1235  سعاد الناصركتبت الأديبة المغربية الدكتورة سعاد الناصر في أجناس تعبيرية وقضايا معرفية متعددة، وصدرت لها أعمال شعرية، وقصصية، ونقدية، إضافة إلى دراسات أدبية، ومقالات، وأعمال في التحقيق.

وقد كان القراء على موعد معها في الآونة الأخيرة في جنس أدبي لم تطرقه من قبل، هو جنس الرواية، إذ أقدمت على إصدار عملها الروائي الأول "كأنها ظلة" الصادر هذا العام(1).

وليس مراد هذه الورقة الاقتراب من جل ما تطرحه هذه الرواية من القضايا والأفكار، وإنما المبتغى الحديث في أمر واحد هو حضور الاختيارات الفكرية والاجتهادات النقدية للدكتورة سعاد الناصر داخل عملها الروائي. وبعبارة مغايرة متسائلة: هل يمكن الفصل بين سعاد الناصر الروائية وبين سعاد الناصر الناقدة والمفكرة؟ هل تنفك الكتابة الروائية عند أم سلمى عن كتاباتها النقدية والفكرية؟ هذا هو السؤال الذي تسعى هذه الورقة للإجابة عنه.

في المتن الحكائي

تحكي هذه الرواية قصة محامية متمرنة اسمها أندلس تعرّض خطيبها الأستاذ الطيب للاعتقال والسجن ظلما، إذ لُفّقت له تهمة اغتصاب تلميذته نجوى وصدمها بالسيارة.

 حُكم على الطيب بالحبس عشر سنوات، وفي السجن عاش فصلا جديدا من المعاناة بعد معاناته في مخفر الشرطة أثناء التحقيق معه. لكن خطيبته أندلس ظلت مقتنعة ببراءته، فانطلقت تقوم بمحاولات وأبحاث عديدة بمساعدة أبيها إلى أن تمكنت من فتح التحقيق في القضية مجددا حين ساعدها نائب جديد (وكيل للملك) تعاطف معها لأنه كان يقرأ مقالات الطيب الأسبوعية على صفحات جريدة "البنيان المرصوص" «وكثيرا ما شك في أنها قضية لتصفية حساب لسان طويل آن له أن يُقصّ»(2).

«أُطلق سراح الطيب بعد أن تقدم النائب إلى المحكمة بفتح قضية تتعلق بمجموعة من رجال الأمن تورطوا في عدد من الرشاوي، من جملتهم الضابط الذي تولى أول مرة التحقيق معه [الطيب]، واستطاع [النائب] أن يتوصل إلى كشف تزوير الخط»(3) في توقيع محضر نُسب فيه إلى الطيب ما لم يفعله من أعمال إجرامية.

هكذا تجدد اللقاء بين أندلس والطيب، واجتمعا في بيت الزوجية بعدما باعد بينهما الظلم مدةً من الزمن.

هذا تلخيص موجز لأهم معالم الرواية، مخلّ – دون شك – بمضامينها، غيرُ ملمّ بكل ما تناقشه من قضايا بالغة الأهمية كقضية «الحريات وغياب العدالة الاجتماعية والسياسية»(4).

قضايا فكرية ورؤى نقدية داخل الرواية

1- قضية الإنسان لا قضية المرأة

من أهم ما يثير الانتباه عند قراءة هذه الرواية أن المرأة فيها لا تشتغل بقضية المرأة، بل تشتغل بقضية أكبر وأهم، فبطلة الرواية (أندلس) تهتم منذ بدايات الرواية إلى نهايتها بالظلم الذي يقع على الناس، فتتساءل عن سبب الظلم، وتفكر في طريقة لرفعه، وتتواصل مع بعض الذين كانوا سببا في ظلم خطيبها الطيب، وتحاول إقناعهم بالاعتراف بالحقيقة لإنصافه، وتجمع قرائن جديدة، وتطالب بإعادة محاكمته..

إننا في هذه الرواية أمام صورة لامرأة مغايرة لصورة المرأة في كثير من الروايات النسائية العربية. نحن أمام امرأة تتبنى قضايا الآخر وتدافع عنها، ولا تنكفئ على ذاتها وهمومها الفردية.

نعم قد يذهب بعض القراء إلى أن دفاعَ أندلس عن الطيب ليس دفاع امرأة عن الآخر، ولكنه دفاعُ امرأة عن نفسها وعن سعادتها التي أفسدها عليها ظلمُ شريك لها في الحياة، وأنها لولا هذه الشراكة العاطفية والوجدانية لما اهتمت باعتقال الرجل وحبسه.

لكن إنعام النظر في الرواية كلها، وربط أولها بآخرها، والبحث في دواعي دفاع أندلس عن الطيب يؤكد خلاف ما تستنتجه تلك القراءة العجلى. تقول أندلس وهي تفكر في الطيب: «انتابتني الحيْرة، كيف سأصبح قوية؟ كيف والحزن يتشبث بصدري..وهذا الظلم الساري في كل ركن من أركان هذا الوطن لا يرحم..

صور عديدة كانت تنثال على ذاكرتي، تُبرز أن الطيب ليس حالة فريدة، وإنما هي حالات متعددة، تتكرر وتتنوع مظاهرها، فكم من أسرة مكلومة اتُّهم وليُّها، وغُيّب في السجن دون أي محاكمة تذكر، وكم من شاب اختُطف ولم تعد أسرته تعلم عنه شيئا، ولا يجمع بين هذه الحالات وغيرها سوى كلمة حق قيلت في زمن الظلم»(5).

إنه وعي بقضية وطن كامل، وليس وعيا بقضية فردية. وقد بقي هذا الوعي مصاحبا لأندلس حتى أواخر الرواية، إذ بعدما أفرج عن الطيب، واجتمعت به في بيت الزوجية، ولاحظت آثار التعذيب على نفسه ألفيناها تقول مرة أخرى: «يوما بعد يوم تيقنتُ أكثر أن قضية الطيب لم تنته، وأنها لم تكن أبدا قضية شخصية، بل هي قضية الآلاف من المظلومين الذين انزووا في الصمت دون أن ينتبه إليهم أحد..»(6).

واضح إذن من المقطعين النصيين المتباعدين (ص79 / ص209) أننا أمام امرأة لا تفكر في قضية المرأة، بل تخرج من هذا النفق الضيق إلى أفق رحب، فتفكر في "الآلاف من المظلومين" وفي "الظلم الساري في كل أركان الوطن"، وتَعي وعيا راسخا أن بين المظلومين قاسما مشتركا هو أنهم قالوا "كلمة حق في زمن الظلم" على نحو ما جاء على لسان أندلس.

والواقع أن هذا الوعي النسائي الذي عبرت عنه أندلس، داخل الرواية، لا يختلف في شيء عما عبرت عنه المؤلفة الدكتورة سعاد الناصر في عدد من أعمالها الفكرية ككتابها "بوح الأنوثة"(7) الذي عارضت فيه بصدق وشجاعة ما تطرحه أغلب الحركات النسوية بخصوص قضية المرأة، فوصفت هذه القضية بأنها «لا تطفو على سطح الوجود المتصابي إلا لاعتبارات سياسية أو مناسباتية»(8) وتحدثت عن «مبالغة في المعاناة النسوية من جهة، وهروب من الهموم الحقيقية من جهة ثانية»(9).

كما تساءلت أستاذتنا بشجاعة وأجابت بصراحة في هذا الكتاب قائلة: «لماذا هناك قضية للمرأة وليست هناك قضية للرجل؟ كثيرا ما يثيرني هذا التساؤل ويشعل في أعماقي لهيبا من ثورة مضمرة ومغيّبة في الواقع اليومي، فيفتح شهيتي للكلام المباح وغير المباح، الكلام المنطوق والمسكوت عنه، خاصة حين ألمس الرجل بجانبي ومعي يتخبط  في مستنقعات عدة، ابتداء من الجهل إلى الاستبداد العام، إلى الركض الأعمى وراء لقمة الخبز..»(10). إن القضية في رأي أستاذتنا «أعمق من أن تكون قضية المرأة، وإنما هي قضية الإنسان»(11)، وهذا ما عبرت عنه أندلس في الرواية حين ربطت قضية سَجن الطيب "بالظلم الساري في كل ركن من أركان الوطن" ولم تجعلها قضية شخصية.

2- خلخلة الصورة النمطية للمرأة عند العرب

من القضايا التي انشغل بها هذا العمل الروائي خلخلة الصورة النمطية الشائعة عن المرأة في الثقافة العربية. ومن المقاطع الروائية المعبرة عن ذلك هذا المقطع الحواري بين أندلس المحامية المتدربة وبين سائق سيارة أجرة جاءت أندلس إلى المحكمة لتدافع عنه بتكليف من المحامي الذي تتمرن عنده. نقرأ في هذا المقطع على لسان أندلس:

«فجأة نظر إليّ نظرة مذعورة وقال:

- "ألم يأت المحامي؟؟ كنت أنتظره.."

- "أنا التي سأدافع عنك"

- "ماذا ستنفعينني أنت؟؟ السائقُ مع محاميه الرجل، هل ستستطيعين مواجهته؟؟.."

- "إني أيضا محامية وإن كنت متدربة، ما الأمر؟.."

- "لن يحكم القاضي لصالحي حين يرى امرأة تدافع عني.."

تعالى صِياحه حتى بدأت الأنظار تتجه نحونا، نظرتُ إليه باندهاش، لا أصدق ما أراه أمامي، هل بمثل هذه العقليات سيتطور المجتمع نحو الأفضل؟؟ هل ما زالت النظرة الدونية للمرأة تعشعش في العقول؟..ألم أدرس في كلية الحقوق مثلما درس زميلي الرجل؟ وربما كنت أكثر انضباطا وحرصا على التحصيل منه؟..

حاولتُ أن أشرح للسائق بهدوء أن القضية سهلة، وهي في صالحه..رأيتُ مسحة اليأس على محيّاه. وحين سمع اسمه للدخول إلى الجلسة، جرّ قدميه جرا نحو القاعة»(12).

يكشف هذا النص نظرة دونية للمرأة تضعها في مكانة دون مكانة الرجل، ولا ترى فيها شخصا مؤهلا للقيام بما يؤديه الرجل من أدوار، وهذا ما يتبين من كلام سائق سيارة الأجرة الذي استهجن أن يكلف محاميه امرأة/ محامية للدفاع عنه.

لم يستسغ السائق ذلك، وعدَّه سببا للحكم عليه لا له فقال: "لن يحكم القاضي لصالحي حين يرى امرأة تدافع عني.."، وأحس بالهزيمة كما يستشف من وصف أندلس له قائلة: "رأيتُ مسحة اليأس على محياه. وحين سمع اسمه للدخول إلى الجلسة جرّ قدميه جرا نحو القاعة".

وإذا كان هذا المقطع النصي يُجلّي النظرة الدونية للمرأة فإنه لا يخلو من استنكار لتلك النظرة، وسعي لدحضها وبيان تهافتها. وذاك ما تبتغي تحقيقه الأسئلة المترددة في أعماق أندلس إذ قالت: "هل بمثل هذه العقليات سيتطور المجتمع نحو الأفضل؟ هل ما زالت النظرة الدونية للمرأة تعشعش في العقول؟ ألم أدرس في كلية الحقوق مثلما درس زميلي الرجل؟ وربما كنت أكثر انضباطا وحرصا على التحصيل منه؟".

إن في هذه الأسئلة إدانة وشجبا واستنكارا للانتقاص من قدْر المرأة واختزالِها في الجسد فقط.

ولا يجد الدارسون لمجمل الأعمال النقدية والكتابات الفكرية للدكتورة سعاد الناصر كبير عناء في تبين نقدها لتلك النظرة الدونية للمرأة. ولنقرأ على سبيل المثال قول أم سلمى في كتابها "السرد النسائي العربي بين قلق السؤال وغواية الحكي": «..ونجد غير بعيد عن صورة المرأة في الثقافة العربية القديمة، أن الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة استمرت في تفريخ هذا النمط (13)، مع التركيز أكثر على حصر مشاكلها [المرأة] وقضاياها في تحرير جسدها. ونظرةٌ سريعة إلى إنتاجات الثقافة سواء كان إعلاما أم تعليما أم فنا بمختلف أنواعه وأجناسه أم غير ذلك تكشف عن محاولات دؤوبة لتحجيم دور المرأة، وتقليص دائرة اهتماماتها في مجال الجسد. ولعل ما يُنشر عنها من أدب يبرز ذلك، وينبئ عن حجم محاولات إبعادِها عن قضايا الأمة وقضايا الإنسانية بصفة عامة، وحصْرِها في حلقة ضيقة تدور حول جسدها وأنوثتها، وتقديمِ صورة متدنية عنها»(14).

لعل في هذا الكلام من الوضوح ما يؤكد أنه هو وتساؤلات أندلس في المقطع السابق يصدران من مشكاة واحدة.

3- محكي المقاومة في "كأنها ظلة"

على امتداد صفحات الرواية وتطور أحداثها تقضي أندلس جل أوقاتها في مواجهة الفساد والظلم والاستبداد، فتخوض من موقعها خطيبة للطيب ومحامية متدربة معركة للبحث عن دلائل براءة الطيب وأدلة تورط شبكة من المفسدين في تلفيق التهم لإنسان بريء انتقاما منه لتعبيره عن آرائه الحرة في مقالاته الأسبوعية.

لم تستكن أندلس، ولم تستسلم، ولم تيأس رغم كثرة ما يحبط، ورغم وصولها إلى الباب المسدود في بعض الأحيان..وبذلك صارت أنموذجا من نماذج أخرى وردت في نصوص سردية نسائية مغربية شكلت صوتا للمقاومة. وهذا ما يجعل من هذه الرواية عملا مندرجا ضمن "محكي المقاومة في السرد النسائي المغربي" على نحو ما عنونت الدكتورة سعاد واحدا من كتبها النقدية.

لقد ميزت الناقدة سعاد الناصر في "محكي المقاومة.." بين ضربين من السرد النسائي المغربي المقاوم، وذلك استنادا إلى معيار التحقيب الزمني، فتحدثت عن محورين لهذا السرد:

 «- محور سردية المقاومَة الوطنية في عهد الاستعمار، المؤطِّرة لمفاهيم الانتماء، والحرية، والهوية، والكرامة، والتأكيد على مشاركة المرأة في البطولة المغربية، والانخراط في أشكال التغيير الاجتماعي والتحول السياسي.

- ومحور سردية الروح المقاوِمة لواقع القبح بعد الاستعمار، المؤطرة لمفاهيم الاستغلال، والفساد، والظلم، والعنف، واعتبار قضايا التحرر من مداخل الانفتاح على آفاق إنسانية رحبة»(15).

واستنادا إلى ذلك فإن هذا العمل الروائي "كأنها ظلة" يتنزل في صلب ما سمته الناقدة "محور سردية الروح المقاومة لقبح الواقع بعد الاستعمار".

لقد انتصرت الناقدة سعاد الناصر في كتابها "محكي المقاومة في السرد النسائي المغربي" للكتابات النسائية ذات النفَس النضالي، مفضلة إياها على الكتابات التي تمعن في ترسيخ النظرة الدونية للمرأة، وأفردت كتابها النقدي المذكور للاحتفاء العلمي بالسرد النسائي المقاوِم..وجاء عملها الروائي الأول شكلا آخر من أشكال الاحتفاء بنضال المرأة ومقاومتها للقبح بمختلف صوره وتجلياته. وهي بهذه الرواية تضيف عملا سرديا جديدا إلى الأعمال السردية التي تنسجم ورؤيتها النقدية لما ينبغي أن يكون عليه حضور المرأة في الأعمال الأدبية. وفي هذا تجل آخر من تجليات التناغم والانسجام بين النظر النقدي والعمل الإبداعي عند الأديبة سعاد الناصر.

خلاصة

إن ما وقفت عليه من مؤشرات مؤكدة للتناغم والانسجام بين العمل الروائي لسعاد الناصر وبين عدد من آرائها الفكرية واجتهاداتها النقدية يقود باطمئنان إلى استنتاج خلاصات أذكر اثنتين منها:

 - أولا: يدل امتداد الوعي النقدي والفكري للدكتورة سعاد الناصر داخل عملها الروائي على وحدة شخصية الكاتبة وانسجامها، فما يصدر عنها من آراء هو هو لا يتغير بتغير الجنس التعبيري، ولا يتبدل بتبدل الأزمنة. وقد لاحظنا مثلا أن هناك انسجاما في الرأي بين ما قالته أم سلمى في كتابها "بوح الأنوثة" الصادر في العام 1996 وبين ما قالته أندلس في رواية "كأنها ظلة" الصادرة هذا العام، وهو ما يؤكد أصالة رؤية أديبتنا وثباتها على أفكارها التي لا تسير مع التيار.

- ثانيا: يؤكد حضور الوعي النقدي والفكري للمؤلفة في عملها الروائي أن روايتها ذاتُ بعد رساليّ، فهي لا تكتب رغبة في الكتابة، أو رغبة في تجميل القول وتحسينه والمباهاة به، ولكنها تكتب لأن لها رأيا وموقفا ورسالة في الحياة، لذلك فهي لا تستبعد المتلقي من دائرة اهتمامها وتفكيرها، وتردد في أكثر من موضع من كتاباتها أن «على الأديب أن يخلص لرسالته، وألا يجعلها أداة انحراف وفساد»(16).

ذلك، وإن ما أشرت إليه من انسجام بين جوانب في هذا العمل الروائي وبين آراء وأفكارٍ للكاتبة في كتابات أخرى لا يعني أن عملها سيرة ذاتية، أو أن شخصية أندلس هي الوجه الآخر لأم سلمى، ولكن المقصود أن هذه الرواية ليست محض تخييل بعيد عن الفكر مفارق للواقع، ولكنها رواية ذات رسالة.

ومن الحق أن أؤكد أيضا أننا ونحن نقرأ هذه الرواية لا نشعر في أي من فصولها أو صفحاتها أننا نقرأ مقالة فكرية أو تحليلا نقديا، فالعمل محكم من حيث البناء، وآراء الكاتبة منصهرة فيه، لا تُدرك إلا بضروب من التأويل المرتكز على دراسة لمجمل مؤلفات الكاتبة في النقد والفكر.

 

أبو الخير الناصري

...............................

الإحالات:

(*) الورقة التي شاركت بها في حفل تقديم الرواية بنادي ابن بطوطة بطنجة يوم الثلاثاء 25 من يونيو 2019م.

(1) صدرت ضمن منشورات مكتبة سلمى الثقافية بتطوان، ط01، 2019م.

(2) كأنها ظلة، ص173- 174.

(3) نفسه، ص204.

(4) حوار مع الأديبة سعاد الناصر، جريدة الشمال، عدد يوم الثلاثاء 21 ماي 2019م.

(5) كأنها ظلة، ص79.

(6) نفسه، ص209.

(7) صدر ضمن منشورات سلسلة شراع بطنجة في العام 1996م.

(8) بوح الأنوثة، ص22.

(9) نفسه، ص22.

(10) نفسه، ص22.

(11) نفسه، 24.

(12) كأنها ظلة، ص 91.

(13) تقصد الصورة النمطية للمرأة.

(14) السرد النسائي العربي بين قلق السؤال وغواية الحكي، منشورات مكتبة سلمى الثقافية، تطوان، المغرب، ط01، 2014م، ص24- 25.

(15) محكي المقاومة في السرد النسائي المغربي، منشورات ملتقى الدراسات المغربية والأندلسية بكلية الآداب بتطوان، المغرب، ط01، 2016م، ص06.

(16) تفاعل القيم الإنسانية في الأدب، لسعاد الناصر، مجلة حراء، العدد 30، مايو-يونيو 2012م، ص51. وانظر أيضا "توسمات جارحة" لسعاد الناصر، ص150- 151 وص155-170..

 

 

عبد الجبار نورينجيب محفوظ 1911- 2006 روائي مصري أول أديب عربي حاز جائزة نوبل في الأدب، تدور أحداث جميع رواياته على مساحة جغرافية مصر، ويؤكد في نتاجاته الأدبية ثيمة (الحارة) التي توازي العالم، فقد شغل ذاكرة الأمة الأدبية والثقافية بعالمه الروائي والقصصي المتسم برموزه وشفراته المراوغة والتي أصبحت حبلاً سريا مغذياً للسفر التراثي الأدبي لعصرنا الحاضر ورافداً غزيراً لا ينضب من الأعمال الرصينة ذات الشفافية العالية لسفرالأمة الثقافي ...

فهو العزيز في زمن الجدب، فصاغ لنا مفهوم الحداثة ببراعته الفائقة وبشخصنة محفوظ المعصرنة بناءاً ومادة وتكنولوجية بمقاربات في التطور الجمعي السوسيولوجي والتي يهدف منها محفوظ في أعادة صنع الأنسان المصري ضمن حاضره ليستشرق فيه المستقبل بخطى واعية ونظرة حصيفة وقدرة على الأبتكاربدون قيود ويجعل لها رافعة واحدة  هي (التعليم)، لذا تفتحت أمامهُ كل سبل المجد بفوزه بسيمياء الشخصنة المحبوبة قبل فوزه بجائزة نوبل، حيث تمكن برصانة أسلوبه السحري في أختيار الألفاظ من الحصول على رضا (اليمين والوسط واليسار) والقديم والحديث، فنجيب محفوظ مؤسسة أدبية أو فنية مستقرة وضعت هذا الأديب الأسطوري بموقع المؤسسة الشعبية، ولأن أسلوبهُ يجمع بين الحدث التأريخي والحكواتية الشعبية الواقعية، ويعتمد الرمزية الجزئية وبواقعية سحرية غريبة ينحو مندمجاً مع الرمز الكلي بدلالاتٍ متعددة منتجاً أكثر من تفسير، وأن عالم محفوظ يضمُ بين جنباته عدة مدارس في آنٍ واحد فهو ينحو من الواقعية النقدية ألى الواقعية الوجودية ثم ألى الواقعية الأشتراكية أضافة ألى تزويق الرواية بجماليات السريالية، لذا وجد النقاد بأنهُ  (متحف) لألمامهِ الموسوعي بجميع مذاهب ومناهج وأتجاهات النقد الأدبي أبتداءاً من التأريخية وأنتهاءاً ب(البنيوية)، كما تحتوي كتاباته على مفارقات تنحو أحياناً كثيرة ألى التعداد والتنوع والتضارب والتعارض ومتناقض الأضداد فأنهُ يقدم حالة نموذجية لدارسي (الهرمينوطيقا الأدبية) فهو يقدم مادة غنية  لألوانٍ مغايرة في الدرس النقدي وهو ما أطلقتْ عليه الحداثة الأدبية أسم نقد النقد أو ما بعد النقد، وأن كتاباته الروائية أو مجموعاته القصصية تربطها مجموعة من العلاقات تتخلل النصوص جميعاً وتوحده ألى نصٍ واحد كما نرى هذا المنظور في رواياته : أولاد حارتنا واللص والكلاب والقاهرة الجديدة وعبث الأقدار .

أولاد حارتنا --- هذه الرواية قد كتبها محفوظ بعد ثورة يوليو1952 بعد أن رأى أن الثورة أنحرفت عن مسارها، ولم يتم نشرها في مصر ألا بعد 2006، ولعل ملخص القصة تبدأ ببطل الرواية (الجبلاوي) كان شخصاً عنيفاً صلباً متسلطاً ومزواجا لهُ الكثير من النساء – وهنا عقدة الرواية في أحتدام الجدل بين الأوساط الدينية بأن محفوظ يقصد بالجبلاوي الذات الألهية لذا كفروا الكاتب ومنعوا نشر الرواية، وتعرض لحادثة أغتيالٍ فاشلة في 14 تموز1994 من جانب أنصار التيار الديني المتطرف .

وحسب أعتقادي الفكري وقراءاتي المتعددة للرواية وفي أزمنة مختلفة : أرى أن محفوظ يقصد بالبطل رمزيا بالحكومات المستبدة الذين حكموا مصر الفراعنة والمماليك والأتراك والأسرة الفاروقية وعساكر أنقلاب تموز، أما الأخوة عباس وجليل ورضوان – عدا أدريس – يمثلون الطبقة الضعيفة والمستلبة في المجتمع المصري .

أنتهج فيها أسلوباً رمزياً يختلف عن أسلوبه الواقعي، فهو ينحو في هذه الرواية جاهداً على أبرازالقيم الأنسانية التي نادى بها الأنبياء كالعدل والحق والسعادة الروحية، ولكنها أعتبرتْ نقداً مبطناً لبعض ممارسات عساكر الثورة والنظام الأجتماعي الذي كان قائماً.

على العموم كانت أكثرجدلاً من حيث المضمون بين الأوساط الدينية بالذات، حاول الكاتب أن يصوّر للفقراء والمعدمين مدى الظلم الذي لحق بهم وبالبشرية عموماً منذ طرد آدم من الجنة وحتى اليوم حيث الأشرار يعيثون فساداً في الأرض ويستبدون ويستعبدون الضعفاء وقد غلقوا أبواب الأمل أمام الطبقات المسحوقة أن تتمتع من نصيبها في الحياة .

سلط ضوءاً على العبودية والقهر مبيناً وبجرأة فائقة حركة التأريخ في الصراع الطبقي للمجتمع المصري الذي يعيش الخوف والجوع ووضوح الفروق الطبقية بشكل مذهل ورهيب، ووضحها محفوظ ببراعة بليغة وهو يحرك خيوط شخوص الرواية في توزيع الأرث من قبل رب الأسرة بصورةٍ غير عادلة تكتنفها الأنتقائية والأزدواجية والتحيّزْ والتعسف بأعطاء الحظ الأوفر ل (أدهم) والذي يقصد به آدم وحرمان (أدريس) الذي يقصد به أبليس، وبهذه الرمزية وهي الصفة المتعارف عليها عند الحكومات المستبدة، وهي أدانة للنظم الشمولية والدكتاتورية .

وأنهُ لم ينتقص من الدين ورموزه ولا من ثوابته ومسلماته الفكرية بل هو أستعملها كماشة نار في تقليب الحوادث المأساوية على مساحة جغرافية مصر والعالم العربي، وما كانت حكاية (عرفة) في نهاية الرواية والتي رسم له شخصية معرفية وموسوعية لكي يجلب أنتباه القاريء والمتلقي بأن رافعة التغيير تكمن في (التعليم والمعرفة) الذي يمثله (عرفه) وجعل العلم البلسم الشافي والطريق القويم ألى " أولاد الحارة " في النهوض من كبوتهم، ولعل أهم شاهد على عدم تعرضه للأديان وبالذات الدين الأسلامي هو ما جاء في الصفحة 583 من الرواية (---الدين الذي هو منبع قيم الخير والعلم الذي هو أداة التقدم والنهضة في حاضرنا ومستقبلنا).

وكان يرى أن الدين قد أُستغلّ ووظّف توظيفاً خاطئاً أدى ألى شقاء الأنسان كما رأينا في سطوة الكنيسة في القرون الوسطى والفتوحات الأسلامية في القرون الماضية وتعسف الدولتين الأموية والعباسية وعبث ولصوصية الدين الراديكالي  وتسلطه على رقاب العراقيين بعد الأحتلال الأمريكي البغيض .

وثم أعتقد بأن أتهام محفوظ بالزندقة والألحاد فهو محض أفتراء على الرجل حسداً وغيرة لنجوميته الأدبية المتألقة وهو الأديب العربي الوحيد الذي فاز بجائزة نوبل في الأداب ونتاجاته الثرة التي وصلت ألى أكثر من خمسين بين روايات وقصص وبحوث ونقد، وسوف أفند بطلان هذا الأتهام الظالم بأن محفوظ في مجمل سير الرواية آمن بالموت لجبلاوي، وهل تموت الآلهة ؟؟؟وكذا بطله العلامة (عرفه) مات وفنى كجسد وبقيت معارفه شاخصة ألى الأبد، وهنا أتكأ محفوظ على ركيزتين في أحترام الثوابت الدينية وهما { الخلود لله والموت والفناء للبشر وركيزة العلم }، وثم أصطفاف أعداء الرجل من رجال الدين والأزهريين والمد الأخواني ووعاظ السلاطين وجماعة الوفد وعساكر الثورة البورجوازية ورجال الحقبة الملكية التي عاصرها الكاتب والذين أخضعوا مصر للمستعمر، وهو الذي سفّه آراء من أعتقد ويعتقد أن الأمور سوف تتغيّرْبعد ثورة 1952 معلناً حقيقة تأريخية (أن صنماً هُدم ليبنى صنماً آخر أو بعبارة أدق ذهب الظالم وبقي الظلم) وعرض بشكلٍ جزئي سلبيات نظرية الحق الألهي في فرض عبودية بطل الرواية الجبلاوي على أسرته وهي رموز تشبيهية لدكتاتوريات حكام العرب قديما وحديثا، وأن تشبيهات الكاتب لشخوص الرواية بالرموز الدينية قد خدم النص والفكرة التي أنشيء من أجلها المتن .

أخيراً/ لقد آن الأوان لأولاد هذه الحارة أن يعرفوا سر ضعفهم وخنوعهم وأن يثوروا لكرامتهم وكبريائهم وأن يلقوا بالتخلف والجهل والأنقياد والعبودية بعيداً، هذه هي الروح التي تبنتها الرواية " أولاد حارتنا " فهو لم يدعو للحرب بل للحوار والسلم لذا أنهُ أستحق جائزة نوبل .

وأن الرواية تبشر بيومٍ يستطيع فيه الأنسان أن ينتصر على السلطة الغاشمة وأدواتها الفتوات والبلطجية وعاظ السلاطين والجهل وكانت آخر كلمات الرواية والتي حركت مشاعري وأحاسيسي من الأعماق { --- لكن الناس تحملوا البغي ولاذوا بالصبر وأستمسكوا بالأمل وكانوا كلما أضرّ بهم العنف قالوا لابد للظلم من آخر ولليل من نهار ونرى في حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب }،  نعم... نعم سوف يولد يومٌ جديد في عراقنا المأزوم والمسروق وتشرق شمس الحرية في وادي الرافدين الجميل ويتحقق شعار الشباب المنتفض اليوم في عراقنا الحبيب { وطن آمن وحر} .

تحية لنجيب محفوظ الذي وصفته جريدة لوموند الفرنسية في أحد أعدادها في الثمانينيات قائلة (صباح الخير يا ملك الرواية) .

فهو كاتب البورجوازية الصغيرة والفقيرة المعدمة والتي تكافح من أجل البقاء ولآجل أثبات وجودها، فهو أكثر فهماً للطبقة الوسطى وأقدرهم تعبيراً عن مشاكلها وعرض دقائق حياتها وكشف واقعها وطبيعتها والظروف الحضارية والتأريخية وطبيعة القوى الأجتماعية وصراعاتها وحركتها التطورية في المجتمع المصري بالذات، فوضع للمتلقي رؤية واضحة عن الظواهر الأجتماعية بتقديرات سليمة، (فهو ديمقراطي تقدمي في مجتمع شرقي غيبي ----)

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

...................................

الهوامش

* الهيرمنيوطيقا: هي نظرية أدبية تعني بالمعنى الدقيق للكلمة: الدراسة المنهجية لطبيعة الأدب، فهي مرتبطة بمذاهب الفلسفة وعلم الأجتماع وهي فن دراسة فهم النصوص في فقه اللغة واللاهوت والنقد الأدبي لذا يستعمل الأصطلاح في الدراسات الدينية (ويكيبيديا للحرة)....

- جبرا أبراهيم جبرا – الأسطورة والرمز – ترجمة – بغداد 1973 ص 258

- سليمان الشطي – الرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ- الكويت 1976 ص29

- لويس عوض – دراسات في النقد والأدب – القاهرة ص 345 – ص346

- احمد ابراهيم الهواري - مصادر نقد الرواية في الادب العربي الحديث – القاهرة 1979 .

- ادور الخراط – عالم نجيب محفوظ –مجلة المجلة 1963 – ص 37

 

 

 

تفاعلية النص: يقصد بها عملية تجاذب بين بؤرتين مختلفتين، احدهما كتابية، والاخرى: قرائية عن طريق القارىء بنوعيه: المثقف، والعادي.

تأتي التفاعلية عن طريق لغة سردية مفهومة قدمها الروائي، مما وفر الحاضنة الواعية المستقبلة لقراءة حيثيات المشهد السردي.

أعتمد السرد على مناقشة التاريخ، وبما أنه انطلق من هذا المنطلق هذا يعني أنه سرد معتم ومثقل بالهم؛ لأن التاريخ ماهو الا سلسلة مثقلة بالوجع، ومشاكل عالمنا العربي تعود في أغلبها إلى هيمنة التاريخ كسلطة حاضرة ومؤثرة في العقل والسلوك على الشارع، ومجال التعليم، و المؤسسات الرسمية.. الخ، فإنَّ التاريخ ليس مجرد حشو من الأحداث، وإنَّ بدا ظاهرياً كذلك، فعلى العين الفاحصة أنَّ تستكشف الباطن والمضمر.

فالتاريخ الذي نعيشه الان هو حشد من الأخبار والوقائع والشخصيات، تم تناولها بطرائق مختلفة في إطار أيديولوجي وعقائدي، وحقيقة هذا التاريخ تأتي من القناعة والإيمان بشكل ذلك التأريخ وقداسته من تلك القناعات التي لا يمكن المساس بها، ولا بد من التمييز بين الظاهري في الواقع مَنْ الباطني الجوهري .

نسجت الرواية متنها السردي بطريقة تفاعلية بنائية، وببنية تركيبية مفهومة، اشبه بلعبة الدومينو، التي تتطلب منا بعض التركيز في اللعب لأكمال حلقة لعبها، وهذا ما جاء في الرواية، التي ابتدأت بصيغة سردية جاذبة للقارىء، ودافعة به إلى الاجبارية الطوعية لأكمال قراءة المتن السردي، وهذا ينطبق على روايات الكاتب اغلبها، والرواية العراقية بصورة عامة؛ لأنها روايات حاضنة للظروف الاجتماعية، ساعية إلى نقد الضغوطات الموظفة بإزائه، ومحاكاة سوداوية المشهد المعاش.

بؤرة التحقيق التاريخي هو المرتكز الأول في بنية السرد، الذي صاغ التقاء هويتين متناقضتين، احدها عراقية، والثانية اجنبية.

البطل (منيب افندي) الذي يعشق كل ماهو اوروبي، نسج عن طريق هذه الشخصية تحولات المجتمع العراقي، والعربي خاصة، بعد مغادرة الاتراك لبغداد، ودخول الانجليز محلهم، "منيب افندي .. منيب افندي؟ لقد حاول جاهداً اللحاق بالترامواي فلم يستطع .. وكلما استطاعه هو التعلق بنافذة العربة التي يجلس داخلها منيب أفندي وصاح: منيب افندي أمضيت الليل كله وانا اقرأ كتاب الزهاوي الذي اعطيتني اياه بالأمس.. وأنا اتساءل لماذا لا نحرق الزهاوي "، فــ (منيب افندي) شخصية كولونيالية، وصورته قريبة من شخصية (الشيخ امين)، وهما صورة مزدوجة، ومتشابهة "كانت السماء تمطر مطراً حقيقياً ...كان الشيخ امين ومنيب افندي كلاهما ينظران إلى هذا المطر ..."

والعبد المطيع تمثل بشخصية (محمود بك) الضابط الصغير في الجيش العثماني .

استنطاق المسكوت عنه، هو الوظيفة الرئيسة في مهمة المتن السردي، بالاضافة إلى السخرية المعلنة للثالوث المحرم، واللصوص، والضغط الموظف بحجة رداء الدين وستاره، الذي اصبح مادة مجانية للكثير من التوظيفات السياسية الضاغطة، بحجة الدين يمرر الكثير من الممنوعات.

أما (الجنس) فقد جاء بطريقة معلنة لأزاحة جانباً كبيراً من الضغط المعاش، والهرب منه، إلى الوجهة المضيئة الجزئية.

أخيراً، اضيف، أن النتاجات السردية العراقية أغلبها، جاءت صورة درامية معاشة بلغة سردية ناطقة، وموثقة، شاهدة على عصر غيب ابنائه في ظروف سوداوية معتمة ضاغطة لواقعهم، بطريقة اجبارية ضاغطة.

***

د. وسن مرشد

 

جمعة عبد اللهللكاتب فيصل عبدالحسن

 هذه المجموعة تتميز في براعتها في الغوص في قاع المجتمع. وكشف سلبياته وعلله الاجتماعية. لذلك ان المجموعة هي نسيج متناسق ومترابط بين واقعية الاحداث الجارية، وتنسيق بالمخيلة الخيال الفني، الذي يمتلك المهارة الاحترافية في صنعة القص، والسرد الحكائي، بلغة مشوقة وجذابة، تشد القارئ في رهافتها الديناميكية. وهي تتناول مفردات وثيمات الواقع المعاشي بتجربته الفعلية. لتشكف اشكال المعاناة والقهر الاجتماعي، لواقع فقد بوصلته، وخرج عن جادة الصواب، الى الظلم والحرمان والحيف ، وهي نتيجة منطقية وطبيعية، تتسم بها السلطة الشمولية المتسلطة على رقاب الناس. في غياب الامن والاستقرار الحياتي. نحو الانفلات الامور عن السيطرة، وتصبح السلطة عاجزة في معالجة السلبيات والعلل التي خلقتها بنفسها ، بل انها شريكة فعالة فيها. لانها غير جديرة في المسؤولية والحكم، وتضع ثقل هزائمها واحباطاتها على عاتق الشعب المسكين. والمجموعة القصصية، تملك اسلوبية متمكنة في توظيف نهج الواقعية الانتقادية. واختارت اسلوب النقد الساخر والمتهكم من ثيمات ومفردات الواقع ومجريات أحداثه. وتوظيف متمكن في اظهار الواقع يعيش التراجيدية الكوميدية للاحداث السردية، وخاصة للبطل السارد، الذي هو شريك في تسجيل الحكايات من اعمامه اللصوص وغيرها من النصوص القصصية برع في تقمص دوره في السرد الحكائي. ويأخذنا في دهشة مشوقة لحكايات اللصوص، مغامراتهم ومجازفاتهم ومقالبهم. لاشك ان حكايات اللصوص مادة دسمة في الادب الروائي العربي والاجنبي. بكل اشكالها المشوقة. حتى برزت روايات مشهورة في الادب الروائي للصوص، ان صحت التسمية. والمجموعة القصصية (اعمامي اللصوص) للاستاذ الروائي المبدع فيصل عبدالحسن، الى جانب تناول مواضيع حيوية هامة أخرى، في الطرح والتحليل والرؤية. مثل العلل الاجتماعية في الظلم والحرمان والحيف، ومسألة الحصار والحرب والفقر والجوع، والحياة الخاوية، التي تحاول ان تصنع لنفسها شيء مهم، حتى تتسلى بها على معاناتها وقهرها الاجتماعي، وكذلك تكشف الافرازات السلبية. نتيجة الواقع المنفلت من عقاله عن جادة الصواب. وخاصة ان يكون الناس طعماً للسرقة والنهب والسلب. في مجتمع فاسد، بسلطة فاسدة.لتضعنا امام تدهور المنظومة الاخلاقية في قيم المجتمع. نجد هناك من يحاول ان يتجلد على بمعاناته الشديدة، ان يحافظ على عفته وكبريائه، محافظا على قيمته الانسانية بأبى وعزة النفس. رغم الفقر والجوع في قسوته الشديدة. نجد المبدع الاديب، يمتلك لغة مكثفة ومركزة في اسلوبها السردي المشوق. في كشف ادق تفاصيل العلل والسلبيات. كما يعرج على مسألة القتل والحروب العبثية، التي تخلق أزمة حياتية ووجودية. والمجموعة القصصية احتوت على ثلاثة أجزاء. وهي:

 1 - الجزء الاول. ضمت القصص القصيرة التالية: العين. الجثة. أعمامي من البخلاء. أعمامي السبعة. اعمامي المقلدون. أعمامي اللصوص.

- قصة (العين):

بعدما ضعفت ووهنت قبضة الحكومة المركزية، في الاطراف والمدن الصغيرة البعيدة عن المركز. اخذت تظهر مليشيا الحزب الحاكم بتغيير عدسة عينها لمراقبة وترصد الناس في الايقاع بهم بشتى التهم. اخذت هذه المرة، بتشكيل مجموعات في القيام بالنهب والسلب، كعصابات قطاع الطرق، تنهب وتسلب المسافيرين على الطرق. في ايقاف السيارات والقيام بسلب ما يمتلكون من اموال وحلي وحقائب، حتى مواد الطعام في سد جوعهم على سفرهم. اي ان نهج الحزب الحاكم تحول من السياسة الى اللصوصية.

- قصة (الجثة):

بعدما وقفت الحرب وهدأت الصورايخ وغارات الطائرات. في ضرب مواقع حيوية لسلطة البعث في العراق.. اصبحت المعدات الحربية. مواد مستهلكة (خردة) تباع في المزاد العلني، وصادف سوء حظ احد المقاولين المشترين من المزاد. اشترى سيارة محترقة من مخلفات الحرب المعطوبة. ولكن المفاجأة انه وجد داخل السيارة المحترقة. جثة طيار امريكي متفحمة، بما يستدل عليه من الزي العسكري. وبقايا اللحم المتفسخ والمتفحم، بجمجمة بيضاء ونتف من بقايا الشعر الاشقر. اما هذه المفاجأة السيئة وقع في حيرة من أمره (ابو جابر). ماذا يفعل بالجثة، هل يدفنها سراً بدون ان يعرف أحداً شيئاً عنها، أم يخبر السلطات الحكومية؟. وازاء هذه الورطة استشار شقيقه الصغير في الامر، واستقر الرأي في اخبار السلطات المحلية بالامر بوجود جثة متفحمة. ولكن بعد تبليغ السلطات، انقلب الامر ضدهم، وصخب الاعلام الداخلي والخارجي وحتى الامريكي. في الاتهامهم بتعذيب الاسير الامريكي حتى الموت وحرق جثته. وانشغال القضاء الدولي والاعلام بالقصاص من المجرمين الارهابين القتلة، وحتى اعلام النظام عزف على هذه المعزوفة. وترك الناس آثار فداحة الخسائر من الحرب المدمرة، وانشغل بهذه الجريمة الوحشية، ووجد طريقة لتملص من تبعيات الحرب المدمرة.

- قصة (أعمامي السبعة):

يتحدث السارد كمدون حوادث اللصوصية التي يقوم بها اعمامه اللصوص. بأن يدون حكاية كل واحد من هؤلاء الاعمام السبع في جلساتهم في السمر في ليالي الشتاء. تكشف احترافهم مهنة اللصوصية على اصحاب المواشي (المعدان). جندوا في الحرب الايرانية والامريكية وغيرها. وكانت النتائج كالاتي. أول الاعمام. أستطاع ان يأسر جنرال أيراني، وكوفئ كبطل بسيارة جديدة ومهر لزواجه. والثاني جلب ثلاثة أسرى جنود أمريكان ضلوا الطريق، فحاز على وسام الشجاعة. والثالث احترق او تهشم نصف وجهه من شظية مدفع. والرابع سرق آلة ضوئية تطبع الاوراق النقدية من الكويت ، فراح يطبع الاوراق النقدية المزورة. والخامس فقد ذراعه في الحرب، وارتكن الى تربية الدجاج. والسادس جمع ثروة طائلة من جيوب المقتولين في الحرب. أما السابع فقد رضي بغنيمة الحرب، بمجندة امريكية اتخذها للمتعة الجنسية حتى انجبت له طفلاً. وطالبته بالنفقة للطفل في المحاكم الامريكية، واتخذها حجة في تحقيق حلمه بالسفر الى امريكا.

- قصة (أعمامي اللصوص):

يأخذنا المبدع الروائي الى المتعة المشوقة بالسخرية المضحكة في طرائفها ، في الشيطنة في مهارة الحرامي او اللص بذكاء خارق، ولكنها تنتهي الى التراجيدية الكوميدية. لنأخذ واحدة من حكاياتهم على لسان لسارد المدون حكاياتهم. كيف تتم عمليات السطو والنهب. وكيف يتم التسلل الى البيوت. وذكر أحد هذه الطرائف من الحكايات التي تكون مادة مسلية في ليالي الشتاء وعلى منقلة النار والشاي في اجتماع عائلي. يدون بأن أحد اعمامه تسلل الى احد البيوت لسرقة الفرس، فأختفى بين الاغطية والوسائد. وحين جاء وقت العشاء لزوج والزوجة، استغل الظلمة ليشاركهم الاكل، ولكن الزوج شعر به، فمسك يده. فما كان من اللص، إلا ان امسك يد الزوجة، وهي بدورها صاحت بالزوج غاضبة (دعني آكل، لماذا مسكت يدي ؟ فترك المعيدي يد عمي، وقد ظن أنه قابض على يد أمرأته) ص59. ولكن بعدما نام صاحب الدار (المعيدي) تسلل الى الاسطبل لسرقة الحصان، في نفس الوقت كانت الزوجة في احضان احد العبيد لمضاجعتها. وحين شعر الزوج صاحب البيت بالسرقة. أستل سيفه، لكنه وجد أمرأته عارية يضاجعها احد عبيده في وضع مخزي، أستل سيفه وهشم رأس عبده، فهربت الزوجة عارية بالخوف والهلع، في حين استطاع اللص ان يهرب مع الفرس. وصاح به غاضباً (لا بارك الله فيك!! لم يفعل بنا لص ما فعلته !! فضحتني في عشيرتي وقتلت عبدي، وطلقت زوجتي، وسرقت فرسي، وأكلت عشائي) ص60.

 2 - الجزء الثاني:

تتحدث النصوص القصصية عن محنة الحصار العراقي القاسي، بسنواته العجاف والمؤلمة في معاناة الناس، ودفعهم الى فاقة الفقر والجوع ، وشحة وجفاف معالم الحياة المعيشية اليابسة تماماً. ويضم هذا الجزء القصص التالية:

1 - الكلبة التي صارات نمراً. 2 - المضحكة. 3 - في ظهيرة قائضة.

- قصة (في ظهيرة قائظة):

تتحدث عن قصف الطائرات الامريكية. وهي تدق بصواريخها العاصمة. وكانت هذه الطائرات تقف في سماء احدى المدن الصغيرة وتقذف بحممها الصاروخية للعاصمة. فما كان من الحزب الحاكم ان يحول هزيمته في الحرب ، لانه لم يستطع ان يدافع عن العاصمة، بهذا الانهزام والضعف والعجز، يتملص من تبعية الهزيمة النكرى، في اتهام هذه المدينة الصغيرة التي تقف الطائرات في سمائها، بالخيانة والتواطئ والعمالة، لانها سمحت للطائرات ان تقف بسمائها في قصف العاصمة. لذلك يجب حذفها من السجل المدني. وعدم التعامل معها والمطالبة بالقبضة على الجاسوس او الجواسيس المتورطين. ولكن احد الشطار الذين لا تفوتهم الفرص السانحة. اتصل بالرئيس ليخبره بخيانة مدينته. لذلك اعتبر بطلاً قومياً ووطنياً وكرم بنصب تمثال يؤرخ مأثرته الوطنية الكبيرة ، بهذه المسخرة التهريجية، التي تدعو الى السخرية والضحك، وهي تدل على خواء الحزب الحاكم.

3 - الجزء الثالث:

يضم القصص التالية. اللفافة العظيمة. لغة العيون الخائنة. وعاء الضغط. دنيا أخرى.

- قصة (اللفافة العظيمة):

امام اشتداد وطئة الفقر والجوع وشح الحياة في معاناة الفاقة والعوز. كان يضطر لسد جوعه اليومي، أن يبيع اثاث وحاجياته المنزلية، حتى ليأكل ليبعد شبح الجوع المؤلم، ولكنه انتهى من بيع كل شيء، ولم يعد يملك اي شيء يبيعه، مقابل وجبة بسيطة من الطعام، وظل على هذه الحاة المزرية يقرقر الجوع في معدته ثلاثة أيام. طرقت أمرأة متسولة، تعيش على عطايا الناس البسيطة لتطعم اولادها الايتام، وتدفع عنهم شبح الجوع، في جمع ما تحصل عليه من مواد غذائية من الناس، طلبت منه مساعدته بما يملك القليل من الخبز الى اطفالها اليتامى، سمح لها بالدخول، وعرفت حالته المزرية، واخرجت لفة الطعام، وطلبت منه مشاركتها في الاكل، رفض بحجة بأنه منذ قليل أكل وجبة طعامه. رغم ان الجوع يقرقر في بطنه. وطلب منها ان تعطيها الى اطفالها الجياع، واخرجت كعكة وطلبت منه ايضاً ان يتناول شيئاً منها، لكنه رفض بأن اطفالها اولى بأكلها، لكنها خرجت وتركت الكعكة في مكانها.وهو يتضور من الجوع المؤلم، لكنه كان يتحاشى ان يمد يده الى الكعكة ربما عادت واخذتها الى اطفالها، وظل على هذا الحال البائس والمرير في الاصرار في الممانعة في اخذ قطعة من الكعكة، وظل يبكي وينوح على الحياة المزرية. التي تدفع الناس الى التسول. ان معاني الدالة والبليغة، بأن القيمة الانسانية تحافظ عل الاباء والعزة والكرمة، حتى في الظروف القاهرة والمؤلمة.

 

- الكتاب: أعمامي اللصوص (قصص)

- الكاتب: فيصل عبدالحسن

- الطبعة: عام 2019

- الناشر: وكالة الصحافة العراقية (ناشرون) الجيزة / جمهورية مصر العربية

- صفحات الكتاب: 143 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

حدّثوني عن نفسي قليلا،

سامروني بالحكايات عن دجلة والفرات وسيرتا

أفرحوني بأغنية العيد

لا تتركوني وحيدة في العتمة.

....زهرة الثلج....

لكن أحلام الأزهار أكبر من ألا تتفتح، فما أكبر من ألا تتفتح الأزهار؟ العذاب؟" أفضل عذاب هو عذاب الزهرة/ الوردة في الأغاني"

إذاً؟

هذه الرواية أغانٍ. وفيها وردة تتعذّب/ زهرة الثلج

إنها أنين الوردة ويشبه "حديث القمر" للرافعي. كأن ارتباط الاسم بالاسم ليس صدفة.

وإنها الحلم، ويشبه زهرة الأمير الصغير لسانت اكزبيري'Antoine de Saint-Exupéry.

إنها المناجاة، ويمكن للمناجاة أن تكون رواية مثل الاعتراف . فهي قلب مفتوح حتى لو لم يكن ثمّة وجه لوجه.

أدخل الرواية من فصلها الثالث، وإن سألتموني أين كنت أقول يحدث أن. بابلو نيرودا

لذلك، أيضا تقول الكاتبة يحدث أن نحب في اللاشيء ونبني من الحلم كوكبا مبتكرا ونجعل من الغياب حضورا. يحدث أن، ليست عبارة عشوائية، بل مكان وفيه حدث حتى لو كان في الذاكرة. إنه مكان في القمر.

الحدث، شهر الميلاد / فبراير. وعند اليونان هو شهر يتطهرون فيه من الذنوب والخطايا. لعلّ الكاتبة تريد تطهير أفكارها الأولى بهذه الرواية.

في الحقيقة، وجدتني أمام تراكم قصاصات شعرية مذهلة من لدن ملكتها، وأخرى قطف أنيق مختار من أفواه شعراء الكون وأستأنس هنا بقول محمود درويش/ من أين تاتي الشاعرية،،،، من وردة حمراء في الصحراء أو " من زهرة برية تناور الحب في البرد" تضيف زهرة الثلج. هذا اختصار شعري لكلّ الرواية.فإلى التفصيل.

تبدأ الرواية بأسطورة دجلة والفرات كمرجع تأريخي ذكي للولوج إلى سرد ماتع يمزج السياحة بالحكاية فيبرز قسمان كبيران، المدينة والريف. مدينة بحرية أنتجت عناقا وقرية جبلية تعوض العناق بالذكريات.

لكن، السياحة لم تمح رصد الحياة في كلا المحلّين. المعاناة والمتعة على السواء. فمثلا في العاصمة (مدينة بحرية) تغرينا الكاتبة قائلة: التفرج على كورنيش البحر الأبيض المتوسط يبدو مغريا. والمدن الواقعة على البحر تحمل تراكمات أسطورية، يبهرني عناقها الدائم مع الأمواج. وهنا الانعطاف، إسقاط أمواج البحر على الأثير. ويأتي على قول سلمى أيلول إإحدى شخصيات الرواية: لطالما شغلت أمواج الأثير العاشقين .

إنها تمشي بحكايتها الخاصة بين الأماكن والأشخاص تشهد الكل على حب البطلة ميار لأرسلان / الأثير . أو تقحمنا فيها متعاطفين أو مشاركين. فأذكر حينما عرفت الكاتبة كانت باسم ميار، وقد جمعنا هوى الأثير أيضا، فأرجح أن الرواية كتبت أو عاشتها البطلة في ذلك الآوان، فأشعربوجودي أيضا ولو ضامرا فيما حدث. فأحببت البحر وشوارع العاصمة والأثيرورواية أرسلان الثالثة " سيرتا" ودجلة والفرات ومغراوة.

وتغرينا أيضا بالقرية، وتؤكد باشتقاقها الاسم مغراوة من الغواية. وتجمع بينها بألفة طبيعية فتقول: السفر من المدينة إلى الريف يشبه المشي حلما بين جسريين سماويين.

ثمّ تمضي بالسرد رشيقا ذكيا بين المدينة والريف . واصفة مقارنة لا تخلي موضعا لا ترصّع عليه قصّة الحب الأثير، لكن، ورغم هيمنة الحدث الشخصي للبطلة، فإن الرواية تأريخ للمكان.العاصمة ومغراوة. تاريخا، وحياة، وحوادث ونازلات.

ففي العاصمة، تأريخ للقصبة، لقصر رياس البحر، لشوارع العاصمة . وتأريخ للنوازل، بالتحديد اللجوء السوري في الجزائر من خلال سلمى أيلول. واللاجئين الأفارقة والمعاناة في الوطن من خلال وصف المشرّدين على حافة البحر في رمز مؤلم حاذق وهي تصف بقولها: ملابسهم ممزقة لا إبرة سترقعها غير التمرد أو الاستسلام وعلى حافة البحر، لا نداء غير البحر من ورائكم والعدو أمامكم، فاحرقوا المراكب / احرقوا.

حتى وهي تصف القرية مغراوة مسحورة بالطبيعة، لا تنفك بالرمز تشيرإلى درب ما للحياة أو الموت دونه. بل حتى في عرض الشخصيات / الجدة فاطمة الخالة مسكية العم نوبلي وحسن . خاصة حسن الراعي الشاعر الذي يقول ردّا على بابلو نيرودا:

إني مولع بالضباب، أتوق للبحر والعمر يضيع

أنحت من حجارة الوادي شعرا

أتأهب للشمس أقول لها أطيلي أو لا تطلّي.

أطيلي أو لا تطلي، هاهو الخيار أيضا الحياة أو الموت.

البحر أو لاشيء أيضا . فلم البحر للحد الذي يحدّ فعلا الحياة؟

مليكة رافع من الشجاعة بمكان، لتصحح رؤى سابقة، لا تقبل أن يكون البحر " بح"، فيوجد فيه راء، راء الرفعة، لذلك ترفض مايقال: يوجد في النهر مالا يوجد في البحر . بل ما ينهره النهر يشجعه البحر.

ومن هنا حضر البحر قويا جدا، ويتوق له حسن ابن الأنهار . مليكة رافع من الشجاعة لتقول إنّ الحضارة التي أبدعتها الأنهار، تصونها البحار. فلابد من صيانة وتلميع لكل إبداع. إنها تنقل الأهمية للبحر، لأن دجلة تخجل وفرات فتر. وهكذا تعلّمنا أن الأساطيرمازلنا نحياها بزي عصري.

مليكة رافع من الشجاعة لتغير في مفاهيم العظماء، فلكل إنسانه الخابر بالحياة، حيث تقول معارضة أفلاطون / معرفة الأشياء تؤدي إلى معرفة الأسماء.

وصحيح هذا، فها أنا، عرفت اسم ميار لأني عرفت مكانا على القمر. هل عرفت قبل أن ميار يعني " الضوء الذي يحيط بهالة القمر؟

المغزى / أليس العذاب لذيذا يا وردة؟

كانت البطلة / الوردة، فنانة، رسامة وشاعرة وهنا توافق وشخصية الكاتبة لذلك فاض التداعي وكاد يغرق الرواية لولا أن كان من التداعي استدعاء لما يخدم النص، وهو متعدّد، أحصر منه بعض السحرفيما يأتي.

اختارت الكاتبة الوصف وهو مايلائم السرد . خاصة في وصف العمارة سواء في العاصمة أو في القرية.

اللغة الجزلة المتنوعة الحاضنة لمختلف المشاهد . واعتماد الألفاظ الدلالية للأشياء خاصة فيما تعلق بالقرية مثل المراح، الكُدر، الشموخ الصحين، تغدف، البخنوق.

التناص الجميل مع روائع الأدب مثل حضور ابن الفقير لمولود فرعون وبقوة في الجزء الخاص بالقرية .

وطغيان جبران خليل جبران في الجزء ذاته حين تعانق الطبيعة.

حضور الأسئلة الفلسفية واستحضار ثقافي مهم متنوع من العلوم إلى الفنون وزخرت الرواية بأنواع عديدة

في البلاغة . فقد أظهرت الكاتبة بيانا ساحرا وقدرة على وضع المعنى تماما على ألفاظه. وآخذ لكم مثالا على حسن التقسيم / تقول مليكة: تدللني الشمس وتغدقني بالأمنيات بينما يغمرني المساء في العتمة فأعانقه وأنام.

استدراج المعنى بشكل ملفت للدهشة مثل /

رغبت في المشي على سكة القطار

ربما ماتت خجلا تلك القطارات التي أضاعت طريقها (بابلو نيرودا) هل يخجل حبيبي من غيابه؟

السفر على متن القطارات كأول تجربة سفر في الطفولة

الوقوف قبالة محطة قطار ذكرى

أشدو لمليون ذكرى

هناك مواعيد واللقاء الذي يشبه القطار اصطدم بسكة الوجع.

-حسن تضمين الحدث الشخصي في الجهاز العام للرواية مثل /

رائحة الخبز تتسلل وأغاني الشعبي

شباب توزعوا على الرصيف

المتسولون، اللاجئون، المطر، عون النظافة، بائع الورد

تغيرت لافتات الشوارع التي كانت تحتفظ بذكرياتنا. هذه الصدمة غير المتوقعة هي إقحام حسن للحدث الشخصي في الرواية / ميار وأثير

-ذكاء التعبير وأخلقته مثل: قلت لعون النظافة، ارفع رأسك يا عم

ومثل: التقيت سيدة تحمل قفة مقتنيات . ساعدتها، أمطرتني دعاء وقلت آمين.

- حسن الاستهلال /حديث في الضوء. تمهيدا لربطه بدلالة اسم ميار وبالأثير وبالبطل.

...

بقلمي/ إلهام بورابة

 

1225 محمد الاحمد يصنف محمد الأحمد كتابه "فرن الخواجة" تحت عنوان سرديات. كما ورد على الغلاف. لكن يمكن أن ترى إنه 13 قصة قصيرة، يخالف بها نفسه. والاختلاف هو القانون رقم 1 في كل نتاج محمد الأحمد. فهو ينأى في الكتاب التالي عن السابق. وإذا اعتمد في روايته (دمه) على الخطاب التاريخي من زاوية تعارض كل أشكال وأساليب المدونة، أو الذاكرة الثابتة للكتابة عند العرب، فقد اتبع في "متاهة أخيرهم" أسلوب المذكرات البسيطة. وجعل الحياة بمستوى النص. وركز بكل الفصول على خارج الشخصيات وليس على داخلها. بمعنى أنه حول روايته إلى مشاهد مألوفة وتدخل في عداد ما يسميه فوكو "نثر العالم". وهذا بعكس ما فعل في روايته "ورد الحب وداعا"، فقد عمل النص على تجزئة الحياة وتحويلها إلى صور في مرايا. ولم يعد بمقدورالشخصيات أن تجد لنفسها أشكالا ثابتة بمعزل عن الطبيعة. كانت كل شخصية موزعة على عدة أمكنة وفي وقت واحد لتساهم، في صياغة غير مفهومة لعالم بسيط ومفهوم. ويتابع محمد الأحمد هذه المغامرة في “فرن الخواجة”*، ولا يحاكي بقصصه الواقع وإنما يساهم للتعريف به. لذلك وزع النصوص على محاور مختلفة تعبر عن تعدد الواقع الذهني والاجتماعي لإنسان هذه المرحلة. أو ما يسميه زيجمونت باومان بـ “الحدود السائلة".

يقدم المحور الأول قصصا تأملية، منها "الحديقة الافتراضية”، ”العقل المريض بجماله”، وغيرها. وهي تسبر أعماق الشخصيات التي تبدو لنا بلا ملامح. كأنها مربع تلعب فيه الأفكار والتخيلات. وبعضها أوهام يعسرعلى الإنسان تحقيقها لكنه يأمل أن تتحول في المستقبل القريب إلى واقع. أو أقله لمنفذ خلاص من المشكلة الوجودية التي تحولت لدينا إلى سياسة. وتقترب هذه النصوص من تجربة هيرمان هيسة، فهي رواقية، وقليلة الحركة، كثيرة الثبات والجلوس. ومسرح الأحداث محدود بغرفة أو بحقل أو بشارع طويل في طريق غامض يخيم عليه الضباب والظلام. ويمكنك سماع صوت الطبيعة أيضا. فهي تشارك الشخصيات بالتفكير والكلام، كأنها مؤنسنة كما فعل هيسة بالضبط في (سيدهارتا) ثم في (لعبة الكريات الزجاجية). ويمكن أن تجد عناصر من رواية غارودي اليتيمة (من أكون باعتقادكم). فالأفكار لا تخلو أحيانا من إحالات لمصدر القيمة في الواقع. ولكن لا يمكنني القول إنها قصص فلسفية بمعنى الكلمة. فالأفكار شاركت بقية العناصر في بلورة البنية، وربما كانت تقابل دور الأشياء في قصص بوتور ورعيله. لقد حل تسلسل الأفكار محل الشخصيات، ودخل إلى الحبكة كعنصر نفعي. بتعبير آخر وضع القصة على رأسها إذا استعملنا نقد ماركس لهيغل. وعلى وجه الإجمال تميزت هذه القصص بميزتين.

1- تداخل بطل القصة والكاتب. حتى أن بطل أول قصة ومنذ أول سطريقول:"في البدء كانت حاجتي الماسة إلى إيجاد اسم أتخفى خلفه، لأكتب ما أريد كتابته تخلصا من أية ملاحقات آنية، أو ملامة". ويردف بعد عدة سطور: "فأنا أريد.. أن أطلق الصوت الذي حبس في داخلي طويلا وخاصة بعد أن زادت الرقابات وصار المرء منا لا يحسن الاختباء وراء اسمه" ص10..

2- استعمال شكل الميتا سرد أو الكتابة داخل الكتابة. وإذا كانت هذه حيلة فنية في نهايات عصر النهضة للتهرب من تهمة التخيل أو المراوغة والاختلاق وتشويه الحقيقة (كما دأب كتاب العصر الفكتوري المتأخر)، فهي هنا أداة لتقريب الكاتب من نفسه، وللتأكيد على التساوي بين المكتوب والمعاش، أو الافتراض والواقع. وهو ما يؤكده بطل قصة ” الحديقة الافتراضية “حين يرى أن أفكاره تتجسد كلما وقف أمام المرآة ص .21.

المحور الثاني قوامه افتراضات مبنية على خبرات الكاتب. ومنها آخر نص في المجموعة وهو "أين تكمن القيمة". وفيه كلام عن الانطباعات التي تركتها الأعمال العظيمة في ذهنه، مثل أعمال دستويفسكي وتولستوي وكافكا وآخرين. وتبدو القصة في هذا السياق كأنها خاطرة أو مونولوج أو على الأقل اعترافات ذاتية. ويمكن تشبيهها بأسلوب طه حسين في كتابه المعروف (نقد وخصام). فالأفكار إما أنها مع أو ضد. بمعنى أن تيار الانطباعات لم يكن محايدا، ولكنه يعمد لتعرية نفسه ومواقفه. وباعتقادي أن مثل هذه القصص ليست ذهنية، ولكنها انعكاس تجريدي، لأوهام الكاتب، ولأثر علاقاته مع بيئته. وربما كانت تحمل قيمة تصويرية للعالم النفسي، من خلال الإسقاط والتحويل. وإذا كان بطل قصة "ليست بشيء يذكر" يعتقد أن التاريخ تصنعه الأفعال وليس الخيال (ص 141) ، فهو سرعان ما يناقض نفسه ويردف: إن ما نعرفه عن الماضي هو من بنات مخيلة الأفاقين والمحتالين، والمدونة خاضعة لإرادة الملوك، وأن المكتوب ناقص والباقي وهم وخرافة .ص141. .

ويبقى محور أخير وهوقصص قصيرة جدا، تخبرنا عن أفكار كثيرة بسطور قليلة. وكما ورد في تقديم مجلة "سرديات" للقصة الومضة: إنها تقدم لنا العالم بمساحة صغيرة تكون بمتناول أيدينا.

ويضيف محمد الأحمد لما سبق 3 أسباب.

1- أنها أسلوب للدفاع عن الذاكرة من النسيان والسكون.

2- وأنها أفضل أداة للتعبير عن الخوف من الكتابة. أو كما قال في قصة "المعرفة": هي إقرار بتناهي المخيلة أمام التاريخ. ص 132.

3- ثم أخيرا هي محاولة لرسم بورتريه واقعي لحياتنا بكل ما فيها من فراغات ومساحات بيض (كما ورد في قصة "دوغمائيون"). ص 131.

لا تشبه هذه المجموعة تجربة محمد الأحمد السابقة. فهي تبني على القطيعة مع ماضيه. ويبدو لي هنا أنه أكثر استطرادا، وتهمه التفاصيل وصوت الإنسان من الداخل. وبلغة أوضح: كان، في هذه القصص، يفكر أكثر مما يرى، ويحلل الكون الداخلي للتجربة الإنسانية أكثر مما يسرد. ويعتمد على كثير من التأمل والقليل من الكلام. بتعبير آخر هذه المجموعة ينقصها "االسرد" إذا استعملنا مصطلحات الناقد الأدبي حمزة عليوي في كلامه عن “إثم سارة” لنجم والي.

ومنعا لسوء الفهم. المجموعة لا تختلف مع عنوانها. فهي فرن يعيد صهر وإنتاج المعنى الفني للقصة من خلال تشذيبه من نفسه. حيث أن الحبكة معقمة من الحكاية، ولكن تحمل الكثير من المعاني الحكائية. وهو ما أرى أنه منعطف جديد في مسيرة الكاتب وفن القصة العراقية على وجه العموم.

 

صالح الرزوق

.......................

* صدرت عن دار الورشة الثقافية ببغداد. 2019.

 

 

1224 قواعد العشق الابعونقراءة  في رواية " قواعد العشق الأربعون" للكاتبة التركية إليف شفق.

"الكفر الحلو" .

هذا هو العنوان الذي كان يجب أن يكون بدلا عن " قواعد العشق الأربعون". لشفق أليف.

الكفر الحلو، ليس ما حدث في رواية عزيز عن جلال الدين الرومي وشمس التبريزي، بل ما حدث لعزيز حيال "إيلا" . وليس تنبّؤا، إنّما الصّدفة، أو القدر تدخّل لحلّ معضلة .

إنّه المتصوّف الآتي في روح التبريزي إلى إنسان هذا الزمن من خلال عزيز . بداية، لا أومن بعشق المتصوّفة، فما صَادَقَه فيما شهدتُه آية له، وأميل مع الكثير إلى القول بانحراف عقائدي في تصرفاتهم، وبكثير من الرحمة أقتنع برؤية علم النفس المرضية والمخابر التي تخضع تجارب الإنسان إلى أغواره العميقة، وبإيحاء غامض فيّ أشهد لعوالم مختلفة قد يعيشها بعض البشر دون سواهم، فما العالم المشهود إلّا اتفاق في مصطلحاته وينصرف آناء الإنفراد كل منّا إلى اعتناقه السري لأكثر الآراء انحرافا عن الفكر الإنساني العام مذ بدء الخلافة على الأرض.

العلاقة بين التبريزي وجلال الدين الرومي، في سياقها التاريخي، كانت علاقة مشبوهة، ذاك العشق غير الطبيعي، حتى الحكم عليه بأنه " الحرام" لا يفسرّه . فماذا كان يجري بالفعل بينهما في حالة الخلوة؟ هذا السؤال لا يمكن أن يغفل عنه كل من عاصرهما، وقارئ الرواية لابدّ يسأل خاصّة وقد بدا مابينه وبين كيميا حجاب حاجز حين الزواج، وبينه وبين وردة الصحراء وكان سيكون حيال أيّ امرأة أخرى، أم أن، المرأة التي تهزه لم تجئ بعد وتأخّر ظهورها إلى زمن معاصر في شخص " إيلا"؟. فتلهّى بروح الرومي انتظارا ليوم مؤجّل في التاريخ؟ لكن الجواب يحضر ضمن السرد ليرفع ظنون السوء ويكشف العشق سماويا روحيا لنؤمن أن الأرواح مجندة ومن ااتلف منها فطوبى له لكنّه لا يجيب على اقتراحات أخرى. وينتهي عصر التبريزي بتبرئته من الكفر، فالكفر ليس حلوا أبدا . ولم يكن ليتقبله حتى ولو كان حلوا.

بعد التبريزي وجلال الدين الرومي، لم يحدث عشق آخر يحفظه التاريخ  أو يفضحه، وسارت البشرية على النمط الأوحد المشروع دينا وفطرة، كأن الأرواح مجنّسة أيضا، فيها الذكر وفيها الأنثى .وكلّ تآلف بين اثنين من جنس واحد هو كفر وانحراف ومرض لأنّه ااتلاف جسدي وليس روحيا.

كأنّ التبريزي عرض عليه كلّ خلق الله، وكان أليفه في هذا العصر فجاء إليه من خلال عزيز، فأيّ منزلة هو عليها عند الله ليحظى بمثل حظ الأنبياء؟ أوليّ صالح هو؟ سنرى هداه في عزيز.

هذا المتصوّف الذي انسلخ من كل أوساخ الدنيا ليتطهّر في روح جديدة قديمة، هو عزيز .

هي، إيلا، الكاتبة المتخليّة عن الدنيا لأجل قيمة الزواج الإجتماعية أكثر منها دينية .تتلبّس دورا لا يزيد عن دورتتصوّره كاتبة . دورجلال الدين الرومي.

سهل على الرجل أن يتقمص روح رجل فهل كان سهلا على إيلا تقمص جلال الدين الرومي؟

هو سهل، لكنّه لم يحدث . وهولم يرها قط " الرومي" الجديد .ولم تشأ إلّا أن تكون "هي" الروح المتكوّرة في الأنثى . فهل عليّ أن أحاسبهما على ما يفعلان في الكتابة بالأشخاص؟ طالما اعتبرت الأدب أثرا يضيف إلى شخوص الروايات كأن يعدّل أقدارهم، يمنحهم فرصا أخرى لتدراك الأحلام، عيادات استشفائية، تنصيب عدالة لقضيتهم، فإذا لم يكن لسبب عظيم فلم نعود بهم من مستقرّهم إلى طغيان الأمواج في الحبر؟ ولِم نشهد قارئا على بعث لا جدوى منه أو لإعادة مأساة ؟ أنا شاهدة، إذاً يحقّ لي أن أوجّه المحاكمة.

كان على الكاتبة أن تعود بالتبريزي ليحيا أمنية . ففي اعتقادي أن فشلا بليغا في علاقة عاطفية تلحقه صدمة النفس بالعوالم الخفيّة تجعل المصدوم يعتنق حبلا يشدّه إلى الله لا شعوريا كحيلة دفاعية ضدّ الألم . ونوعا من التصعيد النفسي . وهذا ما يحدث مع المتصوّفة الداعين إلى عشق إلهي فالشرعي هو الحب الإلهي، أما العشق فمصطلح للانحراف العاطفي . وهذا ما حدث مع التبريزي، فهو لم يظفر بعشق يروي حالة الحب الكبير الذي يلتعج بين جنبيه لسبب ما قد يكون صورة مهيمنة للحبيب في الذهن لم تمثّلها في الواقع أيّ صورة، وفي الوقت نفسه لم يبلغ العشق الإلهي الذي يبلغه المتصوفة تعويضا عن حب متمثِّل فأفرع فيض ما يشعر به على الرومي بغض النظر عن كل الإرهاصات التي أعدّت لقاءه بالرومي.

هناك مرحلة نفسية، تتدفّق فيها العاطفة، وتصير فيضا مجنونا وإذا لم تصادفها مستقبِلات تتفرّغ في أشكال عديدة منها ما هو صالح لاستثمارها مثل الفن ومنها المنحرف عن الطبيعة ومنها العشق الإلهي.

لذلك، فإنّ العودة بالتبريزي دون تحقيق أمنية ضَرَرٌ به وهذا سبب موت عزيز الحقيقي الذي هو أيضا موت ثان للتبريزي . فلم إذاً كلّ هذا الاستدراج لعزيز؟ (الأمنية اتصال روحي وجسدي بالمحبوب ولم يحدث اتصال جسدي بينهما)

إيلا، الزوجة المتنحيّة كصفة في الوراثة، هل صدفة، تتفجّر فيها كل تلك العاطفة لتقذف بها بعيدا عن أبنائها؟ قد نذهب مع الكاتبة مذهب الأرواح المجنّدة، روح نادت روحا فما انتقل الجسد وإنّما الروح انتقلت . ولا سلطان على الروح فإنّها بأمر الله مرسلة . فلا لوم أدبيا على " إيلا" . هكذا تجد الكاتبة حيلة لتبرئة " إيلا" من ذنب كبير. وفي الحقيقة هي تبرّئ ذاتها .

إيلا أيضا هي جيزال في رواية " سأهبك غزالة " لمالك حداد . وقد توجد نسخ عديدة منها طبق الأصل . فليس الأصل الشرقي من يهدر عواطف المرأة، إنّما الرّجل. فكيف سيختلف عزيز أو التبريزي عن كلّ رجال الأرض؟ لذلك كان جزاؤه الموت بعد التضحية الجليلة التي قدّمها : " الكفر" .هو كفر حلو، لكنّه لم يذق حلاوته .ما فتئ كَــفَر بالتبريزي وتنزهّه عن الجنس لحاقا بالأنثى الأمنية حتّى انتهى . هل هو عقاب إلهي؟ بل هو عقاب الأنثى .

إنّها القصّة القصيرة لكلّ النساء "حوّاء" . وليست رواية شفق . قصة متوارية، متنحية لصالح قصة قصيرة أيضا للرجل وليس عزيز . آدم.

إنّها القصة الومضة الأولى . استدراج ثم كفر . كفر حلو ما أخرج آدم من الجنة : امرأة .

إنّها الرواية الوحيدة هنا ......رواية من فعل رَوَى. الرواية المزعومة . بينما الحقيقة تلغي كلّ هذا الجهد.

وما أضرّت الكاتبة إلّا بشخصين : جلال الدين الرومي وشمس التبريزي . فإن كانا من أولياء الله الصالحين فماذا نحن فاعلين؟

 

بقلمي / الكاتبة إلهام بورابة من الجزائر

 

صالح الرزوقالجائزة الأخيرة التي كسبها الشاعر يحيى السماوي من إحدى الحلقات الأدبية في مصر فتحت الباب على تأملات في هذه التجربة الشعرية. وغني عن القول أن مشروع السماوي دخل في انعطافة مفاجئة بعد أن انتقل من الإحساس بواقع الأمة المؤلم إلى الإحساس بالفجوة النفسية لتي تتوسع بداخله على مدار الساعة. ويبدو ظاهريا أن الفصاحة والبلاغة هي أبرز صفات عالم السماوي، فهو مغرم بالتراكيب الجزلة والمفردات الأصيلة. ونادرا ما يكابر مع الصور لأنه يتبع القاعدة المعروفة في التصوير.. أن تكون هناك علاقة مجازية بين المشبه والمشبه به، أو بين الفكرة وأدوات التعبير. ولا أعتقد أن ضمن برنامجه أية خطة لاغتيال أو خيانة ما تعارفنا عليه.  وأقصد بذلك تقديم الإدراك على النظر.

لكن شعريته تجريبية أيضا. وتبدأ من فكرة يمكن تصورها ثم تنتقل لصورة يمكن إدراكها. مع ذلك هو يبقى  بعيدا كل البعد عن قصيدة الثمانينات العربية والتي كسرت التوازن بين طرفي المعادلة ووضعت الشعر بجانب النثر، بحيث أصبح للقصيدة فكرة نثرية. فقصيدة الثمانينات لم تتوقف عند حدود إلغاء البحور والأوزان والموسيقا (المسموعة أو الداخلية - كما يحب الأكاديميون أن يقولوا باستمرار)، وإنما اقتربت بنا من فوضى المشاعر التي نمر بها في حياتنا، وبنفس الجرأة التي اعتدت بها الرواية الحديثة على ترتيب الأحداث (والإشارة هنا لتيار الشعورومبدأ السببية).

لقد كان السماوي حريصا كل الحرص أن لا يورط نفسه في هذا المجال، وأبقى في قصائده “حتى النثرية” على توزيع خاص للكلمات بالتناوب مع التراكيب. ولمزيد من التوضيح: كانت الصورة عنده تفرض عليه اختيار مفرداته، ليكون هناك انسجام في البنية والمعنى- فبنية الوحدة الشعرية عند السماوي بناء دال، وتجد علاقة متينة بين حجم المعنى وحجم التراكيب. ويمكن أن تقول الجملة الطويلة لديه تعبر عن أحاسيس راسخة أو دائمة، بينما الجمل القصيرة تعبر عن فكرة عابرة.بعكس ما هو الحال عند جاك بريفير.. فعباراته وصوره سهلة وسريعة، ولكن معاناته مع المشاعر والأحاسيس دائمة.

لا شك أن تجربة السماوي تنتمي لشعر الحداثة. مع ذلك هو برأيي أقرب للكلاسيكية الجديدة. وأعتقد أنه يكرر ظاهرة الشاعر البولندي جيسواف ميوش بعدة نقاط. فهو مثله يعيد للشعرية علاقتها مع الطقوس والعبادات إنما بسياق غير لاهوتي. بمعنى أنه شاعر ذاكرة وتجربة لها علاقة بالواقع وليس شاعر إلهيات. وإذا كانت أولى مجموعاته ذات موسيقا مجلجلة وإيقاع وطني واضح، ويغلب عليها الصدامية والمشاحنة والهجاء، فهو في سنواته العشرة الأخيرة (ورفد بها رصيده بعدة مجموعات) يميل لاستعمال مفردات إسلامية بسياق غرامي. فقد توسع باستعمال كلمات مثل الصلاة والزكاة والخمس والصيام والجنة والنار، وللتعبير عن حالة هيام أو عشق. وهذا يعني أنه فرغ الكلمة من معناها المعروف وحقنها بمعنى بديل.

كما في قوله:

قبل أن تومئ لي

ادخل الفردوس إينانا

وتسقيني

شرابا من هديل (ص 85).

أو قوله:

كل يوم ألتقي

فوق بساط الصلوات

بحبيبي خمس مرات (ص 76).

وسرعان ما يوضح من هو هذا الحبيب المجهول فيقول:

أعرف الله

ولكن

لم أكن أعرف ديني (ص 86).

وقد استغل السماوي الفجوة المعرفية بين الفكرة (اللامتناهي)  وأساليب التعبير عنها (المتناهي) ليلعب لعبته مع اللغة في التقديم والتأخير حتى تصبح القصيدة بعيدة عن ما هو مكرر ومألوف.

ختاما إن هذه الجائزة هي اعتراف بشعرية الشاعر، ولكنها أيضا مناسبة لإعادة تفسير قصائده بكل ما تزخر به من مهارات. وأولها استعمال تقنية المرآة ليس لتشاهد بها نفسك، وإنما لتشاهد ما وراءك. بمعنى أن مرآة لاكان أصبحت سطحا عاكسا لمعاناة عامة وليس لإدراكات خاصة. وهذه فكرة جديدة يمكن أن نبدأ منها لتفكيك لغة الأعماق وإعادة ترتيب ما تحمله من مفهومات وتراكيب مبتكرة. مثلا كيف ولماذا عكس اتجاه سهم التطورمن النهاية إلى البداية، أو من الدين إلى الأسطورة والعاطفة.

 

صالح الرزوق

...............

* الشواهد من مجموعته الأخيرة: (نهر بثلاث ضفاف) الصادرة عن دار تموزبدمشق. 2019.

 

 

جمعة عبد اللهبراعة المتن الروائي يغوص الى اعماق المجتمع. ويستلهم مفرداته البارزة والطافحة على المكشوف. ويسترشف المنصات الاسطورة في الحضارات العراقية القديمة، في المخاطبة والحوار والدعوة والطرح، برؤية الواقع ومعايشته الفعلية والحقيقية الجارية قديماً وحديثاً. وكذلك يستبطن ويستقرى جملة تداعيات بخصوص الترث الديني والشعبي ويحاجج موروثاتهما، وتأثيراتهما السايكولوجية على دواخل النفسية للانسان، ويعرج على الحالة الاجتماعية في القهر والمعاناة بكل بمفرداتها السقيمة، هذا التشكيل الروائي المركب في البنية والبناء النص الروائي، في صياغته ودلالته التعبيرية الدالة بعمق الايحاء والرمز الدال. من خلال توظيف تقنيات السرد الحديثة المتنوعة، في تنوع اساليب الاستنطاق والبوح والحوار والمحاورة، بما هو مكنون في الذات والسايكولوجية النفس والواقع. قد برع المبدع الكبير (شوقي كريم حسن) في تقنية التداعي الحر، في منولوجيتها ومخاطبتها للاخر. في دياليكتيك الدرامي المتفاعل بين الحوار والمحاورة والمخاطبة، ليكشف ركام المعاناة والحزن الذي يغلي ويفور في الضلوع وفي الشارع. كما يتناول بجرأة الطرح والمناقشة مسائل الدين في رمزية كهنة المعابد، ورمزية الجنس، في تخفيف الازمة الروحية والنفسية. ويتناول بشكل جوهري، مسائل حيوية وجوهرية، في ازمنة المحنة العراقية عبر عقود من الانظمة الشمولية الطاغية، في منظومتها الفاعلة على الحياة والواقع. وكذلك مسألة السلطة والدين وعلاقاتهما، وكيفية نتاج دولة هتلية. التي تعتمد على العسف والحرمان والكبت والاضطهاد، سوى كانت السلطة مدنية فاشية. او سلطة دينية فاشية. طالما يوحدها القهر الاجتماعي وتسخير الانسان لشرنقتهما، ليصبح عبداً مطيعاً، او خروفاً مطيعاً، يساق حسب الاهوى، لذبح، للحرب. للموت. للسجن، للقمع والارهاب، للتسلط الذي ينبش انيابه في الجسد وعقل الضحية. ان تكون الحياة قرابين تقدم دون حساب، في الانتهاك والاستلاب. مما يجعل أنين الليل يطول في آهاته. سوى من ارباب السلطة الالهية بكهنة المعابد. او من القائد الاعظم، او من السلطة الابوية في العسف والكبت اليومي. فأينما يدير الانسان الضحية وجهه، يجد الصولجان والسوط أمامه، ينهش جسمه وعقله. لتكون الحياة معتمة بالسواد، ليس فيها خيط من لون آخر. طالما الدولة الهتلية بجميع مسمياتها واصنافها. تمنع السؤال وتعتبره خرقاً وتجاوزاً لا يغتفر. هذه منصات المتن الروائي الذي برع بالتصوير الكامل لمادته الخام، التي هي من مكونات الواقع والحياة ومفرداتها، وحتى من مكونات حياة المبدع الكبير (شوقي كريم حسن) حياته وسيرته وتجربته في المعايشة الحياتية، بمراحل المتعددة والمتناقلة في ازمنة الاضطهاد والعسف. اي استطيع ان اسمي مادته الخامية للمتن الروائي، هي عين الواقعية السحرية بآفاقها الواسعة في تعاطي تجليات الواقع بتناقضاته الشاسعة، في تجلي واكتشاف مفردات في البيئة الاجتماعية الفقيرة، المنسية من الله والارض. يصبح الكدح الحياتي مجازفة في رمق العيش المر. لذلك اشتغل السرد الروائي على المنولوج الداخلي والخارجي. ليعطينا بانوراما صراع الانسان الكادح مع الحياة تحت صولجان الدولة الهتلية. يستلهم الحكايات الشعبية وحكايات الاسطورة. ليكشف الوجع العراقي النازف في المحنة والمعاناة، بعناوينها المختلفة. اي ليدلل ان رحلة الانسان العمرية، هي خوص صراع متعدد الاطراف كالاخطبوط. في حياة تئن في وجعها، او هي عبارة عن مواكب توابيت متزاحمة. كأن العراقي منذ ولادته رضع حليب الحزن والمعاناة. لذلك ان جوهر رؤية النص الروائي، هي كشف افرازات الواقع وهمومه واشجانه الداخلية والخارجية، المتراكمة في الذات الخاصة والعامة، او في خزين الذاكرة. لكن مع هذه المعاناة الثقيلة، تجعله ان يخوص صراع متعدد الجوانب، من اجل ان يجد له مكاناً تحت الشمس، لا مكاناً في الظلام. هذه التقنيات التعبيرية، التي هي نتاج الابتكار والخلق في البناء الروائي، المحكم في البنائية الهندسية المرتبة والمنسقة، من خلال تداعي الرؤى وفصول الرؤيا، التي قسمت في براعة احترافية متمكنة في السرد الروائي، بما يحمل من ابداع ورؤية وموقف في الطرح. وكذلك تناوله بشجاعة بارعة في طرح المحظورات في (الدين والجنس) ووجه سهامه في اصابة الهدف بالصميم. حين يوجه انتقاده الشديد واللاذع الى هرم السلطة في دولة الهتلية. التي تجعل الاعمار بالحياة ضائعة، بين موت مؤجل، ومرارة الحياة التي لا تطاق ولا تتحمل. يطالعنا في اسلوب مدهش في عورات المحتمع في الدين والسياسة. التي تحصر الانسان في زاوية ضيقة ومحصورة، بأن تكون الحياة تعوي وتئن في الاستباحة والاستلاب قديماً وحديثاً، في كهنة المعابد القدماء والجدد، الذين يسيرون على خطى القياس والمنوال نفسه، نسخة طبق الاصل. ولكن بزي مختلف. وجوهر الحبكة الروائية، تدلل ان تراكم القهر والمعاناة، يولد الانفجار الكبير. وهذا مانجد وقائعه في هذه الايام العصيبة. بأن العسف والظلم والحيف. لا يطول مهما كان لابد ان تأتي ساعة المخاض الكبير لتتفجر شظاياها، في الانفجار الكبير الذي يقلب معادلة الدولة الهتلية. لذلك احاول استرشاف الاضواء المقاربة بين الامس واليوم. مهما اختلفت عناوين الدولة الهتلية. او في براعة ما اشبه اليوم بالبارحة.

 ×× لذلك نحن بصدد بانوراما الوجع والمعاناة الحزن العراقي، في دولة يتحكم فيها الظلم وكبت والاستبداد، ويغوص في عمق هذا الثالوث المحكم بالشمولية. الذي ينتج دولة خرافية عميقة في القتل والارهاب وتجرع مرارة الموت في اصنافه المجانية، ولكن حرمات ان تذهب الارواح هدراً وعسفاً، واكثر احتقاراً ان يساوم بالمال ليستلم الجثة التي قتلت غدراً وظلماً. ياخسارة تروح يازين الرجال بهذا الاحتقار (من لايدفع هذا المبلغ عليه ان لا يفكر بأستلام جثته، وما لبث ان دخل ليجر بقايا روحي الى حيث التابوت الذي كان ينتظر الفجيعة. اغمضت عيني، واجهشت باكياً، لا لشيء، سوى لأني رحت اتأمل ما نسميه وطناً وهو يساوم موتاه من اجل حفنة من الحقارات والكراهيات والموت المجاني !!) ص15، هذه دولة كهنة المعابد، الذين غيروا جلودهم من القديم الى الجديد، كالحرباء حين تغير جلدها، من اجل الاستمرار في نفس النهج في تعاطي (الهتلية) بوصايا من رب الارباب. الذين جعلوا الحياة تعيش في قاع الحضيض. تعيش في ركام انقاض من تبقى من النفايات. حياة موشومة بوشم السواد، في حياة تعج بكلاب كهنة المعابد. ليجعلوا الانسان يعيش في غربة واغتراب داخلي، ليؤدي دور الضحية الخاسرة، في يافطات الخراب والذل والمهانة. الرفض والسؤال جريمة لا تغتفر، في شريعة البسملة والحوقلة أو في شعارات القديمة التي بال عليها الزمن، لكنها ولدت بثوب جديد. وهم في الحقيقة شياطين مأزومين في قهر الانسان، وعدم سماع الصرخات والانين واستغاثة الضحايا. فلا مكان للفرج، وانما الحياة مشرعة ابوابها للحزن والنحيب والمعاناة، بشكلها الواقعي واللاواقعي، أو بالاحرى سريالية كهنة المعابد. التي تجهض الاحلام في مهدها، وتطلق العنان للكوابيس، هذه مشيئة رب الارباب كهنة المعابد، وتوابعهم من اصحاب المقام والجاه من الكهنة (الواويه او السحالي الداعرة)، ان تنام الحياة على الخوف والقلق والمصير الاسود (نحاول الولوج الى فضاء مآلاتنا التي لا نعرف لها مسافات تحدد وجودنا، ثمة دائماً ما ياخذنا الى امكنة مدجنة واخرى أشرس من انفسنا تزأر، فنروح نعاتب ذواتنا التي لا تعرف كيف تأخذ الآمال الى صدورها، تطشرنا الآهات، ونحن نرقب العيون التي لم تألف النظر اليها من قبل، فنسيح عبر اتجاهات غرابتنا التي ماعادت تستقر عند شيء، حين تنسكب عند خطانا المرتبكة) ص73. هذا الفراغ الحياتي، الذي محاط بالانكسارات والاحباطات. كأن الحياة تمشي على توابيت مملوءة بالجثث. كأن الزمن مليء بالرعب والرايات والشعارات السوداء المزيفة، في تواريخها المليئة بالزيف والخرافة، في تاريخ مليء بالروائح الكريهة والفاسدة. مليئة بالنتانات العفنة. في تواريخ كتب بالزيف وحبر النخاسة الداعرة. لكنها تخلق ارباب للقدسية والتقديس. ولكن يبقى هواجس السؤال لا غير يدور في الخوالج الداخلية للوجدان، من أين جاءت هذه النتانات العفنة ؟.، ولكن منْ يتجرأ على طرح السؤال (سؤال واحد..واحد لا غير.. لكن الاجابات عصية.. مامر بخاطري يوماً أن ايامنا ستصاب بشيخوخة القهر.. كيف يمكن لقوة مستحيلة الاختراق أن تتحول برمشة عين الى ذرات من رماد وسموم.. لماذا لا تستقر الافكار عند شيء محدد.. عمري كله كان الخوف يصطاد أحلامي لكني اشعر اليوم بأنكسار الاحلام.. وذهاب كل شيء الى فناء الايام لا اصدق.. ابدا لا يمكن تصديق ما حدث ؟) ص138. ولكن هذه رغبة الامبراطور المجنون في بناء امبراطوريته الجائرة بوصايا كهنة المعابد في راياتهم السوداء داخل نيران الهشيم. هكذا وبكل بساطة نستفيق على ضياعنا ومأساتنا، على جنون الحياة ولعبتها القذرة، لتجعل الروح مترنحة باليأس والتشنج والوجع، كل شيء في الحياة يبكي ويتكسر وينوح، ونستوحش الضياع. هكذا تساوت ازمنة القمع والظلم والحرمان، سواء من كهنة المعابد السابقين، أم من كهنة المعابد الجدد. والواقع في عدسة الجور والضياع والمتاهات التيه، في عدسة الترصد والمراقبة والتصيد. اصبحت حياة انسان صيدة تباع وتشترى، الكل مغلوب على امره، الكل يؤدون فروض القدسية للكبير. الجلاد والمهرج والشحاذ والضحية، الكل غارق في لجة الذل والمهانة. الكل حطب ووقود للحروب العبثية بأسم المقدس الاكبر، رب الارباب لكهنة المعابد. الذين خلقوا له اسطورة من حروف المجد، وشطبوا الاساطير الاخرى، فمنه يبدأ التاريخ وينتهي، او ربما به خلقت الارض وتنتهي به (كيف يمكن ايقاف نزيف المحنة التي اراها تلاحق امكنتي وهي تحمل سكاكين الغموض / حاولت فك اشتباك المعنى / لكنها ما فاهت بكلمة واحدة / الدم يتصاعد / والاثام تتصاعد / الارض التي تمسك حظوظ الاساطير ما عادت تكترث لشي / تحولت الامال الى رماد / والمعابد الى مباغي / والمناسك الى رغبات بالقيء والاستهانة/ الضياع وحده الحقيقة الراسخة) ص166. فما عاد لديك خيار في الحياة. سوى ان تختار بحريتك طريقة موتك المفضلة، هذه المساعدة تقدم بالمجان على حب الله (- كل ما نفكر به لمساعدتك.. هو أن تختار طريقة ارسالك الى جهنم.. هناك ستجد كل شيء.. كل ما لم تجده في دنياك الفاسدة، يمكن ان تجده هناك.. أبن.. فكر بطريقة الموت التي تريد.. لا بأس نحن ننتظر.. ولكن انتظارنا لن يطول كثيراً... عليك ان تبتكر لنفسك طريقة موت.. عقلك يعرف طرق موت كثيرة.. ولكني شخصياً اعلن رغبتي بمساعدتك !!) ص189. هذه تراجيدية الكوميدية السوداء قديماً وحديثاً. في لعبة الحياة العابثة، ظلام يشبه ظلام، بأن رائحة الموت تفوح في كل مكان. الحياة اصبحت خاسرة (- قال انتهى كل شيء !!

قال - كان عليك ان لا تستسلم لهم !!

قال - لا فائدة أينما تولوا فثمة كاهن يطالبك بالموت !!

قال - حرام ان اجد نفسي محاطاً بكلاب تنتظر تحولي الى فطيسة نتنة !!) ص209

اعتادت كلاب كهنة المعابد على نهش لحم الضحايا. من اجل خلق الرعب الحياتي ليكون شريعة الحياة وناموسها، ان يجعلوا الانساان ان يخاف من خياله. ان يجد نفسه في غفلة من الزمن مقتولاً، او ربما مرمياً في حاويات القمامة. لذا فان الحياة تظل تنزف بجراحها النازفة. ان يسقط الانسان في اعماقه. ولكن هل الرب يقبل بسرقة كهة المعابد للحياة ؟ هل يقبل بسارق يمتطي صهوة الكهنة، في مخادعة الرب. مثل هكذا رب لا يستحق التقديس. اذا لم ينتصر للمظلومين والخائبين. لا يستحق مثل هكذا رب يسرقون حتى في بيته ومعابده. ويذوقون عسل التمر المعتق، على انين الضحايا. لا يمكن ان تكون الحياة بيد الهكنة في صنعها كما يشاؤون ويرغبون، لا يمكن للضحايا ان ينتقلوا من خندق الى خندق في انتظار الموت أو الجحيم المنتظر. لايمكن ان يمنع السؤال والكلام بالمحظور (- الرجل الذي لا يجيد الاسئلة رجل لا يجب ان يعيش.. رجولة دون سؤال حلم عاطل... ما تعودتك تتمرغل بالخجل.. أو تتراجع عن سؤال..الاجابات تقيك استباحة الاسئلة وتغسل واياك في ينابيع خرافاتك المحشوة في بيوت الدعارة.. والمشانق.. وعاهرات الدروب التي تشبه جلود الافاعي ؟!!) ص21.

ان تراكم المعاناة والوجع يولد الانفجار وتباشير الامل، هكذا تهمس (عشتار) ربة الحب والحياة في الاذهان. بأن تعزف على موسيقى الرفض، وان تسير منتصب القامةفي عزفها، تمزق الخوف الداخلي لتتحرر الى الحياة العريضة، لكي تجعل الانفجار بقوة الالم والمعاناة والكبت الداخلي. عندها ستجد مروج الحياة بالانتظار. ليس ثمة حنجرة ‘لا ان تعزف بشهقات النواح، ان تعزف في ابواب الكهنة، ولا تكترث لكلابهم المسعورة. لكي تكبر ابتسامة الامل والاغاني الانفجار (الاحلام تنصب متاريس الاسئلة، والارواح تغافل نومها لتطلق دخان ضجرها باتجاه الشوارع) ص290

بهذه الانفجار المرتقب، انفجار الضحايا والمسحوقين والمحرومين.

 

 جمعة عبدالله

 

كريم مرزة الاسديالشعر لسان، واللسان عنوان؛ لِما في النفوس من كتمان، سلاح ذو حدين، إمّا أنْ يرتفع به الشأن، أو يزري بصاحبه للذل والهوان، وكم رأس حصيد هذا اللسان، إذا ما سلـّط الله عليه السلطان أو الأعوان عندما يخلع الإنسان من ضميره الوجدان، والشعر طبعٌ وصنعٌ، وإذا غلب الطبع قد تزل به قدم في وقت لا ينفع به الندم، وربّما يأتي ركيكاً فيُهمل، أو أحمقاً فيقتل، يرتفع على كتفه اسم، ويغيب من أفقه نجم، تعقد لأجله المناظرات والنقائض والمعارضات في مجالس الخلفاء والملوك، وتقام له الأسواق كعكاظ والمربد و ذي المجاز و مَجنَّة وهجر، يحضرها الفحول للاستماع إلى الناشئة الصاعدين، والتحكيم بين المتسابقين في دواوين شعبية، تحتضنها القبائل العربية،فكان للشعر دور لايشق له غبار، إلا من قبل الكبار، ومن هنا يجب علينا التأمل والتمعن وأنْ نرى لِما روى أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي البحتري (ت 284 هـ/ 897 م)عن وصية أستاذه أبي تمام حبيب بن أوس الطائي (ت 228 هـ / 843م) قائلاً:

" كُنتُ في حَداثَتي أرُومُ الشِّعْرَ، وكنتُ أَرْجِعُ فيهِ إلَى طَبْعٍ، ولَمْ أَكُنْ أَقِفُ علَى تَسْهيلِ مَأْخَذِهِ، ووجُوهِ اقْتِضابِه، حتى قصدتُّ أبا تَمَّامٍ، وانقطعتُ فيه إليه، واتَّكلْتُ في تَعريفِه عليه؛ فكانَ أوَّل ما قال لي: يا أبا عُبادة؛ تخيَّر الأوقاتَ وأنت قليلُ الهُمومِ، صِفْرٌ من الغُمومِ. واعْلَمْ أنَّ العادةَ جَرَتْ في الأوقاتِ أن يقصدَ الإنسانُ لتأليفِ شَيْءٍ أو حِفْظِه في وَقْتِ السَّحَرِ؛ وذلكَ أنَّ النَّفْسَ قَدْ أَخَذَتْ حَظَّهَا مِنَ الرَّاحةِ، وقِسْطَهَا مِنَ النَّوْمِ. وإنْ أردتَّ التَّشْبيبَ؛ فاجْعَلِ اللَّفْظَ رَشيقًا، والمعنَى رَقيقًا، وأَكْثِرْ فيه مِن بَيانِ الصَّبابةِ، وتوجُّعِ الكآبَةِ، وقَلَقِ الأَشْوَاقِ، ولَوْعَةِ الفِراقِ . فإذا أَخَذْتَ في مَديحِ سيِّدٍ ذي أيادٍ؛ فأشْهِرْ مَناقِبَهُ، وأظْهِرْ مناسِبَه، وأَبِنْ مَعالِمَهُ، وشرِّفْ مقامَهُ. ونَضِّدِ المعانيَ، واحْذَرِ المجهولَ مِنْها. وإيَّاكَ أن تَشينَ شِعْرَكَ بالألفاظِ الرَّدِيئةِ، ولْتَكُنْ كأنَّكَ خيَّاطٌ يقطعُ الثِّيابَ علَى مَقاديرِ الأجسادِ. وإذا عارَضَكَ الضَّجَرُ؛ فأَرِحْ نَفْسَكَ، ولا تعملْ شِعْرَكَ إلاَّ وأنتَ فارغُ القَلْبِ، واجْعَلْ شَهْوَتَكَ لقولِ الشِّعْرِ الذَّريعةَ إلَى حُسْنِ نَظْمِهِ؛ فإنَّ الشَّهْوَةَ نِعْمَ المُعِينُ. وجُمْلَةُ الحالِ أَن تعتبرَ شِعْرَكَ بِما سَلَفَ مِن شِعْرِ الماضينَ، فما اسْتَحْسَنَ العُلَماءُ فاقْصِدْهُ، وما تَرَكُوهُ فاجْتَنِبْهُ؛ ترشد إن شاءَ اللهُ . قالَ: فأعملتُ نَفْسي فيما قالَ؛ فوقفتُ علَى السياسةِ ". (1)

مما نستشفّ ُ من الوصية الطائية اللؤلؤية أنّ البحتري من المطبوعين يعتمد على موهبته الخالصة في نظم الشعر ابتداءً، وأستاذه أبو تمّام يميل إلى الصنعة والتأمل والزخرفة وتحكيم العقل تجربة ً، فأوصاه بها لكي لا ينحدر الشاعر للهاوية دون قيدٍ يقيه، أو سدٍّ يحميه، وأقرّ الموصى له بعمله بها حتى وقف على السياسة، والسياسة تقتضي اختيار الوقت المناسب للإبداع بحيث يكون الشاعر متهيّئاً نفسياً وفكرياً وخلقياً لصبِّ خوالج وجدانه العاطفية، وخالياً من انفعالاته النفسية الشخصية؛ إذ هو" قليلُ الهُمومِ، صِفْرٌ من الغُموم "، وبالتالي لا تطغي سوداويته على الوجه الأبيض المنير للشعر السليم، ثم يتطرق الأستاذ الشاعر الناقد إلى ضوابط غرضين من الأغراض الشعرية، وهما الغزل والمدح ، وتغاضى أبو تمام عن الهجاء والرثاء، ففي الهجاء منافرة لا مقاربة، والرثاء فراق لا يأمل اللقاء، والشاعر يكون أقرب إلى الصدق فيهما من الكذب، والشعر يغني كذبُهُ عن صدقه، كما يقول البحتري نفسه!!

يجرّني السيد البحتري البرجوازي الارستقراطي الانتهازي إلى كذب الشعراء في مديحهم والحديث شجون!!

يقول عبدان بن عصمان العاطفي السلـّمي في هذا المعنى:

وقالوا في الهجاء عليك إثم *** وليس الإثم إلا في المديح

لأني إن مدحت مدحت زوراً**وأهجو حين أهجو بالصحيح (2)

ومن غرائب شعر ابن زيدون ( ت 463 هـ) قوله في هذه القصيدة الفريدة التي يهجو بها أبا الحزم بن جهور مؤسس الدولة الجهورية، والشاعر من أركانها، وباني ملكها، ولكن عندما خلعه الأمير من كرسي الوزراة الأولى، و أودعه السجن، قال فيها:

قل للوزير، وقد قطعت بمدحه *** زمني فكان السجن منه ثوابي

لا تخش في حقي بما أمضيـتـه ****من ذاك في، ولا توق عتابي

لم تخط في أمري الصواب موفقاً **** هـــــذاجزاء الشاعر الكذاّبِ

و ابن الرومي ( ت 283 هـ ) قد تجرأ في لحظات سخط على هجاء السيد البحتري بقصيدة بائية مطولة ( 86 بيتاً )، منها:

البُحْتُريُّ ذَنُوبُ الوجهِ نعرفُـــــــهُ **** وما رأينا ذَنُوبَ الوجه ذا أدبِ

أَنَّى يقولُ من الأقوال أَثْقَبَهَـــــــا**** من راح يحملُ وجهاً سابغَ الذَنَبِ

أوْلى بِمَنْ عظمتْ في الناس لحيتُهُ * من نِحلة الشعر أن يُدْعَى أبا العجبِ

وحسبُه من حِباءِ القوم أن يهبــــــوا *****له قفــــاهُ إذا ما مَرَّ بالعُصَبِ

ما كنت أحسِبُ مكسوَّاً كَلحيتــــــه ***** يُعفَى من القَفْدِ أو يُدْعى بلا لقبِ

الله الله يا ابن الرومي، كم أنت مسكين في حياتك البائسة:

 هذا الكلام لا يصل إلى باب بيتكم، و لا إلى باب جيرانكم الأحدب، ولما سمع البحتري هذه الملحمة الهجائية الرومية بحقه، كل ما فعله بعث إلى ابن الرومي تخت طعام وملابس، وبه كيس دراهم، ووضع بداخل التخت ورقة، تحمل بيتين من الشعر، تقول:

شاعرٌ لا أهابهُ *** نبحتني كلابهُ

إنّ من لا أحبّهُ ****لعزيزٌ جوابهُ

هذا هجاء مقذع بما فيه من ألم نفسي، وعقاب للذات الشاعرة، وقد سبق ابن الرومي ابن الزيدون بهذا المعنى، إذ يقول:

إذا ما مدحتُ المرءَ يوماً ولم يثبْ *** مديحي، وحقّ الشعر في الحكمِ واجبُ

كفاني هجائيهِ قيـــــــامي بمدحهِ ****خطيباً، وقول النـــــــاس لي أنت كاذبُ

وابن الرومي مثله مثلي، قد يكرر نفسه أحياناً لتأكيد المعنى، إذا ارتأى مرّ عابراً، وهذه ما تسمى بظاهرة التعويض في الأدب، مهما يكن قال في مكان آخر:

كلُّ امرئٍ مَدَحَ امرَأً لِنَوَالِهِ*****فأطال فيه فقد أراد هجاءَهُ

 نعود للبحتري، والعود أحكم !! أمّا الفخر فالبحتري قليل الفخر، وهذا أمر يخصّه شخصياً - ربّما لأنه جليس المتوكل، وما أراد أن يؤلب على نفسه، أحقاد الخلفاء ومن حولهم، وهذا عقل وحكمة - و إنْ كان الرجل يزهو بنفسه مترنحاً متمايلاً عند الإلقاء، ولله في خلقه شؤون، والحديث شجون وشجون!!

 يبقى لدينا - من الوصية - المدح للسادة النجباء، والزعماء والخلفاء، فالرجل يترك للرجل اختيار الألفاظ، فلكلّ مقام مقال، ولكلِّ جسدٍ مقدار، ولكن لابدّ من إشهار المناقب والفضائل والمعالم بإنتقاء الألفاظ الحسنة، وتنضيد المعاني الخيرة دون غلو ٍمحرج، ولا لبس ٍمزعج باجتناب تأويل المعنى المجهول الذي تمتطيه الظنون لتقلب المدح ذمّاً، والخير شرّاً، ومن أراد أنْ يستأنس برأيٍ آخر في توجهاته عن الوصية عليك بمقالة الدكتور عبد الكريم محمد حسين (3)

 ومن هنا نفهم تمام الفهم أن جذور تبعية الثقافة للسياسة، والقلم للسيف في بلاد العرب منذ العصر الجاهلي حتى يومنا الحالي، فلا عجب أن نرى أبا تمام ينصب السيف على صدر مطلع قصيدته الرائعة إبان فتح عمورية المعتصم...!!، رغم تفهمي للبيت الذي ورد في المكان المناسب، والزمان الملائم، ولكن يبقى السيف سيفاً، وتبقى الكتب!!:

الـسَيفُ أَصـدَقُ أَنـباءً مِنَ الكُتُبِ *** فـي حَـدِّهِ الـحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ

ومثله ذهب المتنبي في رفع شأن مجد السيف الخامد على حساب مجد القلم الخالد:

حتى رجعتُ وأقلامي قوائلُ لي *** المجد للسيفِ ليس المجدُ للقلم ِ

ولا أخالك تحسب إن السيف في كلا البيتين موجهاً للداخل، كما هو الحال في أيامنا البائسة، وإنما للدفاع عن الأوطان ، وحفظ كرامة الإنسان، لردّ الضيم بالضيم، وهكذا كان ردّ وا معتصماه في عصر الأقوياء...!!

 ومهما يكن من أمر، فكرة الخوف من سلطة السيف والتهيب منه مختمرة في عقول سلاطين القلم ...!! وإنّ أبا تمّام بقى تابعا لسيف معتصمه، بل أوصى تلميذه الانتهازي المسكين البحتري - وما هو بمسكين ...!!- أن يسلك الدرب نفسه، وليترك معاصره البائس ابن الرومي إلى جهنم وبئس المصير ...!! لذلك لا تتعجب من البحتري أن يجيب ابن الرومي بالبيتين السابقين (شاعرٌ لا أهابه ...)، والتخت وكيس الدراهم الصدقة!!

والمتنبي (ت 354 هـ) ظلَّ تابعاً في مسيرته لسيوف سيف دولته وكافور أخشيده وعضد دولته ... وإلا ما هو تعليلك لقوله في مطلع قصيدة، تُعد من أروع قصائده:

واحَرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلبُهُ شَبِـمُ ***وَمَن بِجِسمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ

مالي أُكَتِّمُ حُبّاً قَد بَرى جَسَدي** وَتَدَّعي حُبَّ سَيفِ الدَولَةِ الأُمَمُ

 إِن كانَ يَجمَعُنا حُــــبٌّ لِغُرَّتِــــهِ ****فَلَيتَ أَنّا بِقَدرِ الحُبِّ نَقتَسِمُ

هذ ه الأبيات قد تبعث على التخيل، أنّها مؤلمة للكرامة الإنسانية، لأنّها جاءت من مأمورٍ لأمير، وليس من صديقٍ قادرٍ مقتدر لصديقٍ يقف معه على قدر الاستواء والمنصب، والأمر والنهي ، ولكن هذا - أيضاً - يجب أنْ لا ينسينا أنَّ المتنبي نفسه انتفض على المتنبي قوله، فقلب الطاولة على الأمير وجلسائه بعد عدّة أبيات:

يا أَعدَلَ الناسِ إِلّا في مُعامَلَتي **فيكَ الخِصامُ وَأَنتَ الخَصمُ وَالحَكَمُ

 أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَــةً ***أَن تَحسَبَ الشَحمَ فيمَن شَحمُهُ وَرَمُ

 وَما اِنتِفاعُ أَخي الدُنيا بِناظِرِهِ ****إِذا اِستَوَت عِنــدَهُ الأَنوارُ وَالظُلَمُ

 سيعلُم الجمعُ ممن ضمَّ مجلسُنا ****بأنني خيـــرُ مــن تسعى به قَدَمُ

 أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبــــي**** وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ

 الخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني*** وَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ

كرامة ما بعدها كرامة، ثأر المتنبي العظيم لنفسه، والقصيدة - كما أرى - ولدت هكذا دون تصنعٍ أوتكلف، وإنّما خلجات نفس إنسانية كبيرة، تمتزج فيها تيارات الطبع والتطبع، والثقافة المكتسبة، وتجارب حياة عصرها بكل مثالبها ومحاسنها، ولا أقول بما يُقال: إن سيف الدولة سخط على المتنبي من هذا الشموخ المرتفع بعد مطلعٍ مرتجف، فرأى فيه اضطراباً نفسياً، أو سلوكاً غير سوي من المتنبي، والمتنبي قد عوّده - لكلّ امرئٍ من دهره ما تعوّدا - أن يفخر بنفسه، ويشمخ في كلّ قصائده التي مدحه فيها، أو قد تأثر هذا (السيف) بما ألّبه عليه مَن في المجلس، فرماه بدواة، وشقّ فمه، فارتجل المتنبي هذا البيت:

 إِن كانَ سَرَّكُمُ ما قالَ حاسِــدُنا ****فَمــا لِجُــــرحٍ إِذا أَرضــــاكُمُ أَلَــمُ

كلّا هذه الرواية - على أغلب ظنّي - موضوعة، ولا أساس لها من الصحة، لا الأمير يفعلها، ولا المتنبي يقبلها، بدليل عندما توفيت خولة أخت سيف الدولة (352 هـ)، نظم في حقّها قصيدة رائعة، وأرسلها إليه من الكوفة - وكان قد رجع من مصر - من أبياتها الشهيرة:

 يا أُخْتَ خَيرِ أخٍ يا بِنْتَ خَيرِ أبِ ** كِنَايَةً بهِمَا عَنْ أشرَفِ النّسَبِ

أُجِلُّ قَدْرَكِ أنْ تُسْمَـيْ مُؤبَّنَــةً ***وَمَنْ يَصِفْكِ فَقد سَمّاكِ للعَــرَبِ

غدَرْتَ يا مَوْتُ كم أفنَيتَ من عدَدٍ * بمَنْ أصَبْتَ وكم أسكَتَّ من لجَبِ

وكم صَحِبْتَ أخَاهَا في مُنَازَلَــــةٍ ***وكم سألـتَ فلَمْ يَبخَلْ وَلم تَخِبِ

طَوَى الجَزِيرَةَ حتى جاءَني خَـبَرٌ ****فَزِعْتُ فيهِ بآمالي إلى الكَذِبِ

حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أمَلاً **شَرِقْتُ بالدّمعِ حتى كادَ يشـرَقُ بي

لو كانت ضربة الدواة، لما ولدت هذه القصيدة المعاناة، ولله في خلقه شؤون وشؤون، والحديث شجون وشجون وشجون ... لعلكم تتذكرون...!!

 

كريم مرزة الأسدي

.....................

 (1) (في محاسن الشعر وآدابه ونقده ): ابن رشيقٍ القيرواني، تحقيق . محمد محيي الدين عبدالحميد، ط 4، 1972م ج2، ص 114 - 115 - دار الجيل . وراجع: ج1 ص 152 زهر الأداب.

 (2) (محاضرات الأدباء): الراغب الأصفهان - 1 / 175 - موقع الوراق - يذكر البيتين، وقبلهما (عبدان) فقط دون ذكر اسم أبيه ولقبه.

 (3) راجع للتفصيل مقال " وصية أبي تمام للبحتري" الإسناد والتوثيق، الدكتور عبدالكريم محمد حسين، المجلد 19، العدد (3، 4)، 2003، ص: 21 - مجلة جامعة دمشق.

 

جمعة عبد اللهموهبة شعرية فرضت نفسها على الواقع الثقافي والادبي، في موهبته الشعرية المبكرة جداً. وهو يافع يخوض تجربة غمار الشعر في موهبته الابداعية  الاصيلة. التي تحمل في طياتها جمال الاصالة والشفافية  الشعرية. ومنذ ذلك الوقت، وهو يبحر في  غمار الشعر في تجربته وخبرته الطويلة. التي تجاوزت  خمسة عقود من الزمن .. وقد اصدر من خلالها اربعة دواوين شعرية. والكثير من القصائد، التي لم توثق في دواوين شعرية اخرى. وهذه الدواوين الاربعة هي:

1 - الديوان الاول (اللواهب) عام 1975

2 - الديوان الثاني (رسائل من وراء الحدود) عام 1980

3 - الديوان الثالث (أناشيد زورق) عام 2005

4 - الديوان الرابع (طقوس) عام 2006

كما اصدر رواية باللغة الالمانية. رواية (تركة لاعب الكريات الزجاجية)

ونتناول في هذه المقالة. التي هي بمثابة استكشافات في عمق الرومانسية العذبة والشفافة واستبطان جماليتها، من خلال ديوانه الثالث المعنون (أناشيد زورق). في عوالمه الرومانسية. بالمشاعر الملتهبة والجياشة. والديوان الشعري، يأتي ضمن انجازه الشعري الطويل في تجربته المتألقة، التي تتميز بأسلوب متفرد وجاد، وتملك لونا خاصا في تناول العالم الحالم بالرومانسي المحبب والجميل في مشاعره الجياشة، في احاسيسه المرهفة والملتهبة من اعماق الوجدان. ويتميز شعره الرومانتيكي في صياغة جمالية الاحساس بالمشاعر التي تبحر في بحر العشق والهوى والهيام , يطوف فيها في كل المحطات والمرافئ , وفي تقلباتها العاصفة  . في  جراحها ومعاناتها، لكنها لاتدلف الى مناقب النوح والبكاء. رغم المحنة والعذاب في الحب والعشق، الذي يتلاعب بمشاعر القلب والوجدان. ان قصائده الشعرية، تمتلك آفاقا واسعة وخصبة في عشبة الخيال الرومانسي الخلاق والمتوهج . وهي ليست محض خيال صرف. وانما تملك تجربة حياتية  صادقة، ومعايشة فعلية. تملك ارضية واقعية في التناول في خوض تجربة  الحب والعشق. في الهوى والهيام، في طينة الحب الجياش الصادق الذي يفور في الضلوع، أن قصائده ليس للاستهلاك الرومانسي العابر والمستهلك . بل أنها منفلتة من اعماق الوجدان ونبضات  القلب في خفقانه  . في العشق الذي يجري نبضاته في العروق والشرايين. يقدمها في هالة الشعور الرومانتيكي. في اطار شعري حديث في الصياغة  الفنية المتمكنة من تقنياتها  المتطورة . التي تشد القارئ اليها، وتجعله يبحر في الرؤى الرومانتيكية بكل الشوق والاشتياق في حواسه المرهفة   . ويتعاطف وجدانياً مع الشاعر. الذي ترجم مشاعره الصادقة والحساسة في رؤى الشعر. التي تعطي قيمة للحب والعشق، تعطي قيمة للمرأة الحبيبة، حتى في خصامها وخلافها وانفصالها عن رابطة الحب والعشق. فهو يمتلك مشاعر جياشة في الحب العذري، ولا ينزلق مطلقا الى الشبق الايروسي الملتهب. وانما يعطي قيمة معنوية لهالة الحب، في الحنين والاشتياق في العطش والظمأ الروحي. رغم معاناة  وشقاء قسوة الحياة، التي تجني على الحب الصادق الملتهب في مشاعره الجياشة. لنسافر في رحلة الديوان الشعري (أناشيد زورق) في بعض قصائده المختارة، التي تعطي الخطوط العامة لعالمه الرومانسي العذب .

1 ـ حين يهدر الحب فرصة التسامح والتصالح:

ويقود آفاقه الى مجاهيل مسدودة. ليس لها إشراقة حياة  وبسمة أمل، من الشوق والهوى، وانما تجعل سماء الحب، ملبدة بالغيوم بالرعود والبروق . حيث التشاجروالخصام والمناطحة في الفراق ، في العواصف الهائجة، التي تفضي الى هجرة الحب وسد ابوابه. لكنها في نفس الوقت تفتح باب الجراح بالفراق والهجر. ولا تختار طريق الندامة، ولاترجع الى مسالك الحب الصافية، الحب ليس هو  التلاعب بالعواطف ,  التي تقود الى أطفاء شعلة وشمعة الحب ، فهذا الطريق والاختيار مرفوض , لا يحمل سوى الندم .

إني أنتظرت بأن تعودي نادمة                    لكن رجعتِ كما السماء القاتمة

مزروعة بالرعدِ والامطار تنْ...               تفضين في وجهي زوابع ناقمه

ان تعصفي مثل الرياح وتعبثي                   بعواطفي أو تعودي غائمه

هذا الخيار رفضته ورفضت أن                   أحيا بغير مشاعري المتناغمه

..........

لا لنْ يغامر من جديدٍ زورقي                     حيث العواصف والسماء الغائمه

إني عرفت البحر في هيجانه                       واخاف من امواجه المتلاطمة

لا تذكري الماضي فقد ودعته                      لا توقظي في الجراح النائمه

2 ــ حكاية الحب

 مغامرة الابحار في سفينة الحب، تتطلب السفر الدائم للعاشق المغامر، ان يجد عشبة الحب المشتهاة. حتى تكون بلسماً لهمومه النازفة، فهي البلسم الشافي، ليجد روضته الزاهية، ليسكر من نبيذ وخمرة  الحب والعشق الى حد الثمالة. ولكن يتطلب ذلك الوفاق والانسجام والوفاء. لا ان يتخذ من الحب ساحة لتصفية الحسابات، فالحب النقي والصادق، هو اكبر من كل تصفية  للحسابات. واذا تحول الى هذا الطريق، فإنّ ذلك سيتسبب في افساد درب الحب  ,فإنّ صب الزيت سيحرق الهيام والهوى، ليتحول الى رماد وفحم. ان ازهار العشق تتطلب المياه النقية الجارية من اعماق القلب. تتطلب الهواء النقي،لا الهواء المشبع  بالحماقات في تذكر الماضي وجراحاته النائمة

لا تفســــــدي بحسابٍ صفْــوَأوقـــاتي                             فالحبُّ أكبرُ من كلِّ الحســــــاباتِ

دعي المشــــاعرَ تجري من منابعها                               طوعاً فلا تحبسيهـــا بانتقـــــاداتِ       

لا تنبشي في الذي قدْ فاتَ مِنْ عُمُري                           ولا تعيدي على سمعــي حكاياتـــي

والذكريات دعيها فــــــــــي مخابئها                            مدفونـــــةَ معَ أحزانـــي وآهــــاتي

طويتُ صفحـــةَ أسفاري فلا تسلـــي                            كمْ كُنتُ أعرفُ قبلاً مِنْ محطّـــاتِ

لا تسكبـي الزيتَ في نارٍ قد انطفأتْ                            إلّا قليلاً فــذا إحـــدى الحماقــــــاتِ

إنّي أعيشُ ليومي ... حاضري عُمُري                            فلستُ أهتــمُّ بالماضيولا الآتــــي 

3ــ الحب من أول نظرة   

الحب المتلألأ  في سحر العيون، المتعطشة للهوى والهيام. تبرق في بريقها الجذاب. لكي تلهب عواطف القلب والوجدان. ليهيم في بريق العيون ونورها المشع. لترسم جنينة في روضة  الهوى والاشتياق، لترسم بريشتها الاحلام الوردية. لتفتح الطريق لرحلة العشق، ليسكر بطعم حلاوة الحب. لتذوب العواطف، في المشاعر الجياشة، لتذوب في سحر العيون البراقة في الهوى والهيام. ليجد مرفئه الحاني والموعود.

ذبتُ في حُبكِ من أول نظره                     وفؤادي لم يعد يملك أمرهْ

مذ أن أبصرت عينيكِ  وبي                     لهفة تلهبُ أعماقي كجمرهْ

ذهب الشوق بصبري كله                      آه لو أملكُ من أيوب صبرهْ

سكن الحب عروقي كلها              صار يجري في دمي في كل قطرهْ

أن في عينيك سحراً نافذاً                     أتقنَ الساحر في عينيكِ دورهْ

كل شيءٍ صار شيئاً اخراً                    في عيوني اصبح العالمُ غيرهْ

4 ـ أغنيات الحب

الحب الذي يلهب اعماق الروح. ويتمرغ في انغامه واناشيده العذبة، التي تعزف بلحن العشق والغرام، يتلألأ في سحر العيون الناظرة. التي تسرح وتمرح في آفاق الهوى، لتطفيء شعلته المتوهجة في خلجات الفؤاد، تعجز الكلمات عن الوصف والتصوير. في بريق اغاني العشق التي تموج وترقص على لحن الشوق والاشتياق. فالحب اسمى من كل الاشياء، وفوق كل الاشياء. وتذوب فيه كل الاشياء. فهو المبتغى والمنشود، وتطير به الروح رقصاً وطربأً واغاني يتسامر بها العشاق

أصبحت أجمل أغنياتي كلها                   توحي بها عيناكِ والبسماتُ

غنيتها فترددت ملء الفضا                   والى المجرة طارت النغماتُ

لا تسأليني كم احبكِ ليس لي                     كيلٌ أكيلُ  به ولا أدوات

فلتعذري لغتي اذا هي  قصرت           هل تحصرُ الحب الكبير لغاتُ

أني أحبك ِ فوق كل معدل                          حباً به تتحدث النجماتُ

تشدو به الاطيارُ  فوق غصونها              وتحدّثُ الركبانُ والفلواتُ

نشرت على الدنيا حكاية حبنا                 فلها جميع الكائناتِ رواةُ

الليلُ كم ضحكت شواطئه لنا                وتراقصت لغنائنا الموجاتُ

5 ــ المخادعة في الحب

لاشك ان الظنون والشك والمخاتلة في الحب، والتردد والتذبذب والمخادعة، والضحك على عواطف القلب. تجعل الحب يموج في المراوغة والخداع، تجعله في حالة من فوضى العواطف،  في هيجانها المتضارب والمتنافر والمخادع. فتتحول رؤى العشق والهيام الى مكيدة ومهزلة. لا تجلب سوى الاسى والحزن والآهات. يصبح  الحب ضربا من اللعب على الكلمات، ويتحوّل إلى عواطف كاذبة، سرعان ما تتبخر فتنطفيء نار الحب. فما اقسى الحب اذا اختار هذا الطريق.

  إن قلتها وتحركتْ شفتاكِ                     أهواكَ) لست بقائل (أهواكِ)

لا لست ناطقها فما الجدوى إذا                     مرّت بأذني كاذبٍ أفّــاكِ

 عيشي لوحدكِ واشربي نخب الهوى                  كذباً فأني كاره لقياكِ

ما عاد قلبي للخداع مصدقاً                       فلتتركيه فقد صحا وسلاكِ

في الامس كنت أراكِ قلباً حانياً                 فأقولُ كالمسحور ما أحلاكِ

فأذا ضحكتِ فكل شيءٍ ضاحك                  وأذا بكيتِ فكل شيءٍ باكِ

واليوم إذ ألقاك ِ يعصرني الاسى               فأصيح كالملدوغِ ما أقساكِ

أنا قد بعثتكِ من رمادِ جذوةً                    وأحلتُ  شيطاناً لوجهِ ملاكِ

وفمي الذي سواكِ لحناً ساحراً                   في كلَّ مقهى عامرٍ غناكِ

***

جمعة عبدالله

 

جودت هوشيارينشأ الغموض في الأدب، عندما يخفق الكاتب في صياغة عمله الادبي على نحو يسمح للجمهور المتلقي باستيعابه وتذوقه. وبذلك يفقد العمل الأدبي معناه، ومبررات وجوده، ويصبح عاجزا عن التأثير في القارئ، أو النهوض بأي وظيفة من وظائف الفن . وربما ليست ثمة صدمة أكبر بالنسبة الى الكاتب، من هذه النتيجة البائسة لجهوده، خاصة إذا كان يعي جيدا دور الأدب في حياة الناس وعوالمهم الروحية .

قد يكون الغموض في العمل الأدبي ناجماً عن الكسل والإهمال عندما لا يجهد الكاتب نفسه بالتفكير من اجل التعبير عن أفكاره بجلاء، أو أن أفكاره مشوشة وغير واضحة، ولا يستطيع التعبير عنها بدقة، فتأتي كتاباته غامضة، أو أن أداة الكاتب ضعيفة الى الحد الذي لا يفي بمتطلبات التعبير عن افكاره ومشاعره من دون لبس او ابهام .

ثمة كتاب رائع للكاتب الانجليزي " سومرست موم " تحت عنوان " حصيلة حياتي " ويقول موم في هذا الكتاب: " لم أكن أطيق كتّاباً يطلبون من القارئ أن يدرك بنفسه ما يرمون هم إليه. هناك نوعان من الغموض تجدهما عند الكتّاب، أحدهما يعود إلى الإهمال، والآخر مقصود، فهناك من يكتنف الغموض كتاباته، لأنه لم يتعلم كيف يكتب بوضوح، وسبب آخر للغموض هو أن الكاتب غير متوثق من معانيه، فشعوره بما يريد الكتابة عنه ضعيف، ولا يستطيع أن يكوّن في ذهنه تعبيراً دقيقاً عنه، إما لضعف تفكيره أو لكسله، وهذا يرجع إلى أن الكاتب لا يفكر قبل الكتابة وفي هذا خطر ".

ولا شك أن أسوأ أنواع الغموض هو الغموض المصطنع الذي يلجأ اليه من يحاول عن طريقه تغطية فشله الفني الناجم عن عدم تكامل أدواته التعبيرية، وافتقاره الى ملكة الخيال، والأهم من ذلك كله، ان مثل هذا الكاتب يفتعل تجربة عقيمة وهزيلة، ويتعمد التعمية عن طريق استخدام الصياغات اللغوية الملتوية، وغير المفهومة، والاستغراق في التهويمات والشكليات اللغوية الفضفاضة، دون ان يكون لديه اية تجربة حقيقية، نمت وتطورت نتيجة التفاعل الحي بين ذات الكاتب وواقعه الاجتماعي .

وقد بلجأ الفنان الى افتعال الغموض في بداية حياته الفنية من اجل مجاراة الاتجاهات الحداثية والشكلية الرائجة . ويحدث هذا للفنان في العادة قبل ان يكتسب صوته الخاص ورؤيته الفنية والفكرية المتميزة.

غير ان الكاتب الموهوب حقاً والصادق مع نفسه وجمهوره سرعان ما يتجاوز هذه المرحلة إذا كان لديه ما يقوله للناس. غير أن هذا الانتقال لا يحدث على نحو عفوي، بل عبر عمل دؤوب ومتواصل ليحقق ما يصبو اليه من الوضوح والشفافية .

يقول الشاعر الروسي الكبير الكسندر تفاردوفسكي (1910-1971) في سيرته الذاتية : " في عام 1934 قدمت مجموعة من قصائدي الى أحد مدرسي الأدب طالبا منه ابداء رأيه فيها . قال المدرس :

" لا يجوز كتابة الشعر الآن على هذا النحو. قصائدك في غاية الوضوح ومفهومة تماما . ينبغي ان نكتب الشعر بشكل لا يستطيع أحد أن يفهمه، مهما حاول ذلك وبذل من جهد. هذا هو احد متطلبات الشعر المعاصر. ثم أراني عدة مجلات أدبية كانت تحوي نماذج للقصائد التي كانت تنشر في ذلك الحين. ولقد حاولت بعدئذ أن تكون قصائدي عصية على الفهم، ففشلت في تحقيق ذلك لمدة طويلة. واحسست حينئذ – وربما لأول مرة في حياتي – بالشك المرير في قابليتي الشعرية، واذكر انني كتبت بعد محاولات طويلة قصيدة غامضة، لا استطيع ان اتذكر الآن موضوعها او أي سطر من سطورها . "

واذا كان تفاردوفسكي قد استطاع بفضل موهبته وذائقته الجمالية الرفيعة ان يتخلص من شرك الغموض المفتعل، فكم يا ترى من دعاة الغموض عندنا لهم الجرأة الكافية ليصرحوا بأن لعبة الغموض التي مارسوها خلال السنوات التي وقع فيها الفن والادب في بلادنا فريسة للاتجاهات الشكلية، لم تكن سوى عملية تجريب ساذجة ومفتعلة، ولهذا لم تصمد امام التيار الواقعي الذي اخذ يشق طريقه وسط ركام هائل من النتاجات الشكلية، التي كانت تقليدا للصرعات الأدبية التي تظهر وتختفي في المشهد الثقافي الغربي .

ان المتلقي الذي يتمتع بإحساس جمالي، وذائقة فنية لم يتعرضا الى التشويه، لا بد أن يرفض هذا النوع من الغموض، لأنه يحول عملية الخلق الفني الى لعبة فارغة، ولأنه ضد طبيعة وقوانين الأدب، والأهم من ذلك أنه يلغي وظيفة الأدب الأساسية .

فالأدب، ليس ترفاً فكريا لنخبة من المتحذلقين، ولا لعبة شكلية كما يزعم البعض. لأن للأدب وظائف بالغة الأهمية في حياة الناس، والمجتمعات المعاصرة، لا يمكن أن ينهض بها أي شكل آخر من أشكال المعرفة الإنسانية.

الأدب سجل عظيم للحياة البشرية، وهو عالم البحث والمعرفة من خلال الكلمات والصور الفنية ويعتمد على الإيماء والرمز، وعلى التلويح دون التصريح .

الأدب في الوقت الذي يلبي حاجة الانسان الى اللذة الجمالية فانه يتيح له المجال ليزداد معرفة بنفسه وعالمه الروحي وعوالم الآخرين. وهو ليس شكلاً من أشكال المعرفة الإنسانية فحسب وباعثا على المتعة الفنية فقط، ولكنه في الوقت ذاته وسيلة لتجديد الحياة وتغييرها، أي أن له وظائف جمالية واجتماعية.

الغموض بين المبدع والمتلقي

في ضوء هذا التصور يفضل دائماَ،ان يكون الأثر الأدبي واضحا بقدر الامكان . ولكن هل الغموض يكمن دائما في الأثر الأدبي ذاته ؟ الا يمكن ان يكون ثمة غموض موهوم لا يتسم به الاثر الأدبي، ولكنه ينشأ لظروف وعوامل موضوعية او نتيجة لتفسيرات خاطئة للأعمال الأدبية ؟

كيف؟

اذا تحدثنا بلغة علم السيبرنيتيك، واستخدمنا بعض مفاهيمها لتوضيح فكرتنا، فإن بوسعنا ان نقول ان العلاقة بين الفنان والواقع تتكون من عدة حلقات متصلة وهي:

الواقع الاجتماعي – الكاتب – الأثر الأدبي – الجمهور المتلقي .

وينشأ الغموض، أو اللا تواصل على وجه الدقة، اذا انفرط عقد هذه الحلقة أو تلك لأي سبب كان، وفي أي مرحلة من مراحل الخلق الفني وتقديمه للمتلقي . وهذا يعني أن اللا تواصل قد يحدث بفعل عوامل ذاتية، أشرنا الى بعضها فيما تقدم أو بفعل عوامل موضوعية وثيقة الصلة بطبيعة ومضمون الأثر الأدبي، وبالشكل الجديد الذي يصوغ به الكاتب أو الشاعر تجربته. فالمحتوى الجديد يتطلب صياغة جديدة وشكلا جديدا، مما يستدعي بذل جهد اضافي من قبل المتلقي لاستيعابه وتذوقه.

ويمكن القول اذن ان هذا النوع من الغموض النسبي له علاقة بالمستوى الثقافي والجمالي السائد، وهو لا يكمن في الاثر الادبي، بل في ذهن المتلقي.

ان الفنان وهو يحاول إدراك الحقيقة الموضوعية، والكشف عن الملامح الأساسية في الواقع، والتعبير عنها، لا بد أن يقوده احساسه الفني – ان كان كاتبا اصيلا وصادقا الى اكتشاف العلاقات الصحيحة بين الاشياء. وهو يسبق فهم المتلقي بمسافات زمنية بفضل تمتعه بشيء من نبوءة الرائد واستشرافاته المستقبلية.

الغموض في الأدب الجديد

ان تأريخ الثقافة العالمية حافلة بأمثلة توضح بجلاء، كيف أن الأدب الجديد حقاً في مضمونه وشكله والمعبر أصدق تعبيرعن هموم زمانه، قد عانى هو الآخر من هذه المشكلة المحورية من مشاكل الأدب، مشكلة العلاقة بين المبدع والمتلقي . وسنكتفي هنا بمثال واحد فقط:

كان الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي في العشرين من عمره، عندما القى قصيدته الطويلة الشهيرة " غيمة في بنطلون " لأول مرة في خريف عام 1913 في مقهى " الكلب الضّال " في بتروغراد، اثارت القصيدة هيجانا لم يسبق له مثيل . كانت اصوات الشجب والاستنكار تتعالى في ارجاء المقهى، فطلب الكاتب الروائي ميخائيل فولكوفسكي - وكان شيخاً مهيباً بلحيته البيضاء الكثة - الكلام للتعقيب وقال : " انا عندكم هنا لأول مرة، ولم التق بكم سابقا . لقد القى الشاعر الشاب قصيدة غير تقليدية. ولولا بعض الكلمات الخادشة في نهايتها لكانت قصيدة رائعة. هذا شعر جديد وأصيل، وغير مألوف، لذا فأنه أثار غضبكم. ولكن مهلا، أنه شاعر موهوب وستتعودون على مثل هذا الشعر، وكل جديد يثير لغطا في البداية لينتهي الى الاعتراف بموهبة شعرية أصيلة."

حقاً ان الغموض لم يكن كامناً في قصيدة ماياكوفسكي، بل في اذهان فئة من المثقفين الذين افسدت الثقافة الرجعية اذواقهم الجمالية والمتمسكين بالقيم البالية. ولم يكن الأدب والفن لدى هؤلاء السادة ضرورة عميقة وملحة، بل وسيلة لهو وتسلية، ومصدراً للكسب المادي والشهرة.

ونحن نجد اليوم ان قصائد ماياكوفسكي مفهومة لدى عشرات الملايين من القراء في جميع انحاء العالم.

يخلط كثير من الباحثين ونقاد الأدب في بلادنا بين الغموض المتعمد أو التعمية والابهام من جهة وبين الإيحاء والتلميح من جهة ثانية.

ثمة اعمال ابداعية تتسم بقدر من التعقيد -مثل بعض أعمال جيمس جويس، وشعر بوريس باسترناك، وهي ليست مثيرة لاهتمام القارئ الباحث عن القراءة المسلية . بل تجذب اهتمام القارئ المثقف، الذي يمتلك ذائقة جمالية رفيعة، ويقرأ ما بين السطور.

نظرية الجبل الجليدي

احتل ارنست همنغواي مكانته الرفيعة في الأدب الحديث بفضل اسلوبه الواضح والبسيط ظاهريا، الذي سمّاه بالجبل الجليدي، فهو يقول الكثير باستعمال القليل الموجز من الكلمات ويكتفي بالتلميحات والتفاصيل الدّالة. نصوص تتألق معانيها العميقة ضمنياً. ويلعب القارئ هنا الدور الاساسي في فهم النص وتفسيره. ويفهمه كل مثقف حسب وعيه وثقافته وادراكه لمضامينه واحساسه بجمالياته. أي أن ثمة مستويات عديدة للفهم والاستيعاب.

وكان همنغواي يقول:" القصة الجيدة، هي تلك التي يحذف منها اقصى ما يمكن حذفه. واذا كان الكاتب يكتب بنصاعة، فإن بوسع القارئ فهم ما هو مخفي بسهولة.

ولقد جسّد همنغواي نظرية "الجبل الجليدي" على نحو رائع في قصته القصيرة "تلال كالفيلة البيضاء". القصة على شكل حوار بين رجل أمريكي وفتاة تُدعى جيغ، ويحاول فيه الرجل اقناع الفتاة بإجراء عملية ما دون ان يفصح عن نوع العملية، ربما كانت اجهاضاً.

لا توجد في القصة أية اشارة الى ان الفتاة حامل، ولكن القارئ يفهم أن الأمريكي لا يريد ان تنجب الفتاة طفلا، ويؤدي ذلك الى تهاوي علاقتهما، ويشعران ان افتراقهما أصبح امراً حتمياً.

استطاع همنغواي في بضع صفحات وباستخدام الحوار فقط، ان يصف التأريخ الكامل للعلاقة بين الرجل الأمريكي والفتاة. ولكن القارئ يقرأ ما هو مضمر في هذه القصة الرائعة بكل سهولة.

وصفوة القول إن الغموض من ملامح القصور الفني أو العجز الابداعي، إذا لم يؤدِّ غرضًا فنيًّا صرفًا، في حين ان الغموض الذي يستدعيه الفن هو ميزة ايجابية.

 

د. جودت هوشيار

 

 

احمد الشيخاوي[كما أن العاشق أكّد صحة ما أدلت به حبيبته القاصر مضيفا أنه كان يرغب بالزواج بها لكن والدتها رفضت تزويجه إياها بسبب عطالته](1).

في مجموعته القصصية "الحافة" الصادرة حديثا عن جامعة المبدعين المغاربة، يقف المتلقي عند حدود سردية مغايرة تماما، تنم عن روح جديدة في الكتابة القصصية، حين تتوسل الصور الأكثر غرابة، مغترفة من حياة الكائن الواقع في حيّز البرزخية، وكله من صنع الفاقة الملازمة وأضرب التخلف، في رحم ثورة العقل البشري، وهنا يطرح السؤال العريض، لماذا يظل المغربي متمسك بذاكرة الخرافة والشعوذة، في غمرة هذه العالمية والعولمة التي أفرزت خطابا جديدا وماديا صرفا بالأساس، في قراءة زمكانية ونصوص إنسان ما بعد مثل هذه الثورة وهذا الإزدهار..؟

ولك كامل هذا التسلّح بمنظومة أشكال الشحاذة والمكر والثعلبية والدهاء السلبي، كلون من الانحباس في عتمة الذات المشدودة إلى فخاخ الدوغمائية والأنانيات، قصد نيل الأقل والظفر بما هو بخس، وملطخ للسمعة والهوية والمنزلة، وفقا لتاريخ معين، راحت تتداخل معه حدود المفارقات والعجائبية والأضداد؟

وعموما، نلفي نصوص هذه المجموعة، مغرقة في صور جلد الذات، انتصارا لبهيمية مدسوسة، ومن أجل إثبات الذات، وإبراز مناحي القدرة على التفوق، وقهر الآخر، وإن بأساليب قذرة وغير مشروعة.

هو إغراق في صور مبطنة بالغرائبي، ومحيلة على خلل في ثقافة جيل، التبست عليه دروب الحقيقة والخيال، وعصفت به بينية الوجود، باشرئباب إلى المجازات والشطحات والتمكين للاوعي من مسرح النضال الذي يترجم دناءة وجاهلية الكائن، من جهة، ومن جهة ثانية، هواجس الانصهار في روح الواقعية واجتياز امتحانات الذات والوطن والحياة، عبر تقمص أدوار الشخصيات الأكثر خبثا ومكائد، عبر تراتيبة زمنية محددة، بل والذهاب أبعد من ذلك، الإتيان بأبجديات مختلفة ومتنوعة ومبتكرة في انتهاك حقوق الآخر، من خلال جلد الذات، بالطبع، وخلع رداء الإنسانية، بتفعيل المنوم في أدغال الذات، من بهيمية وبربرية متشربة من إستراتيجيات وتكتيكات العصر السالبة والناقصة والمشينة.

ومن هنا، الحافة، باعتبارها تيمة أليق بهذا المنجز المنذور للصور الشاذة، في عالم متكالب على حقوق الكائن، ووالغ بنتانة الإيديولوجي في نبع إنسانية هذا الكائن.

هو خلل وجودي مربك، تحاول أن تجسده هذه السردية في تملكها للحالة الإنسانية المقموعة بنظير هذه إكراهات، تملي عليها منظومة أقنعة، يمتزج فيها الواقع والخيال، ويسبح مع أفلاكها، منطق اللاهوت وفلسفة العقلاني.

نقرأ للقاص قوله: [وفي الأخير قررت مصالح الجمارك إرجاع العلبة لصاحبتها، والاعتذار لها عن عدم تنفيذ رغبتها ورغبة زوجها، وما إن حصلت الزوجة على العلبة الزجاجية قصدت حمام المطار لتشرف بعض الماء،على وجهها، كي تستفيق من هول الصدمة التي أحست بها عندما زفت لها مصالح المطار الخبر، لم تكن تعلم بزيارات زوجها المتكررة لبلده صحبة إحدى صديقاتها، ولم تفكر يوما أنه من الممكن أن يقدم على خيانتها. وبعدما انتهت واستفاقت من صدمتها، أفرغت محتوى العلبة بإحدى بالوعات الحمام، وصعدت بعدها مباشرة للطائرة وهي مبتسمة، كلها فرح في عدم تحقيق رغبة زوجها](2).

في قصة " الحافلة " التي استهل بها القاص المجموعة، نطلع على عالم النفاق واصطناع العاهة، بغية الهيمنة على الحيز الكافي الذي لا ينغص السفر.

راكب يدفع بحيلة ادعاء العرج، شهوة أربعينية، في تبوأ مقعد فارغ بالقرب منه، ولو أن مكان فتاة في بداية أنوثتها، وصغر سنها، كان سيبدّل الموقف، جملة وتفصيلا، زد على ذلك امتعاض سائقي الحافلات من مدونات التأمين، ما أضفى على الأقصوصة، نوعا من السخرية التي تعري عيوبا وأعطابا مجتمعية وبشرية .

والأغرب من ذلك، ما جرى على لسان السارد، في مناسبة تفضح التدجيل والسمسرة والمتاجرة في الدين، من خلال شخصيات "الفقيه " المتقلبة، حين ولج أحدهم مقبرة، وقد لبسه الرعب، من بضع شباب عكفوا على إدمان الحشيش، إلى أن انتهى به المطاف، في خصام ملتهب مع أحدهم منم يتكسبون بقراءة القرآن على الموتى، والمضحك أن هذا الفقيه طلب من خصمه، رخصة التلاوة على الموتى، وقد غررت به فتاة اتضح أخيرا أنها تعاني من مرض نفس وقد ألفت مثل تلك المواقف، وكيف أن القبر فارغ في الأصل، وأن أحدهم أعده لصالحه وأوصى بأن يدفن فيه، بعد موته، وتلكم مفارقة احتكار القبور التي باتت مكلفة في الكثير من مدننا، لكل أسف، مثلما تخبر بذلك قصة " حديث المقبرة".

وغير بعيد عن هذا المعنى، قصة الشخص الذي دل على طريقة تخلصه من عجزه الجنسي، تكمن في مضاجعة فتاة ميتة، وكان أن رشا حارس المقبرة ليتم له ما أراد، ليصعق في النهاية بجثة ذكر، زادت من أوجاعه وعمّقت حالته النفسية المزرية التي تلطخها أحاسيس الخيبة ومشاعر العجز الجنسي الثقيلة، كما في قصة " بركة القبور".

ويقول :

[وأشفق لحاله..وأخذ سؤال يلح في رأسه..ويطرح نفسه بقوة..ولم يستطع منه فكاكا:

- أي حظ تعس هذا الذي جعل هذا الطفل وأمثاله هكذا، ويدفع بهم إلى هذا المصير..؟

ظل يتابعه باهتمام.. وعن كثب والألم يعتصر روحه، وفجأة انطلقت الحافلة تغادر المحطة، فشيع الطفل بنظرة إعجاب وافتخار..وهو يلوح له بيده، فأجابه الطفل بابتسامة عريضة بريئة وهو يلوح له بإشارة الوداع](3).

إنها أمومة من نوع آخر، تتمزق لها هوية هذا الطفل الضائع، الذي تغتصب طفولته يوميا، على نحو مقزز،وداع على الخجل والانكسار، من مشهد ذابل، تنزف له إنسانيتنا.

وترشقنا أقصوصة " تبادل الأدوار " بمقلب يتبنى بعض النظريات العلمية الآخذة بالتفشي، فيما يرتبط بحمل الرجال، وهوز طقس يتم تدويره " حلميا " وعبر برزخية، غوصا في عالم العقم المثقل بالمعاناة والمكابدات.

كما أن أقصوصة " عروس لعريس آخر" تلعن راهن استثمار ضعف الأنثوي، بخاصة حين يصدر الانحراف والنشوز عن جهات تدعي التثقف والرقي والتحضر، وتشغر مناصب المسؤولية والأمانة في مؤسسات الدولة، قطاع الصحة هنا، بحيث سوف يغتصب ممرض فتاة صغيرة باغتها الداء ليلة عرسها.

ذلك ويتم تمرير كهذه رسائل ممعنة في دوال الشذوذ، وعق الفطرة، بكيفية هادرة ومرعبة، للتدليل على حساسية وخطورة مفرطة، باتت تعيشها مجتمعاتنا، تجنيا على الكائن، وتوليد لصور الانحراف النفسي والاجتماعي، المؤذن بالخراب والنهايات المأساوية.

تلكم مجموعة " الحافة " وقد عقّت هي بدورها أساليب القص، قديمها وحديثها، لتبصم خطابا مغايرا يحاول لملمة هوية الكائن الممسوخ، داخل أوساط تتلوى بين أوجه الاستنكار، وغض الطرف في الكثير من المناسبات.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

..........................

هامش:

(1) مقتطف من نص "العاشق العاطل" صفحة11.

(2) مقتطف من نص "جرة الرماد" صفحة 65.

(3) مقتطف من نص"طفل المحطة" صفحة119 .

 

محمدـحسينـ الداغستانيعندما تعصف الريح بالسكينة المفتقدة!

الريح والموج والليل والحزن، تلك هي المرادفات المتلاحقة بإسراف بيّن عبر نصوص المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر الدكتور فاروق فائق كوبرلو الموسومة (قصائدي تطفح ليلاً)، وكأن الصخب الناجم عن تلاقح سمات الطبيعة المحمومة كان لوحده القادر على تجسيد المعاناة العسيرة لولادة النص المضني .

وبدا واضحاً بأن جلّ الرموز الثرية المستقاة من الطبيعة في المجموعة إقترنت بدلالاتها العنيفة وقد تم توظيفها بإنسيابية سلسلة من لدن الشاعر لإضفاء حالة الغليان والكمد والقنوط على لغته الشعرية االمفعمة بالبساطة والمباشرة أحياناً نتيجة غزارة إنتاجه الأدبي التي رفدت المكتبتين العربية والتركمانية ب 43 مؤلفاً في شتى الأجناس الأدبية مما أدى ذلك إلى هيمنة طقسٍ فريد يكاد يكون متقارباً في الرؤى والمشتركات لتكوين أسلوبه التركيبي .

وفي لغته الشعرية فقد كان كوبرلو في أغلب نصوص المجموعة ميالاً إلى إبتدائها بالتراكيب الأسمية مثل (هامات النجوم ...، رماح القدر ..، شلال هادر...، طير مذعور ...، الوحش الغاضب ...، جذع مبتور ..، القارعة تقرع ... إلخ) وكانت هناك حالات معينة إستخدم فيها حروف الجر، والمقصد في ذلك توافقَ تماماً مع مشروعه اللغوي الشعري الهادف الى تكريس الأجواء الملبدة بالفوران والحركة الصاخبة، فضلاً عن شحن اللغة بقدر لا يستهان به من الإيحاء بعدم الإستقرار والإفتقاد الى السكينة والرضوخ للواقع الموجوع:

وعلى إمتداد الريح

ثمة دهشة زائلة

تسرق المحطات، تتأسر الكلمات

لا سعادة لهذه الريح

سوى الرقص فوق الأمواج !

لقد إتكأ كوبرلو على التغييروالحركة النشطة الدؤوبة للطبيعة الضاجة بالتدفق والمحتشدة بالأفعال التي بَصَمت النصوص بسيماء القلق والحزن وكانت الريح سيدة الحدث فيها دون منازع:

وتخطف الأشرعة من الرياح الليل

شرارة الطيوف تحرقني

والبيادر تغلي وتمور

الأوراق المتساقطة لا تصلي صباحاً

وعيون العنادل تكتحل بنار الحسرة

سراجي لا يصهل

يتوجس في ظل الهمس

وحتى الأمواج لا تقهر !

فالريح في النص ناتج فعل درامي مدهش بحيث تصطف الصور الشعرية أفقياً للتعبير عن عنفوانيتها وشبقها الآسر للصراع مع المتناقضات، وبوعي أو دون وعي من الشاعر فالإصرار واضح على تأكيد المدلول السلبي وإقصاء الإيجابي في مكونات الطبيعة عبر المجموعة بكاملها فيما تزخرتراث الشعر العربي الحديث بالإيحاءات المفرحة والجميلة لمفردة الريح، فهاهي عمالقة الآلهة تقول لكلكامش عندما عاد منتصراً الى مدينته (أوردك):

فأطهم لك عربة ً من اللازود والذهب

عجلاتها من النظار

وزينتها حجارة كريمة

تربطها عواصف الرياح خيولاً

وكذلك الشاعر عمرأبو الهيجاء عندما تناول الجانب الآخر المضئ للريح كرمز للإحتفاء والأمان والسكينة والخشوع المقدس:

ردني يا حفاء اليدين النقوش

على حافة الليل

وصل معي على سجادة الريح القديمة .

فأين كل هذا من ريح كوبرلو التي تكتسح كل جميل وتحجب الشمس وتفتك بالنور في فضاء الحرية:

في الفضاء الرحب

ثمة ريح صلعاء، ترصد بعيون عوراء

لتواري الشمس

وتقتل الضياء في الفلاة !

ومثلما الريح عامل فتك، فهي بذرة مكنونة في سويداء اللاوعي، تحيل ليل الشاعر الى كابوس من التحسب من الآت الذي يعكس الخوف حتى من الضياء.. هذا الغد المضمغ بالقلق المتلفع بالمجهول:

وأنا أهرب من ليالٍ عسيرة

أتشبث بحبال الأمواه

خوفاً من الغرق !

وأنا خلف ضجيج الزحام

خوفاً من الأرق ... خوفاً من الريح

خوفاً من إلتماعات الزجاج !

وليت الأمر يقتصر على الخوف والتحسب فالريح تنزف وتجهض عطاء الأرض بل وتودي الى صمت عاقر في أجمل ساعات اليوم وتحول الدم القاني الى مجرد سائل أصفر وتفقِد الأغنية سحرها وتـُقلب الأرض الى يباب قاحل:

نزفت الريح دماء صفراء

والموسيقى جرس أخرس

آنذاك جف صوت البحر وقت السحر

ولم تسمع للأرض أغنية !

ولتكتمل الصورة الشعرية بخصوصيتها لدى كوبرلو فهو يستنفذ قدرته الرومانسية الكامنة في لغته المغلفة بالحزن الشفيف واليأس من القادم الأفضل فيعصر الكلمة حرفاً حرفاً ليجمع الريح مع النور والظلام في متوالية موسيقية طرية وآسرة:

تجوب ذاكرتي رماد قصائدي

التي إحترقت

وأضرمت مع الريح

وتناثرت حباتها مع زخات المطر

وتراقصت كالعصافير السرية

والزهور القلقة !

ومن المدهش حقاً أن تكون فسحة الحب شحيحة وخجولة ومترددة في المجموعة مقارنة بحجم نصوصها، ففي أتون الرياح والأشرعة والأمواج الكاسحة توارت المرأة أو الحبيبة خلف ضباب البحر المترامي إلاّ فيما ندر، واستطال تصميم الشاعر ليضم حوافي الموجودات بعناد وتركيزها في بؤرة متوترة تعج بالقوة والفعل المدوي، فيما كان إحتباس الحضور الأنثوي لافتاً مع ما يمنح ذلك الحروف والكلمات والشعر الطراوة والنداوة، لكنه في إسفاره الخجول تعمد عدم الإخلال بتركيبة المجموعة البنائية ومنهجها الرامي الى تغليب حالات الطبيعة ورموزها فوق أي إعتبار، بل ذهب بعيداً في هذا المنحى الفريد عندما حرص حتى في غزله على إقتران عيون الحبيبة بالبحر وكائناته الحية:

دثريني بوجهك الموجّل

تمعني فيّ بعينيك الحالمتين

لأقرأ خارطة البحر

وأغذي الأسماك والمحار

وعلى ذات المنوال تتوالى نصوص المجموعة المثقلة بأهواء الأمواج المتلاطمة وشجون الناس والموجودات من حول الشاعر في تناغم فريد مع هبة كل ريح عاصف صرصر وإطلالة فجر يفتقر الى الأمل، وكأن الشاعر يتمترس خلف هذه المدلولات ليعبر رمزاً ليس عن حزنه فحسب وإنما لمعاناة جيل وملّة مجبولة على الألم نتيجة الأحداث الجسيمة والمؤلمة التي عاشها شعبه، وهنا .. هنا فقط، يسمح فاروق كوبرلو لحزمة فرح في لفتة نادرة لكي تخترق إحدى نصوصه العتمة وتنفذ من خلال كوة صغيرة نحو الفضاء الرحب، فتغمر الكلمة المعبرة عن الضائع المفقود بقبلاتها الدافئة للفجر، وتتناغم مع تراث قومي زاخر بالمدلولات والوقائع وحكايات الشجن والبطولة المتمثلة بالقوريات (*) الأثيرة:

قصائدي تطفح ليلاً

تغسل خدود الأنجم بالقبلات

تتسحر مع الفجر

وتنام مع القوريات

في أسرة المسرات !

ربما لم يأت فاروق كوبرلو بالاستثناء لغة وبناء وإيقاعاً وصورة قياساً الى مجاميعه السابقة، لكن جمرة إختيارته كانت حارقة، ونتؤات رموزه حادة، ولعنات ليله وبحره وريحه كانت تمور وتظطرب باللواعج، فعبّروراء السطور بصدق عن محنة الانسان المنفي والمغترب بين ناسه وفي وطنه القريب قبل المهجر البعيد !

 

محمد حسين الداغستاني - كركوك

........................

(*) القوريات: من الموروث الشعبي التركماني وتتكون من رباعيات جناسية ذات دلالات عميقة مثل الأبوذية العراقية في الجنوب والفرات الأوسط وتشكل لوحدها منظومة عاطفية مؤثرة وموحية .

 

انعام كمونةالمشهد الأخير، للقاصة سلاف هلال ...

- ان القصة القصيرة من الأجناس القديمة المعروفة منذ الأزل والهبة الأولى لخلق الوجود كما ذكر في الكتب السماوية قصة أدم وحواء، وما بُني عليها من حكايات خيالية، وهناك تاريخ للقصص ميتافيزيقية الخيال مختلفة باختلاف الشعوب باعتقادات شتى نسجت من طبيعة البشر لاحتياجاته النفسية والروحية والاجتماعية، والقصة فن سردي من الفنون الأدبية الممتعة للقارئ ببنيتها الاجرائية كخطاب مرسل بكفاءة تطبيق تشكيلاتها السردية وعناصرها الحكائية، بكثافة واختزال وفنية تعبير بأسلوب الصور القصصية، وقد تنامت بمراحل عدة وتمظهرت بجمالية تتناسب مع الحداثة بسياقها الأسلوبي في التشكيل والتعبير بطريقة رؤيتها كما في الأجناس الأخرى

- العنوان / ....

- سيمائية العنوان أول السياق للدلالة عن رؤية النص ببنيته التشكيلية وتقنياته الفنية، ليستنبط منه القارئ الفكرة التأويلية الأولى لملامح السرد الحكائي، بما يحفز حفيظته الذهنية فيستشعر ملامح المضمون، لذا لعتبة العنوان اهمية موازية للبؤرة المركزية في القصة القصيرة بعناصرها الأساسية، منها المضمون الخطابي، سياق الأسلوب، ترابط السرد، طبيعة الشخصيات، تقنية الحوار، بنية العنوان وقوة الخاتمة، وغيرها...

- (المشهد الأخير) عبارة تقريرية ببنائها السردي الظاهري لموضوع رؤى القاصة، وعلامة اخبارية ببساطة اللغة تحيلنا لسميولوجيا العنوان باللفظ والمعنى، فالمشهد جمعه مشاهد في المرئي والمسموع، وما لصفة الأخير من استرجاع أولي سابق يدل على ذاته المستمرة من المشاهد مما يخلق فضول التطلع للقارئ، فيستفز قريحته الفكرية ليخترق قصدية العنوان بتساؤل بديهي ..هل المشهد خاتمة لمسرحية خيالية أو نهاية فلم سينمائي..!، وهل ذاتية المشهد درامي، ساخر، رومانسي..، أو تجربة حسية مؤثرة الحدث خلق خيال الرؤيا بصوت القاصة..؟، لذا تغوينا بنية العنوان، وتحثنا دلالة التكهن عن اي مشهد تعني لنصل للأخير..؟؟، سيجرفنا الاشتياق للوصول لِكُنه ذلك المشهد باسترسال وتَرَوي لمتابعة القصة من العتبة الأولى...

- تجلى تشكيل العنوان عمومية علامة لزمكانية لا متناهية، تشي بفضاء رؤية حاشدة بالسرد الزمني لعدة مشاهد سابقة قد تدل على ذاتية العنوان تسرده رؤى القاصة للوصول للمشهد الاخير..!!، ورغم الإشارة للمشهد بالأخير الا ان توقيته الزمني مبهم، قد يكون مساء أو صباحا..!، متواري ببراعة أدبية تتركه القاصة علامة احتمالية لاتساع رؤيوي يفيض افتراضا وتأويلا بما يتبادر لذهن القارئ، فالمشهد منظر مرئي يشغل حيز العرض تدركه الحواس بمتابعة وترقب...

- النص / .... المشهد الأول

- من المشهد الأول للعرض اعتمدت القاصة اسلوب الاختزال في العتبة الآتية، (مرارا وتكرارا تتبدل الوجوه أمام ناظري صاحب الكشك الذي يقع على ناصية شارع عمومي من شوارع بغداد المحاصرة بالموت من كل جانب)، من الدلالة التشكيلية للسرد في الاستهلال الزمني الآتي (مرارا وتكرار) نلاحظ من أثر المعطوف والمعطوف عليه تشكل دوران الحدث بين تابع ومتبوع في دائرة مغلقة اتقنته القاصة لتشي باستمرار حركة المشهد، وأشارت للمكان في أحد ضواحي بغداد وهي العاصمة العراقية ايماءة لبؤرة رمز تعطي بعدا شموليا لبقية مناطق الوطن وما طالها من رعب فاختصرت الكل في الجزء بإيحاء مدهش ومكثف بدلالة تفشي الموت في المدن...

- أما صاحب الكشك هو احدى شخصيات الحوار ورمزية فاعلة سنتعرف عليه أكثر في مشهد آخر يُعَد كاميرا التصوير لأي مشهد، يوثق الحدث بصوت القاصة فكلاهما شاهد عيان يتبادلان الأدوار حسب مقتضيات الحبكة الحكائية ...

- يتابع القارئ تفاصيل المشهد فيرى ويسمع ويتفاعل بسرد القاصة كشريط سينمائي في اللقطة التالية: (زبائنه عابرو سبيل ليس إلا، يدفعهم العطش أحيانا لشرب زجاجة بارد أو عصير معلّب، ويحثهم الإحساس بالقهر لحرق لفائف تبغ يبتاعونها منه لينفثوا من خلالها دخان نفوسهم التي تغلي كبراكين تنتظر لحظة الإعلان عن غضبها المتصاعد.)، نرى لا تاريخ معين للسرد لإيحاء عمومية زمن لطبيعة حياة متأزمة مرهونة بهدوء مؤقت وعاصفة حراك متوقع لعدم الاستقرار النفسي والاجتماعي كردود فعل رافضة للاجتياح الأجنبي بلا أي شرعية باقتحام مباح لكل الأماكن..!!، فتأويل الدلالة أن المواجهة حتمية بمشهد طارئ ...

- تنعكس الرؤية النفسية للقاصة بانفعال حسي وتأثر وجداني فهي عراقية الهوية، وطنية الجرح، فلا عجب ان تصور دقة المشهد بتماس القضية، في النسق التعبيري الآتي (وقد يشترون صحيفة تبيع لهم الوهم بهيئة أمل في اجتياز المحنة التي يعاني منها الوطن والمواطنون)، نستشف من مفردة (قد) إيحاء احتمالي الدلالة متردد ما بين الاهتمام والإهمال بالأخبار عموما والسياسية خاصة، فتحريف الحقائق سلطة المحتل والمواطن ليس بغافل...

- تستمر القاصة لتكشف عن طبوغرافية مشهد التواجد في الشارع، بسرد ذاتي المعاناة متجانس مع الواقع فتنقل المشهد بسيكولوجية الأنا بذهنية الكل لتعبر بما يكتنيه الموقف الجمعي باستخدام اشاري بضمير الغائب (هم في بلادهم)، كما في السرد التالي (رغم أن بلادهم لاتزال ترزح تحت أقدام المحتلين والمارقين والخارجين عن القانون والأعراف والدين.)، سرد مكتنز العبارة وتكثيف زمني باستخدام الأفعال المضارعة( لا تزال، وترزح ) لتؤكد على الماضي والحاضر والمستقبل وتجزم أن المواطن يتحدى الموت بكل لحظة، نتيجة صراعات سياسية دامية سببت حروب داخلية فنتجت تقلبات وتغيرات اجتماعية متراكمة بفوضى عارمة، ويبقى شغف القارئ ان ينتزع دلالة الرؤية بتأويل مشهد استمرارية حركة مجتمع عربي موجوع بهول صدمة التصدع ...

- وفي مقاربة بين الماضي والحاضر لتقريب مشهد الفكرة الذي يؤكد التناقض في أيقاع الحياة بتكثيف دلالة الوصف والجزم المطلق في الاشارات السردية التالية، (لم تعد الحياة كما هو عهدها في السابق، فالمدينة أضحت مرتعا للشر والأشرار، أَمْا أبناؤها فانقسموا بين قاتل وقتيل، لا شيء يدعو للتفاؤل وليس هنالك أمل لشعب حلم بالحرية فأغرقته الوعود في بحر من الدماء.)، تتمكن القاصة من التفصيل والتوكيد معا باستخدام أداة التفصيل (أما) في العبارة الآتية بما يتناسب مع الجزم السابق (أَمْا أبناؤها فانقسموا) لترسيخ إيحاء قوة الدلالة لمقاربة نوعية من الاضطراب الاجتماعي والركود الاقتصادي والتطاحن السياسي، مما يترك في قلب القارئ جرح وجداني نازف القهر للتمزق الحاصل، وبإغراق الشعب في بحر من التناحر الدموي لا طائل له غير ما يسعى له المحتل بتطبيق مخططاته بــ (فرق تسد) ...

- نستدل من واقع الدلالات الكمية والإشارات النوعية الحساسة على مقاربات تضادية متنوعة الدلالة.. بين القيد والتحرر ..التفاؤل والتشاؤم ..الخير والشر .. الأمل واليأس .. (إحالة لموت الضمير وكسر أواصر التواصل الإنساني)...

- المشهد الثاني: رمز الصداقة

تنقلنا القاصة لتقنية مهمة من تقنيات القصة بعرض فلاش باك باسترجاع الرؤى لأفق زمني سابق، لتستدرج القارئ للسعي في التوغل في فضاء القصة لمزيد من التشوق الحكائي كما في المشهد التالي، (لقد حظي في الماضي بصداقات شتى امتدت لأعوام، أيام كان للصداقة معنى وقداسة، لكن أين هم أصدقاءه الآن؟ منهم من طالته يد الغدر ففارق الحياة، ومنهم من آثر الرحيل أملا في النجاة من الموت الذي حطّ رحاله في هذه البلاد)، بسؤال دلالي مؤثر للقاصة لتعزيز رؤيتها الخبرية بحدث محتدم، فالمشهد يستعرض سيمائية قضايا متعددة الرؤى للمقاربة مع الماضي بإشارة مهمة لقداسة القيم الأخلاقية الواعية للتعامل بسلوك متحضر، كما ان ايحاء الصداقة طبيعة تعايش تشي بالسلام والتسامح والعلاقات الراقية بعدم التطرف والتفرقة بين الطوائف والأديان بما يوحي بالمقاربة التأويلية الدلالة للتناقض العكسي ...

- المشهد الثالث: مشهد عشوائية القتل

- ولمقاربة أكثر اتساعا لمشهد نموذجي تتناغم دلالاته ورمزيته مع فضاء العنوان، ويجيب على جزء من اشكاليته لسؤال القارئ بعرض حيوي مأساوي الأثر يوثق الصور المريرة للإنسان في المجتمع الشرقي المقتول بعدة سبل، تتناول مقاربة موضوعية التناقض بين الحياة والموت، وما يرادفها من دلالة مصيرية التضاد بين الحرب والسلام في الكيان التالي، (منذ يومين شيع جاره جثمان زوجته وهو في حالة ذهول جعلت الجميع يرثي لحاله، فلقد تركت له أربعة أبناء لا يعرف كيف سيدبر أمرهم في وقت عصيب كهذا. كانت تجلس إلى جواره في المقعد الأمامي من السيارة وهي في حالة حبور، ثم سكتت ضحكاتها على نحو مفاجئ)، والسرد للقاصة بحضور ضمير الغائب (هو) نستشعر رؤية مؤثرة لحالة نازفة الوجع في سياق رمزي، يوحي أن لا قيمة للإنسانية في بلد احتله أعداء الحياة فالموت وشيك بكل لحظة يوازي ما يحدث في متاريس الحروب، فلا فرق بين جندي في ساحة حرب أو فرد مسالم داخل المدينة ...

- نرى مقاربة المشهد بين فترتين وبما توحي بإلغاء الزمن في استهلال ذكي للقاصة في الفقرة التالية (منذ يومين) فأي يوم وأي وقت لا تاريخ محدد لمسرح الرؤيا، فكل الأيام متشابه بالوان الحزن والموت...

- كما إن الحراك السردي مكثف الرؤية يؤكده رمز المرأة بما يفيض من سعة دلالات فهي الخصب والنماء، دفء الألفة، وحضن الاحتواء، مقاربة حسية لكل تضاد وجودي للإنسان بمعادلة المشاعر الانسانية، ما بين الحنان والقسوة، الحب والبغض، الحزن والفرح.. فتطغي فلسفة الموت بميزان الحياة، فنرى توهج طاقة من الأحاسيس في مشهد واحد مما يلهم القارئ فسحة تأويل ثرية التحليل متسعة الرؤى مدججة بالألم ...

- نلاحظ من مشهد الفقد الفجائي دلالة مؤثرة عاطفيا ونفسيا باستهداف الأبرياء وقتلهم في أي لحظة، وكل الأماكن كما في السرد التالي، (ثم سكتت ضحكاتها على نحو مفاجئ) عبارة سردية فاعلة فمن رصاصة قناصة عشوائية الهدف أو متعمدة الإصابة بلا سبب أسكتت مهرجانات بغداد الجميلة والوارفة بالهدوء والبستها ثوب الحداد بفجأة الاغتيال وعبث الاحتلال، (احالة لتمزيق جسد وروح الوطن) ...

- للمشهد الرابع .. مشهد التعارف والحوار ...

- تستدرجنا القاصة لمشهد جميل بتعددية الأصوات وهو عنصر آخر للحبكة القصصية يتمظهر عبر التعارف بين شخصيتين، تستأنفه برؤية حميمية المشاعر ودفء الحوار بين جيلين مختلفين، هما شاب ورجل مسن، يتجلى خلاله تلاقي الماضي والحاضر، نشاهد مزج صدى الخيال بدراية الواقع مما يحصل في الشارع العربي عن مرجعية تجارب بمقاربة عاطفية بإحساس الألفة، فهاجس الارتياح يحفز الشعور الأبوي الفطري لصاحب الكشك تجاه الشاب نستدركها من العبارات التالية ( أشرق وجه صاحب الكشك حين أقبل عليه شاب في العشرين) ..(وهو يتفرس في وجهه الذي بدا له مألوفا منذ الوهلة الأولى)، وبآلية عرض تمهيدي لخاتمة

- تتجسد رؤى الحوار بين جيلين مختلفين تشير بمواجهة فكرية واجتماعية عفوية بطباع انسانية العراقي البسيط، ورغم قصر الحوار نتعرف على جزء من شخصية الشاب بتأويل مقتطفات أجوبته، بخصوصية مغلقة، وانشغاله الفكري، عدم اكتراثه بالاجوبة، وترقبه لشيء ما في الشارع سندركه فيما بعد ...

- سيمائية رؤيا مكثفة باستعارة رموز ثيمة الأسماء لتوجيه مسارات القصة لمستوى دلالي أقرب للمضمون وتسليط الضوء على الشخصيات المركزية للقصة لتظهر مفارقتها الرمزية للتعريف والوضوح، وباستخدام قواعد الاشارات الرمزية لإضفاء جمال التعبير والتشكيل المقترن بالدلالة الاستعارية عن القصد، فتؤهل الشخصيات لفحوى الخطاب، فنستشف من أسم الشاب (سيف) لذاتية الموضوع باستخدامه كرمز بغايته الغائرة، ومن ثم الفاعلة الدلالة في تفاصيل عتبة الخاتمة لتفسير الصراع الدامي والمحتد على المحك لتلفت القارئ للتفكر به لاستقرائه وتأويله، منه نستلهم الدلالة الظاهرية لنبرة الصوت بكثافة المعنى وقوة التأثير، وما يتضمن من باطن الدلالة عريكة التحدي بما يشي بضدية متوارية تؤكد ما للسيف من علامة تقليدية للقتل والانتقام، فحينما يشهر تدق طبول الحرب، أما حين يغمد فيمثل الأمن و السلام وبه يتوازى ميزان العدالة إن استوجب الحق، وهنا نستذكر قول أبي تمام (السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ  في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ) باختزال أوجه الدلالة، وسنرى غاية مفارقته الأكيدة في نهاية المشهد ...

- أما رمز اسم صاحب الكشك (أبو غايب) فينم عن إشارة غائرة القصد بمكونه الصوتي الظاهري لطبوغرافية تراث ببعده الاجتماعي المعروف لعكس عمق ما يكتنزه من دلالات العقم والحرمان والوحدة والفقد، فهو إحالة لمعاناة الوطن وتشظيه...

- المشهد الخامس (المشهد الأخير) الاستشهاد

تتجلى المفارقة الختامية بقفلة مدهشة فجائية التوقيت بمفارقة توازي علامية العنوان والعتبات التمهيدية السابقة فاستحضرت القاصة فكر القارئ وهدهدت مشاعره ليبحث عن قصد ما شاهد من لقطات وسمع من حوار فتراءى له منظر العملية الانتحارية البطولية بأوان مشهد انتحاري مشرف بكل ما يتمتع (سيف) من طراوة عمر ومستوى ثقافي وأحلام حياة، فلا يضاهي الوطن الا الروح لذا التضحية بالنفس من أجل طرد المحتل ورفض الأجنبي على ارض الوطن شجاعة بالغة بفخر عربي (فالجود بالنفس أسمى غاية الجود)، لا حرية بلا دماء وتحرير تراب الوطن بدماء مواطنيه، وما سيف الا رمز لكل مواطن عراقي ...

الخلاصة

- ومن خلال معايير إجرائية سابقة ومقاربات سيمائية، جوهرية الخصائص للقصة القصيرة من عناصر علامية، واشارات زمنية وشخوص رمزية وتقنيات فنية وأنساق سرد تقليدية بأسلوب فني مترابطة الأجزاء، متنامية الانسياب، مكتملة بكائن موحد الأسس، ومعمارية كيان بديناميكية موضوع نستكشف ان العنوان علامي المركز، متنامي الحركة من أول العتبات لخاتمة خطاب لاستشفاء سؤال القارئ ...

 

إنعام كمونة

 

صالح الرزوقلا يوجد شاعر في بولونيا تخلو قصائده من آثار السرديات الكبرى لعصر الرومنسية الأول، والذي يمثله عميد الشعر البولوني آدم ميتسكيفيتش. ولا سيما بظروف حياته الدرامية. لقد مثل شعر ميتسكيفيتش الغضب الأعمى المبالغ به،. وكان ذلك نتيجة ثلاث منعطفات مرت بها حياته.

1- التآمر ضد النظام.

2- جنون زوجته.

3- فراره إلى اسطنبول ووفاته هناك بالكوليرا.

ويبدو لي أن جيسلاف ميوش هو الأقرب لهذه الملابسات، فقد كان الابن المدلل للنظام، قبل أن ينفصل عنه في باريس ثم يهاجر إلى أمريكا. ويغادر دائرة الثقافة السلوفينية ويدخل بمتاهة العقل الأنغلوساكسوني. ورافق ذلك مراجعة لأدواته الفنية التي كانت تدين أساسا بخلفياتها الأرستقراطية لتولستوي وانتقلت لأفكار رومنسية سوداء يغلب عليها الإنكار والتحفظ أو التزمت أحيانا. وأصبح كأنه نسخة مبيّضة من بودلير أو لوتريامون. والإشارة هنا لشكل قصيدته التي تتألف من سطور ومتواليات. لقد انتقلت سرياليته فجأة من إعادة إنتاج صور الواقع المجزأ بنتيجة الحرب العالمية إلى تصوف غامض تضيع فيه الذات بين تيارات غير محددة وغير مفهومة. بمعنى أن السريالية الإشتراكية أصبحت تصوفا نضاليا. وفي كلتا الحالتين كان ميوش يعكس اتجاه السهم في العلاقات. فهو يضع التجارب الخاصة أمام الهموم العامة. وأعتقد أنه يلح على هذه الفكرة. فمعاناة الذات هي الباب الطبيعي للكلام عن هموم المجتمع. ويمكن القول إن معاناة الأشخاص تأتي عنده قبل محنة الجماعة. وأن الوصول لنتيجة عامة ليست ممكنة دون الدخول من بوابة الأفراد وذاكرتهم وماضيهم. وهكذا رسم صورة مركبة لإنسان غامض وضائع في ملكوت أفكاره وأحاسيسه. ويمكن مقارنة تجربة ميوش بالنفري. فقصائده ابتهالات واعترافات موجهة لقوة غير محددة. وحتى أن آخر باقة من قصائد ميوش، والمنشورة في كتابه (الفضاء الثاني/ صدر عام 2004)، تحمل عناوين لاهوتية مباشرة مثل الملاك الحارس، مقالة في الثيولوجيا، الدين يأتينا. وفيها يعرب عن ألمه من دربه الشاق الذي يبدأ بالمعاناة مع الواقع وينتهي بطلب السعادة الكلية والسامية. ومن غريب المصادفات أنه خاطب ميتسكيفيتش في عدة مواضع وقال دون مواربة:

كنت دائما أحب ميتسكيفيتش، ولكن لا أعلم لماذا.

ثم أدركت أنه يكتب بالشفرة

وهذا هو قانون الشعر،

أن يحتفظ بمسافة بين ما نعرف وما نقول. ص 52.

إن شعرية ميوش تعتمد على أن يكون لكل فكرة صورة متخيلة، وهي على الأرجح، رمز لروح الإنسان المعذب والمقيد بسلاسل الضرورة والحاجة. وهذا ما دفعه في نهايات حياته لاختيار التصوف كحل للتعبير عن سريالية الروح والواقع الغريب. لكن سرياليته من النمط المعاكس للكسل و التبلد واختراع الألغاز. ويقول بهذا الاتجاه:

إنها لا تريد أن تقبل المعرفة الوحيدة

المتاحة لنا: أن الناس يخلقهم الناس،

 وأنهم معا، يصنعون شيئا هم يسمونه الحقيقة. ص 52.

ويقول لاحقا في قصيدة (أخيرا نحن في العصر الحاضر):

أشعر بالدفء بين الناس في الصلاة.

لأنهم مؤمنون، يساعدونني على اكتشاف طريقي للإيمان

بوجودهم، يا لهذه الكائنات غير المفهومة. ص 63.

وهكذا إنه يشترط على المعرفة شيئين اثنين: أن تكون لغزا يحرضنا على التفكير بطبيعتها الحقيقية. وأن تتعامل مع واقع ملموس وله حضور. وأعتقد أن المعرفة في شعرية ميوش خاصة ومكتسبة لكن الحقيقة عامة ومطلقة. ولا أجد أية غرابة في ذلك. لطالما اختار أدباء الحداثة تعريف ما هو غامض بإلهيات تستدل عليها بواسطة الحدس والتنبؤ. كما يفعل المتصوفة لحل مشكلتهم المزمنة مع الواقع. ومن هؤلاء المرحوم السوري محمد عمران الذي بدأ مع الطبيعة في (أناشيد على جدار جليدي) وانتهى بتراتيل تستعمل الأسطورة الدينية في (كتاب الملاجة) ثم في (قصيدة الطين). وقد أثر ذلك ، عند ميوش، حتى على شكل قصيدته التي تألفت من متن وهامش. وكان الهامش أحيانا يلتهم مساحة أكبر من حجم القصيدة كما فعل بقصيدته المتميزة (الحواريون). وهي قصيدة رؤية ومعرفة، وحافلة بالتعابير والمصطلحات اللاتينية. ولا نعرف حاليا بين الشعراء العرب من يتبع هذا الأسلوب غير الشاعر العراقي يحيى السماوي. وإن كانت الهوامش لديه مختصرة، ووظيفتها التوضيح والتفسير، مثل شرح مفردات عربية قديمة، أو التعريف بشخص غير مشهور. لكن هوامش ميوش هي وجه الورقة الثاني أو ” فضاؤه الآخر”. وأرى أن هذا الأسلوب يحول القصيدة إلى مرتبة “كتابة” أو “نص”. إن مجموعة “الفضاء الثاني” للشاعر كانت تكتبه، وتعتدي على حقائق حياته، وتضيف لها “كولاج” يظهر ما لا يضمر. وبلغة مباشرة: هي تجربة لتدوين السيرة الفنية في المتن، والسيرة الفكرية في الحواشي.

 وذلك بطريقة مبتكرة لتفجير شكل القصيدة المتعارف عليه وتحويله من خطاب مع الذات وإنشاد لسلطة مجهولة ومتعالية، إلى خطاب موجه لكتلة من الأفراد أو الموجودات. وهكذا أصبحت القصيدة استذكارية وحاملة. بمعنى أنها تفكر بالماضي لتحملنا إلى المستقبل. ويقول بهذا المعنى بلغة رمادية يصعب فهم مراميها:

طوال أمسيات عديدة في مكتبة السوربون،

انكببت على أطرحة دكتوراة

حول التصوف عند ميوش.

كاتبها أمريكي اسمه ستانلي غوز

بعد أن أنهى حياته الأكاديمية في باريس،

عاد إلى أمريكا وأصبح حدائقيا. ص 85. (قصيدة التلميذ).

هل كان ميوش يحاول أن يرثي نفسه أم حياته الذهنية. أم أنه بكل بساطة أن يرسم أفقا نهائيا لرحلة العقل البشري؟.. في كل الحالات كانت غاية الشاعر أن يتصالح مع نفسه باعتبار أنه لا يوجد أي فرق فعلي بين الذات والمبدأ، أو بين القصيدة والمعنى. ما الفرق بين دراسة المعاني وترتيب الزهور؟.. وفرض عليه ذلك أن يخون اللغة، وأن يرتكب بحقها تجاوزات. بتعبير آخر: لم يعد للكلمات نفس المعاني المتوقعة والقديمة، ولكن كانت تفاجئ نفسها.

وتبقى هناك فروق أساسية بين تجربة ميتسكيفيتش وميوش:

1- الأول يختار التعبير عن الواقع بلغة واقعية. بينما يفضل الثاني الكلام عن نشاط الذهن والمعرفة.

2- يبالغ ميتكسيفيتش بصور الجبروت والقوة والتعظيم، بينما يقترب ميوش مما هو يومي ومفهوم.

3 - ويضع ميتسكيفيتش اللامتناهي مع اللامحدود بمجال واحد (مثل سوبرمان نيتشة - وفي موقف سوداوي محكوم عليه بالخذلان والسقوط) في حين يلجأ ميوش للمطلق بشكل جموع غفيرة تلهمه الصبر والمعرفة.

4- ميتكسيفيتش يفكر بقلبه وعضلاته، بينما يميل ميوش للبحث عن المعرفة في أماكن تواجدها. والنتيجة أن الاثنين يؤكدان على ذاتية المعرفة وعدم موضوعيتها.

5- لا يوجد جانب معرفي مستقل عند ميسكيفيتش،أما المعرفة، عند ميوش، فهي حقيقة عامة تأتي بالاكتساب الشخصي.

6- البنية الأساسية للقصيدة عند ميتسكيفيتش خارجية، عرضة لتقلبات الطبيعة التي تحمل كل دلالات المزاج الشخصي (العاطفة المفكرة - المنتمية) بينما هي عند ميوش داخلية. يغلب عليها الجو الضبابي والعزلة والانطواء والتخيل.

 

د. صالح الرزوق

 

سمر محفوض"بعد الحلم بلحظة" للشاعرة الاردنية من أصل فلسطيني أمل حسن- بفارق لحظة بعد الحلم وبغفلة من دهشة العبور بين إجفاله الصحو الناقد ورهافة الحد المسنون للحرف ترشقنا أمل الحسن بالمزيد من حيواتها المضيئة، حسب رولان بارت على النص "يكون متصلاً بالدهشة،وهذا يعني تواصل المتعة الإبداعية بدون انقطاع.. وهو بذلك يدخل ضمن النسق الاجتماعي للذائقة الجمالية، فالدهشة لاتغادر النص من حيث أنها مولد جمالي إبداعي - ضمن هذا تقول الشاعرة في نص خسرتك.. ولكن \ (أحبك)؟!\ بيقين النهر أحبك حين يناغي الحصى\ بتواطؤ الضفاف\ وحين كانت\ وداعة روحك ترتهن صداي.. !\ متعب الصهيل أنت.. أعرف\ كهلة روحك فر فرح مرتجل\ –لكن حسب بارت أيضا "نظرية النص يمكن أن تقترن فقط بممارسة ما للكتابة". وهذا يشير تبعا لبارت أن الكتابة شكل من أشكال التدمير لأنها تقوم بتحويل النص إلى مجموعة رموز تبحث عن اصولها عبر مخيلة المتلقي \ تشظيت.. \ كأنثى حرون.. \ يقدحني هسيس عطش.. \ تضمخ.. \ بنسغ رهاف الجئور.\ في انهمار لهيب يشع التياعا\ عند التصاق الجسد.. \ ص 31 أمل حسن لم تمارس التدمير بل استخدمت، تقنية الاستناد إلى الشغف، في كتابة ثنائيات الشتات بين الأنا الفردية والانا الوطن الهم العام لتبدو أكثر عمقا ودلالة في تفاعلها مع القارئ \ في فزع ماعاد يكتبنا\ يرشفنا.. بحرقة الوجع فينا\ أتلك خرافة تاريخ للحمأ.. ؟\ نرتمي فيه\ كصك غفران\ أم شتات تبعثر من وطن؟!\ فيه نغمس أسى الخليقة\ ص 35 فنفهم من معادلة الاختيار إنه قوي موجع يأتي من القلق كما \ في فزع ماعاد يكتبنا\ مثل الغرق فهو معادل للزمن الذي \ فيه نغمس أسى الخليقة\ حيث وفي هذه الحالة يمكن للنص أيضا أن ينفتح على تشكيلات جديدة من التعبير معيدا بذلك توزيع اللغة عبر الخطوط والتشكيلات ’التمسك بتأكيد الهوية من خلال الحديث عن الروح المرتبطة بذاكرة الوقت -\ أنا نور فاتحة بصدر يسوع.. \ على مسرى دمي رتلت معراجي\ بآيات الغض.!!\ شيدت بروجي لوعد سيأتي\ أقسمت.. \ بحق الشمس.. بحق صوت الرعد\ أنا الفجر والبلد،والجرح المقدس\ حين يثور الحجر\ بوعد يتنامى بحكمة القدر\ ص38 من نص بعنوان قال الفلسطيني – تحاول الشاعرة هنا رسم سيميولوجية الشخصية وبناء الدلالة وذلك باعتمادها على تصورين اثنين:النموذج العملي المباشر \ على مسرى دمي رتلت معراجي\ و اعتبار الشخصية الفلسطينية المصرة على استعادة حقها علامة يجري عليها ما يجري على العلامة\ أنا الفجر والبلد،والجرح المقدس\ اعتماداً على مفردات وسياقات سردية حددت فيها معالم كل عنصر على حدة:\ نهار على كفي يمعن\ بالفتح.. بالزلزلة\ أنا حي يرزق\

1206 قبل الحلم بلحظة امل حسنمن أجل التأكيد والنفي في آنٍ معاً تضيف أمل مفردة الفجر والبلد التي تشي بالولادة ومفردة الجرح المقدس حيث تحيلنا إلى الضحية الإلهية التي حملت خطايا البشر \ صلب المسيح -وبالتالي يمكن الحديث عن مسألة مهمة هنا يمكن استنباطها وهي الخلود \ وأنا النبيل\ أنا الشهيد\ تنتقل آمل في فضاء حيوات شعرية وبمزيد من الأسئلة المعلقة التي تنطوي عليها المجموعة \ ذات صباح\ شهق المطر\ أنجب غواية للذكرى\ حيث المد والجذر يتناوبان في عزلتهما على ايقاع الحب والانتظار \ يعتاش عليها الحرف\ عند غروب الزهر\ وكسوف المحبرة!\ ص 45 من نص غروب

في حركة متأنية لمن تملكه الذهول بعد الحلم بلحظة

تتهادى الشاعرة مثقلة بمكنونات حلمها الذي لايشبه الأحلام\ تفيأ مهجة رسمي.. واسمي\ ليشهد لحظك\ أخر الطوفان\ ص46من نص شفاعة الظل- عالما يتشكل من أثر انعكاس اضطرابات صحو لم يكن له أن يدوم سوى لحظة، بعد الخروج من زهو التخيل\ بشهقة واحدة لأنوء بك\ بسدرة للمنتهى.\ ص 47- ولعل مجموعة (بعد الحلم بلحظة) محاولة إعادة خلق الأمل ضمن المشهدية اليائسة لعالم مشغول بكوابيسه الأخطبوطية مذكرة إيانا بالفرح و الغموض الذي يتأتى يهدوء يرافق القلب العاشق \ كفاك تزنر تنويني\ وصهيل القبل برعد يرويني\ ص 51-وهو ليس حدثا بقدر ما هو تشظي لفراغ الحدث \ تغريدة توشم ذاتي.. \ بتراتيل أوراد الوجد\ اكتمال هديل في دمي أغنية\ اشتعال شواطئ التسبيح\ مذ صرت’أيهذا الحب، ولي أمرنا\ ص 52تسعى امل حسن من خلال رصد لحظة التماهي الكلي بالتفاصيل من خلال العبور للجسد كرمز وفعل \ بسؤال الرجفة\ فالنهر يمضي.. \ وبباب خاصرة يعاند المسافة\ ص 64- تفتش شاعرتنا ’عن زمنها الخاص للتعبير وهذا هو المجال الحيوي للسردية التفصيلة الشعرية في ديوان "بعد الحلم بلحظة" في سياق البحث عن الحقيقة العميقة / علام تغتسل ياشجري؟ / ولم ترتكب ذنبا أو خطيئة!! ص 69 -تغدو للكلمات مختلف الإيحاءات والإيماءات الحسية والعاطفية المتجاوبة مع معانيها لفظة.. لفظة وإيقاعا بعد إيقاع.. سياقاً ومعنى \ بحفيف الذكريات الملم رسمك.. \ واجول.. \ بتعويذة اسمك\ سهد الموال يهدهدني\ ص 72-لم تنتسب أمل إلى حدث أو نمط وإنما تنتمي للترقب\ أقتفي مدادك في لحظ الصور \ ناسكة بتنهيدة الستائر وروح الأثر\ ص 78- بين جمل مكثفة وأخرى تفصيلية، ببساطة،لان المقاربة بين وضع ونقيضه يحتاج التفصيل\ محفوفا بأناقة الحيلة،في تبنى الطيبة\ لتقضم من البحر مايروض الغنيمة لك!!\ ص 93-

لافتة لان الحب في هذا العصر الملتبس تجربة فريدة تبحث عن توق يؤرخ سيرته الشخصية \ كان ممكنا.. أن تهديني ورقة بيضاء\ لأملأها بهواجسنا المتعبة!!\ ص 88

وإذا كان إلحاح التأملات عند أمل وخلافا للأحلام والتي يؤسس لها العنوان لم تترك لنا الشاعرة متسعا لترقب السياقات الشعرية بحرية الحركة التي يمتلكها الحلم والخروج عن المسارات والوقائع كما يفترض به كحلم بل أخذتنا الى الصحو الملتبس بعد الحلم بلحظة بحيث تشير ان لا انفلات للحدث في اضطراب المكان او الزمن الشعري\ وكل هذا الموت –الذي نعيش-\ أصله\ بندقية صياد!!\ ص 89-قد يعيدنا الموقف إلى العلاقة بين ماحدث وما لم يحدث بعد \ \ بشراهة تحف جوف المبتدأ\ تعتصر غروب الضلوع،مناجاة لك\ ليحصد يباب الشوق منجل الوقت!!\ فضحكة الهلال مؤجلة للآخر الشهر\ ص 90- ليس إسرافا بالمجاز لكنه الانحياز الى بناء العلاقات اللغوية والنزوع الأليف نحو دلالات الكتابة \ لآية الفطرة والريبة المعشبة.. \ بمبتدأ انعتاقي.. وبحظوة تعاويذي\ يا لدلال التوبة عن التوبة\ في عصف سلوتي.. \ ص 97-في نصوص أمل حسن ترسيخ لأنوثة اللفظ تخط مدارا لدهشة لا اختبار واعي لها فقط،بل مصر أيضا على وعيه \ كمترف بالخطايا.. \ تمارس حياتك المحزونة\ عن طيب خاطر وإصرار\ ص 197- ان التعامل مع صورة شعرية محددة أو مجموع صورفي مجموعة"بعد الحلم بلحظة" يأخذك إلى شيء مختلف تماما عن اليقظة والحلم بل إلى الانعتاق وهنا مركز الحساسية والدقة فنحن لا يمكن أن نكون يقينا ثابتا ولا نجد أنفسنا أمام نص مألوف ومتوقع وليس على ملامح النص المجازي بل اعتمدت أمل التداعي الحر للرؤى حيث تتدفق الصور بسلاسة الوعي الإبداعي بغير ما اقسار أو انحياز أو تضاد ومغالاة في تحميل النص أكثر مما يحتمل ودون اللجوء إلى تأويلات إضافية\ ضحكتك.. \ ضحكتك حواري التراتيل!!\ ص 115

يتجلى النص النثري عند الصديقة الشاعرة أمل حسن بكثير من البناء الضمني المتصالح مع أنماطه لان هدف المفردة هو رسم الجمال و"الجمال هو التجلي الحسي للفكر" حسب مفهوم هيغل والإبداع عموما هو ترجمة لناموس الأشياء بجعل المعنى عاشقا لكشف أستار الغفلة ليبدو التجلي في أعلى حالاته لأنه يعيد تشكيل فهم وجوده المطمئن وإعادة ترتيب عناصره في لحظة التحول التي لا تتوقف ولا تستقر بل تقدم روحها ببساطة وبدون تزيين \ أتيك.. \ بدفء التمني\ أنا المضمخة بالبرد!\ ص 119 في الديوان موضوع القراءة مجموعة احتمالات أتت في صور قابلة لتحقيق في تعرية الدلالة اللفظية وإلحاحها للخروج من القالب إلى حرية الأبعاد وقد أطلقتها في داخلك لحظة الملامسة الأولى للكتابة بمنطقة الضوء من مشاهدتنا البصرية\ أراقصك.. بتحنان\ ذوبانا كقطعة سكر\ أناديك.. \ بملء كل ذؤابة فيك\ فهلم.. \ ص 135-.

يبق ان اقول ومن من منطلق القراءة بعين الناقد أن المجموعة اعتمدت على التأويلات المكررة وهذا مرده لأنها التجربة الأولى بالنشر وهي تحمل إرهاصات الانكشاف المقلق كنت أتمنى لو تركت مخيلتها تجول بحرية أكثر لتطابق فضاءتها الواسعة لكن من المؤكد أن ساحة التعبير الداخلية في ديوان "بعد الحلم بلحظة" تتسم بالشساعة والتي تعتبر تلخيصاً لخصوبة تجربه مصرة على أن تكون منصة انطلاق نحو تجربة أعمق وأكثر تكثيفا ...

 

بقع الديوان في 165 صفحة من القطع المتوسط

ويحتوي على 68 نصا،

صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت.

 

سمر محفوض - سورية

 

 

نبيل عودةرواية بنات الرياض للكاتبة السعودية رجاء عبدالله الصانع (صدرت عن دار الساقي بيروت عام 2006)، تحولت الى اكثر الروايات العربية مبيعا في تاريخ النشر العربي. الأمر الذي يثبت مسألة هامة في الدور الذي يلعبه الأدب. ليس كعنصر جمالي فقط، او كراصد للواقع الاجتماعي والفكري للمجتمع الذي ينطلق منه، انما، وهذا الأساس، كقوة مؤثرة قادرة على تحريك الثوابت والمسلمات وكشف هموم المجتمع، واحداث صدمة عميقة، لا يمكن بعدها ان يبقى الواقع الاجتماعي مجرد حالة دائمة مستقرة.

من الواضح ان النظام السعودي الذي يخاف من التغيير، لم يسمح حتى اليوم بتوزيع الرواية في السعودية، الرواية لم تمنع رسميا، انما هيئة الرقابة ربما ما زالت منذ عام 2006 "تدرس" الرواية و "تحللها" ولم تقرر بعد بشأنها (لم اسمع انها وزعت بالسعودية، رغم ان الرواية طبعت عدة طبعات متتالية (اربع طبعات على الأقل) وباعت خلال ثلاثة اشهر من صدورها اكثر من 40 الف نسخة، وربما دخلت نسخ للسعودية مهربة بطريقة المخدرات والمشروبات الروحية. هذا لوحده يشير الى أزمة المجتمع السعودي التي ترصدها الكاتبة السعودية رجاء الصانع.

رجاء الصانع تجاوزت اليوم العقد الثالث من عمرها، عندما أصدرت روايتها كانت ابنة 22 سنة فقط، وهي خريجة قسم طب الأسنان في جامعة الملك سعود، استغرقها كتابة الرواية ست سنوات، أي بدأت روايتها وهي في سنتها الجامعية الأولى، وهي تتحدث عن حياة أربع شابات سعوديات من الطبقة السعودية الغنية، ارتبطن بعلاقات صداقة ومكاشفة لأسرارهن.

الفتيات الأربع يبحثن عن الحب، الأولى تطلقت بعد اكتشافها خيانة زوجها لها، الثانية يتركها خطيبها بعد ان سلمته نفسها بليلة حب، والثالثة لم يتمكن حبيبها من الزواج بها، لأنه امتثل لأوامر امه الرافضة ان يتزوج ابنها من فتاة أمها أمريكية، رغم انه تجاوز العقد الثالث من عمره، الذي قضاه في الغرب واكتسب شخصية انسان حضاري منفتح ومتنور. أما الرابعة فكانت أوفر حظا منهن، ولعبت دورها في مساعدتهن ورواية تجاربهن، رغم العلاقات الحميمة بين الصديقات، فكل فتاة تعيش خيبتها الخاصة، ما عدا لميس التي تزوجت وسافرت مع زوجها لإتمام الدراسة في كندا. الرواية جاءت على شكل رسائل عاطفية وزعت على شبكة الايميل في الانترنت، عبر 50 رسالة، اثارت ردود فعل وتعليقات مختلفة من القراء، خاصة وان النظام السعودي المنغلق تماما، ينكشف كمجتمع مخلخل الأسس، ضعيف البنيان، وما يمارسه من سلسلة تحريمات كبيرة، يخلف المزيد من المشاكل والتحديات.

الصبايا يبحثن عن الحب، الشباب يبحثون عن الحب، في مجتمع يمارس الحرمان من الاختلاط بين الجنسين، مما يقود الصبايا والشباب الى تمرد هادئ، وتجاوز للمنوعات، قد لا نجدها حتى في المجتمعات المنفتحة أكثر.

الرواية ليست دعوة مباشرة لتغيير الواقع في السعودية، واعطاء المرأة حقوقها كانسان لا يختلف عن الرجل، انما تلجأ الكاتبة الى تقديم نص ابداعي يكشف اللثام عن الواقع المعاش، واقع غير طبيعي، غير انساني، حتى في كتابة عقد الزواج يطلب الشيخ من الفتاة ان تبصم، وعندما تعترض بانها جامعية وتعرف القراءة والكتابة، يصر الشيخ على ان تبصم على العقد لأن التوقيع للرجال فقط. هذه اللوحة تكشف واقعا مذهلا في تخلفه ونظرته الدونية للمرأة ومعاملتها كقطعة اثاث يملكها "الفحل"-الزوج.

 رواية بنات الرياض أحدثت انفجارا في الجدار الاجتماعي الذي بني على التمييز ونفي حقوق المرأة خلال عقود طويلة، ويتواصل فرضه بشكل قصري رغم ان الزمن يتغير وحقائق الحياة تتبدل، والعرفة تزداد وتتسع، وأساليب التحايل على الجدار تتطور وتتحسن وتخترقه، الا ان لا شيء يتغير في المجتمع السعودي الخاضع لفكر وهابي مغلق ويتناقض مع حقوق الانسان رجلا كان ام امرأة. رواية بنات الرياض ضربة من داخل الجدار، من داخل السجن الفكري الكبير، من داخل الحصار القاتل على المرأة خاصة، لكن من يظن ان الرجل يتمتع بحريات أكبر هو واهم. كي تكون حرا يجب ان تكون بلا شخصية ولا رأي، ولا موقف، ولا تفكير. الانسان السعودي يبرز كشخصية مشوهة لا تملك حق التفكير ولا حق القرار الا ما يملى عليها من الذين جعلوا الدين سجنا للعقل وسجنا لحرية الرأي.

لست في باب تقييم الرواية فنيا، لأن موضوعها المثير وكونها مادة شديدة الانفجار تتسرب من مجتمع غارق بالقيود والرقابة والدجل الديني، هو موضوع اعطى للرواية بعدا أكبر بكثير من مجرد تقييمها كعمل ادبي فني. لكني بنفس الوقت اقر انها عمل ادبي نادر بجرأته، وجمالية أفكاره، وروعة طروحاته، تجاوزت به هذه الرواية اهم الأعمال الروائية العربية من حيث اهتمام الجمهور، فتفوقت بتوزيعها على أشهر الأعمال الروائية لأهم الأدباء العرب. يمكن القول ان الرواية تعتبر مساهمة جادة وقوية لخلق إرادة جماعية لإعادة ترتيب البيت السعودي.

من ناحية فنية، تفتقر الرواية الى عدة مركبات روائية، فهي مليئة بالسرد الطويل، والمباشرة في الكثير من المقاطع، ومع ذلك نحن امام روائية شابة مبدعة، في اول تجربة لها، كسرت الطابو الاجتماعي في أكثر المجتمعات العربية محافظة وانغلاق. وفتحت ثغرات في الجدار السميك للسعودية، للإطلال عبر الثغرات الى ما يجري في المجتمع السعودي، ونجحت الكاتبة في خلق التفاعل بين النص والقارئ في معظم مساحة الرواية. رواية لا تنسى بسهولة بعد قراءتها.

 

بقلم: نبيل عودة

 

عبد الستار نورعلييقول سقراط:

"إنَّ على الشاعر حتى يكونَ شاعراً بالفعل أنْ يستقيَ مادةَ شعرهِ من بعض الأساطيرِ لا منَ المحاججاتِ والأدلةِ."

اشتغلَ  الشعراء المعاصرون المجدّدون في بنية القصيدة شكلاً ومضموناً على توظيف الأسطورة في قصائدهم، فاستلهموا أساطيرَ وادي الرافدين، والأساطيرَ الإغريقيةَ والرومانيةَ والفينيقية والعربية، ومدلولاتها وشخصياتها من آلهةٍ وأبطال وأحداث، وذلك لإضافة غنىً على مضامين قصائدهم. وهناك مَنْ يرى أنَّ البعضَ منْ هؤلاء الشعراء أستخدموا الأساطير كنوع منَ التجريبِ الجماليّ، أو لإظهار سعة ثقافتهم وعمق مضامينهم، ولا تأتي من خلال نسق القصيدة وما تحويه من تجربة ومعنىً وعلاقةِ الغرضِ بالأسطورة، فهو والحالةُ هذه استخدامٌ خارجيّ، ومجردُ زخرفةٍ وليستْ دليلاً على الشاعرية، لذا يشعرُ القارئ أنّها مُقحمَةٌ إقحاماً. في الوقتِ نفسهِ كان البعضُ الآخر من الشعراء يستخدم الأسطورةَ مستلهماً بعضَ موضوعاتها وشخصياتها فيحوّلها شعراً، ومن خلال تجربةٍ معاشةٍ وترميزاً لحالةٍ ذاتيةٍ تلتقي في إرهاصاتها مع مضمون الأسطورةِ أو شخصيةٍ منْ شخصياتها، مثلما استلهمَ أبو القاسم الشابيّ اسطورةَ "برومثيوس"، فسمّى قصيدته الهمزية "هكذا غنّى برومثيوس" ، وهي تعبّرُ عمّا كان يعانيه الشابيّ في مرضه العضال من آلام مثلما عانى "برومثيوس" في الأسطورة:

سأعيشُ رغمَ الداءِ والأعداءِ

كالنسرِ فوق القمّةِ الشمّاءِ

 

أرنو إلى الشمسِ المضيئةِ هازئاً

بالسُـحْبِ، والأمـطارِ، والأنـواءِ

77 samawi600

في ديوان يحيى السماوي "نهرٌ بثلاث ضفاف" ـ موضوع هذه القراءة ـ  نجدُ توظيفاً فريداً للأسطورة من خلال استلهامها، والتلبُّسِ بشخصياتها لحدِّ الذوبان (الصوفيّ) في الرموز التي تعبّر عنها، بحيثُ يحسُّ المتلقي كأنّه أمام أسطورة حقيقة، تتمثّلُ بشخصيّةٍ معاصرةٍ أرضيةٍ متجسِّدةٍ ماثلةٍ أمامنا " يحيى السماوي" يعشقُ إلهةً سومريةً متخيّلةً، تخرجُ منْ بين الأسطورةِ لتهبطَ إليه: هو غيرُ القادرِ أنْ يصعدَ إليها وهي في أعالي السماء،  تهبطُ ليتواصلا ويلتحما في ذاتٍ واحدةٍ. لنقرأْ له مُنشِداً في قصيدة "هبوط إينانا":

ميلادُ إينانا

البعيدةُ بُعدَ قلبي عنْ يدي

ميلاديَ المكتوبُ في اللوحِ المُقرَّرِ

قبلَ يومِ ولادتي

وغوايتي في نشرِ أشرعةِ الرحيلْ

 

إصعَدْ إليها ـ قالَ هُدهُـدُها ـ

لِتُبعَثَ من جديدٍ عاشقاً..

طفلاً رضيعَ اللثمِ..

مشبوباً فتىً..

فاهنأْ بفردوسِ الملاكِ السومريةِ

أيُّها الشيخُ الجليلْ

 

كيف الصعودُ ـ أجبْتُ ـ مولايَ البشيرَ

الى جنائنِ ربَّةِ المطرِ/الجمالِ

الحبِّ إينانا؟

أنا الحيُّ القتيلْ

فبدلاً من أنْ يصعدَ إليها ـ هو الذاتُ الأرضيةُ ـ هبطَتْ إليهِ ـ هي الذاتُ الإلهية السماويةُ، طارقةً بابَ روحهِ، لتُقدّمَ إليه الحبَّ والجمالَ والخصبَ والولادةَ، وتُقيمَ في قلبِهِ معشوقةً أبديةَ السحرِ، فتخضرُّ بساتينُ الهوى فراديسَ تنشرُ عطرها في الكونِ شعراً ساحرَ الغناءِ، فرحاً وبهجةً، فيغيبُ ثملاً خَدَراً منْ بشرى هبوطِ معشوقته "إينانا" التي اختارتْه دونَ غيره منْ عشاقها:

هبطتْ إليَّ إلهةُ العشّاقِ إينانا

فأشمسَتِ الطريقَ إلى مضاربِ "عروةِ بنِ الوردِ"

وابتكرتْ لإسرائي "بُراقاً"

فالسماءُ قريبةٌ مني..

وكنْتُ أُقيمُ في "قصرِ الغديرِ"

أمامَ جُرفِ النهرِ

في أرضِ السماوةِ

يومَ حطَّ على سريري

هدهدُ البشرى بأولِ زخَّةٍ عذراءَ

من مطرِ الهديلْ

 

فثمِلتُ منْ خَـدَرٍ

فما أدري أكانَ الوقتُ صبحاً

أم أصيلْ؟

ربما لم يسبقْهُ شاعرٌ في عمليةِ التوظيف والاستلهامِ هذه. إنّه يتوحَّدُ بالكامل في شخصيةِ "إينانا" ربةِ الحبّ والجمالِ، والخصبِ، والحربِ عند السومريين، التي معادلُها "عشتار" عندَ البابليين والأكديين، و"عشتاروت" عند الفينيقيين، و"فينوس" عند الرومان، و"أفروديت" عند الإغريق. هذا التوحُّدُ توحّدُ عاشقٍ ملتاعٍ، وجدَ في الحبيبةِ النجمةَ التي تضيءُ دواخلَهُ، ليُشرقَ مُتبَـتِّلاً في محرابها الضوئي، غارقاُ في هديلٍ ساحرٍ من البثِّ الروحي، ليُقدِّمَ للعشاقِ أجملَ تراتيل حبٍّ، تخلدُ مادامتِ الأسطورةُ حيّةً، وشعرُهُ خالداً بخلودها. إذ يقول في قصيدة "تضرّع في محرابها":

لـلـسومريَّةِ رَبَّـةِ الأمطارِ / والـعـشبِ /

الـجمالِ / الـعـشقِ " إينانا " طباعُ النهـرِ

حين تـسيرُ

تأبى الإلتفاتَ الى الوراءِ  ..

ومثلُ سهمٍ غادرَ القوسَ الأصيلَ

تغذُّ سيراً للأمامِ ..

لها جنونٌ عاقلٌ

فهيَ الدواءُ لعقليَ المجنونِ

إنْ عصفَتْ رياحي العاتيةْ

 

ترفو فتوقَ حماقتي بخيوطِ حكمتِها ..

وتنسجُ ليْ قميصاً

من حرير هديلِها  ..

فأنا و" إينانا " لِثَغرٍ واحدٍ

شـفتانِ  ..

نخبزُ من طحين العشقِ

خبزَ العافيةْ

هذا العاشقُ ينهلُ من دنانِ الصوفيةِ خمرَ الذوبانِ في ذاتِ "إينانا"، ليغيبَ معها في رضابِ التجلّي موجوداً بالسحر، فيكونا قلباً واحداً في جسدين، وثغراً بشفتين، وكوناً فسيح البحر والضفاف، هو السفينة وحبالها وجيدُها الفنار والمدى والصارية. هي ترفو رداءَ وعيه بالحكمةِ، وتنسج هديلها قميصاً، وعشقها خبزَ عافيةٍ، ليذوبا في عناق روحيٍّ يعودان منه جدولين بداليةٍ واحدةٍ، الجدولان هما الشاعر العاشق والمعشوقة "إينانا"، والدالية هي العشق السامي الجامع روحاً في جسدين:

ولنا معاً نفسُ العِنادِ

ونفسُ إصرارِ الحَمامِ على الهديلِ

إذا شدوْنا أو بَكيْنا  ..

لا نرى سَـبباً

لنطويْ نحوَ ميناءِ السماءِ شِـراعَنا

فأنا السفينةُ والحِبالُ

وجيدُ " إينانا " فناري والمدى

والصّاريةْ

 

نغتاظُ أحياناً لِندفعَ فِديةً  :

ثوباً  من القُبلاتِ ..

عِقداً  من زهور اللوز ..

طوقاً من عناقٍ ..

رحلةً في اللامكانِ

نعودُ منهـا جَدوَلَينِ

وداليةْ

في الأسطورةِ كانتْ "إينانا" متوحِّدةً عشقاً مع ديموزي (تموز) رمزِ الذكورةِ والحياةِ والخصبِ. واليوم تتلبّسُ "إينانا" شاعرَنا السومريّ "يحيى السماويّ" لتنسجَ معَهُ روحاً  واحدةً بجسدين، ولتُبعَثَ معهُ منْ جديدٍ حيةً طليقةً محلِّقةً، فتكونَ "إينانا" الجديدة لديموزي الجديد المنبعثة منْ رماد القرونِ، فينتشرَ ريحُها في الآفاقِ ثانيةً من خلال أجنحة الشعر المحلّقة. هذا العاشق الذي كان يجوبُ الآفاقَ سوّاحاً يبحثُ عن محرابٍ سحريٍّ ليتبتّلَ ويهدلَ، فيمنحَ خِصبَهُ الشعريَّ للبوادي والبراري والظامئين لينابيعِ "جنَّةِ الكلام (الشعر)" فتطربَ وتخضّرَ وتُزهرَ وتُثمرَ بدواني القطوفِ منَ العسلِ المُصفّى، وتمتلئَ بالينابيعِ الصافيةِ والجداولِ الرقراقةِ المنسابةِ بتدفًّقٍ راوٍ، وهو الذي كانَ تائهاً يبحثُ عن مأوىً لروحهِ اللائبةِ المُلتهبةِ بحرارةِ الشوقِ والوجدِ والعطش، وكانَ المأوى والمُقامُ والريُّ في محرابِ "إينانا"، فيقعُ عاشقاً خاشعاً ساكنَ النفسِ مُطمئنَ القلبِ، فعشقُها أيقظه، وأنقذهُ من مرارةِ التيهِ والطوافِ والبحثِ والتأملِ والانتظارِ، فقد لقيها ويا لَها منْ لُقيا!:

كنتُ المُوزَّعَ قبلها بيني وبيني

هارباً خلف المدى والبحرِ والصحراءِ خوفاً

من أباطِرةِ القبيلةْ

 

أرتاد قبلَ هبوطِ " إينانا "  ضَياعاً

باحثاً في الصخر عن ماءٍ

وفي  بئرِ المتاهةِ عن خميلةْ

 

حتى إذا هبطِتْ بمـشحوفٍ  من البرديِّ  " إينانا "

تلبَّسني خشوغٌ

فانتبهتُ الى السماءِ تزخُّ أزهاراً

وواحاتٍ تقومُ

وكلُّ  جلمدِ صخرةٍ أضحى بتيلةْ

 

 

وإذا بيَ ـ الضِلّيلَ ـ فِضْتُ صبابةً

أغفو مع " الأنعامِ "

مُلتحِفاً حريرَ " التوبةِ " البيضاءِ

أشكرُ نعمةَ " الرحمنِ " نشواناً ..

ويُوقظني

دفِيءُ " النورِ " و " الفتحِ " المُبينِ بعشقِ " إينانا "

لأبدأ في هواها رحلةَ  " القصصِ " الطويلةْ

 

عن عروةَ بن الوردِ باع حصانهُ

وابن الملـوّحِ خان ليلى

واشترى  " شمشون " جاريةً  ليهربَ من " دليلةْ "

 

 

وأنا اعتصمتُ بِحَبلِ " إينانا "

أبَشِّـرُ بالبيادر جُثةَ الصحراءِ

والأنعامَ بالمرعى

ومملكةَ العوانسِ بالطفولةْ

ـ من قصيدة "حبلُ إينانا" ـ

في استلهام  "السماويِّ" للأساطير السومرية لم تكن "إينانا" الوحيدةَ التي وظّفها ـ وإنْ كانتْ الأطغى ـ لمجانستها روحَ الشاعرِ العاشقةَ الباحثةَ عن التجسُّدِ في عاشقةٍ ملهمةٍ مكمّلةٍ لكيانِهِ الإبداعيِّ المسحورِ بالشعر. لقداستلهم شخصياتٍ من "ملحمة جلجامش" مثل: "جلجامش"، "أنكيدو"، "شامات" و"خمبابا". وذلك لتصوير ما تعيشه بلاد "وادي الرافدين" منْ أحداثٍ جسام وفسادٍ وظلمٍ وخراب. فهو يوظّفُ شخصيات الملحمة (الأسطورة) بما يلائمها من شخصياتٍ حاكمةٍ أو من عامة الناس ويلتقي معها في الكثير منَ الخصال، ونقرأ هذا في قصيدة "حُزمةُ قصبٍ سومريّ":

إينانا واحدةٌ ..

وكثيراتٌ في سومرَ " شاماتْ "

 

وكثيرٌ " كلكامشُ "

لكنْ

منذ غفا " أنكيدو "  في أوروكَ

وماتْ

 

عادتْ مذأبَةً واحاتُ العشقِ

وأقـفَـرَتِ الطُـرُقاتْ

"إينانا" إلهةُ الحبّ والخصبِ والجمال والمطر، وهي الرمزُ لكلّ عناوينِ الخير والجمال والخصبِ، و"شاماتُ" هي خادمةُ جلجامشَ التي أرسلها لتغويَ "أنكيدو" وتوقعَ به، وهو الخصمُ القويُّ لجلجامشَ، إذ كانَ يراه خطراً على عرشِه مثلما صوّروا له. ففي إشارةِ الشاعرِ اليهما دلالةٌ إلى أنّ الغواية واستغلالها أكثرُ من الخير وأصحابِه، والملوكُ يستخدمون كلَّ الوسائلِ غيرِ الشريفةِ للإيقاع بمَنْ يرونه خصماً قوياً وخطراً عليهم. في المقطع الثاني من القصيدة يذكر أنَّ هناك الكثيرَ من "جلجامش"، إشارةً إلى أنّ الحكامَ الطغاةَ يكثرون حين يموتُ الرجالُ الأبطالُ الذين يهددون عروشَ هؤلاءِ الحكام. وبذا ينتشرَ الذئابُ في واحاتِ العشق (العدل والخير وحقوق الإنسان). فقد استلهمَ السماويُّ الأسطورةَ، ولم يذهبْ إلى التصريح مباشرةً بما رمى إليهِ إذْ رمى مجادلاً بأدلةٍ، لكنّه استلهمَ الأسطورةَ وشخصياتها، وهو مِصداقٌ تطبيقيٌّ شعريّ لمقولة "سقراط" المذكورةِ في مقدمة الدراسةِ، ذهبَ شاعرُنا في استخدامه ليسَ عنْ سابق إصرارٍ وتعمّد، بل عن تالي وحيٍّ شعريٍّ فذٍّ. ويستمر شاعرُنا في هذا الاستلهام والتوظيف في نفس القصيدة موظّفاً إحدى شخصياتِ الملحمة الأخرى وهو الوحش "خمبابا" مرعبَ أهل أوروك، والذي قتله "جلجامش" و"أنكيدو" مجتمعين، وهو يرمز بذلك إلى الذين يحكمون باسم الدين زوراً وبهتاناً، والدينُ منهم براءٌ، وإنّما لاستغلاله في سرقةِ المالِ العام، والظلم والقتلِ، واستغفالِ العامةِ:

" خمبابا " عادَ زُرافاتٍ

حيناً  يسرقُ باسمِ

اللهِ

وحيناً يقتلُ باسمِ

" اللاتْ "

 

 

وأنا

حافي القلبِ

أُفتـِّشُ عني

مُنطفئَ العينينِ

ندامايَ الأمواتْ

 

حين رأتْني

ذاتَ سـماوةِ حزنٍ

أتـوسَّـدُ مـشحوفاً مهـجوراً

مُلتَحِفاً قلقَ النخلِ

أساقي رملَ الوحشةِ بالآهاتْ :

ثمَّ يعودُ الشاعر إلى الأمل بالحبِّ والجمالِ والخصبِ والمطر والخير "إينانا"، ليعلنَ أنّ التفاؤلَ لم يمتْ، رغم انتشار الشرِّ وتكاثر ِالملوك الطغاة والوحوش (خمبابا) والبغي والفساد، لتغني دجلةُ والفرات، ولتزدهر البساتين والحقولُ، فيعمَّ الخيرُ:

هبطتْ إينانا مُنقذةً  ..

فغدَتْ  دجلةَ

وأنا صرتُ

فراتْ

 

فأعادتْ للنهرِ الموجةَ

والوردةَ للروضـةِ

وفـساتينَ الخضـرةِ للواحاتْ

***

عبد الستار نورعلي

الأحد 20/10/2019

 

 

سلام كاظم فرج(ملاحظات حول ثلاثية حميد الحريزي.. العربة / كفاح / البياض الدامي)

لم يجر الالتفات إلى أهمية الجانب الأخلاقي وعلاقة تلك الأهمية بالتحري عن الصدق عند تسجيل الوقائع التاريخية وعند كتابة رواية تسجيلية.. قد تكون ثمة مبررات لتجاوز الصدق لصالح الخيال في الروايات التاريخية.. لكن الصدق الصارم مطلوب في الروايات التسجيلية وهذا مالم يلتفت إليه نقاد الأدب ولا (الماركسيون منهم).. فالانحياز لفكرة ما او عقيدة قد يلقي مايشبه الضباب على رؤى أولئك الكتاب أو النقاد.. وطالما جرى تزييف بعض الحقائق لصالح قضية ما قد تكون نبيلة.. وقد يغض النقاد الطرف عن كم الكذب ويرون في ذلك بعدا أخلاقيا !..

لفتت انتباهي حقيقة رائعة وأنا أقرأ رواية (لاجديد في الجبهة الغربية..) لريمارك  ان الكاتب ركز على بشاعة الحرب دون الانحياز لمعسكرما.. بل انه قد تناول بالوصف الدقيق كل البشاعات التي عاشها في المعسكر الذي قاتل فيه اكثر من البشاعات عند الخصوم.. وهنا يتغلب معادل الصدق على معادل الأخلاق.. فيتفوق عليه في صدقه وفي أخلاقيته... كذلك الامر بالنسبة لرواية وقت للحب ووقت للموت..لريمارك نفسه..

يختلف الأمر عند همنغواي على سبيل المثال لا الحصر في روايته (لمن تقرع الاجراس..) ..فالكاتب ورغم براعته في نقل وقائع الحرب في اسبانيا كان منحازا وبشكل واضح للجمهوريين في مواجهتهم للفاشست ..

ثمة فرق بين ان تكون منحازا وبين ان تكون صادقا.. والانحياز للفضيلة قد لا يعفيك من دفقة صدق عند الحديث عن الخصوم.. مهما كان حجم البشاعة عند الخصم..

باسترناك تعرض لظلم تأريخي وعميق من قبل النقاد السوفيت حول روايته(الدكتور زيفاكو..).. وأتهم بأبشع النعوت.. ونبذ وطرد من اتحاد الكتاب السوفيت بعد فوزه بجائزة نوبل للآداب.. في رأيي المتواضع ان باسترناك قد غلٌب الصدق على المبدأ.. ولم يكن خائنا لشعبه او بلده.. ولا حتى للحزب الشيوعي السوفيتي في روايته البسيطة تلك والتي أستغلت سياسيا من قبل خصوم السوفيت.. في حين كان يمكن للسوفيت لولا قصر نظر قادته ان يوفروا دعاية جيدة لأديب مقتدر ويتعاملوا بروح رياضية مع نقده لملابسات حدثت أبان ثورة أكتوبر.. وهل تخلو ثورة من هنات ومصائب وانتهاكات؟ كانت الرواية في أصلها رواية حب مرتبك فالطبيب زيفاكو كان مشتت الفكر بين حبيبتين كلاهما عزيزة عليه.. وصادف انه كان قد اتخذ قرارا باللحاق بإحداهما (لارا..) والاعتذار للثانية.. لكن الثوار البلاشفة اقتادوه عنوة ليؤدي خدمة بما يشبه السخرة.. مما حرمه من فرصة عمره في اللحاق بـ(لارا..) هذه هي باختصار الثيمة التي جلبت له العار والدمار.. لقد دفع ثمن صدقه في نقل الوقائع.. في حين ان العقيدة و(أخلاقياتها!) كانت تتطلب ان يغض النظر عن السالب لصالح الموجب..

الماركسية في أصلها تغلب الصدق على الانحياز المسبق لها أو لغيرها.. وقد إمتدح ماركس بلزاك رغم كونه كاتبا برجوازيا لصدق تناوله لطبيعة العلاقات في الأوساط الرأسمالية..والماركسية في أصلها استمدت الكثير من افكار فيخته رغم إنه فيلسوف مثالي..

يقول الكاتب السوفيتي (خاتشيك مومدجدان)

عن فخته (ان الماركسية قد قدرت كثيرا نضاله من أجل البرهنة على فعالية الذات.. وبالفعل فإن فخته قد وجه اهتماما كبيرا للوعي الأخلاقي لمشكلة الحرية وهكذا فقد رأى ان الدرجة التي يمكن ان يحصل المرء على الحرية فيها ليست مرتبطة فقط بتطوره العقلي بل بالشروط التأريخية لوجوده وقد تمثلت هذه الافكار والعديد من الافكار الجدلية العقلية للفيلسوف الالماني وبصورة معدلة في صياغات الماركسية..)

في ثلاثية الروائي الصديق حميد الحريزي (محطات..) ثمة محاولات للخروج من مأزق الانحياز المسبق للحزب الشيوعي العراقي في نضاله ضد الملكية ومن ثم ضد الفاشيات البعثية الشباطية لصالح الصدق في تناول الوقائع التأريخية.. فكات ثلاثيته رواية تسجيلية اكثر منها رواية تأريخية.. ولم يجنح به الخيال كثيرا فيصور رفاقه الشيوعيين كإنهم ملائكة.. بل هم أناس بسطاء طيبون لهم اخطائهم وخطاياهم.. وهم في غالبيتهم (شخوص الرواية..) من انحدار فلاحي ومن بيئة النجف بالذات.. لقد اعتمد الحريزي في ثلاثيته (العربانة/ وكفاح/البياض الدامي).. لغة شفافة تتوخى البساطة حتى تقترب من العامية في سردها وحواراتها..وتسجل لروايته فضيلة لم يلتفت اليها كل من تناول ثلاثيته ألا وهي اعتماد معجم مبتكر لشرح كل المفردات العامية التي استعملها شخوص الرواية في حواراتهم وهي في الغالب مفردات سكان الفرات الاوسط .. المشخاب والقرى التابعة لها حيث انطلقت منها أولى صفحات الرواية لتؤرخ بجنس روائي يجمع ما بين التأريخي والتسجيلي لمرحلة تمتد من بدايات تشكل اولى الخلايا الشيوعية في العراق والفرات الاوسط حتى الفترة التي تلت سقوط النظام البعثي عام 2003 ومشاركة الحزب الشيوعي العراقي في مجلس الحكم الانتقالي ليعلن المؤلف وعلى لسان احد شخوصه برائته مما يجري ورفضه لما وصل اليه الحزب من قناعات وتكتيكات على يد قادته الجدد..  ان مناضلا مثل مظلوم يرى في الحزب مدرسة ثقفته والقت به في اتون النضال والتضحيات الجسام ورأى كل تضحيات رفاقه الشيوعيين في مناهضة الرجعية والدكتاتورية والاستعمار. لايمكن له ولا لولده كفاح الذي سار على ذات الدرب ان يستوعب انصياع الحزب الشيوعي للجلوس على ذات المائدة التي نصبها برايمر الحاكم المدني الاميركي.

رواية الكاتب الحريزي تحتاج الى دراسات جادة ومنصفة فيها من السمو والارتقاء ما يستحق الإعجاب كما ان فيها من الهنات ما يستوجب الوقوف عندها مستقبلا من قبل الكاتب ليتجنبها.. سجلت على الرواية ملاحظات بسيطة منها ان الراوي ينسى نفسه فيعتمد العامية في السرد تاركا الفصحى التي هي أداته التي اعتمدها وبدأ فيها الرواية.. لكنني اعجبت ايما اعجاب في الحوارات التي كانت تجري في العامية على لسان فلاحي قرى الفرات الأوسط..

ومن الملاحظات التي يمكن ان تؤشر على الرواية دون ان تنتقص منها او تغنيها بل لمجرد توثيقها.. ان المؤلف وربما بدراية منه خلط ما بين الرواية التأريخية والرواية التسجيلية..كرواية تأريخية اعتمد السارد متابعة سيرة و مصائر أبطال بأسماء ليست معروفة تأريخيا لكن المتلقي يحبها ويتعاطف معها ويعيش محنتها.. مثل مظلوم وزوجته وولده.. وهنا يتسق المؤلف مع ما اعتدناه مما نعرف من الروايات مثل ثلاثية نجيب محفوظ حيث السيد احمد عبد الجواد وزوجه امينة واولاده وبناته.. وعند ورود اسماء مثل سعد زغلول والملك فؤاد والنحاس وام كلثوم وهي اسماء لشخصيات عامة نتفهم ذلك.. كذلك الامر بالنسبة لرواية الأخ حميد الحريزي .. هناك مظلوم وعائلته وهناك نوري السعيد وعبد الكريم وعبد السلام.. لكن الجديد في الامر ان الاحداث والشخوص العامة والخاصة تتداخل فهناك لقاء وإن جاء بصيغة الحلم بين مظلوم وعبد الكريم قاسم يعاتب المواطن الشيوعي الزعيم على التفريط بمنجزات الثورة.. هناك ترميز لسلام عادل زعيم الحزب الشيوعي من خلال شخصية الرفيق منير.. وهناك تداخل ودخول على مسرح الاحداث كشخصية عامة وخاصة للعريف حسن سريع قائد الانتفاضة المسلحة بما عرف تأريخيا بثورة حسن سريع. وهناك اقتباس تسجيلي كامل من كتاب (البيرية المسلحة..) ومما يدخل الرواية مدخل التسجيل.. اعتماد المؤلف على مؤلفات عديدة ومعروفة من بينها البيان رقم 13 لرشيد مصلح.. كانت هناك اشارات كثيرة مربكة... تجعل المتلقي يحار في تجنيس هذا العمل الهائل.. البيان رقم واحد لثورة تموز 58 والبيان رقم واحد لانقلاب شباط والبيان رقم واحد لانقلابات عديدة منها 18 تشرين ترد في ذات السياق.. بل ان هناك اقتباسات كاملة مشار اليها من كتاب حنا بطاطو .. الخ..

ان إخلاص الكاتب لقضيته وعقيدته والحماس البالغ في تعاطفه مع محنة مظلوم.. لم يمنعه من اعتماد مصادر لخصوم الحزب الذي عاش محنته واحبه وناضل في صفوفه.. الحزب الشيوعي العراقي... وبذلك استحق هو وروايته احترامنا ومحبتنا. وربما سيسجل له تأريخ النقد انه اول كاتب عراقي ابتكر نمطا كتابيا هجينا يجمع بين اجناس روائية مختلفة هي: (الرواية، والرواية التأريخية.. والرواية التسجيلية..).. وفي كل ذلك جمع ما بين الالتزام الاخلاقي الحازم والصدق الصارم..

ثمة ملاحظة نقدية لا بد من قولها ان ثلاثية الحريزي قد وقعت في ما يمكن ان نسميه التوقع الكاذب او إنقلاب الحظ..حيث تكون النهايات متوقعة ولكن ليس بالطرائق المتوقعة نفسها..الحديث عن الكم الهائل من المؤامرات التي تعرض لها الحزب الشيوعي العراقي والموثقة تسجيليا على صفحات الرواية يدفع المتلقي لليقين ان نضال الشيوعيين سيسفر عن خسارات هائلة.. دون نتائج مضمونة للشعب او الحزب او الحركة الوطنية.. وإن الخراب قد يكون خرابا جميلا وتبقى مجرد ذكريات جميلة لمناضلين رائعين.. لكن ان تنتهي الرواية بجلوس زعيم الحزب الشيوعي جنبا الى جنب مع زعماء تيارات دينية مثل المجلس الاعلى والدعوة الاسلامية والحزب الاسلامي الاخواني على طاولة واحدة ليست مستديرة مع الحاكم المدني بول بريمر...يجعل من ثيمة انقلاب الحظ السمة الرئيسة في ثلاثية الحريزي المأساوية!!!!ورغم ان العديد من بقايا قدامى المناضلين يرون في ذلك انتصارا إلا ان المؤلف وقد فتك بصاحبه (كفاح بن مظلوم الشاعر والاديب والمناضل اليساري..) وضيعه.. لم ير ذلك على الاطلاق..

وفي الختام ولكي نكون منصفين مع صديقنا الاستاذ الحريزي  لابد من الاعتراف ان  رابطا  بين الاجناس الادبية المختلفة قد يكون مفيدا وضروريا لإختلاق ضربا  مستحدثا وطريفا  من الأدب يكون مقبولا لدى جمهرة من المتلقين يرون في ذلك فعلا خلاٌقا..

 

سلام كاظم فرج..