رضوان الرقبي في مقالة الانكشاف العظيم  للدكتور عبد الواحد المتوكل

تقديم: اهتم محللو الخطاب داخل نظرية التواصل بالجانب الخطابي بصفة عامة، لما له من حضور فعال في كل نشاط إنساني، سواء تعلق الأمر بإنتاج الفكر أو ممارسته؛ ممارسة تتجه بالأساس إلى الآخر. لأن الإنسان لا يفكر أو يتفلسف أو يكتب أدبا أو غيره بمعزل عن العالم. انه في تواصل مستمر وفعال مع محيطه الخارجي، وما يحتويه من مؤثرات ومحفزات و إكراهات، أو ما يطرحه من أسئلة وإشكالات وافتراضات... ومن هنا يدخل الجانب الحواري كآلية رئيسة في تشكيل الخطاب لتحقيق تواصل مميز ومثمر بين الناس.

وسنركز في هذا المقال على مبدأ الحوارية التي اعتمد عليه الدكتور عبد الواحد المتوكل في مقالته، (الانكشاف العظيم المنشورة في www.aljamaa.net) باعتبارها آلية من آليات الاحتجاج الكلامي في الثقافة العربية الإسلامية. والحوارية هي الأساس في كل خطاب حجاجي، بل في كل تواصل إنساني، وتقوم على "مبدأ التعاون" Principe de coopération الذي عرف عند الفيلسوف الأمريكي "بول غريس" PAUL GRICE. وهذا المبدأ هو المنظم لطرق التخاطب في الخطاب الطبيعي، وهو مطلوب في كل تواصل لغوي جاد وجيد بين المتكلم والمخاطب.

ولأجل تقريب الصورة سنعتمد مقاربة تداولية لمراتب الحوارية في مقالة الدكتور سيدي عبد الواحد المتوكل، مستندين إلى ما توصل إليه الدرس التداولي الحديث. وعليه سنقسم مراتب البناء الحواري في مقالة الدكتور عبد الواحد المتوكل إلى ما يلي:

1- مرتبة الحوار:

يعتمد الحوار في هذه المرتبة الآلية الخطابية المعروفة بالعرض، حيث ينفرد العارض ببناء معرفة نظرية، سالكا في هذا البناء طرقا مخصوصة، يعتقد أنها ملزمة للطرف الثاني المعروض عليه، وهي في عمومها مناهج الاستدلال البرهاني،" ومعلوم أن هذا الصنف من الاستدلال يتميز بخصائص صورية من تجريد وتدقيق وترتيب، ومن بسط للقواعد وتمايز للمستويات واستيفاء للشروط واستقصاء للعناصر" والدكتور عبد الواحد المتوكل في مقاله  افتتحه بتوجيه تنبيهي لمخاطبه المفترض، مستندا إلى برنامج تلفيزيوني بقوله: يروج في مواقع التواصل الاجتماعي مقطع من برنامج بثته قناة ب. ب. س....

وقد تحقق هذا المبدأ الحواري الدكتور عبد الواحد المتوكل من خلال اعتماده على ما يصطلح عليه بـ"الحوار الشبيهي"، "ويختص هذا الحوار بكون "العارض" فيه يتظاهر بإشراك غيره في طلب المعرفة وإنشائها وتشقيقها، بينما هو في حقيقة الأمر آخذ بزمام توجيه "المعروض عليه" في كل مرحلة من مراحل الحوار، فهو الذي يحدد "للمعروض عليه" مسألة سبق أن تدبرها، ويعين طريقا لبحثها خبِرها من قبل، وينتهي إلى نتائج معلومة له" . فالدكتور عبد الواحد المتوكل عرض على مخاطبه، واقعا من خلال استشهاده بحديث بثته إحدى القنوات التلفزيونية... فحواه هو ان المعارضة في الدول الديمقراطية لم تتوانى في ممارسة حقها الدستوري وفي توجيه النقد للحكومة، رغم أن الوضعية السياسية التي تمر منها هذه البلدان جد حرجة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، بسبب وباء كورونا." جاء في مداخلة السيد هورتن نقذ لاذع للحكومة البريطانية" ليصل  الدكتور عبد الواحد المتوكل إلى نتيجة ستبنى عليها دعواه، وهو رد فعل الحكومة البريطانية: قائلا: ليس مستغربا في مجتمع تربى على سماع النقد والاعتراض والتقييم لمن يحكمونه ان يتكلم رجل بهذه الصراحة وهذه القوة". والنتيجة التي أراد ان يصل إليها الكاتب وأن يؤسس لها باعتبارها دعواه التي يدافع عنها وهي: " أن لا احد اتهمه بالخيانة" رغم النقد اللدغ الذي وجهه للحكومة.

إن هذا الأسلوب الاستدلالي الحجاجي يكاد يُكون مجمل عمليات الدكتور عبد الواحد المتوكل الاستدلالية على دعواه في هذا المقال. ويتجلى استثمار هذه الأداة في توجه الكاتب إلى المخاطب وتواريه وراء ضمير الخطاب مغفلا تماما ضمير المتكلم، وعند نتأمل قوله: القوم هناك فهموا من خلال صراعهم الطويل مع الاستبداد ان المعارضة جزء لا يتجزأ من النظام الديمقراطي السليم.، نراه يقوم بتوجيه المخاطب ودفعه إلى الوصول إلى النتيجة بنفسه، قائلا :" لذلك لم يتهمه احد بالخيانة ولا بمحاولة كسر الإجماع". وهذه الوسيلة أكثر إلزاما للمخاطب لأنها تصل به إلى درجة الاقتناع، وهي أعلى مرتبة وأقوى من درجة الإقناع، لأن الاقتناع إيمان وتسليم والتزام

فهذا التوجيه الحجاجي الذي يُشرك فيه الكاتب المتلقي في الوصول بنفسه إلى النتيجة، يحقق ما أسميناه بمبدأ التشارك الحجاجي، أي أن العارض يدفع بالمعترض إلى الاستدلال بنفسه على الدعوى التي أراد إثباتها. وهي عدم اتهام كل معارض حقيقي متبصر بالخيانة والخروج عن الإجماع..

2- مرتبة المحاورة:

ومرتبة المحاورة كأن يعتمد المحاور في بناء نصه على الصور الاستدلالية مجتمعة إلى مضامينها أوثق اجتماع، وكأن يطوي مثلا الكثير من المقدمات والنتائج، ويفهم من قوله أمورا غير تلك التي نطق بها على جهة الاستلزام والاقتضاء، وكأن يذكر دليلا صحيحا على قوله من غير أن يقصد التدليل به، وأن يسوق الدليل على قضية بديهية أو مشهورة، هي في غنى عن دليل للتسليم بها، كل ذلك لأنه يأخذ بمقتضيات الحال، من معارف مشتركة ومعتقدات موجهة ومطالب إخبارية وأغراض عملية.

وطبعا كل سبيل استدلالي يكون هذا وصفه، فهو سبيل احتجاجي لا برهاني يقيد فيه المقام التخاطبي التراكيب والعبارات، ويرجح فيه العمل على النظر. ويظهر هذا النوع بوضوح في المناظرة. والدكتور عبد الواحد المتوكل يظهر في هذا المستوى عارضا رأيه على مخاطبه طالبا له الدليل من كل ناحية، معتمدا فيها على الاستشهاد العقلي( واقع بريطانيا فرنسا...ليس هناك أي تناقض بين مراعاة الظروف وما تقتضيه المصلحة العامة من ضرورة التنبيه على الخلل في التدبير أو التقصير في القيام بما يلزم) ليطمئن فؤاد المعروض عليه، فيقتنع بصوابية رأيه، كل ذلك من غير طعن ولا تنقيص، إلا ما اقتضى النظر طرحه وهدم الاستدلال صرحه.

3- مرتبة التحاور:

يرتكز التحاور في تصور النظرية التعارضية على الآلية الخطابية المعروفة باسم التعارض، حيث يضطلع المتحاور بالقيام بدورين في نفس الآن، فيكون مرة عارضا ومرة أخرى معترضا، منشئا لمعرفة تناظرية وفق مسالك معينة يعتقد أن خصائصها التقابلية أحث على العمل .

ومن ذلك محاورة الدكتور عبد الواحد متوكل للذين يرون أن الصمت على كل الانتهاكات بدعوى الحالة الاستثنائية التي يعيشها البلد، تفرض هذا الصمت والسكوت والإجماع. قائلا: فما بال أقوام في مغربنا يطلبون إلينا الصمت، صمت الأموات وإذعان المغلوبين على أمرهم الذين لا ينبسون ببنت شفة حتى وان ارتكبت أمام أعينهم الخطايا...

. ثم يسائلهم مرة أخرى الدكتور عبد الواحد المتوكل:" وهل يكون الإجماع الوطني بالسكوت؟.

فالكاتب الدكتور عبد الواحد المتوكل كما نرى يتخذ وضعيتين: وضعية العارض ووضعية المعترض، كل ذلك من أجل إنشاء معرفة تناظرية، تؤدي في النهاية بالخصم إلى التسليم بطرح الكاتب، لأنه يحاول دحض أراء خصمه من خلال هدمه للأساس الذي بَنى عليه الطرف الثاني مسلماته. وكل ذلك في إطار تحاوري أساسه قوة الدليل وحسن الاحتجاج.

وطرق هذه المرتبة هو ما يسمى بالتحاج، ويكون بأساليب عدة منها أن يأتي المتحاور فيثبت قولا من أقاويله بدليل؛ ثم يعود إليه ليثبته بدليل أقوى منه، ومثال ذلك قول الدكتور عبد الواحد المتوكل في معرض إبرازه لحالة الوضع : "نحن في زمن الانكشاف العظيم نظرا لتطور التكنلوجيا الحديثة الرهيب" هذه المقالة أسست في بنائها كما أسلفنا على شكل حوار، حيث يُنشئ الدكتور المتوكل اعتراضات مفترضة من خصومه على أقواله، ويحاول دحضها ليعطي القوة والصلابة لرأيه، وهذا ما يعطي لخطابه القوة الحجاجية.

كما أن استدراج الخصم/ المعروض عليه، بعرض رأيه كما هو في الواقع (امدح ما شئت وقل ما شئت عن القرارات الحكيمة والمبادرات الفريدة ....وعن التجربة الديمقراطية المغربية التي سار يذكرها الركبان.) من غير تحريف بالزيادة أو النقصان، والقصد إلى كشف تناقضه واضطرابه، (فقل ما شئت فانه لا يسلك في أذن إن سلك، إلا ليخرج من الأخرى، لن يكون له اثر يذكر هذا ان التفت إليه احد أصلا.) ومحاصرته بما لا يستطيع غير القول به والإقرار بمقتضاه.، وهذا الأسلوب هو أرقى ما يلجأ إليه الكاتب في دفاعه عن أرائه ضد محاوره. الشيء الذي يجعل المحاور/الخصم. يرتبك في قناعاته غير المؤسسة على منطق الواقع المعيش، ويحاول حجب الحقيقة الواضحة، وينكمش حتى ذرائع الإجماع والظرفية الاستثنائية.

وعلى العموم ففي تصفحنا السريع واستخراجنا لبعض البنى الكلامية والاستدلالية والحوارية في مقالة الدكتور عبد الواحد المتوكل، لا نقصد به إلا محاولة تحليل بعض أوجه البناء الحواري الحجاجي عند الدكتور عبد الواحد المتوكل، والا فهناك أساليب أخرى مبثوثة في ثنايا هذه المقالة، منها النقض وهو " ادعاء السائل بطلان دليل المعلل مع إقامته الدليل على دعوى بطلانه" وعليه يكون النقض هو أن يذكر المعترض شاهدا يبطل دليل الخصم. حيث بين الكاتب طبيعة الواقع المغربي وحقيقته التي لا يمكن التغاضي عنها في ظل واقع الاستبداد، و هناك أليات المنع والمعارضة وغيرها من الأدوات الحجاجية الأخرى.

وعلى العموم فإن هذه المقالة جاءت وكأنها حوار جدلي، يبحث عما في نفس كاتبها من استطلاع أو اعتراض بطريقة واضحة و منهجية متزنة في إيقاظ الفكر بالحوار، كل ذلك بعقل واع لا يفتر عن النظر في طبيعة الواقع المعيش. وبلغة تحمل بين دفتيها معاني الخير والمحبة للوطن. كما ترسم في الآن ذاته رغبته أكيدة في فتح حوار وطني مؤسس على ميثاق ينخرط فيه الجميع، لإنقاذ سفينة الوطن من الغرق، والخروج بها من دائرة الاستبداد إلى الديمقراطية الحقيقية المبنية على إرادة شعبية واضحة ومسؤولة. بعيدا عن سياسة النعامة في تدبير الشأن العام، وعبر سياسة التحكم وفرض الأمر الواقع.

 

رضوان الرقبي /اكادير

 

سعد الساعديتحوّل الشعراء الى روائيين.. لماذا؟

أدّى الانفتاح العالمي المتسارع بداية الألفية الجديدة الى تسارع كمي غزير في النتاج الأدبي، لاسيما الشعري منه على وجه التحديد؛ أكثر تحديداً بعد ظهور الفيسبوك على الشبكة العنكبوتية. هذا التسارع الى أين وصل، وما هي أم مميزاته بشكل موجز؟

أن أهم ما يميز الديناميكية الشعرية لما بعد الحداثة التي نميل أكثر لتسميتها بـ (الحداثة التجديدية)، وما يحتاجه الناقد التجديدي اليوم، هو الوقوف على استكناه دواخل الجمال الفني والأدبي، وتحركات النصّ البنيوية بعمومياتها وجميع مضامينها وبؤرها الفرعية، وصولاً الى المضمون العام التحليلي كظاهرة جديدة راصدة لأهم التطورات في الغرض الشعري. لكن أين تكمن الأغراض الشعرية اليوم، وضمن أية خانة لونية تتربع اذا عرفنا أن حركية النص أخذت صراعاً جدلياً يقف عند متغيرات شتّى؟

سمحت حرية الفوضى الثقافية بعيداً عن رقابة السلطات الديكتاتورية ضمن فراغات شاسعة اليوم بالانطلاق استسهالاً وتقليداً لكتابة الشعر بنمط يكاد يكون متشابهاً في البلدان العربية لاسيما المغرب، تونس، الجزائر مروراً بمصر ولبنان وسوريا وانتهاءً بالعراق الأكثر ضخّاً بعد عام 2003 والى الآن، والأسباب واضحة، أهمها الاختناق الجماعي لكثير من الأدباء بسبب ما كان عليه الوضع قبل ذلك العام، كمن فُتحت شهيته أمام وجبة طعام هي المفضلّة لديه، ومن حقهم بكل تأكيد، لكنَّ افرازات وضوح النضج لم تكتمل وتتضح لدى الكثير من الشعراء والروائيين نتيجة الاشتغال العشوائي، وسرعة الكتابة من أجل تعويض النقص الماضي، وانكسار مقص الرقيب، ولابدّية إخراج كتاب للعلن يحمل اسم صاحبه أسوة بالغير متناسين أن الانتاج الأدبي بهذا الشكل لا يتولّد منه الأبداع أبداً، لاسيما بعض الشباب المتحمسين للنجومية مع كبار غيرهم.

الكثير من هؤلاء الكبار اتخذوا منهجاً آخر يختلف، معتمدين فقط وفقط على غرض واحد من الشعر وهو الغزل، كمن يتأسف على أيام شبابه الضائعة بلا صبابة عشق متصابين أو متخيلين الساحات الأدبية هي مرتع الفن والجمال فيما لو بقوا على هذا الأسلوب الكتابي الذي ساعد في تشظي الكتابة الشعرية الى حدٍّ بعيد وفق قالب لا يتغير (الغزل)، ومن الاسباب الأخرى ربما العقلية الشرقية الفقيرة النازحة صوب المرأة والكبت النفسي والحرمان لشتى الأشياء، حتى بتنا لا نسمع إلاّ من قلة قليلة بعض قصائد الرثاء أو الحماسة، والقصائد التنويرية أيام ثورة الربيع العربي وبعدها. ومنهم من اختار نهجاً فلسفياً تاريخياً تميز به نتيجة غزارة خلفيته الثقافية وتجاربه الحياتية الكثيرة وربما المرارات المتتالية أمثال الشاعر العراقي عبد الجبار الفياض ضمّنه الكثير من أسماء الماضين في عمق التاريخ البعيد من عهد الاغريق والبابليين وغيرهم كأيديولوجيا ميثيولوجية ربما بدلالات فنية كتابية اختارها وسار عليها، لكنه أبدع في الوصف والتشكيل والايحاءات المشيرة مضامينها المضمرة أحياناً الى شيء واقعي نقدي مرمِّزاً تشكيلاته بتلك الكلمات، ونحن لسنا هنا بنقد الشاعر بقدر الاشارة اليه كأنموذج واقعي حيّ مختلف.

يكاد المتلقي اليوم لا يرى غرضاً شعرياً متجدداً غير الغزل أينما ذهب، وأنى حلّت راحلة ذائقته، وربما السبب عدم قدرة بعض التجديديين أو الكثير منهم على كتابة غيره إن صحّت التسمية عليهم بالتجديديين، كون ما يكتبونه خارج الانساق المعهودة من السوريالية وغيرها، غير معروفة المضامين، أو مشتتة المضامين التطويرية والوظيفية المفتقدة للرؤيا الحركية الفاعلة حتى نجد انعدام المقاربة المغذية للروح والعقل.

يتضح ذلك كثيراً عند كثيرين ممن يكتبون بهذا الشكل، وعند اجابتهم عن السبب يقولون: لا نبغي (وجع الرأس فلقد سئمنا السياسة) ظنًّاً أن الحل الناجع هو الابتعاد عن الواقع والعيش في تصوّر جمال المحبوبة والمعشوقة، الحقيقية أو المتخيلة (الانطباق يشمل الشواعر والشعراء) فنتجت كتابات خاوية المعنى، هزيلة التوظيف النوعي، تتعكز على التزويق اللفظي والتلاعب بالألفاظ ديناميكيتها مجهولة الهوية، فكثرت مثلاً الآيروسية البنائية – بما تحمل من وصف -  بوجودية عمياء أكثر مما تكون مرشدة محللة لطبيعة ماهيّة الجمال وأسراره لمجر انشاء تخييل فوضوي غارق في لا شيء، حتى انعكس ذلك لاحقاً الى الرواية التي انخذلت ببعض من يكتبها رغم صمودها العنيف كجنس أدبي هو الأول الى الآن في عموم الساحة الادبية العامة.

أكثر تلك المشاهدات نراها لدينا نحن العرب، و يجدها المتلقي كل يوم حتى أصابه الملل، وبدأ يتحول الى قراءة الرواية مهما كانت، ليُلطّف روحه بمتعة يحتاجها فعلاً. بينما المراقب للساحة الأدبية العالمية يجد شعراً نوعياً منتقى بديناميكية منفعلة وجودياً بما تنفثه واقعية التجديد بكامل الصور البلاغية التي تفتقر اليها فيما لو قُورنت ببلاغة العربية. حاول بعض الشعراء العرب التجديديين (ما بعد الحداثويين) تقليدهم فوقعوا في فخ التقليد الأعمى، وحين حاول بعضهم النهوض لم يجدوا غير التوجه للفراغ المليء بتيهان لا يُعرف له قرار فتسبب تدريجياً بتخلي القارئ عن متابعة الشعر والتحول الى الرواية وكتب البحوث الجديدة المتنوعة لاسيما ما يهتم منها بالتنمية البشرية ، فن السلوك، العلاقات العامة، الخيال العلمي والفتازيا، حتى بتنا حين نلتقي في بعض التجمعات الثقافية نسمع من شاعر لشاعر قوله سأتحول لكتابة الروايات والقصص لأنها أكثر شعبية ومطلوبة. وفعلاً اتجه الكثير من الشعراء لكتابة الروايات، صاحبهم الكثير من النقاد الذين هم أكثر من غيرهم من توجه للشعر في ظل الحداثة التجديدية أو زمن (العولمة) وأكثر سبب لذلك هو اثارة الاهتمام بأنًّ الناقد هو ليس بكاتب فاشل، ودرء تلك الشبهة التي اُلصقت بهم جميعاً من بعض الباحثين الأكاديميين، فكتبوا بلغة عالية بعيدة عن الواقع، مع ما تحمله من جمال لم تواكب ذائقة المتلقي الى حدّ بعيد، وثمة من حاول تقليدهم أيضاً فنتجت مرة أخرى حالات فوضوية نكهتها فقط التغزل بالحبيبة وجسد الأنثى!

كل هذه التداعيات تسببت بالتحول مرة جديدة الى المنتج العالمي الكلاسيكي أو المعاصر من غير الشعر والروايات حتى، والبحث عن الجديد المختلف في الفنون والتصانيف الأخرى العلمية والانسانية الثقافية، حتى وصلت مبيعات بعض الكتب الى ملايين النسخ، بينما لم نجد هذا في السوق الثقافي العربي. هذه الحركة التغييرية من أين أتت؟

أبسط دافع لذلك هو انتشار شعر مبتذل مقطوع الجناحين، وكما يصف بعض الباحثين أن القصيدة تطير بجناحين، أحدهما الإيقاع الموسيقي، والثاني ربما الجمال، لكنَّ الشعر الحقيقي هو المعنى؛ فاذا لم يجد المتلقي المعنى المنشود فماذا يصنع؟ سيقرر ويتحول بالتأكيد الى غير ما يراه من شعر اليوم بهذه الكيفية. حسبما اعتقد أن الشعر الغزلي هو جزء واحد من أجزاء كثيرة تغذي العاطفة وتُغْنيها بمتعة التصور والادراك، وليس هو جميع الاجزاء.

هنا الحديث عما يسمى قصيدة النثر التجديدية التي احتلّت بقوة مكانتها على الساحة الأدبية، وليس عن الشعر العمودي الذي هو الآخر بات شائخاً بسب من ينتمي اليه رغم براعته الفنية، لكن الكثير منه أصبح خالياً من مضامين بيانية، يترّنح فقط بموسيقاه والقافية والوزن.

إن القصيدة الحداثوية التجديدية الحقيقية المنفعلة في خوض الصراعات الكثيرة بانتمائها للبيئة والبشر والمعاناة بما تحمل من مضامين وأفكار هي من تجعل المتلقي يسير معها مغمض العينين يقرأ ويسمع بقلبه وروحه. نجد لذلك مثالاً في أشعار محمد الماغوط، ومحمود درويش رغم انهما لم يعودا اليوم في الزمن التجديدي. ونجد أيضاً محمد شلش الربيعي، جواد الحطاب، وجد الروح، عامر الساعدي، وفاء عبد الرزاق، وغيرهم؛ حتى غزلياتهم تختلف لأنها من واقع حقيقي وليس من خيال محض؛ تصف وتفكك وتحلل، ثم تبني من جديد وفق خطة مدروسة، وليس وفق هوس الشعر كي يقال عن فلان أنه شاعر صدر له العدد كذا من الدواوين، فنجد الكثير ممن يكتبون الشعر اليوم لم ينشروا ديواناً واحداً ربما سوى النشر عبر مواقع التواصل، والصحف المحلية والعالمية، لكن لا يمكن وصفهم بعدم الشعرية لأن الضوء أغفل  بصيصاً منه على منجز شعريّ لهم.    

 

سعد الساعدي / العراق

 

صالح الرزوقبقلم: سيمون كوفيسي*

ترجمة: صالح الرزوق

سامي هو أول من احتفل بصوت ونبرة غلاسكو المحلية من بين شخصيات جيمس كيلمان. فرواية “كم تأخر الزمن، كم تأخر” تقدم لنا حالة متطورة من حالات اكتشاف كيلمان للعلاقة بين المكان والصوت، وبين الموضع واللهجة، ثم الهوية والكلام. وبسبب عمى  سامي، تستبدل حاسة البصر بشيء آخر، وهو الوعي المتطور بموضع الصوت، أو مكانية الأصوات وأحوالها.  ومثل معظم أبطال كيلمان، لا يقترن سامي بأصوات غلاسكو وحدها، ولكن كانت له أذن موسيقية، ودائما هناك أغنية تعلو في رأسه، وفي معظم الأوقات يتذكر كلمات تساعد على التعزية والسلوان، ثم هو كاتب أغنيات شاب وموهوب. ووجدانه الموسيقي يدعمه هوس بموسيقا الريف الأمريكي وكتّاب الأغنيات الأفاقين و“الخارجين على القانون” والمغنين  وعازفي البلوز أمثال ويلي نيلسون ووايلون جينينغز وكريس كريستوفيرسون وبوب ديلان وباتسي كلاين. وجدير بالذكر أن سامي يرفض ويعادي الروح ويعتبر أنها نمط من أنماط البروباغاندا (ص155). وهنا من الضروري الإشارة لقراءة يووي زاغراتيسكي** للرواية وما تتضمنه من مؤثرات بنيوية تدين فقط للبلوز الأفرو أمريكي. ولضرورات منطقية توجب على هذا التأويل أن يتجاهل ذوق سامي في الموسيقا. كان سامي بحاجة للموسيقا، وموسيقاه بشكل أساسي “بيضاء”، ولكن اللون لا يهم على الإطلاق بنظره، وهو أصلا لم يذكر أي شيء عن العرق. وكما حصل مع باتريك دويل في رواية كيلمان “النفور” كان سامي من أشد المنتقدين للغة العنصرية (انظر مثلا ص 345 من الرواية). وقد لاحظت سو فايس*** أن سامي كان منسجما سياسيا، وهناك تطابق بين الظاهر والباطن في كلامه عن موضوعات مثل المرأة والرجال المثليين والتمييز العنصري. ولكن علاقة ذوقه الموسيقي مع البلوز الأفرو أمريكي تكاد تكون معدومة. وفي الواقع إن “حزام سامي بنجمته الوحيدة” هو جواز سفره إلى مركز عالمه الموسيقي: تكساس. و“ولاية النجمة الوحيدة” هي عاصمة الجنوب، و“الجناح الغربي”. وهذا الأخير هو موضوع تفاصيل مطولة لرحلة موسيقية يقوم بها كاتب إسكوتلاندي آخر هو دانكان ماكلين.  يتخيل سامي رحلة مماثلة يحج بها إلى لوكينباك في تكساس، وهو المكان الذي سجل به جيري جيف والكير ألبومه  الشهير “فيفا تيرلينغوا” عام 1973 والذي يشكل جزءا لا يتجزأ من نشاط “موسيقا ريف العصاة - outlaw country”.  وقد عادت لوكينباك للظهور مجددا في موسيقا وايلون جينينغز وفي تسجيل انفرد به  ويلي نيلسون وعنوانه “لوكينباك ، تكساس - العودة لأساسيات العشق” . لقد تأثر سامي بحب المجتمع الذكوري الذي تحرض عليه هذه الأغنية وتمنى لو “يكون مع فريق ويلي ووايلون وبقية الأولاد” ( كما ورد في ص 250). ومن الواضح أنه يقتبس هذه العبارة بشكل مباشر من الأغنية نفسها. ولكن من الطبيعي أن يعارض سامي ويقاوم في مكان آخر من الرواية هذه الرغبة الخيالية والعاطفية التي تشجع على رحلة حول العالم بشكل رحلة حج موسيقية. إنما هي تفرض نفسها مجددا وبعد حين. ومن المدهش أن كلمة “لوكينباك Luckenbach” تشبه لفظيا معنى “النظر إلى الخلف  looking back ”، حينما يغنيها وايلون جينينغز. وكما آمل يمكن أن نرى أن ذهن سامي كان يرتحل عبر طبقات من الذكريات، وفي نفس الوقت  يعمل على إعادة ترتيب نفسه في الوقت الحاضر بواسطة التركيز المتعمد على الصوت وأمكنة في الذاكرة. بمعنى أنه عليه أن “ينظر إلى الخلف” بذاكرته لأنه لا يستطيع عمليا أن ينظر “فيما حوله” ببصره بسبب العمى. وبالنسبة لكل ذكرياته المستعادة، وكشأن العديد من شخصيات كيلمان، كان اتجاه رحلة ذهن سامي نحو المستقبل وبعيدا عن غلاسكو. وإذا أسأنا اقتباس ووردزورث عمدا نقول: إن غلاسكو حاضرة فيه، الآن ولاحقا، وتقريبا “تأخر الوقت جدا” لإحداث أي تغيير. غير أنه يشعر أن التبديل لا بد منه. وبما أن سامي أعمى ولا يبصر أي شيء يوضح لون المغني والبلاد والبلوز فقد كانت بالنسبة له أشياء بأهمية واقع الطبقة العاملة، وكذلك بأهمية كلمات الأغاني والأصوات الذي يتذكر نصفها والتي تجدها بين أفكاره طوال الرواية، ولا سيما حينما يكون وحيدا. وبغياب المتطفلين غير الموثوق بهم (“ليس هناك ثقب امرأة يمكنك أن تثق به” كما يقول في الرواية ص 251)، وباستمرار استلاب صديقته هيلين واغترابها عنه، توفر الموسيقا لسامي محيطا اجتماعيا مفيدا، وتساعده على الإعراب عن أشكال معاناته المختلفة كلها.   ويجد أرنون أ. فوكس، في دراسته عن موسيقا الريف وثقافة الطبقة العاملة في تكساس، أن “الصوت” هو كل شيء بالنسبة للطبقة العاملة هناك، فالصوت وسيط مفضل لبناء المعنى والهوية، ولإنتاج “ثقافة طبقة “مختلفة. وتتضمن الأغنية والغناء أطروحة تعبيرية  توضح قيمة الصوت، وعليه إن الأغنية يمكن اعتبارها خطابا من خطابات عمل الوعي الخاص بـ “الصوت”. وعبر الأغنية وأشكالها المتوفرة في الكلام التعبيري والفني والنقدي والمسلي (ولا سيما السردي والضاحك) تبني وتحتفظ الطبقة العاملة في تكساس مجموعة من القيم التي لحق بها الصدأ، و“الإجهاد”، ودخلت في دائرة ما هو “عادي” “وشائع” ويلون حياتها اليومية.

وهكذا إذا كانت مغامرة ورمنسيات الرحلة إلى تكساس وراء حدود وإمكانيات سامي، إن صوتيات مجتمع الطبقة العاملة، وألفاظ لغتها الموسيقية، تصبغ بألوانها النشاط المسموع لعالمه الجديد (ما يتضمنه من ألفاظ وكلام). وحينما تحتفل بـ “العادي” - وهو وجه أساسي من مشروع كيلمان ومنذ البداية - فهي أيضا تقدم شكلا من أشكال الزمالة لسامي. وهو ما يشجع على تأقلم الخطاب المسلي والعبثي مع الظروف الصعبة.  بتعبير آخر، مع أن هذه الموسيقا تأتي من عالم متصدع، فهي تؤكد على هوية سامي الطبقية.  وباتباع الخط الذي رسمه فوكس لنا، يمكننا القول بأمان أن هذا الأسلوب الخاص في الموسيقا يثمن عاليا أصالة الصوت، وكل الأصوات، وبالاستطراد صوت سامي، بينما كل الأصوات المذكورة تقريبا في الرواية تدين صوته ولغته. وإن الموسيقا الريفية، وهي في مركز عاطفته للموسيقا،  تبدو متنمرة، وعليه  هي تعاني من القيود في الإعلام الرسمي لأنها قد تهدد أمن الدولة في حال انتشارها: ومهما كانت حقيقة “الموسيقا المتمردة” وهي شكل من أشكال التحدي السياسي، إن تأويل سامي وفهمه للموضوع له معنى متغلغل في أعماقه، فالموسيقا بنظره ليست نشاطا جماليا دون أبعاد سياسية، وموسيقاه المفضلة إنما تعمق وتشرعن وضعه في الأطروحة المضادة ومقاصده المتمردة بصمت. لأنه إذا سمحنا لمزيد من البشر بالإصغاء إلى “موسيقا الكبار هذه” سوف “تندلع ثورة ملعونة” (كما ورد في الرواية . ص 156).

في بعض الأحيان كانت الموسيقا الصامتة تطفو على سطح النص، ولا سيما عندما يذكر سامي التفاصيل حول أصوات سمعها، وذلك بنبرة موسيقية صرف، يضيفها إلى نص الرواية بشكل قصائد مكتوبة ومغناة، و لنتذكر أنها من إبداعه الشخصي. مثلا يقول: يركع على ركبتيه ليشعر بملمس الأرض، إنها باردة لكن مستقرة، باردة لكن مستقرة. وكانت راحتا يديه ممدودتين عليها، ويغمره الإحساس أنه في مكان آخر من العالم وتبدأ الموسيقا تدمدم برأسه، موسيقا حقيقية جدا، وتنومه مغناطيسيا، وها هي أدوات العزف تقرع.. تممم تي تم تم تممم تتم تي تم ، تم، تي تم، تم، تم، تم، تي تم. تمم تي تم تي تم، تم تم تم تي بونغ، بونغ، بونغ، بونغ، بونغ، بونغ، بونغ، بونغ، بونغ. بونغ، بونغ، بونغ (الرواية ص ثم 31،11) . هنا نرى سامي على أرض زنزانته، وهو يلاحظ لأول مرة أنه أعمى. فيسرع لتحرير وضعه هذا عبر تجريدات موسيقا متخيلة. وهذه الموسيقا الصامتة، تتراجع فورا تحت تأثير طوفان الوجع والألم و“تصادم الأفكار دفعة واحدة” (ص 11). ولكنها على الأقل تخلق أثرا مؤقتا وسط ظروف سجنه وإحساسه بالشقاء. وترفعه هذه الظاهرة الموسيقية التي ترتقي لشكل قصيدة  مغناة وترفعه لدقيقة من الوقت فوق ظرف زنزانته القاسية. لقد فقد سامي بصره، وفقد إدراكه باللون والظلام والنور والعمق والنسبة والتناسب، لكنه كسب أذنه، وبدأ يحلق بحاسة اللمس، ويعيد ترتيب ذاكرته ويضاعف من دورها الهام في حياته، وبالمثل ضاعف دور الإيقاع غير المنظور، أو حكايته غير المدونة. وبما أن سامي عاجز عن أي تواصل مع النص المكتوب، كان يتعايش مع نشاط منطوق ومسموع  شديد النقاء وبعيد عن النخبوية والتعالي الثقافي. وبهذا المعنى، يكون سامي هو الذات المثالية لكيلمان: حيث الملفوظات والأصوات عند سامي الأعمى أكثر أهمية من الكتابة. وهنا المفارقة العجيبة، أن الصوت جاء ضمن صفحات أو في طيات رواية مطبوعة.

 

ترجمة صالح الرزوق

..................

* سيمون كوفيسي   Simon Kövesi  أستاذ الأدب الإنكليزي واللغات الحديثة في جامعة أكسفورد بروكس / المملكة المتحدة.

** زاغاراتيسكي أستاذ الأدب الأنغلوفوني في جامعة جيشين البولندية.

*** أستاذة الأدب الحديث في جامعة شيفيلد البريطانية.

 

 

رضوان الرقبي للشاعر إدريس الرقيبي

(بما ان اللغة عمل فني للحقيقة، فليس هناك إلا فن واحد يكون من صميم ماهيتها، هذا الفن هو الشعر: اللغة بهذا المعنى قصيد اولى سابق عن الشعر نفسه كشكل متحقق في القصيدة ذلك أن " الكلام في مادته الخام قصيد") هيدغر.

تقديم

الشعر غوص في أعماق الذات الإنسانية، واستنطاق لمكنوناتها الباطنية، فهو الحقيقة في أسمى تجلياتها وأبهى صورها، يأسرك ليسافر بك إلى عوالم خفية، بحثا عن المجهول الذي يسكننا. فالشعر بهذا المعنى هو القوة الاصلية بما هي ذات الحقيقة التي تصدر عن العمل الفني، وهي في نفس الوقت الهاجس الذي يسعى الى التعبير عنه كطبيعة روحية. فهو بهذا المعنى لا يتحقق إلا بوصفه عملا شعريا، ما دامت القوة التي يصدر عنها هي روح الحقيقة ذاتها بما هي طبيعة شعرية، وما دامت غايته التعبيرية كحقيقة فنية، هي ان يصل الى الامساك بما يجعل من كل ممارسة فنية قولا شعريا. لا يهم عند هذا الحد ان تختلف الأساليب والممارسات الفنية وتتعدد، وإنما الذي يهم ان ما يشكل قوام الحقيقة لا يقال إلا على نحو شعر خالص.

تميز النص الشعري المعاصر بمشروعه الخاص به شكلا ومضمونا، وحملت بنيته جملة من الظواهر والخصائص، جعلته يتميز عما سبقه من المنجز الشعري القديم بالتفرد والاستقلالية، بيد أنه لم ينسلخ عن أصالته، فقد اقترض من الأنواع الخطابية الأخرى بعض سماتها، واستغلها لتكون معينا له في حركته الشعرية، وهنا نلحظ بعض الاعمال الشعرية المعاصر التي جنحت الى تطعيم أعمالها ببعض التقنيات والبنيات السردية، في محاولة لتوسيع الأفق الدلالي للنص، وتجاوز عقدة الجنس الأدبي الصافي بقواعده وألياته الصارمة، والتوجه نحو تحطيم النسق المنزه عن تداخل الانماط الخطابية.

وديوان مقامات للشاعر الورزازي إدريس الرقيبي هي من هذا القبيل الشعري الذي استمد بعض ادواته التعبيرية من البناء السردي، فهو سنفونية شعرية تتراقص على إيقاعات التشكيل السردي واللغوي الدرامي والتصويري الذي يعكس حب الشاعر للغة الشعرية وللقيم الإنسانية في أبعادها المختلفة والمتعددة، وفي الوقت ذاته يتطلع إلى تقديم إشراقات تخرج هذا الكائن الإنساني من دوابيته وتوحشه، فالعشق الشعري هو البلسم الذي يضمد به الشاعر كل الجراحات التي تنزف، ففي القصيدة المفتاح من ديوان مقامات حيث خصصها الشاعر للقصيدة عندما تتحدث عن نفسها: (ص11)

تسمو بي الأفاق إذ أشدو..

وهذا الشوق يغريني..

أرنو إلى الغد الضمان في دهري..

فهذه البنية الحوارية الضمنية والتواصلية والتناصية هي التي توثت الفضاء التشكيلي للشاعر إدريس الرقيبي الذي يقوم على محددات البناء السردي والدرامي باعتبارهما تشكيلات فنية وتعبيرية تكشف عمق التجربة عنده، وتمده في الوقت ذاته بنفس جديد ينضاف إلى اللغة الشعرية الرمزية المفعمة بالكثافة الانزياحية التصويرية.

يضع الشاعر إدريس الرقيبي قارئه أمام جدلية منفتحة على التأويلات والتساؤلات يثير فيه رغبة الاجتهاد والافتراض، والنبش في مقاصده، لذلك يكون اشتغاله الابرز على ثنائية الحضور والغياب التي تلقي بتداعياتها على مختلف مكونات الديوان الشعري/مقامات. والتي تشكل مركزها ومنطلقها وإشاراتها الضمنية. وهذا العمل سيحاول ان يكشف عن بعض معالم البناء السردي والدرامي وتشكلاتهما في ديوان مقامات. فكيف وظفهما الشاعر لرسم خصوصية كتابته الشعرية؟

2- عتبة العنوان

أول ما يثير قارئ أي كتاب هو عنوانه، لأنه يستجمع مختلف مكوناته، ويسعى ليكون دالا على مختلف عوالمه، ونجاح عنوان الكتاب لا يبرز فقط من خلال كونه يثير فضول القارئ إلى الحد الذي يجعله يقدم على الحصول عليه والشروع في قراءته، ولكن أيضا في دلالته العامة على ما يتضمنه من أبواب وفصول، وما تحمله من قضايا وأفكار تتطابق مع ما يوحي به أو يومئ إليه. ويعرف ليو هويك leo Hoekالعنوان على النحو التالي:" مجموعة من الأدلة ... التي يمكن أن تثبت في مقدمة نص لتعينه، وبيان محتواه الشامل، وإغراء الجمهور المستهدف."

بناء عليه يعد العنوان واحدا من اهم الوسائل الجمالية والدلالية في بناء النص من جهة، فهو يؤدي دورا فعالا في العملية الأدبية إبداعا، إذ يحرص المبدع على الدقة في اختياره لا دراكه حساسية ارتباطه بالنص، والأهمية التفاعلية بينهما، وبيانه لهوية النص، فهو: رسالة لغوية تعرف بتلك الهوية وتحدد مضمونها.. هو الظاهر الذي يدل على باطن النص ومحتواه.[1] وبالعنوان تبدا عملية التواصل مع متن العمل الأدبي، إذ يشكل مفتاح النص الدلالي الذي يستخدمه القارئ /الناقد مصباحا يضيئ به المناطق المعتمة في القصيدة[2]

في ديوان مقامات، يشكل العنوان مفتاح الدلالة، وجسر التواصل مع مضامين الديوان بشكل عام، ولا شك ان اهمية العنوان الاستثنائية تهيئ للباحث المزيد من كشف الدلالات المستترة في فهم جوهر العمل الادبي. والشاعر إدريس الرقيبي يشير منذ البداية الى طبيعة الموضوع المتناول في المؤلف و المرتبط بتيمة العشق الشعري وتجليات الإنسانية في أبعادها المتعددة، وبمفهومهما الواسع والمنفتح على كل التأويلات والانزياحات الدلالية. فالعنوان وحدة دلالية / مقامات جاءت على صيغة الجمع، وهي مفرد مقام، والمقام موضع القدمين، وهو المجلس والمنزلة والمرتبة والمكانة...الخ، حسب كما تؤكده المعاجم العربية. والمقامات حالات ثابتة ينالها السالك بجهده الخاص، في التعريف الصوفي، والديوان هو عبارة عن مقامات شعرية وجدانية، ومراتب تختلف حسب الحالة الشعورية للشاعر، الذي يتنقل من مرتبة شعرية إلى أخرى، بجهد وشغف، لان الشعر كائن غير ثابت فهو دائم التحول، الشيء الذي يجعل شاعرنا إدريس الرقيبي تنتابه حالات متحولة غير ثابتة حسب ما تقتضيه التجربة الشعرية المتحولة في الزمان والمكان.

وهذا العنوان ينطوي على ابعاد روحية بمفهومها الصوفي تعرج بك دلالتها إلى معاني سامية، تكشف عمق التجربة عند الشاعر إدريس الرقيبي. وشاعرنا في عنوان مؤلفه يمارس لعبة الإيهام على المتلقي، وهي لعبة ومراوغة يبتغي من ورائها الشاعر تضليل المتلقي وجره إلى الولوج إلى أعماق النص وسبر لأغواره، لاكتشاف منطوقه الخفي الذي لا تتضح معالمه إلا من خلال القراءة الكلية للمؤلف. وعلى الرغم من ان العنوان يؤسس لنص سردي، فهو يقدم رؤية شعرية ضمن نسق جمالي معقد، يوظف السردي والشعري، وينفتح على كل الخطابات الخرى، لان المبدع – ربما - يؤمن بعدم وجود جنس ادبي خالص مستقل.

معمارية النص الشعري في الديوان:

ان المتتبع لمسار تطور بنية القصيدة العربية يلمس جنوحا مستمرا نحو التنويع في تقديم انماطها وتطويرها حسب تجربة الشاعر وموقفه من الحياة والكون.. وحسب طبيعة القلق المعرفي والأسئلة الوجودية التي تقض مضجع الذات، فمعماريتها وشكلها الهندسي مرتبط بطبيعة الرؤيا الشعرية التي يسعى من خلالها الشاعر الى رسم معالم تجربته. والى تحقيق مشروعه الإبداعي.. وبديهي كما يقول عز الدين اسماعيل ان يتعامل الشاعر الحديث مع القصيد تعاملا جديدا، يختلف عن الاطار التقليدي المألوف. فاذا كانت " وسائل التعبير الشعرية الاساسية ضرورة فرضها التطور العام في معنى الشعر ومهمة الشاعر، فكذلك كان اختلاف اطار القصيدة الجديدة عن الاطار القديم ضرورة يفرضها ذلك التطور"[3].

اذا كانت معمارية القصيدة التقليدية قد قامت على أسس واعتبارات فنية خاصة، بعضها يرجع إلى مؤثرات طبيعية واجتماعية، وبعضها جاء نتيجة لمورثات والتقبلات والاستعدادات، وبعضها تضمنته طبيعة اللغة ذاتها. وقد تحالفت هذه المؤثرات جميعها لتخرج لنا الشعر العربي وفق نمط موحد وبناء خاص مخصوص، فان القصيدة الحداثية قد ارتبطت بمؤثرات فكرية واجتماعية ولغوية جديدة، أفرزت نمطا شعريا جديدا لم يستطع بعد ان يقف- في نظرنا - على شكل واحد موحد، بل ربما وجدنا عند شعراء العصر الواحد تلوينات معمارية شعرية مختلفة، املتها طبيعة الرؤيا الشعرية عند كل واحد.

ومنذ الصفحات الأولى من ديوان مقامات نجد الشاعر يميل إلى اختيار الشكل الهندسي الحديث، وهو نمط معماري يختلف عن السائد والمألوف في التشكيل الشعري الجديد، وهو اختيار ليس اعتباطي، وإنما نابع من قناعة فكرية وفنيه، قادت الشاعر إلى تفريغ حمولاته وشحناته العاطفية ودفقاته الشعورية، في هذا القالب الفني الذي ارتضاه.. وهو قالب فني يجمع بين النفس الشعري و النفس النثري، أي بين البناء السردي ذو النفس الطويل والمنفتح، وبين الكثافة الشعرية التصويرية والرمزية. وكأن شاعرنا تجاذبته قوتان، قوة الشعر وجمالية اللغة، وقوة النثر وخصوصياته السردية والدرامية، فتمخض ذلك الكل وتشكل، ليلد لنا هذا المعمار الفني بخصوصياته الجمالية.

والمتأمل لديوان مقامات يجد كذلك ان الشاعر إدريس الرقيبي قد عمل على كتابة بعض قصائده وفق الطريقة الشعرية التقليدية، كما نجد ذلك مثلا في قصيدة مقام العشق:      (ص76)

كل الدروب في بلادي موحــــــــــــشهْ   *** وعيون ليلى اذا توارى طائــــــشهْ

تبكي القلوب هجر الغمام وتشتكي *** شح الهوى والأنس فيها وشوشهْ

وربما لن أكون مغاليا اذا ادعيت ان هذه المزاوجة في اختيار الشكل الهندسي للقصيدة إنما تعود إلى طبيعة الشعر نفسه، ذاك ان القصيدة هي من يفرض شكلها الذي تريد التجلي فيه، والتشكل في بنائه، باعتباره وعاء قادرا على احتوائها جماليا، وما على الشاعر إلا الانصياع لوجعها مرغما، وتفريغها في الشكل المعماري الذي ارتضاه وجعه الشعري.

فالشاعر إدريس الرقيبي في معماريته الفنية لا يتم دورته الشعورية حتى يعود إلى حيث بدأ، وإنما هو ينتهي في القصيدة إلى نهاية غير نهائية، إنها نهاية ترتبط بالبداية عضويا، باعتبارها نهاية منفتحة على التأويلات كما في البناء القصصي المعاصر. وربما كان السر وراء هذا الاطار الجمالي المفتوح هو احساس شاعرنا بلا نهائية التجربة.

" فليس في وسع الانسان ان يتقطع من وجوده جزءا له صفة التفرد والاستقلال عن بقية أجزاء هذا الوجود، والنبش عما ولد في النفس شعوريا بعينه يغري بمزيد من النبش، وتكشف المجهول يغري باستكشاف ما وراءه"[4] .

يقول الشاعر إدريس الرقيبي في قصيدة" أنا الشعر" والتي خصصها للقصيدة التي أبت إلا ان تتحدث عن ذاتها معلنة ما يخالجها من آمال وألام تكتوي بها)ص13)

أصارحكم..؟

أحس الشعر ينتحب..

كسيرا إذ غدا وردا على مزاهركم..

يؤثت زوايا الروح مكتئبا..

يصاحب نغمة الأنخاب على موائدكم.

ان هذا الإعلان الصريح الموجع من الشعر، هو صرخة مدوية تجد صداها في العمق الإنساني، ذلك ان الشعر ليس كلمات ولغة ممشوقة فقط، بل هو امتداد لكينونة هذا الجنس البشري في ابهى حلله الإنسانية. فكأن القصيدة تقيم جنازة لنفسها في زمن ترفض فيه ان تكون نغمة على موائد تقارع فيها الأكف ندامة وخمرا.. بل إنها كما تقول عن نفسها ليست خلخالا يرن في كعب غانية. وربما هذا ما يجعلنا نؤكد الفهم العميق للشاعر إدريس لماهية الشعر وخصوصيته الفنية، فهو ليس أداة للتسلية والتزخرف والتلاعب اللفظي، بل انه اكبر من ذلك سبر لأغوار الذات، وكشف لمجاهلها، بما هو تجل من تجليات الإنسانية وكينونتها الوجودية. وربما اختيار الشاعر تصدير الديوان بهذه القصيدة التي تتحدث عن نفسها، هو اختيار مقصود، سيحدد مفهوم الشعرية عند شاعرنا، ويؤطر الديوان بشكل عام من حيث بنائه الفكري والجمالي.

وهذا ما سيجعل الشاعر إدريس يعبر بوضوح من خلال قناع القصيدة عن مفهومه العميق للشعر، بما هو بلسم الأحزان، وشيء من الهذيان، وهو أنشودة الثوار...الخ وأمام هذه المكابدة التي عاناها الشعر يأبى الاستسلام ويرفض كل المؤامرات التي تحاك ضده، ليكون نخبا على موائد فيها يقتسم القدر، بل انه: (ص 15)

أنا الشعر

سأظل في محراب الروح..

أناغي جذوة في القلب أسامره..

اذا ما وصله خفقا..

واعلن الرفض الجميل..

وان عاثت بنا السبع العجاف..

وان تاهت عن خطوها كل الضفاف..

وان تراكم في دمي – لو خلسة – سم زعاف..

وان – قسرا – ضاع النشيد

ولم يحن بعد المطاف.

هنا تنفتح القصيدة بشكلها ونهايتها على تأويلات متعددة واللانهاية، تخلق نصا جديدا يرتبط في بنائه برمزية المحراب الذي ظل الشعر يناغي فيه جذوة في دواخله.. واذا كان هذا الصوت هو صوت الشعر، فأننا يمكننا ان نقول بان صوت الشعر يتداخل مع صوت الشاعر إدريس الرقيبي ليشكلان وحدة موضوعية منسجمة تعلن الرفض الجميل رغم طول السبع العجاف التي أصابت الشعر باعتباره لغة، والشاعر باعتباره مترجما لهذه اللغة الدفينة في دواخله، حيث استجاب طواعية لنداءات الشعر، فأرخى بوحا بما يخالجه. في معمارية وشكل هندسي هرمي يتجه في اتجاه شعوري ممتد في خط مستقيم، وقد يتعرج هذا الخط في شكل موجات متلاحقة، ليأخذ طابع الامتداد اللانهائي. في هذا الشكل يظل الهيكل البنائي للقصيدة شعورا او مجموعة من المشاعر المتجانسة المتكاملة، انه يمثل وحدة شعورية تتكشف ابعادها في العمل الفني برمته عند الشاعر إدريس الرقيبي.

القصيدة عند شاعرنا تسير في بنائها المعماري، نحو الاتجاه الدرامي الذي يستمد عناصره من القصة والرواية، وهذا ما يؤكد تداخل الأجناس الأدبية وتكاملها، ويظهر جليا ان شاعرنا قد استفاد من تقنيات الكتابة السردية القديمة والمعاصرة، لرسم معالم تجربته الخاصة.

ومن نافلة القول ان نؤكد على ان العمل الادبي قد صار عملا شاقا، يحتشد له الشاعر بكل كيانه، حتى صارت القصيدة تشكيلا جديدا للوجود الإنساني، ومزيجا مركبا ومعقدا من أفاق هذا الوجود المختلفة، حتى صارت القصيدة بنية درامية بامتياز.

4 مفهوم البنية السردية في مقامات:

ربط جيرار جنيت الشعر مع فن القص في معرض حديثه عن الأجناس الأدبية، فتعين عنده ان يكون الشعر الغنائي هو ذات الشاعر، وفي الشعر الملحمي يتكلم الشاعر باسمه الخاص بوصفه راويا، ولكنه يجعل شخصياته تتكلم كذلك[5]..ان موضوع النص الشعري حسب جنيت هو ما يلحق الشاعر من وضع خاص او ما يلحق بالمجموعة البشرية التي يعيش معها من وضع عام، فيكون راويا منفردا كما يكون معه من يؤدي هذا الدور من الشخصيات..

نقل عن افلاطون قوله بأن الفخر أوفى أنموذج للقصيدة المصروفة الى السرد [6] كما نقل عن ارسطو ان الدرامي السامي يحدد المأساة، والسردي السامي يحدد الملحمة، أما الدرامي الوضيع فيناسب الملهاة[7].كما تحدث ارسطو كذلك عن الشعر الحامل للفعل السردي، مما ينفي ولو بصفة مؤقتة الزعم القاطع لأواصر التواشج بينهما، والأمر قائم على اساس الحكي الذي يقوم على اساس الصراع بين شخصيات في زمان ومكان محددين، لتصانع الأحداث المشكلة لبنية الملهاة أو المأساة، فيكون الاختلاف في الطريقة التي يعبر بها المتكلم عن موضوع ما بين الشعر الخالص او النثر الخالص. ان العلاقة بين الشعر والسرد في حال عدم تعيينها على هذا الوجه تكون محمولة على وجه اخر مفاده ان يكون الشعر أصلا لكل أشكال الكتابة الأدبية، التي لا تعدوا ان تكون اساليب اقل بلاغة منه ويكون الناتج استقلال الشعر عن النثر، أو يكون الثاني اقل رتبة من الأول، ويكون السرد عاملا مشتركا بينهما ومادة لهما معا.

في التجربة العربية يؤكد محمد مفتاح على ان كل نص شعري هو حكاية، أي رسالة تحكي صيرورة ذات، وربط هذه الفكرة بعوامل كريماس، نظرا لدورها المهم في تشكيل بنية النص الشعري. كما ذهب كمال ابو ديب إلى ان بنية الشعر الجاهلي تحمل معاني السردية بمفهومها المعاصر، و رأى بان القصيدة العربية القديمة تحمل زمنين احدهما للفعل والأخر للسرد.. كما بين ذلك في تحليله لقصيدة عنترة بن شداد. في حين ترى بشرى البستاني في تتبعها للبنى السردية في شعر نازك الملائكة، على ان حضور العناصر الحكائية ليس جديدا على الشعر، وإنما هو متجدر في بنائه. وعلى كل حال ليس موضوعنا هو الخوض في وجود البناء السردي او عدمه في النص الشعري القديم، وإنما اكتفينا بهذه الإشارات من بعض النقاد العرب والغربين التي سلطت الضوء على البنية السردية وما بدا منها مشكلا للخطاب الشعري.

ينطلق الشاعر إدريس الرقيبي من منطلق الاستفادة من بعض تقنيات السرد، على اعتبار أن السرد ليس سمة في القصة والرواية فقط، إنما هو سمة في الخطاب اللغوي بشكل عام، ونظام في الأداء اللغوي الذي يمكن أن نلمحه في أكثر من جنس أدبي، بيد ان استثماره في القصيدة يأتي عبر أشكال تختلف عن السرد الحكائي، وهذه التقنيات تميل بالنص الشعري إلى النزعة الدرامية، إذ تتعدد الأصوات والشخصيات، ويظهر المتن الحكائي قاعدة أساسية يبني عليها الشاعر نصه، ويستمد منها أفكاره ورؤاه، في سبيل كتابة ابداعية تنتج نصا شعريا نوعيا يكثف السرد الحكائي في بنية تناسب ضرورات الشعرية، من هنا تسهم البنى السردية في إنجاز النص الشعري، لكنها لا تطغى عليه ولا تلغيه. وفي تتبعي لديوان مقامات وجدت بان الشاعر إدريس الرقيبي يوظف تقنيات السرد من خلال بعض أسسه: كالأسلوب الحواري، والأسلوب القصصي.(نكتفي هنا بهذه المكوانات السردية فقط، نظرا لضيق الوقت، والا فالديوان ينبني على مكونات أخرى كالتناص، والتجسيد...)

الاسلوب الحواري:

يعتبر من اهم الاساليب الفنية التي وظفت في القول الشعري المعاصر[8]، الحوار، بما هو تواصل بين اصوات متخاطبة في النص الشعري، وقد احتفى به الشعر العربي الحديث باعتباره اداة تعبيرية درامية تسهم في نقل التجربة والموقف الشعريين. ولذلك فالحوار بمفهومه الدرامي ينتمي بكليته إلى عالم الفن، ولذلك لا يجوز الحكم عليه بمقاييس الحديث العادي، وهو لا يكسب صفة الدرامية اذا كان يفتقر إلى الهدف، أو الأثر الكلي، بمعنى انه ليس فيه وحدة عاطفية او فكرية تحكم الصراع الذي يصوره ذلك الحوار. والبنية الحوارية في ديوان مقامات لم تكن عملا مستقلا عن باقي المكونات والتقنيات السردية والدرامية، وإنما متفاعلة معها في علائق، باعتباره انحراف تعبيري يتيح للشاعر ان يعبر عن افكاره الداخلية وعواطفه بطريقة غير مباشرة، تعتمد التكثيف والتركيب والمجابهة الصوتية مع المتلقي/ المخاطب، فالحوار- خصوصا الداخلي- يتيح للمتلقي ان يسمع الصوت الخفي الذي يدور في اعماق الشاعر وهذا نوع من التجسيد أو التجريد، فكأننا أمام ذات أخرى غير ذات الشاعر، تحاورنا من خلال الصوت الحواري، وكأن الأفكار قد تلبست ثوب شخصية مفتعلة لتعلن عن نفسها في بوح مقصود. كما راينا في قصيدة، " أنا الشعر". وهي القصيدة المفتاح للديوان، بعدها مباشرة نجد قصيدة أخرى، حملت عنوان" الشاعر" وكأنها جواب على حمولة الأسئلة التي طرحتها القصيدة الأولى، وعبرت عنها.. (ص 16)

وحده يلملم طرف القصيد..

يتعشق الألفاظ..

يمتشق صهوة الأنواء مسافرا..

عبر الدروب..

وحده يروي اللباب من دوحة الأيام..

فالشاعر وحده هو القادر على ان يشعر أولا بأوجاع القصيد، وثانيا قادر على ان يلملم أطرافه، متعشقا حلاوة اللفظ، وعذوبته ومحبا مجنونا يسافر عبر الدروب حالما يأبى الركون.. ان هذا الحوار الضمني بين القصيدتين يكشف حقيقة التجربة عند شاعرنا، المهوسة بالقلق وبالحب والوجع الشعري.

ان هذا الوجع الذي يسكن الشاعر ومخاطبه/ الشعر، ينم عن رغبة أكيدة لتخليص المخاطب/ الشعر مما لحقه من معاني التردي والسافسف، فكانه يسعى إلى تطهيره من كل ما من شانه ان يجعل الشعر غير قادر على الحياة من جديد.  وهنا نستحضر فكرة التطهير الارسطية أو التطهير بمفهومه الصوفي، الذي ينقلك من عالم الدناسة إلى عالم القداسة. هذه اللوحة الفنية التي رسمها الشاعر لمخاطبه/ الشعر، لا تعدو ان تكون حوارا داخليا يترجم طبيعة القلق المعرفي والأسئلة المؤجلة التي اختمرت في باطن الذات الشاعرة. لذلك سيبني قصيدته " جذور" على هذا البناء الحواري، باعتباره أداة تعبيرية قادرة على الكشف عن عمق الرؤية الشعرية والموقف الفكري والروحي والنفسي للشاعر إدريس الرقيبي. فلما شعر بثقل المسؤولية باعتباره شاعرا، عاشقا للفاظ ومجنونا بعمق العبارة، لم يجد إلا البحر بما هو رمز للجود والكرم والشاسعة، للبوح له بما يخالجه، وقد أعياه التطواف والسفر بين ذاكرته:(ص 19)

أبوح للبحر بما تخبئه الضفاف..

أبوح..

وقد أعياني التطواف..

في ذاكرة ترهل في بيدها وهج المواويل القديمة..

إن هذا البناء الحواري يكشف بعمق صوتان لذات الشاعر، احدهما هو صوته الخارجي العام، أي صوته الذي يخاطب به الأخرين، والأخر صوته الداخلي الخاص الذي لا يسمعه احد غيره، ولكنه يبزغ على سطح القريض من ان لأخر، وهذا الصوت الداخلي يبرز لنا كل الهواجس والخواطر والأفكار المقابلة لما يدور في ظاهر الشعور أو التفكير، وهذا ما يسعى اليه الشاعر ليغرينا بما يقول صوته الداخلي، ويقنعنا بفكرته الظاهرة، وبهذا تتحقق الغاية الدرامية من التعبير.

إن هذا التماهي من الشاعر إلى حد الحلول في ذات مخاطبه، يذكرنا سرديا بطبيعة الرؤيا من فوق التي يكون فيها السارد عالما بكل جزئيات شخصياته، وتكون معرفته اكبر، إدريس الرقيبي يغوص بك في عوالم البناء الحواري ليجعل صوته يختفي وراء شخصية محاوره. وقد ادى هذا اللون الحواري الواضح الى ميلاد اساليب جديدة في التعبير الدرامي أو التعبير الشعري، لكشف حالات النفس وتداعيات الأفكار والعواطف، والدخول الى عوالم التصوير الفني المتلبس بصدق العواطف وتجليات الروح، لينكشف عالم اللاوعي الخفي امام المتلقي المتشوق الى معرفة الباطن الخفي مما يكشف عن حالة سيكولوجية خفية، تستدعي قراءة من نوع جديد، تستحضر معها ذلك العمق الوجداني والصوت الخفي والدرامية المتلفعة بايقاعية رومانسية خفية، تتمظهر في تجليات المناجاة والتداعي. بل والانفتاح على هموم عصره وواقعه المعيش. وهموم امته الجريحة.. يقول في قصيدة " رؤيا " (ص 26)

قالت بلكنتها الباكيه..

" إحنا هون "

فقلت:

يهون السير إلى الأجداث..

يهون السفر..

يهون الحزن ترشفه مواويلي..

تداريه..

وفي خلوتي.. صدى أحلام يغذيها السهر..

وهامات يكللها همس المدائن..

وصولة الحجر.

هي قصيدة حوارية تكشف هذا البعد الإنساني الذي يكتنف الشاعر، ويمتد إلى معانقة هموم الشعب الفلسطيني المستضعف، فالشعر عند إدريس الرقيبي ليس ترفا لغويا، بل حاملا لقضايا مصيرية وجوهرية، ومترجما لمختلف التساؤلات التي تقلق الإنسان في سيرورته الوجودية. فقصيدة رؤيا هي سنفونية الأمل لغد الإشراقة والانعتاق: (ص 28)

اني أرى

في مقتل الفوارس

في هجرة النوارس

في البسمة الثكلى على ثغر الصباح..

في الوطن المستباح..

(....)

اني أرى ربعا تجلى واخضر جانبه

زهرا يميس

يداعب في لطف مخاطبه..

وهذا الكائن النشاز الممتد في ربانا من خوفه

يستحث على عجل..

ومن وجل مراكبه.

واذا نحن وقفنا نتأمل النسيج الفكري لديوان مقامات ألفينا أمامنا الطبيعة الحوارية الداخلية التي تتحرك خلال الصورة في مجملها، فمنذ البداية تطالعنا الطبيعة الدرامية للحوارية التي تكسب الموقف ابعادا درامية تنجح في اثارة فضول المتلقي.

إن هذا الأسلوب الحواري الذي وظفه الشاعر إدريس الرقيبي، قد أضاف للموقف المراد التعبير عنه ابعادا لم تكن لتظهر لو اكتفى الشاعر بالحركة في اتجاه واحد، واكتفى من الواقعة بالإخبار عنها بشكل مباشر تقريري، ولكن تجسيم الموقف وتصوير المشاعر من خلال التوظيف الحواري، قد جعله بلا شك اكثر تأثيرا وإقناعا وجمالية، انك لا تقرأ قصائد ديوان مقامات حتى تجد نفسك تبحر مع الشاعر في مجازاته وحواراته، وتتعاطف معه حينا اخر وتتشوق للاستمتاع بحواراته مرة مع الشعر ومرة مع روح الأب الغائب ومرة أخرى مع المحبوبة....الخ

واذا تأملنا في العوامل الخفية التي تجعلنا مشدودين الى الكثير من القصائد الشعرية الحديثة، فسوف نجد أسلوب الحوار من اهم هذه العوامل. " والواقع ان شغف الشاعر بالتفكير والنظر الدرامي ، ثم رغبته في الإخلاص للتجربة، وحرصه على تجسيمها ربما كانت اهم العوامل التي دفعت الشاعر المعاصر الى استخدام هذا الاسلوب[9]. فمن خلال التجاذب والتلاقي والتنافر بين الأصوات المتحاورة، تتضح لنا أبعاد الموقف، وتنطبع في نفوسنا صورته، وهذا هو سر التأثير المتزايد لهذا الأسلوب الحواري في البناء الشعري المعاصر.

الاسلوب القصصي.

من الاساليب السردية الدرامية التي شاع استخدامها في التجربة الشعرية المعاصرة، الأسلوب القصصي، وهو أسلوب مألوف كذلك في الموروث الشعري العربي القديم كما عند امرؤ القيس او لبيد او غيرهما من شعراء العصر الجاهلي.. ونقصد بالأسلوب القصصي في الشعر هو استخدام الشاعر لبعض أدوات التعبير التي يستعيرها من السرديات، دون ان يكون هدفه هو كتابة قصة شعرية. والأسلوب القصصي المستخدم في الشعر العربي المعاصر لا يعدو ان يكون تطويرا عصريا لما كان يسمى في الدرس البلاغي القديم بالتمثيل، فقد جاءت القصة في الشعر لتؤدي نفس الدور البلاغي الذي كان يقوم به التمثيل في الشعر القديم.

فالقصة في الاستخدام الشعري، إنما تقوم على اعتبارها وسيلة تعبيرية درامية، لا على أنها قصة لها طرافتها وأهميتها في ذاتها، ومن اجل ذلك نجد إدريس الرقيبي يوظفها من حيت كونها لمسة فنية دالة تأسرك وأنت تبحر في عوالم الديوان الشعري، وتشدك بجمالية سبكها وحسن توظيفها، لا سيما وان شاعرنا اضفى عليها لمسته الشعرية. لنتأمل مثلا القصائد : " أنا والليل"  (ص89)

يتسامى الليل يذوب رؤى

يجر حقائبه الثكلى

يغادر أجفان الأحداق

يتهادى الليل يذوب ندى

فتميس لرقته الكلمات

في هذه الأسطر الشعرية، نستشعر النفس السردي، حتى اني لن اكون مغاليا اذا ادعيت بان هذا النفس القصصي قد هيمن على جل قصائد الديوان، بشكل يجعل القارئ يتابع القصيدة كانه ينصت لحكاية ما، لكن بنفس شعري ورمزي.

وأود أن أسجل أن البناء الشعري عند الشاعر إدريس الرقيبي، الذي يستخدم القصة باعتبارها أداة تعبيرية موحية ومؤثرة، قد أكسبت الاطار الشعري مزيدا من الخصب والثراء، ارتفعت به من الناحية التعبيرية الى مستوى رفيع.

يقول الشاعر في قصيدة: " صدى الجنوب" : (ص: 54)

مررت صغيرا بتلك الربوع..

ومازال سحر الجنوب

يرخي سدول الغياب على أنفس حالمهْ

عبرت مجاهل الروح سرا إليها

وما استيقظت في الورى أنجم نائمه.

والقصيدة بهذه المثابة تجربة وجدانية نابعة عن موقف فكري خاص بالشاعر، ملونة بمشاعره وعواطفه الجياشة، فالشاعر في لحظة استرجاع لذاكرته بصيغة الاحتفال والزهو لأيام مضت يتذكر فيها أيام الصبا، والتحولات التي طرأت على الجنوب لما عاد إليها وقد بلغ اشده، يتحسر على كل الأشياء الجميلة التي فقدها الجنوب/ مرابع الأجداد. وهذا ما جعل الشاعر يشعر بالاسى وتنتابه صعقات وهو يرى مرابع الجنوب قد غيرت لباسها وملامحها، وأصبحت شاحبة الوجه، ذابلة الحروف: يقول: (ص: 55)

صعقت لما قد وجدت..!

وجدت بلابل من شدوها هجرت..

وجدت منابر كانت تطن تراتيلها أخمدت..

وجدت قصائد تحكي عويل الرياح

وهجر اللقاح

ولم يبق فيها سوى الانزياح.

وهذا البناء الذي اختاره شاعرنا يخرج القصيدة من باب الشعر القصصي ليضعها في إطارها الطبيعي الشعري، وهذا ما يجعل وضع القصة يكون هو الوضع التصويري الدرامي، باعتبارها أداة فنية، وبوصفها بلاغة جديدة. صحيح أن الشاعر قد جسد لنا تجربة وجدانية رسم فيها مرابع الأجداد التي يحن إليها لما تحمله من معاني الصفاء والنقاء والبراءة، فكانه أمام لحظتين زمنيتين، الأولى في الصبا حيث سحر الجنوب وجماليته الأخاذة، والثانية في الكبر حيث العويل والمواويل ترثي حال الجنوب: (ص: 54/55)

لربع يغني النخيل به في انتشاء

لخارطة الأنس فيه صوى للإباء

وها أنا ذا اقتفي اثر الشعراء

فتستيقظ الأمنيات تباعا لتروي ديوان شعر قديم..

يسامرني كالنسيم.

في هذا الموقف الدرامي الذي انتاب الشاعر وهو يقف على أطلال الجنوب باكيا متحسرا على حاله، الذي اصبح متغيرا، كأنه لم تعد فيه الروح التي ألفها شاعرنا، لم يكن أمام الشاعر إلى استحضار رمزية شهريار حين تغفو المحاجر، فتسامره ظل كثبان الجنوب وارتطام النعال، وينتابه حلم يعيد للجنوب احتفاليته وبسمته وبراءته. (ص: 56)

يسامرني ظل كثبانها وارتطام النعال..

وحلم يعيد إلي وجه هذا الجنوب

صدى الاحتفال.

وتأسيسا على كل ما سبق يتبين لنا ان الاسلوب القصصي قد استخدم في البناء الشعري المعاصر ليؤدي نفس الوظيفة الجمالية التعبيرية التي يؤديها الحوار، وهي تجسيم الرؤى والمشاهد من اجل إحداث التأثير الدرامي. ومن تم يمكننا ان نؤكد على ان تجربة الشاعر الحديث قد اتاحت له الفرصة لاستخدام ادوات تعبيرية مقترضة من أجناس أدبية أخرى، لتعزيز تجربته والانفتاح على تقنيات التخاطب في كل تجلياته التعبيرية، مع الحفاظ على جوهر الشعرية.

5 البناء الرمزي الدرامي للغة الشعرية.

يرى بالي بان الاسلوب دراسة الحدث التعبيري في اللغة، من حيث كونه وعاء للعاطفة، أي هي دراسة التعبير باللغة عن مظاهر الاحساس ودراسة مفعول الظاهرة اللغوية على الاحساس. فبالي يهتم من خلال تعريفه اعلاه بالمتكلم في كيفية تأثيره وكيفية تأثيره في المخاطب، أما محور التعبير تأثيرا وتأثرا فهو عالم العاطفة والإحساس.

اذا كانت الدراما تعني في ابسط تعاريفها الصراع، فإنها في الوقت نفسه تعني الحركة، الحركة من موقف إلى أخر مقابل، من عاطفة أو شعور إلى عاطفة أو شعور مقابلين، واذا كانت طبيعة الحياة قائمة في جوهرها على هذا الأساس الدرامي، فلا غرو ان تتأسس هذه الخاصية في بنية اللغة باعتبارها مسكن الوجود كما يؤكد هيدجير. فكل كلمة او مفردة هي بنية درامية مهما ضؤل حجمها، وسواء التفتنا إلى هذا الخاصية أو لم نلتفت.

ففي اطار التفكير الدرامي للشعر، يدرك الإنسان ان ذاته لا تقف وحدها معزولة عن بقية الذوات الاخرى وعن العالم الموضوعي بعامة، وإنما هي دائما ومهما كان لها من استقلال، ليست إلا ذاتا مستمدة أولا من ذوات، تعيش في عالم موضوعي تتفاعل فيه مع ذوات اخرى.

لا شك ان قارئ ديوان مقامات يدرك تلك النزعة الدرامية للغة الشعرية للشاعر إدريس الرقيبي، فالعمل الذي بين ايدينا هو تجربة خاصة يمر منها الشاعر، لم تتأت له عن طريق الاقتباس أو التقليد، وإنما عن طريق الذوق والمناجاة في اعماق الذات والغوص في رمزية اللغة. فالعنصر الذاتي في المؤلف طاغ متسلط، لا يقبل الخضوع لمنطق العقل ولا يخضع لسلطانه، ولا حتى لمقاييس الشعر العاطفي العادي، إذ انه وصف لتجربة باطنية فريدة يمر بها الشاعر لوحده. وهو وجداني لأنه في مجمله يمثل نفثت وجدانية للشاعر ، فالتجربة التي يعبر عنها الأستاذ الشاعر إدريس الرقيبي هي في عمقها تجربة وجدانية خاصة خلاقة تنبع تجلياتها من عوالم الروح والمثالية والرمزية والواقعية، حيث الاستمداد لعناصر فنه من قلبه؛ منبع الحب، ومنارة عالمه الذاتي، فهو يدين بدين الحب والعشق كما الصوفي، وينشد الجمال والجلال المطلق في اسمى حلله ومعانيه.

المتأمل لديوان مقامات يدرك ان الشاعر إدريس الرقيبي مهوس بالبناء الرمزي للغة، وبمجازاتها، فهو عندما يختار لعناوين قصائده عبارات: أنا الشعر، جذور، رؤيا، إيقاع الفرح، اركب شموخك واحتفل، صدى الجنوب، شلال الوجد، وجه المدينة، دوائر الخوف... فانه يختار عندئذ كلمات وعبارات ذات دلالة رمزية، تختزل تجربته وموقف الشعريين، فاللغة الرمزية في ديوان مقامات لها قوة التأثير الشعري، لاسيما وان الشاعر موفق في حسن وبراعة التوظيف لهذه الدلالات الرمزية، والتي اضفى عليه أبعادا جديدة من كشفه الخاص، فالرمز الشعري مرتبط كل الارتباط بالتجربة الشعورية التي يمر منها الشاعر، والتي تمنحه بعدا جديدا وحيا، ذلك ان التجربة هي التي تمنح الاشياء اهميتها الخاصة ودلالتها ومغزاها الخاص، وعند استخدام اللغة في الشعر استخداما رمزيا، لا تكون هناك كلمة اصلح من غيرها لكي تكون رمزا، إذ المعول في ذلك على استكشاف الشاعر للعلاقات الحية التي تربط الشيء بغيره من الأشياء.

وفي تدبرنا للبناء الرمزي لديوان مقامات، يبنغي ان نستحضر في تقديرنا بعدان أساسيان، هما التجربة الشعرية الخاصة، والسياق الخاص، فالتجربة الشعورية بما لها من خصوصية هي التي تستدعي الرموز لتختزل موقفها وتصورها الإبداعي، وتفرغ فيه حمولتها العاطفية وهي التي تضفي على اللفظة طابعا رمزيا خاصا، يرتبط في عمقه بالسياق الخاص الذي يكسب الرمز دلالة جديدة مفعمة برؤية شعرية متجددة منفتحة.

ان لجوء الشاعر إدريس الرقيبي إلى البناء الرمزي للغة الشعرية، باعتباره أداة تعبيرية قادرة على اختزال تجربته وموقفه الشعريين، نابع من قناعة فنية مردها ضرورة تجاوز المألوف والسائد، إلى تفجير الطاقة الابداعية عن طريق اللغة والتمرد على الثابت والجامد، ولذلك اعتمد في بنائه التصويري الدرامي غلى البناء الرمزي، ينطلق منه ليؤسس لموقفه الشعري. والمتأمل لديوان مقامات يدرك منذ اللحظة الاولى هذا التوظيف الرمزي للغة الدرامية. وشاعرنا إدريس الرقيبي حينما يوظف الرموز انما يعيد احياء دلالتها ويتجاوز بناءها المباشر العادي الى الغوص في اثرها العميق وما تحمله من إيحائية وكثافة أسلوبية.

فالنخيل كما في قصيدة صدى الجنوب رمز للامتداد والشهود الحضاريين، حيث منحه الشاعر قوة دلالية انزياحية جديدة، أخرجته من معناه الحرفي المباشر ليعانق دلالات جديدة، حيث الغناء في انتشاء.. والمدينة بما هي الوجه الحضاري للامة، حيث يتسأل الشاعر في رحلته الوجودية وهو يرنو إلى الأفق البعيد متسائلا: ص 67

إلى متى تمتد رحلتك الطويلة؟ ومتى تؤوب؟

والمدن هنا..

يجتث فرحة البسطاء في درب الشقاء..

فهذا المعنى الجديد الذي منحه إدريس الرقيبي للمدينة يتقاطع تناصيا مع الدلالات الرمزية التي أخذته المدينة في اغلب قصائد رواد الشعر العربي الحديث، كما نجد ذلك مثلا عند صلاح عبد الصبور وغيره.

نلحظ بان إدريس الرقيبي يجنح إلى توظيف أبعاد رمزية متعددة، تنهل من مختلف المشارب الثقافية والفكرية لاختزال رؤيته وموقفه الشعري، ويمكن تقسيمها من حيث الهيمنة والأكثر توظيفا إلى ثلاث مكونات اساسة:

مكون طبيعي: يستمد مكوناته من الطبيعة كالمطر والنور والغيم و الليل و النخيل و الرمال...الخ

مكون لغوي: يرتبط ببعض الكلمات المرتبطة أساسا ببنية اللغة كالمجازات، اللغة، الغموض، الكليمات، الشعر، القصيدة... فالرمز حسب الشاعر مصدر القوة في البناء الشعري، فالبناء الرمزي في الديوان يشحنه بطاقة تعبيرية ايحائية تتعدد دلالتها وتختلف من قصيدة إلى أخرى.(وهذا يحتاج إلى دراسة مستقلة)

ان هذا التداخل بين المكونات: الطبيعي والديني واللغوي والحضاري.. في البناء الأسلوبي للشاعر إدريس الرقيبي، يبين أولا انفتاح الثقافي على مختلف المشارب والمعارف، وثانيا يبين قدرته على توليف هذه المكونات لخدمة تجربته الشعرية، عبر إثراء القصيدة بالدلالات وشحنها بالمعاني. ولن أكون مغاليا اذا ادعيت ان ديوان مقامات مشبع كثيرا بالرمز، مما قد يجعل قراءته من قبل المتلقين تتعدد، بتعدد مشاربهم وقدراتهم التأويلية، وبالتالي فهو نص تأويلي مفتوح يحتاج إلى جهد فكري وتأويلي من طرف المتلقي لفك رموزه.

اذا كان أدونيس قد تحدث على ان الرمز هو اللغة التي تبدأ حين تنتهي القصيدة، أو هي القصيدة التي تتكون في وعيك بعد قراءة القصيدة، أو البرق الذي يتيح للوعي ان يستشف عالما بلا حدود، فإن الرمز قد أصبح سمة تميز الشعر الحديث بكل تلويناته، اتخذ رؤية فلسفية جديدة من شأنها أن توجه بناء النص إلى أفق غامض يبلور ألم الذات، وأسئلتها وقلقها، انه اللغة الخاصة التي تسافر بك الى عوالم خفية لا تتيح لك نفسها إلا اذا امتلكت القدرة على المعراج، والغوص في كنه الشيء.

على سبيل الختم

الشعر هو ذاك الخيط الناظم اللامع الذي ينضدد أجزاء التجربة وينسق بينها مشكلا بذلك رباطها المقدس – كما يؤكد ذلك نوفاليس- وهو بذلك كل ما تضج به الأعماق إلى حد السكون والخرس،هو الصمت المطبق على الكلام نفسه وما يبقى دائما هناك في انتظار ان يقال، هو العمق في ابعد أبعاده، بما هو قدر ولغز وصدفة ورهبة[10]. وهذا ما جعل الشعر ينفتح على كل الأساليب الخطابية الخرى، باعتبارها أجناسا أدبية تتواشج فيما بينها، بعيدا عن التصادم والخلاف، وفي ارتباط وطيد بعمق التجربة الانسانية. فالقصيدة الشعرية عند إدريس الرقيبي متعددة الإشعاعات وبناؤها المعماري الهيكلي قائم على تعدد التقنيات الفنية الموظفة في الكتابة الشعرية، ذلك ان ثقافة الشاعر وعمق تجربته الشعرية جعلته يوظف جملة من التقنيات الفنية كالرمز والحوار والتناص، إضافة إلى البديع والبيان لتشكيل صورة فنية تشابكية ذات علائق متعددة تبين حقيقة مفهوم الشعر عند إدريس الرقيبي.

وادريس الرقيبي الشاعر الشغوف بالمعنى، والمتيم باللغة، استثمر مختلف المكونات السردية، لنقل تجربته الشعرية وترجمة رؤيته وموقفه. وذلك في بناء متناسق على اعتبار ان اصل العمل الفني يمتلك القوة التي تمكنه من الانتقال عبر كل الأشكال،  دون التنصل من الماهية او التنكر للهوية الفنية.

 

الدكتور. رضوان الرقبي. اكادير/ المغرب

...........................

[1] رشيد يحياوي: الشعر العربي الحديث. دراسة في المنجز النصي. ص: 116 افريقيا الشرق. الدار البيضاء1998

[2] نفسه ص: 110.

[3]  الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية. عز الدين اسماعيل. ص: 238.دار الثقافة بيروت لبنان

[4]  نفسه:285

[5]  جيرار جنيت مدخل الى النص الجامع . ص 8 ترجمة عبد العزيز شبيل المجلس الاعلى للثقافة القاهرة.

[6]  نفسه . ص 11

[7]  نفسه.ص: 12

[8] هذا البعد الحواري كذلك نجده حاضرا في بناء القول الشعري القديم، والمتامل لبنية القصيدة الجاهلية او بناء المعلقات، يلاحظ جنوح الشعراء الى هذا الاسلوب لما يعكسه من مشاعر مرتبطة بالمواقف واللاحاسيس المعبر عنها كما في معلقة امرئ القيس مع الليل او الذيباو مع المحبوبة. او عند عنترة بن شداد و غيرهما من فحول الشعر العربي القديم.

[9]  الشعر العربي المعاصر: عز الدين اسماعيل.ص: 299.

[10] الفلسفة والشعر. (بتصرف) عبد الهادي مفتاح.ص: 190 منشورات عالم التربية الطبعة الاولى 2008

 

أعرف أن جملتي الافتتاحية تلك كررتها في مقال سابق، لكن تصديري لها ليست إلا تأكيدًا عليها، إذ يتضح لي –بشكل شخصي- صحتها كلما وقعت تحت يدي رواية جديدة أو مخطوط عمل روائي كتبه أحد الشعراء. وهنا أزيد تعريفًا هامًا لمن أقصد بالشعراء، إذ كان أسوأ ما أنتجه لنا عالمنا المعاصر ذلك الانزياح المفاهيمي لكل شيء، وصبغ الأدب بصيغ غريبة وعجيبة معًا، بعد أن حدث ما يُشبه الإنفجار الإبداعي كما يحلو لبعض الباحثين تسميته، وهو ما تؤكده إحصائيات النشر في مصر، والحقيقة أنه انفجارًا ليته ما حدث، فبين فنية وأخرى تجد مئات المطبوعات تصدر إليك كتابات لا ترتقي لتكون مخطوطًا حتى، أو مسودة أولى لكتاب أو عمل إبداعي. لا أريد الإطالة حول ذلك حتى لا أخرج من مقالي وما أريده، باختصار اختلط الحابل بالنابل في الكتابة والنشر معًا، وهذا شجن عظيم لو تعلمون.

جملتي الافتتاحية:

أعود لجملتي الافتتاحية، وأكرر أننا معشر الروائيين علينا أن ننتبه جيدًا حين يكتب الشعراء نصوصهم النثرية الطويلة، أو يقدمون لنا مخطوطات رواياتهم، إذ يبدو أنهم بلا مبالغة يخطون خطًا كتابيًا جديدًا من حيث اللغة والنموذج الكتابي النثري، والحقيقة –كباحث- هناك بعض الأسماء لكن أكتفي بنموذج واحد تأكيدًا على جملتي تلك، وكل هؤلاء الشعراء –بالأساس- والذين دخلوا الرواية وعالمها من بابٍ خاص جدًا، رأيته واحدًا من أفضل ما قدمه ذلك التحول الكتابي في مشروعاتهم الكتابية، هو باب "كتابة الحياة". نعم، "كتابة الحياة" ذلك المصطلح الذي لا أعرف لم لم ينتبه له المشروع النقدي المصري والعربي حتى الآن.

سأعترف بأنني أحد المتحمسين للمصطلح أدبيًا وأنثربولوجيًا، وأنني بنيت عليه في رسالتي العلمية، باعتباره شكلا من أشكال الكتابة الأدبية والأنثربولوجية التي سينفتح لها المجال أكثر وأكثر، وإن كان المقال هنا لا يتسع لشرح المفهوم والمصطلح "كتابة الحياة"، لكن أؤكد أن النص الذي بين يدي الآن هو نموذج واضح لتلك النوعية الكتابية الجديدة عالميًا، حتى وإن لم ينتبه لها النقد العربي، وفقط أشير بأنها كتابة ذاتية جدًا بالأساس لكنها ليست سيرة ذاتية لكاتبها، إذ هناك شعرة دقيقة وخط فاصل بين كتابة الحياة وبين السيرة الذاتية.

فاصل أدبي ماتع:

كنتُ بصدد اللمسات الأخيرة قبل مناقشتي العلمية لرسالتي حول التاريخ الحي للثورة المصرية وكتابة الحياة في تاريخ الربيع العربي، حين وصلتني رواية الشاعر المصري على عطا، رواية (زيارة أخيرة أم كلثوم) لتصبح فاصلا أدبيًا ماتعًا، والصادرة عن دار نشر المصرية اللبنانية نهايات العام 2019، والمُسوق لها في معرض القاهرة الدولي للكتاب يناير 2020.  وهي الرواية الثانية للشاعر والصحفي علي عطا، بعد روايته الأولى حافة الكوثر، وسبق لي أن تحدثت عنها، وقلت تلك الجملة الافتتاحية التي تحذر من قدوم الشعراء بقوة إلى عالم الرواية، وهو ما له أسباب أراها مختلفة كثيرة عما نظّر له البعض نقديًا عن أسباب ذلك التحول كما يُدعى، والذي لا أراه تحولاً قدر ما هو تطورًا وإضافة جديدًا إلى المنتج والمشروع الأدبي والإبداعي للشاعر الذي كتب الرواية كعلي عطا وغيره ممن ذكرتهم في مقالي حول رواية حافة الكوثر، ولا يتسع المقال لذكر أسباب ذلك.

وقفة هامة مع تصدير الرواية:

أعود إلى تلك الزيارة الأخيرة لبيت أم كلثوم، والتي جاءت –حسب المخطوط الذي وصلني بصيغة الـ(pdf) ، في 200 صفحة، ويبدو أنه  سيكون قطع متوسط حال النشر، ويبدأ المخطوط بتصدير هام في أوله في ص 5 عبر ثلاث جمل الأولة يمكن اعتبارها إهداءً، وهو أمر دارج لكن ما يوقنا فيه هو ذكر "أهل الكوثر"، وهم الرواية الأولى لعلي عطا، والتي نكتشف سر هذا الإهداء حين نقرأ وخلال القراءة. والجملة الثانية والثالثة هما لبُ ما أشير إليه، فالجملة الثانية لماركيز (من لا ذاكرة له فليصنع لنفسه ذاكرة) وتلك جملة تلخص في عبقرية "كتابة الحياة" ولماذا ظهرت، وكأن أحد اهم أسباب ظهورها هو حاجتنا الشخصية لكتابة تاريخنا الحقيقي كما نراه نحن لا كما يرويه الآخرون، وهو ما انتبه له علي عطا في روايته الأولى حافة الكوثر ويؤكد عليه في زيارة أخيرة لأم كلثوم، إذ يصنع لنفسه هذا التاريخ بتلك الكتابة الذاتية جدًا لكنها ليست السيراتية لحياة الكاتب، وهو ما نلاحظه في كل كتابات الحياة حين يمتزج الشخصي جدًا بالعام الواسع بشكل لافت. وأما الجملة الثالثة فهي للعلامة ابن خلدون، تقول (العربُ لا يحصلُ لهم المُلكُ إلا بصبغة دينية مِن نبوة أو ولاية، أو أثر عظيم مِن الدين على الجُملة)، ولها من دلالاتها السياسية الكثير، ولست بصدد تحليل أسباب اختيارها هنا، لكن بعد القراءة نكتشف لما تصير جملة التصدير تلك لها دلالاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية في زمن الرواية المحكي، والذي يكتب في فترة زمنية مصيرية في تاريخ مصر المعاصر، ربما سيتوقف التاريخ كثيرًا عندها بالشهادة والتحليل، وهذه الجملة لا يمكن أن ينتبه لها الكاتب إلا حين يمارس "كتابة الحياة"، التي تحول النص الإبداعي إلى نص أنثربولوجي وتاريخي، وتخرج به من دائرة التنظير الإبداعي إلى دائرة الحياة بكل تفاصيلها، وهو ما فعله علي عطا في روايته زيارة أخيرة لأم كلثوم، والتي تقدمًا قطعا تشريحيًا عريضًا للفترة الزمنية الشائكة.

نريدُ نقدًا لا ملخصًا للحكايات:

لا أعرف لماذا كلما قرأت نصًا مقاليًا حول الرواية العربية المعاصرة، أشعر بأنني أقرأ ملخصًا لأحداث الرواية، وقليلا ما أجد تحليلا نقديًا حقيقيًا للنص المكتوب، وهو منتشر بتلك الصيغة الحكواتية كثيرًا، بل يُدهشك لماذا يتم الاحتفاء بتلك القراءات التي تحمل عنوانًا نقديًا؟! ربما سبب ذلك شجن آخر يتعلق بحركة النقد في مصر والوطن العربي بشكل عام، ويتردد داخلك أملٌ يقول: "نريد نقدًا لا ملخصًا للحكايات"، لذلك لا أظن أنني سأقدم ملخصًا لرواية وحكاية زيارة أخيرة لعلي عطا، لكن سأشير إلى نقاط يمكن أن تكون ركيزة نقدية حقيقية للنص، دون الخوض في تفاصيل الحكاية، وإلا صرت أنهي عن فعل وأجيء بمثله.

يقدم علي عطا في زيارة أخيرة لأم كلثوم الكثير الذي يمكن تتبعه، وبالمناسبة هي الخالة للبطل وليست كوكب الشرق، وإن كانت الصدفة في البداية توقع في ذلك اللبس خاصة حين تعرف أن الأحداث تدور في المنصورة (الدقهلية) مسقط رأس أم كلثوم كوكب الشرق ومسقط رأس الكاتب. وفي رأيي أن هؤلاء الذين يتصدون لكتابة الحياة هم أولئك الذين يملكون التفاصيل الدقيقة، وصناعة متعة الحكي العام عبر التفاصيل الشخصية شديدة الذاتية، ويفعلون ذلك بسلاسة وسهولة، وهي سهولة في كل شيء في اللغة ونمط الحكي، وتسريب الأفكار والرؤى حول الحدث العام الذي يظل طوال العمل الأدبي ظلا واسعًا تحته تدور تلك التفاصيل الشخصية.

علي عطا وكتابة الحياة:

قدم علي عطا وهو الشاعر والصحفي المتمرس، نصًا يقول بأن "كتابة الحياة" ليست أمرًا هينًا، يمكن لأي شخص يمارس كتابة اليوميات أو السيرة الذاتية أن يكتبه، فللرواية لغة خاصة جدًا شديدة العذوبة –لكونه شاعر- وشديدة الحيوية لكونه صحفيًا، حين يختار بعينه الثالثة كروائي بعض المشاهد من تلك الفترة الزمنية ويقرر إعادة صياغتها عبر الحكاية الشخصية، وهنا يبدو ثمة التباسًا قد يحدث حول لغة النص، في ظني هذا الالتباس هو سر من أسرار تميز الرواية، وهو لغة علي عطا، والتي أكرر بأن بعضها بل كثيرًا منها جاء شاعريًا جدُا، ولك أن تكتشف ذلك حال القراءة دون تمثيل، لكنه يقدم لغة تحسبها للوهلة الأولى لغة الصحافة أو لغة المدونيين، لكن سرعان ما تكتشف أنها لغة "كتابة الحياة"، عبر تلك الخلطة اللغوية شديدة البساطة شدية الصعوبة متى أردت الكتابة عبرها، واللافت أن علي عطا ظل ممسكًا بخيطها طوال العمل منذ اللحظة الأولى عبر مشاهد كثيرة منذ قرر تلك الزيارة من القاهرة إلى بيت الخالة في المنصورة. الحقيقة أن علي عطا فعل ذلك باقتدار أيضًا في عمله الاول حافة الكوثر، واتفق أو اختلف على الحكاية داخل الروايتين –والمتصلتين بحبل واحد هو علي عطا نفسه- لكنهما نموذجان لكتابة الحياة باقتدار.

جاءت الأحداث عبر 69 مقطع مستخدمة الكثير من تقنيات السرد الروائي الطبيعية، ومعتمدة على تنوع الرواة خلال المقاطع تلك، فتجد مقاطع لنصوص الرسالة، او سرد أحلام، أو فلاش باك أو استرسال طولي ممتد على خط الحكاية، وكل ذلك مولفًا بتوليفة نفسية واضحة للبطل الذي يتولى زمام الحكي كثيرًا، ويتنازل أحيانًا للحدث نفسًا ليقفز بطلا وراويًا بديلا عن ذلك الراوي العليم الذي نتتبع رحلته وزيارته تلك ليعري الحدث التاريخي الاكبر عبر هذه التعرية النفسية والمصارحات التي يطرحها، لتأخذنا إلى سؤالها الأكبر حول الحدث العام، مرة بالطرح والسؤال المباشر ومرة أخرى بالإضاءة على الحدث، وعبر نسيج مركب من العلاقات الإنسانية التي تأثرت بالحدث الاعظم في مصر وقت الزمن المحكي للرواية، وهو ما فعله البطل بلا إزعاج، وبلا عثرات قرائية للمتلقي للنص، إذ أفلح علي عطا في توريطنا نحن ليس في حكايته الشخصية التي تبدو لوهلتها الأولى حكاية عادية جدًا رغم تفاصيلها الخاصة، لنكتشف أنه في حقيقة الأمر إنما يورطنا في الحكاية الأكبر في تلك الفترة الزمنية شديدة الارتباك في تاريخ مصر المعاصر.

لا أريد الإطالة ولا الوقوع في فخ حكاية النص وتلخيصه، لكن أود بشدة لفت الانتباه إلى ما فعله علي عطا في زيارته تلك، وويفعله معه قلة نادرة من كتابنا الآن، إذ يحولون نصوصهم الإبداعية من مجرد كونها نصًا أدبيًا إلى نص تاريخي، يمكن ان يصبح زاوية رؤية جديدة للحدث التاريخي، تلفت الانتباه إلى زاوية من زوايا الحدث ربما لا ينتبه لها المؤرخ التقليدي لكن حتمًا تهم وتلهم الباحث الأنثربولوجي والمؤرخ المعاصر الذي يرى في كل الحياة مادة للبحث والدراسة، ويعتمد كل المتاح من علوم إنسانية وفيزيائية وبيولوجية وغيرها لكتابة الحدث التاريخي.

زيارة أخيرة لأم كلثوم، نص تجاوز في زواياه مجرد النص الإبداعي الجيد المحكوم بقواعد النقد الأدبي، لتتسع قماشته كنص حقيقي لكتابة الحياة يمكن أن يلجأ إليه الباحث التاريخي المعاصر والانثربولوجي المهتم بتغيرات التفاصيل والقراءة الاجتماعية لمجتمع مثل المجتمع المصري بعد حدث عظيم مثل حدث الثورة المصرية في يناير 2011، وهو أمر ليس بالسهولة التي يظنها البعض حين يقررون الكتابة عن الحدث.

ستظل كتابة الحياة إطارًا حيويًا يسمح لمن يدرك كُنه التفاصيل والحياة والتاريخ في مجتمعه الخاص والعام، ولكل من يريد الفهم أكثر عن نفسه أو عن مجتمعه أو الأحداث الفارقة في تاريخ الأمم، ستظل هي النمط الأنسب لصوغ كل ذلك عبر نص متجاوز لحدود الأدب وحده وقافزًا إلى التاريخ والانثربولوجيا والاجتماع بامتياز.

 

د. مختار سعد شحاته

جامعة UNEB سالفادور/ البرازيل

 

فالح الحجيةلا تختلف الفنون الشعرية او اغراضها في بلاد الاندلس عن مثيلاتها في المشرق العربي او مغربه في شمال افريقيا الا قليلا وحسب متطلبات الموقع والزمن المعاش وفي كل انواع الشعر كالشعر التقليدي او الموشح او الزجل ومن اشهر الفنون الشعرية الاندلسية هو فن المدح حيث انتقل مع العرب الى تلك البلاد فقد تمجد الشعراء العرب في الاندلس بانفسهم وانسابهم وبالاخص عندما اشتدت المنازعة بين القبائل العدنانية والقحطانية في المشرق وانتقال هذه المنازعة الى الاندلس وانشغال الناس بها في هذا البلد ايضا . ومن اشعر ما قيل في المدْح ما قاله الشاعر لسان الدين بن الخطيب في مدح المعتمد بن عباد في موشح نادر مطلعه:

جَادَكَ الغَيْثُ إِذَا الغَيْثُ هَمَى

يَا زَمَانَ الوَصْلِ بِالأَنْدَلُسِ

 

لَمْ يَكُنْ وَصْلُكَ إِلاَّ حُلُمًا

فِي الكَرَى أَوْ خِلْسَةَ المُخْتَلِسِ

وكذلك رائيَّة أبي بكر بن عمَّار في مدح المعتمد بن عباد حيثُ استهلَّها بمدخل رائع لوصف الطبيعة الاندلسية يقول فيه:

أَدِرِ الزُّجَاجَةَ فَالنَّسِيمُ قَدِ انْبَرَى

وَالنَّجْمُ قَدْ صَرَفَ العِنَانَ عَنِ السُّرَى

 

وَالصُّبْحُ قَدْ أَهْدَى لَنَا كَافُورَهُ

لَمَّا اسْتَرَدَّ اللَّيْلُ مِنَّا العَنْبَرَا

ثم ينتقل بعد وصْف الطبيعة إلى مدح الامير المعتمد قائلاً:

أَثْمَرْتَ رُمْحَكَ مِنْ رُؤُوسِ مُلُوكَهُمْ

لَمَّا رَأَيْتَ الغُصْنَ يُعْشَقُ مُثْمِرَا

 

وَصَبَغْتَ دِرْعَكَ مِنْ دِمَاءِ مُلُوكِهِمْ

لَمَّا رَأَيْتَ الحُسْنَ يُلْبَسُ أَحْمَرَا

 

وَإِلَيْكَهَا كَالرَّوْضِ زَارَتْهُ الصَّبَا

وَحَنَا عَلَيْهِ الطَّلُّ حَتَّى نَوَّرَا

اما الهجاء فلَم تكُن له سوق رائجة في بلاد الأندلس ولا سيما الهجاء السياسي وذلِك لقلَّة الأحزاب السياسيَّة وعدم وجود الشعوبية وقد تميز عند بعض شُعَراء الأندلس بالتطرُّف والقسْوة،فهذا ابن حزمون مثلاً حين هجا نفسَه هجاها بقسوة لامثيل لها ويذكرني بهجاء الحطيئة لنفسه ويقول في ذلك:

تَأَمَّلْتُ فِي المِرْآةِ وَجْهِي فَخِلْتُهُ

كَوَجْهِ عَجُوزٍ قَدْ أَشَارَتْ إِلَى اللَّهْوِ

 

إِذَا شِئْتَ أَنْ تَهْجُو تَأَمَّلْ خَلِيقَتِي

فَإِنَّ بِهَا مَا قَدْ أَرَدْتَ مِنَ الهَجْوِ

والغزل كان من اهم الفنون الشعرية التي توسعت في الاندلس وقال فيه الشعراء الكثير الكثير من الشعر وكان يؤثر على الشعراء الطبيعة الجميلة والحياة الناعمة وغالبا ما يتداخل الغزل بوصف الطبيعة كقول الشاعر ابي الربيع الموحدى:

لِرَكْبٍ أَدْلَجُوا بِسُحَيْرَةٍ

قِفُوا سَاعَةً حَتَّى أَزُورَ رِكَابَهَا

 

وَأَمْلأَ عَيْنِي مِنْ مَحَاسِنِ وَجْهِهَا

وَأَشْكُو إِلَيْهَا إِنْ أَطَالَتْ عِتَابَهاَ

و يمتاز الغزل الاندلسي برقة الاسلوب وجمال المعنى وقد انشد او اشعر فيه اغلب بل كل الشعراء العرب في الاندلس وتفننوا فيه وكانت المرأة صورة من محاسن الطبيعة، والطبيعة تجد في المرأة ظلها وجمالها، ولذا كانت الحبيبة روضاً وجنةً وشمساً، وهكذا كانت العلاقة شديدة بين جمال المرأة وبين جمال الطبيعة فلا تُذكر المرأة إلا وتُذكر الطبيعة في وصف الحبيب ووصف لوعات الشعراء وهواهم اليه

ومن شعر ابن زيدون في الغزل مخاطبا حبيبته ولادة ابنة الخليفة المستكفي يقول:

اني ذكرتك بالزهراء مشتاقا

والافق طلق ووجه الارض قد را قا

 

يوم كايام لذات لنا انصرمت

بتنا لها حين نام الد هر سراقا

اما الرثاء فقد قلد شعراء الاندلس شعراء المشرق فيه وتفجعوا على الميت ووصفوا المصيبة الواقعة وعددوا مناقب المرثي ومن ذلك قول الشاعر ابن حزمون في رثاء (ابي الحملات) قائد الاعنة في مدينة ( بلنسية) وقد قتله نصارى ا لاسبان:

يَا عَيْنُ بَكِّي السِّرَاجْ الأَزْهَرا ... النَّيِّرَا اللامِعْ

وَكَانَ نِعْمَ الرِّتَاجْ فكُسِّرَا ... كَيْ تُنْثَرَا مَدامِعْ

 

وقد تميز الرثاء بشدة لوعته وصدق العاطفة فيه ومنه قول الشاعر الحصري في رثاء ابيه:

ارى نير الايام بعد ما اظلما

وبنيان مجدي يوم مت تهدما

 

وجسمي الذي ابلاه فقدك ان اكن

رحلت به فالقلب عندك خيما

 

سقى الله غيثا من تعمد وقفة

بقبرك ما استسقى له وترجما

 

وقال سلام والثواب جزا ء من

أ لم على قبر الغريب فسلما

كما وجد نوع اخر من الرثاء هو رثاء الممالك والمدن الذَّاهِبة، فكان أكثر روْعة من رثاء الشُّعراء في المشرق فقد هالَ الشعراء ان يَرَوا ديارَهم تسقط بلدة بعد أُخْرى في أيدي الأسبان فبكَوْها بكاء الثَّكالى وتفجعوا عليها تفجع من فقد اولاده ومن احبهم ومن أشهر ما قيل في هذا الضَّرب من الرثاء (راجع مقالتي رثاء الاندلس) قصيدةُ أبي البقاء الرندي التي يرْثِي فيها الأندلس بأسرها، ومطلعها:

لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ

فَلا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إِنْسَانُ

 

ومنها هذه الابيات يقول :

 

دهـى الـجزيرة أمرٌ لا عزاءَ له

هـوى لـه أُحـدٌ وانـهدْ ثهلانُ

 

أصابها العينُ في الإسلام فارتزأتْ

حـتى خَـلت مـنه أقطارٌ وبُلدانُ

 

فـاسأل(بلنسيةً) ما شأنُ(مُرسيةً)

وأيـنَ(شـاطبةٌ) أمْ أيـنَ (جَيَّانُ)

 

وأيـن (قُـرطبة)ٌ دارُ الـعلوم فكم

مـن عـالمٍ قـد سما فيها له شانُ

 

وأين (حْمص)ُ وما تحويه من نزهٍ

ونـهرهُا الـعَذبُ فـياضٌ وملآنُ

 

قـواعدٌ كـنَّ أركـانَ الـبلاد فما

عـسى الـبقاءُ إذا لـم تبقَ أركانُ

اما الوصف وما ادراك ما الوصف في بلاد الاندلس فقد توسع شعراء العربية في الاندلس فيه وتاثروا بطبيعة البلاد الخصبة الخضراء الجميلة الموارد .. ومناظرها الفاتنة الساحرة بين الجبال العالية والوديان الفارهة الغناء الوارفة الظلال روعة وجمالا تلك التي تفتح النفوس لتتيه الارواح سادرة في ظلالها و لتغني القلوب فتطرب الافئدة وتغني لتشنف الاذان بالحانها وتحدق العيون بروعتها بسناء ازاهيرها فتطيرالقلوب فيها كالفراشات الملونة فتمتلىء بنور الحب واشراق الزهر وعبق الشذى وخفة النسيم وتفننوا في الوصف و تعلّق الشاعر الأندلسي ببيئته الطبيعية وهيامه بها هياماً مبالغا ً بلغ حدّ الحلول، إذ إن الطبيعة شكّلت حضوراً في معظم إبداعاته الفنيّة حتى تشظّى معجمها في مختلف الفنون وبلغ هذا التمازح بين الشاعر والطبيعة مرتبة التشخيص ويعد وصف الطبيعة الا ندلسية من جيد الوصوف الشعرية في اللغة العربية وروعتها

منها قول الشاعر ابن خفاجة يصف روضة:

في روضة جنح الدجى ظل بها

وتجسمت نو را بها الانوا ر

 

قام الغناء بها وقد نضح الندى

وجه الثرى واسيتيقظ النوا ر

 

والماء في حلي الحباب مقلد

زرت عليه جيوبها الاشجا ر

 

وصقـيلة الأنوارِ تلـوي عِطـفَها

ريحٌ تلفّ فروعـها معـطار

 

عاطـى بها الصهباءَ أحوى أحورٌ

سَحّابُ أذيال السّـُرى سحّار

 

والنَّورُ عِقدٌ والغصـونُ سـوالفٌ

والجذعُ زَندٌ والخـليج سوار

 

بحديـقة مثـل اللَّمـى ظِلـاَّ بـها

وتطـلعت شَنَبا بها الأنـوار

 

رقص القضيبُ بها وقد شرِبَ الثرى

وشـدا الحمامُ وصَفَّق التيار

 

غَنّاء ألحَـفَ عِطفَـها الوَرَقُ النّدي

والتـفّ في جَنباتها النـوّارُ

 

فَتطـلّعت في كل مَـوِقع لحـظةٍ

من كل غُصـنٍ صَفحةٌ وعِذارُ

وهناك اغراض اخرى غير هذه االتي ذكرت اذ قال الشعراء في الخمرة كثيرا و في الزهد وفي نظم الملاحم والاحداث والقصص وفي كل ما وقعت عليه اعين الشعراء وهاموا به في هذه الارض ذات الطبيعة الخصبة والرياض الرائعة التي لم ير العرب اجمل منها في بلادهم عامة.

 

امير البيـــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــد روز

 

 

"باسم محمد أنموذجًا"

يشكل التراث بعامته ذاكرة الشعوب وبدونه تكون الأمة أشبه بشجرة بلا جذور، نافذة للمعالم التي بها تهتدي في مسارها الحضاري كلما كانت الأمة عريقة كان تراثها المتراكم كبيرًا وعميقًا.ولما كان التراث هو خلاصة وعصارة الأمم فكان بحق مادة وأداة مهمة للأدباء عامة والشعراء خاصة في إبداعاتهم. وتوظيف التراث أصبح ميزة من أهم ميزات الشعر المعاصر  لأنه "يعد بمثابة وعاء كبير يحمل ثقافة لا تعد ولا تحصى عن الشعوب والحضارات إذ يعبر عن حياتها في كافة المجالات ويتطرق إلى الحديث عن واقعها بأحزانه وأفراحه" إن توظيف التراث في شعر أي شاعر يكشف لنا ثقافة الشاعر ووعيه بماضيه بشكل عام وتراثه بشكل خاص. كما إن اكتشاف التراث من قبل المتلقي أيضا بحاجة لدراية ليس بقليل. لنا أن نتوقف عند شعر أحد شعراءنا المعاصر بحثًا عن الكنوز التراثية وهو أحد شعراء تامٓرّا باسم محمد.

يقول الشاعر:

واركض برجلكَ لا تبقى على جهةٍ

وحاول الآن أن تحتاجني ذنبا..

إن الشاعر وهو يكتب ما سبق كان في ذهنه قول سبحانه وتعالى (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) ص٤٢ في الآية يذكر تعالى رسوله أيوب - عليه السلام - وما كان ابتلاه تعالى به، فالشاعر أفاد من الآية القرآنية في شعره لنا أن نعده تراثًا دينيًا على رغم الاختلاف في عد القرآن الكريم تراثًا أم لا حسب الآراء الواردة المختلفة في هذا الصدد نلاحظ مدى وعي الشاعر في صياغته بطريقته الخاصّة. وهذا الاسلوب ملحوظ بشكل كبير عند الشاعر لو تأملنا قصائده.

كثيرون من الشعراء جملوا قصائدهم بالإفادة من القصص القرآنية ومنها قصة النبي يوسف عليه السّلام نتذكر هنا من قصيدة درويش مستندا إلى قصة النبي يوسف عليه السلام:

‏أنا يوسف يا أبي

اخوتي لا يحبونني

لا يريدونني بينهم يا أبي

يعتدون ‏علي ويرمونني بالحصى والكلام

يريدونني ‏أن اموت لكي يمدحوني

وهم أوصدوا باب بيتك دوني

وللشاعر باسم محمد وقفة مع هذه القصة  في قصيدة له باسلوبه الخاصّ:

نَقول: دَمُ الشاةِ أصدَقُ يا إخوتي اللقطاءَ

من الذِئبِ واللحظةِ العاثِرَةْ

إليكُم قَميصي ..

أنا واحدٌ رَغمَ أصفارِهِ الخَشَبيَّةِ أبدو وحيداً

ولي كَثَرةٌ شاغِرَةْ

ففي دَمُ الشاةِ أصدَقُ يا إخوتي تصوير لمشهد الشاة التي تم ذبحها ولطخوا بدمها قميصا وقال هذا دم كذب (وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ)ۚ يوسف١٨

فالشاعر وجد نفسه أمام حالة مشابهة لما جاء في الآية الكريمة لا نستبعد أنه كان يصور حدث خاص يمثله أو عام ما يتعلق بالواقع.

 

كما أن الشاعر لم يكتف بالافادة من تراث الدين الإسلامي فحسب،  إنما أفاد من الأديان السماوية الأخرى أيضًا،  يقول في قصيدة له مشيرًا للقديسة -إيلاريا-

وتَعرفُني الأرضُ تَعرفُ لوني الوحيدَ

تُعلمُني أنْ أموتَ بلا أيِّ معنى

بلا أيِّ شيءٍ تُعلمُني أنَّ تشرينَ يَبقى…

فَغني قليلاً "إيلاريا إيلاريا"

ليخضرَ وَجهُ البلادِ

وتنمو على شاطئيهِ  العصافيرُ والأسئِلَةْ

إيلاريا هي قديسّة من الديانة المسيحية كانت ترمز للسعادة والمرح والتفاؤل، والشاعر يستدعيها على هيأة أغنية تليق بها علها تكون هذه الأغنية بداية الفرح في بلاده..

ويقول في قصيدة أخرى:

فالقناديلُ… يسوعٌ آخرٌ

صُلبتْ فوقَ جدارِ الغرفةِ

وبكتْ ضوءاً نُعاسياً على

جسدِ الليلِ كصمتِ الشُرفةِ

نرى براعة الشاعر في التصوير البياني حيث شبه القناديل المعلقة بالمسيح.

والتأمل في شعر باسم محمد يأخذنا إلى منحى آخر وهو لمس التراث الاسطوري في بعض من قصائده،  يقول في قصيدة:

قلِّ للمناديلِ

لي عينانٍ من حَجَرٍ

ولي فؤادٌ اذا عريتُهُ احتشما

ولي بقايا مواويلٍ وأضرحةٍ تبكي

و كلُّ غريبٍ في فمي التأما

وقلّْ سيكبرُ هذا الصيفُ في لُغتي…!

حتى أحطمَ في أضلاعِهِ صنما

في القصيدة يشير الشاعر إلى الكاهنة الاغريقية -ميدوسا- في قوله لي عينانٍ من حَجَرٍ  وهكذا نلاحظ خزينة الشاعر  ليست خالية من التراث الاسطوري وفي قصيدة أخرى يستضيف عشتار حيث يقول:

وأنتِ هناكَ لا أحدٌ سيكتبُ عن مواجعِنا..

ولا عَشتارُ تفتحُ بابَها للريحِ

لا ظلٌّ ليقرأَ في جبيني الحرَّ

يُفهِمُني بأنِّي بعضُ هذا الليلِ

لي حُزني/ ولي نخلي /ولي وطنٌ

وراءَ الجسرِ يسبحُ في وجوهِ الناسِ يعرفُني,

أصيحُ ستُشرقُ الدنيا

نعمْ سنكونُ عصفورينِ من ضوءٍ

ونبكي فوق عتمتِهِ كطفلينِ بلا سببِ...

أنا لا شيءَ يسمعُني سوى عينيكِ

فاعترفي لهذا الليلِ عن جُرحي

وعن قمرٍ تركناهُ

وراءَ البابِ عن شجرٍ بلا ظلِ

 

عشتار كما لا يخفي على أحد هي آلهة الحب والحرب والجمال والتضحية في الحروب في حضارات بلاد الرافدين الشاعر أغلق باب عشتار المفتوح حتى من الريح وهذا يصور حالته غير المستقرة حالة تمزج بين الحب والحرب والغضب والجمال لذا جاءت عشتار أتخذت لها مكانًا مناسبًا بها.

لا ينتهي طريق باسم محمد المزدحم بتوظيف التراث بإمكانياته الكبيرة. عاد بذاكرته إلى الماضي ليصور الواقع المعاصر ومرارته، فاستدعي شخصية الحلاج ووظف قصة صلبه:

ويمر حلاجٌ على الأبوابِ

يسألُ في دمي هل جفَّ قنديلُ الضلالةِ

سَمروني هذهِ الأخشابُ مثلي

واصلبوني ربما سأعودُ يوماً مثلَ عصفورٍ ضريرٍ

ربما سأكون يوما ما أريد

هنا الهوامش فوق رأسي الدائري فعلموا أصداءكم

هذا التصحرَ واسألوني

عن دمي أو عن صلاتي فالطريقُ إليه واضحةُ الجهات

وعانقوني أنهُ الصحوُ المخبأُ في عيوني

فامطروا ماساً على جسدي النحيلِ

وودعوني لحظة

نامتْ قبائلُ تغلبٍ وغفتْ على صدري قريشٌ

علموا أطفالكم سأعود يوما يا رفاقي بعد أن تلد الحقول ربيعها وتتيه في الصحراء قافلة العبيدِ

وربما سأعود يوما

مثلما عاد القطيع..

 

فالشاعر التقط حدث تاریخي وشخصیة تراثیة تاريخية في القصيدة السابقة وتوظيف شخصيات تراثية سواء تاريخية أو أدبية أو اسطورية وغيرها " يلجأ إليها الشاعر لأنها تحمل بعدٍ من أبعاد تجربة الشاعر المعاصر، أي أنها تصبح وسيلة تعبيرٍ وإيحاء في يد الشاعر يعبر من خلالها، أو(يعبر بها) عن رؤياه المعاصرة فضلاً عن أن استدعاء الشاعر المعاصر للشخصيات التراثية المحملة ببعديها: التاريخي والفكري يهدف إلى أن يؤدي دوراً محدداً في إنتاج الشاعرية، سواء أكانت الشخصية تتشابه في موقفها مع الموقف الحاضر، أم كانت بينهما علاقة ندية. فمن علاقات التشابه بين الشخصية التراثية وشخصيات هذا العصر، تتضح الصورة المراد رسمها.

وفي قصيدة للشاعر نجد أنفسنا أمام شٓخصيّة أدبيّة وهي شخصية الشاعر  الكبير معروف الرصافي:

صلّوا سكارى

وما مِنْ آيةٍ نزلتْ.. فكيفَ تنزلُ فينا آيةُ النسخِ ؟

 

فاترُكْ صلاتَكَ

قُربَ البابِ أضرحةً يا حزنَ يوسفَ

واقرأ صورةَ الشيخِ

 

مازالَ فيكَ رصافيٌّ يعذِّبهُ..

ما قالَهُ عن دمٍ معروفُكَ الكَرخي*

 

وظف شخصية أدبية كما هو واضح ولما كان من الطبيعي أن يعد الموروث الأدبي من أكثر المصادر التراثية التصاقاً بنفوس الشعراء وعواطفهم، فإن من الطبيعي كذلك أن تعد شخصيات الشعراء من أكثر المصادر التي امتاح منها الشعراء شخصياتهم التراثية؛ " لأنها هي التي عانت التجربة الشعرية، ومارست التعبير عنها، وكانت هي ضمير عصرها وصوته، الأمر الذي أكسبها قدرة خاصة على التعبير عن تجربة الشاعر في كل عصر. وفي القصيدة السابقة غير توظيف شخصية أدبية نراه صور شخصية يوسف ويعقوب عليهما السلام كما يقول حزن يوسف وصورة يعقوب الشيخ.

ومن يقرأ شعر باسم محمد من المستحيل ألا يتفاعل مع توظيفه للتراث الشعبي بأنواعه المتعددة والتراث الشعبي يشمل العادات والتقاليد والأمثال والأغاني الشعبية السائدة التي تحمل في طياتها دلالات مقصودة غالبًا.

يقول الشاعر:

سكتَ الغرابُ

فأطفأت مدنُ الرذيلةِ شعرَها بالمُعدمين...

الغراب كما هو معلوم في الثقافة العربية بشكل عام طائر شؤوم يعد رمزًا للنهايات كالفراق والموت والشعراء وظفوه في شعرهم كما قال قديمًا عنترة:

فـيـهـا اثـنـتـان و أربـعـيـن حـلـوبـة

سـودا كـخـافـيـة الـغـراب الأسـحـم

وجاء توظيف الغراب في قصيدة باسم محمد بما يتناسب مع قصيدته وقصديته.

ومن التراث الشعبي المعروف عند الجميع سندباد هذه الشخصية التراثية كثير الحضور في شعرنا المعاصر ونستطيع نلحظ هذا الحضور عند السٓيّاب في أكثر من قصيدة له وفي هذا الصدد  يقول الشاعر باسم محمد:

وعَلَّمُوا فمَها نهراً…

فأدمنها  شيخُ النواعيرِ وارتدُّوا الى الكَرخِ

 

يا شهقةَ الحَجرِ الصوفيِّ يا قمراً

هذي خطاياكَ قبلَ التيهِ والمسخِ

 

قاومْ سمارَكَ

فالآتونَ من حَجرٍ

وأنتَ وحدَكَ تروي قصَّةَ السَلخِ

 

ولم تَزلْ ..

تلعنُ التاريخَ أشرعةٌ

يا سندباداً بكى في حَضرةِ الرَّخِّ

لم يكتف بسندباد فحسب بل حضر  إلى جانبه طائر الرخ الأسطوري هائل الحجم الذي ورد ذكره في رحلات سندباد.

 

كما أن الشاعر اختار أيلول أكثر الشهورتضمينًا في التراث الشعبي  ليجعل له حيزًا في عدد من قصائده كما يقول في أحدها:

وأيلولُ يَعرفُ كيفَ التقينا

صغاراً الى أنْ بكى جَدولُ

فغابتْ عصافيرُهُ في الصباحِ الأخيرِ

وغادرَنا بُلبلُ..

سيأتي الشتاءُ فلا تُنكريهِ

إذا مرَّ يوماً فتىً مُهمَلُ

ليسألَ عن زهرةٍ في الأعالي

أيرحلُ شاعرُها المُقبلُ ؟

أَيـْلُول  ارتبط بالتراث والحكايا الشعبية والأمثال في المشرق العربي عمومًا .

وأنموذج آخر نصغ فيه ونحس بأغنية تراثية حينما يقول الشاعر:

فضُّمي جرحَنا الكونيَ

ضُمِّيني على مرأىً من الأشجارِ

قولي للرعاةِ سمعتُ العاشقَ المقتولَ

يهذي عبرَ هذا الليلْ…

(تعاليلي العمر خلصان

مري بواهس اغنيه

الكمر ذبلان فوك شفافي والنجمات

دمعه بعين فصليه

يا شباج يفتح زيجة تالي الليل

وانه انسان كل احلامه ورديه..)

وفي قصيدة أخرى وظف لنا أجواء العيد بمفهومه التراثي يقول:

سَتغرقُ بالأحَمرِ العَرباتُ

و تلتحفُ الأسودَ العنبيَّ مروجٌ

على قارعاتِ البلادِ

ليشربَنا العشبُ قالتْ كَبُرنا

بلا أنْ نقولَ سنرجعُ يوماً

بِلا أنْ تقولوا…

لنا أن نقول أخيرًا إن  الجذور التراثية  تتغلغل في شعر باسم محمد كما أنها ساهمت بإضافة جمالية وإبداعية بأشكاله المختلفة فالشاعر أعاد نتاج التراث بغلاف هندسي وباسلوب حدثاوي مناسب وروح العصر في بناء شعره لأسباب كان التراث في شعره نافذة للاطلاع على الماضي ومن جهة أخرى نقطة انطلاق إلى الحاضر والمستقبل أو لأسباب تتعلق بنفسية الشاعر والسبب الأكيد هو اعتزاز الشاعر بتراثه وماضيه لذا وظف صور قرآنية وشخصيات تاريخية وأدبية إضافة لتوظيف للحكايات الشعبية والأساطير. نستطيع أن نقول وفق باسم محمد في تجربته والتراث في شعره وإن دل على شيء فهو مدى تعمقه بالماضي بشكل عام والتراث بشكل خاص. نرى من اللائق أن ننهي ما تطرقنا إليه بقصيدة أخرى للشاعر يشير فيها إلى حضارة تامٓرّا لتكون مسك الختام  يقول فيها:

فلتشربِ الطرقاتُ لونيَّ مثلما شرِبت خطايَ الخوفَ

قُولي للبنفسجِ سوفَ تحترقَ البيوتُ

ولن نظلَّ على الضفافِ سنختفي

وكأرنبينِ سنحتفي بالعشبِ واللّقيا

فهل سيقولُ(تامرا)*

هنا ولِدَ الربيعُ على يديها حينَ مات..

 

آشتي كمال

..............................

التراث والتجديد حسن حنفي

أثر التراث العربي القديم في شعر العربي المعاصر  محمد علي عبد الخالق ربيعي.

استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر علي عشري زايد

الشعر العربي المعاصر، عز الدين إسماعيل ،

مدخل لدراسة الشعر العربي الحديث  إبراهيم خليل.

 

 

صفاء الصالحيلا شك ان المساحة المتاحة في تقنية السرد التي انمازت بها الرواية على باقي الاجناس الادبية، قد جعلت من الرواية بوتقة تستوعب صهر المدارس المتعددة، والتيارات الشتى، والتقنيات والرؤى الإبداعية الحداثية لمعظم الاجناس الادبية، وان ولادة نمط جديد ما يعرف بالرواية التجريبية نتيجة طبيعية لشساعة هذه المساحة المتاحة في تقنية السرد الروائي، ويعد الروائي العراقي الشاب احمد السعداوي في طليعة الجيل الجديد في الكتابة الروائية، ممن تولى إدامة شعلة إستمرارية التجديد والتحديث في الرواية العربية . وكشف السعداوي مدى نزوعه للتجديد والتجريب وتجاوز الأنماط الكلاسيكية في الأسلوب والبناء والتقنية، ورسم الشخصيات ومنظورها، في منجزاته الادبية ولا سيما في روايته  "فرانكشتاين في بغداد"، الصادرة عن منشورات الجمل عام ٢٠١٣، والفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) في دورتها السابعة عام ٢٠١٤، بالاضافة الى وصول ترجمتها الإنجليزية إلى القائمة القصيرة للبوكر العالمية، وترجمتها الى (٢٠) لغة عالمية . ومن سمة التماثل اللفظي بالعنوان " فرانكشتاين في بغداد " إشارات دالة بالاشتغال التّناصي على المستوى المتخيل السردي مع رواية  "فرانكشتاين " للكاتبة الإنكليزية ماري شيلي لكن برؤية جديدة يعيد فيها إنتاج الفكرة والرمز ويطبقها على واقع عراقي ما  بعدالغزو الأميركي، وظف فيه البعد الفانتازي الغرائبي والعجائبي بابتكاره شخصية الشسمة (المخلوق الذي جمعه وركبه بائع العاديات  هادي العتاگ من بقايا جثث ضحايا التفجيرات الإرهابية) وجعلها أساساً من اساسيات الحدث في الرواية . تقع الرواية في تسعة عشر فصلاً منثورة على ٣٥٠ صفحة، تتجلى بشكل واضح تعالقها بمفهوم التجريب على مستوى التشكيل اللغوي فقدم الكاتب مادته الحكائية  بديمقراطية تعبيرية مستندة على تقنية السرد البوليفوني المتعدد الأصوات ذات الطابع الحواري، فقد حمل مسؤلية السرد على مجموعة رواة (الراوي، الشسمة، المؤلف،بالاضافة الى التقارير والرسائل الالكترونية) يتناوبون علی رواية الحكاية، بأنماط لغوية متعّددة تخترق معيارية اللغة، تختلف باختلاف مستويات الناطقين، ولا تخلو من السخرية، تتلون بالعربية الفصحى، واللغة العامية العراقية تحسس القارئ أنه في جو عراقي، ويعطي للرواية طابعا عراقياً خاصاً . يفتح السعداوي آفاق نصه باقصى امتداده  على الحقل السينمائي بتوظيف تقنياته في النص بانفتاح الاستهلال بمفردات متتابعة منساقة بشكل فني منماز تركبت لبناء مشهد بما يرادف صياغة وتركيب اللقطات السينمائية المتسلسلة فنياً، والتي تؤدي بالنهاية دلالات بصرية تجسد مضمون النص، وتؤسس كيان ذهنياً مرادفاً للكيان الكتابي للنص، استعار فيها الكاتب التكنيك السينمائي كالمونتاج المتناوب واللقطات المصغرة والمكبرة والمتوسطة والانتقال السريع من مشهد لآخر، فيصف الباص من الخارج  (حدث الانفجار بعد دقيقتين من مغادرة باص الكيا الذي ركبت فيه العجوز إيليشو ام دانيال)، وينتقل باللقطة باسلوب سينمائي مشحون بالحركة  الى داخل الباص (التفت الجميع بسرعة داخل الباص، وشاهدوا من خلف الجام بعيون فزعة كتلة الدخان المهيبة..ص١١) . ثم يلحقها بالسرد الوصفي الدقيق للمكان الروائي مبلوراً إياه  بالمؤثرات الصوتية المحيطة بالمشهد (قرب ساحة الطيران وسط بغداد شاهد ركض الشباب باتجاه موقع الانفجار وارتطام بعض السيارات برصيف الجزرة الوسطية أو بعضها ببعض.. وسمعوا حشد أصوات بشرية متداخلة،صراخ غير واضح ولغط ومنبهات سيارات عديدة)  .

وتسير الرواية في اتجاه تقديم الأحداث ووصفها عبر "عين الكاميرا" انطلاقاً من رؤية مرهونة بنزعة تجريبية، تتخلخل رتابة السرد فيه من خلال كسر خطّية الزمن المعهودة في الرواية التقليدية، بإحالة الزمن الى لعبة فنيّة، يتلاشى فيه منطق الوقت وتعيد دورة الزمن  نفسها وتتدخل لحظات الماضي والمستقبل، عبر توظيفه تقنية الاسترجاع الزمني انطلاقاً من ذاكرة محمود الصحفي (دوامة الغم القديم نهضت في صدره بسبب ذكرى..ص١٨٩)، والاستباق انطلاقاً من فريق المنجمين في مكتب العميد سرور مجيد. (التقارير الأولية التي أعدها فريق المنجمين..ص١٢٣)، مما يعكس  مفارقة بين زمن القصة وزمن الخطاب في الزمن السردي، بالاضافة الى المفارِّقة الثانية في وتيرة الزمن السردي من خلال تسريع السرد بمقاطع قصيرة تغطي فترة زمنية من الحكاية وذلك بتوظيف تقنية  التلخيص (بعدها بيومين..ص٢٦٨، قضى الشهرين..ص٨٦،..)، وتقنية الحذف  ( ظل يعمل في صحيفة الهدف بضعة اشهر.. ص٥٤، بعد يومين..٢٦٨، في الخامسة والنصف فجراً..ص٣٠٠، بعد أسبوعين..ص٣٠٩،..) وتعطيله السرد بإقحام  حكايات فرعية ترتبط بالحكاية الأساسية، وتوظيفه لتقنية المشهد (كان الرئيس في سيارة مارسيدس سوداء مصفحة حين مر بجوار هادي..ص٢٠٧، رأى محمود أنه يمسك بيده..ص٢٦٠،..)، بالاضافة الى تقنية الوقفة الوصفية (بيت بناه اليهود على الأرجح.. ص٢٠، في صالة الضيوف.. ص٢٢،..). وتنمو مكونات النص مع المكان لتأطير المتن الحكائي وتحريك خيال القارئ لتصور الأمكنة التي يعرضها الكاتب وبرزت  أهمية المكان من العتبة النصية الاولى العنوان " فرانكنشتاين في بغداد "، على اعتبار بغداد الاطار الجغرافي للأحداث وحركة الشخصيات، ولعب الوصف دوراً بارزاً في  تصوير ونقل الابعاد والمعطيات المكانية،مع انصراف التركيز في وصف الامكنة التي تتمحور حولها الاحداث الرئيسيّة المرتبطة بحركة الشخصيات المحورية، وضمت الرواية امكنة واقعية اتخذت منه مسرحاً للكثير من الأحداث  كحي البتاوين وسط بغداد الذي كان يمثل أيقونة التنوع السكاني المتعايش في المجتمع العراقي في الخمسينات من القرن المنصرم، فاليهود إلى جانب المسيحيين والمسلمين . وحرص الكاتب على تقديم صورة مما تعرض له هذا المكان من طمس  معالم التعايش السلمي بين اطياف المجتمع  العراقي نتيجة غياب النظام  وانتشار  الفوضى مع غياب الامن، وحرص الكاتب على تقديم صورة مما تعرض له هذا المكان من طمس  معالم التعايش السلمي بين اطياف المجتمع  العراقي نتيجة غياب النظام  وانتشار الفوضى مع غياب الامن، وانقياد المجتمع لسلطة المال وبروز جماعات الضغط  من مافيا العقارات  (فرج الدلال رجل شرير ..ص٢٢٧). وتنقسم الامكنة في الرواية مابين مغلقة (المقهى، والبيت، والفندق، بناية المجلة، مكتب دائرة المتابعة والتعقيب) واُخرى مفتوحة (حي البتاوين، بعض ساحات وشوارع بغداد، مقبرة وادي السلام) .وتتعالق العناصر الروائية فيما بينها وتنمو الأحداث وينهض معمار الرواية  بعدة مستويات منها المستوى الواقعي المألوف (الاجتماعي والسياسي)، ومستوى فنطازي عجائبي معجون بالرعب من خلال (الشسمة المخلوق الخيالي المرعب)، بالاضافة الى المستوى البوليسي  من خلال المطاردات المثيرة لدائرة المتابعة والتعقيب للكائن الفرانكشتايني في شوارع بغداد . ولإضفاء مسحة تجريبية يكشف الكاتب مبناه الميتاسردي في الفصل الثامن عشر بالإعلان  صراحة عن مجريات عملية  التأليف وجمع الآليات الميتا سردية (تدوين وتوثيق الصحفي  محمود السوادي حكايات هادي العتاك عن الشسمة لرواد مقهى عزيز المصري، وما سجلته آلة التسجيل، ووثائق دائرة المتابعة والتعقيب، ورسائل البريد الالكتروني) وتناولها بوعي ذاتي عمد الى فضح لعبته السردية بالتحدث عن الهموم السردية داخل فضاء السرد (كنت مشغولاً بكتابة رواية باسم " الرحلة الغير المؤكدة  والاخيرة " ولم ارغب بتركها لملاحقة قصة ناقصة تحكي عنها هذه التسجيلات لولا انني تلقيت رسالة على البريد الالكتروني..ص٣٢٦) .

رواية فرانكنشتاين في بغداد رصدت ما واجهه العراق في عام ٢٠٠٥ من احتراب طائفي واحداث عنف وتفجيرات شبه يومية وصورت مشاهد حية من حياة العراقين في بغداد، وقدمت لنا نصاً ابداعياً مارست عين السارد فيه وظيفة كاميرا تتقن تسجيل مشاهد تتحرك على شاشة خيال القارئ بتشويق عجيب، وكتبت بطريقة تقطيعية في مشاهد تتسم بالنضج الفني والتماسك البنائي وتبدو لي رواية  فرانكنشتاين  رواية تجريبية وظفت التقنيات السينمائية ببراعة ومكتوبة كي تصبح فيلما سينمائياً، فهل ستغوي المتلقي وهي مجسدة على شاشة السينما بعد غوايتها شاشة مخيلته؟

 

صفاء الصالحي

 

جودت هوشيارفي عام 1846 كان دوستويفسكي في الرابعة والعشرين من العمر، حين نشر روايته الأولى "الفقراء" وقد لقيت الرواية رواجا عظيما، ورحب بها اشهر النقاد الروس من التيار الثوري الديمقراطي وعلى رأسهم، ناقد روسيا الكبير فيساريون بيلينسكي (1811-1848) . ودفعت هذه الرواية بدوستويفسكي الى الصف الأول بين ادباء روسيا . ولكن رواياته القصيرة اللاحقة " الشبيه " و"ربة البيت " و" نيتوشكا نزفانوفا " و" "حلم العم" و" قرية ستيبانتشيكوفو " التي صدرت كلها قبل اعتقاله عام 1849 . لم تلق رواجا كبيرا . ولم تبلغ المستوى الرفيع لرواية " الفقراء ".

قضى دوستويفسكي اربع سنوات في معتقل للاشغال الشاقة، وست سنوات لاحقة في الخدمة العسكرية الأجبارية في المنفى في منطقة نائية بأقاصي سيبيريا، في ظروف بالغة القسوة . ويمكن القول ان هذه السنوات العشر من عام 1849 الى عام 1859 كانت سنوات ضائعة في حياته الأدبية، وان كان قد استخلص منها دروسا عظيمة في الحياة . لم يكن بوسعه في تلك الظروف البائسة ان يواصل عمله الأبداعي، رغم ان خياله الخصب كان زاخرا بأفكار ومشاريع لأعمال ادبية جديدة . ولكن غيابه الطويل عن الساحة الأدبية، ادى الى خفوت نجمه.

"مذلون مهانون " اول رواية كبيرة، متعددة الأصوات لدوستويفسكي، بعد سنوات السجن في سيبيريا وعودته من المنفى، حيث اصبح على قناعة تامة بالعزلة المأساوية للمثقفين الثوريين الروس عن الواقع، والشك في مدى قدرتهم على تحقيق الاهداف التي ينادون بها.

الفكرة الرئيسية لرواية " مذلون مهانون " شغلت بال الكاتب اكثر من ثلاث سنوات . ففي الثالث من تشرين الثاني / نوفمبر 1857 كتب دوستويفسكي من منفاه في بلدة سيميا بالاتينسكا رسالة الى شقيقه ميخائيل يبلغه فيها عن نيته كتابة رواية عن الحياة في بطرسبورغ شبيهة برواية " الفقراء ". وان فكرة الرواية الجديدة ستكون أفضل من روايته الأولى .

بعد عودته الى بطرسبورغ في ربيع عام 1860 باشر دوستويفسكي على الفور بكتابة روايته الجديدة . ويقول في رسالة الى الممثلة المسرحية الكساندرا شوبرت في 3 أيار عام :1860 :

. "عدت الى بطرسبورغ وأنا في غمرة الحمّى . وروايتي الجديدة هي السبب . أريد أن أكتب على نحو جيد . أشعر ان ثمة في ما اكتبه شعر. فأنا ادرك ان مستقبلي الأدبي سيتوقف على مدى نجاح روايتي الجديدة . ينبغي لي ان أواظب على كتابتها ليل نهار لمدة ثلاثة أشهر . ولكن يا لها من مكافأة حين انجزها : الهدوء، وصفاء الذهن، والوعي بأنني قد انجزت - عن سبق اصرار - ما اردت القيام به .

ومع ذلك فإن العمل في الرواية كان يجري على نحو بطيء . وكتب في رسالة مؤرخة في العاشر من ايلول (سبتمبر) 1860 الى صديقه الكاتب والناقد الكساندر ميليوكوف يشكو فيها من بطأ العمل في الرواية : " لقد شرعت بكتابة الرواية، وما زلت لا اعرف، ماذا سيحدث، لكني قررت أن أعمل من دون كلل اوملل ".

- نشرت رواية " مذلون مهانون "، لأول مرة، في مجلة " فريميا" عام 1861. في سبع حلقات متسلسلة نباعا. وكانت مجلة " فريميا " وتعني بالروسية " الزمان " مجلة يصدرها دوستويفسكي بمعونة شقيقه ميخائيل . وكان الكاتب ملزما بكتابة حلقة جديدة في وقت محدد يتزامن مع التحضير لإصدارعدد جديد من المجلة .

اهدى دوستويفسكي روايته هذه الى شقيقه ميخائيل . وحملت الرواية عند نشرها في المجلة عنوانا فرعيا " من مذكرات كاتب فاشل ". ذلك لأن دوستويفسكي بحلول الوقت الذي بدأ فيه بكتابة هذه الرواية، كان النقاد لا يتوقعون منه ان يكون قادراً على خلق رواية بمستوى روايته الاولى " الفقراء " . ولكن دوستويفسكي كان مصمماً على انجاز رواية رائعة ومميزة . من اجل استعادة مكانته السابقة في الساحة الادبية . وقد تعمّد اضافة هذا العنوان الفرعي، من اجل اثبات انه قد تغلّب على الفشل - المزعوم من قبل النقّاد الحاقدين . والذي بات جزءاً من الماضي . والحقيقة ان كل اعمال دوستويفسكي رائعة حتى ما نشر منها قبل اعتقاله .

استغرقت كتابة الرواية اكثر من عام واحد، حيث انتهى من كتابتها في التاسع من يوليو/ تموز 1861، كما جاء في خاتمة الحلقة الأخيرة من الرواية المنشورة في مجلة " فريميا " .

عناصر السيرة الذاتية

الراوي في " مذلون مهانون " هو ايفان بتروفيتش، الكاتب الناشئ، وهو في الوقت نفسه احد شخوص الرواية . وما يسرده ايفان عن نفسه هو في الواقع سيرة دوستويفسكي الشاب، ونظرته الى الحياة والوجود في هذه المرحلة من حياته ، حيث يتحدث ايفان عن ظهور روايته الأولى " الفقراء " والترحيب الحار والحماسي الذي قوبل به من قبل بيلينسكي، وعلاقة ايفان بناشر كتبه . هذه الحقائق وبعض الحقائق الأخرى هي من حياة دوستويفسكي نفسه .

لم يلتزم دوستويفسكي بالخلفية الزمنية أوالتأريخية لأحداث الرواية . فعلى سبيل المثال تجري احداث الرواية في فترة لا تزيد عن سنة ونصف السنة منذ من منتصف الأربعينات، ولكن الراوي يذكر وقائع تأريخية واجتماعية وادبية لاحقة حتى نهاية خمسينات القرن التاسع عشر . الانزياح الزمني سمح لدوستويفسكي بانشاء عمل ادبي بتغطية اوسع من المقصود اصلا للحياة الخاصة والعامة في روسيا في تلك الحقبة، وكذلك التعبير عن فكرة الاستمرارية في الحياة الايديولوجية والثقافية الروسية.

ان المناقشات النظرية حول المشاكل ذات الطبيعة الفلسفية المجردة في رابطة (ليفينكا وبورينكا) التي كان يتردد عليها اليوشا - وهو احد ابطال الرواية - تذكرنا برابطة " بتروشيفسكي، التي كان يزورها دوستويفسكي الشاب في أواخر اربعينات القرن التاسع عشر . مناقشات أصدقاء اليوشا حول القضايا الحديثة : " نحن نتحدث عن الانفتاح وعن الحب للانسانية، وعن الشخصبات المعاصرة ". كانت ايضاً سمة من سمات بيئة ديمقراطية روسية غير متجانسة في اواخر خمسينات واوائل ستينات القرن التاسع عشر .

ان موقف ابطال " مذلون مها نون " من رواية دوستويفسكي الاولى " الفقراء " يمكن ان يكون بمثابة معيار لطبيعتهم الاخلاقية . ان الطابع الانساني للرواية ء قريب من الرجل الطيب اخمينيف، ولكنه غريب تماما عن الامير فالكوفسكي الأناني، الذي لا يمكنه الا ان يشعر بالتعالي على الفقراء وازدرائهم . وهذا الشعور كان متأصلا في الوسط الارستقراطي الروسي .

الاشارة الى رواية الفقراء وبيلينسكي وعصر الاربعينات من القرن التاسع عشر اكثر من مرة، لم يكن مجرد صدفة . فقد كان الاتجاه الانساني للادب الروسي في اربعينات القرن التاسع عشر مبنيا على الاعتقاد بأن آخر شخص منسي ومهمش في المجتمع الذي يعيش فيه، هو ايضا انسان، أخ لنا في البشرية ." ويشكل هذا الاعتقاد ايضا، الأساس الأخلاقي لرواية " مذلون مهانون ".

ويلفت النظر في عنواني الروايتين " الفقراء " و "مذلون مهانون " انهما يدلان على وجود علاقة داخلية بينهما . صفة الفقراء في الرواية الاولى متعددة المعاني – الاشخاص الفقراء ليسوا فقط اشخاصا معوزين ومحرومين من وسائل العيش الضرورية، بل تشمل ايضا الاشخاص التعساء والمهانين . وهم يثيرون العطف والرحمة والشفقة عليهم . وبهذا المعنى فان مفاهيم " الفقراء" و" المذلون " و"المهانون "هي في الواقع مرادفات.

تدور احداث الرواية في مدينة بطرسبوغ الروسية ويراعي المؤلف الدقة التأريخية في ذكر اسماء الشوارع والجسور والساحات والاشخاص والتي تصور بطرسبورغ كمدينة كبيرة نموذجية في تلك الحقبة، مع ما تتسم به من تباين وتناقض اجتماعي . الفكرة المناهضة للراسمالية التي فسرها المؤلف من منظور انساني تسري في الرواية بأسرها .كلمات اخمينيف الهرم التي تعبرعن انطباعه عن رواية ايفان بتروفيتش " الفقراء " تشكل الجوهر الفكري او الايديولوجي للرواية. وهذه الكلمات كانت مصدر الهام للناقد الروسي الكبير دوبرلوبوف، الذي كتب مراجعة حول رواية " مذلون مهانون " بعنوان " المضطهدون" .

قصة الصبية اليتيمة نيللي، سمحت للمؤلف بتصوير الاحياء الشعبية وسكانها في بطرسبورغ ووصف حياة " قاع المجتمع " حيث يسود البؤس، والمرض، والرذيلة، والجريمة .

(الانسان الصغير) التائه في هذه الأحياء البائسة محكوم عليه بالفقر والموت الجسدي والمعنوي. "لقد كانت قصة كئيبة " هكذا يصف ايفان يتروفيتش مصير نيللي المأساوي . وقصتها واحدة من قصص كثيرة ممائلة توجد على نحو غامض في الزوايا الخفية المظلمة لمدينة كبيرة، وسط الغليان المحموم للحياة الانانية الغبية، والمصالح المتضاربة، والجرائم . وفي خضم جحيم هذه الفوضى حياة غير طبيعية لا معنى لها .

مصائر الابطال الآخرين ليست أقل مأساوية . والدة نيللي وجدِّها لأمها يموتان بعد ان خدعهما وسرقهما الأمير فالكوفسكي . ووقعت مصائب على عائلة اخمينيف حيث دمرها وخربها فالكوفسكي ايضا، كما تم تدمير الحياة الشخصية والمشاريع الادبية لايفان بتروفيتش .

الأمير فالكوفسكي يمثل الشر القوي المنتصر الذي – كما لاحظ دوبرولبوف – انسان " منزوع الضمير " . فالكوفسكي منظر الأنانية الفردية والجشع الصريح .جميع خطوط الرواية تمتد الى هذا الشرير المفترس . انه السبب الرئيسي لمصائب المذلين والمهانين .

فاسفة المعاناة

في الصيف الماضي زرت متحف دوستويفسكي في موسكو، وادهشني موقع المتحف. فهو يشغل زاوية صغيرة من زوايا للطابق الأرضي لستشفى كبير، كان يسمى بمستشفى الفقراء في العهد القيصري . كان والد الكاتب طبيبا في هذا المستشفي . وقد عاش دوستويفسكي هنا سنوات طفولته ومراهقته، وشاهد المرضى الفقراء المتألمين ومعاناتهم، وانطبع كل ذلك في ذاكرته الى آخر يوم في حياته .

المعاناة الانسانية هي الموضوع الرئيسي لرواية " مذلون مهانون " ومعظم اعماله الأخرى : معاناة الفرد، ومعاناة البشرية . ومن كان قدرا على الفهم العميق لمعنى المعاناة ، ووضع اليد على مصادرها، غير دوستويفسكي الذي عانى وتعذّب وتألم طوال حياته . فقد عانى من الفقر والوحدة والمرض، ومن موت أعزّ الناس عليه (والدته وابنته)، وخيانة الأصدقاء، وحسد الكتّاب، وظلم النقّاد، ناهيك عن الحكم عليه بالاعدام، والانتظار الرهيب للرصاصات القاتلة – وهو معصوب العينين ومقيد اليدين – واستبدال الاعدام في اللحظات الأخيرة بالسجن والنفي الى سيبيريا المتجمدة . وفوق كل هذا كان يعاني من التوتر العصبي الشديد والعواطف الجياشة المدمرة .

لم يكن يفارقه ابداً التفكير الدائم العميق في معنى الحياة والوجود، والغاز النفس البشرية، التي كرّس كل أعماله لدراستها . والغوص في أعماقها، مما ابهر علماء النفس والفلاسفة.

روايات دوستويفسكي تجري احداثها في صميم الانسان، الذي يولد مع الالم، ويموت مع الالم ويصاحب الألم الجسدي، عذاب روحي، وليس ثمة ما هو أسوأ وأكثر إيلاما من هذا.

ويرى دوستويفسكي، ان الاسباب الرئيسية للمعاناة هي الاضطهاد والظلم والاذلال . والتألم لآلام الآخرين، واليأس الروحي . ويتساءل : لماذا كل هذه المعاناة، وما معنى الوجود البشري على الارض . يمكن تفسير معاناة الأشخاص (الكبار)، لأنهم لا يستحقون الحب، والمعاناة عقاب لهم . فهم قد عرفوا الخير والشر وارتكبوا الخطايا، ولكن الأطفال لم يرتكبوا ذنبا وهم أبرياء تماما .

المعاناة، كما يرى دوستويفسكي، دعوة الى مقاومة الشر والأشرار بوسائل اخلاقية بحتة، وهي احتجاج على الظلم ووسيلة للكشف عن انسانية المذلين والمهانين.

المعاناة مفتاح لفهم مصائب الآخرين . والانسان الذي عانى في الحياة لا يمكن ان يفكر في بناء سعادته على معاناة الآخرين . وقد توصل دوستويفسكي خلال معاناته الطويلة في السجن والنفي الى أن المعاناة هي الطريق الوحيد للفهم والادراك والوعي والمعرفة، وحالة روحية مضيئة وملهمة تكشف عن عمق وسمو الروح وتوحد البشر، و لها قوة تطهير عالية للنفس . وهي الطريق الى السعادة بهذا المعنى .

دوستويفسكي لا يحب ابطال رواياته، الا بمقدار ما يعانون من ألم وعذاب . وهم لا يستطيعون ان يحبوا حبا حقيقيا الا عن طريق المعاناة . انها اقوى برهان لهم على الوجود .

 

د. جودت هوشيار

 

ماهر حميدالماركسية والأدب

توطئة: تعد النظرية النقدية الماركسية من أهم النظريات الأدبية النقدية في الدرس النقدي، لِما تتمتع به من قدرة على قراءة الواقع وما به من نتاجات مختلفة، وهي بالأساس نظرية في الاقتصاد السياسي وضعها كارل ماركس بمشاركة فريدريك إنجلز في منتصف القرن التاسع عشر، إذ ترى هذه النظرية أن الأفراد يدخلون في علاقات إنتاجية، وأن مجموع العلاقات الإنتاجية هذه يشكل البنية الاقتصادية للمجتمع .

الماركسية والأدب:

يمكن أن نرجع الحافز وراء هذا التطور الحاصل في مجال النظرية النقدية إلى صعود الماركسية، بعد أن أوجد لنا ماركس وأتباعه نظرية شاملة، أو حكاية كبرى، إذ يرى ماركس أن النظرية الماركسية انبثقت من الواقع بهدف معالجة الواقع وقضاياه المختلفة، ولهذا يمكن أن نحلل أية ظاهرة ثقافية – في مجتمع ما – ونكوّن أحكاماً قيمة عنها، ومنها الأدب، الموسيقى، الأنظمة السياسية، الرياضة، العلاقات العرقية ..إلخ .

ويؤكد أيضاً على أنه يمكننا أن نضع ثقافات كاملة تحت ميكروسكوب النظرية النقدية الماركسية تفادياً للطريقة التي تعمل بها أية نظرية نقدية أخرى.

بداية من الماركسية فصاعداً، ارتبطت النظرية النقدية ارتباطاً وثيقاً بالأوضاع السياسية، ولا يمكن أن تنفصل عنها، إذ ينبع قدر كبير من قيمتها – من قدرتها على أن تظل منخرطة في السياسة فالنقدي من وجهة نظر ماركس هو السياسي.

ولذا يرى ماركس أن النظرية الماركسية قادرة على أن تحلل كل الظواهر على ضوء نظريتها في المادية الجدلية، وتصاحب هذه النظرية رؤية تاريخية معينة. ويؤكد أيضاً على أنه توجد هناك بنية ثالثة مستورة بحسب رأيه وهي بنية عامة وأساسية في كل المجتمعات، بما فيها المجتمع الرأسمالي. إذ يتكون المجتمع دوماً من أساس اقتصادي أوبنية تحتية، وبنية فوقية . وأما البنية الفوقية هي كل ما هو ثقافي – أي الدين والسياسة والقانون والتعليم والفنون...إلخ. وأي تغيير في البنية التحتية التي هي (الاقتصاد وغيره) يؤدي إلى إيجاد ثقافات مختلفة تنتج بدورها آداب أو أدب مختلف عن سابقه. وهذا يعني أن البنى الفوقية هي الإيديولوجيات، أي طرق التفكير المميزة للسلوك الطبقي.

هناك شيء واضح إذا فهمنا أسس التحليل الماركسي وسنكتشف كيف أنها شكلت النظرية النقدية بطريقة تجعلها تبحث تحت سطح النصوص، وهذا ما يوضحه المثال التالي:

المادية الموجودة بالفعل                    المثال في ذهنك

 

النظام الاقتصادي              النص                 الثقافة

النص هنا لا يعني مجرد كتابة على ورق معين، بل يعني إنتاجاً مشفراً وتغريباً. وفي هذه الحالة فقد أضاف ماركس معنى جديداً للاغتراب ليس بوصفه عملية هيجيلية عن الوعي الذاتي، بل بوصفه تغريباً لا واعياً عن الذات يحدده الوضع الطبقي للمرء، وكيفية مواجهته للإيديولوجيات السائدة المتحكمة في وضعه السياسي والاقتصادي وحتى حياته.

وهذا ما أكده تيري إيغيلتون الذي يرى أن وظيفة الإيديولوجية هي تسويغ سلطة الطبقة الحاكمة في المجتمع. وفي التحليل الأخير للماركسية توصل إلى أن الأفكار السائدة لأي لمجتمع ماهي إلا أفكار الطبقة الحاكمة، ولهذا فأن الفن إذن بالنسبة للماركسية هو جزء لا يتجزأ من البنية الفوقية للمجتمع. ولهذا يرى ماركس أن المجتمعات الرأسمالية قادرة على أن تنشر معتقداتها الإيديولوجية دون أن تلجأ إلى القوة، لذلك فأن إنتاج الأفكار والمفاهيم والوعي متناسج قبل كل شيء وعلى نحو مباشر مع العلاقات المادية للناس، والتي هي لغة الحياة الحقيقة. ولذلك ترى الماركسية أن التاريخ يجري وفقاً لقوانين موضوعية، معرفتها تساعدنا في السيطرة على العملية كلها وتحقيق غاياتنا التي هي غايات الطبيعة ذاتها طالما أننا جزء منها، يسري علينا ما يسري عليها.

من هنا أمكن للعمل الأدبي أن يحمل شكل الواقع الخارجي، والظرف التاريخي الذي أنتج فيه عبر تركيبته أو بنيته ذاتها وصار دور القراءة النقدية هو العثور على الطريق التي من خلالها عبر الواقع التاريخي والاجتماعي عن نفسه من خلال الحساسية الفردية للمبدع داخل العمل الأدبي أو الفني الذي نحن بصدد دراسته، أي أن الماركسية ترى الحقيقة تصور مطابق للواقع. ولذا فمن الواضح أنها تستند على التقابل بين الذات والموضوع، فالتصور ينشأ في الذات ولكنه يجب أن يكون مطابقاً للواقع، أي لموضوع ما ؛ لأن الماركسية تؤمن بأن الحقيقة التي مفادها أن الأدب ينشأ ويعكس الظروف المادية والتاريخية، والحقيقة تساعد الماركسيين في منحيين، أولاً: قد يحاول العمل الأدبي دعم أيديولوجيات داخل نفس القارئ.، وثانياً: إن العمل الأدبي قد يدعو القارئ لانتقاد الأيديولوجيات التي يطرحها .

وبناءً عليه فإن بناء الثقافة الأدبية وما تنتج من تيارات أو اتجاهات نقدية، وما يتبلور عنها من نظريات من خلال تطبيقها على النصوص الأدبية المتأثر بهيمنة الإيديولوجيا السائدة، وهذا مما لا شك فيه أن النقد كان قوياً بما يكفي لينتج أشكالاً واتجاهات لا تتوقف عند تيار أو اتجاه معين، فالنقد النفسي قد تمكن من تثبيت موقعه في الخارطة النقدية، إذ اهتم بالكشف عن المعاني الإيديولوجية الكامنة في الأعمال الأدبية انطلاقاً من فرضيات مختلفة ونموذجه الأبرز فرويد الذي لم ينشغل بالنص الأدبي بقدر انشغاله بالحالة السريرية التي تحتاج إلى تدعيم، وقد وجد ذلك سانحاً في النصوص الأدبية، إذ عدها أداة تحليلية قادرة على تحقيق نتائج علمية رغبة في تجاوز ما فوق السطوح إلى ما تحتها، الأمر الذي انتج اتجاهين لهذا التيار هما: النقد النفسي للمؤلف، والنقد النفسي للنص، وهكذا انسحب التيار النفسي لحقل الدراسات الأدبية ليصبح منهجاً نقدياً يعنى بالكشف عن طبيعة النصوص الأدبية وما يحيط بمنتجها من ظروف أثرت فيه وأسهمت في إنتاج أدبه.

الحال نفسه ينطبق على النظرية النقدية الماركسية، التي وجدت تطبيقاتها في الأدب؛ لأن الأديب لا يمكن له أن يكتب إبداعه بعيداً عن واقعه، فيحاول أن يصور الواقع السياسي، والاقتصادي في نتاجه الأدبي المبني على إيديولوجيات قائمة على نقد الإيديولوجيات السائدة، ولهذا يؤكد ماركس على أن النقد الماركسي ليس مجرد (سوسيولوجية أدب)، وإنما غايته هي تحليل العمل الأدبي على نحو أكثر كمالاً للكشف عن التغيير في البنية التحتية وما نتج عنه من تغيير في البنى الفوقية.

ولذلك نجد أن بعض الماركسيين يفضلون المدرسة الواقعية على غيرها من المدراس الأدبية ؛ لأنها ببساطة تعرض العالم الواقعي من حولنا بصورة دقيقة، أي أنها تعرض الظلم الاقتصادي والاجتماعي وتضارب الأيديولوجيات المتصارعة، وبالتالي تمنح القارئ الفرصة لرؤية الحقائق البغيضة عن الواقع المادي التاريخي، ولاسيما بعد أن اتسمت مرحلة ما بعد الماركسية بإعادة صياغة كثير من أطروحات الفكر الماركسي على يد عدد من النقاد والمفكرين من أمثال ألتوسير، وهذه المابعد الماركسية بلا شك أنها تقابل ما بعديات أخرى، مثل (ما بعد البنيوية)، و(ما بعد الحداثة)، و(ما بعد المجتمع الصناعي)، وغيرها.

فإن نجاح الفكر البنيوي في فرنسا أدى إلى ظهور فرع من الماركسية يسمى (الماركسية البنيوية)، يمثلها منظرها الرائد، لوي ألتوسير(1918- 1990م)، ولهذا أصبحت الماركسية بشكل عام (علم المجتمع) الذي يمكننا من الكشف عن ألاعيب الإيديولوجيا المهيمنة على الحياة الواقعية وما يمكن أن ينتج عن هيمنتها من تأثير على النتاج الأدبي لتنتقل من طور إلى أخر، ولهذا لا يمكن تجاوز الماركسية أو نفيها نفياً مطلقاً، وإنما نفيها نفياً ديالكتيكياً، يحتفظ بأفضل ما فيها وينتقل بها إلى طور جديد من أطوار الفكر الإنساني. وهكذا أمسى النص الأدبي مجال عمل الماركسية، لتصبح نظرية في مجال النقد الأدبي الغربي .

 

الباحث ماهر حميد

جامعة البصرة – كلية الآداب

.........................

قائمة الماصادر والمراجع:

1- النظرية النقدية، ستيوارت سيم، بورين فان لوون، ت: جمال الجزيري:14- 15.

2-الماركسية والنقد الأدبي – الادب والتاريخ، تيري إيغيلتون، ت:عبد النبي اصطيف، الآداب الأجنبية، ع48، س13، 1986م: 90 وما بعدها.

3- دليل الناقد الأدبي، ميجان الرويلي، وسعد البازعي:323- 329.

4- استقبال الآخر – الغرب في النقد العربي الحديث، سعد البازعي: 71-72.

5- النظريات النقدية المعاصرة- الدليل الميسر للقارئ، لويس تايسون، ت: أنس عبد الرزاق: 70.

6- تجاوز الماركسية إلى النظرية النقدية، هشام عمر: 70.

7- النقد والإيديولوجية، تيري إيغيلتون، ت: فخري صالح: 36- 38.

 

سوف عبيديظلّ الأدب العربي غير مكتمل ولا يمثل المجتمعات في مختلف أطوارها ونواحي حياتها طالما لم يدرج نصوصها الأخرى أي النصوص الغائبة والمعبّرة بصدق عن وجدان المجتمع وشجونه تلك التي تنتشر عبر التواصل الشفوي من أغان وأمثال وألغاز ونوادر وخرافات  وأخبار وأشعار وغيرها ولئن لم تصل إلينا أغلب تلك النصوص من العصور الماصية إلا بعض شذرات نادرة مبثوثة في صفحات بعض مصادر الأدب القديم وقد كان اِبن خلدون رائدا عندما سجّل في فصول مقدمته الكثير من الشعر الشعبي الدارج في عصره وهو بذلك يُعتبر اِستثناء وهاهو الشاعر مبروك العشّي ينبري لجمع ما تيسّر له من قصائده وينشرها معزّزا بهذا حركة نشر الأدب الشعبي وهو المصطلح الحامل للقيم  الإنسانية الحقيقية بما فيه من تعبير عن معاناة النّاس وآلامهم وأحلامهم بمصداقية وعفويّة قد لا نجد وهجها في أغلب النصوص الواردة في الأدب الفصيح الرّسمي والذي تكتبه وتقرأه النخبة المسيطرة ومن والاها عبر التاريخ لذلك نعتبر الأدب الشعبي اِستثناء مقصودا عبر التاريخ وما قصيدة ـ ملحمة بنقردان  ـ إلا مثال على تسجيل إحدى بطولات الشعب التونسي في ذوده عن سيادته الوطنية وكم كان الشعر  الشعبي شاهدا على الوقائع والأحداث التي قد لا نجد لها أثرا يُذكر في نصوص الأدب الفصيح الذي ينهل منه الشاعر مبروك عشّي أيضا وهذا يؤكد التواصل بين الأدب الفصيح والأدب الشعبي وإنّ قصيدته التي قالها في القلم خير مثال حيث يقول

شْكيتْ للقلم من وقت بكى

 عيني

لِـــيَّا إعْـــتِذَرْ

وقَالِي خَـلِـيـــــنِي

شكيت بهمّي

والحبر داكن

صبغته من دمّي

بحيث أنّ الشّعر الشعبي والشعر الفصيح يتقاربان إلى حدّ التماهي بينهما فمبروك العشّي عندما يتحدّث عن الاغتراب في إحدى قصائده قائلا :

سَـــــافِرْ وِبدِّلْ مَنْزِلِكْ

وتِحوِّلْ

خُشْ البِـــــرُورْ إجَوِّلْ

هَوِّنْ عَليكْ الصَّاعبَـــــــه

مَا تِهوِّلْ

 

لكأنّه يستحضر بيت الشافعي الذي قاله في نفس السياق :

سافر تجد عوضا عمن تفارقـــه * وانصب فإن لذيذ العيش في النصب

وإنّ الدّارسين للشعر الشعبي مثل الأديبين الشاعرين محمد المرزوقي ومحي الدّين حريّف قد أكّدوا على التشابه والتماثل بين الأغراض والمعاني والصور في الشعر الفصيح والشعبي ولا عجب في ذلك فكلاهما صادر عن بيئة واحدة وظروف متقاربة وقيم أخلاقية وجمالية هي نفسها وجذور لغوية تعود إلى العربية بتنوّع مستوياتها المستعملة حسب الحال والمجال

وفي الدّيوان نقرأ الكثير من حميميّات الوجدان المُفعم بالوفاء إلى قيم البداوة الأصيلة تلك التي يريد أن يَنشَأ عليه اِبنُه عندما يوصيه أن يكون خير خلف لخير سلف

أنْــتَ بَـــذْرَة جِيــنَاتْ جِــــــدُودِكْ

مُـــوتْ وَاقِفْ وِيّـَــاكْ تِــطِـيـــحْ

لكأنّه يتمثّل بيت عنترة ـ لا تسقني ماء الحياة بذلّة ـ أو بيت المتنبي ـ عش عزيزا أو مُت وأنت كريم ـ وكذلك بيت الشّابي ـ سأعيش رغم الدّاء والأعداء ـ

وقد سجّل الدّيوان ظاهرة ثقافية جديدة ألا وهي ظاهرة ـ الإرساليات الفايسبوكية شعرًا ـ فقد وردت عدّةُ أيباتٍ ومقاطعُ شعرية تُمثّل مطارحات ومساجلات بين الشاعر وبعض أصدقائه من الشعراء في شتى الاغراض غير ان طايع الحكمة يبدو هو الغالب على تلك الإخوانيّات وهي تمثّل نوعا طريفا من الشّعر يمكن أن يكون بمثابة المراسلات او اليوميّات الخاصّة فأغلبها قد حرص فيها الشاعر على نشر تاريخ إرسالها وتاريخ وُرودها

وبقدر ما كانت قصائد الشاعر مبروك العشّي معبّرة عن شجونه الذاتية في تفاعلها مع محيطه الخاص والعام ومنه الميدان التربوي فإنها تعبّر كذلك عن بعض الظواهر الاجتماعية المؤلمة مثل ظاهرة المخاطرة بركوب زوارق الغرق للهجرة السرية نحو أوروبا فيصوّر معاناة أولئك الشبان وهم يغامرون بحياتهم هروبا من واقعهم الأليم يحدوهم الأمل في رغد العيش بالرغم من المخاطر الجسيمة التي تعترضهم وهم يبحرون على متن تلك الزوارق.

ثمّة خيط دقيق متواصل بين جميع قصائد هذا الديوان ألا وهو الولاء لتونس والتشبع من بيئتها وقيمها الأصيلة وتاريخها وأمجادها والتعبير عن أحلام أناسها الكرام وآلامهم من محبة وعزّة وشهامةووفاء وتضحية وعطاء أوليس الشعر هو لسان حال الفرد في صيغة الجمع وهو ترجمان الوجدان والوشائج في كل مكان وزمان وما اللغة إلا حاملةٌ للمعاني والدلالات والصور فما أحوج الأدبَ العربي الفصيح الحديث وأجدره أن يجعل من الأدب الشعبيَّ رافدا له أساسيا كي يُطور من مواضيعه وأساليبه وأشكاله وكيف يسمح الأدباء لأنفسهم أن يَستلهموا من الآداب الأجنبية إلى حدّ النقل والاِستنساخ أحيانا ولا يُعيروا اِهتماما يُذكر لأدب مُحيطهم الذي يعيشون فيه فتلك لَعَمري من مُربكات الثقافة العربية المعاصرة التي تُعاني من الاِنفصام والضّمور وما على الشعراء الشعبيين إلا أن يطلعوا هُم أيضا على النصوص الأدبية والشعرية الفصيحة وفي الآداب الأخرى ليُطوّروا من قصائدهم كي لا تَظل تقليدا جافا للمواضيع وللمعاني وللصور وللأوزان وحتى لقاموس الشعراء السّابقين وعندما يتفاعل شعراءُ الفصحى مع الأدب الشعبي ويتفاعل الشعراء الشعبيون مع النصوص الفصيحة ستنشأ نُقلة نوعية في مسار الثقافة العربية الحديثة.

وبعد

هذه مصافحة أولى وتحية ترحيب بديوان صديقي الشاعر مبروك عشّي الذي شرفني بإهداء قصيدتين فإليه أثيل الشكر وخالص المودة وأرجو أن يكون هذا الديوان إضافة في مكتبة الأدب الشعبي التونسي خاصة والأدب العربي عامة ويكفي القلادة ما أحاط منها بالعنق

 

 سُوف عبيد

رادس في17 جوان 2019

 

خلود البدريعن مؤسسة ثائر العصامي للنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية هان شر زمان للقاص اسماعيل ابراهيم عبد (1)، وتم تبويب المجموعة إلى خمسة أقسام وست وخمسين قصة قصيرة جداً، بواقع220صفحة . وقد تصدرها تقديم الدكتور الفيلسوف رسول محمد رسول بمقال عنوانه " اللفظ .. الصورة .. السرد ".

وتضمنت المجموعة في قسمها الأخير ملحقاً نقدياً بعنوان "هان شر زمان الصورة والزمان، فوتو ـ قص أم فوتو نص" بقلم حسين محمد شريف.

بينما في المحور الثاني فوتو ـ قص (الاشارة ـ المعنى) قد جاءت الشروط الآتية: "مما يفيد هذا التركيب القصصي أن يختر أقرب الموضوعات لأبسط وأهم أدوات الطبيعة أو البيئة قدرة على انجاز الحدث السردي حتى لو استغنى عن الراوي . ولتخليق الـ "فوتو ـ قص" ضرورات حقيقية تتمثل في نظريات التخطيط العالمي للاهتمام بالهوامش من الموجودات، والهوامش من العناصر، والاستثنائي من أفكار الوجود المادي والنفعي، وتلك جميعها تقتضي أن يتطور الأدب، والقصة ضمنه، على نحو يتضامن مع افكار إنصاف المهمشات.." ـ هان شر زمان، ص11.

قسّم القاص المجموعة إلى عدة محاور. في كل محور كَتَبَ ما يشبه التعريف ابتدأها بـ "حيوات ضالة"، ضمت القصص التالية: هُمْ، فوز، العشار، سبابتي، خطأ ما، تكسر، سآتيك به، خمرة أو البلد .

وفوتو ـ قص المحور الثاني (الاشارة ـ المعنى) نصوص كان العنوان: [حياة غضة وفظّة، كل ما فيها يترتب على تكافل الآكل بالمأكول، فعناصر الوجود لا تمتثل لغير وظيفتها، ووظيفتها تمتثل للحاجة، وما ينتج عنها من عدم] ـ هان شر زمان، ص33 . ضمنها القصص الآتية:

(واجهة تسلل، يباس، جذاذات، خشية، علّيق، بلل، ثوب، أبو جُعل، الأوامر، الشيء، احتضان، عناق، عمى، تودد، دأب، شراكة، تجمهر، حرب.. اما المحور الثالث فكان بعنوان ["حيوات دافئة". انها حيوات لا تهتم بالموت ولا تفهم قيمة الاستمرار ولا يهمها الخلود، لكنها تعاند وتصر على ان الوجود فرصة "واحدة مفرطة الجلال والمتعة والاداء الجمالي، يكفيها دفء محيطها"] ـ هان شر زمان، ص71 . ضمت القصص الآتية:

ثيل حائل، نوم لذيذ، اشارة، الصعود الكبير، رآها، قبته، حافته، أثر، ظلمة قصية، لهو، سيحلم سادسة، سليل النوارس، سعادة كبرى..

اما المحور الرابع فهو بعنوان: "حيوات مفرطة مُذِلّة "، و.. أيضاً ـ قدم لها توطئة، أعقبها بالقصص الآتية: يوم ليس أخير، الدخول، اعجاب، بصيرة الراحلين، حطبهما، خليط سابق، نظافة.

وتضمنت المجموعة أيضاً، "حيوات مظللة "، وفيها من القصص: طفو، ألوان الأسماك، وإذ يقسو النور، رائحتها، وسادة، الحفيدة، أمانة .

والجزء الاخير من القصص اعطاها عنوان عام هو "حيوات كأنها عالقة "، وفيها تتسلسل القصص على النحو الآتي: ساقية، رشفة واحدة، غبار، "وروز، بهار، نهار" خيّرتني، هان شر زمان، القصة التي أخذت المجموعة عنوانها.

لو دققنا بالعنوان فسنتوقف، ويدور بخلدنا السؤال: ما الذي أراد أن يوصله القاص في اختيار هذا العنوان " هان شر زمان "؟.

لنقف ـ أولاً ـ عنده بلحظة السؤال: لماذا (شر زمان) وليس (شر الزمان)، والجملة هنا يجب ان تكون فيها كلمة الزمان مُعَرّفَةً، لكن القاص نكّر هذا الزمان وكأنه يستهين به ولسان حاله يقول: ليس من الحكمة ان يُعرّف زمن الهوان فهذا الزمان نكرة لا يستحق (الـ) التعريف.

وهان الشخص بمعنى: ذل وحقر، ضعف، عكس عزّ .. " ويقال (من يهن يسهل الهوان عليه) ... ولعل القاص قصد من اسم مجموعته: هان شر الزمان، بمعنى: أن الشر تعدى العراق وسيكون البلد بخير . وكلمة هان هنا بمعنى: ضعف. كما ان عنوان المجموعة هو ذاته عنوان القصة الأخيرة من مجموعة (هان شر زمان).. ليؤكد القيمة الاشمل بالانحياز للمستقبل المضيء!.

لقد اتسمت أغلب قصص المجموعة بنقل صورة حيوات الحيوانات والطيور وكأن القاص يحمل كاميرا يلتقط كل ما يشاهده من صور الطبيعة، وما يَدبّ عليها، وظلت البيئة الريفية هي المسيطرة على المشهد القصصي، بما فيها من حيوان وطير ونبات ونهر وساقية . وفي قصة " أبو جُعل " يكتب القاص:

[انه (يقصد: أبو جُعل) من أوائل الباحثين عن وسائل لتحسين النسل وتجميل الصورة .. كأنه أحس بأن جسمه متسخ ووجهه دميم .. كأنه يخجل من شكله المفزع فكان ينهي أعماله ليلاً وينام أو يتظاهر بالنوم نهاراً . صدّق أنه (سيجعل) نسله من الأصلاب والأنساب الطاهرة الجميلة .. كأنه كان نادماً على زواجه الأول . صدّق أن الحل في اقترانه بواحدة جميلة، فائقة الجمال] ـ هان شر زمان، ص50.

ان قصص المجموعة سلطت الضوء على الطبيعة بما فيها من طيور وحشرات وحيوانات، كقصة: " دأب، الجرذ الذي لا يشبع، تودد، قصة طائر، قصة (عمى) عن الحية التي أكلت الصغيرين، وقصة عناق، نحلة، شراكة التي محورها السنونو الذي ابتنى عشه في حضيرة الابقار " فالمكان بيت جدران الطين وسقف القش لبيت المواشي الثلاث، الأُم، الثور، العجل الوحيد الرضيع المدلل " ـ هان شر زمان، ص65.

ونلاحظ من تتبعنا لقصص المجموعة ان القاص يمتلك حِس المراقبة للتفاصيل كلها حتى صغيرة التي لا تلفت انتباه نظر الناس عادة، كالكائنات الحشرية والمجهرية المتناهية الصغر، فضلاً عن الكائنات الأخرى الكبيرة . انه بمجساته الحساسة الدقيقة استشعر بما تَمُرُ به هذه المخلوقات وما يطرأ عليها في مختلف أطوار حياتها. وفي هذا الشأن نستذكر هنا المقارب القدسي معلمنا الازلي الأول، القرآن الكريم، إذ اننا نجد ذلك واضحاً في "سورة النمل" وقصة النبي سليمان معه، وكيف تحدثت النملة، بسم الله الرحمن الرحيم:

"حتًّى إذا أتوا على وادي النّمل قالت نملةٌ يا أيُّها النّمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنَّكم سُليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسّم ضاحكًا مّن قولها ...".

وبمتابعتنا للأدب القصصي نقرأ الكثير من الكتب التي تتحدث ـ مجازاً ـ بلسان الطيور والحيوانات، بلسان حالها او بلسان الراوي لحكاياتها، وهي كثيره، لكن أبرزها منظومة (منطق الطير لفريد الدين العطار) و(رسالة الطير لابن سينا) وكذلك رواية (مزرعة الحيوان لجورج اورويل).

ان القارئ عند مطالعته للمجموعة القصصية، سيجد خارطة طريق ترشده إلى كل قصة من قصصها وإلى إي محور تنتمي، وذلك طبيعي لقاص عنده تجربة جيدة في القص والنقد.

 

خلود البدري

 

 

محمد كريم الساعديالشعر في أبهى صوره هو موقف من الحياة، ومن البيئة، ومن المجتمع، وهو موقف من السياسة ودروبها المتعرجة وتقلباتها، وهو موقف من الدين والاخلاق والنفس ورغباتها وجبروتها، أو خضوعها . فالشاعر في قصائده مواقف، ولكل موقف منها انطلاقة أبداعية تمليه عليه طبيعة الظروف، أو بعض ما اكتنزه من تجارب جعلته يدوّن حروفه على مقتضاها، أو على ما حمله وجدانه من معطيات نابعة من تأثراته في مشهد ما، وللخيال نصيب في ذلك أيضاً،أو تكون رؤى الشاعر منبعها تعليمي لها تأثيرات في مواقفه وصوره الشعرية وفي قصائده المدوّنة على جدران العمر بمحطاته المختلفة .
في هذه القراءة الشعرية للشاعر (ماجد الحسن) التي قد تجتمع في قصائده الكثير مما ذكرناه من عوامل في دواوينه الشعرية (خيول مشاكسة، أول الرأس الفجيعة،أين سيهبط هذا الدخان؟، كيف أصدّق غيابكما؟)، وغيرها من الدواوين الاخرى، ولكن هنا في هذه القراءة سنركز فقط على التأثيرات الفكرية والفلسفية في قصائده وما هي صورة الإنسان لديه التي عكستها في هذه الرؤى الشعرية دراسته الفلسفية، كون الشاعر درس الفلسفة في جامعة بغداد، مما اعطته هذه الدراسة الفلسفية مساحة فكرية واسعة من حيث التواصل الفكري الفلسفي مع القصيدة من جهة، وكيفية انعكاس هذه القراءات الفلسفية في مواقفه من الحياة التي تأخذ في بعض جوانبها هذه النظرة المتأملة من جهة أخرى.
إذ يرى (الفيلسوف الألماني هيغل ) في هذا الجهد الفكري الفلسفي التأملي جهداً مهماً في دعم المنجز الابداعي، بعد الخيال الذي يعده الجهد الأول في العمل الابداعي، فهو يقول عن الفكر الفلسفي الآتي:" أن الفكر الفلسفي الهادئ قادر من جهة ثانية، على أن يبعث الحياة والحركة في أفكاره المنهجية، عن طريق تلوينها بالعواطف والمشاعر، وبتعبيره عنها في صورة عينية، محسوسة وفي متناول الأدراك الحسي "(1) الذي يعبر عن الموضوعات والمواقف منها حسب مقتضيات الجانب الوجداني لدى الشاعر .
من هذه الفكرة التأملية في شعر (ماجد الحسن) رأيت أن أناقش اشعاره على وفق المنطلق الفلسفي التأملي لصورة الإنسان لديه، وطبيعة الإشارات في الصور الـتأملية في موقفه الفلسفي، وهنا لا أقول أن اشعار (ماجد الحسن) هي ترجع الى فلسفة بعينها بصورة متطابقة، لكن فيها بعض ما يتوافق مع بعض الرؤى التأملية التي سنطرحها في هذه القراءة، لذا سأختار قصائد من الشاعر، وأحاول أن أقرأها على وفق مختارات فلسفية في قراءة نبحث فيها عن صورة الإنسان في شعر (ماجد الحسن) .
يرى (فريدريش نتشه) في تأملاته للإنسان وصوره في الجميل والقبيح الذي يرى في نفسه هو العلة لهذه الصور وليس ما دونه علة أخرى يقاس من خلالها، إذ يقول: " يعتقد الإنسان أن العالم نفسه يفيض جمالاً، وينسى نفسه كعلة لذلك الجمال، فهو وحده الذي منح العالم جمالاً، جمالاً إنسانياً فحسب، جمالاً إنسانياً مفرط في الإنسانية ... وفي الحقيقة يعكس الإنسان نفسه في الأشياء، ويجد جميلاً كل ما يعيد اليه صورته الخاصة "(2) . وهذه طبيعة النسيان التي يتمثل بها الإنسان لنفسه في اشعار(ماجد الحسن) يتوافق مع الصيغ الإنسانية على وفق المعطى الفلسفي للجمال والقبح في رسم ملامحه الذي يبحث عن علته في الأشياء من حوله، على الرغم من صور الأشياء ذات المنظر المتناسق في اعطاء تصورات عن مفهوم الانسان لدى الشاعر وصوره المفجوعة في قصائده، وهي الأكثر حضوراً، مثل: (الارصفة الخادعة، البحر المزهو بالرحيل، حكايات العزاء، ملكوت الضياع، والمقابر المبتكرة، أجساد ذابلة) وغيرها، وهذه الصور التي تمثل القبح وتعكسه في المدن الشاحبة التي تسكنها (قامات يلعق الضيم ظلالها) . وهنا يأتي السؤال، هل أن صورة الإنسان الخاصة في عالم (ماجد الحسن) قاتمة ؟ وهل هي نفسها صورة الإنسان الذي نسى نفسه كعلة للجمال، وأصبح يظهر في ثلاثة صور هي: (صورة حزينة، وأخرى مفجعة، وثالثة فيها فلسفة متعالية قد يصعب فك رموزها )؟، لكن الشاعر يحاول أن لا ينسى التخفيف من حدة القلق في صورة الإنسان لديه وإعطاء صورة رابعة يرسم ملامح صورة (الإنسان الممكن) على الرغم من أنها تتمثل في أحلامه المباحة في ثنايا قصائده .
هذه المستويات المتباينة في مفهوم الإنسان لديه تبقى هي من تميز طابعه الوجداني الشعري الذي يدرك النهارات على الرغم من سياقات النص التي تحمل انساق عالية في المحاكاة للصور الذهنية التي رسم لها الشاعر خرائط مفاهيمية في ذهنيته،على الرغم من غموض بعض مفاهيمها، لكنها تبقى ممكنة للفهم للمتذوق الواع بقصائد (ماجد الحسن).
ومن هذه السياقات الفكرية التي يقدمها للإنسان في أشعاره، هي ما حفلت بـ(الممكن، والمدرك، والتكرار)، كما في ديوانه الشعري (أين سيهبط بنا هذا الدخان) إذ يقول:
" في كل مرةٍ...
أجدني أمام الممكنِ
وفي كل مرةٍ...
أدرك هذا النهار
وأنا اتعثر بالنجومِ
وفي كل مرةٍ
تجرني هذه الأرض الى الفاجعة"(3)
وفي صورة ثانية للإنسان لديه، يرى الشاعر فيه ذلك الكائن الذي يستدعي ما يهدمه وما يحيله الى أزمات التراجعات، على رؤوس جماهيره المحتشدة في رأسه ليعلن عن موته بطريقة الإعلان عن موت الإنسان، وهذا السؤال الذي يكمن في داخل فكر الشاعر ويتكرر عن طرائق الموت ؟ ووجوديته في ظل كل هذه العذابات، فهل يصبح الشعر هو وسيلة للبحث في المساحات الفكرية في ذهنية الشاعر الممتلئة بصور الدماء التي تتكرر في قصائده؟، باحثاً عن إنسانه المفقود في وجوه أصحابه، ونسائه، والحشود الأخرى، وفي أثار الطرقات الحزينة التي فقد فيها ما يحيه فأعلن موته:
" أستدعي المعاول .....
وأعد باقةً من كنوز التراجعات
فاستيقظ من نعاس طلقته،
فحشّدَ لها....
النساءَ
الأصدقاءَ
المدن
الشعرٍ
فجأة تذكّر... فأعلن موته"(4)
وفي صورة ثالثة يتضح فيها تأملات (ماجد الحسن) الفكرية وطبيعتها الفلسفية في صور البناءات الناتجة عن موقفه في تصور وأدراك الاشياء في مجالاتها الحسية والعقلية،وفي النفس البشرية القابعة في هذه التصورات .لذا فإن الإنسان لديه يبحث عن الحياة في زحمة الأشياء المزدحمة بالسواد وهذه المرة من خلال التأمل في النفس ومدى تحملها، والقوة الكامنة فيه ومدى محاولاتها الضيقة لأنتاج ما هو فاعل للأخرين ولكن تبقى اللاجدوى هي الحاكمة،وتبقى هذه النفس معذبة قابعة في سجنها الأبدي المتمثل في أسطورة الشقاء لدى (سيزيف)، وانفعالاته الباحثة عن اللاجدوى، فمنذ " اللحظة التي يتم فيها أدراك اللاجدوى، تصبح انفعالا، أشد الانفعالات إزعاجاً . ولكن سواء كان المرء يستطيع أن يعيش مع انفعالاته أم لا، سواء يستطيع أن يتقبل قانونها أم لا، ذلك القانون الذي يحرق القلب الذي تسمو به تلك الانفعالات "(5)، التي تصوره في صورة العذابات المستمرة بسبب أدراك اللاجدوى في الحياة، أو اللاجدوى في الاختبارات التي وضع فيها الإنسان . لذا فإن (ماجد الحسن) يقدم صورة (سيزيف) في أشعاره من أجل أن يستشهد به عن حقيقة العذابات التي يريدها أن تظهر كدالة على ما يتأمله الشاعر في الطبيعة بكافة أشكالها التي تحيط به في هذه الحياة، لكن هذا الاستشهاد يقدمه في صورة العتب على ما هو عليه، وكأنه يعاتب إنسانه الداخلي الذي تقمص دور (سيزيف) في قصائده المتعبة بالحزن:
" يا سيزيف ....
لا تكن فضّاً
افرغ من هذا العبث
الذي تسمّيه اليقين
فالمنحدر مكتظ بالسوادِ
وأنتَ بلهاثك لا تدرك مرارة القلوب"(6)
إنَّ الإنسان في اشعار ماجد الحسن هو فلسفة يتأمل فيها الحزن القابع في نفسه وهو موقف من كل ما حوله على وفق تأملات فلسفية اعتادها في الدرس في مقعد الدراسة سابقاً وفي مقعد الحياة الآن، إذ تعددت هذه الصور للإنسان لديه لكنها تبقى مرتبطة بهدف واحد يربط بين أغلب قصائده في دواوينه الشعرية.

أ. د محمد كريم الساعدي
..................
الهوامش
1- هيغل: فن الشعر، ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت: دار الطليعة، 1981، ص 251.
2- فريدريش نيتشه: غسق الأوثان، أو كيف نتعاطى الفلسفة قرعاً بالمطرقة، ترجمة: علي مصباح، بيروت: منشورات الجمل، 2010، ص119.
3- ماجد الحسن: أين سيهبط بنا هذا الدخان، بابل: المركز الثقافي للطباعة والنشر،2016، ص26.
4- ماجد الحسن: خيول مشاكسة، بغداد: دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع، ب، ت، ص 17 .
5- البير كامو: أسطورة سيزيف، ترجمة: أميس زكي حسن، بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة، ب، ت،ص31.
6- ماجد الحسن:كيف أصدّق غيابكما ؟ ن ميسان: أتحاد الادباء والكتاب في ميسان، 2020 ، ص52 .

 

 

فالح الحجيةاما الموشح الخمري فلا تختلف مواضيعه عن معانيها في القصيدة الشعرية في الخمر واشهر شعراء الموشحات الخمرية ابن بقي القرطبي الاندلسي فيقول:

أدر لـــنــا أكــــــــواب

ينسى به الوجــــــــد

واستصحب الجلاس

كما اقتضى العهـــــد

دن بالهــــوى شرعاً

ما عشـــت ياصــــاح

ونـــــزّه الســــمـــعـــا

عن منطـــــق اللاحي

والحـــــكم أن يدعى

إليـــك بـــــالــــراح

أنامــــل العــــنـــــاب

ونقلك الــــــــــــورد

حفــا بصــدغي آس

يلويهــــمــا الخـــــــد

اما موشحات وصف الطبيعة الاندلسية الرائعة الخلابة فمن افضلها موشح الوزير الشاعر ابي جعفر احمد بن سعيد وفيها وصف الروض ووصف النهر الذي خلع عليه الوزير الوشاح الألوان البهيجة حين سلّط شمس الأصيل على ماء النهر المفضض وجعل منه سيفاً مصقولاً يضحك من الزهر في الأكمام، ويبكي الغمام، وينطق ورق الحمام، ويصف أيضاً جمال الحور وفتنة الروض فتوحي بالشراب فيمد الشاعر أو الوشاح الأندلسي بالغزل فيقول فيها :

ذهبت شمس الأصيل

فضة النهر

أي نهر كالمدامة

صيّر الظل فدامه

نسجته الريح لامه

وثنت للغصن لامه

فهو كالعضب الصقيل

حف بالشـفـــر

مضحكاً ثغر الكمام

مبكــياً جفن الغمام

منطقاً وِرق الحمام

داعــــياً إلى المدام

فلــــهذا بالـــقـــبــــول

خط كالسطـــر

وعد الحب فـــأخــــلــــف

واشتهى المطل وســــوّف

ورســـــــولي قد تعـــــرّف

منـــــــه بما أدري فحرف

بالله قل يارسولي

لش يغب بــــدري

*

كما ان هناك موشحات ظهرت في المديح والفخر والهجاء والرثاء والتصوف والحكمة وكثير من الاغراض اتجاوز عن ذكرها خشية الاطالة .

فالموشح والزجل قد ظهرا في وقت واحد ونرجح أن لهما أصلاً مشتركاً في البيئة الأندلسية منذ عهودها الاولية فالزَّجل هو الموشَّح المنظوم باللغة العاميَّة والزجل فن من فنون الشعر العربي ظهر في الاندلس فهو وليد البيئة الأندلسية ثم تسرب او خرج إلى البيئات العربية الأخرى وانتشر فيها ويعتبر الشاعر أبو بكر بن قزمان الذي عاش في عصر المرابطين بالأندلس هو أول من أبدع في فن الزجل الا انه لم يكن أول من قال فيه، بل قيلت الأزجال قبله بالأندلس فهناك عدد من شعراء الأندلس من تقدموا أبا بكر ابن قزمان في القول فيه ولكن هؤلاء الشعراء لم يبلغوا ما بلغه ابن قزمان فيه .

فالزجل نشأ أصلا في بيئة أندلسية ثم انطلق منها إلى بيئات عربية أخرى لذا فقيمته الحقيقية تكمن في ما استمده من واقع الحياة الشعبية العامة متمثلا في الجديد من معانيهم وحكمهم وأمثالهم، ومبتكراتهم وتشبيهاتهم وغيرها من أنواع مجاز الكلام وفيما شاع من مألوف ألفاظهم وصيغهم العامية،فهو يمثل تصوير لحياتهم العامة بافراحها واتراحها وبجدّها وهزلها وهمومها وعلى العموم فهو يعد فن من فنون الادب الشعبي .

والاصل في الزجل انه درجة معينة من درجات شدة الصوت وهي الدرجة الجهرية ذات الجلبة والاصداء مثل صوت الرعد في السحاب او صوت الاحجار والحديد وكل جماد ذي صوت ثم تغيرت فاصبحت تعني اللعب والجلبة والصياح ثم توسع ليشمل اصوات المغنين والمطربين .ومعنى الصوت العالي المُنَغَّم وكلمة زجَّالة ما زالت تُطلق في كثير من المناطق العربية على جماعة الشباب الذين يجتمعون في مكان بعيد ليؤدُّوا الرقص والغناء الصاخب بمصاحبة آلاتهم الموسيقية . واصبحت كلمة زجل في الدوائر الأدبية والغنائية مُصطلحًا يدل على شكل من أشكال النظم العربي .

وينقسم الزجل الى قسمين الاول زجل العامة وهم عامة الناس ويمثل الاغنية الشعبية المحلية وتنبع تلقائيا لديهم من وحدة حدث معـين او حالة يتغنى بها المرء وفتشيع ويرددها الاخرون افرادا او جماعات او قد تحدث خلال تجرية شخصية او من خلال حدث عام فهو بمثابة الاغنية الشعبية الرائعة والاكثر شيوعا وغنائية .

اما الزجل الاخر فهو زجل الشعراء المعربين فيبدو أنه جاء بعد نشأة زجل العامة، ولعل الشعراء الذين حاولوا اداء هذا النوع من الزجل قبل عصر ابن قزمان كانوا مدفوعين إليه بالرغبة في أن تنتشر أزجالهم المصطنعة بين الطبقات المثقفة كنوع من الطرافة أو بالرغبة في أن يعرف لدى العامة معرفتهم لدى الخاصة، وذلك بوضع أزجال لهم يتغنون بها ولكن هؤلاء الشعراء المعربين ممن اصطنعوا الزجل اصطناعا لم يستطيعوا في مراحله الأولى أن يتخلصوا فيه من الإعراب، وهذا ما عابه عليهم ابن قزمان حين قال، أنهم يأتون بالإعراب، وهو أقبح ما يكون في الزجل وقد شهد ابن قزمان للشيخ اخطل بن نماره واعتبره شيخ الزجالين بسبب سهولة زجله وسلاسة طبعه وإشراق معانيه، وومقدرته على التصرف بأقسام الزجل وقوافيه افضل من غيره .

والزجل في تطوره يمثل الأغنية الشعبية التي تأثرت إلى حدّ ما ببعض أشكال الموشحات وقد شهد الزجل في القرن السادس أي نهاية المرابطين في الأندلس طفرة نوعية وانتشارا واسعا حيث كان بعض ملوك المرابطين لا يتقنون اللغة العربية وانعكست هذه الحالة على شعراء القصائد والموشحات حيث لم يلقوا تشجيعا من هؤلاء الملوك والامراء فاشتهر الزجل في هذا القرن الا انه لايغيب عن بالنا ان الضعف والوهن اخذ ينخر في هذا المجتمع العربي وبدات تتساقط مدن الاندلس بعد هذا القرن بيد الاسبان واحدة بعد اخرى .

اما موضوات الزجل فهي نفسها اغراض اوفنون الموشحات الاندلسية مثل الغزل والمدح والخمرة ووصف الطبيعة، والمجون والتصوف وغير ذلك من فنون الشعر التقليدية المعروفة

وبنية الزجل ياتي بأربعة مصاريع، يلتزم الرَّابع منها رويًّا واحدًا في القصيدة، وأمَّا الثَّلاثة فتكون على قافية واحدة،

وتسمَّى (القراديات) ومن الزجل هذه المقطوعة :

فلا بثقهم ينسد ولا نهرهم يجري

خلـــو ا منا زلهم وساروا مع الفجر

يتبـــــــــع

 

امير البيــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى بلـــــد ر وز

 

 

وليد جاسم الزبيديقراءة في رواية رقصة الجديلة والنهر للكاتبة وفاء عبد الرزاق

المقدمة/ كيف ينتقلُ الجسدُ، ويترك الروحَ في ثنيات أرضٍ يسعى اليها اليباب، جسدٌ (وعاء) تحتفلُ بهِ الأماكن الوردية الصاخبة بالأمل والسعادة، يظلُ متّصلاً بروحٍ تظلّ ترقصُ في جغرافية الجنون. لا يبهرك حديثي، حينما أقولُ، لستُ أتحدّثُ لك، عن الرواية بل عن الروائية (وفاء عبد الرزاق)، التي وظّفتْ روحها وفكرها وقلمها ونتاجها للعراق منذ أوّل حرفٍ زخرفتهُ في ديار الغربة، وها هي تطالعنا في روايتها (رقصة الجديلة والنهر) لتؤكّدَ لنا عمق هذا الاتصال المتجذر، لن ولم تستطعِ الغربةُ اجتثاثَهُ أو زرعَ الوهنَ فيه. اليوم نطالعُ روايةً ، وكما هو أسلوبها تبحرُ مع الفانتازيا في رسم صورٍ وتُنتجُ لنا شريطاً مرئياً في الروح والذاكرة، تؤرّخُ أحداثاً قد يتناساها مؤرخٌ دفعتْ له قوىً ظلاميةٌ ليتجاهل هذه الفترة، أو أنْ يكتُبَ قلمُ السلطةِ تأريخاً مشوّهاً لشعبٍ وأمةٍ غُدِرتْ وقتَ ضحى وأمام الأشهاد، وعلى مرأى من العالم ومؤسساته (الأممية) و(الإنسانية) و(القمعية).

إنها الواقعة التي تؤسطرُها الكاتبةُ، في يومٍ تكوّرتْ فيه الوجوه والقلوب والعيون القمرية، والأرواح الشمسية فصار بعضُها حُفراً في غياهب الأرض، أو في مجرّاتٍ لا تتصالح مع النوم، أو في دنيا أخرى تحلُمُ أن يكونَ لها مكاناً بين النجوم لتظلّ ساطعةً يُشارُ لها وتظلّ معتقداً وموطناً للعشّاق، مثلما علّمتنا جدّاتنا أنّ نجمتين ساطعتين في كبد السماء هما (قيس وليلى).

أولاً: الجديلة/ هكذا عنونتها للإشارة الى الملحمة الأولى، وما جرى في الموصل، فالجديلةُ جذورها ومنبتها ومنبعها وفارستها هناك.

- الجغرافيا واللون/ المكان قاسٍ، فيه وعورة وقساوة، يتلبسهُ مناخٌ أكثر حدّةً من أزيز رصاص، لأنهُ ينخبُ العظم، بصقيعه وثلجه، كمشرطٍ وسكين، يقلّمُ أظفار السائرين ومنْ يرتقي جبلاً دون نعل. بين الجانب الأيمن(في الموصل) ثم، الجانب الأيسر، وصحارٍ وجبل، و(كوباني) و(سنجار) . بمثل هذه الطبيعة اللّا طبيعية كانت الرّقصة .

أمّا اللون، فهو ديني وقومي.

- الرّقصات/ في كل رقصة، بطلاتُها نساء،( ريحانة، شيرين، روناهي)، يقفن بالصّف الأول، نساءٌ عاشقاتٌ، لكل واحدة قصّتها، لتعيدَ تدوير عشقها من المعشوق الرّجل الى وطن . وراوي الرواية، مُذ فاتحتها وحتى منتهاها عازفُ ناي. تتعدّدُ الرّقصاتُ منها الرّقصةُ الصّريحة، والتعبيرية والايمائية، ففي الصريحة تندرجُ بظلالها رقصات المقاتلات والمقاتلين على نغمات النّاي (حامد)، والتعبيرية، رقصة الطفل والملاك، والايمائية هي حالات (الطيرُ يرقصُ مذبوحاً من الألمِ)، وتعني: حالات الذبح والموت بالرّصاص للنساء والأطفال حيث ترقص الجثث رقصتها الأخيرة في عالم الموت، وما تفعلها الأقدام للناجين والمشردين من رقصةٍ للوصول الى قمة جبل أو للعبور نحو الحدود.

1438  وفاء عبد الرزاق-السّنابل/ لها لون الذّهب، (هي الجديلةُ الشقراء السنبلية لـ-ريحانة-) تنزلُ أحياناً مطراً على الناس وعلى سطوح المباني والدور، وأحياناً أخرى هي ورود الصباح على عتبات كل دار كان فيه ضحية، وعدد السنابل يتناسبُ مع عدد الضحايا والمغدورين. وتتجسّدُ روح (ريحانة) في صورة ملاك، يراهُ البعضُ وهي تشاركهم الحزن والليل والبرد والخوف، ودمها كان شجرةً  مقدسةً مباركةً تمتد أذرعها لإحتضانِ العشّاق، وتكون أظفاراً قاسيةً لقتل (دواعش).

السنابلُ رسالةٌ للمحبة، والأمل، وأن الدنيا ليست رصاصاً، وموت، بل هي حياة لآتٍ من الفرح، وصورة الطفل المهترئ ثوبه والمثقوب في الصدر، ما هو إلا صورة جيل شاهدٍ على ما واجهَ  من أحداث وقتلٍ للطفولة وتدميرها من الداخل والخارج.

- الصرخاتُ:  للصرخاتِ في سنجار وما حولها وفي جغرافية الموصل، لها أكثر من لون وثقافة ولغة، وموسيقى، ومقام، وكانت في الأعم الأغلب هي صرخات نساء، صرخات أنوثة، وعفّة، وحياء، تستصرخُ العالم الأصم.

- صوت النّاي:  النّايّ كان راوياً لكل حدثٍ وحادثةٍ، كان مؤرّخاً، ومستشرفاً للقابل من الأيام، كان حزيناً، حنيناً، باكياً، دموعهُ قصص عشقٍ أزلية.

ثانياً/ النّهـــــر: وهو إشارة الى الملحمة الثانية في الرواية للأحداث التي جرت في (تكريت) والمشهورة (سبايكر).

- الجغرافيا واللون: أرضٌ منبسطة، فضاءٌ رحبٌ، ونهرٌ(نهر دجلة)ـ يمتدٌ شرياناً بين حقول ومزارع، وبيوت مرةً تتعانق، وتارةً تومئ على بُعد باستحياء. والنهرُ هو الرّمز والأيقونة لحادثةٍ بُنيت عليها الرواية، لا تقل أهميةً مما حدثَ في (الجديلة/ الموصل)، ولونُها: الذبحُ على الهُويّة/ طائفي.

- الرّقصات: هنا ومع النهر، الأبطالُ هم الرّجال، بعدما كانت رقصات الجديلة ، للنساء في الأعم الأغلب، فمادام المجتمع كما يزعمُ علماء الاجتماع يُبنى على الشراكة المجتمعية للرجل والمرأة، فلابدّ أن ينال الرجل مثلما نالت المرأة في الجديلة.

رقصة الشهادة، على حافة المنصة لإحدى قصور( صدام)، رقصة ارواح الضحايا المغدورين من الشباب الجنود، على نهر دجلة، وتدور مع هذه الأرواح، ريحانة . والثانية، رقصة الجنون، حيث يضع (حامد) عازف النّاي، يده بيد (ريحانة) ، وكوّنوا حلقة دائرية، مع الأرواح ، يرقصون بلا هوادة.

- ملاحظة –المذبحة-: إذا كان القتل والاغتصاب والرمي بالرصاص مذبحةً للقتل الجماعي والفردي، والاغتصاب بأبشع صوره في (الجديلة/ الموصل)، ففي النهر(تكريت) كانت الجريمةُ جريمتين، الذبحُ والغرق في النهر.

- السنابلُ: لأنها(ريحانة) تحبُ الجميع، ولا تفرّقُ بين عراقي وآخر، فلقد كانت سنابله ذات السنابل، لكنّ اختلفت هنا في العدد حسب عدد الضحايا وطريقة القتل والذبح، والغرق، وأضافت للسنابل، أن وضعت معها منديلاً أبيضَ.

- الصرخات: تنوّعت الصرخات هنا واختلفت عمّا في الجبل، فهنا، كانت صرخةُ النهر، ونَوْحُ الأرض، صرخةُ شباب، صرخةُ أطفال، صرخةُ نساء ثكالى، صرخة أرواح زُهقت غرقاً، وظلّت عائمةً.

- صوت النّاي: بُحّ صوتُهُ، وكانَ ينعقُ كنعيق شؤم البوم.

-الختام: هي ملحمةٌ شعبيةٌ خَلّدتْ تاريخاً مؤلماً وحزيناً، لكنك حين تقرأها ستأخذك الى أن تضعها في عنوانات أو تبويب متنوّع حسب ثقافة المتلقي ورؤيته، فهي تأريخ، وتدرجها ضمن الروايات التاريخية، لأنها شاهد لمرحلة وفترة زمنية عصيبة مرّت بالعراق، بل وأرّخت لطائفةٍ مهمة ولها أثرها وتاريخها وسماتها وهويّتها العراقية ألا وهي (الأيزيدية)، وعن شجاعة المرأة ومواقفها التاريخية والبطولية، كذلك أرّخت لمذهب مهم من الشعب العراقي في قضية (سبايكر) التي لا تُنسى. كما يمكنُ أن تُدرجُ ضمن قصص العشق، فلكل بطلة من بطلاتها وأبطالها قصّة، وضعتها الكاتبةُ برومانسية وبلغةٍ شعرية جميلة. بل ولعلّ القارىء الكريم الذي قرأ الرواية سينبهر لبنائها أولاً وطريقة حبكها، ويظل في نفسه سؤالٌ..؟ لماذا كانت (الجديلة/ ريحانة) وحكاية الموصل أطول وبعدد صفحات أكثر من صفحات (لنهر/ سبايكر)، أقول وحسب فهمي المتواضع، لقد تعمّدتِ الكاتبةُ ذلك، لأنّ الرواية رسمتها شكل انسان، فجعلت (الجديلة/ الموصل) بطولها ، صورة الجسد، و(النهر/ سبايكر) صورة الرأس، لتكتمل صورةَ إنسانٍ عراقيّ مغدور، يشهقُ ويصرخُ الى السماء.

فضلاً عن المفتتح لكل فصل من جملٍ وعبارات شعرية ترقى من النثرية، .. هكذا عوّدتْنا الكاتبةُ المبدعةُ (وفاء عبد الرزاق) أن تأتي بالجديد، وما أن تبدأ بقراءة الرواية لا تنفصل عنها بل تتلبسُ فيك، أو تتعشق معها لتكون جزءاً منها. هي رواية مهمّة ليست لجيلٍ معين ولا لطائفةٍ أو جنس بل هي رواية تدخل العالمية لأنها تتحدّثُ عن مأساة سكتَ عنها العالم .

 

د. وليد جاسم الزبيدي/ العراق.

 

رحيم الغرباويللشاعرة فاطمة هادي شاكر

يبدو أنَّ الشاعر يمازج بين عالمين، هما: عالم المثل وعالم الحس، ويبدو أنَّ نزعة الشاعر هذه استنبطها من الديانات والفلسفات التي طرحت عالم المثل لدى الفلاسفة، وعالم الغيب الميتافيزيقي في الديانات، ولما كان الشاعر يبحر في هذه العوالم عن طريق خياله، وهو يحاول أنْ يكمل النقص الحاصل في الواقع، أو أنَّه يحاول أن يعالج قضايا ناقصة؛ ليكملها؛ ما جعله يذكِّر بالقيم والمُثل فيملأ النقص الحاصل لذلك الواقع، ولعل الفن جاء في طروحات أفلاطون بوصفه محاكاة لعالم المحسوس، وفُسِّرت هذه المحاكاة بأنها حرفية، أو صورة طبق الأصل لعالم الواقع، بينما خالف أرسطو رأي أستاذه بفهم المحاكاة على نحو آخر، إذ لم يقصد أرسطو الطبيعة هنا طبيعة الكون الظاهرة، بل قصد بها القوَّة الخلَّاقة في الوجود، وعلى هذا المفهوم فالفن عنده لايكون إلا التعبير عن حقائق الطبيعة الظاهرة للموجودات الثابتة المعقولة وعللها ومبادئها التي تفسِّر وجودها، والفن على هذا التفسير يسمو على الطبيعة الظاهرة؛ لأنه يتجاوز ما فيها من نقص، فيصور ما يكون عليه الواقع الملموس، وليس ما هو كائن حسب وبذلك يكون الفن ليس نسخاً عن الطبيعة، بل هو أداة مُنقِّحة، تقوم على تبديل الواقع وتنقيح الحياة (1)، ولعل الشعر واحد من الفنون الجميلة التي يسعى من خلاله الشاعر أن يكمل النقص في الحياة حين يعبِّر به عن موضوع معين من الموضوعات الوجدانية أو الحياتية، فيعالج قضية من قضايا الحياة تلامس وجدانه بعدما يخترق الآفاق ويتعالى إلى عوالم الكمال المثالي، كي يبوح بالحقيقة من طريق المخيلة بوصفها قدحة العقل "التي تلامس توهج القلب، فترسم من خلالها تآلفاً بين الواقع واللاواقع , والمحسوس واللامحسوس المادي والروحي" حين يقوم الشاعر بينظم نصه الشعري (2) .

وكثيراً ما ينزع الشاعر نزعة وجودية حينما يعيش حالة تجعله يستاء، فأمَّا أنْ نراه مغترباً يشعر بالضياع، أو نجده قوياً متحدياً الصعاب، فنراه يعبِّر عن حال ابناء وطنه في ما يقرؤه عن الواقع الذي يعيشه، وهناك حالات فردية يمر بها الشاعر؛ ليعبِّر عن ذاته وتحديه للمعوقات، أو لربما إزاء ممن أساء له أو استلب منه حقه يوماً؛ لذا نجد كثيراً من القصائد تبوح بالقيم التي تُجتَلَب من عالم المثل والتي يعمل بها المجتمع؛ كونها جزءً من تقاليده وقيمه الموروثه، أو من تعاليم دينه الحنيف، فيستحضرها؛ ليردَّ مُذكِّراً بها ومُزدرياً لمن لم يعمل بها أو خان مواثيقها .

والشاعرة فاطمة هادي شاكر من بين الشاعرات اللاتي كتبن عن تلك القيم التي تُعَدُّ من المثال الذي ينبغي تجسيده في حياتنا اليومية؛ لنعيش في هذا العالم الرحيب بإنسانيتها وفي إكمال وجودنا فيه، إذ نجد في قصيدتها (إليك عني) التي تقول فيها :

أيُّها الذي لا تأسفُ الأشجارُ المثمراتُ

إلى سلاله،

ستبقى شامخةً هي، وإنت من دون سهلٍ حللتَ،

ومن غير وقاءْ

فهل أغارُ

وليس من حقِّ الناكثين عهودهم

أن يُغارَ عليهم ؟

لعل النص يومئ على خلافٍ بين بين الشاعرة والآخر، يبدو أنَّها في موقف المتوثِّب إزاء الآخر (الناكث)، فنراها تشير إلى الأشجار التي تمثِّل رمزاً من رموز العطاء، وطوداً شامخاً بالعزِّ، وهي تقف بعلوِّها الباسق بينما من ينتظر الثمر بسلاله لم يكن له حتى سهل يقطن فيه، إشارة إلى الملاذ المفقود بدلالة لفظة (بلا وقاء). فتصف الشاعرة نفسها بالشجرة التي ترفض أنْ تُظلل ذلك الذي ينتظر منها ثمارها، فهي تمثل في هذه السطور شدة نفورها منه؛ كونه ناكثاً للعهد (وليس من حق الناكثين عهودهم أنْ يُغار عليهم ؟)، ثم تقول :

وهل من جنوني

أنْ يضعك قلبي سوى في دخانِ التلاشي !

فلا أكون بعد الآن قافلة ملاذٍ

أو مُنقذاً لِمَن شغل نفسه بادِّعاء الوفاء .

ثم تتساءل بالاستفهام الإنكاري من أنَّ جنونها بعد الآن لايمكن أنْ يضعه في قلبها بل سيكون في أدخنة التلاشي، كناية عن نبذه ونسيانه، كونها لاتحبِّذ بعد ذلك أنْ تكون ملاذاً له، أو منقذته له؛ كونه أخلَّ بعهد الوفاء الذي قطعه على نفسه.

في هذا المقطع نرى تفشي الأصوات الرخوة، فقد ورد صوت (الهاء) تسع مرَّات، وصوت (الفاء) سبع مرات، وصوت الغين (أربع مرات) و(الشين) ثلاث مرات، بينما أصوات الهمس، إذ ورد صوت (اللام) سبع عشرة مرة، وصوت النون والتنوين سبع عشرة مرة أيضاً، وصوت الميم ثمان مرات، وصوت (التاء) سبع مرات، و(السين) سبع مرات تدل هذه الأصوات على الهدوء والسكينة، ما تدلّ على ثقتها بنفسها وتصميمها من أنَّها هي التي تمنح الحياة للآخرين ولاتنالها منهم، وهي من ترفض أنْ تمنح ذلك لمن لايستحقها، وعلى الرغم من ورود صوت القاف خمس مرات وهو يدل على القلق، والكاف مرتين، والعين ثلاث مرات وكلاهما يدلان على المرارة، لكن جميعها لاتنهض بالدلالة لمعانيها لورودهما لمرات قليلة ولربما ما فيها من دلالة الألم؛ لأنَّ مَن منحته الثقة قد عكَّر مزاجها لذا نفسر ذلك هو استياؤها ضعف النفوس تجاه القيم التي تتأملها أن تشيع في المجتمع لا اهتماما به .

ثم تقول :

هو كذبةٌ للكثير ممن ادعوا

بالكلام أنَّهم السموأل

لكن شتان ما بينهم ومابين

النقي الوفاء.

فلا ترتوي القلوب الظمئة

إلَّا من سلسبيل غدرانِها ,

وليس من حق الذي يضع

الحجر؛

ليطمرها

أنْ ينهل منها

قطرة ماء .

فليس مَن ادعى أنَّه كالسوأل في الوفاء غدا وفياً، فشتان ما بينهم وبينه .وقصة السموأل معروفة في التأريخ، وهو الذي ضحى بنفسه من دون أن يضحي بالأمانة المودعة لدية، فصار مضرب مثل في الوفاء لدى العرب وإلى يوم الناس . ثم تقول ليس بوسع من يطمر الغدران أنْ يطلب منها شربة ماء؛ كونه ليس أهلاً لذلك في إشارة منها لناكث الوعد وناكر الجميل .ولعلنا نجد في السطور الثلاثة الأولى ورود صوت الكاف ثلاث مرات ما يؤيد مدى انزعاجها وتكأكِها في الكلام، وهي تستذكر نقض العهد وغياب الوفاء، لكنها مازالت على النمط ذاته وهي تقرر ما تريد إقراره مستخفةً بالآخر (الناكث) وممسكةً بمشاعرها دون الاهتمام لأي اعتبار ممن لم يحقق مأمولها، إذ نجد صوت (الميم) ورد اثنتا عشرة مرة و (اللام) سبع عشرة مرة، و(النون) ثلاث عشرة مرة مايدل على ثقتها بنفسها ولا نراها قد اهتزَّت لهذا الموقف الذي صار عندها كالتلاشي في أدراج الرياح.

ونراها تذكِّر وتوبِّخ، فتقول :

فأنت يا كان روساشو

كثيراً ما

تتأمل الحياة

تدَّعي أنَّها من دون ظِلِّي

لا حياة،

وما صبر الأكرمين إلا النقاء .

آمنتُ بما قيل : إنَّ الفسائل تنوح على

مجتني ثمارها

وليس من حكمٍ سوى المداراة والارتواء... .

تظنَّني من دونك

أنت المُنَجِّي

لكن من دونك صار سجني إمارةً،

وأنت الذي بتَّ سجيناً !

وهل للناكثين لعهودهم إلا الشقاءْ ؟

كنتَ يوماً تتوسلني بأنْ أزرعك قمحاً

واليوم أنا الشجرة المثمرة،

وأنت الغويُّ

المهزوم

بهذا الشقاء .

ثم تنتقل في هذا المقطع؛ لتذكِّره مواقفه التي بنتْ عليه أحلامها قبل أنْ يزيع عمَّا وعدها به، إذ رمزت له برمز (كان رو ساشو) ويبدو هذا الاسم من الاساطير اليابانية، ماجعلها تذكره وكأنه من أبطالها وأنَّه إذا وعد نفَّذ . لكنه على العكس من ذلك، فتكررَ مرةً أخرى أنه ناكث العهد والذي بينها وبينه صار إلى زوال . ثمَّ نراها تشبِّه نفسها بالفسائل التي تنوح على مجتنٍ ثمارها، أي المستفيد منها لكنها لم تتلق مداراته لها، وكأنها تذكره بالحتمية التاريخية التي قالت بها الأديان وكذلك الحكمة العربية التي تقول : إنَّ الإنسان يجني ثمار أعماله؛ لذا تحوَّل سجنها حين كانت معه إلى إمارة، كونها نالت حريتها، وبذلك عدَّت زمنها معه بالسجن بدعاوى الحب الصادق لكن بعدما انكشفت لها أضواء الحقيقة وجدت نفسها هي الأميرة الآن، بينما هو المهزوم الذي لايجد مأوى أو مغيث يستغيثُ به . ولعل النص يتوافق مع عنوانه ( إليكَ عنِّي ) أي ابتعد، ما جعلت النص يسترسل بأسباب الابتعاد والنهاية التي كانت لصالح الشاعرة، ما يجعلنا أن نقرَّ بالوحدة الموضوعية للنص من خلال تسلسل الأفكار، فضلاً عن ذلك أومأنا أنَّ النص قد طرزته الشاعرة بهدوء واستكانة، يدل ذلك تفشي أصوات الهمس والتنغيم، ومنه صوت (الميم) الذي ورد في المقطع الأخير تسع عشرة مرة, وصوت (النون) أربع وثلاثين مرَّة وهما صوتان تنغيميان جاءت بهما من أجل الترنم؛ لثقتها بنفسها من اجتيازها الصعوبات التي حاولت عرقلة مسيرتها، لكنها خرجت منتصرة شامخة ... ولعل النص قد تميز بعفوية الأسلوب وصدق العاطفه، التي صدرت عن تجربة حسية وبمفردات تفيض بالمشاعر الهادئة النبيلة.

نتمنى للشاعرة الواعدة فاطمة هادي شاكر مزيداً من الإبداع والتألق .

 

د. رحيم الغرباوي

........................

الهوامش:

(1) ينظر في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات، فائق مصطفى:11- 12

(2) النبوءة في الشعر العربي الحديث، د. رحيم الغرباوي : 29 .

 

 

بليغ حمدي اسماعيلذهب معظم النقاد العرب المعاصرين إلى احتكار واستلاب مقولة إن الرواية ديوان العرب، بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك بأن الرواية أصبحت منذ نهايات القرن الماضي وبدايات هذا القرن حتى وقتنا الراهن سجل الحياة المؤرَّخ للإنسانية وخير توصيف ليوميات غير معتادة، هذا الاقتناص النقدي ظهر وبزغ في ظل غياب واضح وجلي للحضور الشعري وغياب المشروعات الشعرية الجديدة، وانتفاء ظاهرة التفرد الشعري واختفاء قامات شعرية إما بفعل الموت أو التهميش الإعلامي أو الاستبعاد الاجتماعي الذاتي لهؤلاء الشعراء أنفسهم، أو اهتمام بعضهم بالتجارة الثقافية كالمشاركات الثقافية في مؤتمرات ومطبوعات الخليج النفطي التي أصبحوا فيها أشبه بالمرتزقة.

وامتطاء لهذا الاستلاب النقدي للرواية أخذت أتلمس في المكتبة العربية المعاصرة رواية تجسد هذا التأريخ الإنساني الذي نادى به النقاد، ومن بين الروايات التي تكاد تقترب من شعار الرواية ديوان العرب الرواية الأخيرة للكاتب الجزائري واسيني الأعرج الموسومة بـ " أصابع لوليتا "، فهي رواية تقترب شيئاً فشيئاً من تجسيد هذه المقولة بما تحققه من عوالم ومشاهد إبداعية أقرب للعين والعقل منها إلى الفؤاد ولوغاريتماته الإحداثية . من ناحية أخرى فإن مبدعي الحداثة يقيمون عالماً افتراضياً موازياً لعالم الواقع، وربما ينفصلون عنه انفصالاً تاماً من حيث مواد وأدوات التشكيل، ومن حيث الاستهداف، وإذا كان هذا الانفصال غير المبرر بين العالمين " عالم النص " و" عالم الواقع " كانا يتعانقان منذ المحاولات الأولى لرواية الحداثة، فإن واسيني الأعرج في روايته " أصابع لوليتا " يحاول جاهداً قطع حالة الانفصال تلك، بل وتبدو خطوط الاتصال بين العالمين واضحة لا مجال للشك فيها.

ويكاد يكون من الصعب أن نعرض في سطور قليلة ومساحة أقل نقداً شاملاً ووافياً لرواية تقع صفحاتها في أربعمائة وسبعين صفحة كاملة، فهذا بالضرورة يتطلب دراسة مطولة وليس مقالاً قصيراً على عجل، ومع ذلك سنسعى جاهدين بألا نخل بمضمونها وتشكيلاتها اللغوية الماتعة . ويصعب على الناقد أن يتبنى منهج التحليل البنائي لهذه الرواية ؛ نظراً لأن هذا المنهج يتضمن الإجراءات التي يتم بموجبها تصنيف النص الروائي طبقاً لخصائصه المادية والمجازية لمكوناته أو أقسامه وهذا بالطبع لا يتفق من أسلوب ومنهج الرواية نفسها التي لا تقتفي حدثاً رئيساً واحداً يمكن تتبعه، بل تميل الرواية (نص واسيني الأعرج) إلى الانحياز إلى المشاهد القصصية التي تشبه ضوء كاميرا التصوير .

وأيضاً ربما لا نجد ميلاً لاتباع المنهج الدلالي في تحليل الرواية، حيث تحليلها طبقاً للمعاني الدالة عليها بصرف النظر عن الألفاظ المفردة التي استخدمها الروائي الجزائري واسيني الأعرج، ذلك لأن واسيني يستخدم بعض الألفاظ عن عمد وقصد لا تتحمل دلالات مغايرة مثل الأماكن أو الشخوص أو الحوادث . ولكن المنهج الذي نراه قريباً في التحليل لهذه الرواية هو المنهج البراجماتي، لما في المنهج نفسه والرواية ذاتها من عناصر وسمات اتفاق مشتركة حيث تصنيف الظواهر التي يتضمنها النص الروائي على أساس أسبابها أو نتائجها المحتملة، مثال لذلك عدد المرات التي تم فيها ذكر رجال التفتيش، أو عدد المرات التي استخدم فيها بطل العمل كلمة حبيبي، إلخ .. ويترتب على ذلك تكوين اتجاه إيجابي أو سلبي حول الظاهرة، أو السمة التي تتكرر .

وأسلوب الكاتب في روايته وطريقته في عرض شخوصه تجعل القارئ والناقد على مسافة متساوية مع النص ذاته، بحيث يكون كلاهما أميل إلى الاتجاه نحو ظاهر المادة الاتصالية من دون البحث عن نية صاحبها، على افتراض أن المنطوق أظهر في التعبير عن نوايا المصدر . بل إن الكاتب نفسه قد وفر على القارئ مشقة تحليل المحتوى الخفي للنص بوصف أن لغة الرواية مباشرة وقريبة إلى المظان الذهنية للقارئ من ناحية، ومن أن الكاتب لم يرهق قارئه في الاتجاه نحو كشف نوايا صاحب النص أو الشخوص نفسها .

ويبدو أن الروائيين العرب صاروا يتخذون أسامي ومواضعات متمايزة للبيئة العربية، أي مختلفة للواقع العربي، ليس من باب المغايرة إنما من باب أمل الرواية في أن تلقى صدى وقبولاً واسعاً عند ترجمتها إلى لغات أجنبية، فنجد شخصيات ليست عربية التشكيل اللغوية بطول الرواية، مثل يونس مارينا، ولوليتا، وجيروم، وكلارا، وإيفا،ودافيد إتيان، وروجي، وغير ذلك من الشخصيات الضاربة في عمق الرواية والتي تصر كل منها على الحضور داخل النسق الروائي بقوة وفعالية . وربما جاءت أسامي الشخصيات مغايرة للشخوص التداولية في عالمنا الروائي العربي نظراً للبقاع التي تجري فيها أحداث الرواية مثل فرانكفورت وباريس، وهذا ما دفع الكاتب إلى خلق شخصيات أقرب إلى بيئاتها الأصلية .

المشهد الثاني اللافت للانتباه هو استحضار واسيني الأعرج الذي يشكل صوراً لغوياً تكاد أقرب إلى اللوحات التشكيلية المتحركة منها عن المشاهد الروائية الصامتة التي تستمرئ السرد المجرد، وهذا التشكيل اللغوي يتباين بين عبارات باللغة الفرنسية لا تقفز بالنص بعيداً عن مقصوده إنما تستهدف جعل المشهد الأصلي في بورة الشعور والاهتمام، ونقل القارئ دونما قفزات مفاجئة داخل سياق الحدث نفسه . بالإضافة إلى حرص شديد من الكاتب أن يلقي انتباهاً لدى قارئه نحو الأماكن بعينها، وهذه الأماكن إما مدن أو أماكن اجتماعية كبيوت الأزياء أو المقاهي أو دور نشر، ولقد تعمد الروائي واسيني الأعرج أن يقحم روايته بترجمة لبعض هذه المواضعات إما باللغة الفرنسية معظم الوقت وبالإنجليزية في حالات استثنائية ضيقة، أو بالعربية لغة الرواية الأصلية .

وقبل الولوج في عقدة الرواية الطويلة من حيث الشكل وعدد الصفحات لابد من التنويه عن الفعل الروائي القصدي الذي عمد إليه واسيني الأعرج في التلميح الضمني أحيانا والتصريح المباشر في التهمة الكوكبية (ذنب العولمة) التي دائما ما تلصق بالإسلام الحنيف ألا وهي تهمة الإرهاب والتطرف، فتجد أكثر الأحايين القصصية السردية اضطراباً في الرواية هي تلك المشاهد المتعلقة بالحوادث الفردية التي ارتكبتها بعض الفصائل السياسية العربية ذات الصبغة والنسخة الإسلامية لاسيما في الجزائر وباكستان، وبالضرورة إطلالة سريعة موجزة ومقتضبة على أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة .

ولاشك أن تهمة التطرف والإرهاب سواء على المستويين الفكري والمسلح أصبحت تشكل ما يسمى بالملمح الجبري الذي يفرض نفسه على أي عمل أدبي معاصر، وكأن المبدع شعراً أو نثراً من أدواره أن يتجسد صفة المحلل والمؤؤل  لسمة التطرف اللصيقة بالبيئة العربية تحديداً، وسرعان ما يتقمص المبدع دور المحامي والمدافع عن الهوية العربية بصفة عامة والتي تأبى إلصاق تهم التطرف والمغالاة والغلو والإرهاب بصوره المختلفة بالإنسان العربي .

ورواية أصابع لوليتا هي نموذج حي وصريح للنص اللغوي الذي يتضمن رسالة ومحتوى مقصود، ومن ثم يمكن تقسيمها بيسر وسهولة إلى اتجاهات وقيم، ويمكن أيضاً تحديد ملامحها الرئيسة المتمثلة في عناصر وعلاقات ومبادئ وأسس، وهذه الرسالة اللغوية التي لا تقتصر على وصف حالات متباينة لرجل يحترف الأدب فحسب بل هو في صراع أيديولوجي بين عالمه العربي الذي لا دخل له فيه، وبين عالم افتراضي يحاول فيه بكل جهد أن يضيف عليه تفاصيل استثنائية مثل الخصائص اللغوية والدلالية للرموز الاتصالية المستخدمة في الرواية والتي تمثلها العبارات الفرنسية الطويلة التي يصر الكاتب على إقحامها بين ثنايا روايته.

ولكن يبقى ملمح الجسد هو المشهد الأكثر حضوراً في الرواية العربية المعاصرة، ولا ينكر ناقد أن ملمح الجسد هذا سرعان ما يتحول إلى عقدة أي عرض مرضي مزمن، وبحق يمكننا أن نحيل عقدة الجسد التي تجتاح الرواية العربية المعاصرة إلى أسبابها الاجتماعية، وأعني بها المجتمعات العربية التي تفرض عليها القيم والتعاليم الدينية تابوهات معينة وملزمة من الصعب تناولها إلى من خلال سياق أدبي درامي .

ونجد في ثنايا رواية أصابع لوليتا وربما من بدئها أي عنوانها إشارات جسدية قد لا تقترب من  تلك التابوهات وإن كانت تفرض على قارئها أن يعيش داخل حدث الجسد المظاني الذي يوحي بالاقتراب والتلميح لا الفعل المباشر والتصريح، ولكن تبقى عقدة الجسد كامنة سواء لدى بطل العمل يونس مارينا الذي يحاول جاهداً أن يظل على حالته الناسكة في حدود هيولية تكاد تكون ممزقة بعض الشئ .

وإن كانت حالة يونس مارينا (بطل الرواية) تخشى الاقتراب من فعل الجنس، فهي (الحالة) حراك مستدام بين اجترار مشاعر الشوق الهاربة بفعل السنين، وبين هوس وفتنة جمال لوليتا التي تكون أكثر حضوراً وهي ليست بين ساعديه . وواسيني الأعرج حينما ينزع بعيداً نحو الحب ومشاعر الشوق الملتهبة وكأنه يعمد إلى الفكاك من شَرَكِ السياسة ومظان السياسيين، لذا نجده واضح المعالم واللغة الفصيحة حينما يصور العلاقة بين بطلي العمل (يونس ولوليتا) .

المهم حينما يحاول الناقد ترصد حالة هذا الرجل وفتاته الهيولية عن قرب يجدهما يتنفسان عشقاً وشوقاً، وربما وجدتها فرصة لا للتطفل عليهما إنما حاولت الهروب المتعمد من وجع السياسة والسياسيين وأهلهما كما يعمد إلى ذلك واسيني الأعرج نفسه .

قال لها: إني أحبك، هكذا نطق محاولاً أن تستجيب تلك الفتاة لاستغاثة قلبه المضطرم، حقاً لقد غيرت حياته، وطالما يفتش هذا الرجل عن امرأة بحجم الكون لتحتويه، وهو يعلم أنه حينما يبوح لها بسره أنها قد لا تبادله هذا الشوق، ربما رآها مرة واحدة فقط، وأحياناً لم ينظر إلى وجهها عن قصد وتعمد . لكنها كيمياء القلوب، أو كما قال عن ذلك أدونيس كيمياء السعادة التي تختبئ فيها مشاعر الشقاء والتحسر والألم .

وثمة علاقة واضحة بين مشهد اللقاء الرئيس بينهما (يونس ولوليتها ) وبين قصيدة محمود درويش ريتا والبندقية، وربما لا ندعي أن واسيني قد استحضر القصيدة ذاتها وهو يصور مشهده، يقول محمود درويش في قصيدته التي تعبر عن معظم مشاهد اللقاءات السريعة الخاطفة بين يونس ولوليتا: (بين ريتا وعيوني بندقية / والذي بيعرف ريتا، ينحني ويصلي، لإله في العيون العسلية / وأنا قبلت ريتا، عندما كانت صغيرة / وأنا أذكر كيف التصقت بي / وغطت ساعدي أحلى ضفيرة / وأنا أذكر ريتا مثلما يذكر عصفور غديره/ آه ريتا بيننا مليون عصفور وصوره/ ومواعيد كثيره   / أطلقت نارا عليها . . بندقيه ..) ..

ولوليتا بطلة العمل التي يرسم لها واسيني الأعرج صورة غير مكتملة اللهم سوى بعض التفاصيل القصيرة في الحكي والسرد والتي تفرض عليها عقد الجسد من خلال محاولة اغتصاب والدها لها وهي صغيرة، تحتاج وقتاً للسرد، وجدير أن يستقرئ القارئ قلب امرأة لا تجيد الهوى إنما تصنعه، وهي مثل الماء حقاً حينما يتسلل من بين الأصابع خلسة وعلانية بغير ميعاد .. وبعد صفحات وسطور طويلة من الحكي والسرد لها، قالت إليه في ليلة محمومة بالنجوم وبصوت الرصاص الذي ينبعث بصورة عشوائية غير معلومة المصدر والصادر : أحبك أيضاً ..بالرغم من أنه (يونس مارينا بطل العمل) يعاني من حالة فصام مؤقتة تتأرجح بين مشاعر الأبوة التي يحملها عقل رجل ناضج لفتاة تصغره بأعوام بعيدة، وبين قلب رجل يحتاج إلى ثمة حالة عشق يهرب بها بعيداً عن معترك السياسة .

ولعل أهم ما يميز رواية واسيني الأعرج الأخيرة (أصابع لوليتا) أنها تميل إلى القفز فوق الحدث الذي يتمركز غالباً نحو الآخر، سواء كان هذا الآخر يمثل الغربة أم المنفى أم امرأة يبحث عنها، أو عقد ذهنية لا تنمحي مثل الجسد أو رجل الشرطة، وهذا القفز هو ما اتفق على تسميته بظاهرة العنف الفارقة بين الشعر والرواية، حيث إن درجة استخدام العنف تختلف باختلاف الشكل اللغوي المستخدم، فالشعر عادة ما يميل إلى عنف اللفظة والانفعال عن طريق المباشرة وهو أقرب ما يكون إلى البيانات العسكرية أو السياسية التي تلقى أو توزع على المواطنين وتدعهم في حيرة من أمرهم في تلقي البيان أو المنشور، والشعر بذلك لغة تدشن عن قصد لحالات العنف والغضب، بخلاف الرواية التي تتسم بالسردية ، وليس المقصود هنا بالعنف هذا الأثر الجسدي المؤلم، إنما مفاده درجة السخط الذي تمارسه نوع الكلمات والمعاني التي تتضمنها . وهذه السردية تسهم بصورة قصدية في فهم العالم والواقع بطريقة ناضجة لأنها تلتزم بالتتابع والمنطقية في العرض والتحليل غير مؤمنة بالقفزات التي تعد سمة مهووسة بالشعر وحده .

ولعل حبكة الرواية كأحد عناصر هذا الفن تتجلى بوضوح في مشهد الحكي الخاص بلوليتا والتي قصت فيه ما جرى لها من وقائع مؤلمة من أبيها وهذا التعنت والصلف الذي لحق بتلك الوقائع من أمها وأخيها، وأثر ذلك على نفسيتها وعلى بطل الرواية يونس مارينا الذي رأى في قصة لوليتها استكمالاً لبعض مظاهر التطرف الأسري الذي سرعان من انعكس على المجتمع العربي والجزائري بصفة استثنائية . ولعل مشهد الحكي السردي هذا الذي عبر عنه واسيني بسطوره هو الأكثر طولاً بين مشاهد الرواية بأكملها، نرجع في ذلك إلى عدة أسباب قد نراها متفرقة إلا أنها تلقى قبولاً واسعاً لدى جمع من القراء.

فاهتمام بعض المجتمعات المغلقة ثقافياً بعض الشئ بأمور دقيقة مثل اعتداء أب جنسياً على ابنته يعد من الاهتمامات السرية، كذلك إن إيقاع المجتمعات المركبة تحتاج إلى حدث يقلق هذا التركيب ويفجؤ سكونها الرتيب بمثل هذه الحوادث الاستثنائية التي قد لا تتكرر كثيراً . أما من ناحية الجانب الفني فإن الرواية التي رسمت صورة هيولية لبطلتها وهي صورة فتاة لا تفطن لمعنى الحزن أو المعاناة، فإن الكاتب لجأ لمثل هذه القصة عنها ليبرر بها أحداثاً أخرى تتمثل في القمع العربي وبزوغ الاستبعاد الذكوري للمرأة في بعض المجتمعات العربية التي يسود فيها تطرف الفكر وتضيق فيها الرؤى .

والمتتبع لأحداث الرواية لا يمكنه ـ رغم مباشرتها في السرد والحكي ـ أن يؤسس نهاية لها غير التي فاجأنا بها واسيني الأعرج على طريقة الأفلام المصرية التي انتشرت في عقد التسعينيات، وهي أن تكتشف أن اللص هو رجل الشرطة المتخفي، أو أن الرجل ذا اللحية والجلباب البيض الناصع هو زعيم العصابة والمخطط لجرائمها، ولكن كانت النهاية كذلك في أن تكون لوليتا هي قاتلة يونس مارينا بطل العمل الذي ربما يحاول أن يرتدي واسيني الأعرج قناعاً له لاسيما في محاولته للتصدي لأهل التطرف والغلو في التكفير، لذا فنهاية الرواية أصرت على إضافة بعد آخر للرواية وهو ملاحقة طيور الظلام للكتاب والمفكرين .

" ـ أنا مثل امرأتك لوحتك ./ ـ كيف ؟./ ـ عين على كتاب الحياة، ويد على زر الموت . الجمجمة" .

وتبدو النهاية منطقية استطاع أن يصيغها الروائي واسيني الأعرج بلغة شعرية تشبه قرار القصيدة، وهو فيها يتقمص دور الراوي أو المعلق على النص نفسه ويبدو صوته أكثر وضوحاً وعمقاً وهو يقرر نهاية بطل روايته " لأول مرة يقتنع بأن للموت رائحة، رائحة ليست ككل الروائح " .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

جامعة المنيا ـ مصر

 

مادونا عسكرقراءة في رواية "برهان العسل" للكاتبة السّوريّة سلوى النّعيمي

تقول سلوى النّعيمي في ما يخصّ رواية "برهان العسل":  "لم يكن هدفي كتابة رواية فضائحيّة أو مبتذلة، بل اختبار العلاقة مع قارئ حقيقي." إلّا أنّ الهدف الحقيقيّ من الرّواية لم يظهر، بغضّ النّظر عمّا إذا كان بالإمكان تصنيف هذا الكتاب كرواية أم لا. أرادت الكاتبة اختبار العلاقة مع قارئ حقيقيّ على حدّ قولها، ولعلّها بذلك استندت إلى أن يتلمّس القارئ/ة، ربّما، بحثها في التّراث العربي والإسلامي، تحديداً كتب الباه، أي الكتب  ذات الثّقافة الجنسيّة بين القرن السّابع والقرن الخامس عشر. وقد أوحت الكاتبة بذلك لقرّائها في هذا الكتاب إلّا أنّه لم يأتِ على مستوى البحث الجدّيّ، ولم يطرح فكراً خاصّاً، ولم يرتقِ إلى المستوى الأدبيّ المطلوب.

قسّمت الكاتبة روايتها إلى عشرة أبواب حملت عناوين تحيلُ إلى التّراث العربيّ والإسلاميّ. لكنّ مضمون الأقسام أتى سرداً عن مغامرات فتاة اكتشفت جسدها من خلال علاقاتها الجنسيّة المتعدّدة عن قناعة بأنّ معرفة الجنس مرتبطة بالتّعلّم لا بالنّظريّة وحسب. وإن تضمّنت الأقسام مقاطع من التّراث إلّا أنّها خلت من البحث الجدّيّ حول هذا الجزء من التّراث بل وكأنّ الكاتبة أسقطت هذه النّصوص على مضمون الرّواية لتبرّر علاقات بطلتها الجنسيّة المتعدّدة. ولو كان بحثاً جدّيّاً لعادت الكاتبة إلى تلك الكتب من حيث إطارها الثّقافيّ والتّاريخيّ مقاربة إيّاه والواقع الحاليّ.

 قدّمت الكاتبة بطلة روايتها  كشخصيّة تستند إلى جزء من التّراث لتعزّز قناعاتها الجنسيّة.  وبدت شخصيّة شبقيّة. (هناك من يستحضر الأرواح، أنا أستحضر الأجساد. لا أعرف روحي ولا أرواح الآخرين، أعرف جسدي وأجسادهم// أستحضرهم وأعود إلى حكاياتي معهم عابرين في جسد عابر...)  وربّما بدت  جاهلة، ولست أدري إن كانت الكاتبة قد تعمّدت ذلك أم أنّ هذا الجهل سقط سهواً. فالبطلة تلقّب رجلاً لا تريد منه إلّا ساعات مسروقة في أماكن مغلقة بالمفكّر لمجرّد أنّه يعرض عليها أفكاره الجنسيّة. أو تستنتج في مكان آخر أنّ كلّ امرأة هي محصّلة الرّجال الّذين مرّوا في حياتها. ما يعبّر عن انحطاط  فكريّ وثقافيّ يحدّد كيان المرأة في إطار غرائزيّ حيوانيّ.

لو كان المراد من الرّواية بحثاً أو طرحاً فكريّاً يهدف إلى تسليط الضّوء على أهمّيّة الجنس  كعالم خاصّ وحميميّ بين رجل وامرأة، أو لو أنّ الرّواية أتت كدعوة للتّحرّر لخلقت الكاتبة شخصيّة أكثر رصانة واتّزاناً معتمدة على شخصيّة متحرّرة فكريّاً ونفسيّاً، لا على شخصيّة قاربت الهوس الجنسيّ. وإذا كان تناول الكاتبات لموضوع الجنس يُعتبر جرأة فالجرأة ليست بطرح الموضوع واستخدام العبارات المرتبطة بالجنس. وإنّما الجرأة تكمن في تناوله فكريّاً وعلائقيّاً ومجتمعيّاً . فمن السّهل سرد مغامرات عاطفيّة جنسيّة بحجّة التّحرّر وكسر التّابوهات، إلّا أنّه من العسير الغوص في هذا الموضوع تحديداً والإحاطة بكلّ جوانبه.

تناولت الكاتبة موضوع الجنس تناولاً هشّاً اقتصر على ثرثرات نساء (صديقات البطلة) والنّكات الخاصّة بالرّجال. كما ارتكز على النّاحية الغرائزيّة وحسب، فبدا حيوانيّاً أو آليّاً محوّلةً إيّاه إلى سجن. فأين الجرأة في الموضوع؟ وأين التّحرّر؟ هل في جعل الإنسان والمرأة تحديداً حيواناً تحرّكه الغريزة؟ بل إنّ الكاتبة أخرجت الجنس من إطاره العلائقي المرتبط بالحبّ حينما قالت: "ما يهمني هو رغبتي أنا. رغبتي النّادرة".  

تطرّقت الكاتبة بشكل سطحيّ إلى نقاط عدّة في الرّواية كازدواجيّة المجتمع العربيّ الّذي يظهر عكس ما يخفي. وتلمّح  إلى مجتمع لا يعلّم أبناءه وبناته شيئاً عن الجنس: "أنا لم يعلّمني أحد. لا أمّي ولا أبي، ولا أختي الكبيرة. لم يشرح لي أحد. تربيتي الجنسيّة النّظريّة جاءت من الكتب والأفلام والحكايات ومراقبة النّساء والرّجال من حولي..."، وقد يمكن اعتبار هذه النّقطة إيجابيّة من حيث  البناء العلائقيّ السّليم بين الأهل وأبنائهم وبناتهم فيحمونهم من الأفكار الخاطئة. لكنّ ما تطرّقت إليه الكاتبة لم يبرز بالعمق المطلوب، ولم يناقش في الرّواية، وإنّما اقتصر على سرد أحداث سطحيّة ومغامرات جنسيّة استندت معرفيّاً إلى التّراث أو بعض منه بشكل سطحيّ.

الكتابة فنّ ودهشة تستفزّ العقل وتنحت الرّوح. ولا ريب في أنّ الكتابة تعبير عن الذّات إلّا أنّه لا يمكنها الوقوف عند هذه النّقطة، بل ينبغي أن تتخطّاها للتّعبير عن القارئ والبحث في عمقه واستخراج مكنونه. كتابة لا تزلزل القارئ وتحرّك عقله وتخلق في داخله السؤال والحيرة، كتابة لا تحترم القارئ. وإلّا فلماذا نكتب؟ ولا بدّ من لفت النّظر إلى أنّ ثمّة فرقا شاسعا بين التّعبير عن الذّات وتفجير الكبت في الكتابة. فغالباً ما يأخذ الموضوع الجنسيّ عند بعض الكاتبات طابع تفجير الكبت ومحاسبة المجتمع بل تحدّيه بدل أن يتّسم بالفكر والعمق ليقدّمن للقارئ نموذجاً ثقافيّاً قيّماً.

قد تمرّ بهذه الرّواية مراهقة كبطلة الرّواية  الّتي اقتصرت ثقافتها على مجلّات وأفلام وثرثرات نساء. وقد لا تجيد غالب الظّنّ تقييم أو نقد ما تقرأ فتغرق في دوّامة التّحرّر الزّائف والمعلومات الجاهزة دون أن تتلمّس خيوط المعرفة، أو ما كانت تودّ في عمقها البحث عنه ولم تجده في محيطها الأسريّ، فيخيب ظنّها، فالرّواية فن أعظم من أن يتوقّف عند السّرد المجرد من أهداف الحياة صغيرة وكبيرة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

رحيم الغرباويما عاد الشعر في عصر الأفكار والطروحات الفلسفية لوحات تتغنى بها القلوب وتصدح في مهرجاناتها الأغاني والألحان، بل صار يناغم روح العصر وذوقه وهو يعالج قضايا المجتمع ويقيم صلواته في صومعاتها البنائية، ولمَّا كان الشعر  يعالج مساحات من الإشكالات المجتمعية، صار يقحم نفسه في كثير من إشكالاتها بوصفه أداة إقناع، ووسيلة إيضاح، ومفتي رأي، فسلَّمنا له بالقبول، وقبلنا فيه ذوق العصر، ولعل قصيدة الافكار والمعالجات هي نسيج مختزل يتضمن دلالات مكتنزة بسيطة في عباراتها عميقة في إشاراتها، ولعل هذا الشعر بات مستساغاً، لأنْ يتجاوز "النسق الغنائي المناسباتي وانفتاح التجربة الشعرية على فضاءات وجودية " (1)، وفكرية متنوعة " تحاول أنْ تؤطر التجربة الكلية بما تحمل من تناقضات الحياة وتعدد أشكالها " (2).

ويبدو أنَّ المجتمع العراقي انفتح على أفكار إشتراكية وقومية أخذت أبعاداً في طروحاتها، مما جعل الشعراء يتأثرون في هذه الطروحات فمنهم من انساق تجاه الأفكار الاشتراكية، لما يعيشه الشعب العراقي من فقر وتهميش طبقي دفعهم ينادون للقضاء على الفقر والاستغلال ونصرة الطبقات المسحوقة ونصرة الحركات التحررية و الدعوة إلى الحرية، ومنهم من توجه توجهاً قومياً في نشدان وحدة الأقطار العربية والدعوة إلى تحرير أرضنا السليبة فلسطين، ومنهم من نهل من الفكرين، كونهما مطروحين في الساحة الثقافية ويؤديان مشاريع إنسانية مقبولة.

ومن بين الشعراء الذين مزجوا بين ذلك هو الشاعر سامي مهدي، إذعالج في أشعاره مسائل إنسانية كثيرة، كما عُرف شأنه شأن شعراء جيله بنزعته الوجودية في موضوعات الزوال والاغتراب والضياع، لكنه لم يكتف بذلك، إنما انتقد الكثير من الممارسات سواء أكانت مظاهر مجتمعية أم سياسية لها أثرها السلبي على المجتمع، ومن بين قصائده قصيدة (خطأ نظري) من مجموعته الشعرية (يحدث دائما) والتي صدرت عام 2014م،

يقول :

لم يعد وحدكَ هذا الفضاء

فقد آنَ للآخرين

أنْ تكون لهم حصَّةٌ فيه

حصَّتهم هي

ما عادَ يُجديك نكرانُها

والتعلل بالسبقِ والسابقين .

هم هنا شركاؤك في الأرضِ والشمس

في الماء والريح،

في قولِ لا، أو نعم،

وإذا أنتَ أنكرتهم

فستُنكر نفسكَ بعدَ حينْ .

وكأنَّ الشاعر يؤنِّب ذاته، لكن نراه يعمم هذه الفكرة التي يرى أنَّ بعضهم يستشعر أنه ملكَ كلَّ شيء، وليس سواه ينفرد بالرأي أو القول، ولعلَّه يطرح   فكرة الشاعرالقديم حين كان يهيمن على جماهيره، وهو يلقي أشعاره، فيصفِّقون له من دون اعتراض أو نقد، كما هم الملوك والحكام الدكتاتوريون الذين سلبوا حرية المواطنين في بلدانهم، فيشير في نصه : لقد أصبحنا في زمن الديمقراطية التي يشترك بالرأي الجميع، فنختار وننتقد، كذلك القصيدة اليوم هي ملك الآخرين فيمكنهم أنْ يقولوا آراءهم فيها، ينتجون، وينتقدون . ولعل ما تحمله سطور القصيدة من تأوِّل واقتراحات هو ما يمثل الأسلوب الجديد الذي اتخذته القصيدة الحداثية، ودعوة الشاعر فيها إلى مواكبة العصر . فعلى الشاعر أن يستوعب ذلك كما صار لزاماً على كل سياسات العالم لاسيما الحكومات أنْ تنصاع للرأي المعارض وذوق العصر، كذلك الأفراد والجماعات .

ثم يقول :

فلتدع عنك أوهام ماضيك

هذا خريفك

والحُلَّة الملكية راحت ورثَّتْ

وما عادَ في المهرجانات ما

يخدعُ الناظرين .

سبق وأن قلنا أنَّ بعض الشعراء نهلوا من ثقافات وأفكار متنوعة، ومن بينهم شاعرنا، إذ نراه هنا يعدل إلى فكرة الزوال التي طرحتها الافكار الوجودية، فيرى أنَّ كلَّ شيء آيلٌ إلى زوال، و أنَّ أوهام الماضي زائله، فيشير إلى مجيء الخريف بعد فصل الربيع ولو بعد حين، كما أنَّ الحلَّة الملكيَّة رثَّتْ، إشارة إلى تبدل العصر وتغير التوجّهات والمشارب، بينما المهرجانات والتمثيل والتضليل فيها ما عادت تنفع؛ لأنَّ الوعي هو من جعل الناظرين يستبصرون الحقيقة، وليس الخدع أو البهرجة هي ما تنفع الحكام المُضللين .

ثم يقول :

خطأ

خطأ كان منذ البداية

والنظريات تُخطئ

بل سقطةٌ

وَغَدتْ مرضاً

حينَ أيقنتَ أنَّكَ وحدَك

كاللهِ

تملكُ كُلَّ الحقيقةِ

كاللهِ

أجدر بالمُلكِ

كالحلِّ والعقدِ

من سائر العالمين .

فهو يكذِّب النظريات التي ترى أنَّها فوق جميع النظريات، وأنَّها هي من أصابت الحقيقة دون غيرها، فشبه ادعاء أصحابها بالله سبحانه وتعالى العارف بكل شيء إنكاراً منه لذلك، فالأفكار تتغير وكل شيء إلى زوال، إذ لاتكامل في الحياة، والذي يغري أنَّ الشاعر كأنَّه يحيلنا إلى حقيقة الحكومات الجائرة التي تحكم باسم الدين، تظن أنَّها تحيي العقيدة بالقتل والترهيب والتعنيف، بيد أنَّها أخطأت منذ تأسسها، كونها ارتكزت على جمود وانكماش في الفكر، وليس لها إلا أن تميل عن جادتها بمرور الأيام والأعوام، كونها لم تراعِ أفكار وتطلعات الأجيال، فبقيت بقصورها العاجية، كما يحدث اليوم في بعض الأقطار التي لاتنظر إلى تطلعات رعيتها، ما جعلها تخسر حتى قواعدها بعدما صار ملكها رثَّاً ... وكما المناهج السياقية في الأدب التي حالت دون البقاء، فزالت، كونها لم تكن قادرة على مواكبة العصر  فجاءت بدلها مناهج جديدة تساير الثقافة وتطلعات المتلقين في قراءة النصوص الحداثية التي هي من صميم  ذوق العصر ثقافةً وتطلُّعاً، فهو مَن يقول: (أنا صاحب رؤى وأفكار ومواقف يحبّ أن يعبِّر عن رؤاه وأفكاره،ويعرب عن آرائه في ما يقرأ، وفي ما يجدّ ويدور في الساحة الأدبية والفكرية) لهذا نراه يسعى إلى الجديد ويقول للقديم أنْ لاتغتر في قِدَمك وما كنتَ به من ألقٍ في يوم ما، فإنَّ الساحة لم تخل من عقول ونظريات وأفكار تفوق الأفكار التي طُرحت في أزمنة مضت، إذ لاتنفع أفكارها، كونها تماهت واندثرت إلى غير رجعة .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

.....................

الهوامش:

(1) مقاربات نقدية لنصوص حداثية، د. سمير الخليل، دار الجواهري،

بغداد، ط1، 2013م : 71

(2) المصدر نفسه والصفحة نفسها .

 

وليد خالديللكاتب زياد كمال حمامي

حينما يتعلق الأمر بالغيرية كبنية أنطولوجية نابعة من صميم العالم كحركة تؤسس لمشهد ثقافي، بحيث تستحوذ على الآخر بلا استئذان للوعي كجائحة تعطل جهاز الرقابة العقلية، فإن هذا بالنسبة للكاتب في حقيقته مصادرة للحرية سواء تجلى ذلك في حالة الحضور أو الغياب، وتتحقق هذه الفاعلية على أرض الواقع كمعادلة موضوعية تصب في قالب الممارسة والسلوك، على اعتبار " أن الوجود بدون الآخرين هو نفسه صورة من صور الوجود مع الآخرين " بتعبير الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر. وبما أن الإبداع في توجهاته يعقد صلة وثيقة بالقضايا الإنسانية يحاول هو الآخر بناء عالم جديد متجاوز لما هو مألوف بالارتداد إلى عوالم الذات، أملتها الظروف الراهنة بكل معضلاتها وملابساتها وحيثياتها.

1- الكينونة/ الوطن... وأسئلة الراهن:

 الرواية التي بين أيدينا الموسومة بـ " الخاتم الأعظم " لمؤلفها زياد كمال حمامي الصادرة عن نون 4 للنشر والطباعة والتوزيع، المنشية القديمة، حلب- سورية في طبعتها الأولى 2015م، تروم من خلال مديات تعبيرية مفتوحة والتي جمعت بين ما هو واقعي وما هو متخيل استنطاق الواقع الأليم والمر والمتردي، الذي أصبح فضاءً للنزاعات والتصورات المغلوطة والمرجعيات المتكلسة، مما ولَّد حالة من حالات الفوضى والعنف والإرهاب.. ومدار هذه الإشكالية في سياقها العام مرتبط بالأساس بالكينونة كما يرى صاحبها، ولا شك " أن وعينا البائس أو حصادنا الفكري العقيم هو نتاج مراحل تاريخية تجمدت بعنف الخطاب وتأسيسات إيديولوجية ووطنية ترسخت في الوعي والذاكرة بقسوة الزمن والخطاب وعبثية الحراسة والعقاب. واللحظة البطريكية أو الأبوية  زادت من سطوة الرقابة وهيمنة القرابة بانتفاء الحس النقدي وأفول الرؤية العميقة الملتمسة للآفاق الواسعة والأعماق الغائرة " بتعبير محمد شوقي الزين.   

من هذا المنطلق، فبطل الرواية الدكتور زين في علاقته الجدلية المتبادلة مع الوطن المنضوية تحت عباءة السؤال، تشكل البؤرة الرئيسة داخل المتن الحكائي كانبثاق أنطولوجي تتكشف عبره الكينونة الإنسانية عن طريق إضاءة مناطقها المعتمة من منظور الروائي، يقول في هذا الصدد  " تدور عجلة الزمن بالدكتور زين، تجرده من وجوده.. هل أنا هو: أنا..؟!  أم أنتَ هو أنا؟!  بل من نحن جميعا؟! وأين نعيش؟! ماذا يحدث لي ... وكأنه يحدث/ ولا يحدث؟!  ثم ما معنى أنني رأيتُ وحدي انفجار الغيمة الغريبة، ذات الأجنحة المتكسّرة " ولعل هذا ما يفسر لنا سبب التساؤلات الطالعة من المقطع السردي، بمعنى أن الذات في علاقتها بالحقيقة تأخذ بعدا تشريحيا تحليليا، أي موضوعا للتأمل والتفكير يسبر أغوار الذوات في حوار منولوجي داخلي، ويبرز بهذا بشكل دقيق في التصدي للوجود الفيزيائي المرئي المتعين، الذي تحكمه القوميات الإثنية داخل الحقل الاجتماعي الخاضع في صورته غير المباشرة إلى صياغات خطابية تستند إلى خلفيات فكرية ومعرفية وثقافية مسطرة، فهذا الوجود في نظر الكاتب هو وجود زائف، يتكئ في جوهرانيته للنمطية المتغلغلة في عالم الموضوعات والأشياء، وبالتالي، هي نقيض التجربة المعاشة واسعة النطاق، إذ أن هذه الأخيرة تقضي على كل تنصل للمسؤولية التي هي إحدى مقومات الوجود الإنساني " هنا ألف وجه يشبهني، وألف نازح مثلي يتألم، ولكنني رغم ذلك أتساءل: هل كنتُ في كل خطواتي أخوض معركة حامية بين نفسي ونفسي؟!  أم أنني كنتُ أبحث عن روحي التائهة؟ أو عن مكان ضيق صغير اختفى و ضاعت دوريه؟!  هل كنتُ أدور، وأدور مثل أجنحة مروحة كهريائية؟ أو مثل طواحين الهواء؟!  وإلا ما معنى أن كل ما فعلته حتى الآن مجرد تبديل للمكان، انتقلت من مخيم إلى مخيم آخر، هاجرت، أو بالأصح نزحت قسريا، والزمن لا يمكن أن يتوقف، وأن يعود إلى الوراء، والمكان هو المكان، أو كما هو في حالتي اللامكان، ولكن مع فرق أنني هنا فقدت هويتي ".

واستنادًا إلى ذلك، فإن الاضطراب الواقعي الذي تعيشه الذات كاغتراب، يحيلنا إلى قضايا باثولوجية فضت بكارته في المجال التداولي عبارة (هنا فقدت هويتي) لأن أي شكل من أشكال الثرثرة نجده مغلفًا بغطاء القمع والإقصاء والتهميش للخصوصية المحاطة بدوائر التفكير أحادي الرؤيا في نضالاته، وبالتالي، فإن الكينونة كلما انزاحت إلى الكثرة كلما ابتعدت عن إنسانيتها وهويتها وتاريخها، مما يترتب عن هذا الانزياح الذي يتشكل كحدث إلى حصد الأرواح وإراقة للدماء، واجتياح المحرمات وكل ما له علاقة بالحياء الذي تجرده التصرفات المشينة من لباسه وثوبه، الأمر الذي أفضى في نهاية المطاف بالوطن بكل ما يحويه من معان عرضة للانتهاك والاعتداء الفاقد للحس الأنطولوجي المعتدل في رؤاه عبر الفحص والقراءة، وهو ما يمكن إدراك مراميه من خلال الصراع الطبقي والإيديولوجي المستكين لفخ الازدواجية، ونرصد ملامح هذا الاعوجاج عندما يتخذ أشكالا ترمي بنا في أحضان الجشع والتملك مؤداه القتل والنهب والخراب والدمار... " تدبُّ الخلافات الحادّة بين الأخوة...بين الأهل، والأقارب، وأبناء الخال، والعمّ ، والجيران الذين كانوا يتعايشون بمحبّة ووئام عبر عشرات السنين، ومئاتها، وكل واحد من المختلفين ينحاز إلى فريق من المتخاصمين، منهم من هو مع الثورة، ومنهم من هو مع النظام الحاكم، ولم تعد للوسطيّة أو السلميّة مكان ، وما أكثر أخوة الدم والياسمين الذين انضموا للاقتتال ببعضهم، وصار السلاح، والقتل المباح هو كلمة الفصل بين المتخاصمين..."

 

2- القلق كبناء أنطولوجي... الأنا ووجود الغير:

مما لا شك فيه، أن الشعور بالقلق بالمعنى الأنطولوجي يستمد مشروعيته من الدازين بالمفهوم الهيدجري، إذ يحدد مواقف الأنا وأدوارها داخل العالم، والتي من خلاله تتجسد المصائر كإدراك يحقق للذات وجودها الأصيل بعد أن استقر بها المقام في البعد عن معطيات الوعي المنضوي تحت مظلة الممارسات الخطابية المنتصرة للحقائق المزيفة على حساب الحقائق الموضوعية       " أحلق بعيدا في عالم الضياع، تمزقني وحدتي، تهلكني سنوات الجمر، أطير، أجوب الآفاق، تائها، حائرا، يظهر الطير الأفعى بأجنحته النارية مرّة أخرى ، يرسم حولي دائرة من نار، يقهقه عاليا، ترعد السماء، يهتز السحاب من قوته، أدرك أنّ المعركة مع هذا المخلوق طويلة، وصعبة، وها أنا الآن معلق بين السماء والأرض، وأنني ضحية لا مهرب منها، ولكن يجب عليّ أن لا أستسلم لقدره، وليس أمامي إلا أن أفكر كيف أستطيع الخروج من دائرة النار؟! "

فالانزلاق في النحن بالنسبة الروائي زياد كمال حمامي يشكل معضلة كبرى كونه يصب في المصلحة الخاصة وليس تحت الإرادة المستقلة في مسايرة روح العصر، ويتعلق الأمر من خلال الانتماءات الضيقة التي تجعل من الأنا في بوتقة ترنسندنتالية، وهي مظنة للفرقة والشتات والضياع، والذي يقع تحت المظلة العظمى الوطن بسبب انهياره وضموره في ذواتنا أولا ومن ثم في العالم الخارجي، لهذا السبب  " فالمساءلة تتحقق ضمن تحليلية الدازاين تحطيم الأنطولوجيا المشحون بتراكمات المعنى الذي يقتلع الدازاين من أصالته وتحمله على أن لا يرى في المأثور الميتافيزيقي إلا بداهة الأنواع والمواقف والاتجاهات " على حد قول محمد محجوب، وعلى هذا الأساس، يطالعنا السرد الحكائي في منح النص إمكانية تحدد طبيعة العلاقة مع الغير المشوبة بالأسئلة المتدفقة  " يفقد في طريق العودة ذاكرته، ولم يعد يعرف:  هل هو الرجل الذي يبحث عن سرّ الطريق الثالث؟!  أم أن هذا الإنسان هو غيره؟! "

 لأن الانغماس مع الآخر بدون عملية استنطاقية هو في حقيقة الأمر اختراق يحول الذوات إلى موضوعات مفعولا بها مما يعكس سلبا وجودا زائفا يتخذ عدة صور وأشكال تفقد فيه الذوات إمكاناتها في صناعة الوجود المأمول الخالي من كل الصراعات الطائفية " يمضي بلا إحساس، بلا شعور أنه هو نفسه..! هل هو فعلا زين، الذي ولد من أب وأم مختلفين مذهبيا؟!  وها هي الأيام تمر، وتصبحان طائفتين تتقاتلان بضراوة ولا رحمة، الأولى تنشد الانعتاق من الاستبداد، والأخرى التي تعتبر من الأقلية تدافع عن وجودها، مَن أنا؟! آه ه ه.. أنا إنسانٌ آخرُ في روحين، وكلّ روح تتجلى ، وتتماهى، وتقودني إلى حيث لا أعلم ولا أدرك؟!  ولعلك أنتَ نفسكَ تدركُ خطورة هذا الأمر أكثر منّي، ونتائجه، وهذا مصدر شكي وألمي، وأنا لا أعرف الآن نهاية المصير ". وإن ما يستوقفنا في هذا السياق، كون نهاية المصير في ظل بحث الكينونة عن موقعها مع الآخر يشكل تحولا حقيقيا وفق مسارات تحمل وظيفة مشتركة ومحددة غياب الحرية في طابعها الاستلابي، وأمام هذا الاعتراض من قبل الروائي على لسان شخوصه، فيرى أن  الوطن كحاضنة لا تتمتع فيه الأنا مع الغير إلا من خلال العودة إلى الوجود الأصيل، بحيث يضمن لكلا الأطراف الحرية التي سلبت بفعل الهبوط الذي يسكنه الابتذال والانحطاط الناجم عن الحيثيات التي ساهمت في بلورة مخيال يحمل كثافة رمزية مشحونة، انطلاقاً من إضفاء صفة القداسة عليه، وبصورة أخص يضع الذوات بطريقة لا شعورية تتعارض تصوراتها ومفاهيمها مع الذاكرة والتاريخ داخل نظام الممارسة الذي يشكل في مبناه العام تهديدا وخطرا، وهذا ما يؤدي إلى أزمة وجودية من خلال تضليل وتعتيم الكينونة بفعل الوسائط المرذولة التي لا تمت بأي صلة للحقيقة المستساغة.

يقول في السياق " يشعر أنّ الأرض ضاقت على الأجساد، وسكن الوجود، في عتم الليل: يتأوّه في سرّه هاتفا

- ي- اااا لحرب الوجود! ...؟

يهتف )أبو فراس )، موافقا:

- نعم، إنها حرب وجود.. أو لا وجود!؟

يفكر د.زين، قليلا، يشعل لفافة تبغ، يسحب نفسا عميقا ثمّ يجيب الحاضرين بلهجة آخر السطر:

- ليس  لنا الخيار في الولادة أو الموت، ولكن لنا الخيار في الوسيلة التي سنختار فيها حياتنا ومستقبل أجيالنا."

إن ما يمتاز به هذا الموقف كون الموت يطالعنا في هذا المقطع السردي كطاقة جوانية تنفلت من قيود الشهوانية والإيروسية المتعلقة بالحياة، ويظهر هذا جليا في تفعيل كل ميكانيزمات الذات أو الكينونة التي بواسطتها يتجلى الوجود عبر إنارته وإضاءته، يعكسه الملفوظ الآتي (ولكن لنا الخيار في الوسيلة التي سنختار فيها حياتنا ومستقبل أجيالنا) أي أن العلاقة بين الذات والوجود هي علاقة مبنية على الفهم وليس على المخيال الجمعي المرتبط بالعلية المشوهة بفضل التداعيات، وهذه المسلمة هي التي تدفعنا الآن إلى القول: بأن الكينونة التي تقيم وجودا بدون هذا الغير انطلاقا من الإرادة الحرة المتجاوزة للأجهزة الإيديولوجية، تتكشف من جرائها الحقيقة التاريخية في الزمان والمكان وفي العالم أجمع بصورة أدق.    

وتبعًا لذلك، فهاجس الوطن جعل من اللغة السردية نفسها وقودًا لكي تتكلم أي تستدعي الأشياء والموضوعات، لأن " اللغة تتكلم بنا لا نحن من نتكلم بها " بتعبير مارتن هيدجر، واستنادا إلى ذلك، فإن الكاتب عشقه للوطن وهوسه به حول الأشياء اللامرئية إلى مرئية بفعل الدازين، المنحدر ضمن مقتضيات التفكير الذي يتجاوز المدلول المتعالي كقوة ضاغطة بطريقة لاشعورية تضعنا في مصاف الاحتجاب الذي يقذف بالذوات في عالم الغياب، وهنا، تكشف الرواية عن نوع من أنواع التصادم بين الذوات التي تحركها الجوانب الإيديولوجية والانتماءات الضيقة وكل أنماط الدعاية والإعلام.. كصناعة ثقافية محشوة بالأطر التمجيدية كما يراها الكاتب، إذ جعلت من الكينونة تدخل في عالم الاحتجاب والتواري، وهي لحظة من لحظات تكلس الوعي المقيد للسلوك الإنساني المبرر للأنساق السلطوية، وهو شكل من أشكال السيطرة والضبط والتحكم، والتي أغفلت في حقيقة الأمر بالنسبة له فكرية جوهرية، والتي تجمعهم تحت سقف واحد الوطن بكل ما يحمله من شحنة عاطفية ووجدانية وعقلية وروحية.. بحيث يدخل ضمن حيز الإمكان الذي من خلاله يبرز الوطن كحالة متجردة تقودنا إلى الغاية المنشودة والمطلوبة كحل للأزمة الحالية، يستشرف بها الروائي زياد كمال حمامي مستقبلا مشرقا للإنسانية  في صورتها المكتملة.

 

بقلم. خالدي وليد/الجزائر.