البحث عن المشتركات بينهما، ولا يعني ذلك أنَّ تلك المشتركات بصورتها المباشرة شرط لازم بينهما، وإنما المكان الروائي التخيلي يحاول ان يفارق ذلك الاصل ويموه علاقته به، باشتراطات بنية النص وتمثلا لثيمته، إذ (ينبغي للمكان الروائي ان يكون "حقيقياً"، من دون أن يعني ذلك امكانية تحديد موقعه تحديداً تاماً. ولذلك يكون التأليف بين السمات المعرفة الحاملة لأسماء حقيقية وسمات أخرى غير معرفة نسبياً، تحمل أسماءً تخيلية، أو ليس في الامكان التعرف عليها. بما يجري معه، توجيه القارئ بموازاة لتضليله)، وان كانت التسمية تعمل على كشف وتركيز دور المكان في صنع الحدث السردي، اذ يقول شارك كريفل (ان تسمية المدينة أو الشارع، الخ، لا يكون لها مبرر مالم تكن هذه الامكنة مسرحاً لفعل (قد جرت ازاحته). فالنص الروائي يؤكد دائماً، على غيب تستمد منه عناصر الرواية معناها الحالي.) .

إنَّ الصورة الحقيقية للمكان ربما تنفذ بصورة أو بأخرى الى ممارسة نوع من التأثير على المكان الروائي، باعتباره صورة مفترضة عنه، محاولاً بها اعطاء نوع من الواقعية، لذلك فتلك العلاقة هي علاقة مواجهة و"ندية" كما يصفها (كريفل) (ان المكان يعطي الانطباع بان النص حقيقي. فهو يؤكد ان ما يحكى داخله انما هو محض تشخيص. وبفضل المكان يحيل النص ويتبدى كأن له علاقة بشيء خارجي، أو هو صوره عنه أو محاكاة له. مما يجعل النص في مواجهة مستمرة. فهو مشروط (افتراضاً) بحقيقة هو ندّ لها)، وبهذا يمكن ان يتحقق نوع من التوائم الضمني بين الطرفين من خلال التسليم بأنهما رغم تلك الندية إلا انهما يشتركان بنفس الارضية المكونة لهما كدلالتين مكانيتين تحيلان الى علاقة سيميائية ثابتة وقارة لهذا المكان، فإشارة الروائي للمدينة المدورة في رواية كوثاريا مثلاً، لكي يعزز مدى التقارب بين المدينتين السادرتين في تاريخ يتوالد من نفسه وبنفس الوتيرة، حيث إن كوثاريا مدينة اخرى غير المدينة الموصوفة بالمدورة وهي (بغداد) الا ان ما يجمع بينهما تلك الصلة الافتراضية التي اوجدها الروائي والتي خلقت تلك المقابلة بين المكان الواقعي والروائي/ التخيلي، ولكن ايهما الحقيقي وايهما المتخيل؟ هل هي المدينة المدورة/ بغداد ام كوثاريا المدينة التاريخية؟ الاجابة ممكن أن نفترضها إن نحن دققنا باستخدام الروائي لمدينة كوثاريا، والتي هي مجرد اسم لمدينة ولا يوجد اي اشارة الى كونها هي المدينة التاريخية القديمة، موطن صناعة الاصنام، وهنا كما اعتقد لعبة الروائي بإسقاط الحاضر في دائرة التاريخ، وجعل كل دلالات النص تدور حولها بصورة وبأخرى، اي جعل (كوثاريا) الحاضر هي امتداد لـ(كوثاريا) الامس، وليست استدراجاً للثانية الى حاضر الاولى، وذلك يظهر من خلال غياب كل ما يرتبط بها والاكتفاء بحضورها كإسم، مع اشارة الاستهلال الى ابراهيم وتحطيم الاصنام والتي كانت تسبتطن وجودها،  كما سنشير لاحقاً، فهذه المدينة ترتبط دائماً وفي اكثر من موضع من الرواية بكوثاريا مرة وبالمدينة المدورة مرة أخرى، مع ملاحظة ان كلتيهما مدينتان تاريخيتان، تعززان حاضر الرواية (كانت عيناي معصوبتين ولم يقم اعوان سمير بفتحهما إلا عند باب المزرعة، فلا اعرف بأي جهة من ضواحي كوثاريا تقع. هذه المدينة المدورة التي بناها ضرورة سابق وظل سكانها يدورون في حلقة مفرغة. وظلت تتنقل كغانية بين يدي دكتاتور وآخر منذ ذلك الحين.).

لاتخلو الرواية من اشارات واضحة الى ان كوثاريا هي كناية عن (بغداد) كما اسلفنا، وما العنوان الجديد الا محاولة من الروائي ليحقق موائمة افتراضية بين بغداد اليوم وكوثاريا المدينة التاريخية صانعة الاصنام، وهذا ما يظهر ربما من خلال الربط بين شخصيات الرواية وبين النظام الديكتاتوري، وكأنها اشارة الى هذا الوطن المتمثل بهذه المدينة، معمل صناعة الاصنام بكل اشكالها، متمثلة بالشخصيات التي تأخذها من قاع المجتمع حيث المعوقين نفسيا كـ(سمير) او المأبونين كـ(نبيل)، اذ ان (كل فعل للشخصية الروائية هو واجهة اشارية أو (موقف) اجتماعي يضمر مرجعيات ثقافية مهيمنة، تستبطن الفعل الثقافي المضمر، اي الفعل الثقافي الجمعي الذائب في ذلك الموقف.)، حيث إنَّ البحث في مواقف الشخصيات هو بحث في المواقف الاجتماعية المضمرة، او مبرراتها المستندة على اسس ثقافية مضمرة والتي اظهرت كوثاريا بهذه الصورة، اذ (يمكننا النظر الى المكان بوصفه شبكة من العلاقات والرؤيات التي تتضامن مع بعضها لتشييد مواقع الاحداث وتحديد مسار الحبكة ورسم المنحنى الذي يرتاده الشخوص.)، وهذا ربما يضعنا في لجة سؤال اعمق، هل ان التأثير هنا ينحصر بكون المكان ارضاً صلبة تقوم عليها هذه العلاقات، وتؤثر في بناء الاحداث وصياغة الاراء... الى اخره، ام ان هناك صفات اخرى، كما في اسم مدينة (كوثاريا)، فمدينة الامس/ التاريخ، ليست هي مدينة اليوم/ الحاضر، ولا يجمعهما على المستوى السطحي والمباشر سوى الاسم، الذي يضفي تلك الهالة الرمزية على مجمل احداث الرواية وشخوصها، لذلك فهذه التسمية ربما تبدو مجازاً، للموائمة بين مرجعيات كلا المدينتين ومحمولاتهما الرمزية، فلو لم تكن مدينة اليوم هي المدينة المدورة او هي كوثاريا، فهل ستبقى العلاقات الاحالية والرمزية لهذه الكيفية، ام انها ستأخذ مساراً اخر، اذ استخدم العنوان/ المكان بصورة واعية لتحقيق هذا الربط الذي ربما يختفي من سطح الرواية وعلاقاتها، ويضمر في العلاقات التي ينشأها هذا العنوان والاحالات المتكررة له من خلال الاشارة الى الاصنام في اكثر من موضع داخل الرواية، وتراوح ظهور المدينة بين المدينة المتخيلة والواقعية كما اسلفنا.

اعتقد ان (كوثاريا) خرجت عن توصيفها كمكان جغرافي، الى مكان يحمل محمولات رمزية، يمكن ان يكون اي مكان ما يتطابق مع تلك المرموزات والدلالات، خالقاً رابطاً بينها، فاتحاً فضاءات جديدة لاعادة قراءته من منظور هذه العلاقة، فلو بحثنا في مكان رواية كوثاريا؛ اي المزرعة او حتى السجن الاصلاحي، فلن نجد ذلك التطابق الصوري بينه وبين كوثاريا النبي ابرهيم التاريخية، الا في الاشارة الدائمة لمحور هذه العلاقة وهي صناعة الاصنام، (كما اتخذ القائد الضرورة من السجن الاصلاحي كوثاريا اخرى انتجت من الاصنام المتحكمة في اقدار الناس مافاق نتاج اصابع آزر، هاهو سمير اليوم يتخذ من هذه المزرعة مكانا اخر على شاكلتها)، رغم اننا نجد في ص11 من الرواية انها اخذت منحاً اخر في توصيف المكان عندما شبه بالبستان، الذي لا يقدم المكان الصريح مستفيداً؛ من مواصفات البستان التي يسقطها على المكان المفترض للرواية، المكان الواسع او فضاء الوطن الذي كان في كوثاريا مركزاً تتجمع حوله دلالاتها، رغم انه يختفي في اكثر الاحيان، الا انه موجود ومهيمن على الخط البنائي العام لثيمة الرواية.

يلعب المكان دوراً مهما في بناء الحدث السردي، ومشاركاً لكل عناصر العمل الروائي الاخرى في بناء النص، فـ (المكان هو الحاضن للحدث الروائي، وتفاعل الشخصية وردود افعالها تجاه المكان محكومة بنوعية الحدث ان كان ايجابيا او سلبيا اي ان يكون للمكان فعل اجتماعي، كاشفا نمط معيشة الشخصيات والمرجعيات الثقافية التي تصنع هويتها المكانية.)، ويعبر المكان ايضا او يعطي تصوراً على اقل تقدير عن الحدث السردي الذي سيضمه، وربما وفي بعض الاحيان يعطي اشارات ضمنية للقارئ عن طبيعة ذلك الحدث، الذي يكون ارضاً له ومتعالقاً معه، اذ لا يكون المكان هنا مجرد وجود او صورة سلبية حيادية، وانما يكون متوائما ان لم يكن محرضا ضمنيا على ذلك الحدث، فالمكان (في الرواية انما يكون بحسب ملائمته للحدث القابل (...) مكان "ناطق")، لذلك يكون للمكان هيمنة كبيرة على الشخصيات باعتبارها تمثلا ثقافيا واجتماعيا لتلك المجتمعات التي تشغله، لذلك تخضع في اكثر الاحيان لضغط ذلك المكان او الفضاء الثقافي والاجتماعي وتستجيب لقيمه، فـ( الحيز الذي تتفاعل فيه الشخصية يولد علاقات تبادلية بينهما – ان كان حيزا اجتماعيا او ثقافيا او حتى مكانيا- من خلال التأثير بتلك القيم، اي اسباغ هذه القيم عليه، من خلال ممارسة سلطة الوعي به او الانقياد الى القيم التي يفرضها، باعتباره ممثلا لسلطة اجتماعية وثقافية مهيمنة.) .

يبدو المكان في رواية (كوثاريا) مكانا قامعا ومصدرا للشر، لذلك يكون الهروب منه هروبا من ذلك الشر، ورغم ان مسببه هم البشر/ شخصيات الرواية سمير وغيره، الا ان هذا المكان (كوثاريا) هو المسبب الرئيسي، لانه معمل لصنع الاصنام، والخروج منه هو هروب من هذه الاصنام وظلالها، وطبعا هنا يجب الاشارة الى ان القصد من المكان ليس المكان الجغرافي، وانما هو الفضاء الثقافي والحضاري اي المظاهر السوسيوثقافية التي يبنيها هذا المكان والتي تلتحم بالاطر الحضارية والثقافية للمجتمعات التي تعيش فيه، (ليتني استعجلت بالسفر قليلا، لما استطاع اتباع سمير اختطافي واحضاري اليوم في مزرعته المقبرة هذه. لكنت الان في بلد آخر بعيدا عن كوثاريا. في بلد لا سطوة له فيه. ابدأ هناك حياة جديدة، حيث لا أحد يعرفني ولا ماض يلاحقني أعود حقيقيا كما كنت في السابق، قبل ان يفرض علي القدر مصاحبته في رحلة حياتي الماضية) .

لعب الاستهلال (مردوخ) دورا تحريضيا وموجها قرائيا، يحاول ان يبتني مجموعة من العلاقات، التي ستشكل لدى القارئ مجموعة من المفاتيح التي سيبحث عن ابوابها في النص، ربما لتفتح له مديات قرائية واسعة، يمكننا اجمالها بعلاقتين هما:

- سبب عدم تحطيم مردوخ وعلاقته بالسبب الذي اعطاه الراوي.

- السؤال، سؤال عدم التحطيم وسيرة حياة الراوي (كتبته على جدران السجون الرطبة بحروف باردة، خططته على اراضي المعارك الساخنة بحروف لزجة) .

هذه مجموعة من العلاقات التي ربما يمكن استخراجها من نص الاستهلال، وربما يمكننا صياغة مجموعة اخرى، ولكن المهم في ذلك هو تأثير هذه العلاقات على احداث الرواية وبنائها، اذ إنَّ تأثير الاستهلال على بنية النص، يظهر من خلال التعالق مابين العلاقات التي اشرنا لها سابقا وتكرار ظهور علاماتها المتمثلة بإبراهيم ومردوخ وكوثاريا المدينة التاريخية؛ التي كانت غائبة عن متن الاستهلال ولكنه ليس غيابا فعليا، وانما هو حضور ضمني من خلال الحديث عن قصة النبي ابراهيم، والذي يرتبط بالمدينة من خلال مقولة (ابن عباس) التي وضعها الروائي قبل الاستهلال وهي (نحن معاشر قريش من النبط، من اهل كوثاريا، قيل ان ابراهيم ولد بها، وكان النبط سكانها)، وايضا يمكننا ان نفترض اجابة عن هذه الاسئلة او العلاقات بعد ان نعقد صلة بين الفضاءات التي بني عليها المدخل الاستهلالي، اذ ان هناك ثلاثة فضاءات نصية ومرجعية تغذي النص، منها ماهو مباشر اشتبك بالبناء السردي، ومنها ماهو غير مباشر متن افتراضي ملحق ببعض الدلالات التي يغذيها داخل الرواية، وهذه الفضاءات هي اولاً قصة النبي ابراهيم وتحطيمه للاصنام (قرب الموقد كنت اطلب من ابي، ان يحدثني بقصة النبي ابراهيم، من بين كل قصص الانبياء التي يحفظها ويرويها لنا في الطفولة. كانت هذه القصة تأسرني...) ص5، اما الفضاء الثاني وهو المهم بتصوري وهو وسيط بين الفضائين الاخرين، هو السؤال الذي تحدثنا عنه قبل قليل، اما الفضاء الثالث فهو القصة الرئيسية التي كانت مفتتحاً لانطلاق احداث الرواية وهي مقتل والد الشخصية الرئيسية وسجنه.

احتفظ الفضاءان الاوليان في المدخل الاستهلالي وهما فضاء قصة ابراهيم وسؤال الفأس، بموقعهما خارج الحدث السردي المباشر، وإنْ مدت لهما خيوطا داخل مسارات الرواية بصورة غير مباشرة من الايحاء الذي يضفيانه على بعض الاحداث وخاصة من خلال الحديث عن الاصنام او (الضرورة)، حيث يتركاننا في حالة من الترقب لعقد صلات بين احداث الرواية وتشعباتها وبين هاتين المرجعيتين، من خلال البحث عن الاصنام ومردوخ، او محاولة تخمين الاجابة، وتتضح اهمية هذا المدخل الاستهلالي ومدى هيمنته على الرواية ان حاولنا رفعه، والذي ربما سيعطي لدلالات الرواية - بوجهة نظر اخرى- فسحة اكبر من الحرية، وربما تجنح بعيدا عن هذه الموجهات التي الزمنا بها الروائي، وهذا المدخل او العتبة طريقة ذكية – برأيي على اقل تقدير- وضعها الروائي للمحافظة على الثيمة الروائية التي يحاول رسمها بربطها بمرجعيات تغذيها بصورة غير مباشرة، لتعطيها صبغة اكثر درامية.

لو انطلقنا من المدخل الاستهلالي ( لعتبة النصية)، غاضين النظر عن العنوان والغلاف، وبحثنا عن اصنام كوثاريا داخل المتن، فهل سنجد تلك الاصنام؟ هل ان الرواية قدمت الضرورة او ظل الضرورة (سمير) كأصنام؟؟ هل ان الراوي يلعب في حاضر السرد دور (إبراهيم عليه السلام)؟؟؟ إن الرواية – بتصوري- لا تتكلم عن صناعة الاصنام او تدميرها، كما هو الايحاء الذي أوهمنا به الفضاء الاول للمدخل الاستهلالي، وانما تنطلق من الفضاء الثاني وهو السؤال ( السبب المعروف هو اتهامه بالتحطيم، حتى يُحرج الكهنة وتتضح الحقيقة للناس المخدوعين بعبادة الاصنام. ما كان هذا السبب المعلن يرضي فضولي، ولطالما تساءلت عن وجود سبب أخر جعله يترك هذا الصنم دون ان يحطمه)ص5، إن الاجابة عن هذا السؤال؛ هو الاجابة عن سؤال الرواية، وافتراض الاجابة تضعنا في خضم سؤال اهم وهو هل انه لم يحطمه حقاً؟؟ ان تحطيم الجسم المادي للصنم لا يقتله اذ من الممكن استبداله، ولكن وضع فأس السؤال في عنقه سيحطم جسمه اللامادي، فالرواية ربما هي فأس السؤال الذي وضع في رقبة مردوخ، ليعري القيم اللامادية التي تصنع اصنامنا (الذي دعا ابراهيم لعدم تحطيم مردوخ ووضع الفأس في عنقه، ربما كان يريد الايحاء لنا بإن مهمة تحطيم الاصنام ليست مهنته بل مهمة الجميع، لابد لكل منا تحطيم اصنامه الداخلية بنفسه حتى يحين الخلاص) .

ربما لم يأخذ مردوخ الصنم الكبير وآزر صانع الاصنام مساحة كبيرة في الرواية، الا انهما مارسا نوعاً من السيطرة على البناء الدلالي للنص من خلال العلاقات التي بنياها، وأيضاً في المرات التي ظهرا فيها في المتن والتي عززت دورهما في النص، لكي لاينفرط البناء الدلالي ويخرج عن السيطرة التي فرضاها منذ نص الاستهلال (مازال مردوخ يتناسل في نفوسنا ويلد الاصنام تلو الاصنام، فكل من تتوفر له فرصة التسلط يظهر الصنم القابع في داخله ويصير دكتاتورا يحاول ان يكون مردوخا اخر. كلنا آزر وهذه البلاد كلها كوثاريا وانى لنا بإبراهيم جديد؟)، وربما يكون هذا الاقتباس هو تساؤل الرواية أو الاطار الذي يحكم ثيمتها، اذ انه يكشف الصلة الافتراضية التي اوجدناها بين كوثاريا التاريخ، مدينة الاصنام بكل تشكلاتها والدلالات المرتبطة بها كـ(مردوخ، آزر، وإبراهيم) وكوثاريا الحاضر، المدينة المموهة بهذه المرجعية والاشارات التي تقود الى مدينة فعلية واقعية هي (بغداد)، ولكن بحضور افتراضي استشرافي لدلالات الاولى وهي صناعة الاصنام، الى اخره من دلالات، اذ يجر الراوي ثيمة النص لكشف الاساس الذي قامت عليه استعارته لكوثاريا وآزر ومردوخ وربطها بزمن الرواية، ويمكننا ان نلمح حسا ساخرا مبطنا في لغة النص وهو يتعامل مع كوثاريا كدلالة وهذا ربما يسعى به الراوي لتعميق صورة هذه المدينة بصورتها الحاضرة، اذ يقول (ان اراد المرؤ ان يظل على قيد الحياة في كوثاريا، فلا بد له ان يتقن فن انتحال شخص اخر على شاكلة عبدة مردوخ. فيفقد ذاته ويصير دمية مسلوبة الارادة يحركها اللاعبون الكبار، يكون صانعا للأصنام كأي آزر، بشكل وآخر. بغير هذا ليس امامه إلا ان يكون حطبا لمحرقة النمرود التي اشتعلت في اوصالنا منذ زمن بعيد بأسباب واسماء مختلفة)، وهذه اللغة الساخرة التي ربما نجدها بين تضاعيف الرواية تقترن بالمأل الذي آل اليه الوضع في كوثاريا، وهو ليس منقطعا عن ما قبلها، وانما السخرية تركزت على الحاضر بإعتباره صورة مضخمة ومشوهة عن الماضي، بالاضافة الى ذلك حتى لا يفقد النص الايقاع الذي يربط بين كوثاريا اليوم والامس، وايضا يمكننا ان نلمس مستوى اخر من تلك السخرية في كلام (سمير) والذي بدا وكأنه حوارا كاريكاتوريا في بعض الاحيان .

مثلت الاصنام داخل الرواية مصدرا للخوف ورمزا للغطرسة ولم تكن الهة للعبادة، وهذا ما لمحت له الرواية في استهلالها بصورة ضمنية، وعززته ربما العلاقات التي اشرنا لها سابقا، حتى اصبحت نوافذ نطل منها على النص، واقترنت بالكثير من الاسئلة التي تحتاج الى اجابات، واهم هذه الاسئلة بتصوري هو سؤال الفأس؛ والذي يدور بين عدة اجوبة منها ما قدمه الروائي نفسه في خطاب الرواية المباشر، ومنها ما يستشف من قراءتنا لدلالات النص واحداث الرواية والعلاقات بينها، ولذلك يبدو لي ان هذا التصور لهذه الاصنام أي ليس بصفتها آلهة؛ هي الاجابة المفترضة عن سؤال ابراهيم وسبب تعليقه للفأس في نص الاستهلال المأخوذ من القصة القرآنية المعروفة، أي انه اراد تحطيم هذا الجبروت والغطرسة لهذه الالهة، من خلال عدم تماهيه مع سدى الحكاية القرانية، التي انطلقت من زاوية تنظر لهذه الاصنام على انها اصنام تعبد كآلهة، اذ ان السبب المقترن بهذه الزاوية او وجهة النظر الدينية وتفسيرها لموقف ابراهيم لم تقنع الراوي – في نص الاستهلال-  لانه يريد تأسيس صورة اخرى لهذه الآلهة، ويخرجها عن التصور الديني لتصبح علامات لمفاهيم وتصورات، وليس تلك الصورة النمطية لهذا الصنم كوجود مادي يشير الى اله معبود،  وانما الموقع الاجتماعي والسياسي وربما الايدولوجي المنتج لمظاهر الغطرسة والشر، وهذا يظهر ربما سبب اختيار ابراهيم لكبير تلك الاصنام، والذي انتقل من موقعه الاجتماعي والديني السابق، الى موقع جديد هو الموقف الايدولوجي لشخصيات الرواية كسمير ونبيل وغيرهم، حيث ان تعزيز هذه الصنمية يتم من خلال الايغال بالشرور الذي يسوغه الموقع الذي تحتله تلك الشخصية، او الموقع الذي تحتله الافكار والمفاهيم التي اشرنا اليها سابقا، اي الموقع الذي يحتله مردوخ الذي يتبدى بعدة صور، كان احداها مردوخ الاعلام الغربي (حتى أمراء النفط الذين يرتبطون وامبراطور الاعلام الغربي روبرت مردوخ بعلاقات وثيقة ومصالح متبادلة، يساعدونني. ذاك الذي دعم بوش بماكنته الإعلامية العملاقة إبان احتلال العراق، هو ايضا يدعمني بصورة غير مباشرة)، حيث ان الاعلام الغربي اصبح صنما آخر، يمثل سندا وظهيرا لغطرسة امريكا وسياستها، اذ كلما تغير شكل هذا الصنم، يبقى على نفس مواصفاته وقيمته المعنوية، ان كان ماديا، او شخصا بعينه، او فكرة او مفهوما، او آلة جبارة كماكنة الاعلام الغربي.

هذه مجموعة من الوقفات التي اردت بها الاشارة الى علاقة المكان (كوثاريا) بالبناء الدلالي للنص الروائي وعلاقتها بعناصر الرواية الأخرى وان لم اشر الى جميع تلك العناصر.

 

أمجد نجم الزيدي

.......................

الاحالات

1- الفضاء الروائي – جنيت وكولدنستين واخرين، ترجمة عبد الرحيم حزل- افريقيا الشرق- المغرب 2002

2- كوثاريا (رواية) نعيم ال مسافر- دار ميزوبوتاميا- بغداد ط1 2014

3- الانساق الثقافية والتاريخية في الرواية العراقية المعاصرة- أمجد نجم الزيدي- بحوث ودراسات مهرجان الكميت الثقافي الرابع- ميسان 2014

 

حمد حاجيبالمجموعة القصصية (ما بعد الخريف) للقاص عبد الكريم الساعدي

أولاً: تسريد المستقبل أيّ معنى؟

 مقدمة: يذهب البعض إلى أن الماضي والحاضر هما من ضرورات المستقبل بل وأكثر يعتبر أنهما من متطلبات النظر للمستقبل : كما لو كان الحاضر نتيجة للمستقبل.. وأبسط الرؤى تنظر إليه على أنه أي أنّ المستقبل يصنع من ماضٍ فتَّتَتْه لحظات الحاضر.. كما لو كانت الوقائع ترتيبا بدقة شديدة لسيناريوهات مستقبلية تقوم مقام النتائج لأسباب الحاضر..

لكن قصة (ما بعد الخريف).. بتقديري تقول أن الماضي يأتي من المستقبل..

هذا ما سأحاول التدليل عليه؟

قبل البدء

إذا انطلقنا من المحتمل والممكن لا من الحاصل والمنجز بالنص القصصي.. من أنّ تسريد المستقبل ينهض برمته على الخيال المحض..

ومن افتراض أن هذه المجموعة عمدت إلى صناعة ذاكرة للمستقبل، جعلتها حاضرة في اللحظة الراهنة (لحظة الكتابة)..

وإذا انطلقنا من افتراض أن القاص قد قام بتسريد أحداث ماضية لكنها بنفس الوقت تجري استعادتها في تداخل زمني يذيب الفواصل بين الأزمنة ويعيد بناءها من جديد..

فما هي الأسباب التي حملت القاص عبد الكريم الساعدي على تحويل المستقبل إلى نص سردي؟

وما هي آفاق التخييل بهذه المجموعة؟

أولا : تناص العتبة وتسريد المستقبل:

وحتى أبرهن على تسريد المستقبل ابدأ من العنوان للمجموعة ..

إنّ المجموعة القصصية (ما بعد الخريف) تذكرني بروايتين “عالم جديد شجاع” للإنجليزي ألدوس هسكلي، ورواية “أخبار ليست من أي مكان” لويليام موريس . واللتان تضطلعان برؤية سردية تستشرف المستقبل..

ومن العنوان أيضا (ما بعد الخريف) الذي اقترحه القاص تنفتح آفاق وتناصات مع روايات المستقبل (أو الروايات المضادة لليوتوبيا) من مثل رواية “نحن” للروسي يفغيني زمياتين.. والذي لا يغيب عن القراء مدى اهتمامها بتسريد المستقبل..

ولعلني أعد مجموعة (ما بعد الخريف) تتمة لرواية الإنجليزي جورج أورويل برواية “1984” ورواية “فهرنهايت 451” لراي برادبوري..

وإنّي أجد كثيراً من شخصيات القصص القصيرة بـ (ما بعد الخريف) تقترب من رواية “الواهب” للأمريكية لويس لوري ..

ولعل الأغرب بتدقيقنا لمجموعة عبد الكريم الساعدي هذا التقارب الكبير بالموضوعات فيما صدر مؤخرا برواية “استسلام” للفرنسي ميشال ويلبيك التي صدرت في عام 2015م في صبيحة حادثة شارلي إيبدو الشهيرة..

ولن أكون مشطا إذا ما أضفت أن الأستاذ عبد الكريم الساعدي عمد إلى تقديم رؤية أكثر وضوحا من رواياتٌ عربية عملت على تسريد المستقبل، وأذكر هنا الجزائريَان واسيني الأعرج بروايته“حكاية العربي الأخير 2084” للجزائري واسيني الأعرج الصادرة في عام 2015 ورواية “2084/ نهاية العالم” للجزائري بوعلام صنصال الصادرة في العام نفسه 2015، في استعارتهما لعوالم رواية جورج أورويل “1984"

هكذا من العنوان يتجلى لنا أنّ النص ينحو منحى تسريد المستقبل.

ثانياً: تسريد المستقبل اي معنى؟

يذكرنا عبد الكريم الساعدي في مجموعته القصصية برواية جورج أورويل 1984كما أسلفنا بالعتبة من جديد، من خلال التأكيد على واقعية العمل السردي بالمستقبل أي أنّ النص القصصي عند الأستاذ عبد الكريم الساعدي يسافر عبر الزمن انطلاقا من هاجس يسكن الحاضر لا بكونه يوميا بل بكونه تفكيرا بما سيعاش على نحو نتوقعه أحسن وأنضج..أو أسوء وأشد مضاضة..

فحين نقرأ عتبة العنوان (ما بعد الخريف) يبدو معيار الأفضلية مرتكزاً على بؤرة تحكمية مستقبلية هذا من ناحية بينما من ناحية تشظّي العنوان نلاحظ أنّ الكاتب يحافظ على تسريد المستقبل بما يناقض سرد اليومي والمألوف..

ومن خلال قراءة مجمل القصص المنشورة نجد أنّه يركن قصصه إلى عالم افتراض العلاقة بين المستقبل والذاكرة/ التاريخ. فلئن كان ما بعد الخريف هو عبارة عن تجاوز لليومي والمعيش إلى ما سيعاش على نحو قد يكون متوقعا دون الخوض في مدى أفضليته أو مدى أن يكون أسوأ،

هذا يعطي انطباعاً أن معيار معيار الأفضلية هذا أو السوء ذاك يرتكز إلى تقنية افترضها الهامش والمركزي بالنص ليقوله بطريقة ومخالفة يقع الاحتكام إليها، إنّها صياغات ورهانات المستقبل، إنّها أم القضايا : لكل قضية/ موضوع..

فإذا كانت رواية جورج أورويل يتم فيها تزييف التاريخ والذاكرة تحت مسمى وزارة الحقيقة، نألف بمجموعة ما بعد الخريف وعلى امتداد القصص المنثورة تباعا بشكل أو بآخر، أنّ الأستاذ عبد الكريم الساعدي يسعى الى إرباك المستقبل فمن خلال تقنية بالسرد السينمائي التلصيق حيناً والتفتيت للأحداث والشخصيات مما يضفي على نصوصه ظواهر المحو والتزييف.. تؤسس لرؤية مخالفة لما هو المستقبل؟

وهذا نجده من خلال إثبات تفاصيل التفاصيل..

فأنت حين تقرأ القصة () ترى أنّ الاحتفال بالقارئ المتلقي يكون بالذهاب به رأساً إلى المستقبل ولكن بطريقة سردية تضمن تحصين ذاكرته ، وأثناء حفظ الذاكرة يحقق السارد حفظها ضمانا لمستقبل آمن..

ففي قصة (رجل من ورق) يحصن السارد ذاكرة الفطرة [ولمّا علا التصفيق والصفير، لا أدري لِمَ كان يخيل إليّ إنّها خرجت من فجّ إبليس،] هنا هو التخييل واستحضار الذاكرة.

ففي قصة (ليلة احتضار النور) يحصن السارد ذاكرة الوفاق لننظر هذا المقطع الذي يصور امتداد المستقبل خطوات الليل المستقبل بالماضي [كانت خطواتي قاتمة في غمرة الليل ، ليل يحكي في السرّ حقيقة فضائح سنين عقيمة، استطالت فيها ليالي الظلم [

ففي قصة (شارع المعبد الغريب) يحصن السارد ذاكرة الوطن المشترك ونلحظ المستقبل يؤسس للماضي من خلال تجميع الأتي ونثره على تفاصيل الماضي اي روعة لهذا المقطع [لم يعد الليل يتسع للتفاصيل، عَبدة هاجرت حواسها، إله مسجّى ، متجهّم ، مخلوقات غريبة تنعب، ذباب يصفعه الطنين، سنّارة تحلم بأجساد عارية.

وفي قصة (هي ذات الروائح) يحصن السارد ذاكرة الهوية وهوية الذاكرة.. من خلال استحضار المستقبل الذي يمد ظلاله على الماضي [يمضي الجميع إلى حيث التلال .... منذ الأسبوع الماضي ، المدينة كالثكلى ...، ذات ليلة وبعد تراكم القلق والخوف ولوثة من جنون ، وتكاثف صور أشباح وصراخ موهوم ، سمع عواء كلاب سائبة عند أطراف المدينة أطفأ ما تبقى من الأحلام].. فالاستدلال واضح هنا المستقبل (منذ الأسبوع /ذات ليلة ) لنصل بالنهاية إلى الأحلام المستقبلية (أطفأ ما تبقى من الأحلام)

ففي قصة (ما بعد الخريف) يؤسس السارد لاسترجاع ما تلف من الذاكرة المنسية لانه بضياعها يكون قد أتلف جزءا من المستقبل.. يطارد المستقبل ماضيه ما تبقى منسيا..لننظر هذا المقطع: (الوقت أوائل الشتاء، غيوم سود عابرة في عرض السماء، فجأة تظهر سحابة أخرى من جهة الغرب، تهشّ وجه الشمس بدخان كثيف، تمدّ أذرعاً اتخذت شكل الأعاصير، تطارد ما ابقّى من أقمار معلّقة بسقف سماء تمور بمخاوفها)

ثالثا: مبادئ تسريد المستقبل

عمد القاص عبد الكريم الساعدي إلى تسريد المستقبل بان جعل من الذاكرة مادة وموقفا، وليس قيمة وبعدا جماليا ونجدها على أربع مواقف ظاهرة :

1- تسريد المستقبل لا يقترن إلا بقضية، ترحل عبر الزمن انطلاقا من موقف يومي يسكن الحاضر.

2-  الماضي يأتي من المستقبل: كما بيننا بالحديث عن الذاكرة وإحيائها بالعنصر الثاني.

 3- الفلسفة الباحثة عن الإجابة المتحولة إلى سؤال وجودي نضرب مثالاً هنا بموضوع الموت الذي يراه القاص ساكنا بالمستقبل، على حد تعبيرات هيدجر: “أن توجد يعني أن توجد باتجاه الموت"

4 - الانزياح التداولي إذ تنزاح الذاكرة عن كونها مجرد أحداث ماضية تتم استعادتها حين الكتابة بالزمن الحاضر، لتصير مادة خاما تخيلية توهم بالواقع..

خاتمة

هكذا عمد الأستاذ عبد الكريم الساعدي إلى تسريد المستقبل بقضية كان فتَّتها بمجمل قصصه بالمجموعة، في قطار السرد يقوم برحلة عبر الزمن انطلاقا من موضوع يقترحه ويكون بالضرورة يسكن الحاضر، ولكنّه غير معني وغير مشغول بالمستقبل العادي وليس أصلاً محتفياً باليومي التافه، وإنّما هو مجمل التفكير في المستقبل على نحو متوقع بأفضلية قصوى أو بانحدار إلى أسوأ، ومعيار الأفضلية هذا أو السوء يرتكز إلى القضية الموضوع، أي أنّه استنطاق لذلك المألوف في زمن مُفارِق للحظة الكتابة، وإنّ طابق زمن القراءة في زمن آخر.

ولكنّ الغريب بالمجموعة القصصية والذي على اساسه اعتبرت المجموعة تسريد المستقبل أن جل النصوص يبني فيها الكاتب الأحداث على أساس أنّ الماضي يأتي من المستقبل..

على عكس ما هو معهود بالسردية العربية والبديهي الفيزيائي إنّ الماضي يصنع المستقبل بالضرورة، فلقد أوجد نمطاً من السرد يبني العلاقة بين الماضي والمستقبل ليس من كونها عملية تراتبية، وإنّما لأنّها تبادلية، أي أنّ الماضي مصنوع من المستقبل

وتلك هي الفكرة التي وجدتها بالمجموعة وقد تستغربون

اقرأوا المجموعة .. (ما بعد الخريف) للقاص عبدالكريم الساعدي

 

د. حمد حاجي/ أستاذ الأدب المقارن في جامعة السوربون

 

حامد عبدالحسين حميديعلّها مراهنات قَدر.. استطاع أن يضعنا في مفترق طرقٍ شائكة، أن نجد ذلك الهمَّ الإنسانيّ، يطالعنا بزوبعة من التساؤلاتٍ حتى في كوابيسنا وخلواتنا وزواياه الخانقة عتمة، دون أن نحرك ساكناً، أحياناً نجد أنّ الصراع مع النفس شيء ضروري في مواجهة سوداوية الذات، حينما تبلغ (الأنا) مبلغاً لا يطاق حدّ الإفراط والتخمة، لكن يبقى- هنالك – إصرار على مطاولة البقاء والتمسك بالحياة، فالأنفاس لا يمكنها أن تتوقف إلا حينما يداهمها قدرُها المحتوم، لكنّها تصرّ على دفقة الأمل في بقاء (ما ينقذ ماء الوجه)، عندما تفترس المحنّ والرزايا كلّ ملامحنا المغبّرة.

(زينب فخري) قاصة، استطاعت أن تضعنا أمام بعثرات حياتية جادّة، أن تعيد لنا بعض ما تصرّ عليه هي، في إظهار براعتها في التعامل مع التأريخ ومحاولة تسويقه وبطريقه ذكيّة، إنها اشتغالات السرد الحدثيّ وتقنيّة ترابطه تاريخياً، فنحن نعيش تأريخ مدّور حدثياً، صراعات ما بين الخير والشرّ، بين السعادة والشقاء، الفرح والحزن ، تراكمات يومية مثقلة، تسير على عكاز الصبر الذي أضحى رهين زمن لا يعرف إلا انكسارات الظلّ ومحاولات ترقيع واقع مرير، الأمر الذي جعل المتنفّس صعباً، دون أن يرى في نفسه، أن ملامح الخطايا أقنعة زائفة، تخبئ من ورائها مسالك الهروب إلى جبّ التقوقع الذاتي.

(في الأفقِ مُتّسعٌ من الذاكرة) قصص وسيرٍ لشخصيات لها دورها الفاعل في مواجهة قوى الشرّ وغلوائها، مثلت بحضورها السرديّ، واللغة الحكائية السلسة ذات التراتب الاتساقي المنبسط، من خلال الربط المستمد بين سيرة (الإمام السجاد "ع")، وبين تضحيات أبناء الحشد الشعبي في معارك الشرف والبطولة ضد الإرهاب وداعش، وأفق الامتداد الروحيّ / الرمزيّ الذي نراه واضحاً بين ثناياها، وبين معالجة سلبيات مجتمعية لها طابعها التقليدي الجاف، لتتحوّل هذه القصص إلى وثيقة تاريخية تسجّل بين دفتيها أنّ (التاريخ لا يموت)، بالرغم من المحاولات الظلامية المقيتة التي لم ولن تحجب ضوء الشمس عنه، فلن يموت، فهو باقٍ بكل أحداثه وشخوصه، بمكانيته وزمانيته، على اختلاف أقطابها الموجبة والسالبة، فالحدث والصراع الإنساني الحاضر في هذه القصص، شكّل صورة ماثلة على مواجهة منغصات الحياتية على اختلاف أشكالها وألوانها، ثمّ نرى براعة القاصة وقدرتها التكتيكية في التوصيف الداخلي، حيث أنها تنقل لنا الحركة النفسية والحسّية، وما يتبعها من تناغمات شعورية نابضة ومتتالية (بدأ الموقع يلتفع بالتراب؛ فالعواصف أهدت المكان كساءً أصفر اللون، وأضفت على سحنة المقاتلين السمراء لون ترابي. وما أغرق مزاجهم في مستنقع الكدر ليس التنفس بصعوبة بالغة فقط بل غدت العيون تشكو ضعف حالها ولمسافات قريبة! )" اللقاء / قصة الشهيد خضير زامل".

القاصة زينب فخري، تسلط الضوء على رصد جوانب اجتماعية وعادات ومظاهر سلبية، اجتاحت البناء المجتمعي، فهي ترفض رفضاً قاطعاً في قصة (زواج من خريف السبعين) ظاهرة الزواج غير المتكافئ بين المرأة والرجل، حيث تعرض لنا عمّا تعرضت له فتاة في مقتبل العمر، بعد أن فقدت ما لها من الأهل، لتنتهي حياتها بزواج من رجل سبعيني العمر، لتعاني ما بينهما من فارق كبير، في كل شيء، الأمر الذي اضطرها للهروب، بعد أن أتيحت لها الفرصة السانحة (رُتِب لقاء بينهما.. اشترطت مهراً عالياً وأنْ تبقى في بيتها؛ لأنَّه ذو عتبة مباركة.. وافقَ العجوز بلا تردُّد.

اشترى لها ذهباً وأثاثاً...

لم يقيما حفلاً لزواجهما؛ فكبر سنه وظروفها جعلتهما يقرّران الاكتفاء بعقد شرعي مع حلوى بسيطة.

في أيامٍ زواجه الأولى عاشَ العجوز في فرحٍ وسعادةٍ غامرةٍ.. فالفوز بامرأة في الثَّلاثين من عمرها أمر يدعو للزهو والفخر.. ولم تثر علب الذهب التي كان يهديها لزوجته غيرة أو غضب أبنائه وبناته..) "زواج من خريف السبعين ".

أما في قصة (السعلاة)، فهي تحرص على توضيح ما تعانيه العقلية البشرية من تعايش ذهني في محاكاة الخرافة، لتبحر أفكارنا وخيالاتنا مع ما تركته الخرافة من أثر نفسي وعقلي، إنها عقول تعيش فترة طفولة الشعوب، في لمس كل محفّز يؤثر فينا ، وهي قصة اقترابية من إحدى قصص ألف ليلة وليلة، (فبدأت تحلق بعيداً مع أحلامها وذكرياتها المتشبّعة بالطفولة وحكايات الجدَّات..

بدأ خيالها رحلته مع قصة "السعلاة" تلك التي كانت تخطف الجنود في الشمال وتلحس باطن أقدامهم لتمنعهم من الهروب وتنجب منهم أولاداً..) "السعلاة ".

ثمّ تنقلنا معها في قصة (مذكرة إلقاء قبض)، لتشخّص عن حالات سلبية طغت شيوعا في المجتمع العراقي، حيث أصوات الباعة المتجولين، وهو يجوبون الطرقات، بأصوات عالية تسلب راحة المواطن، إنها يوميات تحاول القاصّة أن تعيد تنشيط بوصلة ذاكرتنا بالاتجاه الصحيح في سبيل معالجة مثل هذه الأمور الحياتية التي وان بدت بسيطة إلا إنها تشكّل صورة غير حضارية، يجب وضع المعالجات الناجعة في سبيل التقليل منها أو تغيير مساراتها (يروم أنْ ينام مجدداً.. أنْ يستمتع بساعاتٍ نوم أخرى.. نادى بائع جوَّال: "بطارية.. طباخ.. مبردة...".

وضع الوسادة على وجهه ضاغطاً بقوَّة على أذنه.. بعد هُنَيهاتٍ أفزعه رجل وهو ينادي بالقرب من داره: "خبز يابس.. طحين.. سكر".

جلس في فراشه.. مسك حافة بطانيته ونفَّضها.. تلفت يميناً وشمالاً... هدأ الضجيج في الخارج.. رجع إلى فراشه قائلاً: "كأنني في سوقٍ.. اليوم عطلة يا ربّ" ).

(في امرأة من آل البيت) هنا ربط تأريخي حاولت – زينب فخري – أن تطويعه من أجل بيان الأزمة المياه التي تعرضت لها محافظة البصرة الفيحاء، والأزمة التي عصفت بها، وما خلقته من أزمة مائية وصحيّة ونفسية، لدى المواطن البصري، تشدّنا القاصّة بحبكة الحدث الترابطي بين حدثية (الطفّ) المتمثلة بعطش الحسين والعباس وأهل بيته (ع) وأصحابه (رض)، وبين محنة أهلنا في البصرة وهم يتجرعون الأمرين، من الإهمال في هذا الجانب الحيوي، مما قد يعرضهم إلى كارثة إنسانية لا يمكن معالجتها مستقبلا، إن لم يتم وضع الحلول الناجعة (والواقعة يعرفها القاصي والداني.. الآن بعض مدننا الجنوبية تموت عطشاً.. ألا نقتبس من فيض الطف نوراً يلهمنا القدرة على انتشال "البصرة" من مستنقع الملح والتسمم الضارب فيحائها بقسوَّة.. ومن بؤرٍ للفتن وللنارٍ طالت أبنائها وأبنيتها.. إلا تسحق أن ننصّب على طول المسير إليها سرادق مزينة بأعلام الإمام الحسين، ونطبق حرفاً من عبارة لطالما كُررت "يا ليتنا كنا معكم..."، ونمنع وقوع كربلاء أخرى بل نُسْكت أبواقاً كثيراً ما عزفت إلا نشازاً في حوادث مماثلة ورامية الشعائر والعتبات والمراجع بسهام التهم والبهتان..).

مثلما قلنا، إن اللغة التي مالت إليها القاصة (زينب فخري) كانت متماهية وبسيطة، مع ما عرضته من حدثية ذات جوانب إنسانية كبرى، رغبة منها في شدّ القارئ / المتلقي.. إلى تتبع أحداث القصّ بطريقة فاعلة دون أن يخامره شعور بالملل والرتابة، أضف إلى ميلوها إلى استخدام اللغة الدارجة (العامية)؛ لأن المتن السردي بحاجة لهذا التعشّق اللغوي، وتضمين واقتباس بنصوص قرآنية ومأثورات القول.. وبذا وفقّت في تجسيد وتشخيص كلّ المضامين الإنسانية التي كنا بحاجة إلى تسليط الضوء عليها.

 

حامد عبدالحسين حميدي

ناقد / العمارة

 

صالح الرزوقبقلم:دافيد بيهر

ترجمة: صالح الرزوق

لتفهم الدولة البيروقراطية عليك قراءة فرانز كافكا. فالقليل من الأدباء لديهم قدرته على نقل الأثر الغريب والسلبي والعميق الضاغط على الروح. حتى أن هذا الموظف العامل في شركة تأمينات هادئة في براغ قد أوصى بإتلاف كل أعماله بعد موته (ولحسن الحظ لم ينفذ أحد وصيته).

ومع أن كافكا مشهور كل الأوقات، فقد عانى من نفس المصير الذي عانى منه كاتب سياسي مخلص لأفكاره وهو جورج أورويل: فقد كان معروفا، ولكنه مقروء قليلا.  ومثل "الأورويلية"  التي تذكرنا برواية ١٩٨٤ ، إن "الكافكاوية" ترتبط في الخيال الشعبي برواية المحاكمة أو المسخ.

وهنا أغتنم الفرصة للإشارة لـ"جدار السور العظيم" وهي قصة قصيرة محدودة الشهرة بين أدب الكوابيس بالمقارنة مع المثالين السابقين، و أعتقد أنه يجب إضافتها إلى قائمة أعمال كافكا الهامة.

تبدو "الجدار العظيم" مثل يوميات كتبها الراوي المجهول، والذي، على الأرجح، يقترب من نهاية حياته ويعمل نقّاشا ويشارك في بناء جدار الصين العظيم، وفي نفس الوقت يحاول أن يعطي وجوده معنى خاصا يغلب عليه النشاط الروتيني. وكما هو حال أبطال كافكا، تستمر حياة هذا النقاش المجهول، وراء الكواليس، وخلف الإدراك السطحي الغامض، وهكذا يتحدد موضعه ومكانته في الدولة.

تتفرع القصة برشاقة حينما يشعر الراوي بوضعه الذي يعرّض توازنه النفسي للخطر. ظاهريا يبدو من الحكاية أن الراوي متيقن من أمر واحد: تحديدا، إن بناء الجدار ضروري لمنع الغزاة القادمين من الشمال. وكلما تطورت الحبكة، نرى أنها مركبة من وحدة واحدة. حيث أن مجموعة من العمال  (ومدير تنفيذي) ينتهون من ٥٠٠ ياردة على التناوب، ويصلون في الخاتمة إلى موضع بعيد جدا من المشروع قبل أن ينجزوا المهمة الأساسية. وهكذا يعاني البناء من فجوة كبيرة، مشكلة كان بالإمكان تجنبها لو أن البناء جرى على التوالي. هذه الطريقة لم تكن غائبة عن نظر السلطات الحاكمة. وسنعلم لاحقا، أنه قبل إرساء أول حجرة في السور بـ ٥٠ عاما، كانت برامج المدرسة والتعليمات على طول المملكة، قد تآزرت لإعداد العمال والمدراء حصريا لهذا المشروع الذي تتبناه الدولة.

وبالتدريج يشرق في ذهن الراوي أن هذا المشروع الذي لا ينتهي والهادف لبناء الجدار، والذي يستهلك الروح والجسد معا، جزء لا يتجزأ من التصميم.

والمصممون - من وقف في أعلى الهرم والذين يسيطرون حتى على الإمبراطور-  تجد أسبابهم المحيرة، التي تحرك المشروع، في جوهر القصة. وفعلا، كان كافكا يضغط على القارئ ليتساءل أكثر فأكثر عما يربحه الآمر الأعلى من توريط كل المجتمع بما يبدو واجبا دائما وعبثيا، وبالأخص أن هذه المشاغل الكثيرة لا تتعمد ، ظاهريا، الضرر. وهكذا نرى صورة مشتركة لهم: في مكتب القيادة- ولكن كل من تسأله لا يعرف مكان المكتب أو من يداوم فيه - ففي ذلك المكتب يتأكد المرء أن كل الأفكار والرغبات الإنسانية تدور في دائرة، وكل أهداف البشر وإنجازاتهم تدور في دائرة معاكسة. ومن خلال النافذة كان شكل عجائب هذه العوالم التي صنعها الله تتركز بيد نفر من القادة الذين بيدهم كل شيء وضمنا التخطيط والأوامر.

المخيف بشأن "الجدار العظيم"، بالإضافة إلى الغياب التام لازدهار الإنسان المستقل، تجده في شكل الحياة البليدة التي تراها عين الراوي. إنه لا يتضور من الجوع، وغير مضطهد: ويتلقى التعليم المناسب، ويجد العمل الذي يشغل به أيامه ولياليه. ومع الحذر الشديد، يمكن القول، إنه سعيد بهذه الحياة المتدنية المستوى، ولكن الممتلئة والحافلة. فالإنسان بطبعه لديه رغبة بالأمان والتدابير الأمنية. والآن، وحتى الآن، هناك حكومات وقطاعات خاصة يرغبون بتوفير الراحة والاستجمام. وإن قراءة كافكا تساعدك في رؤية الأسباب الداعية لذلك.

وطبعا، هناك احتمالات أكثر بهجة في الحياة. وكما قال الراوي: في تلك الأيام كان العديد من الأشخاص، وبينهم أفضل المستويات، يؤمنون بحكمة صامتة مفادها: حاول بكل جهدك أن تستوعب القرارات التي يتخذها الآمر الأعلى، ولكن فقط حتى نقطة معينة. ثم تجنب أعباء التفكير.

 

......................

- دافيد بهر David Bahr: مفكر أمريكي. مدير اتصالات، يعيش في واشنطن

- عن الفوربس

 

 

عبد الله الفيفييذهب بعض الكُتَّاب إلى أنَّ أدباء (أمريكا اللاتينيَّة) هم أصحاب السبق في خلق الواقعيَّة السِّحريَّة التي يتهافت عليها روائيُّون تجريبيُّون، كاسرين قوالب السَّرْد الغربيَّة. غير أنهم يتناسون، أو يجهلون، أنَّ أولئك السحرة الواقعيِّين إنَّما جاءوا متأثِّرين بالتراث العربي. بل إنَّ بيئاتهم نفسها ما زالت متأثرةً بالبيئات العربيَّة، ولاسيما الأندلسيَّة. وبعضهم ينحدر من جذورٍ عربيَّةٍ، بعيدةٍ أو قريبة. وهم قد يصرِّحون بذلك، سواء في مجال السَّرد أو الشِّعر. ولربما صحَّ القول، إذن، إنهم أكثر عروبةً منَّا، إذا كانت العروبة انتماءً ثقافيًّا لا نَسبًا. ذلك أن ممَّا يلفت النظر أن تقف على رأي (أكتافيو باث Octavio Paz)، أو (جابريل غارثيا ماركيث Gabriel García Márquez)، أو غيرهما، فتجده يتحدَّث عن التراث العربي وعن تأثُّره به، وعن الأصول التي استلهمها منه، أو حتى أخذ عنها مباشرةً، ثمَّ تجد العربيَّ في المقابل يجهل تراثه، ويُنكِر على نفسه أنه ذو أصولٍ فنِّيـَّةٍ وعطاءٍ إنسانيٍّ كالآخَرين، ولا يرى الفضل إلا «للخواجة»، كأنه بداية التاريخ ومنتهاه! وذلك لمرضٍ حضاريٍّ من جهةٍ ولجهلٍ بالذات وبالتراث من جهةٍ أخرى.

إنَّ تطوير الغرب لما ثقفه عن تراثنا أو التراثات الإنسانيَّة الأخرى، أمرٌ لا خلاف فيه، لكن الخلاف في عَزْوِ كلِّ إبداعٍ إلى الغرب، بدءًا وانتهاءً، وكأنه جاء هكذا من فراغ، أو هطل عليه من السماء، وكأنه لم يُفِد فيه من أحد، وكأنَّنا نحن- بحُكم عمانا المطبِق الأخير- خُلِقنا كُمْهًا، وظللنا كذلك طَوال التاريخ.

مَن يُنكِر أنَّ كتَّابنا المحدثين، بدءًا من (نجيب محفوظ)، لم يستلهموا التراث العربي، ولم يطوِّروه، كما فعل الآخرون، وإنَّما اشتغلوا بتقليد الجاهز المستورد من الغرب؟ والسبب أنهم جزءٌ من الأُنظومة العامَّة للتبعيَّة العربيَّة، ولأن ذلك أسهل. لذلك لم يَبقَ تميُّزٌ عربيٌّ حديثٌ يُذكَر، ولم تكن للأعمال الأدبيَّة من مدرسة تُؤثَر، ولا لونَ هناك ولا طعم ولا رائحة. على أنَّ بدايات الرواية الغربيَّة الحديثة تَشهد بأخذها عن التراث العربي، إلى درجة السرقة. وهذه مسألة يعرفها الباحثون في النقد المقارن. وهؤلاء الباحثون غربيُّون كذلك، لا شرقيُّون ولا عرب، ليُقال إنه نزعهم عِرقٌ من تعصُّب. بل ما كان لنا أن نعرف قيمة «ألف ليلة وليلة»، ولا «رسالة الغفران»، ولا «التوابع والزوابع»، ولا «حيّ بن يقظان»، ولا «رحلة ابن فضلان إلى أوربا في القرون الوسطى»، ولا غيرها كثير، لولا جهود المستشرقين- الذين نلعنهم صبحًا وعشيًّا- في تحقيق تلك النصوص، وإخراجها من غبار السنين. ولولا جهود هؤلاء في تنبيهنا إلى قيمتها، وسبقها، ما تنبَّهنا. فيما ظلَّ الأدب الغربي "شِعريًّا"، بما في ذلك المسرح، منذ الإغريق إلى عصر النهضة الأوربيَّة. لكن هل أفادنا التنبُّه أو أفادتنا استعادة الذاكرة؟ كلَّا؛ لأن عوامل التعرية الحضاريَّة أقوى! ولأجل هذا تجرَّد معظم المعاصرين من العرب عن شِعريَّتهم العربيَّة، وتنصَّلوا عن الأصول الفنِّيَّة للقصيدة العربيَّة، بدعوَى التحديث، لاهثين في تقليديَّتهم وراء القصيدة الغربيَّة، ذات الجذور اللغويَّة والتاريخ الفنِّي المغايرَين، فلا هم أبقوا على شخصيَّتهم الشِّعريَّة، ولا هم طوَّروها. وكذلك فعلوا في فنون السَّرد؛ فأصبحوا بذاك منبتِّين بين الأُمم، لا أرضًا قَطعوا ولا ظَهرًا أبقوا!

إنَّ أوائل النصوص على مستوى العالَم التي يمكن أن تمثِّل نماذج روائيَّة، هي عربيَّة الأرومة لا غربيَّة، إنْ أخذنا مثالًا من «حيّ بن يقظان»، لـ(ابن طفيل الأندلسي). ولقد سطا عليه غربيُّون منذ بدايات النهضة، وما «روبنسن كروز» إلَّا واحد من شواهد ذلك. أو أخذنا سواه من النصوص، المطبوعة، أو المخطوطة، أو المطمورة. ذلك أن أسلوب السَّرد على طريقة الواقعيَّة السِّحريَّة هو في الأصل أسلوب الحكي العربي، الذي تجده لدَى (الجاحظ) ولدَى غيره بامتداد السَّرْد العربي. بل تجده في حكي جدَّاتنا الساذجات. وكنتُ قد نشرتُ في كتابي "هجرات الأساطير"، (كرسي الأدب السُّعودي، 2015)، نموذجَين أُسطوريِّين من ذلك التراث الشعبي في (جِبال فَيْفاء)، ذاعا في العالم أجمع، بأقنعةٍ شتَّى، قديمًا وحديثًا، وهما من تراثنا المنسيِّ، الذي نعيد استيراده اليوم مبهورين، لنخترع له الأسماء والصفات!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

الأستاذ بجامعة الملك سعود، بالرِّياض

 

اكرم جلالمن هنا تَبدأ مَسيرةُ السالك نَحو المعرفة والإدراك الحقيقية، إنّها الهجرة العظمى والجهاد الأكبر من الحصول إلى الحضور، إنّها صراعٌ نَحو الكمال والتّكامل بين القَلب والعَقل، بَين شهود العيون وفهم الأذهان. إنّه لَيسَ صراعاً مَيدانياً مكانياً أمام العدو ليكون جهاداً أصغر، إنه جهاد العاشق نحو عالم الشهود، لذا فهو الجهاد الأكبر، لأنه ينطلق بالنفس مِن عتمةِ وضيقِ ومحدوديةِ العقل الى جَمال ومصداقية الشهود والتجلي اللامُتَناهي. لذا فالعَقل واجب لِفهم المَداخل والأوليات حصراً، أمّا السّعي لإدراك حقائق الربوبيّة فلابدّ لها من مُشاهدة ومُكاشفة ببصيرة القَلب لا بدليل العقل، فمعرفة اللّه لا تُدرك بالدّليل العَقلي، كالألوان فإنها لا تُدرَك باللّمس.

ولمّا كان العلم الشهودي معتمداً على صفاءِ وبصيرةِ ‏شهود النّفس وحضورها وكمالها واستعدادها للسّير نحو الجمال والكمال المُطلق فإن العناية الالهيّة، والفيوض الرَّحمانية لابُدّ منها قَبل وأثناء وبَعد المَسير، وبخلافه فقد يتراجع السّالك ويَرتَدّ عن مراتب الحضور الى الحصول لِما قَد يُداخِله من شَكٍ أو تَردد أو عُجُب. أن كمال الإدراك والوصول الى مراتب المعرفة الكشفية لابُدّ لها مِن فُيُوض الهيّة وهذه الفُيُوض بِدَورها لا تُدرَك الّا بوَسائط  وابواب وهم المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله، ومن بَعدِه أئِمّة الهُدى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ]التوبة :119[. فعن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إنما يعرف الله عز وجل ويعبده من عرف الله وعرف إمامه منا أهل البيت ومن لا يعرف الله عز وجل و [لا] يعرف الإمام منا أهل البيت فإنما يعرف ويعبد غير الله هكذا والله ضلالا1).

فَمَعرفة الإمام دَليل السّالك وَمَنهجه وشِعارَه نَحو إدراك أعلى مَراتِبَ المَعرفة القَلبيّة الوِجدانيّة، مَعرِفَتَهُم طاعةٌ وكمال، والجهل بهم تيه وَحَيرة وَضَلال. قال الله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ]يونس: 35 [. وعن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الأوصياء هم أبواب الله عز وجل التي يؤتى منها ولولاهم ما عرف الله عز وجل وبهم احتج الله تبارك وتعالى على خلقه2).

فالأوصياء هُم أبوابُ اللّه تعالى والأدلّاءَ على معرفَتِهِ وَبِهم يُتَقَرّبُ الى الله، فَمَن أرادَ اللّه فيأته من أبوابه. ولأن اللّه جل جلاله أعلى مِنْ أن يُدركُه كل طالب وينالَ حقيقةَ معرفته كل سالك، فَمقامه أجَل مِن أن يَنظُر إليه كل شاهد، وَلولا وسائطُ الفيض الإلهي لَمَا سارَ في دَرب مَعرفَة اللّه أحد وَلَما أدرَك فيوضاته عارف، وَلَبَقيت الناس تعيش حَيرة الضّلالة  وتيه الجَهالة.

فَمَن أراد البَدأ بالمَسير والهِجرة نَحو الكَمال المُطلق والانتقال من الحصول إلى الحضور فلا بُد لهذا الدَّربَ من أدلّاء وأعوان في جهاده الأكبر، إنه جهاد العاشق نحو عالَم الشُهود . فالأوصياء هُمُ الأدلّاء وَهُم الأنوار التي تُنير عَتمَة الضّيق والمّحدودية لتَجذِبَه نَحو الجّمال الحقيقي والشهود والتجلي اللامتناهي.

فبعد أن يبدأ السالك بطَيّ المنازل والمَراتب والتي عادةً ما تَبدأ بمقام العِلم الذي هو أوّل المَقامات الانسانية والذي من خلاله يتم تَحصيل المجهودات العلمية ليصل السّالك من خلالها الى مقام الإنسانيّة والتي هي الطريق إلى مقام الإنسان الكامل. ولابد للسالك من مرتبة اليقظة والتوبة، فيرجع إلى الذات، حَيث يبدأ بالإنتقال من الغفلة الى التوبة ويبدأ المسير نحو الله تعالى. واليقظةُ نورٌ يُلقيه اللّه تَعالى على قَلبِ السالك فَيَصحوا مَن مِيتَة القُلوب، قال الله تعالى: ﴿ أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ]الأنعام :122[، وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: (ويل لمن غلبت عليه الغفلة، فنسي الرحلة ولم يستعد3).

ونور اليقظة، نعمة ربّانية وجذبة إلهية، تُزيل ظُلمَة الجَّهل وتُنير القُلوب وتُثير الشَّوق نَحو مَنبَع النّور وهذه الجَّذبَة الإلهية لا يَنالها إلا مَن أناب الى الله وأستيقض مُنجَذباً نحو الجّمال المُطلق. والمعرفة هي سَبب اليّقظة، وبالمقابل فأن اليقظةَ هِيَ الطَّريق نَحو التَّكامل في المَعرفة .

وللسّالك مَقام أرفع يَطلق عليه أهلُ العرفان بمقامِ الإيمان وهوتَثبيت الحقائق العلمية في النَّفس الإنسانية ولتكون الجَوارج عاملة بمقتضاها. ثُمّ يبدأ مقام الطمأنينة وفيه يَثْبُتُ الإيمان بأكملِ دَرَجاته في القّلب لِيَصِل الى مَرحلةٍ يَطوي فيها العلم البُرهاني فَلا يَحتاج بعدها الى دَليل في رحلته التَّكامليّة، فَيقين السّالك في هذا المَقام قَد تَجاوز العلم الحصولي ليبدأ بتلقي العلم حضوريا. ثم يأتي مقام المشاهدة حيث يَعيش السّالك الحقائق الكَشفية بأعلى تَجلّياتها وأن حضورها يكون بدرجات أعلى من مشاهداته الحسيّة.

وَمَقام الرَّضا بعد ذلك يَتَجلّى للعارفِ حينما يَبلُغ الی اعلی مراتب التوبة والورع والإخلاص فتَرتَقي عندها نَفْسه من مرتبة النّفس المُطمئنة الى أعلى مراتبها وهي النّفس المّرضية، وَهو الرّضا بربوبية اللّه وبما قَضى وقَدّر ثم الرّضا برضا اللّه تعالى وهِيَ أعلى مَراتب الرضا. ثم يبدأ مقام التَّسليم ليعيش السالك كمال الطاعة والقبول والتّسليم لما يريده الحق تعالى، والتّسليم للحال التي تسيطر على السالك أثناء سَيره وسلوكه فيقبل بها وإن عَجَزت العقول عن إدراكها، وأنّ الحقيقة هي لله تعالى وحده. ثم المقام الأخير وهو مقام التّوحيد والذي يَصِل فيه العارِف الى مَرتبة إثبات وَحدانية واجِدِ الوجود. وللتوحيد مَراتب لا يَسَع المَقام لذكرها جميعا، ولكن لا بأس بالاشارة الى أنّ اعلى مراتبها لا ينالها الّا خواص الخواص وَهيَ الفَناء المُطلق في الذّات الإلهيّة والتي يَعجَز السّالك فيها عن الأفصاح بأي شيء. يقول الامام الحُسين عليه السلام في دعاء عرفة: (إلهى تَرَددي فى الآثار يُوجبُ بُعْدَ الْمَزار فَاجْمَعْني عَلَيْكَ بخدْمَةٍ تُوصلُني الَيْكَ كَيْفَ يُسْتَدَل عَلَيْكَ بما هُوَ فى وُجُوده مُفْتَقرٌ الَيْكَ أٓيٓكُونُ لغَيْركَ منَ الظهُور ما لَيْسَ لَكَ حَتى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهرَ لَكَ مَتى غبْتَ حَتى تَحْتاجَ إلى دَليلٍ يَدُل عَليْكَ وَمَتى بَعُدْتَ حَتى تَكُونَ الآثارُ هي التي تُوصلُ الَيْكَ عَميَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْه رَقيباً وَخَسرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ منْ حُبكَ نَصيبًا4). وَبذلك يَكونُ سَيّد العُرفاء وَمَولی العاشقين الامام الحُسين سَلامُ اللّه عليه قَد جَسّدَ العِرفان بِكُلّ مَقاماتِه وَمَراتبه وتجلياته،  فأصبح سَلامُ اللّه عَليه مَنهَلاً للعارفين وطَريقاً للسّالكين.

والحمد لله رب العالمين

 

د. أكرم جلال

.........................

1- الكافي للشيخ الكليني ج1 /ص 181.

2 - الكافي للشيخ الكليني ج1 /ص 193.

3 - غرر الحكم: 10088، 9410.

4 - إقبال الأعمال ، ص 348 – 349

 

فالح الحجيةان الاساليب الشعرية العربية اختلفت وتشعبت في هذا العصر بين الحداثة والمعاصرة كثيرا عما كانت عليه في العصور السابقة كالعصر الجاهلي والاسلامي وما بعدهما حيث اوضحنا الاساليب الشعرية في كل عصر من العصور وما زاد فيها او نقص وكانت متوازية مع القصيدة العربية الا في هذا العصر فقد عظمتها التحولا ت العلمية والثقافية والادبية وشعبتها الى اساليب كثيرة.

واذا كانت هذه التحولات كثيرة في قصيدة العمود الشعري او في القصيدة العربية القديمة في اسلوبها ومعا نيها فانها في قصيدة النثر الشعري فاقت ذلك كثرة اسلوبية وتعقدت المعايير بحيث يصعب تحجيمها او الهيمنة النقدية على كل اساليبها المختلفة او قل ان لكل شاعر اسلوبا خاصا به ولكل كاتب ايضا واصبح من الصعب ايجاد قاسم مشترك بين كل هذه الاساليب المتعاركة في مدينة الشعر وطرقاتها الكثيرة ومتاهاتها المختلفة.

ان الاساليب الشعرية المعاصرة والحديثة والتي تتمثل في الشعر الحر او قصيدة النثر مهما كثرت زواياها واختلفت طرقها فانها تتمثل في مجموعتين أسلوبيتين هما الأساليب التعبيرية والأساليب التجريدية.

يتمثل الاسلوب التعبيريّ بالنمط الذي تنتجه أشكال اللغة الأدبية اسلوبا ملونا بلون من المعايشة غير المباشرة أوغير المعهودة، حيث تقدم نوعاً من الحقائق المبتكرة بتحريف يسير للغة المعبرة وتفعيل معقول لكل آليات التوازي والاستعارة والترميز بشكل يؤدي إلى الكشف عن التجربة الادبية الحرة في مستوياتها العديدة التي قد تصل إلى أبعاد محددة لكنها تظل تعبيرية في الحقيقة المكنونة .

أما الأساليب التجريدية فتعتمد على زيادة معدلات الانحراف وتغليب الإيحاء والرمز على التصريح فتعطي القصيدة إشارات مركزة يتعيّن على المتلقي إكمالُها وتنميتها من الداخل مع فارق جوهري بين التعبيرية والتجريدية يتمثل في إشارة الأولى إلى التجربة السابقة على عملية الكتابة نفسها سواء أكانت حقيقية أم تخيلية، واختفاء هذه الإشارة في التجريدية بناء على غيبة هذه التجربة فتكون متجردة منها.

ويندرج تحت التعبيرية أربعة أساليب، هي:

1- الأسلوب الحسي يتمثل طرديا حيث تزيد فيه الإيقاعية والنحويّة؛ في حين تقل درجة الكثافة والتشتت والتجريد،

2- الأسلوب الحيوي الذي ينمي الإيقاع الداخلي ويعمد إلى كسر  يسير في درجة النحوية ويتوافر فيه مستوى جيد والتنويع من دون أن يقع بالتشتت.

3- الأسلوب الدرامي الذي يعتمد على تعدد الأصوات والمستويات اللغويّة، ويحقق درجة من الكثافة والتشتت من دون أن يخرج عن الإطار التعبيري.

4- أسلوب الرؤيا الذي تتوارى فيه التجربة الحسيّة مما يؤدي إلى امتداد الرموز في تجليات عديدة ويفتر او يضعف الإيقاع الخارجي فيها ولا تنهض فيه أصوات مضادة، ويحقق مزيداً من الكثافة مع التناقص البين لدرجة النحويّة و الأساليب . فمن الاسلوب الحسي تلاحظ ان شعر نزار قباني ا فضل نموذج للشعر الحسي، و في شعر بدر شاكر السياب نموذجاً للشعر الحيوي أما الشعر الدرامي فيتمثل في شعر صلاح عبد الصبور الشاعر المصري من خلال نتاج صلاح ؛ في حين يكون الأسلوب الرؤيوي ممثلا بشعر عبد الوهاب البياتي وهكذا بقية الشعراء لكل منهم نوع مميز واسلوب خاص وكثير منهم جمع اكثر من اسلوب في شعره .

اما اذا اردنا ان تكون كل هذه الاساليب مجتمعة بواحد فخير مثال لنا هو شعر محمود درويش كنموذج للتحولات التي تتسع لكل هذه الأساليب التعبيريّة، فقد بدأ من الأسلوب الحسي الذي خرج فيه من تا ثير نزار قباني فيه لانه يعتبره معلمه الاول ، ومثّل على ذلك قصيدة (بطاقة هوية) حيث تتميز ببنية بالغة التحديد في التنظيم المقطعي تمثل الواقع الواقع الحسي الملموس بحيث تتحول انماط الكلام فيها الى وقائع ذوات قوام فعلي وقانوني وتشتمل على كثافة وجودية محددة في مقابل تهويد الارض العربية في فلسطين وتهويد انسانها الجديد او المستقبل في الاقل وطمس الهوية العربية في فلسطين وتاتي تحقيقا يتسم بالكفاءة والفعالية والخصوصية لاسلوبية تقتضي نقل الحدس الشعري بجمالية وواقعية مبينة . اذ يقول فيها :

 

سجل انا عربي

ورقم بطاقتي خمسون الف

واطفالي ثمانية

وتاسعهم سياتي بعد صيف

فهل تغضب

**

سجل

انا عربي

واعمل مع رفاق الكدح في محجر

واطفالي ثمانية

واسل لهم رغيف الخبز

والاثواب والدفتر

من الصخر

ولا اتوسل الصدقات من بابك

ولا اصغر

امام بلاط اعتابك

فهل تغضب

وانتقل إلى الأسلوب الذي اجتمعت فيه الحيوية والدرامية، كما هو الحال في كتابة قصيدة (على ضوء بندقية) وانتهى الى اسلوب الرؤيا الشعرية الذي تمثله قصيدة (أرى ما أريد).

وربما تكون التجريدية تقتصر على أسلوبين فقط يتداخلان فيما بينهما هما:

الاول التجريد الكوني الذي تتضاءل فيه درجات الإيقاع والنحويَّة إلى حدٍّ كبير، مع التزايد المدهش لدرجتي الكثافة والضياع، ومحاولة استيعاب التجربة الوجودية الكونيّة باستخدام بعض التقنيات السيريالية والصوفيّة الدنيويّة .

الثاني: التجريد الإشراقي الذي ربما يقع على خط الاتجاه السابق معترضا اياه في سلم الدرجات الشعرية، مع التباس أوضح بالنظرة الشعرية والنزوع الصوفي الميتافيزيقي، والامتزاج بمعالم ورؤى ايجادية تختلط فيها الأصوات المشتركة والرؤى الحالمة المبهمة، مع نزوع روحي بارز يعمد إلى التراث الفلسفي بدلا من الضياع في التراث العالمي ..

ولعل الإسراف في الحداثة والمعاصرة بشكلها الشعوري الحالي هذا الشعور الذي تحمل موادّه دلالات عميقة موروثة، قد يميل الشاعر إلى تشكيلها من جديد فإن وجودها الظاهر في هذا التشكيل الجديد يحيل إلى موروثها بوصفه غائباً يحضر لدى المتلقي لمجرد وجوده في النص، فيشعر او يحس بعداً أيديولوجياً ، وان أهم الملامح الأسلوبيّة في شعر هذا الاسلوب متمثلا بضياع القناع، والأسلوب الصوفي في شعر الصوفيين،

على الرغم من إيراد هذا التعريف للأسلوب التجريدي لم يرد لحد الان تمثيل صريح له وهذا ما يجعل تصنيف الأساليب الشعريّة الموغلة في التجريديّة معلقاً في الهواء، فالناقد يطرح فرضيّة جديدة لم تأخذ حقها من التطبيق فيما يتعلق بالشعر التجريدي الإشراقي. هذا ما لاحظناه في شعر قصيدة النثر او قصيدة الشعر الحر بعد ان تم فك الشعر من عقاله التقليدي وهب قائما يتخطى بخطى وئيدة كيفما يشاء ويتلمس الامور كيفما احب الشاعر او اراد .

 

امير البيــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلـــــــد روز

 

 

داود سلمان الشويليمن القضايا المهمة في الشعر العربي المعاصر، خاصة في المجموعة الشعرية التي نحن بصدد دراستها، هو إستلهام الأسطورة - وخاصة الشخصيات الأسطورية - فيها كعنصر شعري متماسك في بنية القصيدة، مندمجاً فيها، ويساعد عناصر القصيدة الأخرى في تبيان وتوضيح صورها، وحمل ما توحي به تلك العناصر من صور شعرية . انها إندمجت في نسيج القصيدة ذاتها .

والأسطورة هي رمز لغوي غير شعري، إلآ انها تصبح شعرية عندما يستخدمها أي شاعر بطريقة شعرية قادرة على توصيلها الى المتلقي كواحدة من عناصر القصيدة الناضجة .

وتعيدنا أشعار يحيى السماوي (وهو يقترب من عامه السبعين – ص73 . والذي قال في قصيدة " ندى من جمر": خدعتني صهوة اللذة في مضمارأحلام الشباب (ص 90) الى الزمن الجميل في الشعر العربي المعاصر، على أقل تقدير. الى حيث الرومانسية المحببة والجميلة . فكان نزار قباني، وكانت الأشعار الأولى لبدر شاكر السياب، وكان الشاعر الناصري رشيد مجيد . وغيرهما . الى ذلك النَفَس الذي نشم منه اشتياق المحب لحبيبته، والمعشوق لمعشوقته . فكان السماوي يعيدنا الى كل تلك الأجواء الرومانسية بعد أن أُشبعنا شعراً تفوح منه الإيدولوجية والنفَس السياسي . فبتنا نتجرعه على مضض، حتى غاب عنا الشاعر العربي القديم حتى ستينيات القرن الماضي في لجة جمهرة أولئك الشعراء المتأدلجين والمسيسين بإمتياز.

في هذه الدراسة سنقدم المجموعة الشعرية للشاعر يحيى السماوي المعنونة (تيممي برمادي) التي تضم أربعين قصيدة، توظف فيها مجموعة من الملامح الإسطورية، كالشخصيات الأسطورية مثلاً، ومعرفة كيف تعامل الشاعر مع تلك الشخصيات الأسطورية في قصائده .

ان الشخصيات الأسطورية خاصة تعد رمزاً أسطورياً يتقنع به الشاعر، لهذا فهو يختار الشخصيات التاريخية التي أصبحت كالأسطورية، أو الشخصيات الأسطورية التي تمنح قصيدته طاقة شعرية مضافة، وهذه الطاقة المضافة تضاف الى عناصر القصيدة الحيوية، فتولد القصيدة وهي قوية التأثير، متماسكة، متجانسة .

70 yahiaasamaw1550

أولاً - الشخصيات الأسطورية:

عندما يوظف الشاعر إسماً ما نشمُّ منه أسطورة قد طالعناها خلال قراءتنا العامة، فإن توظيفه هذا لم يكن من باب الترف الشعري، وإنما هو من باب بلاغة الإستخدام لهذا التوظيف، حيث يضفي على أفكار القصيدة جواً يُشعِر المتلقي بسعة الأفق الفكري والبلاغي والجمالي .

في الكثير من الاحيان تشترك بعض القصائد في موتيفة واحدة أو أكثر، بين أنْ تتناص مع نص قرآني، أو تكون موتيفة من أسطورة ذكرت قبل أن تذكر في القرآن، مثل: التناص مع القرآن بقصة آدم خاصة بما له علاقة بالتفاحة التي لا يذكرها القرآن، حيث تكون هذه القصة أسطورة قد ذكرتها الكثير من الحضارات، كالسومرية، والآشورية، والبابلية، والكنعانية .

يقول السماوي في قصيدة " تفاحة نعمى ":

* تفاحة الأمس البعيدِ

رَمَت بـ "آدمَ "

خارج الفردوس .

في هذه القصيدة وظف الشاعر، لا شعورياً كما تذهب الدراسة الى ذلك، أسطورة آدم وتفاحته التي أكلها هو وحواء فأخرجتهما من الجنة.

***

ذكرنا أن الشاعر السماوي قد استحضر بعض الشخصيات الأسطورية التي وصلتنا من الحضارات القديمة، مثل:

- " اينانا" ص31: التي استدعيت من الأسطورة السومرية، حيث كانت آلهة الحب والجمال في السماء، فوظفها السماوي في قصيدته محذراً منها:

* واحترس

من غضب النحلة

إن خنت شذى وادي زهور اللوز

واحذرْ

إن اينانا إذا جزت مداها

تُمسك الماء عن الحقل

وتُظمي جدولكْ .

***

- سيزيف ص 86: هذا الذي تحمّل عقاب كبير آلهة الإغريق، بأن حمل على ظهره صخرة وراح يصعد بها الجبل، وقبل الوصول الى القمة تسقط لتتدحرج الى الوادي، فيعيد المحاولة ثانية، وهكذا استمر في إعادة المحاولات:

* لا بد لي من صخرةٍ

لأكون

سيزيف الجديدَ

وليس من بحر وأشرعة

فأبتدئ الرحيلْ.

فإذا كان سيزيف الأسطورة يرتقي الجبل وعلى ظهره صخرة كبيرة، فإن الشاعر يرغب بسيزيف جديد يمخر عباب البحر وعلى ظهرة الصخرة نفسها، إلآ أنه لا بحر و لا أشرعة . فالرحيل صعب مثل صعود الجبل بالنسبة الى سيزيف القديم، ولا أن يمخر البحر لسيزيف الجديد، لأن لا بديل للعراق .

***

وقد استلهم الشاعر من استحضاره جو الأساطير في " الف ليلة و ليلة "، وكذلك ما يمنحه إسم " شهرزاد " و "شهريار " و " السندباد "، من معنى مضافاً للمعنى العام للقصيدة، وتوسع آفاقها في ذهن المتلقي.

- "فشهرزاد " ص8: هي الملاك السومري، ونحن نعرف قصتها كاملة:

* تغدو الملاك السومرية "شهرزادَ "

تقصُّ بالقبلاتِ لي

قصصاً .

- و" شهريار " ص 12، ص9 هو الآخر أيضاً نعرف قصته:

* فأنا بمملكة الملاك السومرية

"شهريارْ " . ص9

* ما دمت ليْ

ما حاجتي بكنوز قارونٍ

ومخدع شهريارَ وملك هارون الرشيدْ ؟ ص12

فكلاهما يشكلان عنصراً للغنى الذي ينكره الشاعر عند حضور حبيبته .

***

- السندباد ص86: هذه الشخصية الألف ليلية التي يستقبل مخاطره في البحر برحابة صدر .

* ما السندباد بغير أخطار البحار؟

ومَنْ "بثنيةُ "في قواميس الصبابة و الهوى

لولا " جميلْ " .

فالشاعر يتباهى بأن الأخطار التي واجهها السندباد في رحلاته لا تقف أمام ما واجهه الشاعر من أخطار في حبه .

***

ثانياً - الشخصيات الحقيقية التي اصبحت حياتها كالأساطير:

هناك شخصيات حقيقية مرت في التاريخ، وقد إشتهرت بمركزها أو فعلها، أو سلوكها، أو قولها، إلآ أنها اصبحت كالشخصيات الاسطورية من حيث انها قد قامت بأعمال أو أفعال ترقت فيها الى أن تكون أسطورية وقد استخدمها الشاعر في قصائده . من مثل:

- الخليفة هارون الرشيد: الذي في وقته أصبحت الخلافة العباسية هي العصر الذهبي للعالم، حتى باتت شخصية هارون الرشيد تصبح كشخصية أسطورية . وقد منحت القصيدة أفقاً واسعاً في ذهن المتلقي. يقول:

* ما دمت ليْ

ما حاجتي بكنوز قارون

ومخدع شهريار وملك هارون الرشيد ؟ ص12

فالشاعر غني بحبه لحبيبه .

***

- شن و طبقة ص122: وهما شخصيتان حقيقيتان كما جاء في المصادر التاريخية، إلآ انهما جرت لهما أحداثٌ جعلتهما يصطفان مع الشخصيات الأسطورية .

* إنني شن"

فكوني "طبقةْ" .

اذن هو يبحث عن التطابق الذي يبعثه أولئك الشخصيات عند ذكرهما مع حبيبته .

***

- الضليل ص 8:

* تغدو الملاكُ السومرية " شهرزاد "

تقص بالقبلات لي

قصصا

عن الضليل صارَ مؤذنا

ومبشرا بالعشب بادية السماوةِ

والربى بالاخضرارْ .

الشاعر هنا يوظف اسم " الضليل " وهو الشاعر أمرؤ القيس في قصيدته كمبشر بعشب بادية السماوة . هذا الشاعر صاحب المعلقة التي تفيض جنساً، والتي يذكر فيها مغامراته مع نساء كثيرات، وفوق ذلك ان حياته رحلة نحو الموت . هذا الظلم والقهر والأحزان التي مر بها بعد مقتل ابيه الملك، فإنه يبشر بالنماء والخضرة كما كان في عهده الأول .

***

- الحلاج . ص 116:

* دعوتُ

أن يورثني مصيرهُ

الحلاّجْ .

ان استحضار الحلاج في هذه القصيدة معناه التمني لأن يتماهى الشاعر في المصير نفسه الذي وصل له الحلاج، وهو مصير مأساوي .

***

- ابن عذرة ص9:

يستحضر – هنا - شخصية هشام ابن عذرة في قصيدته " ميلاد "، فيقول:

* منذ عام الفتنة الاولى

فأولد مرة أخرى

سليلاً لإبن "عذرة "

حاملاً قلبي على شفتي

أغني للمها والجسر

يتبعني السفرجل و القرنفل

والملائكة الصغارْ .

ان استحضار الشاعر لإبن عذرة والفتنة الأولى هو استحضار لما قام به هذا الأخير من ثورة في الأندلس عام (١٤٤ هـ/ ٨٥٨م) في مدينة طليطلة، فأحدث فتنة كبيرة، كما أحدث الشاعر هذه الفتنة عندما حمل قلبه على شفتيه وراح يغني .

***

- يهوذا و المسيح ص76:

* ان تكن في مذهب العشق يهوذا

فأنا

لست المسيح .

ان استحضار "يهوذا" و"المسيح" في القصيدة هو استحضار لمعنى العشق بين المسيح و يهوذا الذي يرفضه الشاعر، حيث تكون "القبلة" التي يقبل بها يهوذا المسيح هي علامة أمام اليهود لتدلهم عليه، والشاعر لا يريد أن يكون كذلك .

***

- يوسف ص85:

* وتمد حبلاً من ضفائرها لـ "يوسفها "الذي

ألقى به في بئرها عشق خرافيٌّ

تماهى فيه محراث وتنورٌ ..

وضليلٌ و ناسكةٌ ..

وصبحٌ والأصيلْ .

لقد كان يوسف وقصته كما وردت في القرآن هي القصة / الأسطورة المثلى التي وظفها أغلب الشعراء في شعرهم قديماً وحديثاً (راجع دراستنا المنشورة على أجزاء عن استلهام قصة يوسف في الشعر).

***

- جميل وبثينة س86:

* ما السندباد بغير أخطار البحار؟

ومن "بثنية "في قواميس الصبابة و الهوى

لولا " جميلْ " .

إن الشخصيات الحقيقية المذكورة في مصادرها التاريخية قد تحولت الى شخصيات شبه اسطورية بعد أن ذكر لها أفعالاً وسلوكاً غير طبيعيين، مثل " جميل وبثينة " العذريين . (من قبيلةعذرة) . فهما في سلوكهما الذي سلكاه في حياتيهما قد أحدثا ما يمثل خطراً في ذلك المجتمع الذي كانا يعيشان فيه .

***

ثالثاً - الاقوام والقرى الاسطورية:

- ثمود وسدوم ص152:

* عتّقني في طيشه أمسي

وعتقت غدي في غفلتي

فهل أنا "ثمود " أم " سدومْ " ؟

استدعى الشاعر في قصيدة " سهاد" اسم هذه القرية "سدوم "التي مذكورة في الديانات الابراهيمية الثلاث والتي عوقبت على أمر ما فخسف بأهلها، إلآ ان الشاعر لم يستدعِ معها أسباب الخسف، بل انه أعطى تأويلاً جديداً لأسباب استدعائها في قصيدته .

أما ثمود فقد اهلكهم الله لعصيانهم نبيهم صالح ,

القرية والقوم هما من الاقوام والقرى القديمة " المعتقة " . والشاعر ينفي أن يكون منهما رغم " تعتقه " .

***

وأخيراً، ان دراسة ظاهرة استخدام وتوظيف الأسطورة في شعر يحيى السماوي جاءت لمعرفة الرؤيا التي توحي بها هذه القصيدة أو تلك، وكذلك الموقف الذي تعبر عنه، وماهية الاسئلة التي تطرحها القصائد المستخدمة فيها الأساطير، وقد تعرفنا على كل ذلك في هذه الدراسة القصيرة .

 

داود سلمان الشويلي

 

التناص: مصطلح نقدي، يقصد به تناص نص مع نص آخر في الفكرة ذاتها،وتختلف في طريقة الكتابة؛ لأن لكل كاتب أسلوبه الخاص به.

تسترجع الرواية الحدث الماضي، عن طريق دلالاتها السيميائية (قابيل/هابيل، ادم/حواء).

وقد فسر(النص القرآني)هذه القضية بطريقة مفهومة ومبسطة؛ لأنها تسير نحو حدث واحد.

فـ (قابيل وهابيل) أبناء(آدم وحواء)،وقصتهما ذكرها (النص القرآني)بمفهوم تقديم كل واحدٍ منهما قرباناً لله.

(هابيل) كانت مهنته راعي اغنام، ذهب ليقدم افضل ما عنده وهو(الكبش العظيم)، وقيل أنه (الكبش ) الذي افتدى به (أسماعيل "عليه السلام").

و(قابيل) كانت مهنته فلاحاً، ذهب ليقدم اسوء ما عنده.

تلد (حواء) في كل مرة ولداً وبنتاً، ثم يتزوج الولد من البنت التي تولد في المرة الثانية، والاخت تتزوج من الولد الثاني، أي عملية عكسية، هابيل يتزوج اخت قابيل، وقابيل يتزوج اخت هابيل.

الأولى : اخت قابيل امتازت بجمالها، بعكس الثانية: أخت هابيل التي افتقرت للجمال، ليشب النزاع برفض قابيل زواج هابيل من اخته؛ لأن اخت هابيل التي من المفروض أن يتزوجها قابيل افتقرت للجمال، مما دفع قابيل لآتخاذ قرار أنَّ يتزوج هو أخته لجمالها، ورفض(آدم) هذا القرار، وارتفعت الغيرة بينهما، لذا طلب آدم أن يقدما قرباناً (لله)، ومن يتقبل قربانه يتزوج الجميلة اخت (قابيل)،فكان قربان(هابيل)المقبول، تولد الحسد والغيرة بينهما، ليودي بحياة (هابيل) من أخيه (قابيل).

من هذا التناص والفكرة، انطلقت رواية (متاهة قابيل) لصياغة متنها السردي عن طريق شخصيتين رئيستين في الفضاء ذاته، لتنمو الشخصيات ضمن عقدة وصراع مع الأحداث، مما ساعد الروائي على بناء هيكل روائي محدد العناصر.

والرواية عكست تناصها الديني، فدلالة (قابيل) داخل الرواية تحول من قاتل في القصة الأولى الأصلية القرآنية (القصة البشرية)،إلى مظلوم في هذه الرواية ومضطهد داخلها.

وتحول (هابيل) وهو المقتول في القصة الأولى إلى رجل عصابات وخاطف وقاتل.

فـ (هابيل، قابيل، آدم، حواء)،هذه الأسماء توحي بدلالات معينة، في أن هؤلاء الناس هم من نسل الأنبياء، وأنهم اليوم يحاسبون على انتماءات طائفية لا صلة لها بالدين.

وفي توجيه (قابيل الفهد)، سؤالاً لـ (آدم ذو النورين) عن سبب اختطافه من جماعة (الحاج هابيل) وأجابه قائلاً: ̏ لأن أبي كان قاضياً.. وهو الذي حكم على هذا المدعو الحاج هابيل بالسجن لسنوات عدّة، هو واخوه وشخص آخر ؛ لأنهم بعد ثلاثة أشهر من ذلك اغتالوا أبي، عند باب البيت صبحاً، عندما كان يهّم الذهاب الى المحكمة.. والآن اختطفوني لاستكمال انتقامهم ̋.

يسكن (آدم ذو النورين) منطقة (حي دراغ)، بينما تسكن عصابة (الحاج هابيل) منطقة (الحسينية) ومن هذا التوظيف المكاني، سردت الرواية مقصديتها في الإشارة الى الفتنة الطائفية المميتة، وسؤال الهوية القاتل.

يسأل (آدم ذو النورين) عن سبب اختطاف (قابيل الفهد)، قائلاً لـ (قابيل الفهد) - قابيل الفهد وآدم ذو النورين في الغرفة المظلمة ذاتها، تحت سطوة عصابة الحاج هابيل :

- "قابيل الفهد..

- وانت..؟ لماذا انت هنا..؟ هل أنت سني أم شيعي..؟

صمت قابيل الفهد للحظات، فهو يكره هذا السؤال الذي صار من أكثر الأسئلة التي تطرح على السنة الناس من (...)، لكنه كان مضطراً للإجابة وبصراحة، فأمام الموت لا مجال لارتداء الأقنعة، هكذا قال قابيل الفهد، لنفسه، فأجاب بصوت حزين:

- أنا عراقي.. و السبب.. لا أريد التفكير بأكثر من هذا..

واذا ما أردت أن أتجاوز هذا التصنيف، فأنا إنسان.. إنسان فقط

- هل هذا يعني أنت هنا ليس لأسباب طائفية ..؟

- نعم..

- (...)

- المذهب غطاء لتحقيق رغباتهم الدنيئة.. كل طرف يغطي جرائمه بوشاح الإيمان والانتماء للمذهب أو الطائفة، كي يحولوا صحابهم إلى قرابين مقدسة باسم الجماعة التي ينتمون إليها.. وفي النهاية ليس هناك خاسر أو قربان مجاني سوى قطيع الخرفان من الطرفين ̋.

انصب هذا النص السردي على السؤال والجواب؛ ولأن السؤال وجه لـ (قابيل الفهد)، فهو سؤال مباشر وحدي، نشأ نتيجة حوارات ذاتية مع الذات الداخلية لـ (آدم ذو النورين)، فالظروف الضاغطة هي السبب في توليد مثل هذه الأسئلة، التي بدورها ترتمي خلف علامات الاستفهام وتعجز عن وجود إجابات لها، ولعل هذا ما يفسر(صمت قابيل الفهد للحظات).

ففي هذا النسيج الحواري بين(آدم ذو النورين)و(قابيل الفهد)، نجد أن الروائي لا يمنعه شيء من مواجهة نصه، فحوارية النص وأن دلت في مستهلها على هواجس وكوابيس تراود (قابيل الفهد) في الجواب على أسئلة(آدم ذو النورين)،وهي إشارة إلى فعل السلطة التي تلاحق الناس في كل مكان، فإصبحت كظله، ولم يفت الإنسان مقولة (الحيطان تسمع) وهي إشارة إلى إشكالية الوضع السياسي الضاغط، الذي يفرض نفوذه على الهيمنة الفكرية ويثير نوعاً من الشك والاضطرابات في هاجس الإنسان، عن طريق توظيف جملة من المسببات الخارجية التي بدورها تؤثر في المسببات الداخلية للإنسان الذي(يكره هذا السؤال الذي صار من أكثر الأسئلة التي تعرض على السنة الناس ).

وأمام هذه الضغوط النفسية كلها والمسببات الأيديولوجية الضاغطة، لابد لها من الاندثار أمام رغبة (قابيل الفهد) الناطقة بالقول: ( فأمام الموت لا مجال لارتداء الأقنعة، هكذا قال قابيل الفهد، لنفسه، فأجاب بصوت حزين)، فالشجن غلف التركيب البنائي للمتن السردي ليرويه بالقول:( أنا عراقي.. و السبب.. لا أريد التفكير بأكثر من هذا.. واذا ما أردت أن أتجاوز هذا التصنيف، فأنا إنسان.. إنسان فقط)، وهي إجابة حدية تختصر بدلالتين إما (عراقي أو إنسان)، وهي بدورها إجابة معلنة تصدر من ذات واعية راشدة، رافضة لكل الضغوطات الهادفة لتوظيف هالة القداسة في تمزيق اوصال العراقي، والتي أشار اليها بالقول:(المذهب غطاء لتحقيق رغباتهم الدنيئة.. كل طرف يغطي جرائمه بوشاح الإيمان والانتماء للمذهب أو الطائفة، كي يحولوا صحابهم إلى قرابين مقدسة باسم الجماعة التي ينتمون إليها.. وفي النهاية ليس هناك خاسرأو قربان مجاني سوى قطيع الخرفان من الطرفين)، عمد الروائي بنائها على صيغة الفعل المضارع (تحقيق، يغطي، يحولوا، ينتمون) إشارة إلى استمرارية الفعل، الذي ختمه بالقول:( وفي النهاية ليس هناك خاسر أو قربان مجاني سوى قطيع الخرفان من الطرفين)، ويقصد بها المجتمع.

وقد سعت (حواء الكرخي) لتخليص (قابيل الفهد) من عصابة (الحاج هابيل) الطائفية، عن طريق الاتصال باخيها وهو إسلامي، امتلك هذا اللقب، بعد عملية الاستبدال التي يقوم بها الكثير من موظفي الدين (عديم الايمان، وظالم، وفاقد لتعاليم الدين الحنيف، وقاتل) الى (سياسي مسلم برداء القداسة)،ليتحول فيما بعد الى(مسؤول كبير)، وعرضت القضية لأخيها، قائلةً:

̏ - القضية وما فيها يا سعادة النائب.. أن جماعة ينتمون إلى إحدى التنظيمات الإسلامية قد اختطفت مدير مدرسة في شارع فلسطين صباح هذا اليوم، وهذا الشخص يهمني فهو في دائرة الاصدقاء المقربين..

- شيوعي..؟

- لا.. إنه إنسان مستقل، لكنه ليس متأسلماً في كل الأحوال..؟

- هل هو شيعي أم سني ؟

- هل أصدق ما أسمعه يا آدم..؟ يا مناضل..؟ أمن المعقول أن تسألني أنت مثل هذا السؤال..؟ هل صار اختطاف الناس يتم على أساس انتمائهم الطائفي..؟..

أرتبك الصوت الآخر للحظة، لكنه لم يتراجع عن صرامته:

-لا تفهمني بشكل خاطئ ..أنا أتحدث عن واقع الحال، وليس لأني أؤمن بذلك..̋.

في حوارية النص هذه نكاد نقف عند معادلة مقفلة لا نجد لها مفتاحاً، أو خندقاً لا نستطيع الخروج منه، وهي مشكلة قديمة حديثة يحتضنها العراق بصورة خاصة، والعالم العربي بصورة عامة، فإشكالية الفتنة الطائفية تحولت إلى شعلة أزلية لا يمكن إطفاؤها؛ لأنها كلما خمدت زودت بالممارسات والشحنات السياسية السالبة لإشعالها، لتنهض بإزاء الموجب لصالح مستعمليها، والسالب بإزاء الجزء الثاني (المجتمع).

وقد بُني المتن السردي على صيغة السؤال والجواب الصريح والمعلن، الذي يبتعد عن المخاتلة، وسعى الى تقديم صيغة سردية مفهومة من لحظة عرض (حواء)للقضية وقولها: (القضية وما فيها يا سعادة النائب.. أن جماعة ينتمون إلى إحدى التنظيمات الإسلامية قد اختطفت مدير مدرسة في شارع فلسطين صباح هذا اليوم، وهذا الشخص يهمني فهو في دائرة الاصدقاء المقربين..)، لتصطدم هذه المباشرة بالجواب: (شيوعي؟) و(هل هو شيعي أو سني؟)، وهو جواب ينقل هدف الممارسات الضاغطة بصورتها الحقيقية، لتصطدم (حواء) بهذه المباشرة وتنطق القول:( هل أصدق ما أسمعه يا آدم..؟ يا مناضل..؟ أمن المعقول أن تسألني أنت مثل هذا السؤال..؟ هل صار اختطاف الناس يتم على أساس انتمائهم الطائفي..؟..)، ليجيبها الطرف الآخر من الحوارية قائلاً: (لا تفهمني بشكل خاطئ ..أنا أتحدث عن واقع الحال، وليس لأني أؤمن بذلك..)،عن طريق هذه اللعبة المميتة التي سعت إلى تتويج الشعارات الطائفية في كل مكان، نجحت الممارسات الضاغطة بامتياز، في فرض حضورها وغيابها على الشارع العراقي.

وتحدثت رواية (متاهة قابيل) عن احتيالات واغتيالات رجال العصابات ؛ ولأن الخطر وزعزعة مركزيتهم تسبب قلقاً، لذا سعى (الحاج هابيل) إلى قراءة الفاتحة على (قابيل الفهد) بعد أن علم بتدخلات اخ (حواء الكرخي)، المنقلب إلى التوجه والحكم الإسلامي الداعم لثبوت المركزية، وهذه الظروف كلها دفعت الشيخ (هابيل) الى القول:

̏ بأن الفرصة قد جاءته للتخلص من مدير المدرسة بسهولة، وسيورط الحاج آدم الأسير بقتله، فقال له:

- هذه مهمتك الليلة يا حاج آدم.. توكل على الله و إذبح هذا الحقير الفاسق لأن وجوده سيكون خطراً عليك أنت، باعتبار أنك تعمل محاسباً في مدرسته .. وربما يكون قد عرفك.. فهل سنقوم بالمهمة.. أو نكلف شخصاً آخر..

- سأقوم بالمهمة.. وحدي.. الليلة إذهبوا أنتم.. سأقوم بالمهمة ..لكني ربما

- سأتأخر.. لأنني لا أستطيع ذبحه وإنما سأعدمه.. سأخذه إلى أعماق البستان، وهناك سأعدمه.. وسأذهب إلى منطقة الحسينية لأنام عند أحد أقربائي..".

وبين أوامر هذا وذاك ضاع الصالح بالطالح، وعمت الفوضى، وزاد القتل .

وعمد الروائي (برهان شاوي)، في روايته (متاهة قابيل) الى إجراء مقارنة بين (آدم البشر) ويقصدنا نحن، و(ابونا آدم ابو البشر)، عندما يقول:

̏ نحن نختلف عن آدم الأب.. لأن آدم انتقل من حالة البراءة التي تحدثت عنها إلى الخطيئة، لذلك ثمة سقوط رهيب لآدم ..لكننا البشر، سلالة آدم، أبناء خطيئته، فنحن ننتقل من الخطيئة التي وجدنا انفسنا فيها بالتبعية كأبناء لآدم الأول، الى حالات اخرى من الخطيئة، فنحن نقترف خطايانا هنا على الأرض وليس في الفردوس، نقترفها بوعي.. أي نحن نتاج الخطيئة ونعيش في الخطيئة، إن طبيعتنا الإنسانية تجنح للخطيئة ؛ لأنها مستقرة في أعمق أعماقنا، طبعاً هذا إذا فهمنا الخطيئة بأنها الشهوة والرغبة الجنسية بالتحديد ̋.

وفي الرواية، نرصد دلالة العنوان وشرحه المفهوم داخل المتن السردي.

وإن (هابيل أو قابيل) هو طفل نتيجة الخطيئة، امه (حواء الزاهد) كان ضميرها في تأنيبٍ دائم إتجاه (هابيل) ؛ لأنه ولد خطيئة، ̏ نظرت إلى ابنها هابيل الذي هو ثمرة خطيئتها المحرمة ؛ لكنه أيضاً ثمرة حبها وعشقها الحقيقي ورغبتها العميقة المنبوذة في المجتمع والدين..؟ ثم التفتت إلى ابنها آدم الملاك، الذي هو ثمرة خطيئتها الشرعية الحلال.. ثمرة علاقة مبنية على الحب ؛ لكنه الابن الشرعي أمام الدين والمجتمع..‼ صحيح انها لا تفرق بينما، فكلاهما نشأ في أعماق رحمها وهو قطعة من جسدها، إلا أنها ستشعر بالأسى على آبنها هابيل ̋.

فإن توظيف المقارنة هنا جاء عن طريق:

هابيل (ثمرة الخطيئة المحرمة) = ثمرة حبها وعشقها الحقيقي ورغباتها العميقة المنبوذة في المجتمع والدين.

آدم الملاك (ثمرة الخطيئة الشرعية الحلال) = ثمرة علاقة مبنية على الحب ؛ وهو الابن الشرعي أمام الدين والمجتمع.

وقد تكون هذه المقارنات إشارة توضيحية للقارئ، وتعد مؤشراً للصعوبة في البحث عن مغزى للوصول الى المحطة النهائية لهذه المقارنات، فالكلمات بسيطة ومألوفة، إذ جعلت (حواء الزاهد) من (الخطيئة) حلالاً عليها بسبب عشقها لـ (والد هابيل)، ومن (الحلال) جعلت حراماً عليها، لكرهها والد (آدم)، ومن الحلال والحرام صاغ الروائي خروجه المعلن لنقد فكرة الدين أولاً، ونقد المقدس كله ثانياً.

ونرصد في الرواية، تفكيكاً قاسياً وتشريحاً للحرب الأهلية والطائفية، وعمدت الرواية إلى تقديم الانقسامات الطائفية عن طريق مسلخ منطقة الحسينية، ومسلخ منطقة المنصور وتحديداً (حي دراغ).

أضيف، أنطلقت سردية الرواية من مادة مجانية معاشة بجذورها في محيطنا، ولاتحتاج إلى أعمال الذهن في فهمها وفك قيودها، الفهم يقتصر في كيفية التعليق النقدي على جملة الشخصيات المتداخلة لهذه الشخصيات.

 

بقلم: د. وسن مرشد

 

جمعة عبد اللهمغامرة روائية مبدعة يخوض غمارها الكاتب الروائي (شوقي كريم حسن) بكل قدرة متمكنة من تقنياتها الفنية في الحبكة السردية، واسلوب تعابيرها الدالة في المغزى البليغ الدال، في الغوص في شجون واشجان المحنة العراقية ومآسيها، عبر ازمنتها الجحيمة المتعاقبة بالخرائب. في التعاسة والجحيم. في نزيفها المستمر الذي لم يتوقف في نزيف جراحه الجارية. هذه الرؤية الفكرية لمنصات الحبكة السردية باشكالها التعبيرية المختلفة، والتي انتهجت اسلوب التداعي الحر، في خضم تداعياتها التي سقطت انثيالاتها بغزارة المطر الغزير في معاناة وجدان الذات، في زخم التعابير الدالة،في مغزاها ودلالة في معانيها الرمزية الدالة على الوطن، الذي اصبح يبدد كل بارقة امل وحلم، في خضم وقوعه في فلك المجاهيل والطرق المتوحشة، وتحولت انسانيته الى اوهام وهذيان على ضفاف القهرالاجتماعي، المتسلط على الرقاب، والجاثم على الصدور. في عنفوان مرارتها النازفة، كأن العراقي يولد وهو يحمل فيروس الانفلونزا المزمنة، في الوجع والانتهاك والاستلاب، المفرط بالتسلط والاستبداد. الذي يقود الى الضياع.، وبالتي تقود الى ضياع الوطن، دفعه الى اكوام الخراب وتدمير الانسان من الداخل، في الخيبات والخسارات المتلاحقة والمستمرة. بهذا الشكل تخوض تجليات الحبكة السردية في النص الروائي، وهي تكشف جراحات الوطن النازفة، في دوامة من الهيجان من الفوضى العارمة. التي تعمق الازمة والتأزم اكثر واكثر. ان تجعل الانسان حقل تجارب من الاحباطات المتكسرة، ان يكون مأزوماً في الداخل والخارج، في حياته واسلوب معيشته. حيث ان المعادلة متشابكة لا يكن فصلها، يعني ضياع الوطن وهو بالحقيقة ضياع الحلم في دروب ومجاهيل موحشة متوحشة، لا أمل فيها، طالما ان هذيان الاوهام المجنونة مسيطرة على خناق الوطن، مما تصيبه بالشلل والفشل. يقدم الكاتب هذه البانوراما الكاشفة، من خلال سيرته الحياتية والذاتية، التي اتخذت صفة الذات الجماعية، في واقع صبغ في ألوان السواد والحزن والحرمان.، في توصيل الرؤية الفكرية، من خلال السرد المبسط والعميق، بتوافق وانسجام بين اللغة الفصحى واللهجة العامية. بحيث كشفت وسلطت الاضواء الكاشفة في الغور في عمق المأساة العراقية، في استخدام اسلوب الميتاسردية (الحدث وما وراء الحدث). في هذه التقنيات من البوح في النص الروائي، ان يكشف الصورة الكاملة لواقع العراقي عبر ازمنة الانفلونزا، في تعقيدها المتشابك بخيوطها الاخطوبوطية، ودهاليزها التاهة في المجاهيل المجهولة. لقد طرحت مأسي الواقع، بكل جرأة صريحة وعلى المكشوف، كما تصدت بوعي ناضج لمفاهيم الموروثات والارث المتنوع بصفاته واسمائه المتعددة، في بعضها حملت جنينات النفاق والخداع، في بدعة العصمة والقدسية لها. وهي جزء مكمل من خراب الواقع. يتناولها الكاتب بأسوب السخرية والانتقاد اللاذع من التهكم. لانها تسهم في تشديد الخناق على الوعي، اوتفرض حالة من الارهاب الفكري. اي ان العقل يفقد حرية التصرف والتعبير والارادة. وان يكون ضحية الاستلاب والانتهاك القسري. ان هذه المفاهيم من ألارث الموروث. هي جزء من الانفلونزا العراقية. لذلك ان الحبكة الروائية، تحركت بأساليبها المختلفة، في تسليط الاضواء، في التشخيص والتحليل، عبر رموزها التعبيرية في الحبكة السردية. وهي: (جورية الام. ميري. نابليون. كاترين. حصان جدي). وقبل تفكيك شفرات هذه الرموز الدالة. لابد من تسليط الضوء بصورة مكثفة على حياة وسيرة السارد، وهو الشخصية المحورية في المتن الروائي:

- يصدمنا بطل المعاناة العراقية منذ الصبا، اومنذ تفتح براعمه الاولى، انهالت عليه السهام والطعنات الجائرة، لتدفعه الى المعاناة بوتيرة المتصاعدة (منذ صباي الاول وانا احلم بمكان استقر اليه، يمنحني رضاه وامنحه كلي.. هذا البحر سعة لا تتوقف، وعملية تائهة مع اللاشيء كلما حاولت الامساك ببعض محبته، رمى بي الى التيه أشد قسوة، وأشد مرارة) ص121. تبدأ هواجس الرحيل الى اللاشيء، الى الدروب المجهولة والوعرة، الى الطرق المتوحشة. كي يفقد الحلم والامل، مثل الوطن الذي لم يبق منه إلا مجموعة خرائب متناثرة. في كرنفالات الجنون (فاضت سيول من الانهزمات الداخلية التي ما عفتها من قبل، منذ سنوات طويلة، ما عادت كلمة وطن تعني لي أشياء محددة، فقد امتلأت قحفة رأسي بأوطان شتى، أوطان تركت في ذاكرتي مئات الرسوم والقصص والضحكات، وحدها كلمة وطن، كانت تغيضني، بل تحيلني الى كلب مرمي عند اكوام قمامة ينتظر موته، الكلاب السائبة غدت رفيقة أيامنا ونحن نسكن الشوارع) ص157. بل اصبح مشرداً مطلوب رأسه حياً أم ميتاً. هذه جنون الهلوسة التي اصابت الوطن، ليقع في احضان الجحيم. بل اصبح الوطن نفسه عنوان الجحيم، او اصبح عملة رخيصة تباع في الاسواق الرخيصة.

الرموز الدالة في النص الروائي:

1 - جورية (الام): تمثل الفلسفة الحياتية في تجربتها الشاقة في المعاناة القاسية. في كفاحها الحياتي في توقير لقمة الخبز، بعد وفاة الاب في الحرب. فكانت أمه بائعة الخبز، صمام امان والسند في مواصلة حياته الشاقة بعد اليتم (تربت على كتفي، وتمسد رأسي، كانت الى لحظات اليتم التي عشتها، اليتم الذي جعل أمي تقف عند مفترق الطرق وهي تحمل سوراً قرآنية، ورسومات لأئمة وبخوراً، من اجل رغيف خبز لا غير، ليس سوى أم حزينة، تلوج وهي تحمل خراب سنوات أعمارنا، كانت صباحاًتها نواحاً، ومساءاتها بكاءاً، لايستقر عن أسم محدد) ص61. ووتلونت عذاباته بالسواد، بعدما فقدها وغادرت الى رحمة الله. فكانت تملئ وجوده (- لا أحد غير أمي جورية..... هي الوحيدة التي يمكن ان تؤكد وجودي.. ؟

جورية... جورية.. ماذا لو كانت جورية قد غادرت هذه الارض منذ زمن قد يكون طويلاً... ماذا لو وجدت ما تسميه بيتكم وقد أزيل ولم يبق سوى خربة أو مساحة أرض) ص219.

2 - ميري (الراهبة): تمثل فلسفة الحياة والحب. التي تعتمد على مقومات أنسانية نقية في روحها وصفاءها الحياتي.. تحاول ان تدخل العزيمة والبهجة الى قلبه المكلوم، تحاول ان تشد قوته النفسية في الصبر والتجلد، في مجابهة ومقارعة الحياة (تلاحقني ابتسامات (ميري) وهي تهمس أأأأحبك... وكل ما نطلبه منك أن تنجح... كن ناجحاً في حياتك.. لأنك بنجاحك ستنال رضا يسوع) ص30.

(لا تثقب قلب رجولتك بكراهيات الارباب.. اخفي زعل الروح ما دمت تريد ادراك الوقت / وترغب بلفظ اخر الطرقات / فكر يا أبن آدم، ان طرقاتك القادمة قد تكون اكثر وحشة وتوحشاً / واكثر قتامة وحزناً / عندها يا أبن آدم عليك ان تقف عند الحد مبتسماً / وتقاوم.. قاوم وامضِ.. أياك ان تتوقف عند لحظة ما دمت غير مقتنع بالوقوف او التوقف / فكر ملياً واختر طريقاً اخر أو اقول الحق / ابتكر طريقاً اخراً يدلك على ما ترغب / محنة الانسان يا أبن آدم هو الطريق) ص28.

(بل عليك ان تتحمل الصبر وانتظار معاً!!) ص39

(- كل اشياؤكم غريبة.... أنتم تعشقون الغرابة.. مخيلاتكم تجنح باتجاه خلق عوالم من الرعب والفوضى... منذ قرأت حكاياتكم التي دمرت أحلام الناس وأنا لا اطيق مخيلاتكم.. عقول لا تجيد صناعة الحياة وتعبث بأحلامها.... قل لي ما الشيء الغريب الذي تفتخرون به ؟!!) ص97.

3 - نابليون: يمثل روح الشباب وعنفوان حلمها. لكن هذه الاحلام والعنفوان يتكسر على صخرة الواقع الصخرية بالفساد والرذيلة، مما يرجع مكسور الجناح في غصة الوجع. انه يتعامل مع واقع اكبر من طاقته في التحمل المعاناة الثقيلة. لذلك يظل مرمياً في قاعة الانتظار، في احلام يعصفها رياح الخراب، فرمزية (نابيلون) هو الضحية والشاهد والمراقب والمحترق بنار الجحيم. في عالم يضعه تحت حوافر الحرب أو السجن، ولا مفر منهما. واقع يدفه الى الاستلاب بلا عودة.

(- وانت.. لا يمكن ان اغادر بدونك ؟

- مجنون.. نحن رهن وحدتنا. شظية مثل هذه تجعلنا نغادر صوب وحشة اللاعودة.

يضحك

- ها انت تجيء محملاً بأثامك وخطاياك، نابليون.. لن يفيدك إرث ولا جاه.. الحساب لحظة لابد منها ؟) ص32.

(- نابليون.. أيها الامبراطور السارق لارث جده.... دعك من مثلك العليا هذه.. دعك من هذياناتك الراسمة لفشل الاحلام.. ودعني اسير الى حيث تنطش الرغبات فوق رأسي... أنا المخبول... قدتٌ روحي من رغباتٍ.. وأطاعت نفسي انحرافات الجسد) ص84.

ولكن يحث الانقلاب الكلي، وهي اشارة، بأن العراقي يحمل الازدواجية في التصرف والسلوك، في سهولة التلوين وتغيير جلده حسب المناخ والطلب والعرض. وفجأة يجد نابليون وسط القاعة يصرخ بأعلى صوته (اللهم صلِ على محمد والٍ محمد) ص178.

(- أنا الآن على غير ما تركتني عليه.. انتهزت الفرصة وجئت ؟

- الجميع هنا يتحدث عن فرص

- وما الانسان غير فرصة واحدة وان ذهبت لا يمكن استردادها) ص179.

4 - كاترين: تمثل فلسفة الحب والجنس والايروسية. كأنها تتقمص دور، البغي التي روضت (انكيدو) من وحشيته.

(واعتادت كاترين ايقاظي بوابل من الجليد الذي لا اعرف من أين يجيء، أشعر برغبة شديدة بالبكاء والصراخ، والركض وسط غابات التوحش.والهتاف ضد ما أسميه خرابي الانساني، لكن الفشل الذي اصاب كلي المتهدم يعيدني الى حيث كانت كاترين تضحك.... تضحك... بنت القندرة.... رأسمالية عفنة... كلبة بنت الكلب) ص163.

(الانسان كائن خلق من مستحيل، لهذا ترينه دائماً يبحث عن مستحيل ليهشم وجوده.. أنا أمامك مثلاً جئت لاهشم مستحيل فحولتي بين افخاذ بنات الغرب المسكين. نحن نأتي لنمارس الدعارة بين احضان مستحيلكم... هذا هو الفرق أستاذة كاترين... أنتم تجيئون لتكشفوا تواريخنا الاجرية، وسرية ملوكنا ودهاء ساستنا. أنا اشعر بفتحي المبين يمجد فحولتي) ص128

(تقول كاترين لحظة فرح تساوي كوناً فاسداً.. الرب الذي تمجده خلق الانسان من اجل ان يصنع حياة ابتهاج وفرح) ص132.

(تقول كاترين وهي تلز جسدها الى جسدي، شعورك بالانكسار أضعف أملكَ. السؤال الذي ينقصك هو الى اين تريد الوصول.... ولماذا جئت. لا يمكن أن يكون مجيئك من أجل قاذورات التي تلاحقها هنا وهناك.. قد تتصور ان مجتمعاتنا مجرد مواخير كبيرة، أنت واهم عيبك أنك ترى ما تريد... حاول ان تجد مكاناً اخر) ص142.

5 - حصان جدي: هو دلالة رمزية على الموروثات ومفاهيمها، التي تحرث في الخراب، وخرجت عن منطق العقل، الى منطق العقل الظلامي المتوارث، الذي تصهل في الطرق المتوحشة الغارقة في الانهزام والخيبات المتكسرة (والمرسومة بلون العبودية المستكين) ص6. (وقد أورثت هذه الابصار من محيط سفالاتنا التي ادمنها المعلمون الاوائل) (أمر الاطفال بأن يتبولوا على امجاد اجدادهم) ص 8. هذه الموروثات التي تنفخ في قربة مثقوبة بألف ثقب، وهي حكايات اوهام وخرافة، ماهي إلا لسفك الدماء (ربوعنا خراب لا يجد الاجابة، لهذا ترنا معلقين بسعف نخيل الاجداد، ووصاياهم، والمباهاة بماضٍ تليد يثير القيء. ويكشف عن مدى سفالات اولئك الاجداد الذين ارتاحوا لمرآى الدم، وادمنو الترحال اليه. حاولت مراراً التخلص من اوهام رأسي المائر بفضاءات مليئة بحمام اسود، لكني فشلت. لا أحد يستطع الانتصار على ماضيه. الماضي هو رباطنا الوحيد في اسطبلات حياتنا الحاضرة)ص10. (- انها أرثي التاريخي من الغابات والكهوف. مقاومة الحاضر بأستدعاء عنفوان الماضي السحيق. تصور أنا سليل رجل عاش بكهف وغابة) ص144. هذه الامجاد الملوثة بالدم، ندفع فاتورة حسابها الآن، بجريان دماء مضاعفة، لذلك يستفز السؤال (ليش ؟؟) (صدك عود ليش نموت. واشفنه من عمرنه. ليش نموت حتى يحيى الجنرال) ص10

 

- رواية (قنزه ونزه)

- المؤلف: شوقي كريم حسن

- الطبعة الاولى: عام 2018

- عدد الصفحات: 224 صفحة

- دار ميزوبوتاميا. العراق / بغداد

جمعة عبدالله

 

711 دموع باردةقراءة في المجموعة القصصية " دموع باردة "

عرف المشهد القصصي بالمغرب تنويعا في الكتابة، من حيث ارتفاع عدد الكاتبات والكتاب، ومن حيث جمالية الكتابة وهندسة البناءات القصصية، ومن حي نضج الوعي بأهمية هذا الجنس الأدبي أو اللون التعبيري في التقاط اليومي وتمثيل الظواهر الاجتماعية والنفسية خاصة والإنسانية عامة... ومن بين الأسماء الصاعدة في هذا المجال، نذكر الكاتبة  السعدية الفاتحي  في مجموعتها القصصية " دموع باردة " [1].

العتبة وتنوير الداخل:

كشف الدرس النقدي المعاصر ما للعتبات النصية من أهمية بنائية وتدليلية في عملية تلقي النص الأدبي، سواء كانت تلك العتبات عناوين أم مقدمات أم مقتبسات أم إهداءات ... إنها تتيح للقارئ الولوج إلى عوالم النص والاقتراب من مداراته الدلالية الكامنة أو المتوارية بين طياته اللغوية . ونظرا لأهمية هذه العتبات سنقف عند:

العنوان:

يشبه العنوان الثريا التي تضيء النص، إنه أثر تدليلي يحمل القارئ إلى عالم النص ويؤسس أفق توقعه . فكيف ذلك بالنسبة ل " دموع باردة " كعنوان ؟

يتألف هذا العنوان من كلمتين:

- دموع: جمع دمعة، وهي من المادة اللغوية " د،م،ع" والدمع ماء العين . وله معاني ودلالات أهمها السيلان والامتلاء والفيض ثم البكاء [2]. ومعلوم أن الدموع تتدفق من الغدة الدمعية باتجاه سطح العين عبر قنوات صغيرة، نتيجة انفعالات عاطفية شديدة أو مؤثرة مثل الفرح أو الحزن أو قد تكون نتيجة عمليات فيزيولوجية مثل الجراحة أو نتيجة عوامل خارجية من قبيل الحساسية . وللدموع كما هو معروف، وظيفة محورية تتمثل في حماية العين من الجراثيم وتليينها. وعامة تنقسم الدموع إلى ثلاثة أصناف أساسية: دموع أساسية أو قاعدية ثم دموع رد الفعل نتيجة تهييج للعين ثم أخيرا دموع العاطفة أي دموع الانفعالات النفسية التي قد تكون سلبية أو إيجابية... فأي الدموع تحضر في النص ؟ وما دلالة ذلك ؟

- باردة: صفة ونعت للدموع، وهي نقيض الحارة. والدموع عامة إما باردة أو حارة. حسب نوعية الانفعالات التي تتأثر بها الذوات . وكلما تنوعت الانفعالات والوضعيات العاطفية والمؤثرة في الإنسان إلا وتنوعت تبعا لها الدموع . هكذا تكون الدموع ناتجة عن انفعال معين . وهو رد فعل الذات أو تأثرها في وضعية معينة: الفرح، الحزن، المرض، الموت، الخوف، الإخفاق، الفشل ن الاغتراب، الندم ....و تقترن الدموع أيضا بالبكاء، وهو من الانفعالات الشديدة  ذات التأثير الواضح في الإنسان . فقد يبكي لأسباب خارجية أو داخلية، لحالات عاشها أو تجارب قاسية مر منها، أو وضعيات وجودية تأثر بها .

يرد العنوان كتركيب لغوي في المجموعة القصصية مرتين: في قصة " عيب خلقي " [3] حيث تصف الساردة امرأة ترتق بجدار حجرتها كل الثقب وهي تبكي وتكتب بالطين  دموعها الباردة ...و الدموع هنا ناتجة عن انفعال عاشته المرأة لما وعت بعجزها وقصورها عن سد ثقوب حجرتها أو بيتها . وهناك تشابه أو تشاكل بين البيت والجسد، فهما معا يستران ويحميان الذات  ويستران عيوبها . والمرأة العربية عامة تحمل في وجودها لعنة الفضح أو لعنة العيب الوجودي اختلافا عن الرجل. ومتخيل العيب في الثقافة العربية تأسس حول المرأة أكثر مقارنة بالرجل . كما يحضر العنوان بنفس التركيب اللغوي في قصة " دموع باردة " [4]حيث تحكي القصة عن امرأة معاقة، نسجت علاقة حب مع شخص عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي محاوراتها الأثيرية لم تخبر المرأة محدثها عن إعاقتها، اعتقادا منها أنها قادرة على تحدي تلك الإعاقة . لكنها تبكي وتذرف دموعها الباردة حين شعرت بان ابنها يخاف عليها أن تسقط حين تصعد الدرج . فالعلاقة الجديدة شبيهة بالدرج في الصعود والتعلق، لكنها تتطلب مهارات واستعدادات نفسية وبدنية، وهذا ما تفتقده البطلة في القصة . كما أن هذه الوسائط الجديدة أتاحت آفاقا جديدة للعلاقات البين إنسانية، غير أن للواقع سلطته وقهريته.

من خلال هاتين القصتين، يتبين أن الكاتبة تسرد على لسان شخصيات القصص – وهن في الغالب نساء- وضعيات انفعالية مختلفة ومؤثرة، هي السبب في البكاء وبالتالي إسقاط الدموع الباردة . وكلما كانت التجارب قاسية والأحاسيس سلبية ومتواصلة أو دائمة، كانت الدموع باردة ...و هناك وضعيات مختلفة رصدتها الكاتبة على لسان رواتها حيث يسردون انفعالات ويحكون عن أحاسيس تجعل العين تدمع والقلب يحزن ولعل أكثر الانفعالات حضورا في المجموعة ككل انفعال الحزن .كما أن البرودة هنا تشي بالمعاناة والقسوة والمحنة التي تعانيها الذوات في عوالم النصوص التخييلية .

الإهداء: [5]

هو من بين العناصر المحيطة بالنص أو اللاحقة به مباشرة . وتكمن أهميته في تحديد هوية المهدى إليه في علاقته بالكاتب / بة  من جهة وبالمحتوى من جهة ثانية . وفيما يخص  هذا العمل الفني، يتحدد المهدى إليه من خلال اسم الإشارة  " تلك " الدالة على البعد والقرب، الانفصال والاتصال . وهناك محددات أخرى تشي بهوية المهدى إليه:  "  التي لا تعرف للتوبة بابا " فّإذا كانت التوبة تعني الاعتراف بالخطيئة والندم على ذلك الفعل، والعزم على عدم المعاودة ما اقترفه الإنسان من آثام، فإن المهدى إليها هنا تبدو في وضع ملتبس، قد يحار في الحكم عليه بعض من في جعبتهم لفائف الأحكام وصكوك الإدانة لمختلف النوازل. إن المهدى إليها تتحدد ضمن دائرة المؤنث، فهي إما مذنبة أو طاهرة، عاصية أو طائعة، مقدسة أو مدنسة، وهي لا تعرف للتوبة بابا أي لا تعرف كيف تتوب ؟ أو لا تعرف للتوبة طريقا ...و هذا ليس من باب المعاندة أو الإصرار على الذنب أو الجهل بأدبيات التوبة . وإنما من باب الإيمان بأنها بعيدة عن مواضع الخطيئة . وهناك محدد ثالث لهوية المهدى إليها:  " لا تعرف للشهقة عبابا " وهنا تضاعف الكاتبة غموض ولبس هذه الهوية، إنها في حالة احتضار أو انتصار، في حالة ضعف أو قوة، إذ من معاني " شهق " تردد النفس في حلق صاحبه  وأن يسمع له صوت مثل شهقة المحتضر . إن الكاتبة في إهدائها تنفي عنها ما يوحي باحتضارها  تلميحا إلى قوتها وصبرها ..

إن المهدى إليها حاضرة غائبة، قريبة بعيدة، منفصلة متصلة . وفي الجزء الثاني من الإهداء، تتحدد هوية المهدى إليها " إليك يا نقطة مني " هنا يتأكد الاتصال والقرب والعلاقة النوعية بين الكاتبة والمهدى إليها . هكذا يصبح جسد وكيان الكاتبة مدفنا لحروف الغائبة الحاضرة، إنها الأنا الثانية للكاتبة، أناها التي صادر الآخر حقوقها وضيق من مجال حريتها وأقبر أحلامها وآمالها وضاعف أحزانها ...

المقتبسات:

من بين مقتبسات هذه المجموعة مقتبسان:

الأول: خبر مروي عن أبي الدرداء، يتمحور حول فكرة الترويح عن النفس والسعي إلى تجنيبها أسباب السأم والملل . وهذا شأن طبيعي يلائم الوجود الإنساني  من حيث أهمية المرح والترفيه  سعيا إلى تجديد العزيمة وشحذ الهمة . لأن الحياة لا تقوم فقط على الجد والعمل  فقط بل هناك آثار سلبية تسبب الرتابة. وتوظيف هذا المقتبس بعيد عن التوظيف الديني، لكنه قريب من السياق الفني والأدبي . إذ الكتابة والتعبير الفني نشاطان للترويح عن النفس وتفريغ ما ران على القلوب من هموم وغموم واستجلاء الآلام الذاتية والعذابات المقررة على مستوى الحياة الشخصية وتحريرها من ثقل ذلك . الإبداع لعب، واللعب ترفيه وترويح . وبالتالي فالكتابة في هذه المجموعة جاءت ترفيها وترويحا عن النفس وسعت من خلالها الكاتبة أن تكون علاجا واستشفاء كما هو الشأن فيما يخص القراءة.

الثاني: إذا كان المقتبس الأول معروف المصدر من جهة قائله، حيث المروي عنه شخصية تراثية، فإن الثاني مغمور . والراجح أنه  بعض الأثر، ويشاطر الأول في نفس المضمون أي إراحة النفوس وتليينها من أجل تجنيبها الصدأ . والصدأ هنا على سبيل المشابهة، إذ مثلما يصدأ الحديد تصدا النفوس. وصدأ الحديد طبقة تعلوه وتحدث نتيجة اتحاد هذا المعدن بأكسجين الهواء. إنه مثل الكدرة التي تعلو المعادن فتحدث فيها تشويها واختلالا في تركيبها الكيميائي والوظيفي أو الاستعمالي . وإذا كان الأمر كذلك، فكيف تصدأ النفوس أو تتأكسد ؟ إنه بالأوساخ المعنوية من ذنوب وخطايا وهموم ومعاناة ورتابة وسأم . ومثلما فكر الإنسان في كيفية محاربة صدأ المعادن فكر أيضا في إزالة صدأ النفوس، وذلك بالترويح والترفيه والبحث عن أسباب الفرح والاستجمام.

التقديم:

توسل التقديم ضمير المتكلم في التعبير وتصريف القول، ولهذا الأمر دلالته، ويتركب من أربع فقرات تنتظم حول نواة دلالية مركزية: كتابة الذات أي التقاط ما سقط منها أو عنها من أحلام وآمال ورغبات مجهضة أو مكبوتة . الذات هنا تكتب تجاربها  ووقائعها، إخفاقاتها ونجاحاتها، كتابة غربتها وألفتها . كتابة انتشائها وندمها . وكتابة الذات هنا تعني كتابة السقوط وهو نوعان:

سقوط علني جهور وسقوط سري كتوم، الأول سقوط أمام الناس علنا والثاني أمام النفس سرا . وفرق واضح أن تعي سقوطك علانية أو سقوطك سرا. وأغلب النصوص الواردة في المجموعة تقترن بالسقوط . لقد عاشت الكاتبة أو عايشت حالات السقوط وصفا واعترافا، أي سقوطا ذاتيا أو سقوطا غيريا . ولعل أكثر الحالات الوجودية التي انتظمت مختلف الوقائع المسرودة كانت: الحب، المرض، الانتصار، الحلم، الذكريات، الطفولة، المدرسة....

الوعي بالسقوط وانحسار المواجهة:

تأسست أغلب النصوص القصصية عند الكاتبة على تيمة السقوط، أي سقوط الذات أو سقوط ذوات أخرى . فأغلب الشخصيات القصصية عاشت تجارب في السقوط، مما أسس للبناء القصصي عامة في هذه المجموعة منطقا سرديا أساسيا:

تجربة السقوط تنجم عنها انفعالات متباينة تنتهي بالبكاء فتكون الدموع  ......

فما هي مظاهر السقوط ؟ وكيف تنوعت الانفعالات المترتبة عنه ؟

يمكن أن نتخذ بعض النصوص نماذج للتمثيل، نستشف منها هذا المنطق البنائي:

في قصة " نزيف بلوري " [6]  يحكى في القصة على لسان السارد إحساس أب عجز عن إنقاذ ابنته أو كان سببا في موتها ولو معنويا . وهذا العجز تولد عنه ندم نفسي داخلي شبيه بالورم قتل فيه كل أمل وهذا مظهر من مظاهر السقوط الذي خلف انفعالا شديدا تمثل في الندم مما أدى إلى نزيف داخلي لا تراه الشخصية إلا عند رؤية صورتها في المرآة .

و في قصة  "جهل دافق " [7] تحكي الساردة سقوطها أمام رغبتها البسيطة والموحية أيضا . حيث كانت ترغب وهي طفلة في صباغة لأصابع يدها، وكيف قمعت الأم بجهلها تلك الرغبة بدعك أصابع بنتها. ولقد مثلت القصة هنا مظهرين من مظاهر السقوط: سقوط البنت أمام سلطة الأم من جهة ثم سقوط البنت أمام رغبتها بعدم تحقيقها. بينما في قصة " إعادة تمثيل لجريمة "  [8] هناك تجسيد لسقوط البنت أمام سلطة الأب من خلال عجزها عن مواجهة سلطته وجبروته. حيث كان يستجيب لنزواته الجنسية بصرف ابنته بعيدا عن محل عمله حتى يقضي وطره. هذا العجز / السقوط شكل عاهة في نفسية ابنته ودفعها إلى التفكير في الانتقام لأجل أمها، غير أن تدخل القدر كان كافيا لأن تعدل البنت عن فكرة الانتقام أي قتل عشيقة الأب. ويلاحظ القارئ في قصة " سذاجة حبر " [9] سقوطا معنويا أمام سلطة وبطش زوج من خلال انفعالات مفتعلة ومن خلال لغة خشبية مسكونة ببطش ذكوري وهوس فحولي. وتقارن الساردة هنا بين لغة العاشق ولغة الزوج / البعل . لغة الأول لغة حالمة طوباوية لينة شاعرة، ولغة الثاني لغة قاسية قامعة عنيفة صادمة، آمرة ناهية، وتلجا الذات هنا إلى طريقة لمواجهة ذلك الواقع ورد الاعتبار للذات بعد ذلك الانكسار . تمثلت في كتابة سيناريو أو تخييل أو قصة تعاقب فيها الزوج عقابا شديدا وتلقي به في سوء المصير . وفي قصة " سعال "  [10] تسقط الساردة أمام ذاتها من خلال تجربة الانتظار، حيث تكاتب عشيقها الغائب الحاضر، وتدون لائحة طلباتها / رغباتها، وتتزين وفق ما كان يرغب أن تكون عليه وتتخيل قدومه كفارس لكن دون جدوى. والكتابة هنا ترميم للنفس وصيانة للذات . وفي قصة " غياب "  [11] ترصد الساردة تجربة أخرى من تجارب العشق التي عاشتها، حيث غالبا ما يتخلى العاشق أو من كان يدعي الصبابة وصدق الهوى، ويترك المرأة المعشوقة بين قسوة الغياب وسطوة الحضور. وهنا تقف الساردة بالباب صدفة لتشاهد عشيقها غريمها رفقة امرأة أخرى، فاخذ المشهد بذهنها وخلخل كيانها وأعاد لها الزمن في لقطة أو مشهد مأساوي، وكانت أن تهاوت في الأخير أمام ذاتها.

في قصة " ضربة سدى " [12]  تتأسس الحكاية فيها وفق لعبتين:

لعبة التذكر، حيث تتذكر الساردة كيف كانت تشاكس جدتها في عملها " نسيجها " وكيف كانت ردود فعل الجدة بعيدة عن أي انفعال أو توتر، إذ كانت تجازيها عن مشاكستها بقبلة أو قبلتين .

لعبة المشابهة أو المقايسة: الحياة شبيهة بمنسج جدة الساردة، وتعتقد إنها قادرة على نسج الخيوط وعقدها وربطها وقطعها وفق منطق الحياكة أو النسيج . لكن القدر أو الغيب هم من أصبح يشاكس الساردة في نسيجها، وكلما حاولت الساردة فك وحل ما ليس فيه تناسب ومنفعة عجزت عن ذلك. إنه سقوط الذات أما القدر .

و في قصة " كمنجة الحلم"  [13]: يسرد الراوي كيف تحطم حلمه لحظة تحطيم الأب كمنجته .و ما خلفه ذلك الفعل من آثار نفسية عميقة.

هذه بعض النصوص التي يتمظهر فيها السقوط كسبب لانفعالات الذوات، وهذا ما سيترتب عليه البكاء وبالتالي إسقاط الدموع . في حالة استجابة الجسد وتأثره وانفعالاته . أما في حالة الكتابة فيتخذ البكاء أو الانفعال مظهرا آخر: كتابة نصوص أو قصص توثيقا من جهة لذلك وتحريرا للجسد من ثقل الآثار المترتبة عن كثرة الانكسارات والتصدعات وتخفيفا للذاكرة .

و يلاحظ القارئ أن أغلب نصوص المجموعة تنتظم حول حقل السقوط، والذي يبين ذلك حضور لفظة السقوط بصيغ مختلفة:

- المرآة تتساقط قشورها ...ص 7 .

-تساقطت دموع الورقة ....ص9.

- كلما سقطت من قنينة الطلاء ....ص 10

- أسقط كل ليلة ...ص 13 .

- تسقط سهوا كلمة طفل ...ص 25 .

- سقطت ركائز البناية .... ص 27 .

- سقطت عنه السخرية .. ص 51 .أقول أعتذر فتسقط دموعي ....ص 80 .....

إن مدار السرد يستند إلى فعل السقوط، وهو فعل حاضر في مختلف النصوص إن لم نقل أغلبها. والسقوط هنا هو بؤرة السرد في هذا العمل ككل. ويلاحظ هنا أيضا اختلاف فاعل الإسقاط وتنوعه، حيث أحيانا تكون الذات هي الفاعل، وأحايين أخرى يكون الآخر والرغبة والحلم والواقع والمجتمع والقيم ....

و تؤكد النصوص انحسار مواجهة الذوات المتساقطة أو المسقطة، حيث لا نلمس صيغا قوية في المواجهة باستثناء الكتابة والتعبير الفني . وهذا ما يؤكد اختيار الكتابة كصيغة للمواجهة وإعادة الاعتبار للذات .

المواجهة بالكتابة:

إن كتابة السقوط في المجموعة هي مظهر من مظاهر التعبير عن الإعاقة المعنوية التي لا زالت المرأة العربية عامة والمغربية خاصة تعانيها. وهذا ما تستجليه النصوص والوقائع المسرودة كتجارب لم تتلق فيها هذه الذوات أي سند أو دعم معنوي إلا دعم ذاتها بذاتها والاعتماد على منابع القوة في ضعفها . هكذا تبين هذه المجموعة أن المرأة ذات غير مكتملة، ذات مكسورة، ذات تعيش الحاجة إلى الآخر ( الأب، الزوج، العاشق ...) والنقص هنا ليس مذمة أو عيبا . لكنه واقع يفرض أولا الوعي به ثم التفكير في حلول أو صيغ لتجاوزه.

إن كتابة السقوط كتابة للبعثرة  التي تعيشها المرأة  [14] هي محاولة لتوثيق الذات في محطات من عمرها الوجودي ( الطفولة، المدرسة، المدينة، ) ثم في علاقاتها مع الآخر: الأب، ألأم، الأستاذ، العاشق، المجتمع، الهامش ...و توثيق أيضا لحالاتها الوجودية العزوبة، الزواج، الطلاق .

الكتابة في هذه الأضمومة القصصية جسر للعبور من حالات الانفعال بالسقوط إلى حالة الوعي وكتابته .

دموع باردة: هي كتابة المعاناة أو الأحزان، أي ما يحزن المرأة ويضاعف شجونها . وهذا ما أكدته النصوص والوقائع في هذا العمل الفني . والملاحظ هنا هو غياب مظاهر الفرح في العوالم المسرودة .

خاتمة:

لقد تأسست المجموعة القصصية عند القاصة السعدية الفاتحي من خلال فعلين مركزيين:

أسقط  واكتب ...أي أن السقوط سبب كاف للكتابة . والكتابة شكل من أشكال المواجهة . كما أن التخييل القصصي هنا صيغة من صيغ الاستجمام والترفيه عن النفس مادام الواقع الاجتماعي بمختلف مكوناته لم يتحرر بشكل كاف من رؤيته التقليدية للمرأة . وإذا كان الشاعر نزار قباني في قصيدته محتاج إلى امرأة تعلمه الحزن  فإن الذات هنا تبحث عما يخفف عنها ذلك .

و إذا كانت المرأة العربية في وجودها موضوعا إشكاليا، يثير الأسئلة اجتماعيا وسياسيا وفكريا، فإن البعد الإشكالي صاحب تجربتها الإبداعية وهذا يتبين من خلال الأسئلة التي أثارها الأدب النسائي . وإذا كان التلقي العربي قد ألف النظر إلى المرأة عامة موضوعا في الإبداع أو موضوعا يفكر فيه، فإنها في تجربة الكتابة الإبداعية قصة أو رواية أو شعرا، غدت فاعلا ومنتجة للكتابة وبالتالي بدأ الأمر يتأسس على كتابة ذاتها وأخذ ت الأسئلة آفاقا مغايرة . وهذه أول الخطوات  في مسلسل التحرير والانعتاق من هيمنة المتخيل  الذكوري.

 

د. المصطفى سلام

 ............................ 

[1] - السعدية الفاتحي: دموع  باردة، مجموعة قصصية، ط1، 2018 .

[2] - ابن منظور: لسان العرب، مادة ( د م ع ) .

[3]  - دموع باردة: ص54 .

[4] - دموع باردة: ص 76 .

[5] - Gérard Genette: Seuils, collection poétique, éd, Seuil,1987,p 110.

[6] - دموع باردة: ص 7 .

[7] - نفسه: ص 10 .

[8] - نفسه: ص 11 .

[9] - نفسه:ص 15 .

[10]  - نفسه:ص 20 .

[11]  - نفسه:ص 43 .

[12] - نفسه: ص64 .

[13] - دموع باردة: ص 73 .

[14]  - إبراهيم محمود: الأنثى المهدورة، لعبة المتخيل الذكوري في صناعة الأنثى . مركز الإنماء الحضاري . ط 1 .2009. ص 20 .

 

 

رحيم الغرباويقراءة في شعر يحيى السماوي من مجموعته الشعرية: مناديل من حرير الكلمات

الشعر هو دعوة إنسانية لتحقيق ما يصبو إليه الواقع حين يفقد ابناؤه إنسانيتهم التي فطروا عليها، وكلما ابتعدوا عنها ذكَّرتهم السماء من طريق رسلها بانحرافهم عن الجادة المأمونة، أما في عصور مابعد النبوءات لابدَّ هناك من وسيلة حين يتخلى أهل الشأن عن شأنهم، أو حين يزيدون من مآسي الواقع مآسي يشيب منها الجنين، إذ لابد أن يتكفل التنويريون من أهل الصلاح والإصلاح في كل عصر دعوات الخير من طريق العودة إلى الفطرة الحية بعدما تتلبد المفاهيم الإنسانية بالغيوم وتتسيد بالظلمات، ولعل الفن هو واحد من الوسائل التي نرى إشعاعها يضيء إنسانيةً في دعواته لها بل وانصهار أصحابه من أجلها حد الذوبان، لتحقيق أهدافها السامية، ولعل مدرسة الفن للمجتمع هي من تطغى حين تحتاج المجتمعات إعادة ما أفسده دهرها، فتقوم الفنون لاسيما الشعر بإجلاء الغبار عما يعتري المجتمع من هذا الضرر الفادح، بوصف الشاعر نبياً أرضياً، أفادَ من رسل السماء رسالاتهم، كما أنَّ لديه القدرة على الإبحار في عوالم الغيب حيث الوصول إلى موطن السريرة النقية، ليعلن منها حقيقة ما على الإنسان حذوه، كي يعيشَ إنسانيته، ولو أمعنَّا النظر في قوله تعالى (والشعراء يتبعهم الغاوون ... إلا الذين آمنوا) يبدو إن الله سبحانه حين وصف مَن استثناهم بأنَّهم مؤمنون لمن يرقى منهم إلى مواطن النقاء بعيداً عن مواطن الشطط والانكفاء حين يأخذ بعضهم العَمهُ والتيهُ في مسارب الظلمات الذاتية بحثاً عن الرغبات الدنيويه، ولعل المقدس " هو ما اتصل بالقوة العليا والمدنس هو الخارج عنها " (1) في عالم البدء الأول، وهو القوة العليا، أي " ممارسة عملية لاستذكار أو استعادة زمن بدئي مقدسٍ يسوده (الإله، النور، الأسطورة)، أمَّا المدنس، فهو خارج كلِّ هذا، إنه كلُّ ما يمت بصلة لـ (الإنسان، الظلام، التاريخ) " (2) ولما كان الشعراء هم وسيلة من وسائل العطاء الوجودي للحياة، فهم من يستطيع أنْ يغترف من المنابع الأصيلة، لذلك وُسِم بعض الشعراء في منظور ديننا بالغاوين، كونهم لا ينهلون من المنبع الأول الموفور لخدمة الإنسان بل لما فيه من ضرر لم يسمح به أن يكون لبني البشر بل لغايات لانعرف كنهها، ولعل الشعراء من هذا المنطلق يختطون أحد الخطين على الرغم من أنَّ منبع ورودهم الشعر من عوالم غيبية .

والشاعر هو ذلك التائق صاحب الرؤيا، السالك طريق العرافة بحدوسه واستبصارته، ليساهم في رفع لواء الإنسانية بعدما تخضَّبت الأرض بدماء الأبرياء في عصرنا، نتيجة الفتن والمحن أو التي ساهمت في التعمية والفسوق التي دسسها أعداء الإنسانية في بلاد عشتار العطاء (العراق) .

ويحيى السماوي واحد من الشعراء الكبار الذي مازال ينبض بصوت الإنسان يرقق للحياة غلظةَ أبنائها بعد السموم التي اغتالت البسمة من الشفاه والقلق الذي استشرى بعدما كانت القلوب آمنةً مطمئنة، داعياً العودة إلى قلوب البرايا حين كانت تندب عشتارها، وهذا ما لمسناه في مجموعته الشعرية (مناديل من حرير الكلمات)، فتبوح لهم بخيرها وخصبها وعطائها، إذ نراه يرمز لها برموز متعددة الألوان والصور والإيحاءت بلغة سهلة يفهمها الجميع مدلِّلا بصوت الأنوثة، جاعلاً من ذاته البطل كلكامش، وهو يغازلها، لتبعث الحياة من جديد لأهل العراق بعدما أكلتهم سنو القحط العجاف، إذ نراه يستحضر رموز المقدس، وكأننا حين نقرؤه لأول مرة نراه من الذين هاموا في الأودية، لكننا حين نسترفد القراءة نجده يبعث للإنسان إنسانيته بموفور النبلِ والأخلاق العالية، وهو يجعل من عشتاره الخير النافذ والعطاء الدافق مذكِّراً بالمحبة والسلام، فيلجأ " إلى المقدس عن طريق إقامة الطقوس واستحضار الأسطورة، وهي تقنية وهمية حين يمارسها البدائي تصبح حقيقة يعيشها كما لو أنَّه تحت تأثير مُخدِّر أو نشوة عميقة " (3) إذ مثلت عشتار لدى شاعرنا رمزا للمقدس، فهو يخاطبها قائلاً:

محرابكِ

ألا يحتاج بلالاً فراتياً

يحفظ عن ظهر عشق

آذان الهوى

أمنيتي

أنْ أكفَّ عن التمني

ما حاجتي للفانوس

آفاقي مُطرَّزةٌ بشموسِك .

فهو حين يخاطب عشتاره بنغمة الحب والهوى، يذكِّر ببلال الحبشي مؤذن الرسول ونهر الفرات الذي أقيمت عليه أولى الحضارات الإنسانية، مجسداً للحياة رقتها، مُمهِراً بكلماته رفعتها .

كما يذكرنا بالأسطورة السومرية (ملحمة كلكامش) وبطل الطوفان نوح عليه السلام، ليمنح رسالته قدسية الهدف على الرغم من إشاراته الصاخبة الشفافية، إذ يقول:

طوفان أنوثتكِ

رمى سفينة رجولتي

على ساحل سريرك

فتكسَّرت أمواج شهقاتي

قُبُلات

لملمي شِتاتي

أ لغيرِ تنوركِ

حملتُ فأسي مُحتَطِباً

في الغابةِ الحجرية الأشجار؟

فنراه يجمع صور المقدس من ذلك المنبع، فنوح (ع) وسفينته رمتْ بهما الأمواج على سرير عشتاره (العراق) .

ويبدو أنَّ مهمته عسيرة في قيامه كداعية لأبناء وطنه بدلالة احتطاب حطبه من الغابة التي وصفها بالحجرية، لكنه عازمٌ على إيقاد التنوُّر الذي سيمنح برؤيته الحياة انتعاشها من جديد بعدما صارت الأرض سبخةً بفعل ما أمطرت السماء هجيرها، فنراه يقول:

السماء زخَّت هجيرا

فطفحت أرضي سبخاً

لا ينبت غير الأشواك

وحدُهُ صوتكِ

أعشبَ مفازات أبجديتي

فهو يستنجد بعشتاره التي ألِفها تمنح العشب والماء، ولعل المرأة هي أصل الإخصاب بوصف السماء مهما هطلت فلابد من متلقٍ لها يألف ما تمنحه له من عطاياها، لكنه تمثَّلَ البرايا بوصفهم ماعادوا يسمعون صوت السماء اليوم، فنادى عالمه الأول حيث النقاء والصفاء والخصب داعياً بذلك العودة إلى زمن الفطرة، فهناك النقاء والصوت الندي الذي بدأت به الحياة بكلمة ألقاها الرب لبني البشر حين علَّمهم كيف يحافظون على جنسهم البشري وتلقوها في أصلِهم الأول بإحسان .

ثم يعزز دورها في الفضل، يقول:

صخور السنين لن تحني ظهري

مادامتْ نخلتكِ عكَّازي

ومتَّكئي .

أنتِ التي رأت كلَّ شيء

فأخبرتني عني

وافتضَّتْ بكارة قلبي .

يصور لنا أنَّ الحبيبة عشتار في يديها قوام الحياة، فهي النخلة المنتصبة قامتها بالخير والعطاء، وهي التي رأت كلَّ شيء، إشارة إلى أسطورة كلكامش مرة أخرى تلك التي يبدؤها كاتبها بعبارة (هو الذي رآى كل شيء) أي أنه يتحدث عن علمها بسر الوجود، وهي من تستطيع أن تبعث الحياة من جديد بعدما حلَّ الحيف واستشرت الضغينة بين أبناء الوطن الواحد .

ثم نراه يصرح بالمعاناة، فيقول:

سواء أكانَ الحارسُ ذئباً وطنياً

أو خنزيراً عولمياً،

فاليمامات لن تجد البستان

غيرَ مقبرةٍ ... .

اليمامُ

لايبني أعشاشَهُ على شواهدِ القبور !

وطني مُستَنقَعٌ

إذن:

سأتضرعُ إلى الله

أنْ يجعلني صرصاراً .

فهنا نراه يصور حالة الرفض لما يشاهده من مقابر تعجُّ بها البلاد، فالموت في الأماكن التي كانت في أصلها تنبض بالحياة، وأنَّ إنسانية الإنسان لاتحيا بهذا الواقع النتن، لذا فاليمام لايمكنه أن يبني عشَّه في مقبرة، بل الصراصر هي ما يمكنها أن تعيش في الأوحال، لذا نراه يوميء إلى أنَّ الإنسانية التي يرومها لايمكن أن تتحقق إلا بتغيير الواقع المدنَّس، فهو يقول:

(الساعةُ آتيةٌ لاريب فيها)

ساعةً أحدو بقوافل سُحبكِ

نحو صحاراي

بعصا ربيعكِ

أنشُّ عن حقولي ذئابَ الخريف

أسفينة نوحٍ وجهُكِ ؟

فيهِ زوجان

من كُلِّ مَيسَمٍ وتوَيْجة !

إنَّهُ لايترك النبع الصافي مشيراً إلى الساعة التي لاشك فيها، إذ أشار لها قرآننا المجيد متحدياً الباطل وأهله، كي يعم بعدها الخير للصالحين، و لابدَّ أن يتبع ما ستدبره المرأة عشتار رمز الإنسانية، ليحدو بقوافل سحبها نحو صحاريه، مشيراً بذلك إلى افتقار الناس وجدبهم، وهم بحاجة إلى عصا ربيعها الذي بها تنش حقول ذئاب الخريف، لتبعث الحياة من جديد، وقد جعل صورة ربيعها مستوحاة من عصا موسى التي هش بها عن غنمه الذئاب والسراق، كما أشار في التفاتة جميلة إلى سفينة نوح التي جمعت من كلِّ شيء زوجين في إشارة إلى الإلفة التي يرومها، إذ لاتتحقق إلا بالانسجام والتسالم بعيداً عن أدران السياسيين، ومن يعمل في سبيل تدمير بلد الحضارات عراقنا العزيز ومقدساته التي باهى بها العصور .

 

بقلم: د. رحيم الغرباوي

........................

(1)  العود الأبدي، د. خزعل الماجدي: 12

(2) المصدر نفسه: 13

 

كريم مرزة الاسديبحور الشعر صافية ومركبة، تكلّمنا عن الصافية، أمّا البحور المركبة المستعملة فتسعة، ثلاثة ضمتها (دائرة المختلف)، وبقت لدينا ستة تحتويها (دائرة المشتبه)، والتي تحتوي أيضاً ثلاثة بحور مهملة، إذ يتشكل كلّ بحر من دائرة المشتبه من تفعيلتين مختلفتين، إحداهما ضعف الأخرى،مرتبتين بتنسيق معين في صدر البيت، وتتكرر التشكيلة نفسها في العجز، ولا تأتي بعض البحور منها إلا مجزوءة، قبل الدخول في عمق الموضوع،لنذكر شيئا عن الدائرة المدورة.

الدائرة الخامسة - المشتبه: لماذا سُميت بالمشتبه ؟ الجواب: لاشتباه أجزائها، أما أين يقع الاشتباه ؟ فهذا من حقـّك أن تـسأل عنه، إذا لم تكن داراسا ً لها، أو باحثاً فيها، الاشتباه يقع بين:

(مسْتفـْعَلن) مجموعة الوتد، أي فيها وتد مجموع، وسببان خفيفان (مسْ تفْ علنْ /ه /ه //ه) - (علن //ه) وتد مجموع، و(مسْ /ه) و(تفْ /ه) سببان خفيفان -

وبين (مسْتفـْعَ لنْ) مفروقة الوتد، أي فيها سببان خفيفان ووتد مفروق (مسْ تفـْعَ لنْ /ه /ه/ /ه) - (تفـْعَ /ه/) وتد مفروق، و(مسْ/ه) و(لنْ /ه) سببان خفيفان.

والاشتباه يقع أيضا:

بين (فاعلاتن) مجموعة الوتد.

وبين (فاعَ لاتن) مفروقة الوتد.

كيف ؟!

(فاعلاتن) الاولى، تتشكل من (فا /ه) و(تنْ /ه)، وهما سببان خفيفان، و(علا //ه) وهو وتد مجموع.

وبين (فاعَ لاتن) الثانية، التي تتشكل من (لا /ه) و(تن /ه)، وهما سببان خفيفان، و(فاعَ /ه/)، وهو وتد مفروق.

تتشابه البحور التي يضمّها محيط هذه الدائرة في وحدة إيقاعاتها، لأنها تعتمد على نسق إيقاعي دائري واحد للحركات والسكنات، بل تتشابه أوتاد وأسباب أجزائها (تفعيلاتها)، كما هو الحال في (مسْتفْعلنْ) و(مسْتفْعَ لنْ)، وكذلك بين (فاعلاتنْ) و(فاعَ لاتن).

ولعلمك عزيزي، إذا نقلنا الوتد المجموع (علن) من آخر تفعيلة (مستفعلن /ه /ه //ه) إلى بدايتها تصبح (مفاعيلن //ه /ه /ه)، وإذا نقلنا السبب الخفيف (لن) من آخر تفعيلة (مستفع لن /ه /ه/ /ه) إلى بداياتها تصبح (مفعولاتُ/ه /ه /ه/) (1) .

إذاً التفعيلات المشكلة لهذه الدائرة هي: مسْتفْعلنْ - مسْتفْعَ لنْ - مفاعيْلنْ - مفـْعولاتُ - فاعلاتنْ - فاعَ لاتن.

وأساس تكوين الدائرة سببان خفيفان فوتد مجموع، فمثلها مرة ثانية، فسببان خفيفان فوتد مفروق .(2)

تفعيلات كل من:

1 - السريع والمنسرح والمقتضب واحدة (مُسْتَفْعِلُنْ مَفْعُولاتُ)، وينحصر الخلاف في ترتيب هذه التفعيلات .

أ - السريع: وزن البحر السريع بحسب الدائرة العروضية:

مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مَفْعُولاتُ***مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مَفْعُولاتُ

بيت السريع التام في الدائرة مثل:

يُوزِعْنَ فِي حَافَاتِهِ بِالأَبْوَالِ***فِي مَنْزِلٍ مُسْتَوْحَشٍ رَثِّ الحَالِ

وهذا البيت شاذ؛ لأن العرب لم تستعمله تاما صحيحا، بل استعملته مكشوف أو مكسوف العروض مطويها، وموقوف الضرب مطويه (مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مَفْعُلا).

ب - المنسرح: وزن البحر المنسرح بحسب الدائرة العروضية:

مُسْتَفْعِلُنْ مَفْعُولاتُ مُسْتَفْعِلُنْ*** مُسْتَفْعِلُنْ مَفْعُولاتُ مُسْتَفْعِلُنْ

ج - المقتضب: وزن البحر المقتضب بحسب الدائرة العروضية

مَفْعُولاتُ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ***مَفْعُولاتُ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ

بيت المقتضب التام:

يَا مَنْ حَالَ عَنْ عَهْدِنَا بَعْدَ الْوَفَا***كَمْ لاقَيْتَ لَوْ يُنْصِفُونَا فِي الهَوَى

استعملته العرب مجزوءا، مطوي العروض والضرب.

2 - الخفيف والمجتث والمتئد تفعيلاتها الخاصة (مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلاتُنْ) .

أ - الخفيف: وزن البحر الخفيف بحسب الدائرة العروضية:

فَاعِلاتُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلاتُنْ***فَاعِلاتُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلاتُنْ

بيت الخفيف التام:

حَلَّ أَهْلِي مَا بَيْنَ دُرْنَا فَبَادُوا*** لِي وَحَلَّتْ عُلْوِيَّةٌ بِالسِّخَالِ

ب - المجتث: وزن البحر المجتث بحسب الدائرة العروضية:

مُسْتَفْعِ لُنْ فَاعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ***مُسْتَفْعِ لُنْ فَاعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ

بيت المجتث التام:

صَدَّتْ وَحَالَتْ سُلَيْمَى يَا خَلِيلِي*** عَنْ عَهْدِنَا لَيْتَ شِعْرِي مَا دَهَاهَا

استعملته العرب مجزوءا.

ج - المتئد ويسمى أيضاً بالغريب، وهو مهمل، وحسب دائرته العروضية:

فَاعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ مُسْتَفْعِ لُنْ ****فَاعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ مُسْتَفْعِ لُنْ

كقول بعض المولدين:

مَا لِسَلْمَى فِي الْبَرَايَا مِنْ مُشْبِهٍ*** لا ولا الْبَدْرُ المُنِيرُ المُسْتَكْمَلُ

3 - المضارع والمنسرد والمطرد أجزاؤها المختصة بها (مَفَاعِيْلُنْ فَاعِلاتُنْ) .

أ - المضارع: وزن البحر المضارع بحسب الدائرة العروضية:

مَفَاعِيْلُنْ فَاعِلاتُنْ مَفَاعِيْلُنْ***مَفَاعِيْلُنْ فَاعِلاتُنْ مَفَاعِيْلُنْ

بيت المضارع التام:

أَرَى لَيْلَى يَا خَلِيلِي قَلَتْ وَصْلِي *** وَصَدَّتْ مِنْ بَعْدِمَا قَدْ سَبَتْ عَقْلِي

استعملته العرب مجزوءا، وهو بحر نادر، أورد شاهده الخليل.

ب - المنسرد ويسمى بالقريب، وزن بحره كما جاء في دائرة المشتبه:

مَفَاعِيلُنْ مَفَاعِيلُنْ فَاعِ لاتُنْ ****مَفَاعِيلُنْ مَفَاعِيلُنْ فَاعِ لاتُنْ

و شاهد المنسرد، كقول بعض المولدين:

لَقَدْ نَادَيْتُ أَقْوَامًا حِينَ جَابُوا***وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْرٍ لَوْ أَجَابُوا

ج - المطرد أوالمشاكل، وزنه كما جاء في دائرة المشتبه:

فَاعِ لاتُنْ مَفَاعِيلُنْ مَفَاعِيلُنْ **** فَاعِ لاتُنْ مَفَاعِيلُنْ مَفَاعِيلُنْ

كقول بعض المولدين:

كُنْ مُجِيرِي مِنَ الأَشْجَانِ والكَرْبِ***مَنْ مُزيلِي مِنَ الإِبْعَادِ بالقُرْبِ

فذلكة الأقوال: مجموع البحور في دائرة المشتبه تسعة، ستة منها مستعملة، وثلاثة مهملة، والمهملة هي المتئد ووالمنسرد والمطرد .

وسبب التسمية: وسُمِّيَت هذه الدائرة بهذا الاسم لاشتباه تفاعيلها؛ إذ تشتبه - كما أسلفنا - تفعيلة: (مُسْتَفْعِلُنْ) بـ (مُسْتَفْعِ لُنْ)، و(فَاْعِلاتُنْ) بـ (فَاْعِ لاتُنْ)، على الرغم من اختلاف عدد الأسباب والأوتاد فيها، وتفاعيلها سباعية هي:

مُسْتَفْعِلُنْ، مُسْتَفْعِ لُنْ، فَاعِلاتُنْ، فَاعِ لاتُنْ، مَفَاعِيْلُنْ، مَفْعُولاتُ.

وإليكم الآن البحر الحادي عشر - السريع .

.........................

البحر الحادي عشر - السريع:

تفعيلاته: مستفعلن مفعولاتُ

أجزاؤه: مستفعلن مستفعلن مفعولاتُ ***مستفعلن مستفعلن مفعولاتُ

الضابط الإيقاعي: بحر سريع ما له ساحلُ *** مستفعلن مستفعلن فاعلن

سمّاه خليلنا بالسريع، لسرعته في النطق، أو لأنه أسرع إلى الذوق والتقطيع، وتقطيعه سريع، لأن في ثلاثة أجزاء منه، توجد سبعة أسباب، فالحرفان الأولان من الوتد المفروق سبب، والسبب أسرع في التقطيع من الوتد (3)، أصل تفعيلاته (مستفعلن مستفعلن مفعولاتُ)، مكررة مرتين، أي بيته ستة أجزاء، ولكن تفعيلة (مفعولاتُ) لا تأتي بهذه الصيغة مطلقاً،لا في عروضه، ولا ضربه، لانتهاء هذه التفعيلة بوتد مفروق منتهيا بمتحرك (لاتُ)، وسندها ضعيف، ولا يستعمل هذا البحر مجزوءا، ولامنهوكا لماذا؟! لأن في هذه الحالة تأتي (مستفعلن) أربع مرات، أو مرتين على التوالي بدون أي (مفعولاتُ)، فيلتبس الأمر مع مجزوء الرجز أو منهوكه، فيحسبان على الرجز، فينحصر نظم السريع على التام منه والمشطور فقط، وله أربع أعاريض، وسبعة أضرب .

1 - العروضة الأولى مطوية مكشوفة (فاعلن)(4):

ذكرنا سابقا، ن أنّك سوف لن تجد (مفعولات ُ)، لا في أعاريض ولا في أضرب السريع، فمن أين جاءت (فاعلن) ؟ الأمر بسيط، طي (مفعولاتُ) بحذف رابعها الساكن (الواو)، فاصبحت (مفعلاتُ)، ثم كشفت (مفعلاتُ) بحذف متحرك وتدها المفروق (تُ) (5)، فتصير (مفعلا)، ولغرض عروضي بحت تتحول إلى (فاعلن)، ولا فرق وزني مطلقا بين (مفـْعلا) و(فاعلن)، ولهذه العروضة (فاعلن) ثلاثة أضرب .

الضرب الأول مطوي موقوف (فاعلان):

الطي عرفته، حذف الواو من (مفعولاتُ)، والوقف تسكين المتحرك من الوتد المفروق، ونعني التاء فتصبح التفعيلة (مفعلات ْ)، فتتحول الأخيرة عروضيا إلى (فاعلان)، وفي هذه الحالة يلزمه الردف (6)، ومثاله:

أزمانَ سلمى لا يرى مثلها الـرْ *** رَاؤون في شام ٍ ولا في عراقْ

أزْما نسلْ مى لا يرى مثْ لهر ** راؤونفي شامن ولا في عراق

مستفعلن مستفعلن فاعلن *** مستفعلن مستفعلن فاعلان

/ه/ه//ه /ه/ه//ه /ه//ه *** /ه/ه//ه /ه/ه//ه /ه//ه ه

نظام (- - ب -)(- - ب -)(- ب -)*** (- - ب -)(- - ب -)(- ب ^) المقاطع .

العروض 322 322 32 *** 322 322 32ه الرقمي

الضرب الثاني كعروضته (فاعلن): ومثاله الأمثل:

هاجّ الهوى رسمٌ بذات الغضا *** مخلولقٌ مستعجمٌ مُحْوِلُ

هاجل هوى رسمن بذا تلْ غضا *** مخلولقن مستعجمن محولو

مستفعلن مستفعلن فاعلن*** مستفعلن مستفعلن فاعلن

ومن قصيدة لصاحبكم كاتب هذه السسطور , تحت عنوان (يا بصرة البصائر النائحة)، هذان البيتان:

كمْ منْ خرابٍ ودمار ٍمضى **** والنـّاسُ في أحزانها سارحة ْ

كمْ منْ خرا بنْ ودما رنْ مضى*** ونْ نا سفي أحْ زانها سارحة

مستفعلن مفـْتعلن فاعلن *** مستفعلن مستفعلن فاعلن

/ه/ه//ه /ه///ه /ه//ه *** /ه/ه//ه /ه/ه//ه /ه//ه

العروض 322 312 32 *** 322 322 32 الرقمي

النظام (- - ب -) (- ب ب -)(- ب -) *** (- - ب -)(- - ب -)(- ب -) المقطعي

كما ترى التفعيلة الثانية في الصدر اعتراها زحاف الطي .

لاتجزعي سلواكِ في حكمةٍ**** دنيا الورى غـــادية ً رائحةْ

لاتجْ زعي سلْ وا كفي حكْ متن *** دنْ يل ورى غا ديتن رائحة

مستفعلن مستفعلن فاعلن ** مستفعلن مفـْتعلن فاعلن

التفعيلة الثانية في العجز أصابها الطي، وعلى العموم الضربان السابقان هما المشهوران .

الضرب الثالث أصلم (فعْلن):

وما الأصلم إلا ما حذف وتده المفروق، كـ (مفعولاتُ)، عندما تتجرد من (لات)، فتبقى (مفْعو) ,فتتحول عروضياً إلى (فعْلن)، ولا ضير في الوزن عند التحول، والأصلم ما ذهب وتده كلّه تشبيهاً بالإصطلام (7) , ومثاله:

تأنَّ في الشّيء إذا رمتهُ ***لتـُدركَ الرّشدَ من الغيِّ (8)

تأنْ نفِشْ شيْءإذا رمتهو ***لتدْركرْ رشْدمنلْ غيْيي

مفاعلنْ مفـْتعلنْ فاعلنْ ***متفـْعلنْ مفـْتعلن فعْلنْ

دخل زحاف الخبن - وهو حسن - تفعيلتي (مستفعلن) الأوليتين، وزحاف الطي - وهو صالح - (9) تفعيلتي (مستفعلن) الثانيتين في صدر البيت وعجزه .

2 - العروض الثانية مخبولة (الطي + الخبن) مكشوفة (فعلن):

الخبل زحاف مركب تعرفه، يشمل زحافي الخبن والطي، إذا وقعا في نفس التفعيلة، (مفعولات)، فالخبل حذف حرفي (الفاء والواو)، فتصبح (معُلاتُ)، ثم تُكشف بحذف (التاء المتحركة)، فتبقى (معُلا)، فتتحول عروضياً إلى (فعِلن)، ولهذه العروضة ضربان:

الضرب الأول مثلها (فعِلن) , ومثاله:

سبحانَ منْ لا شيْءَ يعـْدلـُهُ *** كمْ منْ غنيٍّ عيْشهُ كدرُ

سبْحانمنْ لاشيْءَيعْ دلهو *** كمْمنْ غنيْ ينـْعيْ شهو كدرو

مستفعلن مستفعلن فعِلنْ *** مستفعلن مستفعلن فعِلن

الضرب الثاني أصلم (فعْلن):

والأصلم عرفته سقوط الوتد المفروق من (مفعولات)، وتبقى (مفعو)، فتتحول إلى (فعْلن)، ومثاله:

منْ أصبحتْ دنياه غايتهُ*** كيفَ ينالُ الغاية َ القصوى

منْ أصْبحتْ دنياهغا يتهو *** كيْ فينا للـْغايتلْ قصْوى

مستفعلن مستفعلن فعٍلن *** مفـْتعلن مستفعلن فعْلن (10)

التفعيلة الأولى من العجز أصابها زحاف الطي .

3 - العروض الثالثة مشطورة موقوفة وزنها (مفعولان):

مشطورة تعني البيت يتشكل من ثلاثة أجزاء، والضرب هو العروض نفسها، أما موقوفة،فكما عرفت إيقاف حركة التاء في (مفعولاتُ)، فتصبح (مفعولاتْ)، فتتحول إلى (مفعولان)، ومثاله:

يا صاح ِ ما هاجكَ منْ ربْع خالْ

مستفعلن مفـْتعلن مفـْعولان (11)

التفعيلة الثانية، أصابها زحاف الطي، وهو صالح .

4 - العروض الرابعة مشطورة مكشوفة (مفعولن):

وكشفت أي حذفت التاء المتحركة من (مفعولاتُ)، فاصبحت (مفعولا)، فقلبت إلى (مفعولن)، لأسباب:

عروضية، ولا يتغيرالوزن، والضرب هنا العروضة نفسها، ومثاله:

يا صاحبي رحْلي أقلاّ عَذلي

يا صاحبي رحْلي أقلْ لاعَذلي

مستفعلن مستفعلن مفعولن

وذكرنا أثناء التطرق إلى أعاريض وأضرب،وحشو هذا البحر، جميع الزحافات والعلل، ولا داع ٍ للإعادة، ولكن من المفيد أن نذكر:

أولاً - لكي لا يلتبس الأمربين الرجز التام المطوي المقطوع: (مستفعلن مستفعلن فاعلن) مكررة مرتين، وبين السريع التام المطوي المكشوف أيضاً: (مستفعلن مستفعلن فاعلن) مكررة مرتين , منعوه على الرجز، وأبقوه للسريع (11)، والسبب على ما يبدو لي، أنّ القطع يستوجب خطوتين حذف الساكن السابع من (مستفعلن)، وإسكان ما قبله، بينما في الكشف (الكسف) يتمُّ بخطوة واحدة، هي حذف آخر الوتد المفروق (مفعولاتُ)، وآتى الطي من قبلُ على التفعيلتين، والنتيجة واحدة تصل الى (فاعلن).

ثانياً - قد يلتبس الأمر أيضا بين (الكامل) و(السريع)، كيف..؟ أنت تعرف تفعيلة (الكامل)هي: (متفاعلن)،ومن الحسن إضمارها بتسكين التاء، فتُحول عروضياً إلى (مسْتفعلن)، أو طيّها بحذف ألفها فتصبح (متـْفعلن ــ> مفـْتعلن)، أو يعتريها الوقص، فتحذف التاء، فتتولد (مفاعلن)، إذا سارت القصيدة على هذا المنوال، واختفت منها (متـَفاعلن) تماما، تحسب من السريع، أمّا إذا وردت (متـَفاعلن) واحدة فقط في القصيدة كلـّها، يحسم الأمر لصالح (الكامل)(13)، فهذه التفعيلة تخصّه وحده ,وتطرّقنا إلى مثل هذا عند كلامنا عن (الرجز) .

السريع في الشعر الحر:

عندما يستعمل الشاعر البحر السريع في الشعر يجب أن يختم شطره بـ (فاعلن)، لأن إذا استعمل (مستفعلن) لوحدها، أصبح البحر رجزاً، وهذه تفعيلة الرجز، بينما تمعن كيف استعمل بدر شاكر السياب البحر السريع في هذا المقطع:

في ليلة كانت شرايينها

في ليلتن / كانت شرا / يينها

مستفعلن / مستفعلن / فاعلن

فحماً وكانت أرضها من لحود

فحمن وكا / نت أرضها / من لحودْ

مستفعلن / مستفعلن / فاعلان

يأكل من أقدامنا طينها

يأكل من / أقدامنا /طينها

مفْتعلن / مستفعلن/ فاعلن

تسعى إلى الماء

تسعى إللـ / مائي

مستفعلن / فعْلن

مفتعلن من جوازات مستفعلن

فاعلان، فعْلن من علل فاعلن، والعلل غير ملزمة في الشعر الحر

أطلنا الحديث عن (السريع)، لأنه سريع، والإطالة تطويع !!

 

كريم مرزة الأسدي

.........................

حذفت أرقام الصفحات.

(1) راجع ابن جني: كتاب العروض - ص مصدر سابق.

(2) د . عبد العزيز شرف وزميله: النغم الشعري عند العرب ص مصدر سابق .

(3)ابن جني: المصدر السابق ص الهامش 1 ,الخطيب التبريزي: الكافي ص .

(4) بعض المصادر تجعلها (مكشوفة)، الكافي: الخطيب التبريزي ص، المفصل: عدنان حقي ص، كتاب العروض:ابن جني ص، وبعضهم يذهب الى أنها (مكسوفة) من كسفت، راجع د. صبري ابراهيم السيد: اصول النغم في الشعر العربي - 1993 - دار المعرفة - الأسكندرية ص، د. جميل سلطان: كتاب الشعر المكتبة العباسية - المقدمة 1970- ص، السيد أحمد الهاشمي: ميزان الذهب ص وغيرها .

(5) الخطيب التبريزي في (الكافي) ص يعلل قائلا "سمي مكشوفاً, لأنّ أول الوتد المفروق على لفظ السبب، غير أنّحصول التاء بعده يمنع أن يكون سبباَ، فإذا حذفت التاء فقد كشفته،وجعلته سببا خالصاًَ، لأن كون التاء فيه، كان يمنعه من أن يكون سبباً "

(6) الردف يعني وجوب مجيء حرف لين ساكن أو حرف مدّ قبل الروي، سنأتي على ذلك في علم القوافي ,وفي مثالنا (عراق)، حرف القاف الروي، والألف قبله الردف، والألف حرف مد.

(7)التبريزي: المصدر نفسه ص .

(8) الهاشمي ..سيد أحمد: ميزان الذهب ص ، البيت استشهد به الهاشي، ولم يكن تقطيعه دقيقاً، ولا تفعيلات زحافاته صحيحة، فيها خلط. ولكن يجوز في زحاف الخبن لـ (مْستفـْعلن), بعد حذف السين، أنّ نكتبها على صيغة (متفـْعلن) أو نحولها لسهولة اللفظ إلى (مفاعلن)، والصيغتان صحيحتان .

(9)راجع د سيد البحراوي: العروض وإيقاع الشعر العربي ص مصدر سابق

(10) الهاشمي: ميزان الذهب ص

(11) د. جميل سلطان: ص المثال.

(12) يذكر صاحب (المفصل) ص، ذلك بشكل موجز، وغير دقيق.

(13) د.جميل سلطان: ص تطرق إليها بشكل مختصر.

 

إحدى وعشرون قصة قصيرة جلّلها السواد وغمرتها العتمة وانسحقت شخصياتها بفعل الاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي الظالم، كلّ هذا الخراب نتاج أفكار أيدولوجية وأنساق اجتماعية، تمكن القاص عبدالكريم الساعدي في مجموعته القصصية (عودة البلشون) إصدار دار أمل الجديدة/ سوريا – دمشق / 2018 من تمزيق كلّ هذه الأنساق وهتك أسرارها بسخرية تارة وبصرخة مكتومة تارة أخرى، وبفكرة عميقة صادحة في مقابل نقيضها الفكرة النسقية الجامدة، وتبادل ساخر للأدوار والمواقع سواء في خارطة الفكر أو الواقع اليومي، يتّضح كلّ ذلك بقصة واحدة فقط من قصص المجموعة، ولكنّنا ونزولاً عند متطلبات النقد تعرضنا لثلاث قصص منها، وسنكون مشاركين فعليين للقاص في تمزيق وهتك هذه الأنساق الضالة والمضلّلة.

قصة (أيقونة الدفء)

نسق رقم (1) بتصرف: معطف باهظ الثمن ملّ الانتظار في محل فاخر للأزياء "محلّه الحيوي !!" معروضاً للبيع، يتحرّق شوقاً لمنزل مترع بالجمال والثراء؛ ليحتلّ مكاناً في خزانة ملابس مزدحمة ببدلات وقمصان فاخرة لـ (سيد أرستقراطي) وبذلك يكون في "مكانه الطبيعي!!"

نسق رقم (2) بتصرف: سيد المنزل أرستقراطي ذي سحنة مهيبة، فاحش الثراء، مترفع بالدفء والجمال، بدلات وقمصان فاخرة وأربطة عنق زاهية الألوان.

نسق رقم (3) بتصرف: سيدة المنزل امرأة لها نكهة الحلم، يلفّها الغنج، رقيقة، طافحة بالجمال، تشتري المعطف لزوجها.

هتك الأنساق:

مقطع (1) بتصرف: يكشف المعطف أن سيد المنزل يشبه صرصار، يمدّ قرون استشعاره كلّ يوم باحثاً عن ل1ة حقيرة في منزل آخر لمومس رخيصة.

مقطع رقم (2) بتصرف: سيدة المنزل مخدوعة لا تعلم شيئاً عن خيانة زوجها لها، ساذجة تجد في المعطف ما يعوضها عن غياب زوجها المتكرر، ترتديه، تطلق آهة خافتة، يستشعر المعطف دفء جسدها البض، يستحيل صرصاراً يشبه زوجها، يستظلّ بمناطق الإثارة.

مقطع رقم (3) بتصرف: تسدل الستارة على يد خادمة المنزل، تحرق طرف المعطف بمكواة "عقاب إلهي" يرمى خارج المنزل، يتلقفه شحاذ، يجعل منه فراشاً في النهار، وغطاء في الليل " يا للعار" يعرض للبيع بسعر بخس، "مفارقة" يبتاعه سكّير، يبعثرهما انفجار، أشلاء ممزّقة ترمى في مكبّ نفايات، القوارض تنهش ما تبقّى منه.

عصف ذهني:

1- من قال ولماذا أنّ معاطف الفراء، الجمال، الثراء، البدلات الفاخرة، الترف، النساء الجميلات، حكراً على الطبقة الارستقراطية ومجتمعها المخملي !؟ وهل خلق الله الجمال والثراء والدفء وكلّ النعم لهؤلاء "القلة" وحرم "الكثرة" من نعمه!؟ هل الله ظالم!؟

2- من قال أنّ رجال الطبقة الارستقراطية يتمتّعون بالأخلاق الفاضلة، النبيلة، والسلوك الراقي!؟

3- من قال أنّ سيدات المجتمع الارستقراطي راقيات، فضليات، عفيفات، وأنّ بيوت الدعارة "أماكن طبيعية" للمومسات الرخيصات من الطبقة الدنيا!؟

قصة (تحوّل) ص 21

نسق رقم (1) بتصرف: توهّم الأهواري (ضمد) المسكون بعشق الهور، أنّ كلّ هذا السحر، أسراب الأوز، جدائل مويجات الهور، النقوش السومرية، زهو القصب والبردي، بهاء النخل ورائحة الطين، لا يمكن أن تتشكّل من طيور شمالية مهاجرة تأتي من "مدن الثلج والضباب".

نسق رقم (2) بتصرف: الطيور الشمالية القادمة من مدن الثلج والضباب تغذي وهم ضمد بجرعات سنوية. دعوه يحلم، دعوه يتوهم حلمه المستحيل، وهمه مطلوب.

هتك الأنساق

مقطع رقم (1) بتصرف: وهم ضمد تشكّل لا بفعل الطيور المهاجرة القادمة من مدن الثلج والضباب وإنّما بفعل انغماس ضمد في جنوب الوجع وأنين ناياته، أسمال عزلته، وخوفه الذي ورثه عن أبيه، وصمت أمّه وسواد ثيابها.

مقطع رقم (2) بتصرف: حلم ضمد أن يكون طيراً يلحق مع أسراب طيور الشمال، حلم مستحيل، التهميش ولإقصاء والعزلة والفقر المفروض على جنوب الوجع العراقي، يقمع الحلم، مس الجنون مَسَّ عقل ضمد، لا يدري أصار طائراً أم أصبح الطائر ضمداً.

قصة الرفيق ديونيسيس ص59:

نسق رقم (1) بتصرف: "أنت تعلم أنّنا جزء من مشهد لم نختره" جملة قالها بائع الغاز لرفيقه الحمار اختزلت أوجاع "أمة".

نسق رقم (2) بتصرف: "نفر" متخم بالعفونة، ينزّ قيحاً وصديداً، يحسبه المسك والزعفران.

نسق رقم(3) بتصرف: من يجرؤ أن يقول لسلطان الغابة أنّ فمك نتن.

نسق رقم(4) بتصرف: أمة مقهورة استحالت إلى نصفين، عربة خشبية مدولبة  " الغاز فوق ظهورها محمول" وحمار ألهب ظهره سوط جلّاد مخمور حدّ الثمالة.

نسق رقم (5) بتصرف: مجنون السوق كان يعرف قيمة الحمار، يرتبط به بعلاقة حميمة، لكن أغلب المارّة يضحكون عليه بصوت عالٍ.

هتك الأنساق:

مقطع رقم (1) بتصرف: جملة بائع الغاز المغيّب عقله بفعل إدمان الخمر حد الثمالة لخّصت مقولة كبيرة وفلسفة عميقة، ومعاناة عميقة.

مقطع رقم (2) بتصرف: يأبى "نفر" متخم بالثروة والسلطة أن تستقيم أوضاعه "أمة" مقهورة فتنعم بثرواتها، ما دام قادراً على تحويل الأمة عجلة تدور وحمار يسحبها حتى وإن مات الحمار فالعربة لا تتوقف، دائماً هناك حمير وجلاد من بني جلدتهما.

عصف ذهني

أيّها الروائي، أيها القاص، أيّها الشاعر، أيها المسرحي... أيها الإنسان، مزّقوا ما شئتم من أنساق المذلّة والمهانة، اهتكوا أسرار من تمكّن بغفلة من الزمن من وضع "حنديري" على عيون المقهورين؛ كي يبصروا ما يريده هو فقط ولا يبصروا الحقيقة.

عبدالكريم الساعدي مبارك لك منجزك هذا وننتظر المزيد.

 

بقلم: سعد السوداني

 

رحيم زاير الغانمالطبيعة والإنسان وحدهما من يخلقا تكاملا على مستوى الوجود، فالإنسان بتلمسه  لجمال الطبيعة، هذا الحضن الرحب للأشياء المختلفة، هو وحده من يمتلك سرَّ ديمومة تصوير الجمال، على الرغم من حقيقة ان جمال الطبيعة قائم بذاته، لكن حقيقة تعالق الإنسان والطبيعة يحقق صورة الوجود في تماهيه وانسجامه، في إبراز طبيعة الاشياء،  لذا بات من المفيد إدامة هذا التناغم بين الإنسان والطبيعة، الذي من شأنه أن يذهب بنا بعيدا في تصويره للمحسوس، وفي الحفاظ على صورة جمال الموجودات، عبر وحدة وجودها، لما لها من تأثير  جلي في عديد التجارب الحياتية والإنسانية كالفنون مثلا، وما الشعر بمنأى عن مؤثرات الطبيعة، ان صورة الطبيعة حاضرة في المخيلة الشعرية، ويحق لنا عدها مساهم فاعل في تذكية خيال الشاعر والفنان، لما تشكله من انعطافة كبيرة في مجال الشعر والرسم، وما تركته الطبيعة في الشعر الأندلسي على سبيل المثال، من أثر ايجابي في توسعة الخيال، وإضافة نوعا من السكينة والهدوء الذي انعكس على مجمل مضامين قصائدهم، بما مثلته من عنوانات ومتون لنصوص شعرية بارزة في وقتها، متخذين من الخضرة والأنهار والمناخ المعتدل، الذي أثر بشكل مباشر على اقتناء المفردة التي تتناسب والطبيعة كبيئة معاشة، ان تأثير الطبيعة وأجوائها الخلابة على النصوص الشعرية أخذ مجالا واسعا في اتساع الرقعة الشعرية في أصقاع العالم كافة، حتى النص الغربي تأثر هو الآخر بها، وما  الشاعر الروسي (سيرغي يسينين) بعيدا عن التوصيف، إذ عدَّ نفسه آخر الشعراء القرويين، ومنذ فترات ليست بالقريبة ظهر إلى الواجهة ما أطلق عليهم (شعراء القرى) تماشيا مع التوصيف الأول من كونهم شعراء الطبيعة، وذلك لما واجهوه من إقصاء قسري عن رحم الطبيعة وتأكيد انتسابهم للمكان/ الطبيعة، أو كونهم تمسكوا بالطبيعة/ القرية، ولم يفارقوها، وما عمدوا إليه من إضفاء توصيف دقيق للهوية المكانية/ القرى، التي ينتسبون إليها، معتمدين على مفردات تدل دلالة واضحة على تواصلهم مع بيئتهم الأم، وأكثر هذه المفردات تحمل السمة الريفية/ القروية، خصوصا عند أغلب شعراء القرى في العراق، مثل استخدام مفردة، (النهر،الشجر،العصافير،الريح، الحقول، حمام الفاخت....الخ)، مجسدين التصاقهم بالطبيعة /القرية، تحديدا، من خلال توظيف المفردة الملتصقة بالقرى في شعرهم كالسيّاب، وحسب الشيخ جعفر، وعيسى حسن الياسري، حتى وان غادروها فحقولها وأنهارها عالقة بالأذهان وقامات نخيلها حاضرة والارتباط الوثيق بأرض الأجداد كذلك حاضر وبقوة، رباط لا يفارق المخيلة، وهذا بالضبط ما سار على خطاه الشاعر عمار المسعودي متخذا من مجموعته الشعرية، (يزرعُ بهجاته)، منطلقا لإعلان التحاقه بركب شعراء الطبيعة/ شعراء القرى، محاولا إعادة الشعر إلى رحم الطبيعة، ممثلا بالقرية، بعد انصراف الكثيرين، إلى موضوعات ترتبط ارتباطا مباشرا بالشعر الوجداني وتوجهاته المتعددة، أو انشغال البعض بموضوعات المدينة وهمومها التي لا تقل شأنا عن الطبيعة، أو موضوعات إدانة الحرب، والوجع اليومي، والدعوة إلى الخلاص من الأوضاع المتردية وغيرها من الموضوعات التي صرفت ذهن الشاعر عن الطبيعة، كما صُرف ذهن المزارع عن القرية واستصلاح أرضها، لكن المسعودي هنا، خاض تجربة شعرية ذاتية، من أجل إعادة النص الشعري إلى رحم الجمال و الزقزقات والنقاء، تجربة عبر فيها عن انتمائه إلى سديم هذه الأرض التي تولد فيها ونشأ.

أن تأثير الطبيعة متحقق من خلال عتبات المجموعة بدءاً من عنوانها، (يزرعُ بهجاتِه)، فالفعل المضارع، (يزرعُ)، يدل على الاستمرارية في زرع البهجة والفاعل هنا ضمير مستتر تقديره (هو) يعود على الشاعر/ المسعودي/ المزارع، المفتون ببذار الأرض والكلمة، مُؤسساً لعتبات نصية تتخذ في قسم غالب منها الطبيعة منطلقا لها، مثل، (بساتينه، بالقمر ولا يضاء، خوف رمانتين، صغار الباقلاء، كانت من نخيل، أنا ذابل، فاكهة لبهجاتي، استبدلها بشجرة، تمايل نخيل، لوازم قروية، خيال شجرة)،  مُؤكداً انتمائه للقرية، وقد أكد هذا المعنى في  عتبتين  نصيتين، هما،( لم أرَ البحر)، في نفي لرؤيته البحر وما يمثله من علامة للنأي والهجر، وفي هذا إشارة واضحة لتعلقه بالنهر والقرية التي تمثل الوطن بكل معاني الانتماء،  وما تصريحه في عتبة، (لا أصلحُ للهجرة) إلا إعلان عن رفضه لهجرة أرض الأجداد، وتأكيد على مكوثه في حضن الطبيعة/ القرية، وما متون النصوص بمنأى عن الارتباط الوثيق مع الطبيعة/ القرية

(ان تمتَّعتَ بخضرتي

فلا تحدَّثنَ أحد عنها

فان تحدثت وبحتَ ببعض أسرارها

سكنتك صحاراك وهجرتك قراك. ص8)

بحسب النص الشعري يبدو الانتماء إلى الطبيعة/ القرية، يأخذ منحى مختلفا، إذ إننا لا نجد الشاعر هنا يفكر مجرد تفكير بهجر القرية  فحسب، وإنما يدعو من يتمتع بخضرتها، إلا يحدث أحداً عن أسرارها وما تتمتع به من كنوز لا يروم فقدها بمجرد إخبار الآخرين في إضفاء لصبغة القداسة عليها، لقوله، (سكنتك صحاراك وهجرتك قراك) فكأنما تسكنك الصحاري وتهجرك قراك بخضرتها، لعنة تطالك بمجرد الحديث عنها للآخرين، لتعيش الجدب والفاقة.

(لا تكتب أية خضرة

ما بيني وبين حقولي

لا تكتب أية زهرة

لا تكتب أي غصن

ان كتبت كل ذلك،

فقد محوتني   ص21)

من خلال النص الشعري، نجد خشية الشاعر من أن يكتب الخضرة أو الزهرة أو أي غصن بينه وحقوله، لكي لا يشكل فاصلا بينه وبين تماهيه والطبيعة، مغطيا المساحات الفارغة، قاطعا الطريق على من يروم كتابة أي شيء يحول وهذا التواشج الغريب، فما عداه، محو له شخصياً، متخذا من ثيمة المحو سلاحا لمحو من يحاول الحؤول بينه والحقول، حتى لو كانت من بذار الأرض/ الحقل، كالخضرة، والزهرة، والغصن، من أجل الاستمرار بحفظ أسرار القرية التي، مازالت حصونها بمأمن من الوشاة والطامعين.

(لو تتركني هذه الفاختة

ألعب الاختفاء تحت عينيها

أتسلق-في غفلة- أسراب التين

في الجانب الآخر من النهر

لو تتركني أصوِّرُ

أنينها ووحدتها ص23)

في النص الشعري، نجد الفاخت تمثل بؤرة تمركز النص هذا وما يليه في تتمة للرؤية، حيث أن حمام الفاخت، يدل دلالة واضحة على  البساتين والأنهار، وإضفاء صفة العين الحارسة على (أسراب التين)، في ضفة النهر الأخرى، حارس أمين على ممتلكات القرية المقابلة، حتى أنَّ شاعرنا/ المزارع/ الحارس، تمنى لو يلعب لعبة الاختفاء تحت عينيها في تصريح واضح ليقظتها، وما تمنيه للتسلق في غفلتها إلا دليل واضح على اليقظة التامة، في تناغم واضح مابين الإنسان الشاعر/ المزارع، وما بين موجودات الطبيعة الأخرى/ حمامة الفاخت/ الحارس الأمين، ناهيك عما يحمله هذا النوع من الحمام بالذات من صفات تحمل السمة الألفة بينها وبين البشر، فما ان نظرت إليها إلا رافق نظرتك الشعور بالوحدة، التي هي من سمات البشر، كذلك نجد سمة الأنين هنا، إلا سمة مشتركة، في تجسيد للوضع النفسي الضاغط، الذي عاشهُ الحارسان/ الإنسان والفاخت، في أنسنة لها.

(كان صوتها النازل

من أعلى الشجرة موجعاً

أسمعه فأتفقد أمِّي ص23)

نجد حاجة ملحة لاستكمال المقطع الشعري، ليمكننا توضيح الرؤية التي جاء بها النص الشعري، ان هذا النوع من الحمام، التي تهوى المكوث في أعلى الشجرة، لكن صوتها النازل إلى الأرض يثير فينا شجون الفقد، وان أول ما يتبادر إلى الذهن هنا  فقد الأم، في إشارة بليغة لكون حمام الفاخت/ الام، في الطرف الثاني من النهر فقدت الحارس/ الزوج، الموكل إليه رعاية البستان، وحماية أسراب التين/ الصبايا، وهذا سرُّ أنينها ووحدتها، فكيف يمكنها إطباق جفن، والأخطار تحيق بها من كل صوب؟ لذا فأن حفظ خضرة  القرى من حفظ أسراها، فليس الرجال وحدهم من تتقن كتمان السرِّ.

(لا أصلح للهجرة كوني لا أمتلك حقيبةً

تتسع لبساتيني

لأصدقائي

لدروبي إلى المدرسة

لأبي الذي لا يستبدلُ

بكل هذا العالم

قريته الحسناءَ ص65)

 يصرح النص الشعري عن التصاق الشاعر بالبساتين/ الطبيعة/ القرية، فهو لا يصلح لهجرتها، وليس بمقدوره هجرة الأصدقاء، والمدرسة، فالقرية هنا لم تقتصر على الطبيعة فقط، وإنما على أبنائها والأماكن التي ارتادها في مقتبل العمر(المدرسة) وهو يحث خطاه في دروب قريته الناعسة، والارتباط يتوثق أكثر بارتباط أسرته هي الأخرى وما ارتباط أبيه بقريته، إلا توثيق عرى الانتماء، حتى انه لا يبادل حسنها  بكل العالم، في ترميز عالٍ لجمال القرى الظاهر والباطن، في مشاكسة واضحة لقبح العالم الخارجي، بكل مغرياته.

من هذا نجد القرية/ الطبيعة، ملتصقة في وجدان الشاعر، والالتصاق مصيري، قد يذهب إلى ابعد من خشية فضح إسرار القرى للغرباء، بل إنّ الخشية تأخذ منحى آخر، من خلال الخشية من الخروج من رحم الطبيعة/ القرية، ودخوله في زحمة العالم الفسيح، فهو لا يغامر بترك إرثٍ من الذكريات، أو ترك ارثٍ من الارتباط الوثيق؟، فالقرية أرض الآباء والأجداد.

 

رحيم زاير الغانم

 

ثائر العذاريليس المشير التجنيسي الذي يوضع على أغلفة الكتب (شعر، رواية، قصص، مسرحية، ....) محض طريقة للتصنيف، بل هو بمثابة أمر لجهاز التلقي عند القارئ لتشغيل نظام توقع لأشكال خاصة من البنى اللغوية تتعلق بالجنس الأدبي الذي تحدد سلفا. وحين يكون المشير التجنيسي (متوالية قصصية) فإن القارئ سيتهيء للبحث عن الوحدة التي تجعل القصص المتعددة مشروعا أدبيا واحدا، ما يكسبها دلالة جديدة غير الدلالات الناتجة من قراءة القصص منفردة.

يرجع اهتمامي بالمتوالية القصصية إلى عام 2011 حيث عرفتها للمرة الأولى عندما كنت أستاذا زائرا في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية بمصر، ومنذ ذلك الوقت بحثت عن كل ما يتعلق بها من أبحاث وكتب، واكتشفت أن معظم ما كتب كان أمريكيا وغير مترجم إلى العربية وبذلت ما أستطيع من جهد للحصول عليه، فالأمريكان يعدون المتولية القصصية التي يسمونها  غالبا (حلقة القصة القصيرة  Short story cycle) ابتكارا أمريكيا، وكتبوا فيها المئات من الأبحاث الأكاديمية والكتب، وأزعم أني اطلعت على أكثرها، وأستطيع أن أؤكد بمسؤولية أن لا أحد ممن كتب بحثا أو كتابا ينكر فيه أن تكون المتوالية القصصية جنسا أدبيا قائما برأسه، وفي الوقت نفسه وحتى عام 2002 لم يكتب أحد كتابا أو بحثا في محاولة لإثبات أن المتوالية القصصية تحمل من الخصائص ما يجعلها جنسا أدبيا مستقلا، لكن الطريف أن الباحثين وهم يكتبون عنها كانوا يستعملون كلمة (الجنس الأدبي genre) دائما لوصفها على الرغم من حيرتهم التي يعبرون عنها دائما بسبب وقوع المتوالية القصصية في منطقة رمادية بين الرواية والقصة. ونذكر في هذا المقال الأعمال التي نظن أنها تمثل مراحل تطور النظر إلى المتوالية القصصية

يعد فورست إنجرام أول من كتب كتابا خاصا بالمتوالية القصصية، حيث نشر كتابه (تمثلات حلقة القصة القصيرة في القرن العشرين) الصادر عام 1971، واللافت أن إنجرام وضع تحت عنوان الكتاب عبارة (دراسات في الجنس الأدبي)، وهو أيضا أول من وضع لها تعريفا حيث رأى أنها "كتاب يضم مجموعة من القصص التي قصد المؤلف أن تكون مترابطة بمستويات متعددة ما يدفع القارئ إلى تعديل تجربته القرائية عند إتمام الكتاب."

 ونشر روبرت لوشار بحثه الموسوم (المتوالية القصصية- كتاب مفتوح)، وهو بحث نشر في كتاب مشترك مع إلين كليري وسوزان لوهافر عام 1989 بعنوان (نظرية القصة القصيرة في مفترق الطرق) وليس أطروحة دكتورا وقد أرسلت لي لوهافر نسخة مصورة منه منذ سنتين. وكان لوشار قريبا جدا من الاعتراف بتجنيس المتوالية القصصية، فقد كان يرى أنها تجمع بين وحدة القصة وتنوع الرواية وهارمونية الشعر الغنائي. ثم عدل عام 2012 عن التسمية وفضل استعمال (حلقة القصة القصيرة) في كتابه (حلقة القصة القصيرة – بعيدا عن ظلال الرواية).

وفي عام 2002 صدر أول كتاب حسب علمي تعامل مع المتوالية القصصية على أنها جنس أدبي مستقل، ولكنه لم يكن معنيا بإثبات ذلك قدر عنايته بربط البنية الشكلية للمتواية ببنية المجتمع الأمريكي، وهو كتاب (حلقة القصة القصيرة الأمريكية المعاصرة- الجنس الأدبي في ضوء العرقية) لجيمس ناجيل، فقد رأى أن المتوالية القصصية إذ تقوم على الوحدة والتعدد في الوقت نفسه فهي تعبير فني عن تركيبة المجتمع الأمريكي الذي تحافظ فيه العرقيات على هويتها، لكنها تنتمي في الوقت نفسه إلى الهوية الوطنية الأمريكية.

وفي عام 2011 حصلت جنيفر سميث على درجة الدكتورا من جامعة إنديانا بعد تقديم أطروحتها (قصة واحدة وأصوات متعددة – مشكلة الوحدة في حلقة القصة القصيرة)، وأصبحت بعد ذلك أستاذة متخصصة بالأدب الأمريكي الحديث ونظرية الأدب في الجامعة نفسها، لكنها ظلت منشغلة بالمتوالية القصصية في أبحاث عدة حتى نشرت كتابها (حلقة القصيرة الأمريكية) أوائل عام 2018، حيث طبعته جامعة أدنبرا الاسكتلندية. وهو أول كتاب موضوعه إثبات كون المتوالية جنسا أدبيا، كما إن الناقدة تطلب من غيرها أن يتخلصوا من التسميات المتعددة (المتوالية،  الرواية المركبة، الرواية في قصص، الموزائيك،.....) وأن يتفقوا على استعمال الاسم الذي اقترحه فورست إنجرام (حلقة القصة) فهو بحسب تعبيرها الاستعارة الأنسب لوصف هذا الجنس الأدبي. وكان اللافت أن تحتفي جامعة أدنبرا بالكتاب في عرضها له على موقعها الرسمي على الشبكة بهذه العبارة:

"يعطي هذا الكتاب اسما ونظرية للجنس الأدبي الحاضن للتشظي فضلا عن التكرار اللذين يميزان السرد المعاصر."

إن ما يشعرني بالفخر لي ولجامعتي أن أشرف على رسالة ماجستير عنوانها (المتوالية القصصية جنسا أدبيا) بنتها الباحثة على أسس قريبة من كتاب جنيفر سميث قبل صدوره بعامين. وأنا أتمنى أن يلتفت الزملاء الأكاديميون وطلبة الدراسات العليا إلى هذا الجنس الأدبي المبهر، فهو حقل من الدراسة الأدبية ما زال بكرا في البحث الأكاديمي العربي،  كما أتمنى أن أرى المزيد من كُتّاب القصة العراقيين الذين يخوضون التجربة لنرى مزيدا من الكتب وقد أشارت أغلفتها إلى أنها متواليات قصصية.

 

د. ثائر العذاري