المخطط السردي للشخصيات التى تناولها مصطفى نصر فى رواية: ليالي غربال

مدخل عام لليالي غربال

‘تجتمع في رواية ‘ليالي غربال’ للروائي مصطفى نصر سمات عدة تجعلها من الأعمال الروائية المشهود لها بالتفرد والخصوصية في نقل سردية الحكي ليس من منطقة التصوير والإملاء والتأويل وحدها، ولكن إلى مناطق أخرى تعتمد على التوثيق والإخبار واستخدام خاصية المتوالية القصصية في شحن المكان بمجموعة من الحكايات التي تشبه إلى حد كبير حكايات ‘ألف ليلة وليلة’ في بنيتها وتركيبتها وهو نسق استوحاه الكاتب من واقع غرائبي شبه مهمش معروف بسطوته وقسوته وعنف ممارساته في حي غربال المتواجد دائما في معظم إبداعاته الروائية، ولعل الزمان والمكان في هذا النص يستمدان دالتيهما الخاصتين من كلمتي العنوان ـ ليالي غربال- اللتين جاءتا مشحونتين بعناصر الزمان والمكان في آن واحد، كما تفعل حكايات ‘ألف ليلة وليلة’ في تداخلها وسحرها ولجوئها إلى الماورائيات والأحلام والخيال المملوء بصخب الجنس وحكايات الشطار  والجن وغيرهم من الشخصيات ذات التأثير الخيالي، فالليالي هي دلالة الزمن الصاخب المتوتر القلق الذي يحمل في طياته السحر الشهرزادي المعروف بخياله ورغباته الشبقية الصريحة و المكبوتة،

وغربال هي المكان المحدد والمتوحد مع الزمن بأبعاده الاجتماعية المحددة والتي جاءت عليه داخل النص، وبما تحمله من دفقات وشحنات تخييلية يتجسد فيها الواقع السري للمكان والمتمثل في الحارة الشعبية في هذا المكان العشوائي من أماكن السكندرية المهمشة والمعروفة بـ ‘حارة النجعاوية وحارة بسطاوي وحارة نعمان’ وهي الحارات التي تكونت من نماذج بشرية وفدت لتستوطن هذا المكان، وتحوله إلى مجتمع جديد قائم على غرائبية العلاقات، والمصالح النفعية المتناثرة داخل بؤر الذات، وأيضا داخل بؤر المجتمع نفسه. ولعل استخدام هذا الحشد الكبير من الشخصيات والمواقف الحكائية الشبيهة بقطع الأرابيسك الصغيرة والمنضدة في سياق النص في رصد الواقع الاجتماعي لهذا المكان السكندري المهمش الذي يحتفي به مصطفى نصر دائما داخل عالمه الروائي الخاص، هو الدافع نحو احتفائه الشديد بالتفصيلات الخاصة بالشخصية وانعكاس سطوة المكان عليها، حيث يلعب هذا المكان دورا بارزا ورئيسيا في توجيه وتثبيت بنى النص، وتجسيد المعنى المضمر وراء ما هو مسكوت عنه، ومصرح به من حماقات وخطايا ورذائل وهوس وتأزمات، وممارسات أخرى تخدش حياء المكان بما تطرحه من شبقية، وأفعال غير إنسانية، وتبصمه ببصمة السطوة، والعنف، والجنس، والقسوة، وهي أبعاد محددة شكلت هذا العالم العجيب من الشخصيات والحكايات الجريئة.

 

كما شكلت أيضا مجموعة من العلاقات المتأزمة والمتشابكة بين الشخصيات المتواجدة على ساحة النص بعيدا عن الهواء النقي الذي تتنفسه المدينة في أماكنها الأخرى، نجد ذلك في:

تصاعد نجوم شخصيات هامشية مثل شخصية ‘عباس الأعور، الذي بحث عن المال بوسائله المشروعة وغير المشروعة، فعمل في لم الورق القديم من الشوارع وبيعه إلى تجار الورق الدشت، وحين راجت تجارته الصغيرة،تزوج من ‘ستيتة العمياء المتسولة التي تسكن فى حجرة وضيعة بالحارة مع ابنها الصغير على الالدغ واستولى على مدخراتها من أموال التسول اثناء غيابها، حيث تسبب ذلك في موتها قهرا، واشترى بهذا المال الخرابة بما عليها من أنقاض وبنى عليها مخزنا لتجميع الورق، وعين عليه أبنها ‘علي الالدغ’ حارسا، ثم سرعان ما طرده حتى لا يذكره بأمه، وصعد نجم علي الأعور حتى أصبح من كبار تجار الورق الدشت في الإسكندرية كلها وتزوج وأنجب بنتا وولدا. وجاءت ‘توحيدة’ وكانت من النجعاوية، وتوحيدة من الشخصيات الأنثوية المتمردة التي تشبه إلى حد كبير شخصية ‘عباس الأعور’ في تطلعاتها وطموحاتها الخاصة، فهي تحب ‘حسان’ ابن قريتها، وحين تفشل في الارتباط به بعد أن تساعده على الهرب من بطش أبيه ورحيله إلى الاسكندرية، وتنكره لها بعد ذلك .

تضطر للزواج من أخيه ‘عبد الحميد’ والذي تتناقض شخصيته مع شخصية ‘حسان’ على طول الخط، وتشترط على عبد الحميد الذهاب إلى الإسكندرية، وفي نفس المكان الذي ذهب إليه حسان، ‘حي غربال’، لكنها تتمرد عليه لفشله وتتطاول علي بالسب يصل الامر لحسان الذى يصفعها وياخذ اخيه معه وتركها مع اولادها بلا نقود، ومن هنا تبدأ حكاياتها في درب النجعاوية حين يضعها القدر أمام عباس الأعور الذي يساومها على نفسها فتشترط عليه أن يكتب لها الشونة القديمة، وتبدأ بعد ذلك في الاتجار ببقايا الدخان المستعمل ويكثر مالها، وتتسع تجارتها، وتحاول أن توظف هذا المال في خدمة عائلتها المكونة من ابنتها ‘ الزينة ‘ التي تبحث لها عن زوج يناسبها، وابنها سيد المعتمد على مال أمه والذي لا يفلح في أي عمل يسند إليه. واخيرا ابنتها نانا التى انجبتها بعد عودة عبد الحميد للعيش معها بعدما تغيرت واصبحت امراه اخرى قويه تدير تجارة وتمتلك ارضا واموالا وفيرة .

إن شبكة السرد القصصي المتداخلة والمتقاطعة في رواية ‘ليالي غربال’ والتي يظهر فيها التداخل بين الصدى والهاجس المعبر والمجسد لأصداء نفسية وواقعية تطرح نفسها داخل الشخصيات، والمواقف القصصية المتتابعة والدالة على عمق العلاقة بين سطوة المكان والشخصية المهمشة داخل هذا المكان من خلال التجربة المعيشية التي يحياها سكان هذا المكان، والذي أحال عددا من الشخصيات علاوة على هامشيتها، إلى شخصيات عاجزة وسلبية لا طائل وراءها

عبد الحميد، زوج توحيدة الذي عمل مع أخيه حسان (حسان الطافش) في بيع الفانلات والشرابات كبائع (سريح) وإيضا ابنها ‘سيد’ الذي ليس له عمل محدد والدائم التغيب عن الجيش في كل أجازة يحصل عليها.يقيم علاقة  مع حياة السوداء خادمة زوجة عباس الاعور

‘حلمي’ زوج عجبة بنت نبية السودا بائعة الخضراوات ووالدها العلاف  وغيرهم من الشخصيات المقهورة بفعل المكان وسطوته وبفعل تهميش الواقع وانعكاسه عليهم. هذا الحشد من الأحداث والشخصيات المقهورة والمأزومة في هذا العالم الغريب المهمش في أحد أحياء الإسكندرية الشعبية المعروفة يحدد في هذا النص البلوفونى أبعاد المسكوت عنه، وممارساته، وأحواله، وناسه الذين تتدنى أعمالهم وشخوصهم وذاتيتهم لحد التطرف والاحتدام.

والقارئ لمصطفى نصر يستطيع أن يستخلص من عالمه كثيرا من المعاني المضمرة التي كثيرا ما تتجه ناحية السقوط، وعادة ما يكون الجنس عنده غير مشروع ومدان اجتماعيا، تستغله الشخصيات لتحقيق حاجة مادية غالبا.

"كتوحيدة" و’محاسن بائعة الهوى على سبيل المثال، أو حاجة بيولوجية ‘كالزينة’  ابنة توحيدة  التى احبت سعد وتزوجت عوض، و’الراقصة توحة’التى تزوجت من على الالدغ لفحولته.

وفي الحالتين تبرز هذه الظاهرة وكأنها عميقة الدلالة في أبعادها وخطوطها المتدنية إلى أبعد الحدود وعلى أنها وجه حقيقي لهذا المجتمع الصغير المهمش البعيد عن كل مظاهر الحضارة المدنية.

كما أن إشكالية الإفرازات البشرية التي تعيش على هامش الحياة تسعى بكل الطرق والوسائل إلى تحقيق نوع من الانتهازية المفرطة  متمثلة في مكاسب مادية فتكون النتيجة السقوط، والسقوط المريع هو سبيلها في معظم الأحيان، وقد ظهر جاليا فى شخصية متولى الفص  قوى البنيان الذى  عمل حاويا ينام على المسامير  ويشرب الجاز ويدفع بالنار حول فمه يسرق بلانشات السينما مع على الحوائط لبيعها كورق لعباس الاعورثم قبض عليه وسجن ثم عمل تباعا  لسيارات نقل بضائع وسرق الاجوله من العربات  ثم سرق وصلات نور من عواميد الانارة الحكومية واخذ يبيعها لسكان الحى لينيروا حجراتهم وقبض عليه واخيرا عمل فى تخزين الحشيش والممنوعات "لزغلول" وهكذا فان سلوكه للبحث عن المال باى وسيلة مجردا من اى نوازع دينية او اخلاقية وهى سمه من سمات تلك الطبقات الدنيا التى جردها العوز والفقر والجهل من كل معانى الانسانية  وهو ما استطاع مصطفى نصر أن يحققه من خلال هذا النص عن طريق تشكيله من جزأين أساسيين

الأول حيك بأسلوب المتوالية القصصية  أو التناسل القصصي الشبيهه بحكايات ألف ليلة وليلة

والجزء الثاني حيك بأسلوب الفصول المتتابعة التي تستحضر من الجزء الأول خيوط صياغتها وسياقها.

ففي قصة ‘العبد الأسود’ وحكايته الخرافية التي انتشرت في منطقة غربال والتي روعت الإنسان والحيوان معا، من خلال الأتاوات المفروضة على الزبالين والتجار والعربجية الذين يملأون المكان، ومقتل هذا العبد على يد ‘الشيخ صابر’ الذي صعد نجمه هو الآخر فى هذه المنطقة بسبب هذه الحادثة وإنشائه المكتب الزينبي  نسبة الى السيدة زينب  رضى الله عنها وادعائه بأنه من اهل الخطوة  بعد ان استولى على سيف العبد الاسود  مستغلا حالة الجهالة وانعدام الوعى الدينى لتلك الشريحة من المجتمع وتفرده على أخوته ‘أبو الحمد وأبو الترك وزغلول’(الذى أتهمته الحكومة بقتل العبد الاسود بعدما فشلت فى اثبات اتجاره بالمخدرات)، بعد أن كانت حياته متدنية عنهم إلى حد كبير. لقد تركت هذه الحكاية أصداءها الواسعة في الحي والأحياء المجاورة، ما جعل هواجسها تشير إلى الشيخ صابر بإشارات القوة والهيبة والتدين والعزوة التي تكونت حوله بسبب حادثة العبد الأسود.

وحكاية ‘عبد النعيم’ الذي وضع لها الكاتب عنوان ‘العبرة بما حدث لعبد النعيم’ هذا الزبال المهمش وحكاية التصاقه بإحدى النساء التي كان يحمل من أمام شقتها الزبالة حيث خرجت إليه شبه عارية اعتقادا منها أن الزبالين ليسوا بشرا عاديين مثلها، وكانت هذه الحادثة سببا في التنكيل به وحبسه، وأصبحت حادثته الجنسية مضرب الأمثال في حي غربال كله.

وحكاية ‘توحيدة و أمها الزينة’ التي وضع لها الكاتب عنوان ‘ذكر بعض ما حدث بين الزينة وأمها توحيدة’ وما فعلته الزينة مع أمها على مسمع من ساكني حارة النعمان الذين سمعوا بآذانهم فضيحة الزينة لأمها لحادثة وقعت منذ عشرين عاما، عندما قبلها عم حسني بائع الحلوى ورأتها ابنتها الزينة في هذا الوضع، وقد اضطرت الزينة للبوح بهذه الحادثة وبهذه الطريقة عندما نصحتها أمها بالابتعاد عن سعد صديق أخيها سيد عندما رأته صاعدا إليها في منتصف الليل، والحفاظ على سيرة زوجها عوض من القيل والقال.

وحكاية الولد ‘علي الألدغ’ الذي سرق  أغطية البالوعات من منطقتي المنشية وبحري وباعها إلى عباس الأعور ليصهرها ويحولها إلى زهر خام، والقبض عليه ومعه عوض الذى اتهم زوا بالسرقة مع على بينما كان يجمع بقايا تراب المسابك من خردة نحاسية برضاء اصحاب تلك الورش، وتحويلهما إلى الاصلاحية  أو المؤسسة (دار تأهيل للقصًر لقضاء مدة العقوبة) وما تبع ذلك من أحداث أخرى داخل المؤسسة، لا تقل قهرا وسوء عن خارج المؤسسة ثم خرجا بعدها ليتحول كل منهما إلى طريق المال والثراء، كل بطريقته الخاصة، علي الألدغ الذي أثُرى بعد أن تعرف على ‘توحة’ الراقصة التي فتنت بفحولته، فاستأجرته للعمل معها بفرقتها ثم  فى البضائع  المضروبة بعد تقليد الماركات العالمية للنظارات والاصواف الانجليزية الشهيرة ثم تزوجته وفتحت له محلا في سوق ليبيا، وراجت تجارته وأصبح من أثرياء حي غربال بعد أن كان يُكنى بابن ستيتة العمياءالشحاتة، وعاد إلى حي غربال ليتزوج من ‘كريمة’ بنت عباس الأعور.

وحكاية ‘الولد عوض’ وعلاقته بالبغي ‘محاسن’ وتعاطفها معه بعد القبض عليه في حادثة سرقة أغطية البالوعات مع علي الألدغ  ثم زواجه من الزينة ابنة توحيدة على الرغم من كراهيتها له وميلها الشديد إلى ‘سعد’ صديق أخيها سيد وطموحات عوض في الصعود من خلال الاتجار في الملابس لعمال شركة الغزل الذي يعمل بها واقتراضه المال لهذا الغرض من توحيدة، وما تبع ذلك من أصداء وهواجس جعلته يتزوج من ‘محاسن’ بعد ذلك ثم افضت إلى موته بعد ان وصلت الأمور بينه وبين زوجته الأولى ‘ الزينة ‘ إلى طريق مسدود.

إن عالم مصطفى نصر القصصي والروائي هو عالم شديد الثراء والخصوبة، ربما هو يلجأ إلى الطبقات المهمشة الضائعة والضاربة بجذورها في الأرض الرخوة السوداء القاسية للتعبير عن طبقات من الحياة، وشرائح من البشر، هي تحتاج للتعبير عنها، لكنه عالم يحتاج منا أيضا إلى الدخول في قضاياه وسبر أغوارها، والبحث داخله عن مأساة المجتمع تجاه نفسه، هذا المجتمع المدان، وهذه الهزائم المتتابعة التي يعيشها الفرد، والسقوط الدائم لبعض الطبقات المهمشة العائشة تحت تأثير سطوة المكان الذي يحتفي به الكاتب في معظم أعماله الروائية والقصصية. ‘

النخطط السردى للشخصيات

الشخصية الروائية:

هى مركب تمتزج فيه كل الصفات الإنسانية، فهي في الوقت الذي تؤدي فيه وظيفتها الاجتماعية في نقل رسالة الكاتب ورؤيته، توفر لأبعاده النفسية مجال التردد والانبعاث فيما يخص الجوانب الأخرى، وهو في عمق صراعه مع الحياة في جانبها الواقعي . فالروائي يتوخى دائما ً الاهتمام بعنصر الشخصية بوصفها اللبنة التي تمحورت حولها فكرة بناء العمل الفني بأكمله، فعلى الرغم من أهمية كل عنصر روائي ودوره المهم في عملية البناء الفني أصبحت تركيبة العناصر الأخرى بمثابة ظلال مكملة ومؤطرة للشخصية .

وتقديم الشخصية على مسرح الأحداث في الرواية تكون بأربع طرائق:-

1- بوساطة نفسها

2- بوساطة شخصية أخرى .

3- بوساطة راو ٍ يكون موضوعه خارج القصة.

4- بوساطة الشخصية نفسها والشخصيات الأخرى والراوي .

وهذه الطرق تمنح الكاتب مرونة في التعبير، وفي اختيار الطريقة المناسبة في التعامل مع الشخصيات .

والشخصيات في مبحثنا ليال غربال تحديداً لها حيز كبير ومهم في بناء الرواية التى تنتمى للرواية البلوفونية متعددة الاصوات والشخصيات  المتناقضة فكريا ونفسيا واخلاقيا والتى سنتطرق لها لاحقا

لدينا اربعة محاور باربعة حارات تدور الاحداث خلالهما النجعاوية، ونعمان،وبسطاوي وغربال

واربعة من الاصدقاء هم

سيد ابن توحيدة (النجعاوية)

وحسن ابن عزيزة الخياطة

وسعد (حارة نعمان )

وعوض ابن حلمى (حارة بسطاوى)

نلاحظ هنا ان الاماكن تعد بطل رئيسى وشخص من شخوص الرواية  المحورية ففيها تتصاعد الاحداث وفيها تدور الحكايات  كما ان الرواى فى بعض الاحيان يكون ساردا علويا وليس عليما فقط،فهو معلقا مع القراء فى بعض الاحيان مبديا رايه فى احداث الرواية كما فى حكاية عبد النعيم الزبال  على سبيل المثال لا الحصر حيث يقول (دخل  عبد النعيم السجن على شىء لا ينفع ولا يشفع تقدر تقول لى مالذى استفاده من التصاقة هكذا)

فهى  اذا ليس رواية بمعناها التقليدى بقدر ماهى تأريخ لمرحلة مهمة وعصيبة فى تكوين ايدلوجيات المجتمع السكندرى شكلا وموضوعا على مدار اكثر من نصف قرن .

بناء الشخصيات كان عبر طريقتين:

1 / بناء الملامح الخارجية للشخصية، وذلك حين لجأ الكاتب إلى رسم شخصياته من الخارج، فيشرح اسمها، وعمرهـا ومهنتها وعلاقـاتها الاجتماعية، فـضلا ً عن مظهرها الخارجي

- كالملابس: ابو حسنى بتاع الحلاوة  لا احد يعرف من اين اتى او اين يذهب لكنه يرتدى قفطانا فوقة جاكيت كالح ومتأكل عند الكوعيين يشبه زى القاهريين فى الاحياء الشعبية هناك (ونلحظ هنا ان المكان اصيح فاعلا ).

- والأسماء: علي ألالدغ ابن ستيتة العمياء، عباس الاعور،سيد ابن توحيدة،حسن ابن عزيزة،حسان الطافش،العبد الاسود،عجبه بنت نبيه السوداء

- ونلاحظ  ايضا أن الاسماء معظمها بالرواية تحمل كنية غالبا ماتكون واشمة لصاحبها أو موصومة بعاهه، أونسب لامراة،لعدمية نسب الاب،وايضا  بعضها له دلالة  لونيه (عنصرية) كالعبد الاسود، والسوداء  بنت السوداء كنوع من التحقير والدونية، او الاذلال للشخصية المقترنه به

-  والتكوينات الظاهرية

على سبيل المثال:

عزيزة الخياطة: قوامها ممشوق،شعرها أكرت منفوش،وجهها به بثور صغيرة

حسين زوجها الثانى: حسين جسم عملاق، وجه رجولي، جسده متين وقوى، صدره عريض

زغلول الاخ الاصغر للشيخ صابر وسيم، لبق، يرتدى قفطان ابيض، بشرته سمراء شعره اسود، والشارب مصفوف بعناية

وفى وصف نساء الحي فى تلك الحوارى يهتممن النساء بالاقمشة الهفهافة ذات الالوان الصارخة التى تشبه قمصان النوم ويرتدين تحتها جلالييب بلا اكمام لتظهر اذرعتهن من خلال القماش

وهذه الطريقة لا تهتم بالجوانب الفكرية وما يعتمل داخل أعماق الشخصية

ومن مشاهد بناء الشخصية الخارجي في النموذج الروائي المختار، عناية الكاتب برسم شخصية (عباس الأعور) وكأنما أراد الكاتب أن يجعل من رسمه الدقيق لهذه الشخصية مسوغاً لتهيأة المتلقي لاستقبال ما أرتبط بهذه الشخصية من مغامرات عاطفية وتناقضات كثيرة:

تلك الشخصية المتخمة العابثة:(( وازداد جسد عباس انتفاخا وامتلاء. حتى كاد كرشه يخرج من قفطانه الواسع. والدائم الاتساخ من طول جلسته فوق جونٌة الورق بجوار ميزانه. تفوح من ملابسه رائحة عطن الورق وعفن العظام التًى يشتريها ويبعها لشركة الغراء )

وكذلك(انشغاله بالمرأة البٌيضاء الفلاحة التًى تسكن البيت المواجه لشونته يقول:

المرأة لحمها أبيض، وشعرها منسدل من تحت " مدورتها " ناعما. متزوجة من شرطًى مرور شاب

ايضا عندما عمد لرسم شخصية: زغلول الاخ الاصغر للشيخ صابر (وسيم، لبق،  يتاجر فى الافيون  نشر الافيون فى حارة النجعاوية يرتدى قفطان ابيض، بشرته سمراء شعره اسود، والشارب مصفوف بعناية يمتلك محلا لبيع الحلويات والدخان لكن لايبيع الخمور لانها حرام).

. فهذه التفاصيل في رسم الشخصية،على الرغم من أنها تصف الشكل الخارجي للشخصية إلا أنها تكشف بصورة أو بأخرى عن فلسفة الشخصية في الحياة وأفكارها..

لكننا لا نجد هذا الرسم التفصيلي المتكامل للشخصية في مشهد واحد، بل أن الكاتب كان يستعمل أسلوب الإضاءات المتفرقة في رسم ملامح شخصياته، فكلما اقتضى الموقف السردي قدم الكاتب إضاءة تكشف جانباً من ملامح هذي الشخصية أو تلك خصوصاً مع الشخصيات المركزية، كما حدث مع (عزيزة الخياطة)، فالمتلقي لا يستطيع أن يتصور الشكل الخارجي المتكامل لهذه الشخصية إلا من خلال مشاهد متعددة منها:(وشاع فى الحى ان الساكنة الجديدة تسير فى الحى يتراقص ردفيها وتمشى كاشفة شعرها الاكرت)،

وفي موقع آخر: (هناك تأثير آخر أحدثته عزيزة الخياطة في الحي للشباب الجالس على قهوة أبو دومة، وفوق درجات المسجد الملساء، أو فوق الجبل، فقوامها البديع وحركات ردفٌها الرتٌبة ووقامتها المشدودة؛ جعلتهم ٌيتأوهون تأثرا.

عندما تهبط فوق الجبل، تخرج النسوة لرؤيتها، ينظرن إلى فستانها الذي يكشف الساقين حتى الركبتٌن، وينظر الرجال إلى جسدها المهتز

لكن فيما يخص الشخصيات الثانوية فقد كان الكاتب يمنح المتلقي رسماً متكاملاً عن الشخصية في الموقف ذاته كما حدث في رسم شخصية زوجة البقال على لسان الابطال عوض وسعد فى ديالوج داخلى

- المرأة جميلة وشهية

- .لكنها وفٌية لزوجها.

- هذا عيبها وجه المرأة مستدير، عٌيناها زرقاوان، وشعرها منسدل تحت الطرحة وحول الجبهه عيناها مكحلتان، زوجها فوق انه عقيم الا انه اصيب بالبهاق الذى غطى جسدة بلون داكن

فهذه صورة لاهتمامها بمظهرها ونظافتها الشخصية  التي تتمتع بها الشخصية وبما يشير إلى نقائها الداخلي (وفيه لزوجها).

وهذا يعني أن الملامح الخارجية للشخصية ليست ملامح مجردة قائمة بذاتها، وإنما هي مرآة تكشف أغوارها النفسية والفكرية، فهيئة ومظهر الشخصية ما هي إلا مرآة لجوهر فلسفتها الإنسانية

وعلى الرغم من انه اهتم بالجانب الخارجي إلا أنه في الوقت ذاته (تبئير) يمكن من خلاله قراءة الداخل في هذه الشخصية، إلا أن هذه الشخصية ومثلها الشخصيات المسطحة الأخرى في الرواية لا تمتلك حضوراً فاعلاً ولا تشغل مساحات واسعة في بنية الرواية، فهي لم تظهر إلا في مشاهد قليلة جداً وفترات متباعدة من زمن السرد ويعود إلى أن الرواية أخذت الشكل الحواري إطاراً عاماً لخطابها السردي

كما اولى الكاتب اهتمامة برسم الملامح الداخلية لشخوص الرواية

2- بناء الملامح الداخلية: كثيرا ً ما ينحّي الكاتب نفسه جانباً ليتيح للشخصية أن تعبر عن نفسها وتكشف عن جوهرها بأحاديثها وتصرفاتها الخاصة لكنه هنا فضل الدخول إلى أعماق الشخصية ومحاولة استقراء ما يعتمل داخلها من أفكار، فالراوي هنا عليم بالبطل يكشف عن أفكاره وما يعتمل في نفسه من حيره  ووحده وتصدع داخلى يقول:

( سعد يحس بالوحدة،جو الشقة خانق. والده منشغل عنه بزوجته وأولاده منها. كأنه يعيش بعيدا عنه كل يوم يغلق باب حجرته عليه و زوجته واولاده، ولا يحس بما يحدث خارج الحجرة . لا ٌيعرف فًى أٌى سنة هو الآن. حتى عندما رسب فًى العام الماضًى، لم يحس والده بذلك)

وهنا تبدو شخصية السارد الراوي وكأنها في حوار صامت مع ذاتها أو مع شخصية أخرى غير مرئية يكشف أمامها ما يدور في عقله وما تعتمل به نفسه . فهذا المونولوج الممسرح يكشف عن دواخل الشخصية وأفكارها، إذ يعرضها عرضا ً مباشرا ً من دون تدخل أو وساطة.

وهكذا، فمشاهد رسم الملامح الداخلية للشخصيات من شأنها أن تكشف عن أفكار الشخصية ونفسيتها، حيث يبدو الذهن ينطلق من منظور ذاتي وهو منظور الشخصية الداخلي .

أنواع الشخصيات من حيث البناء، جاءت على نوعين (كما أشار إلى ذلك فورستر)

الشخصيات الديناميكية أو النامية أو المستديرة  التى تدفع بالاحداث للامام

والشخصيات الاستاتيكية او المسطحة أو النمطية

1-  الشخصية النامية أو المستديرة: وتسمى أيضاً الدرامية، ومحك هذه الشخصية قدرتها على إثارة الدهشة بطريقة مقنعة، وهي شخصية تمثل اتساع الحياة داخل صفحات كتاب، لذلك لا يمكن التعبير عنها بعبارات مقتضبة لأنها شخصية متكاملة ومتطورة لا تلتزم الثبات .

هذه الشخصية مرت بمراحل من المد والجزر النفسي غير من قناعاتها، تمتلك من التمرد والانتهازية الشيء الكثير، كما أنها تتمتع بقدرة فائقة على تحقيق اهدافها مهما كانت الظروف، وهذا ما يمنح الشخصية عمقها الفني

من الشخصيات النامية التي أسهمت بفاعلية في تطور أحداث الرواية وسيرورتها

هناك ثلاث شخصيات تهيمن على معظم أحداث الرواية بوصفها الشخصيات النامية في بنية الرواية، هي شخصية)

شخصية توحيدة

تلك الشخصية جذبت إليها معظم شخصيات الرواية، ولكل واحد منهم معها قصة خاصة، فهي تمتلك حضوراً متميزاً وفعالاً على طول بنية الرواية .

فهذه الشخصية تمر بأطوار حياتية ونفسية متعددة، فبعد  الأزمة النفسية الحادة  التى تعرضت لها من انصراف حسان  حبيبها وابن قريتها عنها وزواجة من اخرى من الاسكندرية  والعمل بمصنع ابيها والسكن فى بيتهم المتمدن وذلك اليأس والإحساس بالفشل  الذى أدى بيها للموافقة على الزواج من اخيه الدميم والذى تكره واشتراط العيش بالاسكندرية لقبولها الزواج منه

.. وشعورها بالمرارة والحزن  لحياتها البائسة مع زوج فاشل لا يصلح للعمل ومسكن وضيع وشظف العيش  تلك  الحالة المأساوية التي عاشتها جعلتها تتمرد على زوجها وتنعته بعدم رجولته، بعدها تركها بتحريض من اخيه حسان  ثم تتطور علاقتها  ببائع الحلوى  القاهرى السريح  الذى يحاول ان يقتنص منها قبلة وتشاهدها ابنتها الصغيرة الزينة وتظل فى ذاكرتها حتى بعد ان تزوجت .. عرض متولى الفص الزواج  منها بعد تطليقها من عبد الحميد زوجها لكنها تخشى من المصير المحوم بدخوله السجن لعمله مع زغلول مع تاجر المخدرات  يزداد احتياجها للمال لتنفق على اولادها  سيد والزينة فتتضطرللعمل  ومعها اطفالها فى جمع الاوراق من الشوارع والمبيت فى خرابة وتبدا شخصيتها فى التحول فتساوم عباس الاعرج على نفسها مقابل ان يملكها الخرابة بعدها تساومه على ان تتاجر فى الدخان والا فضحته عند زوجته وتتوسع تاجرتها فى الارياف وتحصد الاموال الوفيرة . تبحث لابنتها الزينة على زوج  مناسب فتختار (عوض ابن حلمي)وهذه الشخصية كغيرها من الشخصيات النامية في الرواية لها صراعاتها النفسية الخاصة، وقد مرت بعدة أطوار حياتية، من الاضطراب والضياع إلى الاتزان والاستقرارثم للضياع مره اخرى .

مستغلة حاجته للمال وجديته والتزامه، زوجته من ابنتها واستأجرت له شقه فاخرة، مكنته من ادارة بعض تجارتها فشعر بضرورة تحمل المسؤلية وأخذ في استعادة ثقته بنفسه محاولا ًتحقيق حلمه القديم فى امتلاك ورشة لصناعة الاحذية وتجارة الملابس والمستلزمات المنزلية بالتقسيط لعمال مصنع الغزل الذى يعمل به والتغلب على أزمته النفسية  فى الكراهة المتبادلة بينه وبين زوجته الزينة ابنه توحيدة  لتبدأ حياته وعلاقته بمن حوله تأخذ مسارها الطبيعي شيئا ً فشيئا ً

يقول الرواي فى تغير وتطور شخصية توحيدة: "لا تدري توحيدة كيف تغيرت هكذا  لقد كانت تخاف وتخجل اذا ما رأت غريبا نجاحها فى ايقاع عباس الاعور واخذت أرضه شجعها ذلك على باقى الرجال فلا بد أن تعيش مادامت بلا سند أو معين "

***

شخصية  (علي الالدغ ) فهي شخصية متطورة تمتلك حضورا فاعلا على طول بنية الرواية بدأَ من العدم بعد سرقه عباس الاعور اموال امه الشحاذة ستيته العميا وعمله حارس على ارضه المسروقة ثم فى جمع الخردة من المسابك ثم سرقته لاغطية البالوعات فى الشوارع ثم حبسه وعوض باحدى المؤسسات وتعرضه للقمع والاستغلال فى المؤسسة ثم هروبه والتحاقه بالعمل مع الرقاصة توحة فى التجارة حتى اصبح من الاثرياء وتملك الشقق الفاخرة وسيارات وتزوج كريمة المتعلمة ابنه  عباس الاعورتاجر الدشت الثري ،

شخصية  عوض ابن حلمى

فابوه حلمى كان ابنا للحاج حافظ صاحب الاطيان والاراضى الزراعية،وقعت امه التى كانت تصغراباه باربعين عاما فى حب بقال بالقرية وانتشرت الاشاعات وكذبها ابوه ظننا منه انها وشايه من زوجته الاولى وابناءه منها، وبعد ان توفى الرجل  باعت نصيبها ونصيب ولدها حلمى  فى ميراث ابيه بالبخس ونزحت الى حى غربال سعيا وراء حبيبها  البقال الذى انفقت عليه كل ما تملكه وجلبت لها ولابنها الخزى والعار ما جعله يرضى بتلك الزيجة من ابنه السوداء

وتخلى حلمى عن طموحاته بعد ضياع ميراثه، وتزوج عجبة بنت نبيه السوداء  التى تنحدر من ابوين كانوا عبيد فى الماضى القريب ليسكن فى بيت امها بائعة الخضارويعمل بائعا سريحا للفاكهه لتقوده قدماه فى اوحال عالم الانتخابات وصراعات السياسيين محاولا البحث  لنفسه عن مكان بين اقدامهم فى حملاتهم الانتخابية حتى تدهسه تلك الاقدام فهو لم يعدو سوى حثالة او حشره لاثمن لها تم استغلالها لمنافعهم الشخصية كالعديد مثله، ليرجع خائبا بخفى حنين لزوجته التى تعايره بفشله وسوء حظها العثر، لينجب ابنه عوض الذى لم يكن اسعد حظا، لا فى التعليم ولا الحياة،عمل فى الكواء وجمع تراب المسابك وبيع بقايا الخردة حتى تورط مع على الالدغ فى سرقة اغطية البالوعات وقبض عليه وتعرض للضرب والمهانة  من مخبرى اقسام الشرطة وتعرف على محاسن البغى التى تعاطفت معه اثناء الحجز وشاهدها وهى تمارس الرزيلة مع بعض  المخبرين والنوبتشجية بالقسم لتجمع ثمن "الكفالة" ثم اودع فى المؤسسة الاصلاحية ثم دخوله الجيش وتعرضه لسطوة ضابط الصف فى وحدته وتعنته معه

فعلى الرغم من أن للصراعات الدرامية في الرواية عواملها الداخلية النابعة من طبيعة الصراعات الاجتماعية والأزمات الخاصة بالشخصيات الروائية، إلا أننا نكتشف أن قوانين الجدل الداخلي الخاصة بهذه الصراعات لا تكون هي الحاسمة دائماً في تحديد مسار الحدث الروائي، بل نلاحظ أن هناك قوى سرية وغامضة منبعثة من الخارج . .  يكون لها التأثير الأقوى على مصائر الشخصيات الروائية، فالرواية تسير في خط تراجيدي

إذ تبدأ حياة حسن ابن عزيزة فى كنف  ابيه حسين  النجار وزوجة ابيه عزيزة الخياطة التى لم تكن تنجب. دللته كابنها حتى ان ابيه حسين كان ينهرها لتدليله . يكبر الولد ويفشل فى التعليم ثم يعرف ان امه على قيد الحياة يذهب اليها متشوقا الى حضنها فيجدها  فى هيئة  مبتّذلة وتسكن فى بيت بالابراهيمية  مشبوه ملىء بالنساء ويأتى اليهم الرجال او يذهبون اليهم فينهارويترك البيت باحثا عن بيت ابيه الذى تقيم فيه زوجة ابيه عزيزة واخواته الصغار الذين اصبح بمثابه ابوهم بعد وفاة والده

وهذا الخط التراجيدي لا يخلو من تأثيرات الرؤية الوجودية السارترية للوجود البشري، فالإنسان محكوم عليه بالمعاناة وهو غير قادر على الخلاص من قدره ومعاناته.

2- الشخصية المسطحة أو النمطية

وهي تلك الشخصية التي تدور حول فكرة واحدة لا تمتلك ذلك العمق وتلك التحولات التي تمتلكها الشخصية النامية كما مر بنا سالفاً وعلى هذا فهي شخصية يمكن التعبير عنها بجملة واحدة أو عبارات مقتضبة، لأنها تبقى على وتيرة واحدة لا تتغير. وعلى الرغم من أن هذه الشخصية المسطحة لا تمتلك العمق والتطور من حيث البناء إلا أن لها دوراً فعـَّال في تأسيس الحدث الدرامي وتسويغه، ومن خلالها نستطيع اكتشاف عمق وتحولات الشخصية النامية في بنية الرواية .

فعلى سبيل المثال نجد شخصيات مثل(أم متولى ) و (الحاج هلال زوجها وصاحب البيت الذى كانت تسكنه توحيدة وزوجها عقب وصولهم من النجعاوية ) و (أبو حسنى بتاع الحلاوة) و (اسكندر تجار الذهب والفضه ) شخصيات مسطحة وغير متطورة، تسير على وتيرة واحدة ولكنها ذات فاعلية في الإسهام في بناء الحدث وتطوره،كان لها ظهور فى بعض الاحداث ثم أختفت لكن ظل  لها تأثير لاحق فى الاحداث  و (ابو الغيط والد حسان الطافش والحاج حافظ والد حلمى ) كان لـه أثره الواضح في حياة البطل وسلوكياته  وكشف جوانب كثيرة من حياة الشخصية كما يمكن من خلاله اكتشاف ما تنطوي عليه نفسية تلك الشخصيات . فمثل هذه الشخصيات وعلى الرغم من سطحيتها إلا أن حضورها في مسرح الأحداث لا يتقوقع في مساحات ضيقة، بل كان في مساحات واسعة على طول بنية الرواية .

عن الإيهام والواقعي وعوالم مصطفي نصر الروائية وكيف اختار الكاتب الطبقة الشعبية المطحونة لكتاباته، وكون لنفسه رؤية خاصة باختراق عوالم الحضيض منها، عارضا لها بعيدا عن الفنتازيا ولكن من خلال ما يمكن تسميته بالواقعية الخاصة، حيث المزج بين الواقعية النفسية والرغبات والدوافع الغريزية وعلي رأسها غريزة الجنس وبين حالة الايهام الفني للسارد العلوى الحكاء الذى يرغب فى البوح  بمكنونه بربط المتن بحاشية ساردة

دائما ما يجسد فى  النص واقعا عاشته شريحة من المجتمع السكندري في فترة زمنية خاصة، تبرهن علي تعايش الكتاب مع مجتمعه العام بجانب الخاص، كما اعتمد على اسلوب البعثرة المنهجية Atomization)) فى الشخصيات والسرد حيث الخلط فى الازمنة والامكنة تكررت فى معظم روايتة كصرخة او استغاثة من العالم السفلي للطبقات الدني التى تتماثل جميعا فى شخصيات بائسة مقهورة،مهزومة، محبطة حتى فى أفضل حالاتها يملاءها السخط والخلل  والاضطراب والنقمة والانتقام، لذا تخلى الكاتب عن الرمزية والغموض أو الايجاز فى وصف الشخصيات. بعض الاحيان تبدو النتائج والسلوكيات منطقية ربما تحايل الكاتب بالايهام (يوتيوبيا) فقدم بشكل ذكى،أو أن هذا دور الفن،ربما كان يريد هذا العالم مثاليا لهؤلاء البشر وربما  رغب هو الآخر العيش بأمان وسلام ؛ فعندما يكون الاخرين بسلام يستطيع هو ان يحيا فى سلام وكانما يدق ناقوس خطر لمن هم فى معزل عن تلك الفئات المطحونة  التى يتم التعامل معها بدونية كديدان الأرض التى تسكن الجحور تدهسهم الحياة والعوز والفقر، ليس لديهم حالة روحية او مشاعر كل شىء يصب فى الميزان المادي .انغمسوا فى واقع مرير لدرجة سدت منافذ الروح  وعدمت  الضمائر، كل الوسائل مباحة للطفو من المستنقع الموبوء بالوحل والآثام والخطايا،لا قيم دينية،لا وازع اخلاقى، لا وعي لا تعليم، لاسبل للحياة الكريمة .

وفى احدى لقاءته الصحفية أشار مصطفى نصر عن مدى المه كلما تذكر طفولته التى هى جزء لا يتجزأ من تكوينه كانسان مبدع واديب يقول:

"عندما بدأت في الكتابة عن صباي، فشلت، وتوقفت، فاكتفيت بالكتابة عن الصبي الثاني بعنوان «حارة نعمان»، ثم نُشرَت النجعاوية وحارة نعمان في كتاب واحد هو «ليالي غربال» الذي صدر في روايات الهلال.

ما كتبته عن نفسي نُشِر في كتاب  اسمه «سوق عقداية» لكني غير راضٍ عنه، ولا أعتبره من كتبي التي أفخر بها، وعند طباعة أعمالي الكاملة رفضت إعادة طبعه. لديّ أمل أن أعاود المحاولة ثانية فربما سأنجح هذه المرة."

وعندما سألته الصحفية  لماذا حالة عدم الرضا الشديدة لهذا الكتاب بالذات قال:

لأنني  لم أتحمل قسوة الحياة التي عشتها، موت أمي وأنا صغير، ومعاناتي أنا وإخوتي بعد زواج والدي من فتاة صغيرة أتوا بها له من الصعيد. وعندما أكتب عن نفسي، لا أعرف كيف أخفي حقيقة الشخصيات التي أتحدث عنها. كنا نسكن حجرتين من الشقة والحجرات الثلاث الأخري تشغل كل منها أسرة. عالم صعب للغاية، صبي بلا أم تحميه من رغبة النساء فيه، ووالد انشغل بالزوجة الجديدة وأبنائه منها، ففي كل مساء يغلق حجرته عليه وعليها، ولا يشغله هل عدت إلى البيت أم لا. كنت أقضي الليلة مع صديق أو قريب. اعتدت على كتابة اليوميات، وعندما أعود إليها ــ الآن ــ أبكي من شدة الشجن والأسى والحزن والألم. أتذكر أنني عدت متأخرًا ذات ليلة؛ كنت أستذكر مع زملاء لي، وأخذت أدق الباب لساعات حتى استيقظ سكان الشارع ونظروا نحوي، وتحيّرت إلى أين أذهب في ذلك الوقت المتأخر، وأخيرًا فتح أبي لي الباب وهو ثائر وغاضب.

***

نداءات متتالية اطلقها <مصطفى نصر> فى رواياته المتعددة للشرائح البشرية الاعلى، علها تتخلي عن ذاتيتها وانانينها وتنظر لمن هم دونهم، أراد هدم السور الفاصل القائم بين فئات المجتمع الواحد محذرا؛ أن أفيقوا ايها السادة فأنهم عاجلا كان أم اجلا، ستفتح عليكم أبواب حجيم بأشباه بشرية نتاج قهروكبت وتهميش نفسي ومعنوى ومادى  يقتحمون عالمكم  بكل تشوهات ارواحهم وامراض قلوبهم ..فهل ستتقبلونهم بينكم!

وهل يمكن لتلك الشخصيات الموصومة أن تفرز نماذج سوية يقبلها المجتمع؟

هل للحكومات أن تتدخل بوصفها يدا عليا مسؤلة عن توفير حياة كريمة لهولاء البائسين

أين يكمن الخطر؟

هل فى الهجرة العشوائية للنازحين من قرى وصعيد مصر طالبا  لسعه الرزق وهجرا لمهنهم الاصلية من فلاحة وزراعة، والقبول بأعمال كرفع القمامة،أو العمل كأجراء فى الهدم والبناء، أو كعاملة مؤقتة بالورش والمصانع، والرضا بالعيش فى ازقة وحارات، تفتقر لابسط مقومات الحياة.

هل المجتمع سبب أساسى لاستفحال العشوائيات بعيدا عن أعين الرقابة  وانتشار لبؤر المخدرات وتجارة البشر بكل انواعها وغياب الوعي وتدني الفكر وتوحيد الهدف المنشود من الحياة والعيشة فقط

(فى المادة والجنس)

أم أن الافراد  هى التى تؤدى إلى دنو المجتمع فى وجود تلك النوعية التى لا تنجح الا فى جمع المال؟

اسئلة طرحها مصطفى نصر واستغاثات من عمق عوالمه السفلية فهل نجح فى قصديته؟

 

سحر النحاس - كاتبة من مصر

 

مادونا عسكريبحث النّقد عادة عن آفاق جديدة يرتادها، ويستفيد من علوم محضة وإنسانية، لأنّه في الأساس يعالج قضايا الأدب، تلك القضايا الّتي تعبر عن إنسانيّة الإنسان، في أفكاره ومشاعره، ورؤاه الّتي تتجاوز هذا العالم المحسوس إلى الماورائيّات. وفي كلّ مرّة يحاول فيها النّقد تنقيد الاصطلاح (جعله نقديّا) إنّما يريد الاستفادة من الطّاقة التّعبيريّة لهذا الاصطلاح في موطنه الأصليّ وربط النّصّ الأدبيّ فكريّا به، وتطوير الرّؤيا لتصبح رؤى شاملة لا تقف عند الحدود الأولى، بل تشملها تلقائيّا وتتعدّاها. ومن الاصطلاحات اللّاهوتيّة الّتي أحببت الوقوف عندها وتوضيح رحلتها من حقلها الأوّل إلى حقل النّقد الأدبيّ اصطلاح "الإسكاتولوجيا"، فقد سبق ووظّفته مرّتين، في دراستين تطبيقيّتين، تناولت في الأولى نصّا للشّاعر التّونسيّ يوسف الهمّامي، والثانية عندما تناولت ديوان الشّاعر الفلسطينيّ فراس حج محمد "ما يشبه الرّثاء".

ولتوضيح هذا الاصطلاح وتحقيق الرّؤيا النّقديّة فيه، رأيت من الضّروريّ أن أبيّن شيئا من أصل هذا الاصطلاح، ومنطقيّة ترحليه من عالمه اللّاهوتيّ إلى عالم النّقد، مع ترك المجال مفتوحا للمناقشة حول الاصطلاح وتأصيل جذوره في حقل النّقد الأدبيّ، وترسيخه في دراسات مستقلّة تطبيقيّة لدى شعراء آخرين.

ماذا تعني "الإسكاتولوجيا"؟

الإسكاتولوجيا/ Eschatology مرادفة لكلمة "الأخيريّة" أو "النّهيويّة"، وهي  اصطلاح يونانيّ ينقسم إلى كلمتين يونانيّتين: "إسختوس" أي الأخير، و"لوغس" أي "كلام عن". ويرى أغسطين دوبره لاتور في كتابه "دراسة في الإسكاتولوجية" أنّ: "الأخيريَّة كلمة عربيّة منحوتة للدّلالة على معرفة الحقائق الأخيرة، ومرادفها كلمة "إسكاتولوجيا" اليونانيّة الأصل. بالمعنى الحصريّ، تعني هذه الكلمة نهاية الأزمنة/ الدينونة الإلهيّة وعودة المسيح. ولكن، بما أنّ الأبديّة حاضرة منذ الآن بفضل قيامة المسيح، فغالباً ما تعني الأخيريّة حضور المسيح القائم من الموت في عالمنا، وكلَّ ما ينتج عنه، ولا سيّما حضور الرّوح القدس على وجه فعَّال، بصفته يحوّل الإنسان منذ الآن بالنّعمة، ويحوّل غير الإنسان، الكون كلّه. وبهذا المعنى، فإنّ الأخيريّة هي حاضرة منذ الآن في العالم، أو أنّ عالمنا هو منذ الآن في الأخيريّة." وبمعنى أبسط، الأخيريّة أو الإسكاتولوجيا هي بحث في النّهيويّات، النّفس البشريّة، الكون، المصير بشكل عام. وبالتّالي يمكن اعتبار هذا الاصطلاح لاهوتيّاً يعالج ما هو مجهول للمنطق أو للواقع، لكنّه ينطلق من الإيمان استناداً إلى الكلمة الإلهيّة. والبعد النّهيويّ أو الأخيريّ للوجود ككلّ يرتكز حول مفهوم السّماء، جهنّم، الموت، الجحيم، القيامة...

لكنّ هذا الاصطلاح اللّاهوتيّ ينفذ بشكل أو بآخر إلى النّصّ الأدبيّ، لاسيّما الشّعريّ حينما يستخدم الشّاعر اصطلاحات الموت والسّماء والرّوح، والرّؤيا... فيتمحور حولها النّصّ الشّعريّ متّخذاً أبعاداً علويّة ينطلق منها الشّاعر ليشرح الواقع أو ليتمرّد عليه أو ليعبّر عن رؤى خاصّة به أو ليعبّر عن حالته الشّعريّة الخاصّة الّتي يتلمّسها كحقيقة وجوديّة. وبذلك يكون قد منح  نصّه بعداً نهيويّاً أو إسكاتولوجيّاً. فبدل أن ينطلق من الواقع ثمّ يرتفع ويرتقي إلى أعلى، بدأ من مكانةٍ علويّة ليبرز الواقع برؤية مختلفة تنطلق من فوق. بمعنى أدقّ، يتّخذ الشّاعر مكانة نبويّة أو رسوليّة  يطرح من خلالها المسألة الوجوديّة من خلال معاينته لما بعد الوجود. وذاك مرتبط باختبار شخصيّ خاصّ يتفرّد به كلّ شاعر. إنّ علم الإسكاتولوجيا أو الأخرويّات ليس مرتبطاً بعقيدة واحدة، بل إنّه علم يختصّ بأشكال العقائد المختلفة، ولكنّ المعاني تختلف باختلاف النّصوص الإلهيّة. وأمّا في الشّعر فالموضوع مختلف. فالشّاعر وإن استند إلى نصّ دينيّ يستخدمه انطلاقاً من قدسيّة معيّنة تمكنّه من الإبحار في ما بعد هذا العالم وليس للتّمحور حول مبدأ العقيدة. بالمقابل يمكن للشّاعر أن يمنح نصّه بعداً نهيويّاً بعيداً عن النّصّ الدّينيّ فيتوغّل في المعاني العلويّة بحثاً عن الحقائق بمنهج الرّائي، ومن هنا جاءت النّصوص الصّوفيّة صادقة في التّعبير عن هذه الحالة الشّعريّة الرّؤيويّة الخارجة من نطاق الذّات والمتعلّقة بآفاق أبعد من المحسوس إلى الما وراء، فالنّصّ الصّوفيّ هو حالة شديدة الدّلالة على البعد النّهيويّ أو الإسكاتولوجيّ، هذه الحالة الّتي وجدتها خلال دراستي لقصائد الحلّاج وأنسي الحاج، ولم أقف عندهما بل هي موجودة عند شعراء آخرين، يتمتّعون برؤى تنفلت من إسار المحدود إلى ما هو أخيريّ مطلق، نهيويّ.

في قصيدة (رأيت في ما رأيت) للشّاعر الفلسطينيّ فراس حج محمد من ديوانه "ما يشبه الرّثاء"، إحاطة بمعاني الوجود وتفاصيله ومكوّناته لكن بصيغة شعريّة تمكنّ القارئ من تلمّس إشراف على النّهايات. فالشّاعر يستهل قصيدته قائلاً: "رأيت في ما يرى النّائم". والفعل (رأى) تلازم ورؤى النّائم. وقد يعتقد القارئ بالمعنى الأوّل المرادف للحلم، لكنّ سياق القصيدة يظهر  رؤيا متجلّيّة في العمق تظهر عنف الواقع الجهنّميّ. ويمكن الاستدلال إلى هذا البعد الإسكاتولوجيّ في قول الشّاعر: (آهِ يا وجع المنامات الشقيّةِ/ خذني) إنّ وقع الرّؤيا الشّعريّة الخاصّة بفراس حج محمد ترجمها فعل (رأى) ولفظ (النّائم). وهذا اللّفظ يحيلنا إلى نصوص مقدّسة تحكي عن وحي أو تجلٍّ أو رؤيا في المنام تتلازم وحقائق معيّنة. ناهيك عن تمازج الصّور وتجسيد الجماد ومنحه حركة  فاعلة:

رأيتُ فيما رأيت جهنماً أخرى على ذيل الحريقْ

تضحك من برودتها

تمدّ لسانها المشبوبْ

تمصّ بشدقها لحمي

تدور في دورانها ليخرسَ صوتي

في اتّجاه آخر يلوذ الشّاعر التّونسيّ يوسف الهمامي  في  تفاصيل  السّماء مبيّناً حضوره فيها بالرّجاء أو بالإيمان أو بالعشق. فنستدلّ في نصّه الشّعريّ على لغة علويّة تحاكي كينونته:

مكاني هناك .

غربتي في الأرض أشدّ لظى

النّاس...الحجارة...الأشياء..

تكثّف النّصّ ليتجلّى المعنى الكامن في قلب الشّاعر المتغرّب إلى الحالة العلويّة. فيتجرّد النّصّ من المكان والزّمان بقدر ما تسمح اللّغة الّتي تضيق باتّساع الرّؤيا. ولئن تغرّب الشّاعر انكشف له التّحوّل الوجوديّ، ترجمته حالة الاغتراب المرادفة للانفصال عن العالم انفصالاً روحيّاً يؤلم الشّاعر ويمكّنه من مشاهدة عنف الواقع المتناقض والحالة السّماويّة. ونراه في نصّ آخر مفصحاً عن تحوّل الوجود في النّهايات:

الشّاسع بضيقه

يحيط به الكون من الجهات السّبع

يقبض عليه جمر العشق

حين تطلقه أصفاد القلب

في القلب

لا سكينة دون ضوضاء

لا سجود دون رجعة..

الكون يتحوّل إلى معبد

الخلق ينتهي الى عُبَّاد..

وهنا يحدّد يوسف الهمامي بشكل أو بآخر مفهوم النّهاية انطلاقاً من مكاشفة لا يستدلّ عليها إلّا بالحسّ الشّعريّ والارتقاء الإنسانيّ. النّهاية تحوّل وليست نهاية بمعنى الاندثار. إنّها الخلق المتماهي مع القلب الإلهيّ.

لكنّ عصف الألم في قصيدة الشّاعر أمل دنقل (لا تصالح) تبرهن عن تمزّق وجدانيّ تمرّد من خلاله الشّاعر على النّهيويّ استناداً إلى  عنف الواقع الملتبس، الغامض، المربك للعقل والمنطق والقلب.

خصومة قلبي مع الله.

هذا الكمال الّذي خلق الله هيئته

فكسا العظم باللّحم

ها هو: جسما - يعود له- دون رأس

فهل تتقبّل بوابة الغيب من شابه العيب

أم أنّ وجه العدالة:

أن يرجع الشّلو للأصل

أن يرجع البعد للقبل

أن ينهض الجسد المتمزّق مكتمل الظّلّ

حتى يعود إلى الله.. متّحداً في بهاه؟

هنا يدخل الشّاعر في مواجهة مباشرة مع النّهيويّ. انطلق من وحشيّة الواقع وعنف الوجع ليفكّك معاني النّهيويّات، ويعيد بناء تصوّراتها في جدال مع منتهى الكمال مقابل منتهى النّقص. وما هذا إلّا قلق الباحث عن الحقيقة، عن اليقين الموغل في النّفس الإنسانيّة المتباعد عن المنطق غالباً. البعد النّهيويّ في هذه القصيدة جدليّة الوجود الملموس والوجود الإلهيّ الّذي التبست معانيه لحظة انفصل الشّاعر عنه قلبيّاً (خصومة قلبي مع الله). ولعلّه شروع في جدال إنسانيّ إلهيّ تمرّدَ العقلُ من خلاله فأعلن ضمناً مبدأ النّهايات.   

البعد النّهيويّ للنّصوص الشّعريّة ليس بعداً دينيّاً، وإنّما بعد يعرفه الشّاعر وحده في عمق أعماقه ويختصّ به كلّ شاعر على حدة. إنّه البعد الّذي علا فوق الاعتقادات وانتهى إلى ما لا نهاية له. وبقدر ما يرتقي الشّاعر في عالم الشّعر يتلمّس الحقائق. كمن صعد إلى الجبل ثمّ نزل ليقول كلمته، لكنّ روحه ظلّت محلّقة هناك في الغربة المؤلمة.

"أشعر أحياناً أنّي أكتب من وراء الكتابة كصوت مَن ينطق من وراء الموت"، يقول أنسي الحاج في (كان هذا سهواً). وفي هذا القول دلالة على يقظة صوت أنسي الحاج الدّاخليّ المنفتح على فيض علويّ. لقد أعطى الكتابة معنى "ما ورائيّاً" يستدلّ على جوهره في ما بعد النّهاية المفترضة. فكأنّي به يقول إنّ الكتابة قوّة تفيض من علٍ وتستبيح قلب الكاتب فتمسي قوّة للدّفاع عن الحلم والهدف والحبّ... بدل أن تكون دفقاً عاطفيّاً لا غير.

إنّ تأمّل الشّعر الصّافي الرّؤيويّ وتجربة الشّاعر الرّائي ستكشف عن الكثير من تجلّيات هذا الاصطلاح وحضوره في عصب الشّعر العابر للحقائق الكونيّة والإلهيّة، فثمّة ما هو مشترك اشتراك اقتضاء وحتميّة ما بين الشّاعر واللّاهوتيّ، كما هو بين الشّاعر والعالم الفيزيائي مثلا، فكلّها علوم تخرج من فكر الإنسان لتعود إليه، تحاول أن تفهمه وأن تسدي له خدمة في الوقت ذاته.

***

مادونا عسكر/ لبنان

 

عبد الله الفيفيعندما يُراجِع الباحث المعاصر كثيرًا ممَّا كان يتناقله علماؤنا في حقلَي اللغة والنحو، يجد ما يفرض عليه إعادة النظر فيما كانوا يختلفون فيه؛ لأسباب متعدِّدة.  منها، على سبيل النموذج:

1) داءٌ تراثيٌّ عامٌّ في التعامل مع النصوص، هو إغفال السياقات.  فكثيرًا ما يقِفون على النصِّ مبتوتًا عن سياقه الداخليِّ أو الخارجي.  وقد رأينا في المساق السابق كيف أثَّر إهمال السياق في استنتاجات اللغويين والنحويين، حينما وقفوا أمام بيت الشاعر:

لقد فَرَّقَ الواشِينَ بَيني وبَينها،     فقَرَّتْ بِذاكَ الوَصْلِ عيني وعينُها

فزعموا أن الشاعر- الذي لا ندري من هو- قال: «بيني وبينُها»، من حيث ظنُّوا القافية مصرَّعةً، وإنْ لم يعرفوا سياق البيت. لكنهم حاروا في الشطر الثاني؛ فأضافوا زعمًا آخَر: أن البَين هنا بمعنى الوصل!  مع أن للبيت وجهًا شِعريًّا، دون حاجةٍ للدعوَى أن البَين يعني الوصل، بالقول: إن الشاعر إنما جعل البَين بمثابة الوصل؛ لأنه أذهب عنه وعن معشوقته أعين الواشين، وإنْ كان ذاك الوصل الروحي بينهما قائمًا، وقُرَّةَ عين له ولها.

إن ظاهرة إغفال السياق، بل الاعتماد على شِعرٍ مجهول القائل، فضلًا عن الاعتماد على كلام مجانين في التقعيد للغة العربيَّة، كانت أمرًا مألوفًا بينهم. ويزيد الطِّين بلَّة معاناتهم في فهم الشِّعر، إلَّا ذلك الفهم المعجمي النثري، الذي لا يليق بالشِّعر. وإذا كان لإغفال السياق الخارجيِّ ما يسوِّغه في النصِّ الأدبي، وَفق ما عُرِف في البنيويَّة حديثًا بموت المؤلِّف- وهو مفهومٌ للموت غير «أبدي»، على كلِّ حال!- فإنَّ إغفال السياق النَّصِّي الداخلي إنَّما جناه، على الشِّعر بخاصَّةً، «مرضُ التوحُّد» الذي أصابهم جرَّاء التمسُّك بمقولة (وحدة البيت الشِّعري).  يتجلَّى ذلك واضحًا في الجدَل حول أبيات (أبي الطيِّب المتنبي)، التي عُدَّت من المشكلات.  ولو أنها رُبِطت بسياقاتها لما كان بعضها مشكِلًا، ولا استدعَى كثيرًا من الجِدال بين الشُّراح.

2) كانوا يبنون جدلهم اللغوي والنحوي الطويل حول شواهد شِعريَّة، والشِّعر إشكاليٌّ بطبيعته في كلِّ اللغات، حمَّال أوجه، قائمٌ على البناء البلاغي، والانحرافات الأسلوبيَّة، والحذف، والتقديم والتأخير؛ فكيف تتقرَّر على أساسه لغة النثر وقواعد الاستعمال الذهني الاعتيادي؟ خذ- مثلًا- قول (المتنبي):

لَيتَ الغَمامَ الَّذي عِندي صَواعِقُهُ         يُزيلُهُنَّ إِلى مَن عِندَهُ الدِيَمُ

« يُزيلُهُنَّ»؟

لو قال هذا البيت شاعرٌ اليوم لحُكم، من قِبل القواعديين، بالحَـدِّ؛ لما وقع فيه من الركاكة في الشِّعر، دع عنك أن يَرِد مثل هذا في النثر. ذلك أن عبارة «يُزيلُهُنَّ» تبدو في منطق العربيَّة قلقةً في مكانها؛ فماذا يزيل؟ «الغَمام»؟ كيف ساغ تأنيث «الغَمام»، بعد أن استخدم معه الاسم الموصول «الذي»، وأشار إليه بضمير المذكَّر: «صواعقه»؟ لقد كان حقه أن يقول إذن: «ليت الغمام... يزيله». ولنفترض أن «الغَمام» مؤنث، لمسوِّغ ما من تلك المسوّغات الكثيرة التي يتحفنا بها الشُّرّاح، أو حتى أن الضمير في «يُزيلُهُنَّ» لصواعق الغَمام لا للغَمام، مع عدم اتساق ذلك؛ فكيف ساغ أن يقول: «يُزيلُهُنَّ»، لا «يُزيلها»، فيستخدم نون النسوة مع غير العاقل؟

إنه قلق الشِّعر

نعم قد يتحذلق المتحذلقون، ويتفرتخ الفرتخانيُّون، فيلتمسون التخريجات البعيدة، والتخييلات التحليليَّة، لكن جوهر الأسباب هنا يظلُّ في أن للشِّعر ماهيةً خاصَّة، فوق نواميس اللغة الاعتياديَّة، والقياس عليه، والتقعيد على بنيانه فيه إغفالٌ لطبيعته الفارقة تلك.

3) كثيرًا ما يسوِّق النحويُّون شواهد مجهولة القائل. ومن ثَمَّ فلا موثيقيَّة بها. بل إن بعضها من اصطناع النحاة أنفسهم، الذين بلغ الصراع بينهم إلى درجة عدم تورُّع بعضهم من الكذب والنحل كي يُسنِد قوله بشاهدٍ شِعري. وحكاياتهم في ذلك معروفة.

4) يعاني بعض لغويينا ونحويينا، مع أسباب أخرى، من عُجمة، وجهل بأحوال العرب، وبيئاتهم، بل قد يفتقرون إلى الذوق الأدبي، والمعرفة بطبيعة الشِّعر، فتزداد مصيبتهم بمادَّة علمهم، وجُلُّها من الشِّعر.

وهذا ما يستدعي جولة أخرى من النقاش، نُرجئها إلى المساق التالي.

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

عدنان حسين احمدلا تختلف الأفلام الروائية القصيرة في بنيتها المعمارية كثيرًا عن قصائد الومضة التي تحتاج إلى سرعة الدخول في الحدث والتعجيل في حسمه، وعلى كاتب السيناريو أن يصل إلى الانعطافة الأولى خلال الربع الأول من مدة الفيلم أو قبلها بقليل ولا مجال للإسهاب والترهّل الفائض عن الحاجة. وفي فيلم "نباح" للمخرج جمال أمين تحْدث هذه الانعطافة التي تمهّد للحظة الحاسمة خلال الدقائق الثلاث والنصف الأولى قبل أن يتأثث النص البصري بلقطاته ومَشاهده السردية التي تُعرّي هذه العائلة المهجّنة التي تزوج فيها الأب من امرأة إنجليزية لا نعرف عنها شيئًا فهي غائبة أو متوفاة كما تقول القصيدة أو كما يُفصح واقع الحال لأنّ الأب هو الذي يحلّ محلها، ويقوم بالواجبات المنزلية كلها، وقد رأيناه يغسل الصحون في المجْلى، وهذه إشارة كافية إلى أنه يتبضّع، ويطبخ، وينظّف البيت ويلبّي كل الاحتياجات الأخرى التي يطلبها هادي، الابن الشاب، وهنادي، البنت المراهقة. يتأخر هادي في النوم وتهاتفه صديقته جوليا فيخرج مُسرعًا بعد أن يطلب من والده أن يُقلِّه على وجه السرعة لكننا سنكتشف أن السيارة عاطلة وقد حاول غير مرة تشغيلها لكنه لم يفلح، وبما أنّ ابنه هادي على عجلة من أمره وقد تأخر عن الموعد أصلاً فلاغرابة أن يشتبك مع أبيه في شجار لا يخلو من كلمات عنيفة متوترة الأمر الذي يدفع الابن إلى المغادرة بعد أن يرفس إطار السيارة بقدمه في إشارة إلى سقوطه في دائرة الانفعال المُطلق. حين يعود الأب إلى البيت يحاول الإتصال بابنته هنادي لكنها لا ترد لأنها منشغلة بعالمها الخاص فهي ترقص، وتتكلم بالهاتف النقّال مع صديقها الذي لم نرَه، وهذا الأمر لا يختلف مع هادي لكنه أخفّ وطأة من البنت المتمردة التي لا تستسيغ هذه الحياة الأسريّة المقيّدة، وقد أصبح الأب مثل الكائن الغريب بين أهله وذويه، فيلتجئ إلى صديقته "شفاء" ويعترف لها بأنه مُتعَب جدًا لأنه لا يستطيع السيطرة على أبنائه. فبينما كان منهمكًا بغسل الصحون وهو يستمع إلى أغنية "كيفك أنت" لفيروز تنزل هنادي مسرعة من غرفتها وتوبّخ الوالد بطريقة فجّة لأنه لم يُسدّد فاتورة الإنترنيت فينهار الأب وينخرط في البكاء لكن هادي يأخذه إلى الحديقة ويخفّف عنه وطأة المحنة التي يعيشها ويدخل معه في حوار جديّ قد يبدو غريبًا على ذهنية الأب القادم من ثقافة مُغايرة حين يصارحه بالقول:"بابا أنتَ ضعيف جدًا، لماذا لا تتركنا؟" فيأتيه الرد التقليدي المُتعارف عليه بأنّ قانون الحياة هو الذي يفرض علينا أن نعيش مع بعضنا بعضا. وفي خضم هذا الحوار الحميمي نُمسِك بفكرة القصة السينمائية بأنّ قانون الحياة الذي يتحدث عنه الأب ما هو، في حقيقة الأمر، إلاّ "قانون الضعفاء" وأنّ هذا الأب الواهن الذي قضى حياته مُنغمسًا في قراءة الكتب لم يستطع أن يقرأ ولده وابنته جيدًا، ويتعرّف على رغباتهما وتطلعاتهما في الحياة. لا تقتصر إشكالات الأولاد مع أبيهما فقط، وإنما تمتد إليهما أيضًا، فالعلاقة بين الأخ وأخته متوترة أيضًا. فبينما هم يتناولون الطعام تخبرهم هنادي بأن لديها سفرة إلى إيطاليا لكن هادي سرعان ما يتدخل متسائلاً إن كانت السفرة مدرسية أم أنها تروم الذهاب مع صديقها، ويطالبها بأن تجلب ورقة من المدرسة تبرهن فيها صحة هذا الإدعاء، وهو يعني، من بين ما يعنيه، أنها كذّابة، فلاغرابة أن تنفعل وتتهمه بأنه مُدمن مخدرات مع أننا كمتلقين لم نلحظ عليه ما يشير إلى هذا الإدمان. يشتبك هادي معها مرة أخرى حينما يكتشف أنها تناولت مشروبه الغازي المفضل Red Bull وفي مشهد درامي معبّر ينتهي الفيلم نهاية مدروسة حينما تتعالى أصوات الشجار بين هادي وشقيقته بينما يتدخل الأب من دون أن يصغي إليه أحد طالبًا منهما التوقف والسكوت بعد ألقى على الأرض الكتاب الذي بين يديه، إضافة إلى كتب أخرى كانت موجودة على مقربة منه، فتتصاعد دوامة النزاع لتختلط الأصوات المتصاعدة بنباح الكلاب وكأنّ كل الذي يدور بين أفراد هذه العائلة المُهجّنة ما هو إلاّ نباح لا غير، وتهديدات علنية لا تضمر المحبة، والتفاهم، أو إمكانية المُضي قُدمًا في حياة أسَرية بدت مستحيلة بعد رحيل الأم الذي أسقط الأب في دائرة اليأس والعزلة والتوحّد.

على الرغم من أنّ سيناريو الفيلم يتوفر على بعض الاشتراطات الفنية في الانعطافة الأولى التي أفضت بالقصة السينمائية إلى الذروة ومنها إلى حلّ العُقدة بعد أن توضحّت أبعاد الحبكة التي أدركها المتلقي وتوصل إلى نتيجة منطقية مفادها أنّ هذه الحياة الأُسرية باتت مستحيلة، وأنّ المضي بها إلى أمام هو ضرب من العبث والجنون.

لابد من الإشارة إلى أن أداء الشخصيات الرئيسة الثلاث كان مُقنعًا، ولعلها المرة الأولى التي أرى فيها الفنان جمال أمين بدورٍ إشكالي مُعبِّر ينطوي على عنصري الضعف والتماسك في آنٍ واحد، كما كان الانفعال أو الانهيار في محله دائمًا، وهذا التوازن الذي لا يتجاوز الحدود المُفتَرضة يؤكد على حِرفية الفنان الذي يعطي كل شيء حقه. كما أن دور الابن هادي الذي جسّده "الحسن صفاء" كان مستوفيًا للشروط، وقد نجح في تقمّص الشخصية المزدوجة التي تحث الأب على مغادرة حياة الأبناء، ولكنه بالمقابل كان يتعاطف مع ضعفه وفشلة الواضح في إدارة هذه الأسرة أو الانسجام الكلي مع طريقة تفكير الأبناء الذين ينتمون إلى بيئة اجتماعية غربية بامتياز. وهذا الأمر ينسحب على "مليكة شيرازي" التي أدّت دور "هنادي" وأجادت فيه على الرغم من أنّ المَشاهد التي ظهرت فيها لم تخرج عن حدود الانفعال والتهور المتواصلين في التعامل مع الأب أو الشقيق على حد سواء. وفي السياق ذاته لابد من الإشادة بدور المصور السينمائي يحيى الحسني الذي يتوفر على عين سينمائية حسّاسة قدّمت لقطات ومشاهد جميلة لا أثر فيها للترهل البصري، كما أن المونتاج الذي تألق فيه سوران سوراني كان سلسًا جدًا بحيث يجعل المتلقي يتابع أحداث الفيلم بانسيابية عالية، واسترخاء شديد.

 

عدنان حسين أحمد

 

حسام الجبوريتعكسُ قصة (الساعة) للمبدع الدكتور علي القاسمي ديالكتيكاً من نمط خاصّ جدّاً، يبدو غرائبياً يتجاوز حدود مفاهيم الديالكتيك الفلسفية التقليدية؛ فهو صراع السمعِ، والبصر، صراع تراسل الحواسّ؛ أو فلنقل صراع المعرفة، وطرق المعرفة .

هذا الصراع لا يعتمد مقاربة النهايات الخلّاقة للحلول الوسطى كما يفهمها الماركسيون القدامى؛ بل هو صراع آخّاذ يحاول في جدليّته سبر غور الإنسان نفسه للمكاشفة بأيّ الوسائل التي تقرّبنا لنيل المعرفة .

يبدو السرد تراتبياً؛ يبدأ مختصراً (الغرابة مجسَّدةٌ في رجل)،  ثم يزداد إثراءاً، لكنّ الأحجية التي تغلّفت بوثائقية خادعة أصبحت أكثر غموضاً بسبب وضوحها !!

(الغرابة مجسَّدةٌ في رجل) تمثّل عتبة تُشعر بالقيمة الحقيقية للذة الاكتشاف؛ لا معرفة بلا غموض، ولا معرفة بلا فضول يستدعي الخوض في المجهولات !

الديالكتيك الخادع، يجعلك تنساب متوهّماً في الأحجية الظاهرة، لتقول : ها هنا الحلّ، لتجدَ نفسكَ في غير ما توقعت ! إذ تبدو فلسفة القصة نابعة من فكرة تعدد طرق المعرفة المنتجة لاختلاف المعرفة، تقنية تلاحق السمع، والبصر تحكم نسج القصّة منذ البداية .

ولأوّل وهلة نتعرف على القاسميّ، وهو يحاول في تقنية السرد تصفية الشخصيات الواحدة تلوَ الأخرى، فالقاسميّ وهو يتقدّم في خطاه السردية يجعل من شخصيّاته العابرة رموزاً مختصرة للانبهار، أو التعجّب، أو الاستغراب !

(الأساتذة، الطلبة) يُعلنون ردودَ أفعالهم تجاه هذا الأستاذ (سيدي محمد) ولا يكادون يفقهون سرّه في إشارة رمزية دقيقة لتوهّم الحواس الموصلة للمعرفة الخاطئة، أو الاستنتاجات غير الدقيقة، أما القاصّ الشغوف بالغرابة فإنّه وإنْ وقع في خدعة الحواسّ في البداية إلّا إنّ إصراره على المعرفة أوصله للحقيقة .

تَشَكُّلُ الرمزِ (الساعة) يبدو طاغياً على مفاصل القصة كلّها حتى الشخصيّات؛ فما أن تظهر شخصية حتى تختفي في إشارة رمزية لتلك الثواني العابرة، فما أن تحلّ حاضرة حتى تذهب مختفيةً، فالقاصّ لا يُعير أهمية لتكرار الشخصيات، هو لا يبحث عن تكرار نمطي في الشخصيّات، كأنه يقول : الغرابة تستدعي الفضول، والفضول يستدعي الرغبة، والرغبة تستدعي جرأة المحاولة .

ومن ثمّ يتفرّد القاصّ بالشخصية الوحيدة (سيدي محمد) ليخلقَ ثنائياً جدلياً يحاول من خلالهما المرور إلى بوابة المعرفة، تلك المعرفة المعتمدة على ثنائية (السمع، والبصر)، وهنا يحاول القاصّ ببراعة توظيف (الساعة) في محاولة خلق الرؤى، والاكتشاف !

تبدو (الساعة) بوابةً للولوج إلى فهم عالمنا، ولربما كانت المبالغة في اقتناء (سيدي محمد) غريبة لمن يجهل هذه الحقيقة، إذ يكفي اقتناء ساعة واحدة لمعرفة الوقت، لكنّ القضية ليست في معرفة الوقت، فـ(سيدي محمّد) أصبح لكثرة اعتنائه بالساعات واهتمامه بها ساعة لا تكاد تُخطِئ (فالوقت، بالنسبة للأستاذ سيدي محمد، مقدّس ذو قيمةٍ ساميةٍ، تكاد تعادل قيمة الدرس أو تسمو إلى مرتبة الأستاذ نفسه، وكأنّه يِؤمن بمقولة: " لولا الوقتُ، لما صار الإنسان إنسانًا ". ولهذا لم استغرب حمله ثلاث ساعات في آنٍ واحد: ساعتان يدويَّتان: واحدة على كلِّ معصم من معصمَيه، وثالثةٌ ساعةٌ جيبيّةٌ في جيب قميصه القريب من قلبه. وأحيانًا، يحمل بضع ساعات أُخرى في بقيَّة جيوب بذْلته. ولعلَّ سلوكه هذا هو الذي دعا زملاءَه إلى وصمه بتهمة الغرابة) .

يُلحّ القاسميّ في جعل (الساعة) رمزاً، أو آيقونة تختزل بتكثيفها الدلالي الحياة بأكملها؛ فالفنجان في أصله اللغوي يدلّ على الساعة، ولا نستغرب إذا ما عرفنا علاقة القهوة بالقاص، ومدى ولعه بصناعتها، وشربها (عاد الأستاذ يحمل صينيّةً وفيها إبريق القهوة وفنجانان كبيران. ولمّا وضعها على الطاولة، لاحظتُ أنّ أحد الفنجانين يحمل رسمًا لساعةٍ فيها ثلاثة عقارب ملوَّنة.

لم أشأْ أن أسأله عن سرِّ الساعات الاثنتي عشرة وعن فائدتها له وهو مختصٌّ بالأدب الإنكليزيّ وليس بالجغرافية. وحاولتُ أن أصرف المحادثة عن موضوع الساعات التي لا أعرف عنها كثيرًا، إلى موضوعٍ آخر كالقهوة التي أعدُّ نفسي خبيرًا في شربها، فلم أوفّق إلا إلى قولٍ سخيفٍ آخر:

ـ  هذا فنجان لطيف على شكل ساعة.

وإذا به يقول:

ـ إن كلمة "فنجان" كانت تُلفظ " بنكان". واستُعلمت كلمة "بنكان"، في التراث العربيّ، لتدلَّ على نوعٍ من الساعات ذات الآلات الميكانيكيّة. والفنجان الذي ترتشف القهوة منه الآن يقوم بالوظيفتَيْن. فعندما تنتهي من شرب قهوتك تستطيع أن تقرأ فيه الوقت الذي استغرقتَه في الشرب) . القهوة هي الساعة، والساعة هي الحياة بإبداعها، وقدرتها على الاستمرار، القهوة، والساعة خلاصة كلّ شيء .

(الساعة) تختزلُ الحياة؛ حكمة الإنسان الأقدم، حين تمتزج الساعة بماهيتها الفلسفية بجغرافية المكان، صورة من توأمة المكان، والزمان، وفنائهما في فهم الإنسان لما حوله (ـ ظننتُ أنّ أجدادنا العرب القدامى لم يحفلوا بالوقت كما نحفل به اليوم، فبعيرهم في الصحراء لا يعبأ بالوقت، كما تتقيّد به طائراتنا اليوم.

قال مستغرباً قولي:

ـ على العكس تمامًا، كانت معرفتهم الدقيقة بالوقت تعوّض عن ضعف وسائل الاتصال والمواصلات عندهم. وكان من حرصهم على الوقت أنَّهم خصّصوا اسمًا لكلِّ ساعةٍ من ساعات الليل والنهار. فأسماء ساعات النهار الاثنتي عشرة، مثلاً، هي: الذرور، البزوغ، الضحى، الغزالة، الهاجرة، الزوال، الدُّلوك، العصر، الأصيل، الصبوب، الحُدُور، الغروب) . الإنسان هو الإنسان، تعدّدت الساعات لتعدّد الرؤى الحضارية، فالساعة حينئذٍ ليست إلّا انعكاسٌ للحياة، هي الحياة (وما فائدة اقتناء سبع ساعات يدويّة من نوعٍ واحدٍ، كتلك الساعات المرتَّبَة على الطاولة؟

أجاب بهدوء أقرب إلى الرتابة، كأنَّه يلقي درسًا كرَّره مرارًا:

ـ إنّها ليست من نوعٍ واحد. فالأولى تعمل باللولب، والثانية تعمل بالبطارية، والثالثة بحركة اليد، والرابعة بنبض المعصم، والسادسة بالطاقة الشمسية، والسابعة بحركة الهواء. أضف إلى ذلك، أنَّ كلَّ واحدةٍ منها تقوم بتنبيهي إلى أمرٍ مختلفٍ، بنغمةٍ مختلفة) .

يُركّز القاص على خلق مقتربات حوار للولوج في عالم (سيدي محمّد) المليء بالغرائبية؛ غرائبية تبدو من كثرة اقتنائه للساعات، واهتمامه المبالغ بالوقت .

يجعل القاص التقاءه بـ(سيدي محمّد) نقطة البداية للحدث الأهمّ في القصّة، وكأنه يدخل عالماً مسحوراً يشبه ذلك المألوف في قصص (ألف ليلة وليلة)، فيقول: (داهمتني الدهشة والعجب عندما دخلتُ منزله، وبذلتُ جهدًا كبيرًا لإخفاء مشاعري، فقد خشيتُ أن أُسيء إلى مضيّفي إنْ ظهر الاستغراب على وجهي) .

تتشكّل نواة الصراع بين الإثنين في وعي حسّيّ يعتمد محورين؛ الأول : بصريّ، والثاني : سمعيّ1   . وتظهر متعة الاكتشاف البصري في البداية، بدايات التعرّف الأكثر غرائبية؛ حين تنحرف بوصلة الكلمات من الشخصية إلى عالمها المحيط ! فالقاصّ لم يُكلّف نفسه عناء البحث عن وصف (سيدي محمّد) جسديّاً، لا تظهر ملامحه أبداً، ولم يعِر القاصّ أهمية لبيان شكله؛ لأنه استعان بمعادل بصري خارجي يمنح من خلاله الشخصيّة أبعاداً أكثر عمقاً، فيرسم ملامحه من ذلك الغموض الذي يلفّ كلّ شيء حوله، يتداخل (سيدي محمّد) مع (زمكانيته) ليكوّنا معاً شخصيته المثيرة للفضول، وجعل جلّ اهتمامه في وصف المكان الذي امتلأ بالساعات ! وكأنه يصف الشخصية بمكانها؛ إذ يصبح المكان هو الذات، المكان الذي يكتنز كمّاً من الساعات تجعله مبهماً غرائبياً .

عجائبية أن يتماهى المكان والزمان في جوهر واحدٍ، حين امتزج المكان الأليف بالوقت، فلنقل بجرأة : لقد تغلّف المكان بصبغ من نوع فريد، اللون لم يعد مألوفاً، فالمألوف تلك الساعات المختلفة التي منحت المكان بعداً جديداً (كانت باحة المنزل غاصَّةً بحشدٍ غريبٍ عجيبٍ من الساعات القديمة والحديثة التي ينبعث منها خليطٌ من الأصوات والدقّات والأنغام. ففي وسط المنزل كانت ساعةٌ مائيّةٌ تحتلّ مكان النافورة. عرفتُها من أسطوانتها المملوءة بالماء، والآلة المجوفة الطافية على الماء، والكرات الصغيرة التي تسقط واحدةٌ منها كلَّ ساعةٍ في طاس، فتُحدث طنينًا يُعلِن عن انقضاء ساعة) . إنها جرأة اللعبة التي استبدل بها القاصّ المكان بالزمان، لم يتبادلا الأدوار؛ بل أزاح الزمان المكان، وحلّ محلّه !

يتكِئ القاص على المحدّد البصريّ في رسم المكان – أو فلنقل الزمان – الذي تماهى فيه (سيدي محمّد) حدّ الإغراق، فنلاحظ اهتمام القاص بوصف الساعات، وأشكالها، وأحجامها، وتفصيلاتها (وفي أعلى الحائط المقابل نُصِبتْ ساعةٌ شمسيّةٌ كبيرةٌ. وهذه الساعة مؤلَّفةٌ من عودٍ خشبيٍّ مغروزٍ في الحائط، تسقط عليه أشعة الشمس، فينتقل ظلُّه على لوحةٍ من الأرقام المخطوطة على الحائط لتحديد الوقت. وعلى جانبَي تلك المزولة، عُلّق على الجدار إسْطُرْلابان كبيران، أحدهما نحاسيّ والآخر فضيّ، لا أدري كيف حصل عليهما، لأنّني لم أَرَ إسْطُرْلاباً قطّ في أسواق هذه المدينة التي أعرفها منذ سنوات عديدة. وبينما كنتُ أفكِّر أنَّ الساعة الشمسيّة والإسْطُرْلاب لا يساعدان على معرفة الوقت إلا في النهار المشمس، لمحتُ على منضدةٍ في زاويةِ باحةِ الدار ساعةً رمليّةً مؤلَّفةً من قارورتَيْن زجاجيتَيْن كبيرتَيْن مُتَّصلتَيْن بعنقٍ صغيرٍ، وقد مُلِئت القارورة العُليا بالرمل، في حين خُطَّتْ على القارورة السفلى خطوطٌ وأرقام، وأخذتْ ذرّات الرمل تتسرَّب من القارورة العليا إلى القارورة السفلى من خلال العنق، ليشير الحدُّ الذي يبلغه الرمل المتجمِّع إلى الوقت) .

الساعات المتكدّسة ليست إلّا أشكال حياتنا، وأفعالنا المتنوعة، رسوم ما تمليه جوارحنا في كوننا الواسع، أو الضيق، نحن الساعات التي تختصرُ حتى بيئتنا التي نحيا بها، و(سيدي محمّد) الإنسان المثالي الذي يحيطه الكون، أو يحيط هو بكونه !

يُشعرنا الدكتور القاسمي؛ وهو يحاول استكناه ما في نفسه حين لجأ لحوارية خجولة، تعكس حرجَ أن نسألَ بسذاجة عن قيمة هذا الكون المتراكب المتراكم، يمنحنا وهو يصنع حواره فرصةَ أن نقول : بالفعل، ما هذه الغرابة التي نحيا بها ؟ ما قيمة أن يحيا الإنسان في الكون المتقنِ الصنع، من دون أن يتعايش مع اتقانه ؟

حوار يخترق عقولنا السطحية للبحث عما هو جوهريّ بقيمة عالية، فالساعات ليست أداة لمعرفة الوقت، ليست كبقية الاختراعات الإنسانية التي يوجهها في منفعة محدّدة، الساعات فلسفة الإنسان، ونظرته نحو كونه الذي يحيا به .

أسئلة تتناوب بين السذاجة في الطرح، والفلسفة في الردّ، فالحوار الذي يشوبه القلق، والتأزم منبعه الخوف من المعرفة، خوفٌ وعشقٌ تلازما منذ فتح الإنسان الأول عيناه وأدرك تلك المحسوسات التي كانت جسره نحو المعقولات .

يُدركُ القاسميّ المولع بالاكتشاف لذة الغرابة فنراه يركّز على إبراز مشاعره، ليخلق صورة متناصفة؛ نصفها الأول مليء بالاستغراب والدهشة والانفعالات، ليكملها بنصفها الآخر الجامد المتفلسف (شعرتُ أنّني ينبغي أن أقول شيئًا، لأُخفي أمارات الاندهاش التي سيطرت على وجهي، فرسمتُ ابتسامةً على شفتَيَّ وقلت:

ـ هوايةُ جمع الساعات رائعة)، وهو إذ يبدأ في محاولة اكتشافه لهذا العالَم الغرائبي، يرسم ما يشعر به من اختلاجات، يختصِرُ بها رحلة الآف السنين من سير الإنسان نحو معرفته، وفهمه لمحيطه (بدتْ لي عبارتي سخيفةً ولا معنى لها في ذلك المقام، فأردفتُ قائلاً:

ـ منزلك أشبه ما يكون بمتحفٍ متخصِّص) .

في مقابل هذا المتسائل المستغرِب يبدو (سيدي محمد) جافّاً بعيداً عن المشاعر، أو اختلاجات الذات، وانعكاساتها، هو فيلسوف مخض الدنيا بتجربته، يختزل بساعاته حضارات معتّقة لآلاف السنين (قال دون أن ينظر إليّ:

ـ الساعة أروع ما اخترعه العقل البشريّ. ويعود الفضل لأجدادنا العرب القدماء.

وهنا حاولت أن أقول شيئًا ذكيًّا ينمُّ عن إلمامي بتاريخ الساعات، فلم يحضرني إلا العبارة التالية:

ـ أتقصد بذلك الساعة الدقّاقة التي أهداها الخليفة العباسي هارون الرشيد إلى شارلمان، ملك الإفرنج، فأفزعتْ حاشيته؟

قال:

ـ لا أقصد بالساعة الآلة أو الأداة، وإنّما الوحدة الزمنيّة. فالعرب البائدة من السومريِّين والبابليِّين والفراعنة هم الذين توصَّلوا إلى تقسيم الزمن إلى سنواتٍ وفصولٍ وشهورٍ وأسابيعَ وأيامٍ وساعات، عن طريق مراقبة الكواكب والنجوم، وتقسيم الزمن الذي تستغرقه في كلِّ دورةٍ من دوراتها) .

يُغرِق القاسميّ نفسه في متاهات الحيرة، والشعور بالغربة، ولكنها غربة من يحاول استكناه الرموز، وحلحلة الأحجيات، فضول الإنسان الأوّل الذي سار على أرضٍ ألفها، وحاول أن يعرف سرّ العلاقة التي تربطه بها (لم أدرِ ما أقوله له، ووجدتني أشيح بوجهي عنه)، (قلتُ له، كأنني أنتقد بصورةٍ غير مباشرة هوسَه بالوقت) .

يحاول القاسميّ في غفلة من السرد المتسارع أن يلقي الحجر في البركة الراكدة، يضعنا أمام زمن الصفر الذي يبدأ متسارعاً بانتباهة مفاجئة هي أقرب إلى الصدمة، وكأنه يصحو من غفوة سحرية، تبدو تلك اللحظة العجيبة مشتركة بيننا جميعا، وهنا يستبدل القاصّ محدده البصريّ بتقنية أخرى للإيقاظ، وهو المحدّد السمعي، ينتقل من الاستكشاف البصري إلى القرع السمعي، وهنا تبدأ المكاشفة الحقيقية!

(كانت الساعات المختلفة الجداريّة والمنضديّة والجيبيّة واليدويّة تقرع، بين آونة وأُخرى، أجراسًا وجلاجل متباينة الأنغام، متنوِّعة الإيقاعات. وبمرور الزمن، اكتشفتُ أنّ حياة الأستاذ سيدي محمد تتحكَّم فيها أجراسُ ساعاته. فجرسٌ يوقظه من نومه في الفجر لأداء صلاة الصبح، وجرسٌ آخر يقرع ليدخلَ المغطس في الحمام ويستلقي في مائه الدافئ المريح، وجرسٌ آخر يُخرجه من الحمام، وخامسٌ يُجلسه على مائدة الفطور، وسابعٌ ينبّهه إلى الخروج في اتّجاه الكُليّة. وجلجلةٌ خفيفةٌ من إحدى ساعتيْه اليدويَّتَين تسترعي انتباهه إلى التوجُّه إلى قاعة الدرس، وجلجلةٌ من الساعة اليدوية الأُخرى تذكّره بانتهاء الحصّة، وهكذا دواليك) .

استطاع القاسميّ بفضوله الوصول إلى مكاشفته، لحظة إنصاتٍ، لحظة استماعٍ تعني كثيراً؛ (حياة الأستاذ سيدي محمد تتحكَّم فيها أجراسُ ساعاته)، وهنا يضعنا القاسميّ أمام صدمة أخرى؛ فقد انتهت اللعبة؛ وقديماً قالوا : إذا عُرفَ السبب بطل العجب؛ حينها لن يجدَ القاسمي بدّاً من التفرّد، موت (سيدي محمّد) أصبح ضرورة، أصبحا واحداً، سيكملُ القاص ما بدأه (سيدي محمّد)؛ لأنه عرف الحقيقة، واكتشف السرّ، (توثَّقتْ صداقتنا حتّى أخذتُ أقترب من تفكيره، وأمسيتُ أقربَ الناس إليه)، وهنا أصبحت المقاربة بديالكتيكها معدومة؛ أصبح الصمتُ سيّد الحقيقة (أمّا خادمه العجوز، فقد اكتشفتُ أنَّه مصاب بالصمم، وأنَّه اعتاد على مُجرياتِ حياةِ الأستاذ المنظَّمة بحيث إنّه لم يَعُدْ في حاجةٍ إلى قراءة شفاهه لمعرفة تعليماته)، لقد أصبح القاص على حدود المعرفة؛ لذا فهو يؤمن أن السمع لم يعد وسيلته للوصول والاقتراب، لقد استبدله بنقيضه الصمت، ديالكتيك فريد من نوعه (وعندما مرض الأستاذ كنتُ كثيرًا ما أعوده، فأُعجبُ لصمت تلك الساعات. لقد توقّفتْ عن قرع أجراسها، كأنّها تحرص على عدم إزعاجه. طال مرضه، ودام صمتُ ساعاته شهورًا) .

هل انتهى كلّ شيء ؟ كلا ... الصمتُ المزهوّ بانتصاره عاد خاسراً خائباً؛ فلعبة الديالكتيك، والأحجيات الغامضة لا تُرضي الساعة كثيراً (أسرعتُ إلى المنزل. ودخلتُ غرفة نومه. كان مسجّى على فراشه، وقد فارق الحياة. وكانت جميع الساعات تقرع أجراسها بشكلٍ متواصل)؛ لذا عاد الصوت من جديد، لعبة أخرى، ومقاربة أخرى تبدأ بالموت، ثم الحياة، أقصد الساعة .

***

للاطلاع

الساعة / د. علي القاسمي

د. حسام الجبوري

..........................

1- يظهر البعد السمعي في النصف الثاني من القصة .

 

معراج احمد الندويالقصة فن من الفنون الجميلة التي احتلت مكانا مرموقا في الأجناس الأدبية، لها تأثير كبير في النفوس، وهي مرآة صادقة تنعكس فيها الأحوال والظروف التي يمر بها المجتمع بكل تفاصيلها ودقائقها. عاشت القصة العربية في كل عصر من العصور وجاءت من حيز الوجود استجابة لرغبة الناس باللغة في إطار هذا اللون الأدبي. ولم يخل أبدا عصر من عصور الأدب العربي من جنس القصة. ففي الأدب الجاهلي قصص كثير يدور على أيام العرب وحروبهم. وفي القرآن الكريم كثير من قصص الأمم الأنبياء والرسل. وفي العصر العباسي ترجم كثير من القصص الشعوب الأجنبية. وفي العصور الوسطى قصص شعبي .ولم تنكب أمة كما نكب العرب في تراثهم الأدبي والعلمي، ولم يسل نهر بحبر الكتب كما سالت أنهارهم. فقد بقي الكثير من نفائس الكتب التي رسمت صورة الحضارة العربية الإسلامية الزاهية.

كان الإسلام أبرز حدث في تاريخ العرب، فقد نقل الإسلام حال الأمة الهامشية المتخلفة إلى حال الأمة الفاعلة في التاريخ البشري من حيث الدين والمعرفة والحضارة والثقافة. ويعتبر العصر الإسلامي عصرالتجميع للقصة العربية. وظل القصص فنا شعبيا محببا، بل أنه تطور بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، وهو ما يدل على تأصه في المجتمع العربي، فالفنون الأدبية تتطور مع تطور المجتمعات سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفكريا. ولما ظهر الإسلام واتسعت الفتوحات وجال العرب في كل مكان واطلعوا على كثير من أقاصيص الفرس والروم الهنود والمصريين وغيرهم من الأمم القديمة. فمن إثر هذا الاحتكاك اتسع افق خيالهم وتطورت عندهم فن القصة وتوسعوا في ذلك اتساعا كثييرا كما استفاد العرب من العرب القرآن الكيم ووجدوا لونا جديدا من القصة لم يعرفوه قبل. استخدم القرآن الكريم القصة في أسلوب أحسن للتعبير عن كثير المعاني واتخذها وسيلة للبيان ما في الأم الماضية لاستخراج العبرة والعظة. وكان القصص القرأني وهو أحسن القصص حافزا مهما في اقبال الناس على القصة، وكان الناس يتسامرون بقصص الملوك والأبطال وسادات القوم والأيام. ويعود ذلك إلى تأصل عادة السمر في النفوس، فإن الأحاديث الجميلة المفيدة من أبرز صفات المروءة عند العرب.

وقد نزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم على هيئة سور وأجزاء من سورتحمل تعاليم الإسلام. وهذه التعاليم تتكرر مرات عديدة في القرآن كله وهي مدعومة بقصص حضارات قديمة ووقائع بائدة أبطالها أولئك الذين ابتعدوا عن عبادة الله الواحد الأحد. وهذه القصص العديدة والمختلفة والتي تمثل قصصاً قصيرة مكتملة العناصر موجودة قبل الإسلام في كتب سماوية سابقة مثل التوراة والإنجيل. ففي القرآن قصص آدم وحواء، وقصة الطوفان، وقصة يوسف وإخوته، وقصة مولد عيسى، وقصة موسى وفرعون مصر تمثل كلها وحدات كاملة داخل البناء أو الإطار الأكبر وهو القرآن الكريم.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم أول من سلك نهج القرآن الكريم، وترسم خطاه في توظيف القصة من أجل نشر الوعي وتعميق مبادئ الإسلام في النفوس حيث نجد أن الرسول صلى الله عليه يتخذ من القصة أسلوبا مهما من أساليب الدعوة، يحملها قيم الإسلام معانيه، ويرى عليها الصحابة ويوجههم من خلالها إلى فهم هذا الدين عقيدة في الفكر وطريقة في السلوك وواقع الحياة. إن القصص الإسلامي بدأ في زمن النبوة، إلا أن وظيفة القصص تطورت في عصر الخلفاء الراشدين أيان الفتوح لما للقص من أثر تحريضي وتربوي وديني يتمثل في تشجيع المقاتلين. فقد كان القصاص يثيرون فيهم الحماسة الدينية كالشعراء في الأيام الجاهلية. وإن أول من قاص رسمي في الإسلام كان تميم الداري في عهد عمر بن الخطاب، وكان يقص في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. وهكذا غدا القص عملا رسميا يعهد به إلى حال رسميين يعطون عليه أجرا، وكان بعض القضاة يعينون قصاصا أيضا مثل سليمان بن عتر التجيبي اليمني الذي كان أول من قص في مصر في سنة 38 من الهجرة. وكان قد جمع له القضاة إلى القصص ثم عزل عن القضاة وأفرد بالقصص. وكان الخلفاء الراشدون حريصين على الاهتمام بالقصص. فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أذن لقاص لأن يقص على الناس في المسجد الحرام كما فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه إذ افرد ابن عباس يوما من أيام الأسبوع للقصص، واستمرت هذه القصص الوعظية في العصر الأموي والعباسي.

و كثر القصاص في أيام الفتنة وفي إبان  معركة صفين التي طال أمدها بين علي بن طالب رضي الله عنه ومعاوية بن سفيان رضي الله عنه، وهنا بدأ القصص يخرج عن غاياته الدينية إلى الوظيفية السياسية، ولعل معاوية من أهم بالقص وأدرك أهميته وأثره السياسي، فعين من يقص على الناس مرتين في اليوم، مرة بعد صلاة الفجر، ومرة بعد صلاة المغرب،هذا يعني أن القصص في زمن معاوية، أصبح له شأن لم يكن له من قبل، ولعل معاوية وطد الشكل الأول لفن القصة باقتران القص بالشعر.  إن أول من قص من الصحابة الأسود بن سريع، وأول من قص من التابعين بمكة عبيد عمير الليثي، وكان للخوارج قصاص كثيرون أشهرهم صالح بن مسرح، وكان يخلط مواعظه وقصصه بالدعوة إلى الجهاد.

إن القصص في الإسلام بدأ دينيا مستمدا من القرآن الكريم ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته المباركة لأهداف دينية دعوية خالصة. ثم خرج إلى أغراض سياسية لإي في أيام الفتنة، ثم تطور في زمن معاوية إلى قصص تاريخي أسطوري، يتناول أخبار الأمم السالفة لاعتبار بتجاربها في الحكم والسياسة، إضافة إلى ما استمر من أشكال قصصية قديمة، وما استجد في حياة المسلمين من أحداث شؤون.

تمثل القصة العربية لونا من ألوان النثر الفني الممتع الجميل الذي جاء معبرا عن فكرته في ألفاظ سهلة ميسرة وأنه لوجد بعد الإسلام، وجاء متحررا من منهج النثر الجاهلي الذي كان يخضع لسيطرة الكهان بما كان عليه من غموض وإبهام، ثم أنه تقدم هطوة أوسع من حيث أهميتها الفنية حين جاءت في لون قصصي حافل بالعناصر القصصية العامة لهذا الفن، يمثل فترة زمانية متقدمة جدا مما يدل على أصلة العنصر القصصي في الأدب العربي. ينقسم القصص الإسلامي إلى ثلاثة أقسام:

1- القصص الديني: لا غرو أن يكون القصص الديني أهم أنواع القصص في العصر الإسلامي، وكان هذا العصر عصر الصراع بين الكفر والإيمان داخليا وخارجيا. ثم إن الصراعات السياسية التي عصفت بدولة الإسلام من حروب الردة إلى حرب الجمل إلى حرب صفين إلى حروب الأمويين مع معاريضهم من خوارج وشيعة وزبيريين. كانت ترتدي ثوبا دينيا، ولو كانت تختلف أسبابها وأهدافها. ولا نبالغ إذا قلنا إن القرآن الكريم كان المصدر الأكبر لفن القصصي العربي وكان المحرض الأهم على باقي عبوم الحضارة العربية الإسلامية.

2- القصص التاريخي الأسطوري: كان هذا القصص يتناول تاريخ الملوك، ولا سيما ملوك اليمن والحيرة وتدمر والغساسنة، وهو امتداد طبيعي للقصص الجاهلي في هذاالمجال ولذلك لم يتغير شكلا ومضمونا، إلا ما أضيف إليه من مؤثرات إسلامية. كأن يجعل البطل يرهص لمجئ الإسلام والبعثة النبوية، كما نجد في قصة سيف بن ذي يزن، ونبوءة شق، وسطيح أو في قصة أبهة الحبشي و غيرها.

3- القصص الواقعي: هو القصص حفلت به كتب التاريخ والأدب. إنه من الأخبار والنوادر والطرائف عن حياة العرب بمختلف فئاتهم وطبقاتهم، وقد ظل القصص شفويا فترة أطول من سواه لأنه قصص دنيوي وصور من صور الحياة المتجددة، وأول من دون منه هو قصص الحب العذري وقصة ليلى ومجنون، وأن مجنون شخص لا وجود له أو شخص تاريخي ولكن أضيف إليه كا ما يعبر عن حال المحب المأسوي العذري.

إن القرآن قد اهتم بالقصة إلى حد أنه أورد سورة كاملة باسم القصص. ولم تكن القصص في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الخلفاء الراشدين وإنما احدثت القصص في زمن معاوية حين كانت الفتنة ترفع رأسها بين الصحابة وإنها كانت مقصورة على الموعظة الحسنة.  عندما أنزل القرآن، فقد أثر بالإيجاب في فن القص العربي من خلال تقديم نماذج متعددة غاية في الروعة. كانت أقاصيصه. ففي بداية ظهور الإسلام، كان النضر بن الحارث بن كلدة من أشد المعادين للرسول صلى الله عليه وسلم. وكان يجلس إلى الناس حيث يصلي الرسول بالمسلمين يقص عليهم أخبار الفرس، وقصص رستم واسفنديار، ليصرفهم عن الدين الجديد، ما يؤكد ولوع العرب بفن القص. ومن الصحابة، كان هناك نعيم بن أوس الداري من أشهر القصاصين. وفي العصر الأموي، كان معاوية يتخذ عُبيداً بن شرية الجرهمي محدثاً وقاصّا يحيي به لياليه في سماع القصص، وكان يأمر بتدوين ما يسمعه في كتب. وكانت قصص عبيد ترتبط بالبيئة العربية وبأخلاق العرب وعاداتهم.

نشأت القصة العربية وتطورت تحت ظروف وعوامل مشابهة حسب المعتقدات والأساطير. والأدب العربي القديم بما فيه تراث قصصي عظيم من القصص القرآنية، وقصص الأنبياء والرسل والمقامات والرحلات والقصص الخيالية والتراجم الذاتية، وعندما ظهر الإسلام جاءهم بأحسن القصص وبعد هذا العصر ظهرت قصص العشاق وقصص الأبطال والفرسان. بدأ الفن القصصي في الأدب العربي منذ العصر الجاهلي وظهر بوادر هذا الفن لا ينبغي وجوده من قبل ذلك، ولكنه وجد أرضا خصبة فيه مما أدى لطرح ثمار جديدة في العصور التي تلته، منها العصر الإسلامي الذي ارتبط بنزول القرآن الكريم واعتبرت القصة فيه وسيلة لترسيخ الدين الجديد في العالم كله.

 

ا. د. م معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

محمد سيف المفتيثلاثة أصوات تسرد لنا قصة المريض (جابر) في رواية –(ديسفيرال) لـ نوزت شمدين، الصادرة عن دار سطور في العراق سنة 2019. راوٍ عليم يمهد لرحلة الغوص العميقة في سيرة الأب (سليم) أبن المدينة الذي يحاول ولنحو عشرة أعوام كسر الحاجز الخلافي الكبير بين والده وعمه (شيخ العشيرة في القرية) بسبب النزاع على سلطة قبلية وذلك من أجل الاقتران بابنة العم (زاهدة)، وعندما تخفق كل محاولاته، يوقع عليها عقوبة النهي عن الزواج المعروفة في العراق بـ(النهوة). فتظل معلقة مثل تميمة في بيتها لعشر سنوات لا يجرؤ شخص على التقدم لخطبتها، انتهت بمقتل والدها برصاصة وقيدت الجريمة ضد مجهول. ورضخت زوجة عمه بعد انتهاء فترة الحزن على تزويجه زاهدة. ليبدأ منعطف حياتي جديد في سيرته المليئة بالتقلبات.

تبدأ الرواية بإعلان القابلة تحقق نبوءتها وان المولود ذكر، ليبدأ حفل استمرار ذرية آل سعيد في حديقة المنزل الواسعة التي اجتمع فيها فضوليو الحي وهناك يتعثر الإمام شجاع أثناء قراءته دعاء العقيقة بأحد الكبشين المذبوحين ويسقط في بركة الدماء المتجمعة، فيلعن بيت آل سعيد ومولده المشؤوم وطبع خطواته الحمر الغاضبة في طريقه للخروج. بهذا المشهد المحبوك بحرفيه يدخلك نوزت شمدين أجواء الرواية مباشرة ويتعامل بذكاء مع أدواته، فالدماء لن ترتبط فقط بحاجة المولود (جابر) وطوال حياته لكيس دم شهرياً بسبب عدم مقدرة جسمه على صناعة الدم. بل لأن الإمام شجاع ستتلوث يده بدماء الأبرياء لانتمائه لجماعة مسلحة متشددة تفرض الإتاوات وهو ذاته الذي سيقتل بعدها بسنوات صديق جابر الوحيد (وليد)، ويسلب سليم المبلغ الذي خصص لإجراء عملية زرع نخاع العظم لجابر المصاب بمرض الثلاسيميا او ما يعرف بمرض شرق البحر الابيض المتوسط، وهو وراثيٌ ينجم عن زواج الأقرباء، لا يصاب به الوالدان إنما تظهر الإصابة في مولودهما وتلازمه مدى حياته القصيرة نسبياً، إلا إذا وجد متبرعا بنخاع العظم يطابقه جينياً ١٠٠% وتجرى العملية خارج البلاد بتكلفة تصل الى نحو مئتي الف دولار.   

الأم (زاهدة) تروي جزئها من الحكاية: « لم يكتفي الثلاسيميا بتعذيب أبني والعبث بجسمه المسكين فقط، بل أضطرني للمشاركة في تعذيبه". ص ٦٤. لأنها ستكون المسؤولة عن زرقه بإبرة الـ (ديسفيرال) في بطنه لتبقى هناك بين ١٠-١٢ساعة يومياً. فالدواء هذا مهمته سحب الحديد المتراكم في الاعضاء الداخلية لجابر بسبب تزويده بالدم. وأي توقف عن إعطائه الدواء يعني موته الحتمي تماماً كالتوقف عن تزويده بدماء الآخرين.

زاهدة التي عاشت صباها تخشى النظر الى إبرة تدخل قطعة قماش، تدخلها مرغمة في جلد أبنها كل يوم. يظهر جلياً أن الكاتب تعمد هذه الرمزية، فزاهدة هي الأم – العراق- وهنا تحديداً كان لزاماً مراجعة ما فات من الرواية لنجد أن الراوي أستخدم الاسماء والأحداث بنحو رمزي كما فعل مع الأم، فالصراع بين الشقيقين آل سعيد على زعامة القبيلة يبدو واضحاً أنها إشارة الى الصراع الطائفي الدائر في العراق منذ ٢٠٠٣، ونضال سليم من أجل الاقتران بابنة عمه ينجم عنه ولدُ يحمل مرضاً مزمناً (الحكومات العراقية المتعاقبة). وهذا المولود لا يعيش إلا إذا زود بدماء (الآخرين) وحتى حلم خلاصه من المرض لن يتم إلا بحصول معجزة العثور على متبرع بالنخاع، على ان تجرى العملية (خارج) البلاد حصراً. لأن لا حل داخلي مطلقاً.

1047 ديسفيرال يسرد جابر كذلك جانباً من القصة بنفسه، ويروي صراعه مع المرض ونظرة المجتمع اليه وإلى أقرانه من المرضى الآخرين الذين يعانون من إهمال الدولة، تماماً مثلما أهملت من قبل مسألة فحص ما قبل الزواج لمنع ظهور الإصابات. فلا مؤسسات صحية قادرة على إجراء عمليات لزرع النخاع، بل لا يوجد في البلاد سجل للمتبرعين به والعراق ليس عضوا في السجل الدولي لنخاع العظم. كما أن الدواء غالي الثمن لا يصل بانتظام الى المرضى الذين يظلون متشبثين بجهود جمعيات الثلاسيميا الفردية في المحافظات العراقية، وهي اصلا من تقوم بالتنسيق بين المرضى والمستشفيات في ايطاليا على سبيل المثال لإجراء العمليات بالنسبة للمحظوظين الذين يعثرون على متبرعين بالنخاع. وهكذا يموت العشرات من المرضة سنوياً بصمت، فهؤلاء لا يعمرون بحسب الاطباء أكثر من ١٧سنة إذا لم تتوفر لهم الرعاية الصحية المطلوبة، وهي بلا شك غير متوفرة في العراق.

كما أن المرضى يشكون كذلك ي من عدم فلترة الدم، فيحفظ في المصرف المختص ويعطى للمريض كما هو دون تصفية، وهو ما يتسبب بآلام كبيرة للمرضى. مع عدم مقدرة مختبرات الفحص عن مواكبة التطور في العالم، ويحدث أن تخطيء في الفحوصات كما يحدث لجابر الذي يؤكد مختبر في العاصمة بغداد على تطابقه نسيجيا مع شقيقه (ايثار) لكن في نهاية الرواية عندما تصل العائلة الى ايطاليا بعد جهد ومشقة كبيرين، يؤكد المختبر الايطالي عدم وجود تطابق وان الفحص العراقي كان خاطئاً ليتبدد الحلم الكبير ويواصل جابر سيره نحو مصيره المحتوم.

كل هذا يطرحه نوزت شمدين بالتوازي مع مشاكل اجتماعية كثيرة يعاني منها المجتمع العراقي، (الدجل والشعوذة، الاحتلالات المتعاقبة، الفساد في المؤسسة الحكومية، الصراع الطائفي- سلفي وصوفي- سني وشيعي،...) ويكون الثلاسيميا رمزاً لا يمكن الخلاص منه إلا بسلسلة معقدة جدا من العلاجات التي يجب ان تشترك بها الاسرة مجتمعة.

وتحدث الصدمة الحياتية الكبيرة لجابر، عندما يعمد المسلحون المتشددون الى قطع رأس صديقه الوحيد وليد، بسبب إمتهانه بيع السراويل الداخلية واتهموه (بالمشي فساداً في الأرض). فيتحول وليد المصاب بشلل الاطفال منذ صغره الى شخص مكتمل تلازم روحه جابراً وتسدي له النصح في شؤونه الحياتية.

 ويمد نوزت خطوة خيال واسعة أخرى عندما يجعل مع نقل الدماء الى جابر انتقال شيء من روح المتبرع اليه، فيتمكن وخلال ثلاثة الى أربعة أسابيع وهو عمر الدم المنقول من الحصول على ذكرياته ومشاعره وخبراته الحياتية، ويكون ذلك متعته الوحيدة في عالم عزلة شكله مرضه وتشدد عائلته الديني الذي منع التلفزيون وكثير من مباهج الحياة الأخرى.

 "تأخر موتي كثيراً، تجاوز أسقف توقعات الأطباء ومديات الدعية الموجهة الى الله لبقائي حياً "، يتغير السرد هنا، ففي وقت تواصل فيه زاهدة والراوي العليم سرداً متوازيا نحو النهاية، يعود جابر ليسرد من النهاية في تشابك معقد للأزمنة يدوزنها الكاتب بهدوء راسما لوحته السردية بامتياز.

"حصيلة نحو ثلاث وعشرين سنة من العيش على دماء الآخرين، تُظهر رجالاً ونساءً، ملحدين ومتدينين، مسلمين ومسيحيين، الكثير من الفقراء وقليل من الأغنياء. مرَ بشراييني متزوجون وعزاب وأرامل، سعداء وتعساء، متعلمون واميون وموظفون وعاطلون وفنانون وفلاحون ورياضيون وجنود وطلاب جامعات .....".

جسد تحول الى محطة دخلها الكثيرون خلال مسيرة حياتية حافلة بالألم قبل ان تظهر(ليان). وهي بائعة زهور، تنذر دمها وتتزود به لمصرف الدم من أجل عودة حبيب تركها لظروف عائلية، فيقطر دمها فرحاً وأملاً في جسد جابر، الذي يعرف تفصيل حياتها كلها من خلال دمائها (قطرة فقطرة) ليتمسك بالحياة ويعد ذلك عدالة من الله الذي محى بحبه ليان كل سنوات المرض الموجعة.

يبدأ بسماع الموسيقى التي تحبها ليان، ويهتم بالفن التشكيلي، ويحاول تغيير هياته التي خربها المرض. ويذهب لزيارتها في محلها التي تبيع فيه الزهور ويشتري منها العشرات من انواع الزهور ويظهر لها اهتماماته التي انتشلها في الحقيقة من ذكرياتها في داخله ليكسب إعجابها.

يسانده وليد في خطوته القلبية تلك ويذكره باستمرار أن الدماء سينتهي عمرها قريباً والدماء الجديدة التي سيأخذها سيحل صحبها محل ليان فيفقدها الى الابد إن لم يتمكن من الحصول على اعجابها بلقاءات مباشرة. وفي المرة التي أوشك فيها على البوح بحبه، يظهر حبيب ليان ليستعيدها تحت أنظار جابر الذي يعود أدراجه كسير القلب. تماماً مثلما عاد من اسرته قبل سنوات من جزيرة سردينيا بعد تأكيد عدم تمكن اجراء العملية له بسبب خطأ في فحص التطابق النسيجي.

قراءة واحدة لا تكفي لهذه الرواية المؤلفة من (٢٥٦) صفحة والتي تعد الأولى من نوعها في العالم التي تتحدث عن مرض الثلاسيميا. سرد جميل يأخذ المرء مع الجملة الأولى ولا يتركه إلا عند الجملة الاخيرة عندما يلجأ جابر الى عالمه السري الذي بناه لنفسه هربا من آلام زرقة بالإبر وإشفاق الناس من حوله. ليحتج على مرضه ويبكي هناك كما يشاء بينما جسده بين أيدي الاطباء متيبس مثل جذع شجرة لا تشعر بشيء حتى وإن دقت بألف مسمار.

 

محمد سيف المفتي- النرويج

 

عون جابرالعنوان يفي بغرض التعريف بمحتوى نصّ "عابر يورايه الضباب" الذي يقع في 31 صفحة، ونشرته مجلّة الطريق الثقافيّة الفصليّة على 11 صفحة كاملة من صفحاتها الغنيّة بالمواضيع الفكريّة والأدبيّة، فالعابر كائن غير مُحدّد، لا تُعرف وجهته ومن أين أتى وإلى أين يذهب؟، وما يزيد الأمر مواربةً كونه يُوارى بالضباب، ولطالما حاولت البشرية، بإنتاجها النثري، الحضاري، إماطة اللثام كليّاً عن بدء المجاز ثم الخرافة والأسطورة والعلم والفنّ والأدب والدين والفلسفة، أو بدءاً بالقول والمثل،  ويعزّز ما سبق إستشهاد الشاعر شوقي مسلماني بمقولة الصادق النهيوم: "العقل الغائب \ لا يرى الفكرة الحاضرة".

وينقسم هذا النصّ المتخصّص بالحكمة وما هو "ملحمي" إلى ستة أقسام مرقّمة. "الكلّ إتّصال - إنفصال"، وعليك كقارئ أن "تتحرّى نتاج عقله".  تتفاوت أحجام الأقسام بين 8 صفحات إلى صفحة واحدة للقسم الأخير. إنّ إخضاع التجربة الشعرية وتسليم قيادها للعقل أمر صعب، لكن الشاعر هنا برع في تخطّي هذه المقولة بإستعماله أساليب متنوّعة، جاعلاً الشعر طافياً، وكاشفاً عن مكنونات وعصارة تجربة إنسانيّة وثقافيّة وفكريّة دون أي مسّ بشعريّة النص.

من القسم الأوّل نجد الحكمة في أشكال، ويستدرج القارئ مترصّعاً بمقولات مقتضبة أو مكتنزة،  أليس "الإمتلاك مقبض"؟. ثم يرسم مشاهد تدلّ أنّ "الحقيقة ما أسهل / أن نراها في الشارع"، وهي أفكار متوفّرة بذاكرة القارئ، بدءاً من غرق باخرة "تايتانيك" إلى الفلسطينية العجوز وهي تحتضن جذع زيتون، "وإمتلأت عيناها / بالدموع الصامتة"،  ويذكّرنا الشاعر أن الحقائق مطروحة في الطريق، ومقالة  الجاحظ حول المعاني المطروحة في الطرقات لها قصّة متداولة. ينتقل الشاعر من الرسم إلى التعبير بأصوات. ويبدأ في القسم الأوّل كآهات، أو سجيراً،  ويبدأ بصوت جورج بوش الإبن وتيمورلنك إيّاه، لتحمل هذه الأصوات جميعاً مدلولات تاريخيّة تسقط على الواقع الحالي كأنّها من نسيجه. الشاعر إستطاع أن يوظّف غنى التراث والواقع الراهن ويستثمر بحرفيّة.

أمّا القسم الثاني، وهو من 3 صفحات، فالشاعر ينحو فيه إلى العقلنة أكثر وأكثر "عقول النخبة / أفق الجماعة / من هذه النخبة باطن / يختلف عن الظاهر/ خذ حذرك"، وتتردّد كلمة "عقل" 4 مرات في مقطع واحد مقابل مشاهد تستدعينا أن نستذكر "داعش"، و"تحاصره عيون ماكرة" و"عائم في بحر دمه".

القسم الثالث من 5 صفحات، ومزيد من التكثيف "المسألة ماكرة / والعقل لا يطمئن"، "لمّا لا يشاء أن يمشي / يمشي بمشيآت هي فيه" بإستنتاجات تقول أنّ "المثقف منارة / أو هذا ما يأمله / الراسخون بالطيبة".

القسم الرابع من 7 صفحات بهيئة قصصيّة لها المدى الإنساني حتى "إتّسع القلب - إتّسع العقل / إتّسع جذب محور الإنسانية العظيم".  ويستحضر تيمورلنك شارحاً الفكر في سيرورته التاريخيّة، و"ما من شكّ / أنّ الرأس معزول / في عمق مغارة / يتقلّب فيها / مع العقارب"، وأكثر "إسحبهم / من دماغك / لا تربطنّك صلة بهم"، "ليس لدى الفيزياء بعد وقت / لكي تهدره على الميتافيزيق".

القسم الخامس من 8 صفحات، فيه طويّة الشاعر الراسخة مفتتحاً بالنّحت "لصّ / يحلق ذقنه / ويركّب لحية صنم"، والإيجاز هيكل "لا تطلب / من مستباح / أن يلقي السلاح"، "عاجزون / عن إثبات ما يقولون / لذلك يتكدّسون بسحر البيان"، "يرسب / في إمتحان الرجولة / من يرسب في إمتحان الأنوثة"، "لا إنسان / من دون الكلّ"، و"الإدراك المتأخّر / أكثر في الهاوية"، ويقول بكلّ إدراك أن "النّاس / لايكرهون بعضهم / الناس يحتاجون بعضهم".

وفي القسم السادس الأخير يقول "ومِنَ الحكمةِ \ ومِنَ السهوِ \ ومِنْ سطوحِ الحَمَامِ \ ومِنْ كلِّ جهةٍ \ في كلِّ جهة  \ ومِنْ هديرِ البحرِ  \ ومِنْ سكوتٍ \ أطناناً \ لا تُحصى  \ ومِنْ سياجات".

"عابر يواريه الضباب" يستحقّ أن يُقرأ.

 

عون جابر

 

احمد الشيخاويكتابة وامضة، ترعى معاني الأمومة على نحو مفاهيمي أشمل، تنطلق منها الذات الساردة، مفجّرة زخم الأسئلة الوجودية، في انتساب مكشوف إلى مفردات الحياة الثرية بألوانها ن بعيدا عن المنغّصات سواء المفتعلة أو الطبيعية، كون الإبداع الحقيقي لا يتم إلاّ عبر تجميل المعاناة،مهما غلت في تجلياتها،وانثالت بخيوط سمّها الكائن،ضمن حدود ثالوث العقل والروح والجسد.

هي جملة من دوال الخطاب السردي المغلّف بشعرية،تلوذ بلغة تصوّف، ‘ذا شئنا حضور "المائيات"، تلك التي يطالعنا بها، الدكتور قطب الريسوني، من خلال مجموعته القصصية "سلاما أيها الغيم" الصادرة حديثا، عن جامعة المبدعين المغاربة، طبعة أولى2019، الدار البيضاء، والباصمة لحيّز يناهز السبعين صفحة من القطع المتوسط، بواقع إحدى وأربعين شذرة قصصية، راوحت بين العاطفي والاجتماعي وانشغالات الاحتفاء بالعنصر الطبيعي إلخ...

إنها تعبيرية ترشق بتفاصيل المقامرة، أو السياحة الباطنية، الممسوسة بإيقاعات الصياغات الخاطفة، بانتقاء قوالب يغلب عليها طابع القصر أو ضيق الحيّز، وهو اختيار ينشد تكثيفات المعنى والإشباع الدلالي، على حساب الشكل، كما هو جلي،عبر خارطة هذا المنجز المباهي بشعرية السرد العابر،في خفّة ظل، مع ترك وترسيخ، الأثر الفردوسي،وكيف أنه يمارس بلسميته، على روح المتلقي، فينعشها بسلال المعاني القادرة على مسح وإطفاء الكآبة الوجودية، وإن مؤقتا وبشكل نسبي.

نطالع للقاص المقطع التالي :

 [ " لكِ يا سيدتي حطبَ القلب، تضرمينه قصيدةً، أو جذوة أشواق..

لكِ شهقة وريدي،وتباريح القلم..

لكِ زهرة فصولي،وأفراح الغيم..

لكِ السلسل، والسلسبيل، وشلال الفتون ..

هذه آخر مكاتيبي إليك، فاعذريني إن تعثرت ريشتي، وتأخرت عن موعدك المفعم بطيوب الشوق، والتوق، والدّنف".

وضع الشاعر "عبد الفتاح" نقطة الختام لرسالته إلى القصيدة، وحزم حقيبته استعدادا للرحيل عن دنيا الخليل التي أحبّها وأحبته،وأكبرها فأكبرته،ومهرها قلائد حرف، فمهرته شميم ريحان.

قلاه النقاد، واضطهدته المنابر، وانهالت عليه الضربات من كل حدب وصوب :](1).

هنا ترخي بكامل ثقلها، ظاهرة هجرة الشعر إلى الرواية، بتعدد أسئلتها الحارقة، كي يسيل حبر المعالجة، أو بالأحرى محاولة ذلك، بطريقة دمثة، لا يشعر معها المتلقي أنه يغادر أثناء العملية التواصلية،رحاب الوظيفة الشعرية للسرد، تمنحه انطباعات ذلك،حرفية القاص ومهارته في إبداع أو إنتاج ما هو هامس وملامس للصميم، بتقشف في رصد الأحداث كما التخفف، جدّا كبيرا،من إصدار الأحكام، الشيء الذي يجعل من شخوص البطولة في قصص المبدع الدكتور قطب الريسوني، مجرد ظلال هاربة، مخملية الاستدعاء،هشة الحضور، غزيرة المعاني والدوال.

وكما في قصة " غيمة الرشيد " التي تسافر بنا إلى ذاكرة الأمجاد، وتاريخ السمر الإبداعي المعرفي، لتخفف عنا صدمات ما نلقاه،من آنية جائرة على سدنة الحبر والفكرة،حدودا غير مقبولة.

مفارقة تلبس فضاء الحكاية بالكامل، تقارن بين عالمين، أو زمنين: عصر هارون الرشيد المستأنس بمجالس الأدباء والشعراء والفلاسفة والمفكرين والعلماء وغيرهم، وراهن تغييب نظرائهم وازدراء رسائلهم، على نحو معطّل لدور اللغة ومجهض لخطاب العقل.

انتقال سلبي من ثقافة البناء في كل شيء، إلى أخرى للهدم في جل المجالات.

يقول أيضا:

[ الليل الوادع الندي أول الضيوف .. وتبدأ الحفلة الصاخبة على شرف النوارس العائدة من رحلتها المائية..

كانت النجوم تعزف ألحانها الفضية، والنسيم يراقص البحر في ضمّة ولهى،والموجة توشوش لصاحبتها :أعشق كثيرا هذا الصدف.'

انفضّ الحفل،ولم يبق في الشاطئ إلا عاشق واحد يغني لعشيقته :

" حبة رمل من الحب أكبر من شاطئ هذا البحر"](2).

في كلّ مرة يثرثر القاص، بقلب عاشق، ينثر درر كتابة ملؤها المحبة والتسامح وفتح أبواب الأمل، إزاء سرب المكلومين والكادحين والحيارى والحالمين على نحو تهيمن عليه الحالة المرضية، أو الإكلينيكية التي لا شفاء منها بسوى معجم المفردات الطيّعة في لغة القلب،بشتى ممالكه المزهوة بألوان الحياة كما يشتهيها الكائن، عندما يؤوب إلى رشده، مجربا مرارة الفقد،ومطلاّ بهوية من هشاشة ونضارة وجمال، ومنظومة قيم يغذّيها ترجيح البعد النوراني بين جوانح،ما تنفكّ تكتسح المسافة بينها، عتمة تأليه إيديولوجيات الخراب واغتيال معطيات الروح.

ويقول:

[ "سنبلة تزهو بضفائرها الشقراء .. وتصلي للغيمة التي أطعمتها..

والمدينة قاب قوسين أو أدنى من موسم يُغاث فيه الناس،وتحبل الخوابي.."

رؤيا تداعب منامه كل ليلة، ومازال يبحث عن معبّر لها،يزرع في نفسه أملا أخضر ](3).

لعمري، هذا هو المطلوب، كتابة تبشيرية، تزرع الرؤى الخضراء في برزخية الكائن المثقل بخطايا وأخطاء عصره، ليصحو أول ما يصحو بعدئذ،على أمل أينع وأكثر اخضرارا، يجعله أكثر إقبالا على الحياة بسائر ألوانها ومعانيها.

فلا هو سرد تيئيس،ولا تضليل وتهويمات منوّمة، كذلك.

يدمغ بمثل هذا المعنى، قول القاص، أيضا :

[ مذكّرته الصغيرة مكتظة بالمواعيد :

موعد مع صباح الفرحة،

موعد مع حورية الحب،

موعد مع نوارس الأحلام القزحية..

كان الوقت خريفا .. فتساقطت كل المواعيد](4).

هنا نلفي طبيعة الزمن لا تقصي روح السرد في تشبّعها بالأمل ورزمة ألوان الحياة. دائما هناك احتفاء بمعاني الأمومة والحب،باعتماد خطاب شعري مغر، موغل في مفهوم المائيات بأبعادها الماورائية،وزاخر بإيجابية تصريف رمادية العالم،في علاقة الإنسان المعاصر بما تفرزه من أشباح مجففة لينابيع دوال الولادات الوجودية البديلة،ومعاني الأمومة والحياة الموازية المشتهاة.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

........................

هامش:

* سلاما أيها الغيم (شذرات قصصية) طبعة أولى2019، منشورات جامعة المبدعين المغاربة، الدار البيضاء.

(1) من نص " رحيل" صفحة 8.

(2) من نص " أغنية " صفحة29.

(3) نص " رؤيا" صفحة 34.

(4) نص "مواعيد " صفحة59.

 

جمعة عبد اللهشاعرة امتلكت حضور شعري متميز. في الساحة الثقافية والشعرية، وشاركت في المهرجانات الشعرية بصورة مكثفة، ولاقت الاستحسان، في صوتها الشعري الواعد بالعطاء والتألق. بصوت شعري يحاول ان يثبت اركانه بكل اقتدار ابداعي، وان يتوجه الى الحداثة الشعرية، من خلال تجربتها، كما تجلت مظاهره في العديد من المجموعات الشعرية التي اصدرتها. شاعرة من جيل التسعينيات، رسمت لوحتها الشعرية، بصياغة تثير الكثير من التساؤلات الجدية، في معاني الايحاء والرمز الدال، المرتبط بالصميم بالواقع بالارض بالاهل، بالحنين الى البلد البعيد، المرتبط بلواعج الغربة والاغتراب ومعاناتها، بالوجع والانين الذي ينهش الوجدان بطيف الذكريات الاليمة والموجعة التي تعبث بالطين، وتضعها ساخنة في نار الحنين والشوق. شاعرة تمتلك الاداء المقتدر بالصياغة الفنية والتعبيرية، وقدرتها في صوغ تداعيات فعل الصدمة، وفعل الالم الموجع، الذي يحمل اوجاع الوطن، بالاحساس الوجداني المتربط بجوانحه الهائجة للبعيد، الذي يعاني القهر والمعاناة والتفتت . هذا الحزن العميق الذي اختمر من تجربة وجع الغربة . والذكريات الاليمة التي تركت ندوب جريحة لاتشفى، في الوطن الذبيح . لذلك احتلت قصائد هذه المجموعة (حين عبث الطيف بالطين) هذا الوجع الانساني، في دلالاته الايحائية والرمزية البليغة. التي تهز القارئ بالشجن والشجون، بصرخات مكتومة تفيض بوجع الروح الى حد الصوفية، في الحنين والشوق. بهذا الطوفان الذي يعبث بالطين، على الايقاعات صارخة بالحزن العميق، وتفتح وجع الروح في عوالمها الداخلية والذاتية، والتي خرجت بهذا الطوفان من القهر والمعاناة، في زمن الهشاشة الذي تعبث به الرياح والعواصف وتقلبه على كل اتجاهات الانين . في الشوق الملتهب الى البعيد . هذه الصياغة الشعرية في هذه المجموعة، في توظيف مقتدر بين المعنى والمعنى المضاد، في جدران العتمة والليل الطويل، في رحلة العذاب في تجربة الغربة . المرتبطة بحبلها السري للبلد البعيد، في طيف ذكرياتها التي تعبث في خلجات الوجدان الى (العراق الذي يبكيني . ويرسم وجهي بتضاريس غيابه) في حرقة السؤال والتساؤل، التي تقرع بأجراسها .

ضوء خافت

يتلألأ خلف سؤالك

من أنت !!

تعقد كفيك

وتنصت لأنين النار

**

شمعة ...

يحترق صمتك،

مطرٌ

هذا الكلام

المحتشد في فمك الميت،

علكَ تراني تفاحة تصهل خلفي

**

يهبط الغيم حزينا لسؤالكَ

منطويا على دمعته

أهذا العمر لكِ أيتها الأخطاء، / من قصيدة ( خطيئة آدم )

وجاءت عصافير المعنى، مليئة بالايحاء والرمزية الدالة في العمق، لتعابيرها لترسم لوحة الحزن العميق، كأن الخريف يهجم على بلد الامهات في وجع الانين، والعصافير تهرب وراء السراب، وتسقط دمعة سوداء من العاشق والعاشقة .

الخريف

بلد الامهات

جاء وحيدا

يُقبَل الابواب .

**

قلبي بريء منكَ

أيها الألم .... البياض،

قرية سوداء

تُزين ذاكرتي بالعصافير،

أقدام غرَة

تركض خلف السراب

**

على الدمعة السوداء

ظلَّ العاشقة

التي

حلقت على كتفيها

النوارس

وبكت على جانبيها

الفراشات . من قصيدة (برج الحوت)

هذا الوجع يجعل الحذر يمشي في عروق القلق، في كل خطوة يخطوها . الحذر من بارود الصدفة . الحذر من الدبابيس قد تجرح عمرك . الحذر من الايام، قد تنسيك لعبة الفراق . الحذر من فمك قد يصرخ مرتجفاً في البراري .

إحذرْ

بارود الصدفة

قد يأخذك شيهدا

في دمية خاسرة

**

إحذر الدبابيس

قد تجرح عمرك

وترديكَ حيا .

**

إحذر الايام

قد تنسيكَ

لعبة الفراق .

**

إحذر فمكَ

قد يصرخ مرتجفا

في البراري .  / من قصيدة ( محاذير )

هذا الوطن البهي الزاهي في معاناة الالم،، والعامر في وجع الانين الذي يقطع نياط القلب . لكن تظل الاشواق اسيرة ذكريات الحنين الى مراتع الطفولة الفقيرة . التي توخز الذاكرة، وليس غريباً ان تتنزه في وطن الوجع وتداعبه .

آه

أيها الوطن البهي

يا مِسَك نهر هائج

توجه إليَّ ألآن

في هذه الليلة

غير الموثوق بظلمتها

ضع قرب رأسي

زهرة الفجيعة

دون أن توخزني

بحرارة ذكراك .  / من قصيدة (الوطن البهي)

حين عبث الطيف بالطين، وفزز الجراح الدامية، واستيقظ الحزن العميق، لتأخذه رياح الشجن المؤلمة بالوجع لكي تلعب به، حين خرج السلام، من جثة الحرب، هذه الاوجاع المؤلمة في لعنة الحرب التي تأخذ الاحبة والاخوة، جوراً وظلماً، وتترك روح الاهل والاحبة، دامية على قارعة الفراق، هكذا يتجول الموت بحرية في الحرب، ليخطف الفسائل الخضراء اليانعة، ويحرقها في العبث الحياتي نحو الموت، لتجعل غصة الوجع لا تفارق مضاجع الذاكرة، بل تصرعها بالانين .

ودمك الفائرْ

كنتَ تسدد الرمية

بدمعة كسولة

كنتُ حائرة كالدمية البريئة

حين عبث الطيف بالطين،

كنت رصاصة تهربُ منك

وكنتُ سمراء

حين هرب الاحياءُ من الجرة

كنت نحيفا

حين سار الليلُ الى الليلِ .

والنهار الى جثة الحربِ

وكنتُ حربا

حين صافحتُ وجهك الغضٍ

وكنتَ غصا

حين خرج السلام

من جثة الحربِ . / من قصيدة (حين عبث الطيف بالطين)

لا تقتل الفرح . في دمعة كهل حزين، لاتمرغ القلب برمال الحزن، بل اعطني قرنفلة افرح بها، اعطني معطف أمي اتدفئ به، لا تعوي بالريح في البلاد البعيدة المغلفة بالقهر والوجع الحزين. هكذا

كان الرحيل الصامت بأوجاع مرتجفة .

رحلنا

صامتين

ترتجف أوصلنا

متى قلنا

ها إننا يفتتنا النداء،

نقتسم براءة الطين

**

ريحٌ

تعوي في بلاد بعيدة

تقطف أزهارا قبل أوانها

تغلق شبابيك

**

في كل قلبٍ

فاكهة للشتاء

وصحراء نمضي بها

علَنا

نمسك غزالة

نعبر فيها

ما تبقى من العمر . / من قصيدة (في البلاد البعيدة)

 

- المجموعة الشعرية: حين عبث الطيف بالطين

- الشاعرة: نجاة عبدالله

- اصدار: سلسلة آفاق عربية / تصدر من الهيئة العامة لقصور الثقافة / القاهرة

- عدد الصفحات : 176 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

1043 نرجستعد رواية "أوتار القلب" للروائية المغربية نرجس العطار، الصادرة عن منشورات التوحيدي سنة 2018 من الأعمال الأدبية المميزة. تدور الرواية حول مجموعة من الشخصيات تربطها علاقة الحب والموسيقى والفن والفلسفة والانتظار. يمكن تأويلها من منظورين مختلفين : منظور أدبي سردي يتعلق بالشخصيات، الزمان والمكان، الأحداث والرسائل التي تحاول الكاتبة ايصالها ما بين الأسطر وعبر الخطاب السردي، ومنظور فلسفي حيث التأمل والتساؤل والشك في تداخل مستمر. ولعل هذه الخصائص أحد أبرز سيمات هذه الرواية التي تمكنها من الانفراد بطابعها، ويصعب على المتلقي تصنيفها في مجال معين. ما يهمنا كقراء بالدرجة الأولى، هو الأسلوب الحديث المعتمد في الكتابة. فالرواية عبارة عن نص على شكل شذارت وفصول تتخللها نوتات موسيقية. سيلاحظ القارئ حضور الموسيقى بشكل ملفت للنظر ويدعو للتساؤل عن سبب ادراجها كعنصر مهم في تشكيل نسق الرواية. من الناحية الشكلية، تتميز الرواية بطابعها الحديث، المتمثل أساسا في اللغة الشعرية وتداخل الأجناس والتداخل النصي. ليس غريبا وجود هذا البعد الفلسفي، نظرا لأن الكاتبة هي في الأصل أستاذة لمادة الفلسفة وتلقت تكوينا فلسفيا وموسيقيا محضا.      

من اللحظة الأولى التي سيقرأ فيها القارئ عنوان هذه الرواية، سيتبادر الى ذهنه فكرة وجود عالمين مختلفين، لكن يتقاطعان بشكل مستمر ويتكاملان في بعض الأحيان. ’’أوتار القلب’’ عنوان شهي جدا، فهو يحمل في طياته عالم الموسيقى والأدب بطريقة ذكية، والتي لا نظنها محض مصادفة. فالموسيقى حاضرة في العنوان من خلال كلمة ’’ أوتار’’ التي ترمز لمجموعة من الآلات الموسيقية من قبيل الكمان، الغيتارة، العود، القانون وغيرها. أما الأدب فقد تمت الاشارة اليه من خلال كلمة ’’ القلب’’. هذه الكلمة قد تبدو بسيطة وعادية، ولكنها في الحقيقة ذات ايحاءات متعددة ومعاني عديدة. فالأدب قبل أن يكون نتاجا لمخيلة خصبة وتجارب معاشة، هو في الحقيقة نتاج للعاطفة المدمرة والحس القوي الذي يتمتع به الكتاب والشعراء. بطريقة أخرى، القلب أساس أي ابداع فني كيفما كان نوعه أو شكله. لذا، فالكلمتان تعكسان تزاوج وارتباط الموسيقى بالأدب في النص، قبل البدء في قراءته. تجدر الاشارة هنا، الى أن الموسيقى من المواضيع النادرة التي يتناولها الأدباء المغاربة، فقط القلة القليلة  من يستحضرونها في أعمالهم، نظرا لتعلقهم الشخصي بها، أو لأنهم يمارسونها، وبالتالي يصعب عليهم الكاتبة خارجها. نرجس العطار، ربما الوحيدة من الكتاب المغاربة الذين مزجوا بين الموسيقى والأدب في نسق أدبي واحد. فقراءة رواية ’’ أوتار القلب’’، ذكرتنا برواية ’’ الرباعية’’  للكاتب الهندي الشهير فيكرام سيث، الذي دمج فيها بين الموسيقى والأدب. بهذه الطريقة، تتجاوز الكاتبة الأدب التقليدي نحو أدبي فني بامتياز، أو ما أسماء تيوفيل غوتيي بالفن من أجل الفن. فالرواية تعطي للقارئ انطباعا على أنه امام نص تتداخل فيه الأجناس والفنون باستمرار. يتولد لديه شعور بأنه يعرف الشخصيات حق المعرفة، أو يشاطرها بعضا مما تشعر به.

فقد اعتاد القارئ وجود شخصيات محددة ومؤلوفة الملامح والصفات. تتصرف كل منها بشكل عقلاني او متناسق مع خلفياتها النفسية والاجتماعية والفكرية والسياسية. شخصيات تتفاعل مع محيطها وتعكس صورة من صوره الباهتة. نجد في رواية نرجس العطار، شخصيات من ورق كما تصرح بذلك الكاتبة في مدخل الرواية : ’’ يوما ما سيقرأ شهاب قصة نيزك، وسيعلم في الأخير أنه كان بطلا على ورق’’. من خلال هذه الجملة نتعرف على الشخصيات البطلة لرواية ’’ أوتار القلب’’. شخصيات لها أسماء كواكب ونجوم، غير واضحة ومتحركة في فضاء يتداخل فيه الشعر والنثر. لا تترك الروائية فرصة للقارئ لمعرفة اذا ما كانت هذه الشخصيات مستمدة من الواقع. فهي مجرد أبطال على ورق، أي انها شخصيات من محض الخيال ولا تربطها أية علاقة بالكاتبة. تجمع بين شهاب ونيزك علاقات عاطفية، موسيقية وشعرية. بالرغم من انها شخصيات ورقية، إلا أن الكاتبة نفخت فيها روحا، حتى أصبحت ملامحها وعواطفها ظاهرة للقارئ. تتميز هذه الشخصيات بنوع من الغموض، تظهر في الواقع بطابعها الواقعي من خلال استحضار الذكريات وبعض الأحداث المتعلقة بالعائلة والدراسة والسفر، لكن سرعان ما تدخلنا في دوامة من الغموض، خاصة عندما يتعلق الأمر بالرؤى والأحلام والأوهام. قول أنها شخصيات من روق، هي في الحقيقة مراوغة ذكية من كاتبة ذكية، لتفادي النبش في سيراتها الذاتية ومقارنتها بمصير وأسرار شخصياتها. بهذه الطريقة تتبرأ نرجس العطار من أي تأويل قد يجمع بين الواقعي (حياتها) والمتخيل (قصة شخصياتها).     

اذا كانت شخصيات نرجس العطار من الورق وتتميز بصفات كونية، فالمواضيع التي تتناولها الرواية مختلفة ومتعددة. تحاول الكاتبة تشكيل أفكارها والمواضيع التي كانت ترهق تفكيرها بطريقة فريدة. يجد القارئ نفسه أمام سيل جارف من التساؤلات، فالشخصيات البطلة لا تتوقف عن طرح الأسئلة ومحاولة تعريف كل ما يحيط بها. لا تقدم رواية نرجس العطار معان جاهزة يمكن للقارئ أن يتناولها بيسر وطمأنينة، بل تضعه في نوع من المتاهة التي يتطلب اجتيازها الكثير من الدقة والوعي والتركيز في القراءة. فالرواية وإن كانت تعالج بعض المواضيع من قبيل: الحب، الموسيقى، الحنين، الألم والمعاناة، التفكير الدائم في العالم والأشياء، الوهم، الدراسة، الأدب، النسيان....فهي غير مبنية على أفكار محددة أو طرح معين، فالكاتبة تترك للقارئ فرصة الاجابة عن أسئلة شخصياتها. أي انها تشرك القارئ بطريقة تفاعلية في البحث عن إجابة للأسئلة المطروحة. 

تظهر الرواية كنوع من الألعاب التركيبية التي يتطلب من القارئ جمع أجزاءها المبعثرة ليعطيها الشكل المناسب. فالذكريات التي ترويها الكاتبة على لسان شخصياتها مبعثرة ولم يتم سردها بطريقة متسلسلة، وبالتالي يجب على القارئ إعادة دمجها كي يكتمل المعنى وتتضح الرؤية. فأوتار القلب، نص بخيوط متعددة، تلتقي كلها في الماضي عن طريق الذكريات. قد تبدو قصة الحب التي ترويها الكاتبة وما نتج عنها من معاناة وألم موضوعا مستهلكا في الأدب، لكن الطريقة التي تم بها سرد هذه القصة تجعلها فريدة من نوعها، وتدخل ضمن الأدب الحديث، الذي يجعل من القارئ عنصرا مهما في بناء الأحداث مع الشخصيات وملء الفراغات المتروكة بين وخلف الكلمات.

فإذا كانت هناك تقطعات وغياب للسرد المتسلسل في الرواية، يمكن أن نقول أنه قد أثر أيضا على اختيار الزمان والمكان. فالرواية تعود بنا الى الماضي. فقد ركزت الكاتبة بشكل كبير على الماضي، ويتجلى ذلك من خلال الجزء الكبير الذي سخرته لسرد القصة، خاصة الفترة المتعلقة بالدراسة. لذلك، فالرواية هي إعادة تشكيل للحظات الفارقة في حياة الشخصيات البطلة : ذكريات الطفولة، فترة الدراسة، فترة السفر و لحظات شرب القهوة...تعتمد نرجس العطار تقنية تقريب ومجاورة الأزمنة والأماكن، وذلك ما يضع القارئ في جو متواقت ومتعدد الأماكن من قبيل : المدرسة، المعهد الموسيقي، اسبانيا، محطة التاكسي، السوربون، تطوان...فتعدد الازمنة (الطبيعية، الثقافية) والأماكن (الواقعية، الخيالية) يجعل عملية الانتقال الفوري من منطقة أو لحظة لأخرى، من الواقع الى الخيال، أو من موضوع لآخر تتم غالبا دون مقدمات ودون استعمال أي من التعابير الظرفية الممهدة لذلك.

تدرك نرجس العطار عمق الروابط بين الكتابة والموسيقى، أو بالأحرى بين أن تكون كاتبا وعازفا في آنٍ واحد. اذا كان كل عمل روائي، أو شعري، أو مسرحي، يحرص منذ القدم على الاشتغال على الموسيقى كجزء مهم للتركيبة الداخلية والخارجية للنص، فالكاتبة جعلت من روايتها نقطة حوار بين الأدب والموسيقى. وأول ما يلفت النظر بهذا الخصوص، هو كون عناوين الفصول عبارة عن نوتات موسيقية، بحيث أن الروائية جعلت من الحقل الدلالي الخاص بالموسيقى مرجعها الرئيسي في كتابة هذه الرواية. كما أن التعابير التي استعملت في السرد تنتمي في غالبيتها الى مفردات الموسيقى. وهذه العبارات لم ترد بالمصادفة، وإنما بالتقاء الفنين. بل أكثر من ذلك، تستحضر الكاتبة أسماءا لامعة في عالم الغناء والموسيقى مثل : أم كلثوم، جاو دسان وآخرون. وجود الموسيقى كتيمة وكعنصر أساسي في متن الرواية، يجعل منها نصا شعريا غنائيا حيث المساحة الأكبر للعواطف والأحاسيس الجياشة.  فالكتابة بحس فني موسيقي يجعل من الأحاسيس تتحرك وكأن الكلمات عبارة عن أوتار كلما لمستها الكاتبة الا وخلقت حركية إيجابية تختلط في كثير من الأحيان بذكريات قاسية كالفراق والحرمان والحنين والشعور بالتمزق والوحدة. تضع هذه الرواية المتلقي أمام عالم متحرك، تجعله يعيش لحظة بلحظة ألم العشق القاسي، من خلال تسارع المشاهد والأحداث التي قد تأثر فيه بشكل مباشر. تحاول الروائية جعل آذاننا وأحاسيسنا واعيننا تَأْلَفُ اشتراك عناصر قد تبدو متباعدة، بل متنافرة، للوهلة الأولى، في اداء عمل روائي واحد. وكما قال آلبيريس في كتابه ’’ تحولات الرواية’’ : ’’ الموسيقى تحفز مجرى النص، وتهيء وتشكل ذلك المدى الذي يحدث فيه ويتحدد من خلاله شيئا فشيئا.’’ لذلك، رواية نرجس العطار، تستمد قوتها وأصالتها من الموسيقى.

يمكن القول أيضا، أن رواية ’’ أوتار القلب’’، هي في الأساس رواية شعرية. تعرض لنا لحظات من العشق والحنين بين الروائية الشاعرة والكلمات، وحالة الوجد التي تعيشها وهي تتوغل في أعماق اللغة، تم النشوة أو اللذة التي تمنحها للقارئ من خلال اختيارها للكلمات بعناية فائقة. لا نعتقد أن الهدف من الكتابة هو سرد للأحداث، بل تعبير عن الحاجة الى الإفصاء عن ما هو متجدر في كيان الشاعرة، من قلق وتردد واضطراب ولذة وعطاء. هي رواية شعرية لأنها تعتمد بنى الشعر وأنغامه وروحيته، حتى ولو لم تكن تروي سوى عملية تشكل النص. فالشعر حاضر شكلا ولغة وحسا. شكلا من  خلال ادراج مجموعة من القصائد ذات الطابع الحر داخل نسق نثر شعري من الناحية اللغوية والحسية. فالكاتبة تحكي قصة نيزك وشهاب عن طريق الشعر، والرواية تتحول الى أشبه بقصيدة نثرية. هذا الشكل يذكرنا بأعمال ناتالي ساروت، ثم فيليب سولر وجان-بيار فاي، لأنه يهدف الى أبعد بكثير من نرجسية الكاتب، ليشمل نرجسية الشخصيات. بهذه الطريقة الفريدة، تتحول اللغة المستعملة في أوتار القلب إلى وسيلة للخلاص وتجسيدا للوجود.

إن قراءة هذه الرواية، هي في الحقيقة قراءة لقصيدة عشق تنبسط فيها الكلمات ويشتد الخيط الذي يخترقها الى إن تصل الى قلب القارئ وكأن ما وقع لشهاب ونيزك ملحمة أو أسطورة نقشت بعناية كبيرة. فالكلمات تولد إيقاعات موسيقية تتماشى مع العاطفة والمخيلة الخصبة للكاتبة. فقد كتبت بعبارات استخرجت من أعماق اللغة، تم هندستها وفق أنغام تتجاوب وتتكامل مع أحاسيس الشخصيات، لتؤلف لنا سمفونية الكلمة واللحن والصورة....

 

عثمان بوطسان، باحث متخصص في الأدب الأفغاني المعاصر

 

1044 سلمان كيوشما ان احط الرحال في زيارة لأقرباء أو اصدقاء حتى تجتذبني مكتبتهم بشكل مغناطيسي لأستعرض العناوين لعلي اجد ضالتي لسويعات ماقبل النوم خلال استضافتهم لي. فكان حضور حفل فرح ابنة اختي الغالية عشتار سببا في حظوة قراءة رواية د.سلمان كيوش الرائعة (عرﮔشينة السيد) لانجز قراءتها بوقت قياسي. وهكذا اخذتني عوالمها..عوالم تشبه الواقعية السحرية في الاسلوب الشاعري السلس بوصف المشاعر والاشياء والشوارع، والجسور..آه الجسور التي اعشق السير عليها والعبور الى الضفة الاخرى وتأمل روجات النهر وهي تتهادى تسابق بعضها. كنت افسر ذلك بأنها وجدت ليست لعبور الناس فقط دون الخوض في مياه النهر، وانما وجدت لحماية المياه من اقدام عابريه! أو هي ايدي حميمة توصلك الى الجانب الاخر بأمان اكثر من الزوارق والسفن..وكم تمنيت لو ان الجسور تبقى للمشاة فقط! لكنها امنية غير واقعية ولا عملية.

 الرواية منحتني رؤيا اخرى وتفسيرا شاعريا اجمل، للجسور، لذلك الحب الذي يشاركني فيه الكثير، منهم بطل الرواية السيد الناجي. "الجسور تمنح احساسا طارئا بالحرية والانعتاق والرغبة في التحليق فوق كل ماهو واطيء ومبذول.. الجسور هي الأماكن الوحيدة التي تمنحنا حرية الإختيار بين الاتجاه وعكسه، والارتقاء والهبوط وتمنحنا احساسا ربما زائفا لكنه لذيذ، انه ليست بنا حاجة لغيرها لديمومة الحياة والانتصار على نكدها.."ص71-72

رواية عرﮔشينة السيد هي سرد او بوح رومانسي شاعري افلاطوني.. جعلها الروائي على لسان البطل ليبوح بها للراوي (الروائي) الذي مر على سبب لقاءه بالسيد سريعا بسطور قليلة، صورت لنا محنة المواطن مع الدوائر الرسمية وروتينها القاتل المزمن. ليسارع للحديث عن لقاءه بذلك العاشق. ليمنحنا ذلك الاحساس بالفرح والحب والغناء الذي يجيده اهل الجنوب اهل العمارة. فهناك ابتدع السومري اول آلة موسيقية منحتها الطبيعة له وابدع هو في جعلها الة للشجن والبوح عن الفرح والحزن.

لم تتعرض مدينة عراقية للاهمال والتنكيل والتشويه كما حصل لمدينة العمارة.. بالرغم من عطاءها الوافي من شعراء وادباء ومطربين اضاءوا سماءنا، المعتمة بغيوم الحروب والحصار والارهاب والفساد بكل انواعه، باجمل الاغاني واعذب الالحان. وبالرغم من طبيعتها الزاخرة بالتنوع من انهار واهوار وغابات نخيل وبساتين. لكن اهلها خاصة من نزحوا لبغداد لم يسلموا من نزعة التعالي البغدادية خاصة ممن اصولهم ليست عراقية، تركية أو ايرانية أو سعودية!

فجاءت رواية د.سلمان كيوش لتعيد الاعتبار الى تلك المدينة العريقة المعطاء. أو ربما هو الحنين للجذور "لم تعد العمارة كما كانت مجرد مكان جنوبي.. لم تعد كذلك بعد لقاءي بالسيد هاني الناجي، فقد اعطاها نزوح اهلي دلالة واخزة ومعذبة جديدة، واضفى على حنين جيناتي الى العمارة معنى مغايرا.."ص50

"مدينة نادرة بلا فواصل أو محطات استراحة، لأنها لاتحتاج اليهما..أهي هكذا فعلا أم أنا أضفي عليها الوجه البهي الاخر المتوقع لهزيمتي في الثورة الهجينة وبغداد كلها" ص57

وضع الكاتب فلسفته في الحب والحياة في عرقجينة السيد "الحب يستر جميع المعاصي" ص81  مع ان الحب كالموت يجرب ولا يوصف" ص97 

فالسيد العاشق يحكي عن أول رسالة لحبيبته التي استعصى عليه الحديث المباشر معها "الكتابة اسمى، في الاقل لأنها تمنحك فرصة طيبة لجس نبض كلماتك وتخيل وقعها..كما تمنحك فرصة تشذيبها أو ذر روحك على حبرها قبل أن يجف" واهل العمارة يحرصون على التستر في العشق والحب..فهو ثمين لديهم ومقدس ولابد من حمايته كما يعبر عنه.

رواية سلمان كيوش حقا تستحق ان توزع على كل العرب والعراقيين لتشذب ارواحهم التي علاها غبار الحروب وزنجارها وغطاها صدأ الجهل والقسوة والحرمان. فمعظم الروايات منذ الثمانينات حتى الان بدأت بتمجيد الحرب وابطالها الشهداء.. ثم جاءت روايات مباشرة تحكي عن مأسي الحروب واسرار السجون والمعتقلات والتعذيب الذي مارسته سلطة البعث.. ثم مآسي الغربة ولوعة الفراق والحنين منذ بداية ثمانينات القرن الماضي الى اليوم، والتي اجاد بعض الروائيين بتصويرها لتكون رسالة للعالم الجاهل لما يدور في تلك البقعة المبتلاة. ولكن لابد من استراحة للمقاتل.. لابد من نسمة هواء نقي تعيد للانفاس نقاءها وحبها للحياة..لابد من عمل يشبه نسمة تزيح الغيوم المدلهمة.. كلوحات كلود مونيه بعد الحرب العالمية الاولى. التي حرص على رسم الطبيعة بالوانها الخلابة فكانت لوحاته اشبه بواحة يستريح في ظلها من قطع الصحراء برمالها وحرها.. والتي يصفها النقاد بأنها كانت بمثابة علاج نفسي لتنقية روح الفرنسيين وابعادها عن مشاهد الحرب وتبعاتها.

هكذا كانت رواية عرﮔشينة السيد، فالدكتور كيوش اعاد الاعتبار للامل والحب. فكم نحن بحاجة لمن يجعلنا نعوم فوق ماء صاف عذب يطفيء لهيب الصيف ويمنحنا الدفء بالشتاء بنفس الوقت..كم نحن بحاجة لمن يشير للسماء نتمنعن زرقتها وياخذنا الخيال بعيدا لعوالم الجمال.. كم نحن بحاجة لمن يقول اننا حتى في زمن الحرب والقسوة نعرف قيمة الحب فنغني ونكتب اشعارا تزيح الغيوم السوداء التي ظللت حياتنا لعقود..

قد يكون في قراءة اخرى دلالات ورموز فنرى الحبيبة هي العراق..هي بغداد ..هي العمارة..او أي من المدن التي نعشقها وننتمي لها مهما بعدنا وامتد زمن الفراق.. وربما يحتج الروائي كيوش كما فعل اراغون حين اعترض على تأويلات اصدقاءه والنقاد لقصائده لحبيبته إيلزا. فالحب يستحق انه يكون هو المغزى وهو القضية فمنه يمتد الحب للناس والارض والحياة.

 

ابتسام يوسف الطاهر - لندن

 

كريم مرزة الاسدياللغة: هي أهم صلات الترابط واستمرارية التواصل بين أفراد الأمة؛ ولا تعني اللغة بهذا المفهوم أنّها رباط مصلحي للتعبير عن حاجاتنا ومصالحنا فقط؛ بل هي كياننا ووجودنا.. حاضرنا العتيد وماضينا المجيد، وإن لكلّ مفردة إيحاءات تمتد إلى عصور ٍ مختلفة، وتشغل حيزاً في عقولنا تعجز عشرات الصفحات عن توضيح مدلولها وتفسير رمزها.. فكلمة (فرس) لا تعني هذا الحيوان الماثل أمام أعيننا بأذنيه وعينيه وذيله وأقدامه الأربعة ...كلّا وألف كلاّ؛ فهو يشخّص لنا عنفوان الفرسان، وسنابك الخيول، وقرقعة السلاح.. انتصارات الأمة وحروبها، فتوحاتها وانتكاساتها ..وتترآى لنا من خلاله حارات دمشق وحواريها، وأزقة بغداد وسقّائيها ..مواكب الخلفاء، وقوافل الحجيج، فروسية عنترة وإصرار طارق وفتح عمورية، والسيف أصدق أنباء ً من الكتب !!

فحبّنا للغتنا الجميلة، وعشقنا للذاذة شعرنا الرائع ليس بدافع العبث وقتل الفراغ - حالنا كما هو حال الآخرين وحبّهم للغاتهم - بل تمنحنا اللغة عمر الأمة كلّه على أمتداد التاريخ، وتاريخ الأمم بكينونة ومض عمرنا الشخصي الضئيل العابر كلمح البصر، وبعبارة أدق: إنَّ اللغة أداة تكثيف الزمان والمكان وما يضمان، فحقّ لها آن نشمخ بها.

الشعر والشاعر والحداثة:

ومن اللغة الشعر بشكله ومضمونه؛ لأنّ لا مضمون بدون تشكيل ... ولا تشكيل بدون لغة، ومن هنا يأتي التمايز بين لغة النثر ولغة الشعر، وتذهب دائرة المعارف الإنكليزية في تعريفها للشعر، بأنه الطريقة الأخرى لاستعمال اللغة.

وشرعنا بكتابة الشعر العمودي؛ لأنّه هو الأساس الذي يجب أنْ يُبنى عليه الشعر العربي؛ وإلاّ سيكون الشعرهش البناء، عديم الذوق والطعم، لا يمتّ ُبصلةٍ إلى الأصالة والنفس القومي الموروث عن تراث الأمّة ووجدانها، ويفتقد الشاعر لأهم المقومات الأساسية للموهبة الشعرية الصادقة، ويبقى نتاجه مجرد إرهاصات نثرية عقيمة لا تقوم لها قائمة، سيبتلعها الزمن مع عصرها. ولا أعني بطبيعة الحال الشعر الحر الموزون (شعر التفعيلة) الذي جُدّد على أيدي الروّاد؛ فالشعر ليس بمفرداته ومضمونه ومعناه وصوره فقط؛ بل بموسيقاه وانسيابه وأشجانه وألحانه، تقرأه بنغماته الشجيه الصادرة من أعماق قلوبٍ متأججة شاعرة لتطرب إليه، وتتغنى به، فهو ليس مجموعة لحبات ٍمن العنب متكتلة متراكمة بترتيبٍ معين، وتنظيم دقيق لتمنحك صوراً جميلة، وتشكيلاتٍ بديعة لمعان ٍعميقة على أحسن الأحوال ... وإنما هو تحول نوعي تام من حالٍ إلى حال، ليصبح في صيرورة جديدة ... كأس مُدامةٍ وكرعة راح ٍ " وإنَ في الخمر معنى ليس في العنب "

يقول أبو العباس الناشىء الأكبر عن شعره:

 

يتحيرُ الشعراءُ إنْ سمعوا بهِ ***في حُسن ِ صنعتهِ وفي تأليفــهِ

شجرٌ بدا للعين ِحُســـنُ نباتهِ ***ونأى عن الأيدي جنى مقطوفهِ

وللشعر ركنان أساسيان لابدَّ منهما في كلّ شعر، وهما النظم الجيد ونعني به الشكل والوزن أولاً (ويخضع كما هو معلوم لعلوم النحو والصرف والبلاغة والعروض)، ثم المحتوى الجميل أو المضمون الذي ينفذ إلى أعماق وجدانك، وتنتشي به نفسك دون أن تعرف سره، وتفقه كنهه، فهو الشعاع الغامض المنبعث من النفس الشاعرة.

الشاعر:

وتسأل عن الناس، فالناس أجناس، فمنهم - كما تصنف نازك الملائكة بما معناه وكما هو معروف - مَنْ يتذوق الشعر ولا يستطيع أنْ يدرك الموزون من المختل، وينطبق هذا على أكثر الناس، ومن الأقلية مَنْ تجده يستطيع أن ينظم الشعر بشكل ٍمتقن ٍ، ولكن لا تحسُّ بشعره نبض الحياة ونشوة الإبداع، وهذا هو الناظم، أمّا الشاعر فهو الذي يجيد النظم إجادة تامة، وتتأجج جذوته ليحترق، ويمنحك سرّ الإبداع، ولذاذة الشعر، تتحسّس بجماله، ولا تدرك أسراره - كما أسلفنا - والشاعر الحساس يرتكز لحظة إبداعه الإلهامية على مظاهر التأثيرات الوراثية التي تسمى بعلم النفس (الهو)، وما يختزنه في وعيه واللاوعي من معلومات وتجارب وعقد، ولك أن تقول ما في عقليه الباطن والظاهر (الأنا العليا)، ومن البديهي أن ثقافة المبدع بكل أبعادها الإيحائية واللغوية والمعرفية والسلوكية والفلسفية والتجريبية - والعلمية إلى حد ما - تؤثر على القصيدة أو النص الأدبي .

ومِنْ الشعراء المتميزين مَنْ يتمرد على التراث الشعري وهؤلاء من عباقرته الذين يمتلكون حقّ التجديد و التحديث، ومن الناس من يرفض القديم بحجة المعاصرة والتقليد، وهؤلاء يلجون عالم الشعر، وهم ليسوا بأهل ٍله، لأن ّ ما لا يكون لا يمكن أن يكون ! فالقدرة على الصياغة النغمية تكمن مع صيرورتها - وبدرجات مختلفة - الانفعال الشديد، والإحساس المرهف، والخيال الخصب، والإلهام الفطري، وهذه بذور الإبداع متكاملة مندمجة بماهية واحدة، وبدونها لا تنبت النبتة الصالحة لتعطي ثمارها و أُكلها .

فذلكة الأقوال نقول: نعم للتشكيل اللغوي المحكم، والتصوير الفني البديع، والتنظيم الواعي الدقيق دور كبير في بناء القصيدة، ولكنه دور مكمل يحتاج إلى قدرات عقلية كبيرة، وثقافة موسوعية عالية ورفيعة (على قدر أهل العزم تأتي العزائم ُ)، ولكن - مرّة أخرى - الاعتماد على العقل وحده دون الغريزة الفنية و القدرة الموروثة أصالة أو طفرة (1)، لتتفاعل هذه كلـّها حيوياً لحظة الإبداع وصناعة القصيدة، وبكلمة أدق ولادتها (وخلها حرّة تأتي بما تلدُ)، كما يقول الجواهري . لهذا يبدو لي أن (نور ثروب فراي) لا يميل إلى قول العرب قديما (جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت بالصخر)، ويذهب إلى ما ذهب إليه الجواهري، فكلّ عباقرة الشعر يغرفون من بحر وتولد القصائد عندهم ولادة، ثم يجرون بعض التعديلات اللازمة عليها، فمن المفيد أن أنقل إليك - أيّها القارىء الكريم - هذه الفقرة من كتابه (الماهية والخرافة) (2) " القصائد كالشعراء، تولد ولا تصنع، ومهمة الشاعر هي أن يجعلها تولد وهي أقرب ما يكون إلى السلامة، وإّذا كانت القصيدة حية فأنها تكون تواقة مثله إلى التخلص منه وتصرخ ملء صوتها بغية التحرر من ذكرياته الخاصة، تداعياته، رغبته في التعبير عن الذات وكلك تتخلص من حبال سرته وأنابيب التغذية المتعلقة بذاته جميعا .

يتولى الناقد العمل حيث يتوقف الشاعر، ولا يستطيع النقد العمل دون نوع من علم النقس الأدبي الذي يربط الشاعر بالقصيدة . وقد يكون جزءا من ذلك العلم دراسة نفسية الشاعر مع أن هذه الدراسة مفيدة بشكل رئيسي في تحليل الاخفاقات في تعبيره ..." وأنا مع الناقد نور ثروب في هذا التحليل .

وأشرت إلى ذلك في هذه المقالة الموجزة من قبل، فالعقل وحده دون الغريزة الفنية لا يمكن أن يوّلد شاعرا كبيراً، ولا عبقرياً عظيماً في مجال الشعر، بل والفنون، والحديث شجون، ولله في خلقه شؤون!

التمرد والتجديد قديماً:

وذكرت التمرد.. وذكرت الرفض، وأنا بطبيعة الحال مع تمرد عباقرة الشعر، لأنّ التمرد ولود وهو ثورة في عالم الشعر، ولستُ مع الرفض لأنّ الرفض عقيم عاجز لا ينفذ إلى طريق ٍ مفتوح وأول من تمرد على بحور الخليل - حسب علمي - هو أبو العتاهية، لقد سُئل " هل تعرف العروض ؟"، فأجاب: " أنا أكبر من العروض " (3)، وجاء بوزن ٍشعري لم يكن معروفاً من قبل، وذلك عندما قال يهجو أحد القضاة:

همّ ُ القاضي بيتٌ يطرب ْ ***قال القاضي لما عوتبْ

ما في الدنيا الاّمذنــــــبْ **هذا عذر القاضي وأقلبْ

وسمّي هذا الوزن من بعد (دق الناقوس) (4)، و الحقيقة أن الفراهيدي نفسه فاته هذا البحر، واستدركه من بعده تلميذه الأخفش، وسمّاه (المتدارك) (فعلن فعلن فعلن فعلن)، و(فعلن) هو زحاف طرأ على (فاعلن) كما هو معرؤف .

وإنّ عبد الله بن هارون السّميدع، وهو تلميذ الفراهيدي أيضا " كان يقول أوزاناً من العروض غريبه في شعره، ثم أخذ ذلك عنه، ونحا نحوه فيه رزين العروضي، فأتى فيه ببدائع جمّة "، كما يقول الأصفهاني صاحب الأغاني، وهي أوزان مهملة لم تشع على ألسنة العباسيين، فأوجدها المولدون عقبى امتزاج الحضارات ثم انقرضت، كعكس تفعيلات (الطويل) مثلاً الذي يسمى بـ (المستطيل)، فتفعيلات الطويل (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن) مرتين، كقول امرىء القيس:

قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل ِ***بسقطِ اللوى بين الدخول فحومل ِ

أمّا المستطيل فتفعيلاته (مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن) مرتين، كقول القائل:

لقدْ هاجَ اشتياقي غرير ُ الطرف أحورْ ** أُدِيرَالصدغ ُمنه على مسكٍ وعنبرْ

وهكذا تفعيلات (الممتدّ) عكس (المديد)، وأجزاء (المتئد) مقلوب (المجتث)، و(المتوافر) محرّف (الرمل)، وللمضارع (مفاعيلن فاعلاتن) مرتين مثل:

ألا منْ يبيعُ نوماً ***لمنْ قط ُّ لاينامُ (5)

أقول للمضارع مقلوبان وهما (المنسرد) وتفعيلاته (مفاعيلن مفاعيلن فاعلاتن) مرتين، و (المُطرد) وتفعيلاته (فاعلاتن مفاعيلن مفاعيلن) مرتين، وإليك من الأخير:

ما على مستهام ٍ ريع بالصدِّ *** فاشتكى ثمّ أبكاني من الوجدِ

والحق ينسب للعصر العباسي وزن شعبي هو وزن (المواليا)، يقال إن إحدى جواري جعفر البرمكي رثته بشعر غير معرب، وجعلت تقول بعد كل شطر (يا مواليا)، وهنالك الكان كان، والقوما البغدادي الذي ينشد عند السحور (قوما نسحر قوما، وكذلك ظهر المزدوج، وذلك بأن تختلف القافية من بيت إلى بيت، وعادة تنظم من بحر الرجز ؟ بل أين الموشحات التي أخذت مدى بعيداً، وأشواطاً طويلاً،، وندع الآن الشاعرة نازك الملائكة تكمل المشوار في (قضايا شعرها المعاصر) .

" والواقع أن الشعر الحر قد ورد في تاريخنا الأدبي، وقد كشف الأدباء المعاصرون، ومن أوائلهم عبد الكريم الدجيلي في كتابه المهم "البند في الأدب العربي، تاريخه ونصوصه"، كشفوا أن قصيدة من هذا الشعر قد وردت منسوبة إلى الشاعر ابن دريد في القرن الرابع الهجري وهذا نصها، وقد رواه الباقلاني في كتابه "إعجاز القرآن" وأدرجه كما يدرج النثر الاعتيادي؛ ولكني أوثر أن أدرجه إدراج الشعر الحر ليبدو نسق أشطره المتفاوتة الأطوال والأوزان:

رب أخ كنت به مغتبطًا

أشد كفي بعرى صحبتهِ

تمسكًاً منّي بالودِّ ولا

أحسبه يغير العهد ولا يحول عنه أبدًا

ما حل روحي جسدي

فانقلب العهد بهِ

فعدت أن أصلح ما أفسدهُ

إلا سيلقى فرجًا في يومه أو غدهِ

هذا والأستاذ الدجيلي لم يعد هذه القصيدة شعرًاً حرًّاً؛ وإنما التمس فيها شكل البند الذي رآه فيها بعض الأدباء، والواقع الذي لم يلتفت إليه الباحث الفاضل أن أشطر ابن دريد تجمع بين بحور دائرة المجتلب جميعها ففيها أشطر من الرمل وأخرى من الهزج وثالثة من الرجز. والبند كما أثبتنا في هذا الكتاب يستعمل وزنين اثنين هما الرمل والهزج فيتداخل هذان البحران وفق قاعدة دقيقة مذهلة .

كذلك نقل عبد الكريم الدجيلي من كتاب "وفيات الأعيان" أشطرًا منسوبة إلى أبي العلاء المعري تجري هكذا:

أصلحك الله وأبقاكَ

لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم

إلى منزلنا الخالى

لكي نحدث عهداً بك يا خير الأخلاء

فما مثلك من غيَّر عهدًا أو غفلْ

إن هذه الأشطر شعر حر من الرجز ثم من الهزج، وهي مثل أشطر ابن دريد غير كاملة، وقد وقف الشاعر عند منتصف تفعيلة الهزج. " (6)

ثم أين البند الرائع ؟ وهذا مثاله لابن الحلفة الحلي، وهو أرقى بكثير، مما يسمى بقصيدة النثر:، اقرأ من البند، وقارن وتأمل:

 " أهل تعلم أم لا أن للحب لذاذاتْ ؟

وقد يعذر لا يعذل من فيه غراماً وحوى ماتْ

فذا مذهب أرباب الكمالاتْ

فدع عنك من اللوم زخاريف المقالاتْ

فكم قد هذبّ الحب بليدا

فغدا في مسلك الأداب والفضل رشيدا "

الكرة الآن في ملعبهم، يتقاذفها الداني والعالي، القوي والضعيف، الصغير والكبير، ومن حق الناس أن تعبر عن مكنوناتها وبوحها وآلامها وأمالها وأتراحها وأفراحها كيفما تشاء، ولكن على أغلب الظن لا يبقى منه إلا الدر الثمين لشعراء مرّوا بالتجربتين العمودية والتفعيلية، وترجم للغات الأجنبية، واستطاع أن ينفذ بقدرة قادرٍ مقدر، والله المستعان، لما في الوجدان.

 

كريم مرزة الأسدي

......................

(1) هنالك دراسات وبحوث تشير إلى أن بعض خصائص العبقرية ومظاهرها تنتقل وراثيا من الأباء إلى الأبناء خصوصا على مستوى الفنون ومنها الشعر، وخصوصا إذا صقلت فيما بعد، ولكن ربما تحدث طفرة وراثية في الطور الاستوائي للانقسام الاختزالي في المراحل الجنينية للفرد، تؤدي في أحيان نادرة إلى صالحه، وتؤدي إلى عبقريته .

 (2) (الماهية و الخرافة دراسات في الميثولوجيا الشعرية) ترجمة هيفاء هاشم / دمشق1992 ص 19.

 (3) لقد نظم أبو العتاهية على أوزان لا توافق ما استنبطه الخليل، ويقال إنّه جلس يوماً عند قصّار، فسمع صوت المدق، فحكى وزنه في شعره قائلاً:

للمنون ِ دائرا *** تٌ يُدرنَ صرفها

فتراها تنتقينا *** واحــداً فواحـــدا

فلمّا أنتقد في هذا قال: أنا أكبر من العروض ....وهذه رواية أخرى.

 (4) يسمي بعضهم (المتدارك) الخبب، أو (ركض الخيل)؛ لأنّه يحاكي وقع حافر الفرس، أويحاكي (دق الناقوس)، يذكر السيد أحمد الهاشمي في (ميزان الذهب)/ طبعة دار الكتب العلمية / بيروت 1990م ص97 مايلي:" وليس أدل ّعلى تعليل ذلك إلا ّقول سيدنا علي في تأويل "دقّة الناقوس" حين مرّ براهب وهو يضربه فقال لجابر بن عبد الله أتدري ما يقول هذا الناقوس؟ فقال الله ورسوله أعلم قال: هو يقول:

حقاً حقاً حقّاً حقّاً **** صدقاً صدقاً صدقاً صدقاً

....." ينقل المؤلف أربعة أبيات، كلها من البحر المتدارك (دق الناقوس)، ولم يذكر الهاشمي أي سند أو مصدر للرواية؛ فأن ْ صدقت الرواية فهذا يعني أن البحر كان معروفاً منذ عهد الإمام علي(ع) (ت 40 هجرية)، على حين الفراهيدي (ت 174هجرية)؛ بينما تلميذه الأخفش الأوسط الذي استدركه عليه (ت 216هجرية)، وأنا لم أتحقق من صحة الرواية؛ ولكن على أغلب الظن الفراهيدي يعرفه وأهمله.

 (5) كما لا يخفى جاءت التفعيلة الأولى لكل من الصدر والعجز (مفاعيل)، وهي من جوازات (مفاعيلن) للبحر المضارع.

 (6) (قضايا الشعر المهاصر): نازك الملائكة 1 / 5 - 11 - موسوعة المكتبة الشاملة.

...............

المقالة، مقدمة مؤلفي: (كتاب العروض والقوافي والضرائر الشعرية)، 328 صفحة- قطع كبير- المطبوع بدار فضاءات للطباعة والنشر والتوزيع - عمان - الأردن - 2015م.

 

محمد المسعوديقرأت رواية "في مدن الغبار" لأمل رضوان بشغف كبير وحس نقدي كان يترصد قلم الكاتبة عله يعثر على أدنى هفوة، وأي خلل ممكن في البناء والصياغة، غير أن هذا الحس المترصد عاد بخفي حنين، إذ وجد الناقد أن الرواية كتبت بإحكام فني متقن، وأن عوالمها السردية ممتعة، ومتخيلها –رغم إغراقه في واقعنا المأزوم- جانح طريف.

وأنا أقرأ هذه الرواية وأمضي على خطى ساردتها عايشت وسط مأساة اللاجئين السوريين وغير السوريين في "مخيم الزعتري" ملهاة خلقتها نساء يعشن حياة منفلتة من أطر وقوالب المجتمع بطرقهن الخاصة. وهكذا ضحكت مع المهرة والناقة والعنزة والشركسية والراوية، وهن يرمين بقفشاتهن البذيئة في وجه بعضهن، أو يعلقن بها على ما يمر أمامهن، أو يسمعنه. وهكذا عشت معهن حلم الهروب من "مدن الغبار" القاهرة الخانقة إلى مدينة أم الشركسية "نالتشك"، لعلها تنسيهن بعض ما يعشنه في أماكن اللجوء ومدن الموت والخوف والقلق. وقد كان مشهد تدخينهن في مرحاض مطار الملكة علياء بروحه الساخرة، وبموقفه الغريب من أشد مشاهد الرواية خلقا للمفارقة وتوليدا للسخرية، فمن رحم المعاناة والحظر تمكنت الروائية من توليد ملهاة خففت من وطأة المآسي التي تصورها الرواية، مثله مثل مشاهد أخرى في "مدن الغبار". تقول الساردة في هذا المشهد الدال:

" بدت دورة المياه كخليَّةِ نحلٍ دَبَّ فيها النشاط فجأة بمجرد خروج العاملة. جلست الملكة في المنتصف على مقعدها المتحرِّك تحتضن صُرَّتها القماشية، بينما تفرَّق الجميع ما بين مجموعات صغيرة من ثلاثة أو أربعة، كُلٌّ في رُكْنٍ، والجميع ينظر في قلق مشوب بالضحك إلى الباب الذي وقفت العنزة خلفه حتى تَحولَ دون دخول أي سيدة من الخارج. اتجهت الشركسية ناحية والدتها، وأخرجت علبة سجائرها المارلبورو البيضاء، وأشعلت سيجارةً وناولتها للأم، ثم أشعلت الثانية ووضعتها في فمها، وبدأت تدخِّن بقوة كما لو كانت آخر سيجارة لها في عمرها وتودُّ أن تسحب كل ذَرَّةِ نيكوتين بها، وأمسكت في يدها علبةً معدنيَّةً صغيرة للغاية من عُلَبِ الحلوى المُطَهِّرَةِ للحلق، تحملها دائما داخل حقيبة يدها، وتستخدمها كمطفأة متنقِّلَة للسجائر. المضْحِكُ في الأمر أن بعض شابَّات العائلة انسحبن في هدوء وتوجَّهْنَ ناحية دورات المياه، ودخلت كل اثنتين أو ثلاث في كابينة واحدة. ارتفعت حواجب البعض دهشة والبعض الآخر استنكارًا. كان من الواضح أن نساء العائلة من الأُمَّهات أو الخالات لا يعرفن عن بناتهن أنَّهُنَّ يُدَخِّنَّ السجائر، لكنهنَّ تغاضَيْنَ عن الوضع؛ حتى لا يُفْسِدْنَ الرحلة في بدايتها. بعد دقائق كانت المجموعة وأنا معها قد نسينا تمامًا أننا نرتكب فعلاً يُعَدُّ خرقًا صريحًا للقانون داخل إحدى دورات المياه في مطار الملكة علياء، وانشغل الجميع، سواءً بالتدخين أو إصلاح الزينة أمام المرآة أو تمشيط شعورهنَّ، وتحرَّرت المحجَّبات -على قِلَّتِهِنَّ- من غطاء رؤوسهنَّ، واختلطت الأصوات ما بين مكالمات تليفونية، أو أحاديث جانبية يقطعها صوت سعال متقطِّع مندفع من دورات المياه المغلقة؛ فعلى ما يبدو أن هناك مبتدئات قرَّرْنَ تجربةَ التدخين للمرة الأولى في حياتهنَّ.

عَلَتْ الأصوات، ونغمات الهواتف المحمولة، وعلا صوت السعال، وتكاثف الدخان الناتج عن سجائر أكثر من ثلاث عشرة مُدَخِّنَةً في حيِّز ضيِّق، إذا ما استثنينا اثنين أو ثلاث، والأطفال المصاحبين لأمهاتهم. سادت لحظات صَمْتٍ مباغِتٍ، تلاها خبطات متلاحِقَةٌ قويَّةٌ على الباب، ومحاولات لدفعه من الخارج، وصوت جرس إنذار يصمُّ الآذان.

صرخت الأمُّ من فوق مقعدها المتحرِّك مُتَقَمِّصَةً إحدى الشخصيات من أفلام الأبيض والأسود المصرية التي تدمن مشاهدتها، وصاحت بلهجة مصرية صحيحة تمامًا «كَبْسَة يا معلِّمة». انفجر الجميع في ضحك هيستيري، بينما بدأت محاولة اقتحام باب دورة المياه. زادت العنزة من قوة الدفع في الاتجاه المقابل تساعدها بعض النساء، بينما سارعت الفتيات في إلقاء السجائر المشتعلة في أحواض الاغتسال والتواليت وعلى الأرضية. لم تصمد محاولات صَدِّ الهجوم الخارجي وسط تقاعس البعض عن ضَعْفٍ أو من جرَّاء نَوْبَةِ الضحك العاصفة، أو الانشغال بلبس الحجاب وتغطية الرؤوس. انفتح الباب أخيرًا عن مجموعة من ضُبَّاط المطار الهَلِعين، ورجال الحماية المدنية مُمْسِكين بطفَّايات الحريق، وواضعين الكمامات على أنوفهم والخُوذاتِ على رؤوسهم. اندفعت المدَخِّنات السلبيَّات والإيجابيَّات إلى الخارج، وتَفَرَّقْنَ، كُلٌّ في اتجاهٍ، كحشود النمل حين تداهمه الأقدامُ وسط تَجَمْهُرِ المسافرين في الخارج، ولم يَتَبَقَّ داخل دورة المياه سوى الأم القعيدة، مُحْتَضِنَةً صُرَّتَها على كرسيِّها المتحرِّك".

استشهدنا بهذا المقطع الطويل نظرا لأهميته في تجلية طبيعة السخرية في الرواية، ونظرا لاحتوائه على جوانب فنية عدة تكشف عن بلاغة السخرية ووظيفتها. وهكذا نتبين أن السخرية، هنا، وفي الرواية ككل لا تقف عند مستوى كسر رتابة الأحداث، والخروج بها من تصوير وضعيات اللاجئين واللاجئات في مخيم الزعتري، وإنما تصبح مكونا جوهريا في تشكيل الشخصيات وتحديد طبيعتها، كما تجلي رؤيتها إلى العالم من حولها من خلال منظور رافض متمرد، يحول أقسى لحظات المعاناة إلى ملهاة تنقلب إلى جو كرنفالي ضاحك ممتد، لا يقتصر على بطلات الرواية وشخصياتها المحورية، وإنما يشمل عددا آخر من المحيط بهن المتفاعل معهن في مسار الرواية، كما لمحنا في هذه الأحداث التي تجري في دورة مياه مطار الملكة علياء. ونلمس، في هذا المقطع، قمة المفارقة بين المفترض والمتوقع من سلوك هؤلاء النسوة: الوقار والرزانة والحشمة والامتثال للقوانين والأعراف، بينما يُدخلنا الحدث إلى أفق آخر قوامه التمرد على القوانين والأعراف والسعي إلى تحقيق رغبات الذات عبر الحيل، وخلق جو حميمي لاه وساخر، في ظرف لا يسمح في الغالب بمثل هذه السلوكات. وهكذا نتبين أن وظيفة السخرية في هذا المقطع، وفي رواية "في مدن الغبار" وظيفة فنية تكوينية، ما كان للرواية أن تستقيم في غياب عن حضورها الفاعل في بناء النص.

وقد تميزت كتابة الرواية وأسلوبها بالسلاسة والتدفق بحيث لا يمل القارئ، وهو يتنقل بين حكايات الساردة/ المصرية ، وحكايات ألما الفلسطينية، وحكايات المهرة، والناقة، والعنزة، والشركسية واسترجاعاتهن. وقد أسندت الساردة دفة الحكي لهن في بعض فصول الرواية.

ولا شك أن الرواية رغم واقعيتها البينة وغوصها في تصوير معاناة اللاجئين السوريين –وغيرهم- واللاجئات إلا أنها حلقت برمزيتها الشفيفة، وبلاغتها الفنية في آفاق راقية من الفن. فكناية "مدن الغبار" بما تشي به من قتامة ورمادية ومهانة إنسانية، انكسر بُعدها المظلم باللحظات الإنسانية الدافئة التي خلقتها مجموعة المهرة والناقة والعنزة.. وبالحلم في السفر، وتلبية رغبة أم الشركسية التي تتطلع إلى العودة إلى مدينتها.

كما أن دور الدكتور فولك في حياة الساردة هو زاوية أخرى للاستمرار في الحلم، وفي قابلية الساردة للتعايش مع بشاعة ما يحيط بها. ومن بين المشاهد التي استوقفتنا في الرواية مشهد قرب إنساني وتعاطف بين ألما والدكتور فولك حينما أهدته إشاربها المطرز بالورد في لحظة أحس فيها بالبرد الشديد، وأصرت على أن يحتفظ به لتسترجعه الساردة منه فيما بعد. وبعد نزول ألما من السيارة وتوجه الدكتور فولك والراوية والسائق جاسر نحو "المخيم" وبسبب غفوة الجميع تعبا، يقع حادث فيشج رأس فولك، ويمتد دمه ليسقي الورود المطرزة على الإشارب وردة وردة، والساردة تتأمل المشهد. ألا تحمل هذه الصورة بعدا رمزيا. هل الأجنبي المتعاطف مع قضايانا الإنسانية  يدفع الثمن، بدوره، مثلنا، ويسقي بدمائه تربة الأمل وطموح التغيير؟

هذا سؤال حفزته هذه الصورة الروائية الجميلة.

وما يمكن أن ننتهي إليه من كل ما سبق، أننا أمام نص روائي جميل كتب بلغة روائية غنية بدلالاتها ورمزيتها، وبمستواها الفني الراقي، ووظف السخرية والمفارقة كمكون فني جوهري لرصد قتامة واقع اللاجئين وظروف حياة المخيمات. وقد ذكرتنا كل هذه الخصائص بروح الكتابة القصصية لدى الكاتبة في مجموعتيها البديعتين: البيت الأولاني، وشكولاته سودا بما حفلتا به من نماذج إنسانية متنوعة، وبما احتوته نصوصهما من سخرية ومفارقة، وقدرة على توليد الملهاة من صلب المأساة.

 

د. محمد المسعودي

............................

أمل رضوان، في مدن الغبار، دار العين، القاهرة، 2019

 

ليث الصندوقأو فصول من زمَنَي الصمت الإجباري والإختياري

 (كتاب الحياة) هو المجموعة القصصية الخامسة لعبد الأمير المجر، وعبرها يرى إلى العالم بمنظار يخترق الجلد السميك إلى حيث تُختزن الأسرار، وتتوارى المسروقات، وتحتجب الفضائح، ويُنفخ من الخارج الفارغون من الداخل . بيد أن الرصد لا يكفي وحده لتحويل الخلل إلى فضيحة ما لم يقترن بصوت جهير وشجاع، وبلغة ضدية تشخص من يقف وراء الخلل ويستثمره . لغة تُعيد عرض ما تراه العيون بعد استبدال الوقائع الصورية بالرموز تمويهاً لما هو مموّه أصلاً، وتشويهاً لما هو مشوّه أصلاً، وفي الحالين يظلّ ما وراء اللغة، وما وراء الصورة حاضراً في ذاكرة القاريء، وناطقاً عما يمور في أعماقه من حُرقة على خسائر يُعاد تدويرها وإنتاجها في كل الأزمان، ومع كل العهود . أنها مشاكسة يتسلح لها العقل الواعي بالجنون المحسوب والمبرمج، وتُسخّر لها الأيدلوجيا صرخاتها المؤجلة من زمن الصمت الإجباري إلى زمن الصمت الإختياري . كل تلك الإستعدادات القتالية هي نوع من المقاومة الإبداعية لفضح ما يقترفه الأقوياء والمتنفذون بحق الضمير والمستقبل من دون أن تترتب على الفاضح تبعات قانونية أو أخلاقية أو عرفية .

وبالرغم من التقنيات الشكلية الحديثة التي استعان بها الكاتب، إلا أن السرد ظل رسالة يتبوّأ الإنسان مكانه منها في الصدارة محاطاً بمعضلات هو فيها السبب وهو فيها المسبب، وهو الذي بيده، ومن أجله الحلول . ومن أجل تيسير إبلاغ تلك الرسالة، وتيسير استيعابها، يُجرّد الكاتب نصوصه من التفاصيل الشكلية واللوازم البلاغية، مبقياً رؤيته الأيدلوجية محتفظة برموزها وبرمزيتها معاً وهي تطفو على السطح .

تضمّ المجموعة ثماني قصص قصيرة، ست منها يسردها راوٍ مشارك بصوته وبضمير المتكلم، وعبره يتمّ التبئير، باستثناء قصتي (المؤرخ) و (عودة الإنسان) اللتين تردان على لسان راوٍ مفارق وبضمير الغائب، ويتقاسم فيهما هو التبئير مع بعض الشخصيات الأخرى . وفي حين يبدو دور الراوي المشارك جلياً وفاعلاً في القصص الست التي تدور على لسانه، إلا إن قصة واحدة منها هي (الإرث) يجانب فيها دوره الجلاء والفاعلية، فهو دور إشكالي لا يتعدى النقل عن أبيه الذي كان بدوره قد تلقى القصة عن جدّه . وبذلك فإن صوت المتكلم، أو الراوي الذي يتأرجح دوره ما بين المفارقة والمشاركة، لا يكاد يُسمع سوى في السطرين الأوليين من بداية القصة (حدثني أبي، نقلاً عن جدّي الذي روى له الحكاية، وقد أوصاه بأن ينقلها إلينا، نحن أبناءه . ص / 53) وبتجاوز هذين السطرين، أو هذا الإسناد المتواتر تراتبياً، يغيب الراوي المشارك، أو ضمير المتكلم، ويتحول السرد إلى ضمير الغائب الذي ينقل ما يتمّ تبئيره من خلال الورثة الثلاثة .

قصة (العري) هي الأولى في المجموعة، وتُستهلّ بشبه الجملة (حين صحوت من النوم)، وهي جملة مخاتلة، توهم القاريء ان ثمة التفاتة سردية يعدّ لها الراوي المشارك للعودة إلى وضعية ما قبل الجملة، أي إلى وضعية النوم، وما يرافقها من الأحلام، وهي وضعية تتوافق مع الأحداث اللاحقة التي سُبكت بمنظور غرائبي متحرر تماماً من محددات الواقع وعقلانيته . وربما حتى السطور الأخيرة من القصة يبقى القاريء متشبثاً بقناعة موهومة نجح الكاتب في صياغتها وتسويقها إليه عبر جملته الإستهلالية تلك، وعبر ما سيعقبها من أحداث أيضاً، وربما ظل القاريء يتوقع أن ما يقرأ هو تداعيات حلم سينهيه الراوي باليقظة التي معها سيُنهي قصته أيضاً، على الطريقة التقليدية التي تستعين بالأحلام لفك العُقد السردية المتشابكة والمحكمة . ولكن سيتبيّن القاريء – بعد انتهاء القصة – أنها لم تكن أضغاث حلم، بل هي رصد لواقع مغاير لا يقل عن الأحلام غرابة وإدهاشاً، وهاتان الصفتان لا تحتملان حصر المرئي في حدود الحواس، بل تطلقانه خارج حدود جاذبية المعقول، لتعبرا بذلك الإنزياح عن غرائبية الواقع وجنوحه . وبذلك تداخل العالمان معاً: عالم الواقع، وعالم الأحلام، ليشكلا معاً عالماً بمواصفات لا تنتمي إلى أي منهما، يحق لنا أن نسميه عالم الكوابيس، ولكنه عالم الكوابيس المعاشة .

بدت عوالم القصص مجرّدة من التفاصيل باستثناء قصة (ألعظماء يرحلون بصمت .. أحياناً) وتلك ميزة تتوافق مع الرسائل التي أراد الكاتب إيصالها للقاريء، وهي رسائل أيدلوجية في الغالب، ولذلك لم يصرف جهده إلى تأثيث وتزويق فضاءاته، وإغنائها بالتفاصيل التي تُبعثر رؤيته، وتشغله هو، كما تُشغل قارءه عن التركيز على بؤرة تتجمّع فيها إشعاعات الفكرة / الرسالة . لقد تعامل الكاتب بذات الطريقة مع عنصري المكان والشخصيات فجرّدهما إلى اقصى ما يُمكنه من كل ما يحيط بهما من لوازم التوصيفات الخارجية، وتعامل معهما كوحدات دالة بذاتها، وليس بما يعلق بهما، أو يتصل ويرتبط بهما من زوائد ومكملات . فالأماكن التي تدور فيها قصة (العري) محدودة وقليلة جداً، وهي بحسب التسلسل النصّي، وهو تسلسل يفارق التسلسل المنطقي:

1 – الفندق

2 – مدخل ألمدينة

3 – صالة الفندق

4 – ألساحة العامة

وما عدا الإنتقال من المكان الأول إلى الثاني الذي تمّ عن طريق الإسترجاع والعودة بالزمن إلى الوراء يوماً واحداً فقط عبر الذاكرة، فإن الإنتقال من الأماكن الأخرى زمنياً تمّ تصاعدياً . ويمكن اعتبار تلك الأماكن مواقع أساسية تتفرع منها أماكن أخرى، مثل الحمام الذي هو جزء متفرع من المكان الأول، والإستعلامات التي هي جزء متفرع من المكان الثالث . أو على الضد من هذا التفريع يمكن اختزال الأماكن الأربعة في مكانين نوعيين هما (الفندق والمدينة) بيد ان هذا الإختزال المبالغ به سيؤدي إلى إلغاء الكثير من الأحداث المرتبطة بالتفرعات مما يجعل من الصيغة الرباعية هي الأكثر تمثيلاً وتوضيحاً لقصد الراوي . ومع ذلك فتلك الصيغة لا تعدو أن تكون سوى تسميات دالة، من دون إسناد تلك الدلالة بتوصيفات تؤكدها . وفي غياب صورة دقيقة وواضحة ومدعمة بالتفاصيل، فأن أفق توقع القاريء لا ينشأ عن أي إسناد نصّي، بقدر ما ينشأ عن ثقته بالراوي . ويستثمر الراوي هذه الثقة في تشذيب و (ترشيق) نصه، وتجريده من تفصيلاته المكانية (تحديداً) وبصيغة لا تفتت وتُبعثر الغاية من وراء الغلالة الغرائبية التي غلف بها فكرته . فبالإضافة إلى اختزال الأماكن الرئيسية في الحد الأدنى، فأن توصيفات كل ركن منها، وكذلك توصيفات تفرعاتها لن تتجاوز المستوى الثاني، وبذلك انعكست صورة العري الجسدي الذي وصم شخصيات القصة على المكان أيضاً . أما تجاوز التفاصيل للمستوى الثاني في مكان أساسي واحد هو غرفة الفندق، وفي مكان فرعي واحد هو الحمام عبر المكونات التي وردت على لسان الراوي المشارك مثل (رفّ التواليت / العطور / مجفف الشعر / الأمشاط / الصابون ... ألخ) فهي لا تمت إلى الحضور بصلة لأنها من مغيبات المكان التي افتقدها الراوي .

وحال الشخصيات هي كحال الأماكن محدودة، وعدا بعض الشخصيات (الفردية) الفاعلة مثل الراوي المشارك ورجل الفندق ورئيس المدينة، إلا أن هناك نوعاً من البطولة الجماعية تؤدي عبرها المجاميع دوراً مشتركاً واحداً بإيقاعية فردية منتظمة وعفوية من دون توجيه من عنصر خارجي مثل:

1 - الرجال الملثمون الذين يُقال أنهم دخلوا المدينة خلسة، والذين لم تتبيّن ملامحهم ولا طبيعة أدوارهم، فليس هناك من رآهم رأي العين، وكل ما عُرف عنهم جاء عن طريق الرواية المنقولة عن مجهولين (البعض قالوا أنهم رأوا أشخاصاً لهم وجوه غريبة لا تشبه وجوه أهل المدينة أبداً . ص / 12) وقبل هذه الشهادة المجهولة المصدر جاءت شهادة الراوي التي ستكون الأساس الداعم لها (حين دخلت المدينة غروب يومي الماضي، سمعت لغطاً كثيراً غير مفهوم، وبدافع الفضول ليس إلا رحت أصغي لما يُقال، وعرفت أن رجالاً ملثمين دخلوا المدينة خلسة . ص / 8) ومن الواضح أن مصدر الشهادتين واحد، وهو المجهول ذاته، وأن الفارق ما بين الشهادتين هو في الناقل الذي هو الراوي، لذلك فأن الشهادتين لم تضيفا شيئاً، بل أنهما زادتا في غموض الموقف، ولم تساهما في كشف هوية اللصوص، فقد ظلت تلك الهوية مرتبطة بسرقة وبمسروقات غير مألوفة، ومن خصوصية اللصوص وخصوصية مسروقاتهم تتشكل رمزية النص، وتتوضح رسالته . ولعل الوظيفة السردية لتلك المجموعة الملثمة التمهيد التدريجي لدور موسّع تؤديه عصابة ذات وجهين: الأول هو وجه أجنبي يمثله الملثمون أنفسهم (وجوه غريبة لا تشبه وجوه أهل المدينة أبداً . ص / 12) وهذا الوجه هو الأداة التنفيذية للسرقة . والوجه الثاني هو وجه محلي يمثله رئيس المدينة الذي يمكن أن تكشف رئاسته عن محليته، وهذا الوجه هو الغطاء المحلي الذي يستعين به اللصوص / الأجانب / الوجه الأول لإخفاء مسروقاتهم .

2 - نزلاء الفندق، ووظيفة هذه المجموعة هي إسناد وتدعيم تساؤلات الراوي إزاء طبيعة السرقة الغريبة التي طالت الجميع في ملابسهم، وتركتهم عراة، وبدون هذا الإسناد كانت السرقة ستبدو مقصودة لشخص بعينه، وعندئذ ستفقد الحكاية رمزيتها، وتبدو تقليدية، ومباشرة . هذه المجموعة ستمهّد لظهور مجموعة أخرى في مكان آخر هو ساحة المدينة، وهم سكان المدينة، وسنأتي على ذكرهم فيما بعد . بيد أن الجماعتين تشتركان معاً في التعرض لذات النمط من السرقة . وهذا الإشتراك سيسهل إنضمام وتداخل المجموعتين وتحويلهما إلى مجموعة واحدة، أو قوة مواجهة معادلة، بل راجحة على مجموعة، أو قوة اللصوص . ويلاحظ أن هذا التحول لم يتم داخل الفندق المغلق، بل في الساحة العامة المكشوفة / ساحة المدينة . وبذلك تكتسب ساحة المدينة رمزيتها من ثلاثة عناصر، هي:

- ألعنصر ألأول: إنفتاحها وانكشافها وعدم انغلاقها كقاعة الفندق وغرفه .

- ألعنصر الثاني: مشاعيتها، فهي ساحة للجميع، وليست لمجموعة نوعية معينة، وتدل تسميتها بساحة المدينة على مشاعيتها .

- ألعنصر الثالث: أنها أرض التقاء واندماج مجموعتي الممتحنين بالسرقة، ألمجموعة المغلقة / مجموعة الفندق، ومجموعة المدينة / سكانها .

3 - مجموعة المدينة أو سكانها، وهي المجموعة التي نشأ تأثيرها كقوة عن تراكم وشيوع فعل السرقة الذي بدأ تأثيره فردياً بالراوي، وتعاظم ليشمل نزلاء الفندق، وتعاظم إلى حدّه الأقصى بشموله للمجموعة التي نحن بصددها . بيد أن هذا التعاظم القاعدي في المتضررين سببه رأسي ويمثله شخص واحد هو رئيس المدينة .

4 - جماعة الحماية والحرس، ودور هذه الجماعة هي التماهي مع رئيس المدينة من خلال الدفاع عنه من غضبة المسروقين . ووضع هذه الجماعة في بداية القصة هو ليس دورها في نهايته فهو ينقلب ما بين الموقعين إلى نقيضه، فبينما كانت هذه الجماعة في أول القصة تتميز بكونهم كاسين عن أهل المدينة العراة، ومن هذا الوضع اكتسبت قوتها ورجحانها، ولكن أنقلب الحال إلى عكسه في الختام، فصار العُري هو ما يميزها عن أهل المدينة الذين استعادوا منهم ملابسهم المسروقة . أي أن العُري واللّبس هما العلامتان الدالتان للصوص ولأهل المدينة معاً بيد أن أياً من العلامتين لم تستقرّ على أيّ منهما، بل أنهما تبادلتا دلالتيهما ما بين المجموعتين ما بين البداية والختام .

يتضح مما سبق أن الجماعتين الأولى والرابعة تؤديان معاً دوراً مشتركاً معاكساً في الوقت ذاته لدور المجموعتين الأخريين الثانية والثالثة اللتين تؤديان معاً دوراً مشتركاً واحداً مما يجعل من المجموعتين (الأولى + الرابعة) من جهة، والمجموعتين (الثانية + الثالثة) من جهة أخرى كتلتين موزعتين في مكانين مختلفين . هذا التوزيع المكاني سيفقد أهميته في ضوء تلاقي، وتداخل عنصري الكتلة الأولى معاً، في مقابل تلاقي، وتداخل عنصري الكتلة الثانية، لنكون في النهاية أزاء كتلتين متمايزتين عن بعضهما كلّ التمايز، وهما كتلة اللصوص من جهة، وكتلة المسروقين من جهة أخرى، وبذلك فأن التوتر في القصة تكون قد تسببت فيه حالة التضاد والتناقض ما بين طبيعتي الكتلتين .

وقد تواجهنا حالة توافق وتناظر ما بين قصة (العري) وقصة (دعوة لحفل المجانين):

- فالمكان المرجعي / الفندق في قصة العري، يقابلة مكان شبيه له في العَلَمية هو الفندق أيضاً في (دعوة لحفل المجانين) مع اختلاف وظيفة كل منهما عن الآخر في كل قصة من الثنتين . فهو في الأولى مكان تقليديّ لا تختلف وظيفته عن أي فندق آخر في استقبال النزلاء وتضييفهم، ولكن وظيفته في الثانية هي لإقامة مؤتمر المجانين .

- وفي القصتين هناك مسروقات وسرّاق ومسروقون . ففي حين كانت الثياب هي المسروقات في قصة (العري) صارت المقالات السياسية والثقافية هي المسروقات في (دعوة لحفل المجانين) . وفي حين كان المسروقون في الأولى هم عموم أهل المدينة، صار المسروقون في الثانية هم الكتاب والإعلاميون .

- إن حالة الإفتراق في هوية المسروقون ما بين القصتين، تقلل من حدتها حالة التوافق والتناظر في هوية اللصوص، فهم في القصتين ينتمون إلى مجال وظيفي واحد، فبينما كان رئيس المدينة في الأولى هو الشخصية الفردية الرامزة للنظام الحاكم في المدينة، فأن هوية اللصوص في القصة الثانية هم رؤساء الأحزاب السياسية المعنيون بحفل المجانين وهم رموز النظام السياسي التعددي الذي يمثلونه .

- وإن كانت المسروقات / الثياب في القصة الأولى هي الرمز الأغلى لدى الإنسان الشرقي، لأنها تستر الجسد، والجسد كناية عن العرض والشرف في المفاهيم الشرقية، ولذلك حرص الحاكم / اللص ان يلبس كلّ الأثواب المسروقة لصق جسده في وقت واحد مؤثراً على ذلك إيداعها في خزائنه كما يحفظ المال لأن الأثواب رمزياً وعرفياً هي أغلى منه . بيد أن المسروقات / المقالات في (دعوة لحفل المجانين) هي أدنى قيمة لدى لصوص الثقافة والفكر / ممثلي الأحزاب السياسية، خصوصاً بعد أن تُستنفذ حاجتهم إليها، فتُهمل، وتُلقى بعد انتهاء الحفل على أرض القاعة (انتبهتُ إلى الأرض التي كانت مغطاة بعشرات المقالات السياسية والثقافية والاجتماعية . ص / 23) . وإن كان الراوي / المشارك لا يعرف مصدر تلك المقالات (لا أعرف بالضبط من جلبها، أو هل هي من ضمن الرزم التي كان يتأبطها المحاضرون أو ممثلوا الأحزاب قبل إلقاء محاضراتهم، أم جلبها آخرون من المدعوين للحفل . ص / 23) إلا أن آلية التأويل تجعل من اليسير تخمين المصدر، وتخمين سبب تعامله المتناقض مع الثقافة ما بين فترتي بدء الحفل وانتهائه .

واللصوص الذين حضروا في صباحات الناس ويقظتهم في القصتين السابقتين، يحضرون ثالثة ولكن في الأحلام، أو في أحلام الأب المهموم بمسبحته في قصة (مسبحة أبي) أو بحسب قول الأب (لقد صارت تأتيني في الأشهر الأخيرة أحلام مخيفة حيث أشعر وكأنّ مسبحتي انسرقت . ص / 27) . والمسبحة في هذه القصة هي في غلوّ الثياب في قصة (العري) وفي غلو الثقافة والفكر في قصة (دعوة لحفل المجانين) بل هي أغلى من الغاليين الآخرين، فهي لدى الأب وبحسب ما تقول الأم (صار يعيش من أجل هذه المسبحة . ص / 27) وهي كما يقول الأب نفسه (باتت الهواء الذي أتنفسه، ولا أستطيع العيش بدونها . ص / 27) .

ومن الملاحظ أن الداعم والمعين لكل اللصوص المحليين في القصص السابقة هم من الأغراب، فالملثمون (ذوو الوجوه الغريبة) مهدوا لظهور لصوص الثياب في قصة العري، وأعضاء الفرقة الموسيقية التي عزفت السلام الوطني في قصة دعوة لحفل المجانين دعماً للصوص الثقافة والفكر المحليين، وإيذاناً بافتتاح حفلهم هم أغراب أيضاً، فقد بدت وجوهم (غير معروفة لإيّ منا، ولم نسمع بأسمائهم . ص / 19)، بل حتى السلام الوطني الذي عزفته الفرقة لم يكن وطنياً (حين طلب منا النهوض قبل بدء عزف السلام الوطني، نهضنا جميعاً، وصرنا نتلفت إلى بعضنا بعد لحظات، إذ لم نعرف إن كان هذا السلام هو السلام الوطني لبلادنا أم لغيرها . ص / 19) وكذلك هو الأمر مع لصوص المسابح في قصة (مسبحة أبي) فقد جاءت بهم العواصف والأعاصير أناساً على شكل (عقارب كبيرة، وإفاع يمسك كل واحد منهم بمسبحة من لون مختلف، يداعبها بأصابع كالمخالب، ويوزعون على المارة ابتسامات صفر . ص / 29) .

والمسبحة / الرمز لدى الأب، هي غير المسبحة في ذات القصة لدى البشر / العقارب والثعابين، فقد اقترنت الأولى بالتوهج والعبق المسكر كلما فُركت بالأكف، بينما اقترنت المسابح الأخرى بابتسامات أصحابها الصفر . كما أن حميمية العلاقة ما بين الأب ومسبحته، هي غير العلاقة ما بين البشر / العقارب والثعابين وبين مسابحهم . فمسبحة الأب كانت محط فخره واعتزازه إلى حدّ أنه لا يسمح لغير يديه بلمسها، أو كما يقول الراوي المشارك / الإبن (لم يسمح أبي لأحد أن يعدّ خرزاتها، أو يلمسها) أو (أما شكلها الجميل فيجعل أبانا منتشياً دوماً وهو يعيش ساعات فخره المتجددة وسط المجالس، حيث تكون كلّ الأبصار متجهة إليه وإلى مسبحته . ص / 26) انها علاقة المرء بجزء غال وعزيز من جسده، بينما علاقة البشر / العقارب والثعابين بمسابحهم فهي علاقة الوحش بفريسته، فهم (يداعبونها بأصابع كالمخالب . ص / 29) .

هكذا انجلت القصص السابقات عن لصوص محليين لا تربطهم علاقة قربى مع ضحايا سرقاتهم، بل هي في أحسن الأحوال علاقة مواطنة، ولعل تلك العلاقة البعيدة تُجنب اللصوص الإحساس بوطأة ما يسرقونه على مالكيه إن كان للصوص ثمة قدرة على الإحساس . بيد أن قصة (الأرث) تشذ عن قانون النسب هذا، فاللصوص هم ذاتهم المسروقون وهم ثلاثة أخوة، يسرق بعضهم ميراث الآخر الذي يرى نفسه أجدر به من أخويه . أنها قصة العقائد التي تنتمي إلى جذر واحد، نمى عبر الزمن، وتفرّع إلى اغصان شتى . قصة لا تنتهي أبداً على امتداد التاريخ الإنساني، بل تتكرر بنفس فصولها وأحداثها عبر الأجيال المتعاقبة، وفي حيوات الأبناء كما كانت هي ذاتها في حيوات الآباء والأجداد ما دام كل واحد من الورثة لا يقرّ بحدود حصته من الميراث، ولا يقرّ كذلك بحق أخوته منه .

وإن كان المروي عنه في القصة وهو أول الورثة يخشى على ميراثه من أن يسرقه الوريثان الثاني والثالث، اللذان يخشى كل واحد منهما على ميراثه من أن يسرقه الآخران، من دون أن يدرك الثلاثة أن ميراثهم جميعاً هو ميراث واحد، وأن لكل واحد منهم حصة متساوية فيه، وأن خشية كل واحد من الثلاثة من أن يسطوا الآخران على ميراثه هي خشية موروثة من الآباء والأجداد الذين عاشوا نفس هاجس الخشية من قبل، من دون أن يدركوا جميعاً أن الخلاص منه يكمن في الإقرار بحق كل واحد منهم بحصة متساوية في ميراث الجد الأول .

إن هاجس الاستحواذ على الميراث من جهة، والخوف عليه من السرقة من جهة أخرى كفيل بتحويل الأجيال اللاحقة إلى لصوص يسرق أحدهم الآخر، ويحرمه من حصته في الميراث . وتبعاً لهذه الرؤية يمكن من الناحية التأويلية إدراج الورثة الثلاثة في قصة (الأرث) ضمن صف اللصوص، لينضم بذلك لصوص الميراث في قصة (الإرث) إلى لصوص الثياب في قصة (العري)، وإلى لصوص الثقافة والفكر في (دعوة لحفل المجانين)، وإلى لصوص المسابح في (مسبحة أبي) . لكن الفارق أن الكاتب في قصة (الإرث) عالج ميراثه بقدر كبير من الجرأة والتحدي اللذين يحسبان له في ظروف تحدّ من حرية التفكير والتعبير معاً تشبه إلى حد بعيد الظروف التي كتب فيها نجيب محفوظ رائعته (أولاد حارتنا) والتي بدا أثرها واضحاً على قصة الأرث، مع فارق أن جهة التهديد في مصر كانت أكثر متابعة من مثيلتها العراقية للشأن الثقافي بصورة عامة، وللثقافة المختلفة بصورة خاصة، كما أنها الأقدر (أي الجهة المصرية) على الإبصار في الظلمة، وعلى فك الرموز والشفرات الحذرة .

وعوداً إلى قصة الأرث، لا بأس من الاستعانة بالتأويل لتقدير عمق هاوية الخطر التي تجاوزها النص، فالميراث هو العقيدة الواحدة كما تجلت في عهد الجد الأول إبراهيم، وقد تمّ التعبير عنها بأوراق الميراث (القديمة جداً، والمكتوبة بلغات متعددة، بعضها منقرض لا يمكن فهمه، وبعضها الآخر غير واضح الحروف، أو جملها مرتبكة . ص / 55) وهذا العسر في فك طلاسم الأوراق وفهم مضامينها هو الذي فرّق الآباء والأجداد وباعد بينهم ودفعهم للاحتراب . بيد أن الأخوة / الورثة الثلاثة اكتشفوا بعد تدقيقهم الأوراق المبهمة ومقارنتها ببعضها (أنّ المعاني في أوراقها متشابهة) وهذا يفترض أن الخلاف على الميراث قد تمّ حسمه، ولكن بالرغم من تشابه الوثائق الذي يعني الإتفاق بين الجميع على تشابه البنى العقائدية الأساسية، إلا أن الخلاف قد استمرّ، أو حصل اللغط في تفسير النص الواحد .  ولعل الإرتباك أو تداخل الأوراق كان مقصوداً من قبل الورثة الأوائل / الأجداد (بعد معركة على أرث أبيهم، أو جدّ العائلة الأول بعد وفاته، قبل أن تتشتت عائلته، وتتوزع في أصقاع الأرض . ص / 59) وبذلك صار الأولاد والأحفاد (يلتقون على شكل جماعات، ورثت ذلك العداء القديم في أيام اختاروها لكي يتجنبوا التصادم، فمنهم من اختار يوم السبت من كلّ أسبوع، ومنهم من اختار الأحد، فيما فضّل الآخرون أن يكون لقاؤهم يوم الجمعة . ص / 59) ومن الواضح أن ما يرمي إليه الكاتب من وراء تلك اللغة المجازية يتعدى تعرية المحددات الدينية ويتجاوزها إلى إدانة كل أشكال الإصطفافات الموروثة التي تشطر مجتمعاتنا، وتُعيق تطورها، وتوصمها بالتطرف والانغلاق بما يمنع اي احتمال لتواصل الورثة الثلاثة فيما بينهم . وفي المجموعة القصصية أكثر من إشارة جريئة لهذه التعرية وتلك الإدانة، كما فيها أكثر من إشارة داعية للانفتاح والتسامح .

ترصد قصة (المؤرخ) المراحل الأولى لولادة ثورة ما، في مكان ما، في زمن ما، ضد حاكم ما . وقد بدت القصة مبتورة زمنياً، فهي قد بدأت من لحظة ما من الحاضر ولم تتوغل في مرحلة ما قبل الثورة بحثاً عن الأسباب المتراكمة التي دفعت إليها، واكتفت بسبب آنيّ واحد، مما أضفى على القصة طابع الإجتزاء والغمط، فليس من المنطقي أن يدفع إلى الثورة (أية ثورة) سبب واحد – حتى ولو على سبيل المجاز – مهما كان ذلك السبب وجيهاً .

وعلى هامش الثورة ثمة مؤرخ شارك في الثورة راصداً ومدوناً من دون أن يشارك فيها مشاركة فعلية، والقاريء ينساق وراء هذا الإفتراض متطلعاً لمعرفة رأي المؤرخ في سيرورة التغيير، إلا أن التجليات الأولى للثورة والتراصف الذي فرضته لم يمرّ عبر منظاره، بل عبر منظار الراوي الذي – وتلك مفارقة لافتة – هو راوٍ مفارق . فبالرغم من مفارقته الأحداث استحوذ من المؤرخ على دوره، وعلى وظيفته، ومن ثمّ عزله في ثلاثة معازل:

- ألعنوان

- الإستهلال

- الخاتمة

بينما بسط الراوي خارج هذه المعازل سلطة غيابه ليُبئّر المشهد الثوري بضمير الغائب، وليُميت المؤرخ في معزل الختام مخلفاً مسودتي كتابين عن مرحلتين زمنيتين بائدتين، وأملاً بكتاب ثالث مات قبل أن يتحقق . وفي غمرة تلك الرؤية غير المنصفة للثورة ودافعها غير المقنع في واحديته تتلامح نماذج من راكبي الموجة الذين لا نجتريء عليهم حين نسميهم بالانتهازيين أو بلصوص الثورات، والذين تلقفوا أخبارها من وسائل الإعلام فاندفعوا يشاركون فيها كممثلي النقابات والمنظمات والأحزاب (العلنية والسرية) الذين يستمتعون بقطف الثمرة الناضجة ويتلذذون بها، والذين كان بمقدورهم – لو عزموا – أن يُفجروا ثورتهم الخاصة، ويتحملوا تبعات نجاحها أو فشلها، قبل اندلاع ثورة الجماهير المستقلة عن التسييس . وكذلك أفرزت القصة نماذج من المنتفعين الذين لا يقلون في انتهازيتهم عن سابقيهم، وهؤلاء الأخيرين هم الذين يؤيدون كلّ منتصر ويذمون كلّ منكسر بحيادية لا تُميّز بين الأبيض والأسود، مثل الخطاطين وأصحاب محال الطباعة والإعلانات .

وتقدم قصة (كتاب الحياة) في طبقتها الباطنية قراءة يمكن أن تندرج ضمن الرؤية الغيرية التي أنتجت قصة ا(الأرث) . فكتاب الحياة هو كتاب فلسفي استعاره الراوي / المشارك من أحد أصدقائه لعله يجد فيه إجابات لبعض المعضلات الفكرية، ولبعض أسئلة الحياة والوجود التي تؤرقه، ولكنه بدل حصوله على الإجابات المتوقعة حصل على المزيد من االأسئلة المحيّرة، وبذلك اشتبكت وتداخلت عليه الأمور ولم يعد يعرف ما أخذه من الكتاب، وما أخذه الكتاب منه، أو كما يقول (ألشيء الذي لم أتيقن منه أني قرأت الكتاب، على الرغم من أنني، وطيلة الأيام الماضية، حتى بعد منتصف ليلتي الفائتة كنت أقرأ، وأعيد ما قرأت أكثر من مرّة، من دون أن أفهم شيئاً . ص / 34) ولعل ما ورد في المقبوس لا ينطبق على الكتاب الفلسفي فحسب، بل ينطبق على القصة ذاتها، فهي من أعقد قصص المجموعة، وأكثرها إرباكاً وارتباكاً، فهي أشبه بكابوس استجلبه الكتاب الفلسفي إلى حياة الراوي، فصار بعد قراءته يعيش عُقدَ معضلاته، وتجليات رموزه . ومع ذلك فثمة رابط رمزي يشدّ هذه القصة إلى قصة (الإرث) بشكل يكشف من خلاله الكاتب عن شاغل فلسفي إنساني يثير إنتباهه، بل ويُقلقه إلى الحد الذي لا يتورع معه أن يعرض بطريقته المجازية رؤيته النقدية الجريئة والمتحدية لهيمنة الأحادية العقائدية مهما كان شكلها وطبيعتها . ويتجلى الرابط ما بين القصتين بالعلاقة ما بين الورثة الثلاثة، أو العلاقة ما بين أبناء العقائد الإبراهيمية، إذ تعكس قصة (كتاب الحياة) تلك العلاقة من خلال رؤية رجال الدين للحياة الأخرى ما بعد الموت بشكل لا يخلو من موقف إنتقادي غير مباشر من خلال إعفائهم لأتباع دياناتهم المخطئين من العقوبات الأخروية الأبدية، وتشديدها على أتباع الديانات الأخرى .

وفي مواجهة هذه الصورة الكابوسية للحياة تتجلى صورتها الأخرى أكثر واقعية وشفافية معاً، ولكنها أكثر مأساوية أيضاً في قصة (العظماء يرحلون بصمت .. أحياناً) وتبدو مفردة التحيين في العنونة إشكالية وتحتاج إلى مقاربة دلالية لا أجد أن مكانها مناسب هنا لاسيما أن تثبيتها قد يضع بطل القصة (أبو أيوب) في أحدى كفتي ميزان طبقي مختل في مواجهة عظماء أدعياء، ومع ذلك فأنها لم تُحيّد موقفي الإنساني المتعاطف مع البطل، ولا موقفي النقدي من القصة التي أرى أنها ربما هي الأجدر بعنونة المجموعة من قصة (كتاب الحياة)، فهي ليست كتاب الحياة النظري المتعالي، بل هي كتاب الحياة في نموذجها التطبيقي المعاش لأبي أيوب، والكنية دالة بذاتها أو بموروثها الراسخ في الذاكرة الجمعية، وليست بمن أطلقت عليه، فالرجل لم يخلف ذرية، وقد ماتت زوجه الشابة وهي عاقر، وقد اختزل في شخصيته، وفي حياته شخصيات وحيوات أجيال من العراقيين الذين ضيّعهم التهميش، وسحقهم الفقر، وأماتهم الجحود كمداً . إنه مدرسة عراقية من مدارس الحياة، وتلك التسمية هي التوصيف الأدق لحياة الرجل ومدرسته كما تحلو له تسميتها عندما يُسأل عن تحصيله الدراسي (... أنا تعلمت من مدرسة الحياة . ص / 68) أو هي قراءة لحياته وحياة الآخرين أيضاً بحسب ما يقول الراوي معبراً عن رغبات الرجل التي لم يصرّح بها الرجل بلسانه، بل قالته عنه سيرته (كان يريد القول أنه كان ضحية لعبة كبيرة، لعبة اكتشف هو الشيء الكثير من تفاصيلها عندما تعلم، وصار يُعيد قراءة حياته، وحياة الآخرين . ص / 74) .

ومهمة الراوي المشارك في هذه القصة ان يتخذ من شخصة أبي أيوب مرآة يعكس من خلالها ملامح شخصيته هو، وحسب هذه الرؤية ينبغي أن يتبوّأ الراوي صدارة المشهد السردي، ويتولى تحريك الأحداث من موقع البطولة، بينما يتوارى أبو أيوب في ظل الراوي، ويستمدّ فعالية دوره منه . ولكن التعاقب السببي للأحداث جرى في غير هذا الإتجاه، وانجلى عن مشهد مغاير تحولت فيه البطولة إلى المرآة، بينما تراجع الراوي ليؤدي دوراً ثانوياً مكملاً .

وفي هذه القصة لا يجد الكاتب مسوغاً للتواري خلف رموزه، فالصوت الأيدلوجي أكثر خفوتاً، والرسالة لا تتجرّد من تفاصيلها الوصفية ولوازمها الشكلية من أجل إبلاغ مضمونها إلى الآخر . وبالرغم من انتماء القصة إلى الواقع العراقي وتوسلها بألفته وحميميته، وبمأساويته أيضاً، إلا أنها لا تخلو من آصرة تربطها مع سابقاتها من القصص التي اتخذت من أشكال السرقة المختلفة مفاتيح رمزية لتوصيل رسالتها الأيدلوجية . مع فارق أن السرقة في القصص السابقة قد وردت في إطار رسائل أيدلوجية، إلا أنها في قصة (العظماء يموتون بصمت أحياناً) قد وردت في إطار غيبيّ مثقل برسائل إجتماعية مؤثرة . فليست الأيدلوجيا وحدها هي الأم الولود المنجبة للصوص، بل الحياة أيضاً تتولى هذا الدور بعد أن تضفي عليه شيئاً من التمويه، وبعد أن تعيد استبدال الدوال بمدلولات أخرى . فالفقدان في هذه القصة هو الوجه الآخر للسرقة . أنه سرقة ليس لأصحاب الأيادي الممغنطة مصلحة فيها، ولا منفعة منها، فالسارق غير مرئيّ ولا يصلح للترميز، أو التخفي وراء مجازات اللغة لأنه أكبر من الإثنين، أنه القدر اللص الذي يبزّ بمسروقاته لصوص الثياب والثقافة والمسابح والمواريث والثورات، لأنه ببساطة لصّ الأرواح . ولهذا اللص اليد الباطشة الطولى في هذه القصة .

ولكن ثمة فقدان من نوع آخر لا يقلّ فداحة عما يرتكبه لصّ الأرواح هذا، أنه فقدان الأحبة الجاحدين الذين ما إن يشبوا عن الطوق حتى يتركوا - من دون وداع أو سؤال - من تكفلهم صغاراً بالرعاية والحنان . ولكن المشكلة هي في اختلال ميزان التشبيه، فإذا كنا قد شبهنا القدرَ بلصّ الأرواح، فهل نصيب بإطلاق ذات الصفة على الجحود ؟ لا سيما أن كلا الإثنين (الموت والجحود) لهما ذات القدرة على (سرقة الإنسان من إنسان) كما يقول الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي .

وفي معادلة الجحود والنكران الملتبسة بأطرافها الثلاثة (السارق / المسروق / السرقة) أين نضع أخوات أبي أيوب الثلاث الكبريات اللواتي انفصلن عنه بعد زواجهنّ ؟ وأين نضع أخاه الأصغر سعد، وأخته الصغرى نهاية اللذين انفصلا عنه، وهربا إلى خارج البلاد بعد أن أفنى شبابه في تربيتهما يتيمين ؟

وبصورة عامة تتجلى سرقات القدر في القصة ب:

- موت الرئيس الأمريكي رونالد ريغن، وهذا الحدث البعيد عن فضاء القصة وأحداثها هو الأساس الذي بنى عليه الراوي قصته في صيغة مفارقة مركبة ما بين شخصيتين وحياتين وميتتين . لقد تزامنت ميتة الرئيس الأمريكي مع ميتة العراقي المعدم أبي أيوب، وتلك إشارة إلى تساوي الجميع في ذات المصير . إلا أن التشييع المتواضع للثاني الذي تم على عجل بوضع الجنازة على سيارة صغيرة، في مقابل الجنازة المهيبة للأول التي نقلت مراسيمها تلفزيونياً من خلال نشرات الأخبار هو إحدى صور الفارق الشاسع ما بين عالمين، عالم يعيش في المتن، وآخر على الهامش .

- موت أبي أيوب / الشخصية المحورية التي رافقت القاريء بدءاً من العنونة في صيغة إحالة وصفية جماعية تختزلها مفردة ألعظماء . وبموت أبي أيوب تكون القصة قد ابتدأت من الخلف، ومن ثم لتنتهي من حيثما ابتدأت، أي أن الموت الذي ابتدأت به القصة ستنتهي به أيضاً . وبالموت الإبتدائي تتحول القصة إلى مونولوج استرجاعي، يستعيد عبره الراوي / المشارك تراجيديا حياة أبي أيوب، بيد أنه مونولوج متقطع زمنياً إلى محطات يتنقل الراوي عبرها صعوداً إلى الحاضر ونزولاً إلى الماضي .

- موت والد أبي أيوب في حادث سير .

- موت الأم بالتدرن الرئوي

- موت سلوى زوج أبي أيوب العاقر بوصفة إنجاب فاسدة

ومن الملاحظ أن هناك حالة شبيهة بالاستدعاء الذاتي في الميتتين الأوليتين، فاستدعاء الأولى أوجب استدعاء الثانية، وكأن كل منهمل انعكاس للأخرى، فتزامنهما معاً أتاح للراوي إجراء مقارنة عفوية لم يصرّح بنتائجها بوضوح بالرغم من أن النتائج مقدرة مسبقاً من خلال عاطفية التعبير عن موقفه تجاه الشخصين، وتجاه الميتتين . فقد حيّد موقفه تجاه الرئيس الأمريكي، وهذا الحياد انسحب على موقفه تجاه ميتته (لم أشعر بالحزن، فأمر الرجل لا يعنيني . ص / 61) . ولعل أسباب الحياد بحساب الراوي طبقية بالدرجة الأولى، يتجلى ذلك في تقديمه صورة للرجل عن طفولته المترفة، ويقارنها بطفولته هو (... وهذا يُخالف صورة الفقر المستقرة في ذهني، أنا القرويّ الذي لم تعرف قدماي الحذاء إلا بعد أن فرضته عليّ إدارة المدرسة . ص / 62) . وفي مواجهة هذا التحييد الطبقي للأول كانت القصة بكاملها خطاب تعاطف مع الثاني الذي يتماهى معه الراوي طبقياً .

وباستثناء الميتة الأولى، فالميتات الأربع الأخريات (ميتة أبي أيوب + ميتة أبيه + ميتة أمه + ميتة زوجه) أشبه بموتيفات متعاقبات، أو لوازم تتكرر إيقاعياً مع كل مقطع حياتي / مرحلة من حياة أبي أيوب:

- في طفولته - مات الأب

- في فتوته – ماتت الأم

- في شبابه – ماتت الزوجة

- في قمة عزلته وعوزه – مات هو

ومن الملاحظ في كل هذه الموتيفات أو اللوازم أن العنصر الأساسي الثابت هو الموت كحقيقة، بينما العناصر الثانوية المتغيرة فهي الأسماء وصور الموت .

 

ليث الصندوق

....................

(*) كتاب الحياة وقصص أخرى – عبد الأمير المجر – الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق – بغداد - 2018

 

 

انعام كمونةللشاعر جاسم آل حمد الجياشي

مقدمة: الأحلام سر وجودي وعالم غريب محبب للنفس البشرية تطمح اليه في كل حين بلاوعي لتحقيق ما نفقده أو نتمناه في الحياة، (ويرى سيجموند فرويد أنّ الأحلام نافذة لمنطقة اللاوعي، وهي وسيلة لإرضاء الرغبات غير المقبولة في المجتمع)، فالهروب للأحلام وسيلة شرود فطرية للعيش في واحة الاماني المبتغاة ونشوة لملامسة الواقع بزيف مشروع ورغبة عصية، وأن تكن بعض الأحلام كابوسا وأضغاثا مؤلمة الا أنها للتنفس الروحي لما يختلجها من ضغوط فتخفف عما يجول بخاطر الروح، وكان النبي يوسف عليه السلام معبر للرؤيا بمعجزة من الله كما ذكر في القرآن الكريم، وقد أهتم بالأحلام كثير من المفسرين العرب قبل الغرب مثل (محمد بن سيرين، والمفكر محمد بن عربي، وأبن خلدون) اصبح لها علم تفسير وتأويل، ويجدر الذكر (لحد الآن لم يكتشف العلم معلومات عن الكثير من كنه الأحلام) رغم تفسيرات عديدة لكيفية حصول الحلم ...

- ولمفردة الحلم نغمة عذبة الإيحاء تترك انطباعا شفيفا في ذهنية القارئ بما تبثه من توارد خيال بمفهومه الواسع تستفز حواسه برحلة ممتعة تجوبها النفس بمشتهى الروح وما تكتم من رغبات مستحيلة لا تتحقق في الواقع، ومن يقرأ مفردة الحلم بالعنوان ويستبصرها بشهية الاطلاع والمتابعة وهو يعرج على ملاحظة الشاعر (بتأبين صديقه قاسم ذيب) يتفاعل مع الصراع النفسي للشاعر فيغوص بمتعة فلسفية للتمرد على الحقيقة، فلنتابع منظور الحلم وتجلياته في فلسفة الشاعر الجياشي ...

- من ثريا النص نرى بناء حبكة مرصوفة بإيقاع انفعالي بما يحمل العنوان من الدلالات والعلامات وسكنات التعجب تمنح العنوان سيمائية قصيدة نثر مغايرة الإيحاء متمردة الفكرة بعنوان يشاكس دهشتنا بأسلوبه اللفظي وتتعدد آفاق مدلولات مضامينه فيستفزنا محور القصد من الوهلة الأولى ...

العنوان (لكَ مآب /ــ ايها الحلم ..!)

 يستدرجنا الفضول الماتع لمفردة الحلم كيف يكون للحلم مآب ؟ونحن نعيش الحلم كل يوم، نستيقظ على حلم الهموم (الحياة)، وعمرنا أيضا حلم الوجع ومرارة غياب الأحبة، والموت حلم آخر في علياء السماء أوفي برزخ الانتظار وقد يكون أحلى الأحلام وأطهرها وأصدقها نطقا، فأي حلما يقصده الشاعر، متى يكون للحلم مآب؟، فللحلم أشكاله المتعددة، بأي شكل سيعاود؟ ...

- تجذبنا متعة الحلم من صيغة العنوان بما لمعجمية الحلم من أصوات مؤثرة بهفيف لفظه أضافة لدلالته الواقعية المهيمنة التناغم فهو رمز مؤطر برؤى فلسفية متعددة بحروف الشاعر، ونستذكر قول للدكتور أحمد غنام عن الرمز: (يمكن تلخيص ماهية الرمز أنها في أدراك أن شيئا ما يقف بديلا عن شيء آخر أو يحل محله أو بمثله بحيث تكون العلاقة بين الأثنين هي علاقة الخاص بالعام أو المحسوس العياني بالمجرد فيرمز لفكرة أو معنى محدد)* فلرمز الحلم أشكال متعددة الدلائل بتغير مستمر وبعث دائم ضمن ماهية وجود طبيعي بضدية البيان وبلاغة التعبير، تتالق بروعة استعارة مكتنزة المعنى بعيدة الإيحاء تزرع التوق لاستكشافها، لذا علينا الغوص في أشكالها، ووجب علينا هدم أطرُها وخرق هالتها لنفهم فلسفة الحلم في بحر رؤى الشاعر ...

- نرى الخطاب الموجه من ثريا النص وهو يشير بالضمير(لك) لمن يخاطب ؟ قد يخاطب بها حلم الشخص المتوفى، وقد يخاطب صديقه ويلقبه بالحلم، لأنه جزءا من أو شبيه لحلم الشاعر، أو يخاطب فترة الحياة المشبهة بالحلم أو قضاء الموت المشبه بالحلم ؟ ولربما يخاطب ذات روحه أي الشاعر الجياشي بهمهمات اليقظة الفلسفية المتألمة؟ !! ...

- بما أن الحلم زمن غير معلوم، وغيبوبة حدث يحظى بزمان ومكان يلاحقنا بأشكال شتى في اليقظة والمنام، يتسرب دون علمنا ولا ينتهي بارداتنا وانما يغشانا بظاهرة طبيعية لا سلطة لنا عليها وحين يتم الحلم ولادته ونشأته بفترة وجود كاملة يتسرب حلما آخر بتوقيت المكوث وتجديد اللحظة الفانية فيعاودنا بشكل آخر، سنستقرأ ما وراء هذا المآب لنرحل مع أشكال وألوان الحلم، ونستنبط غرض الشاعر لعودة الحلم، لمن ومتى ؟ ...

- نلاحظ للعنوان تركيبة متفردة بسيمائية اشارات حركية تعودنا دوما وجودها في نصوص الجياشي الخط المائل والذي يترك فترة توقف للقارئ والخط الأفقي انتقالة للتبحر والغوص لاستخراج عمق الدلالة وهي فواصل لم تخل بالمعنى بل تواصلية الانسجام ببنية تعبيرية جذابة تبعث على التحسس بجمالية الانزياح لما بعدها وتتوهج بومض الترابط، واشارة لانتقاله، علما يستوقفنا العنوان بتركيزه الغرضي وتعدد دلالاته، تتركز في باطنه مغاليق كثيرة رغم سهولة التعبير الا أنه يحمل في طياته صوفية مغزى بما يفضي لنا من كينونة النص !!...

- وظف الشاعر رمز الحلم بتضاد رؤيوي وتناقض دلالي لفاعلية اشكال الحلم ما بين الحقيقة / والخيال، ليثير استفهام القارئ/ المتلقي من ثريا النص، فنسعى متلهفين للحاق بفقرات النص لإزاحة سواتر الغموض وتبرق الاضاءة للإشباع التساؤل، فالعنوان ملتفع للنص ينتعش من ارتكازه على طاقة رمز (الحلم) وقوة تعالقه مع النص، والعنوان بوابة لفحوى النص يفتح مصراعيه كلما توغلنا في عتبات النص والتوقف بين ثناياه لاستقرائه تتأصل خباياه وتشقشق بادرة دلالة أخرى فنسترجع رمزية العنوان من بين نسق النص وهي ميزة رائعة جدا بتعالقه المتين مع متن النص، فالعنوان ثريا ناطقة وغامضة مكتنزة بالدلائل المتعددة وطافحة بأكسير الجمال على مستوى اجرائي عميق الترابط ودلالات القصد ...

النص.. لننحو لمفارقة رمز الحلم وتعدد دلالاتها...

- الأبداع يتراكم من بداية النص والدخول لعتبة جوهرية التعبير وخزين مُرَكز يختزل مساحة واسعة من الكلام والدلائل بعبارة بوح رائع جدا وهي (أنيق الروح) انزياح متفرد فأي أناقة تكون للروح !!هل تتأنق الروح وماهي أناقتها ؟ اقتباس الأناقة للروح يبين منتهى الدلالة لسمو الخلق باستعارة أنسية، ومن ثم تعقبها (تلفعك بحرفك الأبيض) فتكتمل الصورة الشعرية الراقية الإيحاء بانزياح تركيبي وفنية التعبير بعدة دلائل، بما تكتم من براعة وصف وتشكيل جمالي يدل على مقدرة لغة في بلاغة الاستعارة لتفسير نقاء السريرة وصفاء النوايا وهذا ينم عن صفات المتوفي بمعطيات الصورة، وضوح روحه المتسامية عن مساوئ البشر فتمثل في مستوى أجرائي غاية الكمال والجمال ...          

- ويمكن أن يكون بدلالة أخرى، بإحالة الكفن للحرف وكأنه يُحَمِل حرف المتوفي وهو(شاعر أيضا) مسؤولية موته لمدى معاناته وإحساسه المرهف والموجوع من مطبات حلم الحياة ولأن صديقه المتوفى يكتب بمداد الوجع ويستوعب الجياشي تلك المعاناة، لذا أوعز اختيارها كدلالة لسبب موته سَبَبَت بتحقيق حلم الحياة الأخرى (الموت) ...

- وبما أن رمز الحلم للموت أيضا وهو شكل من أشكال الحلم بدلالة (الغياب) وهنا تكمن بلاغة الاستبدال حيث لا يشير الشاعر الجياشي الى الموت بشكل مباشر لأنه يريد أن يقول أن الموت مجرد حلم كما اليقظة من الحلم هو الاستيقاظ من نوم، باستعارة تشبيهية رائعة الوصف على المستوى الدلالي بتناول دلالة المشابهة، فيشي لنا بعمق المعنى وتكثيف الدلالة على أنه لم يمت ببقاء حروف وما زال حي يرزق ...

- وبهذا الكتمان عن الموت وعدم الإفصاح المباشر عنه بتوظيف رمز الحلم بأشكال عديدة متغيرة كوحدة دلالية وما ضمر مضمونها بين أنساق النص بفلسفة خصبة المعرفة ومقدرة فكرية للشاعر ورؤاه الضمنية بصوت مختلف متباين الدلالة متضادة القصد فيما بينها، تبرز براعة الشاعر باستعارة واحدة تتآلف مع وحدات النص وتخلق الاختلاف في كل موضع وتلك مقدرة تقنية وخبرة معرفية راقية اللغة تبهر القارئ/ والمتلقي، ليترك للقارئ التأويل مفتوحا بمدى تأثره ودرجة تفاعله بما يهوى تفسيره وما يلتقط من ثمار معرفته وهي ميزة تواصلية الخطاب الأدبي ...

- ونتابع بقطاف آخر و ..

كن مزاراً،، للصادقين

القادمين من براثنِ الوجع ..!

كُن هودج رفضٍ

للمهطعين في قولة

ال كفى ../ـ ؟ !

- نلاحظ باذخ جمال التصوير لكينونة النقاء وتقديسه في الصورة الشعرية الآتية (كن مزاراً للصادقين) والمؤكدة ب (كُن) وهي تعبير لكائن قصدية الشاعر يشي بتكوين يقيني لبياض وروح صديقه المغيب بحلم قدره فيعبر عن مكان حلمه المغيب مزارا مقدسا بعمومية صفة الصدق يأوي اليه اشباه لونه الصادق وروحه البيضاء كما يردفها في نهاية النص بالطهر وهو استمرار تعالق نسجة الأنساق بانسياب وحدات الموضوع بتسلسل بنائي محكم وجمال تشكيلي رائع بخلاصة راقية للنقاء الانساني في حلم الحياة...

- ولنطلع على مستوى أجرائي آخر لجوهر الفكرة من الصورة الآتية، (القادمين من براثنِ الوجع ..!) فكل القادمين متعبين من قسوة حلم الحياة بأفكارهم وأحلامهم ويشي بذلك رمز براثن في (براثن الوجع) تصوير فني بليغ لمدى وحشية التعامل مع الفكر أو المبدأ فيسبب العذاب الإنساني، وما تُسَبب للقادمين من الجراح معاناة وحرمان من أبسط الأحلام المشروعة للإنسانية ... وكأن الشاعر عندما ينعي صديقه يستذكر كل القادمين من حلم الحياة والمعنى المقصود كل من يُغَيَب من حلم الحياة وباستخدام مفردة القادمين وهي الأرجح من الذاهبين لأن الانتقال من حلم لآخر هو قِدم الشيء، ولربما بدلالة يمكن تأويلها أن الشاعر ينعى نفسه مسبقا أليس هو من سيكون ضمن القادمين!! فحتى في حلمه الآتي يأبى الا أن يكون طاهر المزار كروح صديقه حين حلم اللقاء ...

- وفي كلتا الصورتين السابقتين بتجسيد الإشارة الجمعية (بالصادقيّن والقادمين) تومئ انغماس الأنا للشاعر في محيط الآخر وانتقالية وحدة الخاص الى العام وهو مدلول التحرر من حلم الأنا لحلم الجميع ...

- ورغم مسحة الحزن المتراكم ألا أن درجة الدعم للتصدي لحلم الموت وبعث روح الشجاعة لمواجهة أي مرحلة حلم وبتذليل سطوة الخوف الطبيعية والفطرية التي تتلبس البشر بذكر الموت فنلمس درجة التحفيز للتفاؤل حين يخاطبه ب (كُن هودج رفضٍ) وايضا مفردة (كن) بصوت متكرر النبرة مؤكد الدلالة يدعوه برمزية الهودج لما لها من أثر تراثي وتاريخي عميق الدلالة ومعجمية عقائدية مكتنزة بالدلالات فالهودج زينة من الأنوار مرتفع لأعلى مكان وفي المقدمة دوما، تشبيه صديقه ليكون كبريق الهودج بأنواره ليضئ طريق القادمين من حلم الظلام (ألحياة) وهو سيمائية لمستوى أجرائي بأسلوب جمالي لخلق نبرة التناغم في أنساق النص الحديث ونبرة لغة فائقة الجمال وتشبيه رائع باستعارة تاريخي عقائدية اجتماعية لها الأثر النفسي البعيد متوهجة الصورة...

- لتتمثل موجة انفعالات الشاعر لمرجع ذكرى والتي يثيرها الشعور الغريزي فتنطلق بانفعال عاطفي بصيغة أمر كما في (كُن) بإيحاء صوتي واستعمالها كعلامة قيمة شعورية على مستوى التوصيل الإيحائي توجهنا نحو منطقة الدلالة بالاستعمال الجمالي للغة الشعرية وهي أدوات تقنية تقترن ببنية الأنساق وتبرز قوة الأبداع ...

 - وندرك حوار اللاشعور في نص الجياشي مع صديقه في حلم الغياب يحثه ويشجعه بعدم الاستسلام بلفظة (كن) وبصيغة آمر له ليبث روح الحلم في تفاصيل غيابه ومنها نرى ايماءة دلالة رائعة البوح للتصدي للموت ونكران هيمنته بروحانية مفارقة لرمزية الحلم مدهشة تنهمر من رؤى التأمل وروح نقاء قد تلتقي بأشكال عدة في واقع أو خيال وتلك فلسفة رؤى سيكولوجية وتاريخية وأنثروبولوجيا متجذرة من اعتقادات وتفسيرات كثيرة عن الموت كما في بناء أهرامات الفراعنة باعتقاد مآبهم، وكثير من الأديان تعتقد بتكرار الحياة بعد الموت، فلما لا يكون حلما وبهذا يتحول الموت لفكرة الحلم وكما نعرف للحلم زمن يؤوب وتوقيت محدد ...

- يدرك الشاعر بإحساسه المرهف لوعة الفراق وتعاني روحه فتنهمر دفقات شعورية التأمل من مدى الرؤى والمتأثرة بالموضوع فيكون الشعور ذاتي التفاعل، يهيم بحرقة الألم بلا وعي في رؤى فلسفته التعبيرية بفكرة القصد، لذا ندرك كنه ترابط الذات بفكرة الموضوع وتلاصق فلسفة الفكر المعبر بدلالات عميقة الأسى، وهنا ذاتية الموضوع تكمن في أوج التألم وعراقة المشاعر الإنسانية، والإحساس الوجداني الصادق والتأثر النفسي الغير مدنس بأي شائبة من أحلام الحياة ونرى تأجج مشاعر التأبين كلما توغلنا في وحدات النص ولنتابع قطافه الآتي ...

- تقلب في لظى أحلامكَ

الوجلة من القادمِ

ولظى /ــ الانتظار

الذي نما .. وأخضرَ

في دجى ثوبكَ

الأبيض المصابُ

بعدوى الغياب /ـ ها إنك

الآن تُدافَ في ندى

حلم التراب

- لَوَنَ الشاعر بريشة لغته أنساق القصيدة بالأبيض والأخضر أضفت التوهج على صور النص فاصطبغت بالعطاء، ولأن الأبيض ولادة حلم جديد والأخضر أنبات روح وبذرة نماء بسيمائية تفاؤل استخدم فحواها كرموز لإيحاءات عميقة متوارية خلف صفة الألوان، ومنها نرى الوصف الدقيق لصفات وخلق الصديق المتوفي برهافة ودقة اختيار ترتبط بدلالة حرفه الأبيض الذي مثل ميزة تأكيد النقاء .

- ونلاحظ منحى التشجيع للتصدي للخوف من المجهول في حلم الغياب فيعظهُ بعدم الاستسلام ويطمئنه بأن الغياب حلم سيستيقظ منه حتما وأن طال موعده، وبأن العتمة لا تدوم وما الغياب الا عدوى سيشفى منها، نرى دلالة التأكيد على (عدوى الغياب) ما هي الا مجرد أزمة مرض لفترة زمنية مما تشي أنها عدوى ستحل على الجميع، لذا يعبر عنها برمز الحلم في الغياب هو(الموت) وهو تفادي لقسوة لفظة الموت وما معروف عن النفس البشرية من صعوبة المواجهة له بالبحث عن سبل تفاديه كما اسلفنا بعدم الإشارة اليه بلفظه المعتاد ...

- أبدع الشاعر بطاقة تعبيرية فنية و فلسفة عميقة لتفسير ماهية الموت بزمن غياب مؤقت وعدهُ شكل من أشكال الحلم بتوظيف مفردات بسيطة مبطنة بتنوع دلالي غائر مما يوصلنا لتداولية خطاب رائعة الأثر بتواصلية أدبية لتفسيرات عديدة نابضة على محمل التأويل لعمق ما تحمل الأنساق من صور بارعة الوصف بتوظيف مضمون خطابي لموضوع متكامل بمعاني جميلة وما تكتنز من دلالات الصور الشعرية لخطاب عام بتغاير دلالة مفردة واحدة هي رمز الحلم وألبسها هبة المرونة لغرض دلالي متنوع بإيماءة طاقة الرمز فاكتست بقوة الإيحاء ومقدرة التشكيل ككيان متفرد وحدوي مكتمل الدلالة متجانس مع وحدات النسق في أي صورة كائنة الغاية ...

- يجذبنا الأسلوب التعبيري في الصورة الشعرية الفنية الرسم (ها إنك الآن تُدافَ في ندى حلم التراب)، فنية التعبير تطغي ببعدها الدلالي، فكيف يداف صديقه في ندى حلم التراب ؟ يبتدأ الشاعر بظرف الزمان (الآن)والذي يدل على الوقت الحاضر وهي لحظة زمنية آنية غير متوقفة في أي قراءة ستكون الآن فصاعدا، فهو يراه برؤيا قلبه يداف وهو فعل مضارع يدل على الاستمرارية، والندى رمز الطراوة والبلل، والتراب من العناصر الأساسية الأربعة وهي أصل الكون والخلق ومنها نشم رائحة التراب المعطر من رطوبة الصباح وشروق النور، تشبيه رائع مبطن وبدلالة تأويله أن صديقه سيعطر حلم التراب وهذا دلالة أخرى لرمز الحلم عميقة الإيحاء وكما نعرف خُلقنا من التراب ونعود للتراب ففيها الكثير من الحكمة الفلسفية وصوفية التفكر وبعد التخيل، لذا علينا تفتيت كل معجمية لنكتشف ما تحمل في بواطنها البعيدة فنرى الانزياح التركيبي العميق والدلالي الموظف لرسم مستوى النقاء الذي نوى الشاعر توصيله للقارئ وهو مستوى أجرائي رائع ومكثف جدا ...

- نستدل من وصف الموت بالحلم نظرة فلسفية تنم عن رضا مسبق لكينونة الوجود المتغير مبررة لتفسير حتمية زمنية معينة لا تخضع لمدى علم البشر فتفسر بقناعة عرفانية وثقافة عميقة لتتقبل حالة غامضة يقينية التوقع بتكهنات فلسفية ودراية معرفية واسعة وباعتقاد رؤيوي بعدم أحباط النفس البشرية والتي تسعى دوما للبقاء الأبدي، كما في قصة جلجامش والبحث عن عشبة الخلود فمن منا لا يتمنى أن يعثر عن سر هذه العشبة ؟ وبالابتعاد عن الوضوح والمباشرة بهذا نستدرك بعض التجارب التراثية والأسطورية والتي تنقلنا لميتافيزيقية التكوين لخاصية الفكر الفلسفي للشاعر ...

- ويوفق الشاعر بفلسفته لفكرة الموت عن صديقه المقرب ليقتنع ولربما يُقنع أنه حلم، وجدير بالذكر أن أثر الصدمة لغيابه أهلته لذهنية عميقة الرؤى حول الغياب كما يدل رفضه لعبارة الموت باستبدال فرضي انها حلما وتلك قناعة فلسفية بعيدة الرؤى، وما تفسيره أن الحياة والممات حلم، والاستيقاظ هو حلم لقاء آخر وحياة مجدية جديدة فنرى فلسفة متفردة لكلمة ومعنى الموت ومنطق اقتناع أن الموت والحياة مرادفات لشكلين مختلفين لحلم واحد متعدد الصور، وتلك مفارقة رائعة على مستوى أجرائي بفلسفة ذاتية وعمومية يطمح لها الكثير بحكمة فلسفية مؤملة لتحقيق الحلم ...

- ورغم ما شدا الشاعر من حزن في أصقاع الحلم ألا أن أصداء مناجاة روح الشاعر تتهجد بدرجات العرفان الإنساني والوجداني بألم الفراق تجاه روح صديقه المتوفى، ولنتابع بقية القطاف ...

إني أراكَ الآن وأنتَ

في عليائكَ ..

متوثبٌ في حلمِ يقظتكَ

وأنتَ تهرول

على سواترِ الييااااااااااض

تاركاً خلفكَ

كلَ هذا المجون /ــ متطهراً

زاهداً ..

نقياً .. فرااااغ كفكَ يشهدُ

تأكد ياصديقي /ــ لكَ مآب

ولي ذهاب /ــ وسنلتقي

عند منتصف الحلم /ــ إياكَ أن توقظني

من حلمي السادرُ فيك ..!!!

- للضمائر حضور بهي في أنساق النص، تنهمر من العنوان (لكَ) لعتبات النص (ها إنكَ)، وقد تعددت الضمائر، ومنها ما تركزت في المجاز التعبيري الآتي (إني أراكَ الآن وأنتَ)، ضمير المتكلم (الياء) والمخاطب (الكاف، أنت)، كذلك موسيقى التعبير للضمائر في العبارة الآتية (لكَ مآب ولي ذهاب)، اضافة الى تعدد حرف الأف في معجمية البياض ورسمها بشكل (البيااااااااااض) بتكثيف نبرة النقاء، فما أروع التكثيف لإيصال نبرة الخطاب بمستوى صوتي صارخ النقاء والوفاء متوازي بإيقاع اسلوبي الانفعال وصيغة متوازنة بين المرسل والمرسل اليه، مما يشد القارئ / المتلقي للتواصل والانهماك العذب في تفسيره وتأويله المتواصل...

- ونرى تكرار مفردة (الآن) تمثل زمن الحلم وانغماس الشاعر في الرؤى ممتدة باستمرار اللحظة لروح صديقه ودلالاتها بكل حين تأكيد مكثف للزمن الآتي، سبق أن تناولته ...

- ولننهل من تعدد الصور الشعرية بفحوى اشكال حلم الحياة الأخرى في زمن الغياب تضمنت الزمان في(حلم يقظتك) والمكان (على سواتر) بانساق متكاملة الترابط كما في الأنساق التالية...

 في عليائكَ ..

متوثبٌ في حلمِ يقظتكَ

وأنتَ تهرول

على سواترِ الييااااااااااض

تاركاً خلفكَ

- ما يلفت الانتباه بتحفيز الفكر لدلالات عديدة بأن الغياب زمن حياة اخرى مثل(في عليائكَ ..، متوثبٌ في حلمِ يقظتكَ، تهرول) فيها حضور مطلق التأكيد متشرب برؤى الشاعر يعري الموت من سكونه فتبدو الصور بفاعلية تجريدية لحركية الأنسان موازية لأي حياة بحضور دليل الحركة في(متوثب، تهرول، وتثب) فتشكل منحى أجرائي تجريدي الملامح عميق الدلالة مرتبط بحواس حميمية الروح كما تراه العين حاضرا وتسمعه الأذن وجودا برؤيا طاقة الحياة في حلم الغياب وهذا تضاد استعاري رهيب البلاغة ...

- كما أوحى لنا الشاعر بدلالة أن اللقاء في منتصف الحلم هو إشارة لفلسفة تسلسل الانعتاق رويدا رويدا من حلم لآخر وهو (الموت)في قصدية مبطنة لفكره الفلسفي، ويوحي بالفراق المتوقع فلكل حلم نهاية كما أسلفنا وقطاف أخير لفلسفة النص...

ــ إياكَ أن توقظني

من حلمي السادرُ فيك ..!!!

يا صديقي ..

 - دفقة شعورية لخاتمة رائعة مكملة لترابط ضمائر الخطاب في بنية النص بأسلوب سلس الانسياب مؤكدة فلسفة الجياشي لأشكال شجرة الحلم واشارات الضمائر ما بين مرسل ومرسل اليه، نلاحظ الضمير أياك موجه للمخاطب بشكل تأكيدي وتحذيري لأن الشاعر يود أن يبقى في حلم الذكرى لصديقه ليتم اللقاء بحلمه الآخر وتأكيده ب (يا صديقي) فقد أنهى لواعج الوجع بندائه لصديقه فهل ينتهي حوار فلسفة الحلم ؟...

- لقد تكررت مفردة الحلم تسعة مرات من العنوان لخاتمة النص ما بين مرتبطة بضمائر المتكلم والمخاطب أو غير مرتبطة ضمن سياق تركيبي بمهمة وظيفية وقوة توالد دلالي بسياق اسلوبي على مستوى الرمز، حيث تم توزيعها في مواطن النص ولكل منها مدلولها الخاص بانزياحها عن مدلولها المعجمي (الدال) برمزية مختلفة الدلالة متآلفة مع الشكل والمضمون بصورة حسية واستعارة مختلفة شكلت العمود الفقري للنص وتكاد تكون هي الرابط الأساسي للفكرة وثيمة ارتكاز من العنوان للخاتمة موشية بكثير من الدلالات المتناقضة الجذابة وهذا ما يوحي للأبداع الحقيقي والمثير للجدل حول قدرة خيال الشاعر واجتهاده اللغوي وخبرته الشعرية وقد كان للكلمات ايقاع متوازن ومؤثر ...

- كما تكرر اللون الأبيض ثلاثة مرات والمصدر ايقاظ اربع مرات ...

- على مستوى الأنساق في بنية النص تشكيلة فنية بارعة الجمال ببنية رصينة وترابط وثيق لا تنفك عقده عن أفقية الانزياح ولا عن عمودية التراتب الانسيابي بسلاسة شيقة ممتعة للقارئ/ والمتلقي، بنسجة متشابكة مترابطة المضمون، قصيدة نثر معطرة بالاقتدار اللغوي والخبرة التعبيرية بحبكة مترابطة الأنساق وسيمائية عناصر بأسلوب توظيف غاية وقصد تجول في تفكيرنا دوما، أنجاز رائع لنص حديث مغاير الرؤيا بوحدة نفسية وخيال شعوري وفلسفة فكرية بتطويع اللغة لأدوات مبدع ...

- تمكن الشاعر جاسم الجياشي من إرساء مستوى أجرائي لدلالة التضاد في الوجود من موت وحياة ..وغياب وحضور.. أبيض، اسود .. فراق ولقاء وغيرها من أحاسيس عاطفية نفسية برمزية الحلم وتحرر من قيود مبهمة عطشا لحرية روح بمنطق فلسفي متميز الفكر بترابط موضوعي ذا فاعلية خطاب نقلنا من الخاص الى العام، ومن ذاتية موضوع لعمومية الخيال، وترجم فلسفته بحواس الإنسانية بأنواع المعرفة ومختلف البيان بخبرة عميقة فأنتج الأبداع بفاعلية أدبية بباذخ اللغة، وبوح ايحائي يشي لنا حكم وعبر برشاقة اللفظ وفنية التعبير بمفردات بسيطة جسدها بمشاعره الجياشة بحزنه العميق فرسم انزياح متغاير بتكثيف الصورة لأبعد ما يلامس خلجات القارئ بتفاعل التلقي فيتوهج النص بصفة السهل الممتنع وهي بلاغة النظم وكثافة الإيحاء ببساطة التعابير وعمق المضمون...

خلاصة

- يؤكد لنا الشاعر بفلسفة زاخرة التفكر غنية الرصيد المعرفي خصبة الخيال بتمثيل حركة الحلم لملامح زمن بأنواع مواسم كونية الوجوه وتكرار مختلف، فتوالد الحلم بأشكاله الشتى من محور النص القائم على بؤرة تناقضات تجسد كونية عالم الحلم، باقتران رمز الحلم بجوهر الفكرة ومختلف الدلالة ندركه بتمعن التوقف كلاً على حدود معناه وما يخفي من ايحاء يشي بإمكانية تفسيرها وتأويلها ضمن معرفة المستقرئ ...

- بخلاصة الرد على اسئلتنا السابقة، نستنبط أن الحلم زمن يؤوب بين حلم وحلم وقد بدأ الشاعر بزمن واستدرجنا معه برحلته الفلسفية ما بين زمن حاضر وزمن غائب نستدل منه أن الوجود الطبيعي زمن بكيان مستمر رغم تقاطع أزمنته بأشكال الحلم ورغم قياسها بالمستوى السيكولوجي فان الأزمنة أفق كوني متأرجح يجيب على اسئلة فضولنا بكيفية لا تقتصر على نهاية واقعية بل منطقية مستحدثة ضمن كل قناعة قارئ، وقد تناثر هذا الزمن بوحدات النص بالوان مختلفة من بداية العنوان لخاتمة النص مرادف لرمز الحلم بشكل متوازي بصيغة مدهشة منصهر مع وحدات النص بجمال أخاذ، فلكل زمان مكان يحتويه وبهذا المستوى الإجرائي النص مكتظ بالزمن وهي إشارة فاعلة التأثير تصاعدية التموج تبعد الجمود عن ذهن المتلقي للتفكر بفترات الحلم حين المتابعة ...

- وبدلالة عميقة التبصر وعين التوقع بفلسفة الإلهام الثاقب التفكر بذهنية الشاعر الجياشي تجاه موت صديقه الشاعر تنعكس بمرآة التصور وكأنه يتوقع بسيرة نفسية ذاتية مستقبلية له وما يجول بخاطره الفلسفي، فيرصد مسبقا لما يتوقعه بعد مغادرة حلم التواجد(الحياة) الى حلم الغياب (الموت)، بتحقيق شكل من أشكال الحلم والذي لا بد منه في حياة الحلم، ولذا يدرك بيقين حكمته وروحه الناصعة وكما يقال(رحم الله من عرف قدر نفسه)، وها هو يرى نفسه في مرآة حلم صديقه بلا ضبابية ولا هروب، وبكذا يترك لنا انطباعا عن بصمة حلم غيابه المستقبلية بذهنية تغاير سيكولوجية وأثر اجتماعي وتاريخي تراود الشاعر عن حلمه الآتي، قد تكون! أو لأنهم من نفس المحيط وتعاريج مناخ مرسومة على خارطة المصير بنفس المعاناة فالأصالة تجود بنعي الميت فكيف أن يكون التأبين لصديق عزيز مقرب أحرق فراقه القلب وأفاض المآقي...

 

قراءة إنعام كمونة

...............

لكَ مآب /ــ ايها الحلم..!!

 وفاءً لروح الأديب قاسم ذيب.. حبيب القلب والذي وافاه الأجل قبل ايام رحمه الله ..

جاسم آل حمد الجياشي

***

أنيقَ الروح /ــ تلحف حرفكَ الأبيض

كن مزاراً،، للصادقين

القادمين من براثنِ الوجع ..!

كُن هودج رفضٍ

للمهطعين في قولة

ال كفى ../ـ ؟ !

تقلب في لظى أحلامكَ

الوجلة من القادمِ

ولظى /ــ الأنتظار

الذي نما .. وأخضرَ

في دجى ثوبكَ

الأبيض المصابُ

بعدوى الغياب /ـ ها إنك

الآن تُدافَ في ندى

حلم التراب

تدثر ..

تدثر /ــ بالسحاب

تدثر .. لكَ موعد

في الإياب /ــ عند منعطف

أولى الحكايا

أولى الصرخات

الرافضة /ـ ؟!

لم أشأ يوماً ياصديقي أن اوقظك من أحلامكَ ../ــ إلا رغبة مجنونة سُكبت فيَ اليوم

لإيقاظكَ من صحو أحلامكَ التي سَكَنت مشافي الجنون! ولادتها المتعسرة /ــ ؟!

على يدِ قابلة الرعب .. أُجهضت ..!!

منذ زمنٍ ..!

إني أراكَ الآن وأنتَ

في عليائكَ ..

متوثبٌ في حلمِ يقظتكَ

وأنتَ تهرول

على سواترِ الييااااااااااض

تاركاً خلفكَ

كلَ هذا المجون /ــ متطهراً

زاهداً ..

نقياً .. فرااااغ كفكَ يشهدُ

تأكد ياصديقي /ــ لكَ مآب

ولي ذهاب /ــ وسنلتقي

عند منتصف الحلم /ــ إياكَ أن توقظني

من حلمي السادرُ فيك ..!!!

ياصديقي ..

 

عدنان حسين احمدصدرت عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت المجموعة الشعرية الأولى التي تحمل عنوان «صمتُكَ كثيرٌ وظهيرتي لزجة» للشاعرة العراقية فَيْء ناصر المقيمة في لندن حاليًا. تنقسم المجموعة إلى خمسة أبواب تضمُّ في مجملها 57 قصيدة يهيمن عليها الهاجس الثقافي لجهة تعلّق الشاعرة بأسماء شعرية عراقية وعربية وعالمية أمثال سعدي يوسف، فوزي كريم، محمود درويش، بيسوا، ريلكة، لوركا، جوزيف أتيلا، ليونارد كوهين، مايكوفسكي، رامبو، إدغار ألن بو، كما ترد في بعض القصائد أسماء أدبية وفنية مثل الروائي الأمريكي هنري ميلر، والرسّام النمساوي إيغون شيله، إضافة لصديقيّ طفولتها رياض، وبختيار، ولا يتخلّف الأب العابس عن الحضور، والأمّ «المُصابة بعوق الفضيلة الأبدي». تٌسهب فَيْء الكتابة بضمير المتكلّم، ونادرًا ما تستعيض عنه بضميريّ الغائب والمُخاطب.

وعلى الرغم من طغيان الأنا، وهيمنة الموضوعات الذاتية إلاّ أن القارئ يُحيط بعالمها الموضوعي ويلمّ بأطرافه المتناثرة التي تأخذ شكل أمكنة محلية وعالمية عديدة تكشف من طرف غير خفي سعة المشارب الثقافية التي تنهل منها هذه الشاعرة المُرهفة التي لا تجد حرجًا في البوح بمشاعرها وأحاسيسها الداخلية، لدرجة أنها تسمّي الأشياء بأسمائها أو تُحيل المتلّقي إلى المعاني المجازية التي يمكن التقاطها بسهولة ويسر.

يُوحي عنوان المجموعة بثنائية العاشق والمعشوقة فهو صامت وبالكاد نلمس ردود أفعاله، وهي وحيدة، ونافرة من المجتمع، ومتحاملة عليه، فلا غرابة أن تستهل عالَمها الشعري بـ«سيرة ذاتية للخيبات» وكأنّ حياتها سلسلة من الإخفاقات والخسارات المتلاحقة، التي لا تعوّضها إلاّ قصائد لوركا، وأنداد بيسوا و«متاهة أسمائه»، فثمة بارقة أمل تتلألأ في السماء الدكناء للشاعرة فَيْء ناصر، لأنها وجدت ذاتها في الثقافة الكونية، وإن كان بعض رموزها عراقيين أو عربًا لكنهم يتناهلون مثل الأواني المستطرقة التي تغذّي بعضها بعضًا.

تبني فَيْء معظم قصائدها على حدثٍ معينٍ أو ذكرى تخطر في البال، وربما تكون قصيدة «عراق يمشي مع امرأة» هي أعمق قصائد المجموعة قاطبة، وقد كتبتها حين رأت الشاعر سعدي يُوسف مصادفة وهو يمشي مع امرأة «باهتة كلسانٍ لم يذقْ البرحي أبدًا». فتشتبك معه بأسئلة متتالية: «بأيةِ لغةٍ تضاجعُها؟/ تُضاحكُها،/ تُشاتمُها؟/ أتقرأُ شِعركَ؟/ هل تفهمُ نزقكَ؟». لا تتحدث الشاعرة في هذه القصيدة عن فرد، بل عن وطنٍ بكامله وقد سمعناها تسألهُ بصوت خفيض:»أين تمضي أيها الوطنُ الذي يُعلّقُ الوطنَ في عُنُقِهِ؟» فالمعروف عن سعدي أنه يرتدي قلادة تتدلى منها خريطة العراق، ثم تختُم هذا النص المركّب بسؤالين عن الغُربة والإياب حيث تقول: «متى ستتوب/عن غربتِك يا عراقُ/ وهل ستؤوب؟». وفي السياق ذاته تكتب عن شعراء آخرين تمحضهم حُبًا من نوع خاص مثل الشاعر الراحل فوزي كريم الذي خصّته بـ«قصيدة في إسطبل» وأهدتْها إليه، ولعل أبلغ ما فيها متابعتها المتأنية للحظات التي تتوهج فيها مخيّلته الشعرية حين تمسّهُ يد العِرفان، وتُوقظ فيه السيّاب والبريكان وكل الغاوين من قبلِه.

لا تختلف قصيدة الومضة في القسم الثاني من المجموعة عن القصائد النثرية الأخرى ذات الإيقاع النابض الذي يُشعِرك بحيوية القصائد التي تكتبها فَيْء ناصر، لكنّ هذا التقشّف ينسجم مع الموضوعات الشعرية للنصوص المكثّفة نذكر منها: «غيابُكَ/يُوقظُ عثراتي/يُوقظها كلها/حتى تلك التي تفاديتها». أو «ذاكرتي/ بثرٌ سوداء/لا تملك إلاّ مَنْ فَقدَتْهُ». ثمة قصائد تنطوي على شطحات جريئة تخرق المسكوت عنه، وتنتهك اللامُفكر فيه من بينها: «فضَتكُ تُوشك على إغراقي../ أين يداي؟» أو «ما زلت أمضغُ صوتَكَ بأناملِ المواء»، أو «كسفّاحين سينثّان القُشعْريرة/في أضلعي ودلتاي».

ترصد الشاعرة في القسم الثالث من مجموعتها الشعرية تواقيع الحضور الشهري على مدى خمس سنوات لأنها كانت طالبة لجوء رُفض طلبها وكانت عُرضة للترحيل في أي لحظة فوقّعت عددًا من قصائدها المُفجعة وهي تتعثر بأذيال الحافلات على أرصفة هانزلو التي تُفضي إلى مراكز اللاجئين.

ثمة مفارقة كبيرة في القسم الرابع بين عُمْرِ الشاعرة ووطنها الأول، فكلاهما لا يفتح أبوابه إلاّ «للسرّاق والموتى» لأنه جاذب للصوص، وطارد لأبنائه الحقيقيين. لنقتبس من قصيدة «عمى» الأبيات الثلاثة الأخيرة التي تقول فيها: «والعمرُ مثل البلد/بابٌ مشْرعٌ/للسُرّاق والموتى». قد تفْرغ العاشقة من كل شيء، وتصبح خاوية إلاّ من معشوقِها، فكلاهما أدمنَ المنافي، واخترعَ الوداع. يختصر بعض القصائد القصار تجربة حياة بكاملها حين تستقطر الشاعرةُ الكلامَ، لكنها لا تبخل علينا بالصور الشعرية التي تفي الحكاية حقّها كما هو الحال في قصيدة «نهاية» التي تقول فيها:»رَهَنتُ انتظاري/لمصطبةِ الأسئلة/ومضيتُ إلى أجنحة اليأسِ/أستريح».

يتمحور القسم الخامس من المجموعة على «الجنون والأماكن الخاطئة»، وبغض النظر عن موضوعات النصوص الشعرية الثمانية التي ضحّت بالاقتصاد اللغوي لمصلحة الشكل السردي، الذي نعهدهُ في النثر ولا نألفه في الشعر إلاّ ما ندر من باب التنويع، والتجريب، والخروج على القاعدة البصرية التي تأخذ في الأعمّ الأغلب أسطرًا شعرية متتالية، قد لا تنتظم في الطول أو في القِصر، وقد تتخللها نقاط، أو علامات استفهام، أو تعجّب، أو مساحات بيضاء نستشفُ منها ما نشاء. هذا الشكل النثري الذي يغطي الصفحة بكاملها ليس جديدًا، وقد استعملهُ العديد من الشعراء لكن التأكيد عليه يستحق الاهتمام والدراسة، لأن موضوعاته الكبيرة لا تقبل الاختصار، وتجد نفسها في البوح السردي الذي يحتاج إلى مساحة شاسعة ومفتوحة. تتكرر ثنائية الحضور والغياب في هذه النصوص المؤرّقة التي يتفاعل معها القارئ، لكنها تتجلى أكثر في قصيدة «حضورُكَ جمرٌ وعدوى» التي تختمها الشاعرة فَيْء ناصر بضربة فنية شديدة الذكاء حين تقول:»اِخفض عينَ روحِك عني كيما أهدأُ قليلاً، فحضورُكَ جمرٌ وعدوى، وغيابُكَ هو الإقامة».

لا يستطيع ذوّاقةُ الشعر وناقدهُ إلاّ أن يعترف بالمُخيّلة المُجنّحة للشاعرة فَيْء ناصر، التي قرأت الكثير من الشعر العربي الحديث، إضافة إلى الشعر العالمي المُترجَم الذي فتح لها آفاقًا جديدة لم نألفها من قَبل. ورغم أنّ هذه المجموعة لا تحتفي إلاّ بقصيدة واحدة عن الفنان إيغون شيله وبضع صور تشكيلية متفرقة هنا وهناك، إلاّ أنها مُدمنة على مشاهدة الأعمال الفنية وتأملها بعين الشاعرة المتذوّقة التي تكتشف المنطقة الغامضة التي يلتقي فيها الشعر بالرسم، من دون أن يتخليا عن عظمة الإيقاع الموسيقي وسحره الذي يخلب الألباب.

لا يمكن لأي شاعرة متمكنة من فنِّها أن تكتب بهذا العُمق ما لم تتسلّح بخبرة داخلية، وتجربة حياتية متراكمة، ولا أظن أنّ المثقفين العراقيين المُقتَلعين من جذورهم يفتقرون إلى الخبرة والتجربة والهمّ الوجودي، ومعظم تجاربهم معجونة بالألم والوجع والمعاناة المريرة، وليس أدلُّ على ذلك إلاّ سنوات الانتظار الخمس التي أمضتْها فَيْء ناصر في لندن وهي مُلزمة بالذهاب والإياب شهريًا إلى مراكز التوقيع التي تسحق الأعصاب.

لابدّ من الإشارة إلى أنّ فَيْء ناصر تُفرِّق بين الصورة البورنوغرافية المبتذلة التي لم تقع فيها، والصورة الإيروسية الراقية التي تتعالى على الشهقات المؤقتة، والرَغَبات الآنية، لهذا تفادتْ الأولى تمامًا وأمعنت في استعمال الثانية، لأنها تبثُّ في القصائد نسغًا صاعدًا يمكننا أن نتلّمسه مثل الريليف البارز على سطح منحوتة مستوية.

 

عدنان حسين أحمد

 

جمعة عبد اللهمنذ ذلك الحين ودمشق تحترق

يعتبر زكريا تامر من ابرز كتاب القصة القصيرة، في تحديث اسلوب السرد والحبكة الفنية لنص القصة القصيرة، في تطوير اساليب صياغتها. وبرز ايضاً في الاسلوب الساخر والانتقادي. الذي يمزح الواقع بالخيال. في ابراز صور من الانتهاك الانساني والحياتي، يحاول ابراز معالم وصور الانتهاك والظلم والقهر الاجتماعي، الذي يقع على كاهل الانسان، وخاصة على المرأة، التي تعاني الامرين من العادات والتقاليد الظالمة، وعقلية الموروثات الدينية وحكايا الخرافات، التي تدل بأن المرأة عنصر فاسد في المجتمع وانها افعى يقع عليها شرور المجتمع، في اخلال بقيمة هذه الموروثات وقيمها الدينية، في سلوكها الشائن. لذلك تقع عليها معالم القهر الاجتماعي والبؤس والفقر والجوع، والاغتصاب الجنسي. ويحاول ان يسلط الضوء على الخرافات التي هي ضد عالم الانسان والحيوان، في دلالاتها الايحائية والرمزية. ويقف الى جانب الانسان المسحوق والجائع والمحروم. كما يتناول عيوب المجتمع ومثالبه السلبية، تجاه المرأة بأنها متعة لسد الجوع الجنسي، الذي لا يرحم ويدوس على القيم والاخلاق. في السلوك والتصرف، والروح العدائية والانتقامية تجاه المرأة. بدعوة الحفاظ على العادات والتقاليد الاجتماعي، والمحافظة على القيم الدينية من الانتهاك. بأن المرأة تحاول تخريب  المنظومة الاخلاقية ، التي يستند اليها المجتمع وموروثاته وخرافاته. يقدم هذه الاشكال السردية، استناداً الى قناعاته الفكرية والفلسفية والسياسية، يطرحها في اسلوب سردي مشوق، في هذه المجموعة القصصية (دمشق الحرائق) وتحتوي على 30 قصة قصيرة، بالحقيقة هي بمثابة 30 لوحة اجتماعية من صلب الحياة والواقع، ولنتعرف على بعض هذه اللوحات القصصية.

1 - قصة (البستان)، يدخل البستان خطيب وخطيبته، وهما في نشوة الحب وحلاوة الكلام، في رسم عشهما الزوجي، ومستقبل حياتهما، وهي ترفل بالحب والاطمئنان بحبور في بناء حياتهما العائلية ويقول لها بمرح وانشراح (تحبين تواضعي فقط ؟ سأنتقم منكِ أنتقاماً لا ينسى، سيكون لنا مئة ولد. تصوري مئة ولد يحيطون بنا ويصيحون... ماما جميلة.. بابا متواضع) ص12. وهما في مذاق هذه النشوة، يحيط بهما اربع رجال حاملين العصا والسكاكين. يساومونها بين الاغتصاب الجنسي للخطيبة، او الموت لكليهما ، يقول لهم بأنها خطيبته وهذا غير معقول . لكن لم يصدقوا بكلامه ويتهمونه بالكذب والاحتيال ، ويحاول ان يدافع عن خطيبته، لكنه تلقى ضربة على رأسه واغمي عليه، وحين افاق من الاغماء وجد خطيبته تسبح في بركة من الدماء.

2 - قصة (اقبل اليوم السابع)، تفرز دلالة قسوة المجتمع وظلمه تجاه المرأة، بأنها عنصر معيب في خاصرة المجتمع، تجلب الشؤوم وشرور للمجتمع. وكل العواقب السيئة التي تقع على المجتمع سببها المرأة، حتى تحول الناس الى ألوح خشبية بسبب وجود المرأة المعيبة والشريرة، ولا يمكن اعاد الحياة الى الناس المتخشبة كالخشب، إلا بقتل تلك المرأة الشريرة والتخلص منها وفوز الناس بالحياة من جديد. هكذا يفتي الشيخ القرية، ويسانده نعيق الغراب الذي لا يهدأ بالصراخ والنعيق (الذي يمثل الى العادات والتقاليد الاجتماعية). ويدفع الشباب الى التطوع بقتل المرأة وانقاذ الناس وعودتهم الى احياء. لذا تطوع احدهم بقتلها (ستجد في باحة البيت سيفاً معلقاً على الجدار، وهذا السيف وحده القادر على قتلها. احذر أن تبصر وجهها، سيسحرك حقدها ويحولك الى خشب، اطعنها من الخلف) ص41. وبالفعل طعنها من الخلف، وهدأ نعيق الغراب عن الصراخ .

3 - قصة (التراب لنا وللطيور السماء)، اساليب السلطة الارهابية والقمعية الباطشة، في تكميم افواه الناس في التعبير بالسخط من اساليب الارهابية، حتى يمنعونهم من الدفاع عن الوطن، بحجة لديها القوة الكافية والمتمكنة من دحر اعداء الوطن، وما الشعب سوى الطاعة والصمت، واطاعة السلطان ولي الله على الارض، ومن اجل نصرة الدين والوطن والمحافظة على الامن. عدم اثارة القلائل بالصياح (كفوا عن الصياح، ماهذا الزعيق والنعيق ؟ هل نسيتم ان الوطن في خطر ؟ ماذا تريدون ؟) ويقف رجال الدين في مصاف السلطان وصي الله، بالحذر من اقاويل الكفرة والملحدين اعداء الدين والوطن، الذين يوسوسون في صدور الناس، بأن الوطن مقبل على هزيمة وخراب، في تبريراتهم الدينية (اذا ساعدنا ابليس على الانتصار على اعدائنا. ألا نكون ربحنا الدنيا وخسرنا الدين ؟ وهل فينا من يتنكر للدين ويفضل دنيا زائلة لا بقاء فيها) ص56.

4 - قصة (الرغيف اليابس)، يساومها مقابل اعطاءها الرغيف اليابس، ان تبيع جسدها وتمنحه له ، حتى تسد رمق الجوع الذي ينهشها، بأنها بنت فقيرة، تعيش حياة البؤس والجوع، وتتوسل به بأن يرحم حالتها المزرية ويعطف عليه بقطعة من الرغيف اليابس لانها لاتتحمل وجع الجوع . لكنه يتعنت في موقفه وفي المقايضة، في اشباع جوعه الجنسي، وفشلت محاولاتها في اقناعه. وترضخ اخيراً لطلبه، وتبدأ المساومة (ماذا تعطيني اذا اعطيتك ِ الرغيف ؟)

(سأعطيك ما تطلب.

فهتف عباس فرحاً (سأفعل بك ما أشاء) ص82.

فظلت ليلى مترددة وواقفة في ارتباك. ثم اقترب منها (والتصقت به، فاعتصرها بين ذراعيه من جديد، وطفق يقبل وجهها وشعرها وعنقها، فأجبرها على السقوط معه على البساط، فأصبحا متمددين متلاصقين وجهاً لوجه، واطبق فمه على شفتيها) ص83.

 5 - قصة (الخراف)، عائشة الصبية تمشي مرفوعة الرأس ، يتطلع اليها الناس بحقد وغضب، لانها بدون ملاءة سوداء ترتديها، حتى تصون حرمتها وشرفها، في ارتدى الملاءة السوداء. وبفعلها هذا تشجع نساء الحارة، ربما تشجعهن على الدعارة والفساد، يحرضون شقيقها، ان يصون كرامة العائلة والحارة، في اجبارها على لبس الملاءة السوداء، يرفض اقوالهم وحججهم، بأن شقيقته طالبة جامعية. ولا يمكن الذهاب الى الجامعة بملاءة سوداء. لذلك تكثر الاصوات الرافضة، بأن عائشة تمشي في الشوارع بدون ملاءة سوداء، هذا فساد ودعارة ومخالفة للدين والشريعة، ويساهم شيخ الحارة، الرجل الديني في تأجيج المشاعر الانتقام ضدها ، بحجة كما يقول (المرأة مخلوق فاسد، واذا أفلت زمامها عاثت فساداً وخراباً) ص113. ويقول رجل آخر (إذا سكتنا اليوم، فسيأتي يوم نجد فيه نساءنا كعائشة) لذلك يحرض شيخ الحارة الشباب على قتلها، لان الملاءة السوداء حماية وشرف للمرأة، وبدونها سيدخل الشيطان الى روحها ويغويها بالزنى. ويعلو صوته بالتحريض على القتل من اجل شرف نساء الحارة ويقول (يا أولادي واخواني الساكت عن المنكر، كمرتكب المنكر. فأعملوا ما ترونه صوابا، والله الموفق) ص113. ويتطوع ثلاثة شبان بقتلها.

6 - قصة (موت الشعر الاسود)، يسلم نفسه الى مخفر الشرطة، ويعلن برأس مرفوع بأنه ذبح اخته غسلاً للعار، والفتاة الصغيرة (فطمة) ذات الاعوام العشرة زوجوها الى رجل يعاملها بخشونة ووحشية، ويضربها بقسوة، وهي تلوذ بالبكاء وتحاول ان تكون مطيعة حتى تتجنب قسوته العنيفة. وتقول له وهي خائفة (أني اطيعك وافعل كل ما تريد) ويزجرها بكلام خشن (أنا رجل وانتِ أمرأة، والمرأة يجب ان تطيع الرجل. المرأة خلقت خادمة للرجل) ص138.. ولكن حقده عليها يتصاعد دون رحمة، حتى يقوم بتحريض شقيقها على ذبحها وقتلها لانه لا يطيقها، واصبحت عاراً عليه وعليهم ، وهكذا ذبحت (فطمة) وسبحت بدماءها النافرة.

7 - قصة (شمس للصغار)، أحد الاولاد المشاغبين، ارسلته أمه الى بائع اللبن لشراء اللبن واعطته الصحن، وحذرته بشدة بعدم المشاغة والعراك مع صبية الحارة ، وتم شراء اللبن، وفي الطريق اعترضه احد الصبية المشاغبين، حاول اول الامر ان يتحاشاه ويتجنبه، خشية من سقوط صحن اللبن، ولكن الصبي استمر بالتحرش به ، ثم اخرج ذبابة ميتة ووضعها في صحن اللبن، استشاط غضبا، وكسر صحن اللبن على رأسه،، واصابته الحيرة كيف يصل الى البيت بدون صحن اللبن، وكيف سيقنع أمه ؟ فأنزوى في احدى زوايا بيت مهجوراً باكياً. ولكن لم يصدق عيناه وجد قربه خاتم من الفضة مغموراً بالتراب، فأزاح الترب عنه، وفجأة يظهر له، قط اسود يقف امامه، ففزع من القط الاسود، ولكن القط الاسود قال (أنا المارد خادم الخاتم) و (انا احضر متنكراً حتى لايخاف الناس مني... هيا اطلب ما تشاء فألبي طلبك) ص190. فطلب منه صحن اللبن. فوجد صحن اللبن جاهز بين يدية، لكن الفرح اختفى، حين عثرت عيناه على ذبابة ميتة طافية على وجه اللبن.

8 - قصة (رحيل الى البحر)، من اساليب السلطة الظالمة والطاغية، ان تجعل المواطن يعيش في دوامة الخوف والرعب، لانه اصبح لعبة بين يديها، بزج به في السجن بشتى الاتهامات المعقولة وغير المعقولة، فجأة احطت به ثلة من الجندرمة. وزجته بالسجن، بتهمة (قتل الله) رغم توسلاته بأنه بريء. لكن الضابط المحقق يستمر في لعبته، في ممارسة شتى انواع التعذيب والوحشي، ومهدداً باهدر دمه اذا لم يعترف بجريمته، بأنه قتل الله، ومحذر من اهدار حياته بثمن رخيص ،ويقول له  اذا اردت حياتك عليك ان تعترف بجريمتك ويزجره بعنف (أنت تكذب. اعترف بأنك قتلت الله... تكلم انت قتلت الله. قل من دفعك الى قتله) و (كل الذين يأتون الى هنا يتكلمون مثلك في البداية ثم يعترفوا بعد تعذيب قليل. ضرب بالعصي. قلع أظفار. كهرباء. كسر عظام) ص 276.. واستمر التعذيب على هذا المنوال . ولكن في احد الايام يتبدل الموقف في زنزانته . يقبل عليه الضابط المحقق بوجه بشوش ولطيف ويقول له. صباح الخير، وفعلاً انت بريء، واخرج من السجن، أنت حر (ألقي القبض على رجل له سوابق عديدة، قد اعترف بأنه قاتل الله) ص280

 

- المجموعة القصصيةك حرائق دمشق

- الكاتبك زكريا تامر

- تاريخ الاصدارك عام 1973

- عدد الصفحاتك 327 صفحة

جمعة عبدالله

عبد الله الفيفيكثيرًا ما تَصدِم القارئَ جدليَّاتٌ في كتب اللغة العربيَّة التراثيَّة، ومنها تلك التي يسوقها (ابن منظور، لسان العرب، (بين))، حيث يقول:

«البَيْنُ في كلام العرب جاء على وجْهَين: يكون البَينُ الفُرْقةَ، ويكون الوَصْلَ، بانَ يَبِينُ بَيْنًا وبَيْنُونةً، وهو من الأَضداد؛ وشاهدُ البَين الوَصل قول الشاعر:

لقد فَرَّقَ الواشِينَ بيني وبينها،        فقَرَّتْ بِذاكَ الوَصْلِ عيني وعينُها

وقال قيسُ بن ذَريح:

لَعَمْرُك لولا البَيْنُ لا يُقْطَعُ الهَوى،     ولولا الهوى ما حَنَّ لِلبَيْنِ آلِفُ

فالبَينُ هنا الوَصْلُ؛ وأَنشد أَبو عمرو في رفع بين قولَ الشاعر:

كأَنَّ رِماحَنا أَشْطانُ بئْرٍ                 بَعيدٍ بينُ جالَيْها جَرُورِ

وأَنشد أَيضًا:  ويُشْرِقُ بَيْنُ اللِّيتِ منها إلى الصُّقْلِ.  قال ابن سيده: ويكون البَينُ اسمًا وظَرْفًا مُتمكِّنًا. وفي التنزيل العزيز: «لقد تقَطَّع بينكم وضلَّ عنكم ما كنتم تَزْعُمون»؛ قرئ بينكم بالرفع والنصب، فالرفع على الفعل أَي تقَطَّع وَصْلُكم، والنصبُ على الحذف، يريدُ ما بينكم، قرأَ نافع وحفصٌ عن عاصم والكسائي بينَكم نصبَا، وقرأَ ابن كَثير وأَبو عَمْروٍ وابنُ عامر وحمزة بينُكم رفعًا، وقال أَبو عمرو: لقد تقطَّع بينُكم أَي وَصْلُكم، ومن قرأَ بينَكم فإن أَبا العباس روى عن ابن الأَعرابي أَنه قال: معناه تقطَّع الذي كانَ بينَكم؛ وقال الزجاج في مَنْ فتَحَ المعنى: لقد تقطَّع ما كنتم فيه من الشَّركة بينَكم، ورُوي عن ابن مسعودٍ أَنه قرأَ لقد تقطَّع ما بينَكم، واعتمد الفراءُ وغيرُه من النحويين قراءةَ ابن مسعود لِمَنْ قرأَ بينَكم، وكان أَبو حاتم يُنْكِر هذه القراءةَ ويقول: من قرأَ بينَكم لم يُجِزْ إلا بمَوْصول كقولك ما بينَكم، قال: ولا يجوز حذفُ الموصول وبقاء الصلةِ، لا تُجيزُ العربُ: إنَّ قامَ زيدٌ، بمعنى إنَّ الذي قام زيدٌ، قال أَبو منصور: وهذا الذي قاله أَبو حاتم خطأ، لأَن الله جَلَّ ثناؤه خاطَبَ بما أَنزَل في كتابه قومًا مشركين، فقال: «ولقد جئتمونا فُرادَى كما خَلقْناكم أَوَّلَ مرَّةٍ وترَكتم ما خوَّلناكم وراءَ ظُهوركم وما نرَى معكم شُفعاءَكم الذين زعمتم أَنهم فيكم شركاءُ لقد تقطَّع بينَكم»؛ أَراد لقد تقطَّع الشِّرْكُ بينكم أَي فيما بينَكم، فأَضمرَ الشِّرْكَ لما جرَى من ذِكْر الشُّركاء، فافهمْه؛ قال ابن سيده: مَن قرأَ بالنصب احتمل أَمرين: أَحدُهما أَن يكونَ الفاعلُ مضمَرًا أَي لقد تقطَّع الأَمرُ أَو العَقْدُ أَو الودُّ بينَكم، والآخَرُ ما كان يراهُ الأَخفشُ من أَنْ يكونَ بينكم، وإنْ كان منصوبَ اللفظ مرفوعَ الموضِع بفعله، غيرَ أَنه أُقِرَّتْ عليه نَصْبةُ الظرف، وإنْ كان مرفوعَ الموضع لاطِّراد استعمالهم إياه ظرفًا، إلا أَن استعمالَ الجملة التي هي صفةٌ للمبتدأ مكانَه أَسهلُ من استعمالِها فاعِلةً، لأَنه ليس يَلزمُ أَن يكون المبتدأُ اسماً محضاً كلزوم ذلك في الفاعل، أَلا ترى إلى قولهم: تسمعُ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أَن تراه؛ أَي سماعُك به خيرٌ من رؤْيتك إيَّاه؟»

وما ساقه (ابن منظور) من جدلٍ هو مبثوثٌ كذلك في كتب اللغة والنحو والتفسير.  ولعلَّ القارئ يُدرِك تكلُّفَ أولئك القائلين: إن «البَيْن» يعني «الوصل» في اللغة العربيَّة، استنادًا إلى تلك الشواهد، كما يُدرك تهافت الشواهد التي استندوا إليها. فالشاهد الأوَّل مجهول القائل، مقطوعٌ من سياقه، بل ما نرى إلَّا أنه مصنوع، ذو ملامح بديعيَّة عبَّاسيَّة: «فَرَّقَ، فقَرَّتْ، بيني، بينها، الوَصْل، عيني، عينها».  ومع ذلك فإذا سلَّمنا أنه لشاعرٍ عربيٍّ ما، ممَّن يُحتجُّ بكلامهم، فإن صياغته تطرح علينا أسئلة:

1) أ قال الشاعر: «الواشين»، أم «الواشون»؟  إن أيَّ تلميذٍ، وإنْ كان تيسًا في النحو، سيحكم بخطأ نحوي هنا، أوَّل وهلة.

2) أ سُمِعَ الشاعر، وهو يقول: «بيني وبينُها»، بضمِّ النون، كما يُصِرُّ المحتجُّون بالبيت؛ كي يستقيم لهم الاحتجاج؟

3) كيف نعرف هذا أو ذاك، والبيت- رغم مجهوليَّته، وعلى فرض عدم اصطناعه- إنما رُوِيَ عن العرب روايةً، ولم يصل مكتوبًا، ولا مسموعًا، بطبيعة الحال؟

4) لماذا نفترض أن العربيَّ لا يخطئ ولا يلحن؟ بل لماذا نفترض أن جمع المذكر السالم لم يكن يشذُّ عربيٌّ قط عن رفعه بالواو، كما قعَّد النحاة قواعدهم؟ ها هو ذا شاعرٌ عربيٌّ يقول: «لقد فَرَّق الواشينَ...»!

5) تُرَى كيف يفرِّق الوصلُ الواشينَ، حسب زعمهم؟! فإنْ قيل: إن قوله: «لقد فَرَّقَ الواشينَ بيني وبينَها» يتنافى مع الشطر الثاني، قلنا: ليس ذلك بالضرورة؛ من حيث إننا أمام شِعر، بالإمكان تخريجه وتفسيره، حتى بما يتناقض ومنطق العقل والعُرف، ثمَّ لأن البيت مقطوع من سياق، هو في علم الغيب!  فما يدرينا أن الوَصْلَ المشار إليه في عجز البيت وَصْلٌ لاحقٌ للبَين المشار إليه في صدره بسبب الوشاة؟  لا يمكن القطع بالمعنى هاهنا دون تحصيل السياق.  وما بُنِي من القواعد على شاهدٍ كهذا، هو أوهَى ممَّا بُني عليه.

6)  ألا يمكن تصوُّر أن تفسير «البَين» بالوَصل في البيت إنما جاء لعبةً لغويَّةً لإنقاذ اختلال القاعدة النحويَّة، ولحفظ ماء الوجه النحوي، حين قال الشاعر: «لقد فَرَّقَ الواشِينَ...»، فكسر قاعدة أصحابنا الخرسانيَّة؟

7) أمَّا الشاهد الآخَر، فلا يقلُّ وهنًا؛ فقد وردَ يتيمًا، ونسبوه إلى رجلٍ مجنون، هو (مجنون لُبنَى)، مع أن شطره الثاني، وهو موضع الشاهد، «ولولا الهوى ما حَنَّ لِلبَيْنِ آلِفُ» قابلٌ للتأويل. ولولا المفارقة في البيت- بأن يحنَّ العاشق للفراق، استعذابًا لألمه في حُبِّ من يهوى- ما كانت في البيت شِعريَّةٌ تُذكَر! على أن هذا الشاهد- فوق كونه شِعرًا، وله منطقه- هو لشاعر مجنون، وله منطقه! ولئن لم يطعن فُقدان العقل في استقامة لغة المتحدِّث قواعديًّا- كما يرى النحويُّون، وإنْ كان في رأيهم هذا نظرٌ بعيد- فإن فُقدان العقل يُسقِط الاحتجاج بكلام المجنون في مجال استنباط الدلالات. وإلَّا، إذن، لم يعُد لدَى مَن لا يرَى هذا فارقٌ بين عقلٍ وجنون! وعلى الرُّغم من وضوح ذلك فإنه يؤخذ الشاهد هنا كحقيقةٍ ذهنيَّة، ويحلَّل بحَرفيَّة منطقيَّة- لا على أنه شِعر، فضلًا عن كونه لمجنون- ليستنبطوا لنا منه مُسلَّمةً: أن «البين» في العربيَّة يعني «الوصل»، كما يعني الفراق والفصل، ضِمن قائمة ما يُسمَّى بالأضداد! والأضداد من ظواهر التضخُّم المَرَضي اللهجي في العربيَّة، كانت في غنًى عن المزيد من التضخيم. الأغرب من هذا جدلُهم الدائر حول الآية القرآنيَّة. أفما كان يُخرِجهم من الجدل- الذي كان قد تحوَّل إلى هوسٍ ثقافيٍّ في أُنظومتنا النحويَّة واللغوية، عقَّدت اللغة والنحو معًا، وأعمت البصائر والأبصار، وكرَّهت العربَ في العربيَّة- أما كان يُخرِجهم من ذلك اللتِّ والعجن كلِّه لو وسِعهم القول: إن في تركيب الجزء الأخير من الآية تقديمًا وتأخيرًا، أصله: «لقد تَقَطَّعَ ما كنتمْ تَزْعُمونَ بينَكمْ وضَلَّ عنكم»؟

إنها أسئلة تحاول أن تُميط القداسة عن كتب التراث، وتحرمها حُرمةَ المساءلة والمراجعة، وتخلع عن أصحابها عباءة التسليم بالبراءة المطلقة من التزييف، والخطأ، والتعصُّب، والجهل، والحمق، والترديد الببغاوي، حتى لكأنهم لا ينطقون عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى!

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

عدنان حسين احمدصدرت عن "دار الآداب" ببيروت رواية "البنتُ التي لا تحِّبُ اسمَها" لإليف شافاك وهي رواية مختلفة عن رواياتها السابقة حجمًا وشكلاً ومضمونًا فهي لم تجتز الـ 159 صفحة، كما أنّ ثيمتها مختلفة عن الموضوعات التي عالجتها في نصوصها السردية السابقة مثل التصوّف، والظلم الاجتماعي، والهُويات الهامشية وما إلى ذلك، غير أن روايتها الجديدة هي رواية عجائبية بامتياز، تنطلق من الواقع، ثم تعود إليه بعد أن تحلّق في الخيال وتأخذنا فيما يشبه الرؤيا الحُلُمية المُقنِعة على الرغم من غرابتها ومناخها الفنتازي.

تتألف الرواية من 16 فصلاً تُذكِّر منْ يَقرأها بقصص "ألف ليلة وليلة"، الكتاب الذي تُفضِّله إليف ضمن عشرة كتب أساسية، وهي لا تجد حرجًا في استعارة هذه التقنية التي تؤهلها لكتابة نص إبداعي يتوفر على اشتراطاته الفنية المكتملة التي تُمتّع القارئ وتنفعه في خاتمة المطاف.

نتعرّف في الفصل الأول على عائلة صغيرة تتألف من الأب حسن، والأم خيال، والطفلة اليافعة التي لا تحب اسمَها "زهرة الساردونيا" الذي تعدّه أغرب اسم في العالم، وأن التلاميذ المشاكسين يسخرون منها في المدرسة لكنها تحب قراءة الكتب، وسماع الموسيقى، والرسم، وتستعير القصص والروايات من مكتبة المدرسة وتعيدها بانتظام. ونتيجة لشغفها بالقراءة تكتشف القارة الثامنة. لا تتأخر إليف كثيرًا قبل أن تضعنا أمام الانعطافة الأولى للرواية وهي سفر والديها إلى خارج البلد لمدة أسبوع، وسوف يعتني بها جدّاها خلال فترة غيابهما الذي لم يفصحا عن السبب الحقيقي له لكنها بالمصادفة سمعت أمها تقول:"لن تُباشر بالعمل بعد إجراء العملية". أخذت دفتر مذكراتها المعنون بـ "الشجرة العظيمة" ودوّنت فيه قلقها على الوالد، وأنها ستدعو له بالشفاء خِفية. وبينما كانت ساردونيا تبحث في أرفف المكتبة عن كتاب "قلب الطفل" عثرت على كرة سحرية وخبأتها خشية أن تكتشفها أسيل، أمينة المكتبة، وتدخل معها في نقاش عميق حول الكتب التي تُقرأ أكثر من مرة حيث تشعر بأنّ الكتاب ليس نفسه، وإنما هو كتاب مختلف فتعزو ذلك إلى التغيّير الذي أصابها لأنها تعلمت أشياء كثيرة في القراءة الثانية، "فعندما يتغير القارئ يتغيّر المقروء أيضًا". منذ البدء يشعر المتلقي بأن الرواية تشجّع على القراءة، وأن الأهل والأقارب والأصدقاء يعرفون أنّ ساردونيا شغوفة بالقراءة التي تشحذ المخيّلة.  تنتقل بنا الراوية من إستانبول إلى الضاحية ونتعرّف على الجد كامل وزوجته كريمة التي تتحدث للضيوف عن عملية ابنها حسن، وتلتمس منهم ألا يخبروا ساردونيا كي لا تتأثر. وبينما هي تنظر خارج النافذة شاهدت فتاة تراقبها فقفزت إليها على وجه السرعة وصادقتها فعرفنا أنّ اسمها زهراء، وشقيقها آصوتاي الذي يعني المُهر العصبي، وهما ليسا من هذه الضاحية، وإنما قادمان من بلاد "أفهِما"، وقد جاءا لكي يجمعا الأفكار، ويضعانها في الأكياس الكبيرة كمادة خام قيد التشغيل، ثم يعودان بها إلى معسكر الفكر الأبجدي في بلادهما. تتردّد ثيمة القراءة بين ثنايا النص "فكلّما قرأ طفل كتابًا تتفتح زهرة ويغرّد عصفور في القارة الثامنة من هذا العالم" ولكن كيف تتطوّر قوة الخيال لدى الأطفال الذين لا يقرأون؟ ليس من العسير أن نفهم أنّ آصوتاي هو الذي وضع الكرة السحرية خلف الكتب كي يشحنها لكن إشاراتها ضعفت الآن لأن بيت الجد خالٍ من الكتب تقريبًا ولا يستطيعان العودة إلى بلدهم من دون هذه الإشارات التي تُرسلها الكرة إلى السوار. وبما أنّ ساردونيا تمتلك خيالاً خصبًا مثل الشعراء والمؤلفين والرسّامين  فقد شقّت طريقها وتقدّمتهم بعد أن جلبت دفتر مذكراتها وتركوا الكرة السحرية في مكتبة السيد نظمي، وركبوا على حصانين مجنّحين هبطا من السماء وبعد أن صفقوا أربع مرّات وجدوا أنفسهم يحلّقون في السماء، وحينما وصلوا صفقوا ثلاث مرات فهبطوا على بقعة سوادء في المحيط في إشارة واضحة لانتشار الجفاف وعليهم أن يكملوا الطريق مشيًا على الأقدام للوصول إلى العاصمة الأبجدية، غير أن سوار زهراء بدأ يخفت ولابد أنّ أحدًا قد أخذ الكرة السحرية وأبعدها عن الكتب، مصدر طاقتها الوحيد. يبدأ المنحى العجائبي للرواية حينما تتساقط ثلاث أوراق زهرة كبيرة الحجم عليها ثلاثة أحرف وهي: الطاء، والياء، والراء وعندما اجتمعت خرج منها طيرٌ فائق الجمال، وطار محلّقًا. ثم تساقطت أربع أوراق فخرج منها ثعلب فأدركت ساردونيا بأنها أمام الزهرة السحرية، وكل كلمة تكتب على أوراقها تتحول إلى كائن حقيقي أو أكلة شهية، أو فاكهة لذيذة، فتمنّى آصوتاي لو يأخذ هذه الزهرة معه ليحصل على كل ما يتمناه في حياته. ثم سقطت عدة أوراق فخرجت ساحرة وأخبرتهم أنّ أمامهم أربع طرق وهي: التراب والماء والنار والهواء إحداها صحيحية والأخرى خاطئة، فوقع اختيارهم على طريق التراب فوجدوا أنفسهم أمام جنيّة تقف عند رأس جسرً زجاجي ولا تسمح لهم بالعبور ما لم يجيبوا على أسئلتها، ولمّا كانت إجاباتهم صحيحة سمحت لهم بالعبور  لكنهم عادور إلى المكان ذاته بعد أن تعلموا أشياء جديدة غيّرتهم قليلاً. ثم اختارت ساردونيا طريق الماء لكن سمكة السلمون اشترطت عليهم الإجابة على أسئلتها قبل عبور النهر، ورغم أنهم نجحوا في الإجابة إلاّ أنّ السمكة طلبت من آصوتاي المشاركة في السباق مع السمكة التي فازت بفارق ضئيل فقالت ساردونيا لعل الطريق المختصر هو طريق النار، ولمّا ساروا فيه حتى وصلوا إلى بلاد الحكايات والأساطير لاحظوا أن الأنهار قد جفت، والأراضي أقحلت، وهذا يعني أن البلاد ستختفي في القريب العاجل. ثم شاهدوا تنّينًا يقف على رأس عربة ويبيع عصير الليمون ولا يسمح لأحد بالمرور ما لم يشتروا منه. وبما أنهم لا يملكون النقود فعليهم الإجابة على أسئلته. ولمّا نجحت ساردونيا في الإجابة طلب منهم التنّين اجتياز تلّة من حبّات الذرة فأدركت زهراء صعوبة طريق النار فقررت اخيرًا المضيّ في طريق الهواء، وهو الطريق الصحيح. ثم يأتيهم طائر قادم من وراء جبال القاف، منقاره مثل الذهب، الكل يرميه بالحجارة ويسخر منه لأنه مختلف، ولهذا السبب فهو وحيد، تمامًا مثل ساردونيا التي تعرف معنى الوحدة، فيخبرهم بأنّ كل الطرق صعبة، وما من طريق سهل في الحياة، ووراء كل خُسران ثمة نجاح خفيّ. وحينما تهبّ ريحٌ قوية، وتتساقط الأفكار من الأكياس تنصحهم ساردونيا بأن يحثّوا الأطفال على الكتابة وسوف ينتجون أفكارًا رائعة. وما إن بدأوا بتأليف القصص والحكايات والأشعار حتى استعادت القارة الثامنة نشاطها، وكلما أنتجوا أفكارًا جديدة اخضّرت الأشجار، وامتلأت الأنهار بالماء، ثم عادت إلى بلدها بأسرع حصان، وقبل أن تصل إلى بيت جدّها أهداها صاحب المكتبة كرة سحرية وسوارا تستطيع بفضلهما أن تذهب إلى أي مكان برمشة عين. حينما عادت إلى البيت وتأكدت من نجاح عملية والدها أخذت تفكر فيما رأته إن كان حقيقة أم خيالا، فلربما كان ذلك مجرد رؤيا. لم تخبر أحدًا بالقارة الثامنة باستثناء "دفتر مذكّراتها" الذي قالت له بأنها تغيّرت كثيرًا بعد هذه الرحلة، وصارت تحب اسمها، وأخيرًا تطلب من القارئ أن يكتب حكاية متعلقة باسمه.

 

لندن: عدنان حسين أحمد