828 ثائرهذا العنوان الغريب هو لواحد من أهم الكتب التي درست المتوالية القصصية، صدر عام ١٩٩٩ للناقد السويدي (رولف لندن) أستاذ الأدب الأمريكي في جامعة (أبسالا) السويدية، الذي كرس معظم جهده لدراسة هذا الجنس الأدبي وما يجاوره، ويعمل الآن في بحث يقارب بين المتوالية القصصية والروايات والأفلام المتسلسلة.

يشير العنوان بصيغته هذه إلى قضيتين؛ أولاهما الترابط بين القصص التي تؤلف المتوالية القصصية الذي عبر عنه بكلمة united، وثانيهما هي أن هذا الجنس السردي يعد ظاهرة قارة في الأدب الأمريكي أكثر من غيره.

يرى (لندن) أننا إذا تخيلنا خطا يربط بين الرواية والقصة القصيرة فإن المتوالية القصصية تقع على هذا الخط بينهما ولكنها ليست ثابتة على نقطة محددة منه، بل تتحرك لتقترب من المجموعة القصصية تارة ومن الرواية أخرى. ولذلك اختار تسميتها (مُركّب القصة القصيرة Short story composite) بدلا من (المتوالية القصصية، حلقة القصة القصيرة، الرواية المركبة)، لكنه يرى أن الأسماء الأخرى صالحة لبعض أشكال المتوالية القصصي.

يبدأ (رولف لندن) كتابه بفصل تأسيسي عنونه (التعريف وحدود الجنس)، وفي التعريف يتبنى تعريف (فورست إنجرام) الذي رأى أن المتوالية القصصية هي كتاب يتضمن مجموعة قصص قصيرة، كل منها يمكن أن تقرأ منفردة، لكنها ترتبط ببعضها بحيث تؤدي إلى تعديل تجربة القارئ كلما قرأ قصة أخرى منها.

لكن المهم في الكتاب كما نرى هو بحثه في حدود هذا الجنس الأدبي الملتبس، فقد ناقش أهم الدراسات السابقة التي عدت المتوالية القصصية جنسا أدبيا لكنها اختلفت في تسميتها بما فيها دراسات (إنجرام) و(لوشر) و(كندي)، وقرر أن سبب الاختلاف في التسمية يعود إلى الاختلاف في التعريف، ويحاول حل الخلاف بوضع فهم جامع لحدود الجنس الأدبي.

إن كل الأسماء المقترحة قبل كتابه هذا صحيحة كما يرى (لندن) لكنها أسماء لأجناس فرعية (sub genres) يحتويها الجنس الرئيس (مُركّب القصة القصيرة)، فكلما تحرك هذا الجنس الأدبي على الخط الواصل بين القصة والرواية تحول إلى جنس فرعي آخر، ويحدد تلك الأجناس الفرعية بأربعة،  على أنه يشدد على أن هذا ليس تحديدا صارما، فالطبيعي عدم وجود فصل حاد بين الأجناس الأدبية ويضرب مثلا لذلك بعض النصوص التي يصعب تجنيسها فتتأرجح بين قصيدة النثر والقصة القصيرة.

أما الأجناس الفرعية الأربعة للمتوالية القصصية فهي:

أولا/ حلقة القصة القصيرة short story cycle: وهي مجموعة قصصية مترابطة بشكل دائري، فالقصة الأخيرة تنطوي على قرار نهائي، وعودة إلى البداية. ويضرب مثلا لهذا النوع المتوالية القصصية (التفاحات الذهبية) للقاصة (يودورا ويلتي)، فالراوي في كل القصص شخصية تدعى (كاتيا ريني)، عدا القصة الأخيرة التي تصور جنازة السيدة التي كانت راويا في القصص السابقة.

ثانيا/ المتوالية القصصية short story sequence : وهي القصص المرتبةعلى وفق تسلسل زمني على أن لا يتحول إلى حبكة. فقد يكون موضوع القصص مثلا مواقف لشخص أو جيل تحصل في فترات زمنية متعاقبة.  ومثاله هنا متوالية فوكنر (الصامد The unvanquished) التي تروي في سلسلة من سبع القصص تحولت عائلة (بايارد ساتوريز) وعبدهم (لوش)، مع فاصل زمني بين قصة وأخرى يتراوحبين سنة واحدة وثمان سنين.

ثالثا/ المتوالية العنقودية Cluster : وتتألف من مجموعة قصص تفتقر للتراتب الزمني مع وجود روابط أخرى تقابلها فجوات زمنية وسردية كبيرة بين القصص، ويضرب مثلا لهذا الجنس الفرعي متوالية (همنجوي) التي عنوانها (في عصرنا)،  حيث تصور كل قصة من الخمس عشرة قصة موقفا قصصيا من حياة بطلها (نيك آدمز).

رابعا/ النوفيلا Novella: وهي أقرب الأجناس الفرعية إلى الرواية حيث تتألف من حكاية إطارية تتضمن مجموعة من المقاطع القصصية، ومثالها القديم (الديكاميرون لبوكاشيو) ويرى أن مثالها الأوضح هو (وايزنبرغ، أوهايو) للقاص الأمريكي (شيروود أندرسون)التي تتألف من من اثنتين وعشرين قصة قصيرة تعمل أولاها بداية للحكاية الإطارية فتعرف بالشخصية الرئيسة (الكاتب جورج ويلارد)، ثم تتوالى القصص لترسم بمجموعها صورة للحياة في مدينة (وايزنبرغ) الافتراضية.

 يمثل هذا التصنيف أهم ما جاء في هذا الكتاب أما ما تبقى منه فهو بحث تفصيلي في خصائص كل من الأجناس الفرعية الأربعة.

 

د. ثائر العذاري

 

محمد فاتييمثل فيلم roma  للمكسيكي ألفونص كوران عملا سينمائيا راقيا، حاول من خلاله المخرج الوقوف على أهم الذكريات التي صاحبت طفولته في أحد ضواحي مدينة مكسيكو (حي روما) في فترة السبعينيات (1971) من القرن العشرين. وقد اعتمد في تشخيصه هذا على لمسة إبداعية سحرية، اختفى فيها كوران من أحداث الفيلم (بالرغم من أنه يحكي عن حياة أسرته) واختار طريقة التقنع المحايد، كونه لم يشر إلى نفسه ولم يكرس دورا خاصا به في حياة الأسرة المجسدة، وعوض ذلك أعطى دور البطولة للخادمة كليوالمساهمة بالحيز الكبير في استقرار الأسرة ووصول كوران لتبوء الشهرة والنجاح.

وقد اختار كوران أن يشخص هذه الأحداث عن طريق الاسترجاع الإبداعي لحياة الأمس في قالب فني قائم على استغوار لحظات الماضي والتعمق في الذاكرة والخيال والأحاسيس، لكن بأسلوب سينمائي يستوحي التقنيات التقليدية أحيانا (التصوير بالأبيض والأسود) ويتفنن في تجريب الأساليب الحديثة ومزجها بأحاسيس الذات والذاكرة أحيانا أخرى (طريقة التصوير السحرية في الفيلم).

و جاء عنوان الفيلم (roma) تأسيسا لرغبة صاحب الفيلم في الرصد التأريخي لأحداث حميمية وعاطفية عاشها رفقة أسرته بضاحية كولونيا روما، وهذا الرصد السينمائي صيغ بأساليب فنية تعتمد الواقعية السحرية في سرد الأحداث وتتبع التفاصيل واقتناص الجزئيات والثانويات من حياة أسرة تنتمي إلى طبقة ميسورة لكنها تعرف الاختلال والتوثر وتوالي الانكسارات، وهذا ما جعل المخرج يتوسل بالخادمة كليو كعنصر مساعد لعب الدور الرئيس في الحفاظ على توازن الأسرة وحماية أواصرها من التهديم والتحطم.

أما بالنسبة لمضمون الفيلم فهو يدور حول قضيتين اجتماعيتين أساسيتين، سعى كوران بكل احترافية إلى تتبع مظاهرهما والكشف عن أثرهما في المجتمع، من خلال أسلوب يمزج بين الذاتي والموضوعي ويكشف النقاب عن قضايا اجتماعية ـ جماعية عن طريق تركيز الأضواء على حالة ذاتية عاشها الشاعر رفقة أسرته:

ـ القضية الأولى وهي قضية التمييز الطبقي والعنصري الذي ساد المجتمع المكسيكي إبان تلك الفترة، والتي جعلت مخرج الفيلم يعطي دور البطولة لخادمة أسرته "كليو"  كتلميح صريح للرفض القاطع لمظاهر التمييز الذي تلقاه هذه الفئة. فكليو هي الشخصية المحورية في الفيلم التي تسعى إلى الحفاظ على مظاهر التماسك والترابط والسعادة في الأسرة، متحدية بذلك كل العقبات التي واجهتها، ومتجلدة في كل المصائب والصدمات التي أعاقت طريقها، مؤمنة بدورها وقيمتها وكرامتها وكينونة وجودها، وسط مجتمع يسعى إلى ترسيم خطوط طبقية تمييزية بين أفراده. بل الأدهى من ذلك هي من يملك اليد السحرية في الحفاظ على استقرار العائلة من كل الاختلالات والأزمات التي هددت مصير أفرادها.

طريق كليو إذا مليء بالصدمات والمصائب والفشل وسوء الحظ، بدءا بأصلها الهندي (السكان الهنود الأصليون) والذي جعلها عرضة للحقد والعنصرية والتمييز والسخرية من شكلها وهيئتها. مرورا بفشلها الاجتماعي والمادي كونها تشتغل كخادمة محتقرة في البيوت، لا تحظى بمقام اجتماعي محترم، ولا يقدر أحدا مجهوداتها وعملها. ثم انتقالا إلى فشلها العاطفي في مجتمع يحتقر الخادمات، (خاصة ذوي الأصول الهندية)، وهذا ما جعلها مطية للاستغلال الجنسي والعاطفي من طرف حبيبها فيرمين الذي خلق في نفسها أمل الزواج وحلم تكوين أسرة، لكن الوقائع كشفت أن العلاقة ما هي إلا تمثيلية استغلال وخداع باسم الحب. وذهاب المعشوقين الدائم لقاعة السينما هو رمز فني بليغ وظفه المخرج للتلميح إلى أن علاقة الحب هاته ما هي إلا تمثيل بدون نهاية على شاكلة الفيلم الذي غادره فيرمين قبل نهاية أحداثه، ليترك الخادمة مورطة في مسار العلاقة المتشابك والمتوثر، والذي رمز له المخرج بلحظات الحرب وذوي الانفجارات في فيلم القاعة.

وتنتهي السلسلة المتأزمة لبطلة الفيلم بالحادث المأساوي الذي ستتعرض له أثناء عملية إنجاب طفلتها (التي كانت ثمرة العلاقة الفاشلة بينها وبين فيرمين)، فمخاض الولادة كان عسيرا وشاقا، ألم بها في مكان وزمان غير مناسبين، حينما اختارت أن تشتري سريرا لطفلتها المستقبلية في محل تجاري قريب من مكان التظاهرات الطلابية حيث الصراع بين الطلبة ورجال القمع، وهنا نلمح أيضا حيلة فنية مميزة اختارها المخرج، تربط بين التوثر الذاتي الذي تعيشه الخادمة (حالة المخاض وألم الولادة) وبين التوثر الجماعي والاجتماعي الذي يعيشه المجتمع (حالة التظاهر والاحتجاجات بين القمع والطلبة)، وهذا ما سيخلف فوضى عامة وإطلاقا للنار في شتى الأماكن المحيطة بالمحل، ليمتد أثره إلى المبنى حيث الخادمة التي ستفزع رهبة وخوفا من ذوي الرصاص القاتل للمتظاهرين، وإذ بهول الصدمة يظهر على ملامح البطلة بعدما رأت حبيبها السابق (عاشق الفنون القتالية) يصوب النار في اتجاه المتظاهرين ليقتلهم، ويقتل حياة طفلته التي كانت تصارع مخاض الحياة. نعم سيقتل طفلته وهي في أحشاء أمه بسبب الهلع والخوف الذي ولده في نفسية الأم، فكان إنجابها إنجابا فاشلا خلف طفلة ميتة قتلت بيد القمع والعنصرية والاحتقار الذي يعرفه المجتمع. ليتمنع القدر من جديد أمام الخادمة المحطمة، وهذه المرة ستفتقد أروع النعم : نعمة الولادة والأمومة، وكأن الطفلة الوليدة هي الأخرى ترفض الانتماء لدم الخادمة المحتقر، وقد لخص المخرج هذا الحدث ببراعة في الجملة الحوارية التي تلفظت بها البطلة بعد موت طفلتها : " لم تردني أن ألدها".

واجهت الخادمة إذا الأزمات والانكسارات في كل مراحل الفيلم : الأصل والهوية ـ القيمة الاجتماعية ـ الحب والزواج ـ الولادة والأمومة... لكنها لم تستسلم، لم تنهزم، لم ترضى بواقعها المتحطم، بل واجهته بإصرار وقوة وتحد وصبر ومكابدة، بل الأكثر من ذلك كانت هي العامل الأساسي في استقرار العائلة والحفاظ على ثباتها وقوامها المتين، حيث كانت تخلق جو البهجة والفرحة والنشاط في المنزل، فكانت بذلك مصدر عشق وانجذاب من طرف الأطفال، ومصدر حب وتقدير من طرف الأم والجدة كذلك (حيث قاما بمساعدتها ومرافقتها في الكثير من محنها)، بل مصدر ارتباط وحنان وعطف غريزي حتى من الحيوان (الكلب حارس المنزل).

فالأسرة كانت تعيش تهديدا واضحا بالتفكك والاضطراب والخراب، نظرا للخلافات الزوجية المتوالية والتي نتج عنها هجرة الزوج لزوجته ورحيله عن بيته، ضف إلى ذلك قاعدة العائلة الكبيرة المتكونة من أم وأب وجدة وأطفال وخادمتين، وهذا ما زاد من تأجيج لهيب الخلافات والصراعات: بين الأطفال والأباء أحيانا، وبين الأباء والخادمتين أحيانا أخرى، وبين الأطفال بعضهم مع بعض....وقد كثف المخرج هذا التوثر العائلي في لقطة مميزة حينما رصد بكاميرته المحاولات المتكررة للأب والأم لإدخال السيارة إلى المرأب الضيق الموجود في مدخل البيت، لكن محاولتهما دائما ما كانت تنتهي بتكسير مرايا وجوانب السيارة التي تتعرض للتخريب باستمرار، وكأنه (المخرج) يريد أن يقول لنا بأن علاقة الأب والأم  والعائلة مهددة بالتخريب والتحطيم هي الأخرى ـ في أي لحظة ـ على شاكلة السيارة.

في الاتجاه الآخر تلعب الخادمة دور المعين والمساعد على تجاوز هذه الأزمات، كونها توحد بين الأطفال وأمهم، وتسعى إلى خلق السرور والنشاط على ثناياهم (مرافقتها لهم في رحلاتهم وأنشطتهم)، ثم تنقذهم من أزماتهم ومصائبهم وصدماتهم (لم شمل الأم مع أطفالها بعد هجرة الزوج ـ إنقاذها لحياة الطفلين في حادث الغرق بشاطىء أحد المنتزهات الصيفية). وألفونص كوران يلمح لنا لهذا الدور الفعال الذي تلعبه الخادمة في الحفاظ على لحمة العائلة بلقطتين فنيتين بارعتين:  أولهما افتتح بها أحداث فيلمه، لكنها جاءت متقطعة ومبهمة : تنظيف الخادمة مدخل البيت بالماء والصابون، ليتضح ملمحها بعد منتصف الفيلم حينما سيتبين بأن الخادمة تنظف البيت من فضلات الكلب (حارس المنزل)، وهنا إشارة فنية مميزة توحي وتدل بأن الخادمة لا يقتصر دورها على تنظيف المنزل، بل هي المنظفة الناجعة لكل آثام وأخطاء وزلات قاطنيه. أما اللقطة الثانية فتظهر في المشهد الختامي للفيلم، حينما تصعد الخادمة إلى أعلى سطح المنزل، إيحاء بدورها القيادي والجوهري في خلق الاستقرار والتماسك على بنيان العائلة.

ـ القضية الثانية: تمثلت في الحضور الأنثوي البارز في أحداث الفيلم، فالمرأة هي بطلة الفيلم بامتياز، هي الخادمة وهي السيدة، هي الأم وهي الجدة وهي الطفلة، هي الضحية وهي سبيل التضحية، هي منبع الآلام والأحزان وهي القوة والتحدي والمواجهة، هي العاطفة والغريزة والزلات وهي الثبات والتدبر والعقل الحكيم...

لقد تخلى كل  الرجال عن الأنثى في أحلك لحظاتها وفضلوا الانسحاب بحثا عن اللذة والأحلام، وهروبا من المسؤولية والالتزام الأسري : الجدة التي تعيش وحيدة في المنزل، الزوج الذي هجر زوجته وأبناءه بحثا عن عشيقة جديدة، فيرمين الذي ترك محبوبته حاملا وتخلى عنها،  الطفلة التي كانت قريبة من الخروج لأرض الوجود، فماتت من جراء نكران الأب ورفضه لوجودها... لتبقى الأنثى وحيدة في الساحة تواجه مكالب الدهر، ومصائب العصر، وصدمات الواقع: الخادمة كليو تضحي في سبيل استقرار الأسرة والعائلة، والأم تتحدى العراقيل لحماية عرين أسرتها والحفاظ على تماسك وانسجام أبنائها، بينما تلعب الجدة دور المساند والمحفز والمشارك والمتضامن في كل لحظات التأزم و الانفراج، لتكون بذلك المرأة هي جوهر الاتزان وأصل الثبات الذي يقوم كل خلل تتعرض له العائلة. وقد رمز المخرج لهذا الدور الأساسي بمشهد مميز ساق فيه الأم وهي تشتري سيارة صغيرة جديدة، وتتمكن من إدخالها بنجاح إلى مدخل المنزل، بعدما كانت تفشل في السابق مع السيارة الكبيرة (هي وزوجها) وتخرب جنباتها، وكأن المخرج يريد أن يقول لنا بأن الزوجة وهي بمفردها (السيارة الصغيرة السليمة) استطاعت أن تحافظ على تماسك أسرتها، وتقوم بنيان عائلتها، وتصحح أخطاء وانكسارات الماضي الذي شاركته مع زوجها (السيارة الكبيرة المحطمة).

فنيا يظهر أن الفيلم غابت عليه الحركية والإثارة التي تميزان الأفلام المكسيكية، وغلبت عليه الرتابة الإيقاعية والتفصيل في سرد ووصف الوقائع، بالإضافة إلى إعطاء المساحة الوافرة للحوار من أجل تشخيص الأعماق والبوح بالأحاسيس، خاصة لدى الخادمة التي ركز المخرج على جملها الحوارية المليئة بالإيحاءات والدلالات الصادرة من قلب المعاناة والبؤس والمآسي المتوالية، وقد رافق ذلك غياب تام لعنصر الموسيقى التصويرية التي تخلى عنها ألفونص تماشيا مع البعد الاجتماعي لفيلمه، وانسجاما مع طبيعة اللحظة العاطفية والتي تفرض الكشف والبروز من خلال الحوار والكلام والتدقيق في التعبير والوصف. بطبيعة الحال ألفونص اختار هذه الخصائص الشاعرية في قصة فيلمه قصد كشف وإظهار القضية أمام المتلقي، ولو في إطار ذاتي استذكاري تختلط فيه أحاسيس وذكريات المخرج مع طبيعة الوضع الاجتماعي في بلده.

كما ركز المخرج على الرصد الدقيق والوصف التفصيلي لجزئيات الأحداث من خلال الوقوف على وقائع بسيطة وأحداث ثانوية وتشخيصها بدقة وتركيز. ونرى ذلك في لحظة الولادة بالنسبة للخادمة، حيث يتبع المخرج اللحظة خطوة خطوة، ومرحلة مرحلة، من المخاض إلى الألم إلى المستشفى إلى تشخيص الأطباء الدقيق والمتتابع إلى عملية الولادة إلى وفاة الوليدة...كما نلحظ ذلك في الوصف الشاعري لعنصر المكان من خلال الإحاطة الشاملة والوافية لعدسة الكاميرا بكل تفاصيل وأجزاء المكان من بنايات مدينة مكسيكو إلى أحيائها ودروبها وشوارعها ومحلاتها التجارية وأماكنها الترفيهية (السينما) وأناسها ومرافقها، بل حتى هوامشها ومنازلها القصديرية حيث ينبع الحلم والفرح والنشاط، وذلك لأن المخرج يرسم بآلة تصويره مخيلة المكان النفسي الذي عاشه وتذكره وتعايش مع لحظاته الحميمية والعاطفية في ضاحية كولونيا روما.

وفيما يخص الجوانب التقنية اختار المخرج أن يقدم فيلمه باللونين الأبيض والأسود، ترسيخا للذكرى، واحتفاء باللحظة التاريخية، وتجسيدا للفترة الزمنية في مرحلة طفولته. واحتفاءه الحميمي هذا أراده أن يواكب الفترة واللحظة بنفس لوحاتها وديكوراتها وعدسات تصويرها، ولهذا اختار اللونين الأبيض والأسود باعتبارهما من خصوصيات المرحلة التاريخية سينمائيا.

وقد اعتمد المخرج على اللقطات المتوسطة كثيرا في فيلمه، لأنها أطرت تفاعلات الأسرة وتحركات أفرادها في فضاءهم الصغير (المنزل)، كما ألمحت إلى دور الخادمة في إصلاح حال هذه الأسرة التي عانت من تهديدات متعددة، ولهذا اضطر كوران أحيانا إلى استعمال اللقطات المكبرة قصد التركيز على مركزية كليو في الأحداث، باعتبارها البؤرة التي تنبع منها المآسي والأحزان، وفي نفس الوقت الجوهر الذي يصدر الحلول ويخلق البهجة والنشاط على كافة أفراد العائلة.

أما التصوير فقد جاء حركيا تتنقل فيه الكاميرا من مكان إلى مكان تماشيا مع تحركات الممثلين وترصدا لأفعالهم وملامحهم وهيئاتهم، وقد استند المخرج في ذلك على حركة الترافلينغ بأنواعها المتعددة، سواء الأمامية التي تهتم بالإحاطة الشاملة للموضوع المصور، وذلك بمتابعته ومصاحبته عن طريق اقتراب العدسة منه ولفت الانتباه لدوره وقيمته (تركيز الكاميرا على هيئة وملامح وأفعال الخادمة تارة وتصرفات أفراد الأسرة تارة أخرى). أو ترافلينغ المرافقة الذي يوظفه المخرج بغرض تتبع مشهد ما ومسايرة أحداثه المتحركة خطوة خطوة، حيث تكون حركة الكاميرا متوازية ومتوازنة مع إيقاع الموضوع المصور، ونلحظ هذا النوع عند الخادمة التي خصص لها ألفونص كوران كاميرا خاصة تتبع خطواتها لحظة بلحظة وقدم بقدم، أثناء تجولها ومشيها في شوارع الضاحية. كما نجد حضورا في بعض الأحيان للحركات البانورامية الدائرية، حينما تتحرك الكاميرا على محورها الأفقي بشكل دائري وتحيط بكافة جوانب ومرافق وغرف المنزل، وفي هذه الإحاطة إشارة صريحة من المخرج إلى علاقته الحميمية بالمكان (بيته القديم) وبأسرته التي تترابط أواصرها بترابط وتماسك وتسلسل كافة مرافق المنزل.

وبالنسبة للإنارة فقد جاءت مزدوجة متنوعة بين الإنارة الخافثة التي تبرز مظاهر البؤس والحزن والمعاناة والدنو الطبقي خاصة في غرفة الخادمتين التي اختار المخرج أن يملأ إطارها بالظلمة والسواد كدلالة رمزية على الوضع الهامشي ـ الإقصائي الذي تعيشه هذه الفئات اجتماعيا. وبين الإنارة القوية الساطعة التي كشفت لحظات الأمل والحلم والرغبة والبهجة في حياة الخادمة والأسرة من جهة، وأظهرت المستوى المعيشي الميسور الذي تعيشه العائلة من خلال التركيز على كل جنبات المنزل الواسع والفخم من جهة أخرى. كما استعان المخرج بديكور وملابس مستوحاة من طبيعة الفترة الزمنية (سبعينات القرن العشرين) والتي جاءت متناسقة ومتوافقة مع الخصوصيات التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية لمكسيكو سيتي إبان السبعينيات.

وفي الختام يمكن اعتبار فيلم roma  من أبرز المعالم السينمائية العالمية لسنة 2018، سواء فيما يخص مضمونه الاجتماعي الراقي، أو فيما يخص أسلوبه وتركيبته الفنية الراقية، ولا غرابة أن يفوز الفيلم بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي، ويترشح للقائمة القصيرة لجوائز الأوسكار في فئة أفضل فيلم أجنبي، لأنه نتاج عمل مثمر قام به المبدع ألفونص كوران لتجسيد سيرة طفولته بطريقة فنية فريدة من نوعها، ساهمت في رفع أسهم هذا الفيلم في مختلف المناسبات السينمائية العالمية.

 

محمد فاتي : أستاذ باحث في مجال الصورة

 

صفاء الصالحيعلى غرار الروايات مابعد الحداثية وبتقنية الميتا فكشن قدم الروائي العراقي تحسين كرمياني منجزه الإبداعي الحادي والعشرين، والتاسع في حقل الرواية بعنوان " ليلة سقوط جلولاء "، الصادرة عن دار سطور للنشر والتوزيع عام2019، اربعة أعوام (دسمبر 2014- اكتوبر2018) أستهلكت من وقت الأديب ومجهوده ليحكم نسجها في الصياغة والإحكام، وإخراجها بهذا الشكل الحداثوي، وقبل التنقيب عن الثيمات المطمورة التي دفنها الكاتب لنبحث عنها، واقتحام اغوار النص وفتح مغاليقه لابد من التحليل السيميائي للعتاب الاولى (الغلاف، والعنوان، والإهداء)، كيمياء الصورة لغلاف الكتاب : لوحة تشكيلية لباب ذا صبغة تاريخية، موصد متين رغم خشبه المتهري دلالة على شموخ وعراقة السجل التاريخي للوطن المفقود . أما العنوان " ليلة سقوط جلولاء " فيه إشارات لافتة تلقي بظلال سلطتها على المتلقي وتثير العديد من علامات الأستفهام في ذهنه وتدفعه الى الدخول في عالم النص بحثاً عن إجابات لأسئلته، كما يفصح عما في النص ويدل على محتواه العام، ويحيل القارئ الى الفضاء الجغرافي للرواية مدينة جلولاء بيئة الكاتب وواقعه المعاش التي يعتبرها المصدر الرئيسي في إستلهام افكاره الحكائية قبل ان يدخلها معمل الخيال. وفي الإهداء (الى جلولاء .. كولالة .. قرغان ..أرضاً أناساً بلا إستثناء .. قديماً، حاضراً، مستقبلاً سواءً بسواء .ص5)، فيه محاولة من الرواي أحياء قيم الأنتماء والولاء لمدينة جلولاء في نفوس من توطن فيها الأجيال من عرب وأكراد وتركمان، ومحاولة منه في معالجة أزمات متفاقمة حلت بها . وقبل بلوغ نوافذ الولوج الى غرفة الحكاية يستهل الكاتب روايته بمقولات متنوعة لمشاهير عالميين فيها من الإشارات لمضامين الرواية .الثيمة المحورية للرواية التشبث بالوطن واحياء روح الانتماء اليه وتجلى ذلك بعد إعلان السارد الأول بطل الرواية "زوراب الأحدي" (لذا سأعلن ولائي ومن غير تردد أو تأجيل، لما سيقره عقلي، ويجب أن أطيع، سأسكن المسحيل.. سابقى عاشقاص وعشيقا للمكان ص30) . وتدور أحداث الرواية حول شخصية زوراب الأحدي من مواليد يوم الأحد والمتزوج يوم الأحد، وفي يوم الأحد فقد زوجته وابنتاه، وبذات اليوم استشهد . وزوراب الشخصية الأصيلة التي المتجذرة التي عاشت في المدينة، ورفضت مغادرتها حتى بعد إستيلاء المسلحين عليها، بعد ما فقد بسبب الحرب عائلته المتكونة من زوجته (كولالة) التي دفنها في مقبرة المدينة ومعها أبنتاه الوحيدتان (نداء، ورواء)، وفي محاولة منه الانعتاق من أغلال الواقع القهري لجا الى جزء من شهوة الحياة عنده "الكتابة"، وقرر تدوين ما يعيشه ووأن يكتب ما حدث، وما سيحدث وقبل أن تنهي حياته بالمصير التراجيدي المفجع حينما وضعت رصاصة صديقة حداً لحياته، وثمة شخصية ثانية رئيسية تأتي بالمرتبة الثانية بعد شخصية زوراب الاحدي هي شخصية السارد الثاني ويبرز دوره بعد ما تلاسنت الألسن عن تخلف زوراب الأحدي عن قوافل الخارجيم من المدينة، وعثوره مع جثة زوراب على كشكول مفكك الأوراق قد أكلت بقع الدم الكثير من أوراقه، فيلملم الأوراق ويقرر أن يخوض أنقاذ حكايته، فيعيد السارد الثاني أنتاج نصوص السارد الأول بطريقة فلاش باك يعود فيه بالمتلقي الى ماضي السارد الاول البطل الرئيسي للرواية ويشكل مستوى سردي جديد عجائبي غرائبي لاسيما في في حكاية كابوس النهر (وقبل بيان الخيط أول الفجر، تدافعت الجموع البشرية، وربما رأيت كما رأيت كم نَفَر كان يرفع سكيناً، أو هراوة أو منجلاً، أكتاف تضرب اكتاف والغبار بدأ يلف البلدة، تناهقت الحمير، وتنابحت الكلاب، وتصريحات الديكة، قيامة غير مسبوقة، كأنها أعلنت بيعتها، أو نفخت اْبواق النفير لإدامة زخم الغيرة في الأبدان العاطلة من الخطوط الخلفية، ص١٧٥)، بتقنية "الميتافكشن" وما وراء القص، ومن غير أن يتخلى عن العالم الواقعي مقابل المتع النرجسية للخيال، وهو ينتقل من خلال فعل الذاكرة وبناء المشاهد الحية بين ازمنة متعددة وأمكنة واقعية مختلفة، ويوهم القارئ بأنه يقرأ احداث حقيقية واناس واقعيين حينما يشير الى فعل الكتابة والى حياة الكاتب مما يترك أنطباعات لدى القارئ بان الحياة االواقعية قد أنزلقت الى عالم الرواية لاسيما بإدخاله ضمن بنية المتخيل السردي شخصيات واقعية حية معروفة على الساحة الادبية أمثال الشاعر والمترجم جلال زنكابادي (حزمة نور سحبتني وأوقفتني أمام نافذة متهالكة، ألقيت نظرة، وجدت كاتب البلدة وباحثها، ذلك الكاتب العجيب، جلال زنكابادي منكباً على طاولته ..ص167)، وكذلك يمارس السارد الثاني النقد داخل النص السردي تنظيراً ونقداً، والحديث عن الكتاب وهمومها وتحدياتها داخل فضاء الرواية ص9، ويمرر من خلال لعبته السردية خطابات متعددة تحمل في طياتها نقداً للواقع السايسي والأجتماعي الذي اغرق الوطن في عرض الفوضى . وبالإضافة الى الشخصيتين الرئيسيتين هناك شخصيات ثانوية تعطي القصة بعدها الحكائي وتعتبر أداة ووسيلة الكاتب للتعبير عن رؤيته، مثل شخصية (عباس، وابو حازم) التي تقع ضمن شخصيات ثانوية فاعلة إستذكارية يكمن دورها في ربط اجزاء العمل السردي، وأداة من تنشيط ذاكرة القارئ، وأيقونات جيل الطيبين المعروف بالطيبة والغيرة وحب الخير وحب الوطن، وشخصية الاخرس الشاب الموهوب من أهل البلدة الذي عشق القرآءة والماركسية، فعقر لسانه في سراديب الأمن، لكن ظل قلماً ناطقاً، وكان نافذة الكاتب في اقحام وتدوين تغريداته في السوشيال ميديا الة عالم الرواية، وكذلك شخصية الاستاذ هاني مدرس التاريخ الذي اقحم في الرواية ليكون نافذة الكاتب التي أشر فيها الى العلاقة بين التاريخ والمكان، وبالإضافة الى ما ذكر من شخصيات هناك شخصيات غير مؤنسنة في الرواية مثل شخصية " خمبابا " وهي محكاة لشخصية خمبابا في ملحمة كلكامش (الكائن الاسطوري الذي كان يحمي غابات الأرز)، ويبرز في الرواية كناية عن الرأسمالية المتعددة الجنسيات " أمريكا " صاحبة النزوات العدوانية التدميرية الساعية الى السيطرة على الكون والتلاعب بالسلوك الانساني، وبالإضافة الى خمبابا كائن خيالي آخر غريب يسكن داخل بطل الرواية ويظهر على شكل أمرأة عمد الكاتب إدخالها كصوت أنثوي في لتحقيق التوازن في نوع الجنس في الرواية وكان موفقاً في تحقيق الموازنة المطلوبة في الرواية . وأما البناء الجمالي للنص أستند في تشكيل معماره العديد من التقانات السردية، والوصفية ووالحوارية، وبلغة يسيرة لا تحتاج الى تأمل عميق في محاولة فك رموزها .

أن رواية "ليلة سقوط جلولاء" رواية تروبيكالية بتجسيد جمالي وفني على مستوى اللغة والتعبير تنوعت فيه الأساليب السردية، وبإستكهان لايخيب ستحقق الرواية نجاحاً على صعيد المبيعات والترجمة، كما ستحقق هذه الرواية حضورها على المستويين الأكاديمي والنقدي ووآمل أن تقدم الى جائزة لتنافس وتفوز .

 

صفاء الصالحي

...........................

الهوامش

١- التروبيكالية: مفردة عجائبية توارد في الادب الامريكي اللاتيني وكان يتغنى بها الكاتب الكولمبي غابريل غارتيا ماركيز عندما يريد ان يعبر عن حالة مثالية تعجز الكلمات التعبير عنها، وقد أشار اليها الكاتب في هوامش الرواية .

‏‫

 

عبد الله الفيفييحتجُّ منكرو المجاز اللغوي ببعض الحُجج الطريفة، منها قولهم: إن المجاز كَذِب، والكَذِب لا يجوز. وهذا يذكِّرنا بمن حرَّم فنَّ التمثيل في العصر الحديث؛ لأن التمثيل كَذِب، والكَذِب حرام! وهؤلاء لا يفرقون بين الكَذِب الأخلاقي والتعبير الفنِّي القائم على التخييل.  ومَن بلغ به المقام إلى هذا الدرك، فلا سبيل إلى إفهامه أو جداله. وكيف، وقد نفى البلاغة واللغة، يبقى إلى حواره من سبيل؟! ولا غرو، فهؤلاء لو استطاعوا لنفوا الحضارة البشريَّة برُمَّتها، والطبيعة المحيطة بكاملها، وسُنن الله في خلقه جميعًا؛ لأن لديهم دون كلِّ أمرٍ شُبهةً تجعله منكَرًا، وحَرَجًا يبتدعونه يجعله حرامًا، حتى ما أبقوا لنا من حلالٍ ولا جائزٍ ولا مجاز، سِوَى الموت وارتقاب يوم الحساب!

ومن طرفاتهم كذلك احتجاجهم بأن المجاز لم يقل به (الخليل بن أحمد الفراهيدي) وغيره من الرعيل الأول.  وهؤلاء المبتدعة من أبناء قرون الانحطاط اللغوي والبلاغي والثقافي والفكري، الذين يحتجُّون بالخليل وأوائل اللغويين، هم في غفلةٍ أو تغافل عن أمور:

أوَّلها، أن هذه القضيَّة البدهيَّة لم تكن لتُثارَ لدَى هؤلاء المؤسِّسين لعلوم العربيَّة، كما أُثيرت في عصور الفراغ، والجدل السفسطائي، والمكابرات الجدليَّة المتورِّمة بها أنوف التاريخ الإسلامي في العصور المتأخرة.

وثانيها، أن الاحتجاج بالسَّلَف لنفي الخَلَف، ليس فيه من جديد؛ فهو ترديدٌ ببغائيٌّ لحُجَّة أزليَّة قال بها العجزة المنقطعين من عُبَّاد السَّلَف، في كلِّ زمانٍ ومكان، منذ قوم (نوح)، الذين قالوا: ﴿ما سَمِعْنَا بِهَـذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِين﴾. موقنين أنهم بهذا قد أدلوا بحُجَّة بالغة لا تُرَدُّ، فكفَى بالآباءُ حُجَّة، وبالسَّماع عنهم مستنَدًا، لا قِبَل لأحدٍ بدحضه!

وثالثها، أن أصحاب مذهب السَّلَفيِّين هؤلاء- الذين لا يفكرون بأدمغتهم التي في رؤوسهم بل بأدمغة آبائهم الثقافيِّين- يعتقدون أن السَّلَف ما ترك للخَلَف من شيء. وتلك عقيدةٌ جاهليَّةٌ توارثوها ثمَّ أَسْلَمُوها. فما لم يجدوا آباءهم عليه من مِلَّةٍ فليس من الحقيقة في شيء، ولا حتى من المجاز.  وما أكثر الأشياء التي لم يَقُل بها الأوائل، أو لم تصلنا عنهم. وإلى تهافت الاستدلال بمثل هذا، فإن فيه اختلالًا ذِهنيًّا في تصوُّر المعارف والعلوم، نشأةً وارتقاءً. لكن كيف يُستغرَب مثل هذا الاختلال الذِّهني ممَّن تجدهم يجادلونك أحيانًا بمقولاتٍ تزعم أن العربيَّة كانت لغةَ آدم، فضلًا عن كونها لغةَ الأُمم البائدة، ولغةَ الجِنِّ والملائكة أيضًا؟ وهؤلاء، لا ريب، يعيشون في كوكبٍ آخر، لا علاقة له بكوكب الأرض، ولا بالمعارف التي نشأت عليه، ولا بالتجربة البشريَّة جملة وتفصيلًا. ومَن يتصوَّر مثل هذا لا يقال عنه: إنه لا يعلم، بل الأصح أن يقال: إنه لا يعقل. ومع ذلك فهو واثقٌ بما يقول ثقةً عمياء، لم يدَّعِها قبله من نبيٍّ ولا رسولٍ ولا جاء بها كتاب.

ورابعها، أن النفي الانتقائي، زعمًا: أن القدماء لم يقولوا بالمجاز، محض مغالطة. فإنْ صحَّ أنهم لم يقولوا به، فهم لم يقولوا بنفيه. ولو كان أمره لديهم من الخطورة العقديَّة بمكان، لاقتضى ذلك تنبيه الأُمَّة إلى نُكرانه من أوَّل يوم، وكفَى الله المؤمنين المجاز! 

وخامسها، أن ما زعموه من أن القدماء لم يقولوا بالمجاز هو في النهاية محض افتراء، ألجأهم إليه المِراء. فلقد أشار الأوائل إلى المجاز، وإنْ بمصطلحاتهم العتيقة، كتعبيرهم عنه بـ«الاتساع في الكلام» أو «الاختصار فيه»(11). وبذا رأوا رأيهم في فهم بعض آيات القرآن، منذ القرن الأول والثاني الهجريَّين. أمَّا الجهل بضرورات التطوُّر الاصطلاحي، فرديف الجهل بتطوُّر العلوم والآداب والمعارف في الأُمم. 

والحقُّ- بعد أنفلونزا المجاز، التي وَبَأَت الثقافةَ العربيَّةَ لقرون، وترسَّخت إبَّان عصور الانحطاط اللغوي والأدبي والحضاري- أن اللغة ليس معظمها قائمًا على المجاز فقط، كما كان (ابن جني) يقول، بل اللغة كلُّها مجازٌ في مجاز. حتى ما نظنُّه اليوم حقيقة، كان مجازًا في تاريخ اللغة الماضي، إلى أنْ ترسَّخ وأصبح حقيقةً في تصوُّرنا بعدئذ. إن اللغة مجازٌ متناسل. والإنسان ضحيَّة لغته. ولولا ذلك، ما نشأت جدليَّة المعطِّلة والمشبِّهة نفسها، ولا القول بإنكار المجاز أصلًا. هذا ما يقوله نفاةُ الحقيقة عن اللغة.  وقولهم- وإنْ يبدو متطرِّفًا في الاتجاه النقيض لمذهب نُفاة المجاز- له وجاهته، بالنظر إلى طبيعة اللغة ووظيفتها وتطوُّرها. لا بمعنى أنني إذا قلت «شمس» في الوقت الراهن لا أعني ذلك النجم المشتعل المعروف؛ لكن بمعنى أن أوَّل مَن سمَّى ذلك النجم المشتعل المعروف «ش م س» إنما كانت ترتسم في ذهنه لوحةٌ تعبيريَّةٌ نقلها من خلال هذه الأصوات اللغويَّة، ثمَّ من خلال هذه الصيغة الصرفيَّة. واختلاف أبناء اللغات في زوايا النظر والتعبير لا يُسقِط هذه الفرضيَّة. 

إن اللغة كلَّها، إذن، محض تصويرٍ صوتيٍّ مجازيٍّ عن المعاني الذهنيَّة. يشهد بذلك ما يُعرَف بمحاكاة أصوات الطبيعة (الأُنوماتوبيا ONOMATOPOEIA). وتلك هي الفكرة التي كان ينطلق منها علماء اللغة، من عربٍ وغير عرب، وهو ما لا شأن لمنكري المجاز به، ولكنه مصداق ما قيل قديمًا: مَن دخل في غير فنِّه جاء بالعجائب! «تلك هي الفكرة التي كان ينطلق منها علماء اللغة، (ابن جِنِّي)، و(ابن دريد)، و(ابن فارس)، و(هامبلت)، و(جسبرسن) وغيرهم. وهم- وإنْ بالغ بعضهم أحيانًا في التماس العلاقات بين دوالِّ اللغة ومدلولاتها- لم يعْدوا الحقَّ في هذه الفكرة، مع ما أُثير عليهم من النكير حولها، وما واجهها به (فرديناند دي سوسير Ferdinand de Saussure) من الرفض؛ إذ يرى اعتباطية اللغة وأنها لا تخضع لمنطق أو نظام مطَّرد، وأن المؤشرات على المناسبة بين الدالِّ ومدلوله، كأصداء الطبيعة، هي من القِلَّة والاختلاف بين اللُّغات بحيث لا يَصِحُّ اتخاذها أساسًا لظاهرة لغويَّة مطَّردة أو شبيهة بالمطَّردة، فليست أكثر من أصوات قليلة تصادَف أنْ أشبهت أصواتها دلالاتها. لكن قلتها النسبيَّة تلك في اللغات غير الفطريَّة، وكذلك اختلافها بين الشعوب، ليس بحُجَّة لإسقاطها، فضلًا عن أن المناسبة الصوتيَّة بين أصوات اللغات والطبيعة ليست حصرًا في ظاهرة أصداء الطبيعة اللغويَّة، بل هي تدخل كثيرًا- عند التأمُّل- في المناسبة بين ألفاظ اللغة وما تُعبِّر عنه من دلالات غير صوتيَّة. ولا يبدو مقنعًا الزعم بأن هذا الإحساس بالمناسبة بين دوالِّ اللغة ومدلولاتها ليس سِوَى وَهْم يتولَّد عن مكتسبات المرء اللغويَّة وما ينشأ عن ذاك من ربطٍ بين بعض الأصوات ودلالتها، وأن كلَّ لفظٍ يصلح أن يُتَّخَذ للتعبير عن أيِّ معنى من المعاني عند التواضع عليه، وأن لفظ «الشجرة»، مثلًا، لا يحمل ما يوحي بفروعها وجذورها وأوراقها وخضرتها؛ لأن هذا الربط يُدرَك بين أصوات اللغة ومدلولاتها وإنْ لم يسبق للإنسان اكتسابها، وكأنما في الذهن الإنساني مَلَكَة فطريَّة أوَّليَّة كليَّة، تُشبِه مَلَكَة الإحساس بالتعبير الموسيقيِّ وتذوقه، قادرةٌ على إدراك الصُّوَر الصوتيَّة للأشياء وتكوينها. وأيًّا ما يكن الأمر، فيما إذا كانت تلك مَلَكَة فطريَّة أو مكتسبة في الربط الموسيقيِّ التعبيريِّ بين الصوت والدلالة، فمؤدَّى ذلك واحدٌ في النهاية، وهو أن هناك رابطةً تعبيريَّةً بين أصوات اللغة وموضوعاتها.» (22) 

وعليه فاللغة كلُّها قائمة على التصوير الفنِّي، الذي لُبُّ أدواته المجاز الأَوَّلي، بمعنى الرمز التعبيري عن الأشياء. إن العلاقة بين الأشياء والكلمات مجازيَّة ابتداءً. لا نقول اعتباطيَّة كما زعم (دي سوسير)- وكأنه لا يتحدث عن اللغة البَشريَّة، بل عن لغات الطير والنحل؛ إذ نظر إلى اللغة بوصفها مجرَّد إشارات تُدرس سِيْمَوِيًّا- بل نقول إن العلاقة بين الأشياء والكلمات في اللغة البشريَّة مجازيَّة تعبيريَّة، أصلًا وفصلًا. أمَّا العلاقة بين الكلمات والمعاني في تاريخ التطوُّر اللغوي، فشيوع المجاز فيها أمرٌ بَدَهي، مَن نفاه فقد نَفَى اللغة والتطوُّر اللغويَّ في آن؛ من حيث أزهق روح اللغة. وتلك الروح هي ما اصطُلِح عليه: بالمجاز. لولا المكابرة المُؤدلجة- التي أعيت من يداويها- ما خطر في ذهنٍ غير هذا. 

وإذا كان هذا هو الشأن في اللغة بعامَّة، فكيف باللغة الأدبيَّة بخاصَّة؟! إن اللغة الأدبيَّة لا قيام لها إلَّا بانحرافها عن اللغة التواصليَّة. وإنَّما المجاز مظهرٌ واحدٌ من مظاهر الانحرافات اللغويَّة والأسلوبيَّة التي تمنح النصَّ الأدبيَّ هويَّته. فإنْ هي أُنكِرت، فقد أُنكِرت أدبيَّة الأدب. وإذا أُنكِرت أدبيَّة الأدب، فقل على بلاغيَّته السلام!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

.........................

(1) انظر مثلًا: سيبويه، (1988)، الكتاب، تحقيق: عبد السلام محمَّد هارون (القاهرة: مكتبة الخانجي)، 1: 212. 

(2) انظر كتابي: (1996)، الصُّورة البَصَريَّة في شِعر العُميان: دراسة نقديَّـة في الخيال والإبداع، (الرِّياض: النادي الأدبي)، 301- 302.   

 

جمعة عبد اللهللشاعر جواد كاظم غلوم

الكاتب والشاعر القدير، له باع طويل وتجربة وخبرة عميقة، في ابداعه النثري والشعري، ويطرحه في مميزات النبرة الصافية والصوت الواضح، الذي يستند من صلابة المواقف الرصينة والرشيدة، التي تتجلى برؤيتها بالوعي الناضج من خبرته الطويلة في ممارسة الكتابة، التي عفرتها تراب المعايشة والمعاناة الحقيقية عبر ازمنتها المتعاقبة، التي اكتوى بنار حممها الحارقة وبالقهر الاجتماعي والسياسي، لهذا ينطلق بقوة الصدق في المشاعر والاحاسيس، التي تغلي وتفور في الضلوع . من معاناة الغربة والاغتراب سواء، في داخل الوطن، او في خارج الوطن . ومن الواقع المزري الذي وصل الى وتيرة التفاقم لتصل الى المحنة الجماعية، في القهر والعسف الحياتي، في ازمنتها السوداء التي مرت على العراق، وانغمر في لوعتها الموجعة، بأطنان من الاحزان والاضطهاد والانتهاك والاستلاب، ومن هذا المنطلق الواقعي ينطلق في مواقفه الصريحة والجريئة، يكشفها بكل شجاعة، ويكشف العيوب والعورات، ويكسر قلم المهادنة والمساومة، ويقف بشموخ ضد الاقلام الفاسدة التي لوثتها لعنة الدولار . ويشدد هجومه الضاري على الذين دفعوا العراق، ان يغور في اعماق الادغال الوحشية في دروبها المظلمة . يشدد هجومه على الذين سرقوا الحلم العراقي، بعد اسقاط الحقبة الدكتاتورية . ان يسرقوا العراق بكامله وبما امتلك من الخيرات والاموال الوفيرة، في تحقيق احلامهم المريضة بكنز الدولار الاسود،، ان ينشفوا بالفرهدة والنهب مغارة (علي بابا) وعلى حطام وجماجم الناس الابرياء التي تتساقط كل يوم . لكي تتحول الحياة الى معاناة جحيمية حقيقية، من هؤلاء الاوغاد البرابرة الجدد. فقد جعلوا الاحزان والانين والصراخ يتعلى من الاطفال واليتامى والارامل، وان يطحن المواطن البسيط في مطحنة المعاناة المريرة في لقمة العيش . انه زمن العهر بهؤلاء الحثالات العفنة، الذين يبيعون بضاعتهم الخسيسة في سوق النخاسين . بعدما جلبهم غربان الاحتلال، جمعهم من كل نفايات وقمامة المعمورة، وسلمهم صولجان السلطة والنفوذ والمال . جاءوا على شقاء الوطن وتحطيمه وتمزيقه، بذلك تحطمت حياة الناس الى الاسوأ من الماضي، في عهدهم البغيض والجاثم . هكذا غرد وصدح في مجموعته الشعرية، في استخدام وتوظيف كل الاساليب والاشكال التعابير، من اجل ان تحدث الصدى القوي والرنان . لكي تبرز الاثار المؤثر والمشحونة والمتحفزة لدى القراء، منها منصات تناص التراث والتاريخ، والى المناجاة الام السومرية . انه يعمق ويفجر الفعل المضاد في قصائده الشعرية . التي سلطت الضوء على هموم واحزان الناس، في معاناة حقيقية مدمرة بالخراب والفوضى العارمة، التي تخنق الحياة واسلوب المعيشة البسيطة . أن القصائد الشعرية تدلف الى الاعماق في محنة الوطن . وكما يعرج الى محنته الوجدانية الذاتية، برحيل رفيقة عمره وحياته، قرينة روحه، برحيلها الابدي، وفقدان عنصر حياتي هام وبارز في مسيرة حياته الطويلة، التي شق طريقها سوية بالحب والوفاء والانسجام . ان بغيابها الابدي، طعنة في اعماق روحه، يتجرع كأس العلقم كل يوم، تركته وحيداً يصارع الامواج العاتية في قسوتها وشقائها المدمر. لهذا الاسباب المتراكمة (من معاناة الوطن وفراق الحبيبة) يطلق عنان قريحة الشعر في قصائد المجموعة، ويرصد الاتجاه المدمر والعاصف في الحياة العامة . ويصب جام غضبه الساطع على البرابرة الجدد . انه يعطي اهمية بارزة للفعل المقاوم، بعدم الخنوع والاستسلام الذليل للاوغاد والطغاة الجدد، ان يوجه سهامه النارية على الثعالب والذئاب الادمية . ان يكشف احلامهم المريضة، بأنهم عبدة الدولار الاسود، الذين اغرقوا الحياة بالحزن والمعاناة، وأطفأوا كل انوار الحياة . ليكون شاهداً حياً على الخراب العراقي، الذي لم يتوقف، بل يستمر في وتيرة متصاعدة من خراب والحطام .

- في مناجاة المحنة بغداد وهي محنة العراق ككل . ان يشكو في معاناته الى (أبن زريق البغدادي) وهي صورة من الاستلهام والتناص . بأنه لم يجد في بغداد، التي جائها جائعاً وعارياً، يهزه نزيف الشوق والحنين، لم يجد سوى ليل مظلم مخيم على بغداد . سوى نزيف الدماء تنزف على ضفتي دجلة (الرصافة والكرخ) . لم يجد إلا وجوه العدى والردى، بالوجوه مخيفة ومرعبة، وهو يتجول بين الضفتين . لم يجد (المها)، وانما وجد عيونها مفزوعة من الرعب والاغتصاب والانتهاك . فلم يجد يا صاحب المقام الرفيع (أبن زريق البغدادي)، (المها) . فأين انت لتذود عن شرف وعرض (المها) من عفونة الاوغاد البرابرة الجدد . ولاسيف عنده يشهره في وجه الطغاة الجدد ليحمي شرف (المها) من عار الدنس . من البغاة الجدد . لم يعد له القدرة الدافع عن كرامتها المنهوكة والمغتصبة، ليعود خائباً يلوك الاسى، مضغة في فمه .

سيدي، ذا المقام الرفيع المنيف

جئت من سدفة الظلام المخيف

جائعاً، عارياً، دافقاً بالنزيف

أرى نسلي الزغب تشقى

ولا سيف لي .. لأشهره في وجوه البغاة

في وجوه العدى والردى

حين يحمي الوطيس

ألوك الاسى مضغة في فمي

أرحت ركابي بأرض الزلازل

لا زاد عندي سوى كسرة من رغيف

بللتها العفونة واخضر طحلبها في خراجي

أتيتك حزناً طويل الحبال

ثقيلاً، ثقيلاً بحجم الجبال / من قصيدة (القصيدة الثانية لابن زريق البغدادي)

- الحلم الوردي بعد سقوط الحقبة البعثية، انهار وتفتت وتمزق واختفى، واصبح حلماً اسوداً يورق ويرهق الناس . فقد سقط الامل بلا عودة . وخاب ظن الوطن للطيور المهاجرة، التي اعناها السفر وارهقتها الغربة والاغتراب، لتعود الى احضان الوطن، لتعود لتجدد احلامها القديمة في بارقة الامل . لكنها تفاجئ بالصدمة الهائلة بعودتها الى أرض الوطن . لم تجد بغيتها، ولم تجد العراق، وتجد بغداد تغفو غارقة في الحلم والكابوس . بغداد في وجهها المرعوب المغلف بالخوف والقلق في حياتها الجديدة . فقد لبست الزي العسكري، واطلق العناق لشبح الاحزان . بغداد اسيرة ومخطوفة بين الوجوه المرعبة التي تفاجئك، بجدران الكونكريت ونقاط التفتيش . يرعب صوت صفارت الانذار تنذر لموت جديد قادم . يرعبها نعيق وعواء الثعالب وذيولهم، بغداد تحولت الى سوق النخاسين بالعهر السياسي .

وأصوب وجهي نحو بغداد

أقف على شاطئ دجلة

ماذا عن العسكر والجدران الكونكريتية ؟

ونقاط التفتيش والوجوه المرعبة التي تفاجئك

وصفارات الانذار و ....... و ..........

أوه، سأتجاهل كل هذه المظاهر

واطوي هذه النشازات

وافتح افقاً احمر

واتأمل دجلة واغفو في حضنها قليلاً

أتلمس رملها الرطب البارد

أضع شيئا منه على خدي كالحناء  / من قصيدة (حمامتي والطيور السود)

- في العهد الجديد برزت معالم المدينة الفاسدة (الديستوبية) شاخصة في معالمها في كل ميادين الحياة، في النهب والفرهدة والسحت الحرام، على صراخ وعويل الفقراء والجياع والاطفال واليتامى . فقد اصابت العراق اللعنة من السماء والارض، حين اعتلوا العرش وصولجان السلطة والنفوذ . كل النفايات التي تجمعت وتهالكت عليه من قمامة وازبال المعمورة . التي باعت البشر بالدولار اسود، وحطمت كل شيء بالتدمير والخراب والفوضى الشاملة، بكل خساسة ودناءة حقيرة، كأن التاريخ يعيد نفسه من جديد في فصوله المأساوية . كما حدث لمدينة (بومبي) المدينة الرومانية، التي دمرت بالكامل، العمران والناس وكل معالم الحياة تحولت الى خرائب،على أثر انفجارات بركان (فيزوف) في العصر الروماني، او مثل حرائق روما التي حولتها الى حرائق .

أرضي أضحت خربة تساقط سورها الشاهق

كل يرمي نفاياته ودرنه في أديمها الطاهر

حدود بلادي قربوها، لوثوا طهرها

زاحفين كالجراد النهم

لعقوا بألسنتهم نقاء عذوبتي

لهاتهم أصابني بالقيء

توسلت بسرب النوارس

أنْ : خذوني معكم طائراً شريداً، جريحاً

لم ألق آذناً صاغية

سألم متاعي واعبر مدن الخطايا

أعفر وجهي برمادها

أتسكع في (بومبي) الغارقة بالاثم

لا أحد يشاطرني في خطواتي

سوى الكلاب الضالة . / من قصيدة (إطلالة على مدن الرماد) .

- نزيف جرح الحزن المؤلم الذي شطر قلبه الى نصفين، نصف رحل في رحلته الابدية، بقراق وفقدان رفيقة العمر والحياة والحب . رحلت الى رحمة الله الواسعة، وتركت الشطر النصف الاخر من القلب، يعاني من نزيف الحزن والهموم والشجون بوحشته ووحدته . برحيلنها أطفأت انوار حياته، تقطر بجراحها النازفة . لقد تركته وحيداً سوى من آثارها الباقية في كل زاوية من البيت، يوسي بها روحه المعذبة، تطارحه السقام، في الصحوة والمنام . فقد كانت غانيته الساحرة والطاهرة الجليلة، تملئ عبق حياته في مرها وحلوها . فقد كانت خيمته الحياتية .

أسدل ستائري في الليل

فإذا جدائل شعركِ تلاعب أناملي

أسقي ورود حديقتي

فتأخذني ساقيتي الى عذوبتكِ

أتجرد من ملابسي

فإذا جلدكِ يلتف بي متلبساً

سيديتي الغائبة تطاردني

تطارحني السقام

تلامسني الذهول

في صحوتي، في منامي

في شرودي، في يقظتي

في حلي وترحالي

في جلجلتي هدأتي

ما أنت ايتها الغانية الساحرة !! / من قصيدة (سيدتي الغائبة)

- الوضع الجديد المصاب بالفوضى العارمة، بغياب الرؤية البصيرية المسؤولة في حرصها وواجبها الاخلاقي والديني . فوقعت هذه الحثالات صريعة بريق هوس جنون الدولار الاسود . وراحت تعزف في بهجهة الفرهدة والنهب بالنشوة والانتصار . فأصبح العراق عبارة عن سرك تهريجي، تتقمص فيه كل الادوار الثعلبية والشيطانية، بالتهريج الغث بالهذيان والغثيان . في تجنيد النفوس الضعيفة والذميمة، التي تبيع شرفها وشرف القلم، بحفنة من الدولار، لتكمل صورة التهريج المنافق . في مهرجانات (على حس الطبل خفاً يا رجلية) . فأصبحت حياة المواطن تلاحقه كواتم الصوت في اي مكان كان، على شقاء وسياط الواقع الدامية والنازفة . فتبدلت الاحلام الى كوابيس، وتبدل كل شيء الى حطام اسود . حين هبت جحافل البرابرة الجدد احفاد المغول، لتحطيم الحياة في معاولهم على صياحات التكبير والتسجيد للاصنام الجدد المنافقة . وماهي إلا عبارة عن جرذان عفنة وكريهة . فقد اصبحت بضاعتها الرابحة، الدعارة العهر السياسي، بأحقر اشكاله الخسيسة والدنيئة . ليكنزوا الذهب والدولار على حطام الوطن . روضت الناس ان تدس رؤوسها في التراب .

قبرتم صغارنا وأداً

سخمتم سماءنا الزرقاء

أقحلتم فيافينا الخضراء

شحنتم أهالينا عداوة وبغضاً

طلقتم حليلاتنا الممتلئات عفة

نحرتم حمائمنا أمام مرآنا

وكواتمكم تطاردنا أينما حللنا

أبواقكم تصم آذاننا

أفواهكم تنفث كذباً

عيونكم تحدق بنا شزراً

سياطكم تلسعنا وجعاً

أخذتم بخناقنا

رفستم أحلامنا الوردية

كنستموها نفاياتٍ لمواخير اليأس

ابدلتم ملامحنا سحالي مخيفة

مصصتم جاشنا

صيرتمونا نعاماً تدس رؤوسها في التراب

ايتها البرابرة الشرسون . / من قصيدة (تعالوا أيها البرابرة أنتم وريحكم الصرصر)

- المجموعة الشعرية : كلما أفسدوا قلماً، طويت ورقتي .

- الشاعر : جواد كاظم غلوم

- طباعة : أمل الجديدة

- الطبعة الاولى : عام 2018

- مصمم الغلاف : الفنان مصدق الحبيب

- عدد الصفحات : 138صفحة

 

جمعة عبدالله

 

مادونا عسكرقراءة في نصّ للشّاعر والنّاقد  السّوريّ كريم عبيد

لي في هشاشتي وطنٌ ..

وعلى هامش روحي

نزفُ قصيدة ..

ورائحة لغةٍ عابرة..

أصابعي منفى ..!!

فكيف أردُّ الرّيح

عن عتبات قلبي ..؟

يا الّتي تنهض السّماءُ من أوراقها ..

كفرصةٍ أخيرةٍ في الضّوء ..

أنا رصيفُ أنثى الغيب

الطّالعة من حنايا جوعي ..

أتعثّر بأوراق ظلٍّ

يخلع نعليه .. ويمضي ..!!

القراءة:

حين يصوغ الشّاعر قصيدته يحيا حالة من الازدواجية تترجم انفصاله عن الواقع والتصاقه به في آن. وفي انفصاله عن الواقع حالة تنشد جماليّة الشّعر من ناحية انبعاثه من الأعماق. وفي التصاقه بالواقع تجتمع عناصر اللّغة لتبيّن الألم المتجذّر في قلب الشّاعر. الألم الّذي يصنع القصيدة، أو الألم الّذي يخطّها فيُخرج الشّاعر من دائرة الواقع إلى دائرة الوعي الشّعريّ؛ لكي يتمكّن من معاينة ذاته الإنسانيّة وذاته الشّعريّة. كما هي الحال في قصيدة الشّاعر كريم عبيد، حيث تجتمع الدّلالات اللّفظية والرّموز لتشكّل فضاء القصيدة الّتي يتوق إليها الشّاعر. ولئن تحدّث عن (نزف قصيدة)، فكّأنّي به يعبّر عن نزف داخليّ أنهك قواه بل عن استسلام ورؤية تشاؤميّة دلّت عليها عبارات مرهقة في القسم الأوّل من القصيدة (هشاشتي/ هامش روحي/ نزف قصيدة/ لغة عابرة) الشّاعر  المنهك  مستسلم لقوى خارجة عنه، يتطلّع إلى الواقع بضعف من لا يقوى إلّا على التّرقّب، من جهة (كيف أردّ الرّيح عن عتبات قلبي؟)، ومن جهة أخرى، يلتمس بخجل خلاصّاً يأتي من الغيب (يا الّتي تنهض السّماءُ من أوراقها../ كفرصةٍ أخيرةٍ في الضّوء..)

تظهر في القسم الأوّل من القصيدة روح الانهزام، وفقد عناصر المقاومة للواقع، ونوع من الغربة والتّيه عن الانتماء (لي في هشاشتي وطن). الشّاعر متقوقع داخل هشاشته متّخذاً إيّاها وطناً، ما يدلّ على انغماسه في الضّعف والتئامه بالوجع النّازف. أشارت إليه السّطور الّتي خلت من أيّ فعل إلّا واحد (أردّ)، ذهب بالشّاعر إلى أقصى الاستسلام (أصابعي منفى..!!/ فكيف أردُّ الرّيح/ عن عتبات قلبي ..؟) كما أنّ القسم الأوّل بدا كسماء ملبّدة، نقلت إلى القارئ ثقل المشهد وقتامته. ولعلّ هذا المشهد يشكّل حاجزاً بين الشّاعر والقارئ فتتسرّب إلى الأعماق نفحات الحزن. وبدل أن يسبر القارئ أغوار الجمال، يدخل مع الشّاعر دائرة الحزن والأسى ويتعاطف معه دون أن يرتقي إلى عوالم الشّعر. والتّعاطف مع حزن الشّاعر لا يدلّ بالضّرورة على جماليّات القصيدة. وإنّما التّعاطف  لحظة يستيقظ فيها الحزن الكامن في قلب القارئ. وما يلبث أن يتلاشى كرائحة اللّغة العابرة في القصيدة النّازفة:

وعلى هامش روحي

نزفُ قصيدة ..

ورائحة لغةٍ عابرة..

لقد استخدم الشّاعر صيغة النّكرة في الحديث عن (نزف قصيدة) (ورائحة لغة عابرة) ما دلّ على إمعانه في الضّعف الدّاخليّ دون أيّة مقاومة أو محاولة لتحدّي الواقع. وسيكشف لنا القسم الثّاني من القصيدة هيكليّة الوهن الّذي يعيشه الشّاعر، وهو يترقّب دون أيّ فعل شيئاً من الخلاص:

 يا الّتي تنهض السّماءُ من أوراقها ..

كفرصةٍ أخيرةٍ في الضّوء ..

أنا رصيفُ أنثى الغيب

الطّالعة من حنايا جوعي ..

(أنا رصيف) انتظار مستمرّ لخلاص غامض أو بعيد أو مستحيل (أنثى الغيب). ولئن استخدم الشّاعر لفظ (الأنثى) ابتعد بعض الشّيء عن معنى الخلاص الحقيقيّ، لأنّه تحدّد بالأنثى لا بالمرأة، وبالغيب أي المجهول. لذلك يسقط من القصيدة معنى الخلاص والنّجاة من التّقوقع الدّاخليّ، فالشّاعر ملتصق بواقعه أكثر من انفصاله عنه. فلو أنّه انفصل عنه لتبيّن في القصيدة خروج عن المألوف أو ارتقاء نحو الحزن المدهش، الّذي يمنح القارئ جمالاً شعريّاً خاصّاً يؤسّس لزرع القصيدة في النّفس. لكنّ الشّاعر أنهكه الحزن وأضعفه فتعثّر دون الانفتاح على الأنوار الشّعريّة، فهزمته قصيدته.

أتعثّر بأوراق ظلٍّ

يخلع نعليه.. ويمضي..!!

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

للقاص أنمار رحمة الله

تعمل النصوص السردية الجادة على احتواء القيم السائدة ومعالجة السلوكيات الاجتماعية المتشظية، واستدراك أنماط السلطة المتجهة بالمجتمع نحو ناصية الضياع والتلاشي عن طريق التهميش والإقصاء في سبيل بناء هرم التسيُّد والتسَّلط، وقصة حارس المكتبة للقاص أنمار رحمة الله من مجموعته القصصية (واسألهم عن القرية) بما تحمله من رسائل مشفرة ماهي إلا نموذج عميق بل وعميق جداً لشوائب الديكتاتورية وأسلوب القمع الذي تمارسه السلطة في الواقع المعاش والحاضر المتعسِّر.

يسرد الراوي العليم حياة البطل (مسعود) حارس المكتبة في القرية بمعالمها البسيطة والنمطية ذات السكون الفكري والانعزال المفرط، فعلى الرغم من تواجده في المكتبة بشكل يومي إلا أنَّه لم يتجاوب مع الكتب ولم ينشأ فيه ذلك الشغف الذي كان يحتوي والده صاحب المكتبة الكبيرة والعامرة بالكتب والمخطوطات والدراسات، فيبدأ (مسعود) يومه بالتوجه نحو المكتبة عند الصباح ولا يعود إلى المنزل إلى عند حلول المساء منهكاً ومتعباً يتذمَّر على أولئك الذين يتأخرون في المكتبة غارقين في بحر العلم والمعرفة بينما هو ينتظر مغادرتهم بازدراء وانزعاج شديد، وفي أحد الليالي وقبل أن يخلد للنوم طرق الخوف قلبه عندما سمع أصواتاً تتسرَّب من غرفة والده المتوفي منذ سنين عدة، فيُصعق وهو يراقب الباب الذي فُتح لوحده وعندها تحدث المفاجئة برؤية شبح والده المرعب، إذ يبدأ الشبح بمعاتبته على هجران مكتبة والده واكتفاءه بالتفاخر بها بين الناس فقط لا غير من دون أن يقرأ أو يطَّلع على التراث الذي تركه له والده والاستزادة منه، ومما يزيد من حدة المشهد استغرابه من أمر الشبح الحازم له  للمضي في البحث عن كُتيّب قديم المدفون في المكتبة ووضعه تحت رأسه؛ كي يحلم هذه الليلة مع إنذاره بحلول اللعنة في حال عدم استكماله للحلم، فاستخرج (مسعود) الكُتيب المطلوب ووضعه تحت رأسه مُعلناً الانطلاق إلى فضاء الفانتازيا والقرية العجائبية، إذ يجد نفسه تائهاً في غابة ذات معالم طوبوغرافية مثيرة للدهشة والاستغراب المسماة بـ(قرية المكتبة) بأشجارها وحيواناتها ذات الهيأة المخالفة للقوانين الطبيعية بعدما بانت له مكونات الغابة على شكل كتب لكل منها صنفه الخاص، وعلى الرغم مما دار بينه وبين أحد الكتب مستفهماً عن هذا المكان الغريب وعن هذه المخلوقات إلا أنَّه لم يجد إجابة مقنعة لأسئلته الكثيرة عن المكان وسكَّانه.

غاص (مسعود) في جو القرية الغرائبي وهو يستطلع ويكتشف معالم المكان الذي وجد نفسه فيه بفعل الحلم الذي رسمه له شبح أبيه، فبانت مخلوقات القرية كأنها مخلوقات حقيقة تمشي وتتكلم وترقص وتأكل وتتفاعل بالشكل الذي يثير دهشته ويدفعه للمراقبة والاستطلاع، وهو يلاحظ الممارسات المألوفة لديه لكن هذه المرة تقوم بها مخلوقات على هيئة كتب، فيجد في طريقه راعي على شكل كتاب يرعى مجموعة من الكتب التي تأكل الأعشاب، وكتب أخرى ترقص وتلهو وأخرى تصفق وتشجع، وتبيَّن أنها مجموعة من الكتب المهجَّرة من قرية الكتب بفعل شيخ القرية الديكتاتوري الذي يتطاول على كلِّ كتاب يخالفه ويرفض السياسة والنظام المُتبع ويثور على سوء الخدمات والمعاملة السيئة والتحقير والإهانة والاضطهاد، فيتفاعل مع هذه الكتب الثائرة وعندها بدأ باستيعاب ما يحصل آخذاً بعين الاعتبار مدى خطورة الوضع وامكانية حدوث الكثير من المفاجأة التي ستحملها اللحظات القادمة.

بدأت معالم القرية تتكشَّف لـ(مسعود) الذي أخذ برصد أحداثها العجائبية وما يعتريها من ممارسات وسلوكيات أثارت حفيظته واستغرابه عندما لاحظ انتشار العصابات المتطرفة التي تعبث بقرية المكتبة وتهمِّش سكانها من الكتب وتتعامل بالأسلحة لترهيبهم وإخافتهم، إذ يقف أمام مشهد محاصرة أحدى ميليشيات الكتب بما تسمى بـــ(شقاوة القرية) وهي تحاصر كتاباً بسيطاً من فئة الفقراء تُنزل عليه صواعق التهديد والوعيد على مرأى ومسمع من الكتب الأخرى التي لم تتحرك ولم تبادر لحل المشكلة؛ خوفاً من العواقب التي من المؤكد ستؤدي بها إلى التهلكة، فكان استغرابه وتعجبه ورفضه لهذا الموقف القاسي سبباً في انتباه (الشقاوات) له خاصة وإن شكله غريباً بالنسبة لهم، فلم يكن كتاباً مثلهم بل مخلوقاً دخيلاً على القرية مما دفع بهم للقبض عليه بتهمة التجسس والعمالة أو لربما بدواعي الخوف على مكانة حاكم القرية؛ كون (مسعود) منافساً له في إدارة شؤون الكتب، فتم إيقافه في سجن القرية للنظر في قضيته ومحاكمته مع مجموعة من الكتب المسجونة بتهم مختلفة والتي ينتظر كلّ منها التحاكم على تهمتها بعد خضوعه  للتعذيب، وكان (مسعود) السجين الوحيد المختلف في الزنزانة، يصارع الوحدة والغربة بعد عدم تمكن الكتب من التعرُّف عليه؛ لأن (المكتبة النظيفة) المسؤولة عن إصدار الأحكام محت كل شيء يتعلق بالإنسان والإنسانية، كما شرعت في قتل بعض الكتب وتشريد البعض الآخر، وانتهاك الملكية الخاصة لما تبقَّى منها بدوافع الانتهازية والسيطرة، فباتت القرية تخلو بشكل كبير من الكتب ذات الفكر الرفيع والانتاج القيِّم، حتى تتمكن من بسط النفوذ والسيطرة على  الفكر المحدود والبسيط في ظل غياب الوعي المتقدم بما يخدم مصلحة السُّلطة في التأكد من استحالة ولادة نشاطات تتبنى ممارسات التَّمرد والثورة على الواقع السَّحيق.

كانت رحلة (مسعود) في السجن محطة الكشف الجوهري عن إشكاليات التعامل بين البنى التحتية والفوقية أي بين المركز والهامش، شاهداً على مكامن الضعف والقوة التي تنمو وتتلاشى في آن واحد في سرادق التعذيب، غريباً يشكو التيه لولا ملازمة كتاب واحد له المسمى بــــ(كيف تصبح إنساناً)، فهو آخر ما تبقى في المكتبة من معالم الإنسانية ينتظر قدوم دوره للإعدام يروي لـــ(مسعود) أحداث القرية الظالم حكَّامها وما حصل له ولرفاقه الذين سبقوه إلى الموت، فتركت لحظة موته أثراً عميقاً ورفضاً متمرداً لديه صارخاً وهو يشاهد لحظة الإعدام متعجباً لقوة الكتاب وتماسكه وهو يواجه مصيره المأساوي، وبهذا المشهد يستيقظ (مسعود) فزعاً تاركاً وراءه الحلم الذي أرهقه متجهاً صوب مكتبة أبيه ليجدها على حالها منذ سنين لا أثر للشبح ولا لأبيه وعندها أيقن أنها أضغاث أحلام عصفت بمخيلته.

يشغل الثَّالوث السياسي (السلطة، التسلط، الديكتاتورية) مساحة واسعة في العصر الحديث بما حفظه التاريخ من ممارسات وأساليب أضرَّت بمصالح الوجود البشري عن طريق إلغاء الحقوق الشرعية والترهيب والإقصاء والتهميش ومنع المواطنين من حرية التعبير وفسح المجال أمامهم لاتخاذ القرارات ومشاركة الحاكم في تسيير شؤون البلاد بعيداً عن القسر والإكراه الذي يستند بشكل أو بآخر على الإفراط في ممارسة السلطة، والتي بدورها تقوم على الاعتراف المتبادل بين طرفين تخضع فيها إرادتهم لتحقيق مصلحة مشتركة، فبدأ مفهومها يتشوه بتأثير ظاهرتي التسلط والديكتاتورية في ظل غياب العلاقات الودية واستحالة الحوار وموت الثقة وتفحُّل العبثية وانتحال الحق والمصداقية لدى الحاكم المتسلط، مما أدى إلى سلب المعنى الحقيقي للسلطة التي باتت تُلغي أحلام المواطنين ورغبتهم بالعيش في مستوى أفقي حر ينادي بالديمقراطية، ويقصي العبودية ويسعى لغلق المجال اللامتناهي للأنا لدى الساسة وسعيهم لبناء نظام سياسي عمودي يُجبر الأدنى على مسايرة الأعلى وطاعته في شتى الظروف.

تُعدُّ قصة (حارس المكتبة) من أدق النماذج التعبيرية التي تمت صياغتها على مستوى عالٍ من النضوج والجِّدة، ذلك أنها تروي المشكلات المستديمة بين الحاكم والمحكوم وما يعيشه الإنسان في الوضع الراهن من صراعات أدَّت إلى غياب الغرائز الفطرية من أمثال الإنسانية والرحمة، والخوض في ممارسة الجرائم وأساليب القمع تجاه المواطن البريء، فكان (حاكم القرية) صورة دقيقة للحاكم المتسلط والديكتاتوري الذي يسعى لإشاعة الخوف والترهيب بين أبناء شعبه؛ خدمةً لتحقيق النفوذ وإرضاء الأنا المريضة، إذ يفرض عليهم كل ما يراه مناسباً دون النظر فيما إذا كانت هذه الممارسات تخدم الصالح العام وتُرضي توجهات الشعب وطموحه، فمن أبشع ممارساته إننا نراه في حال الرفض والوقوف بوجهه يلجأ لأسلوب القتل والتصفية والتعذيب والتخلص من أي شخص يراه مصدر تهديد له بتهمة واحدة أصبحت في الإطار العام أيقونة الخلاص لدى الجبابرة وهي تهمة التجسس والعمالة وتهديد أمن الوطن، فبات المجتمع يعيش حالة التشظي والانحسار والفشل في كافة النواحي، وبات المواطن يعيش الخنوع والتراجع يخشى الدفاع عن نفسه أو المطالبة بحقوقه المستلبة أو التعبير عن رأيه في ظل غياب الديمقراطية وتشعّب أيديولوجيا الترهيب وأسلوب تكميم الأفواه والانصياع الجبري لرؤيا السلطة التي أصبحت إراقة الدماء عندها من الطقوس المعتادة والطبيعية للحفاظ على هيبة الحكم.

 

دعاء عادل آل عزوز

 

احمد الشيخاوي"الجسد

هو ما يبقى

من كُلّ ما يؤسّسه الشعراء

من كلام " (1).

يمثّل الجسد، بمفهوم ميتا/ لغوي، الخيط الناظم للعبة الكلامية، في منجز الشاعرة المغربية نادية القاسمي، يُضاعف من رمزيته، كون استحضاره يتمّ على نحو فلسفي،تحاول باعتماده،الذات الشاعرة، ترجمة النبض المجتمعي، إزاء ظاهرة فجائعية، ما تنفكّ ترخي بكامل ثقلها، على الثقافة الحياتية المتوارثة بتعاقب الأجيال.

تلكم ظاهرة " الهجرة السرية" وغير القانونية، أو ما يعرف في  القاموس المغربي الدّارج بمفردة " لحريك"، وكيف أنها، أي هذه المعضلة، استحوذت بالتمام،على العقول والقلوب وأضحت هاجسا ثقيلا، منذ فجر الاستقلال ولحدّ الآن، تلك المرحلة التي عُرفت بما يمكن تسميته عهد التصالح وبسط صفحات بيضاء للتعاون وتبادل المصالح،بين دول أوروبا ومستعمراتها المغاربية والإفريقية " المستقلّة "، بشكل خاص.

ولو أن حاجة القارة العجوز، وافتقارها لليد العاملة والأدمغة العربية، فرض أسلوبا انتقائيا مدروسا آنذاك، وتطبّع بجوانب البراءة وإنصاف المهاجرين ماديا ومعنويا، تبعا لسياسة استقطاب ممنهجة ومقصودة ومرتّبة جدا، خلافا للحاصل فيما بعد، وقد أخذت معه الظاهرة توجّها جحيميا وإجراميا ملأ المنافي الطوعية انتهازية وعنصرية واضطهادا، ,وإن بسبل خارج دوائر القانون، وغاية في السرية المتعارف عليها،وغطّى بلاد المهجر بجثث الغرقى ومشاكل الناجين.

إن هذا الجسد المقدّس، إبداعيا، ههنا، المؤطر برؤى موسوعية لشاعرة آثرت الانتماء لنصوص الهجرة المحرّمة، بكامل سلبياتها وحالاتها المرضية، بما يُجبر الكائن المغاربي، على عقّ المنبت وعصيان التراب، جراء جملة من الضغوطات النفسية والاقتصادية وغيرها من الخلفيات الوجودية القاهرة، المتسببة بخفوت الحس الهوياتي إجمالا.

هذه المغادرة التي تُمليها، في الغالب،ذاكرة الجلْد، تتقنّع باللاشرعية، ضدّ واقع الانكسار والقمع والحرمان، مزيّنة مقامرة ركوب البحر،تأمما لضفّة الوهم، ولأجل حياة الرغد والفضيلة والكرامة والعدالة والحريات.

وهي مناقب تغلّفها أمنيات كاذبة مؤجلة، بالطبع، ليس تعشّش في سوى المخيلات القاصرة والسّقيمة، من لدن جيل أعمته فوبيا البحث عن بديل، جيل قلق متخبّط في أسئلته، يتلاعب به ضياعه، وشتى ما يغذي فلسفة الغروب في لا شعوره،كضرب من هلامية تسكنه، بشأن ما يتطلع إليه هناك،ما وراء قوارب الموت، ويغزوه من انطباعات عن الفردوس الموعود.

" سألتقط كلّ العظام

التي سبرها غور سباحة،

تلاعب

بأحلام الماء

أيها الفرح

تلبّس بي" (2).

جيل جان مجني عليه في آن، مصيره أن يتعثّر بأبجديات ووصايا فلسفة الغروب،التي تغويه وتضلّله ولا تدع له خيارا أو إرادة، بحيث تجرّده من حسّ الانتماء،لتحقنه بمركبات نقص يحرّضه على الجنون كل هذا الجنون والانتحار بهذه الشاكلة.

هذا النعت،على حدّ تعبير شاعرتنا، فلسفة الغروب في عمق صلتها بمفهوم الخيانات المائية، وهي ترفع الجسد فوق الروح، وتقلب المعادلة جملة وتفصيلا.

" ما الفائدة

من كومة الرّماد المعلّقة

بتابوت أمير أسطوري

إذا كنّا سنقيس العناقيد اليافعة

ببقايا الرّماد؟ " (3).

إن خطاب مكر الماء، والذي طغى على نظير هذه المناولة،تأسيسا على سياق قِناعي، ينأى عن المبالغة والمباشرة، ليغرق المتلقّي بدوال الاستعارة القادرة على نسج المرثاة في أقصى مستويات استنزاف المتن الجوهري،من حيث درجه في حيز تاريخي معيّن، يتوسّل المراوحة في العبور النرجسي المخملي الخاطف، ما بين الخاص والعام، نزوعا صوب ما هو إنساني انتهاء.

"بين أصابعي

الأخطاء تعلن تمرّدها،

كقائمة طرائد

من وجهة برية

تنتهي

عند قنّاصي الأرواح" (4).

باعتبار الخسائر البشرية واحدة ضمنيا،وإن تعدّت الأسباب و الألسن والعقائد والجغرافيات، سواء عند العرب أو غيرهم من العجم، ومهما تنوّعت أدوات الفتك بأيادي القناصة وتباينت أهدافهم.

فضحايا التطرف والإرهاب، لا يختلفون كثيرا عن قرابين آفة الهجرة السرية فيما تحصده من أرواح يوميا.

" أغامر في الورد

ليورق بين يديك

وأتهشّم في مزهريته" (5).

هو في الحقيقة سأم وضجر قصيدة، أيضا، من هول المعضلة، تنسج ملامحه ذات مثقلة بهواجس جيل، باتت تستعبده الخيانات المائية.

قصيدة تترع من كل ملمح ومعنى يغري بتقديس الحياة، قسطا يُدغدغ بالوهم الأذهان،   ويؤكد الهيمنة على جيل بأكمله، يدفعه إلى أفق فرص النجاة ويعزز لديه ثقافة الانتصار على الموت، ويتيح له بديل تلمظ معسول الولادة الثانية، على حساب فناء وتبدد القصيدة وتحولها إلى رماد.

يفسّر هذا المعنى، حجم الهدية التي تخصّ بها الذات المبدعة، مخاطبها، كجيل اغتال أحلامه خيار الهجرة بوصفه إذعانا لمادية العالم المتحضّر أيضا ،كما عارا تتلطّخ له إنسانية المغاربي بدرجة أولى، قبيل إسدال الستار عن آخر فصول المرثاة.

" لك من الضوء

ما يستحقّ الحياة " (6).

من هنا نستشفّ قيمة المنجز الشعري لدى هذه الشاعرة، نظرا لتركيبيته وتفشّيه باتجاه العام و مشاتل التلبّس بمفردات الهوية الإنسانية، من خلال ديوان " رياح بليلة" طبعة 2015،عن دار التوحيدي، الرباط، ثمّ مجموعة " متلبّسة بالتراب" الصادرة حديثا عن بيت الشعر في المغرب.

ختاما، نلفي الشعرية في هذا المشروع المنذور لقضية الهجرة،كاستثناء زاده نكهة هذا الانثيال بصوت الأنثوي، ودبّجه بتصوير فنّي جريء ومباغت،أقرب إلى الوشايات الأنيقة والربط الميتافيزيقي،ما بين الذاكرة وواقع الانكسار،على درجة عالية من الاحتماء بمعاني الحياة وألوان المنظومة القيمية، برغم  تفشّي تيمات هذه الشعرية في بعدي الجلْد الجسدي والاغتراب الروحي، ذلك أنها كتابة واعية، استطاعت أن تبق على الأمل في جيل متّهم، متروك لمراياه الكاذبة، بدل الأخذ بيده والاستثمار فيه استثمارا صحيحا، يتحقق معه خلاص الكائن والحياة.

كتابة تصون الرّهان على جيل منهزم مهووس ب"نعيم" الضفّة الأخرى.

 

احمد الشيخاوي

شاعر وناقد مغربي

........................

هامش:

* أنظر مجموعة " رياح بليلة" طبعة 2015، منشورات دار التوحيدي، الرباط.

* أنظر مجموعة " متلبّسة بالتراب" طبعة2018، بيت الشعر في المغرب.

 

عبد الجبار نوريسيمياء العنوان يبدو غرائيبيا وملفتا للنظر يحمل دلالات هامة ملتهبة (بنفثات) محرقة للشاعرالذي يفتح لنا أبواب جهنم في شعريته الغريبة والغير مسبوقة بالمرّة حين يقتحم الممنوع الممنوع ليقدم للمتلقي موضوعا الجدال فيه لم ينتهي بعد تأريخياً من حيث موقع المجنون من الأعراب في عصر العولمة، وحسب رؤيتي لهذه المجموعة الشعرية للشاعر الملهم والرائع حميد أنّها ملحمة شعرية في التناص والأسلوب والقصد يأسر المتلقي للوصول إلى السطر الأخير في المجموعة عندها يدرك  القاريء أن الشاعر يساري الهوى شعارهُ التغيير والحل الثوري الجذري . 

يتكون النص من ثلاثة عشر مشهدا تراجيديا بنكهة الهزيمة والقهر والأحباط، رقّمها جميعا عدا المشهد الأخير رقم 13 أسماهُ " الرقم المنحوس " فعلا أنهُ مشؤوم أجتماعياً، بيد أن بطل الرواية المجنون يدعي هو العاقل هنا في فهم هذا الرقم وغيره هم المجانين، لآن التشاؤم هو قمة الوعي بالواقع وأقصى درجات الرفض لأبجديات مستلباته القبيحة والمذلة، فقد ضاع العرب بين الرأس والذيل بعد غياب باقي أعضاء الجسم، ويشير في قصيدته هذه بمقارنة ذليلة بين الحصان العربي الأصيل وبين الطائرة المبتكرة (البوينغ) فهنا الشاعر (يدين) عنصر الزمن لصالح حضارته، ضياعها عند العرب في الفخر بما عمل الأجداد والأنساب بينما أستغل الغرب عامل الزمن ووظّفهُ لصالح حضارته بأكتشافات علمية، يقول فيها:

*العالم مشغولٌ بسرِعولمتنا

تمثلنا (الدي) فهي الرأس

إلى (مقراطية) ذيل

يجرح عزتنا لا كل العالم نقبلهُ

نحن علمنا الناس سرّ الحرفْ

وسر النهب وسر (الكرف)

فليتوجه كل العالم صوب قبلتنا

فالعالم مشغوفٌ بسر عولمتنا

*حمارٌ يمتطي حصاناً عربياً

يعلقُ شجرة نسبهِ

قلادة فوق مؤخرتهِ و---

يجرُ خلفهُ طائرة (البوينغ)

عند تفحصي لنصوص المجموعة الشعرية وجدتُ أن حميد يحافظ ويؤكد على (مورفولوجية) الأشياء في الشكل والمضمون حيث يبرز التشاؤم والسوداوية القهرية لمعطيات عناصر شعره بحيث يقلب المفاهيم الواقعية لكي يجعل المشهد حزينا ومؤلما يستعمل  (الأستعارة) كما جاء في تعبيرهِ للقصب بالأصفر الذي هو رمز الموت والفناء، فيجعل الضفدعة ضحية الأفعى بفحيحها نذير الموت، بدّل صوتها الطبيعي  (النقيق) بصوت الأفعى (الفحيح) وهنا يقصد الشاعرفي لعبة قلب الصورة الطبيعية للحياة أن يدخل تشويشا متعمدا في ذهن المتلقي ليستجيب لنداء (التغيير)، وكذا في لوحة الراعي والخراف، فقطيع الخراف دائما منقادة ولكن في صناعة الشاعرحميد العبقرية جعلها هي الدرع الحصين للراعي، فالرمز هنا وكأنه يخاطب الشعوب العربية: بأستكانتكم كالخراف العمياء وتصفيقكم للقائد الرمز ومسختم أنفسكم وعاظا للسلاطين ودروعا بشرية لحماية المنصور بالله والمستعين بالله وقائد الضرورة، وهو رمز للغي والقصور لفهم الواقع الأجتماعي للشعوب المقهورة، ولتلك الصورة السوداوية المستلبة يتعمد الشاعر "الهجوم الوحشي على الواقغ" وأعتقد جازماً أنها (رسالة مفتوحة) للحكام نصها الأيحائي: صراع بين الجلاد والضحية، بين الناهب والمنهوب، بين المتخم والجائع، بين الرابح والمنحوس، وبين المتغطرس والذليل، وهي من بركات الديمقراطية العرجاء الكسيحة التي حولتنا إلى السريالية المجنونة .

يطرح آراءهُ الفكرية بأقتحامية لا يهاب مطبات الرأي المعاكس وأبجديات أغتيال الكلمة الحرّة سواء كان من قمة السلطة أو من دولة الحمير، يبدو لي أنهُ ضحية مركبات هموم عصرهِ بزمكنة غير محدودة ربما يعني جغرافية العرب وتأريخهم، لا يهاب المحذور والخطوط الحمر التي وضعتْ من قبل المنصور بالله والمعتز بالله وعبدالله بن زياد وصدام حسين، ومن المصنفين (اللوكية) أو بتعبير ديمقراطي شفاف (وعاظ السلاطين) أو الرجال المزيفون، وجُلّ طروحاته الأستفزاوية حسب رأي الشخصي: مفاهيم يسارية وأنهُ (تحريض) ثوري ينحو للتغيير الجذري على الأقل للأجيال المستقبلية، أنه شاعر بقمة الصمود والتحدي ولا يهاب العواقب حتى لو ذكرته بجميع ضحايا أصحاب الكلمة الحرة، الحلاج والحسين أو علاء مجذوب وفيها يقول:

أنا شاهد عليها

تحت ظلال الرماح القصب الصفراء

ضفادع لها (فحيح) تزدرد الأفاعي

أنا شاهد عليها

خراف عمياء تحرس الراعي

وطرح الشاعر حميد من خلال مجموعته الشعرية نفثاته الوجدانية صاباً جام غضبهِ على أصحاب القرار السياسي معتمدا القسوة في تشخيص أمراض وعلل وفقاعات تستحوذ على الطبقة الحاكمة وشخصهم سايكولوجيا وجميعهم بدون أستثناء ومنذ قرن من الزمن الموجع بمرض (السايكوبولتك) السيطرة والأستعباد وكم الأفواه ووأد الكلمة الحرة ووصل العقل السياسي مبرمجا على الكراهية والشك المرضي (البارانويا) وهو يقول:

أنا صوت (القواد)وربان

المقود

أنا السيد الأعلى

أنا الأله الأعمى

أنا راعي القطيع الأسمى

أنا الأول، أنا الآخر

أنا الوحيد الأوحد

أنا المعبود وأنا العابد

وفي لوحاتٍ شعرية لاحقة أخرى يعري الحكام وينزع منهم ورقة التوت ويستهجن أساليبهم في فن الأحتيال والضحك على الذقون بأطلاق فتاوى الظلالة لفرض الشرعنة الغيبية على عبثه المجتمعي وهو يقول:

ممنوع

أحتضان

المطرقة للمنجل

محظور

وضع الخيار في الأعلى

(الطماطة) في الأسفل

ممارسة الموت

في الشارع مقبول

أما الفرح

محظور حتى

خلف الباب المقفل

أياك

أن تبتل ريقك

ب(المنكر)

وفي مجموعته الشعرية يكشف هويتهُ الذاتية بأنهُ ضد (بعض) أوجه العولمة وأمراض العولمة في مهرجانات الخرافة والشعوذة بغياب العقل ودولتها المباركة التي لخصها بالطاعة العمياء للأمير للسلطان للوالي وهو يقول: أسجد للمعتصم والمنصور والمؤيد بالله فهو الأول والأخير ويقصد العكس لا تستكين لاتستسلم أحرق الراية البيضاء فتش عن التغيير:

عاش الأمير ------- كلنا حمير

يبرركراهيته لعصر العولمة للناحية (الأجتماعية) يقرُّ بصخب الحياة اليومية وأنتشار الأنتاج الرقمي الأفتراضي والتي أدت إلى العزلة عن الواقع الأجتماعي الحقيقي والتي آلت تداعياتها إلى تفكك الأواصر الأسرية، وتكليس الذات البشرية والوجدانية والعاطفية فأتجه الفرد إلى طلب الراحة وربما دفعتهُ إلى ممارسة بعض المسكنات او المخدرات والمشروبات الروحية الكحولية ليكن ما يكن حتى الأدمان طالما يحصل على ساعة من العزلة والطمأنينة النفسية وقد يتجه إلى الغيبيات ويقع كفريسة في خضم عنكبوتيات الدين في طرد الجن من رأسه:

في قاعات الدرس

تعلمنا فن الخطابة أخرس

ومتسوّلْ أعمى

يعلمنا في أدخار الفلس

وشيخ الحي

يعلمنا فنون المنكر والرجس

كأننا أمام عولمة الجنون

يتجه بمجموعته الشعرية نحو أمراض العولمة من الناحية (السياسية) عندما يتحوّل الأميرمتجلبباً بعباءة الدين في (طاعة ولي الأمر واجب عين) فتكون صلاحياته المباركة في الجلد والرجم وقطع الرقاب وأمتلاك أعراض العباد فكل شيءٍ ملكهُ، وهي أحدى المشاهدات للمجنون(الحكم – البصير) في عصر العولمة في دولة الحمير، تكون الضحية الحارس الأمين للجلاد السفاح القاتل المقدس، ويكون ذليلا تحت (نعل) ناهب رغيفه وهاتك عرضه وماسخ شرفه، وكذا حج وعمرة الحكام العرب لواشنطن وتقبيل نعال الرئيس الأمريكي المبتز لثرواتها النفطية يسميها الشاعر بمطر الدولارات، يقول:

من بركاتنا

جعلناكم خصياناً

لا تحزن

نساؤكم سيطؤها سيدنا

مطر الدولارات

لا يعرف لونا

ولا يعرف عنوانا

صرنا

أرقاماً

ما عدنا نتعارف

بالأسماء

لا معنى للغيث

صار

مطرنا أسود

والرعد

نار رصاص عواء

وقد جعل المجنون شاهد تأريخ عصره وأباح لهُ في خطابهِ أستعمال ألفاظاً قبيحة ومستهجنة تتماشى مع درجة جنونهِ من ناحية ومع ما يليق بأصحاب القرار السياسي:

تتزيّن ٍصدورهن

بقلائد مرصعة بكرات

من براز السلطان

نساء

لا تنجب ألا بأمرٍ من (قضيب) الوالي

ومن نفثاته المحرقة  اللاحقة الأخرى أستعمل ببراعة أنيقة وشفافة بترصيع الصور الشعرية في مجموعته الشعرية " مشاهدات مجنون في عصر العولمة أسلوب (التورية) يفرض على المتلقي أكتشاف البعيد والمخفي، فالمقصود بأدوات النصب هو النصب والأحتيال، وأدوات الجر يقصد بها جر الشعوب كقطعان الماشية لقبول الأستعباد والذل، أما الأملاء يعني فرض الأرادات على الناس كالفيتو في العهد الأمريكي كسر الأرادات الحرة:

قطعان مدينتنا

تعاف البرسيم

وتلتهم أوراق ورد الجوري

حمير مدينتنا

تدرس ساستنا علم المنطق

وأدوات النصب والجر

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

الوارث الحسنالأفكار والتصورات منطلقات الكتابة عن الذات، رواية (أخاديد الأسوار) أنموذجا

سنتناول في هذه الورقة المتواضعة بالدرس والتحليل، موضوعا له ما يبرره من خلال مقاربة القيمة السردية والروائية لدى الكاتبة زهرة رميج، من حيث ما تنقله من أفكار وما تطرحه من تصورات ذاتية في بعض كتاباتها الروائية .

إن الكاتبة زهرة رميج في روايتها أخاديد الأسوار، تطرح الكثير من الأسئلة، تحاول أن تجيب عنها في نفس الآن بطريقة سردية متينة تعكس عمق المعاناة والصراع حول الأفكار واختلاف الرأي التي في مجملها سياسية، إبان فترة سياسية عصيبة عرفت في التاريخ الحديث بالحرب الباردة القائمة بين قطبي العالم آنذاك، المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي.

تلك الفترة كان العالم منقسما إلى إثنين، فريق مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين، وآخر مع الاتحاد السوفياتي وحلفائها اليساريين والاشتراكيين، وبناء على هذا الانقسام السياسي والانتماء والميولات الإيديولوجية ترسم كل دولة سياستها وثقافتها وتجاربها الفكرية مع فريق ثالث سمي بدول عدم الانحياز.

أخاديد الأسوار، تلك الرواية التي اشتغلت على التداعيات التي تعكس كتابة اليوميات والخواطر الشعرية المسرودة . ففي الرواية شخصية واحدة محورية هي شخصية الزوج السجين ثم الميت فيما بعد، متأثرا بالآلام والأحزان التي خلفتها له الحياة . والزوج المناضل هو صاحب المشكلة ومشاعر الكاتبة هي تداعيات لمشكل السجن والموت.

إن الكاتبة تحكي قصتها مع هذا الرجل وأحيانا تسلم له خيط السرد ليتقمص دور الحكي، الرواية تتضمن في عمقها السردي حوارا ديموقراطيا إذا صح التعبير، مفقودا في الحياة بين الكاتبة وزوجها . فيه جلب لذكريات جميلة عاشاها معا، في كل سطر تبدأ الكاتبة سردها فتحكي عن نفسها برهة، ثم يدخل هذا الزوج ليحكي معها ويحاورها، يتفقان حينا ويختلفان أحيانا قليلة، وينتقلان في الآن نفسه، بين فضاءات وأمكنة مختلفة، ثم تحكي في مواضع أخرى وبلغة شعرية روائية بديعة ومتميزة، عن أحوالها وأحوال الحب بعد وقبل الفراق عند الاعتقال والسجن . هذه الأحوال تتصارع داخل عدة أحداث مفعمة بمشاعر عاطفية جياشة، تبث روح الانفعال لدى القارئ بنكهة التلقي، وقد استطاعت من خلالها أن تنتقل وبانفعال من حالة سردية إلى أخرى ومن مكان إلى آخر في عالم الواقع والمتخيل.

إن الرواية ولاشك، مكتوبة بطريقة حوارية وسردية من الممكن جدا، وبسهولة أن تتحول إلى مسرحية درامية ممتعة، ففيها كثير من الحزن وكثير من الفرح، وكل كلمة وعبارة وحدث تتشابك  فيما بينها وتعطي للقارئ، خاصية وانطباعا يشعر به كل من خاض مثل هذه التجربة المريرة في حياته، تجربة السجن وقهره وظلمته وآثاره في صفوف ذويه. فهناك تعذيب وهناك معاناة ودماء وشراء ذمم وغيرها.

إن رواية أخاديد الأسوار، بمجهودها الفني والإبداعي وخلفياتها الفكرية، تطرح قضية مهمة جدا، وهي قضية تعويض السجناء السياسيين والذين تمت تصفيتهم جسديا لسبب أو لآخر، وذلك ينطبق ليس على المغرب وحده وإنما في كل دول العالم، لهذا فالمشكلة التي تطرحها الرواية موجودة في كل دول العالم وقارؤها يشعر أن أحداثها تنطبق ليس على المغرب فحسب وإنما في بلده هو أيضا .

و نستطيع القول، إن هذه الرواية الإبداعية خير تعويض لهذا السجين، الذي ضحى بآلامه على الرغم من حاجته الشديدة للمال وحبه للحياة والتمتع بها .

ثم يتواصل الحوار والسرد في تناغم شديد لتفكك لنا الكاتبة قضية الألم إلى محاور صغيرة وجزئيات دقيقة تعيشها الذاكرة الحية، فسجن زوجها هو سجن لها هي الأخرى وموته فيما بعد هو موت لها أيضا، وعلى الرغم من وجودها الخيالي على الورق إلا أن وجودها في الواقع أعنف وأكثر ألما. فالحياة بالنسبة إليها، بعد غياب شريك الحياة، تبدو صعبة للغاية، وحينها ينتفض قلمها في مشاهد شعرية جميلة، تصور كيف أنها لم ترغب في تنظيف وسادة هذا الحبيب والزوج المفقود كي تظل رائحة عرقه تفوح من قطنها، وتلك وبحق قمة الاعتزاز والوفاء وعمق الأثر والحرقة على مصابها في فقده .

و بين هذه الأحداث وتلك العواطف، وهذا الفراق المؤلم، يرتسم غضب شديد وشوق أبدي تمردت به الكاتبة حزنا على غياب حبيبها وموته بأن أعادت إلى الحياة  رسم  حياته السابقة بعد أن مزجتها بكائنها حينا وبخيالها الأنثوي حينا آخر  ولم تعرضها بوجهة نظر أحادية لكن سمحت بأفق رؤيا للجميع لينسج على منوالها أفكاره وآرءه . فالظلم والقهر إسفنجة تمتص دموع الجميع، فالجميع رأى عبر الرواية الألم الذي دسته لنا أثناء القراءة كيف تنزهت معه في الغابة ودخلت معه السينما وشاهدت معه الفيلم وتناقشت معه في مضمونه حيث رأت معها ومع كل العالم أمريكا على حقيقتها وبمشاهد من أهلها .

في الرواية أيضا كثير من المشاهد البديعة، ذات دلالات عميقة تحكي في واحدة منها عن السجون والمقابر وعن السلاطين الذين يبنون السجون وبمحاذاته المقبرة، والمزارع كرمز مكشوف للنهاية، بل إن جثث السجناء أحيانا تتحول إلى سماد بشري مفيد جدا للزراعة فينتج ثمارا طازجة لا يعلم مذاقها على رأي الكاتبة إلا السجناء .

كما تتناول الرواية أيضا، وبطريقة سردية ناقدة، المشهد الحزبي في المغرب تبدأ بالانخراط في الحزب وتنتهي  بالانسحاب منه، وتحكي عن البرلمانيين والمتاجرة في ذمم المصوتين، وتحكي عن الهموم التي يعاني منها المواطن العربي البسيط  . ومن خلال ذلك تصور حالة الصدمة من هذا المشد السياسي البئيس عندما تكشف أن الفكرة شيء وتطبيقها شيء آخر، وأنه ليس هناك تصور وأفكار تطبق بصورة صحيحة في المجتمع، فدائما هناك ظروف أخرى وممانعة تجهز على الأفكار وتحطم الأحلام، وتعطي لذلك أسبابا تلخصها في الأنانية والذاتية النازحة دائما نحو الخيانة وحب التملك.  تقول الكاتبة ولسان حالها يردد : إن كل شيء مزيف في الحياة وحبها  لهذا الرجل ليس كذلك ... الذي عندما  عرفته اضطرتهم الظروف أن يعيشا في بيت واحد بل في غرفة واحدة ولم يكن الجنس هو الهاجس ... بل كان الوطن هو الهاجس، فقلبا معا مقولة : ما اجتمع رجل وامرأة إلا والشيطان ثالثها بمقولة ما اجتمع رجل وامرأة إلا والوطن ثالثهما ... وانخراطهما في رؤية سياسية واحدة .

إن كل من يقرأ الرواية سيعتبرها عبارة عن يوميات تكتبها الكاتبة عن حياة سابقة عاشتها ومازالت تلازمها إلى الآن وكذلك من الممكن جدا أن نعتبر هذه الرواية من أدب السجون، فالرواية صورت نفس السجين، صورت الإنسان السجين وأبرزت ألمه ومعاناته من السجن، وربطت هذا الألم بشريكته خارج السجن، حيث أن السجن جعلها أيضا سجينة الحب، فالحب لا يسجن لوحده أبدا ولا يوجد حب فردي أبدا .

و رواية زهرة رميج : أخاديد الأسوار، تصور لنا أحلام جيل بكامله، جيل السبعينات، الذي تغذى بالأديولوجيات السالفة الذكر، ففي كل سطر تقريبا تجد رؤية سياسية أو هدفا فكريا، نضجت على العديد من المآسي التي عاشها العالم العربي بعد النكسة والنكبة، فكل مرتكزاته مستمدة من الحراك السياسي والاقتصادي الذي جاء بعدهما، حيث تجد الماركسية والوجودية والقومية والإخوانية الإسلامية والثورات وحرب الأفكار بينها، حيث كان لليسار نصيب الأسد منها .

إلى ذلك فقد نجحت الكاتبة زهرة رميج في الخروج من هذا المأزق السياسي المتصارع عبر كتابة روايتها هذه بطريقة وسطية وبسيطة بها روح الإبداع والأحاسيس الإنسانية أكثر مما بها من إيديولوجية تريد الانقضاض على الإنسانية، فقد عرضت مرادها دون متاجرة أو انحياز حكت ذكرياتها واستعرضت على الورق قيمة الحياة والحب والحرمان والآلام كما عاشتها في الواقع، لقد عرضت في روايتها الحياة وهمشت السياسة التي زجت بأحلامها في السجن ثم خلفت لها المآسي .

و في الأخير يصح التعبير أن نقول : إن الرواية عرضت تداعيات السجون بطريقة ذكية وبسيطة ومؤلمة في نفس الوقت، تجعل الأخاديد تتسع والأسوار تتعالى، وتحول هذه الأخاديد والأسوار من أخاديد طينية وحجرية إلى أخاديد وأسوار من الدم والموت والأحزان الخالدة، والرواية في عمقها  الأدبي والفني جرح وألم وحرب على الفساد والظلم والقهر، والروايات  التي تحيد عن الجروح ولا تحارب الظلم لا تؤتي أكلها ولا تؤدي دورها في الحياة، وحسبنا أن رواية أخاديد الأسوار لم تحد عن هذا وذاك فكانت بحق مشعلا روائيا أضاء طريق الكتابة الروائية بشكل عام والتجربة النسائية بشكل خاص.

 

بقلم: د. الحسن الوارث

أستاذ باحث في الدراسات الأدبية والتربوية

 

اياد خضير الشمريتعدُّ تجربة الشاعر يحيى السماوي في ديوانه (أطفئيني بناركِ) تجربة ذات مستويات متعدّدة فالنص الشعري ليس مجرد نفثات وجدانية تعكس لنا تجربةً ذاتية بل هو ناتج عن تفاعلٍ موضوعي بكل سياقاته التاريخية والمعرفية متفاعل مع ذات الشاعر التي تشاكلت مع هذه البنى لتكوّن منظومة معرفية بتحويل التجربة الذاتية للشاعر إلى موضوع تأملي يتحول إلى مفهوم ويكون امتداداً أصيلاً متواشجاً مع إرث الشاعر الثقافي الذي حلّ واتّحد بأيقوناته الشعرية التي هي امتداد ملتزم تعكس انتماء نصه الشعري لمن سبق ونمو متناغم مع مسيرة الحداثة والحياة فالقصيدة عند يحيى السماوي بقيت هويتها المرجعية منتميةً إلى الجنس الأدبي الذي انبثقت منه فهو شاعر متمسكٌ بتقاليد الشعر وروحه وموسيقاه وكأنه يجسد قول تِ- سِ- أليوت: (الشاعر الكبير هو الذي يذكّرك بسابقيه) فنصوص الشاعر كانت ذات ذخيرة فاعلة بما يضيء في هيكلها من خطوط سياقية مألوفة لدى القارئ الواعي لذلك تجعل من فعل القراءة تفاعلاً بين ذات الشاعر وذات القارئ من خلال هذه الذخيرة التي تشكل منطقة مألوفة في النص بِدءًا من عتبات عنونة قصائده إلى بعض ما يشترك فيه الشاعر مع معاصريه من وعي بثيمات تراثية غنية الإشارات الدلالية فجاء النص الشعري ممتصاً للكثير من السياقات التراثية التي تضيء إدراكنا بفهم المغزى البعيد والذي يكون بعد تأويل وتفسير مما يعكس غنى نصوص الشاعر وثرائها المعرفي على الرغم مما فيها من حسّ شعري مرهف وموسيقى تفتح من قاعدة النص أفقاً إيحائياً وتكون هذه النصوص الشعرية ذات لغة صوفية من خلال القاموس الصوفي الذي تجلت عباراته العرفانية في بنى القصائد اللغوية لتكون نقاطاً دلالية مضيئة تتجاوز معانيها العميقة حدود النص الشعري:

أطلقتُ قلبي..

وانتظرتُ..

فلم يعد!!

خارت قواي

وكدتُ أرميني إلى حيث القرار..

فصاح " صوفائيل " بيْ

انهض وغذّ النبضَ

نحو ظلال نخلتك الأمينةْ

.

وأقم حضارتك الجديدة

حيث لا ماء سوى الصلواتِ..

لا خبز سوى القبلات..

لا حربٌ

سوى حرب المحبة والضياء

على الدياجي والضغينةْ

ص92/93

804 سماوي

إنّ الوحدة العضوية للقصيدة تتمحور حول بؤرة مركزية تربط النسيج الشعري في القصيدة ببناه اللغوية المكثفة وتكون هذه البؤرة في جلّ قصائد الديوان هي (المرأة) التي تتجلى بهيئات متعددة تتشاكل معها بثيمات دلالية فهي النخلة الطهور والمدينة الفاضلة والملاذ فمفهوم المرأة يتخطى معناها الوجودي ليحل ويتحد مع كل موجودات الشاعر بهذا التماهي الصوفي في رؤية المجرد من خلال المرئي وهي تتجسد في قصائده علة فاعلة ومحدثة وبذات الوقت يكون وجودها في وجود الشاعر علة غائية لذا انفرد الديوان بعتبة عنوان مكثف(أطفئيني بنارك) يعتمد على الإزاحة والمفارقة التي تثير الدهشة وتهيئ القارئ لانفتاح مخيلته واندماج وعيه مع تيارات الديوان النصيّة وكذلك أن توظيف الشاعر لمجازية (فعل الأمر: أطفئيني ) والذي خرج من معناه ( الحقيقي: أي طلب القيام بالفعل) إلى معنى (مجازي غير حقيقي وهو يعني: الإلتماس والرجاء)، واللافت أنه لا توجد من ضمن قصائد الديوان قصيدة تحمل هذا العنوان وكأنه عنوان وشفرة مركزية لكل الديوان فقصائده المتعددة تجتمع وتتمحور حول هذه البنية النصية فالديوان رؤية كلية متكوّنة من أجزاء ليكون الجزء يدل على الكل والكل يدل على الجزء وهذا مفهوم رؤيوي صوفي يشرح تفاصيل الوجود وفق هذا السياق الذي يجعل من نصوص الشاعر وحدات تعبيرية تسبر لنا أعماق الذات الإنسانية وصراعاتها بخطٍّ زمني متعدد الاتجاهات لذلك كان خطاب الشاعر في قصائده وحدات عضوية حية ترتبط بالسياق الزماني والمكاني والاجتماعي فقصائد الشاعر اعتمدت على فكرة التطبيع وذلك باحتلالها مكاناً في العالم الذي تحدده ثقافتنا فثيمات قصائده جعلت من قصائده مألوفة لدى المتلقي في وسط الشاعر الثقافي:

حاولتُ أرسمُ نخلة الله الجليلةِ

فانتهيت إلى سطورٍ

لستُ أفهم ما العلاقة بينها

مكتوبةٍ بالضوء في ورق الهواء..

النخلةُ:

العشق الحنيف / الماء / سدرة واحة الملكوت/

واللغة الجديدةْ

.

أحيتْ رماد الصوت في تابوتِ حنجرتي

وأنبضتِ القصيدة ْ  ص54/55

أو في قوله في قصيدة (عيناي نائمتان لكن النوافذ ساهرة )

فوجدتُ

أن ألذها كان احتراقي في مياهكِ

وانطفاؤكِ في لهيبي..

واكتشفت خطيئتي كانت صلاتي

قبل إدماني التهجد في رحابك

كافرةْ

.

وعرفت أن جميع آلهة المدينة

والدعاة إلى الصلاة سماسرةْ

.

والقائمين بأمر أرغفة الجياع

بدار دجلة والفرات

أباطرةْ ص8/ 9

 

لقد تمظهرت في بنى قصائد يحيى تجليات احتشاد ذاكرته الشعرية بالمفردات والصيغ السياقية التي تنتمي إلى المعجم العرفاني الصوفي ذي المنظومة الترميزية الذي أزاح المفردات والتراكيب من معانيها المعجمية إلى معانٍ اصطلاحية ذات إشارات متعددة المستويات المعرفية فنجد الشاعر باستخدامه لهذه المفردات والتراكيب كان على وعي بوظائفها الدلالية وتوهجها الرمزي لتتمظهر ذات الشاعر العارفة والمتلاشية بدوامات الامتزاج الكوني، فلقصيدته بنيتان (البنية السطحية ) التي تقودنا بتأملها وإدراكها إلى مغزى (البنية العميقة) ولكل بنية دور فالخطاب الشعري عند الشاعر حينما يتمحور في إطار الرؤية الصوفية نجد أن القاموس الشعري يختلف ليتجه نحو التراكيب المتعددة المستويات ويكون هناك معانٍ كامنة تشكل وجوداً موازياً لخارطة النص الكتابية ويتجلى الوجود الإستنباطي من خلال تزاحم البناء الشكلي بالإشارات الترميزية التي تحمل شفرات متعددة تحيل القارئ الواعي إلى أفق متخيل:

أنا أنتِ .. أنتِ أنا..

كلانا

“ الدّالُ " من " ياءٍ " و " نون”!

.

أنا أنتِ .. أنتِ أنا..

كتابُ السرّ

مفضوح المتونِ..

.

أنا أنتِ .. أنتِ أنا

حروفٌ لم تزلْ

في طورِ سِينِ! ص 110/109

أو في التراكيب المتفرقة من قصيدة الشاعر ذات البناء الصوفي (قديسة الشفتين:

(  فأنا بها

المتهجدُ .. الضلّيلُ..

والحرُّ المكبّلُ بالهوى القديس .. والعبد الطليقْ

.

وأنا اللهيبُ البارد النيران..

والماء الذي أمواجه

تغوي بساتين اللذائذ بالحريقْ:

.

فلتنجدي حلاّجك

المحكوم بالصلب المؤجّل..

أنجديه عسى ينشّ السعفُ عن صحن الفراتِ الجوع..

والقنديل في ديجور دجلة يستفيق ص /59/60

إنّ الوعي بالتراث يختلف من شاعر لآخر لأنّ هذا الوعي يجعل من تجربة الشاعر أكثر عمقاً وتأثيراً في المتلقي فالتراث هو إرث معرفي تكاملت فيه عناصر المقدمة والنتيجة لذا يلتقط الشاعر من تراثه ما يتطابق ورؤيته الآنية لواقعه وتكون المعرفة الجمعية بالحادثة التاريخية نقطة توهج دلالي تمنح النسيج الشعري تماسكاً وبعداً يمتد من الماضي إلى الحاضر ويستشرف من خلال التقاط ثيمة تراثية معينة آفاق المستقبل وهذا ما يجعل العمل الإبداعي فسيفساء نتجت من أثر سابق واجتمعت فيها مؤثرات الموروث الظاهرة والكامنة لتحقق أثراً لاحقاً وتفاعلاً نصيّاً بنصوص لم يخلقها الإبداع الذاتي سواءٌ كانت لذات الشاعر أو الذوات التي ستتأثر بتجربته لهذا ندرك التجليات التراثية في تجربة الشاعر ومطابقتها لمقتضيات بناء النص الشعري لتشكل نقاط حثٍّ دلالي في بنية النص فنجد توظيف الشاعر لبعض الثيمات التراثية من قصص الأنبياء مثل قصة النبي يوسف الصديق وغدر إخوته به:

فالطريقُ معبّدُ بالجمر

ترقبه الضباعُ

وما تبقى من سلالة "إخوة الصديق يوسف "

والذئاب الغادرةْ  ص6

أو من خلال التناص مع قصة النبي موسى مع بنتي النبي شعيب:

سأزيد بالربح الوفيرِ

فجرّبي أن تؤجّريني..

.

سأكون "موسى" كِ الجديدَ

وخير ناطورٍ خدينِ..  ص 120

إنّ الشاعر يحيى السماوي شاعر ممتلئٌ بفيوض الشعر المقدسة وينتمي بأصالة إلى وادي عبقر وشيطان شعره حاضر في تجربته الشعرية فهو يمتلك جذوة الشعر وعمق التجربة الحياتية مع الوعي والمعرفة الواعية بالصنعة الشعرية ومدرك لأسرار اللغة وكيفية تشكيل التراكيب الشعرية المموسقة التي توضع في نوطات عروضية لتشكل جملاً شعرية نغمية غنية المعنى عميقة الدلالة فهو شاعر يحمل وعاء الشعر المقدس ليقدم فيه معانٍ إنسانية ونفثات ذاتية وقصائده ذات بصمة وراثية تنتمي في جذورها لفن الشعر كجنس أدبي له هوية تمايزه عن فن النثر ليكون الشعر عنده شكلاً أصيلاً لا ينفصل عن جذوره الضاربة في أعماق إرث الشاعر الثقافي ومعبراً عن صراعات الشاعر الوجدانية التي تشترك بثيماتها مع تجارب المتلقي ويحقق قصدية الكتابة من التأثير والتأثر فإيحائية الجملة الشعرية تجعل لكل متلقٍ تأويله لما في الجملة الشعرية من طاقة إيحائية متعددة المستويات والتي تشترك مع تجارب المتلقين المختلفة وتلتقي معهم في نقاط وصل وجدانية وهذا ما يعكس غنى النص الشعري من حيث ذخيرته المألوفة لدى الذوات المختلفة التي تتفاعل مع النص والشكل الشعري ببنائه المعماري الذي حمل كل مكونات الشعر المضمونية والشكلية وكان الشكل الشعري ذو بناء عضوي متماسك يتكون من تراكيب ومفردات مكثفة تختزل الكثير من المعاني وذو صيغ موجزة ذات إيقاع وزني يتناغم مع الحالة الشعورية لفاعل النص وتكون ذات طاقة تأثيرية في المتلقي فامتدادات بحر الكامل وترددات الرجز النغمية جاءت ضمن منظومة أسلوبية وصيغ بلاغية تتطابق مع ملامح الشعر الحقيقية فقد أورد الشاعر معانية بطرق بلاغية متعددة من استعارات موحية وكنايات معبرة وتشكيل متقن للصورة الشعرية التي ضمنها يتحرك الجامد وتتراسل الحواس وتنتقل الوظائف الحسية وفق المفارقة والإدهاش اللغوي:

هيّأتُ في سرداب ذاكرتي

سريراً بارد النيران مسعور الندى..

ومن السفرجل والأقاح وسادةً..

وملاءةً ضوئية

طرزتها بهديل فاختةٍ..

ومبخرة من الشبق الأثيمْ ..ص 41/42

أو في التشكيل الشعري الذي يولّد معانٍ جديدة تتوالد بواسطة منظومة تركيبية تعيد تشكيل معاني المفردة وتطبيعها ضمن بنية النص الشعري:

شمسٌ خضّبت بالضحكة العذراء

أوتار الربابة

فاصطفاها القائمون إلى صلاة العشق

مئذنة..

وشمسٌ نورها الصوفيُّ

أكثر خضرة من بُردة الفردوس

أسرى بي شذاها نحو مملكة الرحيق  ص 57/58

يضاف إلى ذلك التكنيك اللغوي الذي يقوم على صياغة وحدات لغوية تتمظهر في تشكيل شعري يعتمد المفارقة من خلال إزاحة التضاد القاموسي إلى الترادف الشعري وتشكيل تركيب مألوف شعرياً ضمن الأفق المتخيل من قاعدة النص ولا يعتمد وجوده على ما يقابله في العالم الواقعي بل يكون مألوفاً ضمن الوجود الشعري الذي يكسر توقع المتلقي الإدراكي وقدرته اللغوية:

الماءُ أعطشني

فهل لي من سرابكِ رشفة

تحيي رمادَ غدي؟

الشواطئُ أوصدتْ أنهارها..

والنبعُ فرَّ...

وليس من حبلٍ لأدلوَ

من سلافة بئر واديك العميقْ  ص60

لقد كانت قراءتنا النقدية لتجربة شعرية مرّت بمراحل متعددة وتفاعلت مع أحداث ماضية في عقود سابقة تركت ظلالها على حياة الشاعر والبيئة التي ينتمي إليها وسطعت تجلياتها في نتاج الشاعر وأكسبت تجربته الشعرية وعياً ونضوجاً إبداعياً ومنحته رؤية وجودية للحاضر من خلال ذخيرته المعرفية والإبداعية التي تشكّلت عبر السنين الماضية لنجد انثيالاتها في إيقوناته الشعرية ونلمس انزياحاتها ضمن بنية نصه الشعري فالاغتراب الوجودي والتماهي الإنساني مع جراحات وعذابات وطنٍ ذبيح يتوحّد ويحل في وجدان الشاعر ويحمله الشاعر أينما حلّ ويشعر بنبضات أنين بنيه المعذبين وإن كان المتلقي يجد للوهلة الأولى طابع الغزل والعشق الصوفي المتوحد مع المعشوق عنصراً محورياً في نصوص الشاعر لكنه عندما يستغرق في تأمل أبعاد النص يجد عشقاً ممزوجاً بوجع وطن ومشبعاً بنفثات الغربة والحنين إلى مرابع بغداد ونخيل السماوة وكأنّ كل ما يعشقه الشاعر ويصبو للقائه يتجسد في (ثنائية المرأة والوطن) الذي تتموضع في وجوده كلّ موجودات الشاعر التي حفرت في وهاد روحه أطلالها ودمنها لذلك كانت تجربة الشاعر يحيى السماوي تجربة شعرية ذات مغازٍ عميقة تستحق القراءة المتأملة والمدركة لأبعاد نصوصه الشعرية الوارفة والمختزلة لأزمنة وأمكنة بقيت حاضرة في وجدان الشاعر النابض بالأسى.

 

أياد خضير الشمري

................................

ديوان (أطفئيني بناركِ) الطبعة الأولى 2013يقع في 162صفحة من الحجم المتوسط ويضم 22 قصيدة صادر عن دار تموز للطباعة والنشر دمشق - سورية.

 

 

محمد عدلان بن جيلاليفِي البَدء، لا يفوتنِي أبداً أن أُسْديَ الشُّكر الجزيلَ الجميل .. إلى أستاذتِي القديرة: الدكتورة جميلة زقاي على الثقة العمياء التِي وضَعَتْها فِي شخصي الْمتواضع، إذ دعَتْنِي، دعوةً أخويَّةً ورسْميَّةً، إلى تأطير مِحور: فنِّ التمثيل فِي ورشة النقد الدوليَّة التِي أشرفتْ عليها، والتِي تَمَفْصَلتْ أطوارُها طيلةَ أسبوعٍ كاملٍ بالموازاة مع المهرجان الوطنِيِّ للمسرح المحترف.

فالحقَّ، الحقَّ، كنتُ مؤطِّراً حيناً، وكنتُ الْمُؤطَّرَ أحايينَ كثيرة.

فلا أُنكِر أنَّ حضوري فعالياتِ هذه التظاهرة المسرحيَّة الْمُستَشْرِفةِ الْوَثَبَى قد فتح لِي مَجموعةَ كُوىً مُضيئةٍ تسْنح بالاشرئباب إلى مُكاشفة حال أبِي الفنون فِي بلادي الجزائر، وإلى استقراءٍ أوَّلِيٍّ فِي منطلقاتِه التأسيسيَّة: الفكريَّةِ والجماليَّة، وآفاقِه التجديديَّة، التنويريَّة ...

**

مَرايا أم قضايا على الرُّكْح البَشْطارزيّ ؟

كُلَّما كنتُ أجلس قُبالةَ عرضٍ مسرحيٍّ تضْطرِب أحداثُه، ومَشاهِده على خشبة مسرح مَحي الدين بشطارزي حدثاً، حدثاً، ومَشْهداً، مَشْهدا .. هجسَ خاطري بِهذا السؤال: هل هذا العرض الذي أتابعه الآن يُفاعل الكينونةَ الجزائريَّة بِمُختلَف قضاياها، ونواياها .. أم هو لَها مَحْضُ مرآةٍ عاكسة ؟

لَمْ يكُ من وظيفة الفنِّ أن يعْكس الواقع دهْرَ الداهرين. أرى أنَّ الفنَّ، مهما يكُنِ انتماؤه الأجناسيُّ، يُعاكِسُ الواقع، ولا يعْكِسُه؛ وهو حتَّى فِي أقصى مستوياتِ تَمَذهُبه الواقعيَانِيِّ (Réaliste)، أو الطبعيَانِيِّ (Naturaliste)، ليس بوسْعِه أن ينقل العالَم الخارجيَّ، بكلِّ مَراجِعه الحسيَّة، وموادِّه الأوَّليَّة .. نقْلاً حرفيّاً إلى بِنْية اللُّعبة الفنيَّة، وإذا ما نَجح فِي ذلك، فوُشْكانَ ما يقع فِي فخِّ اجترار الواقع، واستنساخ الْهَيُولَى. ( لعلَّ أن يكون مسرحُ الطبيعة الذي ما لبث يؤسِّس له قسطنطين ستانسلافسكي، ويدافع عنه بشراسةٍ لا تُبارَى قد وقع فِي الفخِّ عيْنه، ما هيَّأ المسالك أمام تلميذه فِيسفُولْد مايَرْخُولْد ليتمرَّد عليه مُسْتبْدِلاً منطق الأيْقَنة، والاستنساخ بفاعليَّة التشفير، والأسْلَبَة ).

وإذَنْ، فخطاب الإبداع خطابٌ يَملك نفْسَه بنفْسِه؛ يُحرِّر (الواقع)، ولا يُحَنِّطه، يُناقِد العالَم، ولا يُداهِنُه، يُسائل الوجود، ولا يسْتجوِبُه .. بِنحوٍ يسمو به إلى مَدْرَج الحقيقة بدَل الإبْقاء عليه منغمِساً فِي صَلْصال الواقع.

فضلاً عن ذلك، بوُسْعي القول إنَّ الفنَّ لأنَّه فنٌّ فإنَّ علاقتَه بكلِّ ما يقَع خارج بِنْيته الخطابيَّة: الأشياءُ، والأفكارُ، والإنسان .. تَخضع، لا مَحالة، لِمنطق جِبِلِّيته الْجمالية؛ ليس لَها بُدٌّ من أن تكون علاقة رؤيا وارْتِئاء، لا علاقةَ انعكاسٍ واستنساخ بِحيث يكون من الْمحتَّم على الفنِّ أن ينطلِق من إكراهاته اللُّغويَّة، ومُواضَعاتِه التعبيريَّة والْجماليَّة .. فِي تعاطي العالَم الخارجيِّ حتَّى يَتحاشى الوقوع فِي شلل استنساخه، ويَنجحَ، من ثَمَّ، فِي إعادة إنتاجه، بَلْهَ استحضارِه إلى الخشبة (فِي حال فنِّ الْمسرح) كيفاً، لا كمَّا.

أعترِف أنَّ سؤالِيَ المطروح أعلاه يندرج ضمْن هذا المنظور التأسيسيِّ الْمُكرَّسِ من أرسطو إلى هيغل فإلى جَماليات الفنِّ الْمُعاصِر. لذلك، فالأصل الصريْحُ لِهذا السؤال هو: هل كانتِ العروض المسرحيَّة التِي اضطرَبتْ على رُكْح مَحي الدين بشطارزي خلال هذه التظاهرة الوطنيَّة الفائتة تتعاطى العالَم (الجزائريَّ)، وتستفزُّه، وتُفاعِلُه .. أم كانت مَحْضَ استدعاءٍ حَرْفِيٍّ له، مَحْضَ تصويرٍ فوتوغرافِيٍّ له ؟ أعنِي: إلى أيِّ حدٍّ كانت تِيْك العروض تصطدم بالوجود الجزائريِّ، وبقضاياهُ الراهنة .. اصطدامَ نقاشٍ، واستقراءٍ، ومُساءلة ؟ وإلى أيِّ حدٍّ كانت تنْطبِع بالبصمة الجزائريَّة؛ الأنتروبولوجيَّة، السوسيو- سياسيَّة، السلوكيَّة ؟ ... الجملةَ؛ هل شاهَدنا مسرحاً جزائريّاً ؟

تلك هي الْمُشكلة !

الحقيقةَ، هذا سؤال يفضي إلى سؤالٍ آخرَ أشْكَلَ منه، وأعقَد؛ من أين تأتِي (الْجزائريَّةُ) إلى الْمَسْرح الْجزائريّ ؟ أهي تقع من خطاب المسرحيَّة (الْجزائريَّة) فِي مستوى الشكل، أم فِي مستوى الموضوعة/ التيمة ؟

لا أرى بأنَّ السياق هنا يتَّسِع لِمقارَبة جَميع أبعاد هذا الإشكال، لكنَّنِي أجتزئ بالتشوير إلى أنَّ شكل المسرحيَّة هو الذي يَحمل الكروموزومَ المسرحيَّ الساري فِي دماء مسارح العالَم كلِّها، وليس فِي دم المسرح الجزائريِّ وحسْب. ومن ثَمَّة، فللشكل الفضلُ الأوَّل فِي ترْشيح الكروموزوم الأجناسيِّ قاطبة؛ فمثلما هناك الشكل المسرحيُّ، هناك الشكلُ الروائيُّ، والشكلُ الشِّعريُّ، والشكلُ الموسيقيُّ، والشكل الملحميُّ ... وهلُمَّ جرَّا. وأمَّا الموضوعة فهي أوَّلاً، ملْكٌ مشاع، عالَميٌّ ومن الصعب جدّاً أن تَحمل الخصوصيَّة الخطابيَّة لأيِّ جنسٍ من الأجناس الإبداعية، وثانياً؛ إنَّ لَها وجوداً قبْليّاً بالنظر إلى بِنْية العمل الفنِّي. فموضوعة (الحبِّ)، مثلاً، هي إيَّاها هنا فِي الجزائر، أو هناك فِي إسبانيا، أو فِي روسيا، أو فِي الصين .. ليس هناك إذنْ حُبٌّ جزائريٌّ، وحُبٌّ آخرُ إسبانِيٌّ، وحُبٌّ روسيٌّ، وحُبٌّ صينِيّ ...

الصراحةَ أقول كانت العروض المسرحيَّة التِي شاهدتُها، فِي جَمْهَرتِها، تشتغل بوصْفها خطاباتٍ شفَّافةً مُختزلةً فِي التوصيل، والتبْليغ .. فمن الناحيَّة التقنيَّة؛ أزْعم أنَّ أغلَبها ينِمُّ عن وازعٍ ستانِسْلافسْكيٍّ فِي توظيف المكوِّنات الخطابيَّة للعرض المسرحيِّ، واستثمار أدواته التعبيريَّة. وهو وازعٌ – كما يعرف المتخصِّصون- يُكرِّس علاقة التماثُل/ التناظُر بين نسَق العرض، وبين المعطى الخارجيِّ؛ الطبيعيِّ، والاجتماعيِّ .. ويَحْصُر خطابَ العرض نفسَه فِي مأزِم الوصف الآلِيِّ للراهِن ليس إلاَّ، ويسُدُّ، إذ ذاك، أمام الجمهور منافذ المشاركة فِي التفسير الإنتاجيِّ طوراً، ومنافذَ الْمُناورة نَحو التقويض، وإعادة البناء أطواراً أخرى ... وما الجدوى من ذلك فِي عالَمٍ لَم يعُدْ يَحتمِل الوصف بقدر ما باتَ فِي مَسيس الحاجة إلى استكْناهٍ، وإعادة قراءةٍ، وتشْيِيد ؟

لعلَّ أن يكون ذلك هو السببَ فِي عجْز بعض المخرجين المسرحيِّين عن تعْبئة الرُّكْح تعبئةً سينوغرافيَّةً، فكان من آلاء ذلك أن غيَّبَ ثباتُ الديكور ديناميَّة السِّينوغرافيا !

وأمَّا من الناحية الفكريَّة، الرؤيويَّة، فلَم ألْبثْ مُسَجِّلاً أنَّ معْظم هذه العروض لَم تَمْرُق عن بؤرة التجسيم الأيقونِيِّ (الماكيت) لقضايا المجتمع الجزائريّ، ولَم تشُذَّ عن مضمار العلاقة التسجيليَّة للمادَّة الْخام على الرَّغم من مُحاولة مُخْرِجيها الضربَ على وتَر الشكل الإخراجيِّ للمسرحيَّة الذي لَم يكن شكلَ تدليلٍ، وتكثيفٍ كما أوْمأنا إلى ذلك آنفاً، بل كان مُجرَّد بُهْرجٍ مَجَّانِيِّ، أجْوَفَ كالقصَبة. (وقد تَجلَّى ذلك بقوَّةٍ فِي مسرحيَّة "الإشاعة").

طبْعاً إنَّنِي أُزيحُ عن دائرة هذا التوصيف بعضاً من العروض التِي شاهدتُها، على قِلَّتِها؛ أذكُر، مثلاً لا حصْراً، عرضَيْ: "كشرودة"، و"الحارس". لا ريبَ، هذان العرضان الْمسرحيَّان قد نَهَضا على علاقةٍ صداميَّةٍ مع الراهن الجزائريِّ، الاقتصاديِّ والسياسيِّ بِخاصَّة؛ حيث تبنَّيَا استراتيجيَّة البناء الْجدلِيِّ لِمختلَف الأسْيِقة التاريْخيَّة التِي تَمرُّ بِها البلاد، فبدَل أن ينصهِرا فِي إيْهام الْمُداهَنة، والْمُهادَنة، انتهَجا مبدأ الكشف، والتعرية. وبدَل أن يستهدِفا تنويْمَ المتلقِّي، وتَحْويلَه إلى قطٍّ سيامي، انْجرفا وراء تَحريضه على التفكير، ومُعاينة الحاضر، واستشراف المستقبَل.

التحريضُ فِي زمنٍ مُتْخَمٍ بِحوافز التحريض !

أرى أنَّ خيط التواصل ما بين التجارب الإبداعية هو خيطُ استلْهامٍ، وابتداع، لا خيطَ استنساخٍ، واتباع. مرَدُّ ذلك إلى أنَّ لكلِّ تَجربةٍ إبداعيَّة، فِي الْمسرح أو فِي سِوائه من الأجناس الفنيَّة الأخرى، إطاراً سُوسيو- تاريْخيّاً يُمَوْضِعها فِكْراً، ومَرْجِعاً، ويُسَيِّجُها تكنيكاً، وأسلوبا. أريد إلى القول إنَّ تَجربةً إبداعيَّةً سابقة تُبَلْوَرُ، ولا تُكَرَّرُ، تُجدَّدُ، ولا تُقلَّدُ .. وذلك بِنحو ما يتساوق وشروطَ أسْيِقة التجربة اللاحقة.

كذلك هو شأنُ شروط التعامل مع التجربة المسرحيَّة لدى عبد القادر علُّولة رحْمةُ الله عليه. فقد كان مسْرح علُّولة مَسْرَحاً مُنْعجِناً بإفرازات زمَنه الاجتماعيَّةِ، والسياسيَّةِ على وجه الخصوص، ومن سوء حظِّه – أو من حُسْن حظِّه- قد انتمى إلى حقْبة السبعينات، والثمانينات من القرن الماضي، وهي حقْبة زمنيَّةٌ نَمَطيَّةٌ، أو مُنَمَّطةٌ (بفعْل فاعلٍ) فِي الشكل، وفِي المضمون وعلى صُعُد الحياة جَميعِها. كانت مرحلةً تاريْخيَّةً أشْبهَ ما يكون بصورةٍ تَخطيطيَّةٍ ذاتِ بُعْدَيْن، حيث ساد فيها سيْدودةً كُبرى نوعٌ من الوعي السياسيِّ الْمُعَلَّب، والتفكير الإيديولوجيِّ الْمُقَوْلَب .. فكان الشعب الجزائريُّ تاريْخئذٍ، بكلِّ شرائحه، وطبقاتِه، يفكِّر تفكيراً واحداً، ويسْلك سلوكاً واحداً، ويفْرح فرحاً واحداً، ويَحْزن حزناً واحداً .. كأنَّه فريقٌ فِي كرة القدم !

فأمام نَمطيَّة ذلك الوضع السوسيو- سياسيِّ الراكدِ، لَم يكن للفنَّان علولةَ بُدٌّ من اللَّوذ بِمَلْحَميَّة مسْرح بريْخت بُغْيةَ أن يُعيد إلى الْمسرح فِي الجزائر فطْرتَه الديناميَّة المفقودة (فالفنُّ، المسرحيُّ خصوصاً، ديناميٌّ/ جدلِيٌّ بطبْعه كما أسْلفتُ الإشارة إلى ذلك فِي مطْلَع هذا المقال).

فمن هاهنا انطبعتِ التجربةُ المسرحيَّة لدى علُّولة بالبريْختيَّة الحمراء. وليس يُهِمُّنِي فِي هذا الْمَقام ما إذا كان علُّولة مُسْتلهِماً لِمسرح بريْخت، أم كان مُجرَّد مُسْتنسِخٍ له دونَما مُحاولةٍ لتبْيِئته، وتكييفِه مع العقليَّة الجزائريَّة، بقدر ما يُهِمُّنِي ذلك الهاجس التجديديُّ، وذلك الوعي الإدراكيُّ الذي ما فتئ يُرَشِّحه بوساطة الرُّكْح حيال نسَق الحياة فِي زمَنه .. وإذَن، لئن كان مسْرح بريْخت مسْرحَ تَحريضٍ، لا مسْرحَ ترويضٍ، ومسْرحَ تغييرٍ، لا مسْرحَ تصوير، لَم يتورَّعِ الراحلُ علُّولة عن التشبُّع بِهوائه العقلانِيِّ، الاستفزازيِّ بُغْيةَ إنتاج مسْرحٍ جزائريٍّ من شأنِه إخراجُ الشعب من مرحلة الكُوما الفكريَّة، والاجتماعيَّة، والسياسيَّة .. فوقتئذٍ، لَم يكن الشعب بِحاجةٍ إلى مسْرَحٍ يُمارس عليه التنويم المغناطيسيَّ، ولا إلى جُرعةٍ إضافيةٍ من مُورفين الإيْهام السِّياسيِّ، وأفيون التفكير الأحاديِّ اللَّوَذانِي ...

من باب النَّصَفَة، أعترف لعلُّولةَ بِمحاولاته الحثيثة لأقْلَمة المسرح البريْختِي مع المعطى السوسيو- ثقافِيِّ لواقع الحال فِي مُجْتمعه، فكان أن أدْخل – مثلاً- عُنصُرَيْ: الحلقة، والقوَّال فِي مسْرحه، وضربَ على وتَريْهما فِي سبيل طبْعه بِملْحميَّةٍ جزائريَّة بَحتَ.

لكن، وبعْد هذا كلِّه، أسْتسْمِح القارئ الكريم بأن أفْتح هذا السؤال الْمُتداعي: أما نزال، ونَحن فِي قَرْن اليوم الذي ما انفكَّ يُبدِّل جْلْده كالأفعى كلَّ شَهر، فِي حاجةٍ إلى تَحريضٍ على التفكير، وإلى تعْميقٍ للوعي .. ونَحن نَملك من تكنولوجيات التواصل، والتفاعل، والتخابُر ما لَم تَملك منها شيئا أجيالُنا فِي قَرْن البارحة ؟ أرى أن لا شعْبَ، اليومَ، بات أوعى من الشَّعب الجزائريِّ بِما يضْطرِب على مسْرح السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والثقافة.. فِي زمن الفايسبوك، والتويْتَر، وتَحميلِ الأخبار خُبزاً ساخناً على الهاتف الْمحمول ؟ ثُمَّ ما جدوى الحلْقة، والقوَّال فِي زمن انتشار وسائل الاتصال الْجماهيريِّ كالفطريات، وفِي زمنٍ أضحى فيه كلُّ فردٍ من أفراد الشعب يَحمل داخلَه قوَّالاً مُتحذلِقا ؟

فِي ضوء هذه الْمُساءلة إذَن، يُستوجَب التواصُل مع مسْرح علُّولة؛ إذ سيكون من الناجع لو يَجتزئ مَسرحيُّونا باستحضار الوعي التأصيليِّ، والْجَمالِيِّ الذي كان ينْضَح عنه هذا الرجل الكبير فِي تَحْيين تَجربته المسرحيَّة الأريبة. لعلَّ أن يكون ذلك الآلية الْمِفْصليَّة التِي بِفضلها يُمكن أن يتكرَّر علُّولة وعْياً، ورُكْحاً فِي حُلَّة مسرحيَّة معاصِرةٍ؛ قشيبةٍ ومُكيَّفة.  مع انْضِياف عشق التجديد الذي عُرِف به الرجُل، وهاجسِ البحث عن أشكالٍ تعبيريَّةٍ جديدةٍ على أن تكون مَسرحيَّةَ النُّسْغ، والاشتغال.

العالَم يتجدَّد يوماً بعْدَ يومٍ .. فلا مناصَ من تَجديد آليات النظر إليه، وأدواتِ الإحالة عليه.

ويؤسفنِي أنِّي رأيتُ، فيما رأيتُ من العُروض المسرحيَّة المقدَّمة فِي إطار هذا المهرجان، تقليداً أعمى لِمَلْحميَّة بريْخت، وعلُّولةَ على حدِّ السواء؛ إذ وجدتُ أنَّ بعض الْمُخرجين يُلحُّون على كسْر الجدار الرابع من دون أن يتغيَّوا مَقْصديَّةَ بريْخت نفسِه التِي تقف وراء هذه التقنية: تبديدُ الإيْهام، وشَحْذُ عقول الْمتفرِّجين بالوعي النقديّ الْمحموم .. فكنتُ أرى، مثلاً، نزولاً عبثيّاً للممثِّلين إلى صالة الجمهور، حيث لا يدْخُلون معه فِي أيِّ حوارٍ مباشرٍ، وحيث يظلُّون فِي منتهى التقمُّص الوجدانِيِّ للشخصيَّات، ثُمَّ سرعان ما يصْعَدون الخشبةَ عائدين إلى عُشِّ الإيْهام، والألْفة التمثيليَّة الحميمة ..

هكذا بات كسْرُ الجدار الرابع عندنا موضةً، لا أسلوبَ تفكيرٍ، ومُحاجَجة .. بات شكلا مسرحيّاً من دون مُحتوى، وهذا ما لا يَجب أن يكون عليه التواصل، والتناصُّ بين التجارب المسرحيَّة، قديْمِها، وحديثِها.               

ثلاثةُ مفاتيح .. لِمَسْرَحٍ جزائريٍّ أصيل

فِي جلسات النقاش جَميعِها التِي كانت تُعْقَد بعْدَ نِهاية كلِّ عرضٍّ من العروض المسرحيَّة الْمُتتابعة، الْمُتلافِحة على مسْرح مَحْي الدين بَشْطرزي، لَمسْتُ أنَّ السؤال- الْمَجرَّةَ الذي دارتْ فِي أفلاكِه سؤالاتُ المتدخِّلين، والمتدخِّلات كان سؤالَ الأصالة، والتجديد: ماذا يَجب أن يفعل مسْرحيُّونا من أجل إنتاج مسرحٍ جزائريٍّ سِمةً، ودَما ؟   

أعترف بأنَّ هذا السؤال مركَّبٌ، ومتراكِب. ولا أعتقد أن هذا المقام يتَّسع لفكِّ شِفْراتِه، واسْتِبارِ جَميع أبعاده النظريَّة، والإجرائيَّة معا.

غيْر أنِّي أوثِر أن أقِف نفسي على ثلاثة مفاتيحَ ذهبيَّةٍ، من وِجْهة نظري الشخصيَّةِ على الأقلّ، لو يُحسنُ استعمالَها أيُّ مُخْرِجٍ جزائريِّ، أو غيرِ جزائريٍّ، سيُفْلِح، لا مَحالةَ، فِي صناعة مسرحٍ جزائريٍّ بالشكل، وبالوظيفة؛ أسْتأذن القارئ الْمِفضال بأن أسْردها على هذا النحو:

1- مفتاح: الْمَسْرَحة (Théâtralisation). 2- مفتاح: الْجزْأرة (Algérianisation). 3- مفتاح: مسْرحيَّة النقد أو النقد المسرحيِّ الصِّرف.

أقْصُد بالْمَسْرَحةِ مَسْرحةَ الخطاب المسرحيّ؛ أن يَجعل الْمُخرِجُ من الخصوصيَّة المسرحيَّة مركزَ الاشتغال، والتمَظْهُرِ على بساط الرُّكح. أعرِف أنَّ خطاب المسرحيَّة تؤلِّفه طائفةٌ من اللُّغات المرئيَّة: كالإنارة والديكور، والمسموعةِ: كالموسيقى والأصواتِ الأيْقونيَّة، والمنطوقةِ: كالحوار والكلام .. إلاَّ أنَّ هذه (اللُّغات) ليستْ جزءاً من طينتِه، وليست هي، فِي ثَباتِها الأجْناسيِّ، ما يُحقِّق جنسيَّتَه المسرحيَّة. بل هي مَحضُ فنونٍ إبداعيَّةٍ تذْعَن لِمنطقٍ تدليليٍّ مُختلِفٍ، ومتباينٍ .. إذ تَنحدِر، أصلاً، من تَخصُّصاتٍ فنِّيةٍ قائمةٍ بذاتِها؛ كفنِّ الرسْم، وفنِّ الموسيقى، وفنِّ الأدب نثراً، وشِعراً، وسرْدا .. وستظلُّ دخيلةً على الخشبة ما لَمْ يَبْرَعِ السِّينوغراف فِي تذويبِها، وتَحويلِها إلى بُودْرةٍ مَسرحيَّةٍ خالصةٍ كالذهَب الخالص.

ففي هذا المنظور، على الْمُخرِج المسرحيِّ الأصيل أن يُنَقِّب كالأركيولوج عن مُعُن (اللُّغة الْمسْرحيَّة) دون سوائها من اللُّغات الْمُجاوِرة، ذاك لأنَّ اللُّغة الموسيقيَّة، مثلاً، هي ما يدخل ضمْن ملْكيَّة الفنَّان الْموسيقيِّ، بينما اللُّغة الْمسرحيَّة فهي ملْكيَّة الْمُخرِج المسرحيِّ الخاصَّة، ولذلك فهي تَختلف من مُخرِجٍ لآخر، ومن مَذهبٍ لآخر، ومن عصْرٍ لآخر ... وما طبيعةُ هذه اللُّغة الْمسرحيَّة ؟ هنا السؤال السرمديُّ المفتوح، وهو سؤالُ جَميعِ الأجناس الإبداعيَّة، ومُجرَّد التفكير فِي غَلْقِه يعنِي التفكيرَ فِي غَلْق اللُّعبة الإبداعيَّة أساسا !

تَمثيلاً عن ذلك، فقد راقَنِي جدّاً توسيعُ بِنْية الصمت على حساب بِنْية الحوار فِي مسرحيَّة (الحارس) لِمُخْرِجها الْمُحنَّك عز الدين عبَّار؛ وفِي ظنِّي لَمْ أكن وحْدي الْمُعجبَ بِهذا العرض المسرحيِّ بكلِّ ما تَحملُه صفةُ (المسرحيِّ) من عمقٍ، ومعنَى. فقد هشَّتْ إليه الأسْماعُ، والأبْصار، ولولا خَشاةُ المغالاة لقلت إنَّ المتفرِّج كاد أن يُصفِّق له بيدٍ واحدة ! يرجِع الفضل فِي ذلك، لا ريب، إلى كون تيمة الصمت الْمُشتَغَلِ عليها رأساً مَجالاً حيويّاً للمَسْرَحة، فهي تَمنح الأولويَّة لتعبيريَّة الفعل، أوِ الوجه، أوِ الجسد، أوِ الفُرجة .. على تعبيريَّة الحوار الذي لا يُمثِّل، فِي الأصل، سوى بنْيةٍ لسانيةٍ تَخضع لإكراهات الأبْجديَّة ذاتِ الثمانِية والعشرين حرفا. وفوق ذلك، فإنَّ الصمت فوق الخشبة يُرشِّح إيْحائيَّة التفاعل بين العرض، وبين الجمهور بِنحوٍ لا يتحقَّق إلاَّ فِي عالَم المسْرح.

الآية على ما أقول أنِّي نَجحتُ فِي التفاعل مع العرض الأمازيغيِّ: (آجوبانِي) لِمُخْرجها القدير سيد احمد بن عيسى على الرغم من أنَّنِي لَم أفهم من حوارِها حرْفاً واحداً ! من هنا إنِّي لأسْتبْشِع تلك العروضَ المسرحيَّة التِي تَجعل من لغة الحور بؤرة أدائها التعبيريّ بِحيث تُشْعركَ بأنَّك تتصفَّح، بعينيك أو بأذنيك، روايةً مستطيلةً من روايات القرن السابع عشر!

كذلك أعتقد أنَّ الشكل يُعَدُّ من أجلى مصادر اللُّغة المسرحيَّة داخل بِنْية العرض. بشرط أن يكون هذا الشكلُ شكلاً مسرحيّاً (سينوغرافيّاً مثلاً)، وشكلاً مكثَّفاً، مثقَّفاً، عانِياً .. لا شكلَ زُخرُفٍ، وبُهْرُجٍ فارغاً، وفطيرا. وأومئ هنا إلى أنَّ هذا النوع من الشكل الدلاَّل هو الشكل الذي تسْكنُه الجماليةُ بِحيث يُشرك المتلقِّي فِي إعادة إنتاج خطاب العرض تذوُّقاً، وتأويلا .. علْماً أنَّ له مستوياتٍ شتَّى من التجسُّد، والرُّشْحان كشكل الصمت فِي مسرحية (الحارس)، ذلك العرض الذي استطاع أن يترك إلى اللَّحظة وعيِي، وتآويلي مُعلَّقةً كمعْطَفٍ مُعلَّقٍ على مِشْجب.

وأمَّا جزْأرةُ المسرح الجزائريِّ، فأعنِي بِها الاشتغال الفعَّالَ على الهوية الْجزائريَّة بوصْفها أنطولوجيا، وبوصْفها نسَقاً وأسلوبا.

فمِن الناحية الأنطولوجيَّة، إنَّما نَحن فِي أمَسِّ حاجةٍ إلى مسرَحٍ يَمتلك من الْجَراءة ما يؤهِّله لِمُوالَجة البِنْيات الكُبْرى التِي تُفَعِّل وجوديَّة الْمُجتمع الجزائريِّ على سبيل: البِنْية التاريْخيَّة، والبِنْية الأنتروبولوجيَّة، والبِنْية الثقافيَّة، والبِنْية السلوكيَّة .. وهلُمَّ جرَّا. وهُنا ينتصِب إشكالُ (الْموضوعة/ Thématique)، أو (المضمون) بالمفهوم التقليديِّ للمصطلح؛ حيث يُفْترَض أن يتحاشى المسرح الجزائريُّ تعاطي الموضوعات المكرورةِ، والمستهلَكةِ إن خارج السياق الإبداعيِّ، أو داخلَه. فالموضوعة المستهلَكة ما حرَّضتْ يوماً على إنتاجِ خطابٍ جديد، أو مسْرحٍ جديد، أو فنِّ جديد بالمطلق. وإنَّا لنعْنِي بالمستهلكةِ الْمُسْتنْزَفَةَ شكلاً وفكرا، أسلوباً (مسرحيّاً) ورؤيا إيديولوجية .. ونعْنِي بِها، أيضاً، الموضوعةَ الدخيلةَ، أوِ المُشترَكة مع مُجتمعاتٍ أجنبيَّة غيْرِ المجتمع الجزائريِّ الأصيل.

فِي هذا الاتجاه، أزْعُم أنَّ التناولَ الصداميَّ، التقْويضيَّ للموضوعة هو ما يُصَيِّرها موضوعةً مُبْتدَعةً، مُبْتكَرة، حتَّى وإن كانت الموضوعةُ نفسُها خارج النسق (المسرحيِّ) موضوعةً مألوفةً، معروفة. ما أحوجَنا إلى مسْرحٍ جزائريِّ تقويضيٍّ (Subversif) يستحضِر الموضوعات إلى الخشبة بِمنْزعٍ نقديٍّ بانِي، لا بِمنْزعٍ تَنويْميٍّ وجدانِي ... فِي هذا المقام، أقترح من جُملة الأشكال التِي يُمكن للتناول النقديِّ أن يتلَبَّسَها: كسْرَ الطابوهات، واستنطاقَ المسكوتِ عنه، وتَحويلَ المنسيِّ من عُتْمة الهامش إلى بؤرة الْمَتْن الضوئيَّة.

فضلاً عن ذلك، سيكون لِمثل هذا التناول التقويضيِّ الإسهامُ المباشر فِي توليد أشكالٍ مسرحيَّة جديدة، فِي ابتكار أسلوبٍ مسرحيٍّ جديد، فِي تأسيس مدرسةٍ مسرحيَّةٍ جزائريَّةٍ جديدة تنقطِع دونَها مسارِح الدنيا قاطبة. لِمَ لا ؟ فِي هذا السياق، أحبُّ أن أومئ، بعْد إذْنِ القارئ الكريم، إلى أنَّ (الحلْقة)، مثلاً، ليست أسلوباً مسرحيّاً جزائريّاً بَحتَ، لأنَّها، ببساطةٍ، خاصيَّةٌ (أنتروبولوجيَّةٌ) تشترك فيها جَميعُ الدول المغاربيَّة الشقيقة على الأقلّ. لذلك، لا أرى بأنَّ التعويل عليها هو مصْدرٌ من مصادر جَزأرة المسرح الجزائريّ البتَّة !!

وأمَّا مفتاحُ مَسْرَحة النقد، فأعنِي به أن يكون النقد الْمسرحيُّ، حقّاً، مَسْرحيّا. لطالَما كنتُ أسْتسْمِجُ الناقد المسرحيَّ الذي يُمارس نقْدَه على الموضوعة مُنغمِساً فِي صَلْصالِها، وسارِحاً فِي دهاليزِها الفكريَّة الْملتويات .. من دون أدنَى إحالةٍ مُتخصِّصةٍ إلى الشكل المسرحيِّ الذي رشَّحَها، وطَفا بِها على رُكْح القراءة، والتلقِّي. هذا النوع من النقد إنَّماهُ نقدٌ بَرَّانِيٌّ يَحوم حول فلَك العمل المسرحيِّ، ولا يَلِجُه، يتطفَّل عليه، ولا يواجِهه ببراءة أدواتِه المنهجيَّة المتخصِّصة. ويُحزِننِي أنَّه كان النقدَ الأطْغى على جلَسات نقاشاتِنا التِي كانت تعْقُب العروض المسرحيَّة فِي هذا المهرجان، أو فِي غيره من المهرجانات الفائتة، خلا بعض التدخُّلات القيِّمة الأصيلة ذاتِ الانتماء المسرحيِّ القويْم.

هل يُعْقَل أن يَنحصِر ناقدُ مسرحيَّةٍ فِي الحديث عن موضوعتِها (أو موضوعاتِها) المحمولةِ طيَّ الحوار، وعلى ألْسنة الممثِّلين ويعُدُّ نفسَه، مع ذلك، ناقداً مسرحيّاً ؟ أبداً، ذاك ليس نقداً مسرحيّاً، إذِ إنَّ جنسَه هو من جِنس الطبيعة المعرفيَّة (الحقليَّة) للموضوعةِ عيْنِها؛ فإذا كان مُحتوى المسرحيَّة اجتماعيّاً، فالنقد الْمُلْتصِق به هو نقدٌ سوسيولوجيٍّ، وإذا كان المحتوى فلسفياً، فالنقد الْمُصوَّبُ إليه هو نقدٌ فلسفيٍّ .. وهكذا دواليك. ليستِ الموضوعةُ، إذَنْ، هي ما يُجنِّس الخطاب، بل هي ما يُسْنِده، وقد تكون ما يُدنِّسُه حالَ ما أُسيء استحضارُها، وتطْويعُها مع إكراهاتِ تَمَفْصُله، ومُواضَعاتِ إنتاجه !

بالطَّبع، لستُ هُنا أقِف سدّاً منيعاً أمام المقارَبات الخارجيَّة، والتخصُّصات المجاورة، فأحْرِمَها حقَّ ولوج حقل المسرح، ومدارسةِ ظواهره، ومُكاشفة جواهره .. لكنَّنِي أشترط أن تنطلِق من النسق (المسرحيّ) إلى الموضوعة، لا من الموضوعة إلى النسق.. أشترط أن يكون النقد، فِي هذه الحال، تابعاً، والحقلُ المسرحيُّ متبوعا.

كفانا حديثاً عن الظلِّ بِمَعْزلٍ عن الجسد !

النصُّ والخطابُ المسرحيّ: خليَّةٌ فِي جسَد

أصلاً، فِي أبْجديَّة المسرح، لستُ أومِن بوجود (نصٍّ) لا بِمفهومه الطِّباعيِّ القديم، ولا بِمفهومه النقديِّ الْمُعاصِر! ثَمَّةَ خطابٌ مسرحيٌّ وحسْب.

أفْصِح فأقول إنِّي لا أومِن بشرعيَّة مُصْطلح (النصِّ) أمام الْهُلاميَّة الأسطوريَّة لِمُصْطلَح (الْمَسْرَح). ذلك لأنَّ النصَّ، بِمفهومَيه التقليديِّ والسِّيميائيِّ، لا يُشكِّل إلاَّ خليَّةً صُغرى من جسد المسرح الكَرْنفالِيِّ الْمُشَجَّر، إلاَّ وَحْدةً صُغرى من منظومة الخطاب المسرحيِّ برُمَّته. لَم أرَ من بين مُختلَف الأجناس الخطابيَّة ما يَعْدُل قدرةَ الخطاب المسرحيِّ على تفعيل مقولة (الخطاب) فِي أرقى مستوياتِها التداوليَّة (Pragmatiques).

وإذنْ، فالمسرح خطابٌ كشكولِيٌّ يشْمل النصَّ، والعرضَ، والركُحَ، والسينوغرافيا، والتشكيل الحركيَّ، والإنارةَ، والديكورَ، والممثِّل، وعمارةَ الخشبة، وصالةَ الجمهور، والجمهورَ، وبنايةَ المسرح، وما يَجري خارج البناية .. فما موقع النصِّ (الْمَحروفِ) داخل هذه الْمَعْمَعة الْخطابيَّة ؟ جرَياناً مع هذا التصوُّر، كنتُ، ولا زلتُ، أفتِّش دائما عن لُغةٍ تسْويغيَّةٍ تُمكِّنُنِي من دحْض مصطلح (مسرحيَّةٌ) ذاتِه: ليس هناك مسرحيَّة، بل هناك خطابٌ مسرحيٌّ، أكرِّر القول مرَّةً أخرى ! من هنا، فإنَّ الحديث عن النصِّ فِي دنيا المسرح أشْبَه ما يكون بالحديث عن الغصْن معزولاً عن الشجرة، أو عن الشجرةِ معزولةً عن الغابة !

فِي هذا الضوء، أقِرُّ أنْ ليس هناك أزمة نصٍّ فِي المسرح الجزائريِّ، بل هناك أزمة خطاب ! وحتَّى إذا ما ابتلانا الله وفصَلْنا بين النصِّ، وبين العرض المسرحيِّ من بابٍ منهجيٍّ ليس إلاَّ، فإنَّ النصَّ الذي يَجب أن يَنْجُلَه الكاتب المسرحيُّ هو النصُّ المهيَّأ حقّاً للخشبة، هو النصُّ الذي يَحْمل زمرةً دمويَّةً مسرحيَّة .. هو النصُّ الذي يظْطمُّ بين جنباتِه أسبابَ انسحابِه على فضاء العرض، وإمكاناتِ تأديتِه على بساط الرُّكْح .. هو النصُّ الذي يُكْتَبُ بضوء الإنارة، وبشكل الديكور، وبإيقاع الصوت، وبِجسد الممثِّل، بِحركاتِه، بسكناتِه.. هو النصُّ الذي يُكْتَبُ بأصابع المخرج، لا بأصابع كاتِبِه !

ونَحن فِي عصر السبرنيتيك، والرقْمنة، والمرئيَّات المثلَّثة والمربَّعة .. إنَّما يعوز المسرحَ الجزائريَّ نصٌّ مُمَسْرَحٌ؛ يُحاكي الوجود بالصمت على ألْسنة الممثِّلين، بالفعل والسكون، بالإيْماء والإدْلاء .. نصٌّ يُكرِّسُه مُمثِّلٌ مُمَسْرَحٌ مثلُه، لا مُمثِّلٌ يتَزَبَّبُ فِي الكلام فوق الخشبة وكأنَّه يتلو على مَسامِعنا معلَّقة امرئ القيس !

أمنِيَتِي أن أشاهد عرضاً مسرحيّاً جزائريّاً لا تُسْمَع فيه لاغِيَة !!

وإذَنْ، ومن دون تعْميم، أرى أنَّ ما يُعانِي منه المسرح الجزائريُّ حقّاً هو أزمة كتابةٍ دراماتورجيَّة. وزَعْمي أنَّه نوع من الكتابة لا يَتحقَّق إلاَّ فِي ضوء تسْويغاتِي النظريَّة، وتبريراتِي النقديَّة السالفة.       

الاقتباس: مُراهَنةٌ على إعادة تَجْنيس الْمُقتبَس

أرى، وأنا مُعْتَنقٌ ما أرى اعتناقَ العقيدة، أنَّ النقَّاد المسرحيِّين الذين ألِفوا تصنيفَ المسرحيَّة المقتبَسة فِي الرتْبة الثانية من سُلَّم الإبداع هم نُقَّادٌ غيْرُ مسرحيِّين !

يُدوِّخنِي ناقدٌ (مسْرحيٌّ) يَقِيس لُغةَ عرضٍ مسرحيٍّ بكاملِه بِمقياس نصٍّ أعزل، سواء أكان هذا النصُّ مُقتبَساً، أم كان مُبْتدَعا. أقول، وأنا زعيمٌ بِما أقول، بأنَّ هذا الناقدَ، وأمثالُه كُثُرٌ فِي ساح النقد المسرحيِّ بالوطن العربِيِّ، ليس ناقداً مسرحيّاً، لأنَّه لَم ينْطوِ بعْدُ على وعيٍ أصيلٍ بِخصوصيَّة اللُّغة المسرحيَّة، ولَم يَهضِمْ طريقة اشتغالِها تَمَفْصُلاً، وتدليلا .. لذلك سرعان ما ينقضُّ على العرض المسرحيِّ انقضاضاً فِي حال كان مقتبَساً عن نصٍّ روائيٍّ ولَمْ يُلْفِ تشابُهاً حَرْفيّاً بين الرواية المقتبَسة، والمسرحيَّة المقتبِسة !

هذا النوع من النقَّاد .. سيغادر صالة العرض وهو يضْرِب كَفّاً بكفٍّ لأنَّه لَم يُشاهدِ الرواية تسْعى بِشحْمِها، ولَحْمِها فوق الخشبة !

لا. ليس هذا هو معنَى الاقتباس، المسرحيِّ أو غيرِ المسرحيّ. القضيَّةُ قضيَّةُ إبْدال لُغةٍ بلُغةٍ أخرى، وسرديَّةٍ بسرديَّةٍ أخرى وفْقاً لرؤيا المبدِع المقتبِس. ففي حال الاقتباس المسرحيِّ لروايةٍ ما، سيكون من مَهمَّة المخْرِج أن يُراهِن على مُناظرة السرديَّة الروائيَّة بالسرديَّة المسرحيَّة مسْتبدلاً نسَقاً بنسَقٍ، وشِرْعةً بشِرْعةٍ، وجَماليةً بِجمالية .. بل ومن مَهمَّته أيضاً، أن يُنافس الروائيَّ نفسَه فِي إتقان لُغة الانْتماء، وتكريسِ هويَّتها الفنيَّة، وجُنُوسَتِها الخطابيَّة؛ من منهما كان أكثر انْتماءً إلى نفسه: أكان الروائيُّ أكثرَ روائيَّةً، أم كان المسرحيُّ أكثرَ مسرحيَّة ؟

وما أكثر الحالات التِي يكون فيها عرضٌ مسرحيٌّ مُقتبَسٌ أجْملَ من الرواية التِي اقتبسَها، وأجْملَ من عرضٍ مسرحيٍّ غيرِ مُقتبَس.

من هنا، يَجب على الناقد، قبْل أن يرْميَ الْمخْرِج المسرحيَّ برائشِ الفشلِ، والزوَغانِ عن نصِّ الرواية، أن يطرح على نفسه هذا السؤال: هل برَع الْمُخْرِج فِي مَسْرَحة الرواية ؟

إذنْ، ليس الاقتباس المسرحيُّ قضيَّة سردٍ (Narration)، بل قضيَّة سرديَّة (Narrativité)؛ ذلك لأنَّه فعْلُ تَجاوُزٍ مسرحيٍّ صِرْف، وفعْلُ تَعالٍ رُؤيَويٍّ، وفعْلُ تأويلٍ، واقْتراء .. ومن ثَمَّة، لا حاجة للمُخرِج المسرحيِّ إذا ما اقتبس روايةً إلى مُبارَكة صاحبِها، ولا إلى أداء يَمين الوفاء. وحتَّى الروائيُّ، من وجْهتِه، لا حاجة له إلى مُخرِجٍ مسرحيٍّ يُكرِّره نُسخةً طبْق الأصل على الخشبة، بل إلى من يُبلْوره، ويرُشُّ الضوء على زوايا من كينونتِه ما تزال مُعْتَمة.

إنَّ الأمر أمْرُ خَيارٍ أسلوبِيٍّ، ووجوديٍّ أيضا. إذِ الروائيُّ قد قرَّر أن يكون روائيّاً، والمسرحيُّ قد قرَّر أن يكون مَسرحيّا.

علاوةً على ذلك، عصرُنا بات عصْرَ قراءةٍ، وتلقِّي، لا عصْرَ كتابةٍ، وتثْبيت؛ أريد إلى القول إنَّ العمل الإبداعيَّ، مهما يكُن نوعه، مُجرَّدَ أن يُتَلَقَّى يتحوَّل من ملْكيَّة مُرْسلِه إلى ملْكيَّة مُتلقِّيه؛ فمن هذا الباب، يَحقُّ للمخرِج المسرحيِّ أن يفْعل بالأصل الذي يقْتبِسُه ما يشاء .. شرْطَ أن يُمارس مسْرَحاً، ولا يُمارس جنساً فنِّياً آخر.

ومن هذا الباب أيضاً، ليس هنالك، فِي مَمْلكة المسرح، نصٌّّ (مؤلَّفٌ)، ونصٌّ (مُقْتبَسٌ)، بل هنالك نصٌّ مسرحيٌّ وكفى شرَّ النقَّاد اقتِتالا !

الأدهى، أن ليس هنالك أصْلٌ فِي عالَم الكتابة، بل هنالك وصْلٌ، وفصْلٌ يتداعَيان فِي شكل نُسَخٍ كربونيَّةٍ لامُتناهية .. فحتَّى النصُّ (المؤلَّف) ليس سوى نسخة تأويلٍ شخصيَّةٍ لا يُمكن أن يَملكها أحد. ولْيَعْذرْنِي القارئ الكريم على الْمَنْزِع التفكيكيِّ (Déconstructiviste) لِهذا الاقتراب !

من هذا المنظور إذنْ، لن ينْزل أيُّ عرضٍ مسرحيٍّ (مُقْتبَسٍ) إلى الدرجة الثانية إلاَّ بِمقياس الجمالية، والخصوصيَّة المسرحيَّة، وليس بِمقياس النصِّ (المؤلَّف) الذي رَكَح عليه. وأمَّا القول بالاقتباس المسرحيِّ لا يكون إلاَّ من باب الأمانة العلميَّة، ليس غيْرا.  

... انْتحارُ الْجَماليَّة على مَذْبَح الْجماهيريَّة

أعترِف للقارئ الكريم، بأنَّ العامل الْماديَّ / الاقتصاديَّ ضرورةٌ من ضرورات اكْتمال الدورة الإبداعيَّة (الدمَوِيَّةِ) فِي أنْسِجة العمل المسرحيِّ، وداخلَ مؤسَّسة الفرقة المسرحيِّة أصْلاً، وفصْلا. وما يُعزِّز شرطيَّة هذا العامل هو الاشتغال الْمحتوم للخطاب المسرحيِّ فِي صورة مَجموعةٍ من الْمِهَن، والاختصاصات الْمُختلفة حقلاً، والْمُتفاوتةِ أداءً على سبيل: الهندسة الصوتيَّة، والضوئيَّة، والهندسة الْمِعماريَّة (الديكور والسينوغرافيا)، وصناعة الأزياء، ومهْنة التمثيل ...

غيْر أنَّ الذي لا أعترِف به لأحدٍ هو أن تَحُّلَّ الغائيَّةُ الماديَّةُ مَحَلَّ الغائيَّةِ الإبداعيَّة الْجَماليَّة.

أرى، ولستُ أُرانِي مُتطرِّفاً فِي رأيِي، ولا أحدٌ غيري بوُسْعه أن يُريَنِي غير ما أرى، أنَّ الْمسرح الْتجاريَّ مَسْرَحٌ مُتجاوِزٌ لنفسه، أي لا يلتفتُ إلى بِنْيته النسقيَّة، والوظيفيَّة، إلى طريقة اشتغالِه، وتَمَفْصُلِه بقدر ما يلتفتُ إلى الجمهور لا بوصْفه قُطْباً داخِلاً فِي تكوين خطاب اللُّعبة المسرحيَّة، بل بوصْفه مَحْضَ قناةِ استهلاكٍ مباشِرٍ، وإشباعٍ لِحاجاتٍ حسيَّةٍ، أو عاطفيَّةٍ طارئة. هذا النوع من المسرح، لا ريبَ، سرعان ما يُصاب بعدوى الاستعجال التِي طالت مُختلَف أنواع الكتابة الإبداعية فِي هذا العصر، وسرعان ما ينْطبِع بالإشهاريَّة النهَّامةِ العمياء التِي من شأنِها أن تُحوِّل الجمهور المسرحيَّ من متلَقٍّ نقديٍّ خبير، إلى مُجرَّد أرنبٍ كبير.

لا جرَم، إنَّ الطابَع التجاريَّ الْمَحْض لَيجعل من العمل المسرحيِّ، ومن أيِّ جنسٍ إبداعيٍّ آخرَ، مصَّاصةَ حليبٍ فِي فم الجمهور!

أعود لأقول مرَّةً أخرى إنَّ المسرح التجاريَّ لَهو مسرحٌ يقْفز على ذاتِه النسقيَّة؛ تِيْكَ الشريِحة (La puce) التِي تَحمل جيناتِه الإبداعيَّةَ، وتَختزِن جَمالياتِه، وشيفراتِه الخطابيَّة ... فمن جُملة هذا المنظور، أرى أنَّ الارتِماء الحرَّ للمسرح، أو لسِوائه من الفنون الْجماهيريَّة من مثل السِّينما، فِي أحضان الجمهور لَهو عمليَّةُ انْتحارٍ إبداعيَّةٍ مُتعمَّدة !

كيف يَنتحر مُخْرِجٌ مسرحيّ إبداعيّاً ؟ عندما ينصرِف عن الاشتغال على عملِه المسرحيِّ بِنْيةً، وخطاباً، ليسْقط فِي رمْل الاستجاباتِ الفوريَّة للجمهور التِي – كما نعرِف- تسْتَخِذ أشكالاً نَمطيَّةً متقارِبة؛ فقد ترْشَح فِي شكل تصفيقٍ، أو فِي شكل تصفيرٍ، أو فِي شكل هُتافاتِ إعجابٍ هِسْتيريَّة ..

فهذا النمَط من الرَّجْع (Feed-back) مُعَجُّلٌ، وغيرُ مؤسَّسٍ، والْمُخرِج المسرحيُّ الذي يُعوِّل عليه أساساً سيُسَلِّم رأسَه من دون أدنَى شكٍّ لِمقْصَلة الجمهور! ولستُ هنا أستصغِر شأن الجمهور المسرحيِّ أبداً، لكنَّه يظلُّ، آخرَ الأمر، مَحْضَ حشْدٍ غيرِ مُتجانسٍ من الأفراد .. فأنا على يقينٍ أنَّ هذا الجمهور الاستهلاكيَّ الذي قبْل أن يصنع نفسَه، يصنعُه المسرح التجاريُّ نفسُه، مُجرَّدَ أن ينسحب من صالة العرض، ينسى الدوافع الحقيقيَّة التِي حَمَلتْه على التصفيق تارةً، وعلى التصفير تارةً، وعلى الانتفاضة: Bravo، Bravo .. تارةً أخرى، ولن يَجد إلى تفسير أسباب ذلك سبيلا !

لا ينتظر الجمهور المسرحيُّ الأصيل من المُخرِج أن يُعْطيَه ما يريد، كذلك لا ينتظر المُخرِج المسرحيُّ الْمُبدِع من الجمهور أن يُعطيَ مَسْرَحَه ما يريد !

فلِماذا – والحالَ هذه- نَجْعل من المسرَح تِجارةً كاسِدة ؟ ولِماذا يَتحوَّل الْمُخْرِجُ المسرحيُّ إلى راشٍ، والْمُتفرِّجُ إلى مُرتَشٍ بينهما سلْعةٌ مسرحيَّةٌ مغشوشة ؟

أ وَلَم يكن مسرَحُ غروتوفسكي مسرَحا فقيراً، وجَميلاً معا ؟؟

الْخِطابيَّةُ فِي المسرح الجزائريّ: روماتيزمٌ أسلوبِيُّ مُتوارَث

ما كانتِ الخطابيَّةُ يوماً مَوْرِدَ إبداعٍ، وجَماليَّة.

لا غَرْوَ، إنَّ الخطاب الخطابِيَّ مَختومٌ بالْمُباشَرة، ومثقوبٌ بالشَّفافة. واللُّغة فيه مفتوحةُ الْمَسامات لا تصْلُح إلاَّ للتبليغِ، والتوصيل .. وإذا ما طغتْ على لُغة الإبداع، ودبَّتْ فِي مفاصلِها، سطَّحَتْها، وخطَّطَتْها كجلْد الحمار الوحشيِّ، بل وحوَّلتْها إلى لُغةٍ مائعةٍ، ومُبْتَذَلةٍ، ومُسْتَرذَلَة ... 

فِي هذا الزمن الْمُتماهي، قد باتتِ الخطابيَّةُ فِي الفنِّ أشْبَهَ ما يكون ببيْتٍ شِعريٍّ حَماسيٍّ قديم، مفضوحِ البلاغة والرؤيا، يَموت فَورَ تسْليم معناه إلى قارئه ! بِماذا ستشْعُر، سيِّدي القارئَ الكريم، لو تقرأ بيتاً من مُعلَّقة عَمْرو بنِ كلثوم وأنتَ تنتمي إلى عصْر الإيْحاءِ والترميز، والإيْماءِ والتَوْعيز .. عصْرِ الْمُوارَبة، والْمُجاذَبة ؟

الآنَ تَخيَّلْ لو أنَّكَ تُشاهد مسرحيَّةً على شاكلة بيت عَمْرو بنِ كلثوم: (إذا بلَغ الفِطامَ لنا صَبِيٌّ // تَخرُّ له الْجبابرُ ساجدينَا)، ولَمْ تكن فِي جَيْبكَ لَيْمونةٌ، أو طَرْبونُ نعناع !!

إذنْ إنِّي لأرى أنَّ المسرح الخطابِيَّ أنْكَأ ضحالةً، وأمَضُّ مَضاضةً، ذلك بِحُكْم التواصل الحيِّ بين الخشبة، وبين الجمهور. لطالَما شعرْتُ، وأنا أشاهد عرضاً مسرحيّاً مزدحِماً بالقعْقعة النبْريَّة، ومشروطاً بالاشتغال الخطابِيِّ الموجَّه .. بأنِّي أشاهِد مسرحاً أبيضَ وأسْود (Noir et blanc)، أو مسرحاً ذا بُعْدَين كسمكة الشبُّوط ! لا إيْحاءَ، ولا إيْماءَ .. لا تدليلَ، ولا تأويل ...

مع ذلك، لا أنكِرُ أنَّ الخطابيَّة فِي المسرح الجزائريِّ، إن على الصَّعيد الوظيفيِّ أو على صعيد الأداء الحواريِّ للممثِّلين، قد أعطتْ أُكُلَها، على نَحْوٍ ما، فِي السبعينات، والثمانينات من القرن الماضي، إذ مَثُلَتِ الخطابيَّة تاريْخئذٍ، من حيث كونُها فعلَ مباشرةٍ ومُجابَهة، منفذاً من منافذ تسْريب البريْختيَّة إلى دم المسرح الجزائريِّ، وتطْعيمه بشيءٍ من الإيديولوجيا النقديَّة بُغْيةَ تَحْويلِه من مسرح إيْهام إلى مسرح إقدام .. كما كان ديدَنُ مسرح عبد القادر علُّولة رحمه الله. فمثلاً، أجِد الخطابيَّة على صعيد الأداء تَمْنع الْمُمثِّل من أن يبْدوَ مُمثِّلاً على الخشبة، وبالتالِي، فهي تَمْنع المتفرِّج من أن يبْدوَ مُتفرِّجاً فِي الصالة ما دامت تُحرِّض فيه الفردَ الاجتماعيَّ على اعتناق المواقف، وامتطاءِ الأفعال ...

وأمَّا مَسْرحُنا اليوم، فلا أرى أنَّه فِي حاجةٍ إلى مثْل هذا المرَض التعبيريِّ الْمُتوارَث. نعم؛ كانت الخطابيَّة دواءً ولكنَّها سرعان ما تَحوَّلَت داءً. يكفي، آيةً على ذلك، أن نُدرك أنَّ الخطابيَّة تُنَمِّط خطابَ المسرح، وتُقَولبه، وتَحْجز عليه داخلَ نظامٍ أسلوبِيٍّ واحد، كأنَّه تطبيق من تطبيقات البْلايْ سْتَايشَنْ !

الْجُملةَ؛ ومن صميم القلب، أدعو مسْرحيِّينا إلى تَخليص أعمالِهم من هذه العادة الأسلوبيَّة القديْمة. ولست أنكر أبدا أنَّ مسارح شتَّى من بلادي قد طفقتْ تركب موجة الإيْحاء ..

أمازيغيَّةُ الْمَسْرح الأمازيغيّ؛ فِي أنتروبولوجِيَاهُ .. لا فِي لُغته

لا بقاءَ لأيِّ مسْرحٍ فِي العالَم إن لَم يَدْأبْ على تَحْيِين آليات إنتاجِه، وتلَقِّيه، وليس ذلك حِكْراً على المسرح الأمازيغيِّ وحده. ثُمَّ إنَّ المسرح الْمُواكِب هو الذي يَملك من الفراسة ما يؤهِّله لأن يُجدِّد نفْسَه بنفْسِه، ونفَسَه بنفَسِه بِمنأىً عن التقليد الإسقاطيِّ لِمسارح الأمم الأخرى.

إلاَّ أنَّ شأن المسرح الأمازيغيِّ فِي الجزائر شأنٌ خاصٌّ، واستثنائيٌّ بطريقةٍ ما؛ ذلك بفعل الْمحمول الثقافِيِّ، والتراثيِّ .. الذي تسْتَميز به لغةُ هذا المسرح اسْتمازةَ إضافةٍ، وتعميقٍ للهوية الوطنيَّة قاطبة.

ولا أعْنِي هنا، مُطلَقاً، أن يَجعل المسرح الأمازيغيُّ من اللُّغة الأمازيغيَّة قضيَّتَه الأساسَ، ومِحْورَ اشتغالِه، ومَجالاً حيويّاً للبحث عن ملامح وجْهه الخصوصيَّة .. فاللُّغة (الحوارُ) – كما أسْلفتُ أعلاه – ليست سوى تفصيلٍ صغيرٍ فِي فضاء الخطاب المسرحيِّ المترامي الوسيع، أي؛ ليست هي ما يَجعل من المسرح مسْرَحاً. ومن ثَمَّ، فإنِّي أومئ، فِي هذا السياق الْمخصوص، إلى ضرورة أن يستثْمر هذا المسرح ما استطاع فِي الشَّخصيَّة الأمازيغيَّة علَّ أن يَمْتح منها جُملةً من الآليات التعبيريَّة، والْمعالِم الأنطولوجيَّة .. لَم يُسْبَق إلى توظيفها على الخشبة من قبيل: الرقص القبائليِّ الفريد، والْموروث الشعبِيِّ العتيد ..

على هذا الأساس، إنِّي أعْتَب على مُجرَّد التفكير فِي التسويق للُّغة الأمازيغيَّة باستعمال الرُّكْح المسرحيّ، فلن يَتمخَّض عن ذلك مسرحٌ أمازيغيٌّ تأسيسيٌّ حتَّى يرِدَ الضَّبُّ !

علْماً أنَّ اللُّغة الأمازيغيَّة قد أضحتْ لُغةً رسْميَّةً بفضل القرار الْحاسِم الذي اتَّخذه رئيس الجمهوريَّة فِي الأيَّام القليلة الماضية.

لَمْ تعُدِ اللُّغة الأمازيغيَّة، إذنْ، رهانَ المسرح الأمازيغيِّ اليوم. فلْيبدأ هذا المسرح التفكيرَ فِي آلياتِ تعبيرٍ مسرحيَّةٍ تُفْضي به إلى مُخاطَبة العالَم، فضلاً عن مُخاطبة أبناء جِلْدتِه داخلَ الوطن.

فِي الختام، أجدِّد شُكري العميقَ للأستاذة القديرة: جميلة زقَّاي على أن مَنَحْتنِي حِظَةً من ذهبٍ إذ دعَتْنِي إلى تأطير ورشة النقد الدوليَّة المرافقة لفعاليات المهرجان الوطنِيِّ الثانِي عشر للمسرح المحترف، ما كان فضاءً معرفيّاً مِمْراعاً حثَّنِي على مراجعة مفاهيمي، وتَحْيِينِ رؤاي .. إزاء قضايا المسْرَح فِي وطنِي.

 

د/ مُحَّمَّد عدلان بَن جيلالِي.

أستاذ فِي النقد المسرحيِّ، والسِّينمائيِّ؛

جامعة وهران-1 أحمد بن بلَّة.

...........................

(*): أصلُ هذا المقال النقديِّ حوارٌ صحفيٌّ جرى على هامش المهرجان الوطنِيِّ الثانِي عشر للمسرح المحترِف لِموسِم ديسَمْبَر (كانون الأوَّل) من عام: 2017.

 

وليد جاسم الزبيديالمقدمة: صدرت الرواية السادسة (إنعتاق الرغبة)، للكاتبة المغربية الدكتورة (فاتحة مرشيد)،عن المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء –المغرب، بطبعتها الأولى عام 2019، وعدد صفحاتها (224) صفحة، بقياس 14.5 × 21.5 ، وهي تستدعي الأمم والعوالم والمجتمعات اليها، ليكون العالم الذي تصنعه مصحّةً تجرّب فيه طبها وسلوكياتها وتجري فيه من العمليات ما تجعل المتلقي يعيش حالة الإستئصال أو حالات نفسية، يدخلُ معها في مختبرها ويلبسُ معها الكفوف ويضع الاكمام والصدرية ليرى بأم عينيه ما يجري بوعي.

في هذه الرواية تأخذنا الدكتورة (فاتحة مرشيد) نحو موضوعٍ خطيرٍ وجريء تتصدرهُ لأوّلِ مرّةٍ ، روايةٌ عربيةٌ بهذا الشكل وبهذا الوقت تحديداً، في عالم الأقليات الجنسيّة، واضطراب الهويّة الجنسية، وفي مشكلة الجنس الثالث, هذه الموضوعةُ الشائكة التي يتصارعُ فيها الجسدي والروحي، في مجتمعاتنا العربية بما تحملُ من قيمٍ وأعرافٍ دينية وأخلاقيةٍ ومذهبيةٍ وقبلية. وسندخلُ مع الكاتبة في مصحتها(روايتها) هذه وقسّمنا الدراسة على مباحث، في العنوان (عنوان الرواية ومفتتحها) ، ومجتمعات الرواية، المكانُ في الرواية، والثقافات في الرواية، والأمراض المطروحة فيها وضمن الدراسة .

- المبحث الأول: (عنوان الرّواية، ومفتتحها)

المتابعُ لكتابات (الدكتورة فاتحة مرشيد) الشعرية والسردية، يمسكُ خصلةً من خصالها المتعددة، أنها تختار العناوين من أدراج النّص، من روحه، فهو لا يأتي من عدم، بل يولدُ ولادةً طبيعية وينمو ويتكامل داخل رحم النّص، ليس مجلوباً من خارج هذا الرّحم، كما نجدهُ في العديد من الاصدارات، لأغراض تسويقية أو لجلب انتباه المتلقي، لغرضٍ تجاري، أو لأغراضٍ غير معلنةٍ.

انعتاقُ الرّغبة: لماذا هذا العنوان، لماذا انعتاق؟، ولماذا الرّغبة؟..

كلمة انعتاق: فقد وردت هذه المفردة في السّرد:

في (ص 77): (... وفي انعتاقها خلاصُنا.) –على لسان (عز الدّين / عزيزة).

في (ص78) : (لايمكننا أن نخوض رحلة الانعتاق دون أن نخبرَ العزلةَ وننتهي الى الاستقرارِ فيها.). على لسان (عز الدين/ عزيزة).

وفي (ص 92): (...إنهُ طريقٌ صعبٌ ومرهقٌ ومؤلمٌ ومحفوفٌ بالمخاطر، لكنّهُ الطريقُ الوحيدُ للإنعتاق.). –على لسان (عز الدين/ عزيزة).

وفي (ص 172): (... ليعوّضَني عمّا فاتَ ويساعدَني على تحقيقِ ذاتي وانعتاقِ أحلامي.). – على لسان الدكتور فريد السّامي- .

كلمة الرغبة: كما وردتْ هذهِ المفردةُ في طيّاتِ النّص:

في (ص 77): (أمّا الرغبةُ، فهي المُحرّكُ الذي يدفعُنا الى الأمام). وفي نفس الصفحة: (... الرغبةُ هي الحياة..). – وفي الصفحةِ ذاتِها: (.. وماذا عن الرّغبةِ في الخلاص؟).- على لسان (عز الدّين/ عزيزة)- .

في (ص80): (أذعنتُ كعادتي، وكبحتُ رغبةً أخرى من رغباتي مُلبّياً رغباتها الأنانية التي لا حدودَ لها.). –على لسان الدكتور فريد السّامي- .

في(ص 127): (قالَ في دفترهِ إنّ الأملَ ليسَ هو الحياةَ وإنّما الرّغبة.). – على لسان (عز الدين/ عزيزة).

في(ص 172): (حقّقتُ أوّلَ رغبةٍ لي: العودةُ الى الدراسة). – على لسان (فادية)- .

هكذا ترى عزيزي/ عزيزتي كيف وُلِدَ عنوان الرواية بشكل متفاعل وولادة طبيعية في رحم النّص.

- فاتحةُ الرّواية:

أمّا مفتتحُ الرّواية، فقد أصبحتْ لدى الروائيّةِ / الشاعرةِ سُنّةٌ في وضع فاتحةٍ أو استهلالٍ لديوانها أو روايتها أو مجاميعها القصصية، وهذا الافتتاح (الفاتحة) يولدُ بل هو من أعمدة النّص سواء كان شعرياً أم سردياً. وقد افتتحت روايتها في (ص5) :

(الأسوءُ ليسَ الا ننتظرُ شيئاً من أحد، بل ألاّ ننتظرُ شيئاً من أنفسنا).

لماذا وضعت هذا الاستهلال ولمنْ هو، لمفكرٍ أو أديبٍ أو سياسي؟؟ في كلّ مرّةٍ عندما تكتبُ الكاتبةُ استهلالاً تضعُ تحته اسمَ قائلهِ أو كاتبهِ، لكنها هذه المرّة بدون أي أشارة للقائل. والقاريء حين يتابعُ الرواية ويقرأها بتمعن سيحلّ طلاسمَها.

في (ص:77): ورد نصّ العبارة على لسان –عزّ الدّين/ عزيزة- . (ظللتُ زمناً أمنّي النّفس بالآمالِ في انتظارِ معجزةٍ الى أن أدركتُ أنّ الأملَ لن يفعلَ شيئاً لوحدهِ. يجبُ أن تكونَ رغبتي في التغيير أقوى من كل شك، من كلّ عقبة، من كلّ احباط.. يجب أن تكونَ المحرّك..). ... (أدركتُ أن الأسوأ ليسَ ألاّ ننتظرَ شيئاً من أحدٍ، بل ألاّ ننتظرَ شيئاً من أنفسنا).

وتكرّرتِ العبارةُ في (ص: 212): في قولٍ وحوارٍ للدكتور فريد السّامي :

(...لقد كانَ والدي على حقّ حينَ قالَ في رسالتهِ : (الأسوأ ليس ألاّ ننتظرَ شيئاً من أحد، بل ألاّ ننتظرَ شيئاً من أنفسنا.).).

إذن نلاحظُ أن هذه العبارةَ لم تكنْ لكاتبٍ أو فيلسوفٍ أقحمتها الروائية، أو جاءتْ معبّرةً عن روح الرواية ومبتغاها، بل أنها عبارة قيلت من خلال السّرد وأمسكتْ بها لتضعها فاتحةً للرواية كونها تمثّلُ –حسب وجهة نظرها- بيتَ القصيد.

- المبحث الثاني: مجتمعات الرّواية

نسلّطُ الضوءَ هنا على المجتمعات التي تؤلفُ ثيمة النّص/ الرّواية، والمؤثرة في الصراع وفي صنع الدّراما والأحداث.

- المجتمع الأول: عزّ الّدين / عزيزة: لماذا وضعتُ (عز الدين/ عزيزة) في بابٍ لوحده واعتبرتُهُ مجتمعاً لحاله، لأنهُ لا يمثّلُ حالةً فرديةً أو شخصيّة بل هو مجتمعٌ كاملٌ لوحده ، هو عالم الأقليات الجنسية، وهو محور الرواية من بدايتها الى نهايتها.

لماذا اسم (عزّ الدّين/ عزيزة): في ص38: (... عز الدين اسم يحملُ من المقدّس والعزّةِ والفخر، ما يُثقلُ كاهلَ حامله بمسؤوليةٍ عظمى، عليه أن يبرهن باستمرار على أنهُ جدير بتحملها.اسمٌ ذكوري حتى النخاع، لا لبسَ فيه، مُركّب من "العز" والاعتزاز والعزّة ومن "الدين" بتعاليمه ومقدساته ومحرماته.

في ص 89: (اليوم كذلك قررتُ تغيير اسمي الشخصي. لا أعلمُ لماذا بدا لي اسم "عزيزة" بديهياً. ربما لأنهُ يحتفظُ على الشطر الأول من اسمي "عز" ، أو لربما لأنّ هناك موسيقى تسمى "عزيزة" للموسيقار محمد عبد الوهاب....).

وفي نفس الصفحة89: بحثتُ عن كلمة "فرس" في المعجم العربي لأجد لها مرادفا أو شيئاً يقربها في المعنى، وكم كانت سعادتي عارمة عندما قرأتُ أن كلمة فرس تطلقُ على الواحد من الخيل، الذكر والأنثى على حد سواء...).

وفي الصفحة نفسها: (لكل هذا، لم أجد أحسن من اسم" عزيزة فرس" تعبيراً عن كنه ذاتي.

وفي ص 17: يتحدثُ (عز الدين/ عزيزة) عن سبب تسميته "فرس" الذي اختاره له والده: (كان معجباً - أي: والده- بنجم المنتخب المغربي آنذاك "أحمد فرس" الذي رفضَ كل العروض للعب في صفوف أندية عالمية مفضلا البقاء في فريقه الأصلي "شباب المحمدية" والذي يُعتبرُ هدّاف المنتخب المغربي على مرّ العصور بـ 42 هدفاً. لهذا أطلقَ عليّ لقب "فرس" لقب يحمل من الشهامة والفحولة ما أزّمَ وضعي أكثر.).

وفي ص91: (من حقّكَ أن تتساءلَ لماذا لم أحتفظْ باسم العائلة "السامي" وأكون بذلك عزيزة السامي. فكّرتُ كثيراً في الأمر واحتراماً لرغبةٍ منك محتملة، في ألا يكونَ لنا اسم مشترك يربطك بشخص قد تزعجكَ قرابته.. أعرضتُ عن الفكرة.).

هكذا نقرأ بين طيّات الرواية ونحنُ إذْ نُفلّيها ونفككها ونقرأ بين سطورها، هذا المجتمع الغريب ، المختلف، المتناقض، المركّب، (عز الدين / عزيزة) فحتى تركيبة الإسم واختياره وطبيعة تكوينه ودلالاته يصبّ في منحىً لفائدة انسيابية الاحداث وتباطؤها وتسارعها . كيف تم اختيار اسم (عز الدين) بعد ولادته، إثرَ ثلاثة بنات، اسم فيه من القوة بل القدسية، والفحولة، جعلت من هذه الشخصية(المُركّبة) كيف تتأزم وتتصاعد في توترها على مختلف أدوار حياتها؛ ثم بعد التحوّل الجنسي، كيف اختار(ت) لنفسه(ا) اسماً ينطلق للعالم بحريته ليشبهه هو/ هي لا يكون من صنع غيره، فجاءت (عزيزة) بدلا من (عز الدين) ، وجاء اللقب ليكون (الفرس) بدلاً من (السامي) للأسباب والدواعي التي ذُكرتْ في الصفحات التي أشرنا اليها في متن الرّواية.

- كلمة (ولدي العزيز) في الرواية:

نجد كلمة (عز/ عزيزة/ العزيز) كلمات ومفاتيح ونوافذ في متن الرواية، تتردّد، بل تغمر الرواية كاملةً بـ(العز) و(العزّة)، وهذا ما اختارته الكاتبةُ بوعيّ وأصرّت على اختياره دون الأسماء والمفردات الأخرى، لتنسجم مع التسلسل الدرامي داخل النّص.

وكلمة (العزيز) وردتْ عدّة مرّات في مخاطبة (عز الدين/ عزيزة) في رسائله الى ولده (فريد) ، وذلك لتوكيد انتمائه وانتسابه الى (عز/ عزيزة)، وقد وردتْ:

1-  في (ص:7)، في أول سطر من الدفتر الأول الذي كتبَ(ت) "عز الدين/ عزيزة" الى فريد في رسائله: (بروكسيل 20 يناير 1989 ، ولدي العزيز فريد).

2-   ثم في (ص:76) : (مونتريال 24 ماي 1992، ولدي العزيز فريد).

3-   وفي (ص: 92): (ولدي العزيز فريد).

4-  في (ص :94) : (ولدي العزيز).

5-  في (ص: 104): في رسالة من (فادية) الى (فريد): (عزيزي الدكتور فريد).

- المجتمع الثاني: المجتمع النسوي في الرواية:

حينما نقول المجتمع النسوي، لا يعني أن يتبادرَ الى ذهنك وأنت تقرأ مقالنا هذا، أنهُ مجتمعٌ متجانس، كما يتم تعريفه في كتب التاريخ والجغرافية، أو كتب التربية الوطنية، له عاداته وثقافته، كلا..، هذا المجتمعُ هو خليط هجين، غير متجانس من جنسيات وثقافات ودول ولغات وديانات مختلفة:

آ/ أسرة (عز الدين/ عزيزة): وهي أسرة نسوية قبل أن يأتي ويولد صاحب العقدة المشكلة (عز الدين)، فأخواته الثلاثة هنّ: (فاطمة، خديجة، ربيعة)، وأكثر واحدة كانت قريبة له وأعني- عز الدين- هي شقيقته المقاربة لسنّه، وتكبره عام ونصف، هي (ربيعة) التي كان يجد معها ذاته (ذاتها) التي تعيشه بداخله ويخشى ويخاف منها، لكنه مع (ربيعة) كان يفرّغ من شحناته المكبوتة بجده وهزله ولعبه. وأمّه (الحاجة السعدية) .

هي أسرةٌ نسويةٌ بامتياز، تعجّ بعطر وملابس واحاديث نسوية وأحلام وأصوات وأحاسيس وآمال، كلها كانت تتصارع وتتفاعل بداخله، بل وماكان يرى حين تصحبه والدته وأخواته الى أماكن يتواجدن فيها النسوة في أماكن يجدن فيها حريتهن للتعبير عمّا يجول بخواطرهن بل وحتى أجسادهن .

وبعد أن تزوّجَ (عز الدين) من زوجته (مريم) أصبح له ولد اسمه (فريد)، الذي تزوّج من بنت اسمها (صوفيا).

ب/ مجتمع (عزيزة) النسوي:

وأعني بهذا المجتمع أعني صديقاتها (عزيزة) بعد تحوّلها ، ومن صديقاتها :

1- سمرا: وهي امرأة مصرية، تعرّضت لشتى أنواع العنف والقهر، منذ طفولتها تعرّضت لعملية ختان بطريقة وحشية(الختان الفرعوني) وهي لم تبلغ الخامسة من العمر، وزوّجَها أهلها في سن السادسة عشر، من رجلٍ بسن والدها، وكيف تعامل معها بوحشية. ثم الآلام التي عانتها بموت جنينها في بطنها، وكيف بعد هذه المعاناة هربت من قريتها بالصعيد الى القاهرة، واشتغلت خادمة عند امرأة أجنبية (كندية) وهذه المرأة ساعدتها في الهجرة الى كندا. هذه المرأة ومعاناتها التقتْ (عزيزة) في المستشفى بـ(كندا) في وقت عمل عملية لها، لترميم (عضو مزّقته وحشية البشر / ص186) ، و(عزيزة) التي دخلت المستشفى في ذات الوقت لاستئصال (عضو بثّتْهُ الطبيعة خطئاً في جسمي/ ص186)، وهكذا تعارفتا، وأسكنتْ (عزيزة) صديقتها وضيفتها (سمرا) بيتها، فكانت بينهما علاقة حب (مثلي). ثم انتهت العلاقة بموت (سمرا).

هي حالة من الحالات التي تعاني منها النساء، حالة عنف، وفي بلد آخر غير(المغرب)، في (مصر) ، وهاهي تطرحُ الكاتبة صور للمرأة في أماكن ودول وقارات مختلفة كي تكشف عن المستور، لأن الألم واحد والجراح واحدة بأختلاف الألوان والديانات والثقافات.

2- فادية: وهي من صديقات (عزيزة)، بل لها دور كبير في أحداث الرواية والتي ربطت بين حياة (عز الدين)، و(عزيزة)، وكان جسرا بل رسالةً الى الدكتور (فريد السامي) ، ولها قصة ألم وجرح كبير يختلف عن قصة (عزيزة) و(سمرا).

إمرأةٌ قادمة من ليبيا، ليبيا (القائد)، ليبيا (الكتاب الأخضر)، بكل قداسته، القائد الذي هو أبو الوطن، كانت الثالثة في تسلسلها في العائلة بعد ولدين، من أب موظف في البنك، وأُمٍ مُدرّسة للغة الفرنسية. وُلدتْ في مدينة (طرابلس)، ونشأتها نشأة سويّة في عائلةٍ مثقفة، وكانت لها طموحاتها، دخلت (فادية) كلية الحقوق بتفوّق، وبدأت مأساتها وجراحاتها، في سنتها الأولى بالكلية حينما أوكلت لها مع مجموعة من الطالبات مهمة أستقبال (القائد)، ومن دون الطالبات، ويبدو بفعل واختيار مقصود أختيرت (فادية) لإلقاء كلمة الترحيب بـ (القائد)، في جامعة طرابلس في القاعة الخضراء. وكيف وقعت بفخاخ (القائد) وأصبحت من جواريه دون ارادتها، بل تحت الضغط والتهديد، بقتل والدها، وفي النهاية كيف تهرب مع زميلتها من سجون (القائد) بعد احداث دامية أيام (الثورة)، بعد خطابه (التاريخي) : " زنقة.. زنقة".

وبعدها كيف هربت الى (تونس)، ومن ثم الى (كندا) واللقاء بـ (عزيزة)، قبلها كانت بينهما رسائل واتفاق على كل شيء للعبش في (مونتريال).

وسيجد القارىءُ، مبحثا كاملاً عن (الديكتاتور)، تستطيع أن تعمل منه بحثاً كاملاً عن صورة المقدّس في الديكتاتور، ومبحثاً في (الديكتاتور والانحراف الجنسي)، في الرواية (ص145- 176).

وتدخل شخصيات أخريات ضمن مجتمع (سمرا) ويرتبطن بتاريخها، وهنّ:

- عائشة/ امرأةٌ في الخمسين من العمر، تشرف على حريم (القائد)، تصول وتجول، وتدخلُ غرفة (القائد) أثناء ممارساته الحيوانية بحريّة، وتذكّرُهُ بمواعيده السياسية والدبلوماسية،وهي الوحيدة التي تتجرأ على الكلام معه وكأم تنهره أحياناً،(ص: 154).

- فوزية/ امرأة تعمل في كافتريا الحريم، تبدو هرمة لكن غير مُسنّة، كانت تعطف على (فادية)، وهي التي ساعدتها للهرب من بيت الحريم وقبضة السجّان، وهربت معها الى (تونس)،(الرواية / ص 155).

- عالية/ صديقة (فوزية)، وهي ليبية، من ضحايا (القائد/ الوحش)، زوّجها (القائد) بعدَ أن ملّ منها، بأحد حرّاسه، وعندما ماتَ زوجها، هاجرتْ الى تونس، وقد تعرّفت على (فوزية) داخل جناح الحريم، وقد آوت (عالية) كلا من (فادية وفوزية) في بيتها،(الرواية/ 167).

ج/ مجتمع النساء المتحوّلات:

في الرواية تسلط الكاتبة الضوء على مجتمع من النساء المتحوّلات، وهّنّ فنّانات وكاتبات عالميات معروفات، عرفتهنّ الايام والصحافة ووسائل الاعلام، كيف عملن على الاقدام للتحوّل. وهنّ من المشاهير في زمانهنّ، وهي معلومات واقعية مذكورة في كل وسائل الاعلام ووسائل التواصل، استخدمتها الكاتبة ووظّفتْها في خدمة السرد، (ص: 31- 33)، منهن: الفنّانة، (كوكسنيل) التي غيّرتْ جنسها سنة 1958، وقد كانت في الأصل ذكراً بإسم " جاك شارل ديفريسنوي" . والحالة الأخرى هي عارضة الأزياء "أبريل أشلي" التي وُلدتْ تحت اسم (جورج جاميسون). وحالةٌ أخرى هي المغنية والممثلة "أمندا لير" الذي أدّى تكاليف عملية تغيير جنسها من ذكر الى أنثى الفنّان التشكيلي الكبير (سلفادور دالي). ومما ذكرتْهُ الكاتبةُ أخيراً، الكاتب "جيمس موريس" الذي أصبح بعد تغيير جنسه، الكاتبة " جان موريس".

في هذه الحالات المذكورة تؤكد (الكاتبة) على أن هناك تاريخ طويل يمتد لهذه الظاهرة التي أصبحت شبه سائدة وطبيعية في كل المجتمعات ، الغربية أولاً، وبين مشاهير العالم في مختلف الآداب والفنون، فهي غير محصورة على مجتمع أو أمة، دون أخرى، أو ديانة دون أخرى، أو ثقافة دون ثقافات أخر. كما وان شخصية (الدكتور جورج بيرو) شخصية واقعية، طبيب فرنسي، كان يعمل في الدار البيضاء/ المغرب.

د/مجتمع الهيجرا: مجتمعٌ يعودُ تاريخُهُ الى عهد الامبراطورية المغولية، هم ذكور يتقمّصون الهوية الأنثوية. منهم جماعة المخنثين والمخصيين، بإسم الدين أو بإرادتهم أو بالإكراه. وهم يعانون من تمييز شديد، وفي نفس الوقت يُعتقدُ أنّ لهم قدراتٍ خارقةً تجعلُ الناسَ يطلبون بركتهم أثناء الزواج أو الولادة. (الرواية /ص: 81).

وردت سيرة هذا المجتمع ليس اعتباطاً بل ضرورة للتعريف به لإرتباط شخصيات بالرواية بهذا المجتمع منها: (أروانداتي): فنّانة هندية تعمل في كباريه ليلي للمثليين، وقصّتها، أنهُ تمّ اخصاء (أرون_ اسمها الأصلي) حيث كانت ذكراً، وهو طفل وبيعَ بالمزاد العلني كعدد من أقرانهِ للغورو فيديا، وهي بمثابة مرشدة روحية ليصبح بعد ذلك (أروانداتي).

- المجتمع الطبي/ مجتمع الأطباء:

هل يُعقلُ أن يمضي السّرد في ذكر أمراضٍ عدّة، دون وجود أطباء، لقد ذكرت الرواية عدد من الأطباء الذين أسهموا هنا أو هناك بخدمةٍ تتلائم مع رسالتهم وثقافتهم وظروفهم، ومن هؤلاء: دكتور فريد السامي وهو ابن (عز الدين/ عزيزة)، وشريكه في المصحة الدكتور جميل، أمّا الدكتور برنار صديق (فريد) في كندا.

والدكتور (جورج بيرو)، هو صاحب القدح المُعلّى بالرواية، وهو المتصدّي الأول لعمليات التحوّل الجنسي، فقد وُلدَ بفرنسا، وترعرع في وهران بالجزائر، حيث درس الطب ثم عمل طبيباً مختصاً بأمراض النساء والتوليد في الجزائر العاصمة، قبل أن يستقرّ بالدار البيضاء ليكون بها أوّلَ منْ يمارس جراحة تغيير الجنس من أنثى الى ذكر ومن ذكر الى أنثى.

* المبحث الثالث: المكان والزمان في الرواية:

للمكان والزمان أهميةٌ كبرى في الرواية، حيثُ تهتمّ وتشتغلُ (الكاتبةُ) على ذكر أدق التفاصيل في توصيف المكان، والدّقة في تحديد الزمان والتاريخ، منذ السطر الأول للرواية وحتى ختامها.

1-  ففي ذكرها للمكان والزمان (التاريخ) مثلاً: بروكسيل 20 يناير 1989(ص: 7)؛ وفي (ص: 37): (اتجهتُ نحو مراكش أولا ومنها الى إقليم أزيلال ثم ذهبتُ الى آيت بوكماز ..)؛ وفي تحديد الزمان: يوم الجمعة الماضية (ص: 59)؛ وفي المكان أيضاً: (... فهناك دفترٌ آخر في انتظارك في مونتريال. ..ص: 59)؛ وفي ص: 60، تحديد لحادثة زمنياً: (... قالتْ توفّي يوم الجمعة الماضي..)؛ وفي ذات الصفحة (60): (كانت تأشيرة كندا بجواز سفري). وفي تحديد الزمان والمكان، في (ص: 106): ذكرت دولة (لبنان)، و (نيودلهي)، ثم تحديد الزمان : (في أبريل 2014)؛ وفي (ص: 107): ذكرت دولة (باكستان)، وتحديد الزمان، (تحديداً في يونيو 2016..). وتحديد دولة أخرى (إيران) ، ثم (تايلاند).

وفي تحديد الزمن (ص: 121): (إنّها الثانية عشرة وربع..). وفي تحديد التاريخ (ص: 166): (في العشرين من أكتوبر 2011..). وفي (ص: 171): (وصلت مونتريال في أواخر شتنبر 2012)..وفي (ص: 206): (عادت بعد ثلاث ساعات..).

2-  وفي ذكر الشوارع والمناطق: في (ص: 63): (.. على طول شارع سانت كاترين..)؛ (مررتُ أمام غاليري نُصبتْ في الهواء الطلق، في ملتقى شارع سانت كاترين وزنقة وولف..). وفي (ص: 143): (.. شارع روني لي فيك).

3-  في وصف شقة (عزيزة) وطرازها وأثاثاها المغربي، والديكور، والمفروش وصينية الشاي والصحون،...

4- في ذكر الدول (المكان): في (ص: 142): (... رايات بلدانهم الأصلية لترفرف في سماء مونتريال منها راية لبنان ومصر وتونس وليبيا والمغرب والجزائر والأردن.. وغيرها.

وهكذا نجدُ الرواية ترسمُ خارطةً جيدةً لا تعتمد فيه اكتشافات (كولمبس)، أو ما وضعهُ الأدريسي في الجغرافيا، بل ترسمُ خطى الشخصيات وتحركاتها، ومساراتها بل وتّدقّق بالتاريخ تحديداً بل وبالساعات، تجعلنا نعيش الحدث في مكانه وزمانه، فهي تحدد المدينة، والشارع ورقم الزقاق، والساعة، ووصف المكان بتفاصيله الدقيقة المعقدة لتجعل المتلقي يعيش الحكاية وتعيش به.

* المبحث الرابع: الأمراض التي تناولتها الرواية:

أهم ما تناولته وركّزت عليه الرواية بل محور السّرد، هي اضطرابات الهوية الجنسية، والانحراف الجنسي، والتشبّه الجنسي. وهناك امراض ذُكرتْ طي السّرد، منها، متلازمة ستوكهولم، ومرض (الكليبطومانيا)، وهو هوس السّرقة، سرقة أشياء تافهة، وهذا ما كانت تمارسهُ (صوفيا/ زوجة الدكتور فريد) بالرغم من أنها من عائلة ميسورة، وهي وسيلة للتخفيف من حالة قلق أو احساس بالفقدان. ومرض آخر تناولتهُ الرواية، هو جنون العظمة لدى (الديكتاتور) .

الرواية بيت قصيدها الهوية الجنسية أو الجندر، فكانت فيها تفاصيل لحالات متعددة لذكور وأناث من مختلف الجنسيات، وكيف يعاملون في أوطانهم، ونجد في الرواية مبحثاً كاملاً عن علاقة الدين بهذه الأمراض، اي بشريحة كبيرة من المجتمع الإنساني التي تعاني من اضطراب بالهويّة، بل هوس وجنون المجتمعات التي لم تضع قانونا لحماية (الجنس الثالث).

* المبحث الخامس/ التراسل والكتاب في الرواية:

صيغت الروايةُ؛ أسلوباً وسلوكاً وبناءً ؛على صيغة التراسل، حيث كانت الرسالة هي المحرّك لكل الأحداث، وما الرواية إلا مجموعة من الرسائل كُتبت لتُقرأ على صيغة سينمية(الفلاش باك)،أوما يُسميّه- بعض النّقّاد- "الاسترجاع" هو سبيلُ السّردِ كلّهِ، تبدأ الروايةُ وقد انتهى كلّ شيء،وحتى نهايتها التي أبقتها (الكاتبةُ) سائبةً ومفتوحة.

بُنيتِ الرّوايةُ إذا ما أخذناها بمنظور التراسل على محورين، أو منحيين، الأول وهو الدفتر الأول (وكاتب الدفترين عز الدين/ عزيزة)، فقد كان فيه الخوف والألم والعذابات، وهو يصوّر الحالة النفسية التي يعيشها (عز الدين) في المغرب قبل التحوّل)، والعبارات قلقة، وفيها من الهواجس والقلق، حيث عدم التصالح بين الروح والجسد. أمّا الدفتر الثاني، فهي حالة (عزيزة) المتحوّلة في (كندا) فيختلف اختلافاً كبيراً، عباراته فيها من الرّقة والعواطف وأكثر تحررا ولا خوف فيه ولا توجّس، ثم نلاحظ هناك في الدفتر الثاني حالات من التوقف في الكتابة، وتغيير في لون حبر القلم وكلها اشارات عن الحالة النفسية المضطربة، وأحياناً عن حالة الهدوء النسبي.

وبين طيّات هذه الكتابة التراسلية تبرز هناك الصحف والمجلات، التي تذكرها الرواية، مثلا المجلة الفرنسية الخاصة بالأمور الطبية(ص: 40)، جريدة رابطة أل بي جي تي، وهو اختصار لرابطة المثليات والمثليين وثنائي الميول والمتحولين جنسياً (ص:99). وجريدة (لوموند) في (ص: 171).

وهناك في هذا التراسل موجات من الموسيقى والنغم حيث لا تخلو روايةٌ من روايات الكاتبة دون ذكر للموسيقى والنغم الذي تزوّق به السّرد كي لايكون هناك ملالاً لدى القارىء، فنسمع موسيقى وألحان وكلام غنائي، (في ص: 134- 135): موسيقى الغوسبل، وأغنية مكتوبة باللغة الانكليزية وترجمتها للعربية(كسّر الأغلال/ كسّر القيود/ أنا حر...)؛ وفي (ص: 142): موسيقى محمد عبد الوهاب، لأغنية بلهجة مصرية (عزيزة .. آه من عزيزة)؛ وفي (ص: 188): أغنية (فيروز)، "سمرا يا أم عيون وساع"..

وما لهذه الاختيارات من دلالات وربط متقن في الحبكة حيث دلالة أغنية (عزيزة) على بطلة الرواية (عزيزة) وحياتها، وما تشيره (فيروز) في أغنيتها (سمرا) إشارة الى (سمرا) صديقة (عزيزة).

أمّا الكتاب فقد شغل السّرد وما احتواهُ من معانٍ ودلالاتٍ في التفكير والقراءة منها:

1-  كتاب (النبي) لجبران خليل جبران ، في (ص: 95)، حيث جاء على لسان (عز الدين)؛ وورد كتاب (النبي) أيضا في (ص: 186).

2-  الكتاب الذي أهدتْهُ (عزيزة) الى (سمرا) حال وصولها كندا وهو (Les Proies) وهو يفضحُ الوجه الوحشي (للقائد) وجرائمه، للكاتبة الفرنسية (أنيك كوجان).

نستشفّ من اختيار كتاب (النبي) لأنهُ كتاب روحاني شفيف فيه ما قالهُ جبران في الأبناء، وهذا ما أرادتْ به (عزيزة) نقله الى ابنها(فريد) وهذا ما ورد في الدفتر الثاني. أما الكتاب الذي أهدته (عزيزة) الى (سمرا) هو دواء لها بعد معاناتها في ليبيا .

الخاتمة

ماهي الرسالة التي أرادتْ الكاتبةُ ايصالها للقارىء العربي؟ إن الكاتبة وضعت القارىء في (مصحّة) الرواية وجهّزتْ له كل الأدوات وأحاطته بالمكان وصفاً تفصيلاً وأشارت له بالزمان بكل دقة، ووفّرت كل عوالم الصراع الحاصل في المجتمعات التي ذكرناها، وما وفّرت من أطباء للعلاج، هي بالرغم مما قالته وأثارتْهُ بكل جرأة لحالة خطيرة ومهمة في ذات الوقت عن (الجنس الثالث)،حالة الصراع بين الانسان كنتاج بيولوجي ونتاج اجتماعي، وكانت صرخة مدوّية لأنصاف هذه الشريحة الكبيرة في مجتمعاتنا العربية، وتشريع القوانين التي تضمن لهم الحق في اختيار الهوية، ورفع معاناتهم من الجنسين؛ وقد حدثت وتحدث هذه الحالات في مجتمعاتنا العربية والاسلامية ، والعالم أجمع، ولكنها تعتبر من المسكوت عنه، وتعيش في ظلال بل ظلام ودهاليز الحياة، خوفا منها، بل أن المؤسسات المجتمعية والحكومية والدينية تعيش حالة (الرّهاب) من هذا الموضوع؛ حيث تتقاسمُ مسؤوليته الجهات كافّة، من الأسرة بدءاً، حيث تجعل من الذكر أنثى ، والأنثى ذكراً، في طفولته وترى أطفالاً ذكوراً تقوم أمهاتهم أو آبائهم باطلاق العنان لشعرهم ليكون طويلا كالبنات ، أو قص شعر البنت وجعله مثل شعر الأولاد، أو من ناحية الملابس حيث يرتدي الطفل ملابس البنت، أو البنت ملابس الولد،بل وحتى اختيار الاسماء (التي تجعلها مثلما يقولون- أسماء الدّلع)، بل وسمعنا من الحكايات والقصص في العراق –خصوصا- عن مثل هذه التحوّلات وأشهر حالة هي المطربة (مسعودة العمارتاية- نسبة الى مدينة العمارة في الجنوب العراقي-) وتحوّلها من رجل الى امرأة، وغيرها من الحالات.

تبثّ الكاتبةُ بين سطور روايتها لا تقلّ أهميةً إذا لم تكن الأهم، أن أهم تطبيب لجراحنا ومآسينا هي القراءة، والقراءة هي المعرفة، والعلم، والاطلاع على فكر وثقافة الآخر، الكتاب حياة نسعى دائما لتكون حياتنا المثالية ، فالقراءة هي علاج أمراضنا النفسية ، وهي حالة من التفريغ لأنواع الكبت والقمع، والكتابةُ والتراسلية نوع من التطهير، وهذا ما تُفصحهُ الكاتبةُ في (ص: 185- 186): " يقولُ المصريون القدامى بأن المكتبةَ طبُّ النفوس".

وكما ورد في الرواية: (وهي تحدّثني عن مصطلح "العلاج بالقراءة" وأن هذا هو الاختصاص الذي يستهويها لأنّ القراءةَ تجعلنا ننفتح على الاحتمالات الممكنة . لم أكن على علم بهذا النوع من العلاج الذي يدعى Bibliotherapie الذي يعتمدُ قراءة الكتب الأدبية أساسا للمساعدة على علاج أعراض مرضية نفسانية....).

نجحتْ وأفلحتِ (الكاتبةُ) في تطبيب جراحنا وآلامنا،دون مشرط أو عمليات كبرى، وبلا تخدير، وكان تشخيصها دقيقاً لما تمر به ثقافتنا وأعرافنا لتضع علاجاً لهذا الدّاء.

 

قراءة: د. وليد جاسم الزبيدي/ العراق.

 

 

صالح الرزوقبقلم: مارك بوسكو

ترجمة: صالح الرزوق

بدأت إعادة صياغة الحوار المتبادل بين الدين والأدب بفضل اهتمام ما بعد الحداثة، جزئيا، بكل من الدين والنقد الأدبي. ويمكن أن تجد المسار اللاهوتي في تفكير رجل الدين دافيد ترايسي، الذي حاول إحياء شبكة التراث والتأويل باقتراح "قراءة" للنصوص المصنفة ضمن الأعمال الكلاسيكية - تلك التي أسست أو شكلت ثقافة خاصة و/أو التي رفضت باستمرار فيضان ودوام المعنى. كان ترايسي قارئا شغوفا لهيرمينوطيقا هانز جورج غادامير وبول ريكور ولديه حساسية حول المعضلة المعرفية لما بعد الحداثة، وقد أكد أن الكلاسيكيات كلها، ولا سيما الدينية، تؤكد على كل من "الثبات الراديكالي الذي تحول لديمومة وعلى اللاثبات الراديكالي الذي أصبح فيضانا بالمعنى من خلال التبدل المستمر في أشكال الاستقبال". وأي كلام حول استقبال مثل هذه الأعمال يتطلب تفحص النص ليكون "الجواب" اللاهوتي للدين نقديا وقابلا للتفسير بضوء "الأسئلة" التي تفترضها الحداثة، وفي نفس الوقت تكون "الاسئلة" الثقافية التي يفترضها الأدب عرضة للافتراضات الواقعية التي تصدر عن لاهوت خاضع للنقد والتفكير. علاوة على ذلك، يزعم ترايسي أن البعد الديني للأدب، ولا سيما النصوص الأدبية، هو شيء مفروض من الخارج على النص، ولكنه يشكل الأرضية المتخيلة للنص، كأنه "أفق" نحن بنيناه أو قمنا بتفكيكه، ويحمل سمات ثقافية وضعية. إن البعد الديني لأي نص ليس شيئا غريبا عنه. وبهذه الطريقة، يوضح ترايسي رؤية تيليك tillich عن العلاقة بين السؤال الثقافي والجواب الديني ويجعل العلاقة متضامنة بين الطرفين، وفيها نسبة كبيرة من التحاور واعتماد كل طرف على الآخر.

إن اللاهوت ليس مجرد جهاز غير متبدل يمكن للفنان والأديب استعماله، ولكنه أيضا محيط متخيل يتطور باستمرار داخل بيئته الثقافية.

وقدم ترايسي ثلاثة أنماط لاهوتية بمقدورها تفسير الوضع المعاصر: نمط للتفسير التصعيدي (رؤية ميتافيزيقية تقارب الواقع الملموس ويمثله كتّاب من نوع مارسيا إلياد وكارل راينير)، ونمط يحمل افتراضات نبوئية (دعوة تبرز غرابة وآخرية العقيدة الدينية كما يمثلها كتّاب من نوع كارب بارت، وهـ. ريشارد نيبور)، ونمط للفعل/ الممارسة (وهو لاهوت سياسي وتحرري عن المقاومة والأمل). وهذه التجليات المسيحية الثلاث لها مقاربة تخيلية إما بلغة المحاكاة او الديالكتيك. ولغة المحاكاة تنظر للواقع ضمن علاقات منظمة تعبر عن التشابه بالاختلاف، وتبني على إعادة تركيب للأساسيات كما لو أنها مرجعية وبؤرية؛ ولكن اللغة الديالكتيكية تنظر للواقع كما لو أنه بحاجة ضرورية للنفي اللاهوتي الراديكالي، وهو علاج هدام ويكشف الأوهام الأساسية التي تجدها في المعرفة والواقع. ويؤكد ترايسي أن الطبيعة الإيديولوجية للانعكاس اللاهوتي تكون بأفضل حالاتها حينما تتشابك في اللغة الدينية المشابهة (الأنالوجيا) مع الديالكتيك، لانتاج تفسير بنّاء عن وضع الحياة المعاصرة.

إن فهم ترايسي لخيال المشابهة والديالكتيك مثمر جدا في دراسة الأدب واللاهوت. فهو يتابع الخيال التشبيهي باعتبار أنه ميول كاثوليكية في عقيدة المسيح والخيال الحواري باعتبار أنه الميول البروتستانتية. والطرفان مرتبطان جدليا، ومعا يقدمان رؤية أشمل لطبيعة العقيدة الدينية المعقدة وللتطبيقات التي تتطور مع الخيال الديني عند الفنان. وبالبناء على أعمال ترايسي، حاول النقاد فصل خيال المشابهة والديالكتيك في الثقافة المعاصرة.

وكمثال قام أندرو غريلي بإشهار رؤية ترايسي المكثفة واللاهوتية من خلال توفير دراسات اجتماعية كثيرة تنظر في الخيال الكاثوليكي، وهو يعمل، وذلك بواسطة مقارنة الدليل الإحصائي الخاص بالعادات السياسية والثقافية والميول الأمريكية الخاصة التي تنتشر في أرجاء الولايات المتحدة. وبلا إضفاء طابع مطلق على هذه الميول، قدم نقدا معمقا لـ "الاختلاف" الذي عبر عنه الفنانون الكاثوليكيون والذين دهبت أعمالهم في حوار مع تراث الثقافة البروتستانتية السائدة.

وقد فرضت فكرة ترايسي انتباها جديدا نحو العمل النقدي لويليام لاينش، الذي تفحص بمقالات فلسفية ولاهوتية عديدة حدود الخيال الفني من زوايا كاثوليكية مختلفة. وفي مؤلفات مثل المسيح وأبولو (1960) وصور العقيدة (1974) حاول لاينش توضيح كيف أن تقاليد اللاهوت تناولت الخيال واتجاهات تطوره. وفي نفس الوقت، انتقد البنية التخيلية في الفنون الأدبية التي ظهرت في القرن العشرين، مع الإشارة إلى المبالغات والتشوهات التي لحقت بخصائص الخيال الديني. وإن منهجية لاينش في الأطروحة الدينية والدوغمائية - وفي هذه الحالة الفهم المسيحي لظاهرة التقمص، والتثليث، والخلاص، والسقوط - قد ساعدت على تشكيل طريقة التخيل والتي من خلالها أمكننا فهم واستيعاب عمل التزييف أو التصنيع الثقافي. ومثل ترايسي، أكد لاينش أن الخيال هو فعل تأويلي لكامل الشخصية، وليس مرهونا بعمل الدلالة الثقافي المنفصل. وقد وسّع كل من لاينش وترايسي المقاربة التقليدية للتحليل اللاهوتي في الأدب بادعاء أن الأعمال الأدبية يمكن فهمها بضوء مصطلحات الخيال اللاهوتي الذي ينشط في النص. فقد سمحا للأطروحات والتطبيقات الدينية وللمسح الدرامي في السرد الديني أن تتكاتف لتكوّن رؤية إيديولوجية يعبر عنها خياليا بنصوص شعرية وأدبية ودرامية. وأكدا أن النظرة اللاهوتية ليست مجرد تطبيقات في النص ولكن هي فعليا إخبار أو إعلان عن التعبير الأدبي للنص. ولو أن اللاهوت أعاد تقدير علاقته بالأدب خلال ربع القرن الأخير، وأيضا أكد النقد الأدبي مجددا على دور الاهتمامات الدينية واللاهوتية في إنجاز النصوص الأدبية. ومما يدعو للسخرية، أن الافتراضات النقدية للاتجاه المادي، وحوارات ما بعد الحداثة، بدأت بالتحقيق بالعلاقة بين نصوص اللاهوت والأدب. وبرفض سيطرة كلام النجوى الذاتية وبالتركيز على النفس باعتبار أنها ذات للمعرفة، أكد عدد من مفكري ما بعد الحداثة أن هذه الأفكار هي بناء صناعي ولها القليل من الأساس في الواقع. أما ما بعد سرد العقل الإنكليزي والحداثي فهما مجرد ترابط عشوائي بين الكلمات في النص، وإن النفس كذات ما هي إلا موضع اجتماعي في عالم معقد ومتحول. والواقع هو شبكة علاقات سائلة ومبعثرة ومؤثرة وغامضة فقط، تدمج معا فكرة الذات مع الموضوع. وعليه هناك اهتمام ما بعد حداثي بالغموض والتأثير واللاحتمية واللاعقلانية وآخرية الآخر. ولأن اللاهوت والتطبيق الديني مهمشان من قبل ما بعد سرد إيديولوجيا التنوير، وجد بعض نقاد ما بعد الحداثة في هذا التهميش دراسة هامة لأنها تخدم الإشارة لاندفاعات متصلة يقتحم بها الآخر والغريب جسم الثقافة والمجتمع.

ويرى بول جايلز، الذي بنى تحليله لكتاب ومخرجي أفلام أمريكا الكاثوليكيين على تفسيرات ميشيل فوكو للغة باعتبار أنها خطاب سياسي، أن الدين واحد من بين عدة استراتيجيات خطابية يستعملها كتاب النص الثقافي. وقد نوه جايلز على نحو مثمر كيف أن الخيال الكاثوليكي للفنانين يقدم قراءات مختلفة للثقافة. ولأن الكاثوليكية أقلية في إنكلترا وأمريكا فقد أصبحت هما إيديولوجيا أمام البروتستانتية، ورسمت خريطة بتصورات بديلة وسرد بديل أيضا. وعلى ما يبدو، إن للدين والاستاطيقا الكاثوليكية على وجه الخصوص وتراث اللاهوت الكاثوليكي التاريخي، بنيته النصية، وموقعه كعمل فني حافل بالغبطة ومطعّم بالدوال المتموجة. وكما قال إلياس هانسون"الكاثوليكية بذاتها معضلة استطرادية.. فالكنيسة فجأة تدخل الحداثة ولكنها لا تزال قروسطية، متقشفة ومبذرة، روحانية وحسية، متنسكة وإيروتيكية، تكره المثلية الجنسية، ولكن لديها انجذاب باتجاه الجنس المشابه، تشك بالإلحاد وتشجع على تعبيره الفني". وعليه، في نهاية القرن العشرين، هناك تبادل إشكالي بين موضع الكاثوليك والبروتستانت: حيثما نشطت إديولوجيا البروتستانت بديالكتيكها التاريخي لتفكيك انحطاط ما قبل الحداثة وما قبل الإصلاح الكاثوليكي في الثقافة والمجتمع، فإن هذه الإيديولوجيا البروتستانتية قد أخذت على عاتقها نقد ما تحول إلى شكل من أشكال العلمانية الانحطاطي لتشكيل الإيديولوجيا البروتستانتية التي تسيطر على المجتمع البريطاني والأمريكي.

وضمن الدوائر المعاصرة، الشعبية والأكاديمية، هناك إحياء نقدي لخطابات التوجه الكاثوليكي- إحياء لفضائل أخلاق التومائية والأرسططالية في الفلسفة، ولجماليات لاهوتية متطورة في الدين، واستعادة للإلهيات في دراسات الطقوس، ونظرة متجددة لتقاليد الروح الكاثوليكية- وهو ما ساعد على كشف افتراضات ما بعد التنوير، وحداثة ما بعد الإصلاح وقدم للطقوس خطابا كاثوليكيا بديلا.

طبعا، تفترض معظم خيارات ما بعد الحداثة حيال لعبة الغموض واللاعقلانية والقطيعة ازدواجية التفكير التنويري، بين المثقف وأثره، أو بين الحتمية العقلانية والمشاعر الذاتية. إن الدين واللاهوت، وهما واحد من بين عدة وحدات بناء صناعية وتاريخية، ومنها مزاعم الحقيقة عن اللاهوت (تطبيقاتها وأطروحاتها) التي تقاطعها الطبيعة العدمية لمعظم أفكار ما بعد البنيوية. ومع ذلك إن هذه "اللحظة" ما بعد الحديثة تسمح بإعادة النظر في الخطاب والرمز والطقس الديني الذي يساعد على رسم نظام منطقي بطبعه، وذلك في التفكير والمعتقدات التي شاهدناها في الأعمال الأدبية. هذا الاهتمام المتجدد باللغة واللاهوت والأطروحة الدينية كما توضحها لنا مصطلحات المشكلة الدينية- وليس تناقضات عقلانية أو إيديولوجيا الكبت والكف فقط - تحرر القانون الذي يلعبه خيال المشابهة بتبني مثل هذه القناعات والأنظمة معا. وعليه، إن فكرة دافيد تزايسي عن الخيال الديالكتيكي: التشبيهي وما بعد الحديث يؤكد على دور الدين كـ"خطاب" يوسع ويحاور العلاقة بين الأدب واللاهوت، ويقترح، ويورط، وينقد التركيب الممكن الرافض لفصل الخيال الديني عن الأدب، والذي يرفض بدوره، بالتالي، أن يهمل التراث الفلسفي والجمالي للمسيحية (و بهذه الحالة المذهب الكاثوليكي) ويخرجه من خطاب الفكر الحديث.

ويفترض الحوار فكرة يكون فيها التوتر بين لغتي الخيال الديني الحوارية والتشبيهية غير فعال في نفي الآخر، وفي نفس الوقت، ينتقد أي إيديولوجيا علمانية تكون فيها الذاتانية الداخلية إما منفية في تقاليد اللاهوت أو مختزلة بشكل بنية مادية في تقاليد الأدب. بمفردات الرواية الكاثوليكية - وهذا هو تصنيف عدد من أعمال غراهام غرين- إن افتراضات الكتاب النظرية مثل ترايسي ولاينش تشجع النقاد على فهم تضاريسه التاريخية بطريقة تمتد لما وراء حدود النوع المعرف بشكل ضيق جدا. وعوضا عن النظر للرواية الكاثوليكية على أنها مجرد ظاهرة تاريخية تبقى فيها الموضوعات الكاثوليكية واقعا ثابتا وبنيويا ودينا له صفة "أرثوذوكسية" في النص، هناك اقتراح أكثر سيولة وبنهاية مفتوحة تتجاوز الارتباط بأي محتوى ديني أو حبكة "كاثوليكية" مفضوحة. هذا التحديد النفوذ للرواية الكاثوليكية بمصطلحات تشدد على الحدود التخيلية الخاصة بالكتابة يسمح بمجال نقدي لنرى به الأسلوب الذي ينقل إلى عالم النص الطقوس الدينية والأطروحات اللاهوتية. إنها تحدد موقع الأفكار الأولية في الخيال الكاثوليكي، مثل الهوس بأثر الأطروحة الخاصة بتقمص الحياة الإنسانية، والفهم الفلسفي والسكولائي للشخصية ومكانها في البيئة المحلية، والواقع المقدس الذي يشدد على سيادة الإلهيات في الواقع المادي، والانحرافات والتكبر الجنسي الذي يهدد التقاليد الكاثوليكية. ولو وضعت في جعبة واحدة هذه الاتجاهات التي تحدد طريقة لرؤية وتقدير الواقع الذي غالبا ما يهيمن على الشخصيات، والحبكة، ومادة موضوعات الكاتب، أنت تعتبر الكاثوليكية كما لو أنها تجربة في العقيدة وتقليد تاريخي أيضا. إن الاختلاف الكاثوليكي مستمر لكن بمصطلحات أقل عدائية. علاوة على ذلك، هذا التأكيد يوسع فكرة الرواية الكاثوليكية من خلال ربط تطوراتها مع التطورات التاريخية لللاهوت الكاثوليكي خلال النصف الأخير من القرن العشرين. وعندما بدأ مجلس الفاتيكان الثاني إعطاء ميزة للبارادايم الجديد بما يتعلق بفهم الكنيسة الكاثوليكية لذاتها ولعلاقتها مع العالم الحديث، واكب ذلك تبدل واضح بالخيال الديني عند الكتاب الذين اهتموا بتقاليد تلك العقيدة. وغراهام غرين مجرد كاتب استفاد من توسيع نقطة النهاية، فقد شرح لنا المشكلات والمشاغل التي شكلت كلا من الخيال والوعي الديني في القرن العشرين.

 

د. صالح الرزوق

......................

مارك بوسكو  Mark Boscoقس أمريكي جزويتي وأستاذ باللاهوت. يعمل في جامعة جورج تاون.

 

قدمت الرواية استعراضاً لإبناء بغداد وشقاواتهم، إذ أستغل الروائي التفصيل الدقيق في نقل احداث الرواية، وشخوصها.

أعتمد السرد على الراوي العليم تارةً، والراوي الفردي تارةً اخرى .

(نجم الفحام)  ابرز شقاوات السردية، عمله أقترن بـ (الأخصاء)، بدأه من المحافظ، وانتهى بـ (الرئيس)، وهو من ابرز الشقاوات إذ كان أسمه يتردد على مراكز الشرطة " تؤكد وجوده في سجلاتها حتى مخالفة شرطي المرور له في أثناء عربدته مدونة فيها عقوبة الشرطي بسبب عدم أخذه الغرامة على السكر من المدعو نجم الفحام"، ولينتهي العرس بـ (الدم)، فالظالم الطاغي الذي يمثل الآله لدى البعض" الأرض مثقلة بكتلة بشرية تهدد بإنزلاقها نحو مياه المحيط . وأن الموت عراء وأضحية . فعلى  البركة نثبتها . هوى الساطور على رقبة الرجل العاري فأنفصل الرأس غارقاَ بدماء متدفقة كالنافورة ".

وحقق الطقس الشعبي وجوده في احياء(عاشوراء، وعرس القاسم)،وخصها داخل الرواية بمنطقة (الأكراد)؛ لأنهم طائفة تهتم باعياد(نوروز)، وهو المكان ذاته الذي يحقق الروائي عن طريقه جملة الحقائق التاريخية .

كان (نجم الفحام) يعيش على أمل تحقق أمنيته في تجسيد دور العريس ؛ لأنه على أدراكٍ تام بإن العروس هي (مريم)، يقول: " لقد تدربت كثيراً مع مريم كما أكون لائقاً بذلك الفتى الذي هب لنجدة عمه عند الفرات"، وهي طقوس شعبية عراقية قديمة معاشة بحاضرها وماضيها، فـ " نساء الحي بدأن منذ زمن في تجهيز العروس، وأم خليل تجهز ابنها لحفلة العيد، نحن الصبية نغدو ونعود بين الخيم والحارة"،" لم ابدأ بعد الاستعداد لتمثيل دور القاسم، كنت أحفظ زينته ولباسه، في دارنا الملابس معدة، وما على أم خليل إلا أن تشرف على ارتدائها، فكرت انها ستتقدم حالما تنتهي من ابنها"، فالرواية احتضنت عرسين، الأول: عرس الدم عندما قتل الرئيس، والثاني: عرس القاسم .

ويقول الشقاوة بصوت الكل لا الواحد "نتباهى بمناطقنا، فأبناء " قنبر علي" هم الأعسر، أولاد سوق الغزل كلهم يربطون الطيور، نحن أبناء عكد الأكراد نرطن بعدة لغات، لن يميزنا إلا من سكن معنا دهراَ، الفيلي قصير وممتلىء بيد أنه يتكلم العربية بطلاقة، وابناء الكلداني يحفظون الشعائر كما نحن، نلتم قبل الصباح قبل التوجه إلى المدرسة، كل ينطر صاحبه، نخرج معاً ونعود معاً . نشكل عصبة تجاه الآخرين، لكننا في الحقيقة متضامنون فيما بيننا ـهل الصدرية سواء.

-غلاظ وأشداء.

عابت المدرسة الجديدة صلابة قامتنا وفتوة العضلات، لكنها بعد أسبوع رحلت.

يقال أن ثمة من اشتكاها لدى الإدارة، نحن عزونا الأمر إلى مخافتها من البطش بعد استعراضنا عناداً بها فتوتنا علانية في درسها، كانت مذعورة من تصرفنا الطائش فلم تعد في اليوم التالي وإلى الأبد.

عند انتهاء الدوام نخرج زمراً، ننهب الشارع الذي يفصلنا عن" الفضل" بحركات رقص، إنه في الواقع تحد للشبان الذين ينتظرون قدومنا كل يوم ليدخلوا في مشاحنات، نحن ألفناها وصارت جزءاً من يومنا"

فالسرد أعتمد على  ابناء (قنبر علي، الفضل، الصدرية، الرحمانية، عكد الأكراد)، و(الأكراد) هم الفئة التي نالت الحظ الأوفر في تقديم محنة تهميشهم في ظل الظروف السياسية الضاغطة، بعد أن " صارت البيوت أنقاضاَ، الجثث متعفنة منذ أيام، بعض الكلاب تنبح بتثاقل، البعض الآخر ممدد بجوار البشر"، ويجسد السرد سوداوية المشهد الدموي، بالقول: " بطون مقورة وأعضاء مقطعة ورؤوس مهمشة. ليس ثمة دماء، لقد جفت وتفطرت وتشققت ورسمت خطوطاً متعرجة"، وخص القول بـ (تفطرت، وتشققت)إذ صاغها بالفعل المضارع الدال على استمرارية المشهد الدموي.

والتحقيق مع (نجم الفحام) وأمثاله من شقاوة بغداد تمثل مرحلة تحقيق من عدمه؛ لأن " مثل هذا الرجل لايعاقب ..."؛ لأنه فضلاَ عن شقاوته كان يهتم بـ " ملاحقة ... الرجال من دون سواها من أعضاء الجسم"، فالروائي نسج الكثير من الكلمات الممنوعة في الكتابة الثقافية، ونسج عن طريقها كتابة نصه السردي.

اهتمت الرواية بمناقشة الوضع السياسي الضاغط وترهلاته المميتة، ومحنة الأكراد الفيلين في بغداد، التي زرعت الفتن الطائفية بغية ممارسة ذاتها، وهي فكرة أسس الروائي بناء شخصياته عن طريق جمعها من طوائف العراق المختلفة، لتعلن رفضها لهذه الممارسات وبإن العراق ابناء طوائف عدّة، يجمعهم التعايش السلمي البعيد عن التمييز العنصري المفتعل، وهذا مايفسر فكرة بناء سرده الذي جمعه من مناطق بغداد المختلفة، وبالأخص تلك التي تمتاز بـ (الشقاوة)، فالراوي(نجم الفحام) ينتمي للطائفة السنية، أحب (مريم )ذات الانتماء المسيحي، والتي لم تتزوج من حبيبها (نجم) وأجبرت على الزواج من غيره بغية الخلاص من التشتت في الصحراء، وتناص الروائي في أسمها مع (مريم العذراء)، ولم يكتف بهذا التناص الأسمي فقط بل جعلها تحافظ على عذريتها ايضاَ حتى بعدما تزوجت،وكانت ذا جمال " قمر عكد الاكراد والياقوتة الملألئة، لم يخلق مثل جمالها  في كل أحياء الصدرية"،  و(عزيز علي أكبر) فارسي، و(جليل) شيعي، و(ميرزا) كردي، أما (ام خليل) التي انتمت إلى الطائفة السنية،ونالت مكانة مميزة في حي (عكد الأكراد)، وهي الشخصية المركزية، والأم الجامعة لجل هذه الشخصيات وطوائفها، كانت قد فقدت ابنها (الشهيد محمد الخضيري) وهو تناص مع طائر(الخضيري).

شكلت عتبات العنوان محاور الرواية تفسيراً مسبقاً لمحتواها، أي أن العنوان الضمني يلمح بفكرة مسبقة للأحداث السردية، وقسمها إلى احد عشر قسماً هي (رحلة عزيز، العرس، رحلة الخضيري، الجامعة، رحلة مريم، الفحام، رحلة داعرة، سعدون، رحلة دلون، الرئيس، المجاري)، فضلاً عن عتبة العنوان الرئيس الذي خص بـ (جدد موته مرتين) وهي عنونة مثقلة بالشجن ؛ لأنها مبطنة بالموت داخل الموت، الموت الذي اصبح ثيمة العراق المعلنة، المهمش لوجود الإنسان العراقي.

أضيف، أن النتاجات السردية الجديدة جلها احتضنت الظروف المعاشة وحاورتها، بالنقد تارةً وهو الأكثر، وبالتحليل تارةً اخرى، لتتحول الرواية العراقية إلى وثيقة حاضنة للظروف الاجتماعية جميعها.

 

د. وسن مرشد

 

معراج احمد الندويإن رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل ليست أول رواية في الأدب الروائي العربي فقد سبقها عدد لا بأس به من الروايات ولكنها تحتل هذه الرواية أهمية خاصة بين كل هذه الإنتاجات الأدبية لأسباب مختلفة. قد تناول محمد حسين هيكل لأول الريف المصري لأول مرة واهتم على قضايا المرأة العربية ومعاناتها وبؤوسها في المجتمع المصري وعالج مشاكل المرأة المصرية وهمومها ودعم دعما حقوق المرأة لكي تقوم المرأة العربية وتلعب دورها الفعالة في كل مجال من مجالات الحياة.

المدخل:

كان محمد حسين هيكل أديبا بارعا، صحافيا ثائرا وسياسيا قديرا، مؤرخا بالغ النظر، روائيا محنكا، صاحب أول رواية عربية في تاريخ الأدب العربي الحديث. بدأ حياته الفكرية مؤمنًا بالقيم الغربية وكان رجل فكر وحركة، كتب في الفلسفة والتاريخ والأدب، هو أول من قدم إلى الادب العربي الحديث الرواية الفنية، وكان من السابقين الذين نقلوا الثقافة الغربية إلى العربية. بدأ حياته االأدبية والفكرية متأثرا بالحضارة الغربية وأفكارها ونزعاتها الوطنية إلى النهضة اثناء إقامته في فرنسا كطالب حيث كتب أول روايته "زينب". حظيت المرأة العربية باهتمام الكثير من الكتاب والأدباء والشعراء على اختلاف اتجاهاتهم وتعدد اهتماماتهم. حكى حمحد حسين هيكل قصة زينب ولا يتكلم بلسانها. تظل زينب الرواية الرائدة تصور الشخصية البسيطة وصراع الحب داخل المجتمع الذي يعاني من سوء الأوضاع الاجتماعية.

مولده ونشأته:

ولد محمد حسين هيكل في قرية كفر غنام من أعمال مركز السنبلاوين بمديرية الدقهلية والواقعة في مصر في20من شهر أغسطس عام 1888م. وكانت أسرته ريفية مصرية صميمة. وكان والده حسين آفندي سالم هيكل مكرما عند الناس. ولما بلغ محمد حسين هيكل الخامسة من عمره ألحقه أبوه بكتاب القرية. فتعلم القراءة والكتابة وحفظ حوالي ثلث من القرآن الكريم. ولما بلغ السابعة من عمره التحق بمدرسة الجمالية الإبتدائية ثم انتقل إلى المدرسة الخديوية الثانوية فقرأ هناك ما قرأ وما لبث ان التحق بمدرسة الحقوق حيث درس أربع سنوات وتخرج فيها عام 1909م. ظهر فيه ميله إلى الأدب منذ أن كان في الحقوق. فعكف على قراءة الآثار العربية القديمة. وفي هذه الفترة اتصل بلطفي سيد الذي كان محررا لمجلة "الجريدة". فتح له باب هذه الصحيفة ليكتب القوقي الصغير. وكان لهذه الرعاية أثرها البعيد في تكوين شخصيته الأدبية. بعد تخرجه في الحقوق خطر بباله أن يتم تعليمه في فرنسا. سافر إلى باريس والتحق بكلية "السوربون" وحصل منها على شهادة الدكتوراه عام 1912م. عاد إلى مصر واشتغل بالمحاماة في مدينة "المنصورة" حيث أنشأ مكتبا للمحاماة وزاول هذه المهنة من 1912م إلى 1922م بكفاءة ومهارة.  ومنذ سنة 1917م أخذ يلقي بعض المحاضرات في الجامعة المصرية الأهلية لأنه كان يميل طبعيا إلى الأدب رغم اشتغاله بلمحاماة. ولما أنشا حزب الأحرار الدستوريين جريدة "السياسة" عام 1922م تولى تحريرها.

وكان من الطبيعي أن ينضم محمد حسين هيكل إلى الحزب الأحرار وأن يتولى تحرير جريدته لأن أستاذه لطفي سيد الذي كان يحرر صحيفة " الجريدة" ثم انضم معه في رئاسة التحرير زميله طه حسين عندما رجع من باريس. فنهضا معا بتحرير صحيفة الأحرار الدستورين. غلبت على طه حسين النزعة الأدبية في كتاباته كما غلبت على صاحبنا محمد حسين هيكل النزعة السياسية ولكن لم يقصر هيكل نفسه على السياسة فحسب بل بدأ يكتب مع صديقه طه حسين فصولا في الأدب والنقد. وجمع طائفة من هذه الفصول ونشرها باسم "أوقات الفراغ"عام 1925م. ولكثرة شغفه بالسياسة ترك هيكل المحاماة وانغمس في غمار الحياة الصحافية والسياسية. وتمتد هذه المرحلة السياسية والصحافية من سنة 1922م إلى 1937م. وفي عام 1937م انتقل من السياسة إلى الخدمة الحكومية فاختير وزيرا للدولة ثم وزيرا للمعارف. وما زال يتولى هذه الوزارات من حين إلى حين حتى عين في سنة 1945م رئيسا لمجلس الشيوخ. وظل في هذه الرئاسة على سنة 1950م. قضى اكثر من اسنتي عشرى سنة بين الوزارة والرئاسة ولكنه احتفظ ميوله الأدبية وأخيرا ترك الوزارة والرئاسة وكرس حياته للأدب فعكف على دراسة التاريخ الإسلامي. فأصدر سلسة من الكتب في الموضوعات الإسلامية ومنها "حياة محمد" وهو من المحاولات الرائدة لعرض السيرة النبوية بأسلوب علمي معاصر. رجع أخيرا إلى كتابة القصة والرواية وتابع بعد ذلك كتابة القصة القصيرة وبدأ ينشرها في الصحف والمجلات.

آثاره العلمية والأدبية

 كتب هيكل في معظم الفنون النثرية وترك لنا المقالات والفصول في السياسة والأدب. ألف كتب التاريخ والسير والنقد والرحلات والقصص والرويات. ومن أهم مؤلفاته:

1- " زينب" عام 1914م

2- جان جاك روسو" عام 1921م

3- " أوقات الفراغ" عام 1925م

4- " عشرة أيام في السودان" عام 1927م

5- " تراجم مصرية وغربية" عام 1929م

6- " ولدي" عام 1931م

7-  " ثورة في الأدب" عام 1933م

8- " حياة محمد" عام  1935م

9- " في منزل الوحي" عام 1937م

10- " الصديق ابو بكر" عام 1943م

11-  " الفاروق عمر" عام 1946م

12-  مذكرات في السياسة المصرية" عام 1951م

13-  " هكذا خلقت" عام 1955م

محمد حسين هيكل ودوره الريادي في الرواية العربية: 

كانت الرواية العربية قبل الحرب العالمية الأولى على حالة من التشويش والبعد عن القواعد الفنية. وكانت أقرب ما يكون إلى التعريب والإقتباس حتى ظهور رواية "زينب"  لمحمد حسين هيكل عام 1914م التي اتفق النقادة على أنها بداية الروايات من حيث الفن والمضمون والتي عالجت الريف المصري. وعلى الرغم من أن رواية "زينب" ليست أول رواية في الأدب الروائي العربي عموما والمصري خصوصا، فقد سبقها عدد لا بأس به من الروايات مثل رواية "علم الدين" لعلي مبارك، و"تخليص الابريز في تلخيص باريز" للطهطاوي، و"حديث عيسى بن هشام" للمويلحي وروايات جورجي زيدان عن تاريخ الإسلام، أو رواية "الدين والعلم والمال" لفرح أنطون وغيرها كثير، نقول على الرغم من ذلك فإن رواية "زينب" تحتل أهمية خاصة بين كل هذه الانتاجات الأدبية. يقول يحي حقيفي هذا الصدد: "إن مكانة رواية زينب لا ترجع فحسب إلى أنها أول القصص في أدبنا الحديث، بل إنها لا تزال إلى اليوم أفضل القصص في وصف الريف وصفا مستوعبا شاملا.

رواية زينب:

يكاد يتفق دارسو الأدب العربي على أن رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل هي الرواية الفنية التأسيسية في الأدب العربي. تبدأ الرواية بوصف الطبيعة. فوصف هيكل زينب بطلة الرواية وهي تهتم بالنهوض حيث قد تزوجت وانتقلت من بيت أبيها إلى بيت زوجها حسن. تدور أحداث رواية زينب في الريف المصري، واختيار المؤلف للريف كان له مغزاه، وذلك لما يمثله من أصالة الشخصية المصرية. تمثل "زينب" الشخصية المحورية في الرواية، إذ تبدأ الرواية بها وتنتهي على موتها. ونظرا لذلك قد سميت الرواية "زينب". وفي الحقيقة أن "زينب" هي البطلة الرئيسية، والأحداث التي تدور في الرواية تتعلق بها. هذه هي الفتاة المصرية التي يتم زواجها لحسن ولكنها لم تقتنع بها الزواج. فقد أحبت شخصا آخر من أصدقاء زوجه، وهو إبراهيم الذي غادرها لأداء الخدمة الوطنية العسكرية. وهناك حديث في الرواية عن حامد الذي أحب أبنة عمه ولكنه لم يظفر بها كما يظفر بزينب. أما بطلة الرواية "زينب" فإنها مرضت بمرض السل وفي نهاية الرواية ماتت. فرواية زينب هي تذكار لمناظر الريف في مصر وحديث عن عاداتها وتقاليدها. عندما كان محمد حسين هيكل في فرنسا، يستبد به الحنين إلى وطنه الحبيب. وهو كان مغتربا مصريا كانت روحه تصهر لمصر وتضيئ قلبه وجسده من فرط حبه لوطنه. فكلما رأى منظرا جميلا ذكره بوطنه، وراح يصف منظرا  يصوره في خياله.

تدور أحداث الرواية حول زينب بطلة الرواية وهي فلاحة في ربيع عمرها تحب ابراهيم ولكن تشاء الأقدار أن يوافق والدها على تزويجها إلى حسن وهو أعز صديق لحبيبها ومن خلال حياة البطلة زينب المأساوية، أظهر لنا الكاتب صعوبة عيش أهل الريف إبان الإستعمار والجهل والظلم اللذان عايشتهما زينب بتزويجها دون رضاها. الكاتب هو الراوي في هذه الرواية فهو يحكي قصة زينب ولا يتكلم بلسانها. تظل زينب الرواية الرائدة تصور الشخصية البسيطة وصراع الحب داخل المجتمع الذي يعاني من سوء الاوضاع الاجتماعية. حاول هيكل أن بقدم قصة حامد للتعبير عن قلقه وضياعه ونبعث مأساة حامد حيثما نبعث مأساة "زينب" وسرعان ما انفصل باقتران زينب من حسن. ولكن زينب ملكت الشاب زمام قلبها كان على شاكلتها. ولكن قد حالت القتاليد البالية بينه وبينها وهي ما استطاعت أن تظهر حبها تجاه إبراهيم امام لافراد الأسرة. وحينما قاله لها إبراهيم "أنا أحبك" فقامت الدنيا وقعدت بالنسبة لها وتحول الكون إلى عرس كبير. يقول هيكل: " كلما في الأرض والسماء من سعادة لا يبلغ ذرة مما يفيد عنها هاته الساعة عنة القمر والموجودات كلها في عرس كبير وذلك النسيم العذب الساري في الجو يحمل معه الهناء. تشتغل المرأة مساحة واسعة في قصصه ورواياته. أما تركيب القصة وشخصياتها فهي عبارة عن رموز وأفكار أكثر من شخصيات قصة تبدأ فكرتها من إحساسه بالظلم والقهر ثم الشعور بالثورة والرفض للواقع والتمرد عليه على نتيجة للتطور السائد ثم انتهاء بإثبات دورها الاجتماعي في المجتمع لأنها تتكون في بناء نصف المجتمع الإنساني.

الريف في رواية زينب:

 إن الحديث عن الريف هو حديث متصل بالحياة المصرية التي شهدت تغيرات وتحولات جذرية عبر محطات تاريخية طويلة. اكتسبت العناية بالريف والحياة الريفية مكانة هامة في المنجز الروائ المصري منذ فترة الاحتلال، حيث حفزت حيوية موضوع الفلاح وقضية المراة للأدباء إلى تقديم عطاء يستوعب الحياة الريفية بكل أبعادها الاجتماعية والسياسية والإنسانية. هذه الرواية زينب عادات الريف المصري وبساطة أهله ومحاسن حياتهم ومساويها وما عليها من اعتقادات. نقلها المؤلف يعيون دقيقة ونراه أن له موقفا لينقد نقائصها ومفاسدها وما على نظام اجتماعي في الريف المصري وخاصة ذكر مسألة الزواج وقضية المرأة المصرية ليس لها حق في اختيار قرينها وشريك حياتها. أظهر لنا محمد حسين هيكل صعوبة عيش أهل الريف إبان الإستعمار والجهل والظلم اللذان عايشتهما زينب بتزويجها دون رضاها. الكاتب هو الراوي في هذه الرواية فهو يحكي قصة زينب ولا يتكلم بلسانها. تظل زينب الرواية الرائدة تصور الشخصية البسيطة وصراع الحب داخل المجتمع الذي يعاني من سوء الأوضاع الاجتماعية. عمد فيها هيكل إلى وصف حياة الريف والفلاحين بصورة لم يسبقه فيها أحد من المصريين. لم يفسح هيكل لنفسه في تصوير الشخصيات الجانبية وطبعها. ولم تتسع خبرته بالحياة وتجاربها العميقة وإنما عوضه بأصوفه الغنية للطيعة الريفية في مصر. رأى هيكل أن الأدب رسالة، لها قيمة وتأثير على أذهان الناس. فدعا إلى الأدب الذي يقتحم الحياة حرا طليقا، لأن الأدب عند هو الأدب الذي له صلة وثيقة بالحياة والإنسان. يبعث الأدب في حياة الإنسان نورا كما يجب على الأدب أن يقوم على أساسه حضارة سليمة يقود الإنسان والإنسانية إلى المجد والسعادة. قد أفرغ هيكل وصف المجتمع المصري في قالب جميل ليستهوى النفس ويصقل العقل. تناول هيكل في روايته زينب مسائل المجتمع المصري وقضايا الفلاحين والعمال الكادحين ومشاكل الطبقة العامية والوسطى كما أشار إلى بعض أمراض المجتمع والفساد الخلقي والاعتقادات القديمة وعلاقات الرجل بالمرأة غير الشرعية، ثم عالج المشكلة التي يعانيها الفلاح المصري من الآلام والمصائب الاجتماعية. فالرواية من هذا اللون من القصص الاجتماعي هي التي تحدث فيها هيكل عن تجارب شخصية واصطبغ أحيانا بصبغة عاطفية. تعالج رواية "زينب" قضية العلاقة بين اللرجل والمرأة. دعا الكاتب من خلال وصية زينب إلى ترك الحرية للشباب. والعلاقة بين المرأة والرجل بهذه الكيفية يعد جرأة كبيرة من الكاتب. إن معالجة هذا الموضوع الاجتماعي العاطفي كان ضمن الريف بمناظره الطبيعية والاجتماعية المختلفة. يصف الكاتب حياة الفلاحيين ويصور أفراحهم وأحزانهم كما يصف الطبيعة الجميلة في الليل والنهار ويصور البيوت والمساجد والحقول ولكن في وصف الريف لا ينسجم في معظم الأحيان بين الحديث والطبيعة.

استنتاج البحث:

كان محمد حسين هيكل من السابقين الذين نقلوا الثقافة الغربية إلى العربية. هو أول من قدم إلى الأدب العربي الحديث الرواية الفنية، بدأ حياته االأدبية والفكرية متأثرا بالحضارة الغربية وأفكارها ونزعاتها الوطنية إلى النهضة اثناء إقامته في فرنسا كطالب حيث كتب أول روايته "زينب". إذ تعتبر  رواية "زينب" الرواية التأسيسية في الأدب العربي الحديث. وعلى الرغم من أن رواية "زينب" ليست أول رواية في الأدب الروائي العربي عموما والمصري خصوصا، فقد سبقها عدد لا بأس به من الروايات مثل رواية "علم الدين" لعلي مبارك، و"تخليص الابريز في تلخيص باريز" للطهطاوي، و"حديث عيسى بن هشام" للمويلحي وروايات جورجي زيدان عن تاريخ الإسلام، ورواية "الدين والعلم والمال"لفرح أنطون وغيرها الكثير، وعلى الرغم من ذلك فإن رواية "زينب" تحتل أهمية خاصة بين كل هذه الانتاجات الأدبية لعدة أسباب ومنها تناول محمد حسين هيكل لأول مرة الريف المصري وصور حياة الفلاحيين ويصور أفراحهم وأحزانهم بمناظره الطبيعية والاجتماعية المختلفة.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية ،كولكاتا -الهند

 

صفاء الصالحيلم تبتعد كثيراً الروائية العراقية المقيمة في باريس انعام الكججي في منجزها الروائي الرابع  " النبيذة " الصادرة عن دار جديد عام 2017، عن رواياتها السابقة (الحفيدة الامريكية، وطشاري) اللآتي وصلن الى القائمة النهائية القصيرة  المرشحة للفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية  "البوكر" عامي 2009-و2014 على الترتيب . وعلى حد استشهادها بالمثل الفرنسي "لماذا نغير وصفة ناجحة" جواباً عن سؤال وجهتها لها صحيفة البيان الاماراتية : مرة جديدة بطلة روايتك أمرأة، بل وتتصدر صورة أمرأة غلاف الرواية، هل هذا بمحض مصادفة أم جاء عن قصد؟

لم تختلف رواية النبيذة عن سابقاتها (الحفيدة الامريكية، وطشاري) في تقديم الانثى كشخصية رئيسية (بطل الرواية) ووضع صورتها في العتبة النصية الاولى للرواية (الغلاف)، والصوت الانثوي راوياً، كما تشترك الرواية مع سابقاتها بإسترجاعها للواقعائع التاريخية، وفي الثيمة الرئيسية " الواقعية التاريخية، والتشتت والغربة والمعاناة التي يعاني منها الانسان العراقي بالعقود الاخيرة  "، لقد  انتقلت الكججي في روايتها بالمتلقي عبر الزمن في سرد احداث وقعت في الماضي  متخيلة او حقيقية، وأحياناً تحتوي على مزيج من شخصيات حقيقية ومتخيلة أو بالعكس، مع احداث حقيقية ومتخيلة، ولربما يكون الحدث حقيقي والشخصية متخيلة أو بالعكس، وبالاضافة الى ما ذكرنا  فقد احكمت البنية السردية لعناصرها (الحدث، والشخصيات، والمكان، والزمان) فشكلت معماراً نصياً رصت فيه الكلمات وتنضدت به الجمل، وتداخلت المقاطع السردية مع المقاطع الوصفية التي فرضت نفسها داخل النص . وقبل الولوج الى جوهر المقال وغايته لابد من تقديم نبذة مختصرة لتعرف القارئ بالرواية واحداثها :

تنطلق احداث الرواية وبطل الرواية والشخصية المحورية " مارتن شاميون " جالسة بالقرب من النافذة في القطار فتتخيل ان ماضيها قد ارتمى عليها شامتاً بالمقعد المقابل ص7، قبل ان تنتقل الى المستشفى العسكري في باريس برفقة البطل الثاني في الرواية " وديان الملاح "  التي تعرفت عليها عند بوابة معهد العالم العربي في باريس، فتنشأ بينهما علاقة حميمية كأم وابنة تربطهما بغداد، لكنهما قطبان سالب وموجب، عاشت مارتين  شامبون  بنت لحظتها تتبع رغباتها وعاشت أنوثتها كما تشتهي، اما وديان الملاح عصية على الحب تشتهي وتتمنع، ثم تكون وديان شاهدة على حياة الصحفية التي لفت الأنظار " تاجي عبد المجيد الشريفي" وتميط اللثام عن أسرار حياتها الصحفية وقربها من الطبقة السياسية، وحياة المنفى والاغتراب، ومغامراتها العاطفية والغرامية لاسيما مع البطل الثالث في الرواية الصحفي (منصولر البادي) التي تعرفت عليه في أذاعة كراتشي وتنشأ بينهما قصة حب حالت الأقدار والمسافات دون أكتمالها فيفيش المراهقان الأشيبان حبهما على الورق .أرتدت الشخصية المحورية اسماء كثيرة وخلعتها (تاج الملوك، وتاجي عبدالمجيد الشريفي، ومارتين شامبيون) . لقد احتلت الشخصيات الشخصيات الرئيسية الثلاثة (تاج الملوك،  ووديان الملاح ، ومنصور البادي) على مساحة كبيرة من المتن السردي للرواية ولكل بطل قصته المستقلة، وتوزعت أحادث الرواية  على استرجاع ذكريات الماضي في بلدان الشتات البعيدة بفعل التذكر لأحداث مر عليها ثمانية عقود من تاريخ العراق المعاصر، حبلى بل المغامرات العاطفية والتحولات السياسية .

لقد شملت روايتها " نبيذة " على مقاطع وصفية متنوعة الاشكال والتعابير اورتها الكاتبة بإبداع حسب متطلبات الحاجة الفنية أو المبتغى الأدبي في وصف (الشخصية، ووصف الحدث ووصف المكان، ووصف الشئ) فالعيون الصحفية قد اتاحت للروائية دقة وصف عناصر البنية السردية لروايتها، وبلغة وصفية بسيطة لا تكلف اي عناء ذهني وقد صيغت بقالب ادبي جمالي، وقبل ان نؤشر على البعض من المقاطع الوصفية التي احتلت مواقع مختلفة في النص لابد من تقديم تعريف ماهية الوصف :

(عرض وتقديم الأشياء والكائنات والوقائع والحوادث (المجردة من الغاية والقصد) في وجودها المكاني عوضاً عن الزمني، وأرضيتها بدلاً من وظيفتها الزمنية ورهاناتها بدلاً من تتابعها، وهو تقليدياً يفترق عن السرد والتعليق ويمكن ان يقال عن اي وصف أنه يتألف من مضمون تيمة تشير الى الشئ او الكائن أو الحوادث (منزلاً مثلاَ) ومجموعة من التيمات الفرعية تشير الى الأجزاء المقابلة : (باب، غرفة، نافذة) وكذلك التيمات الفرعية يمكن  ان تتميز بنوعيتها (بصافتها) :  " كان الباب جميلاً  " و" كان الجدار أخضراً "، أو وظيفياً  أي وفقاً لوظيفتها أو استخدامها : " كانت الغرفة تستخدم فقط في مناسبات خاصة، والوصف يمكن ان يكون بشكل أو بأخر تفصيلاياً أو دقيقاً نموذجياً أو مؤسلباً أو على النقيض يتسم بإضفاء الفردية أو تجميلياً  أو تفسيرياً أو وظيفياً (مؤسساً لمزاج ونغمة فصل نصي ما محملاً بمعلومات تتعلق بالعقدة أو مسهماً في التشخيص أو مقدماً ومؤكداً لتيمة أو مراكز لصراع مستقبلي)(1) .

ويقوم الوصف على مبدأين متناقضين الأستقصاء والأنتقاء، فلبزاك على سبيل المثال كان من انصار الاستقصاء، ولم يترك تفصيلاً في مشهد ما الاذكره بخلاف ستاندال الذي كان يفضل الانتقاء تاركاً للقارئ مجالاً للأيحاء .(2) 

أما الوصف الاستقصائي وهو اسلوب شاع لدى الواقعيين يقوم على تجسيد الشئ بكل حذافيره بعيداً عن المتلقي أو أحساسه بهذا الشيئ وهو ان يقوم الكاتب بالتطرق الى جميع التفاصيل الصغيرة والكبيرة التي تخص الشيئ  المرتد وصفه .(3)

فأذا كان الوصف الاستقصائي يهتم بجميع التفاصيل، فان الوصف الانتقائي  يهتم بالأجزاء الرئيسية، التي تكون مهمة وتؤثر على الحركة السردية من حيث البناء ومن حيث الدلالة، فمهمة هذا النوع من الوصف انتقاء بعض الملامح والطبائع التي تتيح للمتلقي فرصة ملئ الفراغات التي يتركها الكاتب فهي فرصة لشد انتباه المتلقي والتأثير فيه ومشاركته  في النص السردي، وذلك بالبحث  عن الصفاة الأخرى التي لم يذكرها الكاتب داخل النص والتي تخص الشيئ الموصوف .(4)

وسنكتفي بذكر الجزئيات الهامة دون الاجزاء التفصيلية  تحاشيتً من الإطالة وسنفتصر ذلك في وصف الشخصيات لما لها دور مهم في كشف ملامح الشخية وطبائعها، ووصف المكان لمعرفة مكان الشخصيات وألإطار التي تدور فيها الأحداث .

لقد كانت شخصيات الرواية ذوات متحركة عبر أزمنة وأمكنة مختلفة وجاء وصفها أما على لسان الراوي أو على لسان أحد الشخصيات، وورد الوصف بصور وكيفيات مختلفة  وأن وصف الأشخاص داخلياً وخاجياً مرتبط الى حد ما بوصف الأمكنة التي تظهر فيها الشخصيات وسنتناول هنا الشخصيات الرئيسة الثلاثة في الرواية دون تناول الشخصيات الآخرى بحكم أنها  شخصيات ثانوية .

تركز وصف الشخصية المحورية تاج الملوك على الوصف الخارجي والداخلي:

1- تحركت في ارجاء الحديقة، ماشقة قامتها في بدلتها الكحلية التي لا تملك غيرها للمناسبات، تحايلت عليه بياقة بيضاء جديدة مطرزة بلآلي كاذبة، خصرها دقيق ومروحيتها اليدوية فراشة كبيرة ترفرف أمام وجهها، ملامحها السمراء تحدد اختلافها عن المدعوات الأجنبيات ص21 .

2- أرى في الصورة فاتنة ذات شعر قصير، ترتدي فستاناً فستقياً  وبوليرو قصيراً مخرماً، دائماً بوليرو، تتكئ بذراعين مكشوفتين على سياج السفينة ملقية عليه ما يبدو ثقل حسرتها فمها منغرج بضحكة تكشف اسنانها كأنها تعرض شفتيها على الشاب الحزين الواقف على رصيف الميناء عيناها ناعستان تنظران للكاميرا تدعوان المصور أشبع مني ! ص45 .

3- تنفر من المجوهرات الصفراء في العنق والمعاصم، زينتها في لسانها، حجتها ونطقها الجميل، ومحفوظاتها من الشعر عسل اللغة، لسانها حصانها عند اللزوم تصونه في فمها، صمتها مثير بليغ في أوانه، اما الخفي من زينتها كامن في عينيها تتقصد في أستخدامه تخبئه خلف النظارة الغامقة، ثروة طبيعية لا تجاهر بها فيما لا ينفع ص123 .

4- انها كانت قنبلة جنسية، كلما ورد كلمة الجنس تعثرت عربيتها، تهرب الى الفرنسية لتخفيف المسميات تقول " بونب سكسويل " ولا يرف لها جفن، تقدم نفسها رمانة شهية بقشرة سميكة ، تتعب الضمين، تخلخل أسنانهم، متقشفة في أحاسيسها، ولها طبع الرجال في النساء، تستبقي الواحد منهم ليلة ثم تطرده من فراشها ص42.

أما وصف الكاتبة لشخصية وديان الملاح تكز على وصف البعد النفسي وشعورها بالضياع والإستلاب وما تعانيه من أغترا نفسي وعاطفي :

1- كاملة بحواسي الخمسة، هكذا ولدتني أمي أبصر، وأسمع، وألمس وأتذوق، وأشم لكن الأستاذ أحب ان يسلب إحداها هكذا بقرارمنه، أصبحت على حافة الصم، أستعين بلوزتين الكترونيتين أدسها في كل إذن تكبر لي صوت التلفزيون، ورنين الجرس وأحاديث من حولي،، أسمع ابواق السيارات ويفوتني حفيف الشجر، ونقيق الضفادع وهسيس النار، وهمسة اشتاق لها، أرى الموج يتكسر  على جرف النهر ولا تصلني طبطبة الموجة على الموجة، ترفرف أجنحة الحمام خرساء فوق راسي، وغطاء إبريق الشاي يطفو فوق فورة الماء بسكون، لا منبه يوقظني، صارعلي أن أسمع العالم بعيني ص162 .

2- تلومني لأني خالية أنانية، لااظل رجلاً بفيئ انوثتي، وكنت اتقبل تعليقاتها وأبتسم أو أنحرج، أنطوي على همي وأحسدها على أخضرار روحها،أن قلبها أشب من قلبي ص145 .

3-أما أنا فقد غادرت ارض التخيلات، ودعت شياطيني وتبت الى رب أؤمن به، بدءت أتردد على حلقات حوار الأديان، أغطي رأسي بوشاح، على خطى تاجي، وأسأل الشيوخ عن حكم سماع الموسيقى ص324.

وتركز وصف منصور البادي على البعد الجسمي والبعد الاجتماعي بالإضافة الى محمولاته الفكرية والثقافية :

1- أبن أكابر مزهو بأعوامه العشرين، قامة نحيلة مثل رمح، شعره سرح لامع ممشط الى الوراء،خصلة على الجبين على طريقة روبرت ميتشوم الممثل الصاعد المنشورة أخباره في الصحف، يرطن مثله بالإنكليزية، ويحفظ عشرات الأبيات من المعلقات يرددها بطريقة شامية ص170 .

2- محرر شاب ذو شارب خفيف أشقر وشعر لامع، أليف الطباع و تشعر أ، محنة ربته وانضجته مثلما ربتها، راقبته يترجم نصوص من الإنكليزية، انتبهت أنه يبث فيها تفاصيل مشوقة من عندياته، يعرب القصص الاجنبية ويكت مسلسلات غير مألوفة للمستمع الشرقي ص176 .

3- لا ينسى ذلك اليوم الذي هزه وكاد يشل ساقيه، كان يمر فيه أمام مخملر للموز حين سمع الراديو داخل المحل، يعلن أن اسرائيل عضو في الأمم المتحدة  إستند الى الجدار خشية السقوط، والشمس كانت تضرب رأسه صارت لهى قبضات أضافية، عاد الى غرفته ليكتب مقالاً عن الموضوع ص201 .

4- إحساسي الكامل بإنتمائي وأصلي، هناك وطن عربي كبير لم تزده هجرتي الا تجذراً في تربة روحي، كنت أتعقب الى جانب عملي التجاري في فنزويلا، كل ما يحدث في بلادنا كأنه يقع هنا على الرصيف المتقابل، هل كنت مجنوناً من مجانين العروبة، أم أن أغترابي زرع بذرة الذنب في تربة ضميري ؟ أسأل نفسي وأنا أستلقي على السرير بعد نهار عمل يوم شاق ص270 .

تتابع الكاتبة انعام كججي جولات شخصياتها عبر أمكنة مختلفة توزعت على قارتا (اسيا، وأوربا، وأمريكا اللاتينية) حتى القول بأنها رواية عالمية، وكانت الأماكن سواء المغتوحة والمغلقة المساحة التي تأطرت فيها الأحداث وتشكلت بها الشخصيات وتجلت بها عواطفها وأنفعالاتها . لقد انتقت الكاتبة من العلم المرئي بعض الأشياء كلما أستدعت الضرورة لإستمرار الحركة السردية فرسمت المكان بالكلمات، ووصفت الأجزاء الرئيسية التي تكون مهمة وتؤثر على الحركة السردية من حيث البناء ومن حيث الدلالة وتاركتاً المتلقي أن يطلق العنان لمخيلته لملئ الفراغ، ولم توغل في التفاصيل الدقيقة الا بهدف الإيهام بالواقعية :

1- في بيت الكاظمية، ثلاث غرف تنفتح على مملر علوي واحد يطل على الحوش الداخلي المكشوف، لكل منهم واحدة، لم تفهم البنت لماذا يحتفظ رجل البيت بغرفة مخصوصة لنومه ولا يشارك أمها غرفتها، هناك مجلس صغير للنساء قريب من موقد الطبخ، يسمونه الحرم وآخر واسع قريب من باب البيت، ديوة خانة للضيوف من الرجال ص47 .

2- بعد اسبوع كانت حاضرة عند المرسم، دارت في الغرفة الفسيحة دورة كاملة، ثم عادت وتربعت على الاريكة الزرقاء، خلفها نافذة عريضة مفتوحة على بستان نخيل، وكلب ينبح من بعيد والمساء ينشر رائحته شبو الليل في حدائق الصليخ ص104 .

3- في شقتي بالطابق الثاني من عمارة في الطرف الغربي لباريس صار كرسي يحمل اسمها، يكفي انها من تلك المدينة المزروعة بين عيني، هذا مكان وديان، تنهض الجارة وتخليه لها، تحضر وازيح القط الرابض عليه، أنفضه وأمسد حشوته، لكي تجلس وتستريح كرسي وديان ص26 .

4 -شهقت امام بوابة القصر أسدان رخاميان على جانبي المدخل، البوابة هائلة وحجم الأسدين هائل، كل شيئ هائل أجواء خرافية لم أر مثلها من قبل ص164 .

5- في غرفة ليست بغرفة ولا مكتب  ولا صالة رياضية، مساحة كأنها بلا سقف،صعبة الإستيعاب، تنسحب أرضيتها وتتركني معلقة، اخطو على هاوية، أبحث عن زاوية تحتويني مكان دائري بدون اركان يقترب الكرسي مني وصوت أجش يخلخل اللاموجدات ص167 .

6- نادي اليخوت: الحديقة واسعة بدون ازهار، يجلسني هشام الى طاولة مع عائلة أكثر توتراً مني، شابان جميلتان مع شقيقهما المراهق، الاولى سمراء والثانية شقراء اصطناعية، لا نتبادل الأسماء نكتفي بالابتسام المتواطئ و الكل يستر على الكل، صخب ورقص وموسيقى، عطور تتداخل ببعضها، اضواء ملونة  تشتعل وتنطفئ مع اللحن، ندل يتحركون كالنحل، وصوان فضة فوق الرؤس، تهمس البنت الجالسة أن الأستاذ جالس فوق ص117 .

7- الى مبنى اليونسكو دخلت مع أضاء الوفد، بهو بشع من الإسمن الرمادي، ذو سقف عالي جداً وممرات فسيحة تقود الى عدة مصاعد وقاعات مرقمة، كلنا متأهب للحدث، نرتدي ربطات عنق جديدة، وننتعل أحذية ملمعة، نرفع الهامات ونحن نمشي  بمعيته و على جانبيه وأمامه، نهتدي بقامته العملاقة بين زحمة الحضور وهرج الكاميرات ص30 .

8- سر العظمة كثراً ما يكون في البساطة، حيث لا تغني خلب المظاهر عن سحر الجوهر، أن المنظلر الذي طالعني في غرفة الجوازات بمطار كراتشي  لم يكن سوى راية مثبتة في الجدار وخارطة رسم، وخيل الى إلي أن ذلن الهلال المتقارب الطرفين، المخيم على كوكب مهمش فوق بساط الخضرة القاتمة الى جانب خط عمودي ابيض لا يمثل  علم باكستان  فحسب بل يرمز الى تراث شيده الفاتحون المسلمون منذ ثلاثة عشر قرناً، وبعثته النهضة الاسلامية الحديثة الحاضرة في باكستان، وأما في الجهة المقابلة من الجدار فرأيت ابرز مافي الغرفة : مجرد صورة كبيرة في إاطار لرجل، والرجال تؤدي أدوارها في التاريخ ص217 .

وعلى الرغم من ان نصوص رواية النبيذة تنتمي الى الروايات الواقعية، وان الكججي من الكتاب الواقعيين، إلا أنها تبتعد عن الأستقصاء في الوصف، وان نسيج  وصفها مختلف اختلافاً كبيراً عن نصوص الواقعيين في الادب الفرنسي أمثال بلزاك زفلوبير، فتكتفي بتسمية الاشياء دون تجزئتها ويكون الوصف عاماً من غير اسهاب و وتكتفي في معظم الحالات بذكر الخطوط العريضة التي تخص الشيئ الموصوف  دون الوقوغ على التفاصيل، تاركتاً المتلقي البحث عن الصفاة الآخرى التي لم تذكرها داخل النص، محاولة منها لشد انتباهه والتأثير فيه ومشاركته في النص السردي .

أن التوصيف الأنتقائي للشخصيات والمكان غي رواية النبيذة أنجز وظيفته البنائية والدلالية، وأن لغة الرواية الوصفية انتقائية اقرب ماتكون الى لغة الصحافة الموجزة الخالية من الترهل   والسهلة والمبسطة لا تكلف القارئ اي عناء ذهني قد صيغت بقالب ادبي جمالي، وقد برعت عيون انعام الكججي الصحفية في التقاط التفاصيل، ودقة الملاحظة، وقد تجلت مهارتها اللغوية في الوصف .

فمن اللغة التي شذبتها الصحافة  وشفطت شحومها على حد تعبريها، ومهبتها الادبية باتت الكججي كأحد همزات الوصل البارزة بين الصحافة والادب  .

 

صفاء الصالحي

 

(إلى الأرواح المعذبة على هذه الأرض)، (هو قدرنا.. أن نلتقي بلا تخطيط، ونعجز عن اللقاء حين نريد).

سجلت رواية (صوت خافت جداً) هذه الأفتتحاية التي تشير إلى الأمل، والعذاب، والأنتظار، والشجن، والماضي، والحاضر، والمستقبل المجهول للبطلة سفانة.

رواية مزدوجة، أي أنها كتابة ذكورية بسرد أنثوي، لتقترب إلى فكرة الكتابة النسوية أكثر منها ذكورية، إلا أن (آنا الأخر) تجتهد في أثبات ذاتها، وهذا ما نتلمسه في رواية الروائي (سعد سعيد).

والفضاء الروائي: هو تشكيل يتخذ تكوينه من جملة مكملات ثانوية.

وفضاء الرواية يدور حول دائرة مغلقة، وهي أقرب إلى الكتابة الدورانية، التي تنحصر ضمن نطاق شخصيات محددة،لاتتجدد .

هذا الدوران أنتج معادلة أقرب إلى المعادلة الرياضية، وضبطها إما بـ (الجمع، أو الطرح، أو القسمة، أو الضرب)، لذا فالفضاء الروائي يمثل العقل والتقنية المبرمجة لهيكلية المتن السردي؛ لأنه بنية خاضعة لقوانين اللغة وانضمتها، وبنائه داخلي وخارجي، أي لا يمكن أن ينحصر في زاوية بناء واحدة.

أغلق الفضاء الروائي على بنية مححدة، احداث محددة، الأمر الي أسهم في غلق فكرة تكوين فضاء خارج فضاء الأحداث المتاحة، لينحصر المشهد ضمن شخصيات محددة، تعيش ضمن نمطية حياة يومية روتينية، بعضها يشكو من فقر العيش، والآخر يعيش رغده.

ويمثل- الفضاء-  المساحة التي ينثر الروائي عن طريقها فكرة متنه السردي.

وهي رواية تأخذ فكرة الصمت عنواناً لها، والحب من جهة آخرى، وتؤكد على (النئيم ) " ساد صمت هذه المرة، قبل أن يسمعها تقول:

-  لن أستطيع الشرح الآن .. سأخبرك حين نلتقي.

-  ومتى سنلتقي؟

ساد صمت كرة اخرى قبل أن تقول بعد لحظات"

.وصيغت عنونة غلافها بألوان ذات رمزية عالية، فـ (الصوت) خط باللون الأبيض الذي يرمز إلى النقاء والصفاء، وهو نقاء وحب (سفانة) المعذبة، الذي يقابل بالرفض والعجز من (الدكتور فارس)، لتبقى اسيرة الحب من طرف واحد، و(خافت) خط باللون الأصفر وهو مناقض إلى السعادة والفرح ليكون أرتباطه بالشجن، و(جداً) خط بالبرتقالي المحمر، ليشير إلى الأنتباه.

ففكرة الرواية وطريقة نقل الأحداث هي أقرب إلى رواية الأخرى(المرأة)، ذكاء الروائي سجل في رصده هذه الثيمة ومحاولة نقل أوجاعها بقلم ذكوري.

ركزت بناء سردها على البطلة (سفانة)، وهي الراوي العليم، التي تسرد أوجاعها عن طريق الكاتب، الذي يمثل حظوره بالرقيب المتواري وراء الأحداث، يشاهد سير الأحداث عن طريق بطلته المعذبة، التي عانت الفقر والجوع والحرمان من رغد الحياة وجمالها، الذي حرمها ايضاً من العشق والحب الحلال مع الدكتور(فارس)، وممارسة المحرم مع الجار الخاوي العجوز .

مما اضطرها- سفانة-  إلى البقاء" محتشمة بملابسها حتى في البيت؛ لأنها أدركت، مرعوبة، أن ما تخاف منه خارج البيت، يمكن أن تواجهه داخله"، وخوفها كان في محله ؛ لأن " أخو سفانة تلصص عليها وهي تتعرى وتلتذ بعريها المحرم"، ودفعها فعله المدنس هذا إلى أن تهرع " لتغطي نفسها بأقرب غطاء وتجلس على الفراش من هولة بأكتشافها أن اخيها كان يراقبها بشهوة، فبكت"، هذا المشهد أسس لها فكرة الخوف من القريب أكثر من الغريب " كان يعني أن ما تخافه من الغرباء، يمكن أن يأتيها من اخيها.. اخوها الذي لم تتوقع أن تخاف منه يوماً، كما خافت منه لحظة مغادرته الغرفة صاغراً.. اخوها التي كانت دائماً تسعد بحقيقة وجوده حين يضايقها الآخرون في الشارع؛ لأنه هو من سيهرع إلى نجدتها، ولكن ها هو يشتهيها"، نسجت عبارات المقطع السردي بالفعل المضارع، الذي يؤكد على تشكل استمرارية الخوف لدى سفانة ؛ لأنها غدرت من اقرب الناس لها، وهو فعل محرم ومدنس، وبعيد تصوره، لكنه حدث وبواقع مرئي، مما أسس لذاتها غربة داخل غربتها، وصمتاً داخل صمتها ونئيمها.

شخوص الرواية أمتازت بجانب ثقافي، نتلمسه من حديث (سفانة) مع (الدكتور فارس)، وفهم (سفانة) ووعيها بالحلاج، وقرنت حبها بفارس، بفكرة الحلاج، قالت هذا عندما زارت قبر الحلاج وجلست تناقش فكرة الحب، مع ذاتها وتحاجج ذاتها، ليفسر لها الشيخ العجوز أن حبها يخالف حب الحلاج، فقال الشيخ:

" - لا خطورة في الأمر ياابنتي، فالعشق هو العشق.

-  ولكن شتان مابين العشق الإلهي، وعشق البشر لبعضهم

- ومن أخبرك بهذا؟.. والعشق سيّان حيث ينتاب البشر فبدا الأسى واضحاً في صوتها وهي تقول:

- أتيت إلى هنا لأرتاح، وها أنتذا تحيّرني، وتزيدني حزناً ياعم".

لكن هذا لايمنع من رصد الكثير من العبارات السردية بلغة حياة يومية معاشة، وهي لغة اللهجة العراقية العامة، منها القول:" على عنادج، إلّه أحبه واحرك افّادج"، والقول: " ويطبج مرض، عساج بالقبر.. هسة اني شعلية .. بس غير ردت اسوي خير"، وضمنت ايضاً الكثير من العبارات المبتذئة.

ونجحت الرواية في تقديم فهما لقضية المقدس الديني، وأن المقدس شيء ثابت، والإنسان هو الذي يعمد إلى صنع مقدس صناعي لذاته، ليخنق ذاته بذاته " المقدس فكرة إنسانية بحتة ولا أعتقد بأن الله له علاقة بها".

الحب من طرف واحد هو الفكرة الأساس في صياغة سردية الرواية، وهو الشجن الذي عايش البطلة، واضطرها إلى الحرمان من الحب، ومن الحياة الرغيدة، والأحتضان الأسري.

ونجحت الرواية في نقل الواقع الطبقي، والتفاوت الاجتماعي بين الأفراد، وهذا الجانب حقق نقد معلن للضغوطات الأجتماعية، والسياسية، فقالت:" أ أحدثه عن الليالي التي كنا لا نستطيع النوم فيها لأن شعورنا بالجوع يبعد الكرى عن عيوننا؟.. أم عن الاحتفاظ بلقمات كسرة الخبز التي يوزعونها علينا كعشاء أو غداءً أنسيت كيف كنا نظل نلوك بها حتى تكتسب طعماً حلواً"، ثم تعقب بالتفصيل "-  أحياناً، تصبح الطماطم والباذنجان رفاهية في بيتنا، حين يتوفران، فنقضي الوقت بتنويع وجباتنا، فيوم نأكل طماطم وباذنجان، وآخر نأكل باذنجان وطماطم".

مما تقدم يمكننا القول: إن الرواية نجحت في رصد الكثير من السلوكيات المعاشة، وربط العنونة بسردية المتن، وقسمت صياغة لغتها بين العامية العراقية، واللغة التي تحمل جانب ثقافي، وآخرى مباشرة مرفوضة (مبتذئة)، والاشارة إلى الخوف من الآخر وخلخلة الذات الموجوعة، التي لاقت الصد من حبها، مما اضطرها - سفانة-  إلى السفر بعيداً عن موطن من تحب، وجعلت القدر هو الكفيل في زرع اللقاء، وهي الفكرة الجميلة التي أفتتحت بها سردية الرواية، وانغلقت بفهمنا لمقصدية افتتاحيتها.

 

د. وسن مرشد

 

رحيم الغرباويالعمل الفني هو أحد نشاطات الإنسان الحياتية، لكنه نشاط مميَّز بوصفه يمثل إشعاعاً للمعاني والأحاسيس من دون واسطة لها أو توجيه، جعلها تتسم بِسمة العموم؛ لما يحمله من رموز لاتومئ إلى خاص، فالفن لاسيما الشعر يرمز إلى الحقيقة في صورتها العامة، بينما الواقع يرمز إليها في صورتها الخاصة .

ولما كانت اللغة هي حقل كوني تشيع في أوساطه خبرات المعنى الذي يوصف كما المبنى، كونهما يمثلان حزمة علائق معلوماتية تتموضع أمام الذهن وتشكله، ويشكلها بوصفها دلالات متعددة الاتجاهات ومتغيرة على الدوام، وقد لخَّص بول ريكور مثل هذا الزحام الدلالي بأزاء تعدد صور المعنى بقوله : ليس هنالك من قانون ثابت يقيد عمل تفسير نص بعينه، بل هنالك نظريات منفصلة الأسس ومتعارضة تعوم على بحر من التيارات الدلالية .

والشعر الحداثي هو واحد من الأنواع التي آثرت الدلالات المتعددة، كونه يطمح إلى العام في تعدد دلالاته؛ وذلك لتشبُّع منشئه بالثقافات المتنوعة التي هي من ضروريات الخلق الواعي، كما هو شعر رؤيوي؛ لأنَّ الرؤيا تعبر إلى ماهو حقيقي ومثبت في الوجدان والعقل والباطن  .

والشاعر عادل الناصري ممن يكتب بروحٍ تعبر عن انفعالاتها برموز تحمل في طياتها أنين صراع وألمٍ دفين يعبِّر عن أعماق النفس الباطنية، وهي تلح على معاني الفقد والتيه والضياع في معظم مجموعته الشعرية، إذ نجد تجليات الومض تتعالى من قصيدة إلى أخرى؛ لتمثل شعور شاعرنا، وهو يترجمها إلى كلمات حائرة تحاول استنطاق ماحولها من الوجود الذي يستشعره، مرَّةً منفتحاً على سوسنات اللذائذ، ومرةً تهزج بأسئلة مضطربة، وأخرى ينغلق غباراً مأفوناً، وعيوناً مصلوبةً في غابة، فنراه في كلِّ التفاتاته ينزع نزعةً وجوديةً تعتمله لطلب الحرية والخلاص مثلما ذهب رفاقه إلى ديار قرارهم الأخير، إنَّها محنة العصر التي اشرأبت بها النفوس ظمأً، وهي تتوجس المجهول، فنراه يمازج بين الأسطورة والواقع، ليعالج فيها قضايا مجتمعية؛ مما يجعل النص ينفتح على لاوعيه؛ ليظهر لنا دلالات جديدة تنبِّئ بما يترجاه الشاعر من معانٍ مسددة؛ لبث المعاني التي يتوخاها الموقف لاسيما في  قصيدته (راحلون) التي يعبِّر فيها عن مرحلتين من عمره، هما : مرحلة الغنى الرومانسي الذي ولَّى، ونهر الروح الذي ظلَّ يرتوي من نسغ أحلامها الجميلة في المرحلة الأخرى، مخاطباً المطر الذي يمثل رمز الإخصاب، وهو يرسم صورة العراق منذ آلآف السنين إلى أن اكتملت خارطته المعاصرة، وكأنَّه يومئ إلى أسطورة عشتار وتموز اللذين ظلَّتْ طقوسهما تُمارَس دهراً في أرض وادي الرافدين كرمزين للإخصاب، وقد عَمَد الشاعر الحديث والمعاصر إلى توظيف الأسطورة، فيعللها الدكتور يوسف عز الدين بقوله " إنَّ القهر الروحي والذل النفسي، والمكبوت الفكري، والظلم الاجتماعي، والفوضى السياسية في العالم العربي دعتْ إلى استعمال الأساطير"،  فنراه يقول في قصيدته (إلى ومضات مطرٍ ساخن تراسيمها العراق):

نرتحل ُ، فتلتمّ أحلامُنا في الرؤوس

تصحو منتفضةً لتكتبَ عذاباتها في تاريخها السرِّي

هذا ما كان في الزمن الذي يحرِّك الأشياء نحو أوهامِها .

أهو الانطفاء إذن أم أنَّنا مازلنا ننزفُ رحيقَ الأمواه،

وننضحُ روائحَ الأدغال ؟ !!

فنغادرُ كالمسافرين مملكةَ الشهوات

تاركين بالعراء (خربشةَ) الأحراش وتناغُمَ الأصوات

ومثقلين عبر ارتحالنا بالأفكار

وغائمين فوق أرصفة النهار كظلالٍ تعبِّر حالات اليأس؛

لتلامسَ مصاطبَ آلهةْ .

فهو المسافر عن مملكة الشهوات وأيام الصبا وملاذات الأنس إلى عالم الواقع المتِّشحٍ بسطوة الهموم والمُحمَّل بِسلال اليأس، لكن شاعرنا يحاول العودة إلى أحلامه بوصفها ملاذاتٍ تمنحه الراحة، فعلى الرغم من أنها موغَلة بالأماني إلا أنَّ في تلابيبها افتضاحاً لأسرارٍ، قد عفا عليها الزمن؛ ذلك كي يؤجج في ذاته نيران المواجع؛ ليعبر إلى ضفة الأمان كما كانت الناس تنتظر الوفرةَ  والخصب بعد إتمام طقوسها، يقول :

لكننا الآن نلمُّ عويلنَا

باحتدامِ شفاهنا

وتجتاز خطواتُنا كلَّ الحافات .

ولمَّا كانت عشتار رمز الانبعاث، فهو يرسم لنا من صورة المطر تلك الإيماءة وعلاقتها بعبارتي رحيق الأمواه، وروائح الأدغال، فالأولى تمثل زمن الخصب، بينما الأخرى تومئ إلى زمن الجدب، فضلاً عن ذلك عبارة ( وغائمين فوق أرصفة النهار ... تعبر حالات اليأس؛ لتلامس مصاطب آلهة )؛ فانتظار الناس ودعواتهم لاجتلاب تموز يمثل حالات عبور الشاعر من حالة اليأس إلى حالة الغنى بالأمن والسلام والخير ذلك حينما تلتقي الآلهة على مصاطب الإخصاب.

وفي قصيدة أخرى يظهر وجعه ومأساته من الواقع المزري الذي فتك بالحرث والنسل، فنراه يقول :

أدخلُ سكوناً مُستريباً

وأنفذ من ارتباكي

ممتلئاً

برائحةٍ

تنبِّئ

بالعطب .

فهو يعيش القلق، كونه يشعر أنَّ نهاية مطافه بالعطب الذي لايبقي ولايذر، لكن نجده يركز على تيمات تكاد تكون هي محور قصائده، إذ أومضت بـ (وجع، وهلع، ووحشة، وانطفاء، وأوهام، واضطراب، وخراب، وزوال، وانكماش، وانكفاء، ورعشات، ودخان، وارتباك، وظنون، وضياع، وتأوه، وهذيان، ولا جدوى، وعتمة، وضلالة، وجمر، وضجر، وألم، ورفض، وضد)؛ مما يدل على أنَّ نصوصه تحملُ في فضاءاتها قلقاً وحزناً عميقاً، تتنازعها أرواحُ البرايا في ظل الظروف التي عاثت بها، فهي لاتصوِّر سوى اغترابه في هذا الواقع المأزوم الذي لايجد فيه مناصاً؛ لتحقيق ما يرنو إليه، وهي رؤيا تكاد ترى المستقبل غير قابل للانفتاح إلَّا على وجه المداخن التي تغطِّي سماوات الواقع، فنراه في أحيان يتوجه نحو المقدس، علَّه ينفض من كتفيه أدغال هموم، لكنه على الرغم من ذلك، يرى كلَّ شيء مضطرباً هلعاً، فهو يقول :

سأدورُ

حول أضرحتي، ارتدي فوانيسها

حاضناً أوجاعَ الكنائس،

وانكسار تلكَ المآذن المضطرمة بتراتيلها،

فأحجُّ

و ا م ض اً

إلى بيتِ بشارةٍ

تفضحُ الطرقات،

متلبِّسةً بتعاويذَ أسلافٍ

تنكفي هَلعةً .

إذ تشير سطور القصيدة أنه يعيش نزعةً وجودية، يسود فيها الاضطراب والضياع، وحتى مع ومضة المقدس التي يتمنى أن يعيش معها لحظة اطمئنان، لكن الشاعر يراها على العموم هي الأخرى مُضلَّلة بتعاويذ الأسلاف الذين حرَّفوا ما يومئ إلى قدسيتها .

فشاعرنا يرسم في مجموعته صوراً شعرية دقيقة لمعاناة الحسِّ الإنساني على هذا الكوكب الحزين الذي بات به إنسانُنا مسكوناً بالفزع المقيت .

 

بقلم:  د. رحيــم الغربــاوي

 

عبد الهادي شردالتوطيد: المدرسة الواقعية والواقعية الاشتراكية

بادئ ذي بدء تعتبر مدام دو ستايل أول من دشنت المرحلة التأسيسية للنقد الاجتماعي في مطلع القرن التاسع عشر، بكتابها: "الأدب في علاقته بالأنظمة الاجتماعية" -رغم أن الأدب الواقعي موجود منذ القدم والذي كان يسمى بالأدب الموضوعي كما يرى بدر شاكر السياب، وهو في المقابل ما يعرف لدى جون بول سارتر بمفهوم الأدب الملتزم- وفي روسيا قد نشأ النقد الاجتماعي بفضل مجموعة من الواقعيين الماديين، أمثال بيلنسكي وتشيرنيشفسكي ثم كارل ماركس وأنجلز، إلّا أن النقد الاجتماعي كمنهج نقدي لم يبدأ إلّا في أواخر القرن التاسع عشر لتتغلغل الواقعية الاشتراكية في الأوساط النقدية الروسية، التي تبناها فيما بعد مؤسسي علم اجتماع الأدب الناقدين لوسيان غولدمان وجورج لوكاتش، اللذان أبديَا اهتمامًا كبيرًا للرواية الاجتماعية وتعد دراستهما أفضل تجسيد للعلاقة بين البناء الأدبي والنظام الاجتماعي.. وكان من أوائل الكتاب  المبدعين العرب، الذين ساروا على منوال المذهب الواقعي محمد حسين هيكل بروايته "زينب" رغم تأثره أحيانًا بالاتجاه الرومانتيكي، ولكن يعد رائد هذا المذهب الواقعي في الأدب العربي الحديث، كبير الرواية العربية، الروائي المصري نجيب محفوظ، بروايته "خان الخليلي" ليتبنى بعد ذلك هذا المذهب بعض الكتاب المغاربة، والذين من أبرزهم: الروائي الشهير محمد شكري والروائي محمد زفزاف وغيرهم، لكن سرعان ما اندحر هذا الاتجاه أمام اتجاه التحديث والتجريب الذي ظهر أواخر السبعينيات وبدايات ثمانينيات القرن الماضي، ليسطع هذا الاتجاه من جديد مع الروائي الدكتور عادل أوتنيل، بعد أن عرف نوعًا من الركود، مجددًا ومحدثًا له مازجًا بين الموروث والمستورد.

سوسيولوجيا الكاتب -عادل أوتنيل

نشأ عادل في كنف أسرة فقيرة، بمدينة تزنيت ورغم إعاقته الشبه تامة، منذ الصغر، تحدى عادل كل نوائب الحياة ومصاعبها وعراقيلها، إلى أن قطف شهادة الدكتوراه في الأدب العربي في موضوع: "صور الاغتراب في شعر الصعاليك"  بجامعة محمد بن عبدالله كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز فاس، إذ ينتمي الروائي عادل أوتنيل إلى طبقة اقتصادية كادحة، طبقة  بروليتارية، اجتماعية مسحوقة، مهضومة الحقوق، مغلوبة على أمرها، ضحية مقموعة أينما حلت وارتحلت في هذا الوطن الجريح، ممّا أدّى إلى انتمائه واعتناقه مدرسة الواقعية -الاشتراكية- في الأدب.. وقد دشّن باكورة أعماله بمجموعته القصصية التي وسمها بـ"على عتبات الليل"، والرواية الماثلة بين أيدينا الآن "اللصيلصون في قصر المتعة"، والمجموعة القصصية الأخيرة وليست بالأخيرة "هديل الحجر".

792 قصر المتعة

الكاتب عادل أوتنيل 

تنتهي رواية اللصيلصون في قصر المتعة على ورود خبر بالمجلات والصحف يفصح عن بروز ظاهرة غريبة، مفادها عمليات سرقة منظمة لبيوت الأثرياء المتخمين، من لدن فتية ملثمين تحت ستار الليل، وتوزيع الأموال على الفقراء والكدح ممّن يفترشون أديم الأرض ويلتحفون السماء؛ مما لا شك فيه أن الكاتب هنا يستلهم تراث الصعاليك الجاهليين القدامى الذين كانوا يقطعون طرق قوافل الأغنياء ليوزعوا بعدها الأموال على قبيلتهم الفقيرة بالتساوي بينهم، غير أنّ صعاليك عادل أوتنيل هم صعاليك جدد، هم "لصيصون" مسلحون بالفكر الاشتراكي الماركسي اللينيني، يرمون إلى تطهير المجتمع من اللصوص الكبار -لصوص يناسبهم الاسم- الذين ينهبون ويسرقون ويغتصبون بلا رحمة ولا ضمير، ينهبون ثروات الوطن ويبيعونها وأنفسهم بأبخس الأثمان، لصوص يسلبون حقّ الفقير في العيش، ويزرعون الضنك في حياته، لصوص سياسيون لا محل لهم من السياسة سوى النهب والسلب، وتنظيف جيوب المواطن، ولكن بـ"احترام"، وتحت حماية "محترمة". إذ ينسج عادل أوتنيل خيوط روايته هذه من حياة اجتماعية مغربية قاسية، مستوحاة أحداثها من واقع معاش يتخبّط فيه المجتمع المغربي، أحداث تدور معظمها بين قصر مهجور قرب ملاح المدينة وبين المدينة، شخصيات جلّها -إذ لم نقل كلها، شخصيات فعلية عايشها عادل خلال مراحل حياته، منذ الصغر إلى حين التجربة الجامعية وما عاناه خلالها من معاناة قاسية.

سوسيولوجيا الشخصيات –اللصيلصون

يعتبر علي الزواق ذاك الطفل البالغ من العمر إثنا عشر ربيعًا، سحبه أبوه من المدرسة عنوة توفيرًا لمستلزماتها الباهظة الثمن من جانب، ومن جانب آخر دفعا به إلى ميدان العمل كي يعينه على حمل عبء الحياة الثقيل؛ يبرز الكاتب من خلاله صورة الطفل المغربي الذي يعاني الهدر، والحرمان من حياته الطفولية الدراسية، واستغلاله في التشغيل، قضية الطفل الذي لايزال يعاني الويلات في المجتمع المغربي المسحوق... جواد كروم الملقب بالنمر شاب بالغ من العمر تسعة عشر سنة، انقطع بدوره عن الدراسة، بعدما كان يحلم بأن يصبح دركيًا حاميًا للمواطن من كل نهب وسلب، فببراءته كان يظن أن الدرك عمل شريف عفيف، إلى حين اكتشافه العكس بعد اجتيازه للامتحان، إذ لم يجتزه غير الذين هم متسلحون بسلاح الوساطة والمحسوبية، ومنه يتضح لنا كشف الكاتب مدى انعدام شفافية المباريات، كما أن أباه الذي كان دركيًا، كان أيضًا حاجزًا منيعًا بينه وبين هذه الوظيفة، وذلك أكيد راجع لوعيه بعمق المجال الخبيث، ليجد جواد نفسه تائهًا بين دوامة اليأس والإحباط، فينقلب إلى متمرد؛ متمرد على المجتمع، على نفسه وعلى كل شيء من حوله..  رشيد العطار أو طوطو شاب من أطفال الشوارع، تبنياه أبوان لم يكن لهما أولاد، اعتنق الحشيش والانحراف بعد موتهما، يعالج عادل من خلاله إشكال الطفل المشرد بين الشوارع في الوطن المغربي، والواقعية المحتمة –المفروضة- عليه من طرف (المسؤول) المستبد الاستغلالي والمهمش.. إلخ. سعيد المهدي شاب في الثانية والعشرين من عمره، لفظته المدرسة وهو صغير، لكثرة ما كان معجبًا ولعًا بالفتيات، ضبط إحدى المرات بمرحاض الفتيات، ليجد نفسه في الشارع مطرودًا، دون مؤهلات تقيه من شر الزمان، غير قوته التي استثمرها في بيع المخدرات، إذ كان من الأجدر توعيته عوض طرده، من هنا نستشف فضح الكاتب لعورة المنظومة التعليمية بالمغرب خاصة في التعاطي مع التلاميذ الذين كثيرًا ما تلفظهم المدرسة المغربية إلى الشوارع لتصنع منهم هذه الأخيرة جملة من الجانيين؛ تجار المخدرات، والسارقين، والقاتلين.. إلخ. بوقرعة ذاك الفلاح البدوي، الذي باع أرضه، ونزح إلى المدينة آملًا في واقع أفضل، إلّا أنه وقع ضحية في شرك أحد اللصوص الكبار "لص محترم"، أوهمه بمشروع مربح يدر عليهما دخلًا وفيرًا، إلّا أن البدوي بسذاجته لم يكن يعي اللعبة إلّا بعد اختفاء اللص المحترم، واختفاء أمواله، ليتخذ بوقرعة من أعشاش الصفيح عشًّا يأويه، ومن قنينة الخمرة (القرعة) رفيقة له، ليصبح من المحتّم عليه أن يتخذ من اعتراض سبيل المارة وسيلة لكسب قوته اليومي؛ من هنا نجد أن عادل يكشف مدى نهب وسلب وتهميش المجال القروي وجعله أرضًا يبابًا خرابًا، كما يعالج الكاتب الإشكال نفسه مع الشخصية جلال أنور شاب في العقد الثاني من عمره نزح وأهله من البادية إلى المدينة بعد موجة جفاف أضحت الحياة بها عابسة كاسفة، ليجد نفسه مشردًا بالمدينة، قاوم بحثًا عن لقمة العيش إلى أن أدرك أن الحيلة سبب الرزق، ليصبح منظفًا لجيوب الدكاترة من الأثرياء المتخمين، في المستشفيات، في داخله يضمر حقدًا دفينًا على المتسلطين لكنه دائمًا ما يتسلح بالكتمان، ويعمل في الخفاء.. أشرف هشام الملقب بـ(صعصع)، الموجز الذي اجتاز العديد من عراقيل الحياة طوال فترته الدراسية، إلى أن حصل على شهادة الإجازة في الدراسات الإنجليزية، آملًا أن يظفر بوظيفة محترمة، لكن دون جدوى لعدم توفره على وساطة أو محسوبية؛ تلك الأسلحة التي تنخر المجتمع المغربي من جهة، ومن جهة ثانية، هي أسلحة محتمة على المواطن المغربي في هذا الزمن الرديء، لا لشيء فقط من أجل حقّه. من خلاله يبرز لنا الروائي واقع العطالة بالمجتمع المغربي واقع المعطل القاسي المرير.. عزيز البهجان الشاب المساعد دائمًا لرفاقه في المتاجرة وتوزيع الحشيش بين الأزقة والدروب، وفي مهمات الصعلكة، الذي يمكن القول عنه إنه المواطن الجندي من جنود خفاء اللعبة الصعلوكية...

سوسيولوجيا "اللصيلصون في قصر المتعة" حتمية واقعية

إن كل هؤلاء الفتية إلى جانب بوقرعة يلتقون في نقطة واحدة تجمع بينهم جميعًا، ألا وهي التشرد، كل هؤلاء مشردين تائهين بين دروب الحياة، تجتمع فيهم جميع فئات الطبقة المسحوقة من أطفال الشوارع إلى الفلاح إلى المعطّل... حتى الطفل علي الزواق لم يجد مكانًا آمنًا يلوذ إليه بعد أن طرده أبوه من البيت، إلّا أن يتجه إلى جواد كروم والالتحاق بمجموعة هؤلاء الرفاق الذين يجمعهم القصر المهجور، به يسهرون ويتناولون الحشيش والخمر، وبه يخططون خططهم، وبه يناقشون مشاكل المجتمع المغربي، المحتم عليه جملة من المعاناة الاجتماعية -العائلية– والاقتصادية.. إلخ. كما يبرز من خلالهم الكاتب إشكالية السياسة تلك اللعبة القذرة التي ليست سوى تهريج وتهويش وشعارات رنانة فارغة المحتوى، والتي لا تقوم سوى على النهب والسلب والمكر والخداع، كما يعالج الكاتب واقع الدين بالوطن المغربي تلك الدابة التي يمتطيها البعض -السياسي خاصة- بغية الوصول إلى مبتغاه، ذلك المخدر المعنوي للعقول، الذي يستخدم لتنويم الشعب وتجهيله جهلًا مقدسًا.. كما يرمي عادل إلى تشخيص واقع التعليم بالمجتمع المغربي الذي ليس سوى مسرحية هزلية فكاهية، بطلاها المعلم والتلميذ، منظومة الجهل المؤسس "تهدف إلى التجهيل لا إلى المعرفة" بتعبير العالم اللساني -المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي. وبتعبير العالم السوسيولوجي، المغربي الراحل محمد جسوس، هي منظومة "تصنع أجيال ضباع". إلى جانب هذا يعالج الكاتب إشكالية الإنسان العربي الذي لايزال يحمل رواسب قديمة مدجن الذهنية مكبل، رغم مظاهر التقدم الزائفة..

يعود علي إلى المنزل بعدما توسطت له جدة حبيبة الطفلة العاشقة له ولم يستخدم الكاتب هنا اسم حبيبة عبثًا، وإنما أراد بذلك أن يعبر بهذا الإسم عن الحبّ والحياة الذي ترمز إليه المرأة في المجتمع، من جهة، ومن جهة ثانية، فإنه ينم عن شوقه وحنينه للفتاة حبيبة الحقيقية التي عشقها عادل منذ صغره، لكن شاء الأقدار أن تهجر الوطن صغيرة، وتقبع خلف البحار، ورغم ذلك رغم طول السنين فحبه لها لم يمت.. عاد علي إلى البيت، و من مهنة بيع (جافيل) في الشوارع، ينتقل إلى متعلم مبتدئ في مهنة النجارة، لكن سرعان ما اصطدم بفاجعة من الشيخ صاحب المتجر بمحاولته ممارسة اللواط عليه، والشيخ هنا تجلي من تجليات الظلاميين على المجتمع، ذاك الرجل الذي طالما يتظاهر أنه رجل دين ووقار، إلّا أنه يستغل هذا الدين في العلن، وفي الخفاء يضمر ما يضمر من خبايا وأسرار خبيثة، إذ أنه في الحقيقة ليس إلّا لواطًا خبيثًا مقيتًا، ظلاميًا، عديم النفع والضمير، يبرز عادل من خلاله الوجه الحقيقي لبعض المتدينين، الذين ليسوا سوى ظلامين، أولئك الذين يمتطون الدين كدابة وصولًا إلى مبتغياتهم الدنيئة... وسرعان ما دافع علي عن نفسه إذ هوى على الشيخ بضربة أسقطته أرضًا، ليهرب منه إلى رفاق القصر مباشرة.. يخططون له الصعاليك خطة يقع في كمينهم كخفاش من خفافيش الظلام، يطرقون بابه في منتصف الليل في هيئة شرطة المخابرات، ليجدوه قد دبر لطفل يتيم مكيدة وغرر به ليسقط في شركه فريسة تلك الليلة، إلّا أن الصعاليك لقنوه درسًا لن ينساه أبدًا الدهر، بطريقة صعلوكية منظمة يستولون على ما لذّ وطاب من مال وفير من الأجدر توفيره لمن يفترشون أديم الأرض ويلتحفون السماء...

يعود علي إلى مهنته الأولى، يجهز عربته ويسرح في الشوارع باحثًا عن قوته اليومي كعادته السابقة، وذات مساء عند عودته إلى البيت، يصطدم بخبر موت الأب الذي نزل صاعقة عليه، ليخيم  الحزن والكآبة على قلبه الصغير... هنا يجد عادل فرصة لفضح رداءة طقوس الموت، بالمجتمع المغربي، التي لم تعد سوى مناسبات لملء بطون العامة من الناس والخاصة من الأئمة، وكل المنافقين-المتصنعين؛  كيف لفقير أن يموت فقرًا، وتتكلف عائلته بتوفير الذبح والأكل والشرب.. إلخ؛ ربما للتباهي أمام العامة، أو ربما خوفًا من نظرة الآخر العقيمة، نظرة المجتمع المعاقة... إلّا أن الموت هنا، من جهة ثانية، هو موت فعلي لأب عادل أوتنيل، وما عاناه بعد ذلك، لكونه بقي وحيدًا يعاني مرارة الشقاء ومواجهة الصعاب، بعد أن كان الأب هو مصدر الدفء والحنان والمساعدة...

بعد لقاء حميمي مع حبيبته، خلف أسوار المدينة، حيث الحب يرفرف على قلبيهما الصغيرين اللذان ينبضان حبًّا وعشقًا، يدلف علي إلى البيت الذي قد خيّم عليه الحزن والضيم ثانية، ليكتشف عودة أخته فاطمة التي تعمل خادمة لدى أحد البرلمانيين، ليكتشف أن هذا الأخير قد غرر بها واهمًا إياها بالزواج ليسقطها في شركه الخبيث، يأكلها لحمة غضة، فيرميها عظمة كسيفة بائسة. عزم علي على مواجهة البرلماني إلّا أن اليد الواحدة لا تصفق، أعد عدته ورفاق القصر المهجور ليسقطوا به في فخهم، ويعلموه درسًا من دروس المدرسة الصعلوكية لن ينساه قط، إذ لم يكن من حل آخر أمامهم غير إخصائه، واضعين له بذلك حدًّا نهائيًا، ليثأر علي لأخته التي كانت بعدما ضاق صدرها بسبب تأنيب الضمير، خائفة من نظرة المجتمع؛ الذي ينظر للضحية كجانية وينسى بذلك ما فعله الجاني الحقيقي المجرم السياسي؛ المغتصب، المهمش للشعب والسالب حقّه والهاتك عرضه وشرفه، كانت قد أقدمت على وضع حد لحياتها نهائيًا.. من هذا المنطلق نستشف أن الكاتب يعالج وضعية المرأة المضطهدة المغتصبة من لدن السياسي الوضيع، الذي لا يقدر المرأة ويسلبها حقها في الحياة، لا يراها سوى متعة يأكل ما لذ منها لحمًا ويرميها عظمًا.. كما استولوا بخطتهم الصعلوكية على كل ما يملك البرلماني من أموال ومستندات تسيير دور الدعارة، والتجارة في الأسلحة والمخدرات، وتزوير الانتخابات.. إلخ. ليصير كلبًا في قبضة الصعاليك وتصير الأمور بزمامهم.

ختامًا يمكن القول إن الروائي عادل أوتنيل في روايته هذه يجعل من التاريخ مادة حية ولبنة أساسية يرتكز عليها كأساس قويم؛ تراث الصعاليك الجاهليين، الذي يمزجه عادل بتاريخ الفكر الاشتراكي، من أجل قراءة الحاضر قراءة اشتراكية واقعية مركزة، يبرز من خلالها واقع المجتمع المغربي القاسي، ويكشف عن عوراته وإعاقات نظرته إلى الأمور والوقائع، كما يفضح مستفيدًا من المرجعية الاشتراكية عورات وتشوهات سياسة النظام المغربي، وسياسة التعليم الطبقية، واستغلال الدين من لدن المتدينين أو "المتأسلمين" - إن صح التعبير.. ليستشرف عادل بذلك مستقبلًا اشتراكيًا صعلوكيًا -الصعلكة المنظمة- كحل بديل لتطهير المجتمع المغربي من المستغلين والمغتصبين لحق المواطن المجهل، المشرد بين دروب الحياة من طرف شرذمة لا تستحق من الوطن قبرًا ولا شبرًا حتى ترقى إلى مرتبة الحياة على بسيطته.

 

 بقلم: عبد الهادي شردال