رحيم الغرباويإن المتلقي على وفق نظرية القراءة والتلقي له الأسبقية في الفهم التأويل؛ كون النص أُنشئ من أجله، لذا فمن البديهي أن يحمل في ذاته محتوىً دالاً، فلابدّ من فهم ذلك النص الذي يتفرج عليه سواء أكان نصاً شعريا أم تمثيلياً، فيكون التفاعل بين صاحب النص أو الممثل ومتلقيه، ولعل العمل الفني لايحقق مؤداه مالم يخضع للقراءة المتأنية؛ ليتمكن النص من طرح مافيه من دلالات خبيئة يضمرها في طبقاته العميقة .

والتأويل في طروحات غادامير (1900)، هو عملية فهم النصوص من خلال قراءة ما " حدث في التاريخ، يتمُّ فيه تفاعل النص والمؤول والذات والموضوع تفاعلاً مُتبادلاً في كل عملية فهم، وهو المسار الطبيعي نحو إطلاق العنان لسيرورة التأويل، لابدَّ في ذلك من استحضار قوانين النص وقوانين السياق، وفي هذه السيرورة يكون للأحكام المسبقة دور رئيسي؛ كونها تشكل الكون الوحيد الذي يجعلنا منفتحين على العالم والنص " (1)، إذ تدور عملية التأويل بين ثلاثة أقطاب: " المؤلف التاريخي، والمؤول الذاتي، والنص في معناه الكلي، وهي دائرة يؤطرها السياق التاريخي والثقافي " (2) .

ولعل التجربة الفنية لدى صاحب النص مستقاة من تجربته الشعورية  والسياق الخاص، ففي أحيان كثيرة يرجع الشاعر إلى ما ينعكس في شعوره تجاه الواقع المشوب بالفرح أو الحزن، العلو أو الانتكاسة، ولعل الرمز الشعري في النص يحقق مؤداه، لكن على الرغم من سعة دلالته، فهو مشدود إلى واقع تاريخي يقرره السياق والتجربة الشعرية التي يعبر بها صاحب النص عن أحاسيسه وأفكاره، فالرمز "الشعري مرتبط كل الارتباط بالتجربة الشعورية التي يعانيها الشاعر والتي تمنح الأشياء مغزىً خاصاً " (3)

وشاعرنا الراحل نزار قباني الذي كتب أشعاره بروح شفافة صدحت بالكثير منها حناجرُ المطربين العرب بوصف نزار شاعر المرأة والحب في مفهوم معظم المعجبين به من متذوقين أو وآلهين و محبِّين لكن، في قصائد له نستمري للنص وجهاً آخر، فقد وجدناه قد كتب من أجل قضايا العرب المصيرية، منها قضية العرب الكبرى فلسطين . ويبدو أنَّ قصيدة قارئة الفنجان النبوئية، هي من أكثر قصائده المؤلمة التي ترك نهايتها المأساوية مفتوحة ومتعددة القراءات، فمنها وما تعارف الناس عليه أنها كُتِبتْ للمحب الوامق المفتون الذي لم يهنأ بحبيبته للنهاية المأساوية التي أنبأته العرَّافة قارئة الفنجان، إذ لامناص من نهاية حبِّه الذي سيؤول إلى فراق حتمي لامحالة، فنرى نزار يصف قارئة الفنجان ونبوءتها، وهو يقول بلسانها وبإسلوب قصصي:

جلستْ والخوفُ بعينيها

تتأملُ فنجاني المقلوب

قالت يا ولدي لاتحزنْ

فالحبُّ عليكَ هو المكتوبْ

يا ولدي قد ماتَ شهيداً

من ماتَ على دينِ المحبوب

...

فنجانُكَ دنيا مُرعبةٌ

وحياتكَ أسفارٌ وحروبْ

ستحبُّ كثيراً وكثيراً

وتموتُ كثيراً وكثيراً

وتعشقُ كلَّ نساء الأرض

وترجعُ كالملكِ المغلوبْ .

فنراه في المعنى المباشر كأنَّ قارئة الفنجان تخاطب رجلاً طلب منها مصيره مما يتلجلج في دواخله، لكنها لم تؤمِّله بما يروم أو يطمح، فتنبئه أنه سيعشق ولا يفلح في نيل معشوقته  مستقبلاً على الرغم من تعلّقه فيكرر كثرة الحب مرات ومرَّات، لكنه إزاء ذلك الحب يموت مرَّاتٍ ومرات أيضاً، ثم أنها تصف فنجانه الذي تقرأه له: من أنه سيعيش دنيا مرعبة، وأسفاراً، وحروب؛ لكنَّ على الرغم من محاولاته في نيل حبيبته إلا أنه سيعود منها كالملك المغلوب الذي يذهب من سوح الوغى، ولا يجد أمامه سوى الخسران .

ولو قرأنا لا وعي الشاعر والظروف التي أحاطت بالنص لاسيما انتكاسة العرب في حزيران 1967م، فقد كان الشباب العربي متعطشاً قبل النكسة أنْ تتحرر فلسطين وهو الحلم الأكبر، لكنهم صُدِموا بالخسارة الفادحة أمام الكيان الصهيوني، والتي عصفت بالشباب وبمثقفي الأمة وشعرائها، فبرز جيل من الشعراء ينعى مأساة العرب، ويهجو الحكام الذين تسببوا في هزيمتهم الكبرى، ومن بينهم نزار قباني الذي استوقفته " ظاهرة الإدانة التامة لكلِّ ماهو شرقي وأنَّ تبخيسه قدر الشعب المتخلف لم يمنعه من إدانة كل الملوك والرؤساء يومذاك... فقصائده لم تستثنِ أحداً من مسؤولية العار العربي" (4)، ولعل هذا الحدث الكبير هو ما جعل نزار قباني يكتب قصيدته قارئة الفنجان وغيرها، ويتنبأ بما ستؤول إليه القضية الفلسطينية، لكنه لم يبح بذلك، بل كتب نصه؛ كي تقرأه الأجيال اللاحقة، ولو أنَّه عُرِف عنه بأنَّه شاعر الحب والمرأة، ولقد أدين لكتابة شعر الحب والغزل، من لدن الكثيرين الذي لم يدققوا بالمعاني المستبطنة التي لم يكونوا  يتمتعون بالدراية الكاملة لما تحمله القصيدة في إتونها من معانٍ مُغيَّبة، لكنه عُرف بشاعر الشباب، فآثر أنْ يكتب بروحهم من دون أن يبث في دواخلهم لواعج اليأس و مرارة الهزيمة، بل بثَّ في أرواحهم معاني الجمال والإنسانية؛ لذلك لم نسمع له تصريحاً يفتي بمعنى القصيدة المضمر بوصفها قيلتْ كذلك للأجيال اللاحقة لأنها تخاطب كذلك القادمين الذين سيعشقون بلدهم المضاع ويقاتلون من أجله .

ولعل فلسطين لما حملته من وسامة وجمال وما فيها من أمنيات للقاء بها والعيش في ظلالها راح يتغزل بها كما يتغزل بفتاة يافعة الجمال، فنراه يصفها على لسان قارئة الفنجان بسرد قصصي، يقول فيها:

بحياتكَ يا ولدي امرأةٌ

عيناها سبحانَ المعبودْ

فمها مرسوم كالعنقود

ضحكتها موسيقى وورود

لكنَّ سماءكَ ممطرةٌ

وطريقكَ مسدودٌ مسدودْ.

فهي أجمل النساء؛ لكن لا يمكن الوصول إليها لأن طريقها بات مسدودا، وكأنه يخاطب الشباب العربي على الرغم من أمانيهم الكثار ممن سيتعلقون بحسنها وجمالها إلا أنَّ أنها صعبة المنال وعلى الرغم من أنَّ سماءهم ممطرة إشارة إلى الأمل المعقود لديهم لكن الطوفان هو أعلى منهم كما يرى الشاعر.

ثم نراه يعرض الأسباب التي تحول دون الوصول لتلك الحبيبة النائمة في القصر المرصود من قبل آسريها:

فحبيبةُ قلبكَ يا ولدي

نائمةٌ في قصرٍ مرصودْ

والقصرُ كبيرٌ يا ولدي

وكلابٌ تحرسهُ وجنود

وأميرة قلبك نائمةٌ

من يدخل حجرتها مفقودْ

من يطلب يدها ... من يدنو

من سورِ حديقتها مفقودْ

من حاول فكّ ضفائرها

يا ولدي مفقودٌ ... مفقودْ .

ولعل الحبيبة فلسطين هي من وقعت أسيرة المحتل، وفي قصر كبير تحرسه كلاب وجنود مدججون بالسلاح، فالدخول إلى غرفتها بات مستحيلاً وحتى الوصول إلى حديقتها مفقود، ويبدو تكرار لفظة (مفقود) في بعض مقاطع النص، هو توكيد لما ستؤول إليه الأمور، وأنَّ تحريرها أشبه بالمستحيل في عصرنا حسب نبوءة الشاعر، بينما صوَّر فلسطين امرأة في قصر مشيراً إلى أنَّ لها حديقة ل اهتمام المحتل واعتناءهم بها؛ لما يدَّعون أنها الوطن الموعود، ومن أجله سُبيتْ واتُّخذتْ وطناً وموئلاً لهم، فلذلك أُسِرتْ من دون أن يمنحوا أصحابها الشرعيين فرصة استردادها، وعلى الرغم من تضحيات واستشهاد الكثير من أبنائها الأصليين، لكن من دون أمل لإنقاذها حسب رؤيا الشاعر .

ثمَّ يختم بقوله عن لسان قارئة الفنجان:

مقدوركَ أنْ تمشي أبداً

في الحبِّ على حدِّ الخنجر

وتظلّ وحيداً كالأصداف

وتظلّ حزيناً كالصفصاف

مقدوركَ أنْ تمضي أبداً

في بحرِ الحبِّ بغير ِ قلوعْ

وتحبُّ ملايين المراتْ

وترجع ... كالملك المخلوعْ .

وبهذا نرى أنَّ القصيدة قد استنبطت من أحداث تاريخها موضوعاً لها، لكن الشاعر غلَّفه بما عُرف عنه من أنه شاعر الحب، ومازالت حناجر المغنين وأوتار الملحنين تغرِّد وتعزف، وما زالت فلسطين حكراً على غير أبنائها الأصليين على الرغم من المقاومة الشرسة التي تتعرض كلَّ يوم لِلإجهاض على الرغم من أشتد أوارها، فظل الحبيب وحيداً من غير مناصرٍ بل وقضيته أضحت غريبة كالصفصاف، فهو المُحبُّ لأرضه،  لكن كمن يبحر للحبيبة من غير قلوع، فآل حسب نبوءة القباني عائداً يجرُّ الحسرات والانكسارات كالملك المخلوع ... .

لكننا نرى جذوةً في الأفق من أن المسار الحقيقي لاسترداد فلسطين، هو النضال من أجل الله والحب، وخير الجهاد هو الجهاد في سبيل الله من أجل تراب الوطن المغتصب .

 

بقلم د. رحيم عبد علي الغرباوي

......................................

الهوامش:

(1) الفلسفة الغربية المعاصرة، إشراف د. علي المحمداوي:2/ 1189

(2) المصدر نفسه: 1190

(3) الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، د. عز الدين إسماعيل: 198 .

(4) النرجسية في أدب نزار قباني، د. خريتو نجم: 382

 

معراج احمد الندويخاض أحمد شوقي في غمار العمل الروائي وأثبت حضوره روائيا إلى جانب إمارة الشعر. فقد كانت تجربته الروائية الأولى من خلال روايته "عذراء الهند" التي ظهرت في عام 1897م والتي عدت باكورة أعمااله الروائية في هذا الميدان، لقد كتب شوقي خمس روايات استلهم فيها التاريخ الفرعوني القديم، ولكن لم تحظ رواياته باهتمام الباحثين، ويجهل الكثيرون بأن شوقي كان روائيا، لقد أبرز في معظم رواياته الحضارة الفرعونية القديمة ورسم معالم حضارة الأجداد تجعلنا نقف خاشعين أمام أمجادهم وعظمتهم.  قد ساهم مساهمة فعالة في كتابة الرواية العربية الحديثة. له إبداع وابتكار في مجال الرواية العربي التاريخية، يبدوا أن شعره قد غلب على نثره وقتل أعماله الرواية.

يتربع أحمد شوقي على مكانة الصدراة بغزارة شعره وروعته وجماله. وهو أول من أدخل شعرنا الحديث المسرح القصصي الشعري ولكن قبل أن يخوض هذا العبقري في الشعر، لقد طرق باب الرواية في وقت مبكرة من حياته. وسرعان أدرك أنه لم خلق له فغير وجهة نظره و كرس حياته ونفسه للشعر وحده حتى أصبح أمير الشعراء في العصر الحديث.

مولده ونشأته:

 ولد أحمد شوقي في السادس عشر من أكتوبر عام 1870م. انحدر شوقي من أسرة اختلطت دماءها بأصول أربعة: الكردية واليونانية والتركية والعربية. أما جده لأبيه يرجع أصول لاكردية. إن والده قدم هذه الديار يافعا يحمل وصاة من أحمد باشا، وكان جدي وأنا حامل اسمه ولقبه يحسن كتابة العربية والتركية خطأ وإنشاء فادخله الوالي معيته. تلقى شوقي علومه الإبتدائية على يد الشيخ صالح ثم التحق بمدرسة المبتديان الإبتدائية ثم انتقل إلى مدرسة الحقوق. والتحق بقسم الترجمة. درس هناك الغة الفرنسية ولعل أصوله المتعددة ساعدته في دراسة الترجمة. عمل شوقي  في قصر الخديو عاما قبل أن يسافر إلى فرنسا لاكمال علومه على نفقة الخديو الذي وجد أن الفتى ابن العشرون لا يجوز أن يلتحق بقصره قبل أن يستكمل أسباب الثقافة القانونية بالإضافة إلى شهادة الترجمة. وعندما سافر شوقي إلى فرنسا راح يطلع على الآداب الأوربية وتأثر بها فضلا عن تأثره بالقانون والحقوق. راح شوقي يطلع على الآداب الغربية اثناء إقامته في فرنسا فتأثر بروائع الفن والحضارة الأوربية ولا سيما عندما وقف على أعمال الكتاب بهم باع طويل في الأدب العالمي. عاد شوقي إلى مصر عام 1892م بعد أن اتم دراسته في فرنسا والتحق بقر الخديو توفيق، وفي عام 1894سافر إلى سويسرا مبعوثا من الحكومة المصرية لحضور مؤتمر المستشرقين ثم انتقل إلى  ببليجكا. لم تدم المكانة التي حظى بها شوقي في داخل القصر بعد موت الخديو توفيق، عاد شوقي إلى مصر عام 1892 في عهد عباس حلمي الثاني، فأعرض مدة عن شوقي ولكنه ما لبث أن قربه إليه وجعله شاعر البلاط. عاد شوقي إلى وطنه برسالة جديدة حيث راح ينظم الشعر الوطني ضد الاحتلال البريطاني. فأصبح شوقي لسانا لشعبه ينطق بميولهم ورغباتهم الدفينة في نفوسهم عقب الثورة العرابية.  هكذا بدأ شوقي يتأثر بالأدب الغربي وبدأ يقلد أدباءهم في فنه وأدبه. وكانت المدسة الرومانسية ذات الأثر الأكبر على فكره. تسارعت الأحداث السياسية في مصر والدولة العثمانية. وكان لذلك أثر عظيم في حياة شوقي وفنه.

 اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914م وتمكنت بريطانيا على إثرها من السيطرة على مصر. فامرت بريطانيا بعزله من منصبه وتمت التعيين حسين كامل مكانه, ولم تكتف بريطانيا على ذلك بل بدأت تعزل وتنفي رجالات الخديو، فلم يسكت شوقي بل نظم قصيدة تحدث فيها عن الحماية عنها ونفوذها على مصر فقال" "إن الرواية لم تتم فصولا". راح شوقي الوطني ينمو ويزداد شيئا فشيئا، فاشتعل الحنين لوطنه في صدره وبدأ لسانه يفيض شعرا وطنيا وغناء حزينا. وتعتبر هذه الفترة من حياته نقطة التحول في فنه. ومن هناك بدأ الشاعر يتحرر من قيود القصر الذهبية ويتقرب إلى الشعب المصري. فصار لسان الشعب.

أحمد شوقي وإسهاماته في الرواية العربية:

لقد أغنى شوقي المكتبة العربية بفنونه النثرية المختلفة إلا أنها لم تنل حظا وافيا بالدرس والتحليل، إذ تغلب شعره على نثره وقتله. أخرج أحمد شوقي خمس روايات استلهم فيها التاريخ الفرعوني القديم وهي بالتالي: "عذراء الهند" عام 1897م و"لادياس" أو "آخر الفراعنة" سنة 1988م، ثم رواية "دل ويتمان" في نفس العام والتي تعتبر الجزء الثاني لرواية "لادياس"، ثم "شيطان بنتادور سنة 1901م، وأخيرًا "ورقة الأس". عام 1905م.

- عذراء الهند: بدأ شوقي باكورته الروائية بكتابة "عذراء الهند" عام 1897م التي نشرة مسلسلة في جريدة "الأهرام" تحت عنوان "عذراء الهند وتمدن الفراعنة" من20يوليو إلى6 اكتوبر سنة 1897م. وهي رواية غرامية غريبة السرد تنتهي وقائها إلى زمن رعمسيس الثاني المعروف سيزو وستريس أحد الفرااعنة مصر الأقدمين.

- ولادياس: أصدر شوقي هذه الرواية عام 1898م. وهي رواية نثرية تاريخية تدور أحداثها في عهد الفراعنة  تدور أحداث الرواية العنصرالمصري في زمن البرياس. اتخذ شوقي من الحب يبني عليه حوادثه التاريخية حيث اعتمد كثير من المتاب على العلاقة بين الشخوص إلى جانب الأحداث أو في بناء الأحداث حتى أضحت كأنها بناء فني في العمل الروائي.

- ودل وتيمان: في الواقع أن هذا الرواية هي مكتملة لرواية لادياس أخرجها شوقي هذه الرواية عام 1899م وعبر فيها حالة مصر في عهد الملك "أمازيس" ونوه فيها باستبداد اليونان بشؤون مصر.

- شيطان بنتاور:  أخرج شوقي هذه الرواية عام 1901م. وهذه الرواية مختلفة عن الأخرى في كونها وكيانها. اعتمد شوفي فيها على الحوار بأسلوب مقامات الهمذاني والحرير. يدور الحوار في هذه الرواية بين طائر الهدهد الذي يرمز إلى شوقي نفسه وطائر النسر الذي يرمز إلى بنتاءور، شاعر مصر الفرعونية القديمة. قد ذكر فيها شوقي أحوال مصر السياسية والأخلاقية والاجتماعيىة والأدبية والثقافية. أراد شوقي من ذلك البيان أهمية الأديب والشاعر ودوره في المجتمع.

- ورقة الآس: قد أخرج شوقي هذه الرواية عام 1905م. وهي الرواية العربية الوحيدة من بين رواياته الفرعونية. ترجع أحداثها إلى العام 272م. وقد أخذ موضوعها من التاريخ العربي قبل الإسلام.

فكر شوقي واستلهم التاريخ الفرعوني في أربع رواياته وهي "عذراء الهند" و"لادياس و"دل وتيمان" وشيطان بنتاؤور" أما روايته "ورقة الآس" فقد استحضر فيها تاريخ العرب قبل الإسلام. قد تناول شوقي  مادته الأولية في رواياته مثل الأدباء الآخرين من التاريخ وأومن الحياة الاجتماعية المعاصرة، واستفاد من التاريخ ليظهر أفكاره ويوقظ أبناء الوطن.

الحضارة الفرعونية كما تنعكس في روايات أحمد شوقي:

لقد كتب شوقي خمس روايات استلهم فيها التاريخ الفرعوني القديم.استطاع شوقي أن يستظهر الماضي لخدمة الحاضر. فكانت مصر القديمة نهل منه شوقي وبنى عليه عالمه الروائ. رسم شوقي في هذه الرواية معالم حضارة الأجداد وقدم صورة لنا تجعلنا نقف خاشعين أمام أمجادهم وعظمتهم. إن المجتمع الفرعوني متحضر، يحتكم للقضاء والقانون، فللمحاكم شأن عظيم في فض النزاعات بين المواطنين. وكانت مصر الفرعونية مستقلة بقراراتها، تعتمد على ذاتها حيث الزراعة والصناعة والتجارة. فلم تك مسلوبة الإرادة كمصر الحديثة كان مجتمعا عزيزا قويا يعتز بذاته يدافع عن معتقداته وتراثه. يبدو أن شوقي يعتز بحضارة اجداده ويدعو إلى احترامها وتقديرها وحميتها من الضياع والفقدان. 

إن شوقي ينقل لنا معالم الحضارة الفرعونية بأدق تفاصيلها ويبين لنا العدالة الفرعونية وانتصارها للخير على الشر، ثم ينطلق بنا إلى الدوائر المصرية.وقد مجد شوقي الأدب والأباء المصريين قديمهم وحديثهم. لقد أظهر شوقي في رواياته مفاتن الحضارة الفرعونية، فجائت صورها زاهية مشرقة، فأكثر من ذكر المدن الفرعونية، والأسواق والمصانع والتاجر كما أشاد برقى المجتمع الفرعوني حيث وصل إلى مراكز علمية رفيعة. وذكر عن الطب الفرعوني والتخطيط مشيدا بدور العلم ومعاهده. رسم شوقي معالم الحضارة الفرعونية في معظم روايته بصورة زاهية مشرقة.

 

 الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

رحمن خضير عباسعن مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع في بيروت. صدر للكاتب المغربي شكيب أريج كتابٌ بعنوان مدينة تأكل أولادها. وقد وُصِفَ المؤٓلَّف ب " الكائنات القصصية" وكأنما أُريد من ذلك إعفاء الكاتب عن مهمة التصنيف من الناحية الفنية، وترك ذلك للمتلقي، ليتلمسَ بنفسه هوية العمل وتصنيفه، على أساس السؤال الذي يُلّح على القارئ:

هل (مدينة تأكل أولادها) مجموعة قصص قصيرة خضعت لهذا العنوان ؟ أم أنها فصول مجتمعة تكوّن بمجملها رواية تحت هذا الاسم الذي أشرنا إليه ؟

لذلك فحينما تتصفح الكتاب، نقع في حَيْرة التجنيس، بين الرواية أو القصص القصيرة.

وذلك يرجِع إلى الشروط المتعارف عليها في العمل الروائي، الذي يتكوّن عادةً من مجموعة من الفصول، تساهم في نمو الاحداث وتناسقها أو ترابطها. وهذا ما لم نتلمسه في هذا العمل. وذلك لأن قصة (الحلقة) منفصلة عن السياق العام للمجموعة، لها بناؤها القصصي المستقل عن بقية متون النص. وكذلك يمكن القول عن قصة (رجل الجريدة والعمود).

فاذا افترضنا أنها مجموعة قصصية. فينبغي أنّ كل قصة منها تكتفي بذاتها ومضمونها وأبطالها ولا تترك النتائج للقصص الموالية، لذا فمفهوم المجموعة القصصية لم يتوفر في بعض النصوص التي أكمل بعضُها بعضا، من حيث العقدة والشخوص. وكأنها فصول لرواية واحدة. وذلك لنمو الفعل الروائي من فصل لآخر، وإعادة نفس الاسماء مثل عبيقة وعبيروش ومبروك وعلال التنس.

يبدو أنّ هذا العمل الأدبي اعتمد على ترك الاحداث والشخوص تتحرك وتتجول بين متون النص، تحت فضاء مدينة هائلة وقاسية تعتصر أبناءها في لوحات سردية، تقرّبنا من أسلوب (الكولاج) القصصي، والذي يعني عملية انتزاع بعض الحوادث السردية، والتي يُفترض أن تكون في هذا الفصل / القصة، ولصقها في قصة أخرى. أو محاولة توزيع المتن القصصي بنصوص مجتزأة، كي تتبعثر الصور الحكائية في مساحة اللوحة. ولكنها تبقى ضمن إطارها العام. وقد شاع أسلوب الكولاج في الفن التشكيلي. وأعتبر في وقته نوعا من التجديد للفن الكلاسيكي الذي عرف فترةً من الركود في بداية القرن العشرين.

وكان من رواد الكولاج والتجديد في قواعد بناء اللون الفنان المعروف بيكاسو. ولكن أسلوب الكولاج الذي أدهش المتلقّى وأثرى الفنون التشكيلية، قد لا يكونٓ ملائما للرواية أو القصة، اللهم الا في حالات معيّنة، يصل فيها الكاتبُ إلى التخمة في الكتابة التقليدية، فيضطر إلى كسر القواعد المعمول بها. وانتهاج أساليب روائية أكثر حداثة.

لكنّ التحرر من السياقات المألوفة، قد يجعل الكاتب في مواجهة مغامرة فنية غير محسوبة النتائج في التجربة الإبداعية.

في قصة الحلقة يتألق الكاتب شكيب أريج. فيصف لنا حلقات الحكواتي. مركّزا على عنصر التشويق لمعرفة السر الذي طرحه في حلقته. والذي يتمثّل في تحويل الحمار إلى حرير، لقد استطاع الحكواتي أنْ يصنع هالةً من التشويق والفضول بين الناس الذين تجمهروا لمعرفة نتيجة هذه المعجزة. ولكنّ صاحب الحمار وضع شروطا لهذا التحوّل المستحيل. هذه الشروط تتمثل بمحاولة تجسيد المدينة، ووصفها وتأمل زواياها وأسرارها، ومعرفة أهلها وطبائعهم.

فيبدأ بالحديث عن الناس الذين يؤمّونَ المدينةَ ويفترشون طرقاتها واسواقها، للبحث عن العيش والعمل. يتحدث عن بنية المدينة وما تحتويه من مستشفيات بائسة، يتحدث عن شوارعها وأرصفتها وشبابها الذين يعانون من الفراغ والبطالة. يتحدث عن طقوس أهل المدينة في أفراحهم ومناسباتهم، عن وسائل نقلهم ولهوهم، عن طوابيرهم المصلوبة على شبابيك الانتظار في مراكز البريد والمصارف والشرطة والصيدليات. يتحدث عن الأبخرة والسيارات والدراجات الهوائية، عن المتسولين والسكارى والعمال والفلاحين وبائعات الهوى.

وبعد أن يتحدث الحلايقي عن كل زاويةٍ من زوايا المدينة، وعن أغلب مظاهرها.

يستخلص نتيجةً مفادها:

" ها هو الحمار صدقوا أو لا تُصدقوا.. صبركم وحده لو تدرون كفيلٌ بتحويله إلى ذهب " وهذا يعني أن التحوّل، هو أن لا يرى الانسان الأشياء بعيون غبية،غير قادرة على التحليل والتشخيص، وإنّما بعين الوعي والإدراك.

لقد استطاع الكاتب أنْ يشحن هذه القصة بطاقة هائلة من التشفير اللذيذ، والرموز الثرية التي تمتلك كمّا هائلا من القدرة على إدراك الواقع وتشخيص عاهاته.

واختزل المدينة كلها ككيان اجتماعي واقتصادي في حلقة للفرجة التي يمتزج فيها الجدّ بالهزل، وحيث تتكون المدينة/ الحلقة من زحام بشري، (يُمغنطه) الفضول والإنصات وانتظار الإعجاز. دون أن تساهم هذه الوجوه المزدحمة والساعية إلى الفرجة المجّانية، الوجوه الخاملة والكسولة، غير القادرة على رفض الخرافة، أو السعي إلى الاحتجاج على منطقها المنحرف. تظلّ هذه الوجوه متلونةً بفداحة جهلها، حتى تجعل من هذا الحكواتي الذي استطاع أن يستقطب فضولهم أن يعلن لهم:

أن عمل المستحيل (تحويل الحمار إلى حرير) يكمن في وعيهم وبصيرتهم وإدراك حجم المخاطر التي تحيط بهم. هذا الوعي والقدرة على التمييز،هو المعجزة الحقيقية.

لقد استخدم الكاتب تقنية قصصية متداخلة ومتشعبة. من حيث ثنائية السرد، الذي يأتي مرّة على لسان الحكواتي ومرّة على لسان السارد، وتداخل الأصوات بينهما، حتى يجد القارئ نفسه أمام رؤيتين لمشهد واحد.

كما نجح في تسخير كل أدواته الكتابية، لينفذ إلى روح الحلقة كتراث حكائي فولكلوري، تمتزج فيه أنواع متناقضة، كتجسيد العبر من التراث. وبثّ الحكمة والموعظة. وتلفيق الحكايات الماضية ومحاولة مسرحتها، وتقديم الطرائف والألغاز والأحاجي التي يمتزج فيها الواقع بالخيال كما تمتزج الحقائق بالأكاذيب، ويستلّ منها جملة من الرؤى والأفكاروالمفاهيم والقيم، ليبثها في هذه القصة الجميلة فنيا والثرية فكريا.

قصة (رجل الجريدة والعمود) ذات بعد تجريدي بالمعنى الفني، بمعنى تجريد ما هو محيط بِنَا عن واقعه وإعادة صياغته برؤية فنية. تتداخل فيها الالوان والمشاعر والرؤى المختلفة. الرجل كان مريبا بالنسبة للآخرين، غير منسجم مع المشهد المحيط به وكأنه توأم للعمود الذي يضيء العتمة في الليل، ويبقى دون إضاءة طيلة النهار، والرجل شبيه بالعمود، من حيث السكون وعدم الفعل الحقيقي.

فهذا الرجل الغامض، والذي يجلس وحيدا كل يوم وفي نفس المكان، يقرأ الجريدة ويراقب حركة الشارع. بشكل لا يختلف عن عمود الضوء في سكونيته. هذا الرجل كان يعيد المشهد وفق رؤاه وكأنه يمتلك المكان. حتى ظنّ الناس بأنه مخبرٌ يتجسس على أفعالهم. لكنّ هذه الرجل الذي يجاور العمود ويشابهه. قد اندمج كليا معه في لقطة فنية تجريدية. ترمز الى الخواء الروحي الذي يعتري بعض النماذج في المدينة، ليتحولوا إلى دمى وبيادق. لا تعي الحركة. إنه الخمول الحقيقي وعدم القدرة على الفعل.

موت رجل الجريدة بفعل سقوط العمود عليه، لم يُشكِّل ضمن سياق القصة، سوى البعد عما هو واقعي، وتجريده من مضمونه كحادثة موت. لقد ورد في القصة وكأنه حالة اتحاد بين كائنين عبثيين ؛

الرجل الفائض عن حاجة المدينة، والعمود الذي تقادم بفعل الزمن.

وبدلا من ردود الفعل التي تندهش وتُصدم لحالة موت مفاجئ، تحولت إلى مشهد لوني لا يكترث للموت كفاجعة، وإنّما كحالة تجريدية:

" سائل القهوة السوداء اختلط بسائل أحمر بأعقاب سجائر والعمود يجثم على وجه الرجل المُهشّم "

قصة الخم التي تتحدث عن أنواع الدجاج وطبقاته، والتفاوت بين أنواع الدجاج، لا قيمة لها من الناحية الفنية. فهي ترديد لرموز حيوانية وردت في أزمنة غابرة،مثل كليلة ودمنة التي أصبحت مُتَجاوزة و مُستهلكة.واعتقد بأنّ ذهنية الكاتب شكيب أريج وثقافته قادرة على استنباط ما هو جديد من واقعنا المُعاش، ومحاولة رفده بالرؤى والأساليب الفنية والإبداعية، دون الحاجة إلى الإطلالة على التراث، وتكرار بعض مضامينه.

في القصص الأخرى، ثمة أبطال التقطهم الكاتب من قاع الحياة. واستطاع أن ينفذ إلى علّة ضياعهم. جسّدهم لنا وهم يصارعون وجودهم القلق على حافة الهاوية.

هؤلاء (الأولاد) الذين يعيشونها بكيفية أقرب إلى الموت البطيء، ومنهم (عبيروش) ماسح الاحذية، الذي وجد نفسه على أرصفة التشرد والفقر والاهمال في هذه المدينة المزدحمة بالبشر. ولكنه يقاوم شظف اللحظة بالعمل الذي لا يقدّم له سوى مسخ إنسانيته، وبحكم عمله كماسح أحذية، يقيم علاقات جنسية شاذة مع سائح مأبون، طمعا في المال وليس كحاجة جنسية. ولكنّه يُدرك فداحة ما يقوم به، ويكره ذلك. وحينما يقوم بسرقة ممتلكات السائح يتعرض لاستجواب من قبل الشرطة، التي تقف مع السائح. كما يطرح النص شخصية (عبيقة) الذي يعيش على جمع أعقاب السجائر ومخلفاتها، والذي يشارك عبيروش في نفس الجنحة التي ارتكبت للسائح المأبون. وقد استطاع الكاتب بطرف خفي أن ْ يُلمّح إلى قسوة الحاجة والتشرد التي يعيشها هؤلاء في مدن الفاقة، ويقارنها بترف أبناء مجتمعات الوفرة الذين يأتون من أوربا، وهم محمّلون بتخمة العيش وتمظهراتها من شذوذ جنسي وجنوح أخلاقي. كما يشيرإلى غياب القوانين التي تحمي الطفولة المشردة، والتي تسقط في فخ الانحراف الاخلاقي، بسبب الحاجة الملحة، لأطفال لا يجدون سوى شوارع مدينة لا تكترث لأبنائها، بل أنها تسعى لتدميرهم واستهلاك جذوة طفولتهم.

واذا كان عبيقة وعبيروش يجسدان بؤس الطفولة، فشخصية مبروك وعلال التنس تمثّل الازدواجية في السلوك، ما بين التقوى الظاهرية وما بين الفعل الحقيقي القائم على الغش. ومحاولة استغلال سذاجة الناس وبيعهم ماء زمزم مثلا. وقد أورد الكثير من الحكايات التي تدلّ على نوع من الانحرافات العقيدية.

ولكن ثمة صور أخرى تتحرك في اللوحة السردية، ومنها علاقة خندوشة بحبيبها العاطل عن العمل،والذي يمتلك الوعي بحالته المزرية فيسقط ضحية لطموحاته غير المتحققة. وحينما يلتقي بخديجة في موعد عاطفي على أسوار مدينتهم، يتعرضان إلى تحريم السلطة لسلوكهما المحظور، والذي تمثٌل في لقطة تجريدية بصعود الشرطي إليهما، وربط وثاقهما بأغلاله، ولكنّ الشرطي يسقط من السور ويموت. ويجدان أنّ انقاذهما وكسر الأغلال يكون بيد رجل دين. الذي يحاول أن يكسر القيود بسيفه، في مشهد يثير الرعب فيهما.

في هذه القصة يحاول الكاتب أن يقدّم لنا صورة تجريدية، يمتزج فيها المُتخيل بالممكن. ومزج الوهم بالواقع، ويتصاعد الموقف إلى ذروته، رعب اللحظة في التخلص من الأغلال والذي يحتمل المخاطر والاحتمالات. ولكنّ هذه المواقف تنطفئ في النص دون إشارات واضحة ومقنعة.

تحتوي هذه المجموعة القصصية ايضا، على الكثير من الصور والمواقف والبشر. والذين قدمهم الكاتب وهم يمارسون طقوسهم الحياتية، تحت وطأة ظروف ومُناخات مختلفة. إنه الصراع المحموم من أجل البقاء، ضمن مساحة جغرافية مسوّرة بالأضداد والمفارقات التي لا ترحم أحدا.

الكائنات القصصية التي قدّمها شكيب أريج، كأول عملٍ إبداعي له، جديرة بالتأمل والتحليل، وجديرة بالاحتفاء.

لقد كان أنيقا في أسلوبه، بليغا في لغته، لا يتردد في استخدام اللهجة المحكية وفق مقتضيات الأحداث وضروراتها، فقدم لنا مدينة مهيبة حافلة بعبء ابنائها. من خلال سيل من الحكايات التي شحنها بجملة من المفاهيم والأفعال. كما قدّم تصوراته عن مدينة يعشقها ويهيم بها. وما هذه الكائنات التي جسدها على هيئة قصص واحداث سوى تعبير عن حالة الذوبان في مدينة يسعى ويتمنى أنْ لا (تأكل أولادها).

 

رحمن خضير عباس

 

مالكة عسال(بحث تدفق من خلال السم الذي شكته مهزلة المقررات في جسدي حول اللغة العربية، وهو موضوع شائك حاولت التطرق إلى بعض نقاطه بشكل متواضع، مستندة على بعض المراجع الورقية والإلكترونية، لملامسة أهمية اللغة العربية عبر التاريخ.. وسأذيل نهاية المقال بالمراجع والمصادر التي أثرَت بحثي ..أتمنى أن يدغدغ المقال فضول الجميع)..

وسينشر على مراحل ...

ـ فتح مبين

نظرا لما يلحق اللغة العربية من تهميش وتحقير من قبل بعض الناطقين بها من جهة، ومن أعدائها من جهة أخرى، أبذلتُ ما في وسعي لأبين نشأة اللغة العربية، ومراحل تطورها، ومدى أهميتها بالنسبة للشعوب العربية، وعلاقتها ببعض المعارف، وكيف تعامل معها بعض العلماء والمهتمين منذ نشأتها إلى اليوم .. وماذا علينا فعله نحو اللغة العربية لتنمو وتتطور وفق العصور، باعتبار اللغة العربية هي الهوية، والرافعة الأساسية للنمو والتنمية؟ هل ندرك على وجه التحديد ماهية اللغة العربية؟؟ وهل من تعريف مستقل يميزها عن باقي اللغات؟؟..وما علاقتها بالمعارف الأخرى؟

1) هل من تعريف محدد للغة العربية؟؟

اللغة العربية هي مجموعة من النظم والعلامات والطرق المصاحبة، التي يستخدمها الفرد في الكلام للتواصل والإبلاغ والشرح والتفسير، من عناصرها:

الصوتي، والهمس والصرفي والنحوي، والإشاري والتلميحي والترميز والملغز والمباشر والمعبر وغيرها، لإيصال المعنى بغرض الإفهام، وهذه النظم المتماسكة المتضافرة، سواء كانت مكتوبة، أو مسجلة، أو محفوظة أو مفهومة، صالحة للتطبيق الكلامي، فهي إذا جهاز من الحروف والعلامات والصيغ، والأساليب والطرق، والعلاقات النحوية والصرفية والتركيبية في المجتمع العربي، يتعلمها الفرد اكتسابا، وليس غريزيا أو بالفطرة،  ليدخل بها في زمالة اجتماعية، ويمكن القول بصيغة أخرى: اللغة العربية هي مجموعة من عناصر منسجمة ترتبط علاماتها بالمعاني والدلالات وما توحي إليه، ارتباطا اعتباطيا كجسد لنقل الأفكار، تضم في دائرتها حمولات ووحدات ذهنية، يستطيع المتكلم بمساعدتها، أن يستعمل علامات الكلمات في كل أوضاعها للتعبير، أو للتوضيح، أو لنقل الأفكار ..

وعموما فالتعريف للغة العربية على هذا المنوال: أنه طريقة إنسانية مكتسبة وغير غريزية لنقل الأفكار، والتعبير عن العواطف والرغبات، بواسطة نظام من رموز وعلامات تستعمل حسب الإرادة، قد ينطبق بصورة مثلى على أية لغة، وفي أي مجتمع آخر..

2) تضارب الآراء حول نشأة اللغة العربية..

كيف نشأت اللغة العربية، وكيف تطورت؟؟ وهل سارت على نفس الدرب مع أخواتها اللغات؟؟ أم انفردت بطريقة خاصة؟؟ وكيف حالها اليوم؟؟ جملة من الأسئلة تتشابك في أذهان اللغويين والباحثين والمهتمين، ومن لهم غيرة على اللغة العربية كهوية، وكرافعة أساسية للنمو والتنمية ..لا أحد يستطيع على وجه التحديد أن يحدد كيفية نشأة اللغة العربية خصوصا، ولا اللغات عموما؛ في خضم النظريات التحليلية المتناسلة منها ما هو أقرب نسبيا إلى الموضوعية، ومنها الخرافية السطحية غير منطقية، اختلاف وتنوع واسع في الرؤى والأفكار والتنظيرات حول مسألة نشوء اللغة، واللغة العربية حصريا على امتداد الحضارات القديمة والحديثة..

لقد أجمع البعض على أن الفضل في إنشاء اللغة العربية كما الشأن في جميع اللغات، يعود إلى المجتمع نفسه، وإلى الحياة الاجتماعية، حيث اجتماع الأفراد بعضهم ببعض، يحتاج إلى التعاون والتشاور والتفاهم وتبادل الأفكار وإبداء الرأي، والحُكم واتخاذ القرارات، والتعبير عما يجول في الخاطر؛ تنظير أقرب نوعا ما إلى المنطق .. وعلى غرار هذه  النظرية تناسلت آراء وأفكار وبحوث أخرى، تدلي بدلوها حول أسباب نشوء اللغة العربية وأصلها، والعوامل المساهمة في تطورها ونموها كما سأوضح:

ـ أفكار ترى في نشأة اللغة العربية هبة من الله، أي توفيقية من وحي إلهي، حيث علّم الله الإنسان النطق بالأشياء، معتمدين في ذلك على بعض الآيات القرآنية (علم آدم الأسماء كلها)، وإذا رجعنا إلى النص القرآني والتراث القديم، وكيفية خلق آدم، وما يمتاز به عن غيره من البشر من قدرات عقلية، تمكنه من اضطلاع بالأمانة الربانية، وما تمتلكه اللغة العربية من أسرار، وهندسة لغوية متينة على جميع المستويات، نخلُص إلى أن اللغة العربية نشأت بتعليم رباني، يتجلى ذلك في ما تملكه حمولتها من خيال وإدراك، وذكر وتداعٍ وتعبير وآفاق ممتدة لا حصر لها، تستدعي نشاطا عقليا مكتملا؛ يلزم التعمق فيها، وما هيأه سبحانه من أعضاء وجينات، قادرة على النطق بها .. ومصطلح التوفيق كما تستدعيه هذه النظرية يعتمد على مسلمات مطلقة /ثابتة /مقدسة، لا يمكن الخوض في نقاشها، ولا التغيير في نصوصها بالزيادة أو النقصان .. بل تبقى على حالها، أو قد تتطور تدريجيا حسب الظاهرة الإنسانية دون المساس بجوهرها ..

ـ وبحوث ترى أن اللغة العربية قديمة قدم الإنسان نفسه، أم اللغات إن صح التعبير، وأعلى وأرقى لغة سامية عرفتها الإنسانية، تستوعب التراث العربي القديم، وما في رحمه من حقائق علمية؛ بل وكانت اللبنة الأولى لأغلب الحضارات..

ـ ونظريات ترى أن اللغة العربية كما سائر اللغات،  ابتُدعت واستُحدثت بالتواضع والاتفاق، أي بارتجال ألفاظها بالمواضعة، وبوضع أسماء للأشياء بالإجماع.. وبالتداول لهذه الألفاظ والأسماء نشأت اللغة العربية كما اللغات الأخرى...

ـ وغيرها ترى أن اللغة العربية فرع كما اللغات الأخرى نشأت وتطورت عن اللغة الأم الأولى أثناء الخلق، عن طريق التقليد ومحاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة على اختلافها، من حفيف أوراق الشجر، وخرير المياه، وشدو العصافير، وأصوات الحيوانات، فسارت في سبيل الرقي شيئا فشيئا، مع ارتقاء العقلية الإنسانية وتقدم الحضارة، وتعدد حاجات الإنسان، واتساع نظام الحياة

ـ وآخرون يرجحون أن إنشاء اللغة العربية مثل كل اللغات، يعود إلى تعلم الإنسان والاكتساب، انطلاقا من المحيط /من الجماعة، للتعبير عن انفعالاته بإشارات، وتغيير ملامح، وحركات جسمية وأصوات بطيئة، وعن طريق الدربة والمراس، بدأت اللغة تتطور وتتنوع باكتساب مفردات جديدة، فاهتدى الإنسان إلى أساليب أخرى في تركيبها واستعمالها بالقدرة عن الكلام..

كانت جل هذه النظريات والبحوث والآراء تتقاطع أحيانا في بعض النقاط، وتختلف أحيانا أخرى، فمهما كان الترجيح صحيحا لأية نظرية، تبقى هذه مجرد خطوط ضيقة حول نشأة اللغة العربية، لكن الموضوع المثار هنا، هو كيف كانت اللغة العربية وعاء لاستيعاب الفكر الإنساني، وهل هي فعلا وعاء نصُبّ فيه الأفكار، كما نصب الزيت في جرة؟؟ أم أنها كائن حي تتفاعل وتتنامى وتتطور وتواكب؟؟ وكيف استطاعت التفاعل مع المعارف الإنسانية في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والديداكتيكية؟؟وهل استطاعت اللغة العربية أن تواكب التجديد في هذه المعارف؟؟؟ وما هي أوجه التعثرات؟؟وهل وضْعُها حاليا على أحسن ما يرام؟؟ وهل تزاول وظائفها باقتدار؟؟

3ـ مواكبة اللغة العربية للظاهرة الإنسانية في تطورها

اللغة العربية شأنها شأن أي عمل فني، وأي عمل إبداعي، خاضعة للسيرورة التاريخية، وقابلة للتجدد حسب العصر بطرح شوائب تخلق تشويشا على مسارها، أو بإضافات تثريها وتغنيها ولا تُقِلّ من شأنها، أو تدني من قيمتها؛ وجاهزة لأن تستوعب أية حمولة ثقافية بكل مصطلحاتها ومفاهيمها ومعانيها ودلالاتها، ومهما منطق العرب اللغة العربية بالحيطة والحذر باعتبارها لغة القرآن المقدسة المتكاملة، التي لا يجوز المساس بها حماية لجهازها من تسرب بعض الدخائل الأجنبية إليها، أو الحيلولة دون تدفق مالم يطبع بطابع الفصحى، فاللغة العربية عبر تاريخها تنصلت من هذا القيد الجبار، ورمت عنها غلالة الحصار، وتفاعلت واحتكت، واكتسبت أشياء أثرتها وأغنتها، وطرحت أخرى زائدة لم تضف إليها أية أهمية، مما يبين بجلاء أن اللغة العربية ليست عذراء يُخشى افتضاضُ بكارتها، ولا بناؤها وتشكيلُها حسب المواضيع المطروحة وما يجوش في الخاطر، قد يخلخل قصدها ويضلل معناها؛ والدليل على ذلك أنها عبر التاريخ تلبست حللا فلسفية وميتافيزيقية وسريالية وصوفية ودينية وعلمية حسب المرامي والغايات، وتشكلت وتوشحت بالإضافات أو النقصان من عصر إلى آخر بشكل هادف ومتميز؛ وإن إعلاء الأسوار حول اللغة العربية، وإغلاق جميع الشرفات عليها من أجل تحصينها، لم يمنعها من مواكبة الظاهرة الإنسانية في تطورها وسيرها التاريخي كما سيأتي لاحقا ...

ـ اللغة العربية والتعاليم الدينية والإسلامية

إن انتقاء خالق العالمين اللغة العربية للوحي، كخاتمة لرسائله إلى البشرية، يعني أنها كانت أفصح وأشد اللغات وأرقاها، وأكثرها قدرة على استيعاب تعاليم أحاديث الوحي، بما تمتلكه من خصائص ومميزات، وتمتاز به من ثراء ومقومات، وأنها أقرب إلى أذهان المسلمين للفهم والتلقي والاستيعاب والتأثير. لتبقى خالدة بخلود القرآن للأجيال البشرية اللاحقة، فيلتموا تحت لوائها كلغة عالمية شاملة لكل المقاصد، تجمع شملهم وتشد أزرهم، والقرآن الكريم وصف نفسه بأنه عربي، وأكد ذلك في أكثر من آية وسورة (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)، وقد اختار الله تعالى أن يخاطب البشرية خطابه الأخير باللغة العربية، التي هي لسان الرسول العربي الخاتم الأصيل، لتصبح لسانا ثقافيا عالميا للخاص والعام ولجميع الشرائح البشرية وعلى مر العصور ...إذا اللغة العربية جزء من الإسلام، وكانت السبيل الأقوى لنهضة المسلمين ورقيهم في صدر الإسلام، مما ساعد على ذيوعها وسيادتها في جميع الأقطار العربية و الأعجمية.. والفهم السليم والإدراك الصحيح للقرآن، واستيعاب مقاصده و أحكامه، والتشبع بتعاليمه وقيمه، لا يتأتى إلا بتعلم لغته العربية الأصلية التي نزل بها بكافة عناصرها ومكوناتها وعلى جميع الأصعدة، ولا يمكن لأي كان أن يستوعب معاني القرآن ودلالاته، إلا إذا أحكم القبض على اللغة العربية بكل أطيافها؛ وعلى الذين يحثون على إدراك القرآن، وتجديد الفهم لـه على ضوء الدراسات اللسانية الحديثة، أن يتقنوا أولا اللغة العربية التي هي لغة القرآن؛ وغير ذلك لا فائدة ترجى، بل على العكس قد تطبعها الفوضى وعدم الإتقان، ولا تعبر التعبير الحق عن كنهه وأسراره، ولا تتوغل في أعماق القارئ بما يقوى إيمانه،  ويحبب إليه الدين الإسلامي، فاللغة العربية لها دور أساسي في استنباط ما ترمز إليه الأحكام الشرعية والحقائق العلمية من النصوص القرآنية، لذا لِفهم الخطاب الإلهي يجب إتقان اللغة العربية صَرفا وتحويلا ومعنى، ومن لا يملك ناصية متينة لهذه للعلوم، لن يستوعب البتة ما في القرآن من مقاصد ..

ـ اللغة العربية والاحتكاك بالفلسفة والمنطق الأرسطي

لقد عاصرت اللغة العربية في البلاد الإسلامية تدفق سيول خصبة من الأنشطة العلمية المتعددة، سهلت الترجمة من اللغات الأجنبية لبعض فروع الثقافة والمعارف التي تخدم اللغة العربية كالفلك والرياضيات؛ فأصبحت العقلية العربية في احتكاك مباشر بالأمم والديانات الأخرى، مما أذكى شرارة تأثر العرب بهذه الأمم، والتشبع بالثقافة اليونانية، والارتواء من معينها، حيث كان لأرسطو نصيبُ الأسد في سيادة منطقه في البلاد الإسلامية إبان العصر العباسي ـ الذي كان عصر ازدهار العلوم ـ عن طريق الكتب المترجمة إلى اللغة العربية، كما كان الدور أشد وأقوى بشكل ملموس، احتكاك اللغة العربية بالتفكير الأرسطوطاليسي الذي يخلط بين المنطق والميتافيزيقا، فيظهر ذلك واضحا في الدراسات اللغوية عند العرب .. إذا فاحتكاك العرب بالإغريق، وتواصل المسلمين برجال الدين من المسيحيين الذين أغلبهم من الدولة الإسلامية، والذين كانوا يتقنون أكثر من لغة، كانا الحافز الأقوى على خلق علم الكلام، والأدلة التي كانت تستمد بالطبع من منطق أرسطو كمرجعية، والذي لم تتخلص اللغة العربية من قبضته السحرية، بل وامتد المنطق الأرسطي حتى إلى الفقه الإسلامي، وبذلك يتضح بجلاء، أن النفوذ الإغريقي بفلسفته وما يطبعها من علل وأقيسة ظل مهيمنا على اللغة العربية ...

ـ اللغة العربية والأجناس الأدبية

كما كانت للغة العربية علاقة بالفلسفة والمنطق، فقد كان لها حراك قوي في مجال الأدب على اختلاف أجناسه، فتنقلت وتشكلت حسب الظواهر الأدبية على امتداد العصور، حيث حرصت اللغة الكلاسيكية على جودة الصياغة اللغوية وفصاحة التعبير، والقرائن التقليدية، معتمدة في ذلك على العقل الواقعي، وما تراه العين بالمباشرة، وفق معنى واحد وواضح لا اختلاف فيه لدى الجميع، تنتهي صلاحيته بمجرد فهمه،  معنى، يلتقي فيه التفكير والإحساس.. الاهتمام كل الاهتمام بالتنميق اللغوي والزخرف اللفظي، فتعددت المحسنات البديعية، وترادفت الأجناس، وتتالت الاستعارات، و تقافزت التشبيهات، حيث وجهت العناية الكبرى إلى الشكل على حساب المضمون.. ثم خطت اللغة العربية خطوة أخرى أرقى لتسمو بنفسها، فاقتحمت المذهب الرومانسي، بقفزة نوعية ملموسة من الواقع إلى الخيال، اقتصرت على مناجاة الطبيعة بكل تلاوين الفلسفة والميتافيزيقا، في صياغات فنية وتركيبات دلالية، بكل ما تعنيه الكلمة من إيحاء وترميز، جاوزت تماما أسلوب المباشرة المنصرم، والحس الواقعي إلى عالم الحدس والتأمل ... والمتمعن في تاريخ الأدب، سيلمس بالمباشر أن قاموس اللغة اليوم، ليس هو ما كان عليه سابقا في العصر العباسي، أو الأموي أو الجاهلي، لأن حياة اليوم أدخلت إلى معجمها مفردات جديدة أنبتتها حقول العصر، وزخِرت بها الهموم اليومية؛فخلعت اللغة العربية أذيالها القديمة المبنية على المباشرة والوضوح، لترفل في المجازي والإيحائي بشكل جديد، يستعصى معه استيعاب المعنى من قبل القارئ، مما يبين أن اللغة العربية قد تحررت تدريجيا من قيود الاستعمال البسيط المتداول، كظاهرة من ظواهر الحياة الإنسانية، ليصيبها التغيير مختارة ألفاظا للحياة الجديدة، وإن كانت بعض الخيوط مازالت لحد الآن، تشد بحنين قوي إلى الماضي، عن طريق القوالب السحرية المتمكنة من العروض والقافية، والموسيقى الخارجية؛ ومن هنا نستخلص أن اللغة العربية ليست جامدة وثابتة ومطلقة كما يبدو للبعض، يستحيل إضافة إليها أشياء أو حذف منها أخرى، كما يقول: ميخائيل نعيمة (فتحسبها واقية كاملة وليس لمستزيد في دقتها زيادة)..

وعليه نجد المبدع في مادته الإبداعية في قلق وانفعال دائمين مع اللغة، فإما أن تكون مطواعة، يكيّفها حسب مستجدات العصر ومتطلباته، فيرقى بالأدب إلى أعلى مستوى، أو تعاسره وتستعصي عليه، فيخونه التعبير مما يؤدي بها إلى الجمود والتردي ...فمبدعو الحداثة من شعراء وقصاصين وروائيين، يتولون اللغة العربية بعد كتابة نصوصهم بالقص والتشذيب، والحذف والإضافة والتغيير،  في ما يسمى بالنقد الذاتي، للتمكن من النصوص قبل تقديمها للقراء، أو بغربلة التراث، وانتشال الألفاظ البليغة المعقدة والغريبة، لإبراز إشعاعها وتقريبها من مفاهيمها بصياغة أخرى، تكون مرآة للعصر، بمعجم جديد مناسب للتجربة الحداثية، ضمن قوالبَ وصيغ جديدة نابضة باليومي على حد قول محمد مندور (وإن ما يعيب الأسلوب عدم التجديد) ..

وهكذا نخلُص بوضوح، إلى أن لغة الأدب هي النبض الحقيقي للحياة، تتطور تبَعاً لتطورها، مترجمة سلوك ومواقف وتخمينات المبدع، وأحلامه وطموحاته، في صراع محتد ودائم مع ما يأمله، وما تعتريه من عراقيل لتحقيقه.. وبهذه المواجهة من قبل المبدع للحياة، تستجيب اللغة لكل ما يروج في خلد الذات المبدعة، فتحمل الجديد من الهزات التعبيرية المدهشة، بشكل حداثي صرف يتوخى جزالة اللفظ، واتساع المعنى، وفخامة الدلالة، في لغة متينة مكثفة وموحية وممتعة في آن واحد..

وهذه اللغة هي المناسبة والقابلة لتشخيص قضايا العصر الملتبسة، التي تغوص هي الأخرى في إبهام صرف، وهكذا تلامس فكر القارئ، وتدغدغ أفقه المعرفي، وتثير بركان وجدانه، مخاطبة فيه جانبه الرمزي والانفعالي، مستنهضة ذكرياته وأحلامه وآماله وتجاربه، كل ذلك في قالب لغوي رمزي إيحائي تلميحي دلالي متين، يبعث الهزة ويحدث الربكة ...

وما يجري على الشعر يجري على القصة والرواية، حيث اكتست اللغة فيها حللا جديدة مناسبة للظرفية، وهكذا تُخيِّب اللغة أمل مَن اتهموها بالقصر، ورأوا فيها الجمود، فهمشوها بحجة أنها غير مطواعة، ولا يمكن أن تتكيف مع أحداث العصر، والهدف من ذلك تكسير رقبتها لغرض في نفس يعقوب..

ـ اللغة العربية ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة 

لقد كانت اللغة العربية سابقا، تُستَخدَم للأخبار شفويا عن طريق حفظ الرسائل، أو مكتوبةً عبر الورق، أو في خطبة يجهر بها الخطيب وسط حشد من الناس في المساجد، أو الساحات العمومية، وهذه الطريقة اندثرت اليوم، بفضل تعدد وسائل التبليغ والإبلاغ بطرق مختلفة ومتعددة، من ندوات ومحاضرات، ولقاءات، وملتقيات، ومهرجانات ثقافية، بالإضافة إلى الكتب والمجلات والجرائد، والقنوات الإذاعية والتلفزية، وأجهزة الحواسيب، والهواتف العادية والذكية وغيرها، حيث ساهمت هذه الآليات المتنوعة والمتطورة في استيعاب اللغة العربية، وتوسيعها وانتشارها على المدى الرحب بما يتدفق من مصطلحات أدبية، وعلمية، وسياسية، وفنيةن ورياضية، الشيء الذي يكسبها صياغات فنية متنوعة، إن على مستوى الثروة المعجمية، أو على مستوى تركيب الألفاظ، وتنظيمها في سلاسل من الجمل والفقرات، أو على مستوى اختيار النسيج الأسلوبي، أضف إلى ذلك ما لعبته القنوات الفضائية من دور في انتشار وتنوع البرامج باللغة العربية، حيث استطاعت اختراق الجدار العربي إلى دول الغرب، لتنفذ في أعماق الجالية العربية، بما تملكه هذه الأجهزة من قدرات توصيلية محكمة وهائلة، في مجال استخدام اللغة العربية الفصحى، وتقديم أصناف المعرفة بلسانها ..لكن ما يلاحظ في هذا الشأن هو أن دودة ناخرة، أخذت تتغلغل في جسد اللغة العربية، لتسيء إليها وتنحو بها نحو الضعف والتردي، ألا وهو تطعيم اللغة العربية بالدارجة، تحت ذريعة إيصال المعنى للفهم إلى الذين لم يساورهم الحظ في القراءة والكتابة.. بينما العكس هو الحاصل، أن هؤلاء المشار إليهم بالبنان يتابعون المسلسلات المكسيكية والتركية والهندية المدبلجة باللغة العربية ويفهمون، بل يستوعبون الأحداث حدثا حدثا دون عسر في الهضم، ويتشبعون بمصطلحات عربية محضة، وكذلك الأطفال في بعض الرسوم المتحركة، فنجد هذه الشريحة قد تمكنت من اكتساب رصيد هائل باللغة العربية، ويوظفونها بسهولة أثناء اللعب مع بعضهم البعض (كريندايز ..مثلا) (أنا الرمح الصاعد) (أنا الرشاش) وغيرها .. إذا فذرائع الفهم لا أساس لها من الصحة جملة وتفصيلا، بل انسياق بعض وسائل الإعلام إلى العامية، ومعارضة الفصحى خاصة في بعض البرامج الإذاعية والتلفزية، هو موقف ناخر للغة العربية، ويدعو بالمباشر إلى تخريبها، والنزوع بها إلى الدونية ..من هذا المنطلق فأنا لست ضد بعض الجمل بالعامية، التي قد لا يوجد لها مكانا في اللغة العربية، أو حشر بعض المصطلحات الصعبة غير مفهومة، لتقريبها من المتلقي للتوضيح، ولكن أن تندس اللغة العامية غازية، لتتبوأ عرشها على حساب اللغة العربية، وتحل بدلها الشيء الذي يساهم في قتلها، فهذا مرفوض تماما، لذا فمن واجب المسؤولين على وسائل الإعلام، حماية اللغة العربية، وذلك بإعداد أعمالهم إعدادا متينا، بكل ما تستدعيه السبل والأدوات، من منطلق إحساس قوي بأهمية اللغة العربية، كوسيط للتفكير والتعبير والوحدة القومية والتنمية، وأن يقدموا لها من خلال برامجهم ما يجعلها في القمة ...

ـ اللغة العربية كعمود فقري للاقتصاد

إذا تصفحنا تاريخ اللغة العربية في هذا الجانب، نجد أن اللغة العربية نشأت وترعرعت، بين أحضان التجارة عن طريق القوافل العربية، والتجارة في الأسواق لتلمس الرزق، أو بين القبائل من بقاع مختلفة، وهذه العوامل أفسحت المجال لتحريك اللغة العربية كرافعة أساسية في العمليات التجارية، وبالتالي تنتشر انتشارا واسعا بتنمية ألفاظها، وتعدُّد مفرداتها، وتنوعها تبعا لهذا الميدان، وبالتوازي كان العرب إلى جانب عرض البضائع في الأسواق للبيع والشراء، يعقدون محافل أدبية وفنية كتقليد، تتشكل من عدة فقرات متنوعة ومتكاملة، مثل مبارزة فنون القول بكل أشكالها وألوانها، إما عن طريق المدح، أو الذود عن القبيلة التي ينتمي إليها الشاعر،  أو عرض مواد أدبية ولغوية للتنافس والتباحث لحل إشكالها، للحكم على جودتها من رداءتها؛ فينساق أهل اللغة إلى عرض خزانهم اللغوي بكل أجناسه على المتلقي.. ومن هنا يتضح، أن اللغة العربية كانت هي الوسيلة الأساسية في المجالات التجارية والاقتصادية، إن على مستوى ترويج الأدب أو ترويج السلع والبضائع، أو على مستوى التفاخر والمبارزة،  لكن والحال اليوم حيث الثورة المعلوماتية متدفقة، والانفجار التكنولوجي ينتشر جارا وراءه وابلَ الاستثمار، ووباء الخوصصة، أصبحت اللغة العربية كعنصر أساسي وهام من عناصر الاقتصاد والتنمية مجرد صورة نمطية، وغُيِّبَ دورُها بتسرب المصطلحات الغربية، وهنا أفتح قوسين: لا أقصد اندساس بعض المفردات الأجنبية والتصاقها بجذع اللغة العربية، فهذا لا يضير في الأمر شيئا إن حصل من أجل التكملة، لكن أعني هيمنة اللغة الأجنبية، وخاصة الفرنسية والإنجليزية، واحتكارهما للبحوث والدراسات والإعلانات واللافتات واللوائح الإشهارية، بالتلفزة أو معلقة على الجدران، وتداول اللغتين نطقا، وكتابة في بعض المؤسسات، مما يشكل باعثا حقيقيا على زحزحة اللغة العربية من مكانتها إلى الهامش، ومصادرة هويتها .. والأخطر من ذلك هو إقصاء اللغة العربية تحت يافطة ضعفها، والحكم عليها بعقم رحمها من استعداد حمل جينات المصطلحات الاقتصادية ...

وعليه مادامت اللغة العربية هي الوسيلة المثلى للنهوض بالمجتمع، والسير به نحو التنمية، وبما أنها ظاهرة اجتماعية تتبادل التأثر والتأثير بالاقتصاد، إن لم نقل هي المحرك الأساسي له، وجب أن نرقى بها عن طريق النفخ في صورها، وضخ دماء جديدة في جسدها بحوسبتها وإدخالها إلى عالم الكمبيوتر، وتزويدها بالتقنيات، وتوجيه الاستثمار نحو مشاريع، تعالج اللغة العربية بتطويعها على استيعاب هذه التقنيات، وبناء معاجم في هذا الشأن بكل تجلياته ومصطلحاته، مع تشكيل برامج الترجمة وإعادة الهيكلة، لخلق منها حقلا للدراسات التنظيرية اللغوية، مما يساعد على ترويجها وانتشارها في الحركات التجارية، وتخصيص لها حيزا في الاقتصاد قد تكون له أهلا،  لكن لا بلوغ هذه الغاية دون تحسين اللغة العربية، وتطويرها وتجديدها حسب ما يستدعيه العصر ...

ـ اللغة العربية والحوسبة وعالم الكمبيوتر

حيث أن العولمة احتكرت كل بقاع العالم، وتدفقت الثورة المعلوماتية بغزارتها المعرفية وتنوعها، وأصبحت بلمسة أيقونة يصبح العالم بين يديك، من خلال شاشة صغيرة لا تتعدى مساحتها شبرا، أصبح لزاما على اللغة العربية كجهاز للتنمية، أن تمْتَثل لهذه الثورة، وأن تدخل المغامرة للتفاعل والتطور والتجديد، لتواكب مستجدات العصر وتدفقاته وتعبر عن كل ماجد في هذا العالم، فتدخل للمعركة في صميم هذه التقنيات، وتؤكد قدراتها في أن تكون أداه للتخاطب والتواصل في جميع القطاعات، وعبر كل الآليات لتُستَثمر كأي سلعة اقتصادية، تستفيد منها التنمية باعتبارها عنصرا من عناصر التنمية، إضافة إلى كونها وسيلة لحمل المعارف، واللغة العربية قادرة على أن تستقبل هذه التقنيات بكل مصطلحاتها، وأن تسير في الركب الحضاري باستيعاب المصطلحات الحسوبية، وتدخلَ غمار البحث العلمي على اوسع نطاق، كلبنة أساسية لبناء الأمة العربية والنهوض بها .. يكفي من القيمين على الإعلام أن يتداولوا ما عربته مجامعنا العربية ..غير أنه يلاحظ مؤخرا تهجين اللغة العربية وتدنيها وتهميشها، بالانسياق وراء لغتين مهيمنتين، هما اللغة الفرنسية والإنجليزية وما جاورهما، تحت رؤية هشة جاهلة، تقصي، وتستثني قدرة اللغة العربية عن استخدام المصطلحات التقنية العلمية الحديثة، والتأكيد على عجزها في ذلك، رغم أنه يتضح لنا وبيقين تام، أن اللغة العربية قادرة على التطور واستيعاب الرموز والعلامات العلمية، شأنها شأن أية لغة أخرى، مادامت هذه المصطلحات غريبة كليا عن جميع اللغات؛ وإذا جارينا تاريخ اللغة العربية، يثبت لنا أن اللغة العربية على مرّ العصور، ومنذ ان خرجت من أفواه أهل البدو، قد أثبتت حيويتها وتفاعلها، وقدرتها على التطور والتجديد، ومواكبة مستجدات العصر على اختلاف ينابيعها:علم فلك /طب /رموز رياضية/فلسفة منطقية / أو إسلامية، وأنها قابلة لتبادل التأثر والتأثير في أي مجال، وعلى أي مستوى، وفي أي عصر، وما يجري في ميدان الاقتصاد، إذا من خلال النظرة الدونية إلى اللغة العربية كيف يمكن حماية اللغة العربية وبالتالي كيف نرتقي بها؟؟

4) تحقير اللغة العربية من قبل خصوم الإسلام

خصوم الإسلام وأعداؤه أدركوا الترابط الوثيق، والأواصر المحكمة بعهودها ومواثيقها بين الإسلام واللغة العربية، وتيقنوا من مدى تمسك المسلمين بعقيدتهم بما تحمله من شعائر وطقوس، وعبـادات عميقة نابعة من الإيمان الراسخ كدين متماسك الحلقات، فسعوا إلى إضعاف اللغة العربية، والتقليل من أهميتها والإطاحة من شأنها، مع تحقير واسع للمسلمين، والمتشبثين بدينهم الحنيف، فأشاعوا أن اللغة العربية، ليست لغة العلوم العصرية الحضارية، من هندسة ورياضيات وفيزياء وطب وغيرها، ولا لغة العقل والفكر والثقافة والحضارة، وإنما هي لغة العبادات والطقوس الدينيـة، لغة الزوايا والأولياء، والكتاتيب القرآنية، فكرة استعمارية دخيلة حقيرة سياسيا، رُوِّجَ لها ليظل النهج الاستعماري اللغوي والثقافي مهيمنا على الحياة الفكرية والعلمية، وتمرير ثقافة الإحساس بأن اللغة العربية ليست لغة علوم وفنون، بقدر ماهي لغة شعائر دين، وفقه وعبادات، أسلوب خطير في توجيه الأنظار والأفهام إلى اللغة العربية، على أنها مجرد لغة الكهنة والخرافات والقصص والأساطير؛ متناسين التلاقح الفكري الثقافي، والتفاعل الحضاري عبر التاريخ، وأنها من اللغات العريقة، حيث خصّها بعض العلماء (أولستهوزن) بدراسة خاصة، كلغة سامية ..

انطلاقا من هذه النقطة بالذات، وجه العرب أصابع الاتهام بدقة إلى أعداء اللغة العربية، الذين يريدون الإطاحة بقيمتها، وزعزعة كيانها، كحبل متين يعتصمون به للحفاظ على هويتهم، وكرافعة أساسية للتنمية كباقي اللغات، فتضافرت الجهود، وانطلقت المساعي لحمياتها...

5) حماية اللغة العربية من قبل الغيورين عليها

وبتظافر جهود بعض العلماء والمثقفين، والمتعاطفين الغيورين على اللغة العربية تعددت الأفكار، وتتالت النظريات، وأُنشِأت آراء متكاملة ومتناسقة لحمياتها، والذود عنها من الأيادي الآثمة التي تسعى لإلحاق الضرر بها ..

 ـ فهناك من اكتفى بحظ قليل من فصاحة القول وبلاغة التعبير تبعا للتقاليد وموروثاتها الخاصة، وبيئاتها الجغرافية المحدودة في صياغة جملها، وتركيب مفرداتها وفق قرائن متداولة لا يمكن البتة الخروج عن إطارها ..

ـ وهناك من تطلّع إلى صقل اللغة العربية وتحسينها، لتسمو في تعابيرها إلى مستوى أرقى من مستوى التخاطب العادي، باعتبارها أقدم اللغات السامية، فنمقوها بالمحسنات البديعية، وعمقوها بالمجازي والإيحائي والتلميحي ..

ـ وهناك من انشغل بها كلغة فصحى نزل بها القرآن، تستند دراستهم على منهج علمي دقيق، ينبني على الملاحظة والاستقراء، مع الإفراط في الحيطة والحذر، حتى تبقى اللغة العربية محضة لا يشوبها شائب، يمكن إفساح المجال لتطويرها وتجديدها، لكن دون الخروج عن الحدود ..

لكن ما ينبغي التأكيد عليه، هو أن اللغة العربية مهما حصّنّاها وأحطناها بأسوار فاصلة بينها وبين اللغات الأخرى، لابد من تبادل التأثر والتأثير، شأنُها شأن لغات العالم كلها، التي تتفاعل وتتلاقح ألفاظها مع بعضها البعض، فتندس في هيكل كل لغة .. وحصر اللغة العربية في حدود الفصحى، وإقفال جميع الشبابيك عن تعريب بعض المصطلحات الحضارية في حدود المعقول، وتطعيمها به، يوجه السداد لقتل اللغة العربية، والتوجه بها نحو الانقراض، إذا علينا حماية لغتنا العربية، ولكن بطرق حضارية تقوي جسدها، وتُمتّن ألفاظها، وتمكن من تعددها وتناسلها، وضخ دماء جديدة في أوردتها، لتحيا وتنمو،  ولا نحرمها من سيرورتها التاريخية التي تزحف بها لغة التعامل والجوار، الشيء الذي لا يستطيع أحد منا أن يوقفه أو يتصدى له..

لذا على المثقفين أن يهتموا باللغة العربية، شكلا ومضمونا وقيمة وتطويرا، من حيث الخاصية النحوية الصرفية والتركيبية، وتنامي ألفاظها وتطويعها حسب لغة العصر، وإبعادها عن القنوات التي قد تجرفها نحو التدني، كالانعطاف نحو العامية، والتصدي لتحريض الغزاة على إهمالها، باعتبارها ليست أهلا للعلم؛ وإغلاق المجال في وجه سطْو اللغات الأجنبية على المؤسسات، والتفاعل معها كأساسيات، مع تهميش وإقصاء اللغة العربية ..

6) التوصيات الضرورية لحماية اللغة العربية

اتخذت تدابير إجرائية سياسية وميدانية وإعلامية توصيات ضرورية يجب العمل بها لحماية اللغة العربية من ضمنها:

ـ أن ينهض الكوادر من لهم باع طويل في أمهات المعارف للنهوض بحماية اللغة العربية والعمل على تطويرها ..

ـ نهج سياسة تعليمية تستند على اللغة العربية، ونشر ثقافتها في المعاهد والجامعات، والمدارس والبرامج التلفزية والإذاعية والإدارات والمؤسسات العمومية ..

ـ تنقية اللغة العربية من شوائب العامية، اللهم ما تستدعيه الضرورة للإفهام عند مصادفة أشكال، لا مخرج لها غير توظيف العامية، أو توظيفها للتزين أو التنميق ليس بشكل أساسي ..

ـ التصدي للألفاظ الأجنبية بوضعها في قوالب عربية متينة، لا تساهم إلا بتكسير جذع اللغة العربية، أما إذا كانت مكملة ومغنية ومفسرة لإبهام ما، فلا ضير في ذلك ..

ـ العمل على توظيف المصطلحات العلمية والبحوث والتقنيات باللغة العربية، خاصة وأن اللغة العربية طيعة وتحمل في رحمها بذور النماء والتجديد، وقادرة على احتضان المستجدات..

ـ تفعيل مجامع اللغات العربية في الميدان العلمي، والتصدي بشدة لهيمنة اللغات الأجنبية واحتكارها الميادين ..

ـ هدم جدار الاختلاف السياسي بين الدول العربية، وتفرد كل واحدة بتوجهاتها وغاياتها من منظورها الشخصي، وتوحيد الرأي في تطبيق هذه المجامع خاصة وأن اللغة العربية هي لغة الكل ..

ـ التنسيق بغض النظر عن الاختلاف في مجال اللغة العربية لتكوين رؤية قومية واحدة، تشد عضد اللغة العربية لمواجهة التحديات وفق نهج مُحكَم للنهوض بها وتطويرها ..

* الخلاصة:  

وحتى تصبح اللغة العربية أكثر إشعاعا من أي وقت مضى، وتؤدي دورها المنوط بها حسب العصر، تحتاج إلى تجديد منهجي وإغناء معرفي، يقومان على أسس علمية بكل ما تحمله الكلمة من طرائق وأساليب حضارية سليمة، تستند على المنطق كالملاحظة والتجريب والتحليل والتطبيق،  مع الانفتاح على المنهجيات الغربية المتقدمة في البحث وتعليم اللغات، واتباع المنهج العلمي الذي يُستَعمل في دراسة العلوم، كالمنهج التجريبي وعلم الأصوات، والتصدي للتحقير الصارخ بنظرة التمييز التي تُعلِي من شأن اللغات الأجنبية، وتُدنِي من قدرات اللغة العربية، وكسر وتحطيم الجدار الشاهق بين اللغة العربية والعلوم، الذي هو في حد ذاته تحقير ملموس للعرب والمسلمين، بنظرة دونية افتقد فيها الإنسان العربي المسلم الإحساس بالكرامة والعزة والقوة، ترتبت عنها هزائم نفسية أضعفت الشخصية العربية في إحدى مقوماتها التي هي اللغة، وحطت من قدرها. وخلَقَ شروخا واسعة في جذعها، لكن بما أن اللغة العربية هي القاسم المشترك بين الشعوب العربية، والإسلام هو الجناح الدافئ الذي يحمي بفيئه الكل،  سيظلان دون شك الرابطين أشد توحيدا بين مكونات الأمة العربية وشعوبها ومجتمعاتها، لِلَمّ شتاتها وبناء وحدتها، والوعي بلغتها أنها لغة عربية لها مقومات وأسس غير قابلة للاختزال، وأنها السلاح الأوحد للتعبير عن مشاعر هذه الأمة العربية، وأحاسيسها، وأفكارها وأهدافها، ويدركوا عن وعي أن اللغة العربية ليست وعاء أو قالبا تصب فيه المعاني والأفكار فقط، وإنما هي محور للتفكير وقطب للتعبير، بينهما ترابط متين، بفضلهما يبقى التفكير سليما معبرا عما يحسه العمق، ويدور في الخلد، و يختلج في النفس، مما يعني أن سبيل وحدة هذه الأمة، يبدأ بتوحيد لغتها وثقافتها واستراتيجيتها المعرفية، والحط منها معناه المس بكرامة الناطقين بها ..

من خلال ما سبق نلاحظ أن اللغة العربية أقوى الروابط التاريخية التي تشد أواصر الأجيال في الشعب الواحد، ضمن وحدة ملموسة رغم اختلاف العصور، لكونها سجلا يختزل تجاربهم، وأرشيفا يحتفظ بمكوناتهم الثقافية: من عادات وتقاليد وعقائد التي يتوارثها الأجيال، مما يضمن الاستمرارية لهذه الثقافة؛ وإحساس الخلف بأهمية ما تركه السلف لا يتأتى إلا بتقاسم اللغة بينهما، والكل يعي أن اللغة العربية أقوى حافز، له الكثير من الفضل على تشبث العرب بعروبتهم في أنسابهم ودمائهم، والعلاقات الرابطة في ما بينهم،  وتعد أقوى سلاح للسيطرة على الأفكار والأشياء، الناقلة للقيم النبيلة، خاصة وأنها نابعة من جذور عربية أصلية؛ والأسف كل الأسف حين نصادف آراء مغلوطة من أطراف خارجية وداخلية، تنعتها باللغة الجامدة التي لا حركة فيها، أو ترى فيها اللغة العقيمة العاقر، التي لا تنجب بحوثا علمية، أو التي ترى في العامية أفضل منها لتقريب المفاهيم إلى المواطنين، أو التي أغلقت أبواب الاجتهاد، باعتبار أن الأجداد أتوا بالكمال الذي لا يمكن خلخلته بالحذف منه أو الإضافة إليه، أو التي ترى وجوب احترامها وتقديسها لأنها مرتبطة بالقرآن، مما أدى إلى تحريم الترخيص جملة وتفصيلا بالزيادة أو التوليد.. وحتى أنهي أوجه ندائي إلى الغيورين على اللغة العربية، أن يعتنوا بها، ويتصدوا لمن يحاول العبث بها ..

مالكة عسال

10/09/2018

..............................

المراجع والمصادر

ـ مناهج البحث في اللغة /للدكتور تمام حسان

ـ مباحث في النظرية الألسنية وتعليم اللغة للدكتور مشال زكريا

ـ بنية الشعر الجديد للمؤلف محمد عزام

ـ لغة الشعر العربي الحديث للدكتور السعيد الورقي

ـ بعض أقوال الأديب ميخائيل نعيمة

ـ بعض أقوال الأديب محمد مندور

ـ آيات من الذكر الحكيم (سورة البقرة)

ـ علم اللغة للدكتور علي عبد الواحد وافي

ـ دراسات في فقه اللغة للدكتور صبحي صالح

ـ البنيوية في اللسانيات للدكتور محمد الحناش

ـ واقع اللغة العربية بين المتفائلين والمتشائمين للدكتور عبد العزيز مقالح ..

ـ وسائل الإعلام والفصحى والمعاصرة للدكتور عبد العزيز مقالح ..

ـ اللغة العربية والنشاط الاقتصادي للدكتور سعيد بيومي

عناصر البحث في اللغة العربية

* فتح مبين

1) هل من تعريف محدد للغة العربية؟؟

2)تضارب الآراء حول نشأة اللغة العربية

3ـ مواكبة اللغة العربية للظاهرة الإنسانية في تطورها

ـ اللغة العربية والتعاليم الدينية والإسلامية

ـ اللغة العربية والاحتكاك بالفلسفة والمنطق الأرسطي

ـ اللغة العربية والأجناس الأدبية

ـ اللغة العربية ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة

ـ اللغة العربية كعمود فقري للاقتصاد

ـ اللغة العربية والحوسبة وعالم الكمبيوتر

4) تحقير اللغة العربية من قبل خصوم الإسلام

5) حماية اللغة العربية من قبل الغيورين عليها

6) التوصيات الضرورية لحماية اللغة العربية

* الخلاصة

 

 

علي محمد القيسيما زلنا في ذات العقدة العصية على منشار الهايكو العربي الشعري والذي يبدو أن أسنانه كلت أن تعبرها وهي خصائص الهايكو الياباني بين من يراه في التراث الياباني وبين المنتج العربي للصورة الحالية (كنص نثري قصير) قابلة للتأقلم مع الشذرة والومضة .. بحسب المدارس التي تستهل هذا أو ذاك من النصوص ولعل ما فتح شهيتي للخوض بهذا الجدال الذي أصبح ازليًا هي العودة لنصوص التراث الياباني قبل 1868 م وخصوصًا لمؤسس الهايكو الياباني (باشو ماتسويو1644-1694) والذي صنف كأعظم شاعر هايكاي وهوكو الذي لم تخلُ بعض نصوصه من المجاز والأنسنة وانفلات عن خصائص ونصوص بعد نهاية القرن 18 الميلادي ولكي نمرّ نحو الهايكو وخصائصه بسلاسة علينا أن نعرف التسلسل الأدبي للقصيدة اليابانية وكيف تطورت إلى أن وصلت لباشو ..

انبثقت من تقليد شعري آخر كان سائدًا وهو الرينغا الذي وظف المثال والحكمة والقول المأثور والمقابل الادبي لها بهذه الخصائص هي الشذرة إلا أن الرينغا كانت تكتب باجتماع عدد من الشعراء ويصل طول القصيدة إلى 100 بيت شعري حيث كان الشعراء بالتناوب يكتبون قصائدًا من 17 مقطعًا صوتيًا أو 14 مقطعًا صوتيًّا وكانت الرينغا جنسًا أدبيًا رفيع المستوى * يصف القرون الوسطى في اليابان مستظهرين كلاسيكيات الشعر الياباني .. ازدهرت في القرن 15 الميلادي و في القرن 16 أصبحت الشعبية أكثر لقصيدة الهايكاي * إلا أنه مختلفٌ تمامًا عن الرينغا لقصر النص والمفارقة التي فيه استخدم فيها الشعراء التلاعب بالكلمات التي لم تكن موجودة سابقًا فضلاً عن لغته الشعبية نوعًا ما .

كان مطلع نص الهايكاي يسمى الهوكو والذي كان يتألف من 17 صوتًا حيث كان الشعراء يستخدمون المطلع كقصائد منفصلة وهي النواة الأولى للهايكو من ناحية البناء الشكلي للقصيدة والوزن الصوتي .

ويقول ريو يوتوسيا : اشتهر باشو أيام شبابه بقصائد هزلية والتلاعب بالكلمات في مطلع قصائد الهايكاي حتى عام 1680 حيث أصبحت نصوصه (الهوكو) مشحونة بالفلسفة بعد تأثره بالشاعر الصيني بتشوانغ تسو الفيلسوف الصيني في القرن 14 والذي كان يكتب ببساطة ولم يعر أهمية لزخرف الكلام (المجاز) وأنكر القصدية (التاويل) ولم يعطي قيمة للذكاء بالنص (الفلسفة) وأن قيمة الأشياء الحقيقية تظهر بالواقع بلا جدوى بعدم مخالفة الطبيعة .. إلا أن باشو رغم تأثره بتشوانغ بدأ بمخالفته لبعض قصائده والتلاعب بها عكسيّا أي أنه انتهج منهج عكسيا بالمجاز والتاويل والفلسفة وتغير طبيعة الأشياء ببعض قصائده

من هنا نعلم سر تلك القصائد للمعلم الأول التي شحنت بأبعاد فلسفية تاويلية مجازية لا بل وردت بأنسنة مفرطة .. إضافة الى قصائد أخرى كانت مشهدية تمامًا .. فقد جسد ريح فوجي وأجلسها على مروحته وهو يشير الى ايدو طوكيو اليوم وأطال سيقان البلشوم والكثير من القصائد التي يستغلها البعض اليوم كتورية للتحايل على الخصائص الكلاسيكية .. وانتشرت تلك النصوص وملأت الآفاق على أنها قصائد هوكو إذ لم يعرف وقتها (الهايكو) من هنا نفهم أن باشو انتهج الهوكو وليس الهايكو ولا يمكن أن نتعتمد بعض نصوصه التي أشرت لها آنفا أنها هايكو بصورته وخصائصه عام 1867 وما مكنه من مسيرته الشعرية استقبال الغالب الأعم لهذه النصوص كونها أصبحت سائدة لصعوبة الرينغا والهايكاي واستسهال الهوكو 17 مقطعا صوتيا كبديل عنها بلغة اخف (شعبية) ومفارقة ..

اذ بعد 1867 ظهر مجدد الهايكو شيكي ماسوكا الذي انتقد (مختارات باشو 1893في كتاب باشو زاتسيدان) لم يدحض كل الأعمال بالمجمل لكنه أخذ عليها خلوها من الصفاء الشعري كونها تتضمن عناصر تفسيرية ونثرية (تأويل ومجاز) وأثنى على قصائد بوسون يوسا (1716-1783) معتمدا تكاملها وصفاؤها الشعري علما ان بوسون كان مغمورًا بتلك الفترة .

من هنا نفهم الفرق بين الفترات الشعرية التي مرت بها قصيدة الهايكو من الهوكو واعتماد شيكي لتسمية الهايكو كي يستطيع فصل تلك الحقبة 1680-1867 كي تكون إرثا للهايكو وليس ارتكازا كونها خرجت من التجريب الى قصيدة متكاملة بخصائص منفصلة عن باقي الاجناس اليابانية

وبعد كل ما قيل يعتبر الشاعر الياباني ماتسويو باشو «1644- 1694»، أثره الكبير في حركة وتاريخ الشعر الياباني، فهو يعتبر من أبرز شعراء اليابان، واسمه الأصلي «ماتسوو مانوفوسا»، برع بشكل كبير، بداية، في الشعر النثري الذي كان يطلق عليه اسم «هايبون»، وهو جنس إبداعي يجمع في تأليفه بين النثر الشعبي والهايكو، وكانت له وظائف محددة مثل القصص الخيالية أو الحقيقية التي تفرزها واقعة ما، أو حدث ذو دوي، ومنها نصوص ملحمية طويلة وأخرى قصيرة، ليصبح فيما بعد ماتسو باشو أكبر معلم في مجال شعر الهايكو إلى جانب عدد من شعراء اليابان الكبار في فترة زمنية متقاربة، عرفت ب «قرن أوساكا الذهبي». -

خاتمة القول:

ما اريده فعلا هو لفت عناية المتلقي / المتصيد / ان باشو كونه شاعر مفصلي في الادب الياباني كتب الكثير قبل 1680 من القصائد التي ممكن ان تكون قصائد رينغا او هايكاي او هوكو مطلع للهايكاي او الرينغا .. يمكن معرفتها بخصائص تلك النصوص ولا يمكن ان نعدها هايكو بالخصائص التي اعتمدت فيما بعد كهايكو بالتالي ما ورد في هذا المقال ليس انتقاص من الشاعر بقدر النهل من تجربته المنوعة بالادب الياباني حتى بلوغ ذروته الشاعرية في الهوكو واستخلاص تجربة فريدة منها استمرت لليوم لذا المتلقي المطلع على تلك الرؤى الشعرية يستطيع ان يميز نصوص باشو من خصائصها الى اي الاجناس الادبية السابقة للهايكو ينتمي ذلك النص ولا يصنف كل ما كتب باشو انها هوكو/ هايكو ..

باشو || خمس قصائد هايكو

الغُيُومُ السّانِحَة

تُضْفِي بَعْضَ الرّاحَة،

مِنَ تَعَبِ النَّظَر للقَمَر.

*

العَناكِبُ - هَلْ تَبْكِي؟

حَسنًا، مَنْ ذا يُوَلْوِلُ

رِيَاحَ الخَرِيف؟

*

جَرَسُ المَعْبَدِ قَدْ تَوَقَّف.

غَيْرَ أنّ الصْوتَ، لا يَنِي يَأْتِي

مِنَ الزُّهُور.

*

زَهْرَةٌ غَرِيبَة،

لِلطُّيُورِ والفَرَاشات،

سَماءُ الخَرِيف.

*

عَلِيلٌ فِي رِحْلَتِي

فقط أحْلامِي تُواصِلُ التّجوال

في السُّهُوب الخاوِيَة.

*

ترجمة: سلمان مصالحة

......

شيكي ماساوكا / Shiki Masaoka

يسقط المطر الدافيء

على الأجَمَة

العارة

*

الغدير ذاب عنه الجليد.

الجمبري يتحرك

في طحالب قديمة.

*

المدفع يدحرج

زمجراته.

براعمُ شجرة.

*

يا له من نسيم عليل.

سرطان صغير، تحت المطر،

يتسلق شجرة صنوبر

*

أوراق اللوتس في الجدول

تتحرك فوق الماء.

أمطار حزيران.

*

الدخان يستدير

بعد مرور القطار.

وُرَيْقات

*

العاصفة

التي دامت نصف يوم

كسرت ساق الخُبَّيْز

*

لا يظهر القمر.

فارتفعت

أمواج عاتية.

*

فوق نقْر صخرة

تَدلّى لْبلابٌ.

مَعبدٌ صغير.

ترجمة: عبد النبي ذاكر

***

علي محمد القيسي/ العراق

....................

* تاريخ الهايكو الياباني ريو يوتوسيا / ترجمة سعيد بو كرامي

نفس المصدر

 

يعد المخرج زهير كاظم من الأسماء اللامعة في العمل المسرحي لما يتمتع به من رؤية إخراجية حداثية في إعداد وإخراج النص المسرحي، حيث يضع المتلقي في أغلب الأحيان في مواجهة مع واقعه من خلال إيجاد صيغ ومضامين جديدة تعمل على تحديث البنية المعرفية للعمل المسرحي بصورة عامة. وكما هو معروف أن المسرح وسيلة تفكير ووجهة نظر وأسلوب حياة، لذا يقع على عاتق المخرج مسؤولية أنتاج المعرفة عن طريق إضافة فكرة جديدة للعمل الفني تترك بصمة بإمكانها أن تسهم أو تؤثر في حركة الوجدان والفكر الاجتماعي.

وبما أن المسرح هو (أبو الفنون) وهو الدعامة الرئيسية في بناء الفن، والذي تتشكل به، ومن خلاله، لوحات متعددة في العمل الفني يربطها مضمون واحد، نرى أن المخرج زهير كاظم وفي عمله الأخير (تنهدات طه سالم) وهو العمل المسرحي الذي تناول مراحل حياة الفنان العراقي الراحل طه سالم، والتي عرضت في قسم المسرح في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، قد حاول بث أهدافه من خلال عرض (بايوغرافيا) تجاوزت السرد التقليدي استخدم فيها أبعاداً فنية وفكرية واضحة طالما استخدمها في أعماله السابقة التي أعد نصوصها وأخرجها في آن واحد.

وعلى ضوء عمله الأخير(تنهدات طه سالم) كان لنا معه حوار وضح فيه بعض النقاط التي يود المتلقي أن يعرفها حيث وصف العمل بأنه خلاصة توليف معظم أعمال الراحل طه سالم والتي تنوعت ما بين المكتوبة بالفصحى والعامية وعلى امتداد زمني تجاوز الأربعون عاماً، الأمر الذي تطلب إعداد نص يتوافق ومستجدات المرحلة الآنية ويتناسب مع الذائقة الجمعية للمتلقي.

وفي سؤالنا عن المذهب الذي استند إليه في عملية إخراج النص من الناحية الفكرية واللغوية أجاب قائلاً : قد أعددت النص وفق مذاهب متعددة توزعت ما بين الكلاسيكية والواقعية وحتى العبث واللامعقول، وأضاف: أنه قد وجد ضرورة إعداد النص بطريقة تناسب منهجه الإخراجي ألا وهو الاحتفالية العربية الشعبية، ومن هنا تم إعداد البنية النصية وفق مرتسمات هذا المنهج، فجاء النص على شكل لوحات قصيرة تنوعت ما بين السرديات الكلامية والحركات والإيماءات الجسدية والغناء والرقص .

وفي سؤالنا عن الفراغ الواضح ما بين المشاهد المسرحية والذي يمكن ملاحظته من قبل المتلقي أجاب قائلاً : إن هذا النوع من الفراغ هو المساحة المناسبة التي تمنح المتلقي فرصة التأويل في إيجاد صيغ ومضامين ذهنية تجعل المتلقي في مواجهة مع واقعه.

وفي السؤال عن المشاهد التي عرضت في المسرحية والتي استقل كل مشهد عن الآخر في أحداثه ووقائعه رد قائلاً: انه قد اختار الأحداث وفق رؤيته الخاصة وان بناءها جاء وفق اختيار نص معين استمد شرعيته وأحداثه من نص واحد أو عدة نصوص لطه سالم وان ما جمع بينهما هو المنهج الإخراجي أولاً ثم سمتين أساسيتين حاول التأكيد عليها تميزت بها نصوص الراحل طه سالم أولها الروح الفكهة للكاتب والتي تميزت بشفافية الطرح وجماليات التعبير، وثانياً تلك التنبؤات الغريبة التي أشارت إلى ما يحصل منذ سنوات عديدة وحتى الوقت الراهن.

وعن اللغة المستخدمة في عملية إعداد وصياغة النص والتي وردت في المسرحية أجاب قائلاً: أن لغة بعض النصوص ذات امتداد زمني تأريخي تحتوي على الكثير من المفردات الغير مألوفة في الخطاب اليومي المتداول مما دعته إلى إعادة صياغة بعض الجمل والمقاطع، واستبدال بعض المفردات لما يماثلها الآن في الحياة اليومية.

أما عن النصوص المختارة في مشاهد المسرحية فقد أشار المخرج بأن تلك النصوص قد تم اختيارها على عدة حالات، فمنها ما جاء على شكل جزء من نص لطه سالم، أو جمع أكثر من نص في مشهد مسرحي واحد، وأحيانا جملة واحدة من نص، فجاءت المشاهد لتعبر عن الخيارات الخاصة التي توصل إليها المخرج لإبراز وحدة المضمون في النص المسرحي .

لقد أراد زهير كاظم (وهو أستاذ الأخراج في قسم المسرح) في عمله هذا أن يستخدم إدراكات الراحل طه سالم ووعيه لمجتمعه ليجعل المتلقي في مواجهة واعية مع حاضره من خلال أسلوب غير تقليدي في العرض، فاللوحات الفنية التي عرضها المخرج والتي دمج فيها لغةً جمعت بين العربية والفصحى فضلا عن توظيف الأغاني القديمة والإشارات ورسم الحركات وطبيعة العلاقات بين مشاهد العرض، بالإضافة إلى مشاهد المعاناة التي تعرض لها طه سالم على امتداد حياته الفنية والاجتماعية والسياسية، فضلا عن براعة الممثلين وسينوغرافية العرض الجيدة، كل هذا أنعكس على طبيعة العمل الذي استند على البنية الاحتفالية ليخرج بالتالي وهو يحمل طابعا حداثياً يسهم من جانب في إنعاش بنية النص، ومن جانب آخر يسهم في إثراء العرض المسرحي العراقي وجعله أحد وسائل الثقافة العامة.

 

أسمهان عبد القدوس عبد الرحمن

 

معراج احمد الندوييلف شعر فدوى طوقان صراعا بين أسر القيد وانطلاق الحرية. وهي شاعرة الوجدان التي يغمره جو من اللطف والحنان. تتصف فدوى بصحة الفكرة ووحدة القصيدة وصدق النظرة والثقافة الشاملة. كانت لفدوى طوقان رسالة تدفعه إلى السمو بالإنسانية إلى أرفع مكان تستهلها بحيث لا يكون لها من هدف إلا الوطن والحب والحرية.

 إن المرأة في كل عصر ومصر قد جمعت في شعرها من المميزات والخصائص التي تميزه عن شعر الرجال. فلم تتخذ المرأة من الشعر وسيلة لاكتساب المال بل يتدفق الشعر من قلبها مباشرة نتيجة لانفعال قوي وتأثر مباشر وهي محصورة بعواطفها. فالشعر أصبح صوتا من قلبها الفائز. وفي العصر الحديث برزت على الساحة الأدبية الشاعرات العربيات لهن جولة وصولة في الآدب والشعر. مثل ليلى الأخلية ، سلمى خضراء الجيوسي ونازك الملائكة وغيرها. فمن بين تلك الكوكبة المنيرة والنخبة الممتازة فدوى طوقان. تعد فدوي طوقان من الشاعرات العربيات اللاتي لا تقل مساهمتهن في الأدب والشعر عن كبار شعراء العصر الجديد.

مولدها ونشأتها:

 وهي فدوي طوقان بنت عبدالفتاح طوقان وشقيقة الشاعر الشهير ابراهيم طوقان. ولدت في مدينة نابلس عام 1920م حيث تفتحت عينيها في أسرة مثقفة. وكانت هذه الأسرة شديدة التمسك بتقاليد المجتمع القديمة. أحبت القراءة والكتابة منذ نعومة أظفارها. وكانت تختلف عن أخواتها في الطبع تلجأ إلى العزلة وتشعر الرغبة في الحصول على المعرفة ولكن الظروف لم تتح لها فرصة لتكميل دراستها العليا في الخارج. ولكن شقيقها ابراهيم قد أدرك ميولها الأدبية فخصص لها فترات من وقته وبدأ يدرسها بعض الدروس في الأدب والشعر. وقد تعلمت اللغة الإنجليزية حتى استطاعت ان تطالع أدبها وشعرها. وما زالت مكبة على الدراسة والاستفادة من مطالعتها الخاصة. وقد اهتمت بالقصص العلمية والنفسية والفلسفية. وكانت هناك زاوية في مكتبتها من كتب علم النفس والفلسفة. أيقضت موهبتها الشعرية مبكرا. ولكن كانت عائلة فدوى لا تحب أن تقرض فتاة منها الشعر وتنشره في الصحف والمجلات وإن كان ذلك بأسم مستعار أو تحضر المجالس الشعرية. فالشخص الوحيد الذي قام بتشجيع أخته أن تحصل مطامحها ومواهبها كن أخوها أبراهيم طوقان. فأسبغ عليها قدرا كبيرا من عطفه وعنايته وشجعها على مواصلة إظهار موهبتها الشعرية.

أصدرت ديوانها الأول "وحدي مع الأيام" وأهدته إلى شقيقها ابراهيم طوقان. تناولت المواضيع في هذا الديوان حول تأملات ذاتية وذكريات وحب وأشواق حائرة. أما ديوانها الثاني "وجدتها" فيتميز أسلوبها بشعر الانطلاق حيث عالجت في هذا الديوان الموضوعات الأساسية الخاصة بالشكوى والألم وأدخلت فيه نوعا جديدا للحب والأمل والحرية في ثوب الشرق.

 حب الوطن كما ينعكس في شعر فدوى طوقان:

لقد كان حب الوطن عند فدوى فطريا وإن كان نصيبه من شعرها في بداية الأمر قليلا. يتواصل التدفق العاطفي لدى فدوى ويتطور مغهوم الحب. فيتمازج حب البشر بحب الوطن ليتربع حب الوطن على عرش قلبها وشعرها. فتشرب ألفاظ قصائد ها نكهة الوطن وحب الوطن. ولا شاعرة تتلذذ بذكر الأرض متعدد. فكانت لفظها عنوانا لقصيدتين "نداء الأرض" و"الفدائي والأرض"من هنا تتضح لنا مكانة الأرض في قلب الشاعرة مما جعل عواطفها تجاه الوطن في نمو عبرت عنه عبر ثلاثية: الوطن، الأرض، الأم التي تجلت في أعمالها وتحكي لنا فدوى طوقان حكاية في قصيدتها "الفدائ والأرض" حكاية بلغة الرمز " الأم الفلسطينية وولددها المناضل" فالمجادلة الجارية بينهما أحسن نموذج عن نظرة الشاعرة إلى الوطن. فهي تقول:

 يا ولدي

 يا كبدي

من أجل هذا اليوم

 من أجله ولدتك

 من أجله أرضعتك

 دمي وكل النبض

 وكل ما يمنه أن تمنحه أموته

 يا ولدي، يا عريسة كريمة

 اقتلعت من أرضها الكريمة

 اذهب، فما أعز منك يا بني إلا الأرض 

تكرر صورة الأرض، الأم، والمرأة في أكثر موضع في في معظم شعرها. وهي تشير في مجملها إلى مكانة الأرض وأهميتها للفلسطيني فهي الأم والحبيب.

قضية فلسطين في شعر فدوى طوقان:

شكلت قضية فلسطين من أهم الموضوعات والأغراض الشعرية في الشعر العربي المعاصر. فهي أقل تقدير مثلت خلال القرن العشرين أرضا خصبة في وجدان الأمة العربية والإسلامية. لقد استطاعت الثقافة الفلسطينة ، والشعر في طليعتها حراسة الروح الوطنية الفلسطينية. تعددت صور فلسطين في الشعر. فهي أرض المغتصبة والزمن المفقود، واللغة الدامية والرموز والدلالات المتعددة، والشخصية الضائعة الغريبة. اتخذت قضية فلسطين جانبا مهما في من شعرها. وكان شعر المقاومة عندها عنصرا أساسيا. وكان طابع الحزن والتأمل من أبرز الطوابع في شعر فدو طوقان والعاطفة والوجدان جعلها تعبر عن إحساس الأنثى دون تكلف أو محاكاة أو ابتدال.

 هذه الأرض امرأة

 في الأخاويد وفي الأرحام

 سر الخصب واحد

 قوة السر التي تنبث نخلا

 وسنابل

 تنبت الشعب المقاتل

تعبر الشاعرة بعض القضايا الحساسية بلغة الرمز. فلا تخلو دواوينها من الرمز. فقد ظفرت جميعها من الديوان الأول بعدد من الرموز. وتتميز رموزها بالشفافية غير الموغلة في الغموض وتتمحور هذه الرموز حول مرموزات معينة. هي: الوطن، الفدائي، العدو والرمز الاجتماعي إلا أننا نجد تكثيفا لموز العدو في خماسية العدو قصيدتان رامزتان أولهما بعنان الطاعون. تقول فيها:

 يوم فشا الطاعون في مدينتي

 خرجت للعراء

 مفتوحة الصدر إلى السماء

 أهتف من قرار الأخزان بالرياح

 هي وسوقي نحونا الساحاب يا رياح

 وأنزلي الأمطار، تطهر الهواء في مدينتي

 وتغسل البيوت والجبال والأشجار

 هي وسوقي نحونا السحاب يا رياح

 ولتنزل الأمطار!

 ولتنزل الأمطار

 ولتنزل اأمطار

الحرية في شعر فدوى طوقان:

عاشت فدوى طوقان بين حربين عالمتين. فلما فتحت عينها وجدت الاحتلال الإنجليزي جاثما على وطنها الحبيب. ولما أدركت الشاعرة معنى الحياة ومدلولها وجدت أن العرب يموجون غيضا وكانت فلسطين تعمها ثورات وتموج بمظاهرات وتسودها اضطرابات. رأت الشاعرة أن العرب يقاتلون من أجل حريتهم ويبذلون كل ما في وسعهم لإعادة مجدهم وبقاء شرفهم ويقدمون أنفسهم وأموالهم لوطنهم ويفدون بكل غال وثمين في سبيل الحرية. فلم تبق للشاعرة أن تحس هذه المقاومة ولم تلبث أن تعبر عن خلجات نفسها في قالب الشعر. فتقول:

 حريتي!

 حريتي

 حريتي

 صوت أردده بملء فم الغضب

 تحت الرصاص وفي اللهب

 وأظل رغم القيد أعدو خلفها وأظل رغم الليل أقفو

 خطوها

 وأظل محمولا على حد الغضب

وأنا أناضل واعيا حريتي

إن الحنين إلى الوطن وحبه العميق نفسية من نفائس الإيمان عندها، قضت هذه الشاعرة معظم حياتها لوطنها الحبيب ولأمته ولصلاح شعبه. تتجلى أهمية الوطنية الصافية التي عبرتها الشاعرة من أعماق قلبها. إن شعورها الوطني الواسع يحضها على الانطلاق لتحقيق هذه الحرية. يمتاز شعرها بالرقة والعذوبة والوجدان، والمزج بين الشعر والفكر الناطق الذي تصب فيها هموما معاصرة من خلال انفعالها وأحاسيسها ومشاعرها. وهي أمام حنين الحب وعواطف الوجدان ترق وتلين، وأمام القضايا الوطنية والإنسانية تثور وتمرد. صاغت قصائدها أحلاما للحرية والمحبة والكرامة. عبرت فدوي طوقان عن حلمها لوطنها فلسطين وغرست في النفوس أن يكون الحب والحرية للجميع.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا -الهند

 

عدنان الظاهرمُدخل: قال المتنبي بيتين من الشعر تحت عنوان "نالَ الشرابُ منّي" ثم أضاف: سقاهُ بدر ليلةً فأخذ الشرابُ منه ثم أراد الإنصراف فلم يقدرْ على الكلام فقال هذين البيتين [أكتفي بواحدٍ منهما]:

نالَ الذي نِلتُ منه منّي

للّهِ ما تصنعُ الخمورُ

ثم قال المتنبي وكان على ما يبدو ما زال حاضراً في مجلس بدر بن عمّار الأسدي زمانَ كان (يتولى حربَ طَبَريّة من قِبَل أبي بَكْر محمد بن رائق المَوصلي سنة 328 هجريّة 939 ميلاديّة):

وَجدتُ المُدامةَ غلاّبةً

تُهيّجُ للقلبِ أشواقَهُ

تُسئُ من المرءِ تأديبَهُ

ولكنْ تُحسّنُ أخلاقَهُ

......

"للهِ ما تصنعُ الخمورُ" ... كلام بليغ لا يقوله إلاّ مَنْ تعاطى الخمور وعرف أو عانى مما تفعل بصاحبها. إذاً تعاطى المتنبي الخمرة ولكن تحت ظروف خاصة أجبرته على تناولها كما سنرى. لم يتناولها تناول المدمنين عليها كأبي نؤاس مثلاً إنما من باب المجاملة أو الإكراه. قال أبو نؤاس في الخمرة بيته الشعري الشهير:

ألا فاسقني خمراً وقُلْ لي هيَ الخمرُ

ولا تسقني سِرّاً إذا أمكنَ الجهرُ

الأطرف والأكثر غرابةً هو قول الشاعر المتنبي [تُسئُ من المرءِ تأديبَهُ ولكنْ تُحسّنُ أخلاقَهُ] ! كيف فرّق بين أدب المرء وأخلاقه؟ أيكون المرء خلوقاً لكنه سيّء الأدب؟

هل نلتمس الإجابة عند علماء النفس والإجتماع والفلاسفة؟ كيف يُسئُ شاربُ الخمرة الأدبَ ويبقى خَلوقاً؟ قيل إنَّ الخمرةَ تكشف طبع ومعدن شاربها وهذا صحيح، فلقد رأيت في حياتي سُكارى يميلون للصمت والعزلة والهدوء كما رأيت غيرهم يغلب عليهم الطبع الشرس وسوء الأدب والنزعة العدوانية حدَّ الإستعداد لممارسة جريمة القتل وقد حصل هذا الأمر بضعة مرات في حياتي ولم أكن بعيداً عن مسرح الأحداث. سيء الأخلاق هو سيء الأدب في عين الوقت والعكس صحيح ... سيء الأدب هو سيء الخُلق معاً. لا أحسب المتنبي صائباً فيما قال. المهم، لنتابع أحوال المتنبي مع الخمرة ومجالسته لبعض متعاطيها إدماناً من كبار وعليّة القوم يومذاك.

على الصفحة 154 من ديوانه قال المتنبي " وسقاهُ بدر ولم يكنْ له رغبة في الشرب فقال "

لمْ ترَ مَنْ نادمتُ إلاّكا

لا لسوى وُدّكَ لي ذاكا

ولا لحُبيّها ولكنني

أمسيتُ أرجوكَ وأخشاكا

كما قال على نفس الصفحة 154:

عَذَلتْ مُنادمةَ الأميرِ عواذلي

في شُربها وكَفَتْ جوابَ السائلِ

يلي هذا البيت بيتان إثنان لا علاقةَ لهما بالخمر والمنادمة فصرفت النظر عنهما.

وطبيعي أنْ يتأثرمّن ينادم الخمّارة لأوقات طويلة وأنْ تؤثّر فيه طقوس إعدادها وتناولها وما يُعد معها من أطعمة وغناء وربما راقصات فيحلو السمر ويطيب السهر حتى ينخرط المنادم ويستسلم لهذه الأجواء التي تحرّك الصخر كما تحرك البشر لذا لا نُدهش أنْ نجد المتنبي المتعفف والزاهد في الخمور يلين ويُجامل فيتناول شيئاً منها بل وأكثر يوماً منها حتى فقد القدرة على الكلام ! مع ذلك إنه ليس شروباً أو شرّيباً وليس مُدمناً كصاحبه الأمير بدر بن عمّار الأسدي. جاء في الصفحة 155 كلام طريف أنقله حرفيّاً فيه دلالة قوية على شدّة تعلق الأمير بدر بالخمرة أي إدمانه عليها:

(وكان بدر قد تاب من الشراب مرةً بعد أخرى ثم رآهُ أبو الطيب يشرب فقال ارتجالاً ثلاثة أبيات أقتبس منها عجز البيت الأخير:

أَمن الشرابِ تتوبُ أم من تركهِ؟

معروف على أوسع نطاق كيف يتوب الخمّارون ومدمنو المخدّرات والمدخنون والمقامرون ثم يعودون على ما كانوا عليه من الإدمان بعد حين. صوّر المتنبي هذه الظاهرة أبلغ وأبدع تصوير [أَمِنَ الشرابِ تتوبُ أم من تركه؟].

نقرأ على الصفحة 158 كلاماً ذا علاقة بما نحن فيه . " نال الشرابُ منّي " عنوان بيتين قالهما المتنبي مع شرح فيه شئ من الطول:

(سقاه بدرٌ ليلةً فأخذ الشرابُ منه ثم أراد الإنصراف فلم يقدر على الكلام فقال هذين البيتين وهو لا يدري فأنشده إياهما ابنُ الخراساني وهما قوله:

نالَ الذي نِلتُ منه منّي

للهِ ما تصنعُ الخمورُ

وفي انصرافي إلى مَحلّي

أآذِنٌ أيها الأميرُ؟)

سؤال: إذا عجز المتنبي عن الكلام تحت تأثير الشراب فكيف ارتجل بيتين من الشعر قرأهما على الجميع في مجلس ابن عمّار ثم ضاعا عليه فأنشدهما أحد حضور ذلك المجلس؟

في مقطوعات شعرية قصيرة ثلاث يصف المتنبي فيها لُعبة على هيئة فتاة تدورعلى لولب فإذا " وقفت حِذاءَ الإنسان نقرها فدارت فقال أبو الطيّب فيها ارتجالاً ":

فإنْ أسكَرَتنا ففي جهلها

بما فعلتهُ بنا عُذرُها

وقال في مقطوعة تالية وقد " أُديرتْ فوقفت حِذاءَ أبي الطيّب فقال ":

سأشربُ الكأسَ عن إشارتها

ودمعُ عينيَ في الخدِّ مسفوحُ

وقال يُمهّدُ للمقطوعة الثالثة " وشربَ وأدارها فوقفتْ حِذاءَ بدر فقال" .....

سهرة طريفة في أحد مجالس منادمة أمير نُسرُّ بها حتى لكأنا كنا حاضرين هناك نشرب معهم ونلهو ونضحك ونسكر ! بدر بن عمّار رجل ذكي خبير بنفوس البشر وبالشعراء خاصةً لذا كان يُلح على نديمه المتنبي في أنْ يشرب ما يقدم له من الخمور فالكحول يُلهب حماس الشعراء ويقدح في قرائحهم ويغيّر من أمزجتهم وبعض طبائعهم ويهيج فيهم دواعي الخفة والطرب .... هذا الأمير داهية فارس قائد يلعب الشطرنج ويصيد أو يصارع الأسود فضلاً عن تعاطيه الخمرة والحرص على إقامة مجالس المنادمة والشراب . لشديد الأسف لا نعرف الكثير عن هذا الشخص فهل أرّخَ له أحدٌ وضاع ما قد ألّفَ وأرّخ؟ في إحدى قصائد مديحه له جمعه المتنبي في بيت واحد مع ابن رائق وخليفة بغداد حينذاك المُتّقي وكانت المرة الوحيدة التي ذكر المتنبي فيها اسم أحد خلفاء بني العباس. قال في قصيدة " ومَنْ يكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريضٍ ":

حُسامٌ لأبنِ رائقٍ المُرّجى

حُسامُ المتّقي أيامَ صالا

آخر ما قال المتنبي (الصفحة 163) في السكر ومتعاطيه الأمير بدر بن عمّار بضعة أبيات أقتبس منها بيتين فقط جديرين بالذِكْر هما:

فَخَرَ الزجاجُ بأنْ شَرِبتَ بهِ

وَزَرتْ على مَنْ عافها الخمرُ

وسَلِمتَ منها وهي تُسكرنا

حتّى كأنكَ هابكَ السُكْرُ

فيهما مبالغة في تعظيم الممدوح من أنَّ كؤوس الخمر تفتخر أنَّ الأميرَ يشرب بها الخمر ... ثمَّ إنَّ ابن عمّار لا يتأثر بمفعول الخمر ولا تًسكره هذه الخمرة في حين تُسكرُ سواه (وسَلِمتَ منها وهي تُسكرنا) ... هل قال شاعر غير المتنبي شعراً في ممدوح مثل هذا الكلام المفرط في المجاملة والمبالغة؟ حقيقة معروفة أنَّ المدمن على تناول الكحول يكتشف ذات يوم أنَّ الخمرة لا تُسكره ! قد يكون هذا هو حال ابن عمّار.

في ديوان المتنبي مقطوعات أخرى صغيرة يحكي في بعضها تناوله كؤوس الخمر في مجالس أناس آخرين لا علاقة لهم ببدر بن عمار المعاقر الدائم للخمرة . كتب المتنبي في الصفحة 212 من ديوانه بيتين من الشعر قدّمَ لهما بقوله (سقاني الخمر... وسأله أبو محمد أنْ يشربَ فامتنع، فقال له بحقّي عليكَ إلاّ شربتَ فقال):

سقاني الخمرَ قولُكَ لي بحقّي

وودٌّ لم تشُبْهُ لي بِمَذْقِ

يميناً لو حَلفتَ وأنت تأتي

على قتلي بها لَضربتُ عُنْقي

ملاحظة: أبو محمد هذا هو [الأمير أبو محمد الحسن بن عُبيد الله بن طَغَج بالرملة].

يشرب المتنبي الخمر ولكن تحت ظروف لا يستطيع التملّص والهروب منها فهذا يحلف عليه بحقه عليه وآخر يُقسم بالطلاق وثالث يُلح وكلهم ذوو فضل عليه.

تلا هذين البيتين بيتان آخران قال المتنبي فيها " ثم أخذ الكأس منه وقال ":

حُييتَ من قَسَمٍ وأفدي مُقسِما

أمسى الأنامُ له مُجلِاًّ مُعظِما

وإذا طلبتُ رِضى الأميرِ بشُرْبِها

وأخذتُها فلقدْ تركتُ الأحرَما

أخيراً قال في بيت من ثلاثة أبيات (وهمَّ بالنهوض فأقعده أبو محمد فقال):

...

مالَ عليَّ الشرابُ جِدّا

وأنت للمكرماتِ أهدى

فإنْ تفضّلتَ بانصرافي

عَدَدْتهُ من لّدْنُكَ رِفْدا

مال عليَّ الشرابُ ... تعبير بليغ ينمُّ عن شدّة السكر وتمكّن الخمرة من أعصاب شاربها وصعوبة سيطرته على حركاته خاصة حركة القدمين .

هل أضيف دليلاً قوياً آخرَ على تعاطي المتنبي للكحول وحنينه بين حين وآخر له تبعاً لحالاته النفسية ، ففي قصيدته الأكثر شهرة " عيدٌ بأية حالٍ عُدتَ يا عيدُ " التي هجا فيها إخشيد مصر كافوراً بعد أنْ ضاق به الحال في مصر وبث الإخشيد جواسيسه يترصدون أقواله وأفعاله ولم يفِ بما وعد المتنبي من منحه إقطاعاً أو إمارةً فقال ما قال:

يقولُ لي الطبيبُ أكلتَ شيئاً

وداؤكَ فبي شرابكَ والطعامِ

وما في طبّهِ أني جوادٌ

أضرَّ به بجسمهِ طولُ الجَمامِ

فليس يُطالُ له فيرعى

ولا هو في العليقِ أو اللجامِ

وقال:

أمسيتُ أروحَ مُثرٍ خازناً ويَداً

أنا الغنيُّ وأموالي المواعيدُ

وقال في قصيدة أخرى يمدح كافوراً بها:

وغيرُ كثيرٍ أنْ يزوركَ راجلٌ

فيرجعَ مَلْكاً للعراقينِ واليا

وقال في أخرى مادحاً كافورَ وفاضحاً نواياه:

أبا المسكِ هل في الكأسِ فضلٌ أنالُهُ

فإني أُغنّي منذُ حينٍ وتشربُ

وهبتَ على مقدارِ كفْيْ زماننا

ونفسي على مِقدارِ كفيكَ تطلبُ

إذا لم تَنُطْ بي ضيعةً أو ولايةً

فجودكَ يكسوني وشُغلُكَ يسلبُ

هذه نماذج من معاناة المتنبي مع كافور في فسطاط مصر .

أخلص من كل هذا الكلام إلى القول إنَّ المتنبي المتأزم جداً جداً لجأ نفسيّاً إلى الخمرة التي تذكّرها إذْ لم يجدها فقال وقد ترك فسطاط مصر هارباً:

إذا أردتُ كُميتَ اللونِ صافيةً

وجدتها، وحبيبُ القلبِ مفقودُ !

 

عدنان الظاهر

مايس 2019

.........................

ديوان المتنبي. دار بيروت للطباعة والنشر. بيروت 1980 .

 

معراج احمد الندويالقصة القصيرة "في القطار" لمحمود تيمور هي أول قصة عربية مستكملة للعناصر الأساسية في فن القصة القصيرة الحديثة. فكان محمود تيمور من المبتدعين الأولين لملامح أصيلة في القصة والأقصوصة في الأدب العربي المعاصر. وهو واحد من القلائل الذين نهضوا بهذا الفن الذي شهد نضوجا مبكرا.  قطع محمود تيمور شوطا طويلا مع القصة القصيرة واستطاع أن يقدم ألوانا مختلفة من القصص الواقعية والرومانسية والتاريخية والاجتماعية.

كانت ولا تزال القصة القصيرة أقرب الفنون الأدبية إلى روح العصر. تدور القصة القصة القصيرة على محور واحد ولا تشمل من حياة أشخاصها إلا فترة محدودة أو حادثة خاصة أو حالة شعورية معينة. فمن هذه الناحية تستخدم القصة القصيرة كل الأجناس الأدبية.

توجه العرب في العصر الحديث إلى القصة بعد اتصالهم بالغرب وقاموا بنقل القصص الغربية إلى العربية. عندما اطلع أدباء العرب بالأداب الغربية فأعجبوا بها واقبلوا على دراسة تلك النماذج الجديدة التي ليست لهم بمثلها عهد في المسرحية والشاعر والقصص والروايات. بدأ الكتاب العرب أن يترجموها إلى اللغة العربية ولكن الترجمة لم تؤثر كثيرا كما هو المزعوم في نشأة القصة القصيرة العربية وإنما كان التأثر المباشر عن الاتصال المباشر بالآداب الغربية. إن محمود تيمور هو  الذي مهد الطريق للقصة القصيرة عربية متكاملة ثم جاءوا لأمثاله بعده وكتبوا القصص القصيرة وأحسنوها وأبدعوها.

تميز أدب محمود تيمور ببساطة اللغة ورشاقة التعبير وجمال الصورة التي قدمها في جميع رواياته وقصصه. بلغت مؤلفاته نحو خمسين كتابا في القصة القصيرة والطويلة والصور والخواطر والرحلات والمسرحية التاريخية والدراسات اللغوية والأدبية والعلمية.

انتج محمود تيمور الكثير من القصص التي تحلل طبائع الافراد وسلوك النفوس، شملت أعماله شخوصا مختلفة وأنماطا متعددة. فمنهم من كان يمثل الطبقة القادحة، ومنهم من يمثل الطبقة الارستقراطية. ومنهم من كان شابا وامرأة، ومنهم من كان طفلا أو شيخا. حاول في أعماله القصصية أن يكشف عن نواح من الصراع بين الطبقات ويحلل الشخصيات تحليلا دقيقا واضحا.

استفاد محمود تيمور من روائع الأدب العالمي. فدرس الأدب الفرنسي والأدب الروسي بلإضافة إلى سعة اطلاعه في الأدب العربي. أقبل محمود تيمور في بداية الأمر على قراءة المنفلوطي وتأثر بأفكاره الرومانسية وهو الذي غرس في قلبه النزعة الرومانسية التي تملك على مشاعره وعواطفه. وقد تأثر محمود تيمور بمؤثرات أخيه محمد تيمور الذي مال إلى النزعة الواقعية في أدبه. فمن إثر  هذا التأثر ألف محمود تيمور باكوراته القصصية الأولى "الشيخ جمعة" على غرار مجموعة أخيه القصصية "ما تراه العيون".

تأثر محمود تيمور بأخيه في اتجاهه نحو المذهب الواقعي في الكتابة القصصية، والذي ظهر واضحًا في مجموعته القصصية الأولى "ما تراه العيون"، فأعجب بها محمود إعجابًا دعاه إلى أن يؤلف على غرارها. فكتب باكورته القصصية "الشيخ جمعة" سنة 1925م. وفجأة تُوفِّي أخوه محمد تيمور وهو في ريعان الصبا وشرخ الشباب. فشعر محمود تيمور بانهيار آماله وفقد حماسه،وأصابه اليأس، وانزوى حزينًا مستسلمًا للأسى والإحباط ولكن بمرور الأيام بدأ الجرح يندمل في قلبه، وأقبل من جديد على الحياة، وراح ينفض عن نفسه الفشل والإحباط، واعتمد على نفسه مهتديًا بهُدى شقيقه الراحل، ومترسمًا خطاه في عالم الأدب والإبداع، وأقبل على الكتابة بنشاط وروح جديدة.  لجأ محمود تيمور إلى الواقعية وفسر لنا زمنا خاصا حيث قدم قلق الإنسان كما أشار إلى حياة الناس الصعبة وحاول أن يحرك ذاكرة القارئ وسار به في  افراحه وأحزانه.

" في القطار" أول قصة قصيرة في الأدب العربي الحديث:

اتفق النقاد والباحثون على أن  القصة القصيرة  "في القطار" لمحمود تيمور هي أول قصة قصيرة أدبية فنية في الأدب العربي المعاصر. قد أتاح هذا الرائد القصة العربية صورة مغرية جذابة. وله الفضل في ما هو الموجود من الأفكار والمفاهيم القصصية الرائعة في أدبنا العربي الحديث.  تمثل قصته "في القطار"  الرئادة الناضجة إلى الكمال في هذا الفن في خطوة تالية لخطوط المنفلوطي. وقد كان محمود تيمور على صلة قوية بالفن القصصي الغربي وكان متأثرا بموباسان. هكذا نجد أن قصته " في القطار" تمثل ميلاد القصة القصيرة الفنية في الأدب العربي الحديث.

لقد تناول محمود تيمور في قصصه ورواياته الطبقة المتوسطة والفقيرة وعرض جوانب سيئة من حياة أفرادها وسخر من عاداتهم وتقاليدهم. وتميزت القصة محود تيمور بالواقعية حيث أخذ يصور الحياة اليومية ولا سيما للمهمشين من طبقات المجتمع كما أنه جنح إلى استخدام العامية في قصصه مع استخدام لغة سهلة بسيطة حيث كان يرى أن الفصحى لا يمكن أن تعبر عن توجهات الشعب وطموحاته.

إن محمود تيمور هو شرقي عربي مصري في أدبه وفنه. تتسم بذلك الروح الشرقية الخالصة حين يرسم صورة المجتمع المصري  البيئة المصرية صورة صادقة. ربط بالمجتمع عن طريق معالجته لمشكلاته وتصوير لآلامه وآماله وإشباع نزعاته بما يصورها تصويرا صادقا. كان محمود تيمور مصلحا اجتماعيا، وهو الذي جمع بين الفكر والفن. استطاع أن يتجاوب في الكثير من قصصه ورواياته مع ابناء الطبقة الفقيرة والمتوسطة تجاوبا عجز عنه الكثيرون من الأدباء الذين نشأوا في الطبقة المتخلفة. قد تناول محمود تيمور في قصصه ورواياته الطبقة المتوسطة والفقيرة وعرض جوانب سيئة من حياة أفرادها وسخر من عاداتهم وتقاليدهم. ركز محمود تيمور جل اهتمامه على الجانب الخيالي والعنصر الروحي للحياة الإنسانية. قد حذا في قصصه حذو الكتاب الغربين ولكن في نفس الوقت أنه لم يغفل عن القيم الشرقية الأصيلة ولم يتساهل من اثبات أهمية الروحانيات الشرقية في سبيل الحل للمشاكل التي نتجت عن الحضارة الصناعية الحديثة الغربية.

 

ا. م. د. معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

كريم مرزة الاسديقصة هذا الإنسان التعبان!! 

من يوم اللص المسكين بن فلان، مخضرم الدولتين الأموية والعباسية؛  إذْ اكتسى اسمه وكنيته (الأحيمر بن فلان بن حارث السعدي ت 170هـ / 787 م)، والذي بلاه الإنسانُ بسلطته وجبروته؛ فابتلى به لتمرده وخروجه، والشرُّ للشرِّ ولود، اقرأ معي بتأمل ٍوإمعان بلا صدود وهجران:

عوى الذئبُ فاستنأنستُ بالذئبِ إذ عوى* وصوَتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ

يـــرى اللهُ إنـّي للأنيــس ِلكـارهٌ *** وتبغضهم ْ لـــي مقلةٌ و ضميـرُ

وإنـّي لأستحيي مــــــن الله أنْ أرى **أجرّرُ حبلاً ليـــــس فيـــهِ بعيرُ!

وأنْ أســـأل المــــــرءَ اللئيمَ بعيـــرَهُ *** وبعرانُ ربّي في البـلادِ كثيرُ!

لئن طــــالَ ليلي بالعـــــــراق ِلربّمــــا***أتـى ليَ ليلٌ بالشــــآم ِ قصيرُ

أيا نخلاتِ الكـــــــــرمِ لا زالَ رائِحا ****عليكـُنّ منهلُّ الغمــام ِمطيــــرُ

ويا نخلاتِ الكرخ ِمــا زالَ مـــاطــرٌ ****عليكـُنّ مســتنّ الريـــاح ِ ذرورُ

ونبئتُ أنّ الحيَّ سعـــداً تخــــــاذلوا ***حمـاهُم وهُــم لـو يعصــبون كثيرُ

أطاعوا لفتيان ِ الصبــــــاح ِلئامهمْ **** فذوقوا هوانَ الحربِ حيث ُتدورُ

كفى حزناً أنّ الحمـــــارَ بن بحــــدلٍ ***عليَّ بأكنـــــــــــافِ الستارِ أميـرُ

وأنَّ ابن موسى بائع البقل بالنــوى **** لهُ بين بـــــــابٍ والستار ِ خطيـرُ

لماذا نفر هذا الإنسان من أخيه الإنسان، ولجأ إلى الذؤبان، ويستحي من الله قاسم الرزق الحلال بالقسط والعدل، أن يجرّ حبله بلا بعير، وبعران ربّي كثير !! ويمرّعلى نخلات الكرم، ونخلات الكرخ، والخير الوفير، ويأتيه بالأخبار مَن لم يزود، إنّ القوم تخاذلوا، وللئامهم أطاعوا، حتى ذاقوا هوان الحرب ودوائرها، فغدا الحمار أميرا، وبائع البقل خطيرا، عينٌ تغري،  وعينٌ تزدري،  فما كان في وسعه إلا أن يتوجه الى اللصوصية، والتمرد على الإنسان، وقطع الطرق بالقاطع البتار، فعاش منفرداً يائساً، مستأنساً بالوحوش الكاسرة، بعد أنْ فاقها الإنسان وحشة ووحشية، حكمة تفرضها الدنيا على أبنائها، لك أنْ ترضى، ولك أنْ تأبى، والحقيقة واحدة، الإنسان ابن بيئته، فالخبيثُ لا يوّلد إلا خبيثا.

ثمّ ماذا ؟

هذا معاصره الشاعر الشهير (دعبل الخزاعي، عاش بين 148 هـ - 246 هـ)، ذكّـّر نفسه بالسيرة الحسنة، والعمل الصالح لتقويم النفس:

هي النفس ما حسنته فمحسنٌ **لديها وما قبحته فمقبّحُ

طيّب نفسه، وبشرها، وصبّرها على حمل المكاره:

فيا نفسُ طيبي، ثمّ يا نفسُ أبشري*** فغيرُ بعيدٍ كلُّ ما هــو آتِ

ولا تجزعي منْ مدّة الجــور، إنـّني ** أرى قوتي قدْ آذنت بشتاتِ

ولكنه ! أيضاً جاب الدنيا " وحمل خشبته على كتفه خمسين عاما يدوّر على من يصلبه عليها فلم يجد "، وآخيراَ ذهب إلى رحمة ربّه قائلاً:

ما أكثرَ الناسَ ! لا بلْ ما أقلـّهمُ ***اللهُ يعلمُ أنـّي لـــــمْ أقلْ فندا

إنـّي لأفتحُ عيني حين أفتحـــها** على كثـير ٍولكن لا أرى أحدا

وإلى يومنا هذا لا نرى أحدا !!، لم يزدْ أهتمامنا بالإنسان حتى أنملة، ألإنسان هو الإنسان، محط ظلمنا، تحت سياطنا، بين أفواهنا، وإنْ اقتضى الأمر لمّعنا له سيوفنا، لا نرحمه، ولا نترك رحمة الله تنزل عليه، ولا ألزم نفسي بشاهد، إنـّى عشتُ التجربة، فالعصر عصري، وأنا أرى المظالم بأمّ عين، وصكّ سمعي؛ بل وأنا القائل في قصيدتي عن الإنسان، أيِّ إنسان على هذه البسيطة المظلمة النيرة:

أضحى البريءُ لفي جرم ٍ ولا سببٌ *** والجرمُ يزهو بفخر ٍ وهو عريان ُ

حتى كهلتُ وأيّامــــــــــي تعلـّمني *** في كلِّ ألفٍ مـــن الآناس إنسـانُ

نعم من عصر( جرير ت 114 هـ) و صرخته:

ما زالتِ القتلى تمجُّ دماءها*** بدجلة َ حتى ماء دجلة َ أشكلُ

وإلى عصرنا حيث أجبته ببيت من قصيدة لي:

ما زالتِ القتلى تمجُّ دماءها ** وبقى كعهدِكَ - يا جريرُ- المذبحُ

ألم يحن الوقت لنسأل أنفسنا هذا السؤال العابر السبيل إلى رحمة ربه، ونتأمل؟

لماذا وصل بنا الحال إلى هذا المآل؟!!

وهل كثيرٌ علينا أن نرحم أجيالنا الآتية من الأصلاب الحائرة، والأرحام الطاهرة؟!

الحلُّ أنْ نعلم علم اليقين، وأن نفهم ونتفهم ببصائرنا اليفظة، ووجداننا الحي أنّ الإنسان هو الاغلى قيمة في هذه الحياة، ومن دونه دونها والوجود معها، لئنِّ لا يفقه الوجود الا العاقل الموجود، خلقه الله على أحسن تقويم،وفضله على العالمين، ومن قتلَ نفساَ بغير حقٍّ، فكأنـّما قتل الناس جميعا، قطـْع صلب واحد معناه موت أمة بتمامها وكمالها في عالم الغيب الذي لم يخلق، وما أدراك وما أدراني كيف ستكون، لو كانوا يعقلون!

 "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " (محمد 24).

ومن لا يحترم الإنسان ولا يقدره لمجرد أنـّه إنسان بغض النظر عن كل المواصفات الطبيعية والتطبعية،الخـُلقية والخـَلقية - وفق القيم والنظم الإنسانية العادلة -، يفقد - بمعنى من المعاني - القيم الروحية السامية للإنسانية، بعقلها ووجدانها ورقيها الحضاري، لذلك يجب علينا زراعة حب الإنسان الآخر- من حيث هو كما هو، فالمرءُ حيثما جعله - في نفوسنا، ليس لمجرد اعتبارات أخلاقية؛ وإنّما يجب أن تكون فلسفة حياتية نجبل أنفسنا عليها، ونسير على هداها، فالإنسان وجهة الإنسان، هو غايته، وهو وسيلته... بعد الله.

وماذا بعد ؟

أمّا بعد !:

والشيء بالشيء يذكر؛ ولئن العبقرية نتاج الإنسانية، أو هي إحدى إفرازاتها النافحة النافعة، والعبقري هو ابن الإنسان ! ولمّا كنـّا على الطريق، لابدَّ لنا أنْ نشير إلى أنّنا من أضعف الأمم تمسكاً بعباقرتها،وعظمائها، وأقلـّها تقديرا لهم، ولجهودهم الجبارة في سبيل أزدهار الحضارة الإنسانية ورقيها، وتطرقت إلى هذا الموضوع الحساس في كتابي الموسوم (للعبقرية أسرارها..)، وأوردت وجهات نظر عباقرة العرب والعراق المعاصرين في هذا الصدد، ومن الضرورة بمكان أن نستضيف الدكتور أحمد أمين، والأستاذ العقاد ليشاركانا الرأي، والرأي قبل شجاعة الشجعان !! 

يقول دكتورنا الأول: " إنّ الأوربيين قد وجدوا من علمائهم مَنْ يشيد بعظمائهم، يستسقي نواحي مجدهم؛  بل قد دعتهم العصبية أن يتزايدوا في نواحي هذه العظمة، ويعملوا الخيال في تبرير العيب، وتكميل النقص، تحميساً للنفس، وإثارة لطلب الكمال، أمّا نحن فقد كان بيننا وبين عظمائنا سدود وحواجز حالت بين شبابنا وجمهورنا والإستفادة منهم "،

أمّا أستاذنا العقاد، الجريء بإطروحاته، والعميق بتحليلاته، نتركه ليضع النقاط على الحروف، بتجردٍ ولا تردّد " فماذا يساوي إنسانٌ لا يساوي الإنسان العظيم شيئاً لديه، وأيّ معرفة بحق ٍّ من الحقوق يناط بها الرجاء، إذا كان حق ّ العظمة بين الناس غير معروف" 

هذه خواطر عابرة مرّت على بالي، وانا في حوار مباشر على البعد، وكلُّ ما تأتي به النفس جميلا، إذا كان صادقاً وجليلا، أملنا بالله كبير.. للشعب الخلود والعطاء، وللعراق المجد والبقاء، ودمتم للإنسان أوفياء، والله من وراء القصد ...شكراً لوجودكم معي!

 

كريم مرزة الأسدي

 

معراج احمد الندويالشعر مرآة آداب الناس وصحیفة أخلاقهم ودیوان أخبارهم وسجل عقائدهم. وذلک لأن نفس الإنسان وقلبه تحرکّا وارتقیا قبل أن یرتقي عقله وتتهذّب مدارکه، فتکلّم بالشعر قبل أن تکلّم في العلم، ولذلک کانت أقدم أخبار الأمم والشعوب من قبیل الخیال، وأقدم المحفوظ من مدوّناتها کتب الشعر، وهو أمر طبیعي لأن الشعر لغة النفس تعبّر من خلاله عن انفعالاتها وأحاسیسها ومشاعرها.

إن الشعر الجاهلي شعر الأصالة والفطرة، وأن الحكمة الجاهلية من أنقى ما لهجت به ألسنة العقلاء، وتلجلجت به صدور الحكماء عبر السنين حيث الحياة صافية صفاء الصحراء النقية، والفطرة سليمة لا تشوبها شائبة من ثقافة وافدة. ومن المعروف أن العرب في الجاهلية لم يعرفوا العلم والفلسفة لأن الحياة البداوة لم تتيح لأصحابها بأن يكون لهم علم منظم. فالعلم وليد الاستقرار والحضارة. قام الشعراء بهذه المهمة ورسموا للناس المثل العليا وفتحوا أعينهم على الحقيقة الباهرة. حاول الشعراء في حلها ونشر الخير والأمن والسلام في ربوع بلاد العرب. ومن هؤلاء نذكر الشاعر الذي عاصر حرب داحس والغبراء. وكان له مشاركة فعالة في دعوة القوة إلى التخلي عن الحرب والعودة إلى الود والسلام، وذلك هو الشاعر زهير بن أبي سلمى. إن طبيعة البيئة الشعرية التي عاش فيها زهير قد أكسبته مكانة لائقة داخل القبيلة. وهذه البيئة الشعرية أمكنته من الوصول إلى منزلة الكمال الفني في النظم بين شعراء عصره. وكذلك هذه الوراثة الشعرية أثرت في تكوين شخصية زهير إنسانا وشاعرا.

فالحكمة في الشعر الجاهلي كلام يشير إلى خيارات الشاعر الخلقية معتمداً على تجربته الحياتية. ‏والحكمة في الشعر هي القول الذي يدعو إلى تقرير قيمة متبناة من التأمل أو من تجارب الحياة، فتشيع بين الناس ويحفظونها، وهي ترد في الشعر وفي النثر. ‏إن بعض الأشعار أصبحت، لقوة انتشارها، أمثالاً شائعة وفي معلقة يا دار مية التي يمدح النابغة فيها النعمان ويعتذر إليه. وفي غيرها نجد طائفة من الأمثال:

أنبئت أن أبا قابوس أوعدني ‏

ولا قرار على زأر من الأسد ‏

وبيت آخر من قصيدة للنابغة: ‏

فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا ‏

والدار لو كلمتنا ذات أخبار ‏

ومن الحكم الرائعة ذات المدلول الأخلاقي: ‏

لا تظهرن ذم امرئ قبل خبرة ‏

وبعد بلاء المرء فاذمم أو احمدِ ‏

وفي الكرم: ‏

ولا أشتري مالاً بغدر علمته ‏

ألا كل مال خالط الغدر أنكد ‏

كان زهير بن أبي سلمى شاعر السلم والسلام، ومبدع الحكمة والتجربة من فحول الشعراء في الجاهلية. كان العصر الجاهلي عصر حرب وغزو ونهب. وكان زهير خبيرا بأحوال الناس ونزعات طبائعهم، وهو يحسن التفهّم لمعنى الإستقامة والإعوجاج، ومعنى الرذيلة والفضيلة، وذلك أن الرجل جاهلي وهو يخاطب مجتمعاً جاهليا. لقد كان زهير داعية للسلام، ومصلحــاً اجتماعياً، وحكيماً ينصح الناس ويرشدهم، ويدعوهم إلى العمل الصالح. ضمّن شعره نظرات تأملية في الحياة والموت والإنسان، وکان زهیر یمیل في أشعاره إلی الحکمة وبیان مکارم الأخلاق وخاصة في خواتیمها ، وهي حکم متفرّقة ضمّنها في تضاعیف شعره ،

وعلى الرغم من نزعة هذه الحرب بين عبس وذبيان فقد برزت في مواجهتها نزعة سلمية كان صوت العقل فيها يعلو على صوت العاطفة ليسفه العنف وينبذه ويدعو إلى السلم وينفر من الحرب وشرورها. ‏وكان زهير بن أبي سلمى ممثلاً لهذا الاتجاه وصاحب صوت التعقل؛ ذلك الشاعر الذي أحاطت به ظروف متعددة جعلت منه داعية للسلام: فقد مات أبوه وهو طفل فتزوجت أمه الشاعر المعروف أوس بن حجر فعاش بين قبيلة أخواله بني غطفان بعيداً عن قبيلته: وقد آمن زهير بمبدأ القوة الذي كان سائداً في مجتمعه وعصره حيث لم يكن للضعيف في ذلك المجتمع مكان لأنه مسحوق مظلوم من الأقوياء الظالمين كما يقول:

ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ‏

يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ‏

ويبدو زهير حليماً تجاوز عصره، ورجل سلم، يحكم العقل في حل المنازعات، ويدعو إلى تجنب الحرب وهي غاية الغايات في الحكمة: ‏

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ‏

وما هو عنها بالحديث المرجم ‏

ولم يعرف عن زهير شرب الخمرة، ولا حتى وصفها "كالأعشى" و"طرفة"، ولم يتبذل حين كان يتغزل غزلاً تقليدياً وهو الذي جعل إنفاق المال في الخمر مفسدة لا مفخرة كما ورد في مديحه حصن بن بدر سيد غطفان إذ يقول: ‏

أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ‏

ولكنه قد يهلك المال نائله ‏

ومن أشهر حكم زهير المتناسبة مع عدم شربه الخمرة إيمانه المطلق بالله ‏

فلا تكتمنّ الله ما في نفوسكم ‏

ليخفى ومهما تكتم الله يعلم ‏

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ‏

ليوم الحساب أويعجّل فينقم ‏

ولشعر الحكمة الجاهلي إيمانه بالله والقسم به والاعتقاد بالآخرة والحساب والإيمان بالقضاء والقدر والتزوّد بالعمل الصالح. إن الشعر في العصر الجاهلي کان قد بلغ الغایة في البلاغة ، وکان العرب یطلقون علی الشاعر آنذاک مصطلح "العالم الحکیم"، فیفضّلونه في حلّ النزاعات ویحتکمون إلیه في الأمور الخطیرة والقرارات الحاسمة. وکانت العرب تُقِیم الشعر مقام الحکمة وغزارة العلم.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية- كولكاتا- الهند

 

عبير خالد يحيىأولًا – المقدمة: وأنا أقرأ رواية (ابن آني) للمخرج السينمائي/ أحمد فؤاد درويش/ المصنّف المخرج رقم 15 في تاريخ إبداع الأفلام الوثائقية في العالم كله على مدى المئة عام الأخيرة، كنت أتساءل- كناقدة- إلى أي مدى تؤثر مهنة الكاتب (career) على كتاباته أو على أدبيّته؟ هذا التساؤل قادني إلى اعتماد مؤشر أستطيع أن أحكم بناءً عليه على هذه الرواية، و من غير أن أتجاوز مقاييس المنهج الذرائعي الذي أنتهجه في دراساتي النقدية، فالكاتب له ما له وعليه ما عليه...

لقد سيطرت مهنة الكاتب كمخرج سينمائي -لأفلام وثائقية تحديدًا- على عمله الأدبي هذا، والفيلم الوثائقي هو فيلم يعرض فيه مخرجه حقيقة علمية أو تاريخية أو سياسية، بصورة حيادية ودون إبداء الرأي فيها. وهو يحوي سردًا تاريخيًّا أو سياسيًّا لمواقف سجّلت سابقًا، أو لنكبات أو حروب حصلت في الماضي أو الحاضر القريب.

وقد أخذ الكاتب في عمله هذا روح الفيلم الوثائقي، المشاهد، مستخدمًا في رسمها الحوار، وليس السرد، مضيفًا إليها المتخيّل السردي، ليخرج عن بحتية الحقيقة التاريخية أو الواقعية، وليدخل بذات الوقت في عمق الأدب، على اعتبار أن الخيال والرمز والجمال هي الانزياحات التي تصنع الأدب.

السيرة الذاتية للكاتب:

- ولد في قصر نديم بحدائق القبة بالقاهرة عام 1947.

- تخرج من أكاديمية الفنون (السينما) عام 1967، ومن جامعة القاهرة كلية التجارة عام 1968.

- التحق بالمؤسسة المصرية العامة للسينما في يناير 1968وعمل في تخطيط الانتاج السينمائي للدولة برئاسة نجيب محفوظ وعبد الرازق حسن.

- أسس شركة فرعون فيلم للإنتاج السينمائي الوثائقي والروائي.

- في يوليو 1980، صدر الكتاب الأكاديمي لجامعة جنوب كاليفورنياUcla، مصنفًا درويش المخرج رقم 15 في تاريخ إبداع الأفلام الوثائقية في العالم كله على مدى المئة عام الأخيرة .

- نال العديد من جوائز المهرجانات العالمية، ممثلًا للدولة المصرية أو عن فرعون فيلم، أو عن مركز أفلام المعرفة الذي أسسه عام 2007.

- في 30 مايو 2018، احتفلت دار الأوبرا المصرية بتكريم أحمد فؤاد درويش، خمسون عامًا من الإبداع بالسينما والأدب والموسيقى.

- رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للتنوير من 2006إلى 2018. 

المستويات النقدية الذرائعية

أولًا- المستوى الأخلاقي M-ral Level

1- البؤرة الفكرية الثابتة أو التبئير الفكري Static C-re:

هي مدخل أخلاقي تجعله الذرائعية بؤرة ومركزًا ثابتًا لا ينزاح، ومنه ننطلق إلى باقي المستويات، أجد فيه - كناقدة ذرائعية- نوع العمل الأدبي ومحتوياته الأخلاقية الثابتة، هذه البؤرة تحدّدها الذرائعية باستراتيجية الكاتب الأخلاقية العامة التي تتطابق مع المسيرة الإنسانية، بالإضافة إلى الأفكار العامة ونوع الرؤى التي يطرحها الكاتب، والتي ينبغي أن تكون مفيدة للمجتمع، وخالية من جميع الأفكار السلبية المستوردة المنافية للأخلاق، وبما أن الحياة تشكّل المشرب الرئيسي للأحداث السردية، وبنفس المشرب؛ الحياة مجموعة من الأيديولوجيات نعيشها شئنا أم أبينا، ولا بد أن لنا حصة منها، وهي تمرّ فينا قبل أن نمرّ فيها، فنكون فيها مساهمين ومراقبين في نفس الوقت، سياسيًّا واقتصاديًّا ونفسيًّا، رومانسيًّا وإنسانيًّا، كان لابد للكاتب من أن ينطلق من ذاته وهو يكتب عمله الأدبي، ولاسيما عمله الأدبي الأول.

وطبقًا للمبدأ الذرائعي السردي، والذي ينصّب الأدبَ عرّابًا للمجتمع، والنقدَ عرّابًا للأدب، كان لا بدّ أن يكون هذا المبدأ هو حجر الأساس في الفن السردي، ولهذا السبب تختلف مستويات الأدباء باختلاف قوة الاستراتيجية الشخصية لدى الأديب، أي كلما كان مبدأه الاستراتيجي قويًّا كان متقدّمًا في أدائه السردي، ومسخِّرًا لأدواته التكنيكية بصورة خلّاقة.

ومن تلك البؤرة الفكرية الثابتة التي تحوي استراتيجية الكاتب، وتفاعل الناقد والمتلقي معها، ومن خلال المبدأ السردي الذرائعي سابق الذكر، نبدأ دراستنا المستقطعة لهذا العمل:

الكاتب مخرج كبير مصنّف عالميًّا، ينظر للأدب بمنظار مرئي، وتحت سلطة هذا المنظار تسقط الصورة الأدبية، وتحل محلها الصورة المرئية المتمثلة بالشخصيات، والتفاعل بين تلك الشخصيات يكون مركزه حواري، وهذا يقود إلى اختفاء الأسلوب وجماليته الانزياحية، وتعويضه بتقريرية الحوار، يقودنا ذلك علميًّا نحو التأثير السيكولوجي على استراتيجية الكاتب في الكتابة، لذلك جاء العمل سيناريوهيًّا أكثر منه سردًا انزياحيًّا روائيًّا، بذلك حلّ الأسلوب المرئي بديلًا للأسلوب الجمالي اللغوي، وهذا التلاعب بالجمال الفني يعطي الكاتب خطوات متقدمة في خلق جنس جديد يجمع بين الفن والأدب.

عوّض في الحوار بشكل مستقل عن الأسلوب جماليًّا، لكون الحوار عنصرًا مستقلًّا من عناصر البناء الجمالي، والأسلوب أيضًا عنصر آخر من عناصر البناء الجمالي مستقل أيضًا، يخرج عنه إلى البناء الفني عندما يكون منوطًا به سرد الأحداث- كما وجدنا في هذا العمل- حمولة إضافية عن وظائفه في إبطاء إيقاع السرد أو تسريعه، بالإضافة إلى تحميله المادة المعلوماتية، هذا يعني أن القضايا الإنسانية التي يتناولها الكاتب في الأسلوب عادة، عوّض عنها كاتبنا حين تناولها في الحوار، وهنا سنرى تميّزًا فوق الاعتيادي لهذا الكاتب في الحوار تحديدًا، لإسقاطه الصورة المهنية على أسلوبه في الحوار، هنا لا يوجد أسلوب أدبي، ولا حتى أسلوب تقريري، فهو لم يسرد سردًا صحفيًّا حتى، وإنما سرد عبر الحوار، ما أنتج رواية قد تكون صنفًا جديدًا يقع بين السيناريو والرواية، أو بين المسرحية والرواية، لأنه أسقط عنصرًا جماليًّا مهمًّا وهو الأسلوب، وأحلّ محلّه عنصرًا مهمًّا آخر وهو الحوار، ولم يختل العمل....

إذًا، يمكن أن تُكتب الرواية عن طريق الحوار فقط، وهذا هو التجديد والإبتكار، ويسمى بالحوارية السردية، ويمكن أن يكتب بالأسلوب فقط – بعد تجريده- ويسمى حينها بالمقطوعة السردية، وهذه أجناس بينيّة جديدة اكتشفت حديثًا في العام 2016 بالنظرية البينية الذرائعية، و تمّ إقرارها ووضع حدودها الجنسية وتوثيقها في المجلد الثاني من الموسوعة الذرائعية المعنون ب/ الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية/ حيث تم إقرار المقطوعة السردية ابتكارًا للمنظر عبد الرزاق عوده الغالبي بتعريفه:

" مقطوعة متماسكة سرديًّا من حيث تعشيق المفردات بشكل جمالي يبرز صورًا متلاحقة"[1].

بينما كان لي أنا دكتورعبير خالد يحيي شرف تجنيس ووضع الحدود التجنيسية للحوارية السردية على أنها:

"جنس حواري سلوكي من محفز واستجابة، وسؤال وجواب، بشكل محادثة مسرحية بحوار ظاهري سردي، يحمل بين طياته التشابك السردي للقص القصير، وعقدة التشابك والانفراج، بذلك يعطينا جنسًا بينيًّا بين المسرحية والقص القصير، بشكل حوار مستمر حتى تقرّه النهاية المشتركة"[2] .

فإذن، هناك قصة قصيرة حوارية تسمى الحوارية السردية- حوارية قصيرة- وهذا الكاتب ابتكر رواية حوارية- حوارية طويلة-، وبذلك يكون كاتبنا قد سلك سلوكًا بينيًّا ذرائعيًّا (جنس بيني روائي) يُصنّف تحت اسم (رواية حوارية).

2- الخلفية الأخلاقية للنص أو الثيمة:Theme -r M-ral Backgr-und:

ولأن الأدب نتاج إنساني منوط به الارتقاء والتطهر من أدران الخطأ، اعتبرت الذرائعية الأدب ظهيرًا للمجتمع، لذلك لم تعتبر أدبًا النصَّ الذي خلا من الخلفية الأخلاقية المجتمعية، ويندرج تحت ذلك النصوص التي تحرّض على العنف والكراهية والعنصرية والطائفية والمذهبية والفئوية، والنصوص التي تنشر الانحلال الأخلاقي والتفكك الأسري والمجتمعي، والنصوص التي تنتهك الأعراف وتجيز أو تشيع الجريمة ومؤهباتها، فالذرائعية تتبنى مبدأ التعويض الأخلاقي d-ctrine -f c-mpensati-n وملاحقة الجريمة، والحفاظ على المنظومة الأخلاقية العالمية، وحريات الناس وحقوقهم وواجباتهم، وتشجّع الأدب الرسالي التربوي الذي ينادي بالسلم والوئام، والأمن والأمان بين الناس، وفي هذا العمل، لم يخرج الكاتب عن هذه المنظومة رغم أن طرحها يقوم على تمرّد البطل على عقيدة قومه، وسخريته من الكهنة، ولكنه لم يخرج به باتجاه الإساءة الفعلية للمجتمع التي قد تؤدي إلى تقويض أركانه:

خونسوحتب متمرد في قومه على معتقدهم الديني، هم يؤمنون بآلهة كثيرة ويعبدونها على شريعة آمون رع منذ آلاف السنين، أما هو فتروق له الآلهة المتعددة لا للعبادة وإنما بهدف تحديث الوظائف المنوط بها لكل إله، ودور كل إله في المستقبل، هم يبحثون عن الخلود بعد الموت، وهو يبحث عن العدالة واللذة في الحياة الدنيا، لذلك رأيناه مارس لذته الجنسية مع الكثيرات، وعندما مات، ولشدة شوقه إلى اللقاء مع أبيه آني في اليارو(الفردوس)، كذب على الإله الأكبر أوزير وقال أنه لم يخن زوجته، ثم استيقظ ضميره بعد أن دخل الجنة ولقي أبيه (آني)، ليعود أدراجه ثانية إلى محكمة (ماعت)، ويعترف بخطيئته في الدنيا، بإشارة من الكاتب باتجاه يقظة الضمير الإنساني، وانتصار الصدق على الكذب، والمكافأة بالجنة ثانية، برسالة أن الصدق منجاةٌ دومًا، ودعوة منه (الكاتب) للتسامح على لسان أوزير: أن يتسامح البشر مع البشر، طالما أن الآلهة قد سامحت البشر.

ثانيًا – المستوى البصري External Level::

يضمّ هذا المستوى مداخل الجوانب العينية والمنظورة في النص.

3- المدخل البصريExternal entrance:

- العتبة العتبة البصرية الأولى الغلاف:

في نصنا الموازي هذا، يبدو الغلاف ملونًا باللون (الفستقي) الفاتح الهادئ و المبهج، الغلاف الأمامي مقسوم إلى نصفين، النصف السفلي يعرض لجزء من البردية الشهيرة (بردية آني) والتي سنأتي بالكلام عنها بالتفصيل لاحقًا، بألوانها (البيج) والأصفر والأبيض والزيتي، كُتب تحتها / جائزةالدولة للإبداع(التفرغ) وزارة الثقافة عام 2008/، النصف العلوي اسم الكاتب (أحمد فؤاد درويش) باللون الأسود، يليه اسم الرواية / ابن آني/ باللون الزيتي والبنط الكبير، وتجنيس العمل (رواية) باللون الأسود، يحتويه حرف الياء الكبير من كلمة آني.

الغلاف الخلفي:

عنوان الرواية بالزاوية اليمنى من الغلاف، والنص تعريف ببردية آني:

" تعتبر بردية آني- عامة-، ومشاهد محاكمة الروح بها- خاصة-، من أكثر برديات الرؤية الفلسفية والخيال التشكيلي والأدبي التي أبدعها المصري القديم.

ثم كان هناك تعريف ببطلي الرواية(آني وخونسو)، إضافة إلى رأي شخصي - أظنه من دار النشر- أنه لم يسبق لرواية أن احتوت كمًّا هائلًا من الأحاسيس والمشاعر، وعمقًا فلسفيًّا، ثم رأي بأن رواية ابن آني عبارة عن أحداث دارت عام 1350 قبل الميلاد، وكأنها تدور في العام 2018بعد الميلاد.

الحقيقة أن الكلام في الخلفية مكتوب بأسلوب ركيك فيه أخطاء كتابية كثيرة لم يرق لي، وكنت أتمنى أن تكون فقرة نقدية موضوعية لأحد النقاد الذين تناولوا العمل، أو فقرة من فقرات الرواية.

بالمجمل كان الغلاف بألوانه والصورة الأمامية مناسبة جدًّا لموضوع الرواية، وعتبة أمامية من روح العمل.

- العتبة البصرية الثانية هي العنوان: ابن آني

عنوان قصير وجاذب ومشوّق، يأخذنا إلى بطل رواية (خونسو) المجهول، بدلالة المعلوم (آني)، خونسو ابن آني.

ونحن العرب - بشكل عام – نعتبر أن الماضي يتجاوز الحاضر نحو المستقبل، وقد كان العرب القدامى من الجاهلية قبلها يسمون أبناءهم ب (ابن أبيه) ويُذكر اسم الأب، فإن لم يُعرف أبوه شرعًا، يسمونه (ابن أبيه) تضمينًا! وكذلك اهتم الغرب بهذه القضية، ويظهر ذلك جليًّا في أسمائهم التي يقدّمون فيها اسم الجدّ أولًا، ثمّ الأب ثم الاسم، وكأنهم يريدون أن يقولوا: إن الماضي أهم من الحاضر، ويتجاوزه نحو المستقبل.

- بعد العتبات، استهل الكاتب عمله بمقدّمة تعريفية بشخصيات الرواية الرئيسية (آني) و(خونسو)، مسندودة بمعلومات تاريخية وميثولوجية وفلسفية عن الحقبة التي عاشا فيها، وانطباعاتهما عن ذلك، وعرّج على بردية آني بالمعلوماتية التالية:

(بردية آني هي الخروج إلى النهار، وهو المعنى الحرفي لما يُطلق عليه بالهيراطيقية ] بدِ- أِم-هَرٌو[، وهي ثمرة تطور طويل في العقيدة الجنائزية المصرية استمرأكثر من 3000 سنة قبل الميلاد، وهي خاتمة الأسفار الدينية كما يراها المصريون القدماء.

وتعتبر الميثولوجيا هنا بؤرة الكاتب وثيمته السردية بإسقاط الماضي على الحاضر بشكل رمزي.

- تجنيس العمل كما جاء بالكتاب:

كلمات باللغة الهيروغريفية يتوسطها كلمة رواية، أسفلها:

من خيال الكاتب المصري القديم/ آني

عام 1350 قبل الميلاد

ومن خيال الكاتب المصري المعاصر / أحمد فؤاد درويش

عام 2008 بعد الميلاد

أما الذرائعية فترى أن العمل هو جنس بيني (رواية حوارية)، يجمع بين الرواية والمسرحية، يتبدل الوصف فيها من جمالي إلى مكاني، فهي رواية بينيّة.

الرواية تتبع المدرسة الواقعية مع مسحة رمزية ميثولوجية فلسفية تحت نظرية الفن للمجتمع.

- بعد العتبات، بدأ الكاتب بالتعريف بشخصيات الرواية، يذكرنا ذلك بمسرحيات شيكسبير، الشخصيات الأصلية من وحي خيال الكاتب المصري القديم كما وردت بالبردية، وهي:

- شخصية الحكيم آني: وهو كاتب أول فرعون ملكي، وهو المعلم للكتبة والرسامين والملوِّنين، كاتب القرابين المقدسة لكل الآلهة، معروف أنه حكيم وأمين وخلوق وحريص على أن ينشأ ابنه خونسو مثاليًّا.

- شخصية توتو زوجة آني

- شخصية الإله تحوت إله الحكمة والعلوم والمعرفة

- شخصية الإله أنوبيس إله الجبانة والموتى وحارس أمن المقابر

ومن وحي خيال الكاتب المصري المعاصر/ أحمد فؤاد درويش/:

- خونسوحتب ابن آني(ورد اسمه بالبردية بالاسم فقط في نصائح الحكيم آني لابنه): شخصية نبيلة متمردة، متفلسفة، مستنيرة، تهوى التحديث والتجديد، متعاطفة مع الأهالي (الشعب) ومناصرة للفقراء، وعاشق للنساء والحياة الدنيا، معادية لتسلط وهيمنة كهنة معابد آمون على الثروات، خوف آني عليه جعله يزوجه من (نفر) ابنة الكاهن الأكبر.

- شخصية الإله العظيم أوزير (أوزوريس)، أيضا ورد بالاسم فقط بالبردية.

- نفر زوجة خونسوحتب

- الكاهن الأكبر حرو حور والد نفر

- توتي – حور آمون: بنت وابن خونسوحتب ونفر

- قسم الكاتب الرواية إلى 40 مشهدًا، على مساحة 200صفحة، عنونها بعناوين ملخصة للمشهد، وصفية (موت الحكيم آني- عمليات تحنيط جسد آني- وقائع شعائر جنازة آني- شعائر جنازة خونسوحتب...) ومكانية (آني في حقول اليارو- توتو في الوعب مع خونسوحتب- خونسو في حقول اليارو، آني يطلع خونسو على اتجاهات الفردوس ...) حوارات (حوار خونسوحتب مع الإله تحوت- حوار تحوت مع الإله أوزير، حوار أنوبيس مع الإله أوزير- الحوار الأخير بين الإله تحوت وخونسوحتب...)، والملاحظ أنها بالمعظم تحمل أسماء الشخصيات المشاركة بالمشهد(توتو وكاهن حكا- توتو تحج إلى المدينة، الحج إلى أبيدوس- نفر وحماها الحكيم آني...).

- الألفاظ والتراكيب: الألفاظ سهلة ومتداولة في عصرنا الحالي خلافًا لما قد يرد إلى الذهن من احتمال تداول الألفاظ الفرعونية القديمة، سوى بعض الأسماء التي يتبعها الكاتب بتعريف مباشر لها. أما التراكيب فتطول وتقصر تبعًا لمجريات السرد والحوار، والملاحظ غلبة الحوار على السرد بشكل كبير، وهو يأتي ضمن مشهدية هي ما قصدتها عندما تكلمت عن سيطرة مهنة الكاتب على عمله الأدبي، تلك المشهدية التي يصف الكاتب فيها المكان والأشخاص والأحداث المتحركة الظاهرة والمخفية، يكتبها الكاتب باللون الأسود القاتم وبالبنط العريض، ما يذكرنا بالمشاهد المسرحية، وقد تم تظليل القصائد المرفقة، بالإضافة إلى هامش مرافق يشرح مصدر القصائد وتاريخ نظمها (الصفحة 96).

- التنسيق المطبعي جيد جدًّا حيث التزم الكاتب بالشكل البصري النظامي للفقرات والحوار، وحتى بالشكل البصري للقصائد التي ضمّنها في الرواية.

- أدوات التنقيط تم مراعاتها بشكل جيد.

ثالثًا - المستوى اللساني Linguistic Level::

أستقطع هذا المستوى الذي يخص:

-البنية اللغوية من مفردات ونظم وسياق

- والبنية الإشارية / الدلالة ومدلولاتها/

- البنية الجمالية ومتعلقاتها البلاغية/ علم البديع وعلم البيان

وذلك لأن الكاتب أسقط الفسحة الأسلوبية، فالسرد ينقسم إلى فسحتين ذرائعيتين:

فسحة حوارية، وفسحة أسلوبية (إيجابيات التعبير في الانزياح الخيالي والرمزي).

الفسحة الأسلوبية تحوي الوصف والجمال (علم الجمال- والجمال اللغوي) والبلاغة، والكاتب ألغى الفسحة الأسلوبية كلها، وعوّض عنها بالفسحة الحوارية، وبإلغائها ينعدم عنده التكنيك كأسلوب فلسفي، لأنه اختفى بحذف الفسحة الأسلوبية، لكن الكاتب كان من الذكاء بمكان أنه خلق شخصية فلسفية لتخدم الاتجاه الفلسفي داخل الحوار، وهي الشخصية البطلة (خونسو)، والتي بقيت منذ بداية الرواية إلى نهايتها، فحالت بينها وبين الخروج عن أدبية الأدب، الرواية ليست رواية معاصرة كما ورد في خلفية الغلاف، لأنها فاقدة للتكنيك السردي المعاصر، إلّا أنها جنس جديد اقترب للسيناريو أكثر من الرواية، لذلك تعتبر رواية بينيّة معاصرة، تستمد معاصرتها من التعويض السردي عن جمالية الأسلوب بجمالية الحوار.

رابعًا– المستوى النفسي Psych-l-gical Level:

4- المدخل السلوكي: Behavi-ral entrance:

وهو مدخل استفزازي ومحفّز يهتم بحركة الكاتب السلوكية في الكتابة، فالأدب سلوك إنساني يتناول حركة الإنسان في الحياة، وما يسجله الكاتب في نصوصه كعضو في المجتمع هي إرهاصات وكفاح ومعاناة لأفراد المجتمع، وما هي إلا سلوكيات يومية مستفزة للناقد والمتلقي بالاستجابة والتحليل، وهنا نغوص لاستخراج جميع المسميات السلوكية والتساؤلات التي تخصّ تلك المسميات السلوكية والتي تخرج من رأس قلم الكاتب، والأمور التي برزت من الحبك الأدبي وكوّنت أفكارًا لم ينتبه لها الكاتب، وهي صيد الناقد الثمين.

وحدات التحليل السلوكي النفسي:

لو لم يخلق الكاتب شخصية فلسفية تطرح إشكاليات وجدليات وتساؤلات فلسفية لسقطت الأدبية عن العمل- كما قلنا سابقًا- باختفاء الأسلوب الذي يحوي الانزياح الجمالي والرمزي وهما مكوّنا الأدب، هذه الشخصية هي التي خدمت الاتجاه الفلسفي بالحوار، نستطيع أن نرصد العديد من التساؤلات بتصانيف عديدة عقائدية، سياسية، اقتصادية، اجتماعية، فنية:

- جدلية العدالة:في معرض حديث خونسوحتب مع الكاهن الأكبر حول ماهية تعاويذ إنكار الميت لذنوبه وسرد فضائله، والتي كان يبيعها وسطاء الكهنة الفاسدين في كل أنحاء البر الشرقي للنيل، يسأل خونسو الكاهنَ الأكبر هل هولا يعلم عنها شيئًا؟ يجيبه الكاهن الأكبر بأنها أدعية وليست تعاويذ، يتقرب بها الأهالي أثناء محاكمة أرواحهم لمحكمة الإله أوزير، فالطريق إلى فردوس أوزير مرهون بالامتثال لأوامر الآلهة.

خونسو: بل مرهون بتطبيق قوانين (ماعت) في الحياة الدنيا.. إذا طبق قانون عادل على الغني قبل الفقير، تختفي سلبيات كثيرة منها بيع الكهنة للأدعية والتعاويذ لشعب يثق في حكا(السحر)، ويعتبر خدم الآلهة تجسيدًا للآلهة ذواتهم..

سنجد هنا أن الكاهن سيجادل خونسو في عقيدته وإيمانه بتعدد الآلهة، وسيتهمه اتهامًا مباشرًا بالكفر بالآلهة، واتباع قوانين موضوعة دنيوية:

يجيبه خونسو بتساؤلات استنكارية، دون أن يخرج عن منطق الألوهية التي يتكلم بها الكاهن الكبر.

هنا يريد الكاتب أن يسقط الصراع العقائدي الذي يحكم ساحتنا العربية اليوم، وهو صراع واحد على مرّ العصور، جرح متورّم، مبعث للألم حين يُمس يصرخ صاحبه، فعل فعائله فينا من قتل وذبح وتشريد وهجرة.

- تساؤل آخر في تغيير القوانين الاقتصادية وتحديثها: وجعلها مطواعة لما تقتضيه الحالة الراهنة والمستقبل، بما يخدم مصلحة أفراد المجتمع، وألا تبقى مقولبة في قوالب جامدة غير قابلة للتطوير .

خونسوحتب: الإلهة ماعت هي القانون من الأسرة الأولى وحتى اليوم، هي الحاضر

الذي يجب أن نحياه في رحاب عدالة قوانينها، وهي المستقبل الذي

يمكننا تحديثه بأيدينا..

الكاهن الكبر: كيف نحدّثه؟

خونسوحتب: بتغيير قوانين ماعت إلى ما هو أكثر عدالة للفقراء المصريين، كلما

فرضت الضرورة على الواقع ذلك.

الكاهن الأكبر: كيف؟؟

خونسوحتب: إذا غضب النيل علينا في عام من الأعوام، ومنّ على الأرض بالمياه وجفّت الأرض، ألغينا الضرائب التي يحصلّها جباة فرعون على المزارعين من الأهالي.

يريد الكاتب أن يقول أن سيطرة الدين على السلطة تخرج الحكم عن العدالة وتعمّ فوضى في القوانين والنظمة، كما نجد في الكثير من بلداننا العربية في الوقت الحاضر

- تساؤل سياسي حول تفرّد الحاكم وفرض آرائه على الشعب، بإشارة وإسقاط على الحاضر،على سياسة فرض الحزب الحاكم الواحد، وإلغاء كل ما عداه من الأحزاب، وتسيّد قانون التكفير الذي قالت به بعض الحكومات والجماعات المتطرفة لمن يخالف.

الكاهن الأكبر: دعنا من سيرة أخن آتون، إنها تثير أعصابي، ألم تقل إنك مع تعدد

آلهة ديانة آمون رع؟

خونسوحتب: بكل تأكيد لأن التعدد رغم ثباته وجموده لآلاف السنين أكثر سماحة ورحابة صدرمن ديكتاتورية أخن آتون الذي اعتبر من يخالفه في ديانته كافرًا.

الكاهن الأكبر: لم نكن نعرف فكرة التكفير قبل ما ادعى به أخن آتون أنه وحدانية الإله.

ويتبع هذا تساؤلنا السابق، فهو أيضًا يخلق فوضى في ساحات السلطة كما نرى الآن في الساحة العربية.

- تساؤل اجتماعي إصلاحي فلسفي: وطرح قضية التجديد والحرية والإصلاح الديني على أنها هرطقة.

خونسوحتب: نحن نريد تجديد فكر ومنهاج ديانة آمون مستفيدين من حسنات تعدد الآلهة بها: ثلاثة وخمسون إلهًا، كل منهم له رؤيته الثاقبة في إثراء الحياة.

الكاهن الأكبر: إخن – آتون خطا بنا خطوات إلى الوراء باسم التجديد والحرية والإصلاح الديني، انسَ هذه الهرطقة، وبدلًا من إثراء الحياة، فكر في إثراء موتك؟

يريد الكاتب حلًا اجتماعيًّا إصلاحيًّا لمشكلة متجددة وأزلية .

- تساؤل فلسفي في الموت والحياة:

خونسوحتب: ألم تجمع الآلهة إيزيس أشلاء جسد الإله أوزير حتى عاد للحياة؟

أفكر في الحياة أولًا..

الكاهن الأكبر: الموت أولًا.

يريد الكاتب أن يقول أن الدين يفرض سلطته على كل الجوانب الإنسانية بخنق الحرية.

5- المدخل التقمصي أو الإستنباطي inference and empathy entrance

وهو إسقاط نفسي على الآخرين، يحسّه الناقد الذرائعي من خلال ذلك المدخل، ليسجّل كلّ ما يراه بالتقمّص، بالمقارنة الحركية والحسية التي تحدث بالتوازي مع الكاتب للحالات المتشابهة بين الكاتب والناقد، ويتوصّل إلى فكر الأديب من خلال ذلك، ويسجّل الحكمة والموعظة والميول النفسية والذاتية للأديب.

ومن خلال حوار آني مع زوجته توتو يوم التقيا عند باب سيد العدل، تودعه بعد أن انتهت حياته الأولى بالدنيا بالبراءة والبر والتقوى وتبدأ حياته الثانية وهو يتجه نحو الفردوس، يمكننا من خلال ذلك الحوار أن نقف على العديد من التأملات الفلسفية العميقة، والرؤى العقلانية والحكيمة التي قدماها عن خونسو، وكأنها دعوة لاتباع حكمه:

- كان مفكرًا لا يكتب على البرديات إلا ما يدفع الحاضر نحو مستقبل أكثر عدالة للأهالي، مشغولًا جدًّا بقضايا المستقبل.

- كان عاشقًا لحريته، مريضًا بها، عاش ومات كاتبًا عاديًّا .. ولكن فيلسوفًا.

- ينطلق في تأملاته من الماديات المحيطة به، أوضح خونسو أن ثبات فلسفة ديانة الإله أوزير لأكثر من ألف وخمسمائة عام حتى اليوم حول عنصر الحركة في فلسفة الحضارة المصرية إلى عنصر ثبات وركود فأصبحت ذات طبيعة سلفية ماضوية.

- استمرار حرصنا على السلفية الماضوية سيحوّلنا من دولة الفرعون ابن الإله الذي يحكم بمنطق واستقراء قوانين ماعت العادلة إلى دولة يزيح فيها كهنة معابد الكرنك فرعون مصر.

- ويجلسون على سدة الحكم ويقيمون دولة الكهنة وقد يكون هذا ليس ببعيد عن الآن.

- إذا قامت دولة الكهنة، وأصبح الكهنة هم فراعنة مصر، وقضوا على أفكار التنوير وسلطة العقل وآمال الأهالي في إعادة توزيع ثروة مصر بطريقة عادلة، فلن يتركوا الحكم إلا على مومياواتهم.. والأمر يحتاج آنذاك للآلاف من الصفوة المفكرة مثل خونسوحتب.

هناك النصائح التي قدمها آني لخونسو:

الإله تحوت: وبما نصحك عن المرأة:

- نصحني أبي أن أتخذ لنفسي زوجة وأنا في ريعان الشباب.

- اِحذر الزنا كفاحشة يعاقب عليها القانون بالقتل.

- المرأة البعيدة عن زوجها تقول لك كل يوم" إني جميلة " حتى توقعك في حبائلها.

- اِحذر النساء الأجانب.

- كن حكيمًا في سلوكك مع زوجتك.

الإله تحوت: وبماذا نصحك عن أمك؟

خونسو: أوصاني أن أحسن معاملتها وأن أضاعف مقدار الخبز الذي أعطيه لها.

الإله تحوت: وبماذا نصحك عن المعرفة ؟

خونسو: قال " اهتم بالمعرفة فإن مكانتها عالية، إذا كنت كاتبًا ماهرًا، فالناس جميعًا سوف يفعلون ما تقوله".

الإله تحوت: وبماذا نصحك عن المال؟

خونسو: قال " لا تغتر بمالك، ولا تعتمد على مال غيرك، ولا تبني قصورًا من أي ميراث لك، وقد تكون شقيًّا مع وجود المال معك"

الإله تحوت: وعن مكارم الأخلاق، بماذا نصحك؟

خونسو: قال" سيقال عنك إنه على خلق عظيم إذا اتبعت ما أقول:

الآلهة تغضب على من يستخف بها.

لا تتفاخر بالقوة.

لا تدخل بيتًا إلا بعد استئذان أهله

لا تدخل وتخرج من قاعة المحكمة، حتى لايفوح اسمك من كثرة قضاياك.

صلِّ بقلبٍ محب، ولاتجهر بصلاتك، ستسمع الآلهة منك، وتتقبل.

ابتعد عن المسكرات.

الإنسان ينزل الخراب به من جراء لسانه، احترس من الخطل.

كن يقظًا في تعاملاتك الاجتماعية.

لا تمشِ الخيلاء وأنت في موكب الآلهة.

احترم الناس، ومن هو أكبر منك سنًّا خاصة.

تجنب الشغب والعراك، وكن صديقًا لشرطة بيتك.

كن صامتًا مع رئيسك في العمل، واخضع لما يفعل.

الإله تحوت: وعن الموت: ماذا قال لك؟

خونسو: قال تذكر الموت، أعدّ قبرًا لنفسك لتدفن فيه، ولا تقولن إني مازلت صغيرًا ليتخطفني الموت، وقرّب الماء لأبيك وأمك اللذين يسكنان في الجبانة، حتى يعمل ابنك لك بالمثل.

6- المدخل العقلاني أو التوليدي mentalist entrance:

يستطيع الناقد في هذا المدخل أن يلج إلى جميع الأفكار المتناصّة مع الحياة والكاتب، وقد شكّلت محورًا بين الكاتب وآخرين من الأدباء، لتسير الحياة في مجرى طبيعي متبادل في التعاون بين الأدباء كمنظومة ساندة للمجتمع، بأدب رسالي أخلاقي وأحداث الحياة المتواردة بالتكرار الممل كما تراه الذرائعية....

وكتناص تجنيسي، هذا العمل اكتشاف جديد، ولعدم وجود تناص فهو يخضع لاستراتيجية الاسترجاع (شيء جديد يضاف أو يسترجع للأدب)، فالكاتب لا يتناص في هذا النص مع أي نص آخر، ولا مع أي كاتب آخر، فهو اكتشاف أو ابتكار جديد حدّدته النظرية البينيّة التجنيسية الذرائعية ب (الحوارية الروائية)، وهو مزيج بين الرواية والسيناريو، أو بين الرواية والمسرحية كما قلنا سايقًا.

أما كتناص فكري سردي، فهناك تناص مع قصص الحياة، مع قصة سيدنا يوسف:

-آني: حسنًا بخصوص البقرات السمان والعجاف، لماذا لا ندخر من سنوات الوفرة لسنوات الجوع؟

-حارس الجنة: اسمي " عليه رضوان أوزير" .

تناص مع الملاك (رضوان) حارس الجنة في العقيدة الإسلامية.

خامسًا– المستوى الحركي في التحليل Dynamic Level

ندرس في هذا المستوى:

- البناء الفني:

1- العنوان: ابن آني

كما قلنا عنه سابقًا: عنوان قصير وجاذب ومشوّق، يأخذنا إلى بطل رواية (خونسو) المجهول بدلالة المعلوم (آني)، خونسو ابن آني.

2- المقدمة:تعريف بشخصيات الرواية وزمنها (العام 1350قبل الميلاد) عهد الأسرة التاسعة عشر.

3- أما استهلال الرواية: مشهد وصفي للشخصية الأولى المعلومة (آني)، ووصف مكاني تقريري، بطريقة السيناريو:

(الكاتب الحكيم آني بجوار الضفة الشرقية لنيل أواست [طيبة ثم الأقصر فيما بعد] يمشي بحركة رجل يقترب من السبعين عامًا، وجهه وسيم، يرتدي لباسًا من كتان أبيض أنيق وناصع البياض....

4- الحدث أوالصراع الدرامي في محاور التشابك السردي وعناصر بنائه:

استخدم الكاتب في بناء الحدث الطريقة التقليدية: حيث تدرّج بحدثه من المقدمة حتى العقدة ثم النهاية، متتبعًا التطور السببي المنطقي

أما عن سردية الحدث أي طريقة عرض الأحداث، فبطريقة السرد المباشر، سارد عليم يسرد الأحداث سردًا مسرحيًّا مباشرًا بالأفعال المضارعة المتتالية، مع كشف مباشر وبسيط أيضًا لدواخل الشخصيات، ينتقل الكاتب بعده مباشرة إلى الحوار الذي حمّله مهمة سرد الكثير من الأحداث.

الصراع الدرامي:

كل الصراعات المثارة في العمل هي صراعات عقائدية: على اعتبار أن الدين أفيون الشعوب.

- هناك صراعات كثيرة رمز فيها المؤلف للصراعات الحاصلة في ساحتنا العربية وهو الصراع العقائدي، لأنه أسهل منفذ دخل الاستعمار الفكري من خلاله وهو الطائفية والاختلافات العقائدية الأخرى، وهو صراع يحكم العالم العربي كما كان الصراع العنصري يحكم العالم الأوروبي الذين نحن منبهرون بثقافته وتقدمه الحضاري، وهذان الصراعان (الفكري والعقائدي) هما اللذان قصما ظهر السلام في العالم، لذلك توجه العالم الغربي باتجاه العالم الشرقي طلبًا للاستيلاء على الموارد الطبيعية التي تسكن تحت أقدام جمال الصحراء، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير هي الخلافات الدينية المؤدلجة والمبرمجة بأصابع صهيونية أمريكية، راح ضحيتها آلاف الأبرياء بين قاتل باسم الله ومقتول بسم الله أيضًا.

- صراع عقائدي بين خونسوحتب، والفرعون (أخن آتون) الذي أرغم أهالي الامبراطورية المصرية في أفريقيا وآسيا على عبادة الإله آتون (قرص الشمس)باعتباره الإله الأوحد، وكفّر كل من خالفه.

- صراع أيديولوجي بين خونسو وكهنة معبد آمون رع، الذي كان عاشقًا للحياة الدنيا بكل ما فيها، ينظر لها من وجهة نظر الحياة وليس الموت كما ينظر لها كهنة آمون رع والفرعون.

- هناك صراع عقائدي أيضًا بين كهنة معبد آمون رع متعددي الآلهة والفرعون الموحد.

- صراع ضد التقاليد بين المجدّد خونسو وبين الكهنة والفرعون الذين يحافظون على الطبيعة السلفية الماضوية للحضارة المصرية.

والصراع بالمجمل ناشئ من اختلاف النظرة إلى الآلهة والتقاليد، في مجتمع إقطاعي استعبادي للإنسان المصري البسيط في مجتمع زراعي تصالح فيه النبات و الحيوان تصالحًا إيجابيا كان السبب في استمرار وبقاء أولى الحضارات الإنسانية.

- صراع ميثولوجي مع الآلهة وخصوصًا الإله أنوبيس(إله التحنيط والجبانة)

التجربة الإبداعية للكاتب:

ولقد وجدت حسب رأيي النقدي الذرائعي بأن هذه الرواية تتمحور على محورين أساسيين:

1- المحور الفني السردي:

كان محورًا حبكيًّا، أي يميل باتجاه التحبيك السردي، ونقصد بالتحبيك السردي أن المحاور السردية الثلاثة التي تشكل الصراع الدرامي شُغلتْ بصراع حبكي على محور التوليد(محور الأحداث) بين الخير القادم من محور التكوين(الشخصيات المحورية والمساعدة) باتجاه الشر القادم من المحور المعارض(الشخصيات المعارضة)، ختم هذا الصراع عند العقدة وتوقف، وسبب التوقف يشير إلى اختفاء البناء الجمالي في مثلث الانفراج العلوي، والسبب في ذلك يعود إلى تأثر الكاتب بوظيفته الفنية المرئية السينمائية، فقد استبدل الأسلوب بالسرد التقريري والمشهد السيناريوهي، فغيّر دفة الانفراج باتجاه مسرحي روائي رسم خيوطه المتشابكة عن طريق تسيّد الحوار في السرد، بذلك أعطانا جنسًا جديدًا غير مطروق من قبل، حاولت تسميته ب(الحوارية الروائية)، واحتمالات التسميات الأخرى متروكة له، لكنه في كل الحالات هو جنس بيني جديد، فقط سبقته في ذلك الذرائعية بمصطلحها التجنيسي (البينية الجنسية) التي أنتجت لي أنا محدثتكم عبير يحيي عن جنس بيني شبيه لهذا الجنس أسميته (الحوارية السردية)، وهو مزيج من قص قصير ومسرحية، أما جنسنا هذا موضوع البحث فهو خليط من رواية ومسرحية.

2- المحور الرمزي: وقد أثارت انتباهي الرموز المتشابكة التي أشار لها الكاتب، والمتأتية من ثقافة عميقة في الأيديولوجيا المرئية والمسموعة، حيث تكلم عنها بلمحات ميثولوجية، أحيا فيها أبرز الصراعات التي تمسرحت على خشبة الحياة، ليوظفها باتجاه الهيمنة الأيديولوجية والمادية، التي تتلخص بالطمع بالثروات التي تخفيها الصحراء تحت أقدام سكانها، ولقد حاول الغرب منذ القدم باصطناع كل المحاولات وتأطيرها بإطارات عديدة للوصول نحو الشرق الوسط وفشلوا، لكن نجاحهم تحقق من خلال بث الفرقة بين السكان الوطن العربي ببدع كثيرة، بدأت ب:

1- فرّق تسد

2- نشر الحداثة المعادية للدين والأخلاق

3- الشيوعية

4- الوجودية

5- الفلسفة الأحادية

6- الماركسية

7- الديمقراطية الكاذبة

8- الطائفية والمذهبية والإرهاب الديني: وهي السلاح الماضي الذي تمكن من النفوذ إلى قلب الوطن العربي فصار المسلم العربي يقتل أخاه العربي باسم الله والإسلام، والقاتل والمقتول يقول نفس الشهادة ويقول الله أكبر، وتلك الحالة العقائدية أتاحت لهم التدخل وتعيين حكام يديرونهم بخيوط لعبة الماريونيت، فصار الكثير من الحكام عميلا يبيع النفط ويضع أمواله في بنوكهم، فانتعش الاقتصاد الغربي على حساب الشرقي وانتشر عندنا الجوع والعوز وعندهم الشبع والترف.

كما قام بإذكاء صراعات كثيرة في مجمل نواحي الحياة، ليجعل الثورات عند هذه الشعوب المأزومة حتمية بحكم المنطق والحال المعاش، ورفع شعارات براقة كالحرية والديمقراطية لا تعرف تلك الشعوب منها إلا لفظها، وحتى إن فكرت بتخيّلها بها فهي لن تراها ولا حتى بأحلامها، شعوب تربت منذ ىلاف السنين على طاعة الولي والحاكم، وكأن طاعته من أركان الإيمان، وهي شعوب متدينة بالمعظم، المستنيرون منهم قلّة قد تُكفّر أو تقتل أو تنفى.

هناك العديد من القصص والمعلومات التي نقلها لنا الكاتب عبر الحوارات التي ملأت صفحات العمل، وهي معلومات وقصص تثقيفية هامة وممتعة جدًا عن تلك الحقبة البعيدة جوالي 1750 قبل الميلاد منها:

قصة خلق العالم ص28، وخلق البشر 29، قصة متون الأهرامات،بكاء الإله أتوم رع من الفرح، خلق التاسوع، قصة إله الشمس رع....هل كانت الآلهة راقصة؟ إله الموسيقا إيحي، إله النيل جعبي ....

المرأة في قانون ماعت وحقوقها القانونية ووظائفها، أحكام الزواج والطلاق، وقانون الأحوال الشخصية، أحكام الميراث، حكم الزوجة الخائنة (جدع الأنف).

معلومات عن الكتابة الهيروغريفية والكتابة الهيراطيقية، والتلوين، عملية التحنيط وموادها ومراحلها، مراسم الدفن والجنازة، شعائر الحج إلى معبد أبيدوس، وقائع محاكمة الروح في قاعة العدالتين، الآلهة في المحكمة، ....

سادسًا- الخاتمة: أتمنى أن أكون قد أوفيت هذا العمل حقه، وما أظنني فعلت، فالتقصير مني والكمال لله، شكرًا جزيلًا وهنيئًا للكاتب فوزه بجائزة الإبداع، والتهنئة الكبرى على ابتكاره لهذا الجنس البيني (الرواية الحوارية).

 

د. عبير خالد يحيي – ناقدة سورية

........................

[1] المقطوعة السردية صفحة 153المجلد الثاني / الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية/ في الموسوعة الذرائعية.

[2] الحوارية السردية صفحة 171 نفس المصدر السابق.

 

 

محمد المسعوديما تجليات "الحس الإنساني" في قصص مجموعة "حلم غفوة"؟  وكيف يعمل "الحس الإنساني" باعتباره سمة تكوينية على تشكيل المتخيل القصصي؟ وهل يمكن لهذه السمة التكوينية تأدية دور حيوي في بناء فنية القصة؟

هذه أسئلة ثلاثة أثارتها قراءتنا للمجموعة القصصية الأولى للشاعر والروائي والقاص محسن أخريف، وهي المجموعة التي احتلت المرتبة الثالثة في جائزة الشارقة للإبداع العربي في دورتها 20 سنة 2016. فما تجليات "الحس الإنساني" في قصص مجموعة "حلم غفوة"؟  وكيف يؤدي دوره الأساس في بناء فنية القصة؟

إن من يقرأ القصص الأربع والعشرين التي اشتملت عليها هذه الإضمامة يلفي حضور "الحس الإنساني" ملقيا بثقله على كل نصوص المجموعة. وهذا الحضور جعل قصص "حلم غفوة" تتسم بمقدرة فنية لافتة للنظر على تصوير معاناة الشخصيات القصصية انطلاقا من بعد تشاركي ورؤية متعاطفة مع ما تعايشه هذه الشخصيات من حالات وأحوال وتحولات. وقد كان هذا البعد سمة فنية بامتياز أسهمت بدور كبير في بناء حكي قصصي متماسك ومنسجم. ومن هنا يلمس متلقي هذه القصص أن هناك هاجسا جماليا، وأفقا دلاليا متسقا ينتظمها، ويهدي سير خطاها نحو غاياتها الإبداعية المنشودة.

ويتخذ "الحس الإنساني" تلوينات موضوعاتية متنوعة في ثنايا النصوص وانطلاقا منها يشكل الكاتب عوالمه المتخيلة، ومن أهم هذه التيمات نجد: العزلة والوحدة والغياب والخوف وافتقاد الحنان وغياب فهم الآخر والموت والكره... وغيرها من الموضوعات ذات البعد الإنساني، وهي موضوعات تحضر، كما لا يغيب عن ذهننا، في أغلب نصوص أدبنا القصصي الحديث، غير أن طرائق اشتغال هذه التيمات في قصص "حلم غفوة"، والآفاق التي تتيحها لتشكيل المتخيل فيها جعلت هذه القصص زاخرة بالحس الإنساني وتفهم الآخر والإحساس بمكابدته في زمننا المختل. وهذا التفهم والإحساس بالآخر هو إحساس السارد بالذات في تفاعله مع شخصياته وحدبه عليها وإيمانه بإمكان تغيير الشرط الإنساني والمضي به نحو الأفضل.

في قصة "أنفاس قطة بيضاء" يتشكل متخيل النص من خلال تيمة الرغبة في العزلة والانزواء بعيدا عن الآخرين، إذ يختار بواب إحدى العمارات الفارغة، تقريبا، من السكان العيش في قبو العمارة، غير أن قطة بيضاء تأبى إلا أن تقتحم عليه عزلته وتخرجه من أسر إمكانية الابتعاد عن الناس وعن الكائنات الأخرى. وهكذا يجد نفسه في أحد الصباحات لاجئا إلى الشقة رقم ثلاثة هاربا من أنفاس القطة، غير أنها كانت تسابقه الأدراج نحو باب الشقة التي قرر الإقامة فيها. بهذه الشاكلة يأبى السارد أن يترك شخصيته منزوية منعزلة عن العالم، وهكذا جعل من كائن وديع أليف يتمثل في قطة بيضاء علة لترك القبو والسكن في إحدى الشقق الجميلة بالعمارة المهجورة. وهكذا كان الحس الإنساني الذي يبديه السارد نحو شخصياته عاملا فعالا في تشكل بناء النص وتأثيث عوالمه السردية.

وفي قصة "عيون مامادو" التي تتخذ منحى واقعيا فانتاستيكيا نرى السارد يتخذ من تيمة الموت غرقا أثناء عبور المهاجرين الأفارقة نحو أوربا منطلقا لتشكيل متخيل قصصي لا يصف معاناة هؤلاء الأفارقة بشكل مباشر، وإنما من خلال خلق "حس إنساني" يعي معاناتهم وفواجعهم عن طريق رفض السكان أكل سمك الشرغو le sar

بعدما أعلن التلفزيون أن البحر يرمي الناس أحياء لكنهم بدون عيون، نظرا إلى أن الأسماك تأكل عيونهم. وهكذا صار سكان المدينة يرون في عيون سمك الشرغو عيون مامادو، أو المهاجرين الأفارقة. وهكذا عاد الصياد البحراوي إلى ثلاجته وأخرج منها أسماك الشرغو التي اصطادها، ونزع عيونها ليرمي بها مرة أخرى إلى البحر، وليكتشف صيادون آخرون أن البحر يرمي أسماك شرغو عوراء بدون عيون. بهذه الكيفية ولد تعاطف الساكنة مع مامادو المعروف عندهم في الحي حالة من رفض أكل سمك الشرغو، وهكذا تحول هذا الحس الإنساني إلى موضوعة قصصية، وإلى سمة مكونة بنت متخيل القصة وشكلت عوالمها الحكائية، وكشفت عن تعاطف السارد مع المهاجرين، ومع مآسي الغرق في البحار، والموت المجاني المهين للإنسان في عصرنا الحالي.

أما قصة "حياة مشتركة" فتتخذ من الحديث عن تيمة الوحدة والشعور بالعزلة منطلقا لبناء عوالمها السردية. إننا أمام زوج يبوح بلواعجه ومعاناته بعدما توفيت زوجته، وبقي وحيدا لأزيد من سبع سنوات غير أنه كان يعيش مع ذكراها راضيا لأن حبها كان لا زال نابضا في أعماقه، وها هو الآن يتنقل بين أركان بيته يسترجع حبه وذكريات زوجة عاش معها ثلاثة عشر سنة من الحب والامتلاء والدفء الإنساني، غير أنه يستشعر الآن فداحة الغياب وقسوة الخواء الروحي والحضور الجسدي للمرأة. وهكذا كانت تفاصيل القصة تطفح بتصوير معاناة الزوج انطلاقا من حس إنساني متعاطف وفي أفق تفاعل مع هذه الحالة الإنسانية الدالة على قيم المحبة والوفاء في عالم ندرت فيه هذه القيم.

وفي القصة الثالثة من "ثلاثية الوحدة"، وهي مجموعة نصوص قصيرة مكثفة، حملت عنوان مقهى "الوحدة"، نجد السارد يرصد حالة شبه فانتازية، إذ نجد شخصيات هذه القصة تصر على التشبث بعزلتها عن الآخرين والانفراد في عوالمها الخاصة، فلا تواصل ولا تقارب بينهم من أي نوع، ولا تفاعل لهم مع العالم الخارجي، بحيث فرضوا على أنفسهم نوعا من المنفى الاختياري، وضربوا حولهم غلالة شفافة لا يراها أحد سواهم. وهذه الوحدة مقدسة لا تنتهك حتى من النادل الذي يحفظ مع الوقت طلبات زبائنه فيحضر ما يرغب فيه كل زبون من تلقاء ذاته دون أن يطلب الزبون ذلك، وكأن تبادل طلب المشروب وتحية النادل عبئا يجب التخلص منه.

تكشف هذه القصة عن طبيعة الحياة المعاصرة التي جعلت الناس يلوذون بحميميتهم الفردية ويربأون بأنفسهم عن مشاركة الآخر والتفاعل معه، وكأن العزلة خيارا لا مفر منه في ظل ظروف كثرت فيها أخبار الموتى والقتلى، وكثر فيها ضجيج العالم وصخبه. وعلى الرغم من أن القصة تصور واقعا غريبا وحالة شاذة في سياق فانتازي واضح، إلا أن رمزيتها الشفيفة، وبعدها الإنساني العميق تجعل المتلقي يتعاطف مع شخصيات مقهى "الوحدة"، ويسلم باختيارها الصعب، وبرؤيتها إلى العالم من حولها.

وتمضي قصص المجموعة على هذه الشاكلة في صنع عوالمها السردية وبناء متخيلها الحكائي بما يجعل من "الحس الإنساني" سمة تكوينية أدت دورا حيويا في تشكيل فنية النصوص القصصية، وفي تأثيث أبعادها الدلالية والترميزية. ولعل القصص الأخيرة التي ختمت بها المجموع، وهي بالمناسبة، نصوص مالت إلى التكثيف والاختزال عكست هذا الحس التشاركي والبعد المتعاطف مع الآخر/ الشخصيات بشكل أفضل، كما نجد في قصة "اختفاء" على سبيل المثال. ففي هذه القصة -التي تشكل جزءا من خمس قصص قصيرة شملها عنوان واحد: "شيء من الحياة"- نلفي بطل القصة يتحسس سريره لليلة الرابعة بحثا عن زوجته التي اختفت منتصف ليلة، ولم يجرؤ على سؤال أحد من جيرانه يمكن أن يكون قد رآها تتسلل خلسة من باب العمارة، كما أنه لم يقم بإبلاغ الشرطة عن اختفاء الزوجة، خشية الفضيحة وخوفا من ألسنة الناس وما ستلوكه من كلام يمس زوجته ويمسه. وهكذا أمام يأسه ظل يتحسس مكانها حتى دون أن يعمد إلى النداء عليها باسمها، وكان تحسسه للمرة الرابعة وكأنه يكتشف لأول مرة اختفاءها الغامض المفاجئ، وهكذا تمعن القصة في تصوير معاناة الرجل، وفي إشفاقه على زوجته وعلى نفسه مما قد يلقاه من المجتمع. ومن خلال التصوير الفني الغني بالمشاعر والأحاسيس المتضاربة يتمكن السارد من جعل المتلقي يتعاطف مع حالة شخصيته هذه التي وجدت نفسها تحيا في وضع لا تُحسد عليه. وبهذه الشاكلة كان "الحس الإنساني" الذي تزخر به القصة سمة تكوينية استطاعت أن تمنح النص حيوية وقدرة على إثارة ذهن القارئ ومشاعره.

في ضوء كل ما سلف يتبين لنا الدور الفعال للحس الإنساني في تشكيل متخيل قصص "حلم غفوة"، وفي بناء النص القصصي. وبذلك كانت هذه السمة الفنية سمة تكوينية أساس في تشكل الأبعاد الدلالية والخصائص الفنية في هذه المجموعة القصصية الواعدة التي تنبئ عن ميلاد قاص جاد ممتلك لأدواته الفنية ننتظر أن يتحفنا لاحقا بنصوص لا تقل جمالا وغنى عن نصوص مجموعته الأولى.

 

محمد المسعودي

....................

محسن أخريف، حلم غفوة، منشورات دائرة الثقافة، الشارقة، 2017.

 

 

رحمن خضير عباسعن دار (مدارك للنشر) صدرت مجموعة قصصية  للكاتب العراقي المغترب عبد جعفر. والمجموعة برمتها تغرق في احزان عميقة، وجراحات تتأتى من خلال المرايا التي عكست الكثير من الصور والذكريات والأوجاع . إنه الوجع العراقي الذي يتراءى ويتراقص على صفحة الذاكرة. حتى أنه يطارد المهاجرين إلى ملاذاتهم الآمنة في العواصم الأوربية .

إنه الوجع الذي يتناسل ويتجدد،  والمرايا التي لا يرى فيها المهاجر سوى ملامحه المتوحدة والمشحونة بالحيرة، والتي حفرت عليها الاحداث والتجارب ميسمها، من خلال هذا السيل المنهمر من السرد الحكائي لقصص تطفح بالرؤى، وتحاول أن تستقرئ الحدث من خلال تطريزه ببعض خيوط الرمز وبعض الغموض، مما يجعل القارئ ينوء بعبء التساؤل والتفسير والاستنتاج.

قصة (الذئب) تنهج هذا المنحى. والتي تتناول إصرار الانسان على مواجهة الخطر والتحدي حتى الموت.

والقصة تأتي بلسان الشخصية الثانوية التي تروي عن الراعي الذي يحاول أن يثأر من الذئب، والذي افترس بعض قطيع أغنام القرية. ولكنه لا يريد قتل الذئب فحسب، وانما يهدف الى التمثيل به وسلخ جلده وهو حي . وحينما يحاصران الذئب في المغارة الضيّقة. يحشرالبطل رأسه في الفتحة الصخرية الضيّقة. فيخرج بدون رأس. لذلك فان صاحبه، الذي يقوم بسرد الواقعة،   فيحاول إيصال الجسد المضرّج بالدم إلى القرية، وسط  رحلة محفوفة بخطر الموت من الليل والمطر وقلة الرؤية والحيلة، وكثرة مخاطر الذئاب التي تستثيرها رائحة الدم .

في تلك الأثناء يستلهم الرفيق الكثير من أقوال الراعي الذي يحذره من

"خيانة رفيق السفر" أو "وكيف تتحول رصاصات الدفاع عن النفس أشبه بقطرات الماء".

وحينما يعود برفيق سفره بدون رأس تتقافز الأسئلة بدلا من تقاطر الحزن على الفقيد  .

هل كان له راس قبيل موته؟ أو هل استعار الذئبُ رأسه؟

فقد تخيّل بعض أهل القرية، أنهم رأوْا ذئبا برأس آدمي وهو يضحك!.

وهكذا ينتقل السرد في هذه القصة.  من مُناخات طبيعية وهادئة لعملية قتل ذئب مُفترس، ولكنّ هذا السرد يتسارع ويتصاعد ويتحوَّل إلى حدث ملحمي، يبحث عن معنى البطولة، ومعنى الانتصار.

فمع أن الراعي عاد الى قريته جثة هامدة. ولكنه تحوّل  في المخيال الشعبي، إلى بطل ملحمي  في الموروث،  وتِبنى له في الذهنية الشعبية مدلولات خارقة.

وقد استطاع الكاتب أن يغلّف هذه  القصة بفيض من الرموز :

ما معنى الانتصار وما معنى الهزيمة؟

لذلك يظلّ القارئ حائرا في مغزى موت الراعي. هل هو البطل الذي استطاع الثأر من عدو؟

أم هو وجه التحدي والغضب الذي يجعل الانسان ضحية لغضبه؟

لقد كانت القصة رائعة من الناحية الفنية. لأنها امتلكت القدرة على ادراك مفهوم البطولة البدوية، التي تصل أحيانا إلى المفهوم البدائي في معنى الانتصار .

في قصة (من قتل محسن العلوان) يخضع النص لتكنيك قصصي متشابه، حيث يلجأ الكاتب الى تغليف الحدث برموز ميثولوجية،  من خلال رؤية أم حسين التي ترى القتل هو جزء من عقاب قدري. جعل محسن يتلقى جزاء جريمة ارتكبها سابقا وحُكم من أجلها. ولكن روح الضحية ظلت تطارده كعقاب للضمير. وقد نجح الكاتب في توزيع الأصوات السردية التي لم تسعفنا الا بغموض آخر. وهكذا يظلّ الشيء الوحيد الماثل أمام القارئ أن ثمة حادثة قتل قد ارتكبت، وليس هناك من يميط اللثام عن اسرارها. سوى الهَوَس في طقوس الحزن. والذي تجلىّ بركض النسوة وصراخهن. إنها فوضى العاطفة التي تتخلل الاحداث، والتي تعجز عن وضع تبريرات لها.

في قصة (طبيعة صامتة)

يعالج الكاتب بشكل عاطفي لا يخلو من رومانسية مسألة الزمن،وقدرته على هزيمة الانسان،   من خلال تدهور ملامحه الفتيّة. او ما يسمى بالقشرة الخارجية. ولكن هذا الزمن، حسب سياق القصة لم يستطع أن يجتاح الدفء الانساني، كمضمون .  بحيث أنه يستوطن البعض من البشر  ويبقى معتّقا فيهم. ويتجدد باستمرار.

فقد رسم لنا الكاتب لوحة عاطفية عميقة،  تتمثل بلقاء حبيبين في خريف عمرهما، يتقاسمان الدفء الإنساني الصامت بواسطة حاسة اللمس. ذلك النسغ الذي ينبض فيه الروح العسيرة على الشيخوخة، والتي تريد أن تتشابك مع رحابة الحياة .

تطرح قصة (خارطة سوداء) الفضاءات السائدة في الأنظمة القمعية التي تترصد للمثقف.

ثمة شابٌّ،وجد نفسه في موقف المتهم من قِبَل السلطة، مع أنه لا علاقة له بفحوى الاتهام . فهو قد سمع ما قاله صديقه حمدان عن الحكومة فقط، وكأنّ هذه القصة تختصرُ الكثير من  قصص الأبرياء الذين دخلوا إلى عالم القسوة والقمع والسجون بشكل خاطئ.

فهذا الفنان الذي سيق به الى المعتقل ليعترف عن صلته بأحد المناضلين (حمدان)، ومع أنه لا يعرف الشخص المعني، ولكن التعذيب والقسوة تحوٌله إلى مناضل آخر. وحينما يطلب منه السجان ان يرسم له بورتريتا. يهمل صورة الفنان ويتخيّل وجه حمدان فيقوم برسم ملامح الضحية. ويتحمّل غضب السجان وإيذائه.

وكأن القاص أراد من خلال هذه القصة، أن يرسم لوحة للوجدان الذي لا يمكن إرهابه أو تطويعه.

إنٌها قصة هادفة، تسجّل معاناة الأجيال من المناضلين العراقيين،  الذين توهجوا برقيّهم الانساني على خارطة القسوة السوداء.

وفي قصص أخرى تلاحقه خارطة الوطن. يتحدث عن آلام الحصار. وقصة محمود الشاب الذي يتمرد على عائلته،  وهو في حيرة في خياراته. فهو طاقة شبابية كبيرة. ولكنه يعيش حالة من الضياع،  لان ليس ثمة توجيه لهذه القدرة. لذلك فيقوم بالمشاغبة،  فيقتني الأخشاب والطيور والحمير،غير مكترث بما يسببه لأهلهِ من إحراج . فالقصة تتعمق في الأحياء الشعبية البغدادية الفقيرة،  وتحاول عكس الكثير من صور الحياة الداكنة هناك.إنها تمثل شريحة من الشباب المهمّش، والقادر على اجتراح المستحيل.

أما قصة (دعوة) فقد استطاعت أن تعرٌي النظام الدكتاتوري،  الذي أراد أن يشظٌي وحدة العائلة وتآلفها وصلة الرحم بينها. وذلك حينما تم استدعاء أحد الشعراء لمدح الدكتاتور. وحينما علم الناس بأنّ هذا الشاعر سيلتقي بالرئيس، حاولوا أن يحمّلوه رسائلهم واسترحاماتهم إلى هذا الرئيس. ولكن أباه طلب منه أن يتضرّع للرئيس في امكانية إطلاق سراح إبنه السجين . وحينما  قابل هذا الشاعر الرئيس مع جوقة من الشعراء. طلب منه الرئيس أن يطلق النار على أحد المحكومين. فوجد الشاعر بان الرئيس يأمره بقتل أخيه الذي كان يطمع بطلب إطلاق سراحه!

وتحت وطأة الخوف والارهاب يردي أخاه برصاصات المسدس. فينال رضا الرئيس الذي علّق قائلا :

" لقد كتبَ الشاعرُ قصيدته بالدم ".

ويبدو أن الكاتب قد استلّ هذه القصة من الواقع القمعي واستطاع أن يقدّمها كشهادة أدبية عن قمع النظام العراقي لمعارضيه.

ويستخدم نفس الفكرة في قصة اخرى،  حينما يطلب السجَّان من المناضل أن يُبْصق على وجه أبيه.ولكنّ الضحية يبصق على الجلاد مغامرا بحياته،  وهذه اللقطات الواردة، استلّها الكاتب من وقائع حقيقية . وأراد من خلال ذلك أن يسجّل بعض آلام الجرح العراقي الذي تحمّل آلام الدكتاتورية وتعسفها.

يلتقط الكاتب عبد جعفر بعض المواقف في المهجر، ليحيلها إلى معانٍ ومدركات ودروس لتجارب عابرة.  ففي قصته (اليقين) يطرح مخاوف اللاجئ العراقي الذي ترافقه في ملاذه. فهذا خليل الذي يتوقع القاتل يترصده في كل لحظة. وهذا المهاجر الذي يتوهم أنه يلتقي بملكة بريطانيا والتي تعرض عليه إناءً من الكريستال. ولكنه يجد نفسه حالماً، ويعيش على فُتات مساعدات المجتمع، التي تُسْتَل من جيوب دافعي الضرائب.

إنها الخيبة المزمنة والمشاعر المتأججة، لدى بشر وجدوا أنفسهم على قارعة الغربة.

لقد قدّم لنا الكاتب مجموعته القصصية (أحزان المرايا ومسرٌاتها) بشكل جميل ومتناسق. وبعيد عن المسرّة، رغم محاولاته  في وضع رتوش من الهزل في قلب حالة الحزن .  وذلك من خلال المفارقات الكثيرة، ضحك الاطفال، براءة الاسئلة، التناقص الساخر في المواقف..الخ

هذه المجموعة تسعى إلى عرض المشاهد والألام التي ظلت معتكفة في عتمتها. فأراد الكاتب أن يرشّ عليها بعض الأضواء.

وهو ليس ببعيد عن دهاليز ودروب العوالم التي قدّمها. فهو وليدها والابن الذي قمّطه ألمها. لذلك فقد جاءت قصصه صادقةً هادئة صريحةً. كما أنه بثّ في ثناياها الكثير من الكوميديا.

هل كانت الكوميديا السوداء التي تترفع على الحزن؟ أم أنه أراد أن يقدّم لنا الحياة في وداعتها وشجنها وتقلباتها  وانفعالاتها، الحياة التي نضحك فيها من آلامنا ونبكي في فرحنا .

كانت قصصه لقطات رائعة ترسم وجوها لحياة عرفناها. فهو يستخدم اللغة الكلاسيكية أحيانا. ويردفها باللهجة المحلية. وكأنه يتقمص وجوه أبطاله.

هؤلاء  الأبطال الذين لم يتركهم وحيدين، بل حاول أن يعزز شهاداتهم بلغة السارد الذي يتحدث . وكأنه يخلق لمسة عاطفية ثنائية في البطولة على صعيد الحكاية.

حتى تجعلنا نتسائل . من هو البطل؟ هل هو الراعي أو صاحبه الذي حمل جسده؟.

الأبن أم شقيقته؟. محمود السجين أم الفنان الذي تقمص دوره؟

الشاعر الذي قتل أخاه أم الذي شهد حفلة الرعب؟

لقد كان التكنيك القصصي يجعل من المشهد القصصي حافلا بروح الجماعة. أو بالبطولة الثنائية. والتي لا تعتمد على البطل الواحد.

إنها مجموعة قصصية ثرية،  تحتاج إلى قراءات جادة ومتأملة.

 

رحمن خضير عباس

 

عبد الله الفيفيتثير بعضُ الأساليب البلاغيَّة جنونَ القراءات في عقول من لا يفقهون فنون القول، مثلما يمكن أن تستثير لوحةٌ سوريالية لـ(سلفادور دالي) الجنونَ في عقل إنسانٍ لا يخلو من لُخْمَةٍ بالفطرة، أو كان قميء الخيال بالاكتساب! 

تُرى ماذا سيقول هؤلاء، الذين لا يفقهون المجاز البلاغي، في مثل قوله تعالى: ﴿وأَنزَلَ لَكُم مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج﴾؟! [الزمر: 6].  كيف أنزل الأنعام؟  وهل الأنعام نزلت علينا من السماء؟  غير أن الجهل بفنون التعبير ليس وحده وراء ما قد يثار حول النصوص، بل الغرض في البحث عن المطاعن عامل آخر أحيانًا.  من ذلك توقُّف المنتقدين عند مفردة «مكر» في الآية: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّـهُ، واللَّـهُ خَيْرُ المَاكِرِين﴾، [سورة الأنفال: 30]. مع أن أمثلة هذا كثيرة في العربيَّة وفي غير العربيَّة.  كقول الشاعر الجاهلي (عمرو بن كلثوم)، في معلَّقته:

أَلا لا يَجهَلَنْ أَحَدٌ عَلَينا ** فَنَجهَلَ فَوقَ جَهلِ الجاهِلينا؟

وقوله «فنجهل فوق جهل الجاهلين» إنَّما هو مجازٌ مرسَل، لعلاقة السببيَّة بين الفعل وردِّ الفعل؛ فالجهل الأوَّل في البيت حقيقيٌّ والآخَر مجازي. وقد جاء في «القرآن» أيضًا: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾. [الشورى: 40].  مع أن الجزاء ليس بسيِّئة.  وجاء: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، واتَّقُوا اللَّـه﴾، [البقرة: 194]. فسمَّى ردَّ الاعتداء اعتداءً، مع أنه ليس باعتداءٍ على الحقيقة. وقال: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا، فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُون﴾، [هود: 38]. 

وكم بين الحقيقة والمجاز، بخاصَّة، وبينها واللغة الوظيفيَّة، بعامَّة، من مزالق دلاليَّة على غير البصير بأساليب التعبير؛ فتراه متخبِّطًا في دماء الكلام، أو آخذًا إيَّاه على ظاهر معناه! ومن جانب آخر، فإن في هذا الأسلوب- من حيث علم البديع- (مشاكلة) لفظيَّة. وهو فنٌّ أسلوبيٌّ معروف في بلاغة العرب.  منه قول (جَحْظة الأنطاكي، -324هـ= 935م):

قالوا: اقتَرحْ شيئًا نُجِدْ لك طَبخَهُ ** قُلتُ: اطبَخوا لي جُبَّةً وقَميصا

أفكان الرجل مجنونًا ليقترح عليهم أن «يَطبخوا له جُبَّةً وقَميصا»؟!  كلَّا، بيدَ أن من لا يعرف البلاغة- التي تعتمد فنون المجاز لا الحقيقة، واللغة الوظيفيَّة لا اللغة المعجميَّة، والتصوير والتخييل والبديع، لا نَقْل الواقع كما هو، ووضْع الألفاظ في مواضعها الأصليَّة- سيَعُدُّ أساليبها كَذِبًا، أو جنونًا.

بل دع عنك البلاغة، واذهب إلى مادَّة «مكر» في معجمات العربيَّة، لتجد أن التوقُّف على دلالةٍ واحدةٍ من دلالاتها خطلٌ قرائي. لأنك واجدٌ في العربيَّة أن المَكْر يعني: الخديعة والاحتيال. وهذا معنى واحد، توقَّف لديه عقلُ مَن لا يفقه مِن العربيَّة إلَّا ظاهر ما شاع على ألسنة العوام، غير مدركٍ ما سواه. على حين أن للمكر معاني متعدِّدة. منها: الاحتيال في خُفْيَة. وليس كلُّ احتيالٍ شرًّا، بل قد يكون تدبيرًا لخير، أو مكرًا مشروعًا بعدوٍّ.  وقد وقف المفسرون عند هذا؛ فقال (ابن الأَثير)، مثلًا: «مَكْرُ الله إيقاعُ بلائِه بأَعدائه دونَ أَوليائِه». وقال (الليث): «المَكْرُ من الله تعالى جَزاءٌ، سُمِّيَ باسم مَكْرِ المُجازَى».  وقال (الرَّاغب): «مكْرُ الله: إمهالُه العبدَ وتمكينُه من أَعراض الدُّنيا».  وقيل: هو والكيْد مترادفانِ، وفي «الفروق» لـ(أبي هِلال العسكريّ) أَنَّهما مُتَغايِران. وفي «البصائر»: «المَكْرُ ضَرْبان: مَحمودٌ، وهو ما يُتَحَرَّى به أَمْرٌ جميلٌ، وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرُ المَاكِرين﴾، ومذمومٌ وهو ما يُتَحَرَّى به فعلٌ ذميمٌ، نحو قوله تعالى: ﴿لا يَحيقُ المَكْرُ السّيِّءُ إلَّا بأَهلِه﴾.»  والمَكْرُ أيضًا: صفةٌ جماليَّةٌ في المرأة، وهو حُسْنُ خَدَالَةِ السَّاقين.  والمَكْرُ: سَقْيُ الأَرضِ، يقال: امْكُروا الأَرضَ فإنَّها صُلْبَة ثمَّ احرُثوها، أي: اسقُوها. ومَكَرَ أَرْضَهُ يَمْكُرُها مَكْرًا: سقاها، فهي مَمْكورة. والمَمْكورَةُ: المَطْوِيَّةُ الخَلْقِ من النِّساء، وقد مُكِرَتْ مَكْرًا. وقيل: هي المستديرةُ السَّاقَين أو المُدْمَجَةُ الخَلق الشَّديدةُ البَضْعَة. وقيل: ممْكُورَةٌ: مُرتَوِيَة الساقِ خَدْلَةٌ، شُبِّهَت بالمَكْرِ من النَّبات. والماكِرُ: العِيرُ تَحملُ الزَّبيب. وامْتَكَرَ: اخْتَضَبَ، وقد مَكَرَه فامْتَكَرَ، أي خَضَبَه فاخْتَضَبَ.(1)  إلى غير هذا.  وتلك شجرةٌ من المعاني، لا يصح الاقتصار منها على غُصنٍ واحد. إن «المَكْر»، إذن، من خلال هذه المعاني والظلال: تدبيرٌ خفيٌّ وتخطيطٌ لطيف. ولذا؛ فلعل (محمَّد محسن خان ومحمَّد تقيّ الدِّين الهلالي) قد أحسنا في ترجمة الآية ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّـهِ، فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّـهِ إِلَّا القَوْمُ الخَاسِرُون﴾، [سورة الأعراف: الآية٩٩]، هكذا: 

"Did they then feel secure against the Plan of Allah? None feels secure from the Plan of Allah except the people who are the losers. "

أمَّا مَن ران على عقله عُرفٌ لغويٌّ ساذج- فيريد أن يغسل العربيَّة من دلالاتها، والنصوص من طاقاتها على فتح الآفاق القرائيَّة المتعدِّدة- أو مَن ران على قلبه شَبَقٌ إلى التشويه والطعن في النصوص، فلا جدوَى من الحديث اللغوي معه أو الحِجاج البلاغي. 

* * *

«مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، ومَنْ لا يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ.»(2) 

مقولةٌ نُسِبت إلى السيد المسيح. والحق أنها لا تخلو الثقافات الإنسانيَّة- شرقًا وغربًا- ومنها ثقافة استقراء النصوص، من الأخذ بفحوى تلك المقولة، رغم دعاوى التسامح، والرحمة، والروحانيَّة، وقبول التنوُّع والتعدُّد. ثقافةٌ ظاهرةٌ في الخطابات الغربيَّة، طافرةٌ من سواد الأحبار والرهبان، الذين ما زالوا يحكمون العقليَّة الكنسيَّة وأتباعها، وإنْ بحرير الأصوات ومعسول الكلام، كما هي ظاهرةٌ في الثقافة الإسلاميَّة عبر العصور؛ فالشرق في ذلك غربٌ، والغرب شرقٌ، ولا يختلفان!

 

بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

..................................

 (1)  انظر: الزبيدي، تاج العروس، (مكر).

(1)  إنجيل مَتَّى، 12: 30. 

 

ثائر العذاريفي العمل الإبداعي الأصيل لا يمكن الفصل بين الشكل والموضوع، فالشكل إن لم يكن ذا دلالة تخدم الموضوع وتتسق معه يصبح ضربا من العبث. ومع ذلك تحاول الدراسات الأدبية الفصل بينهما قسريا لأغراض الدراسة والتصنيف، لأن المعول في تحديد جنس العمل الأدبي يقوم أساسا على السمات الشكلية، بل إن العمل الأدبي إنما اكتسب أدبيته من الشكل لا الموضوع، أو كما يقول (فريدريك جيمسون):"إن من الخطأ أن نتصور أن موضوعات قصص (همنجواي)، مثلا، هي أشياء من مثل الشجاعة والحب والموت، لأن الواقع إن موضوعاتها الأعمق، ببساطة، هي كتابة أنماط معينة من الجمل، وتجربة أسلوب محدد. هذه في الحقيقة، هي التجربة الأكثر صلابة لعمل الكاتب".

تتراجع صعوبة الفصل هذه كثيرا حين نتحدث عن المتوالية القصصية، وكان غريبا أن يكتب ناقد (عبقري) وهو يتحدث عن المتوالية القصصية، يزدري نقاد زمانه ويتبرم بجهلهم: "وواحدة من آفات النقد الأدبي عندنا أن مسألة النوع شكلا ومضمونا لا تأخذ عند بعض النقاد إلا اهتماما سطحيا، فلا يفرقون بين مبنى الكتابة ومعناها، ويعدون الاشتغال على المضامين هو اشتغال على الأشكال. ومن ثم يعطون للقصاصين شرعية ابتداعهم لتسميات لأعمالهم السردية…"، لكن الواضح أن (عبقريته) لم تكن معه حين كتب هذه العبارة، فهي تكشف أنه لا يميز بين الشكل والمضمون.

لقد كان الشكل، تحديدا، هو ما دفع النقاد الأوربيين والأمريكان (الجهلة بحسب نظرية صاحبنا) إلى عد المتوالية القصصية جنسا سرديا قائما برأسه. ذلك أنها بنية شكلية قبل كل شيء، تختلف عن بنية الرواية والمجموعة القصصية.

إن ما يكسب المتواية القصصية هذه الصفة هو أن القصص المكونة لها كتبت لتكون كتابا، فهي تشترك بعناصر مثل الراوي واللغة وزاوية النظر والمكان والزمان، فإذا كانت هذه عناصر موضوعية فهذا يعني أن علينا أن نكف عن الكتابة ريثما ينشر (العبقري) تعريفه الجديد للشكل وعناصره.

ولكي تتضح الفكرة أكثر اقدم للقارئ الكريم مراجعة موجزة لمتواليتين قصصيتين جنسهما كاتباهما ابتداء من الغلاف.

أما الأولى فهي (أمواج الليالي) للقاص (إدوارد الخراط) التي صدرت عام ١٩٩١، وأثبت كاتبها على غلافها عبارة (متتالية قصصية)، وأحسب أنها أول كتاب عربي كتبت هذه العبارة على غلافه.

تتألف (أمواج الليالي) من تسع قصص أولها (سحب ملتبسة) وآخرها (شجرة مضطربة الثمر)، كل قصة يمكن أن تقرأ وحدها، لكن قراءتها جميعا ستعطي دلالات أخرى تقربها من الرواية، ولم تنتج تلك الدلالات إلا عبر اشتراك القصص بعناصر الشكل، فالقصص كلها يرويها الراوي المتكلم نفسه، وفي كل قصة يعرض نتفا من تجربة حبه الفاشلة، وتشترك القصص في أنها كلها كتبت بأسلوب (المونولوج)، وتشترك بالمكان، فكلها مبنية على تأملات الراوي لحواري القاهرة الشعبية، وحياة الناس البسطاء فيها، وتشترك بالزمن، فكلها تدور أحداثها في الستينيات من القرن الماضي، وأخيرا تشترك باللغة، فهي تعمد إلى الجمل القصيرة التي بناها الكاتب بطريقة توحي بقلقه وشعوره بالوحدة. وكما يرى القارئ الكريم أن هذه كلها عناصر شكلية.

وأما المتوالية القصصية الثانية فهي (حفلة السيدة دالاوي، لفيرجينيا وولف) التي الفتها الكاتبة بالتزامن مع روايتها الشهيرة (السيدة دالاوي) في عشرينيات القرن الماضي، لكنها لم تنشر حتى اكتشفتها (ستيلا ماكنيكول) المتخصصة بأدب وولف ونشرتها عام ١٩٧٩ مكتوب تحت عنوانها (متوالية قصصية).

يمكن ان تعد هذه المتوالية القصصية مثالا لتشابك الشكل والمضمون حتى يصعب الفصل بينهما، فالقصص السبعة المؤلفة للمتوالية ابتداء من (السيدة دالاوي في شارع بوند) وانتهاء بالقصة الأخيرة التي عنونتها (بالإجمال) كلها تتحدث عن عوالم (السيدة دالاوي) قبل المرحلة الزمنية التي تتحدث عنها الرواية، وخاصة تلك الأيام التي كانت تعد فيها للحفلة. لكن هذه التجربة الفريدة لوولف في عمقها تجربة شكلية، فالقصص مكتوبة بلغة متشابهة تتسم بالهدوء والسهولة.

كما تؤدي القصص وظيفة فنية مهمة، فهي في الحقيقة تبني شخصية السيدة دالاوي، بحث إذا قرأناها قبل قراءة الرواية سيكون سلوك هذه الشخصية الرئيسة وتفكيرها غير غريبين علينا، فضلا عن أن هناك قصة هي الرابعة التي عنوانها (الأسلاف) ترسم للقارئ عالم دالاوي بعيون أخرى غير عينيها هي، ففي هذه القصة تتحدث جدتها عن سلوكها وبيتها وشذرات من طفولتها. إن بناء الشخصية قضية شكلية لا موضوعية ومثلها رسم المكان ووصف ما تشتريه دالاوي من ملابس وأزهار ومستلزمات أخرى استعدادا للحفلة.

إن المتوالية القصصية لعب بالشكل لا الموضوع، فهي جنس أدبي هجين كما يسميه بعض النقاد، جمع بين سمة الوحدة التي تسم الرواية وسمة التعدد التي تسم المجموعة القصصية، فأنتج هذا الجمع جنسا أدبيا جديدا يتيح فسحة كبيرة من الإبداع والفتنة.

 

د. ثائر العذاري

 

رحيم الغرباويللشاعر العراقي الكبير يحيى السماوي .

ليس كغيره من شعراء القصيدة العراقية ممن اتهموا المدينة بالدنس أمثال السياب والبياتي ومردان وسعدي يوسف وغيرهم من الجيل الخمسيني والستيني وحتى السبعيني من القرن العشرين . يشرق علينا الشاعر يحيى السماوي بطلته الشعرية البهية؛ ليوثق لنا حرصه على المدينة الرؤوم التي يحن إليها حنين الإبل لمسقط رأسها، وهو يندب ذاته لفراقها، وإن كانت الظروف القاهرة هي من حكمت عليه بالابتعاد والغربة، فهو يتَّهم نفسه بالدنس تجاه القدِّيسة المدينة، إذ نراه كما يقول أدونيس " أمحو الآثار والبقع في داخلي، أغسل داخلي " (1)، وكأنه يريد أن يغسل الأدران التي خلفها تأنيب ضميره تجاه مدينته الأثيرة، إنَّ هذا الإحساس يمثل الصدامية المزمنة التي تكشف عن عرى المسافة بينه وبين الواقع الذي يراه جحودا، بينما يرى صفاء ذاته قد نالتها غوائل ذلك الواقع تجاه مقدساته، ومنها مدينته الأثيرة (السماوة)، وهذا الاصطدام قد ولَّد لديه " الشرارة المضيئة للعالم، وأنَّ الفن ينبع دائماً من الصدام، من الرغبة في أنْ لايفقد الإنسان صفاءه، ويصبح هذا الهمُّ الذاتي جذراً لهموم الناس جميعا " (2)، فنراه يقول في قصيدته:

مُذنباً جئتُكِ

أستجديكِ صفحاً،

حاملاً جثمانَ أمسي،

فانجديني من ذنوبي

في يميني

دمعةٌ تستعطفُ العفوَ، وقلبٌ يتشظَّى

ويساري تشتكي ثقلَ كتابي المُستريب .

فنراه يقر بذنبه عساه يعيش في بحبوحة الراحة، وكأنَّه أرتكب جريرة لاتُغتفر واصفاً يساره بأنَّها تشتكي ثقل كتاب آثامه، مومئاً إلى قوله تعالى (وأمَّا من أوتيَ كتابَهُ بشمالهِ فيقولُ يا ليتني لم أوتَ كتابيَه) (3)، متوسلا أن يُمحى ذنبه؛ لما ارتكبه من عقوق تجاه مدينه، ويبدو أنه في تصويره لأمسه على هيأة جثمانٍ يومئ إلى شدَّة الحزن والأسى الذي كان يلاحقه وما زال، بينما ينغِّم كلماته بصوت النون الأغن؛ ليكثف من دلالة الحزن في المقطع، إذ أورد صوت النون والتنوين عشر مرات مستعطفاً الحبيبة (المدينة)، لكنَّنا نراه حين عَطفَ على يساره المثقلة بذنوب كتابه، أفرغ سطره منها؛ ليبيِّن بشاعة الاحساس، ولعل التنغيم بالتنوين والنون يمثلان الشجو و الحزن مع حالة من الاسترخاء النفسي معهما، بينما بشاعة ثقل الآثام ليس لها إلا صدى التعكر والقلق مما هو فيه؛ وقد عمَّد الشاعرسطره: (ويساري تشتكي ثقلَ كتابي المُستريب) بأصوات (الراء والكاف والقاف والسين والباء) من دون نون أو تنوين جميعها مثلت مدعاة شعور الجفوة والاكتئاب لما يحمله من أوزار صعاب . ثم نراه يصف حاله إزاء ذنبه الماكث في أعماقه، فيقول:

يتسلّى بحطامي ندمٌ أشرسُ

من ناب اللهيب

خذلتني لغتي

فالتمسي لي في كتابِ العشقِ عذراً !

...

سأسمِّي وردةَ الرمان جرحاً

وأسمِّيكِ دوائي والطبيب .

وأسميني جريحاً

نزفة الآهات

والدمع الصبيبْ .

فنراه يصور الندم بهيأة وحش كاسر له ناب من لهيب، وأشد ما يحرق الجسد هو اللهب الذي يجعل الألم ممضَّاً حين يحرق ببطءٍ، بينما نراه يسمي وردة الرمان جرحاً؛ لاحمرارها على الرغم من أنها تصنع الحياة، ومدينته صانعة الحياة نراه يعدُّها قلقاً له؛ لما يضنيه منها توسله غفرانها من دون استجابة، كما نراه استعمل صيغة (فعيل) لقافيته؛ ليمد فيها صوت الياء؛ فيمنح نهايات سطوره بعداً زمانياً، يصوّر من خلاله عمق مأساته، فـ (ناب اللهيب، والطبيب، والدمع الصبيب) معانٍ تجلت فيها نوازع الألم والمرض والحزن واللوعة .

ثم يعطف بأسئلته؛ ليبين كيف يتخيل الأشياء بعد نوال المغفرة، إذ نراه يقول:

... وأسمِّيني المصلِّي بين محرابينِ

يستنشقُ نعناعاً وطيبْ،

وأسمِّيكِ

التي تختزلُ الأسماءَ والأشذاءَ

والفوزَ الذي يجعلُ خسرانيَ

ربحاً ...

ويحيل السوطَ غصناً ...

وجدارَ الكهفِ نهراً

موجُهُ الشهد وشدو العندليب،

وأسمِّيكِ الفراديسَ ...

اليقين ... القِبلةَ ... المحراب

والوادي الرحيبْ .

فيحاول أنْ يلتمس العذرَ ويتوب إليها؛ متوحِّداً معها كما يتوحد الصوفي بالملكوت المقدس، فالألفاظ: (أصلي، محرابين، الفوز، الفراديس، اليقين، القِبلة) تدل على قدسية الهدف، بينما النعيم الذي يتوق إليه فنراه قد جسَّده بالألفاظ (نعناع، طيبْ، ربح، نهر، الشهد، العندليب)، وهو ما يتنمناه أن يعيش بفضاءات مدينته المقدسة الرؤوم؛ ليكفِّر عما بداخله .

ثم نراه يركن مرَّةً أخرى لحالة الإحباط التي يستشعرها مصوِّراً أنْ لاغفران لسعيه، وسوف يقضي زمنه في حمى الصراخ ولهيب القلب الموكل بأحزانه، فيعبِّر عن نوبات يأسه بسبب هذا الواقع المحموم الذي لا يمنحه ما يتمنَّاه، لما يستشعره من تقصير إزاء مدينته الحلم التي يرى ذاته أنه سيعيش لامحالة بعيداً عنها من دون أنْ ينصفها إلا بالاعتذار، فيخاطبها قائلاً:

وأسمِّيني

مسيحاً دونَ إنجيلٍ، وقربانَ المراثي ...

وأسمِّيكِ الصليبْ

والعناق الشفع والوتر

الذي

يدرأ أحزانَ المنافي

وعذابات الفتى / الكهل / الغريب .

فابعدي حيثُ تشاءين

اركبي الموجةَ، والريحَ ...،

احجبي الأمطارَ

والأنهارَ

عن بُستانِ صدري

فسيرويني الذي في بئرِ جُرحي من صُراخٍ

وبِقَلبي من لهيبْ .

فهو بهذا المقطع ينطلق بعد يأسه، ليكون كالمسيح يجوب الفيافي والوديان لكنَّه دون إنجيل؛ بوصفه حُرِمَ المغفرة، فعادَ بلا رسالة، وليس له من قربانٍ للمراثي، فهو المطرود من فردوسه الذي كانَ يأمله، بينما يسميها الصليب بوصفه المصلوب عليها، بيد أنَّه يتمنى أنْ يبقى مستديماً في عناقها كما الشفع والوتر لدى المتبتلين لبارئهم والممسكين بعروته الوثقى؛ ليدرأ عنه أحزان المنافي متوحداً مع مدينته التي صارت كرمة لصلبه، قانعاً بذلك؛ للخلاص من عذابات منافيه التي دهمته غوائلها منذ صباه حتى كهولته، حين عاش غربة الروح والجسد بعيداً عنها، وهو الذي لايرضى إلا برضاها طالما يرى نفسه مقصِّراً تجاهها، مخاطباً لها؛ إخلاصا ووفاءً بأفعال الأمر (ابعدي، اركبي، احجبي) ومتوالية الأفعال بما تحمله من معانٍ، فهو الشاعر الذي سيبقى هائماً مع أحزانه، فلا تروِّيه سوى بئر جرحه المكتنز بالصراخ، واللهيب المودَع في قلبه، عندما تُحجب عنه أمطارها وأنهارها، و صدره يبقى يباباً بعدما كان بستاناً يانع الطلع .

لكنَّ شاعرنا سيظلُّ يأمل العودة لها وإنْ لم يحن الأوان، فلطالما طلب نجدتها، وقال شعره في حضرة فيافيها الرحيبة الأضواء، إذ لابد يوماً يتكلل اللقاء بالمغفرة والتواصل بالمودة بعد إزاحة كابوس الضلالة، وتستحم الشمس بشذا اللقاء .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

....................

(1) أدونيس أوالإثم الهيراقليطي، عادل ظاهر: 164

(2)  معارج المعنى في الشعر العربي الحديث، د. عبد القادر فيدوح: 89

(3)  سورة الحاقة: 25

 

 

حسن العاصيلم يشهد تاريخ الأدب العربي حالة من عدم التوافق بين الكاتب والناقد والمتلقي، كما أحدثت قصيدة النثر التي تسببت في انقسام المهتمين بالأدب والشعر إلى من تحمس للتجربة وأيدها، وآخرون اتخذوا منها موقفاً عدائياً.

أظن أنه السؤال الشائك، بقدر ما يبدو عليه أنه السؤال البديهي، إنما السؤال عن قصيدة النثر يثير العديد من التساؤلات عن هذا الكائن المختلط والمتناقض، الذي يتطلب الكثير من التدقيق في أشكال الشعر المتجذرة في اللغة. قصيدة النثر لا تجعلنا نتساءل عن ماهية الشعر فقط، بل تدعونا للتفكير بمكانة الشعر في اللغة. إنه السؤال المثير المربك. ربما لو تفحصنا التاريخ وأجدنا القراءة، لتكشفت لنا خبايا ربما البعض منا يجهلها، وما نجنيه من قراءة التاريخ يجعل مقاربتنا للحاضر، موضوعية أكثر وعلمية ومنهجية دون مواقف مسبقة.

لقد شهد أواخر القرن التاسع عشر تطوراً هائلاً للمجتمعات البشرية، نتيجة الثورة الصناعية والمكننة التي بدأت في القرن الثامن عشر، مما أسهم بصورة فعالة في نمو مختلف القطاعات. وشأنها شأن المكونات الأخرى، تفاعلت الثقافة مع تلك المتغيرات التاريخية، فكان من الطبيعي إحداث صيغ وأدوات معرفية تنتج الوعي والفكر والأدب أيضاً، كانعكاس للتطور في أنواع الأدب، بسياقات غير معهودة، فظهرت الرواية والمسرح والقصة، ثم قصيدة النثر التي استقبلت بالتشنج الانفعالي من قبل المتلقي العربي ومن جانب النقاد، وهذا يعود في جانب منه إلى أسباب تتعلق بالموروث الثقافي، حيث اعتمد في معظمه على قصيدة الشعر الموزونة بشطرين. فإن كان التوتر له ما يبرره وجدانياً عند المتلقي الذي لم يعتد هذا النمط من الشعر، إلا أن الاضطراب والاختلاط الذي أصاب النقاد، هو موقف مستهجن ثقافياً ومعرفياً بظني، ذلك أنه لا يمكن فصل الثقافة والأدب عن سيرورة الحياة وما يمسها من تطور وحراك دائمين.

من جانب آخر، ظهرت قصيدة النثر في ذروة الجدال بين المهتمين حول قصيدة التفعيلة وتصنيفها ودلالاتها، فبدا الأمر وكأن قصيدة النثر تعرب عن ذاتها على أنها الشكل الحديث والبديل للقصيدة، فتسببت في إحداث جدال وعراك ثقافي لم ينتهي للساعة.

ليس الصدمة فقط من أضرم النار في قش الكلاسيكيين، بل هناك جوانب أخرى لهذا الأجيج الجدلي الملتهب حول قصيدة النثر، منها ما يتعلق بالمقاربات الدينية التي أقدم عليها بعض الشعراء، ولاقت استهجاناً من أوساط ثقافية ودينية واجتماعية متعددة في أكثر من بلد عربي، حيث اتهمت قصيدة النثر في كونها تسيئ للدين، مما جعلها هدفاً لأكثر من جهة خشية تطورها ومقدرتها المس بالموروث المقدس. كما لا يمكن إغفال العامل الفكري والأيديولوجي في خلفية مشهد الجدال والتناحر بين المؤيدين لقصيدة النثر، وهم في معظمهم من الليبراليين والحداثيين الذين يسعون نحو تطور المجتمع وبنيته الثقافية وأدواته الأدبية، وبين الرافضين لها وهم غالباً من أصحاب الأفكار الكلاسيكية التقليدية والمذهب السلفي.

تطالعنا كتب التاريخ عن فن المقامات الذي مزج ما بين الشعر والنثر، ومن أشهر رواده "بديع الزمان الهمداني" وهو نمط يتضمن إيقاع لا يصل الشعر من حيث الوزن والقافية. في الحديث عن قصيدة النثر، لا يمكن تجاهل تأثير الشعر الصوفي الذي ظهر نثراً مع نشوء الإسلام ثم تطور مع ابن العربي وابن الفارض، قبل أن يصل إلى صيغته المعاصرة. ولا بد من المرور على نوع أخر من الشعر هو الرومانسي، الذي ظهر في بدايات القرن العشرين ومن أهم رواده جبران خليل جبران. ثم في خطوة نضوج الشعر النثري الرومنسي، ظهرت مجموعة أبوللو المصرية في بداية ثلاثينيات القرن العشرين، التي دشنت مرحلة ولادة قصيدة النثر التي تبلورت عند جماعة شعر السورية التي ضمت أدونيس وأنسي الحاج وسواهما، حيث بدأت قصيدة النثر تفرض نفسها كنوع أدبي جديد.

قصيدة النثر ليست نبتاً من كوكب آخر، ولا هي دخيلاً غير مألوف في الشعر العربي، بل هي نتاج تطور طبيعي لمكونات الثقافة وبنيتها وهويتها وأدواتها وآلياتها، تطور اخترق جدار الجمود والسكينة في الشعر العربي، وأحدث اهتزاز في ركود القصيدة الموروثة. تماماً كما اقتحم المسرح بعض العواصم العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كفن جديد قادم من الغرب، وشق طريقه الوعرة ثم تطور بصورته الحالية، نتيجة إصرار الرواد على اقتحام عالم جديد وغريب على الذائقة العربية التي اعتادت التبجيل والثناء على الشعراء، في عوالم تعتبر الشعر هو الفن الأرقى. إلا أن المسرح لم يناله ما نال قصيدة النثر من تقريع وتبكيت، بالرغم من أنها شكلت ثورة في اللغة والتراكيب وأوجدت فضاءات جديدة لتحليق المفردة.

قصيدة النثر هي أعمق لحظة في اللاشعور المتدفق، هي الصياغة الترويضية لأصدق حالة انفعالية بين الوعي واللا إدراك، هي التعبير الشعوري للأرق حين نضع الأنا في مواجهة العدم، وهي القناة التي تدفق باختلاجات الكاتب وتسكب في حوض المتلقي. وبهذا فإن قصيدة النثر هي صورة فوق البنفسجية للانفعالات في تعبيرها اللغوي الذي يقوم على رجّ اللغة للنفاذ من الممرات نحو دلالات جديدة تتيح للقلق وللمشاعر والأفكار والصور الرائجة أن تتحول من حالة الركود، إلى وضع لا انتظام فيه ولا ركود للأنساق، كما هو حال الفكر والمعرفة، إذ أن الرؤى والأفكار والمواقف في القصيدة النثرية تتحول إلى نمط متخيل، تساعد على ولوج كينونة مجهولة للشاعر.

الشعر بصفة عامة، وتحديداً قصيدة النثر تعتبر حاملاً للقلق الإبداعي، أكثر من الأصناف الأدبية الأخرى، لذلك تحتاج قصيدة النثر إلى أداة لرفع هذه الكم الكثير من المشاعر والاضطرابات، وهذا ما يؤديه الإيقاع الشعري من خلال كونه ينظم التنبيهات في النص بين سكون وسكون، هو حركة اللغة ومفرداتها. قصيدة النثر تعوم خارج البحور التي وضعها أبو خليل الفراهيدي، التي فرضت بنية إيقاعية سمعية وبصرية.

إن قيام القصيدة النثرية بخرق القوانين وتهشيم المقدس هو ما استثار حمية المدافعين عن القصيدة الموزونة، وهي النقطة الشائكة التي لا زالت موضع جدل بين المهتمين. هذه الإشكالية استغلها كثير من المتطفلين على الشعر الذين تسلقوا هذا الصنف الأدبي عبر نتاجهم، بذريعة أن لا قوانين هنا ولا ضوابط.

لا أفهم سبباً موضوعياً للتوتر الذي يبديه بعض شعراء قصيدة الوزن تجاه قصيدة النثر، بالرغم من إني لم أسمع مرة أحد شعراء قصيدة النثر يعتبر أن المتنبي مثلاً ليس بشاعر، ولم يرفض أحداً قصائد امرؤ القيس أو أبي تمام، لذلك لا يمكن أن تلمع صورة قصيدة الوزن على نفي قصيدة النثر.

قصيدة النثر تمردت على التراكيب اللغوية الساكنة، لتفرض صياغتها في بنى تعبيرية حديثة، لإنشاء ضجيج في الراسخ، وهنا تظهر قدرة القصيدة النثرية على استنباط لغة لها وحدها. قصيدة تبنى فيها الصورة الشعرية وتصاغ لغوياً ويتم تحميلها المعنى عبر وحدة المتناقضات التي هي أساس القصيدة النثرية، مثل قصائد محمد الماغوط " على سبيل الذكر.

وقصيدة النثر تقوم بتشظي التراكيب المألوفة، وعلى التوتر الانفعالي الذي ينقل الشحنات عبرها للمتلقي، تراعي التكثيف المرتكز على رؤية شاملة عميقة للظواهر، تمكنه من امتلاك رؤيا شفافة واضحة للأحداث، عبر إيقاع يتولد من داخل القصيدة.

إن الشعر هو الشعر مهما اختلفت الأدوات والأنماط والقوالب والأجناس، والأوزان الخليلية ليست مقدسة، وقصيدة النثر ليست بديلاً عن أي صنف أدبي آخر، وهي لا تدعي ذلك، ولا ترفض الأجناس الأخرى، فيما ترفضها قصيدة الوزن. والقصيدة النثرية شأنها شأن الأنواع الأدبية الأخرى، علق بها الكثير من المتطفلين الذين استسهلوا كتابة القصيدة النثرية، لذلك كما نقرأ رواية جيدة وأخرى سيئة، وشعراً موزوناً جميلاً وآخر قبيحاً، فإننا نرى نصاً بديعاً لقصيدة النثر، وآخر مذموماً.

في عالم يتجه نحو التطور والتغير والتحديث بسرعة مرعبة، لم تعد تجدي معها الأعراف الأدبية التقليدية السائدة، التي تظهر على أنها قاصرة وعاجزة عن تحقيق الشعرية المعاصرة، فلا بد من بروز أنماط أكثر رحابة في التعبير عن الحالة الشعرية بكسر طوق الأوزان وقفص القوافي، والخروج على ما هو مألوف وتقليدي في اللغة والشعر والصياغة والإيقاع والصورة والتأثير، فكانت قصيدة النثر التطور الطبيعي للشعر في عالم معاصر، بل أنها شكلت ثورة على الساكن والهامد في اللغة والشعر، وبظني هي من أرفع وأفخم وأعمق أشكال الكتابة الشعرية

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

عبد الجبار نوريربما يبدو في أختيار الروائي شوقي للعنوان الصادم والذي يعتبر من جملة (المسكوتات) التي أختارها بشجاعته المعهودة في أسقاط ورقة التوت عنها وأظهارها للمتلقي للمشاركة في أيجاد الحلول لها .

ثمّ أن مفردات الهتلية والسرسرية تعني باللغة التركية العصملية القديمة (جامعي الضرائب) وتقول الحكاية التركية عندما عيّن الوالي العثماني نخبة الهتلية لجمع الضريبة وصلت أخبارهم بأنهم لصوص وفساد أداريين وماليين، فأستبدلهم بالسرسرية فكانوا أسوء منهم في اللصوصية والحرام، وبما أن العراق كان من الولايات المهمة للأمبراطورية العثمانية فأصبحت تستعمل كلمة "الهتلية" كمفردة تعني الأنحطاط الخلقي وكنوع من الأساءة والذم لأنها تحمل مضامين اللاأخلاق، وأن الروائي أستعمل هذه المفردة كرمزية يرمي بها السلطات الحاكمة والجائرة التي تعاقبت على حكم العراق، وتتضمن الرواية أشارات للزمكنة الجغرافية والتأريخية في العراق، وببراعة المؤلف تمكن أن يغور في أعماق المجتمع العراقي حيث زواياه السوسيولوجية لسنوات المحنة حيث أختار الفترة الحرجة في حياة الأمة في ثمانينيات القرن الماضي والفترة العصيبة بين 2006- 2008 سنوات الأحتراب التي أرتقت لحرب اأهلية حيث نقطة اللاعودة .

الهتلية بناء روائي ممتع مستعرضاً الشخصية العراقية المعاصرة بكامل صورتها الواقعية الملموسة على الأرض العراقية تشق طريقها للوصول إلى التسلط على رقاب العباد  بشتى وسائل اللاأخلاق لسد النقص الذي يعانيه من الأستلاب المادي والروحي محاولة للأستئثار بالمال العام وهو الباب الذي فتحهُ شوقي للرواية للبحث عن الحل للخروج من المحنة لذلك أعتمد الروائي شوقي على أستعراض الأحداث الشاخصة وحوّلها ببراعته المعهودة في الجزئين االشروكية والخوشية إلى رموز ودلالات وصور أستعارية دقيقة الأختيارومتقنة، وأعطى لبطل الرواية الأولوية في الظهور كي يترجم واقع حال البلد المأزوم منذ سقوط العراق جغرافية وتأريخاً في 2003، أما رجال الدين يرمز لهة بالكهنة فهم أصحاب القرار في القيادات الحاكمة الذين وحدهم يمتلكون اللعب في مقدرات العباد والبلاد، وأعتمد الواقعية التعبيرية كنمط للمسار السردي في جعل المتلقي يقوم بنفسه في تركيب الرؤى والأحداث المعروضة في النص ليرجعها إلى أصولها الواقعية المشهودة فعلا على أرض الواقع، فكانت أدواتهُ أرضية الزمكنة والأحداث المتسارعة والمستلبة من قبل أنقلابات العساكر وحكومات توفيقية متلاحقة على السلطة، نجد أن البطل ينفث آهات الندم والأحباط  بشهيق وزفير بحشرجاتٍ مسموعة تترجم وخزات الجلد الذاتي في الصفحة 110-113 أنهُ لم يكن أهلاً في تقديم القربان من دمه وروحه لأيقونة الوطن المصلوب على جدار الخوف حيث يقول :

صمتي يعني فشل آمالي وأمانيي في الأنتصار، تعرض الروائي شوقي وبشجاعة بارعة في التصدي(للمسكوتات) التي تعايش المجتمع والتي تعتبر فوبيا للكتاب والروائيين في تهيّب الأشارة أليها أرضاءاً لجهات وعدم أغضاب جهات أخرى كالمحرمات الثلاثة (الدين والجنس والعنف السياسي) ومسائل الحلال والحرام، والخروج عن طاعة ولي الأمر والأعراف القبلية العشائرية، فالكاتب بجرأته وشجاعته البحثية تمكن الغوص في ثنايا الأعماق والكشف عن زواياها المظلمة لينتشل تلك الموروثات العقائدية والقيمية الدينية والوضعية ويعيد صياغتها جمالياً وسردياً ويقدم مثل هذا النص الأدبي الرائع .

أن نزعة اللصوصية والتخريب تبدو وكأنها ظاهرة مرضية خطيرة، وأن أعمدة علماء النفس والتأريخ منهم الدكتور " على الوردي " والعلامة المؤرخ " عبدالرزاق الحسني " والعلامة المغربي أبن خلدون أكدوا على بداوة وذكورية الشعب العراقي والترسبات الأرثية القبلية التي تحملها الشخصية العراقية بالذات من خلال قساوة البيئة الصحراوية المجدبة والمستلبة والحروب والغزوات والمجاعات والفيضانات والطاعون والحكومات المستبدة كل تلك الظواهرتبلورت في أعماق اللاوعي العراقي(نزعات جرمية ولصوصية وتخريبية) وهنا يؤيّد العلامة المؤرخ عبدالرزاق الحسني تلك النزعات الهابطة والمرفوضة أجتماعياً في كتابه تأريخ الأحزاب السياسية 1908-1958بفصله الخاص بمذكرات الملك فيصل الأول أقتبس النص التالي :

(الشريف حسين يوصي ولده وهو ذاهب إلى العراق : يا ولدي هذا العراق لا يؤتمن فقد غدروا بعمك الحسين بن علي بن أبي طالب حيث دعوه ثم قتلوه فأذهب أليها وحدك، وكتب فيصل الأول بعد معايشته العراقيين في 1933 في نص مذكراته (--- لا يوجد في العراق شعب له فكر بل توجد تكتلات بشرية خالية من أية فكرة وطنية متشبعين بتقاليد وأباطيل دينية لا تجمع بينهم جامعة سماعون للسوء ميالون للفوضى مستعدون دائماً للأنتفاض على أية حكومة كانت) عبدالرزاق الحسني – تأريخ العراق السياسي ج1ص12 .

أن الهتلية في عنوان الرواية ليس بالضرورة أن تكون من الطبقة الفقيرة المعدمة، بل ممكن أن تكون من الأثرياء والموسرين أو حتى من رجال الدين، وفي القاموس السياسي العراقي المعاصر كان اغلب الرموز السياسية وبطانة دكاكين الأحزاب الرثة من طبقة الهتلية أبتداءاً من العهد الملكي الذي أعتمد بعض من قادته على الشقاة في أيام التقاطعات السياسية، أما العهد الجمهوري حيث ظهر من قادتهم شقاة وبلطجية وقطاع طرق أمثال (ناظم كزار وجباركردي وعلي رضا باوه وعلي كيمياوي وعلي صالح السعدي)، اما العهد الديمقراطي ظهر لنا فيهم بعض من الهتلية واللصوص أبطال روايات هندية وأفلام الأكشن الهوليودية أمثال (أيهم السامرائي وزير الكهرباء الأسبق وحازم الشعلان وزير الدفاع الأسبق وعبدالفلاح السوداني وزير التجارة السابق وووو) .

وأن الذاكرة العراقية تأبى مسح أهزوجة هتلية الشارع العراقي في 1941 (حلو الفرهود كون يصير يومية) هذا الشعار المعيب والمخزي ضد الطائفة اليهودية العراقية في نهب أموالهم وممتلكاتهم وقتل وجرح أكثر من ألفي مواطن يهودي عراقي (عدنان نور الدين / كتاب هتلر في الأبريق)، وتبعهُ فرهود قصور الملوك في 1958 وثم مسلسل فرهدة الأكراد الفيلية في عام 1980 أموالهم وممتلكاتهم على يد هتلية وغوغاء الشارع ، وثم نفيهم خارج وطنهم العراق، وجاء دور عرض الفيلم الهندي الديمقراطي بعد 2003 يكفي أن نقول للأختصار أن البعض من هتلية الحكومة نهبوا مبلغ خرافي يقدر ب800 ملياردولار خلال 14 عام وحولوه إلى خارج الوطن المسكين، علماً أنه أكثر من ميزانية الولايات المتحدة الأمريكية!!

 

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

.......................

*ملاحظة: بعد ورود طلبات عديدة من قرائي وأصدقائي في أعادة نشر المقالة المكتوبة في(24 /أكتوبر/2017) لكوننا نعيش "عهد الحواسم" منذ الأحتلال الأمريكي لحد اليوم

 

847 احمر"أحمرُ على شفاه الصُّدفة" هي المجموعة الشِّعرية الأولى للشاعرة (مسار الياسري) التي أستطاعت أنْ تحتلَّ مكانها وأنْ ترسمَ ملامح صوتها الشِّعري في السَّاحة الشِّعرية العراقيَّة حتى قبل أنْ تصدرَ أيَّة مجموعة شعرية لها ، فكان تألقها الشِّعري وأنا أتابعهُ في أكثرمن محفلٍ شعري أحمرَعلى شفاهِ الديمومة .

وكأيِّ وليدٍ بكرٍ يتعرض للتجريب والاجتهاد بينِ يدي والديهِ حتى يشتدَّ عوده جاءت هذه المجموعة لتكون مساحة رحبة لتجارب الشَّاعرة التي آثرتْ أنْ توثق ما خطهُ يراعُها في مختلف أشكال الكتابة الشِّعرية ، من قصائد العمود (الشَّطرين) والتفعيلة والنَّثر، فجاءت سنابل حقلها منحنية وهي تشير إلى تربة خصبة أنبتتها وأنشأتها النشأة الأولى وقد ألمحت إلى ذلك فيما يشبه الإهداء (إليهما ..عليهما السّلام) في أول بيتين افتتحت بها المجموعة :

(وها هي أمي تشبه الله رحــمة ً

فمن قال أن اللهَ ليس له أهــــلُ

وهذا أبي كالانبيــــــــــــاءِ مقامُهُ

ومن قال أن الله قد ختم الرسلُ!)

 وَمنْ يَطَّلع على هذه المجموعة للوهلة الأولى يجد أن الشَّاعرة سعتْ وبشكلٍ حثيثٍ إلى تحديث لغة العنونة لمنحها طاقات تعبيرية عالية تهيئ القاريء قبل الدِّخول اليها، مدركة أهمية العتبة بوصفها نصاً موازياً للمكوّن اللغوى للنصّ “المتن” بشكل وظيفي يؤثر فى تشكيل بنيتهِ وفى عملية تلقيهِ وتحليله ليشكلا معا بنية تكاملية .

وهكذا جاء عنوان المجموعة مشحوناً بالمعاني التي أرادت شاعرتنا (مسار الياسري) أنْ توصلها بما تثيره من أسئلة ٍلدى المتلقي الذي لاتريد لذهنهِ أنْ ينصرفَ نحو الإثارة الشكلية قدر ما تريده أنْ يتعمق أكثر بالمعنى من خلال الانزياح اللغويّ الجميل الذي اعتمدته في منح “الصُّدفة ” شفاهاً والتي مِنَ الممكن أنْ يكسوها الأحمر ليمنحها حياة ًوحيويةً وإثارة، إذَن هي صُدفة توازي في قيمة المتحقق فيها ما يحدث لنا بتدبيرمسبق بل ويفوقه، فضلاً عن عتبات الإهداء الذي جاء للأصدقاء ولأمها وأبيها وإلى معلمها (علي عبد الحسين الخفاجي).. كاشفة لنا مصادر إلهامها ومرجعياتها الثقافية في الكتابة الشِّعرية .

لقد غلبت على المجموعة قصائد الشَّطرين وهي بذلك تطرح نفسها شاعرة مُجيدة تنساب جملها وقوافيها وإيقاعاتها انسياباً جميلاً عبر بحور الشِّعر العربيّ وأخصُّ منها الكامل، والبسيط، والرَّمل،وقليل منها ماجاء على الوافر .

أنا كالتي في جوفها نــــيرانهُا

وسحـــابةٌ بسمــائها تـتمايـــلُ

من حزنِ أيّامي أصوغُ سعادةً

وعلى المرارةِ والجوى أتحايلُ

تميزت قصائدها بلغة شفافة ، لغة أنثويَّة تنفرُ من المفردات الصلدة والنَّافرة لتنثال منقاة بجميل ذائقتها وتجانس الجرس الموسيقي فيها واستخدام الأساليب البلاغية في اللّغة من استعارة وتشبيه وكناية وطباق لتحقيق التأثير المطلوب في المتلقي وتفعيل جماليات النَّصّ .

ومع إيغالنا أكثر في قصائد المجموعة وتقصي موضوعاتها نجد أنَّ أغلب القصائد كانت تركز على موضوعة الطفولة واستذكار مكان النَّشأة الأولى فمازالت الطفولة والعودة إليها تشكلُ ملاذاً لها وهي تواجه صعوبات الحياة.

(لا تعدّوني  كضحكاتٍ

أضاعتْ شمسها

أو كأرجوحةِ طفلٍ

أُطفِئتْ ظلماً

وغطاها غبارٌ)

وعلى غرار الشُّعراء في العصر الجاهلي تستنطق بحنين جارف دروب الحيّ القديم وما شهدته من ذكرياتِ نبضها الأوَّل فيها، بعد أنْ رجعت إليه أكثر قوة وأكثر وعياً بذاتها .مثلما تتذكر طفولتها على وقع إيقاع الحرب في قصيدتها (طفولة بنصف حلوى) التي ترسم فيها ظلال الحرب ووقعها على غصن طفولتها الطَّريّ وكيف خرجت من بقايا الحرب ” كغصنٍ بين أنقاض الخطايا” ولتقول لنا : إنَّ الحرب خطيئة كبرى بحق الإنسان والطّفولة والبيئة، لكنها تقف بوجه الحروب رافضة لتضيء وتبدد أجنحة الظلام :

(أنتِ الحياةُ برحمِ موتٍ

عابثٍ

لكنَّ طبعَ المــــوتِ

لا يتبــدّلُ

يا أنتِ يا بنت العراقِ

كأنكِ المشكاة

يغزوها الظلامُ

فيخجلُ

لتُطلَّ من فجرِ الشهادةِ

آيـــةٌ

في كل يومٍ في العراقِ تُرتّلُ)

وهي إذ يتوحد عندها الذاتيّ بالموضوعيّ تفتتح القصيدة بالشكوى من الحبّ والحبيب وتبثنا لواعجها حتى نقتنع تماماَ بأنَّها تعيش حالة وجدانية متدفقة بالرؤى والأحلام العاطفية الورديّة وسرعان ما نشهد ونتفاجأ بأنَّ هذا الحبّ بكامل طاقاته وانفعالاته يأخذ مدى أبعد من مداه الذاتي لينصرف إلى بغداد وإلى العراق المُبتلى بسراقهِ الذين أثخنوه قتلاً وغدراً ما يجعلها تقف حائرة بإزاء هذا المشهد المُحبط الذي هو بالنسبة لها مثل غدر الأصحاب ومَنْ نُحبّ بل وأكثر وقعاً وهي بهذه المزاوجة إنما تريد أنْ تؤرشف خيباتها مقرونة بخيبة وطن أنهكته الحروب الطَّائفية والصِّراعات السِّياسية والمفخخات ..فجاءت صرخاتها بوجه هذا السَّيل الجارف من الموت لتعلن رفضها لهذا الألم المقيم في حنايا روحها ونبض ِ قلبها، كيف لا وهي الشَّاعرة المفعمة بالرِّقة وهواجس استشراف الآتي .وليس أدلّ على ماتقدم من هذا التوحد قولها :

“أنا مثل بغداد ابتسَمْتُ برغم ما .. بين الضلوعِ تناسَلَتْ ألـــــــغامُ“.

وعمدت الشَّاعرة في مجموعتها إلى استدعاء رموز البطولة مثل (جيفارا) و(كلكامش) مزاوِجة في ذلك بين رموز عصرنا الحاضر والرّموز الأسطورية لتخلق امتداداً إنسانياً بذلك الاستدعاء .

وتجيد (مسار الياسري) في هذه المجموعة وعبر أشكال كتابتها الشَّعرية المتنوعة من قصائد التفعيلة والنّصوص النَّثرية رسم الصُّور الشِّعرية التي تمنح نصوصها قوة، وتمسك بالمتلقي لتشي له بمهارة الشَّاعرة في الصِّياغة والبناء الصّوري لقصائدها والتي بلغت ذروتها في هذا المقطع من قصيدة (نبية الحناء)

(ومناجلي سارَتْ على

مضضٍ مطأْطأَةَ الرؤوسِ

ورائي)

كما تميلُ الشَّاعرة إلى اعتماد النهايات المفتوحة في نصوصها النَّثرية بشكل خاص تاركة المتلقي يكمل رسم الصّورة التي ستؤول اليها وهي بذلك تفتح المجال للقاريء لأن يشارك في صياغة النَّصّ .

“أحمرٌعلى شفاه الصُّدفة” محاولة أولى لمسار الياسري أتمنى أن تتبعها محاولات أكثر إبداعاً وأنْ تختطَّ لنفسها نهجاً شعريَّا تجد نفسها فيهِ أكثر عبر أشكال الكتابة الشِّعرية يرسم ملامح تجربتها وهويتها الشِّعرية المتوهجة التي تميزها عن الأخريات فلا مجال للتجريب بعد هذه المحاولة وهي بما تمتلك من رهافة حسٍّ عالية وأدوات الكتابة الشِّعرية قادرة على ذلك بكلِّ تأكيد.

تمنياتي لها بالمزيد من التألق والإبداع، ولكم بمتعة اكتشاف مسارات الجمال ومآلاتها في هذه المجموعة البِكر .التي تجعلك تؤمن بما أومضت به مسار الياسري :

(للحبّ سلطةٌ حتى

أنه قد يؤجل القيامة...)

 

د . سعد ياسين يوسف