صالح الرزوقبقلم: مارك بوسكو

ترجمة: صالح الرزوق

بدأت إعادة صياغة الحوار المتبادل بين الدين والأدب بفضل اهتمام ما بعد الحداثة، جزئيا، بكل من الدين والنقد الأدبي. ويمكن أن تجد المسار اللاهوتي في تفكير رجل الدين دافيد ترايسي، الذي حاول إحياء شبكة التراث والتأويل باقتراح "قراءة" للنصوص المصنفة ضمن الأعمال الكلاسيكية - تلك التي أسست أو شكلت ثقافة خاصة و/أو التي رفضت باستمرار فيضان ودوام المعنى. كان ترايسي قارئا شغوفا لهيرمينوطيقا هانز جورج غادامير وبول ريكور ولديه حساسية حول المعضلة المعرفية لما بعد الحداثة، وقد أكد أن الكلاسيكيات كلها، ولا سيما الدينية، تؤكد على كل من "الثبات الراديكالي الذي تحول لديمومة وعلى اللاثبات الراديكالي الذي أصبح فيضانا بالمعنى من خلال التبدل المستمر في أشكال الاستقبال". وأي كلام حول استقبال مثل هذه الأعمال يتطلب تفحص النص ليكون "الجواب" اللاهوتي للدين نقديا وقابلا للتفسير بضوء "الأسئلة" التي تفترضها الحداثة، وفي نفس الوقت تكون "الاسئلة" الثقافية التي يفترضها الأدب عرضة للافتراضات الواقعية التي تصدر عن لاهوت خاضع للنقد والتفكير. علاوة على ذلك، يزعم ترايسي أن البعد الديني للأدب، ولا سيما النصوص الأدبية، هو شيء مفروض من الخارج على النص، ولكنه يشكل الأرضية المتخيلة للنص، كأنه "أفق" نحن بنيناه أو قمنا بتفكيكه، ويحمل سمات ثقافية وضعية. إن البعد الديني لأي نص ليس شيئا غريبا عنه. وبهذه الطريقة، يوضح ترايسي رؤية تيليك tillich عن العلاقة بين السؤال الثقافي والجواب الديني ويجعل العلاقة متضامنة بين الطرفين، وفيها نسبة كبيرة من التحاور واعتماد كل طرف على الآخر.

إن اللاهوت ليس مجرد جهاز غير متبدل يمكن للفنان والأديب استعماله، ولكنه أيضا محيط متخيل يتطور باستمرار داخل بيئته الثقافية.

وقدم ترايسي ثلاثة أنماط لاهوتية بمقدورها تفسير الوضع المعاصر: نمط للتفسير التصعيدي (رؤية ميتافيزيقية تقارب الواقع الملموس ويمثله كتّاب من نوع مارسيا إلياد وكارل راينير)، ونمط يحمل افتراضات نبوئية (دعوة تبرز غرابة وآخرية العقيدة الدينية كما يمثلها كتّاب من نوع كارب بارت، وهـ. ريشارد نيبور)، ونمط للفعل/ الممارسة (وهو لاهوت سياسي وتحرري عن المقاومة والأمل). وهذه التجليات المسيحية الثلاث لها مقاربة تخيلية إما بلغة المحاكاة او الديالكتيك. ولغة المحاكاة تنظر للواقع ضمن علاقات منظمة تعبر عن التشابه بالاختلاف، وتبني على إعادة تركيب للأساسيات كما لو أنها مرجعية وبؤرية؛ ولكن اللغة الديالكتيكية تنظر للواقع كما لو أنه بحاجة ضرورية للنفي اللاهوتي الراديكالي، وهو علاج هدام ويكشف الأوهام الأساسية التي تجدها في المعرفة والواقع. ويؤكد ترايسي أن الطبيعة الإيديولوجية للانعكاس اللاهوتي تكون بأفضل حالاتها حينما تتشابك في اللغة الدينية المشابهة (الأنالوجيا) مع الديالكتيك، لانتاج تفسير بنّاء عن وضع الحياة المعاصرة.

إن فهم ترايسي لخيال المشابهة والديالكتيك مثمر جدا في دراسة الأدب واللاهوت. فهو يتابع الخيال التشبيهي باعتبار أنه ميول كاثوليكية في عقيدة المسيح والخيال الحواري باعتبار أنه الميول البروتستانتية. والطرفان مرتبطان جدليا، ومعا يقدمان رؤية أشمل لطبيعة العقيدة الدينية المعقدة وللتطبيقات التي تتطور مع الخيال الديني عند الفنان. وبالبناء على أعمال ترايسي، حاول النقاد فصل خيال المشابهة والديالكتيك في الثقافة المعاصرة.

وكمثال قام أندرو غريلي بإشهار رؤية ترايسي المكثفة واللاهوتية من خلال توفير دراسات اجتماعية كثيرة تنظر في الخيال الكاثوليكي، وهو يعمل، وذلك بواسطة مقارنة الدليل الإحصائي الخاص بالعادات السياسية والثقافية والميول الأمريكية الخاصة التي تنتشر في أرجاء الولايات المتحدة. وبلا إضفاء طابع مطلق على هذه الميول، قدم نقدا معمقا لـ "الاختلاف" الذي عبر عنه الفنانون الكاثوليكيون والذين دهبت أعمالهم في حوار مع تراث الثقافة البروتستانتية السائدة.

وقد فرضت فكرة ترايسي انتباها جديدا نحو العمل النقدي لويليام لاينش، الذي تفحص بمقالات فلسفية ولاهوتية عديدة حدود الخيال الفني من زوايا كاثوليكية مختلفة. وفي مؤلفات مثل المسيح وأبولو (1960) وصور العقيدة (1974) حاول لاينش توضيح كيف أن تقاليد اللاهوت تناولت الخيال واتجاهات تطوره. وفي نفس الوقت، انتقد البنية التخيلية في الفنون الأدبية التي ظهرت في القرن العشرين، مع الإشارة إلى المبالغات والتشوهات التي لحقت بخصائص الخيال الديني. وإن منهجية لاينش في الأطروحة الدينية والدوغمائية - وفي هذه الحالة الفهم المسيحي لظاهرة التقمص، والتثليث، والخلاص، والسقوط - قد ساعدت على تشكيل طريقة التخيل والتي من خلالها أمكننا فهم واستيعاب عمل التزييف أو التصنيع الثقافي. ومثل ترايسي، أكد لاينش أن الخيال هو فعل تأويلي لكامل الشخصية، وليس مرهونا بعمل الدلالة الثقافي المنفصل. وقد وسّع كل من لاينش وترايسي المقاربة التقليدية للتحليل اللاهوتي في الأدب بادعاء أن الأعمال الأدبية يمكن فهمها بضوء مصطلحات الخيال اللاهوتي الذي ينشط في النص. فقد سمحا للأطروحات والتطبيقات الدينية وللمسح الدرامي في السرد الديني أن تتكاتف لتكوّن رؤية إيديولوجية يعبر عنها خياليا بنصوص شعرية وأدبية ودرامية. وأكدا أن النظرة اللاهوتية ليست مجرد تطبيقات في النص ولكن هي فعليا إخبار أو إعلان عن التعبير الأدبي للنص. ولو أن اللاهوت أعاد تقدير علاقته بالأدب خلال ربع القرن الأخير، وأيضا أكد النقد الأدبي مجددا على دور الاهتمامات الدينية واللاهوتية في إنجاز النصوص الأدبية. ومما يدعو للسخرية، أن الافتراضات النقدية للاتجاه المادي، وحوارات ما بعد الحداثة، بدأت بالتحقيق بالعلاقة بين نصوص اللاهوت والأدب. وبرفض سيطرة كلام النجوى الذاتية وبالتركيز على النفس باعتبار أنها ذات للمعرفة، أكد عدد من مفكري ما بعد الحداثة أن هذه الأفكار هي بناء صناعي ولها القليل من الأساس في الواقع. أما ما بعد سرد العقل الإنكليزي والحداثي فهما مجرد ترابط عشوائي بين الكلمات في النص، وإن النفس كذات ما هي إلا موضع اجتماعي في عالم معقد ومتحول. والواقع هو شبكة علاقات سائلة ومبعثرة ومؤثرة وغامضة فقط، تدمج معا فكرة الذات مع الموضوع. وعليه هناك اهتمام ما بعد حداثي بالغموض والتأثير واللاحتمية واللاعقلانية وآخرية الآخر. ولأن اللاهوت والتطبيق الديني مهمشان من قبل ما بعد سرد إيديولوجيا التنوير، وجد بعض نقاد ما بعد الحداثة في هذا التهميش دراسة هامة لأنها تخدم الإشارة لاندفاعات متصلة يقتحم بها الآخر والغريب جسم الثقافة والمجتمع.

ويرى بول جايلز، الذي بنى تحليله لكتاب ومخرجي أفلام أمريكا الكاثوليكيين على تفسيرات ميشيل فوكو للغة باعتبار أنها خطاب سياسي، أن الدين واحد من بين عدة استراتيجيات خطابية يستعملها كتاب النص الثقافي. وقد نوه جايلز على نحو مثمر كيف أن الخيال الكاثوليكي للفنانين يقدم قراءات مختلفة للثقافة. ولأن الكاثوليكية أقلية في إنكلترا وأمريكا فقد أصبحت هما إيديولوجيا أمام البروتستانتية، ورسمت خريطة بتصورات بديلة وسرد بديل أيضا. وعلى ما يبدو، إن للدين والاستاطيقا الكاثوليكية على وجه الخصوص وتراث اللاهوت الكاثوليكي التاريخي، بنيته النصية، وموقعه كعمل فني حافل بالغبطة ومطعّم بالدوال المتموجة. وكما قال إلياس هانسون"الكاثوليكية بذاتها معضلة استطرادية.. فالكنيسة فجأة تدخل الحداثة ولكنها لا تزال قروسطية، متقشفة ومبذرة، روحانية وحسية، متنسكة وإيروتيكية، تكره المثلية الجنسية، ولكن لديها انجذاب باتجاه الجنس المشابه، تشك بالإلحاد وتشجع على تعبيره الفني". وعليه، في نهاية القرن العشرين، هناك تبادل إشكالي بين موضع الكاثوليك والبروتستانت: حيثما نشطت إديولوجيا البروتستانت بديالكتيكها التاريخي لتفكيك انحطاط ما قبل الحداثة وما قبل الإصلاح الكاثوليكي في الثقافة والمجتمع، فإن هذه الإيديولوجيا البروتستانتية قد أخذت على عاتقها نقد ما تحول إلى شكل من أشكال العلمانية الانحطاطي لتشكيل الإيديولوجيا البروتستانتية التي تسيطر على المجتمع البريطاني والأمريكي.

وضمن الدوائر المعاصرة، الشعبية والأكاديمية، هناك إحياء نقدي لخطابات التوجه الكاثوليكي- إحياء لفضائل أخلاق التومائية والأرسططالية في الفلسفة، ولجماليات لاهوتية متطورة في الدين، واستعادة للإلهيات في دراسات الطقوس، ونظرة متجددة لتقاليد الروح الكاثوليكية- وهو ما ساعد على كشف افتراضات ما بعد التنوير، وحداثة ما بعد الإصلاح وقدم للطقوس خطابا كاثوليكيا بديلا.

طبعا، تفترض معظم خيارات ما بعد الحداثة حيال لعبة الغموض واللاعقلانية والقطيعة ازدواجية التفكير التنويري، بين المثقف وأثره، أو بين الحتمية العقلانية والمشاعر الذاتية. إن الدين واللاهوت، وهما واحد من بين عدة وحدات بناء صناعية وتاريخية، ومنها مزاعم الحقيقة عن اللاهوت (تطبيقاتها وأطروحاتها) التي تقاطعها الطبيعة العدمية لمعظم أفكار ما بعد البنيوية. ومع ذلك إن هذه "اللحظة" ما بعد الحديثة تسمح بإعادة النظر في الخطاب والرمز والطقس الديني الذي يساعد على رسم نظام منطقي بطبعه، وذلك في التفكير والمعتقدات التي شاهدناها في الأعمال الأدبية. هذا الاهتمام المتجدد باللغة واللاهوت والأطروحة الدينية كما توضحها لنا مصطلحات المشكلة الدينية- وليس تناقضات عقلانية أو إيديولوجيا الكبت والكف فقط - تحرر القانون الذي يلعبه خيال المشابهة بتبني مثل هذه القناعات والأنظمة معا. وعليه، إن فكرة دافيد تزايسي عن الخيال الديالكتيكي: التشبيهي وما بعد الحديث يؤكد على دور الدين كـ"خطاب" يوسع ويحاور العلاقة بين الأدب واللاهوت، ويقترح، ويورط، وينقد التركيب الممكن الرافض لفصل الخيال الديني عن الأدب، والذي يرفض بدوره، بالتالي، أن يهمل التراث الفلسفي والجمالي للمسيحية (و بهذه الحالة المذهب الكاثوليكي) ويخرجه من خطاب الفكر الحديث.

ويفترض الحوار فكرة يكون فيها التوتر بين لغتي الخيال الديني الحوارية والتشبيهية غير فعال في نفي الآخر، وفي نفس الوقت، ينتقد أي إيديولوجيا علمانية تكون فيها الذاتانية الداخلية إما منفية في تقاليد اللاهوت أو مختزلة بشكل بنية مادية في تقاليد الأدب. بمفردات الرواية الكاثوليكية - وهذا هو تصنيف عدد من أعمال غراهام غرين- إن افتراضات الكتاب النظرية مثل ترايسي ولاينش تشجع النقاد على فهم تضاريسه التاريخية بطريقة تمتد لما وراء حدود النوع المعرف بشكل ضيق جدا. وعوضا عن النظر للرواية الكاثوليكية على أنها مجرد ظاهرة تاريخية تبقى فيها الموضوعات الكاثوليكية واقعا ثابتا وبنيويا ودينا له صفة "أرثوذوكسية" في النص، هناك اقتراح أكثر سيولة وبنهاية مفتوحة تتجاوز الارتباط بأي محتوى ديني أو حبكة "كاثوليكية" مفضوحة. هذا التحديد النفوذ للرواية الكاثوليكية بمصطلحات تشدد على الحدود التخيلية الخاصة بالكتابة يسمح بمجال نقدي لنرى به الأسلوب الذي ينقل إلى عالم النص الطقوس الدينية والأطروحات اللاهوتية. إنها تحدد موقع الأفكار الأولية في الخيال الكاثوليكي، مثل الهوس بأثر الأطروحة الخاصة بتقمص الحياة الإنسانية، والفهم الفلسفي والسكولائي للشخصية ومكانها في البيئة المحلية، والواقع المقدس الذي يشدد على سيادة الإلهيات في الواقع المادي، والانحرافات والتكبر الجنسي الذي يهدد التقاليد الكاثوليكية. ولو وضعت في جعبة واحدة هذه الاتجاهات التي تحدد طريقة لرؤية وتقدير الواقع الذي غالبا ما يهيمن على الشخصيات، والحبكة، ومادة موضوعات الكاتب، أنت تعتبر الكاثوليكية كما لو أنها تجربة في العقيدة وتقليد تاريخي أيضا. إن الاختلاف الكاثوليكي مستمر لكن بمصطلحات أقل عدائية. علاوة على ذلك، هذا التأكيد يوسع فكرة الرواية الكاثوليكية من خلال ربط تطوراتها مع التطورات التاريخية لللاهوت الكاثوليكي خلال النصف الأخير من القرن العشرين. وعندما بدأ مجلس الفاتيكان الثاني إعطاء ميزة للبارادايم الجديد بما يتعلق بفهم الكنيسة الكاثوليكية لذاتها ولعلاقتها مع العالم الحديث، واكب ذلك تبدل واضح بالخيال الديني عند الكتاب الذين اهتموا بتقاليد تلك العقيدة. وغراهام غرين مجرد كاتب استفاد من توسيع نقطة النهاية، فقد شرح لنا المشكلات والمشاغل التي شكلت كلا من الخيال والوعي الديني في القرن العشرين.

 

د. صالح الرزوق

......................

مارك بوسكو  Mark Boscoقس أمريكي جزويتي وأستاذ باللاهوت. يعمل في جامعة جورج تاون.

 

قدمت الرواية استعراضاً لإبناء بغداد وشقاواتهم، إذ أستغل الروائي التفصيل الدقيق في نقل احداث الرواية، وشخوصها.

أعتمد السرد على الراوي العليم تارةً، والراوي الفردي تارةً اخرى .

(نجم الفحام)  ابرز شقاوات السردية، عمله أقترن بـ (الأخصاء)، بدأه من المحافظ، وانتهى بـ (الرئيس)، وهو من ابرز الشقاوات إذ كان أسمه يتردد على مراكز الشرطة " تؤكد وجوده في سجلاتها حتى مخالفة شرطي المرور له في أثناء عربدته مدونة فيها عقوبة الشرطي بسبب عدم أخذه الغرامة على السكر من المدعو نجم الفحام"، ولينتهي العرس بـ (الدم)، فالظالم الطاغي الذي يمثل الآله لدى البعض" الأرض مثقلة بكتلة بشرية تهدد بإنزلاقها نحو مياه المحيط . وأن الموت عراء وأضحية . فعلى  البركة نثبتها . هوى الساطور على رقبة الرجل العاري فأنفصل الرأس غارقاَ بدماء متدفقة كالنافورة ".

وحقق الطقس الشعبي وجوده في احياء(عاشوراء، وعرس القاسم)،وخصها داخل الرواية بمنطقة (الأكراد)؛ لأنهم طائفة تهتم باعياد(نوروز)، وهو المكان ذاته الذي يحقق الروائي عن طريقه جملة الحقائق التاريخية .

كان (نجم الفحام) يعيش على أمل تحقق أمنيته في تجسيد دور العريس ؛ لأنه على أدراكٍ تام بإن العروس هي (مريم)، يقول: " لقد تدربت كثيراً مع مريم كما أكون لائقاً بذلك الفتى الذي هب لنجدة عمه عند الفرات"، وهي طقوس شعبية عراقية قديمة معاشة بحاضرها وماضيها، فـ " نساء الحي بدأن منذ زمن في تجهيز العروس، وأم خليل تجهز ابنها لحفلة العيد، نحن الصبية نغدو ونعود بين الخيم والحارة"،" لم ابدأ بعد الاستعداد لتمثيل دور القاسم، كنت أحفظ زينته ولباسه، في دارنا الملابس معدة، وما على أم خليل إلا أن تشرف على ارتدائها، فكرت انها ستتقدم حالما تنتهي من ابنها"، فالرواية احتضنت عرسين، الأول: عرس الدم عندما قتل الرئيس، والثاني: عرس القاسم .

ويقول الشقاوة بصوت الكل لا الواحد "نتباهى بمناطقنا، فأبناء " قنبر علي" هم الأعسر، أولاد سوق الغزل كلهم يربطون الطيور، نحن أبناء عكد الأكراد نرطن بعدة لغات، لن يميزنا إلا من سكن معنا دهراَ، الفيلي قصير وممتلىء بيد أنه يتكلم العربية بطلاقة، وابناء الكلداني يحفظون الشعائر كما نحن، نلتم قبل الصباح قبل التوجه إلى المدرسة، كل ينطر صاحبه، نخرج معاً ونعود معاً . نشكل عصبة تجاه الآخرين، لكننا في الحقيقة متضامنون فيما بيننا ـهل الصدرية سواء.

-غلاظ وأشداء.

عابت المدرسة الجديدة صلابة قامتنا وفتوة العضلات، لكنها بعد أسبوع رحلت.

يقال أن ثمة من اشتكاها لدى الإدارة، نحن عزونا الأمر إلى مخافتها من البطش بعد استعراضنا عناداً بها فتوتنا علانية في درسها، كانت مذعورة من تصرفنا الطائش فلم تعد في اليوم التالي وإلى الأبد.

عند انتهاء الدوام نخرج زمراً، ننهب الشارع الذي يفصلنا عن" الفضل" بحركات رقص، إنه في الواقع تحد للشبان الذين ينتظرون قدومنا كل يوم ليدخلوا في مشاحنات، نحن ألفناها وصارت جزءاً من يومنا"

فالسرد أعتمد على  ابناء (قنبر علي، الفضل، الصدرية، الرحمانية، عكد الأكراد)، و(الأكراد) هم الفئة التي نالت الحظ الأوفر في تقديم محنة تهميشهم في ظل الظروف السياسية الضاغطة، بعد أن " صارت البيوت أنقاضاَ، الجثث متعفنة منذ أيام، بعض الكلاب تنبح بتثاقل، البعض الآخر ممدد بجوار البشر"، ويجسد السرد سوداوية المشهد الدموي، بالقول: " بطون مقورة وأعضاء مقطعة ورؤوس مهمشة. ليس ثمة دماء، لقد جفت وتفطرت وتشققت ورسمت خطوطاً متعرجة"، وخص القول بـ (تفطرت، وتشققت)إذ صاغها بالفعل المضارع الدال على استمرارية المشهد الدموي.

والتحقيق مع (نجم الفحام) وأمثاله من شقاوة بغداد تمثل مرحلة تحقيق من عدمه؛ لأن " مثل هذا الرجل لايعاقب ..."؛ لأنه فضلاَ عن شقاوته كان يهتم بـ " ملاحقة ... الرجال من دون سواها من أعضاء الجسم"، فالروائي نسج الكثير من الكلمات الممنوعة في الكتابة الثقافية، ونسج عن طريقها كتابة نصه السردي.

اهتمت الرواية بمناقشة الوضع السياسي الضاغط وترهلاته المميتة، ومحنة الأكراد الفيلين في بغداد، التي زرعت الفتن الطائفية بغية ممارسة ذاتها، وهي فكرة أسس الروائي بناء شخصياته عن طريق جمعها من طوائف العراق المختلفة، لتعلن رفضها لهذه الممارسات وبإن العراق ابناء طوائف عدّة، يجمعهم التعايش السلمي البعيد عن التمييز العنصري المفتعل، وهذا مايفسر فكرة بناء سرده الذي جمعه من مناطق بغداد المختلفة، وبالأخص تلك التي تمتاز بـ (الشقاوة)، فالراوي(نجم الفحام) ينتمي للطائفة السنية، أحب (مريم )ذات الانتماء المسيحي، والتي لم تتزوج من حبيبها (نجم) وأجبرت على الزواج من غيره بغية الخلاص من التشتت في الصحراء، وتناص الروائي في أسمها مع (مريم العذراء)، ولم يكتف بهذا التناص الأسمي فقط بل جعلها تحافظ على عذريتها ايضاَ حتى بعدما تزوجت،وكانت ذا جمال " قمر عكد الاكراد والياقوتة الملألئة، لم يخلق مثل جمالها  في كل أحياء الصدرية"،  و(عزيز علي أكبر) فارسي، و(جليل) شيعي، و(ميرزا) كردي، أما (ام خليل) التي انتمت إلى الطائفة السنية،ونالت مكانة مميزة في حي (عكد الأكراد)، وهي الشخصية المركزية، والأم الجامعة لجل هذه الشخصيات وطوائفها، كانت قد فقدت ابنها (الشهيد محمد الخضيري) وهو تناص مع طائر(الخضيري).

شكلت عتبات العنوان محاور الرواية تفسيراً مسبقاً لمحتواها، أي أن العنوان الضمني يلمح بفكرة مسبقة للأحداث السردية، وقسمها إلى احد عشر قسماً هي (رحلة عزيز، العرس، رحلة الخضيري، الجامعة، رحلة مريم، الفحام، رحلة داعرة، سعدون، رحلة دلون، الرئيس، المجاري)، فضلاً عن عتبة العنوان الرئيس الذي خص بـ (جدد موته مرتين) وهي عنونة مثقلة بالشجن ؛ لأنها مبطنة بالموت داخل الموت، الموت الذي اصبح ثيمة العراق المعلنة، المهمش لوجود الإنسان العراقي.

أضيف، أن النتاجات السردية الجديدة جلها احتضنت الظروف المعاشة وحاورتها، بالنقد تارةً وهو الأكثر، وبالتحليل تارةً اخرى، لتتحول الرواية العراقية إلى وثيقة حاضنة للظروف الاجتماعية جميعها.

 

د. وسن مرشد

 

معراج احمد الندويإن رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل ليست أول رواية في الأدب الروائي العربي فقد سبقها عدد لا بأس به من الروايات ولكنها تحتل هذه الرواية أهمية خاصة بين كل هذه الإنتاجات الأدبية لأسباب مختلفة. قد تناول محمد حسين هيكل لأول الريف المصري لأول مرة واهتم على قضايا المرأة العربية ومعاناتها وبؤوسها في المجتمع المصري وعالج مشاكل المرأة المصرية وهمومها ودعم دعما حقوق المرأة لكي تقوم المرأة العربية وتلعب دورها الفعالة في كل مجال من مجالات الحياة.

المدخل:

كان محمد حسين هيكل أديبا بارعا، صحافيا ثائرا وسياسيا قديرا، مؤرخا بالغ النظر، روائيا محنكا، صاحب أول رواية عربية في تاريخ الأدب العربي الحديث. بدأ حياته الفكرية مؤمنًا بالقيم الغربية وكان رجل فكر وحركة، كتب في الفلسفة والتاريخ والأدب، هو أول من قدم إلى الادب العربي الحديث الرواية الفنية، وكان من السابقين الذين نقلوا الثقافة الغربية إلى العربية. بدأ حياته االأدبية والفكرية متأثرا بالحضارة الغربية وأفكارها ونزعاتها الوطنية إلى النهضة اثناء إقامته في فرنسا كطالب حيث كتب أول روايته "زينب". حظيت المرأة العربية باهتمام الكثير من الكتاب والأدباء والشعراء على اختلاف اتجاهاتهم وتعدد اهتماماتهم. حكى حمحد حسين هيكل قصة زينب ولا يتكلم بلسانها. تظل زينب الرواية الرائدة تصور الشخصية البسيطة وصراع الحب داخل المجتمع الذي يعاني من سوء الأوضاع الاجتماعية.

مولده ونشأته:

ولد محمد حسين هيكل في قرية كفر غنام من أعمال مركز السنبلاوين بمديرية الدقهلية والواقعة في مصر في20من شهر أغسطس عام 1888م. وكانت أسرته ريفية مصرية صميمة. وكان والده حسين آفندي سالم هيكل مكرما عند الناس. ولما بلغ محمد حسين هيكل الخامسة من عمره ألحقه أبوه بكتاب القرية. فتعلم القراءة والكتابة وحفظ حوالي ثلث من القرآن الكريم. ولما بلغ السابعة من عمره التحق بمدرسة الجمالية الإبتدائية ثم انتقل إلى المدرسة الخديوية الثانوية فقرأ هناك ما قرأ وما لبث ان التحق بمدرسة الحقوق حيث درس أربع سنوات وتخرج فيها عام 1909م. ظهر فيه ميله إلى الأدب منذ أن كان في الحقوق. فعكف على قراءة الآثار العربية القديمة. وفي هذه الفترة اتصل بلطفي سيد الذي كان محررا لمجلة "الجريدة". فتح له باب هذه الصحيفة ليكتب القوقي الصغير. وكان لهذه الرعاية أثرها البعيد في تكوين شخصيته الأدبية. بعد تخرجه في الحقوق خطر بباله أن يتم تعليمه في فرنسا. سافر إلى باريس والتحق بكلية "السوربون" وحصل منها على شهادة الدكتوراه عام 1912م. عاد إلى مصر واشتغل بالمحاماة في مدينة "المنصورة" حيث أنشأ مكتبا للمحاماة وزاول هذه المهنة من 1912م إلى 1922م بكفاءة ومهارة.  ومنذ سنة 1917م أخذ يلقي بعض المحاضرات في الجامعة المصرية الأهلية لأنه كان يميل طبعيا إلى الأدب رغم اشتغاله بلمحاماة. ولما أنشا حزب الأحرار الدستوريين جريدة "السياسة" عام 1922م تولى تحريرها.

وكان من الطبيعي أن ينضم محمد حسين هيكل إلى الحزب الأحرار وأن يتولى تحرير جريدته لأن أستاذه لطفي سيد الذي كان يحرر صحيفة " الجريدة" ثم انضم معه في رئاسة التحرير زميله طه حسين عندما رجع من باريس. فنهضا معا بتحرير صحيفة الأحرار الدستورين. غلبت على طه حسين النزعة الأدبية في كتاباته كما غلبت على صاحبنا محمد حسين هيكل النزعة السياسية ولكن لم يقصر هيكل نفسه على السياسة فحسب بل بدأ يكتب مع صديقه طه حسين فصولا في الأدب والنقد. وجمع طائفة من هذه الفصول ونشرها باسم "أوقات الفراغ"عام 1925م. ولكثرة شغفه بالسياسة ترك هيكل المحاماة وانغمس في غمار الحياة الصحافية والسياسية. وتمتد هذه المرحلة السياسية والصحافية من سنة 1922م إلى 1937م. وفي عام 1937م انتقل من السياسة إلى الخدمة الحكومية فاختير وزيرا للدولة ثم وزيرا للمعارف. وما زال يتولى هذه الوزارات من حين إلى حين حتى عين في سنة 1945م رئيسا لمجلس الشيوخ. وظل في هذه الرئاسة على سنة 1950م. قضى اكثر من اسنتي عشرى سنة بين الوزارة والرئاسة ولكنه احتفظ ميوله الأدبية وأخيرا ترك الوزارة والرئاسة وكرس حياته للأدب فعكف على دراسة التاريخ الإسلامي. فأصدر سلسة من الكتب في الموضوعات الإسلامية ومنها "حياة محمد" وهو من المحاولات الرائدة لعرض السيرة النبوية بأسلوب علمي معاصر. رجع أخيرا إلى كتابة القصة والرواية وتابع بعد ذلك كتابة القصة القصيرة وبدأ ينشرها في الصحف والمجلات.

آثاره العلمية والأدبية

 كتب هيكل في معظم الفنون النثرية وترك لنا المقالات والفصول في السياسة والأدب. ألف كتب التاريخ والسير والنقد والرحلات والقصص والرويات. ومن أهم مؤلفاته:

1- " زينب" عام 1914م

2- جان جاك روسو" عام 1921م

3- " أوقات الفراغ" عام 1925م

4- " عشرة أيام في السودان" عام 1927م

5- " تراجم مصرية وغربية" عام 1929م

6- " ولدي" عام 1931م

7-  " ثورة في الأدب" عام 1933م

8- " حياة محمد" عام  1935م

9- " في منزل الوحي" عام 1937م

10- " الصديق ابو بكر" عام 1943م

11-  " الفاروق عمر" عام 1946م

12-  مذكرات في السياسة المصرية" عام 1951م

13-  " هكذا خلقت" عام 1955م

محمد حسين هيكل ودوره الريادي في الرواية العربية: 

كانت الرواية العربية قبل الحرب العالمية الأولى على حالة من التشويش والبعد عن القواعد الفنية. وكانت أقرب ما يكون إلى التعريب والإقتباس حتى ظهور رواية "زينب"  لمحمد حسين هيكل عام 1914م التي اتفق النقادة على أنها بداية الروايات من حيث الفن والمضمون والتي عالجت الريف المصري. وعلى الرغم من أن رواية "زينب" ليست أول رواية في الأدب الروائي العربي عموما والمصري خصوصا، فقد سبقها عدد لا بأس به من الروايات مثل رواية "علم الدين" لعلي مبارك، و"تخليص الابريز في تلخيص باريز" للطهطاوي، و"حديث عيسى بن هشام" للمويلحي وروايات جورجي زيدان عن تاريخ الإسلام، أو رواية "الدين والعلم والمال" لفرح أنطون وغيرها كثير، نقول على الرغم من ذلك فإن رواية "زينب" تحتل أهمية خاصة بين كل هذه الانتاجات الأدبية. يقول يحي حقيفي هذا الصدد: "إن مكانة رواية زينب لا ترجع فحسب إلى أنها أول القصص في أدبنا الحديث، بل إنها لا تزال إلى اليوم أفضل القصص في وصف الريف وصفا مستوعبا شاملا.

رواية زينب:

يكاد يتفق دارسو الأدب العربي على أن رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل هي الرواية الفنية التأسيسية في الأدب العربي. تبدأ الرواية بوصف الطبيعة. فوصف هيكل زينب بطلة الرواية وهي تهتم بالنهوض حيث قد تزوجت وانتقلت من بيت أبيها إلى بيت زوجها حسن. تدور أحداث رواية زينب في الريف المصري، واختيار المؤلف للريف كان له مغزاه، وذلك لما يمثله من أصالة الشخصية المصرية. تمثل "زينب" الشخصية المحورية في الرواية، إذ تبدأ الرواية بها وتنتهي على موتها. ونظرا لذلك قد سميت الرواية "زينب". وفي الحقيقة أن "زينب" هي البطلة الرئيسية، والأحداث التي تدور في الرواية تتعلق بها. هذه هي الفتاة المصرية التي يتم زواجها لحسن ولكنها لم تقتنع بها الزواج. فقد أحبت شخصا آخر من أصدقاء زوجه، وهو إبراهيم الذي غادرها لأداء الخدمة الوطنية العسكرية. وهناك حديث في الرواية عن حامد الذي أحب أبنة عمه ولكنه لم يظفر بها كما يظفر بزينب. أما بطلة الرواية "زينب" فإنها مرضت بمرض السل وفي نهاية الرواية ماتت. فرواية زينب هي تذكار لمناظر الريف في مصر وحديث عن عاداتها وتقاليدها. عندما كان محمد حسين هيكل في فرنسا، يستبد به الحنين إلى وطنه الحبيب. وهو كان مغتربا مصريا كانت روحه تصهر لمصر وتضيئ قلبه وجسده من فرط حبه لوطنه. فكلما رأى منظرا جميلا ذكره بوطنه، وراح يصف منظرا  يصوره في خياله.

تدور أحداث الرواية حول زينب بطلة الرواية وهي فلاحة في ربيع عمرها تحب ابراهيم ولكن تشاء الأقدار أن يوافق والدها على تزويجها إلى حسن وهو أعز صديق لحبيبها ومن خلال حياة البطلة زينب المأساوية، أظهر لنا الكاتب صعوبة عيش أهل الريف إبان الإستعمار والجهل والظلم اللذان عايشتهما زينب بتزويجها دون رضاها. الكاتب هو الراوي في هذه الرواية فهو يحكي قصة زينب ولا يتكلم بلسانها. تظل زينب الرواية الرائدة تصور الشخصية البسيطة وصراع الحب داخل المجتمع الذي يعاني من سوء الاوضاع الاجتماعية. حاول هيكل أن بقدم قصة حامد للتعبير عن قلقه وضياعه ونبعث مأساة حامد حيثما نبعث مأساة "زينب" وسرعان ما انفصل باقتران زينب من حسن. ولكن زينب ملكت الشاب زمام قلبها كان على شاكلتها. ولكن قد حالت القتاليد البالية بينه وبينها وهي ما استطاعت أن تظهر حبها تجاه إبراهيم امام لافراد الأسرة. وحينما قاله لها إبراهيم "أنا أحبك" فقامت الدنيا وقعدت بالنسبة لها وتحول الكون إلى عرس كبير. يقول هيكل: " كلما في الأرض والسماء من سعادة لا يبلغ ذرة مما يفيد عنها هاته الساعة عنة القمر والموجودات كلها في عرس كبير وذلك النسيم العذب الساري في الجو يحمل معه الهناء. تشتغل المرأة مساحة واسعة في قصصه ورواياته. أما تركيب القصة وشخصياتها فهي عبارة عن رموز وأفكار أكثر من شخصيات قصة تبدأ فكرتها من إحساسه بالظلم والقهر ثم الشعور بالثورة والرفض للواقع والتمرد عليه على نتيجة للتطور السائد ثم انتهاء بإثبات دورها الاجتماعي في المجتمع لأنها تتكون في بناء نصف المجتمع الإنساني.

الريف في رواية زينب:

 إن الحديث عن الريف هو حديث متصل بالحياة المصرية التي شهدت تغيرات وتحولات جذرية عبر محطات تاريخية طويلة. اكتسبت العناية بالريف والحياة الريفية مكانة هامة في المنجز الروائ المصري منذ فترة الاحتلال، حيث حفزت حيوية موضوع الفلاح وقضية المراة للأدباء إلى تقديم عطاء يستوعب الحياة الريفية بكل أبعادها الاجتماعية والسياسية والإنسانية. هذه الرواية زينب عادات الريف المصري وبساطة أهله ومحاسن حياتهم ومساويها وما عليها من اعتقادات. نقلها المؤلف يعيون دقيقة ونراه أن له موقفا لينقد نقائصها ومفاسدها وما على نظام اجتماعي في الريف المصري وخاصة ذكر مسألة الزواج وقضية المرأة المصرية ليس لها حق في اختيار قرينها وشريك حياتها. أظهر لنا محمد حسين هيكل صعوبة عيش أهل الريف إبان الإستعمار والجهل والظلم اللذان عايشتهما زينب بتزويجها دون رضاها. الكاتب هو الراوي في هذه الرواية فهو يحكي قصة زينب ولا يتكلم بلسانها. تظل زينب الرواية الرائدة تصور الشخصية البسيطة وصراع الحب داخل المجتمع الذي يعاني من سوء الأوضاع الاجتماعية. عمد فيها هيكل إلى وصف حياة الريف والفلاحين بصورة لم يسبقه فيها أحد من المصريين. لم يفسح هيكل لنفسه في تصوير الشخصيات الجانبية وطبعها. ولم تتسع خبرته بالحياة وتجاربها العميقة وإنما عوضه بأصوفه الغنية للطيعة الريفية في مصر. رأى هيكل أن الأدب رسالة، لها قيمة وتأثير على أذهان الناس. فدعا إلى الأدب الذي يقتحم الحياة حرا طليقا، لأن الأدب عند هو الأدب الذي له صلة وثيقة بالحياة والإنسان. يبعث الأدب في حياة الإنسان نورا كما يجب على الأدب أن يقوم على أساسه حضارة سليمة يقود الإنسان والإنسانية إلى المجد والسعادة. قد أفرغ هيكل وصف المجتمع المصري في قالب جميل ليستهوى النفس ويصقل العقل. تناول هيكل في روايته زينب مسائل المجتمع المصري وقضايا الفلاحين والعمال الكادحين ومشاكل الطبقة العامية والوسطى كما أشار إلى بعض أمراض المجتمع والفساد الخلقي والاعتقادات القديمة وعلاقات الرجل بالمرأة غير الشرعية، ثم عالج المشكلة التي يعانيها الفلاح المصري من الآلام والمصائب الاجتماعية. فالرواية من هذا اللون من القصص الاجتماعي هي التي تحدث فيها هيكل عن تجارب شخصية واصطبغ أحيانا بصبغة عاطفية. تعالج رواية "زينب" قضية العلاقة بين اللرجل والمرأة. دعا الكاتب من خلال وصية زينب إلى ترك الحرية للشباب. والعلاقة بين المرأة والرجل بهذه الكيفية يعد جرأة كبيرة من الكاتب. إن معالجة هذا الموضوع الاجتماعي العاطفي كان ضمن الريف بمناظره الطبيعية والاجتماعية المختلفة. يصف الكاتب حياة الفلاحيين ويصور أفراحهم وأحزانهم كما يصف الطبيعة الجميلة في الليل والنهار ويصور البيوت والمساجد والحقول ولكن في وصف الريف لا ينسجم في معظم الأحيان بين الحديث والطبيعة.

استنتاج البحث:

كان محمد حسين هيكل من السابقين الذين نقلوا الثقافة الغربية إلى العربية. هو أول من قدم إلى الأدب العربي الحديث الرواية الفنية، بدأ حياته االأدبية والفكرية متأثرا بالحضارة الغربية وأفكارها ونزعاتها الوطنية إلى النهضة اثناء إقامته في فرنسا كطالب حيث كتب أول روايته "زينب". إذ تعتبر  رواية "زينب" الرواية التأسيسية في الأدب العربي الحديث. وعلى الرغم من أن رواية "زينب" ليست أول رواية في الأدب الروائي العربي عموما والمصري خصوصا، فقد سبقها عدد لا بأس به من الروايات مثل رواية "علم الدين" لعلي مبارك، و"تخليص الابريز في تلخيص باريز" للطهطاوي، و"حديث عيسى بن هشام" للمويلحي وروايات جورجي زيدان عن تاريخ الإسلام، ورواية "الدين والعلم والمال"لفرح أنطون وغيرها الكثير، وعلى الرغم من ذلك فإن رواية "زينب" تحتل أهمية خاصة بين كل هذه الانتاجات الأدبية لعدة أسباب ومنها تناول محمد حسين هيكل لأول مرة الريف المصري وصور حياة الفلاحيين ويصور أفراحهم وأحزانهم بمناظره الطبيعية والاجتماعية المختلفة.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية ،كولكاتا -الهند

 

صفاء الصالحيلم تبتعد كثيراً الروائية العراقية المقيمة في باريس انعام الكججي في منجزها الروائي الرابع  " النبيذة " الصادرة عن دار جديد عام 2017، عن رواياتها السابقة (الحفيدة الامريكية، وطشاري) اللآتي وصلن الى القائمة النهائية القصيرة  المرشحة للفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية  "البوكر" عامي 2009-و2014 على الترتيب . وعلى حد استشهادها بالمثل الفرنسي "لماذا نغير وصفة ناجحة" جواباً عن سؤال وجهتها لها صحيفة البيان الاماراتية : مرة جديدة بطلة روايتك أمرأة، بل وتتصدر صورة أمرأة غلاف الرواية، هل هذا بمحض مصادفة أم جاء عن قصد؟

لم تختلف رواية النبيذة عن سابقاتها (الحفيدة الامريكية، وطشاري) في تقديم الانثى كشخصية رئيسية (بطل الرواية) ووضع صورتها في العتبة النصية الاولى للرواية (الغلاف)، والصوت الانثوي راوياً، كما تشترك الرواية مع سابقاتها بإسترجاعها للواقعائع التاريخية، وفي الثيمة الرئيسية " الواقعية التاريخية، والتشتت والغربة والمعاناة التي يعاني منها الانسان العراقي بالعقود الاخيرة  "، لقد  انتقلت الكججي في روايتها بالمتلقي عبر الزمن في سرد احداث وقعت في الماضي  متخيلة او حقيقية، وأحياناً تحتوي على مزيج من شخصيات حقيقية ومتخيلة أو بالعكس، مع احداث حقيقية ومتخيلة، ولربما يكون الحدث حقيقي والشخصية متخيلة أو بالعكس، وبالاضافة الى ما ذكرنا  فقد احكمت البنية السردية لعناصرها (الحدث، والشخصيات، والمكان، والزمان) فشكلت معماراً نصياً رصت فيه الكلمات وتنضدت به الجمل، وتداخلت المقاطع السردية مع المقاطع الوصفية التي فرضت نفسها داخل النص . وقبل الولوج الى جوهر المقال وغايته لابد من تقديم نبذة مختصرة لتعرف القارئ بالرواية واحداثها :

تنطلق احداث الرواية وبطل الرواية والشخصية المحورية " مارتن شاميون " جالسة بالقرب من النافذة في القطار فتتخيل ان ماضيها قد ارتمى عليها شامتاً بالمقعد المقابل ص7، قبل ان تنتقل الى المستشفى العسكري في باريس برفقة البطل الثاني في الرواية " وديان الملاح "  التي تعرفت عليها عند بوابة معهد العالم العربي في باريس، فتنشأ بينهما علاقة حميمية كأم وابنة تربطهما بغداد، لكنهما قطبان سالب وموجب، عاشت مارتين  شامبون  بنت لحظتها تتبع رغباتها وعاشت أنوثتها كما تشتهي، اما وديان الملاح عصية على الحب تشتهي وتتمنع، ثم تكون وديان شاهدة على حياة الصحفية التي لفت الأنظار " تاجي عبد المجيد الشريفي" وتميط اللثام عن أسرار حياتها الصحفية وقربها من الطبقة السياسية، وحياة المنفى والاغتراب، ومغامراتها العاطفية والغرامية لاسيما مع البطل الثالث في الرواية الصحفي (منصولر البادي) التي تعرفت عليه في أذاعة كراتشي وتنشأ بينهما قصة حب حالت الأقدار والمسافات دون أكتمالها فيفيش المراهقان الأشيبان حبهما على الورق .أرتدت الشخصية المحورية اسماء كثيرة وخلعتها (تاج الملوك، وتاجي عبدالمجيد الشريفي، ومارتين شامبيون) . لقد احتلت الشخصيات الشخصيات الرئيسية الثلاثة (تاج الملوك،  ووديان الملاح ، ومنصور البادي) على مساحة كبيرة من المتن السردي للرواية ولكل بطل قصته المستقلة، وتوزعت أحادث الرواية  على استرجاع ذكريات الماضي في بلدان الشتات البعيدة بفعل التذكر لأحداث مر عليها ثمانية عقود من تاريخ العراق المعاصر، حبلى بل المغامرات العاطفية والتحولات السياسية .

لقد شملت روايتها " نبيذة " على مقاطع وصفية متنوعة الاشكال والتعابير اورتها الكاتبة بإبداع حسب متطلبات الحاجة الفنية أو المبتغى الأدبي في وصف (الشخصية، ووصف الحدث ووصف المكان، ووصف الشئ) فالعيون الصحفية قد اتاحت للروائية دقة وصف عناصر البنية السردية لروايتها، وبلغة وصفية بسيطة لا تكلف اي عناء ذهني وقد صيغت بقالب ادبي جمالي، وقبل ان نؤشر على البعض من المقاطع الوصفية التي احتلت مواقع مختلفة في النص لابد من تقديم تعريف ماهية الوصف :

(عرض وتقديم الأشياء والكائنات والوقائع والحوادث (المجردة من الغاية والقصد) في وجودها المكاني عوضاً عن الزمني، وأرضيتها بدلاً من وظيفتها الزمنية ورهاناتها بدلاً من تتابعها، وهو تقليدياً يفترق عن السرد والتعليق ويمكن ان يقال عن اي وصف أنه يتألف من مضمون تيمة تشير الى الشئ او الكائن أو الحوادث (منزلاً مثلاَ) ومجموعة من التيمات الفرعية تشير الى الأجزاء المقابلة : (باب، غرفة، نافذة) وكذلك التيمات الفرعية يمكن  ان تتميز بنوعيتها (بصافتها) :  " كان الباب جميلاً  " و" كان الجدار أخضراً "، أو وظيفياً  أي وفقاً لوظيفتها أو استخدامها : " كانت الغرفة تستخدم فقط في مناسبات خاصة، والوصف يمكن ان يكون بشكل أو بأخر تفصيلاياً أو دقيقاً نموذجياً أو مؤسلباً أو على النقيض يتسم بإضفاء الفردية أو تجميلياً  أو تفسيرياً أو وظيفياً (مؤسساً لمزاج ونغمة فصل نصي ما محملاً بمعلومات تتعلق بالعقدة أو مسهماً في التشخيص أو مقدماً ومؤكداً لتيمة أو مراكز لصراع مستقبلي)(1) .

ويقوم الوصف على مبدأين متناقضين الأستقصاء والأنتقاء، فلبزاك على سبيل المثال كان من انصار الاستقصاء، ولم يترك تفصيلاً في مشهد ما الاذكره بخلاف ستاندال الذي كان يفضل الانتقاء تاركاً للقارئ مجالاً للأيحاء .(2) 

أما الوصف الاستقصائي وهو اسلوب شاع لدى الواقعيين يقوم على تجسيد الشئ بكل حذافيره بعيداً عن المتلقي أو أحساسه بهذا الشيئ وهو ان يقوم الكاتب بالتطرق الى جميع التفاصيل الصغيرة والكبيرة التي تخص الشيئ  المرتد وصفه .(3)

فأذا كان الوصف الاستقصائي يهتم بجميع التفاصيل، فان الوصف الانتقائي  يهتم بالأجزاء الرئيسية، التي تكون مهمة وتؤثر على الحركة السردية من حيث البناء ومن حيث الدلالة، فمهمة هذا النوع من الوصف انتقاء بعض الملامح والطبائع التي تتيح للمتلقي فرصة ملئ الفراغات التي يتركها الكاتب فهي فرصة لشد انتباه المتلقي والتأثير فيه ومشاركته  في النص السردي، وذلك بالبحث  عن الصفاة الأخرى التي لم يذكرها الكاتب داخل النص والتي تخص الشيئ الموصوف .(4)

وسنكتفي بذكر الجزئيات الهامة دون الاجزاء التفصيلية  تحاشيتً من الإطالة وسنفتصر ذلك في وصف الشخصيات لما لها دور مهم في كشف ملامح الشخية وطبائعها، ووصف المكان لمعرفة مكان الشخصيات وألإطار التي تدور فيها الأحداث .

لقد كانت شخصيات الرواية ذوات متحركة عبر أزمنة وأمكنة مختلفة وجاء وصفها أما على لسان الراوي أو على لسان أحد الشخصيات، وورد الوصف بصور وكيفيات مختلفة  وأن وصف الأشخاص داخلياً وخاجياً مرتبط الى حد ما بوصف الأمكنة التي تظهر فيها الشخصيات وسنتناول هنا الشخصيات الرئيسة الثلاثة في الرواية دون تناول الشخصيات الآخرى بحكم أنها  شخصيات ثانوية .

تركز وصف الشخصية المحورية تاج الملوك على الوصف الخارجي والداخلي:

1- تحركت في ارجاء الحديقة، ماشقة قامتها في بدلتها الكحلية التي لا تملك غيرها للمناسبات، تحايلت عليه بياقة بيضاء جديدة مطرزة بلآلي كاذبة، خصرها دقيق ومروحيتها اليدوية فراشة كبيرة ترفرف أمام وجهها، ملامحها السمراء تحدد اختلافها عن المدعوات الأجنبيات ص21 .

2- أرى في الصورة فاتنة ذات شعر قصير، ترتدي فستاناً فستقياً  وبوليرو قصيراً مخرماً، دائماً بوليرو، تتكئ بذراعين مكشوفتين على سياج السفينة ملقية عليه ما يبدو ثقل حسرتها فمها منغرج بضحكة تكشف اسنانها كأنها تعرض شفتيها على الشاب الحزين الواقف على رصيف الميناء عيناها ناعستان تنظران للكاميرا تدعوان المصور أشبع مني ! ص45 .

3- تنفر من المجوهرات الصفراء في العنق والمعاصم، زينتها في لسانها، حجتها ونطقها الجميل، ومحفوظاتها من الشعر عسل اللغة، لسانها حصانها عند اللزوم تصونه في فمها، صمتها مثير بليغ في أوانه، اما الخفي من زينتها كامن في عينيها تتقصد في أستخدامه تخبئه خلف النظارة الغامقة، ثروة طبيعية لا تجاهر بها فيما لا ينفع ص123 .

4- انها كانت قنبلة جنسية، كلما ورد كلمة الجنس تعثرت عربيتها، تهرب الى الفرنسية لتخفيف المسميات تقول " بونب سكسويل " ولا يرف لها جفن، تقدم نفسها رمانة شهية بقشرة سميكة ، تتعب الضمين، تخلخل أسنانهم، متقشفة في أحاسيسها، ولها طبع الرجال في النساء، تستبقي الواحد منهم ليلة ثم تطرده من فراشها ص42.

أما وصف الكاتبة لشخصية وديان الملاح تكز على وصف البعد النفسي وشعورها بالضياع والإستلاب وما تعانيه من أغترا نفسي وعاطفي :

1- كاملة بحواسي الخمسة، هكذا ولدتني أمي أبصر، وأسمع، وألمس وأتذوق، وأشم لكن الأستاذ أحب ان يسلب إحداها هكذا بقرارمنه، أصبحت على حافة الصم، أستعين بلوزتين الكترونيتين أدسها في كل إذن تكبر لي صوت التلفزيون، ورنين الجرس وأحاديث من حولي،، أسمع ابواق السيارات ويفوتني حفيف الشجر، ونقيق الضفادع وهسيس النار، وهمسة اشتاق لها، أرى الموج يتكسر  على جرف النهر ولا تصلني طبطبة الموجة على الموجة، ترفرف أجنحة الحمام خرساء فوق راسي، وغطاء إبريق الشاي يطفو فوق فورة الماء بسكون، لا منبه يوقظني، صارعلي أن أسمع العالم بعيني ص162 .

2- تلومني لأني خالية أنانية، لااظل رجلاً بفيئ انوثتي، وكنت اتقبل تعليقاتها وأبتسم أو أنحرج، أنطوي على همي وأحسدها على أخضرار روحها،أن قلبها أشب من قلبي ص145 .

3-أما أنا فقد غادرت ارض التخيلات، ودعت شياطيني وتبت الى رب أؤمن به، بدءت أتردد على حلقات حوار الأديان، أغطي رأسي بوشاح، على خطى تاجي، وأسأل الشيوخ عن حكم سماع الموسيقى ص324.

وتركز وصف منصور البادي على البعد الجسمي والبعد الاجتماعي بالإضافة الى محمولاته الفكرية والثقافية :

1- أبن أكابر مزهو بأعوامه العشرين، قامة نحيلة مثل رمح، شعره سرح لامع ممشط الى الوراء،خصلة على الجبين على طريقة روبرت ميتشوم الممثل الصاعد المنشورة أخباره في الصحف، يرطن مثله بالإنكليزية، ويحفظ عشرات الأبيات من المعلقات يرددها بطريقة شامية ص170 .

2- محرر شاب ذو شارب خفيف أشقر وشعر لامع، أليف الطباع و تشعر أ، محنة ربته وانضجته مثلما ربتها، راقبته يترجم نصوص من الإنكليزية، انتبهت أنه يبث فيها تفاصيل مشوقة من عندياته، يعرب القصص الاجنبية ويكت مسلسلات غير مألوفة للمستمع الشرقي ص176 .

3- لا ينسى ذلك اليوم الذي هزه وكاد يشل ساقيه، كان يمر فيه أمام مخملر للموز حين سمع الراديو داخل المحل، يعلن أن اسرائيل عضو في الأمم المتحدة  إستند الى الجدار خشية السقوط، والشمس كانت تضرب رأسه صارت لهى قبضات أضافية، عاد الى غرفته ليكتب مقالاً عن الموضوع ص201 .

4- إحساسي الكامل بإنتمائي وأصلي، هناك وطن عربي كبير لم تزده هجرتي الا تجذراً في تربة روحي، كنت أتعقب الى جانب عملي التجاري في فنزويلا، كل ما يحدث في بلادنا كأنه يقع هنا على الرصيف المتقابل، هل كنت مجنوناً من مجانين العروبة، أم أن أغترابي زرع بذرة الذنب في تربة ضميري ؟ أسأل نفسي وأنا أستلقي على السرير بعد نهار عمل يوم شاق ص270 .

تتابع الكاتبة انعام كججي جولات شخصياتها عبر أمكنة مختلفة توزعت على قارتا (اسيا، وأوربا، وأمريكا اللاتينية) حتى القول بأنها رواية عالمية، وكانت الأماكن سواء المغتوحة والمغلقة المساحة التي تأطرت فيها الأحداث وتشكلت بها الشخصيات وتجلت بها عواطفها وأنفعالاتها . لقد انتقت الكاتبة من العلم المرئي بعض الأشياء كلما أستدعت الضرورة لإستمرار الحركة السردية فرسمت المكان بالكلمات، ووصفت الأجزاء الرئيسية التي تكون مهمة وتؤثر على الحركة السردية من حيث البناء ومن حيث الدلالة وتاركتاً المتلقي أن يطلق العنان لمخيلته لملئ الفراغ، ولم توغل في التفاصيل الدقيقة الا بهدف الإيهام بالواقعية :

1- في بيت الكاظمية، ثلاث غرف تنفتح على مملر علوي واحد يطل على الحوش الداخلي المكشوف، لكل منهم واحدة، لم تفهم البنت لماذا يحتفظ رجل البيت بغرفة مخصوصة لنومه ولا يشارك أمها غرفتها، هناك مجلس صغير للنساء قريب من موقد الطبخ، يسمونه الحرم وآخر واسع قريب من باب البيت، ديوة خانة للضيوف من الرجال ص47 .

2- بعد اسبوع كانت حاضرة عند المرسم، دارت في الغرفة الفسيحة دورة كاملة، ثم عادت وتربعت على الاريكة الزرقاء، خلفها نافذة عريضة مفتوحة على بستان نخيل، وكلب ينبح من بعيد والمساء ينشر رائحته شبو الليل في حدائق الصليخ ص104 .

3- في شقتي بالطابق الثاني من عمارة في الطرف الغربي لباريس صار كرسي يحمل اسمها، يكفي انها من تلك المدينة المزروعة بين عيني، هذا مكان وديان، تنهض الجارة وتخليه لها، تحضر وازيح القط الرابض عليه، أنفضه وأمسد حشوته، لكي تجلس وتستريح كرسي وديان ص26 .

4 -شهقت امام بوابة القصر أسدان رخاميان على جانبي المدخل، البوابة هائلة وحجم الأسدين هائل، كل شيئ هائل أجواء خرافية لم أر مثلها من قبل ص164 .

5- في غرفة ليست بغرفة ولا مكتب  ولا صالة رياضية، مساحة كأنها بلا سقف،صعبة الإستيعاب، تنسحب أرضيتها وتتركني معلقة، اخطو على هاوية، أبحث عن زاوية تحتويني مكان دائري بدون اركان يقترب الكرسي مني وصوت أجش يخلخل اللاموجدات ص167 .

6- نادي اليخوت: الحديقة واسعة بدون ازهار، يجلسني هشام الى طاولة مع عائلة أكثر توتراً مني، شابان جميلتان مع شقيقهما المراهق، الاولى سمراء والثانية شقراء اصطناعية، لا نتبادل الأسماء نكتفي بالابتسام المتواطئ و الكل يستر على الكل، صخب ورقص وموسيقى، عطور تتداخل ببعضها، اضواء ملونة  تشتعل وتنطفئ مع اللحن، ندل يتحركون كالنحل، وصوان فضة فوق الرؤس، تهمس البنت الجالسة أن الأستاذ جالس فوق ص117 .

7- الى مبنى اليونسكو دخلت مع أضاء الوفد، بهو بشع من الإسمن الرمادي، ذو سقف عالي جداً وممرات فسيحة تقود الى عدة مصاعد وقاعات مرقمة، كلنا متأهب للحدث، نرتدي ربطات عنق جديدة، وننتعل أحذية ملمعة، نرفع الهامات ونحن نمشي  بمعيته و على جانبيه وأمامه، نهتدي بقامته العملاقة بين زحمة الحضور وهرج الكاميرات ص30 .

8- سر العظمة كثراً ما يكون في البساطة، حيث لا تغني خلب المظاهر عن سحر الجوهر، أن المنظلر الذي طالعني في غرفة الجوازات بمطار كراتشي  لم يكن سوى راية مثبتة في الجدار وخارطة رسم، وخيل الى إلي أن ذلن الهلال المتقارب الطرفين، المخيم على كوكب مهمش فوق بساط الخضرة القاتمة الى جانب خط عمودي ابيض لا يمثل  علم باكستان  فحسب بل يرمز الى تراث شيده الفاتحون المسلمون منذ ثلاثة عشر قرناً، وبعثته النهضة الاسلامية الحديثة الحاضرة في باكستان، وأما في الجهة المقابلة من الجدار فرأيت ابرز مافي الغرفة : مجرد صورة كبيرة في إاطار لرجل، والرجال تؤدي أدوارها في التاريخ ص217 .

وعلى الرغم من ان نصوص رواية النبيذة تنتمي الى الروايات الواقعية، وان الكججي من الكتاب الواقعيين، إلا أنها تبتعد عن الأستقصاء في الوصف، وان نسيج  وصفها مختلف اختلافاً كبيراً عن نصوص الواقعيين في الادب الفرنسي أمثال بلزاك زفلوبير، فتكتفي بتسمية الاشياء دون تجزئتها ويكون الوصف عاماً من غير اسهاب و وتكتفي في معظم الحالات بذكر الخطوط العريضة التي تخص الشيئ الموصوف  دون الوقوغ على التفاصيل، تاركتاً المتلقي البحث عن الصفاة الآخرى التي لم تذكرها داخل النص، محاولة منها لشد انتباهه والتأثير فيه ومشاركته في النص السردي .

أن التوصيف الأنتقائي للشخصيات والمكان غي رواية النبيذة أنجز وظيفته البنائية والدلالية، وأن لغة الرواية الوصفية انتقائية اقرب ماتكون الى لغة الصحافة الموجزة الخالية من الترهل   والسهلة والمبسطة لا تكلف القارئ اي عناء ذهني قد صيغت بقالب ادبي جمالي، وقد برعت عيون انعام الكججي الصحفية في التقاط التفاصيل، ودقة الملاحظة، وقد تجلت مهارتها اللغوية في الوصف .

فمن اللغة التي شذبتها الصحافة  وشفطت شحومها على حد تعبريها، ومهبتها الادبية باتت الكججي كأحد همزات الوصل البارزة بين الصحافة والادب  .

 

صفاء الصالحي

 

(إلى الأرواح المعذبة على هذه الأرض)، (هو قدرنا.. أن نلتقي بلا تخطيط، ونعجز عن اللقاء حين نريد).

سجلت رواية (صوت خافت جداً) هذه الأفتتحاية التي تشير إلى الأمل، والعذاب، والأنتظار، والشجن، والماضي، والحاضر، والمستقبل المجهول للبطلة سفانة.

رواية مزدوجة، أي أنها كتابة ذكورية بسرد أنثوي، لتقترب إلى فكرة الكتابة النسوية أكثر منها ذكورية، إلا أن (آنا الأخر) تجتهد في أثبات ذاتها، وهذا ما نتلمسه في رواية الروائي (سعد سعيد).

والفضاء الروائي: هو تشكيل يتخذ تكوينه من جملة مكملات ثانوية.

وفضاء الرواية يدور حول دائرة مغلقة، وهي أقرب إلى الكتابة الدورانية، التي تنحصر ضمن نطاق شخصيات محددة،لاتتجدد .

هذا الدوران أنتج معادلة أقرب إلى المعادلة الرياضية، وضبطها إما بـ (الجمع، أو الطرح، أو القسمة، أو الضرب)، لذا فالفضاء الروائي يمثل العقل والتقنية المبرمجة لهيكلية المتن السردي؛ لأنه بنية خاضعة لقوانين اللغة وانضمتها، وبنائه داخلي وخارجي، أي لا يمكن أن ينحصر في زاوية بناء واحدة.

أغلق الفضاء الروائي على بنية مححدة، احداث محددة، الأمر الي أسهم في غلق فكرة تكوين فضاء خارج فضاء الأحداث المتاحة، لينحصر المشهد ضمن شخصيات محددة، تعيش ضمن نمطية حياة يومية روتينية، بعضها يشكو من فقر العيش، والآخر يعيش رغده.

ويمثل- الفضاء-  المساحة التي ينثر الروائي عن طريقها فكرة متنه السردي.

وهي رواية تأخذ فكرة الصمت عنواناً لها، والحب من جهة آخرى، وتؤكد على (النئيم ) " ساد صمت هذه المرة، قبل أن يسمعها تقول:

-  لن أستطيع الشرح الآن .. سأخبرك حين نلتقي.

-  ومتى سنلتقي؟

ساد صمت كرة اخرى قبل أن تقول بعد لحظات"

.وصيغت عنونة غلافها بألوان ذات رمزية عالية، فـ (الصوت) خط باللون الأبيض الذي يرمز إلى النقاء والصفاء، وهو نقاء وحب (سفانة) المعذبة، الذي يقابل بالرفض والعجز من (الدكتور فارس)، لتبقى اسيرة الحب من طرف واحد، و(خافت) خط باللون الأصفر وهو مناقض إلى السعادة والفرح ليكون أرتباطه بالشجن، و(جداً) خط بالبرتقالي المحمر، ليشير إلى الأنتباه.

ففكرة الرواية وطريقة نقل الأحداث هي أقرب إلى رواية الأخرى(المرأة)، ذكاء الروائي سجل في رصده هذه الثيمة ومحاولة نقل أوجاعها بقلم ذكوري.

ركزت بناء سردها على البطلة (سفانة)، وهي الراوي العليم، التي تسرد أوجاعها عن طريق الكاتب، الذي يمثل حظوره بالرقيب المتواري وراء الأحداث، يشاهد سير الأحداث عن طريق بطلته المعذبة، التي عانت الفقر والجوع والحرمان من رغد الحياة وجمالها، الذي حرمها ايضاً من العشق والحب الحلال مع الدكتور(فارس)، وممارسة المحرم مع الجار الخاوي العجوز .

مما اضطرها- سفانة-  إلى البقاء" محتشمة بملابسها حتى في البيت؛ لأنها أدركت، مرعوبة، أن ما تخاف منه خارج البيت، يمكن أن تواجهه داخله"، وخوفها كان في محله ؛ لأن " أخو سفانة تلصص عليها وهي تتعرى وتلتذ بعريها المحرم"، ودفعها فعله المدنس هذا إلى أن تهرع " لتغطي نفسها بأقرب غطاء وتجلس على الفراش من هولة بأكتشافها أن اخيها كان يراقبها بشهوة، فبكت"، هذا المشهد أسس لها فكرة الخوف من القريب أكثر من الغريب " كان يعني أن ما تخافه من الغرباء، يمكن أن يأتيها من اخيها.. اخوها الذي لم تتوقع أن تخاف منه يوماً، كما خافت منه لحظة مغادرته الغرفة صاغراً.. اخوها التي كانت دائماً تسعد بحقيقة وجوده حين يضايقها الآخرون في الشارع؛ لأنه هو من سيهرع إلى نجدتها، ولكن ها هو يشتهيها"، نسجت عبارات المقطع السردي بالفعل المضارع، الذي يؤكد على تشكل استمرارية الخوف لدى سفانة ؛ لأنها غدرت من اقرب الناس لها، وهو فعل محرم ومدنس، وبعيد تصوره، لكنه حدث وبواقع مرئي، مما أسس لذاتها غربة داخل غربتها، وصمتاً داخل صمتها ونئيمها.

شخوص الرواية أمتازت بجانب ثقافي، نتلمسه من حديث (سفانة) مع (الدكتور فارس)، وفهم (سفانة) ووعيها بالحلاج، وقرنت حبها بفارس، بفكرة الحلاج، قالت هذا عندما زارت قبر الحلاج وجلست تناقش فكرة الحب، مع ذاتها وتحاجج ذاتها، ليفسر لها الشيخ العجوز أن حبها يخالف حب الحلاج، فقال الشيخ:

" - لا خطورة في الأمر ياابنتي، فالعشق هو العشق.

-  ولكن شتان مابين العشق الإلهي، وعشق البشر لبعضهم

- ومن أخبرك بهذا؟.. والعشق سيّان حيث ينتاب البشر فبدا الأسى واضحاً في صوتها وهي تقول:

- أتيت إلى هنا لأرتاح، وها أنتذا تحيّرني، وتزيدني حزناً ياعم".

لكن هذا لايمنع من رصد الكثير من العبارات السردية بلغة حياة يومية معاشة، وهي لغة اللهجة العراقية العامة، منها القول:" على عنادج، إلّه أحبه واحرك افّادج"، والقول: " ويطبج مرض، عساج بالقبر.. هسة اني شعلية .. بس غير ردت اسوي خير"، وضمنت ايضاً الكثير من العبارات المبتذئة.

ونجحت الرواية في تقديم فهما لقضية المقدس الديني، وأن المقدس شيء ثابت، والإنسان هو الذي يعمد إلى صنع مقدس صناعي لذاته، ليخنق ذاته بذاته " المقدس فكرة إنسانية بحتة ولا أعتقد بأن الله له علاقة بها".

الحب من طرف واحد هو الفكرة الأساس في صياغة سردية الرواية، وهو الشجن الذي عايش البطلة، واضطرها إلى الحرمان من الحب، ومن الحياة الرغيدة، والأحتضان الأسري.

ونجحت الرواية في نقل الواقع الطبقي، والتفاوت الاجتماعي بين الأفراد، وهذا الجانب حقق نقد معلن للضغوطات الأجتماعية، والسياسية، فقالت:" أ أحدثه عن الليالي التي كنا لا نستطيع النوم فيها لأن شعورنا بالجوع يبعد الكرى عن عيوننا؟.. أم عن الاحتفاظ بلقمات كسرة الخبز التي يوزعونها علينا كعشاء أو غداءً أنسيت كيف كنا نظل نلوك بها حتى تكتسب طعماً حلواً"، ثم تعقب بالتفصيل "-  أحياناً، تصبح الطماطم والباذنجان رفاهية في بيتنا، حين يتوفران، فنقضي الوقت بتنويع وجباتنا، فيوم نأكل طماطم وباذنجان، وآخر نأكل باذنجان وطماطم".

مما تقدم يمكننا القول: إن الرواية نجحت في رصد الكثير من السلوكيات المعاشة، وربط العنونة بسردية المتن، وقسمت صياغة لغتها بين العامية العراقية، واللغة التي تحمل جانب ثقافي، وآخرى مباشرة مرفوضة (مبتذئة)، والاشارة إلى الخوف من الآخر وخلخلة الذات الموجوعة، التي لاقت الصد من حبها، مما اضطرها - سفانة-  إلى السفر بعيداً عن موطن من تحب، وجعلت القدر هو الكفيل في زرع اللقاء، وهي الفكرة الجميلة التي أفتتحت بها سردية الرواية، وانغلقت بفهمنا لمقصدية افتتاحيتها.

 

د. وسن مرشد

 

رحيم الغرباويالعمل الفني هو أحد نشاطات الإنسان الحياتية، لكنه نشاط مميَّز بوصفه يمثل إشعاعاً للمعاني والأحاسيس من دون واسطة لها أو توجيه، جعلها تتسم بِسمة العموم؛ لما يحمله من رموز لاتومئ إلى خاص، فالفن لاسيما الشعر يرمز إلى الحقيقة في صورتها العامة، بينما الواقع يرمز إليها في صورتها الخاصة .

ولما كانت اللغة هي حقل كوني تشيع في أوساطه خبرات المعنى الذي يوصف كما المبنى، كونهما يمثلان حزمة علائق معلوماتية تتموضع أمام الذهن وتشكله، ويشكلها بوصفها دلالات متعددة الاتجاهات ومتغيرة على الدوام، وقد لخَّص بول ريكور مثل هذا الزحام الدلالي بأزاء تعدد صور المعنى بقوله : ليس هنالك من قانون ثابت يقيد عمل تفسير نص بعينه، بل هنالك نظريات منفصلة الأسس ومتعارضة تعوم على بحر من التيارات الدلالية .

والشعر الحداثي هو واحد من الأنواع التي آثرت الدلالات المتعددة، كونه يطمح إلى العام في تعدد دلالاته؛ وذلك لتشبُّع منشئه بالثقافات المتنوعة التي هي من ضروريات الخلق الواعي، كما هو شعر رؤيوي؛ لأنَّ الرؤيا تعبر إلى ماهو حقيقي ومثبت في الوجدان والعقل والباطن  .

والشاعر عادل الناصري ممن يكتب بروحٍ تعبر عن انفعالاتها برموز تحمل في طياتها أنين صراع وألمٍ دفين يعبِّر عن أعماق النفس الباطنية، وهي تلح على معاني الفقد والتيه والضياع في معظم مجموعته الشعرية، إذ نجد تجليات الومض تتعالى من قصيدة إلى أخرى؛ لتمثل شعور شاعرنا، وهو يترجمها إلى كلمات حائرة تحاول استنطاق ماحولها من الوجود الذي يستشعره، مرَّةً منفتحاً على سوسنات اللذائذ، ومرةً تهزج بأسئلة مضطربة، وأخرى ينغلق غباراً مأفوناً، وعيوناً مصلوبةً في غابة، فنراه في كلِّ التفاتاته ينزع نزعةً وجوديةً تعتمله لطلب الحرية والخلاص مثلما ذهب رفاقه إلى ديار قرارهم الأخير، إنَّها محنة العصر التي اشرأبت بها النفوس ظمأً، وهي تتوجس المجهول، فنراه يمازج بين الأسطورة والواقع، ليعالج فيها قضايا مجتمعية؛ مما يجعل النص ينفتح على لاوعيه؛ ليظهر لنا دلالات جديدة تنبِّئ بما يترجاه الشاعر من معانٍ مسددة؛ لبث المعاني التي يتوخاها الموقف لاسيما في  قصيدته (راحلون) التي يعبِّر فيها عن مرحلتين من عمره، هما : مرحلة الغنى الرومانسي الذي ولَّى، ونهر الروح الذي ظلَّ يرتوي من نسغ أحلامها الجميلة في المرحلة الأخرى، مخاطباً المطر الذي يمثل رمز الإخصاب، وهو يرسم صورة العراق منذ آلآف السنين إلى أن اكتملت خارطته المعاصرة، وكأنَّه يومئ إلى أسطورة عشتار وتموز اللذين ظلَّتْ طقوسهما تُمارَس دهراً في أرض وادي الرافدين كرمزين للإخصاب، وقد عَمَد الشاعر الحديث والمعاصر إلى توظيف الأسطورة، فيعللها الدكتور يوسف عز الدين بقوله " إنَّ القهر الروحي والذل النفسي، والمكبوت الفكري، والظلم الاجتماعي، والفوضى السياسية في العالم العربي دعتْ إلى استعمال الأساطير"،  فنراه يقول في قصيدته (إلى ومضات مطرٍ ساخن تراسيمها العراق):

نرتحل ُ، فتلتمّ أحلامُنا في الرؤوس

تصحو منتفضةً لتكتبَ عذاباتها في تاريخها السرِّي

هذا ما كان في الزمن الذي يحرِّك الأشياء نحو أوهامِها .

أهو الانطفاء إذن أم أنَّنا مازلنا ننزفُ رحيقَ الأمواه،

وننضحُ روائحَ الأدغال ؟ !!

فنغادرُ كالمسافرين مملكةَ الشهوات

تاركين بالعراء (خربشةَ) الأحراش وتناغُمَ الأصوات

ومثقلين عبر ارتحالنا بالأفكار

وغائمين فوق أرصفة النهار كظلالٍ تعبِّر حالات اليأس؛

لتلامسَ مصاطبَ آلهةْ .

فهو المسافر عن مملكة الشهوات وأيام الصبا وملاذات الأنس إلى عالم الواقع المتِّشحٍ بسطوة الهموم والمُحمَّل بِسلال اليأس، لكن شاعرنا يحاول العودة إلى أحلامه بوصفها ملاذاتٍ تمنحه الراحة، فعلى الرغم من أنها موغَلة بالأماني إلا أنَّ في تلابيبها افتضاحاً لأسرارٍ، قد عفا عليها الزمن؛ ذلك كي يؤجج في ذاته نيران المواجع؛ ليعبر إلى ضفة الأمان كما كانت الناس تنتظر الوفرةَ  والخصب بعد إتمام طقوسها، يقول :

لكننا الآن نلمُّ عويلنَا

باحتدامِ شفاهنا

وتجتاز خطواتُنا كلَّ الحافات .

ولمَّا كانت عشتار رمز الانبعاث، فهو يرسم لنا من صورة المطر تلك الإيماءة وعلاقتها بعبارتي رحيق الأمواه، وروائح الأدغال، فالأولى تمثل زمن الخصب، بينما الأخرى تومئ إلى زمن الجدب، فضلاً عن ذلك عبارة ( وغائمين فوق أرصفة النهار ... تعبر حالات اليأس؛ لتلامس مصاطب آلهة )؛ فانتظار الناس ودعواتهم لاجتلاب تموز يمثل حالات عبور الشاعر من حالة اليأس إلى حالة الغنى بالأمن والسلام والخير ذلك حينما تلتقي الآلهة على مصاطب الإخصاب.

وفي قصيدة أخرى يظهر وجعه ومأساته من الواقع المزري الذي فتك بالحرث والنسل، فنراه يقول :

أدخلُ سكوناً مُستريباً

وأنفذ من ارتباكي

ممتلئاً

برائحةٍ

تنبِّئ

بالعطب .

فهو يعيش القلق، كونه يشعر أنَّ نهاية مطافه بالعطب الذي لايبقي ولايذر، لكن نجده يركز على تيمات تكاد تكون هي محور قصائده، إذ أومضت بـ (وجع، وهلع، ووحشة، وانطفاء، وأوهام، واضطراب، وخراب، وزوال، وانكماش، وانكفاء، ورعشات، ودخان، وارتباك، وظنون، وضياع، وتأوه، وهذيان، ولا جدوى، وعتمة، وضلالة، وجمر، وضجر، وألم، ورفض، وضد)؛ مما يدل على أنَّ نصوصه تحملُ في فضاءاتها قلقاً وحزناً عميقاً، تتنازعها أرواحُ البرايا في ظل الظروف التي عاثت بها، فهي لاتصوِّر سوى اغترابه في هذا الواقع المأزوم الذي لايجد فيه مناصاً؛ لتحقيق ما يرنو إليه، وهي رؤيا تكاد ترى المستقبل غير قابل للانفتاح إلَّا على وجه المداخن التي تغطِّي سماوات الواقع، فنراه في أحيان يتوجه نحو المقدس، علَّه ينفض من كتفيه أدغال هموم، لكنه على الرغم من ذلك، يرى كلَّ شيء مضطرباً هلعاً، فهو يقول :

سأدورُ

حول أضرحتي، ارتدي فوانيسها

حاضناً أوجاعَ الكنائس،

وانكسار تلكَ المآذن المضطرمة بتراتيلها،

فأحجُّ

و ا م ض اً

إلى بيتِ بشارةٍ

تفضحُ الطرقات،

متلبِّسةً بتعاويذَ أسلافٍ

تنكفي هَلعةً .

إذ تشير سطور القصيدة أنه يعيش نزعةً وجودية، يسود فيها الاضطراب والضياع، وحتى مع ومضة المقدس التي يتمنى أن يعيش معها لحظة اطمئنان، لكن الشاعر يراها على العموم هي الأخرى مُضلَّلة بتعاويذ الأسلاف الذين حرَّفوا ما يومئ إلى قدسيتها .

فشاعرنا يرسم في مجموعته صوراً شعرية دقيقة لمعاناة الحسِّ الإنساني على هذا الكوكب الحزين الذي بات به إنسانُنا مسكوناً بالفزع المقيت .

 

بقلم:  د. رحيــم الغربــاوي

 

عبد الهادي شردالتوطيد: المدرسة الواقعية والواقعية الاشتراكية

بادئ ذي بدء تعتبر مدام دو ستايل أول من دشنت المرحلة التأسيسية للنقد الاجتماعي في مطلع القرن التاسع عشر، بكتابها: "الأدب في علاقته بالأنظمة الاجتماعية" -رغم أن الأدب الواقعي موجود منذ القدم والذي كان يسمى بالأدب الموضوعي كما يرى بدر شاكر السياب، وهو في المقابل ما يعرف لدى جون بول سارتر بمفهوم الأدب الملتزم- وفي روسيا قد نشأ النقد الاجتماعي بفضل مجموعة من الواقعيين الماديين، أمثال بيلنسكي وتشيرنيشفسكي ثم كارل ماركس وأنجلز، إلّا أن النقد الاجتماعي كمنهج نقدي لم يبدأ إلّا في أواخر القرن التاسع عشر لتتغلغل الواقعية الاشتراكية في الأوساط النقدية الروسية، التي تبناها فيما بعد مؤسسي علم اجتماع الأدب الناقدين لوسيان غولدمان وجورج لوكاتش، اللذان أبديَا اهتمامًا كبيرًا للرواية الاجتماعية وتعد دراستهما أفضل تجسيد للعلاقة بين البناء الأدبي والنظام الاجتماعي.. وكان من أوائل الكتاب  المبدعين العرب، الذين ساروا على منوال المذهب الواقعي محمد حسين هيكل بروايته "زينب" رغم تأثره أحيانًا بالاتجاه الرومانتيكي، ولكن يعد رائد هذا المذهب الواقعي في الأدب العربي الحديث، كبير الرواية العربية، الروائي المصري نجيب محفوظ، بروايته "خان الخليلي" ليتبنى بعد ذلك هذا المذهب بعض الكتاب المغاربة، والذين من أبرزهم: الروائي الشهير محمد شكري والروائي محمد زفزاف وغيرهم، لكن سرعان ما اندحر هذا الاتجاه أمام اتجاه التحديث والتجريب الذي ظهر أواخر السبعينيات وبدايات ثمانينيات القرن الماضي، ليسطع هذا الاتجاه من جديد مع الروائي الدكتور عادل أوتنيل، بعد أن عرف نوعًا من الركود، مجددًا ومحدثًا له مازجًا بين الموروث والمستورد.

سوسيولوجيا الكاتب -عادل أوتنيل

نشأ عادل في كنف أسرة فقيرة، بمدينة تزنيت ورغم إعاقته الشبه تامة، منذ الصغر، تحدى عادل كل نوائب الحياة ومصاعبها وعراقيلها، إلى أن قطف شهادة الدكتوراه في الأدب العربي في موضوع: "صور الاغتراب في شعر الصعاليك"  بجامعة محمد بن عبدالله كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز فاس، إذ ينتمي الروائي عادل أوتنيل إلى طبقة اقتصادية كادحة، طبقة  بروليتارية، اجتماعية مسحوقة، مهضومة الحقوق، مغلوبة على أمرها، ضحية مقموعة أينما حلت وارتحلت في هذا الوطن الجريح، ممّا أدّى إلى انتمائه واعتناقه مدرسة الواقعية -الاشتراكية- في الأدب.. وقد دشّن باكورة أعماله بمجموعته القصصية التي وسمها بـ"على عتبات الليل"، والرواية الماثلة بين أيدينا الآن "اللصيلصون في قصر المتعة"، والمجموعة القصصية الأخيرة وليست بالأخيرة "هديل الحجر".

792 قصر المتعة

الكاتب عادل أوتنيل 

تنتهي رواية اللصيلصون في قصر المتعة على ورود خبر بالمجلات والصحف يفصح عن بروز ظاهرة غريبة، مفادها عمليات سرقة منظمة لبيوت الأثرياء المتخمين، من لدن فتية ملثمين تحت ستار الليل، وتوزيع الأموال على الفقراء والكدح ممّن يفترشون أديم الأرض ويلتحفون السماء؛ مما لا شك فيه أن الكاتب هنا يستلهم تراث الصعاليك الجاهليين القدامى الذين كانوا يقطعون طرق قوافل الأغنياء ليوزعوا بعدها الأموال على قبيلتهم الفقيرة بالتساوي بينهم، غير أنّ صعاليك عادل أوتنيل هم صعاليك جدد، هم "لصيصون" مسلحون بالفكر الاشتراكي الماركسي اللينيني، يرمون إلى تطهير المجتمع من اللصوص الكبار -لصوص يناسبهم الاسم- الذين ينهبون ويسرقون ويغتصبون بلا رحمة ولا ضمير، ينهبون ثروات الوطن ويبيعونها وأنفسهم بأبخس الأثمان، لصوص يسلبون حقّ الفقير في العيش، ويزرعون الضنك في حياته، لصوص سياسيون لا محل لهم من السياسة سوى النهب والسلب، وتنظيف جيوب المواطن، ولكن بـ"احترام"، وتحت حماية "محترمة". إذ ينسج عادل أوتنيل خيوط روايته هذه من حياة اجتماعية مغربية قاسية، مستوحاة أحداثها من واقع معاش يتخبّط فيه المجتمع المغربي، أحداث تدور معظمها بين قصر مهجور قرب ملاح المدينة وبين المدينة، شخصيات جلّها -إذ لم نقل كلها، شخصيات فعلية عايشها عادل خلال مراحل حياته، منذ الصغر إلى حين التجربة الجامعية وما عاناه خلالها من معاناة قاسية.

سوسيولوجيا الشخصيات –اللصيلصون

يعتبر علي الزواق ذاك الطفل البالغ من العمر إثنا عشر ربيعًا، سحبه أبوه من المدرسة عنوة توفيرًا لمستلزماتها الباهظة الثمن من جانب، ومن جانب آخر دفعا به إلى ميدان العمل كي يعينه على حمل عبء الحياة الثقيل؛ يبرز الكاتب من خلاله صورة الطفل المغربي الذي يعاني الهدر، والحرمان من حياته الطفولية الدراسية، واستغلاله في التشغيل، قضية الطفل الذي لايزال يعاني الويلات في المجتمع المغربي المسحوق... جواد كروم الملقب بالنمر شاب بالغ من العمر تسعة عشر سنة، انقطع بدوره عن الدراسة، بعدما كان يحلم بأن يصبح دركيًا حاميًا للمواطن من كل نهب وسلب، فببراءته كان يظن أن الدرك عمل شريف عفيف، إلى حين اكتشافه العكس بعد اجتيازه للامتحان، إذ لم يجتزه غير الذين هم متسلحون بسلاح الوساطة والمحسوبية، ومنه يتضح لنا كشف الكاتب مدى انعدام شفافية المباريات، كما أن أباه الذي كان دركيًا، كان أيضًا حاجزًا منيعًا بينه وبين هذه الوظيفة، وذلك أكيد راجع لوعيه بعمق المجال الخبيث، ليجد جواد نفسه تائهًا بين دوامة اليأس والإحباط، فينقلب إلى متمرد؛ متمرد على المجتمع، على نفسه وعلى كل شيء من حوله..  رشيد العطار أو طوطو شاب من أطفال الشوارع، تبنياه أبوان لم يكن لهما أولاد، اعتنق الحشيش والانحراف بعد موتهما، يعالج عادل من خلاله إشكال الطفل المشرد بين الشوارع في الوطن المغربي، والواقعية المحتمة –المفروضة- عليه من طرف (المسؤول) المستبد الاستغلالي والمهمش.. إلخ. سعيد المهدي شاب في الثانية والعشرين من عمره، لفظته المدرسة وهو صغير، لكثرة ما كان معجبًا ولعًا بالفتيات، ضبط إحدى المرات بمرحاض الفتيات، ليجد نفسه في الشارع مطرودًا، دون مؤهلات تقيه من شر الزمان، غير قوته التي استثمرها في بيع المخدرات، إذ كان من الأجدر توعيته عوض طرده، من هنا نستشف فضح الكاتب لعورة المنظومة التعليمية بالمغرب خاصة في التعاطي مع التلاميذ الذين كثيرًا ما تلفظهم المدرسة المغربية إلى الشوارع لتصنع منهم هذه الأخيرة جملة من الجانيين؛ تجار المخدرات، والسارقين، والقاتلين.. إلخ. بوقرعة ذاك الفلاح البدوي، الذي باع أرضه، ونزح إلى المدينة آملًا في واقع أفضل، إلّا أنه وقع ضحية في شرك أحد اللصوص الكبار "لص محترم"، أوهمه بمشروع مربح يدر عليهما دخلًا وفيرًا، إلّا أن البدوي بسذاجته لم يكن يعي اللعبة إلّا بعد اختفاء اللص المحترم، واختفاء أمواله، ليتخذ بوقرعة من أعشاش الصفيح عشًّا يأويه، ومن قنينة الخمرة (القرعة) رفيقة له، ليصبح من المحتّم عليه أن يتخذ من اعتراض سبيل المارة وسيلة لكسب قوته اليومي؛ من هنا نجد أن عادل يكشف مدى نهب وسلب وتهميش المجال القروي وجعله أرضًا يبابًا خرابًا، كما يعالج الكاتب الإشكال نفسه مع الشخصية جلال أنور شاب في العقد الثاني من عمره نزح وأهله من البادية إلى المدينة بعد موجة جفاف أضحت الحياة بها عابسة كاسفة، ليجد نفسه مشردًا بالمدينة، قاوم بحثًا عن لقمة العيش إلى أن أدرك أن الحيلة سبب الرزق، ليصبح منظفًا لجيوب الدكاترة من الأثرياء المتخمين، في المستشفيات، في داخله يضمر حقدًا دفينًا على المتسلطين لكنه دائمًا ما يتسلح بالكتمان، ويعمل في الخفاء.. أشرف هشام الملقب بـ(صعصع)، الموجز الذي اجتاز العديد من عراقيل الحياة طوال فترته الدراسية، إلى أن حصل على شهادة الإجازة في الدراسات الإنجليزية، آملًا أن يظفر بوظيفة محترمة، لكن دون جدوى لعدم توفره على وساطة أو محسوبية؛ تلك الأسلحة التي تنخر المجتمع المغربي من جهة، ومن جهة ثانية، هي أسلحة محتمة على المواطن المغربي في هذا الزمن الرديء، لا لشيء فقط من أجل حقّه. من خلاله يبرز لنا الروائي واقع العطالة بالمجتمع المغربي واقع المعطل القاسي المرير.. عزيز البهجان الشاب المساعد دائمًا لرفاقه في المتاجرة وتوزيع الحشيش بين الأزقة والدروب، وفي مهمات الصعلكة، الذي يمكن القول عنه إنه المواطن الجندي من جنود خفاء اللعبة الصعلوكية...

سوسيولوجيا "اللصيلصون في قصر المتعة" حتمية واقعية

إن كل هؤلاء الفتية إلى جانب بوقرعة يلتقون في نقطة واحدة تجمع بينهم جميعًا، ألا وهي التشرد، كل هؤلاء مشردين تائهين بين دروب الحياة، تجتمع فيهم جميع فئات الطبقة المسحوقة من أطفال الشوارع إلى الفلاح إلى المعطّل... حتى الطفل علي الزواق لم يجد مكانًا آمنًا يلوذ إليه بعد أن طرده أبوه من البيت، إلّا أن يتجه إلى جواد كروم والالتحاق بمجموعة هؤلاء الرفاق الذين يجمعهم القصر المهجور، به يسهرون ويتناولون الحشيش والخمر، وبه يخططون خططهم، وبه يناقشون مشاكل المجتمع المغربي، المحتم عليه جملة من المعاناة الاجتماعية -العائلية– والاقتصادية.. إلخ. كما يبرز من خلالهم الكاتب إشكالية السياسة تلك اللعبة القذرة التي ليست سوى تهريج وتهويش وشعارات رنانة فارغة المحتوى، والتي لا تقوم سوى على النهب والسلب والمكر والخداع، كما يعالج الكاتب واقع الدين بالوطن المغربي تلك الدابة التي يمتطيها البعض -السياسي خاصة- بغية الوصول إلى مبتغاه، ذلك المخدر المعنوي للعقول، الذي يستخدم لتنويم الشعب وتجهيله جهلًا مقدسًا.. كما يرمي عادل إلى تشخيص واقع التعليم بالمجتمع المغربي الذي ليس سوى مسرحية هزلية فكاهية، بطلاها المعلم والتلميذ، منظومة الجهل المؤسس "تهدف إلى التجهيل لا إلى المعرفة" بتعبير العالم اللساني -المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي. وبتعبير العالم السوسيولوجي، المغربي الراحل محمد جسوس، هي منظومة "تصنع أجيال ضباع". إلى جانب هذا يعالج الكاتب إشكالية الإنسان العربي الذي لايزال يحمل رواسب قديمة مدجن الذهنية مكبل، رغم مظاهر التقدم الزائفة..

يعود علي إلى المنزل بعدما توسطت له جدة حبيبة الطفلة العاشقة له ولم يستخدم الكاتب هنا اسم حبيبة عبثًا، وإنما أراد بذلك أن يعبر بهذا الإسم عن الحبّ والحياة الذي ترمز إليه المرأة في المجتمع، من جهة، ومن جهة ثانية، فإنه ينم عن شوقه وحنينه للفتاة حبيبة الحقيقية التي عشقها عادل منذ صغره، لكن شاء الأقدار أن تهجر الوطن صغيرة، وتقبع خلف البحار، ورغم ذلك رغم طول السنين فحبه لها لم يمت.. عاد علي إلى البيت، و من مهنة بيع (جافيل) في الشوارع، ينتقل إلى متعلم مبتدئ في مهنة النجارة، لكن سرعان ما اصطدم بفاجعة من الشيخ صاحب المتجر بمحاولته ممارسة اللواط عليه، والشيخ هنا تجلي من تجليات الظلاميين على المجتمع، ذاك الرجل الذي طالما يتظاهر أنه رجل دين ووقار، إلّا أنه يستغل هذا الدين في العلن، وفي الخفاء يضمر ما يضمر من خبايا وأسرار خبيثة، إذ أنه في الحقيقة ليس إلّا لواطًا خبيثًا مقيتًا، ظلاميًا، عديم النفع والضمير، يبرز عادل من خلاله الوجه الحقيقي لبعض المتدينين، الذين ليسوا سوى ظلامين، أولئك الذين يمتطون الدين كدابة وصولًا إلى مبتغياتهم الدنيئة... وسرعان ما دافع علي عن نفسه إذ هوى على الشيخ بضربة أسقطته أرضًا، ليهرب منه إلى رفاق القصر مباشرة.. يخططون له الصعاليك خطة يقع في كمينهم كخفاش من خفافيش الظلام، يطرقون بابه في منتصف الليل في هيئة شرطة المخابرات، ليجدوه قد دبر لطفل يتيم مكيدة وغرر به ليسقط في شركه فريسة تلك الليلة، إلّا أن الصعاليك لقنوه درسًا لن ينساه أبدًا الدهر، بطريقة صعلوكية منظمة يستولون على ما لذّ وطاب من مال وفير من الأجدر توفيره لمن يفترشون أديم الأرض ويلتحفون السماء...

يعود علي إلى مهنته الأولى، يجهز عربته ويسرح في الشوارع باحثًا عن قوته اليومي كعادته السابقة، وذات مساء عند عودته إلى البيت، يصطدم بخبر موت الأب الذي نزل صاعقة عليه، ليخيم  الحزن والكآبة على قلبه الصغير... هنا يجد عادل فرصة لفضح رداءة طقوس الموت، بالمجتمع المغربي، التي لم تعد سوى مناسبات لملء بطون العامة من الناس والخاصة من الأئمة، وكل المنافقين-المتصنعين؛  كيف لفقير أن يموت فقرًا، وتتكلف عائلته بتوفير الذبح والأكل والشرب.. إلخ؛ ربما للتباهي أمام العامة، أو ربما خوفًا من نظرة الآخر العقيمة، نظرة المجتمع المعاقة... إلّا أن الموت هنا، من جهة ثانية، هو موت فعلي لأب عادل أوتنيل، وما عاناه بعد ذلك، لكونه بقي وحيدًا يعاني مرارة الشقاء ومواجهة الصعاب، بعد أن كان الأب هو مصدر الدفء والحنان والمساعدة...

بعد لقاء حميمي مع حبيبته، خلف أسوار المدينة، حيث الحب يرفرف على قلبيهما الصغيرين اللذان ينبضان حبًّا وعشقًا، يدلف علي إلى البيت الذي قد خيّم عليه الحزن والضيم ثانية، ليكتشف عودة أخته فاطمة التي تعمل خادمة لدى أحد البرلمانيين، ليكتشف أن هذا الأخير قد غرر بها واهمًا إياها بالزواج ليسقطها في شركه الخبيث، يأكلها لحمة غضة، فيرميها عظمة كسيفة بائسة. عزم علي على مواجهة البرلماني إلّا أن اليد الواحدة لا تصفق، أعد عدته ورفاق القصر المهجور ليسقطوا به في فخهم، ويعلموه درسًا من دروس المدرسة الصعلوكية لن ينساه قط، إذ لم يكن من حل آخر أمامهم غير إخصائه، واضعين له بذلك حدًّا نهائيًا، ليثأر علي لأخته التي كانت بعدما ضاق صدرها بسبب تأنيب الضمير، خائفة من نظرة المجتمع؛ الذي ينظر للضحية كجانية وينسى بذلك ما فعله الجاني الحقيقي المجرم السياسي؛ المغتصب، المهمش للشعب والسالب حقّه والهاتك عرضه وشرفه، كانت قد أقدمت على وضع حد لحياتها نهائيًا.. من هذا المنطلق نستشف أن الكاتب يعالج وضعية المرأة المضطهدة المغتصبة من لدن السياسي الوضيع، الذي لا يقدر المرأة ويسلبها حقها في الحياة، لا يراها سوى متعة يأكل ما لذ منها لحمًا ويرميها عظمًا.. كما استولوا بخطتهم الصعلوكية على كل ما يملك البرلماني من أموال ومستندات تسيير دور الدعارة، والتجارة في الأسلحة والمخدرات، وتزوير الانتخابات.. إلخ. ليصير كلبًا في قبضة الصعاليك وتصير الأمور بزمامهم.

ختامًا يمكن القول إن الروائي عادل أوتنيل في روايته هذه يجعل من التاريخ مادة حية ولبنة أساسية يرتكز عليها كأساس قويم؛ تراث الصعاليك الجاهليين، الذي يمزجه عادل بتاريخ الفكر الاشتراكي، من أجل قراءة الحاضر قراءة اشتراكية واقعية مركزة، يبرز من خلالها واقع المجتمع المغربي القاسي، ويكشف عن عوراته وإعاقات نظرته إلى الأمور والوقائع، كما يفضح مستفيدًا من المرجعية الاشتراكية عورات وتشوهات سياسة النظام المغربي، وسياسة التعليم الطبقية، واستغلال الدين من لدن المتدينين أو "المتأسلمين" - إن صح التعبير.. ليستشرف عادل بذلك مستقبلًا اشتراكيًا صعلوكيًا -الصعلكة المنظمة- كحل بديل لتطهير المجتمع المغربي من المستغلين والمغتصبين لحق المواطن المجهل، المشرد بين دروب الحياة من طرف شرذمة لا تستحق من الوطن قبرًا ولا شبرًا حتى ترقى إلى مرتبة الحياة على بسيطته.

 

 بقلم: عبد الهادي شردال

 

جمعة عبد اللهيثابر الاديب حميد الحريزي في تعاطي الابداع السردي والشعري بتألق بارع، ويقتحم تداعيات الواقع عبر ازمنته السوداء، التي مرت على تاريخ العراق وجعلته صريع الهموم والنوائب الغزيرة في خجم المعاناة، يتعامل معها بالطرح والتناول الشجاع والجريء، لذلك امتلك خاصية مميزة في مثابرته الابداعية، بطرح رؤية فكرية، لا تهاب المحظور وتتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها الالهة المزيفين، وهذه المجموعة الشعرية، في طرحها الحاد والاستفزازي غير المسبوق تناولها الشعري، تتطرق الى اهم عصب الحساسة والدقيقة في القضايا الواقع واشياءه التي اصبحت مخالب جارحة تنزف منها الدماء وحزن ومعاناة . يطرحها على المكشوف الى حد الاستفزاز في الشحن غير المألوف . في كشف معاناة وهموم الواقع واشجانه المريرة والمزرية، التي سلبت روح الانسان، ودفعته الى المعاناة القاهرة بالاسى المرير، نحو التراجيدية المأساوية في سريالتها الغرائبية، لذلك فأنه يصب جام غضبه العاصف بالتذمر والرافض، بالاستهجان والسخرية والتهكم، ويتقمص سلاح المواجهة والتحدي بالحدة الصادمة بتسمية الاشياء بأسمهائها الصريحة ومسمياتها . ويتعامل بالمثل في الحدية والاستفزاز، مثلما يتعامل الواقع مع الانسان. ما يطرحه من لغة شعرية ومفردات صادمة في رموزها التعبيرية، التي توجه سهامها النارية الى نحر المشاكل والمعضلات الظاهرة والمكشوفة، في توظيف التقطيع المفردة اللغوية، لتكون المرادف والنقيض، لتكون بمستوى مواجهة الواقع المزري والمرير، بمستوى الفعل الهجومي، الذي ينهش في سهامه الحارقة، لذا فأن لغته الشعرية تنحت في الابتكار المعاني المفردات في شكلها الجديد، التي يعطيها قوة عميقة في الرؤية والرؤى التعبيرية الدالة في المغزى البليغ، لذلك مارس صنعة الابتكار في خلق المفردات الدالة والعميقة، لواقع لا يعترف بالتهاون والمسالمة، وانما كل جبروته يجند طاقاته بالهجوم الوحشي على الواقع، بغية التسلط والاستحواذ والامتلاك، ليكون الانسان لعبة ودمية في يديه يمشي على اربع ارجل، او يحوله الى خرفان مطيعة وذليلة، هذه الصيغة الاستغلالية الظالمة التي تجعل من الانسان خروف اعمى، وعيون حارسة لامارة الاميرالسلطان القاهر الاوحد والجبار، ورعيته تكون دروع بشرية للمحافظة ولاية الامير . بأن يبقى صولجان السلطة في يد الامير الثور، والوزير الحمار، وعسسهم الكلاب والقرود والعجول العاقرة . لينتعش الامير بأنه اصبح السيد المطلق في دولة الحمير، وما على خرفانه العميان، التي عليها السجود والركوع والتهليل بالمجد العظيم للامير الثور المبجل، المنصور بالله، الذي اصبح وصي ووكيل الله على العالم، بل اصبح سيد العالم بالمطلق (عاش الامير ... مات الخفير / كلنا حمير . كلنا حمير)، هذا ما تلمسه بالحقيقة المرة، من مشاهدات المجنون (الحكيم / البصير) في مشاهدته في عصر العولمة في دولة الحمير . التي خرجت عن المألوف والمنطق . في واقع ينهق ويعوي فيه الخراب، والفرهدة بالعلس واللحس، كأننا امام غابة وحشية يسيطر على مخانقها الذئاب والكلاب، واقع محموم بالصداع الدولار الاسود، وصولجان الكرسي، في امار الامير الذي يحكم بامر الله . في شكل العولمة الجديدة، التي هي بين فئتين . الطاحن والمطحون، الحاكم والمحكوم . المتجبر والمتغطرس والذليل . الناهب والمنهوب . الرابح والمنحوس . الجلاد والضحية، المتخم والجائع . هذه بركات ديموقراطية العولمة، التي تحولت الى الدم / قراطية، بين الرأس والذيل . انه عالم يتعدى حدود العقل والمنطق . الى السريالية المجنونة،

أنا شاهد عليها

تحت ظلال رماح القصب الصفراء

ضفادع لها فحيح، تزدرد الافاعي

أنا شاهد عليها

خراف عمياء تحرس الراعي

هذه اشجان وشجون الواقع المأساوي، ان يكون الضحية الحارس الامين والمفدى لجلاده والسفاح القاتل . ان يسجد تحت (نعال) ناهب رغيف خبزه وعيش اطفاله، او يكون ضمن جحوش العسس، يحمي الحرامية واللصوص ان ينهبوا بيته وعرضه وشرفه، وهو يغني بالتبجيل والفرح العظيم، لانهم يدفعونه الى الجحيم، هذه العولمة التي بشر بها الالهة العميان . ليكون الواقع عبارة عن التراجيدية الكوميدية، تضحك عليها حتى الامم الجاهلة، بالسخرية والاستهجان، لغبائها الابله الذي ضرب به رقم قياسي، بفعل مطر الدولار الاسود، الذي دفن الاخلاق والقيم واصول الدين، تحت فيضان المطر الدولار النفط الاسود . لتكون دولة الامير عبارة عن حفلات التهريج الايروسية، في السفاهة والدعارة

غجرية ثملى

تنشد لحن (الهجع)

من فوق مئذنة الحي

المزينة بالدولارات النفطية

هذه امراض العولمة التي تحولت الى وباء خطير يفتك في دولة الحمير، بالخراب والدمار. ولكن لا يهم هذا الخراب حتى لو كان على تلال من الجماجم، طالما الخرفان العمياء، تؤدي صلاة الطاعة وسجودها للجلاد الامير وعسسه من الكلاب والضفادع والقرود والعجول الثيرانية العاقرة . فكل شيء يطرب الامير ويجعله يزهو بعلامات النصر العظيم . فهو الفاعل، والرعية مفعول بها، وفي حضرة الامير . فكل شيء ملكه يتصرف بما يشاء ويرغب، ولا يمر احداً إلا عبر (قضيب) الامير، فما اروع هذه النعمة، وهذه البركات آلهية في دولة الحمير . فلا ظلم ومعاناة بعد اليوم . كلهم خصيان

وسموا بأسم وكيل (الرحمن)

من بركاتنا

جعلناكم خصياناً

لا تحزن

نساؤكم سيطؤها سيدنا

اعفاكم من الشقاء

نكاح النسوان

لا ظلم بعد اليوم

للكل حق ب : -

قضيب السلطان ؟؟؟

---------------

تتزين صدورهنَّ

بقلائد مرصعة بكرات

من بزار السلطان

نساء

لا تنجب إلا بأمر من (قضيب) الوالي

 

هذه المهازل في دولة الحمير، التي تنغمر بالفرح في مهرجانات الخرافة والشعوذة بغياب العقل، طالما ان دولة الاميرشريعتها السمحاء، دونت في ابجديتها بالجهل والغباء، وفي اطلاق الفتاوى المعتوهة بغشاء البكار (الصينية)، التي تجاوزت اعلى مراحل الغباء . امة ضحك من جهلها وغبائها الامم العالم، ان ترعى الاباحية، من اجل بناء مجتمع الحلم الالهي، لذا لابد التقييد بوصايا الامير وكيل الله، للابتعاد عن الشذوذ والاباحية الشيطانية، عندما يكون (الخيار) فوق (الطماطة) انها (بورنية شاذة) تعصف بالقيم ومعايير الاخلاق التي لا تخدم دولة الحمير، وتهدد عقليتها السليمة الصافية بالايمان والتقوى الديني، تهدد الثقافة والتعليم، تهدد في الابعاد عن التطور والتكنولوجية البخورية الزعفرانية .

في قاعات الدرس

تعلمنا فن الخطابة أخرس

ومتسول أعمى

يعلمنا فن ادخار الفلس

وشيخ الحي

يعلمنا فنون المنكر والرجس

كأننا امام عولمة الجنون

هذه دولة العولمة المباركة، التي هي عبارة عن ناكح ومنكوح، في دولة وكيل الله على الارض، واطاعته فرض ملزم وشرعي، من اجل اقامة دولة العدل الالهية، فعلى الخرفان العمياء الالتزام بالممنوعات والمحظور، من اجل نقاوة دولة الامير من الشوائب، اذا اعطى الضوء الاخضربالسماح بالقتل بالشوارع واي مكان مسموح ومكشوف بأمر شريعة الله، وعلى الرعية التشدد في وصايا الامير المباركة

ممنوع

أحتضان

المطرقة للمنجل

محظور

وضع (الخيار) في الاعلى

و(الطماطة) في الاسفل

ممارسة الموت

في الشارع مقبول

أما الفرح

محظور حتى

خلف الباب المقفل

إياك

 ان تبتل ريقكَ

ب (المنكر)

هذه الدولة الرشيدة والنزيهة والعفيفة، سادنها وربان قبطان سفينتها (القواد) الذي يتحمل مسؤولية عظيمة في ترتيب مهرجان النكح والمناكحة بأمر الامير . ان تقام هذه الصلاوات في ملعب الفئران الامير. من اجل رفع الهتاف العظيم (عاش الامير . كلنا حمير) الاله الاعظم مانح الحياة والموت، فهو الرب الاعلى والسيد الاعلى، ووكيله (القواد) المبجل، ينفذ اوامر الامير، وكيل الله على الارض

أنا اللاعب

و(القباب) كراتي

أنا الاكبر

أنا الاقدر

من له قوة دفقاتي؟

من له ها (المرود)؟

أنا صوت (القواد) وربان

المقود

أنا السيد الاعلى

أنا الاله الاعمى

أنا راعي القطيع الاسمى

أنا الاول أنا الاخر

أنا الوحيد الاوحد

أنا المعبود وأنا المعبد

الاعمار بيدي

الديار بيدي

الاقمار أقماري

أنا الهادي والمهتدي

هذه هي معجزة مطر الدولار الاسود، الذي روض عقلية الامير، ان يكون الاله الاوحد، لدولة الخرفان العميان، وحارسه الامين الذئب، الذي يتسلى في لحوم البشر، من اجل ادامة دولة الامير الى الابد، او باقية رغم انوف الجميع (دولة الخلافة باقية، دولة الطائفية باقية)، ولم تتوانى في قلع العيون، وارسال فراميل الموت، من اجل استمر المطر الدولار النفط الاسود

مطر الدولار

لا يعرف لونا

ولا يعرف عنواناً

صرنا

أرقاماً

ما عدنا نتعارف

بالاسماء

 لا معنى للغيث ِ

صار

 مطرنا اسوداً

والرعد

ناراً ورصاصاً وعواءً

 كذلك يعرج الشاعر الى محنة المطرب الشعبي الكبير (حسين نعمة) في محنته الانسانية والعائلية، بأن سدت ابواب الحياة في وجهه ظلماً وزوراً، وصار يطرق ابواب اليأس .

صار مرتعاً

ل (الطناطل) والافاعي

رد (أبن نعمة)

مكسور الخاطر

يطرق ابواب اليأس

يبحث عمن هتك

أسراره

(رديت.. وشرديت .. باب باب ادك)

غادر النجم سماءنا

إدلهمت ليالينا

ومات القمر

كما اعرج على ذكر المناضل الشهيد (خالد أحمد زكي) جيفار الاهوار، مهندس ترك العيش والرفاه في لندن، ورجع الى العراق لينقذه من المحرقة البعثية، في تفجير الانتفاضة المسلحة في الاهوار عام 1969، لكنه حلمه لم يتحقق، فقتل مع رفاقه، بعد مقاومة بطولية

يا (خالد) مازال دمك

يجري

يطارد

من اعانك

ومن خانك

صوت البط

ورقصات (البربش)

زنابق الاهوار

واغاني الصياد

المقهور

يا خالد

يا بن (عشتار) و(جلجامش)

هذه مشاهدات المجنون (الحكيم / البصير) في دولة الامير المبجل العظيم . التي تعيش الفرح والابتهاج على صوت ألحان نهيق الحمير، وعواء الكلاب، في الدولة المباركة الالهية (عاش الامير . كلنا حمير)

مجموعة الشعرية ستحرك المياه الراكدة بالهيجان والاستفزاز . في قصائدها الحادة والشرسة في مواجهتها الواقع المنكوب . مجموعة شعرية قدم مقدمتها الرائعة، الشاعر السماوي الكبير .

- المجموعة الشعرية : مشاهدات مجنون في عصر العولمة

- المؤلف : حميد الحريزي

- الطبعة الاولى : عام 2019

 

جمعة عبدالله

 

788 الخراطيضع (شكلوفسكي) في كتابه (نظرية النثر Theory of Prose) الصادر عام ١٩٢٩ والذي ترجمه (تودوروف) إلى الفرنسية عام ١٩٦٥ وترجمه (بنجامين شير) إلى الإنكليزية عام ١٩٩١ ولم يترجم إلى العربية إلى الآن على الرغم من أهميته، يضع فرضية مبهرة مفادها أن التوالي القصصي هو أصل الرواية، فهو يرى أن الإنسان حين اخترع السرد المكتوب بدأ بكتابة نصوص قصصية مترابطة بطريقة ما قبل أن يخترع فكرة الحبكة لكتابة نص طويل. ويضرب لذلك أمثلة منها (كليلة ودمنة) و(ألف ليلة وليلة).

وقد نبهتني هذه الفرضية إلى قضية مهمة، هي أن بإمكاننا القول أن التوالي القصصي عربي الأصل، فلدينا أمثلة لا تحصى منه غير مثالي (شكلوفسكي) السابقين. فمقامات الهمداني مثلا متوالية قصصية تامة الشرائط، فهي مجموعة قصص تشترك بالراوي والبطل والموقف. ومثلها رسالة الغفران للمعري والإمتاع والمؤانسة للتوحيدي وغيرها كثير.

في كل مقال أكتبه في هذا الموضوع أجتهد أن أضيف معلومات جديدة لأني أرغب ان تكون لدى القارئ العربي معطيات كافية للتعاطي مع هذا الجنس الأدبي الفاتن. بينما لا يفتأ (ناقد نحرير) يكرر جملا ثلاثا بائسة مكسورة الأعناق مملة في مقالاته منكرا وجود الظاهرة أو تجنيسها على الرغم من أن كل المراجع التي يشير إليها تقر بذلك، وعلى الرغم من حماسته غير المبررة لموقفه لم يستطع إلى الآن أن يأتينا بنص لناقد واحد يعترض على تجنيس المتوالية القصصية. وآخر فرية طلع بها علينا ادعاؤه أن كتابة عبارة (متوالية قصصية) هي اجتهاد شخصي من الأديب المصري (منير عتيبة) وأن هذا لا يلزم النقاد بتبنيه. وكشف الناقد النحرير بادعائه هذا جهله بالموضوع الذي لا يؤهله للخوض فيه وأنه يحتاج لقراءات كثيرة أخرى، فالجزم بهذه الطريقة بما يجهله إنما هو خداع للقارئ. فالمتوالية القصصية (مرج الكحل) لمنير عتيبة الصادرة ٢٠٠٥ لم تكن الأولى التي أثبت على غلافها عبارة (متوالية قصصية)، بل كانت مسبوقة بأعمال أخرى مهمة فعلت الشيء نفسه نذكر منها على سبيل التمثيل:

أمواج الليالي  إدوارد/ الخراط ١٩٩١

أغمض روحي عليك/ طالب الرفاعي ١٩٩٦

مسيرة عزبة الجسر/  سعد الدين حسن ١٩٩٨

هيا نلعب يا جدي سويا مثل أمس/  يحيى الرخاوي ٢٠٠٠

متواليات باب ستة/ سعيد بكر  ٢٠٠١

حديث المكان/ فوزات رزق   ٢٠٠٥

789 ثائروكما يلاحظ القارئ الكريم أنها تنتمي لأكثر من بلد عربي. غير ان الأهم من هذا كله أن (ستيلا ماكنيكول) المتخصصة في أدب (فرجينيا وولف) اكتشفت بينما كانت تجري دراسة على مسودات رواية (مدام دالاوي) أن (وولف) كتبت سبع قصص قصيرة مترابطة في أثناء كتابتها للرواية في عشرينيات القرن الماضي تتحدث عن تحضيرات السيدة دالاوي لحفلها عنونتها (حفلة السيدة دالاوي Mrs. Dalloway's Party) ونشرتها (ماكنيكول) عام ١٩٧٩، وكما يلاحظ القارئ الكريم في الصورة فقد وضع تحت العنوان عبارة (متوالية قصصية A short story sequence)، والحقيقة أن هذه المتوالية لم تكن الأولى التي تجنس بهذه العبارة ولا الأخيرة، فهناك مئات الأعمال غيرها لأعلام القصة الغربيين لكني سقت هذا المثال لطرافته وجدته.

والآن ما أهمية عد المتوالية القصصية جنسا أدبيا؟

إن لكل جنس أدبي أصوله وقواعده التي تهيء القارئ لتقبله، فنحن مثلا حين نقرأ قصيدة عمودية نهيئ أنفسنا لتلقي كلام موزون بشطرين وقافية موحدة وشكل محدد من اللغة قائم على ثنائيات التشبيه، وهذا يجعلنا قادرين على الاستدلال على مواضع الخلل مثل كسر الوزن والإيطاء والإقواء وغيرها، بينما لا يهمنا هذا كله حين نقرأ قصيدة نثر.

إن أي قارئ يطور خبراته القرائية بما يجعله قادرا على الدخول في مجال محدد من التوقعات وهو مقبل على قراءة عمل أدبي محدد بعد أن يعرف تجنيسه. وقراءة متوالية قصصية تستلزم أفقا للتوقع يختلف عن ذاك الذي تستلزمه قراءة مجموعة قصصية تقليدية، لأن القارئ سيهتم في  المتوالية بالبحث عن شكل الترابط بين القصص وما ستضيفه كل قصة إلى سابقاتها وأخيرا بناء انطباع كلي عن القصص مجتمعة يقترب من ذاك الذي تولده الرواية.

لنأخذ مثلا كتاب (أمواج الليالي/ إدوارد الخراط/ ١٩٩١)، يتألف الكتاب الذي وضعت على حافة غلافه العليا عبارة (متتالية قصصية) من تسع قصص قصيرة تروى بضمير المتكلم أولها قصة (سحب ملتبسة) وآخرها (شجرة مضطربة الثمر)، ويمكن قراءة كل قصة منها منفصلة او قراءتها بتسلسل غير الذي وردت فيه، لكن تجنيسها من الناشر بأنها متتالية قصصية سيجعل القارئ متنبها إلى أنها عمل واحد، فالقصص كلها تتبع أسلوبا واحدا (التداعي الحر)، وكل قصة تقدم مرحلة من تجربة الراوي في الحب وتقلباته، وهكذا تصبح هذه المتوالية عملية متابعة لتطور شخصية واحدة تظهر في القصص التسعة كلها، وهي بهذا لا يمكن ان تعد مجموعة قصصية لأن وجود البطل الواحد يجعلها شبيهة بالرواية، ولا نستطيع عدها رواية لأنها تتألف من قصص مستقلة يمكن قراءة كل واحدة منها على حدة، فنحن بحاجة إلى تجنيس آخر بين الاثنين هو (المتوالية القصصية) لنستطيع وصف العمل وبناء أفق توقع القارئ.

 

د. ثائر العذاري

 

786 بستان الياسمينيختتم الروائي ناطق خلوصي روايته (بستان الياسمين)، بان الشخصية المحورية الرئيسية في الرواية (الشاعر مسعود) يقرأ مانشيتا عريضا في الصحف العراقية (ان حوت المال العام سميح الوادي يصاب بالشلل قبل حضوره جلسات التحقيق معه بتهم الاستحواذ غير المشروع على المال العام) ص213.

يطالب بمحاكمة نفسه على انحرافاته وانزلاق (استلقى على سريره ووجد ان عليه هو الاخر ان يبدأ بمحاكمة نفسه الآن).

السؤال:

من هو (سميح الوادي)؟؟ ومن هو (مسعود)؟؟

(سميح الوادي) وزوجته وابنته الكبرى العاقر السيدة سالي وابنته الصغرى ينتمون الى الطبقة السياسية الحاكمة والمتنفذة في الحكومة القائمة في العراق بعد انهيار النظام الديكتاتوري في 2003 على يد اسياده ومصنعيه الامريكان سادة الرأسمال العالمي بعد ان استنفذوا كل طاقاته في خدمتهم وخدمة مصالحهم في المنطقة، وشعروا انه بدأ يتفرعن ويحاول ان يكسر عصى الطاعة ويعمل لصالحه الخاص.

اما (الشاعر مسعود) فهو من فئة المثقفين من الطبقة الوسطى .

ومن خلال معرفة الطبيعة الطبقية للمجتمع العراقي يتمكن الدارس ان يشخص طبيعة الطبقة السياسية الحاكمة في مجتمع ريعي استهلاكي باعتبارها طبقة خليط من اقطاعية مهزوزة وبرجوازية طفيلية تابعة يمكننا ان نطلق عليها بالطبقة (الاقطوازية)، ولدت وصنعت في رحم المستعمر الرأسمالي منذ ولادة (الدولة) العراقية الاولى على يد الانكليز حاملة معها عجزها البنيوي منذ ذلك الوقت ولحين التاريخ وهي تعيش ازمة هيمنة طبقية حادة تجسدت في العديد من الانقلابات العسكرية والصراعات الدموية بين رموزها للامساك بصولجان السلطة والجلوس على كرسي الحكم، ونتيجة لطبيعتها هذه فهي طبقة فاسدة غير وطنية تابعة جاهلة ومتخلفة ومتحللة او منحلة اخلاقيا، رغم صراخها بالنزاهة والوطنية والقومية والعفة والشرف .

اما (الشاعر مسعود) فابن طبقة متوسطة مصنعة من قبل الطبقة الاقطوازية لادارة مؤسسات دولتها، وليست حصيلة حراك طبقي واجتماعي كما في بلدان العالم الاول .لذلك فهي طبقة هشة متلونة ركيكة تحلم بالحداثة والتقدم ولكنها عاجزة جبانة مترددة غالبا ما تلجأ الى الصعلكة والهروب من الواقع وخلق مبررات زائفة لخياناتها وترددها، خصوصا وان الطبقة النقيض طبقة رثة ضعيفة ومشتتة الا وهي الطبقة العاملة في مجتمع ريعي استهلاكي تابع، غالبا ما تعيش ارهاصات فاشلة ومحبطة ولم تتمكن موضوعيا ان تكون طبقة لذاتها ومن امثلتها (تايه) الحارس الامين لضياع الاغنياء والمروج للسماسرة في سوق العقارات وماشابها، وأفراد الشرطة والأمن الصغار كلاب صيد الاسياد والمتخلقين بأخلاقهم كما علمناهم في سيطرات التفتيش لايجيدون سوى اختلاق الاكاذيب والمكائد والتحرش الجنسي يتنمرون على الضعيف ويتأرنبون ويتقردنون امام القوي في الوقت الذي يغضون النظر عن ارتكاب جريمة اختطاف وقتل تحدث اما مهم كما شاهدتها (رفيف) مما يدل الى فساد وعدم التزام بعض القوى الامنية بواجباتها لحماية امن المواطن .ومن ضمن هذه الفئة الخاطبات وسمسارات النساء ك(نسرين)، و القوادات وبائعات الهوى ك(ربيعة وابنتها ميس)، وسائق (سميح الوادي).

هذا هو توصيف (سميح الوادي) فاسدا، مدعيا فارغا، شبه امي تمكن من خلال الثعلبة والقردنة ا يصل الى منصب وكيل وزير ضمن وزارة متعفنة يسودها الفساد والحرمنة والتبعية والجهل، بعد ان كان مطرودا لاتهامه بالاختلاس، فالتحق ب(المعارضة) في امريكا ..

و(مسعود) الشاعر المثقف الذي لا يمتلك الحصانة والمناعة الذاتية الكافية والمبدئية الاخلاقية ليتجنب الانزلاق نحو الخيانة والرذيلة، فهو شخصية غير مستقرة تتأرجح بين مبادئ الفضيلة ومغريات الرذيلة النابعة من طبيعة طبقته الهشة وتبعيتها للاقطوازية الفاسدة المأزومة، على الرغم من ان بعض افراد هذه الطبقة (المتوسطة) يحاول الافلات من شرك التردي والانحدار صوب الرذيلة ولكن غالبا ما يصاب بالفشل والخذلان لعدم وجود الحامل الفكري لطموحاته وافكاره وتطلعاته نحو عالم افضل في وسط كتلة بشرية تسمى مجتمع وحكومة فاسدة تابعة لقوى كبرى ..

فغالبا ما يكون زعماء الحركات والاحزاب الوطنية واليسارية التقدمية من هذه الطبقة وقد تعرضوا للقتل والتعذيب والتشريد وملاحقة كلاب السلطة من الناس اللذين يناضلون من اجل حريتهم وكرامتهم ورفاههم ..

الهوس الجنسي |

في مثل هكذا مجتمع مستهلك، يكون جل اهتمام هذا الانسان الفارغ فكريا والكسول الغير منتج والاناني ضيق الافق نحو غرائزه الحيوانية وفي مقدمتها الجنس وظاهرة (الزنا بالمحارم) والإفراط في الاكل واللباس واقتناء الاملاك والسيارات والركض وراء المودة بالنسبة للطبقة الحاكمة المستحوذة على الثروة الوطنية ..

في حين نرى المحرومين والفقراء اشبه بالقطعان التابعة لرموز منافقة تدعي الزعامة باسم الدين او العشائرية او القومانية المزيفة، لايعون مصالحهم، يعيشون الفقر والجهل والحرمان ومسخ الذات .

والسمة الثانية لهذه الطبقة الحاكمة وتوابعها هو سيادة سلوك الخيانة وخصوصا في الوسط السياسي وحواشيهم من الحكام وتوابعهم فالرفيق يخون ويغدر برفيقه، والصديق يخون صديقه، والتابع يخون متبوعه، والزوج يخون زوجته والزوجة تخون زوجها، كون هذه الفئة استولت على سدة الحكم ومفاتيح الثروة من خلال خيانة وطنها وشعبها وعبر اساليب القردنة والثعلبة وخيانة للمبادئ العالمة والخاصة .ولسنا بحاجة لذكر العديد من الامثلة بالنسبة للأحزاب والزعامات السياسية في العراق كمصداقية لما ذكرنا، اذ يكفي استذكار الاحداث السياسية العراقية منذ تموز 1958 ولحين التاريخ .

لذلك تفشت في هذه الطبقة الخيانة الزوجية كما هو حال (سالي)ابنة سميح الوادي، وزوجته، وسائقه، وسهير زوجة وائل ووائل ومسعود ..الخ

ان هذه الرذيلة البرجوازية ان صح التعبير اصابت المثقف الشاعر (الواعي) فكانت له صولات جنسية رغم ستينيته مع زوجة سميح ومع بائعى الهوى زوجة الشهيد (ربيعة) وابنتها الشابة (ميس).وهنا وقفة الم ولوعة ان تنحدر زوجة شهيد مضحي بحياته من اجل مباديء سامية ان تنحدر الى هذا المنحدر القذر.

الانكى من كل هذا ان هذا الشاعر المثقف لعب لعبة قذرة مع زوجة ابنه وائل (سهير) العطشى للجنس دوما والمصابة بمرض(جنون الغلمة) كما يسميه بعض المختصين، والتي تتطلب سلوكيتها تحليلا نفسيا خاصا يكشف عن سلوكياتها الشاذة والمتهتكة دون لرعاية لمحرم او صغير سن او قريب، وقد حاول ان يهم بها وحاولت ان تهم به لولا بعض رواسب المبدئية وكره الزنا بالمحارم في مخزونه القيمي، وهو الذي سمح لنفسه مشاركة زوجة ابنه في مشاهدة فلم اباحي ومشاهدة لقطات فاضحة في غرفته، فقد كان سلوك الشاعر مع (سهير) مثيرا للتساؤل ودالة على شذوذ في السلوك دال على خلل نفسي في شخصيته، حيث كان يمهد لزوجة ولده طريق الخيانة متمتعا بهذه اللعبة القذرة، وعندما تقترب (سهير) من ارتكاب الخطيئة يشد الحبل ليحول دون ذلك وكأنه يقوم بعملية سباق ورهان يكسبه في النهاية محققا انتصارا لذاته المريضة عند ذلك يوقف اللعبة مما يصيب الشابة بالانكسار وكما يقال في المثل الشعبي (يشتهي ويستحي)، مما يشير الى مدى هشاشة قيمه ومناعته ضد الانحراف لذاته ولغيره ممن يفترض ان يكونوا تحت رعايته ..

لم تسلم من الانحراف والخيانة سوى (رفيف) ابنة (مسعود) زوجة (نبيل) المهندس الوسيم الذي انتهكت نبالته من قبل (سهير) وقد ورطته في ممارسة جنسية لم تكن له على بال .

كما تميز(مسعود) بالحلول الترقيعية للمشاكل الاجتماعية والاخلاقية كما هي نصيحته لعائلة (سميح الوادي) باخذ ابنتهم الصغرى لترقيع بكارتها في احد دول الخارج بعد ان افتضها سائق والدها الخاص في شقة والدها وكأنه يقول - اعتمدوا على اسيادكم في الخارج لترقيع وستر فضائحكم .

كما كانت له احلام وحلول البرجوازية الصغيرة من الطبقة الوسطى للخلاص عبر هروبه الى اطراف المدينة وبناء دار (بستان الياسمين) على غرار البيت القديم دليل تمسكه بالقديم رغم تطلعه نحو الجديد، ظنا منه ان بإمكانه في هذا الهروب التخلص من ما يجري في المجتمع من حالة تردي، وظاهرة العنف، دون التفتيش عن الحلول الجذرية الثورية لهذا الواقع الاجتماعي القائم والتخلص و من النظام الفاسد المتسلط ...كما هو حال ولده (وائل) وهروبه الى لندن، وهروب الغانية (ريبعة) الى دمشق فبيروت لممارسة الدعارة كقوادة تمدها الحروب بالمزيد من الشابات ضحايا الحرمان والكبت والتضليل الاخلاقي وانحراف السلوك، حتى ان ابنتها لم تسلم من طمعها لكسب المال والثروة .

هذا نموذج للفئة المثقفة الذي يقف في الوسط متلحفا بالحياد الزائف والحلول التوفيقية الترقيعية .

اما النموذج الثاني

فهو النموذج الانتهازي المتملق الراكض وراء المال والشهرة لمممثلي الطبقة الحاكمة ممثلا بشخصية (الدكتور اشرف) المشرف على رسالة (سالي) ابنة (سميح الوادي) وهو الكاتب الفعلي لرسالتها لنيل الماجستير مقابل الحصول على المال وكسب رضى المتنفذ (سميح الوادي) وربما ممارسة الجنس مع (سالي) المطلقة العاقر المشروع الاسهل لإقامة مثل هذه العلاقات كما تصفها الخاطبة (نسرين).

اما النموذج الثالث \ فهم الاساتذة اعضاء لجنة مناقشة رسالة الماجستير ممثلي المبدئية وعدم قبول الرشاوي، والجرأة في رفض تهديدات السلطوي والد (سالي) وعدم التهادن او المساومة في الامور العلمية والأكاديمية لذلك رفضوا اطروحة (سالي) مما اصابها بالصدمة هي وزوجها ومشرفها دكتور اشرف الذي هرب من قاعة المناقشة .. وهذا موقف نادر جدا في ظل واقعنا الحاضر ولكنه دلالة امل ارادها الروائي لبقايا قيم ومبادئ .

كذلك هناك نموذجا للطبقة لمهمشة من حثالة البرولتاريا والفلاحين الفقراء نموذجهم (تايه) الذي كان رهن اشارة هؤلاء الاثرياء، ومروجا متحمسا لسماسرة الاراضي والعقارات، والمتربص للحصول على فضلات الطبقة الثرية من اكل وعطاءات لاطعام افواها جائعة، وقد كان الروائي دقيقا تماما بتسميته بالتائه فهذه الطبقة الكبيرة تعيش حالة من الخدر والتوهان تحت عصائب التجهيل والتضليل العرقي والديني الطائفي والعشائري للطبقة الحاكمة، باستثناء اقلية واعية تعاني التهميش والإقصاء والملاحقة والتشريد وحتى القتل حينما ترفع صوتها وتحاول تنظيم صفوفها من اجل حياة افضل، ولكن الروائي لم يصرح ولم يفصل في دور ومكانة هذه الطبقة في المجتمع .

الجدير بالذكر في هذه الرواية ان الروائي اعطانا توصيفا دقيقا على لسان الرواي العليم (مسعود) وبضمير الغائب والمتكلم لشخصياتها حول الوضع السائد وصور لنا الحال كما هو عليه طبعا بأسلوب ادبي وفني رفيع ولا غرابة بالنسبة لروائي واعي متمرس مثل الاستاذ ناطق خلوصي، ولكنه لم يؤشر ولو من بعيد الى شخصيات ايجابية فاعلة من عامة الناس تشكل بصيص امل او الضوء في اخر النفق لمثل هذا الحال ما عدى موقف الاساتذة اعضاء لجنة مناقشة رسالة (سالي)وفي نطاق المثقفين فقط .

ومتناسيا دور الطبقات الشعبية في الحراك الاجتماعي والاقتصادي او وجود رموز نضالية تكافح لمقاومة هذا التردي المريع في المجتمع العراقي والإيغال في الفساد بالنسبة للطبقة الحاكمة .

كما ان تقديم (سميح الوادي) للمحاكمة لانه مرتشي لاشك انه من النوادر في ظل حكم المحاصصة والفساد السائد الا اذا كان قد انهار حزبه او خسرت كتلته مكانتها في السلطة الحاكمة، حيث لم نشهد ولو حالة واحدة على محاسبة سارق او مرتشي و سجن وهو من الطبقة السيا سية الحاكمة، شكرا للرواي لذكره هذه النادرة ليبث في نفوسنا شيئا من أمل ..

لا نظن اننا بحاجة للإشارة على جمالية السرد وجمال المفردة ودقة التعبير وامتلاك ناصية اللغة بالنسبة للروائي ناطق الخلوصي، ولا الى اتقان حبكة الرواية ودقة نسج خيوطها بشكل جميل ومتقن يليق بروائي قدير وواعي ولماح لما حوله .

وكما يقول محمد برادة:-

(الروائي يستطيع ان يلتقط بالمعاينة والتامل والحدس، ظاهرات لها صفة الشمولية التي تجعل منها معرفة تضيء السلوك البشري) الرواية العبية ورهان التجديد – محمد برادة ص70.

 

بقلم :- حميد الحريزي

 

ابراهيم رحيمقراءة في مجموعتي ثغور ولسعات، الألوان العطور الأصوات، لعبد الله نجم محيسن

(ماهية الشّعر، تستقر في الفكر) ..هيدغر.

(كما أن الشّعر يتضمن الصّياغة الفنية الفريدة والموسيقى الكلامية، يتضمن أسمى الأفكار الإنسانية وأكثر السّلوكيات النّفسية تعقيداً) .. توماس استرنز إليوت.

المفاهيم والقضايا الفكرية ساهمت بتطوير الشعر الحديث، أن الشّعر يمكن أن يحتوي بداخله - من بداياته حتى نهاياته- رموزاً، استعارات وتناصات ذوات طابع فكري أسطوري وممّ لا شك فيه، بلغة لا تخلو من كنايات وربما كانت مملوءة من غموض الإيهامات، للحديث عن عالم الشّاعر المتخم بالوجع والعذابات بالرّموز والإيحاءات. ومن هنا الشّاعر الحديث يحتفل بالفكر إلى جانب العواطف واللغة الشّاعرية، كما يذكر هيدغر أن اللغة هي من تكتبنا وكل محاولاتنا الشعرية وغير الشعرية تندرج برغْبة اللغة في الظهور، فكيف لا وإذ ينشدها ببيت الكينونة.

في هذا الاطار يمكننا القول أن الشّاعر الحديث يدمج بمتناقضين، لطالما كان من المستحيل جمعهما في خانة واحدة، الخيال الشّعري هذا الطائر الفينيقي والمنطق العقلي المنظم، بسحر اللغة.

فيما يخص العناوين المختارة لدواوينه:

أجزم أن فيما وراء اختيار العناوين، شفرةً، لمشاركة العناصر المفتتّة في صنع نسق جديد، مركب من جزيئيات متناسقة وأخرى غير متناسقة، ليكون ذا ابعاد متكثرة تحتضن الأطياف المتباعدة وتتناغم مع التّنوع الحضاري العالمي، ثغور ولسعات (الدّفتر الأول)، الألوان العطور والأصوات (الدّفتر الثّاني) وعناوين كتبه الأخرى، النّوم على الرّمال - مجموعته الشّعرية الثّالثة (لم تطبع بعد)- ، المنازل (أدبي فلسفي) إلخ... محاولة سامية من الشّاعر لإظهار هوامش کانت منسیة، مغفولاً عنها؛ إذ بثقافته الشاربة من كأس الفلسفة الغربية وعقليته الشّرق أوسطية يحاول لملمة هذه الهوامش وإظهارها من جديد بمرآة اللغة الشّفافة طوراً والغامضة في أطوار أخرى وعند كلها بحُلة جديدة مركزية تدعو إلى الوسطية ليقوم بعالمه الذّاتي، إثر دمقرطة نصوصه الشّعريّة ومشاركته إياها بعالمنا الأوسع ذي الثّقافات المتعددة...

فكما يقول ذاك الفلسطيني: هنا هامش يتقدم أو مركز يتراجع!

الحديث عن الذّات حديثٌ عن قلقٍ وجودي مصحوب بالفكر، يصل لمنصة الشّعر بعد معاناة باطنية متأثرة بعالم الخارج ومعالمه الفكرية، فالشّعر قلق كلامي عميق، حين تتوقف اللغة بالظهور في شكل مألوف.

 و من هذه الأحاديث:

۱- تکرار مضامین الحيرة، الظّن، التّردید، الشّك، الخوف، الرّهبة، الوهم، الضّياع والضّيعان

فجأةً / خارج حيرة الأفعال/ يحررني شعورٌ/

بقبلة ساخنة(نغمات وردية- الدّفتر الاول)

وهمَ حدثٍ دون بعد/ ربما رهبة/ أو ربما غطسة في ربما!(همس المواكب- الدّفتر الاول)

إذ أضعتها أنا/ في ضجيج وردي(البّقاء والذّهاب- الدّفتر الاول)

و ربما/ أمل/ معلق/ كنفسي!(إغواء- الدّفتر الثّاني)

معلق/ تشابكت/ فيما بين زمنين/

لا هذا ولا ذاك(التّعلیق- الدّفتر الاول)

وأنا الذي/ ارتدّ من نفسه/ وفي کثرة الآثار ضاع! (أنا- الدّفتر الاول)

إن من هذه العناصر المتكررة بكثرة، نستخلص أن ذات الشّاعر لم تكن لتذوق صمت الارتياح إلا بعد صخب الأوجاع تلو قلقٍ فكريٍ قار - هل، أما، أين، أيكون؟-

۲- الحديث عن المفاهیم الدّينية والإشارة إلى الاساطير

إنّ للشاعر أن يصحب شعره بإشارات أساطيرية، من شأنها أن تقلل من حدّة ثرثرة الكلام غير المجدي، وأن يبلغ مبلغ التّأثير المضاعف على ذهن المتلقي وإثارة فكره بيد الإيحاءات هذه، بغرض اضافة مساحات تمثيلية في شعره وبالطبع فرض السّطوة الشّاعرية بصنعة الايجاز. استخلصنا من بعض اشعاره هذه الإشارات:

في الدّفتر الأول: في شعر عالم آخر (ابراهيم، الرّسل، القمح  أو التّفاحة، محمد، الصّليب، المعجزة، الفينيق،) / في شعر رجوع اوديسيوس (تضمين الآيات الأولى من سورة الواقعة، اللعنة الإلهية، القيامة، عالم الموت، الوسوسة، الخلود، الآلهات، العبودية، ملحمة طروادة، لعنة الآلهات، ملحمة الياذة، اوديسيوس، حصان طروادة)/ في شعر إعجاز(عصا موسى، إعجاز النبي)/ في شعر ثلاثة نقاط في الشّفق(البّرزخ ،الشّهيد، الأقنوم والصّليب)/ في شعر العروج (تاج الشّوك، النّبي عيسى، العروج)/ في شعر التّحديق (المعجزة، النّبي، شق القمر) / في شعر القيامة (يوم القيامة، الأموات)/ في شعر حقیقتي (ابراهيم، نمرود، اسماعيل، الذّبح والتّضحية، الصّنم، جبل النّار).

في الدّفتر الثّاني: في شعر فرح (نهاية العالم، الإيمان، صوت الإله، الأخ الأصغر، الفأس، الصّنم الأكبر، الجنة)/ في شعر بمفترق الطّريق (الهجرة، تضمين فكانت هباءا منبثا، البّرزخ، الألوهية والحطيط، الصّنم والفأس، المدينة والصّحراء، تضمين قسم البّلد الأمين، الكوميديا الالهية، دانتي)/ في شعر تسعة وعشرون (النّار، الكمال، الضّيعان، اوديسيوس، ملحمة طروادة، بيت المقدس، تضمين برداً وسلاما) / في شعر الخبز والشّراب(العشاء الأخير، الصّليب، الخبز والشّراب).

۳- الحديث عن الإنفعال الحركي والإنتظار في نقطة ما(اللامكان):

أن تقف في مركزية العوالم والأشياء، فيتردد من حولك الصّغير والكبير، أنت الخالد والآخرون يغترفون من بحرك ما يَطِل أعمار مواسمهم، أنت البدايات ومصب النّهايات.

تعالَ/ ما¬زلت منتظراً (في إنتظارك - الدّفتر الاول)

ستجدني/ في ذلك النّوم الأبدي (قلب شاغر - الدّفتر الاول)

يصيح بالخريف/ هلمّ/ هلم(خريف - الدّفتر الاول)

في بداية القصة ونهايتها (ثلاثة نقاط في الشّفق - الدّفتر الاول)

حتى يسمع من الأزمنة الآتية/ دوي اللوغوس البعيدة (رجوع اوديسيوس- الدّفتر الاول)

لأنني أرى/ نهاية العالم... / ليس النّهاية فحسب/ بل البداية (فرح - الدّفتر الثّاني)

و كأنّ، عند شاعرنا البداية والنّهاية سواء، كل شيء قد حدث قبل أن يحدث وهذه هي عقيدة زينون الرواقي إذ كان يقول أن الحركة ليست سوى وهم!

كما يقول الفلسطيني:

ربما نسي الأوائل وصف شيء ما إلخ حتى يقول - يسبقني غدُ ماضٍ-.

4-  الحديث عن الفكر واستخدام الالفاظ والمصطلحات الفلسفیة:

الفكر، السّجادة السّحريّة التي توظفّها الفلسفة، لبلوغ ما يبلغه المفكر الشاعر، بواسطة امكانات اللغة والشّاعر العظيم هو من يجيد استخدام هذه الأدوات فيروّض خيل الخيال الجامحة ويسرجها بسرج الفكر لتنير نصه الشّعري كسراج لا تطفأ شعريته للأبد.

نذكر على سبيل المثال بعض هذه المفاهيم:

الف) مفهوم القياس:

من المنطلق، الارسطي افضل طرق الاستدلال من الطّرق الثّلاثة هي القياس ولكن شاعرنا يسخر بهذا الاستدلال بكناية لطيفة في صورة شعرية عجيبة:

في شعر مقدمات القیاس (الدّفتر الاول):

مازلت عاجزاً في مقدمات القیاس / قطرة قطرة / أصيغ المطر/ الكبيرة تلو الصغيرة

و يضيف في النّهاية:

راكباً عجلة الاستدلال الباطلة / بنفسي أنقض نفسي

فكيف ينسج المطرُ الحياةَ بكامل تفاصيلها - من أصغر الأمور حتى أكبرها- وهل يكون هذا من ضرب المنطق البحت؟

ب) قاعدة الواحد لایصدر عنه إلا الواحد:

تضمين قاعدة الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد في شعر(تسعة وعشرون) وتعني: بسبب الثّبوت وعدم تغيير ذات واجب الوجود لا يوجد فيه أي تشتت أو تفتت وإلخ.

ج) مفهوم اللوغوس:

 في رأي الاغريق وفلاسفتهم هو المنشأ للغة، العقل، المعرفة، الفهم والمعنى.

تسخر مني/ الآلهات/ أنا/ أنا إله ضجور

في هبوط النّسيان / يجلس على سرير الجنون/ حتى يسمع من الأزمنة الآتية/  دوي اللوغوس البعيدة (رجوع اودیسيوس- الدّفتر الاول)

همسة في البعيد/ هناك حيث اللوغوس/ ليس هذه اللغة ولم...(بمفترق الطّريق- الدّفتر الثّاني)

د) الاشارة إلى فلسفة هيجل في كتابه - ظاهريات الروح-:

كان يؤمن أن هنالك، إرادة تسير بالعالم والتّاريخ دون التّأثر من إرادة الإنسان، وبهذا، هي في طريقها لمعرفة نفسها حتى تتم المعرفة وينتهي التّاريخ.

أنا الذي مخاطبا نفسه قال أنت/ وفي تَرداد حدیث النّفس

تردّد/ ارتدّ من نفسه/ وفي کثرة الآثار ضاع! (أنا- الدّفتر الاول)

يستخدم الشّاعر في هذا الشّعر الرّومنطيقي هذا المفهوم ليقول لمحبوبته ها أنت أنا وهذا ما قرّبنا!

ه) الطّغیان على مفاهیم الفلسفة الاساسیة كالعدالة والحرية.:

كريرُ صدرٍ/ أو نعرةٌ/ على سلالة تسري في روحي/ ضد العدالة/ ضد الحرية

ضد هياكل معنى، نحتناها بشهد العناء (لا شيء - الدّفتر الاول)

و) استخدام فكرة الرجعة الأبدية لنيتشه:

تعني " أن كل فترة يمر بها الكون، هي صورة مضبوطة للفترة التي سبقتها". أي البناء الجديد يتدارك القديم أو كل مرة يظهر، بمعنى جديد ولكنه يظهر بالتأكيد.

سنرجع/ كغرباء أقرباء

محدقي النّظر/ وجه في وجه/ بشعور ممزوج

و¬ملطخ بالحيرة/ سنعبر من أحدنا الآخر(لا شيء- الدّفتر الاول)

و¬هذه المرة أبي/ يتكرر بي/ في قيامة مبكّرة(طلوع الليل- الدّفتر الاول)

أقلّب أوراق التّاريخ/ وُلد جرحٍ جديد (الجرح الجريح- الدّفتر الاول)

في عدة موت وحيوات (کلام الأوراق- الدّفتر الثّاني)

سوف أنسى

...

يا ليليّ الرّملي/ أبسط الزّمان

و أوِّلني لشيء آخر(ليليّ الرّملي - الدّفتر الثّاني)

5- الأضداد والمفارقات

كيف يظهر الفكر دون تضادات وكيف تتم المعرفة؟ المعرفة هي ربط الأمور المتفككة بواسطة الفكر وتوحيد الأمور التي تتراءى لنا مفككة بادئ الأمر. ففي البدء كان الاختلاف.

الأضداد من سمات الشّعر الحديث والقديم كذلك، فالشّعر الذي يأتي بالأضداد والمفارقات نتيجة انكماش الفكر والخيال، خصب بقدر القراءات المتعددة له وذو انتاجية أكبر وذو تأثير أبلغ على المتلقي.

على ضوء المنهج التّفكيكي، النّص يولّد نفسه كل مرة بيد الأضداد الثّنائية، فإن عرفنا هذه الأضداد والمفارقات، استطعنا أن ندخل النص ومعرفة بنيّته الممزّقة المفكّكة، كي نكتبه من جديد في كل قراءة جديدة:

كغريب قريب/ أحدق بك وجهاً لوجه (لا شيء- الدّفتر الاول)

موسم ميت/ ماذا أفعل بين الأحياء؟ (نغمات وردية- الدّفتر الاول)

وحده السّفر مقصدي (نغمات وردية- الدّفتر الاول)

أهو نقطة أو وجهة هذا السفر!

كأرواح سعداء/ يدعون أهل الجحيم لضیافة المرايا (نغمات وردية- الدّفتر الاول)

تسعد أرواحٌ وتدعو من حكم عليهم بالنّار للمشاركة في ضيافة ما!

عنوان شعر جنة الفينيق من الدّفتر الثّانی:

الفينيق الذي يرى النّار جنانه ويبحث فيما وراء الحرقة بالنّار، ولادته الجديدة. الشّاعر هنا معلق فيما بين السّماء والأرض - الموت والولادة- كهذا الفينيق، لكن المفارقة أنه لا يتحرك ولا يجد هذه النّار الخالقة كما يصفها أدونيس.

لا خطاب/ لا سلام يتلوه لعنة (أنا- الدّفتر الاول)

عالم ليس فيه السّلام/ لعنة (عالم آخر- الدّفتر الاول)

أو ملوثاً بتلوثٍ/ هذا الحظّ الأبيض (ثلاثة نقاط في الشّفق- الدّفتر الاول)

بياضاً متلوثّاً أو تلوثّاً في بياض!

ففي استخدام هذه المفارقات، تكمن شاعرية الفكر والذّات الشّاعرية كذلك، إذ يفسح المجال أمام الأضداد ويسمعنا أصواتها معاً، كما أنها حالة مثالية؛ من دمقرطة الشّعر وإفساح المجال وتوحيد الفكر والخيال.

6- استخدام مفردات اساسية توحي بالحياد الفكري كالوسط والوسطية:

 في أشعار عبدالله كل أمر كالحياة وحتى الوقوف في العالم، نقطةٌ، تبدأ الأمور منها وتفضي إليها. النّقطة التي لا تظهر حتى تصبح كل شيء أو تربط به وإن كانت مغادرةً من قبل هذا إياه، فيسمّيها الوسط والوسطية من كل شيء، فمنها السّفر وإليها:

نجد هذا الأمر في اختيار عناوین بعض اشعاره ك :

أنصاف/ قصيدة نصف مكتملة/ في منتصف الطريق

 وفي نصوص أشعار أخرى مثل:

شعر الإبتسامة والذّهاب:

عطش أنا / حينما حتى الذّهاب يكون ذاهباً

(النّقطة مسافرة،أي توقف الشّاعر في مكانه ولم يصل لعربة الحياة من آمال وأمنيات وتحتّم عليه أن يبقَ عطشاً مدى الحياة)

شعر کلام الأوراق:

و جرح توقّف أعلى جرح ثان

(لا إختلاف في الجروح، مهما بلغت من غور، فإنها تكون كالرّكام على تلال الرّوح)

شعر البيت واللعنة:

يبحث عن شيء/ ليس بشيء /لا شكل له لا حدود

(لا حدّ لها ولا حدود، أنها الكلمة الوسطية التي يرنو إليها الشّاعر)

 

شعر نسبة ما:

أنا نسبة / معطوفة بشيء/ بأحد/ نحو وجهة ...

(لديه كينونة عاریة لا تنتسب لنفسها بل تكون كأداة وسطية للصلة فيما بين أشياء، كالحرف في بنيان الجُمل)

7- مضمامین الموت، الزّمان والأبدیة:

الموت، الزّمان والأبدية، الشواغل الأسطورية القديمة التي شغلت ذوات الفلاسفة وعامة الناس وشكلت وطورّت افكار العالم بكل الأزمنة والأعاصير، إثر لهيب القلق النّاشئ من التّفكير بهذه الأمور، ولا شك أنهن أصبحن موتيفات متكررات عند أكثر الشّعراء علموا هذا أو لم يعلموا.

في عدّة موت وحيوات/ بعد ملايين السّنين

في عدة أقوال وأحاديث(کلام الأوراق- الدّفتر الثّاني)

هطلت أمطار/ مواسم تعدّت/ ملايين الملايين من السّنين

الطّيور والمعجزات/ أتت ثم ذهبت(تحديق- الدّفتر الاول)

أطلُقُ عليها الأبديّة/ إن تلاقت أنظارنا في ثانية ما (الأبدية والقدر- الدّفتر الاول)

ما أجمل الأبدية إن كانت إلتقاء النّظرتين.

أيها الموت/ أيها الجار الهادئ/ ماذا تريد في ضباب العناء هذا

و خوف ممتد/ خلفه لا شيء

و لكن خلف اللا¬شيء/ أ¬نوم طويل؟ (التّبعید- الدّفتر الاول)

تعال لنفكر بالموت/ بالنّهاية/ بالخلاص/ نحن فقط!(نهايات جميلة- الدّفتر الثّاني)

8- الحديث النِّسوي:

هذا الحديث الذي يشغل الأواسط الأدبية هذه الأيام وأصبح لديه، أدباً، منهجاً نقدياً، فكرياً، شعرياً ذا طابع اجتماعي. في شعره، البحث عن الأنوثة ليست البحث عن الجنس والجنسیة، ولكن كفكرة أبعد منها، للتناغم مع العالم من حوله، كأمرٌ أبعد مسافة، من الحدود المألوفة:

عند استدعاء معجزة/ إلى النّهاية / أركضُ حافياً في سهول جسمك (عالم آخر- الدّفتر الثّاني)

في مطلع الفجر/ أبحث عن إمرأة / مودوعة فيها سخطي/ في هيبة وطن/ ربما بيت/ وجدته خراباً منذ الولادة (إغواء- الدّفتر الثّاني)

..

أيتها المرأة الضّائعة/ ليس لك من عنوان/ غير إلتواء هذا العطر/ يا عديمة النّظير/ ما أبعدك!(الذّهن المعطّر- الدّفتر الاول)

كحائط/ كإبتسامة/ يحاصرني في الرّيح / غناء إمرأة من البعيد

إمرأة من سلالة لا أحد

لا تشبه أي شيء رأيت (الإبتسامة والذّهاب- الدّفتر الثّاني)

فأن هذا الطّابع النّسوي في شعره، كتلك التّفاحة الذّهبية التي أطلقتها أريس، فإفتعلت الحروب بين جميع النّساء، لتأتي المنشودة في أشعاره وتقضم من تلك التفاحة ولتنتهي الرحلة بعدها، نحو اللامكان.

 

إبراهيم رحيم - الأهواز

.......................

* عبدالله نجم محيسن مواليد 87 ميلادي شاعر وكاتب أهوازي درس الفلسفة، يكتب بالفارسية، لديه مجموعتان شعريتان وكتاب أدبي فلسفي تحت عنوان (المنازل).

 

رحيم الغرباويلعل تقابل الأضداد يمثل جوهر المعرفة الإنسانية وبدونه تبدو لنا تلك المعرفة غير منسجمة وعشوائية، وبذا لايمكن لها أن تُدرَك، والتقابل عند غريماس ما يمنح التجربة الإنسانية والعالم شكلاً إذ نرى مخططاته قد بنيت على فكرتي الضد والنقيض (1)، ويبدو أن النقيض لايمثل الكلمة وضدها فقط في الشعر إنما الصراع المستديم بين عناصر الخير والشر أو الفضيل والمدنس، كما أنَّ في الشعر التجديد والشاعر الكبير لايقبل بما هو ثابت ومستقر، إنه كالفيلسوف الكبير ثوري، أي ما ينطبق عليه هو وصف الخلَّاق كما يرى نيتشه حين قال: " الخلاق يكسر اللوحات القديمة ... الذي لايُسمَّى يُعمَّد والذي لايُقال يُنطَق به، الشاعر الحق كالفيلسوف الحق مُخَرِّب على نحوٍ جذري " (2)

كما أنَّ الشاعر " يرفض القيود التي تواطأ عليها المجتمع، والتي يشعر أنَّها تكبِّل إبداعه الذي يريد أن يسبح في بحر لا ساحل له " (3)، والشاعر الدكتور وليد جاسم الزبيدي واحد من الشعراء الذين منحوا القصيدة سرَّ طرافتها، بوصفه يحاكي عوالمه المحيطة وواقعه المأزوم بالرفض عن طريق استجابته لما هو ضده، فنراه ينأى بعيداً عن الواقع، ليعيش اصطفاف الأماني في داخله، فنراه يقول:

في بلادٍ

ليست كمثلِ البلاد

كأيِّ بلادٍ

قروناً تصدَّتْ

ودهراً تحدَّتْ

فكانتْ رمادْ

بخيطانِها تُغزَلُ المُعضلاتْ

بشطآنِها تُركَبُ النائحات

فدرباً إلى الشمسِ، تذرُ السنين

دروباً تشظت بصمتِ الحنينْ .

إذ نجده يصف بلاده القوية التي تحدَّت الأزمنة، وهي ليست ككل بلاد، بوصفها لاقت مالاقت من صعاب، لكنها صارت رماداً بفعل المآسي التي دهمتها، يؤكد ذلك قوله: (بخيطانِها تُغزَل المعضلات، بشطآنها تُركَب النائحات) فعلى الرغم من ذلد إلا أنَّ جهتها الشمس، وهي تذر السنين التي حملت ما حملت من الأوزار عليها، بينما (دروباً تشظت بصمت الحنين)، وكأنه يرسم صورة ماضيها بعد مواتها، لكنها ستخضر حسب رؤية الشاعر بدلالة الرماد الذي يمثل انبعاث الحياة من جديد .

للآن في رأسِكَ الأمنيات

كطلعِ النخيل،

كذاكرةِ الورقِ المُبتَلى

بفيض المِدادْ،

ونبض السهادْ .(ص 59)

ثم ينتقل ليخاطب ذاته التي تمثل رمز القوة والتحدي وهو ابن تلك البلاد، متمنياً التغيير كطلع النخيل وهو يزهر بعد موات، إشارة إلى أفكاره المنتجة، وكذاكرة الورق المبتلى التي يرمز بها إلى المخطوطات التي حفظت لنا تراثنا على الرغم من طوارق الزمن، كذلك فيض المداد الذي يومئ به إلى تدفق الأفكار، ومن يحمل الأفكار لابدَّ من شيء كبير يعتمله، لذلك أردف هذا المعنى بـ (نبض السهاد) . إذ نراه يضاد بين حالين: الأول: دهماء الزمن بمعضلاته التي أرهقت بلاده، والآخر: الأمنيات المزروعة في رأسه التي تقف بوجه كل ما يشوب أمنياته تجاه نهضة الوطن من جديد .

ومن قصيدته (ليس كمثله شأن) يقول:

أرجوحةٌ غافيةٌ

أسرابُ أحلامٍ على

سِدرةٍ عاليةْ

...

كم صاحبٍ نحتاج وسط عوالمٍ

تشكو النخاسةَ والخِداعْ .

كم صادقاً نحتاج في بحرِ الأكاذيب

التي

قد أغرقتنا بالفضيحةِ والحرامْ

بل كم نبياً سوف يُبعثُ من جديد؟

أ فهل كفرت؟

فنحنُ أحوج للنبوةِ من جديد

تُهنا سفيناً والزمان ولا معين

ليس كمثلهِ شأنٌ

يدوخ بنا المكان

...

فمتى ستجري الساقية؟

ومتى ستأتي الباقية؟

ومتى ... تحررنا النواعير التي

ظلت لحزنكَ باكيةْ؟

ومتى تقول لها ارجعي

هي لم تكن بالمطمئنةِ

لم تكن بالراضية !

...

فمتى تدور الشمس

يبزغُ فجرُنا ؟؟

ومتى تدورُ حياتُنا... ناعورُنا ..

ومتى سنحيا

أو سترجعُ

مطمئنةَ راضيةْ؟

بل كم نبياً سوفَ يُبعَثُ من جديد؟

ويبدو أن الشاعر يرفض الواقع، لما فيه من المخادعين وأهل النخاسة، فيتساءل عن كم صادق يحتاج للتغيير، فهو يطابق بين المتضادات، بين الكذب والصدق، ولعل الكذب هو المتفوق في عصرنا، مما جعله ينتظر الخلاص، ليحيا مطمئناً حالماً، فننراه يتساءل عن وقت التغيير بوصف النبي لابد عائداً، ليمضي في طريق النور، فالساقية والنواعير وحركتها تمثلان التغيير، ولعل الزمن كفيل بالمتغيرات، أما الشمس فتمثل الحياة الجديدة، فعندما تعود مرة أخرى بعد ليل دامس، ذلك ما يرمز به إلى الانطلاق والتحرر، ولعل بزوغ الفجر يمثل مرموزاً لحياة جديدة .

يبدو أنَّ الجديد لدى الشاعر هو الممازجة بين صورتين صورة الوطن وصورته التي تمثل أبناء الشعب، وهي مكملة للأولى، ليجسد بها قوة الوطن بأبنائه إذا ما دهمته قوى الشر، إذ لابد أن يعود من جديد بفعل الخيرين من أبنائه .

وقد وظف الألوان، للمطابقة بينها على الرغم من اختلافها، فأخذت مساحةً  في مجموعة الشاعر الشعرية ومن بينها اللون الأحمر الذي يمثل دلالات عدة منها ما يمثل العنف والإجرام ومنه قوله:

لاتثريب عليك فإني

أعرفُ غضبَ السلطة

وقهر الشرطة

فالأحمر لون الهيجان

يعتصر عيون الثيران

...

الأحمر كفرٌ وبهتان،

وسيحرق كل الألوان .

ومنه لون الحرية التي تمثل الحياة

لاتثريبَ عليك ... الأحمرُ لونُ حياةٍ للحرية

لونٌ يفتحُ باباً نحو الفنِّ جسوراً

للأبدية .

فالحياة في الحرية وهو ما يفتح باباً للفن الخالد بوصفه يقوم على التضحية في سبيل الهدف المنشود .

أما اللون الاخضر فقد استعمله الشاعر للدلالة على انبلاج الأماني، ولعل الخضرة تمثل الخصب والنماء، والشاعر أسمى قصيدته بـ (سؤال أخضر) إشارة منه إلى الأمل الندي، يقول:

يصعقني الأخضر، يربكني

أتخيَّل كلَّ ظنوني

وخيالي ينسابُ قصائد

فوق شجوني .

فالحرية لايمكن أن تتحقق من دون تضحية من أجل الخلاص من دهماء الشرور من أجل العيش في حياة خضراء بأمنها وأمانها .

ولعله في قصيدته (انتماء) يذكر لنا ثلاثة ألوان، منها: الأسود يجعله لون للأرض لأصالته، بينما الأبيض يشتاق للأصفر، والأحمر يجمع الأسمر دلالة على عدم التفرقة بين الأجناس البشرية، فهو المنتمي للإنسانية والأصالة، فهو يطابق بين الألوان؛ ليخرج منها دلالات متقاربة .

 

بقلم د. رحيم عبد علي الغرباوي  

..................

الهوامش:

(1) ينظر: تحليل النص الشعري، سعيد عبد الهادي المرهج: 19

(2) أودنيس أو الإثم الهيروقليطي، عادل ضاهر: 113

(3) المعنى الشعري، د. عباس صادق عبد الصاحب: 62 .

 

يمثل حضور المرأة في القصيدة الصوفية جانباً من عملية نسيجها الفني، وآلية من آليات تواصلها، حين تبرز بوصفها رمزاً لأفتتانه بالوجود وحنينه الى أصوله في شكل حسي أغترابي، فالانثى ما هي الا انعكاس لجمال الذات الالهية . لأن الله اساس الجمال و"لولا جمال الله لما ظهر في العالم جمال، ولولا حسن المخلوق لما عُلم حسن الخالق".

ويرى بعض النقاد ان شعراء الصوفية فيما قد يبدو قد مروا بتجربة الحب الانساني قبل  ان يدخلوا في منطقة الحب الالهي،لانه لايعرف الشوق الإ من يكابده، ويويد ذلك انهم تركوا لنا تراثاً في الغزل ينم عن تجربة كاملة للحب".

وقد نسج الشعراء الصوفيون قصائدهم على منوال الشعراء العذريين، مستخدمين لغة الحب نفسها، بحيث لانستطيع التمييز بين ما يتغنى فيه الشاعر الغزلي بالحب الانساني، وما يتغنى فيه الشاعر الصوفي بالحب الالهي،"إذ تطالعنا القصيدة الصوفية منذ نعومة أظافرها على تبنيها أسلوب الغزل الانساني المأثور في الشعر العربي متخذين  منها ستاراً لغوياً واسلوبياً لمعاني الحب الالهي"، لكنهم نزهوا الحب عن ان يكون بشرياً، ووجدوا من الحري به ان يكون الهّياً، فجعلوه في منتهى النقاء، خالصاً من كل حضور مادي او جسدي فلا يبقى سوى الله مؤهلاً للتوجه اليه.

فالمرأة بوصفها المحبوبة، رمز الانوثة الخالقة، للرحم الكونية، وهي بوصفها كذلك علة الوجود، ومكان الوجود، والعاشق لكي يحضر فيها يجب ان يغيب عن نفسه، عن صفاته، يجب ان يزيل صفاته لكي يثبت ذات حبيبته. إذ إن وجوده متعلق بوجودها، وكينونته رهن لتماهيه فيها، إذ لا وجود للثنائية والتعدد في هذا المقام، يقول الششتري:

قد كساني لباس سقمٍ وذلة              حبُ غيداء بالجمال مُدله

سلبتني وغيبتني عني                  وغدا العقلُ في هواها مُوله

سفكت في الهوى دمي ثم قالت        يا طفيلي ـ عشقتني؟ أنت أبله

إن تُرد وصلنا فموتك شرطٌ           لا ينالُ الوصال من فيه فضله

لن يستأنس بنار الحبيبة المنادية، الإ كل مقتحمٍ لبحار الهلاك، ولن يقتبس من فضلها الإ سندباد الاهوال والمخاطر، فالحبيبة ـ كما الحقيقة ـ لا تعطي نفسها لكل خاطب، إذ أن شرطها هو سلب الارادة، فكل من تجرد من ثوب الارادة بعد سلوك ومقامات، فقد تمسك بكنه الارادة وجوهرها، يقول ابن العريف:

الأ قل لمن يدعي حبنا                  ويزعم إن الهوى قد علق

لو كان فيما إدعى صادقاً              لكان على الغصن بعض الورق

فأين التحول وأين الذبول              وأين الغرام، وأين القلق

وأين الخضوع وأين الدموع           وأين السهاد وأين الأرق

لنا الخائضون بحار الهلاك           إذا لمعت نارنا في الغسق

والشاعر الصوفي عمل على تكريس خطاب العشق الذكوري في الثقافة العربية، وشروطها التأريخية والبيئية، متخذ من المرأة مجلى من مجالي الجمال، ومقاماً من مقاماته التي شدت انتباه الصوفي، واستعبدت أهتمامه، فيقول محمد بن سهل:

اجلك أن أشكو الهوى منك إنني       أجلك أن تومي إليك الأصابع

وأصرف طرفي نحو غيرك صامداً على إنه بالرغم نحوك راجع

ان الشوق والحنين والتعلق والافتتان هي الروابط الرئيسة التي شدت الصوفي الى المرأة التي ترك غيابها  عن ناظره مجالاً للحلم والخيال الخلاق، وهو الخيال الذي شكل  المرأة من الحجارة المكومة في تجارب الغزل، يقول ابن العريف في إحدى مقاماته العشقية:

إن لم أمت شوقاً إليك فإنني            سأموت شوقاً أو أموت مشوقاً

ألبستني ثوب الضنا فعشقته           من ذا رأى قلبي ضنى معشوقا

لاقر قلبي في مقر جوانحي            إن لم يطر قلبي إليك خفوقا

وبرئت من عيني إذا هي لم تدع      للدمع في محرى الدموع طريقا

إنَّ بهاء الكلمات وأشراق العبارات وتوهج العواطف وسخاؤها هي المقولات الكبرى في هذا المقطع الشعري على الرغم من انه ـ أسترفد من تجارب شعرية سابقة، وأستنار من قبسها.

 

الاستاذ المساعد : ليلى مناتي محمود

كلية اللغات / جامعة بغداد

 

الوارث الحسنبين النقد الأدبي القديم والحديث

تمهيدا لمناقشة هذا الموضوع، وتمهيدا بالتالي للحديث عن علاقة النفس بالنص الأدبي (الإبداع)، لابد من الإشارة إلى هذه العلاقة من منظور نقدي وبلاغي. ونستهل هذه الإشارة بالقول بأن هذا الموضوع قد شكل ميدانا فسيحا في الدراسات النقدية والبلاغية القديمة منها و الحديثة، واحتوى العديد من الآراء من جانب الشرح والتفسير.

وفي هذا الصدد، اهتم النقاد القدامى كثيرا بدراسة علاقة النص الأدبي بنفسية صاحبه من خلال « البحث في صحة المعاني أو فسادها في الدلالة على حالة الشاعر وملاءمتها لمزاجه وطبعه، وفي العناية بتقويم المحسنات وأساليب الجمال الفني»(1).

وهكذا،روي عن يونس بن حبيب قوله: « كفاك من الشعراء أربعة امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهيرا إذا رغب، والأعشى إذا طرب، وعنترة إذا كلب»(2). وهذا يفيد في القول،بأن اختلاف الإنتاج الأدبي له علاقة وطيدة بتباين الأمزجة والطباع. كما يفيد، في القول أيضا، بأن الفروق في تركيب البنية النفسية للشعراء له دور مهم في الاستجابة لدوافع الرغبة و النفور من جهة و دواعي التميز و التفرد . وكان عبد القاهر الجرجاني قد أشار إلى هذا الاختلاف في قيمة الإنتاج الشعري، وذهب إلى القول بأن الشاعر « قد يكون في المديح أشعر منه في المراثي، وفي الغزل واللهو والصيد أنفذ منه في الحكم والآداب»(3).

وكانت أوضح إشارة نقدية إلى علاقة الأساليب الأدبية والبلاغية بنفسية مستعمليها، هي التي سجلها ابن قتيبة، في كتابه (الشعر والشعراء)، والتي اعتبر فيها« أن للشعر تارات(اوقات) يبعد فيها قريبة ويستعصب فيها رُيّضه، وللشعر أوقات يسرع فيها أتيُّه، ويسمع فيها أبُّهن منها أول الليل [...] ومنها صدر النهار [...] ومنها الخلوة[...]»(4) . كما عبر غيره من النقاد من بعده،على علاقة البنية النفسية للشاعر بالأساليب الأدبية وربطوها بالعملية الإبداعية ربطا وثيقا. وهكذا يقول القاضي الجرجاني: « ثم تجد الرجل منها (في القبيلة) شاعرا مفلقا، وابن عمهن وجار جنبه ولصيق طنبه بكئا مفحما، وتجد فيها الشاعر أشعر من الشاعر والخطيب أبلغ من الخطيب، فهل ذلك إلا من جهة الطبع والذكاء وحدّة القريحة والفطنة؟ وهذه أمور عامة في جنس البشر لا تخصيص لها بالأعمار ولا يتصف بها دهر دون دهر» (5). ثم يضيف « والقوم يختلفون في الآخر، ويسهل لفظ أحدهم ويتوعر منطق غيرهن وإنما ذلك بحسب اختلاف الطبائع وتركيب الخلق»(6). وأكد عبد القاهر الجرجاني من جهته هذه العلاقة، معتقدا أن العملية التعبيرية الفنية تتحكم فيها أمور غيبية تعلق بالعقل والنفس، وهي التي تهدي المتلقي إلى إدراك المعاني الدلالية الخفية وقال: « فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعرا أو يستجيد نثرا، ثم يجعل الثناء من حيث اللفظ فيقول، حلو رشيق، وحسن أنيق، وعذب سائغ، وخلوب رائع، فاعلم أن ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف، أو إلى ظاهر الوضع اللغوي، بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده، وفضل يقترحه العقل في زناده»(7)، ثم أضاف عبد القاهر الجرجاني إلى أن معرفة هذه المعاني صعب المنال، لأنها معان خفية، « لا تبصرها إلا ذوو الاذهان الصافية والعقول النافذة، والطباع السليمة والنفوس المستعدة لأن تعي الحكمة، وتعرف فصل الخطاب»(8). وقال الجرجاني في موضع آخر مؤكدا السابق و « اعلم انه لا يصادف القول في هذا الباب موقف من السامع ولا يجد لديه قبولا حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة وحتى يكون ممن تحدثه نفسه بأن لما يومئ إليه من الحسن واللطف أصلا وحتى يختلف الحال عليه عند تأمل الكلام فيجد الأريحة تارة ويعرى منها أخرى، وحتى إذا عجبته عجب، وغذا نبهته لموضع المزية انتبه»(9).

وقد قفا هذا النهج كثير من النقاد التابعين مثل: ابن طباطبا العلوي (ت، 322هـ) وقدامة بن جعفر (ت 337هـ)، والحسن بن بشر الآمدي (ت 370هـ)، وعلي بن عيسى الرماني (ت 384هـ)، ويوسف السكاكي (ت 626هـ)، وضياء الدين بن الأثير (ت 637هـ)، وحازم القرطاجني (ت 684هـ) وغيرهم… ممن تنبهوا إلى العلاقة بين النص الأدبي، ومزاج وطباع المبدع له.

وبناء عليه،يمكن القول إن القدامى من النقاد والبلاغيين يعنون بالقضايا النفسية في علاقتها بالأساليب الأدبية من الناحية الفطرية وأن غايتهم لا تخرج عن كونها إشارات وملاحظات مقتضبة تعكس خلاصة تجارب الناقد والبليغ وخبرتهما . واهتمت دراساتهم أساسا بمعرفة أحاسيس الشعراء وانفعالات مشاعرهم وتحديد المؤثرات البيئية والاجتماعية التي توجه سلوكهم وميولاتهم الفطرية والغريزية، ووصف تعاملهم مع الألفاظ بأوصاف تنسجم وطبيعة كل منهم» أكثر من أي شيء. ومن ثمة أيضا، كان عنترة بن شداد عندهم مثلا: فارس شجاع، وشاعر مجيد، سهل الألفاظ، رقيق المعاني، على حسب ما يقتضيه كل غرض… وزهيرمثلا، قاض حكيم، وشاعر فحل، يضع اللفظة موضعها، ويجمع كثير من المعنى في قليل المنطق…. وباختصار، فقد ركز النقاد والبلاغيون القادى في دراستهم لهذه الظاهرة على نقطتين رئيسيتين:

الأولى: معرفة البواعث التكوينية التي دفعت القول الشعري إلى الظهور، وبالتالي معرفة الأسس الفعالة، والمؤثرات العامة التي تكمن وراء كل عمل أدبي، في إطار العلاقة بين الشعور الداخلي والتجارب اليومية والممارسة الفنية وخاصة فيما يتعلق بمعرفة قدرة الشاعر على جعل النتاج الأدبي نوعا من التعويض ينحاز إليه كلما أحس بالنقص (نفسي، أو جسماني، أو اجتماعي)، له انعكاس سلبي على طبيعة حياته اليومية.

والثانية: معرفة الأحوال التي تقف وراء تأثير الأساليب التعبيرية في المتلقي (الرسالة)، إذ كثيرا ما اتجه النقاد والبلاغيون وخاصة في دراسة الصىور الشعرية والأساليب التعبيرية، المباشرة منها وغير المباشرة(10) إلى إبراز دورهما النفسي، ومدى قيمتها الدلالية الوجدانية وتأثيرها في المتلقي.

وأخيرا فقد ركز النقاد العرب القدامى في دراستهم لهذه الظاهرة على ثلاثة عناصر، هي: المبدع، الرسالة، المتلقي.

وإذا انتقلنا إلى الدراسات العربية الحديثة في هذا المجال(11)، فإننا نجد عباس محمود العقاد في طليعة الدارسين الذين ناصروا الاتجاه النفسي في الدراسات الأدبية، وأكدوا على وجود علاقة وطيدة بين الأدب عموما، ومبدعه من الناحية النفسية. بل لقد تأثر العقاد بمناهج ونظريات مدرسة التحليل النفسي الحديثة واعتبرها « أقرب المدارس إلى الرأي الذي ندين به في نقد الأدب، ونقد التراجم، ونقد الدعوات الفكرية جمعاء، لأن العلم بنفس الأدبي أو البطل التاريخي يستلزم العلم بمقومات هذه النفس، من أحوال عصره وأطوار الثقافة والفن فيه، وليس من عرفنا بنفس الأديب في حاجة إلى تعريفنا بعصره وراء هذا الغرض المطلوب، ولا هو في حاجة إلى تعريفنا بالبواعث الفنية التي تميل به من أسلوب إلى أسلوب»(12).

وهكذا اقتنع العقاد بوجود علاقة وطيدة بين العوامل البيولوجية والسيكولوجية للشاعر أو الأديب… والعملية التعبيرية خصوصا أو النص الأدبي عموما، كما في قوله مثلا: « لا تعوزنا الأدلة على اختلاف أعصاب ابن الرومي وشذوذ أطواره من شعره أو من غير شعره، فإن أيسر ما تقرأه له أو عنه يلقي في روعك الظنة القوية في سلامة أعصابه، واعتدال صوابه، ثم يشتد بك الظن كلما أوغلت في قراءته والقراءة عنه حتى ينقلب إلى يقين لا تردد فيه»(13)، ثم أضاف: « وكل ما نعلمه من نحافه وتقزز حسه، وشيخوخته الباكرة، وتغير منظره، واسترساله في الوجوم، واختلاج مشيته، وموت أولاده، وطيرته ونزقه وشهوانيته الظاهرة في تشبيهه وهجائه، وإسرافه في لهوه ولذاته، ثم كل ما نطالعه في ثنايا سطوره من البدوات والهواجس، قرائن لا تخطئ فيها الدلالة الجازمة على اختلاف الأعصاب وشذوذ الاطوار، بل لا تخطئ فيها الدلالة على نوع الاختلال ونوع الشذوذ»(14).

وهكذا،وجد العقاد أن اختلال أعصاب ابن الرومي، كان له الدور الفعال في إبداعه الشعري، وبالتالي، فإن واقع الشاعر وشعره شيء واحد عند العقاد، « فموضوع حياته هو موضوع شعره، وموضوع شعره هو موضوع حياته»(15).

وقد أكد أمين الخولي من جهته وجود صلة وثيقة بين النص الأدبي وصوره وأسلوبه، بل ومختلف تعابيره من جهة ونفسية مبدعه من جهة ثانية، فحث الدارسين والباحثين على الاهتمام بعلم النفس لتحليل الجوانب النفسية، بل ومختلف الوقائع والأحداث التي رافقت شخصية المبدع، عن طريق « وصل الأديب بأدبه، بحيث نفهم الأدب بشخصية صاحبه، كما نفهم شخصية الأديب بآثاره الفنية»(16).

وبناء على ذلك،تركزت أعمال الخولي في هذا الشأن على دراسة التكوين الداخلي للمبدع، ومعرفة سلوكه الخارجي، ومختلف تصرفاته، التي تظهر بين الفينة والأخرى في إنتاجه الأدبي، عبر ثنايا الأسلوب(17).

وقد ساند محمد خلف الله تلك الآراء، لكنه دعا إلى دراسة النصوص الأدبية أو الأدب بشكل عام، انطلاقا من مناهج النقد الأدبي القديم، مبديا في هذا الصدد إعجابه وتأثره، بنظرية عبد القاهر الجرجاني في هذا الشأن، ومعتبرا إياها جزءا « من تفكير سيكولوجي أعم، يطبع كتاب الأسرار بطابعه، فالمؤلف لا يفتأ يدعوك بين لحظة وأخرى إلى تجربة الطريقة النفسانية التي يسميها المحدثون (الفحص الباطني)، وذلك ان تقرأ الشعر وتراقب نفسك عند قراءته وبعدها، وتتأمل ما يعروك من الهمزة والارتياح والطرب والاستحسان، ويحاول ان تفكر في مصادر هذا الإحساس»(18) . ثم أكد على أنه من الممكن الاستفادة من نظرية الجرجاني النفسية عن طريق توظيف منهاجها واستغلال أفكارها، لتغذو نظرية حديثة «تنهض بما لم يفطن إليه من نواحي النظرية الأدبية، وتبين ما أجمله من مسالك الأدب إلى النفوس، تعالج ما أشار إليه من ضروب الصور الذهنية [...] منتفعة في ذلك بنتائج الدراسات الأدبية الحديثة، وبما وصلت إليه الفروع الإنشانية المختلفة التي تمت إلى الأدب والفن بأوثق الصلات»(19).

وكتب مستنتجا: « والواقع أن ميدان التحليل النفسي من أخصب ميادين علم النفس، من جهة علاقاته الأدبية، فإن تنقيبه في أعماق النفس الخفية، يقفه وجها لوجه أمام طائفة من المعضلات التي شغلت باحثي الأدب قرونا، ولا تزال تشغلهم»(20).

هكذا دعا محمد خلف الله إلى تبني التحليل النفسي لدراسة الأدب وفنونه بل ودراسة طبيعة الشعر وأغراضه وأساليبه التعبيرية(21).

ولم يخرج محمد النويهي، عن سابقيه في أفكارهم ومناهجهم التطبيقية .وجاءت تفسيراته لهذه العلاقة من خلال دراساته النفسية والبيولوجية لشخصية بعض الشعراء من مثل: ابن الرومي(22) وبشار بن برد، وأبي نواس، انطلاقا من استكشاف العوامل المؤثرة في شخصيتهم وبعض مظاهر سلوكهم، من خلال أشعارهم و طريقة كتاباتهم و أخبارهم، معتمدا فـي كـل ذلك على مناهج نفسية حديثـة مختلفة، حيث أكــد قــوله:

« فإنني لم أتبع فرويد هذا الاتباع المذهبي الضيق [...] وإنما تخيرت من شتى الفلسفات النفسية الحديثة الأخرى ما رأيته نافعا في شرح موضوعي الخاص الذي تناولته»(23).

وقد علق أحمد كمال زكي على آراء محمد النويهي في كتابه (شخصية بشار)(24) وقال: « والكتاب في جملته جاء مظاهرة للتأثير الاجتماعي في الشاعر العظيم»(25).

في حين انتهى محمد النويهي في كتابه الثاني (نفسية أبي نواس) إلى أن هذا الشاعر الذي في رأيه « ولد رقيق التكوين، مشحوذ الأعصاب، بالغ الحساسية، وإلا لم يكن الشاعر الذي نعرفه في حدة شعوره، وسرعة تأثره، ودقة استجابته الشعرية لمؤثرات حياته. ومثل هذا الطفل المستوفز الإحساس يكون عظيم التأثر بأحداث طفولته. فصفحة نفسه غشاء بالغ الرقة تنطبع عليه تجاربه العاطفية انطباعا عميقا، وتهز كيانه هزا عنيفا»(26)، كان يجد في شرب الخمر، و « ارتشافها، ارتضاء لشهوته تلك»(27)، ومحو آثار فقدانه لحنان الأبوة والأمومة (28)، وبالتالي « عجز عن التخلص منها (الخمرة) طوال حياته»(29)، فأقر أن حاجة أبي نواس للخمرة هو كحاجة الطفل نحو أمه وأبيه، وبالتالي رأى أن هذا الشاعر كان يعاني من عقدة نفسية رافقته في نشأته وتربيته الأولى، وتجسدت بجلاء في شذوذه الجنسي(30).

هكذا أثبت محمد النويهي بدوره نجاعة التحليل النفسي الحديث في الكشف عن مختلف البواعث التكوينية التي دفعت الشعر إلى الظهور، وبالأسس الفعالة التي تكمن وراء كل عمل أدبي قام به الشاعر أو الأديب.

وبناء على هذه الآراء والدراسات يلاحظ بجلاء ولا شك، تأثر الدراسين العرب المحدثين بمناهج النظريات النقدية القديمة من جهة وبمناهج التحليل النفسي للدراسات الغربية -علم النفس- من جهة ثانية، واتفاقهم جميعا في القول بأن الشعر كمعطى تعبيري أسلوبي، لا يمكن فصله بأي حال من الأحوال بالبواعث التكوينية والعوامل المؤثرة في شخصية الشاعر، وبأن الشعر بمختلف أساليبه التعبيرية لا يمكن فهمه وتبين ملامحه إلا بالرجوع إلى واقع الشاعر، إيمانا منهم بأن الشاعر ليس سوى نتيجة لهذا الواقع، ومرآة عاكسة له. وبعبارة أدق، يعكس هذا الاتجاه، إيمانهم بأن فهم النص الأدبي، ومختلف أساليبه لا يبدأ من الشعر، بل يبدأ من واقع الشاعر. ومن ثم، جاءت محاولات هؤلاء الدارسين لتحديد خصائص وملامح علاقة الأدب عامة أو الشعر خاصة بنفسية صاحبه، وواقعه المعاش، وكأنها خاضعة لهذه النظرة، أي أنها تخدم أولا وقبل كل شيء فكرة العلاقة الحتمية والبديهية، بين هذا النص وحياة صاحبه.

 

بقلم: الدكتور الوارث الحسن

أستاذ باحث - المغرب

..........................

الهوامش:

(1) تاريخ النقد الأدبي عند العرب، إبراهيم طه، ص: 72.

(2) العمدة، 1/204 .

(3) الرسالة الشافية، عبد القاهر الجرجاني، ص: 126.

(4) الشعر والشعراء، 1/86-87.

(5) الوساطة، القاضي الجرجانين ص: 16.

(6) نفسه، ص / 17-18.

(7) أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، ص: 3.

(8) نفسه، ص: 50.

(9) دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص: 279.

(10) ونقصد بالأساليب المباشرة، أساليب علم المعاني، الطلبية منها وغير الطلبية، وبالأساليب غير المباشرة، المحسنات البيانية والصور البديعية.

(11) ونود ان نذكر في هذا الإطار، أن الدراسات العربية الحديثة، لا تزال متكئة اتكاء كاملا على ما أنتجه الغربيون. ويكفي ان نذكر، علم النفس واستغلاله في دراسة الفن عامة خاصة من طرف: فرويد Sigmond Freud وجاستون باشلار Gaston Bachelard وشار مورون Charles Mouron، وغيرهم…

(12) دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية، عباس محمود العقاد، ص: 112-113.

(13) ابن الرومي، عباس محمود العقاد، ص: 101.

(14) نفسه، ص: 101.

(15) نفسه، ص: 12.

(16) مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، أمين الخولي، ص: 332.

(17) راجع نفس المصدر، ص: 327 وما بعدها.

(18) من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده، محمد خلف الله، ص: 135.

(19) نفسه، ص: 138.

(20) نفسه، ص: 22.

(21) راجع: المرجع نفسه، ص:76، وما بعدها.

(22) راجع تعليق أحمد كمال زكي في كتابه: النقد الأدبي الحديث، ص: 184، حول ما جاء به النويهي من آراء في تحليل شخصية ابن الرومي. وانظر الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، عبد القادر فيدوح، ص: 173.

(23) نفسية أبي نواس، محمد النويهي، ص: 185.

(24) راجع: شخصية بشار، محمد النويهي.

(25) النقد الأدبي الحديث، كمال أحمد زكي، ص: 184.

(26) نفسية أبي نواس، محمد النويهي، ص: 79.

(27) نفسه، ص: 46.

(28) نفسه، ص: 80.

(29) نفسه: ص: 52.

(30) راجع نفس المصدر، ص: 55.

 

 

 

احمد الشيخاويفي محاولة لوضع حجر الأساس لمشروع شعري، يبدو أن الذات صمتت عن تفاصيله طويلا، من خلال تشفير أرهق الروح وأنهكها حدّا لا يُطاق، كي يثمر بالنهاية، بوحا يزهد في الخطاب القناعِي، ويجيء عاريا متنكّرا لمحطات الجلْد الأنوي، وإن كان لا يرفع كثيرا من المسؤوليات عن هذه الأخيرة، أيضا في مسرح ما يمكن للكائن فتح جبهة للنضال ضدّ روتينه، بعدّ الهوية الخاصة نواة معادلتنا الإنسانية، سواء بالمفهوم الفرداني أو داخل السّرب.

 وعيا يولّد صياغة بعينها، ليمنح الذاتيه معنى، ويؤثر في باقي الصياغات، وهي تمارس سلطتها، موجّهة في التشكيل، على نحو مباشر أو غير مباشر، متلاعبة بملامح مركزية كما كونية الفرد، تبعا لقياسات إذابة هذين المفهومين في ملمح السيادة أو الخصوصية الجماعية.

صمتت هذه الذات، متأمّلة مشهد ما قبل الفعل الإبداعي الضاج بثغرات أنويتنا الميّالة، في كثير من الأحيان، وفجأة انقلبت على ذاكرة طمر العيوب ومواراتها، خلف فخفخة ما تنفكّ تفضي إلى اصطدام فجائعي بفولاذية الواقع.

إنّ الشاعر محمد حياري، و هو يتوجع بترجمة مثل هذه الحمولات، ينبّه إلى عظمة وجلال الكلمة، والتي إن وفّقنا في احتواء عمقها ودوالها، بمعزل عن أضرب التكلّف والصنعة الإبداعية المشوّهة لنقل المعنى، نكون فقط قد تجاوزنا العقدة الأجناسية .

وهو طرح غامز بالرؤية الموسوعية المحيلة على طاقة إبداعية هائلة، وعبرها رفع منسوب التحكّم في الذات والزمكان، بما يتيح مساحات أوسع للتصالح والتصافي وترتيب المشهد الوجودي، وفق تصور يقوم على أنقاض فضح عيوب الكينونة، ينهض من رمادها، مكاشفا بكتابة إشراقات ولادات ثانية، وبعد برزخية، لتلكم الأنا المتخمة بخرائط طابو الأعطاب.

تجربة كهذه تتهمّ غطرسة الجماعي وتدين إشتراكيته الجائرة، إذ تتمحور على إذابة الهوية الفردية، وهي تبرز كأقصى ما يكون الفعل الإبداعي، مدى إشاعة ثقافة كون إنسانيتنا أكبر من الكلمة وسفسطة المنظومات الفلسفية المفتية بروح العام على نقصانها وجشع تغذّيها على تجاذبات إفقار الذات.

لكن تقبع القصيدة لسان الأبد في ذودها عن هذه الإنسانية المفقودة والمهدورة والمنوَّمة أحيانا.

يحضر سرد تكامل بين الأضداد لا تجاذب، ممّا يشي بتوجّه مغاير، يحسب للأصوات الجديدة، لما تخفض جناح الذل فقط للتجريب دون سواه.

إنها أبجدية تمجيد الدندنة الروحية، لا يهمها إن رفعت سقف ومضة الهايكو، أو أشركت معنى الإستذئاب الأيديولوجي، في نصغ لعبة كلامية، تنتصر للحياة وقيم الخير والمحبة والتسامح والنضارة والجمال، الخ...

في مناسبة ارتجالية، مع أنها تسجل للذات المبدعة عدم ركضها الممل، خلف الكلمات، بما يراكم معاني الانتصار لروح الفردانية، يقول:

[يكفيني سندويشا في المساء

لأحلم أني ألف الأرض مرة

 ومرتين بلا قدمين وبلا يدين

تحملني عجوز جميلة تمسك سيجارة بـــــــــفلتر

تخرج الدخان من أنفها

كلما سقطت نجمة في الجنوب](1).

ولو أن إطار الاشتغال، لا برح مستنقع أعطاب الذات: الخيانة، شحّ الضوء، الاعتراف بالرداءة النرجسية، الجنون خارج القصيدة، تأليه عبثية الأعمار، مرور الرموز الخاطف والخجول والذي يؤجج الظمأ لفراديس إنسانيتنا فوق ما يشعر بالحدّ الأدنى من الرواء، إلى ما ذلك من معاني يناوب على إنتاجها وتناسلاتها، عمق النصوص وبراءة لغتها وكريستالية معجمها وإنسانية خلفيتها وهي الأهم ههنا في مجموعة، لم تمنعها عذريتها، من مناطحة أفق المفارقات المحقّقة للوظيفة الجمالية والإدهاشية المرتجاة، من ممارسة الشعر.

من الديوان ندرج هذه الشذرة وكيف أنها تتماهي بتجليات العكسي أو المضاد، رافعة الحلم إلى رتبة صياد، استغراقا لوحشية قذرة ضمنية، يطارد الذات خارج حدود فردانيتها، بحيث لا يكون المنجد، سوى التشبّع بثقافة الاعتراف بالأعطاب الأنوي، كغيث كاذب، تغذّيه إرهاصات مصاردة الحلم للذات، لا العكس،  توسّلا برمزية وهوية الذات في عمق انتمائها إلى طقس العالمية:

[ بالأمس كنت طريد أحلامي

قفزت فوق أسوار المدينة

تخفيت بفروة ذئب

تكلمت لغة النمل

حتى سمعت غيمة حديثي

ففاضت عيناها بالدمع](2)

كذلك هي كتابة رصد الأعطاب، حين تبحث في المعنى الزئبقي، دفقا بألوان تغذية هوية الكائن الفردية، مثلما تُلهم هذه المجموعة الشعرية الباكورة .

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

.........................

هامش:

(1) نص نجمة سقطت في الجنوب، صفحة52/53

(2 )نص تفاصيل صغيرة، صفحة 45

كلّ هذا وأكثر (شعر) طبعة أولى2019، إصدارات جامعة المبدعين المغاربة، الدار البيضاء.

 

 

رحيم الغرباويالشعر هو شعور يتجاوز المحسوس إلى عوالم فسيحة على الرغم من انطلاقه من عالمه، فنراه يتشاكل مع الروح ؛ ليحلق معبِّراً عن لحظات البوح المثالية، ذلك ما افترق الشعر عن غيره من الكتابات الإنسانية، ولعل الشعر النسوي أو النسائي كما يسميه البعض هو شعر وجدان يطابق الواقع إلا أنه يحلق إلى مدارك أوسع إذا ما نظرنا أن المرأة الكائن الجميل التي تسعى دائماً لوصف ذاتها أو ما حولها؛ فتصف أفراحها أو أتراحها تجاه واقعة أو حدث معين أسعدها أم ألمَّ بها، لكن طابع ماتمنحه من تصاوير أو رموز وإن كانت بادية للعيان يمكن للقراءة النقدية أن ترسم من خلال اللاوعي الجمعي صورة مغايرة للمعاني المباشرة بوصف الشعر هو  ما بإمكانه إحداث الدهشة والالتفاته في ذات المتلقي ؛ " لأنَّ للغة الشعر خواصاً خفية تكاد تكون سحرية لاسيما عندما تتحول الأحاسيس والمشاعر إلى صرخات تعبِّر عن مشاعر بدائية إزاء حركة الزمان وإلفة المكان " (1)، ولعل العزف على وتر الضياع في الشعر العربي ؛ نتيجة الظروف التي فرضت سطوتها على المواطن العربي سياسياً واجتماعياً لاسيما المرأة جعلتها تنزع إلى البوح بما يخالجها من أنين، وهي ترسم صورة المشاعر تجاه الأشياء، ولنا وقفة مع نماذج (ميرال يونس) الشعرية التي تكتب لنا بأحاسيسها المفرطة بالاحباطات من فعل التزاماتها بالعادات والتقاليد المفروضة، فضلاً عن الحالة غير الطبيعية التي يمر بها بلدها سوريا، فنراها تخالج نزعاتها بروح جميلة طروبة، إذ لاتنسى جمال الطبيعة وهي توظفها من خلال جمال روحها في النظر إلى الأشياء، فنشاهدها توظف الياسمين، والغناء، والأحلام، والرقص وجميعها تحمل معاني الترف، تقول :

على جيدي يثمل الياسمين متراقصاً

وبصوتٍ شجيٍّ لايملُّ الغناء

علمتُ أنَّ أحلامي تحوَّلتْ  أطلالاً

ذبلتْ على أسوارِ الظروف

واعتصمتْ في سجنِ الأعرافِ

لكنَّني أقسمتُ أنْ لا أملَّ الرقصَ بين جنباتِ ذكراه

لعلَّ في ذكراه الخلود .

فهي بتلك الألفاظ تعقد مقارنة بين حالين : الأول : ترف الذكريات والسلام والطمأنينة مع من تهوى بصدق، فتبوح بعشقها للوطن وللأرض وللطبيعة الساحرة  إزاء هول الواقع المثخن بالمحظورات من فعل الحروب التي أضافت على سجن الأعراف ضيقاً ؛ مما جعلها ترسم لنا بريشتها الندية رموز الترف التي أصبحت تعيش في وهدة السكون، فهي تمازج بين جيدها الذي يمثل مكان القلادة ومسرحها والياسمين تلك الأزهار الرقيقة والطيبة الشذا وهي تغني على نبضات قلبها المتسارعة الانغام بفعل قسوة الواقع المضني بدلالة (صوت شجي)، ومن جسامة الأحداث حتى غدا الياسمين ثملاً متراقصاً على أنغام حزن شاعرتنا، متناغما مع قلبها بعدما تحولت أحلامها أطلالا ؛ في إشارة إلى خلو الحياة من أملٍ في الانطلاق نحو مستقبل أفضل ؛ مشيرة إلى الظروف والأعراف وكلاهما سجنان لكل أمنية تخطر على بال من حَلُمَ يوماً ؛ ليعيش بهياً سعيداً، لكننا نجد تصميماً من شاعرتنا، وإرادة لا يمكن مواتها على الرغم من التحديات العسيرة من خلال فعل القسم الذي نراه حاضراً لديها بأنها سترقص بين جنبات ذكراه، ولعل في ذكراه تخلد الحياة بالأمان، ويبدو أنَّ رقصها هو انتقالة شعورها إلى بدء الخليقة، إذ كان الرقص هو لون من ألوان العبادة في المعابد حيث كانت تلك الرقصات تمثل حركات عبادية تتوسلها المرأة ؛ كي تستجيب لها الآلهة ولتحقق مطالبها المحجوبة .

أمَّا في نصها الآخر الذي تقول فيه :

أسامر الليل وشاطئ البحر في الحديث عنك

خوفاً من الناس أنْ يلمحوك في أحداقي

دمعةً،

أو بين ثنايا القلب نبضه

بل في حنايا روحي روحاً

فأكشف  ....

أنَّك سرٌّ في بئرِ أعماقي

ويبدو أنَّ الليل مساحة العشاق ودهاق المظلومين ؛ لما له من سكون (والليل إذا سجى)، كما أنه ستر من الرقباء، يقول المتنبي:

وأزورهم وسواد الليل يشــفع لي    وأنثني وبيــاض الصبح يغري بي

بينما البحر يمثل موطن الاسرار، فهو يدَّخر الكنوز وما فيها من أسرار، تجعلها تلحق رؤيتها بهذين الرمزين، وهي تسامرهما ؛ كونهما أليفين لها بوصفهما أيضاً يمثلان محطة لأنين العاشقين وملاذاتهم . أمَّا الدمعة التي رمزت لها بالحبيب بوصف البكاء من القلب إيذاناً بحس الفجيعة المدمرة التي دهمتها، " وليس أمام الذات سوى أنْ تعلن حدادها ... مما يدل على أنَّ الاغتراب كلي وليس جزئياً، داخلياً ولا خارجيا، وإنه ضارب في العمق، هو التحول من دلالة الحزن إلى دلالة الألم، وأحد الظواهر الوجدانية المشحونة بالوجع " (2)، كما أنها تجعل من الغائب نبض القلب كونه معجوناً به، بل وروحاً خلد في روحها، لشدة تعلقها بطيفه،   فجعلها تخشى أن يراه الناس دمعةً في أحداقها، فيكتشفون سر معاناتها، ثم ترمز إلى موطن الأسرار وكأنه البئر في إشارة إلى إخفاء سرها عن أعين الوشاة والحاسدين ؛ ليبقى الحبيب حياً مع روحها وهي تنبض به حباً واشتياقاً وأنين .

 

أ‌. م .د. رحيم عبد علي الغرباوي

.......................

(1) جمالية فلسفة الدهشة، د. سلام الأوسي : 57.

(2) معارج المعنى في الشعر العربي الحديث، د. عبد القادر فيدوح : 61

 

جمعة عبد اللهالمبدع الكبير (أحمد خلف) من ابرز كتاب القصة والرواية الحديثة العراقية . بأنه يمتلك اسلوبية بالغة الجودة في الابداع، في التنوع واقتحام كل الاشكال السردية بالتنوع في الحبكة الفنية وتقنياتها الحديثة . اضافة انه يملك رؤية ناضجة في الصياغة الفنية ومنصات التعبير في الرؤية الفكرية، التي يستخلصها من الواقع الحياتي والمعاشي، ويصوغها في خيال فني خصب في آفاقه الواسعة والمتمددة، ليجعل النص الروائي في سعة التناول الواسع . انه يغوص في صلب الاشياء وعمقها، ليخرج منها، الجوهر بالمعنى التعبيري في، في دلالاته العميقة . وتجربته الطويلة في تجربة الفن الروائي، أكسبته خبرة ومهارة وصنعة احترافية، في الاشكال السردية وتقنياتها، التي تعطي القوة التعبيرية في طرحها وتشخيصها، لذلك نجد في رواية (محنة فينوس) وظف عدة اساليب متنوعة، من اسلوب التداعي الحرالذي سكبه في انسيابية شفافة في الحبكة السردية، التي تملك العمق بلغتها المشوقة والمرهفة، وكذلك توظيف الرمز في التعبير، وفي استخدام التناص في الاسطورة، وجرها الى الواقع العراقي، قديماً وحديثاً، في بؤرة سماته البارزة والمكشوفة . لذلك استخدم في هذه الرواية (محنة فينوس). الاساطير الرومانية والاغريقية . ومهما اختلف اسمائها ومسمياتها، وانما ان نأخذ الجانب الرمزي في المغزى والدلالة . (فينوس الرومانية / يقابها افروديت الاغريقية) او (مارس الروماني / يقابله اريس الاغريقي) وهكذا . (اثينا / تمثل بغداد) . لذلك نهتم في البعد الرمزي ومنطلقاته التعبيرية في هذه الرموز، بالقصد والمقصود . من اجل تسليط الضوء على ازمنة الاستبداد والطغيان الشمولي، مهما كانت مسمياتهم، سواء كانوا آلهة واباطرة والطغاة مأجورين في حكمهم المطلق، اومن صنف البشر من الطغاة المتوحشين . لان الجامع المشترك بين هؤلاء، هو اللهاث على الحصول على صولجان السلطة، مهما يكون حتى بطريقة التدمير والخراب للبلاد . فهكذا دمروا بالخراب بغداد والعراق، واهلكوا اهلها وحرثها . في صراعات دامية وحامية الوطيس، كلفت انهار من الدماء واطنان من الجماجم التي سقطت في ساحة الوغى والحرب، في سبيل الاستيلاء على صولجان السلطة . الذي يأتي دائما عبر الخرائب والنيران الحارقة . يتجرع الناس فيها مر العذاب وكأس الحنظل . وحين يستولون على صولجان السلطة، يطلقون العنان للوحش الرابض في عقولهم في التوحش . في هلاك البلاد والعباد، وممارسة اساليب البطش والتنكيل بكل صفاتها الوحشية، اضافة الى استخدام سلاح التجويع والفقر والارهاب، وامتلأ السجون وزنازين الموت بالضحايا، حتى دفن الابرياء في الحفر وهم احياء . هذه الصفة العامة لازمنة الاستبداد والطغيان القديمة والحديثة . ولكن من المهازل السخرية التراجيدية . يتم سرقة الصولجان عن طريق الخدعية والمكر الثعلبي والشيطاني بالاحتيال، وما حقيقة سرقة آله الحرب والشر والدمار (مارس) للصولجان، جاء نتيجة احتيال وخديعة عن طريق التوسل الى رب الارباب الالهة (زيوس) يطلب منه ان يعيره الصولجان، لليلة واحدة فقط ثم يعده اليه، ولكن حين مسك صولجان السلطة أشتعلت نيران الحرب المدمرة والطاحنة بينهما، ماهي إلا صورة طبق الاصل، لكل الانقلابات العسكرية التي مرت على تاريخ العراق . وكبدت العراق خسائر فادحة وباهظة لا تعوض، بالخراب والموت وسفك انهار من الدماء . التي عصفت في أثينا (بغداد) واطلقت العنان لعقلية الحواسم والعلس، وثقافة الحقد والكراهية والعداوة . وبالتالي كانت النتيجة المأساوية في اغتصاب الحب والجمال، وافراغهما من محتواهما الانساني والحياتي، وتحولهما الى محنة، مثل محنة (فينوس) آله الحب والجمال، حينما اغتصبها، آله الشر والموت والدمار (مارس) ليجرد الحب والجمال من اشراقاته، من خلال فض بكارة (فينوس) وحملها في احشائها الجنين، من حيامين الشر والحرب والخراب . هذه العدوانية الدنيئة والخسيسة . ليجرد اثينا (بغداد) من معالم الحب والجمال، وليخلق محنة حياتية عويصة، هي بالضبط مثلما اغتصبت الانظمة الطاغية في الاستبداد الشمولي، في كل مسمياتها العسكرية والدينية، مثلما هو الواقع العراقي عبر مراحله السياسية . الذين دفعوا العراق الى الخراب والدمار، في صراعهم المسعور على صولجان السلطة . ان يعبثوا بالخراب والفوضى في صراعهم الدامي . ان يشعلوا النيران وبشن الحروب العبثية والمجنونة بالفوضى، لكي تحترق اثينا (بغداد) . وما على المساكين الناس والفقراء، إلا تأدية فروض الطاعة . وتقديم القرابين تلو القرابين، من اجل بقاء صولجان السلطة بأيديهم الى الابد (بعد ما ننطيه / او دار السيد مأمونة) . وهم يتلاعبون في ارواح البشر . في البطش والتنكيل والاغتيال . على صرخات كرنفالات المجد والتعظيم الى (زيوس) العظيم رب الالهة الجبار، السيد المطلق . مثلما كان سابقاً (قائد الضرورة العظيم) او حالياً (الاصنام المزيفة المقدسة) . وما على اهالي اثينا (بغداد) سوى تقديم كرنفالات الفرح العظيم، على الدموع والنحيب والعويل بالحزن والخراب والتعاسة، على توابيت الاموات التي أمتلئت بهم المقابر، ولكن الويل من يحتج ويعترض على الامر الآلهي المقدس، على حكم الالهة والباطرة والطغاة والفاسدين، عليه ان يضع حياته على راحة عفريت مجنون، عليه ان يكتب على نفسه الموت والاغتيال المحتم والمحتوم . ان يجد الوحشية الدموية امامه بالصدمة المروعة (حين بلغ الاباطرة الاسياد احتجاجات نفر من الشباب، أرسلوا لهم عشرة من رجال اشداء مدججين بالهرواة والقبضات الحديدية وعملوا بهم ضرباً مبرحاً وراحوا يسومونهم اصناف العذاب على مرآى ومسمع من اهاليهم، بعد ذلك الضرب المبرح، لم يعد الاهالي يعلمون ماذا حل باولادهم وفي اي المغارات دفنوا او حشروا حتى قيام الساعة) ص16 . . ان كل الطغاة قديماً وحديثاً، متشابهون بنهج سلوك الوحشية الدموية في العنف المفرط، حين يكون بحوزتهم صولجان السلطة . من اجل خلق مناخ الرعب والخوف والفزع . حتى تتكامل المدينة الديستوبية الفاسدة في اثينا (بغداد) . في تجنيد العسس، و حتى تجنيد الذباب والصراصير، حتى الجدران تكون لها اذان، تسمع وتسجل . هذا ما حل الخراب في اثينا (بغداد)، وهذه محنة فينوس، التي اغتصبت وحملت من اللعين والشرير،آله الشر والموت والدمار (مارس) حتى يختفي الجمال بالتشويه والتخريب بالعبث والفوضى، على دموع ونحيب (فينوس) بالحزن والنجوى، ان يترك اثاره على جسدها البض، وهي في حالة ذهول مأساوية (وقد تركت الاثار في جسدها البض ميسماً واصابها الذهول مما جرى لها من مارس اللعين، سكبت فينوس دموعاً ومداراة وبكت ساعات طوالاً ولم يرأف بحالها احد) ص28 . هذه معالم الدولة الفاسدة التي يخلقها الاباطرة الطغاة، ان يحولوا الحب الى عهر وفساد ورذيلة، وان يحولوا الجمال الى خراب وخرائب تجتاح الحياة (اذ ليس مثل مدينتنا مدينة اخرى تحملت عبث الالهة وجنون الاباطرة ولهو سدنة المعابد، كانت اثينا مضطرة الى فتح ابوابها لكل عابر يروم من رحلته حفنة من ثرائها المتبقي .. انني ارى ما حل باثينا من خراب حتى احد المارة صاح في اطراف الغابة منادياً زيوس الجبار ومتحدياً اياه ؛ (اذا كانت فينوس التي اصبحت عاهرة ينالها كل مفلس هي سبب الخراب فماذا ستفعل بالجنين المسخ في احشائها ؟ واين ستلقي به يا زيوس) ص46 . ولكن هذه حقيقة الخراب الذي حل في اثينا (بغداد)، ان حول الازمة الحياتية، الى حالة الاذلال والمهانة، والالهة والاباطرة الطغاة المأجورين، يتنعمون بنعيم الحياة في الرفاه والرخاء، ويطلقون وحوشهم وكلابهم السائبة والضارية، تفتك بعامة الناس، حتى اصبحت الناس تخاف من خيالها، فكان الرعب والخوف يلاحقهم اينما كانوا . وفتحوا ابواب الحروب العبثية، التي احرقت واهلكت الحرث والنسل . تحت شعارات مزيفة (النصر لنا والهزيمة لاعدائنا / او كل شيء من اجل المعركة، او الدفاع عن الوطن الذي ينتهك الشرف والاعراض)، هذه السخرية التراجيدية، التي ابتلت بها اثينا (بغداد)، وهم يقدمون القرابين تلو القرابين . حتى فقدت القيم والاخلاق قيمتها في الحياة، حتى تزعزع الايمان وتبعثر الحق هارباً خوفاً من عنف ودموية الباطل، في حديث لسجين نجى من الموت في اعجوبة، بعد طمره في حفرة مع الاخرين احياء واهالوا عليهم التراب لايمسحوا مكان الجريمة، هذه افعالهم الوحشية والمخزية (- أتحقد عليهم الآن؟

(- أحقد ؟ أتريد الحق لقد زعزعوا ايماني بكل شيء) ص128 . هذه الانظمة الباطشة، اطلقوا العناق لاخلاق الحواسم والعلس، بعقلية قطاع الطرق، من السراق والمجرمين، والذين جاءوا من مواخير الفساد والرذيلة، جعلوهم يتحكمون في مصير الناس المساكين (- نعم بكيت عندما هددوني ذات يوم بالفعل المشين، لانهم قايضوني بين تقبيل احذيتهم وبين ان يطؤوني الواحد بعد الاخر، لم اتوان ولم اتردد في الانكفاء على احذيتهم لأقبلها الواحدة اثر الاخرى وانا اجهش بالبكاء، والدموع كانت تنهمر من عيوني على الاحذية) ص126 . ولكن اللعنة والخراب حلت في اثينا (بغداد) . حلت فيها العقاب الالهي، دون رحمة ولا شفقة (اثينا، اثينا، اية لعنة حلت عليكِ، ان غضبي لن يهدأ ما لم اجعلكِ مجرد حجارة على حجارة اخرى، ايتها الجاحدة، الناكرة لسطوتي ورعايتي لكِ، لن يمر بك الصحو ما لم اوجه اليكِ العقاب المناسب على افعالك ايتها الشمطاء يا اثينا) ص166 . وكان العقاب الالهي يترجم بحذافيره على الواقع العراقي .

- الرواية: محنة فينوس

- المؤلف: احمد خلف

- الطبعة الثالثة: عام 2018

- عدد الصفحات: 171 صفحة

الطبع: في مطبعة جعفر العصامي للطباعة والتجليد الفني / مؤسسة ثائر العصامي

 

 جمعة بدالله

 

صالح الرزوقزينب ساطع عباس من الأسماء الواعدة في مجال القصة القصيرة. ولكن هذا لا يعني أنها تكتب قصة بالمعنى المعروف الكلمة، إنما هي تقتحم دائرة طالما انتشرت في الستينيات من القرن الماضي، وأبرز معالمها غياب الشخصية الواضحة، اختصار الأحداث والفعل الجمالي، تكثيف اللغة واعتمادها على المجاز، وزيادة جرعة القلق دون موضوع محدد ومباشر.

تأتي زينب ساطع كجزء لا يتجزأ من معنى القصة النسوية. فهي تمتلئ بالعاطفة وتنظر بعينيها إلى داخل شخصية افتراضية نادرا ما يكون لها اسم أو صفات. ودائما تكون في حالة مخاض وشك إما بالذات أو الموضوع.

وهنا يطيب لي تقديم مداخلة عابرة.

الذات في هذه القصص هي مجاز أو إحالة، لأنها تدل على فكرة أكثر مما تدل على موضع نفس شخصي من الوجود. بمعنى أنها لا تعكس موضع القاصة من مجتمعها ولا معنى هذا الوجود كما تراه وتعايشه وإنما تركز على المحرضات والدوافع. مثلا لماذا يرفض الرجل المرأة المطلقة في قصة (قراران). ولماذا تهرب بطلة (شمعدانات من رسائل) من شريك حياتها وهكذا..

وهي تؤجل الشرح والتبرير إلى النهاية لتلعب بمثابة:

١- خاتمة مباغتة، و ٢- فلاش باك يذكرنا بأسلوب بداية الحكاية، و٣- نقطة تنوير توضح و تنقل العقدة أو الحبكة إلى معنى إدراك.

بوجيز العبارة إنها تبني قصصها بشكل معكوس مثل كل الأساليب الحديثة. تضع العقدة أولا، ثم المقدمة، لتبرير ضرورة الحدث، ودور كل شخصية من الشخصيات، ثم تنتهي بنقطة تنوير.

أما الموضوع فهو أشبه بخيال، لأن الواقع عند زينب ساطع إدراك وليس تصورات أو محاكاة. وإذا كانت هناك سطوح عاكسة فهي مجرد عدسة موجهة للداخل، لمتابعة الهياج النفسي والمعاناة مع الوجدان، وليس لرؤية الظاهر فقط (كما في قصة عدسة الأمل). إن الموضوع في المجموعة هو أي شيء يتحرك بحرية ونعتقد أنه موجود بذاته وبشكل مستقل عن إرادتنا، وكمثال على ذلك البيت والأب ورموز وعلامات المجتمع الميتافيزيقي أو القهري.

وتحمل زينب ساطع كل بصمات دستويفسكي في معالجة الموضوعات والعقدة. فهي تنفصل عن واقعها الخارجي وتوفر لنفسها عزلة نسبية من شروط الحياة والواقع، وتدخل إلى داخل شرنقة حياتها الخاصة.

ولذلك تكتمل شروط بناء الشخصية من خلال مونولوج فردي، ويعلو صوت النفس المفكرة وانعكاسات تلك الأفكار على الحواس. وهذا أسلوب متبع ومعروف عند النساء أكثر من الرجال.

وفي أدبنا الحديث مجموعة نماذج من هذا النوع. وإذا كانت البداية من غادة السمان وليلى بعلبكي وكوليت خوري (فلسفة الأظافر الطويلة التي تعادي المجتمع وتعلي من شأن الذات وألمها وصراعها ضد الواقع) فإن هناك نماذج منضبطة وأليفة تعيش لحظة الفاجع من خلال تنمية ورعاية الأسباب. فالمرأة تحمل صخرة سيزيف لأنها أنقى

وعليها فروض تستوجب الطاعة، وليس لأنها إنسان مكتوب عليه الاستسلام لمصيره وأقداره.

وهذا يضاعف من عذابها.

من رموز النمط الثاني أليس إلياس القاصة الشابة التي لم يمهلها القدر لتقديم سوى تجربة يتيمة صدرت في دمشق، وقمر كيلاني مؤلفة (اعترافات امرأة صغيرة) و(امرأة من خزف) وسوى ذلك. وفي هذه القصص لا نرى أي نوع من الاحتجاج أو التمرد، ولكن ما يشبه سلوك تضميد الجراح والتعايش مع المحنة وانتظار اللحظة المناسبة لإلغاء الأثر. لا توجد هنا أطافر طويلة ولا سياسة تكسير واحتجاج، ولكن عتاب صامت فقط.

وأعتقد أن زينب ساطع من هذا النوع أيضا مع جماليات أخلاقية شفافة فرضها فهمها لمعنى اللغة والمرأة وفن القصة.

وربما هي على أبواب تقديم أفضل خلاصة ممكنة لهذا النوع من الكتابة.

 

صالح الرزوق

 

عدنان حسين احمدمن روايات "القائمة القصيرة" لجائزة "بوكر" العربية

تحاول الروائية السورية شهلا العجيلي أن تلعب على الشكل في روايتها الرابعة "صيف مع العدوّ" الصادرة عن منشورات "ضفاف ومجاز والاختلاف" فتبدأ الرواية من حيث انتهت الأحداث لتعيد سردها بضمير المتكلم، الذي تراه "مخاتلاً وحميميًا". أما المضمون في هذه الرواية فقد تنوّع ليشمل عِلم الفَلك، وعالَم الخيل، والموسيقى الكلاسيكية، والتنقيب الأثري، والاعتقالات السياسية، والرحلات الفضائية، والحروب التي امتدت على مدى قرن من الزمان بدءًا من حرب القرم في القرن التاسع عشر، وانتهاءً بسيطرة داعش على مدينة الرقّة التي اتخذها التنظيم الإرهابي عاصمة لدولته الإسلامية المزعومة.

تحتشد الرواية بالكثير من الأحداث التي تدور في مدن عدّة مثل دانزيغ، وبراغ، وبيت لحم، والقاهرة، وبيروت، وكولونيا، وهايدلبرج، والرقّة وغيرها من المدن والحواضر العربية والعالمية. وعلى الرغم من تعدد الشخصيات، وكثافة الأحداث، وتنوّع الأمكنة، وامتداد المدة الزمنية إلى قرنٍ أو يزيد إلاّ أنّ العمود الفقري للرواية يعتمد على ثلاث شخصيات نسوية وهي الجدة كرمة، والبنت نجوى، والحفيدة لميس أو "لولو" كما يُطلقون عليها تحبّبًا، أما الشخصيات الرجالية فتحضر لتؤثث النص السردي، وتُكمل سير الأحداث بالدرجة الثانية، وكأنّ الروائية تتعمّد إزاحتها من المتن إلى الهامش، فما إن تومض الشخصية الرجالية حتى لو كانت مهمة مثل نجيب أو عبّود أو نيكولاس لكنها سرعان ما تنطفئ أو تغيب متلاشية خلف الشخصيات النسوية الثلاث اللواتي يهيمنَّ على مساحة كبيرة من المتن السردي للرواية.

تتألف الرواية من سبعة فصول يتعانق فيها الشكل مع المضمون، إذ تنحو الأحداث منحىً بوليسيًا منذ الفصل الأول الذي الذي عنونتهُ الروائية بـ "جريمة صامتة" لن تتكشّف حقيقتها إلاّ في الفصل السابع والأخير "بيغ بانغ" بينما تغيب تمامًا على مدار الفصول الخمس الباقية "سجل عائلي"، "رائحة الهجر"، "ليالي المقطورة الأخيرة"، "يوم التفّاحة"، و "رجال كارمن الثلاثة".

تُعيدنا استذكارات لميس وعبّود في مدينة كولونيا إلى الرقّة التي شكّل فيها الرجال الذين ذهبوا إلى أوروبا الشرقية للدراسة "كومونة" تختلف عن بقية الوحدات السكنية في المدينة، وأنجبوا أولادًا وسيمين مُهجّنين أسموهم أولاد الأجنبيات الذين يقطّرون الفودكا في منازلهم، ويستمعون إلى الموسيقى الكلاسيكية، وقد منحت هذه العائلات المتنوّرة مدينة الرقّة أجنحة تحلّق بها في فضاء الحرية الذي لا تسمح به منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية في سبعينات القرن المنصرم. لم ينسجم أسعد مع زوجته التشيكية "آنا" التي أنجبت له ولدها الوحيد عبّود، وحين تزوّج عليها عادت إلى براغ على أمل أن يعود لها ابنها ذات يوم.

تنجح شهلا العجيلي في تشيّيد البنية المعمارية للرواية حين تمنحها طابعًا بوليسيًا حيث يرتدي عبّود، بالاتفاق مع لميس، جوربًا أسودَ في رأسه ويعتلي شبّاك الجدة ليخيفها فتموت من الرعب لكن الحفيدة تشعر بالإثم وتأنيب الضمير على مدى خمس وعشرين سنة وتتعطّل فيها صداقاتها، ومشاريعها، وأحلامها الرومانسية. وبما أنّ أحداث الرواية واسعة ومتشعّبة ولا يمكن الإحاطة بها جميعًا لذا سنتوقف عند أبرز المحطات الرئيسة فيها. فالجدة التي ماتت من "الرعب" كانت راقصة في صباها مع فرقة بديعة مصابني الشهيرة التي تتنقل بين القسطنطينية، وبيت لحم، والقاهرة، وبيروت حتى تتعرّف على الآغا إبراهيم الذي ينتشلها بسيارته البونتياك الزرقاء ويأتي بها إلى الرقّة لكن ماضيها يظل يطارد أفراد الأسرة برمتها ويقف حائلاً أمام تحقيق بعض الأمنيات التي تدور أذهانهم، ومع ذلك تُنجب كرمة "نجوى ونجيب" حيث تضطر نجوى للزواج بعامر بينما كانت تحب شقيقه فارس الذي يعتقد أن رجولته معطّلة، لكن أحد الأصدقاء نصحه بالذهاب إلى الماخور، وهناك صادف امرأة استطاعت أن تُطلق رجولته فتزوجها، وسافر معها إلى اليونان، ولم يعد من غربته الاختيارية. أما شقيقه عامر فكان يمارس خياناته المتكررة كلما سافرت الأسرة إلى الخارج، لكن الجرة لن تسلم دائمًا فقد أخرجته نجوى ذات يوم من غرفة "أحلام" وقد أُصيب بالجلطة في أثناء اللقاء الحميمي، فلم تعد هي إلى البيت، وسوف يلتحق عامر بأخيه في اليونان لتُصبح امرأة مهجورة من قِبل رجلين شقيقين فتفوح منها رائحة الهجر الواخزة. وحين يأتي نيكولاس، العالِم الفلكي الذي يعمل أستاذًا في جامعة ميونخ يصبح رجلهما المشترك، فتتعقد شخصية لميس حين تراه يداعب أمها، ويحنو عليها، وقد شعرت في تلك اللحظة أن شيئًا ما قد تهاوى في داخلها لذلك ستنقطع هي إلى عالَم الخيل، بينما تنْشدّ الأم إلى عالم الكواكب والمجرّات. تتفاقم معاناة لميس بسبب الغياب، فلقد غاب عبّود حين ذهب إلى براغ ومنها إلى كولونيا، وغاب الأب في اليونان، وثمة احتمال لغياب الأم التي تعلّقت بهذا العالِم الألماني وتماهت معه في قصة حب لم تعد خافية على أحد. في عالَم الخيل نتعرّف على أبي ليلى وزوجاته الأربع وما تعرّض له أولاده الثلاثة الذين اشتركوا في المظاهرات المناوئة للنظام حيث يتهمهم الوالد بالتخريب والخيانة، فيما يتهمونه بالعبودية للسلطة. لقد قضت لميس صيفًا كاملاً مع عدوها نيكولاس الغارق في خرائط الحب، وأطالس السماء مُذكرًا إيانا بالعالِم الفكلي البتّاني الذي صحّح العديد من أوهام بطليموس عن الأبراج والنجوم وحركة الأرض. يعود نيكولاس إلى ألمانيا فتعاني الأم وابنتها من الفراغ القاتل، فتدخل الأم في سن اليأس لتودّع مباهج الروح والجسد إلى الأبد بعد رحيل نيكولاس.

تندلع المعارك بين قسد وداعش فينزح الأهالي عن الرقّة، فتموت الأم ميتة بشعة إذ تنبتر ساقيها بينما تصل لميس إلى كولونيا لتلتقي عبّود وتصارحه بالجريمة المشتركة التي ارتكباها معًا حين وافقته على إفزاع جدتها وبعد نقاشات طويلة متوترة نكتشف أنّ الجدة قد وقعت في المطبخ وماتت بالجلطة، ولم تكن في سرير نومها. تلتقي لميس بكارمن التي تعود بنا إلى زوجها بسّام الفلسطيني- السوري الذي لم يقدّر استثنائيتها فخانها مع امرأة أخرى لذلك نسفت الجسور كلها مع الشريك الخائن. تتشعب قصص كارمن مع الطبيب النفساني غونتر، والمهندس الإنشائي الثري دانييل لكنها لا تستطيع أن تحظى بهم جميعًا "مثلما لا نستطيع أن نحظى بوجوه النرد كلها في رمية واحدة". تتردد لميس بين اللجوء إلى عبّود أو نيكولاس لكنها تحسم أمرها وتذهب إلى نيكولاس الذي أطفأ شرارة الحب في قلبها، ومضت نحو عدوّها القديم بساقيّ أمها المقطوعتين.

ثمة حكايات أخرى تشبه الأضلاع المحنية المتصلة بالعمود الفقري مثل قصة كارمن، وأمها الشاعرة البولندية التي سوف تكتشف بعد أكثر من خمسين عامًا أن زوجها هو الذي قصف منزلها وقتل أفراد عائلتها. وهناك قصة نجيب، شقيق نجوى الذي انتمى للحزب الشيوعي المعارض للنظام فأعتقلوه ومات في المعتقل. ولعل قصة محمد فارس، رائد الفضاء السوري هي الأكثر رمزية ودلالة لأنها تذهب بنا إلى الفضاء وتحررنا من مدار الأرض لكن حتى هذا الرائد قد انشقّ عن النظام وهرب مع عائلته إلى إستانبول ليكشف عن بشاعة النظام القعمي الذي شتّت السوريين في مختلف أرجاء العالم، ومن خلال هذا الشتات ترصد الروائية التحولات الكبرى في سوريا والعالم العربي.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

749 هياكل(إننا الروائيين سوف نكون أشباه الآلهة) فرنسوا مورياك الروائي وشخوصه – ترجمة علا شطنان التميمي ص78. دار المأمون ط1.

قول في التصنيف والتعريف:

هذه الرواية أو كما عرفها المؤلف بنص سردي، فمن المعروف أن كل رواية أو قصة هي نص سردي، ولكن ليس كل نص سردي رواية، لكن السؤال ماذا أراد المؤلف من وراء هذا التوصيف لمؤلفه هذا ولغيره كما درج عليه مهدي علي ازبين، هل يريد أن يؤكد مقولة تداخل الأجناس الأدبية وذوبان أو ميوعة وتداخل الحدود فيما بينها؟؟

أو أن الكاتب أراد أن يترك للقارئ والناقد عملية التصنيف والتعريف بمنجزه الإبداعي دون أن يفرضه عليه أو يقيده بحدود توصيفه كونه قصة أو رواية أو خاطرة... الخ

أرى أن التفسير الأخير لدلالة المؤلف وتعريفه لمنجزه، فهو لا شك نص إبداعي سردي يفيض بالجمال ومشبع بالدلالة وعمق المعنى والفرادة والتميز في اختيار الراوي العليم (الكلب) في الرواية العراقية، ولكن هل هو رواية ؟

(إن الرواية تعبير إنساني، وجد منذ القدم، واغتنى بإضافات عديدة من لدن مبدعين ينتمون إلى ثقافات وحضارات متباينة، من ثم يصعب القول بوجود شكل روائي فرنسي أو أمريكي أو روسي أو عربي، بل هناك شكل مفتوح، مستوعب لمختلف الإضافات، يتوفر على مكونات نصية وجمالية تتعدى (الأصل) الاثني أو الثقافي لأنها مكونات تعتمد السرد والتخييل والحبكة وتعدد اللغات والأصوات، وهي جميعها عناصر مشتركة في التراث الروائي الإنساني المتفاعل باستمرار) ص49 الرواية العربية ورهان التجديد د. محمد برادة مايو 2011

تعريف جان غوستاف لوكليزيو للرواية (تقوم الرواية على اللايقين والتساؤلات وإعادة النظر أنها نظرية من لا اكتمال الحياة. الرواية جنس تعبيري للحاضر، إنها وصف لحالة العالم والمجتمع والذات، وبهذا المعنى فهي تلائم تمامًا عصرنا الذي هو عصر شك وعدم تيقن من المستقبل) ص40 الرواية العربية ورهان التجديد .

(الرواية كلا ظاهرة متعددة في أساليبها متنوعة في أنماطها الكلامية، متباينة في أصواتها... الرواية تنوع كلامي (وأحيانا لغوي، اجتماعي منظم فنيًا وتباين أصوات فردية) ص9-11 الكلمة في الرواية – ميخائيل باختين – ترجمة يوسف حلاق ط1 دمشق 1988.

فلو راجعنا مختلف تعريفات وتوصيفات الرواية التي اعتمدت من قبل كبار الروائيين والنقاد لوجدنا أن (هياكل خط الزوال) رواية بدون شك.

فهي بالأساس فن سردي يقص حكايات بصورة نثرية سواء من الواقع المعاش أو من بنات مخيلة المؤلف والذي غالبًا تمتد جذوره في أرض الواقع مهما كانت درجة عجائبيته وغرائبيته، ولكنه مشروط بعد استنساخ الواقع بل تخليقه وتصنيعه فنيًا وأدبيًا فلا يكون سردًا تاريخيًا أو تسجيليًا...

كما أن الرواية هي عملية تذكر غالبًا ما يكون أحداثًا تروى إما بشكل متسلسل زمنيا أو متداخل ينتقل فيه الراوي من زمن إلى آخر قد يكون اللاحق سابقًا ومستهلاً للرواية أو يسير سيرًا تقليديًا متواترًا، كما أن الرواية تتطلب حضورًا للمكان والزمان أثناء عملية السرد وقد تكون شخصيات الرواية بشرية أو تروى على لسان الحيوان كما في روايتنا فالروائي العليم هنا (كلب).

وفق ما تقدم يحق لنا أن نصنف ونجنس (هياكل خط الزوال) برواية لأنها تمتلك كل مقومات الرواية وشروطها الأساسية.

العنوان ودلالته:

عنوان الرواية أو عنوان أي نص أدبي هو من يملك المفتاح السحري لمغاليق العمل الروائي ومصباح إضاءة وإنارة لخبايا وزوايا ودلالات النص الأدبي والروائي على وجه الخصوص...

عنوان رواية (هياكل خط الزوال) في الحقيقية إجابة استباقية على تساؤلات القارئ الناقد حول مكان وزمان الرواية، فخط الزوال هو خط التلاشي والذي تنطلق منه أو تستدل به كل خطوط العرض والطول في الكرة الأرضية، ونقطة تقاطع خطوط العرض والطول هذه تحدد المكان المعين على الأرض، وحينما تكون الرواية هياكل خط الزوال فهي أحداث وصور وأساليب تمارس على كل الأرض دون استثناء ولا تخص دولة بعينها أو أرضًا بعينها دون غيرها، هذا يشير لنا تاريخ البشرية وتاريخ الشعوب ضمن مسيرتها الطويلة ولحين التاريخ، فهو تاريخ حروب وصراعات دموية هوجاء سواء أكانت داخلية بين الشعوب وحكامها أو بين الطبقات الاجتماعية والأديان والطوائف في داخل البلد أو بين الشعوب وحكامها، أو كونها حروبًا خارجية بين دولة وأخرى أو بين عدد من الدول كما في الحرب العالمية الأولى والثانية .

فالكاتب هنا لم يذكر لنا مكان وزمان الرواية؛ وإن كانت تدل حيثياتها وإحداثها أنها حرب نظام مستبد وطاغية على أبناء شعبه وربما يمكننا الاستنتاج أنها مستلة من أحداث إخماد الانتفاضة الشعبية الآذارية عام 1991 ضد نظام الديكتاتور بعد هزيمته في حرب الخليج .

الكلب والإنسان \ الكلب شخصية محورية في الرواية:

تذكر بعض البحوث والدراسات في ما يخص علاقة الإنسان بالحيوان فتشير إلى أن الإنسان روّض الكلب أو الكلب رافق وصادق الإنسان منذ 14000 إلى 150000 ألف سنة خلت، فهو من أقرب الحيوانات إليه، وقد تميز عن العديد من الحيوانات كونه تميز بالوفاء والإخلاص الأعمى لسيده الإنسان ومصاحبته في مختلف الظروف، ربما يشاركه في هذه الصفة الحمام الزاجل حين يعتاد على مكان محدد، فنرى أن البقرة والحمار والفرس حينما تباع أو تساق إلى مالك جديد أو مكان جديد تتأقلم معه وتتعايش مع سيدها الجديد ولكن الكلب يصعب تطويعه وجعله ينسى ويتناسى سيده وصاحب نعمته الأول لذلك كان له ذكر واسع في التراث الأدبي والحكواتي وحتى الديني للإنسان وليس خافية علينا قصة أهل الكهف وخامسهم كلبهم.

كتبت العديد من الروايات والقصص العراقية والعربية والعالمية على لسان الحيوان وخصوصا الكلب ونذكر بعضًا منها على سبيل المثال وليس الإحصاء:

- رواية (حرب الكلب) لإبراهيم صنع الله.

- تحريات كلب – لفرانز كافكا .

- رائحة الكلب- للكاتب الجزائري جيلالي خلاص.

- مذكرات كلب عراقي- للروائي العراقي عبد الهادي سعدون .

- كلب آل باسكرفيل – آرثر كونان .

- الكلب الأبلق الراكض عند حافة البحر - جنكيز ايتماتوف .

- رواية حوار كلب – للروائي الاسباني ميغيل دي ثيربانتس سافيدرا.

- الكلب السائب - للكاتب الإيراني صادق هدايت .

- موت كلب – قصة للكاتبة بثينة الناصري

- (كبرياء كلب وحنان كلب، وغيرة كلب، وبصمة كلب) أربع قصص قصيرة للقاص والروائي حميد الحريزي .

هنا نريد أن نقول إن الكاتب مهدي علي ازبين الأول في كتابة رواية يكون فيها الراوي العليم الكلب ونؤكد كونه أبرز من اجترح هذا الأسلوب من السرد الروائي في العراق خصوصا حسب علمنا.

 

مراحل حياة (كلب) ازبين وتحولاته:

لا يعطينا الكاتب صورة عن شكل ولون ومميزات كلبه الراوي العليم، فهو لم يؤثثه؛ بل وصفه بجرو يتعرض للملاحقة والمطاردة بدفع من قبل السلطات للقضاء عليه وعلى أبناء جنسه كونه مخلوقًا فائضًا سائبًا فائضًا عن حاجة الإنسان في بلد الدكتاتور الذي أراد أن يطوع الإنسان في بلده على العنف والكراهية وتمرينه على القتل دون تساؤل ودون تردد مبتدئًا بالحيوان المسالم البريء، ليعده نفسيًا وسايكلوجيًا وسلوكيًا لمهاجمة وقتل أبناء جلدته من البشر أيضًا دون تردد ودون تساؤل وإنما لإرضاء رغبة الحاكم والنظام القائم وهو ما حدث بعد ذلك ليكون (الجرو) شاهدًا على قتل الإنسان وإذلاله واغتصابه وليأخذ دور حاميه والمدافع عنه والمحافظ على وجوده وكرامته حيًّا أو ميتًا المهدورة من قبل أخيه الإنسان...

فكان الجرو المدافع ضد وجود سيدته ضد من فهم أن خطيبها يريد سلبها منه وخطفها من عائلته فعاجله بعضّة شرسة دامية في إليته حينما كان يتبختر ببدلة عرسه الجديدة...

ولكنه أحس بالجبن والعجز بالدفاع عن سيدته حينما تعرضت للاغتصاب من قبل العسكري حامل المدية الذي اقتحم الدار هو وزمرته واغتصب الابنة الكبرى وربما والدتها، مدعيًا بأن لا حول ولا قوة له بصدّ الجاني المغتصب بينما تصوب إلى جمجمته فوهة سلاح حارس المغتصب. فيردد مع نفسه متهمًا إياها بالتخاذل (ألوم نفسي "متخاذل") ص45.

وهنا إشارة بأن الحيوان الحامي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإنسان في الدفاع عن حريته وصيانة كرامته، فماذا عساه أن يفعل حيوان لا يمتلك سوى أنيابه ومخالبه وسط خضوع وخنوع كل سكان المدينة مغلقة الأبواب خوفًا وهروبًا من بطش العسكر الذي استباح المدينة...

ولكن هذا الجرو الذي أصبح كلبًا ناضجًا كفر عن ذنبه ومهادنته وانهزاميته هذه في الاستبسال حد الموت في منع الكلاب والذئاب والثعالب والقطط من تمزيق جسدي سيديه الأب وابنه الأوسط اللذين وجدهما مقتولين في الأرض الجرداء، وتمكن من صد هذه الحيوانات المتوحشة وتمكن من دفنهما والحفاظ عليهما حتى حضور الأم الزوجة والولد الأكبر والعثور على جثتيهما بدلالة الكلب الوفي الذي ربما فارق الحياة بعد ذلك في المكان نفسه.

نسبية الخير والشر، الإنسانية والتوحش:

وفي الوقت الذي أشار فيه الروائي إلى نسبية نزعة الخير والشر نزعة الإنسانية والتوحش عند البشر كذلك هي موجودة في عالم الحيوان ومنها الكلاب...

فكما كان كلب العائلة متمثلاً بأرقى قيم الإنسانية من حيث الرحمة والإخلاص والوفاء التي تخلّى عنها الكثير من البشر، كذلك هناك كلاب وحيوانات شريرة ومفترسة وشريرة، وقد تعرض أشرسها للهزيمة من قبل كلاب خيرة تمكنت من إصابته بعدد من الجروح وبتر ذيله الذي أصبح لعبة من قبل القطط!!

كذلك هناك تناظر لحالات الخيانة والدونية بين الأعداء في عالم الحيوان وعالم الإنسان حيث يكون الفرد وسيلة للإيقاع بابن جلدته متعاونًا مع عدوه، كما هو حال الكلبة الخائنة المتواطئة مع الثعلب وتمكينه من افتراس دجاج القرية في الوقت الذي يجب أن تكون هي الحامية لها من شر الثعالب.

للتعبير عن موضوعيته في سرد الأحداث وتظهير السلوكيات ذكر لنا الكاتب سلوكيات متباينة من قبل حتى عساكر النظام فربما يكون بعض منهم مغلوبًا على أمره وغير قادر على العصيان والتمرد للانتصار للقيم الإنسانية وقيم الحرية والعدالة ولكنه يحاول إثبات إنسانيته متى توفرت له الفرصة الممكنة غير القاتلة، مثال ذلك الضابط العسكري فارع الطول وبالغ الهيبة الذي أخذ الطفل الجريح وتطبيبه في الطبابة العسكرية وإعادته إلى أمه سيدة المنزل وهو طافح بالحنان والرقة والإنسانية، بالضد من العسكري حامل المدية وهي إشارة وتلميح ربما لقادة فدائي صدام وجلاوزة عدي أو بعض أفراد الحرس الجمهوري الخاص الذي كان بالغ العنف والشر والذي اغتصب النساء في المنزل دون رحمة، وعجز الجندي المتعاطف مع الضحية وكانت دموعه تسيل على خديه ألمًا وغضبًا لما جرى من عملية انتهاك واغتصاب لعفة وعذرية الفتاة الشابة في المنزل.

كذلك أشار لنا الروائي إلى وجود حالة من التضامن والمحبة بين الناس بعضهم البعض رغم كل أساليب السلطات على قتل هذه الروح ومحاولة تفكيك المجتمع وتجريف كل قيمه الايجابية النبيلة، كان هذا الموقف ممثلا من مجازفة ومغامرة الجارة على إيصال المرهم الشافي والضمادات للبنت التي أصيبت بالحرق في قدمها جراء انسكاب الزيت المقلي عليه، متحدية الرصاص والخوف متسلقة الجدار البيني بين المنزليين تمتلكها روح التضامن والدعابة لتخفف من الأم الجارة رغم المخاطر ولعلعة الرصاص.

الحبكة الروائية وأسلوب السرد:

الرواية يمكن عدّها من الروايات المدورة حيث تبدأ من حيث تنتهي، كما الرواية تنحو منحًا غرائبيًا عجائبيًا حينما تجعل كلبًا راويًا عليمًا وليس أحد الشخصيات الروائية كما في العديد من الروايات التي أشرنا إليها سابقًا، وتجعله يصارع الكثير من الكلاب وغير الكلاب من الحيوانات المفترسة، بأشكال وهيئات مختلفة، ينطقها ويجعلها تحاور بعضها، وتجري في دواخلها منولوغًا حواريًا داخليًا، وكأنه يقوم بمتابعة وتظهير مشاعر الكلاب وتصوراته واسترجاعاته في أوقات مختلفة محاولاً قدر الإمكان أن يكون مستترًا خلف الكلب المأنسن بعد تكالب الإنسان المدجن من قبل السلطات ولم يحِد الروائي الكاتب عن هذه الحالة إلا في مداخلته وتساؤله حول سلوك الكلب وقيامه بحماية الجثتين لسيديه الأب وابنه الأوسط (ميتان منذ صباح الأمس، ملقيان على الأرض.. والعجيب هذا الكلب لا يفارقهما، يتنقل بين الرجل والفتى. هل يحرسهما؟؟) ص59.

نرى أنه إيضاح فائض عن الحاجة أكيد القارئ سيصل إلى هذه النتيجة وهو يتابع معاناة الكلب وإصراره على حفظ جثتيهما وحمايتهما من الحيوانات كي لا تنهش جسديهما، وقيامه بعملية دفنهما وتوسد قبريهما إلى حين حضور الزوجة والبنت والابن الأكبر، وكأنه يسلمهما الأمانة وليسلم روحه معهما بعد أن تعرض لأذى كبير وجروح خطيرة أثناء عراكه مع الكلاب والثعالب والقطط .

كان الكاتب فطنًا وذكيًا ومتابعًا لحركات وسكنات الكلب منذ دخوله لاجئًا إلى بيت الأسرة التي رعته وحتى هلاكه وهو يحرس الجثتين..

كما أنه كان دقيقًا في توصيف الضحايا وهم ناس مسالمين لم يحملوا السلاح ضد السلطة، فمثلا الأب طلب تزويده بعصا ليهشّ بها الكلاب الذي قد تعترض طريقه ولم يحمل سلاحًا ناريًا ولا سلاحًا جارحًا، وهي إشارة إلى مدى وحشية النظام وقذارته واستهدافه للناس العزل من كل سلاح وهذا بالفعل ما حصل للكثيرين أثناء أحداث انتفاضة آذار عام 1991.

رغم ذلك نرى أن هناك صعوبة في إقناع القارئ أن الكلب ذو حاسة الشم القوية جدا يقدم على شرب النفط متوهمًا كونه ماءًا، وكذلك صعوبة إقناع القارئ بأن الكلب قادر على الإمساك بقنينة الخمر ودلق محتوياتها في جوفه فيسكر، ناهيك أن شارب الخمر لا يمكن أن يرمي قنينة الخمر إلا بعد إفراغها تمامًا.. لا نرى أن للمؤلف حاجة في ذكر هذين المشهدين ولو من أجل تلطيف جو السرد وإدخال نوع من الطرافة في الرواية المشحون بالألم والمشاهد المؤلمة والحزينة، كنا نأمل أن يكتفي بطرافة عضّ الكلب لخطيب البنت، وبوصية الكلب الثري بأملاكه للناس من موظفين من دون ذكر القاضي الذي جعل من الكلب المذموم إنسانا مرحومًا طمعًا بحصوله على جزء من ثروته (ألم يوصي المرحوم بشيء آخر) ص62.

وتوصيف كلابنا للأجنبي محاولاً إقناعه بأن كلابنا أكثر ذكاءً من كلاب الغربيين، فهناك كلب يقوم بدور الشرطة السرية، والكلب الوسخ الملطخ بدهن السيارات (إنه يصلح السيارات)، والكلب الغاطس في بركة قذرة (إنه كلب عاطفي وحساس لقد سمع للتو بنبأ وفاة حبيبته) ص68

و(هل أصبحت محلتكم كلها كلابًا) ص69

من خلال سرد وعبارة رشيقة وجملة محكمة شدنا الروائي إلى متابعة حركات أفراد العائلة من كونها عائلة سعيدة ومنسجمة وهانئة ومحبة للخير وللحيوان، إلى عائلة مكلومة منكسرة فقدت الأب والابن الأوسط ، وعفة وشرف الأم والبنت الكبرى، ولكنه يبدو غير مقنع من الناحية المنطقية للأحداث وخطورة الوضع القائم أن يجعل الأم تقرر العودة ثانية إلى المدينة بدعوى تفقد الدار بعد أن تركتها مجبرة تحت تهديد السلاح وطلب العسكر إخلاء المدينة بأسرع وقت، مما عرضهما لمهاجمة العسكر والتعرض للاغتصاب خصوصًا وأن الزوجة تعلن موقفها حين تقول (خسارة الأموال يمكن تعويضها، أما خسارة الإنسان لذاته فلا تعوض) ص57 بمعنى أنها تفضل الحفاظ على النفس على المال كمبدأ حياتي لها فما الذي يدفعها للعودة للدار وتفقدها صبيحة اليوم الثاني رغم جسامة المخاطر؟ وكأنه لم يجد وسيلة لاغتصابهما إلا بعودتهما، في حين كان الأمر ممكن الحدوث قبل مجيئهما للواحة في المرة الأولى، كما أنه صنع هذه العودة ليبرر حالة عدم التقاء رب الأسرة وولده الأوسط للزوجة والبنت الكبرى ومن ثم البحث عنهما ومقتلهما في الطريق صوب المدينة.

نرى هنا خلل في الحبكة ويمكن اختزال الحدث واعتماد الحدث الأول لتصنيع وهندسة مشهد الاغتصاب ومقتل الأب وولده..

نرى أن الروائي تطرف في عملية الاختزال والتكثيف للمشاهد والصور التي يفترضها الحدث محملاً القارئ عملية تصنيع المشهد المفترض كما في توصيفه لعملية الاغتصاب وما يفترض أن يرافقها من صراخ ومقاومة وتمزيق ملابس الضحية ومصاحبة دماء النزف للضحية العذراء ضمن عملية الاغتصاب الوحشية من قبل العسكري المتوحش.

كما أن الروائي لم يؤثث شخصيات الرواية فهي مجرد تسميات أب وأم وطفل وبنت كبرى وولد أكبر والوسط وخطيب، دون ذكر أي توصيفات لأشكالهم وأطوالهم ولون العيون والحركة المميزة لكل منهم، لترتسم في ذاكرة القارئ صورة للشخصية تعايشه بعد الانتهاء من قراءة الرواية، كما فعل مثلا في توصيف ولو مختصر جدا للضابط الملازم أول الذي احتضن الطفل وتطبيبه في الطبابة العسكرية كونه شابًا فارع الطول ذا كبرياء وشموخ، وقسماته التي تدل على الحزن وعدم الرضا عما يحدث. في حين لم يصف المجرم المغتصب بما يتناسب مع شخصيته المتوحشة الشريرة.

كما أننا لم نستمع إلى الحوار الداخلي لأغلب هذه الشخصيات: البنت المغتصبة، والأم المكلومة، والأب الملهوف لرؤية ولقاء زوجته وابنته العزيزة وما اعتراهما في طريقهما للمدينة وتوصيف اللحظات الأخيرة لهما قبل الموت قتلا برصاص العسكر، بل حصر هذه الحوارية بالكلب فقط .

كذلك الحال بالنسبة للمكان فليس هناك توصيف للمكان: البيت، الحي، الواحة، فهي ليست أكثر من دوال الحضور بدون أية سمات وأشكال ومواصفات، ربما يرتبط هذه برغبة الروائي عدم الإفصاح عن مكان وزمن الحدث بالضبط كما أسلفنا عند الحديث حول عنوان الرواية.

لا شك أن الروائي أدهشنا في سعة خياله واجتراحه لهذا الراوي العليم غير المسبوق في الرواية العراقية على الأقل، وكما يقول أحدهم (لو اكتمل الشيء مات) فليس هناك عمل روائي مكتمل .

رواية (هياكل خط الزوال) عمل سردي مميز ومتفرد من حيث الثيمة وأسلوب السرد تحتسب للروائي المبدع مهدي علي ازبين .

 

بقلم: حميد الحريزي