ثائر العذارينشرت جريدة طريق الشعب في ٤/٢/٢٠١٩ مقالا بعنوان (التجنيس في القصة القصيرة بين المتوالية sequence والدورة cycle) للناقدة د. نادية هناوي وهو واحد من مجموعة مقلات نشرتها في صحف متعددة يعرف القارئ المتابع أنها ترد عبرها على ما أكتبه أنا في الموضوع. وهذا رابط مقالها بعد أعادت نشره في موقع الناقد العراقي

https://www.alnaked-aliraqi.net/article/60996.php

ومع أن الرد حقي قانونا وأخلاقا فقد رفضت الجريدة نشره بحجة أن فيه قسوة، بينما لم أكتب فيه إلا الحجج التي يستطيع القارئ التأكد منها وإنه لغريب أن يكون هذا موقف طريق الشعب آخر قلاع الالتزام.

في البداية أود القول أن الكتابة والنشر مسؤولية وأمانة، فنحن مسؤولون عن كل كلمة نكتبها، وحين يبدو لنا أننا كنا مخطئين في تصور ما كنا قد كتبناه فلا مناص من الاعتراف للقراء بالخطأ والاعتذار، أما العزة بالإثم فهي قصيرة العمر وسرعان ما تعود على صاحبها بالحرج، فقراء جريدة مثل طريق الشعب لا ينبغي الاستخفاف بهم وكلهم من خيرة مثقفي البلد. وانطلاقا من هذه المسؤولية وجدت أن علي الكتابة وبيان الأوهام والتناقضات التي حفل بها مقال د.هناوي.

في هذا المقال كما في مقالات سابقة تخصص الكاتبة أكثر من نصفه لتنصيب نفسها الكاهنة العظمى لمعبد النقد فتسمح وتطرد وتهب وتمنع وتوزع التهم والانتقاص يمينا وشمالا، فترى أن غيرها مدع ضبابي الرؤية وأنها وحدها تمتلك الحقيقة، ومن يقرأ المقالات التي كتبتها في الموضوع كلها سيكتشف بسهولة تناقضاتها وضبابية رؤيتها وجهلها بالموضوع من أساسه، وهكذا ينطبق عليها المثل العربي (رمتني بدائها وانسلت)، وسأركز على المغالطات والأوهام التي انطوى عليها هذا المقال الذي لا يتعدى طوله الصفحتين.

قرأت المقال بتأن ثلاث مرات ولم أفهم إن كان اعتراض د.هناوي الذي يشير إليه العنوان، فهل تعترض على تجنيس المتوالية القصصية أم على تسميتها؟ ولذلك سأرد على الاحتمالين مبينا الخلل في رؤيتها وأسبابه.

أما قضية التجنيس فلطالما كررت د. نادية اتهامي بالتلميح مرة كما في هذا المقال وبالتصريح أخرى بأنني أخترع تجنيسا أدبيا، وأنا لا أدري ما أساس هذا الاتهام، ولم يسبق لي أن ادعيت هذا، غير أني كتبت أن المتوالية القصصية جنس أدبي، لكن هذا ليس اختراعا ولا تقليعة كما قالت، فهذا الضرب من الكتابة السردية يشار إليه منذ ثلاثينيات القرن الماضي بأنه جنس أدبي والغريب أن الدكتورة لا تنتبه أن كل الدرسات التي تذكرها والتي كنت قد ذكرتها في مقالات سابقة لي تقر ابتداء من العنوان بأن المتوالية القصصية جنس أدبي مستقل على أن أذكر القارئ الكريم أن كلمتي نوع وجنس باللغة العربية تستعملان بمعنى واحد مقابل كلمة genre الإنكليزية، إذ لا يشار إلى الأجناس الأدبية بغيرها في تلك اللغة. فضلا عن أن د. هناوي تخطئ في الترجمة فتخرج بنتائج لا علاقة لها بالمقاصد الحقيقية.

أما قضية التسمية ففيها وهم كبير وقعت فيه الكاتبة بسبب عدم معرفتها المفهوم الحقيقي للمتوالية القصصية ولذلك وقعت في تناقض وتخبط، ففي البداية كانت تدافع عن مصطلح المتوالية القصصية وتدعي أنه مصطلح عراقي اخترعه الأستاذ جاسم عاصي، ثم أصبحت تسميها في مقالات أخرى المتوالية السردية وكتبتها بالانكليزية narrative sequence وفي هذا المقال تقول إن من يسميها بهذا الاسم مخطئ، والحقيقة أنها هي الوحيدة التي استعملت هذا المصطلح، أما الاسم الذي استعمله في كتاباتي فهو short story sequence أي متوالية قصصية ولم استعمل أبدا مصطلح المتوالية السردية لأنه مصطلح وضعه تودوروف يخص بنية الجملة في القصة ولا علاقة له بموضوعنا.

إن (المتوالية القصصية) هو واحد من الأسماء التي يستعملها النقد الغربي للإشارة إلى هذا الجنس الأدبي وهناك أسماء أخرى كثيرة منها حلقة القصة القصيرة (وليست دورة كما ترجمتها د. هناوي) وأفضل استعماله لأن كتابا عربا وعراقيين استعملوه لوصف أعمالهم، وعندما يشيع مصطلح ما فلا جدوى من الاعتراض عليه ما دام الاتفاق على دلالته قائما، ولدينا في العربية عشرات المصطلحات الأدبية التي لا تمت دالاتها المعجمية بصلة إلى معناها الاصطلاحي، ولعل المثل الأبرز هنا هو كلمة التداولية التي وضعت مقابل كلمة pragmatic الإنكليزية التي تعني النفعية.

يعد كتاب فورست انجرام ( Representative Short Story Cycles of the Twentieth Century: Studies in a Literary Genre) الذي ذكرته الكاتبة في مقالها كتابا مؤسسا في دراسة المتوالية القصصية، ولو أنها قرأته لعلمت أنه كتاب فني صرف لا علاقة له بالثيمات. وأبين هنا الأخطاء الجسيمة التي وقعت بها في تعاطيها مع الكتاب لأنها كما أظن استمدت معلوماتها من مراجعة للكتاب لا الكتاب نفسه لأنه نادر وغير متاح على الانترنت.

من العنوان يتضح أن انجرام يدرس المتوالية على أنها جنس أدبي مستقل ويبدأ كتابه بتعريف المتوالية القصصية (التي يفضل هو تسميتها حلقة القصة القصيرة) في أول سطرين فيقول:

"A story cycle is a set of stories so linked to one another that the reader's experience of each one is modified by his experience of the others."

وتمتاز لغة انجرام بسهولتها الكبيرة بحيث لا يحتاج القارئ إلى خبرة كبيرة باللغة الإنكليزية لفهمها، فكيف لمن يخطئ في فهم انجرام أن يفهم أساليب معقدة مثل أسلوب تودوروف. واقتبس هنا ترجمة د.نادية للتعريف:

"وقد قنن انجرام في هذا الكتاب فاعلية ( دورة القصة القصيرة) بوصفها مجموعة من القصص المرتبطة بعضها ببعض، يوزعها المؤلف بطريقة متوازنة ضمن وحدة معينة، في شكل مجموعات أو سلاسل، ولكل قارئ أن يقوم بتعديل تجربة ما من تجارب الآخرين."

هذه ترجمة مشوهة معتمدة على استخراج المعاني من القاموس فحرفت التعريف عن مراده الحقيقي، وكما يرى القارئ الكريم فالتعريف هو (حلقة القص هي مجموعة من القصص المترابطة جدا بعضها ببعض بحيث تتعدل التجربة القرائية لإحداها بالتجربة القرائية للقصص الأخرى.)

وأضع هنا صورة للصفحة الثانية من فهرس الكتاب لأشير إلى خطئين جسيمين آخرين:

738 ثائر العذاري

أما الأول فهو قولها أن انجرام ناقش في الكتاب التكنيكات المشتركة مثل الراوي والشخصية المركزية، ونظرة سريعة إلى الفهرس تكشف أن انجرام لم يكن يدرس هذه التكنيكات على أنها مشتركة بل لأنها مما يميز عمل شيروود أندرسون في كتابه Wisenburg,Ohio الذي يعده انجرام وغيره أول متوالية قصصية ناضجة منذ صدورها عام ١٩١٩. فهذه مباحث فرعية من الفصل الخامس الذي قصره المؤلف على دراسة هذا الكتاب واستغرق فيه أكثر من ربع حجم كتابه فهو يبدأ من صفحة ١٤٣ وينتهي بصفحة ٢٠٠ وهي نهاية الكتاب كله أيضا.

تقول الكاتبة ان انجرام ختم كتابه بدورانية التطوير النفسي التي درسها في ثلاثة مباحث هي النار والريح وايماءة والضبط. وأنا أرجو القارئ الكريم أن ينظر إلى القسم الرابع من الفصل الخامس نفسه الخاص بكتاب أندرسون لنكتشف بسهولة أن الدكتورة هناوي لا قرأت كتاب أندرسون ولا كتاب انجرام ولا حتى فهرسه. فعنوان المبحث هو تطوير الرموز في المتوالية وهو يدرس هنا تكنيكات اندرسون في الترميز واختار منها الريح النار اللتين تظهران في الفقرة الأولى من القصة الأولى حيث يستدعي جورج ويلارد نجارا ليجعل سريره بمستوى النافذةبينما كانت الريح الباردة تعصف في الخارج والنار في الموقد. أما ما ترجمته الكاتبة ايماءة فهو كما يتضح في الصورة التلويح باليد، لأن اندسون استعمل هذا الرمز في القصص كلها.

أما الخطأ البالغ فهو في الثالثة التي ترجمتها د.هناوي الضبط، وهذا يكشف عدم اعتيادها على قراءة الدراسات السردية بالانكليزية لان هذه الكلمة من مبادئ المصطلح السردي الإنكليزي، فهي لا تعرف ان النقاد يستعملون كلمة setting مقابل مصطلح (الزمان والمكان) في العربية وهذا ما كان يدرسه انجرام في هذا المبحث، فهذه الكلمة في السرد لا تعني ضبط كما هي ترجمتها في أجهزة الموبايل.

ثمة خطأ مركب تقع فيه الكاتبة في آخر المقال حين تذكر كتاب ( Short Story Cycle: the Ethnic Resonance of Genre) وتنسبه لسوزان فيرجسون والحقيقة أنه لجيمس ناجيل James Nagel ، فضلا عن ترجمتها الخاطئة للعنوان التي بنت عليها نتيجة خاطئة أيضا، فقد ترجمته صدى التشظي في النوع، والحقيقة أني لا أعرف ما أقول، فلا أظن هناك أحدا لا يعرف معنى كلمة Ethnic فهي بفضل الله من أكثر الكلمات التي تتكرر في العراق ومعناها الإثنية أو العرقية وعنوان الكتاب هو أثر الإثنية في الجنس الأدبي. وهو الكتاب الذي اعتمدت عليه جنيفر سميث في تطويرها لفكرة العلاقة بين التنوع العرقي في المجتمع الأمريكي وظهور المتوالية القصصية أواخر القرن التاسع عشر، فهي ترى أن شكل المتوالية القصصية يحاكي شكل عرقيات متنوعة كانت تسعى للاندماج لتكون أمة واحدة هي الأمة الأمريكية وهذا المعنى لا علاقة له بقضايا أخلاقية مثل الحضانة والاجهاض والطلاق كما رأت د.نادية.

ترى الكاتبة في المقال أن هذا جنس يمتاز بالميوعة وهذا يحول دون تجنيسه، وهذا فهم واهم لفكرة السيولة والميوعة، فجنس أدبي كتب فيه جيمس جويس وشيروود أندرسون وهمنجوي وكافكا وفيرجينيا وولف لحري بأن يدرس مستقلا. أما الميوعة والسيولة فهذه سمة من سمات القصة القصيرة لا المتوالية القصصية فالقصة جنس أدبي لا يستقر على شكل واذا سايرنا رأي د.هناوي فيجب أن نلغي مصطلح قصة قصيرة من قاموسنا لانها جنس مائع. على أن سوزان لوهافر التي تعد أشهر المتخصصين بالقصة في عصرنا عدت هذا الشكل المراوغ للقصة القصيرة واحدة من أهم السمات الفنية للجنس وبنت عليه كتابها الشهير Coming to terms with the short story الذي أتمنى أن يقرأه كل مهتم بالقصة القصيرة.

 

ا. د. ثائر العذاري

 

رحيم زاير الغانممجموعة (الحب في زمن الطنطل) اختيارا

ان الأنواع الأدبية بمختلف أشكالها وأساليبها تمتلك القدرة على زجّ السخرية في مفصل من مفاصل النص ولكن قد تتفرد القصة القصيرة بالقيام بإنشاء نص سردي بمعمار ساخر معولا على القصر الذي تتسم به، مع تقبل المتلقي إلى هكذا خطاب حكائي، الذي قد لا نجد له مقبولية في الرواية الطويلة أو المتوسطة، وبذا تحقق القصة القصيرة أهدافها، لمبررات تطور الأشكال الأدبية، بشكل لافت، ومما لا شك فيه يمكننا عدّ هذا التطور دليل عافية في كافة مجالات الأدب.

لذا بمقدورنا عدّ القصة القصيرة من الأنواع الأدبية الخطرة لتماهيها ومتطلبات العصر، لما تتسم به من أحادية أو ثنائية ساندة من حيث الحدث والشخصية والمكان والزمن، وما قد تضفيه الموضوعة اليومية من ملامسة حياة شخصيات مغمورة وعدهم أبطالا من شأنها خلق الدهشة لدى المتلقي، فعندما تحرص القصة على تبني المهمل والذي يمكننا تصنيفه، على اعتبار انه مهمل لنسق اجتماعي معتاد، لا تعتبر إعادته إلى الواجهة ذا قيمة عند المتلقي العادي، لذا نجد القصة القصيرة تراعي هكذا موضوعات، بطريقة ساخرة، والسخرية ليست من باب التسطيح، بقدر كونها وعيا لموضوعات تلامس وجدان المتلقي الخبير الذي يراقب  تطلعات ومشاعر الإنسان التي تهدر لأدنى الأسباب، وهذا ما سيتم معاينته في أقصوصة، (دَين- الحب في زمن الطنطل- سجائر)، من مجموعة، (الحب في زمن الطنطل)، للقاص ضاري الغضبان.

1- القصة الأولى (دَين):

تعتمد قصة، (دَين) في معمارها السردي على حدث ولادة طفل بالدَين، الذي يتشظى إلى إحداث تدور في فلك واحد، الرابط الرئيس بينها موضوعة الدَين على اعتبار أنها موضوعة يومية، لارتباطها بالفقر والفاقة، إذ أضحت مديونية العائلة تتفاقم منذ زمن الولادة، تحديدا من أجرة القابلة، والاعتياد على اقتراض المئونة من الجيران، وتسرب العدوى لبطل القصة الطفل، في استدانة كرة القدم التي لا تعاد لأصحابها إلا بعد ثقبها، أو بشراء ملابس المدرسة بالأجل التي لا رغبة له في ارتيادها ليتركها سريعا، كي يتربى في حجر أبيه السائق، ك(سكن)، ليفقه أصول المهنة على أصولها ليس كسائق، بل أبن لمقترض حريف في عدم التسديد، في إشارة هامة لتعطيل دور الأسرة، المؤسسة الأم، نواة المجتمع وبذرته الأولى، في تقديم تربية صالحة، إذ إننا كمتلقين في مواجهة خطاب سردي صارم احتاج منا الوقوف في منتصف الحكاية، لنسأل من يا ترى المتسبب في التعطيل هنا المحيط المجتمعي وتشكيلاته الشعبية أم المؤسسة الرسمية، كي نحقق للمتلقي متعة الحياد أو لوعة الشراكة مع منظومة اجتماعية جعلت لمؤسسة السلطة اليد العليا في إشاعة الفوضى، وما لسكوتها إلا فعل العصا التي تتوكأ عليها لبسط خذلانها مرة وللاسترخاء من اللاجدوى في مرات عدة.

ويستمر القص بإهمال الوالد للحافلة وتراكم مبلغ إيجار البيت الذي لا يدفع، ثمَّ موته، وذهاب إلام إلى دار المسنين، إلا البطل/ الطفل، فأنه صار أكثر سعادة في دار سكنه الجديدة، حافلة والده بعدما صارت خردة، وبفضل عمال البلدية الذين سحبوها لطرف المدينة، غير مأسوف عليها، بيت سكن للوريث الوحيد، ومن سخريات القدر ان الطفل تقبل كلبة وجرائها من دون ان يطالبها بإيجار، كونه أكثر رأفة من البشر، فمهما عمدوا إلى هدم بنيانه داخليا، إلا انه أبى على إنسانيته ان تنصاع لحكم الغاب، ليحيا سعيدا في مكانه الجديد ومع رفقة أكثر وفاء.

2- القصة الثانية، (الحب في زمن الطنطل):

السرد في هذه الأقصوصة يبدو اخذ منحى مختلفا حيث أننا إزاء ثيمة الحب والفراق في ان واحد بزمن ممتد لأكثر من ثلاثين عاما الذي مهد لتعدد الأمكنة والأحداث، إذ تبدأ القصة بعودة، (سيماء) وأهلها من غربتهم، ثمَّ يبدأ الراوي العليم باسترجاع ما مضى/ الفلاش باك، كان حاضرا وبقوة في هذه القصة، مع تعدد الأشخاص، وتنامي الحوار ونشاطه في مشاهد دون غيرها، كل ما تقدم أعطى للقاص إمكانية توظيف أحداث الماضي وسحبها إلى منطقة الحدث الرئيسي، كونها أحداثا لا تقل شأنا عنه، مثل حدث ارتباطه ب(سيماء)عاطفيا وهو بسن قريبة من عقد العشرين من عمره، أو حدث التحاقه بالجيش، وما حدث اعتقال  والدها وعمها الذي اضطرهم للهجرة بحدث عادٍ، إلا أننا نرجح كفة عودة محبوبته سيماء كونه حدثا رئيسيا هاما يشتغل على الزمن الحاضر، فهو حدث تتشظى عنه أحداثا على الرغم مما تداخلت معها من مشاهد تبدو اعتباطية، إلا انه أفرز لنا كمتلقين مشهدا أخيرا استثنائيا وأخص جلوس، (غلوب) ابنة (سيماء) بقربه وهو يقود السيارة، الذي استنهض في داخله ما أهملته (سيماء) و(تماضر)، الفتى العشريني، الذي أحب فتاة عشرينية بعمر (غلوب) وجد فيها تقبلا لذاك الشاب العاشق الوله، موقظة ما أهمله ممن حوله من قبل ثلاثين عاما من أول بيت (أبوذية) لم يكتمل على يد سيماء، أو بعد الرجوع باهت المذاق،إهمال عانى منه أبا سامي، الذي يدرك تماما أن (غلوب) ليست اقل شأنا من والدتها في النكران، لكنه أحب ان يعيش اللحظة بقتل مؤقت لثرثرة سيماء وتماضر والطنطل.

3- القصة الثالثة (سجائر):

ان قصة (سجائر)، تقدم حدثا رئيسيا تدور في فلكه أحداثا فرعية لكنها جميعا في أفق سردي بخطاب أنساني واحد عن مرض البطل أستاذ هشام ومنع الطبيب إياه من التدخين، هذا الموضوع اليومي الذي يثير شجون وآلام من اكتوى بنار السيجار ولم تطاوعه نفسه من الإقلاع عنه، لكن البطل هنا تم له ما أراد لما أبداه صديقه، وزوجته/ أي زوجة أستاذ هشام، من توفير دعم لوجستي له، وفي تبادل للأدوار لم يعرفا قيامهما به إلا في لحظة مكاشفة لم تكتمل هي الأخرى،  في ترميم ما انكسر من ثقة بطل القصة في العودة للحياة عبر إرشادات الطبيب المتأخرة لترك أنيس عُمره، قد يبدو أقدم من أنس صديق وزوجة، فرغبته في مواصلة التدخين لم تنهه من تعجيل نهاية عمر لا بقية فيه، بمواصلة تعاطيه إياه.

نعم قد نهمل مثل هذا التعايش بين الإنسان وقاتله/ السيجار، جراء ما قد يبتلي به الجسد من أمراض، على تحمل نتيجة ارتشافة إضافية من سحبة واحدة لا علبة سيجار حتى، لكن بحسب ما نستشف ان الوصل ليس بسيحار بل بمحبوبة ورفيقة لوعة وفرح، أو لحظات تماهيهما و (استكان الشاي) أو (فنجان القهوة)، قدسية حري به الوفاء من أجل ديمومة طقوسها، بالعمر الذي يدرك أيامه المعدودات، قد يَهمل هكذا لحظات من استساغ أوامر الطبيب وجانب لحظات السمر بحرقة عقب سيجار يتكرر لفافات من رماد يسوقها الريح إلى مثوى رجل حكيم آثر الوفاء لأنيس الصبا والشباب والكهولة بعدما استشعر انه سيودع الحياة إلى مثواه الأخير وبرفقته ذكرى صديق وزوجة بعدما خبر أنهما من يحفظ الحب.

 

*رحيم زاير الغانم

 

رحيم الغرباويقراءة في مضامين ومضات ميرال يونس .

يبدو أنَّ الشعر يصور ما للعيان بظاهره، وكأن العبارات الشعرية  تنقل الواقع كما هو إلا أنَّ في الحقيقة كثيراً من الشعر يستبطن معاني مودعة في شعور صاحبه فيمثل الالتفاتات والطرافات التي يعقدها في شعره، لإيصال المتخفي الذي يمكن للقارئ الحاذق تأويل متجلياته وهذا مايستدعي ارتباطه بالرؤية الكشفية على وفق (رونيه شار) الذي يرى أن الشعر يمثل عنده عالماً يظل في حاجة إلى الكشف (1)، مما يحمِّل الناقد مسؤولية كشف المعاني المغيبة التي يتقصدها الشاعر، ليعبِّر بها عما ينوء بعواطفه وفكره، ليوصلها إلى متلقيه بتعبير جمالي محققاً المتعة فيه.

ولعل كل شيء يقف إلا القلب الإنساني المبدع الذي هو مصدر الأحاسيس والمشاعر الماكثة فيها الحقائق كما يرى هوسرل، والحقيقة الخالدة فيه " تقوم في ألَّا يستقر القلب في مستقر، ولايعني عدم الاستقرار سوى ديمومة الحركة وتوقفها، استمرارها وانقطاعها، مما تعطي لكلٍّ منها معناه " (2) ذلك أنَّ الحقائق مودعة في الشعور التي مصدرها القلب الذي يضمر في خابيته لوحات متعددة من المعاني التي يمكن أن يستنطقها المتلقي حين يترجم الشعور المتجلي في كلمات الشعر، لكن هناك فلسفات اهتمت فقط بالاستطيقا (الجمال) ولاسيما الشكلانيين الروس إذ كانت نزعتهم الفلسفية للفن " تبين أنَّ الصورة المثلى والدالة للعمل الفني إنما تتبدى فقط في قيمته الفنية والشكلية " (3) بوصف الفنان الحقيقي هو " الإنسان الذي يلمس بعينه، ويرى بيده ويفكر بأصبعه، إنه الذي يحتك بالعالم احتكاكاً مباشراً لا أثر فيه للمنفعة أو الفائدة العلمية، ومن ثم فأنه يملك ضرباً من العيان الجمالي للكون " (4)، لكن الذي نراه أن تحقيق المتعة الجمالية هي ليست في الأسلوب إنما في " رؤاه بدرجة أصيلة من درجات التناسق والتوافق والتوازن والذروة التي يستطيع أن يستقبلها المتلقي بوصف النص مشروعاً مشتركاً بين المبدع والمتلقي، فيكون المتلقي صاحب القرار الأخير في الحكم على جمالية النص " (5)

ولما كان الشعر هو من يعيِّن " لنا لحظة البدء بالتفاعل مع معطيات الوجود، ليحيلها إلى جمال مطلق "(6)، لذا فلابد من نظرة إلى الشعر هي ليست لشكلانيته فحسب، إنما أبسط ما يقال من أنَّ الشعر هو إحساس صادر من الذات الانسانية وعلى المتلقي أن يعي أنَّ الشعر هو ترجمان الشعور الذي تمكث فيه الحقائق، إذ  لايمكن أن يجتلبها الشاعر مباشرة كونها لا تعطي المعاني صورتها المباشرة، إلا في المراوغة معها لاستحصال دلالاتها بعد عرضها على الوعي .

ولعل الشاعرة السورية ميرال يونس قد نطقت بأحاسيسها عن كل ما يعتريها فترجمته بكلمات نثرية على شكل ومضات، بيد أنَّ صياغاتها تومئ بسمو الاحساس المزدحم بقناديل مشاعرها المتوهجة، إذ نراها تخاطب الحبيب الذي غدا بعيدا عن واحة واقعها، فصار يمثل لديها احتراقات شوق وغابات أشواك وهي تناديه بحلمها اليقظ، مؤسسةً به واقعاً شعرياً ينوء بظلال خفيفة من الرؤى لايمكن استنطاقها الا بالقراءة الفاحصة، ومن ذلك قولها:

أنا ووحدتي نتراقص ليلاً على أنغام الذكريات

نبكي تارةً

ونضحك تارةً،

أصحو منها بعينين مرمدتين بعد ليلٍ طويل

هو مضى، ولم تمضِ معه،

مضتْ من عالمه سُحباً

لكنها أبتْ أن تزول مني عبثاً  .

وكأنها تخاطب حبيبها وهي تعيش في دهماء الذكريات، تبكي تارة وتضحك من فجيعتها به تارةً أخرى، يدل ذلك عيناها المرمدتان، مشيرةً إلى أنَّ ذكرياته مضتْ كالسحب، والسحب حين تمضي لا يمكنها أن تمطر بإشارة إلى الرحيل من دون ترك أثر به منها، بينما الذكريات معها أبتْ أنْ تزول عبثاً، بل تركت أثرها وهي تتجرع آلآمها . ويبدو أن ميرال يونس تحاكي محنة الوطن الذي غابت منه الأماني والذكريات  الجميلة، بسبب ما تداخلت فيه الصراعات الإقليمية والاحتراب الداخلي، مما جعلها تعيش محنة الحزن عليه بدموع سخينة، بينما هي تضحك ساخرة من نزول القوى الكبرى بحججهم الواهية التي تبحث من مصادرة كل ماهو عريق في بلادها الكريمة المعطاء . ولعل تحليلنا لايبتعد عن حقيقة ما يبدو في شعورنا حين نعرض النص على وعينا، ونقطع كل ماهو قبْلي من فلسفة وأحاسيس  مع إبعاد صاحب النص ونحن نقرأ نتاجه، فالأشياء ذاتها لاتعرب عن ذاتها إلا كما يضعها الوعي، وهي تعرض عليه في أفعاله الواعية بذلك تصبح الأشياء ظاهرات فيه، أو ظاهرات تتقوَّم فيه ... فتصبح موضوعات الوعي معطيات من عطائه ذاته، ليعطيها في أنحاء محددة هي في الأساس أنحاء وعيه لها  (7) .

ويبدو أنَّ الوطن ليس وحده همّها، إنما أبناؤه النازحون عنه إلى بلدان الغربة أثر الحرب الدامية، فنراها تقول:

إنَّ لحظة الوداع تكسرُ القلبَ

وتطّوي جناحْ الأملْ

تسحقْ شيئاً في الأعماق ...

وتترك مجالًا رحباً لحنينٍ دائمْ

يظلّلهُ سؤالٌ ...

متى تعودْ ؟

فالصورة الأولية للنص على الرغم من  الصور التي رسمتها من خلال الاستعارات المكنية: (تكسر القلب، تطوي جناح الأمل، تسحق شيئاً في الاعماق، تترك مجالاً ... لحنين، يظلله سؤال)، مما يمنح النص سر جماليته لكن رؤيا الشاعرة تلوح إلى بعيد، وهي رحلة الأخوة والأحبة من أبناء البلد، وهم يبحثون عن ملاذٍ آمن، فنراها تطرح همومها التي مازالت لاتجد من يضمدها لاسيما ممن  تنتظره، لكنها تدعو الراحلين أن يعودوا وما غير الوطن يُعَدُّ موئلاً لأبنائه، فهو الحاضنة الكبرى للجميع، تقول:

أعلمُ أنَّك مرهقٌ ....

قد أتعبتْكَ الحياةُ،

لكن لديك ميناء سلام ...

تغفو به وكأنَّك وُلِدتَ خُدَّجاً .

فهي تخاطبهم خطاب الحبيبة للحبيب، فتبعث رسائلها لهم، كونهم قد تعبوا وسئموا الحياة، لكنَّها تستدرك أنَّ كلَّ منهم لديه ميناء سلام هو الوطن، فحين العودة سيشعر كلُّ واحدٍ منهم كأنه وُلِدَ خُدَّجاً، كناية عن بداية حياة جديدة يعمها الأمن ويستقر بها السلام .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

...........................

(1) ينظر: معارج المعنى، عبد القادر فيدوح: 121

(2) حكمة الروح، د. ميثم الجنابي: 274

(3) الفلسفة الغربية المعاصرة، مجموعة من الأكاديميين العرب: 1173

(4) دراسات في الشعر والفلسفة، د. سلام الأوسي: 54

(5) المرجع نفسه والصفحة نفسها .

(6) الرؤى الفلسفية  في الشعر العراقي الحر، بشير عريعر: 251

(7) ينظر: مدخل إلى الفلسفة الظاهراتية:67 .

 

معراج احمد الندويإن الرواية التاريخية هي الرواية التي تنطق من أحداث وذوات حقيقية مختلفة وتشكل جزءا من تاريخنا وماضينا. فالرواية التاريخية تقوم على بنية زمنية تاريخية تتشخص في فضاء تاريخي يمتد من الماضي وحتى اللحظة الراهنة أو القادمة. تثير الرواية التاريخية الحاضر وترتبطه بالماضي الخالد في رؤية فنية شاملة اعتمادا على الفن روعة الخيال وصدق الحقيقة. يحاول الأديب في نسيج الفن ويعتمد على كل من ما يدور في خلده ووجدانه ويندفع للترجمة عن مشاعره والتعبير عن أحاسيسه ثم يصوره تقنية مما يجعل إنتاجه صورة صادقة عن نفسه وفكره وعواطفه ويتحول العنصر التاريخي إلى العنصر الأدبي.

ظهر في العصر الحاضر عدد كبير من الأدباء و الشعراء لهم اسهامات في مجال الشعر والقصة والرواية والمسرحية ومنهم علي أحمد باكثير الذي هو الأديب الأروع والشاعر المبدع. تميز أدبه وشعره بالخصائ الفنية والعقلية والنفسية كما تتميز بوضوح تام في الأسلوب والموضوع. تأثر هذا الأديب البارع والشاعر المطبوع في كتاباته بالتصور الإسلامي فجعل الفكر الإسلامي فلسفة لأدبه ومنهجا لحياته. استطاع أن يبرز من خلالها الفكرة الإسلامية والقيم الخلقية في أدبه في صورة فنية ممتعة. تدل آثاره من الشعر والقصة والرواية والمسرحية على سعة ثقافته وكثرة اطلاعه واتساع أفقه ورحابة فكره بالجد والمثابرة بحيث يعتبر من أكبر كتاب الرواية التاريخية من منظور إسلامي في الأدب العربي المعاصر.

مولده ونشاته:

ولد هذا العبقري في اندونسيا في مدينة سورابا عام1910م لأبوين يمنيين من حضر موت في أسرة محافظة ملتزمة. ولما بلغ العاشرة من عمره ارسله أبوه إلى موطنه الأصلي حضر موت. تعلم هناك العلوم الشرعية في المعاهد الدينية ونشأ نشأة إسلامية على أيدي المؤدبين العرب الذين يلقونه حب العربية ويسقونه عشق الإسلام. درس الإسلام من ينابيع الأصلية دراسة عميقة. فكان يطمع أن يكون فقيها في اوائل عمره ولكن سرعان مالت رغبته إلى الأدب وظهرت مواهبه الأدبية مبكرا فبدأ يقرض الشعر وهو في الثالثة عشر من عمره.[i] وفي عام1934م سافر إلى مصر والتحق في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الأداب في جامعة فؤاد وتخرج فيها عام1939 ثم دخل معهد التربية للمعلمين وحصل على شهادة الدبلوم في التربية والتعليم عام1940م.[ii] وفي نفس السنة تم تعيينه كمدرس في مدرسة الرشاد بالمنصورة وهكذا بدأ حياته المهنية بالتدريس. استمر هذه الوظيفة حوالى أربعة عشر عاما بالمنصورة وسبعة أعوام بالقاهرة. ثم انتقل إلى مصلحة الفنون قسم الرقابة على المصنفات الفنية في وزارة الثقافة.[iii] قضى باكثير ردحا من الزمن مؤظفا وزارة الثقافة ثم أصبح مدير المكتب الفني للرقابة على المصنغات الفنية. تزوج من عائلة مصرية محافظة. قامت صلته برجال الفكر والأدب فيها أمثال: العقاد والمازني و شكري ومحب الدين الخطيب ونجيب محفوظ وصالح جودت. وفي ذلك الأثناء هبت ريح الإيمان بظهور حركة دعوة الإصلاح في العالم العربي على أيدي مصلحين كبيرين جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده. تأثر علي أحمد باكثير من أفكار هذين المصلحين وكرس حياته أن يخدم الإسلام والأمة الإسلامية من خلال فكره وأدبه. وجد أن في حضر موت لم يتيح له الجو المناسب لتحقيق طموحاته فبدأ يفكر إلى مكان آخر من هنا يرتفع صوته وإيصاله في كل ناحية من العالم العربي والإسلامي، إذ توفيت زوجتها التي كان يحبها حبا جما كأن القدر كان يهيئ له الظروف فغادر حضر موت إلى عدن حيث أقام في عدن [iv] لعام وزار الصومال والحبشة حيث أنشد وخطب وكتب عن خلجات قلبه والتقى برجال الفكر والدعوة، ثم قصد لزيارة الحرمين الشريفين فسافر من عدن إلى جدة عن طريق البحر الذي استغرق عاما. وعندما وصل في المملكة العربية السعودية نشرت جريدة "صوت الحجاز" خبر وصوله في عدد الأثنين1932م في الصفحة الأولى بعنوان" وصول شاعر حضر موت الأكبر". قامت صلاته مع سعود وفيصل الملكين فيما بعد ثم وغادر الحجاز بحرا عبر ميناء ينبوع على الباخرة في عام 1934م، وفي هذه المرحلة أخرج تراثا أدبيا من أهمه ديوان شعري بعنوان "صبا نجد وأنفاس الحجاز" ومحاضرات مذكرات ومراسلات مع الأدباء. تكرمت المملكة العربية السعودية وتقدمت له التقدير والإعجاب.[v] توفي باكثير في مصر في العاشر من نوفمبر عام 1969م إثر أزمة قلبية ودفن بمدفن الإمام الشافعي. خلف هذا العبقري بحرا من الأفكار الرائعة والخواطر البديعة الذي ضمنها دواوينه الشعرية ورواياته التاريخية ومسرحياته الشعرية ومسرحياته النثرية كما ترك لنا هذا الشاعر العظيم والأديب الكبير ست روايات وتسع مسرحيات شعرية وحوالي خمس وأربعين مسرحية نثرية.

من آثاره الخالدة:

تنوعت مواهب باكثير الفنية وتعددت إنتاجاته الأدبية والفكرية بين شعر والقصة والرواية والمسرحية. وهذا التنوع يؤكد أنه قدم في أدبه ألوانا متعددة وأنماطا مختلفة من أشكال التعبير الأدبي من شعر غنائ ورواية تاريخية ومسرحية شعرية ومسرحية نثرية. وكلها تختلف في المضمون والشكل وتميز عن الآخر في الأسلوب والبيان. ومن أهم رواياته: سلامة القس، وا إسلاماه، ليلة النهر، الثائر الأحمر، سيرة شجاع، الفارس الجميل،

صبّ علي أحمد باكثير اهتمامَه على التاريخ الإسلامي في أوطانه المتعدِّدة بما احتوى من صِراعات سياسيَّة واجتماعيَّة.واتَّصف باكثير بعدَّة صِفات جعلَتْ منه رائدًا للرواية التاريخيَّة الإسلاميَّة فهو مُتعدِّد المواهب، غزير الإنتاج، صاحب رسالة.كان ملتزمًا بالقِيَم والمبادئ الإسلاميَّة مع المحافظة على النواحي الفنيَّة فقد جمَع بين الالتِزام والفن في مزيجٍ جميل بديع حتى أصبح رائدًا للاتِّجاه الإسلامي في الرواية التاريخيَّة العربيَّة.

"سلامة القس" أصدر هذه الرواية في عام 1944م. وهي رواية تاريخية تحكي قصة حب عذري بين عبد الرحمن القس والمغنية سلامة. ويدور الصراع فيها بين التقوى والهوى وأخيرا تغلب التقوى على الهوى. فلا عجب أت يختار باكثير من التاريخ الإسلامي هذا الموضوع يمثل فيه الحب العذري العفيف في قصة سلامة. ينتقل محور الصراع بأحداث من المثالية الرومانسية إلى الواقعية الإسلامية. ولعل هذه المعالجة الواقعية للقصة الرومانسية في هذه الرواية كانت وراء اختيار إخلراجها للسنيما في فيلم غنائ يحمل عنوانها طار به شهرته . ولا يزال فيلم " سلامة يعرض إلى اليوم.

"واإسلاماه" أصدر هذه الرواية عام 1944م. وهي رواية تاريخية تناول الكاتب فيها فترة حساسة من التاريخ الإسلامي تعرض فيها العالم الإسلامي لهجمة شرسة من التتار القادمين من الشرق والصلبيين القادمين من الغرب. تبين الرواية شر الكفار عن هذه البلاد الإسلامية، وتلك العزيمة الراسخة للنضال التي كامنة في قلوب المسلمين المخلصين. تقف الرواية على سيرة البطل المسلم سيف الدين قطز قاهر التتار وتقص قصة خاده كأروع ما تكون سيرة المجاهدين. إن الرواية تجلو صفحة رائعة من صفحات التاريخ الإسلامي كما تقدم نموذجا مشرقا للعالم العامل في الشيخ العز بن عبد السلام الذي نهض بمسؤولياته كقيادة روحية للأمة الإسلامية . فصانت الامة وعصمت تراث الإسلامي . 

"ليلة النهر" أخرج باكثير هذه الرواية عام 1946م. وهي رواية خيالية تناول فيها حياة الموسيقار المصري المعروف فؤاد حلمي. صور فيها علاقة الحب بين بطل الرواية فؤاد حلمي وأحسان ولكنه لا يسمح بطله بالاستهتار واحتساء الخمر. تدور أحداثها عن قصة حب نقي رعاه الصباء بطهره وبراءته. ونما الشباب باندفاعه وطموحه الوثاب،حب تفجر في قلب شاعر موسيقي شاب، فأجاد بشعر رقيق رائع، ولكن الشباب يصطدم بعقبة طأدء تحول بينه وبين الزواج من حبيبته. تتلخص قصة ليلة نهر هي أن فؤاد حلمي بطل الرواية فقد أباه وهو كان طفلا صغيرا فرعاه أمه. كان يسكن في بيت صغير في حي المنيل حيث تعرف على فتاة اسمها إحسان التي فقدت أباها أيضا وكانت تسكن مع خالها ضياء الدين، وهناك وقع الحب بينهما ولكن سرعان انتقل خالها إلى مكان آخر فانتقلت معها. ولكن يتبادل الحب بينهما. وكان فؤاد حلمي يحلم بها حتى جاء الخبر الذي انكسر أمله وهو أن خالها فضل عليع شابا آخر ليس له من المؤهلات إلا أنه ابن أحد أصحاب الثراء . فحزن فؤاد حلمي حزنا شديجا حتى مات من أجلها.

"الثائر الأحمر" أصدر هذه الرواية عام 1948م. وهي رواية تاريخية تحكي قصة الصراع بين الرأسمالية والشيوعية وانتصار العدل الإسلامي عن طريق ثورة القرامطة. يقسم علي أحمد باكثير هذه الرواية إلى أدوار أربعة. ولكل دور في الرواراية طبيعة خاصة في بنائها من سرد الأحداث والوقائع. وفي بداية كل دور من الأدوار الرواية يحاول الكاتب أن يثبت آية قرآنية بكل وضوح وصراحة على مقتضى الموضوع مما يجعل النص القرآني ذا صلة وثيقة بالبناء الروائي على سبيل المثال قد وضع على الضفحة الرئيسية الأية القرانية "و إذا أردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيا ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا"[vi] والجدير بالذكر أنه يبدأ كل دور هذه الرواية بالآيات القرآنية.

"سيرة شجاع" أخرجها في عام 1056م. وهي رواية تاريخية تدور أحدثها حوا آخر أيام الحكم الفاطمي وبداية الحكم الأيوبي في مصر. تكشف الرواية بشكل درامى شخصية ضرغام التى كانت غامضة لدى عامة الشعب رغم وفائة و إخلاصة الشديدين حتى أن شجاع فى نهاية المطاف يتمنى أن يكون إبن ضرغام الذى يراه الناس خائن وقاس ولا يكن إبن شاور الذى بإسلوبة العذب و كلامة الملتف يكسب تأييدهم .

"الفارس الجميل" وهي رواية تاريخية أصدرها عام 1965م. تحكي هذه الرواية عن الصراع بين العاطفة والواجب في نفس مصعب بن زبير. يرسم باكثير في هذه الرواية صورة أخرى للصراع من أجل المصالح الشخصية والتوسيع في السلطة على حساب وحدة الأمة ومصلحتها الحقيقية. اختار موقف من تاريخ الصراع بين بني أمية وبني هاشم، وبين خلفاء معاوية بن أبي سفيان ومثلهم عبد الملك بن مروان، وخلفاء علي بن أبي طالب ومثلهم عبد الله الزبير وأخوه الفارس الجميل مصعب بن الزبير الذي هو بطل الرواية. أظهر على أحمد باكثير براعة في السرد والتخيل والتحليل لشخصية البطل، ورغم ذلك لا أستطيع تصنيفها بالقصة التاريخية حتى وإن اعتمدت في مادتها الأساسية على هذا الحدث التاريخي الضخم، لأن الهدف منها ليس قص لأحداث تاريخية بقدر ما هو تخيل لحورارات وصراعات البطل الداخلية على عدة مستويات اجتماعية وسياسية ونفسية.

 نتيجة البحث: إن اعتماد الرواية التاريخية على الحدث التاريخي لا يعني أنها تعيد كتابة التاريخ بطريقة روائية فحسب، بل ترتبط صلتها بالتاريخ للتعبير عما لا يقول عنها التاريخ. وهي نتيجة امتزاج التاريخ بالأدب الحاضر، يصوغ فيها الكاتب صياغة جديدة لا أن ينقلها كما حدث في التاريخ، وإنما يستمد من التاريخ مادة للرواية عملا مشروعا.[vii] قد فعلت روايات باكثير بعناصر إبداعية متنوعة وعالجت قضايا مهمة تتعلق بالفرد والجماعة. تظهر في رواياته جرأته الفنية في تطوير الشكل والمضمون وفي تقديم صياغة جديدة لم تعهد روايات من قبله ولم يسبق إليه أحد من الكتاب. لقد حاول علي أحمد باكثير من خلال هذه الروايات التاريخية لإفهام التاريخ الإسلامي والتبصر فيه والاتعاظ به والاستفادة منه إحياء التراث الإسلامي وإعادة القيم الخلقية والمثل العليا التي ازدهرت في ظل الإسلام. قد أبدى رؤيته مستلهما من أحداث التاريخ الإسلامي وأبطاله مشيرا إلى أحداث الواقع وشخصياته البارزة.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية- كولكاتا- الهند

....................

 الهوامش:

[i] عبد الله الخطيب: روايات علي أحمد باكثير في الروئية والتشكيل، ص 17

[ii] علي أحمد باكثير في حضر موت: محمد أبو بكر حميد، مجلة الأدب الإسلامي ص 14-21

[iii] Omotos, Ali Ahmad Bakathir, a contemporary conservative Arab writer- An appraisal of his main plays and novels , P 28

[iv] السومحي، علي أحمد باكثير: حياته و شعره الوطني والإسلامي، ص 34

[v] المصدر السابق: ص 40

[vi] سورة الإسراء رقم الآية 16

[vii] عبد الفتاح الحجمري: هل لدينا رواية تاريخية، مجلة فصول،ج، 2، ‘ 16 ص، 62 عام 1995

 

كريم مرزة الاسديبيتٌ من الآدابِ أصبح نصفهُ***خرباً وباقي نصفه فسيخربُ

ماتَ المبردُُ وانقضتْ أيامهُ** ومع المبردِ سوف يذهب ثعلبُ

وأرى لكم أن تكتبوا ألفاظـــهُ*** إذ كانت الألفاظ فيمــا تكتبُ

لا نريد الخوض في المسائل النحوية، والخلاف الدقيق بين المدرستين، وإبداء وجهة نظرنا الخاصة فيما دهبوا إليه أصحابهما، وفلسفة التوجهات الخلافية والتوافقية بينهما تركناها لكتابي ( نشأة النحو العربي ومسيرته الكوفية / مقارنة بين النحو البصري والنحو الكوفي) مع وجهة نظرنا ورأينا والترجيح المأمول ما في عقلنا حول العقول؛ وإنما الآن كعادتنا في بقية الحلقات نروم إلقاء نظرة على جهود عباقرة العرب وأفذاذهم وتفانيهم في سبيل إعلاء رفعة لغتنا الجميلة، لأن اللغة هي وجه الأمة المعبر عن حضارتها وثقافتها وشموخها! فالموضوع ثقافي بنفحات علمية نحوية لكي لا يتجشم العناء القارئ الكريم، وبتصرف غير قليل .

لما عاد المازني شيخ البصريين بعد أن سأله الخليفة الواثق عن سرِّ(رجلاً) في غناء جاريته، ظهر شيخ الكوفيين أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الملقب (ابن السكيت)، كان معلماً للصبيان في قرية (دورق) بخوزستان، ويرجح بروكلمان أنه آرامي الأصل، والرجل درس على الفرّاء، وأبي عمرو الشيباني، وابن الأعرابي من الكوفيين، كما أخذ عن الأصمعي وابن عبيد الأترم من البصريي، وألتقط اللغة من أفواه الأعراب (1). وكانت مصنفاته الكثيرة مضرب المثل في الجودة والإتقان والثقة، وقيل ما عبر على جسر بغداد كتاب في اللغة مثل (إصلاح المنطق)، وعرف عنه إمام بنحو الكوفيين، وعلم القرآن واللغة والشعر، راوية ثقة ، وقد عدو علم الكوفيين منتهياً إليه وإلى ثعلب(2)، وقال عنه ثعلب:

" أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الإعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت " (3)، وكان المتوكل قد ألزمه تأديب ولده المعتز بالله، وبعد تأديب هذا غدر به المتوكل وقتله على سبب لا يعقله عاقل، وتناقله المؤرخون؛ إذ أمره " بشتم رجل من قريش، فلم يفعل، وأمر القرشي أن ينال منه، فنال منه، وأجابه يعقوب.

فلما أجابه، قال له المتوكل: أمرتك أن تفعل، فلم تفعل؛ فلما شتمك فعلت، وأمر بضربه، فحمل من عنده صريعاً مقتولاً (244 هـ / 858 م)، ووجه المتوكل من الغد إلى بني يعقوب عشرة آلاف درهم ديته"(4)، هذا هو قضاء وقدر ابن السكيت أمام المتوكل.

لماذا يشتم رجلاً لم يشتمه؟!

وما الحكمة في هذا الشتم المبتذل ؟! لولا الأمر دّبر بليل - إن صحت رواية ابن الأنباري الكبير! - ولما نال هذا القرشي منه، من المروءة أن يرد عليه؛ بل يرد الصاع صاعين، لإمتناع ابن السكيت عن سبّه أولاً، ولرد الشتيمة بالمثل ثانياً، فما بال المتوكل يقتله صريعاً، وهو الذي أمره بتأديب (معتزه)، وأين... وما جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! وعلم ذلك وحسابه عند ربك، وهنالك رواية أخرى ينقلها (السيوطي) في (بغية وعاته)(5)، عكفنا عن نقلها لما تتضمن من دوافع طائفية، لا تصلح في هذا العصر المفترض أن نكون أكثر وعياً وإنسانية - إن صحت الرواية أيضاً - .

والحقيقة منذ عهد الواثق وقدوم المازني إلى بغداد كما ذكرنا، أحدث تحولاً هاماً في تاريخ المدرستين من حيث التنافس على بغداد وقصورها، وتحقيق الأمتيازات، فقد بدأت الكفة تميل الآن إلى جهة البصريين، وأصبحت ثقة بغداد تزداد بهم على حساب الكوفيين، وخصوصاً بعد وفاة ابن الإعرابي (231 هـ / 846م)، ومقتل ابن السكيت؛ إذ أخذ الخلفاء يستدعون البصريين للتحكيم في المسائل النحوية واللغوية، وممن استدعي (المبرد) البصري إلى (سر من رأى) سامراء حيث مقر الخلافة حين ذاك، ثم إلى بغداد من قبل صاحب شرطتها، ولكن اقتراب المازني في أرائه من الكوفيين، واقتربَ الكوفيون أيضاَ منه لكثرة مادار من مناظرات جعلت كلّ فريقٍ يتمعن ويتبصر ويعيد النظر في آراء الفريق الآخر (6) .

............

والمبرد هوأبو العباس محمد بن يزيد ينتهي نسبه إلى الأزد من ثمالة (211 هـ - 285 هـ / 826 - 898م )، إمام البصريين في عصره، تلميذ أبي عثمان المازني وأخذ عن أبي عثمان الجاحظ،، وأبي حاتم السجستاني، وحضر مجالسه.

ونهل من علمه كبار علماء النحو واللغة والأدب، أمثال الزجاج والصولي ونفطويه وابن السراج والأخفش الأصغر وأبي الطيب الوشاء وابن المعتز العباسي وغيرهم.

تنافس هو وثعلب إمام الكوفيين الآتي ذكره في عصرهما، وقد سئل النحوي الشهير (أبو بكر بن السراج)، صاحب كتاب (الأصول في النحو)، أيهما أعلم المبرد أم ثعلب؟ فأجاب: " ما أقول في رجلين العالم بينهما ." (7)

وللمبرد عدة مؤلفات أشهرها: (الكامل في اللغة والأدب)، وهو من أشهر كتب أدب العرب على مدى تاريخهم، عدد مجلداته وصلت ثمانية في بعض الطبعات، مدحه ابن الرومي بقصيدة طويلة (98) بيتاً:

أضحت الأزد وأضحى بينها *** جبلاً وهي رعانٌ وريود

ويميناً إنك المرء الذي *** *حبه عندي سواء والسجود

والبحتري الأشهر في عصره والمتنفذ - وهو طبعاً من معاصريهما - داعيا لأخذ العلم منه، فهوالكوكب المسعود:

نال ما نال الأميرُ محمد *** إلا بيُمن محمـد بـــــن يزيــدِ

وبنو ثمالةَ أنجمٌ مسعودة** فعليك ضوءُ الكوكب المسعودِ

واضح (محمد بن يزيد)، وهو من ثمالة، يعني به المبرد، ولابد أنه كان يدرّس الكثير من أبناء الملوك.

وأكرر مرة أخرى هذا المبرد الكبير هو الذي قبل يد دعبل، ونقل عنه رواية رائعة، باعتراف ابن المعتز العباسي؛ وهو أيضاٍ ابن خليفة وشاعر وناقد كبير عاصرهما .

....................

وكان (ثعلب) الكوفي موازياً للمبرد في العلم والشهرة والمكانة، ثعلب أيضاً كنيته أبو العباس، وهو أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني إمام الكوفيين في النحو واللغة ( 200 هـ - 291هـ /815م - 903م)، ولد في بغداد ونشأ وتوفي فيها إبان خلافة المكتفي؛ ولكن مدرسته النحوية كوفية خالصة، والدكتور المخزومي يقول: "أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب ثالث ثلاثة قامت على أعمالم مدرسة الكوفة النحوية، وهو بغدادي المولد والمنشأ، وكان شيبانياً بالولاء " (8)، أما الآخران فهما الكسائي والفراء، وأخذ ثعلب عن محمد بن زياد الإعرابي، وعلي بن المغيرة الأثرم، ومسلمة بن عاصم، ومحمد بن سلام الجمحي وغيرهم.

وأخذ عنه أبو الحسن علي بن سليمان (الأخفش الأصغر)، وابن عرفة وابن الأنباري، وكان ثعلب ثقة ديناً مشهوراً بصدق اللهجة والمعرفة بالغريب، ورواية الشعر، قال عنه المبرد "أعلم الكوفيين ثعلب " (9)، مقدماً على الشيوخ وهو حدث، وعلى ما يبدو مما ذكر تستشف، إنه غير ميال للمناقشة والتحاور والمجادلة مع المبرد؛ ولكنه خطيب في المحاضرات بشكل عجيب، ربما بديهته، وكثرة معلوماته، لا تساعدانه على الرد السريع؛ ولكنه سريع الحفظ ، خطيب من الطراز الأول، فهو يصلح للمحاضرات، لا الأخذ والرد السريع - والله أعلم- .

ةيحدث التاريخ: إنّ أبا جعفر أحمد ابن إسحاق البهلولي القاضي الأنباري وأخاه البهلول " دخلا مدينة السلام في سنة خمس وخمسين ومائتين، فدارا على الخلق يوم الجمعة، فوقفا على حلقة فيها رجل يتلهب ذكاءً، ويجيب على كلّ ما يسأل عنه من مسائل القرآن والنحو والغريب وابيات المعاني، فقلنا من هذا ؟ فقالوا: أحمد بن يحيى ثعلب ." (10)

إذاً كان ثعلب يتلهب ذكاءً؛ ولما مات المبرد، وقد أوردنا سنة وفاته قبل ثعلب، وقف رجل في حلقة ثعلب وأنشد:

بيتٌ من الآدابِ أصبح نصفهُ***خرباً وباقي نصفه فسيخربُ

ماتَ المبردُ وانقضتْ أيامهُ** ومع المبردِ سوف يذهب ثعلبُ

وأرى لكم أن تكتبوا ألفاظهُ*** إذ كانت الألفاظ فيمــا تكتبُ (11)

يتبين مدى أهمية اللغة إبان تطور الحضارة العربية، وعندما تزدهر الأمة تزدهر في جميع أتجاهاتها، ثم ركز على عجز البيت الثاني والتمييز بين الكلام المكتوب ولفظ الكلام المنطوق حيث يتجسد غفى هيئة نبرات وموجات وترددات وتعبيرات وإشارات وانفعالات، فالحق مع الشاعر؛ إذ يقول (إذ كانت الألفاظ فيما تكتب).

بالرغم من قوة حفظه المشهور - وأقصد ثعلباً- كان يأخذ الكلام على عدة وجوه، بارعاً في التعليل يذكر بلسانه:" كنت أصير إلى الرياشي لأسمع منه، فقال لي يوماً، وقد قـُرئ عليه:

ما تنقمُ الحربُ العوان مني***بازلُ عامين صغيرٌ سنـّي

كيف تقول: بازلُ أو بازلَ ؟ فقلتُ: أتقول لي هذا قي العربية؟ إنما أقصدك لغير هذا، يروى بالرفع على الآستئناف، والنصب على الحال، والخفض على الأتباع فأستحيا وأمسك " (12) .

وهذه الحادثة التي وقعت بين ثعلب الكوفي مدرسة، والرياشي البصري سبقت سنة (259 هـ / 871م)؛ لأن أبا القضل عباس الرياش، وكان أسود قتل في ثورة الزنج في السنة المذكورة سابقاً، وهو من جذام ، له (كتاب الخيل) و(كتاب الأبل)، وهذا (ثعلب) كان مقتراً على نفسه، فجمع ثروة، وله عدة مؤلفات: المصون في النحو، معاني القرآن، اختلاف النحويين، معاني الشعر... نكتفي بهذا القدر الذي يعفيك من الضجر، ويريحني من السهر، ولله من قبل ومن بعد الأمر !!

 

كريم مرزة الأسدي

.....................

المراجع والمصادر بلا أرقام الصفحات.

(1) راجع (نزهة الألباء ..): ص، و(مراتب النحويين): ص، و(وفيات الأعيان): ج2 ص (بولاق )، (الدراسات اللغوية...) د. محمد حسين آل ياسين ( مكتبة الحياة - 1980م - بيروت) كلها م . س من كتابنا (نشأة النحو العربي ومسيرته الكوفية / مقارنة بين النحو البصري والنحو الكوفي) .

(2) راجع (آل ياسين): المصدر السابق.

(3) (مراتب النحويين): المصدر السابق.

(4) ( نزهة الألباء): ص م , س .

(5) (بغية الوعاة ): السيوطي عبد الرحمن مطبعة عيسى الحلبي 1965م - القاهرة .

(6)(المدرسة البغدادية ): ص م . س.

(7) ( إنباه الرواة)ج1 ص م . م .

(8) (مدرسة الكوفة ..): د. مهدي المخزومي ط2 - 1958 - ط 2 - مصر.

(9) (نزهة الألباء): ص م. س .

(10) (طبقات النحويين واللغويين): ص م. س . ترجمة محمد بن قادم.

(11) (إنباه الرواة): ج 1 ص م . س.

(12) (بغية الوعاة): ج 1 م. س.

 

عدنان حسين احمدمن روايات "القائمة القصيرة" لجائزة "بوكر" العربية

تتعالق رواية "شمس بيضاء باردة" لكفى الزعبي الصادرة عن "دار الآداب" ببيروت مع "ملحمة جلجامش" وتستحضرها كنصٍ دراميّ موازٍ بثيماته وشخصياته الرئيسة، كما تتلاقح مع كتب أخرى يعرفها القارئ المتابع مثل "تاريخ الجنون" لميشيل فوكو، و"أسطورة سيزيف" لألبير كامو، و"الجريمة والعقاب" لدستويفسكي وغيرها من الكتب الأدبية والفكرية التي تركت بصمتها الواضحة على القرّاء والمتلقّين في مختلف أرجاء العالم، لكن هذه التعالقات الأسطورية، والتلاقحات الفكرية برمتها لم تمنع من تدفق النص السردي الذي اجترحته الروائية كفى الزعبي من الواقع الأردني الذي لا يختلف كثيرًا عن واقع الدول العربية الأخرى التي تفتقر إلى الحرية، والمواطنة، وحق العيش الكريم.

حين صدرت هذه الرواية عام 2018 منعتها الرقابة الأردنية لكنها سرعان ما تداركت الأمر وسمحت بنزولها إلى المكتبات لأنها تعرف جيدًا أنّ وسائل التواصل الاجتماعي كفيلة بإيصالها إلى كل القرّاء الذين يتحرّقون شوقًا لقراءة الكتب والروايات المحظورة التي تحجبها الدولة وتمنع تداولها في الأسواق.

قبل الولوج في تضاعيف هذا النص السردي الجريء لابدّ من الإشارة إلى أنّ كفى الزعبي قد أصدرت خمس روايات ناقشت فيها ثيمات حسّاسة، ففي رواية "سقف من طين" تعود إلى سيرتها الذاتية لتنهل من سنوات الطفولة والصبا والشباب أفكارًا لما تزل تتردد في حياتها. وفي رواية "عُد إلى البيت يا خليل" تُحيطنا علمًا بمعاناة الإنسان الفلسطيني الذي يرزح تحت ظل الاحتلال الإسرائيلي، أما في رواية "ليلى والثلج ولودميلا" فقد تناولت فيها الأنا العربية والآخر الروسي، بينما ركّزت في "ابن الحرام" على السلطة الأبوية والسياسية، فيما تمحورت رواية "س" على الصورة النمطية للمرأة التي يرى فيها المجتمع العربي كائنًا هشًّا، وضعيفًا، وناقصًا لا يكتمل إلاّ بوجود الرجل.

لم تبتعد الرواية السادسة التي نحن بصدد دراستها وتحليل خطابها السردي عن مجمل الثيمات والمفاهيم والأفكار التي وردت في رواياتها السابقة لكنها ركزت على البطل السلبي، المأزوم الذي تُفضي به حياته السوداوية إلى الجنون، كما يدفع الفقر، واليأس، وشظف العيش بصديقه أحمد إلى الانتحار بطريقة مروّعة حين ينحر نفسه بسكين حادة يقطع فيها رقبته من الوريد إلى الوريد.

لم تتبّع الروائية نسقًا تصاعديًا في السرد وإنما تبدأ من نهاية الحكاية تقريبًا، إذ تقدِّم لنا بطلها الإشكالي بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى، فهو قروي من أصول بدوية يسكن في قرية لم تُسمّها الكاتبة كي توسّع دلالتها إلى كل القرى الأردنية، ولديه أسرة تتألف من أمه وأبيه اللذين لم تُسمّهما أيضًا، وشقيقه الأكبر فهد، وأخته نوال. لو تتبعنا البطل "راعي" لوجدناه يحب القراءة، ويقتني الكثير من الكتب التي أفسدته لأنها جعلته "مُلحدًا وزنديقًا وفاشلاً" كما يعتقد الوالد، وأكثر من ذلك فقد جعلته معزولاً ومتوحدًا لا يشبه الناس الآخرين فهو يعتقد إنه ولِد من أجل تحقيق غايات عظيمة كما تصوِّر له مخيلته المجنّحة لكنه في واقع الحال ليس أكثر من متشرّد، بائس، يقترض النقود من أصدقائه القليلين، ويعاقر الخمرة، ويبحث عن أجوبة شافية لأسئلته الوجودية لكنه لم يعثر عليها في الكتب الأدبية والفلسفية التي يقرأها.

لعل أولى تعالقات هذه الرواية تحدث مع ملحمة جلجامش، فـ "راعي" يتقمص شخصية "أنكيدو"، و"عائشة" الفتاة المسكينة البلهاء تمثّل دور "البغي المقدسة"، وزوجة صديقه أحمد تلعب دور "عشتار"، وصاحبة الحانة تُحيلنا إلى "سيدوري"، أما الأب المستبد فهو مهموم بنهب ممتلكات الآخرين والسيطرة عليها خلافًا لمنظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية التي تربّى عليها في القرية أو استمدها من البادية. وعلى الرغم من التناقض الصارخ بين الابن وأبيه إلاّ أن كليهما يقترف أخطاءً جسيمة حين تزورهما عائشة وأمها التي تذهب ضحية حادث سير وتترك ابنتها البلهاء نهبًا للأقدار، وبينما ينهمك الأب في سرقة مصاغها الذهبي، والاستيلاء على حقها الشرعي في البيت والأرض الزراعية، يستجيب "راعي" لإغراءاتها الجنسية فيزرع جنينه فيها ليضع العائلة أمام محنة لا منجاة منها إلاّ بإسقاط الجنين أو التخلّص من عائشة، فيُوسعها الأب المتوحش ضربًا مبرحًا حتى يموت الجنين في بطنها فتفارق الحياة.

تتفاقم الأحداث حين يبدأ "راعي" بارتياد المكتبة العامة في جبل عمّان ويقع في حُب امرأة جميلة وسوف يكتشف لاحقًا أنها زوجة صديقه أحمد الذي انتحر لأنه لم يعد قادرًا على تلبية احتياجات الأسرة ودفع إيجار المنزل لضيق ذات اليد فيضع حدًا لحياته تاركًا زوجته الجميلة في مواجهة عبث الأقدار في مجتمع لا يوفّر فرص العمل لأبنائه الخُلّص الذين يملؤون المقاهي والحانات.

يُنقَل "راعي" من عمّان إلى مدرسة أخرى في محافظة الزرقاء القابعة على حافة الصحراء، ويستأجر بمساعدة صديقه أحمد غرفة في شقة المهندس مازن فتتشظى الأحداث وتأخذ أبعادًا فلسفية جديدة بفضل هذا البدوي السُريالي المثقف الذي يثير تعاطف صاحبة الحانة، ويستميل بعض المشرّدين الذين يربضون أمام الحانات المتوارية في الأحياء الشعبية بعد أن خسروا في المعركة الدائرة بين الأرض والسماء منذ الأزل. لم تُسفر اللقاءات المتكررة بين "راعي" وزوجة أحمد عن شيء مهم سوى الاتهامات التي كان يوجهها إليها وكأنها كانت السبب الأول والأخير في انتحاره الأمر الذي يدفعها للانتقال إلى مكان مجهول. وحين يعجز "راعي" عن الوصول إليها مُجددًا يسقط في دوّامة الجنون التي كان يقف عند حافتها سابقًا. تتمحور الرواية برمتها على سؤال جوهري مفاده: مَنْ أنا؟ أو ما الإنسان؟ ولم يجد جوابه في معظم الكتب التي قرأها لكن حين تُدهمه مجموعة أشخاص وهو يهذي في غرفته المتعفِّنة والخالية من النوافذ ويسألونه نفس السؤال الذي أرّقه طويلاً: "أتعرف منْ أنت؟" فيجيب من فوره: "أنا كاتب عظيم وخالد، وأن اسمي سيحظى بقدسية حتى أبد الدهر".

لا يمكن قراءة "شمس بيضاء باردة" قراءة واقعية فقط، لأن هدفها الأساسي يكمن في القراءة المجازية التي تبتغيها الروائية كفى الزعبي، فهي لا تجد ضيرًا في أن تكتب نصًا جريئًا قد يعرّضها للمساءلة القانونية لأن الثيمات الرئيسة والفرعية في هذا النص المشاكس تتجاوز حدود تشريح البنية الأسرية والمجتمعية وتتعداهما إلى مقاصصة السلطة السياسية التي تناصب اليسار المحلي والعالمي عداءً مُستحكمًا يفضي بأصحابه ورموزه في معظم الأحيان إلى النبذ أو السجن أو الجنون.

تضع كفى الزعبي في هذه الرواية المحبوكة اصبعها على الجرح وتلمّح إلى العلل الأساسية التي يعاني منها المجتمع الأردني خاصة والعربي بشكل عام، ورغم أن مهمتها الأساسية كروائية هي إثارة الأسئلة، لا تقديم الإجابات إلاّ أن القارئ الحصيف سوف يُدرك بأنها تشير إلى ضرورة الإصلاح السياسي في البلد، وتتمنى لبلدها أن ينعتق من ربقة التبعية الاقتصادية كي يصبح حُرًا شرط أن تبدأ هذه الحرية بالإنسان قبل أن تمرّ بمفاصل الدولة والمجتمع لأن الحرية بمعناها الأوسع هي المفتاح السحري للمشاكل والمحن المستديمة التي يعاني منها الإنسان العربي مذ أفَلَت عن حياته شمس العدالة الاجتماعية الدافئة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

جمعة عبد اللهتشق طريقها الشعري، بأمكانية متمكنة في ادواتها الابداعية وتنوع اساليبها . في الصياغة الفنية والتعبير الدال بالمعنى والمغزى، يشعر القارئ من خلال نغمات الحزن ومكابدة الالم، في الالفة في الصور الشعرية، ويتفاعل معها بالشحن المؤثر في احساسه الداخلي . ويدخل في مناخات القصائد واجوائها المتوترة والساخنة، ويشعر بوجع وحزن الشاعرة. في محنتها مع الواقع المر والمرير (قديماً وحديثاً)، بالتوجس العميق الذي ينعي الوطن المرمي في أتون الحروب المتواصلة، مما تثقل معاناة كاهل الغربة والاغتراب باحمال ثقيلة . وقصائد الديوان الشعري تقتحم موضوعات الواقع، في اصعب وادق ازماته الحساسة وقضاياه الملتهبة . في مكوناتها البارزة، في هوس الحروب وجنونها المزمن، بأن تجعل الحب، يكتوي على جمرة النيران والحرائق المشتعلة. تجعل الحب في دروب مجهولة، يعاني الجفاف واليباس في سحب الغيوم بالدخان الكثيفة، التي تطحن الواقع بالحزن والمعاناة . انها مواجهة حامية الوطيس بين الحب والحرب، رغم ان الاختلاف اللغوي يقتصر على حرف الراء، لكنه يرسم المحنة المأساوية الكاملة . في الدلالات التعبيرية العميقة، فالاول (الحب) يمثل الحياة، والثاني (الحرب) يمثل الموت . اي ان الشاعرة تضعنا في معادلة صعبة بين الاثنين . بين الحياة المفعمة بالامل . وبين الحياة المفعمة بالحزن والسواد . بين الحلم الذي يعزف على قيثارته العذبة، وبين صراخ الانين الذي يعزف على الآهات القهر والحسرات المؤلمة لفواجع الحرب، التي تخطف الاحبة فجأة دون سابق أنذار، في حياة تكون عبارة عن (بسطال) يركض ويهرول من حرب الى حرب اخرى . لتكون الحياة عنواناً عريضاً يقرضها، الفزع والرعب والموت . وتكون الروح مفجوعة، لانها تحولها الى توابيت ومقابر . هذه العلة المؤلمة والقاسية، ان يسلب الحب من ممتلكاته، عندما يحشر عنوة حرف الراء، بين الحاء والباء . ويكسر ظهر الحب . هذه المكاشفة الجريئة في قصائد الديوان . فقد استطاعت الصور الشعرية، ان تتلامس بالعمق مناخات الواقع، الذي يرزخ تحت جحيم الحروب المتواصلة، في حرائقها المشتعلة . حتى (يوسف) الجميل افتراضاً، لم يعد جميلاً ومرغوباً فيه، وانما تتحاشاه النساء، لانه اصبح مطرود من اي مكان يتجه اليه . حاملاً حبه المكسور بالاهات والحزن، يسألونه عن هويته وينكر صلته بالطين، فلم يعد عزيزاً ومحبوباً في اي مكان يلتجئ اليه، بل يتجول كالغريب المتشرد والطريد، يبحث عن مكاناً يقبل حبه كلاجئ حتى يأوى اليه من عنفوان جفاف الحياة .ويحشر اسمه مع الحفاة العاطلين عن الحب، يلوكون الاكاذيب، بينما (زليخة) تنتشئ في انتصارها، تجلس في شرفة دافئة متباهية بالكبرياء منتشية بكأس لبن وقضمة تفاح، وتراقب زهور البنفسج وأشجار البلوط .

لم يكن عزيزاً في مصر ولا غيرها

أينما وجه وجهتهٌ

يسألونه عن هوية شاحبة

فينكر صلته بالطين

يوسف الجميل أفتراضاً

تتحاشاه النساء

ويخاط اسمه مع اقداح شاي الحفاة،

العاطلين عن الحب

المهووسين بارتجال الاكاذيب،

ولد بثياب مقطعة

يهش الكلاب بعصاه

ويسعد حين غيابه عن الصف

زليخة منتشية بكأس لبن وقضمة تفاح

تجلس الآن على شرفة دافئة

 تراقب زهور البنفسج

أشجار البلوط (ص11)

تغفو الحياة على معاناة سوداء، فقد فقدت زينتها ونضارتها، واصبحت شاهدة لعاشق صلب حباً ومات مغنياً، تتشح المدينة بالسواد، يمتزج بنعيق الغربان، لتصبغ الحياة بلون السواد على صباحاتها، وتنام الشوارع باكراً كالدجاج . والنساء خلعت حسنهن بجفاف الحياة، ويتجرعن بالمرارة، حتى الشفاه جفت ويبست، فلم تعد حقائبهن يحملن لو بقايا (قلم الحمرة)

تغفو شاهدة لعاشق صلب حباً ومات مغنيا ً

***

هذا قبل أن تتشح المدينة بالسواد حتى أخمص نهريها

ويمتزج نعيق الغربان ولون الدم فوق صباحاتنا

وتنام شوارعنا باكراً جداً كما الدجاج (المكرك)

خلعت النساء حسنهن

ذيقت أرواحهن بالمرارة

وتيبست الشفاه

فلن تجد في حقائبهن حتى لو بقايا (لقلم حمرة) (ص16)

***

 هذا التبدل في الواقع الذي في أتون حربين، هو سبب الخلاف والعلة الخلاف في الحب الذي يفقد طريقه، وتنقلب الحياة على نفسها، حين توسط حرف الراء، بين حاء وباء، وتبدل الحب الى الحرب

ولسنا اختلفنا

إلا على الراء

حين تريد التوسط

بين حاء وباء (ص 34)

سقطت كل الازمنة وانهزمت . سوى التاريخ يسجل انتصاراً لتاريخ الدم . وحدهم التتار (واحفادهم) يكتبون صفحات التاريخ بالدم . وحدهم يتناسلون بالتوراث وتوالد، لكي يصبغوا الواقع والحياة بالدم . وحدهم يكتبون عفونتهم، الملطخة بالسواد والحزن وسفك الدماء، التي اصبحت انهاراً جارية . فلا نحلف بعد الآن بدجلة فقد جف وتقلص عمره، وتيبس الفرات وفاض بالجثث . فمن يستطيع ان يكتب قصيدة خوفاً من لعنة التتار، فلا تكتبون اسم شاعرتها، لانها ليس قصيدة . وانما تكشف عري التتار الملطخين بالدماء . من يستطيع ان يترك الاطفال ينظفون انفسهم من اردان الحروب، صاروا التتار يختارون لنا اسماء جديدة، هذا زمن المهزلة

التتار وحدهم صنعوا تاريخاً يتوالد الى الآن

أحمر - قان

لا تحلفوا بعد الآن بدجلة

فقد تناقص عمره

وفاض فراتنا يباساً

وجثثاً

مزقوا هذه الصفحة أن شئتم

فقد أتعرض لسباب حد ينتمي للتاريخ اكثر مني !

أو ...............

لا تكتبوا اسمي عليها فقد لا تكون هذه قصيدة

فقط

اتركوا أطفالنا ينظفون انفسهم من اردان الحروب ويختارون لنا

أسماء جديدة ! (ص 78)

بالوعة اسمها الحرب حين فتحت ابوابها، خلع الاب شبابه، ودخلها عارياً من العودة . فقد تحولت الحياة الى (بسطال) ينتقل من حرب حرب، وضاع العمر في ضجيج الحروب . وعاشرت الام الدموع والآهات والخيبات .

بمجرد ان فتحوا أبواب الحرب

خلع أبي شبابه

ودخلها عارياً من العودة

استقلت أمي على سرير الدمع

وتغطت بآهاتها

أنا الوحيدة التي صرت أراقب ساعة الصمت المعلقة على الحائط

ببلاهة

واعد دقاتها

خيبة

خيبة (ص111)

الذكريات العالقة بالحنين التي تشتعل في دواخل الوجدان، وتنهال في يوم عادي في مسامرة اقداح الشاي، ذكريات الام، التي كابدت معاناة سنوات العجاف في الحروب التي خنقت الحياة، وكانت تذرف دموعها حزناً على غياب الاب في الحروب، فكانت تعلعل بذرف دموعها بحجة رائحة البصل . هذه الذكريات الاليمة تنهال عنوة على دروب الغربة والاغتراب .

تجلس ايامي بكل هذه الخيبة

تعد لحظاتها الهاربة دون أن تمل العدَّ

وأنا في يومي العادي هذا

أتذكر أمي

وكيف كانت

تتحجج برائحة البصل

تذرف دموعها في المطبخ لغياب أبي

الذي تسلق حياته حرب على حرب  (ص 137)

 

- ديوان الشعر (وأنا أشرب الشاي في نيوجرسي)

- الشاعرة: فليحة حسن

- تاريخ الاصدر: الطبعة الاولى 2018

عدد الصفحات: 151 صفحة

-  اصدر: الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق

 

جمعة عبدالله

 

 

 

 

731 سعد سعيدالكاتب العراقي "سعد سعيد" من مواليد ١٩٥٧ – خانقين، له تسع روايات مطبوعة "صوت خافت جداً" التي سنتناولها آخر رواياته.

فضاء الرواية

لو تعمقنا في فضاء الرواية وتفاصيلها سنلاحظ أن القصة الرئيسة هي قصة العلاقة التي ولدت ما بين "سفانة" و"الدكتور فارس"، تطورت هذه العلاقة بعد اللقاءات المتكررة إلى أن عملت "سفانة" كسكرتيرة في عيادته وأحبت الشخصية الشاذة "فارس"، لكن القدر لم يكن لطيفاً مع هذا الحب إلى أن هاجرت "سفانة" بلدها، ومع ذلك لم تفقد الأمل بالعودة إلى وطنيها كما تقول في رسالتها "فأنت الشخص الوحيد في العالم الذي يمكنه أن يعيدني إلى العراق بإشارة واحدة منه.. لأنني مازلتُ أحبك يا فارس"، فلو كان العراق وطنها الأول، قلب "فارس" وطنها الآخر فالعودة إلى الوطن مرتبطة بقلب المحب، أي بينهما علاقة تكاملية.

أما القصص الخارجية فتتعلق بواقع العراق، أي لقصة "سفانة" والدكتور إطار قصصي أكبر يتعلق بالواقع العراقي قصصٌ تصور معاناة الشارع العراقي من القلق والخوف والفقر والقتل والحالة غير المستقرة للبلاد بشكل عام، نستطيع أن نقول فضاء الرواية قصة داخل قصص كثيرة، ومن تلك القصص الواقعية: "ألا ترين حال العراقيين، فهم يرون في الحزن جمالاً باهراً! (ولچ حتى عيدهم يبدي بالمقابر!).. هل سمعت يوماً بشيء كهذا؟.. أعياد تبدأ من البكاء على القبور؟!" ١٤٣، تصوير حالة شائعة للعراقيين بحيث يبدؤون عيدهم بالبكاء على القبور، ففي كل بيت فقيد وشهيد بسبب الأوضاع السائدة في البلاد، غير أن العراقي لو أراد التعبير عن أفراحه الكبيرة ستكون لغة ذلك التعبير البكاء فرحاً، أي في الأحزان والأفراح يبكي! وقد جاء في مثال آخر حيث يصور لنا نفسية فارس "ما إن رأى ذلك الحشد الهائل الموزع في حدائق ذلك المبنى التأريخي، حتى أضاف.. ستكون كارثة إن حدث هنا عمل إرهابي.. عادت به الذاكرة إلى عام ٢٠٠٧ حين وقف عند آثار التفجير الذي تعرض له الشارع وخلّف عشرات الضحايا، فقال لنفسه مرة أخرى.. ستكون الكارثة أكبر بكثير الآن نظراً لهذا العدد الهائل من البشر نسبة إلى ذلك الوقت" ١٠٩، أي حتى في الأوقات التي يعمّ السكون أرجاء الوطن يتوقع الفرد العراقي وقوع الكوارث، وفي مثال آخر، الحوار الخارجي الذي دار بين النقيب وفارس قال "تتظاهرون ضد الحكومة"٤٤، وكأن التظاهر ضد الحكومة جريمة ما بعدها جريمة يُحاسب عليها الإنسان بسبب طلب أولى احتياجاته البسيطة!

مدلول عام للعنوان

صوتها خافت جداً، لأن حينما تُحَدّث "سفانةُ" "فضيلة" فكأنها تحدث نفسها فقط برغم ثرثرتها الدائمة لــ"فضيلة"، لكن هي تبقى شخصية غائبة عن حياتها، وصوتها عالٍ جدا، فهي عندما تُحَدّث "فضيلة" فكأنها تحدث العالم أجمع.

تبدأ الرواية بــ"صوت خافت جدا"ً، صوت الحروف لا المكالمات، حيث تبدأ "سفانة" بكتابة رسالة طويلة لفارس بعد سفرها، كان بإمكانها أن تكلمه لكنها لم تفعل ليكون حقاً الصوت خافتا جداً.

مدلول خاص للعنوان

في الرواية نُلاحظ في أكثر من موضع مجيء العنوان أو ما يوحي له بدلالات مختلفة كما في هذه الأمثلة: "حينها رفعت يدها الممسكة بالنقود وصاحت: - نئيييييييم"، ولمعرفة معناها نستمر في الحوار إلى أن نجدها عند الدكتور: - طبعا.. هو الصوت الضعيف الخفي.. وهو كالأنين قالت حينها وهي تكاد تبكي بسبب ضغط الذكريات التي انتابتها: - على كل حال، حياتنا كانت أنيناً متواصلاً" ١٠٤، "كركرت بصوت خافت، ثم قال: -أصدقك تماماً، فأنت تختلف عنهم" ١٣٦، في العيادة.. "كتبت سفانا اسمها ورقم موبايلها على قصاصة ورق وهَبّت إلى حيث كانت بشرى جالسة، لتقول لها بصوت خافت لا يسمعه غيرها" ١٤٨، وفي كلام الدكتور "لا بأس يا سفانة.. كنتِ غاضبة وحين الغضب يخفت صوت العقل" ٢٣٢، نلاحظ أحياناً هندسة توازنية ما بين الأصوات، فلو كان صوتاً عالياً يردّ الآخر بصوت خافت والعكس صحيح، ولنا مثال في الرواية: "فصاحت: ولكن مستحيل أن أقبل، فردّ بهدوء وتصميم: -أخبرتك.. ليس من حقك أن ترفضي.. ألا تريدين إنقاذ سلواك؟"٢٤٥.

 نسق الرواية والراوي

تبدأ الرواية بالنسق الدائري حيث تبدأ من خاتمة الأحداث في رسالة "سفانة" للدكتور بعد سفرها، حيث كتبت فيها اعتذار عن غيابها وأخبارها بصوت خافت، ثم تعود بنا الأحداث إلى الوراء من نقطة بداية سرد الأحداث، وهذه الطريقة لم تقتل الإثارة والتشويق لدى القارئ بل حثّته على متابعة الأحداث، ولأنه لا يأتي النسق الدائري غالباً وحده في الروايات بل يتشارك مع أنساق أخرى بعكس بعض الأنساق الأخرى التي قد ترد وحدها، فشاركه نسق التتابع لمتابعة الأحداث جزءاً بعد جزء إلى أن وصل لخاتمة الأحداث.

 في الرواية نلاحظ الراوي بشكلين:

1- الراوي العليم: أو كما سماه الناقد "جون بويون" الرؤية من الخلف (إذ يكون الراوي هنا كلّي العلم بالأحداث ودواخل الشخصيات والانفعالات، لا يغيب عنه أصغر الأمور والتفاصيل) كما في المثال: "بدت شوارع بغداد فجأة كأنها شوارع مدينة منكوبة هبّ سكانها للفرار، فاختنقت شوارعها"٣٠.

2- الرؤية مع أو المصاحبة: شخصية تنوب عن الراوي وتقوم بسرد الأحداث من منظورها الخاص والاستعانة بضمير المتكلم الأنا كما نلاحظ في جزء كبير من الرواية ترويه "سفانة" وذلك عن طريق حواراتها مع الشخصية الحاضرة الغائبة "فضيلة" التي كان لها حيز كبير في اهتمام سعد سعيد، فلو أردنا تعليل عامية أغلب هذا الجزء فنقول: (أقرب لغة لذات الإنسان لغته الطبيعية، ما يولد وينطق بها، أي اللغة العادية، فالإنسان لا يُكَلِّم نفسه بلغة فصيحة معقدة)، ربما هذا السبب وراء اختيار اللغة العامية الدارجة لشخصية "سفانة" وكلامها الموجّه لــ"فضيلة"، فهي حينما تكلم فضيلة لا تكلم إلا نفسها، على سبيل المثال حينما يقترح الدكتور على "سفانة" لقاء فهي لا تجيبه فوراً، بل توجّه رسالة لفضيلة وكأنها حاضرة وتراها "سمعتي فضيلة؟ يريد لقاءً، هل أرفض؟.. وهل أجرؤ؟!"٥٣، فسفانة تارة تنقل لفضيلة أدقّ التفاصيل، وتارة تفضفض لها، وتارة تطلب مساعدتها حتى في الأمور التي لا تخصّ حياتها كما في المثال "لچ فضولة، شلون شسوي؟ كيف أتصرف وكأن الأمر لا يعنيني، هي سمعة امرأة على المحك.. نعم أعرف بأن الأمر قد يسبب لي مشاكل، ولكنني لا أستطيع إلا أن أتصرف.. أرجوك ساعديني في اتخاذ القرار.. ولكن حتى إن قررت، فما بوسعي أن أفعل وزوجها معها؟!"١٤٨.

سعد سعيد برغم أنه عمل على تعدد الأبعاد في روايته كالبعد التاريخي والاجتماعي والسياسي، لكنه ركز تركيزاً كبيراً على البعد الثقافي من بداية الرواية حتى نهايتها، بدأت لقاءات "سفانة" و"فارس" لقاءات ثقافية حيث جمعهما شارع المتنبي ونقاشات حول الكتب، غير أنه طرح بعض المشاكل التي يعاني منها الشارع العراقي الثقافي بطريقة غير مباشرة كما في كلام "سفانة" لــ"فضيلة" :"ما عرفتي يا فضيلة، مو قررت أألف كتاب.. نعم حبيبتي، سأؤلف كتاباً عن حبيبي.. آه لا.. لا تهتمي لهذا، فقد تغير الزمان وأصبح كل المطلوب الآن هو أن تمتلكي مبلغ الطبع لتنشري ما تشائين.. الموهبة أصبحت فكرة قديمة تنتمي لزمن آخر، الآن جيبي فلوس وحمّلي كتب"١٢١.

برغم أن صوت "سفانة" لـــ"فضيلة" كان خافتاً جداً لدرجة لم يصلها، لكن الصوت وصل لقرّاء الرواية أعلى ما يكون بتقنيات "سعد سعيد" المتنوعة وطريقته المشوقة.

 

آشتي كمال

 

732 اوراق المجهولهذه السطور هي قراءة لعتبات النص بعد أن تم كتابة رواية (أوراق المجهول) من قبلي، وطبعها ونشرها. وهي لأول مرة تحدث في النقد حسب علمي وقراءاتي المتواضعة، إذ يكتب راوي عن روايته نقداً نصياً كما أفعل أنا .

عتبات النص:

(عتبات النص بنيات لغوية وأيقونية تتقدم االمتون وتعقبها لتنتج خطابات واصفة لها تعرف بمضامينها وأشكالها وأجناسها، وتقنع القراء باقتنائها، ومن أبرز مشمولاتها: إسم المؤلف، والعنوان، والأيقونة، ودار النشر، والإهداء والمقتبسة، والمقدمة... وهي بحكم موقعها الاستهلالي - الموازي للنص والملازم لمتنه تحكمها بنيات ووظائف مغايرة له تركيبيا وأسلوبيا ومتفاعلة معه دلاليا وإيحائيا، فتلوح بمعناه دون أن تفصح عنه، وتظل مرتبطة به ارتباطا وثيقا على الرغم من التباعد الظاهري الذي قد يبدو بينهما أحيانا) . ص21 – عتبات النص في التراث العربي والخطاب النقدي المعاصر – يوسف الادريسي – الدار العربية للعلوم ناشرون – ط1 – 2015 .

إذن، العتبات هي مفتاح النص لفهمه وإدراكه، وهي: اسم المؤلف، والعنوان، والأيقونة، ودار النشر، والإهداء، والكلام المقتبس، والمقدمة . ونحن إذ سنتحدث عن كل هذا في أحدى الروايات العربية المنشورة فإن هذه الرواية العينة هي رواية لي كتبتها أنا بقلمي الذي سطر كلماتها اعتماداً على ما إختزنته ذاكرتي وذائقتي من أحداث . وربما يجد البعض من القرّاء أو المهتمين بالكتابة الأدبية والرواية خاصة في هذه السطور أمراً غريباً لم يألفوه من قبل، أن يتحدث كاتب عن كتابه من وجهة نظر نقدية، إلّا اني أقول ما دامت الرواية مكتوبة بقلمي ومن فكري وذاكرتي، فلا بأس أن أتحدث عنها نقدياً من باب الوصف ودراسة النص من داخله، وليس من باب التقويم و التقييم فهو أمر يعود لغيري .

1 – اسم المؤلف:

هو المحدد الرئيسي للنص (الرواية). وهو أنا . داود سلمان الشويلي.

كَتَبْتُ ونشرتُ أول قصة قصيرة لي وأنا في سن السادسة عشرة. ثم بعدها نشرت مجموعة من الأشعار العامية. وبعد ذلك نشرت نقداً عن الشعر العامي (لي كتاب مخطوط في ذلك). وكذلك عن فنون الأدب الأخرى . وكتبت القصة القصيرة (لي مجموعة قصصية منشورة وأخرى مخطوطة). والرواية (لي ثلاث روايات منشورة، وثلاث مخطوطة). ونقد للسرديات (لي أكثر من كتاب في ذلك منشور ومخطوط ). ولي كتابات فكرية منشورة في الصحف والمواقع الالكترونية. إذاً أنا كاتب معروف ليس في العراق فحسب بل في الوطن العربي أيضاً، ويتبيّن ذلك من نشري لكتبي ودراساتي في الصحف والدوريات العربية، فضلاً عن نشر كنبي .

كتبتُ هذه الرواية ووضعت اسمي عليها للتأكيد على أن عائديتها لي. أي أنا مؤلفها، من الغلاف الى الغلاف. تحمل أفكاري وما أعتقد وأؤمن به، فهي نص صادر عن مؤلف معروف ومشهور بكتابة هذا الفن، ومعترف بقيمته الأدبية وسلطته الرمزية، فبالتالي أصبحت لهذا النص هوية معروفة بهوية مؤلفه، ولما كان كذلك، فجودة وأتقان العمل أورداءته تعود الى المؤلف نفسه وهو المسؤول عنها .

الاسم على الغلاف كتب بالخط العريض وباللون الأسود لإبرازه أمام المشاهدين للكتاب، والشخص الذي يعرفني، وهو مهتم بالرواية حتما سيقتنيها .

وضع الإسم في وسط الغلاف تحت العنوان الرئيسي للرواية وذلك لأن إهتمام الكاتب الأول هو عنوان الرواية، ومن بعده اسم مؤلفها .

2 – العنوان:

من ضمن إشتراطات إختيار عنوان أي كتاب ما هو إختياره الدال على ما في متنه من مادة. والعنوان مركب من لفظتين. وهو محدود الدلالة واسع المعني . فهو محدد بدلالة المجهولية والأوراق، إلّا انه واسع المعاني التي نحصل عليها من تركيب " أوراق " و"المجهول " . فالأوراق هذه ذات أعداد وأشكال مختلفة ومتنوعة، ويمكن أن تكون أوراقاً رسمية ثبوتية، أو أوراق كتابة، أو أوراق أشجار، وهكذا . أما المجهولية فهي غير عائدة للأوراق وإنما عائديتها للشخص .

ولما كان كذلك، فإن عنوان روايتنا "أوراق المجهول " يؤكد على أن الرواية هذه تتكون من أوراق عديدة ومختلفة الشكل والمضمون، لهذا نجد أن متن الرواية يتألف من ثمانية عشر ورقة مذكورة بتسلسل اعدادها ـ إضافة لورقتين خارجيتين أحداهما أولى تسبق ألأوراق الثمانية عشر، والأخرى وضعت في نهاية الرواية .

أما لفظة المجهول، فإن ما في الأوراق هذه يتحدث عن شخص مجهول غير معلوم، ويمكن ان يكون موجوداً، أو لا يكون موجوداً، وهو غير موجود أصلاً بلحاظ انه قد أطلق عليه لفظة " مجهول " ولم تطلق عليه لفظة " غائب "، لأن الغياب يختلف عن المجهولية، فيمكن أن يكون هذا الشخص غائباً إلّا أنه معروف للآخرين، ولكن شخصيتنا قد أنقسم حوله ناس القبيلة، فمنهم من صدق وجوده إلّا أنه لم يره، ومنهم من انكر وجوده فتحول من غائب الى مجهول، مع العلم أن الصنف الأول من الناس صدق وجوده إلّا انه لم يره، إذاً أصبح كالمجهول عنده .

وضع العنوان بخط عريض أسود اللون ليبرز كثيراً للرائي، فيصدمه، عندها يقرر أن يقرأ الرواية التي سميت هكذا.

وقد تم إختيار العنوان بعد الانتهاء من كتابة الرواية كما عنونة كتبي كافة، إذ أضع العنوان بعد الانتهاء من كتابة النص، أو على الأقل كتابته الأولى، لأن النص عندي يخضع للكتابة مرة وأخرى وثالثة وربما أكثر من ذلك .

ومن ملحقات العنوان لفظة " رواية " وقد وضعت فوق العنوان واسم المؤلف، لأن القاريء يجب أن يعرف ماذا سيقرأ ليقرر ان كان سيختار الكتاب أم لا، حسب ذائقته القرائية.

إذن، أول ما يقرأ لفظة رواية، ثم يقرأ بعدها عبارة "الطبعة الأولى" ليعرف أن ما يراه جديداً في النشر وكذلك على ذائقته القرائية، ثم من بعدها يقرأ العنوان واسم المؤلف .

3 – الأيقونة:

من أصعب الأمور على الكاتب حين طبع كتابه هو إختيار لوحة الغلاف، أما أنا فقد تم في كتبي السبعة الماضية إختيار اللوحة من قبل المصمم، إلّا في كتابين منهما هما (الذئب والخراف المهضومة – دراسات في التناص الابداعي ) و(رواية طريق الشمس) إذ اخترت لهما لوحتين تشكيليتين من انتاج الفنان التشكيلي كامل الموسوي، أما بقية كتبي فقد كان مصمم الدار اذي طبع فيها هو الذي يضع التصميم.

في روايتي هذه ـ وهو الكتاب الثامن لي - صمم الغلاف ابني ذو الفقار داود الشويلي بعد أن عرف مضمون الرواية، وعما تتحدث عنه .

يتكون التصميم من وحدات تصميمية ثلاثة،هي :

- الوحدة التصميمية الاولى : زخرفة على شكل سهم رأسه الى الأسفل تشكل الأسكفة العلوية لباب المضيف، وفي داخلها مجموعة من الأوراق المتطايرة التي تشبه الطيور في طيرانها، والأوراق هذه بلون أبيض لأن خلفتيها بلون أسود وهو يدل على المجهولية لتطاير الأوراق في فضاء غير معلوم .

- الوحدة التصميمية الثانية : رأس السهم في الوحدة التصميمية الأولى يؤشر الى مدخل المضيف "الشكل الأصفر" الذي يشبه باب المضيف الذي كتب عنه في الورقة الاولى، وقد لون بلون أصفر فاقع ليؤشر الى أن من في داخله يختلفون في المشارب والاتجاهات، وكذلك فإنهم منفصلون عن المضيف وصاحبه الشيخ المحتضر، وعن الذين خارجه .

- الوحدة التصميمية الثالثة: وهي جانبي الشكل الكلي، فقد صبغت بلون القصب و " البواري " وهو اللون الأصفر الداكن، هذا اللون الذي يؤشر الى عمر بناء المضيف الطويل وكثرة المصائب والمحن التي مرت به . وهذا القصب والبواري هي مادة البناء لأي مضيف يبنى في جنوب العراق .

إذن، اللوحة ستنطق بما احتوت عليه الرواية من أفكار وأحداث وشخصيات تدل على "أوراق المجهول " .

4 – دار النشر:

لدار النشر أهمية كبيرة في التعريف بالكتاب، وقد وضعت دار النشر الشعار "لوغا" الخاص بها في الغلاف الأول وفي الغلاف الثاني وقد كتبت تحت هذا الشعار في الغلاف الثاني عبارة "نشر وتوزيع دار المتن " .

وضعت الدار أيضاً رقم الايداع في المكتبة الوطنية لحفظ الكتب والوثائق العراقية، مع سنة ذلك الرقم على الغلاف الثاني .

والشعار "اللوغا" ورقم الايداع هما لحماية المطبوع من أن يطبع طباعة تجارية في دار أخرى. أما رقم الإيداع فهو رقم ايداع الكتاب في المكتبة الوطنية لحفظ الكتب والوثائق العراقية، وهذا مهم للكتاب خشية السرقة والادعاء الكاذب بملكيته .

5 – ورقة العنوان:

أ – وجه الورقة:

وهي أول ورقة في الرواية وقد كتب عليها اسم الرواية الذي وضع في مكانين:

- المكان الأول الركن الأيسر من أعلى الورقة وقد كتب بخط رفيع .

- المكان الثاني وسط الورقة وقد كتب بخط عريض ولون أسود داكن.

ب – ظهر الورقة الأولى:

كتبت فيها معلومات عن الرواية،اسمها، الجنس الادبي، رقم الطبعة، وسنة الطبع، وقياس الورقة، وعدد النسخ المطبوعة، واسم المصمم، ومعلومات كاملة عن دار النشر ومصمم طباعة الرواية، ورقم الايداع في المكتبة الوطنية، ومعلومات أخرى باللغة الانكليزية .

هذه المعلومات تفيد المكتبة الوطنية للكتب والوثائق، وتفيد المفهرس، وكذلك الدارس لها كرواية أو ككتاب، فضلاً عن انها تكون شهادة أمام الغير لحفظ نفسها أمام القرصنة .

وقد وضع في الورقة نفسها شعار الدار.

6 – الورقة الثانية:

كتب عليها المعلومات التالية:

- عنوان الرواية في الجهة الشمالية العليا من الورقة بخط صغير .

- اسم المؤلف بخط كبير أسود اللون وداكن.

- كتب حرف الجر "في " في وسط الصفحة .

- تحته كتب بخط عريض عنوان الرواية .

0 كتبت تحت العنوان وبخط أصغر من خط العنوان كلمة "رواية" مع سنة الطبع .

- في وسط من الأسفل كتب رقم الطبعة وسنة الطبع بخط وسط بين خط العنوان واسم المؤلف وبين خط عنوانها في الركن العلوي الشمالي .

7 – الإقتباس:

للاقتباس دور كبير في وضع النص الروائي في مكانه الفكري (المعنوي والدلالي) عند القراء، حيث انه يعد من الأمور التي ترمز لأحداث الرواية بصورة عامة. وقد اقتبس المؤلف قولين من رواية " شفرة دافنشي " وضع الأول في مقدمة متن الرواية، ووضع الثاني في نهاية متنها .

- الاقتباس الاول :

(كثيرون هم الذين اتخذوا من الأوهام والمعجزات الزائفة وخداع البشر تجارة لهم).

- الإقتباس الثاني:

(الجهل يعمي أبصارنا ويضللنا ... أيها البشر الفانون افتحوا عيونكم).

هاتان العبارتان ترمزان بصورة عامة الى ما في مضمون الرواية من أفكار أرادها الكاتب ان تصل معانيها ودلالاتها الى القاريء .

انهما يشيران الى كثرة الأوهام والمعجزات الزائفة وخداع البشر بها والتي أصابت أبناء الشعب فتحذرهم من ذلك، لأن الجهل يعمي أبصارنا وبصيرتنا ويضللنا كذلك، فتطالبهم بأن يفتحوا عيونهم لكي لا يخدعوا بما يسمعون أو يرون من سلوك أعوج يمارس ضدهم في العلن والخفاء تحت أسماء ولافتات وعناوين كثيرة .

8 – معجم ما استعجم:

هذا العنوان غير موجود في الكثير من الكتب إلّا ان المؤلف أراد منه أن يكون مثل المعجم للألفاظ و الكلمات والعبارات والأمثال التي وردت في المتن وفيها صعوبة في ادراك وفهم معانيها من قبل البعض لأنها تستخدم في لهجة منطقة من جنوب العراق فقط .

9 – ورقة المؤلف:

ثبت فيها الكتب التي كتبها المؤلف، المطبوعة وغير المطبوعة، وهي ورقة خاصة للتعريف بنتاجات المؤلف من قبل قراء الرواية لكي تكون دافعاً لهم لقراءتها .

10 – الفهرست:

وهي تضم ما احتوته أوراق الرواية من عناوين .

11 – الغلاف الثاني:

وهو واجهة الكتاب الثانية. ويكتسي أهمية كبيرة بعد الغلاف الأول لأنه يقوم بفعالية الاغراء للقراء في اقتناء الكتاب أو الكتب الأخرى للمؤلف، وتضم:

- صورة المؤلف .

- اصدارات المؤلف السابقة والتي ستصدر لاحقاً، وقد وضعت هذه المؤلفات ضمن مريع، خطوط أركانه ملونة بلون أخضر .

- شعار دار النشر، ورقم الايداع في المكتبة الوطنية لحفظ الكتب والوثائق .

- الجزء المكمل لايقونة الكتاب وهو ركن واجهة المضيف .

***

تسهم هذه العتبات في سعة تداولية الكتاب " الرواية "، وفهم معانيها ودلالاتها وما توحي بها من رموز مخبوءة بين سطور وعبارات متن الرواية .

 

قراءة: داود سلمان الشويلي

 

فالح الحجيةالشعر ديوان العرب، مقولة قديمة نجدها في كل كتاب أو حديث عن الشعر او الأدب العربي وهذه المقولة تعبر عن ذلك الموقع الاستثنائي الفريد الذي حظي به هذا النوع من الأجناس الأدبية داخل الثقافة العربية. وقد لحق شعرنا العربي مثل غيره من ظواهر الفكر والحياة في مجال تطوير او تبديل كبير في صيغه المختلفة وطرائقه وموضوعاته. والتطور والتبدل ليسا بظاهرة تستوجب الاندهاش والاستغراب، بل الذي ينبغي أن يثير استغرابنا هو ما يلحق الفكر والوجدان من جمود، وصيغ التعبير مقابل تغير المحيط وتبدل سياقات العيش وعوائد الاجتماع.

ولكن إذا كان هذا التطور والتغير والتبدل حالة حدسية مركزة او ثابتة في مختلف أ مور الحياة، فإن من البديهي ان هذه الظاهرة لا تعني أن كل تطور هو بالضرورة امر إيجابي وأن معارضة التغيير والتقويم النقدي لمنتجاته فعل سلبي صادر عن جمود في الاحساس ونقص في الوجدان، ووقوف ساذج أمام مسيرة الحياة وحركاتها المستمرة. فكثيراً ما تطرح الحياة في سياق تطورها مستجدات ربما تكون في بعضها سلبية، فلا بد من معارضتها ومواجهتها. وان كانت قد تجاوزت السوسيولوجيا ذلك التصور الذي ساد الفكر السوسيولوجي الوضعي، وأعني به التصور المعتقد بوجود خط تقدمي في تصاعد دوما، وأخذين بالاعتبار النظر إلى الظواهر الاجتماعية بصفتها لا تشهد دائما تسريعا في تقدمها وديمومة حركتها نحو المستقبل .

ومن بين الظواهر السلبية التي أعتقد أنها أصابت الحركة الثقافية في امتنا في الصميم، هذا الشعور الفوضوي الذي سيطر على الذائقة الشعرية، ابتداء من شعر التفعيلة، فانكشفت ازاء ذلك لنا في كل لحظة حالة مضطربة او مهزوزة. و قد يقول البعض: إن الشعر العربي الآن كثيف الإنتاج، جريء في تجربته، ولم يثبت او يستوي لحد الان على سياق معلوم، ولا حتى على سياقات معلومة مضبوطة، لذا اصبح التجريب والإكثار من تنوع الشكلية والمضمون والمحاولة الجادة حالة مطلوبة ومرجوة لتطوير فكر الإنسان العربي وثقافته، ولكن ينبغي ان لا نصدر الأحكام على نتاج لم يتحقق اكتماله واستواؤه على سوقه . فانا أعتقد أنه ينبغي التقويم والحكم، ليس فقط لأن حركة التجريب في تراكيب وأساليب وأشكال الشعر العربي الحديث في تجربته التى امضى عليها اكثر من نصف قرن لأن مختلف نقاد الشعر وحتى الشعراء أنفسهم يتحدثون عن وجود أزمة في نمطية الشعر العربي حيث أن النقد فعل مطلوب حتى في اللحظات الأولى للتجربة إذ لا بد للنقد أن يرافق العمل الإبداعي ويسايره في مختلف لحظات تطوره، وحتى في بداياته لتقويمه لأنه في كثير من الأحيان ربما يكون صمام الأمان للحركة الإبداعية في نتاجاتها مهما كانت غثة او سمينة وحافزا لها في مسار تطورها وارتقائها او سموها باتجاه الافضل .

 وإذا كان الوجه الذي تقمصه الحس والذوق الشعري مع قصيدة شاعر ما كان ثوبا عبا سيا أصلا من حيث اللفظة وانتقاء الكلمة وطريقة نظمها باعتبار حركة التجديد بدأت في العصرالعباسي فإن حركة البعث او التجديد تشهد تجديدا ملحوظا في اغلب مضامين وموضوعات الشعر العربي حيث ستتناول حتما قضايا اجتماعية وسياسية معبرة عن اراء و آمال وطموحات الشعب العربي . وسيستمر هذا النهج مستقبلا سائرا نحو الافضل بطموح وقد استطاع الشعر العربي في هذه المرحلة من التفاعل مع اللغة الشعرية وأنماط التعبير خلال ما سمي بعصر الانحطاط، وذاك في تقديري تجديد مهم.

ولست أقصد بهذ ه الحالة التجربة الشعرية المعاصرة فحركة التجديد الشعري لم يكن لها أي فضل لكنها جاءت كسياق تطور مستمر بل إن الناظر في واقع الشعر العربي في القرن التاسع عشر، سيرى أن الملكة الشعرية أصابها جفاف او ركود في الشعور و تجمد و تكلس في أساليب التعبير، وكان لا بد من نهضة قوية في الشعر تدفعه الى حدوث التغيير ولنا في حركة البعث والإحياء التي برزت ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر مع البارودي اسوة حسنة، والتي ستلتمع فضل بين لا ينكر.

وإذا كان الثوب الذي ارتداه الشعر والذوق الشعري مع قصيدة البارودي ثوبا عباسيا أساسا او اشبه به، من حيث مواده اللفظية، وطرائق نسجه، فإن حركة البعث شهد ت تجديدا ملحوظا في مضامين وموضوعات الشعر العربي، حيث تناولت قضايا اجتماعية وسياسية معبرة عن آمال وطموحات جماعة الشعب العربي وقد استطاع الشعر العربي في هذه المرحلة المسماة ب(الكلاسيكية) حلحلة حالة التكلس الذي أصاب اللغة الشعرية او دفعها نحو الافضل وأنماط التعبير خلال عصر الانحطاط او الركود وذاك في تقديري تجديد مهم .ومن ثم استمر الشعر العربي مع الحركة (الرومانسية) متأثرا بشروط وعوامل مهمة جديدة و عديدة، من أهمها ما يتصل بالمثاقفة او التزاوج الثقافي والتواصل بين الأدب العربي والآداب الغربية . فكانت نتاجات الرومانسية الغربية تشكل عند شعراء الرومانسية العربية نماذج للاقتداء بها والحذو على نهجها في بناء النظرية الشعرية ونظم القصيدة الشعرية العربية . وقد تبين ان الشعر العربي قد تغيرت تعبيريته من النظرة الجماعية إلى النظرة الانفرادية، حيث ا ستثمر الشاعر الرومانسي جانبه العاطفي والوجداني في الذات الشخصية إضافة إلى استحضار روح الشعور الطبيعي. حيث لم يكن التجديد في القصيدة الرومانسية مجرد تجديد في موضوعات الشعر العربي فقط بل مس أيضا اللفظ التعبيري الشعري ذاته، فغابت عن القصيدة الرومانسية الألفاظ الوحشية او الالفاظ الصعبة التي كانت حركة البعث والإحياء تستعملها كثيرا .

 

فالرومانسية مارست التجديد ليس في الموضوع فقط كما هو شائع، او استحضار ذات الشاعر والطبيعة الموجودة، بل إن التجديد المهم هو تجديد في اللغة الشعرية، حيث تبنت لغة سهلة رائقة نابضة بالحياة . لذا يمكن ان نقول إن أهم عناصر تجديد للثقافة الشعرية العربية بعد الكلاسيكية والرومانسية هو اللغة الشعرية.

فحركة الشعر العربي شهد ت فيما بعد نقلة استثنائية، حيث طال التغيير البنية العروضية للقصيدة العربية، مع حركة الشعر الحر أو شعر التفعيلة ويعتبر الشعر الحر الثورة الثانية على العروض الشعرية الفراهيدية شهدها تاريخ الأدب العربي اذا اعتبرنا ان الثورة العروضية الاولى تمثلت في الموشحات الأندلسية. والازجال وقد التمعت أسماء جديدة في فضاء الشعر العربي في منتصف القرن العشرين، بشكل قصيدي جديد، مثل نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وعبدالوهاب البياتي، ويوسف الخال، وأدونيس. وصلاح عبد الصبور وامثالهم لكن إذا كانت القصيدة الإحيائية، وكذلك الرومانسية كانتا حريصتين على التوصيل فان حركة الشعر الحر او شعر التفعيلة ستحرص على تكسير هذا التقليد الموجود بتفاعل من إن الشعر خطاب إيحائي وترميز يتميز بكل دلائل الانزياح وكثافة المعنى وتعدد هذه الأبعاد . وإذا كان شعر التفعيلة في بدايته اقتصد او قلل في كثافة الترميز فإن تطوراته اللاحقة سرعان ما أدخلته في سماء ضيقة عندما استقر في الثقافة الشعرية العربية مفهوم خاص عن الشعر يجرده من كل معنى فيه ورسالة له .وربما جاء ذلك بعد سلسلة من التأملات البديهية في ظل النكسات السياسية التي عاشتها الامة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث ولّد حالة من اليأس النفسي الثقافي والاجتماعي.

ورغم وجود الحركة التي مست القصيدة العربية في لغتها أو صياغتها – يحق للباحث أن يبحث في حركة التطور التي شهدها الشعر العربي المعاصر عن مصداقية شعار التجديد بسبب ظاهرة تبعيتها وكذ لك التقليد الذي ميز صلة الشاعر العربي بصلة التجربة الشعرية الغربية.. فإذا كان الشاعر الرومانسي العربي ولج من حيث الموضوع من خلال التجربة الرومانسية الغربية فأن شعر التفعيلة لا يعني الدعوة إلى الجمود على عروض الخليل الفراهيدي بل هو يمثل ثورة – كما اسلفت – عليها فالتجديد شمل كل الأساليب الشعرية والأشكال والمضامين، .بالنظر إلى ايجاد تغيير في واقع الثقافة ومحيط الاجتماع فان النهج الذي سار فيه الشعر المعاصر اغرقه في الغموض وكذلك افتعال استخدام الأسطورة، وتقليد سريالية الشعور الأوروبي من دون إدراك الأسباب الحضارية والخلفيات الفلسفية التي جعلت الشعر – والثقافة الغربية ككل - ينساق في هذا المسار ثم انهيار قاعدة بناء قصيدة الشعر الحر ذاتها مع ما يسمى بـ ( قصيدة النثر ) او قصيدة النثر المعاصرة التي اوغلت حتى العظم في الغموض والابهام في بداياتها فيؤكد أن هذا السياق الذي سار فيه الشعر العربي في أمسّ الحاجة إلى وقفة ادبية ونقدية تكشف زيف شعار التجديد وتؤكد ضرورة الإبداع الذاتي الأصيل وتحجيم الغموض في كل من شعر التفعلية وقصيدة النثر .

وفي نظرة سريعة الى ما ينشر حاليا في مواقع النشر الورقية والالكترونية نلاحظ آلاف القصائد او ما يسمونها قصائد لشعراء كثيرين ( جدد ) في قصيدة النثر . انها مجرد كلمات نضدت او كلمات ألبسوها اثوابا مختلفة من الغموض والابهام ووسموها بانها (قصائد معاصرة) .

 

امير البيــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العــــراق - ديـــالى - بلــــد روز

 

 

727 صباح مطرلا يمكننا بصورة أو بأخرى حصر دور المكان الروائي كإطار لامّ لأحداث الرواية فقط، وإنما يدخل مع الشخصيات وكل بنى النص الروائي الأخرى بعلاقات بنائية، تفرض هيمنتها الكاملة في بعض الاحيان، بغض النظر عن شكل هذا المكان، إن كان مكاناً فعلياً مباشراً، أو مجرد إحالة ما، وبصورة غير مباشرة، يقول ج. ب. كولدنستين ( يحرص (الكاتب) على اعطاء كل لحظة قوية وكل مشهد من مشاهد روايته أطاراً زمكانياً، ذلك أنَّ الروائي أكثر تنبهاً الى العلاقات التي توحد بين الشخوص التي يبدع، والعالم الروائي الذي يحيط بهم)، وهذا ربما ما نلاحظه في رواية (كوثاريا)  للروائي نعيم آل مسافر، إذ إنَّ حضورها كمدينة يبدو هامشياً في القراءة المباشرة، لكنه يأخذ مديات كبيرة في بناء الثيمة الروائية، ولكن بصورة غير مباشرة من خلال المكان الروائي/ التخيلي والاحالة الى المكان الواقعي، واعتقد أنَّ لعبة النص، هي استبدال المواقع بين المدينة المتخيلة وبين المدينة الواقعية، إذ يمارس المكان هنا -وهو المدينة- سطوة على دلالات النص بالتلاعب بها على هذين الوترين، اي يصبح احدهما وجهاً للآخر، دون التفريط بأي منهما، ويصبح التاريخ الاحالي والحاضر كلاهما حاضرين يمثلان نبض النص وتناميه، و بداية لخلق الارتباط بينهما وإن كان بصورة ضمنية، فمثلاً يتخذ العنوان (كوثاريا) ترجيعاً دلالياً سيميائياً داخل النص، حيث يمثل عتبة أولى ستفرض هيمنتها الدلالية والسيميائية على مجمل محاولاتنا في استنطاق المتن السردي والبناء الثيمي، فهل كوثاريا المدينة التاريخية كانت حاضرة بكل ثقلها الدلالي والمرجعي، ام هي محاولة بناء متن افتراضي موازٍ يجمع زمنين، ماضٍ وحاضر، يحاولان أن يعضدا رؤية ابتناها الروائي، من خلال تعدد ظهور هذا العنوان ليس بصورته دالاً مكانياً فقط، وإنما هو حضور لفضاء الدلالة المقترن بالمكان الذي بناه النص، والمكان الآخر الذي يحيل اليه العنوان، وعلاقته بالاستهلال الذي سنجترح له عدة علاقات تساهم في التأثير على بناء النص وبنيته الدلالية، وهذا الحضور لكوثاريا العلامة هو حضور افتراضي لكوثاريا المكان التاريخي في مستواه الاحالي.

يستفيد الروائي من المكان الحقيقي واحالاته ودلالاتها، وأيضاً من المكان الآخر (الروائي) المتخيل والذي يضلل القارئ من خلال البحث عن المشتركات بينهما، ولا يعني ذلك أنَّ تلك المشتركات بصورتها المباشرة شرط لازم بينهما، وإنما المكان الروائي التخيلي يحاول ان يفارق ذلك الاصل ويموه علاقته به، باشتراطات بنية النص وتمثلا لثيمته، إذ (ينبغي للمكان الروائي ان يكون "حقيقياً"، من دون أن يعني ذلك امكانية تحديد موقعه تحديداً تاماً. ولذلك يكون التأليف بين السمات المعرفة الحاملة لأسماء حقيقية وسمات أخرى غير معرفة نسبياً، تحمل أسماءً تخيلية، أو ليس في الامكان التعرف عليها. بما يجري معه، توجيه القارئ بموازاة لتضليله)، وان كانت التسمية تعمل على كشف وتركيز دور المكان في صنع الحدث السردي، اذ يقول شارك كريفل (ان تسمية المدينة أو الشارع، الخ، لا يكون لها مبرر مالم تكن هذه الامكنة مسرحاً لفعل (قد جرت ازاحته). فالنص الروائي يؤكد دائماً، على غيب تستمد منه عناصر الرواية معناها الحالي.) .

إنَّ الصورة الحقيقية للمكان ربما تنفذ بصورة أو بأخرى الى ممارسة نوع من التأثير على المكان الروائي، باعتباره صورة مفترضة عنه، محاولاً بها اعطاء نوع من الواقعية، لذلك فتلك العلاقة هي علاقة مواجهة و"ندية" كما يصفها (كريفل) (ان المكان يعطي الانطباع بان النص حقيقي. فهو يؤكد ان ما يحكى داخله انما هو محض تشخيص. وبفضل المكان يحيل النص ويتبدى كأن له علاقة بشيء خارجي، أو هو صوره عنه أو محاكاة له. مما يجعل النص في مواجهة مستمرة. فهو مشروط (افتراضاً) بحقيقة هو ندّ لها)، وبهذا يمكن ان يتحقق نوع من التوائم الضمني بين الطرفين من خلال التسليم بأنهما رغم تلك الندية إلا انهما يشتركان بنفس الارضية المكونة لهما كدلالتين مكانيتين تحيلان الى علاقة سيميائية ثابتة وقارة لهذا المكان، فإشارة الروائي للمدينة المدورة في رواية كوثاريا مثلاً، لكي يعزز مدى التقارب بين المدينتين السادرتين في تاريخ يتوالد من نفسه وبنفس الوتيرة، حيث إن كوثاريا مدينة اخرى غير المدينة الموصوفة بالمدورة وهي (بغداد) الا ان ما يجمع بينهما تلك الصلة الافتراضية التي اوجدها الروائي والتي خلقت تلك المقابلة بين المكان الواقعي والروائي/ التخيلي، ولكن ايهما الحقيقي وايهما المتخيل؟ هل هي المدينة المدورة/ بغداد ام كوثاريا المدينة التاريخية؟ الاجابة ممكن أن نفترضها إن نحن دققنا باستخدام الروائي لمدينة كوثاريا، والتي هي مجرد اسم لمدينة ولا يوجد اي اشارة الى كونها هي المدينة التاريخية القديمة، موطن صناعة الاصنام، وهنا كما اعتقد لعبة الروائي بإسقاط الحاضر في دائرة التاريخ، وجعل كل دلالات النص تدور حولها بصورة وبأخرى، اي جعل (كوثاريا) الحاضر هي امتداد لـ(كوثاريا) الامس، وليست استدراجاً للثانية الى حاضر الاولى، وذلك يظهر من خلال غياب كل ما يرتبط بها والاكتفاء بحضورها كإسم، مع اشارة الاستهلال الى ابراهيم وتحطيم الاصنام والتي كانت تسبتطن وجودها،  كما سنشير لاحقاً، فهذه المدينة ترتبط دائماً وفي اكثر من موضع من الرواية بكوثاريا مرة وبالمدينة المدورة مرة أخرى، مع ملاحظة ان كلتيهما مدينتان تاريخيتان، تعززان حاضر الرواية (كانت عيناي معصوبتين ولم يقم اعوان سمير بفتحهما إلا عند باب المزرعة، فلا اعرف بأي جهة من ضواحي كوثاريا تقع. هذه المدينة المدورة التي بناها ضرورة سابق وظل سكانها يدورون في حلقة مفرغة. وظلت تتنقل كغانية بين يدي دكتاتور وآخر منذ ذلك الحين.).

لاتخلو الرواية من اشارات واضحة الى ان كوثاريا هي كناية عن (بغداد) كما اسلفنا، وما العنوان الجديد الا محاولة من الروائي ليحقق موائمة افتراضية بين بغداد اليوم وكوثاريا المدينة التاريخية صانعة الاصنام، وهذا ما يظهر ربما من خلال الربط بين شخصيات الرواية وبين النظام الديكتاتوري، وكأنها اشارة الى هذا الوطن المتمثل بهذه المدينة، معمل صناعة الاصنام بكل اشكالها، متمثلة بالشخصيات التي تأخذها من قاع المجتمع حيث المعوقين نفسيا كـ(سمير) او المأبونين كـ(نبيل)، اذ ان (كل فعل للشخصية الروائية هو واجهة اشارية أو (موقف) اجتماعي يضمر مرجعيات ثقافية مهيمنة، تستبطن الفعل الثقافي المضمر، اي الفعل الثقافي الجمعي الذائب في ذلك الموقف.)، حيث إنَّ البحث في مواقف الشخصيات هو بحث في المواقف الاجتماعية المضمرة، او مبرراتها المستندة على اسس ثقافية مضمرة والتي اظهرت كوثاريا بهذه الصورة، اذ (يمكننا النظر الى المكان بوصفه شبكة من العلاقات والرؤيات التي تتضامن مع بعضها لتشييد مواقع الاحداث وتحديد مسار الحبكة ورسم المنحنى الذي يرتاده الشخوص.)، وهذا ربما يضعنا في لجة سؤال اعمق، هل ان التأثير هنا ينحصر بكون المكان ارضاً صلبة تقوم عليها هذه العلاقات، وتؤثر في بناء الاحداث وصياغة الاراء... الى اخره، ام ان هناك صفات اخرى، كما في اسم مدينة (كوثاريا)، فمدينة الامس/ التاريخ، ليست هي مدينة اليوم/ الحاضر، ولا يجمعهما على المستوى السطحي والمباشر سوى الاسم، الذي يضفي تلك الهالة الرمزية على مجمل احداث الرواية وشخوصها، لذلك فهذه التسمية ربما تبدو مجازاً، للموائمة بين مرجعيات كلا المدينتين ومحمولاتهما الرمزية، فلو لم تكن مدينة اليوم هي المدينة المدورة او هي كوثاريا، فهل ستبقى العلاقات الاحالية والرمزية لهذه الكيفية، ام انها ستأخذ مساراً اخر، اذ استخدم العنوان/ المكان بصورة واعية لتحقيق هذا الربط الذي ربما يختفي من سطح الرواية وعلاقاتها، ويضمر في العلاقات التي ينشأها هذا العنوان والاحالات المتكررة له من خلال الاشارة الى الاصنام في اكثر من موضع داخل الرواية، وتراوح ظهور المدينة بين المدينة المتخيلة والواقعية كما اسلفنا.

اعتقد ان (كوثاريا) خرجت عن توصيفها كمكان جغرافي، الى مكان يحمل محمولات رمزية، يمكن ان يكون اي مكان ما يتطابق مع تلك المرموزات والدلالات، خالقاً رابطاً بينها، فاتحاً فضاءات جديدة لاعادة قراءته من منظور هذه العلاقة، فلو بحثنا في مكان رواية كوثاريا؛ اي المزرعة او حتى السجن الاصلاحي، فلن نجد ذلك التطابق الصوري بينه وبين كوثاريا النبي ابرهيم التاريخية، الا في الاشارة الدائمة لمحور هذه العلاقة وهي صناعة الاصنام، (كما اتخذ القائد الضرورة من السجن الاصلاحي كوثاريا اخرى انتجت من الاصنام المتحكمة في اقدار الناس مافاق نتاج اصابع آزر، هاهو سمير اليوم يتخذ من هذه المزرعة مكانا اخر على شاكلتها)، رغم اننا نجد في ص11 من الرواية انها اخذت منحاً اخر في توصيف المكان عندما شبه بالبستان، الذي لا يقدم المكان الصريح مستفيداً؛ من مواصفات البستان التي يسقطها على المكان المفترض للرواية، المكان الواسع او فضاء الوطن الذي كان في كوثاريا مركزاً تتجمع حوله دلالاتها، رغم انه يختفي في اكثر الاحيان، الا انه موجود ومهيمن على الخط البنائي العام لثيمة الرواية.

يلعب المكان دوراً مهما في بناء الحدث السردي، ومشاركاً لكل عناصر العمل الروائي الاخرى في بناء النص، فـ (المكان هو الحاضن للحدث الروائي، وتفاعل الشخصية وردود افعالها تجاه المكان محكومة بنوعية الحدث ان كان ايجابيا او سلبيا اي ان يكون للمكان فعل اجتماعي، كاشفا نمط معيشة الشخصيات والمرجعيات الثقافية التي تصنع هويتها المكانية.)، ويعبر المكان ايضا او يعطي تصوراً على اقل تقدير عن الحدث السردي الذي سيضمه، وربما وفي بعض الاحيان يعطي اشارات ضمنية للقارئ عن طبيعة ذلك الحدث، الذي يكون ارضاً له ومتعالقاً معه، اذ لا يكون المكان هنا مجرد وجود او صورة سلبية حيادية، وانما يكون متوائما ان لم يكن محرضا ضمنيا على ذلك الحدث، فالمكان (في الرواية انما يكون بحسب ملائمته للحدث القابل (...) مكان "ناطق")، لذلك يكون للمكان هيمنة كبيرة على الشخصيات باعتبارها تمثلا ثقافيا واجتماعيا لتلك المجتمعات التي تشغله، لذلك تخضع في اكثر الاحيان لضغط ذلك المكان او الفضاء الثقافي والاجتماعي وتستجيب لقيمه، فـ( الحيز الذي تتفاعل فيه الشخصية يولد علاقات تبادلية بينهما – ان كان حيزا اجتماعيا او ثقافيا او حتى مكانيا- من خلال التأثير بتلك القيم، اي اسباغ هذه القيم عليه، من خلال ممارسة سلطة الوعي به او الانقياد الى القيم التي يفرضها، باعتباره ممثلا لسلطة اجتماعية وثقافية مهيمنة.) .

يبدو المكان في رواية (كوثاريا) مكانا قامعا ومصدرا للشر، لذلك يكون الهروب منه هروبا من ذلك الشر، ورغم ان مسببه هم البشر/ شخصيات الرواية سمير وغيره، الا ان هذا المكان (كوثاريا) هو المسبب الرئيسي، لانه معمل لصنع الاصنام، والخروج منه هو هروب من هذه الاصنام وظلالها، وطبعا هنا يجب الاشارة الى ان القصد من المكان ليس المكان الجغرافي، وانما هو الفضاء الثقافي والحضاري اي المظاهر السوسيوثقافية التي يبنيها هذا المكان والتي تلتحم بالاطر الحضارية والثقافية للمجتمعات التي تعيش فيه، (ليتني استعجلت بالسفر قليلا، لما استطاع اتباع سمير اختطافي واحضاري اليوم في مزرعته المقبرة هذه. لكنت الان في بلد آخر بعيدا عن كوثاريا. في بلد لا سطوة له فيه. ابدأ هناك حياة جديدة، حيث لا أحد يعرفني ولا ماض يلاحقني أعود حقيقيا كما كنت في السابق، قبل ان يفرض علي القدر مصاحبته في رحلة حياتي الماضية) .

لعب الاستهلال (مردوخ) دورا تحريضيا وموجها قرائيا، يحاول ان يبتني مجموعة من العلاقات، التي ستشكل لدى القارئ مجموعة من المفاتيح التي سيبحث عن ابوابها في النص، ربما لتفتح له مديات قرائية واسعة، يمكننا اجمالها بعلاقتين هما:

- سبب عدم تحطيم مردوخ وعلاقته بالسبب الذي اعطاه الراوي.

- السؤال، سؤال عدم التحطيم وسيرة حياة الراوي (كتبته على جدران السجون الرطبة بحروف باردة، خططته على اراضي المعارك الساخنة بحروف لزجة) .

هذه مجموعة من العلاقات التي ربما يمكن استخراجها من نص الاستهلال، وربما يمكننا صياغة مجموعة اخرى، ولكن المهم في ذلك هو تأثير هذه العلاقات على احداث الرواية وبنائها، اذ إنَّ تأثير الاستهلال على بنية النص، يظهر من خلال التعالق مابين العلاقات التي اشرنا لها سابقا وتكرار ظهور علاماتها المتمثلة بإبراهيم ومردوخ وكوثاريا المدينة التاريخية؛ التي كانت غائبة عن متن الاستهلال ولكنه ليس غيابا فعليا، وانما هو حضور ضمني من خلال الحديث عن قصة النبي ابراهيم، والذي يرتبط بالمدينة من خلال مقولة (ابن عباس) التي وضعها الروائي قبل الاستهلال وهي (نحن معاشر قريش من النبط، من اهل كوثاريا، قيل ان ابراهيم ولد بها، وكان النبط سكانها)، وايضا يمكننا ان نفترض اجابة عن هذه الاسئلة او العلاقات بعد ان نعقد صلة بين الفضاءات التي بني عليها المدخل الاستهلالي، اذ ان هناك ثلاثة فضاءات نصية ومرجعية تغذي النص، منها ماهو مباشر اشتبك بالبناء السردي، ومنها ماهو غير مباشر متن افتراضي ملحق ببعض الدلالات التي يغذيها داخل الرواية، وهذه الفضاءات هي اولاً قصة النبي ابراهيم وتحطيمه للاصنام (قرب الموقد كنت اطلب من ابي، ان يحدثني بقصة النبي ابراهيم، من بين كل قصص الانبياء التي يحفظها ويرويها لنا في الطفولة. كانت هذه القصة تأسرني...) ص5، اما الفضاء الثاني وهو المهم بتصوري وهو وسيط بين الفضائين الاخرين، هو السؤال الذي تحدثنا عنه قبل قليل، اما الفضاء الثالث فهو القصة الرئيسية التي كانت مفتتحاً لانطلاق احداث الرواية وهي مقتل والد الشخصية الرئيسية وسجنه.

احتفظ الفضاءان الاوليان في المدخل الاستهلالي وهما فضاء قصة ابراهيم وسؤال الفأس، بموقعهما خارج الحدث السردي المباشر، وإنْ مدت لهما خيوطا داخل مسارات الرواية بصورة غير مباشرة من الايحاء الذي يضفيانه على بعض الاحداث وخاصة من خلال الحديث عن الاصنام او (الضرورة)، حيث يتركاننا في حالة من الترقب لعقد صلات بين احداث الرواية وتشعباتها وبين هاتين المرجعيتين، من خلال البحث عن الاصنام ومردوخ، او محاولة تخمين الاجابة، وتتضح اهمية هذا المدخل الاستهلالي ومدى هيمنته على الرواية ان حاولنا رفعه، والذي ربما سيعطي لدلالات الرواية - بوجهة نظر اخرى- فسحة اكبر من الحرية، وربما تجنح بعيدا عن هذه الموجهات التي الزمنا بها الروائي، وهذا المدخل او العتبة طريقة ذكية – برأيي على اقل تقدير- وضعها الروائي للمحافظة على الثيمة الروائية التي يحاول رسمها بربطها بمرجعيات تغذيها بصورة غير مباشرة، لتعطيها صبغة اكثر درامية.

لو انطلقنا من المدخل الاستهلالي ( لعتبة النصية)، غاضين النظر عن العنوان والغلاف، وبحثنا عن اصنام كوثاريا داخل المتن، فهل سنجد تلك الاصنام؟ هل ان الرواية قدمت الضرورة او ظل الضرورة (سمير) كأصنام؟؟ هل ان الراوي يلعب في حاضر السرد دور (إبراهيم عليه السلام)؟؟؟ إن الرواية – بتصوري- لا تتكلم عن صناعة الاصنام او تدميرها، كما هو الايحاء الذي أوهمنا به الفضاء الاول للمدخل الاستهلالي، وانما تنطلق من الفضاء الثاني وهو السؤال ( السبب المعروف هو اتهامه بالتحطيم، حتى يُحرج الكهنة وتتضح الحقيقة للناس المخدوعين بعبادة الاصنام. ما كان هذا السبب المعلن يرضي فضولي، ولطالما تساءلت عن وجود سبب أخر جعله يترك هذا الصنم دون ان يحطمه)ص5، إن الاجابة عن هذا السؤال؛ هو الاجابة عن سؤال الرواية، وافتراض الاجابة تضعنا في خضم سؤال اهم وهو هل انه لم يحطمه حقاً؟؟ ان تحطيم الجسم المادي للصنم لا يقتله اذ من الممكن استبداله، ولكن وضع فأس السؤال في عنقه سيحطم جسمه اللامادي، فالرواية ربما هي فأس السؤال الذي وضع في رقبة مردوخ، ليعري القيم اللامادية التي تصنع اصنامنا (الذي دعا ابراهيم لعدم تحطيم مردوخ ووضع الفأس في عنقه، ربما كان يريد الايحاء لنا بإن مهمة تحطيم الاصنام ليست مهنته بل مهمة الجميع، لابد لكل منا تحطيم اصنامه الداخلية بنفسه حتى يحين الخلاص) .

ربما لم يأخذ مردوخ الصنم الكبير وآزر صانع الاصنام مساحة كبيرة في الرواية، الا انهما مارسا نوعاً من السيطرة على البناء الدلالي للنص من خلال العلاقات التي بنياها، وأيضاً في المرات التي ظهرا فيها في المتن والتي عززت دورهما في النص، لكي لاينفرط البناء الدلالي ويخرج عن السيطرة التي فرضاها منذ نص الاستهلال (مازال مردوخ يتناسل في نفوسنا ويلد الاصنام تلو الاصنام، فكل من تتوفر له فرصة التسلط يظهر الصنم القابع في داخله ويصير دكتاتورا يحاول ان يكون مردوخا اخر. كلنا آزر وهذه البلاد كلها كوثاريا وانى لنا بإبراهيم جديد؟)، وربما يكون هذا الاقتباس هو تساؤل الرواية أو الاطار الذي يحكم ثيمتها، اذ انه يكشف الصلة الافتراضية التي اوجدناها بين كوثاريا التاريخ، مدينة الاصنام بكل تشكلاتها والدلالات المرتبطة بها كـ(مردوخ، آزر، وإبراهيم) وكوثاريا الحاضر، المدينة المموهة بهذه المرجعية والاشارات التي تقود الى مدينة فعلية واقعية هي (بغداد)، ولكن بحضور افتراضي استشرافي لدلالات الاولى وهي صناعة الاصنام، الى اخره من دلالات، اذ يجر الراوي ثيمة النص لكشف الاساس الذي قامت عليه استعارته لكوثاريا وآزر ومردوخ وربطها بزمن الرواية، ويمكننا ان نلمح حسا ساخرا مبطنا في لغة النص وهو يتعامل مع كوثاريا كدلالة وهذا ربما يسعى به الراوي لتعميق صورة هذه المدينة بصورتها الحاضرة، اذ يقول (ان اراد المرؤ ان يظل على قيد الحياة في كوثاريا، فلا بد له ان يتقن فن انتحال شخص اخر على شاكلة عبدة مردوخ. فيفقد ذاته ويصير دمية مسلوبة الارادة يحركها اللاعبون الكبار، يكون صانعا للأصنام كأي آزر، بشكل وآخر. بغير هذا ليس امامه إلا ان يكون حطبا لمحرقة النمرود التي اشتعلت في اوصالنا منذ زمن بعيد بأسباب واسماء مختلفة)، وهذه اللغة الساخرة التي ربما نجدها بين تضاعيف الرواية تقترن بالمأل الذي آل اليه الوضع في كوثاريا، وهو ليس منقطعا عن ما قبلها، وانما السخرية تركزت على الحاضر بإعتباره صورة مضخمة ومشوهة عن الماضي، بالاضافة الى ذلك حتى لا يفقد النص الايقاع الذي يربط بين كوثاريا اليوم والامس، وايضا يمكننا ان نلمس مستوى اخر من تلك السخرية في كلام (سمير) والذي بدا وكأنه حوارا كاريكاتوريا في بعض الاحيان .

مثلت الاصنام داخل الرواية مصدرا للخوف ورمزا للغطرسة ولم تكن الهة للعبادة، وهذا ما لمحت له الرواية في استهلالها بصورة ضمنية، وعززته ربما العلاقات التي اشرنا لها سابقا، حتى اصبحت نوافذ نطل منها على النص، واقترنت بالكثير من الاسئلة التي تحتاج الى اجابات، واهم هذه الاسئلة بتصوري هو سؤال الفأس؛ والذي يدور بين عدة اجوبة منها ما قدمه الروائي نفسه في خطاب الرواية المباشر، ومنها ما يستشف من قراءتنا لدلالات النص واحداث الرواية والعلاقات بينها، ولذلك يبدو لي ان هذا التصور لهذه الاصنام أي ليس بصفتها آلهة؛ هي الاجابة المفترضة عن سؤال ابراهيم وسبب تعليقه للفأس في نص الاستهلال المأخوذ من القصة القرآنية المعروفة، أي انه اراد تحطيم هذا الجبروت والغطرسة لهذه الالهة، من خلال عدم تماهيه مع سدى الحكاية القرانية، التي انطلقت من زاوية تنظر لهذه الاصنام على انها اصنام تعبد كآلهة، اذ ان السبب المقترن بهذه الزاوية او وجهة النظر الدينية وتفسيرها لموقف ابراهيم لم تقنع الراوي – في نص الاستهلال-  لانه يريد تأسيس صورة اخرى لهذه الآلهة، ويخرجها عن التصور الديني لتصبح علامات لمفاهيم وتصورات، وليس تلك الصورة النمطية لهذا الصنم كوجود مادي يشير الى اله معبود،  وانما الموقع الاجتماعي والسياسي وربما الايدولوجي المنتج لمظاهر الغطرسة والشر، وهذا يظهر ربما سبب اختيار ابراهيم لكبير تلك الاصنام، والذي انتقل من موقعه الاجتماعي والديني السابق، الى موقع جديد هو الموقف الايدولوجي لشخصيات الرواية كسمير ونبيل وغيرهم، حيث ان تعزيز هذه الصنمية يتم من خلال الايغال بالشرور الذي يسوغه الموقع الذي تحتله تلك الشخصية، او الموقع الذي تحتله الافكار والمفاهيم التي اشرنا اليها سابقا، اي الموقع الذي يحتله مردوخ الذي يتبدى بعدة صور، كان احداها مردوخ الاعلام الغربي (حتى أمراء النفط الذين يرتبطون وامبراطور الاعلام الغربي روبرت مردوخ بعلاقات وثيقة ومصالح متبادلة، يساعدونني. ذاك الذي دعم بوش بماكنته الإعلامية العملاقة إبان احتلال العراق، هو ايضا يدعمني بصورة غير مباشرة)، حيث ان الاعلام الغربي اصبح صنما آخر، يمثل سندا وظهيرا لغطرسة امريكا وسياستها، اذ كلما تغير شكل هذا الصنم، يبقى على نفس مواصفاته وقيمته المعنوية، ان كان ماديا، او شخصا بعينه، او فكرة او مفهوما، او آلة جبارة كماكنة الاعلام الغربي.

هذه مجموعة من الوقفات التي اردت بها الاشارة الى علاقة المكان (كوثاريا) بالبناء الدلالي للنص الروائي وعلاقتها بعناصر الرواية الأخرى وان لم اشر الى جميع تلك العناصر.

 

أمجد نجم الزيدي

.......................

الاحالات

1- الفضاء الروائي – جنيت وكولدنستين واخرين، ترجمة عبد الرحيم حزل- افريقيا الشرق- المغرب 2002

2- كوثاريا (رواية) نعيم ال مسافر- دار ميزوبوتاميا- بغداد ط1 2014

3- الانساق الثقافية والتاريخية في الرواية العراقية المعاصرة- أمجد نجم الزيدي- بحوث ودراسات مهرجان الكميت الثقافي الرابع- ميسان 2014

 

حمد حاجيبالمجموعة القصصية (ما بعد الخريف) للقاص عبد الكريم الساعدي

أولاً: تسريد المستقبل أيّ معنى؟

 مقدمة: يذهب البعض إلى أن الماضي والحاضر هما من ضرورات المستقبل بل وأكثر يعتبر أنهما من متطلبات النظر للمستقبل : كما لو كان الحاضر نتيجة للمستقبل.. وأبسط الرؤى تنظر إليه على أنه أي أنّ المستقبل يصنع من ماضٍ فتَّتَتْه لحظات الحاضر.. كما لو كانت الوقائع ترتيبا بدقة شديدة لسيناريوهات مستقبلية تقوم مقام النتائج لأسباب الحاضر..

لكن قصة (ما بعد الخريف).. بتقديري تقول أن الماضي يأتي من المستقبل..

هذا ما سأحاول التدليل عليه؟

قبل البدء

إذا انطلقنا من المحتمل والممكن لا من الحاصل والمنجز بالنص القصصي.. من أنّ تسريد المستقبل ينهض برمته على الخيال المحض..

ومن افتراض أن هذه المجموعة عمدت إلى صناعة ذاكرة للمستقبل، جعلتها حاضرة في اللحظة الراهنة (لحظة الكتابة)..

وإذا انطلقنا من افتراض أن القاص قد قام بتسريد أحداث ماضية لكنها بنفس الوقت تجري استعادتها في تداخل زمني يذيب الفواصل بين الأزمنة ويعيد بناءها من جديد..

فما هي الأسباب التي حملت القاص عبد الكريم الساعدي على تحويل المستقبل إلى نص سردي؟

وما هي آفاق التخييل بهذه المجموعة؟

أولا : تناص العتبة وتسريد المستقبل:

وحتى أبرهن على تسريد المستقبل ابدأ من العنوان للمجموعة ..

إنّ المجموعة القصصية (ما بعد الخريف) تذكرني بروايتين “عالم جديد شجاع” للإنجليزي ألدوس هسكلي، ورواية “أخبار ليست من أي مكان” لويليام موريس . واللتان تضطلعان برؤية سردية تستشرف المستقبل..

ومن العنوان أيضا (ما بعد الخريف) الذي اقترحه القاص تنفتح آفاق وتناصات مع روايات المستقبل (أو الروايات المضادة لليوتوبيا) من مثل رواية “نحن” للروسي يفغيني زمياتين.. والذي لا يغيب عن القراء مدى اهتمامها بتسريد المستقبل..

ولعلني أعد مجموعة (ما بعد الخريف) تتمة لرواية الإنجليزي جورج أورويل برواية “1984” ورواية “فهرنهايت 451” لراي برادبوري..

وإنّي أجد كثيراً من شخصيات القصص القصيرة بـ (ما بعد الخريف) تقترب من رواية “الواهب” للأمريكية لويس لوري ..

ولعل الأغرب بتدقيقنا لمجموعة عبد الكريم الساعدي هذا التقارب الكبير بالموضوعات فيما صدر مؤخرا برواية “استسلام” للفرنسي ميشال ويلبيك التي صدرت في عام 2015م في صبيحة حادثة شارلي إيبدو الشهيرة..

ولن أكون مشطا إذا ما أضفت أن الأستاذ عبد الكريم الساعدي عمد إلى تقديم رؤية أكثر وضوحا من رواياتٌ عربية عملت على تسريد المستقبل، وأذكر هنا الجزائريَان واسيني الأعرج بروايته“حكاية العربي الأخير 2084” للجزائري واسيني الأعرج الصادرة في عام 2015 ورواية “2084/ نهاية العالم” للجزائري بوعلام صنصال الصادرة في العام نفسه 2015، في استعارتهما لعوالم رواية جورج أورويل “1984"

هكذا من العنوان يتجلى لنا أنّ النص ينحو منحى تسريد المستقبل.

ثانياً: تسريد المستقبل اي معنى؟

يذكرنا عبد الكريم الساعدي في مجموعته القصصية برواية جورج أورويل 1984كما أسلفنا بالعتبة من جديد، من خلال التأكيد على واقعية العمل السردي بالمستقبل أي أنّ النص القصصي عند الأستاذ عبد الكريم الساعدي يسافر عبر الزمن انطلاقا من هاجس يسكن الحاضر لا بكونه يوميا بل بكونه تفكيرا بما سيعاش على نحو نتوقعه أحسن وأنضج..أو أسوء وأشد مضاضة..

فحين نقرأ عتبة العنوان (ما بعد الخريف) يبدو معيار الأفضلية مرتكزاً على بؤرة تحكمية مستقبلية هذا من ناحية بينما من ناحية تشظّي العنوان نلاحظ أنّ الكاتب يحافظ على تسريد المستقبل بما يناقض سرد اليومي والمألوف..

ومن خلال قراءة مجمل القصص المنشورة نجد أنّه يركن قصصه إلى عالم افتراض العلاقة بين المستقبل والذاكرة/ التاريخ. فلئن كان ما بعد الخريف هو عبارة عن تجاوز لليومي والمعيش إلى ما سيعاش على نحو قد يكون متوقعا دون الخوض في مدى أفضليته أو مدى أن يكون أسوأ،

هذا يعطي انطباعاً أن معيار معيار الأفضلية هذا أو السوء ذاك يرتكز إلى تقنية افترضها الهامش والمركزي بالنص ليقوله بطريقة ومخالفة يقع الاحتكام إليها، إنّها صياغات ورهانات المستقبل، إنّها أم القضايا : لكل قضية/ موضوع..

فإذا كانت رواية جورج أورويل يتم فيها تزييف التاريخ والذاكرة تحت مسمى وزارة الحقيقة، نألف بمجموعة ما بعد الخريف وعلى امتداد القصص المنثورة تباعا بشكل أو بآخر، أنّ الأستاذ عبد الكريم الساعدي يسعى الى إرباك المستقبل فمن خلال تقنية بالسرد السينمائي التلصيق حيناً والتفتيت للأحداث والشخصيات مما يضفي على نصوصه ظواهر المحو والتزييف.. تؤسس لرؤية مخالفة لما هو المستقبل؟

وهذا نجده من خلال إثبات تفاصيل التفاصيل..

فأنت حين تقرأ القصة () ترى أنّ الاحتفال بالقارئ المتلقي يكون بالذهاب به رأساً إلى المستقبل ولكن بطريقة سردية تضمن تحصين ذاكرته ، وأثناء حفظ الذاكرة يحقق السارد حفظها ضمانا لمستقبل آمن..

ففي قصة (رجل من ورق) يحصن السارد ذاكرة الفطرة [ولمّا علا التصفيق والصفير، لا أدري لِمَ كان يخيل إليّ إنّها خرجت من فجّ إبليس،] هنا هو التخييل واستحضار الذاكرة.

ففي قصة (ليلة احتضار النور) يحصن السارد ذاكرة الوفاق لننظر هذا المقطع الذي يصور امتداد المستقبل خطوات الليل المستقبل بالماضي [كانت خطواتي قاتمة في غمرة الليل ، ليل يحكي في السرّ حقيقة فضائح سنين عقيمة، استطالت فيها ليالي الظلم [

ففي قصة (شارع المعبد الغريب) يحصن السارد ذاكرة الوطن المشترك ونلحظ المستقبل يؤسس للماضي من خلال تجميع الأتي ونثره على تفاصيل الماضي اي روعة لهذا المقطع [لم يعد الليل يتسع للتفاصيل، عَبدة هاجرت حواسها، إله مسجّى ، متجهّم ، مخلوقات غريبة تنعب، ذباب يصفعه الطنين، سنّارة تحلم بأجساد عارية.

وفي قصة (هي ذات الروائح) يحصن السارد ذاكرة الهوية وهوية الذاكرة.. من خلال استحضار المستقبل الذي يمد ظلاله على الماضي [يمضي الجميع إلى حيث التلال .... منذ الأسبوع الماضي ، المدينة كالثكلى ...، ذات ليلة وبعد تراكم القلق والخوف ولوثة من جنون ، وتكاثف صور أشباح وصراخ موهوم ، سمع عواء كلاب سائبة عند أطراف المدينة أطفأ ما تبقى من الأحلام].. فالاستدلال واضح هنا المستقبل (منذ الأسبوع /ذات ليلة ) لنصل بالنهاية إلى الأحلام المستقبلية (أطفأ ما تبقى من الأحلام)

ففي قصة (ما بعد الخريف) يؤسس السارد لاسترجاع ما تلف من الذاكرة المنسية لانه بضياعها يكون قد أتلف جزءا من المستقبل.. يطارد المستقبل ماضيه ما تبقى منسيا..لننظر هذا المقطع: (الوقت أوائل الشتاء، غيوم سود عابرة في عرض السماء، فجأة تظهر سحابة أخرى من جهة الغرب، تهشّ وجه الشمس بدخان كثيف، تمدّ أذرعاً اتخذت شكل الأعاصير، تطارد ما ابقّى من أقمار معلّقة بسقف سماء تمور بمخاوفها)

ثالثا: مبادئ تسريد المستقبل

عمد القاص عبد الكريم الساعدي إلى تسريد المستقبل بان جعل من الذاكرة مادة وموقفا، وليس قيمة وبعدا جماليا ونجدها على أربع مواقف ظاهرة :

1- تسريد المستقبل لا يقترن إلا بقضية، ترحل عبر الزمن انطلاقا من موقف يومي يسكن الحاضر.

2-  الماضي يأتي من المستقبل: كما بيننا بالحديث عن الذاكرة وإحيائها بالعنصر الثاني.

 3- الفلسفة الباحثة عن الإجابة المتحولة إلى سؤال وجودي نضرب مثالاً هنا بموضوع الموت الذي يراه القاص ساكنا بالمستقبل، على حد تعبيرات هيدجر: “أن توجد يعني أن توجد باتجاه الموت"

4 - الانزياح التداولي إذ تنزاح الذاكرة عن كونها مجرد أحداث ماضية تتم استعادتها حين الكتابة بالزمن الحاضر، لتصير مادة خاما تخيلية توهم بالواقع..

خاتمة

هكذا عمد الأستاذ عبد الكريم الساعدي إلى تسريد المستقبل بقضية كان فتَّتها بمجمل قصصه بالمجموعة، في قطار السرد يقوم برحلة عبر الزمن انطلاقا من موضوع يقترحه ويكون بالضرورة يسكن الحاضر، ولكنّه غير معني وغير مشغول بالمستقبل العادي وليس أصلاً محتفياً باليومي التافه، وإنّما هو مجمل التفكير في المستقبل على نحو متوقع بأفضلية قصوى أو بانحدار إلى أسوأ، ومعيار الأفضلية هذا أو السوء يرتكز إلى القضية الموضوع، أي أنّه استنطاق لذلك المألوف في زمن مُفارِق للحظة الكتابة، وإنّ طابق زمن القراءة في زمن آخر.

ولكنّ الغريب بالمجموعة القصصية والذي على اساسه اعتبرت المجموعة تسريد المستقبل أن جل النصوص يبني فيها الكاتب الأحداث على أساس أنّ الماضي يأتي من المستقبل..

على عكس ما هو معهود بالسردية العربية والبديهي الفيزيائي إنّ الماضي يصنع المستقبل بالضرورة، فلقد أوجد نمطاً من السرد يبني العلاقة بين الماضي والمستقبل ليس من كونها عملية تراتبية، وإنّما لأنّها تبادلية، أي أنّ الماضي مصنوع من المستقبل

وتلك هي الفكرة التي وجدتها بالمجموعة وقد تستغربون

اقرأوا المجموعة .. (ما بعد الخريف) للقاص عبدالكريم الساعدي

 

د. حمد حاجي/ أستاذ الأدب المقارن في جامعة السوربون

 

حامد عبدالحسين حميديعلّها مراهنات قَدر.. استطاع أن يضعنا في مفترق طرقٍ شائكة، أن نجد ذلك الهمَّ الإنسانيّ، يطالعنا بزوبعة من التساؤلاتٍ حتى في كوابيسنا وخلواتنا وزواياه الخانقة عتمة، دون أن نحرك ساكناً، أحياناً نجد أنّ الصراع مع النفس شيء ضروري في مواجهة سوداوية الذات، حينما تبلغ (الأنا) مبلغاً لا يطاق حدّ الإفراط والتخمة، لكن يبقى- هنالك – إصرار على مطاولة البقاء والتمسك بالحياة، فالأنفاس لا يمكنها أن تتوقف إلا حينما يداهمها قدرُها المحتوم، لكنّها تصرّ على دفقة الأمل في بقاء (ما ينقذ ماء الوجه)، عندما تفترس المحنّ والرزايا كلّ ملامحنا المغبّرة.

(زينب فخري) قاصة، استطاعت أن تضعنا أمام بعثرات حياتية جادّة، أن تعيد لنا بعض ما تصرّ عليه هي، في إظهار براعتها في التعامل مع التأريخ ومحاولة تسويقه وبطريقه ذكيّة، إنها اشتغالات السرد الحدثيّ وتقنيّة ترابطه تاريخياً، فنحن نعيش تأريخ مدّور حدثياً، صراعات ما بين الخير والشرّ، بين السعادة والشقاء، الفرح والحزن ، تراكمات يومية مثقلة، تسير على عكاز الصبر الذي أضحى رهين زمن لا يعرف إلا انكسارات الظلّ ومحاولات ترقيع واقع مرير، الأمر الذي جعل المتنفّس صعباً، دون أن يرى في نفسه، أن ملامح الخطايا أقنعة زائفة، تخبئ من ورائها مسالك الهروب إلى جبّ التقوقع الذاتي.

(في الأفقِ مُتّسعٌ من الذاكرة) قصص وسيرٍ لشخصيات لها دورها الفاعل في مواجهة قوى الشرّ وغلوائها، مثلت بحضورها السرديّ، واللغة الحكائية السلسة ذات التراتب الاتساقي المنبسط، من خلال الربط المستمد بين سيرة (الإمام السجاد "ع")، وبين تضحيات أبناء الحشد الشعبي في معارك الشرف والبطولة ضد الإرهاب وداعش، وأفق الامتداد الروحيّ / الرمزيّ الذي نراه واضحاً بين ثناياها، وبين معالجة سلبيات مجتمعية لها طابعها التقليدي الجاف، لتتحوّل هذه القصص إلى وثيقة تاريخية تسجّل بين دفتيها أنّ (التاريخ لا يموت)، بالرغم من المحاولات الظلامية المقيتة التي لم ولن تحجب ضوء الشمس عنه، فلن يموت، فهو باقٍ بكل أحداثه وشخوصه، بمكانيته وزمانيته، على اختلاف أقطابها الموجبة والسالبة، فالحدث والصراع الإنساني الحاضر في هذه القصص، شكّل صورة ماثلة على مواجهة منغصات الحياتية على اختلاف أشكالها وألوانها، ثمّ نرى براعة القاصة وقدرتها التكتيكية في التوصيف الداخلي، حيث أنها تنقل لنا الحركة النفسية والحسّية، وما يتبعها من تناغمات شعورية نابضة ومتتالية (بدأ الموقع يلتفع بالتراب؛ فالعواصف أهدت المكان كساءً أصفر اللون، وأضفت على سحنة المقاتلين السمراء لون ترابي. وما أغرق مزاجهم في مستنقع الكدر ليس التنفس بصعوبة بالغة فقط بل غدت العيون تشكو ضعف حالها ولمسافات قريبة! )" اللقاء / قصة الشهيد خضير زامل".

القاصة زينب فخري، تسلط الضوء على رصد جوانب اجتماعية وعادات ومظاهر سلبية، اجتاحت البناء المجتمعي، فهي ترفض رفضاً قاطعاً في قصة (زواج من خريف السبعين) ظاهرة الزواج غير المتكافئ بين المرأة والرجل، حيث تعرض لنا عمّا تعرضت له فتاة في مقتبل العمر، بعد أن فقدت ما لها من الأهل، لتنتهي حياتها بزواج من رجل سبعيني العمر، لتعاني ما بينهما من فارق كبير، في كل شيء، الأمر الذي اضطرها للهروب، بعد أن أتيحت لها الفرصة السانحة (رُتِب لقاء بينهما.. اشترطت مهراً عالياً وأنْ تبقى في بيتها؛ لأنَّه ذو عتبة مباركة.. وافقَ العجوز بلا تردُّد.

اشترى لها ذهباً وأثاثاً...

لم يقيما حفلاً لزواجهما؛ فكبر سنه وظروفها جعلتهما يقرّران الاكتفاء بعقد شرعي مع حلوى بسيطة.

في أيامٍ زواجه الأولى عاشَ العجوز في فرحٍ وسعادةٍ غامرةٍ.. فالفوز بامرأة في الثَّلاثين من عمرها أمر يدعو للزهو والفخر.. ولم تثر علب الذهب التي كان يهديها لزوجته غيرة أو غضب أبنائه وبناته..) "زواج من خريف السبعين ".

أما في قصة (السعلاة)، فهي تحرص على توضيح ما تعانيه العقلية البشرية من تعايش ذهني في محاكاة الخرافة، لتبحر أفكارنا وخيالاتنا مع ما تركته الخرافة من أثر نفسي وعقلي، إنها عقول تعيش فترة طفولة الشعوب، في لمس كل محفّز يؤثر فينا ، وهي قصة اقترابية من إحدى قصص ألف ليلة وليلة، (فبدأت تحلق بعيداً مع أحلامها وذكرياتها المتشبّعة بالطفولة وحكايات الجدَّات..

بدأ خيالها رحلته مع قصة "السعلاة" تلك التي كانت تخطف الجنود في الشمال وتلحس باطن أقدامهم لتمنعهم من الهروب وتنجب منهم أولاداً..) "السعلاة ".

ثمّ تنقلنا معها في قصة (مذكرة إلقاء قبض)، لتشخّص عن حالات سلبية طغت شيوعا في المجتمع العراقي، حيث أصوات الباعة المتجولين، وهو يجوبون الطرقات، بأصوات عالية تسلب راحة المواطن، إنها يوميات تحاول القاصّة أن تعيد تنشيط بوصلة ذاكرتنا بالاتجاه الصحيح في سبيل معالجة مثل هذه الأمور الحياتية التي وان بدت بسيطة إلا إنها تشكّل صورة غير حضارية، يجب وضع المعالجات الناجعة في سبيل التقليل منها أو تغيير مساراتها (يروم أنْ ينام مجدداً.. أنْ يستمتع بساعاتٍ نوم أخرى.. نادى بائع جوَّال: "بطارية.. طباخ.. مبردة...".

وضع الوسادة على وجهه ضاغطاً بقوَّة على أذنه.. بعد هُنَيهاتٍ أفزعه رجل وهو ينادي بالقرب من داره: "خبز يابس.. طحين.. سكر".

جلس في فراشه.. مسك حافة بطانيته ونفَّضها.. تلفت يميناً وشمالاً... هدأ الضجيج في الخارج.. رجع إلى فراشه قائلاً: "كأنني في سوقٍ.. اليوم عطلة يا ربّ" ).

(في امرأة من آل البيت) هنا ربط تأريخي حاولت – زينب فخري – أن تطويعه من أجل بيان الأزمة المياه التي تعرضت لها محافظة البصرة الفيحاء، والأزمة التي عصفت بها، وما خلقته من أزمة مائية وصحيّة ونفسية، لدى المواطن البصري، تشدّنا القاصّة بحبكة الحدث الترابطي بين حدثية (الطفّ) المتمثلة بعطش الحسين والعباس وأهل بيته (ع) وأصحابه (رض)، وبين محنة أهلنا في البصرة وهم يتجرعون الأمرين، من الإهمال في هذا الجانب الحيوي، مما قد يعرضهم إلى كارثة إنسانية لا يمكن معالجتها مستقبلا، إن لم يتم وضع الحلول الناجعة (والواقعة يعرفها القاصي والداني.. الآن بعض مدننا الجنوبية تموت عطشاً.. ألا نقتبس من فيض الطف نوراً يلهمنا القدرة على انتشال "البصرة" من مستنقع الملح والتسمم الضارب فيحائها بقسوَّة.. ومن بؤرٍ للفتن وللنارٍ طالت أبنائها وأبنيتها.. إلا تسحق أن ننصّب على طول المسير إليها سرادق مزينة بأعلام الإمام الحسين، ونطبق حرفاً من عبارة لطالما كُررت "يا ليتنا كنا معكم..."، ونمنع وقوع كربلاء أخرى بل نُسْكت أبواقاً كثيراً ما عزفت إلا نشازاً في حوادث مماثلة ورامية الشعائر والعتبات والمراجع بسهام التهم والبهتان..).

مثلما قلنا، إن اللغة التي مالت إليها القاصة (زينب فخري) كانت متماهية وبسيطة، مع ما عرضته من حدثية ذات جوانب إنسانية كبرى، رغبة منها في شدّ القارئ / المتلقي.. إلى تتبع أحداث القصّ بطريقة فاعلة دون أن يخامره شعور بالملل والرتابة، أضف إلى ميلوها إلى استخدام اللغة الدارجة (العامية)؛ لأن المتن السردي بحاجة لهذا التعشّق اللغوي، وتضمين واقتباس بنصوص قرآنية ومأثورات القول.. وبذا وفقّت في تجسيد وتشخيص كلّ المضامين الإنسانية التي كنا بحاجة إلى تسليط الضوء عليها.

 

حامد عبدالحسين حميدي

ناقد / العمارة

 

صالح الرزوقبقلم:دافيد بيهر

ترجمة: صالح الرزوق

لتفهم الدولة البيروقراطية عليك قراءة فرانز كافكا. فالقليل من الأدباء لديهم قدرته على نقل الأثر الغريب والسلبي والعميق الضاغط على الروح. حتى أن هذا الموظف العامل في شركة تأمينات هادئة في براغ قد أوصى بإتلاف كل أعماله بعد موته (ولحسن الحظ لم ينفذ أحد وصيته).

ومع أن كافكا مشهور كل الأوقات، فقد عانى من نفس المصير الذي عانى منه كاتب سياسي مخلص لأفكاره وهو جورج أورويل: فقد كان معروفا، ولكنه مقروء قليلا.  ومثل "الأورويلية"  التي تذكرنا برواية ١٩٨٤ ، إن "الكافكاوية" ترتبط في الخيال الشعبي برواية المحاكمة أو المسخ.

وهنا أغتنم الفرصة للإشارة لـ"جدار السور العظيم" وهي قصة قصيرة محدودة الشهرة بين أدب الكوابيس بالمقارنة مع المثالين السابقين، و أعتقد أنه يجب إضافتها إلى قائمة أعمال كافكا الهامة.

تبدو "الجدار العظيم" مثل يوميات كتبها الراوي المجهول، والذي، على الأرجح، يقترب من نهاية حياته ويعمل نقّاشا ويشارك في بناء جدار الصين العظيم، وفي نفس الوقت يحاول أن يعطي وجوده معنى خاصا يغلب عليه النشاط الروتيني. وكما هو حال أبطال كافكا، تستمر حياة هذا النقاش المجهول، وراء الكواليس، وخلف الإدراك السطحي الغامض، وهكذا يتحدد موضعه ومكانته في الدولة.

تتفرع القصة برشاقة حينما يشعر الراوي بوضعه الذي يعرّض توازنه النفسي للخطر. ظاهريا يبدو من الحكاية أن الراوي متيقن من أمر واحد: تحديدا، إن بناء الجدار ضروري لمنع الغزاة القادمين من الشمال. وكلما تطورت الحبكة، نرى أنها مركبة من وحدة واحدة. حيث أن مجموعة من العمال  (ومدير تنفيذي) ينتهون من ٥٠٠ ياردة على التناوب، ويصلون في الخاتمة إلى موضع بعيد جدا من المشروع قبل أن ينجزوا المهمة الأساسية. وهكذا يعاني البناء من فجوة كبيرة، مشكلة كان بالإمكان تجنبها لو أن البناء جرى على التوالي. هذه الطريقة لم تكن غائبة عن نظر السلطات الحاكمة. وسنعلم لاحقا، أنه قبل إرساء أول حجرة في السور بـ ٥٠ عاما، كانت برامج المدرسة والتعليمات على طول المملكة، قد تآزرت لإعداد العمال والمدراء حصريا لهذا المشروع الذي تتبناه الدولة.

وبالتدريج يشرق في ذهن الراوي أن هذا المشروع الذي لا ينتهي والهادف لبناء الجدار، والذي يستهلك الروح والجسد معا، جزء لا يتجزأ من التصميم.

والمصممون - من وقف في أعلى الهرم والذين يسيطرون حتى على الإمبراطور-  تجد أسبابهم المحيرة، التي تحرك المشروع، في جوهر القصة. وفعلا، كان كافكا يضغط على القارئ ليتساءل أكثر فأكثر عما يربحه الآمر الأعلى من توريط كل المجتمع بما يبدو واجبا دائما وعبثيا، وبالأخص أن هذه المشاغل الكثيرة لا تتعمد ، ظاهريا، الضرر. وهكذا نرى صورة مشتركة لهم: في مكتب القيادة- ولكن كل من تسأله لا يعرف مكان المكتب أو من يداوم فيه - ففي ذلك المكتب يتأكد المرء أن كل الأفكار والرغبات الإنسانية تدور في دائرة، وكل أهداف البشر وإنجازاتهم تدور في دائرة معاكسة. ومن خلال النافذة كان شكل عجائب هذه العوالم التي صنعها الله تتركز بيد نفر من القادة الذين بيدهم كل شيء وضمنا التخطيط والأوامر.

المخيف بشأن "الجدار العظيم"، بالإضافة إلى الغياب التام لازدهار الإنسان المستقل، تجده في شكل الحياة البليدة التي تراها عين الراوي. إنه لا يتضور من الجوع، وغير مضطهد: ويتلقى التعليم المناسب، ويجد العمل الذي يشغل به أيامه ولياليه. ومع الحذر الشديد، يمكن القول، إنه سعيد بهذه الحياة المتدنية المستوى، ولكن الممتلئة والحافلة. فالإنسان بطبعه لديه رغبة بالأمان والتدابير الأمنية. والآن، وحتى الآن، هناك حكومات وقطاعات خاصة يرغبون بتوفير الراحة والاستجمام. وإن قراءة كافكا تساعدك في رؤية الأسباب الداعية لذلك.

وطبعا، هناك احتمالات أكثر بهجة في الحياة. وكما قال الراوي: في تلك الأيام كان العديد من الأشخاص، وبينهم أفضل المستويات، يؤمنون بحكمة صامتة مفادها: حاول بكل جهدك أن تستوعب القرارات التي يتخذها الآمر الأعلى، ولكن فقط حتى نقطة معينة. ثم تجنب أعباء التفكير.

 

......................

- دافيد بهر David Bahr: مفكر أمريكي. مدير اتصالات، يعيش في واشنطن

- عن الفوربس

 

 

عبد الله الفيفييذهب بعض الكُتَّاب إلى أنَّ أدباء (أمريكا اللاتينيَّة) هم أصحاب السبق في خلق الواقعيَّة السِّحريَّة التي يتهافت عليها روائيُّون تجريبيُّون، كاسرين قوالب السَّرْد الغربيَّة. غير أنهم يتناسون، أو يجهلون، أنَّ أولئك السحرة الواقعيِّين إنَّما جاءوا متأثِّرين بالتراث العربي. بل إنَّ بيئاتهم نفسها ما زالت متأثرةً بالبيئات العربيَّة، ولاسيما الأندلسيَّة. وبعضهم ينحدر من جذورٍ عربيَّةٍ، بعيدةٍ أو قريبة. وهم قد يصرِّحون بذلك، سواء في مجال السَّرد أو الشِّعر. ولربما صحَّ القول، إذن، إنهم أكثر عروبةً منَّا، إذا كانت العروبة انتماءً ثقافيًّا لا نَسبًا. ذلك أن ممَّا يلفت النظر أن تقف على رأي (أكتافيو باث Octavio Paz)، أو (جابريل غارثيا ماركيث Gabriel García Márquez)، أو غيرهما، فتجده يتحدَّث عن التراث العربي وعن تأثُّره به، وعن الأصول التي استلهمها منه، أو حتى أخذ عنها مباشرةً، ثمَّ تجد العربيَّ في المقابل يجهل تراثه، ويُنكِر على نفسه أنه ذو أصولٍ فنِّيـَّةٍ وعطاءٍ إنسانيٍّ كالآخَرين، ولا يرى الفضل إلا «للخواجة»، كأنه بداية التاريخ ومنتهاه! وذلك لمرضٍ حضاريٍّ من جهةٍ ولجهلٍ بالذات وبالتراث من جهةٍ أخرى.

إنَّ تطوير الغرب لما ثقفه عن تراثنا أو التراثات الإنسانيَّة الأخرى، أمرٌ لا خلاف فيه، لكن الخلاف في عَزْوِ كلِّ إبداعٍ إلى الغرب، بدءًا وانتهاءً، وكأنه جاء هكذا من فراغ، أو هطل عليه من السماء، وكأنه لم يُفِد فيه من أحد، وكأنَّنا نحن- بحُكم عمانا المطبِق الأخير- خُلِقنا كُمْهًا، وظللنا كذلك طَوال التاريخ.

مَن يُنكِر أنَّ كتَّابنا المحدثين، بدءًا من (نجيب محفوظ)، لم يستلهموا التراث العربي، ولم يطوِّروه، كما فعل الآخرون، وإنَّما اشتغلوا بتقليد الجاهز المستورد من الغرب؟ والسبب أنهم جزءٌ من الأُنظومة العامَّة للتبعيَّة العربيَّة، ولأن ذلك أسهل. لذلك لم يَبقَ تميُّزٌ عربيٌّ حديثٌ يُذكَر، ولم تكن للأعمال الأدبيَّة من مدرسة تُؤثَر، ولا لونَ هناك ولا طعم ولا رائحة. على أنَّ بدايات الرواية الغربيَّة الحديثة تَشهد بأخذها عن التراث العربي، إلى درجة السرقة. وهذه مسألة يعرفها الباحثون في النقد المقارن. وهؤلاء الباحثون غربيُّون كذلك، لا شرقيُّون ولا عرب، ليُقال إنه نزعهم عِرقٌ من تعصُّب. بل ما كان لنا أن نعرف قيمة «ألف ليلة وليلة»، ولا «رسالة الغفران»، ولا «التوابع والزوابع»، ولا «حيّ بن يقظان»، ولا «رحلة ابن فضلان إلى أوربا في القرون الوسطى»، ولا غيرها كثير، لولا جهود المستشرقين- الذين نلعنهم صبحًا وعشيًّا- في تحقيق تلك النصوص، وإخراجها من غبار السنين. ولولا جهود هؤلاء في تنبيهنا إلى قيمتها، وسبقها، ما تنبَّهنا. فيما ظلَّ الأدب الغربي "شِعريًّا"، بما في ذلك المسرح، منذ الإغريق إلى عصر النهضة الأوربيَّة. لكن هل أفادنا التنبُّه أو أفادتنا استعادة الذاكرة؟ كلَّا؛ لأن عوامل التعرية الحضاريَّة أقوى! ولأجل هذا تجرَّد معظم المعاصرين من العرب عن شِعريَّتهم العربيَّة، وتنصَّلوا عن الأصول الفنِّيَّة للقصيدة العربيَّة، بدعوَى التحديث، لاهثين في تقليديَّتهم وراء القصيدة الغربيَّة، ذات الجذور اللغويَّة والتاريخ الفنِّي المغايرَين، فلا هم أبقوا على شخصيَّتهم الشِّعريَّة، ولا هم طوَّروها. وكذلك فعلوا في فنون السَّرد؛ فأصبحوا بذاك منبتِّين بين الأُمم، لا أرضًا قَطعوا ولا ظَهرًا أبقوا!

إنَّ أوائل النصوص على مستوى العالَم التي يمكن أن تمثِّل نماذج روائيَّة، هي عربيَّة الأرومة لا غربيَّة، إنْ أخذنا مثالًا من «حيّ بن يقظان»، لـ(ابن طفيل الأندلسي). ولقد سطا عليه غربيُّون منذ بدايات النهضة، وما «روبنسن كروز» إلَّا واحد من شواهد ذلك. أو أخذنا سواه من النصوص، المطبوعة، أو المخطوطة، أو المطمورة. ذلك أن أسلوب السَّرد على طريقة الواقعيَّة السِّحريَّة هو في الأصل أسلوب الحكي العربي، الذي تجده لدَى (الجاحظ) ولدَى غيره بامتداد السَّرْد العربي. بل تجده في حكي جدَّاتنا الساذجات. وكنتُ قد نشرتُ في كتابي "هجرات الأساطير"، (كرسي الأدب السُّعودي، 2015)، نموذجَين أُسطوريِّين من ذلك التراث الشعبي في (جِبال فَيْفاء)، ذاعا في العالم أجمع، بأقنعةٍ شتَّى، قديمًا وحديثًا، وهما من تراثنا المنسيِّ، الذي نعيد استيراده اليوم مبهورين، لنخترع له الأسماء والصفات!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

الأستاذ بجامعة الملك سعود، بالرِّياض

 

اكرم جلالمن هنا تَبدأ مَسيرةُ السالك نَحو المعرفة والإدراك الحقيقية، إنّها الهجرة العظمى والجهاد الأكبر من الحصول إلى الحضور، إنّها صراعٌ نَحو الكمال والتّكامل بين القَلب والعَقل، بَين شهود العيون وفهم الأذهان. إنّه لَيسَ صراعاً مَيدانياً مكانياً أمام العدو ليكون جهاداً أصغر، إنه جهاد العاشق نحو عالم الشهود، لذا فهو الجهاد الأكبر، لأنه ينطلق بالنفس مِن عتمةِ وضيقِ ومحدوديةِ العقل الى جَمال ومصداقية الشهود والتجلي اللامُتَناهي. لذا فالعَقل واجب لِفهم المَداخل والأوليات حصراً، أمّا السّعي لإدراك حقائق الربوبيّة فلابدّ لها من مُشاهدة ومُكاشفة ببصيرة القَلب لا بدليل العقل، فمعرفة اللّه لا تُدرك بالدّليل العَقلي، كالألوان فإنها لا تُدرَك باللّمس.

ولمّا كان العلم الشهودي معتمداً على صفاءِ وبصيرةِ ‏شهود النّفس وحضورها وكمالها واستعدادها للسّير نحو الجمال والكمال المُطلق فإن العناية الالهيّة، والفيوض الرَّحمانية لابُدّ منها قَبل وأثناء وبَعد المَسير، وبخلافه فقد يتراجع السّالك ويَرتَدّ عن مراتب الحضور الى الحصول لِما قَد يُداخِله من شَكٍ أو تَردد أو عُجُب. أن كمال الإدراك والوصول الى مراتب المعرفة الكشفية لابُدّ لها مِن فُيُوض الهيّة وهذه الفُيُوض بِدَورها لا تُدرَك الّا بوَسائط  وابواب وهم المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله، ومن بَعدِه أئِمّة الهُدى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ]التوبة :119[. فعن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إنما يعرف الله عز وجل ويعبده من عرف الله وعرف إمامه منا أهل البيت ومن لا يعرف الله عز وجل و [لا] يعرف الإمام منا أهل البيت فإنما يعرف ويعبد غير الله هكذا والله ضلالا1).

فَمَعرفة الإمام دَليل السّالك وَمَنهجه وشِعارَه نَحو إدراك أعلى مَراتِبَ المَعرفة القَلبيّة الوِجدانيّة، مَعرِفَتَهُم طاعةٌ وكمال، والجهل بهم تيه وَحَيرة وَضَلال. قال الله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ]يونس: 35 [. وعن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الأوصياء هم أبواب الله عز وجل التي يؤتى منها ولولاهم ما عرف الله عز وجل وبهم احتج الله تبارك وتعالى على خلقه2).

فالأوصياء هُم أبوابُ اللّه تعالى والأدلّاءَ على معرفَتِهِ وَبِهم يُتَقَرّبُ الى الله، فَمَن أرادَ اللّه فيأته من أبوابه. ولأن اللّه جل جلاله أعلى مِنْ أن يُدركُه كل طالب وينالَ حقيقةَ معرفته كل سالك، فَمقامه أجَل مِن أن يَنظُر إليه كل شاهد، وَلولا وسائطُ الفيض الإلهي لَمَا سارَ في دَرب مَعرفَة اللّه أحد وَلَما أدرَك فيوضاته عارف، وَلَبَقيت الناس تعيش حَيرة الضّلالة  وتيه الجَهالة.

فَمَن أراد البَدأ بالمَسير والهِجرة نَحو الكَمال المُطلق والانتقال من الحصول إلى الحضور فلا بُد لهذا الدَّربَ من أدلّاء وأعوان في جهاده الأكبر، إنه جهاد العاشق نحو عالَم الشُهود . فالأوصياء هُمُ الأدلّاء وَهُم الأنوار التي تُنير عَتمَة الضّيق والمّحدودية لتَجذِبَه نَحو الجّمال الحقيقي والشهود والتجلي اللامتناهي.

فبعد أن يبدأ السالك بطَيّ المنازل والمَراتب والتي عادةً ما تَبدأ بمقام العِلم الذي هو أوّل المَقامات الانسانية والذي من خلاله يتم تَحصيل المجهودات العلمية ليصل السّالك من خلالها الى مقام الإنسانيّة والتي هي الطريق إلى مقام الإنسان الكامل. ولابد للسالك من مرتبة اليقظة والتوبة، فيرجع إلى الذات، حَيث يبدأ بالإنتقال من الغفلة الى التوبة ويبدأ المسير نحو الله تعالى. واليقظةُ نورٌ يُلقيه اللّه تَعالى على قَلبِ السالك فَيَصحوا مَن مِيتَة القُلوب، قال الله تعالى: ﴿ أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ]الأنعام :122[، وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: (ويل لمن غلبت عليه الغفلة، فنسي الرحلة ولم يستعد3).

ونور اليقظة، نعمة ربّانية وجذبة إلهية، تُزيل ظُلمَة الجَّهل وتُنير القُلوب وتُثير الشَّوق نَحو مَنبَع النّور وهذه الجَّذبَة الإلهية لا يَنالها إلا مَن أناب الى الله وأستيقض مُنجَذباً نحو الجّمال المُطلق. والمعرفة هي سَبب اليّقظة، وبالمقابل فأن اليقظةَ هِيَ الطَّريق نَحو التَّكامل في المَعرفة .

وللسّالك مَقام أرفع يَطلق عليه أهلُ العرفان بمقامِ الإيمان وهوتَثبيت الحقائق العلمية في النَّفس الإنسانية ولتكون الجَوارج عاملة بمقتضاها. ثُمّ يبدأ مقام الطمأنينة وفيه يَثْبُتُ الإيمان بأكملِ دَرَجاته في القّلب لِيَصِل الى مَرحلةٍ يَطوي فيها العلم البُرهاني فَلا يَحتاج بعدها الى دَليل في رحلته التَّكامليّة، فَيقين السّالك في هذا المَقام قَد تَجاوز العلم الحصولي ليبدأ بتلقي العلم حضوريا. ثم يأتي مقام المشاهدة حيث يَعيش السّالك الحقائق الكَشفية بأعلى تَجلّياتها وأن حضورها يكون بدرجات أعلى من مشاهداته الحسيّة.

وَمَقام الرَّضا بعد ذلك يَتَجلّى للعارفِ حينما يَبلُغ الی اعلی مراتب التوبة والورع والإخلاص فتَرتَقي عندها نَفْسه من مرتبة النّفس المُطمئنة الى أعلى مراتبها وهي النّفس المّرضية، وَهو الرّضا بربوبية اللّه وبما قَضى وقَدّر ثم الرّضا برضا اللّه تعالى وهِيَ أعلى مَراتب الرضا. ثم يبدأ مقام التَّسليم ليعيش السالك كمال الطاعة والقبول والتّسليم لما يريده الحق تعالى، والتّسليم للحال التي تسيطر على السالك أثناء سَيره وسلوكه فيقبل بها وإن عَجَزت العقول عن إدراكها، وأنّ الحقيقة هي لله تعالى وحده. ثم المقام الأخير وهو مقام التّوحيد والذي يَصِل فيه العارِف الى مَرتبة إثبات وَحدانية واجِدِ الوجود. وللتوحيد مَراتب لا يَسَع المَقام لذكرها جميعا، ولكن لا بأس بالاشارة الى أنّ اعلى مراتبها لا ينالها الّا خواص الخواص وَهيَ الفَناء المُطلق في الذّات الإلهيّة والتي يَعجَز السّالك فيها عن الأفصاح بأي شيء. يقول الامام الحُسين عليه السلام في دعاء عرفة: (إلهى تَرَددي فى الآثار يُوجبُ بُعْدَ الْمَزار فَاجْمَعْني عَلَيْكَ بخدْمَةٍ تُوصلُني الَيْكَ كَيْفَ يُسْتَدَل عَلَيْكَ بما هُوَ فى وُجُوده مُفْتَقرٌ الَيْكَ أٓيٓكُونُ لغَيْركَ منَ الظهُور ما لَيْسَ لَكَ حَتى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهرَ لَكَ مَتى غبْتَ حَتى تَحْتاجَ إلى دَليلٍ يَدُل عَليْكَ وَمَتى بَعُدْتَ حَتى تَكُونَ الآثارُ هي التي تُوصلُ الَيْكَ عَميَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْه رَقيباً وَخَسرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ منْ حُبكَ نَصيبًا4). وَبذلك يَكونُ سَيّد العُرفاء وَمَولی العاشقين الامام الحُسين سَلامُ اللّه عليه قَد جَسّدَ العِرفان بِكُلّ مَقاماتِه وَمَراتبه وتجلياته،  فأصبح سَلامُ اللّه عَليه مَنهَلاً للعارفين وطَريقاً للسّالكين.

والحمد لله رب العالمين

 

د. أكرم جلال

.........................

1- الكافي للشيخ الكليني ج1 /ص 181.

2 - الكافي للشيخ الكليني ج1 /ص 193.

3 - غرر الحكم: 10088، 9410.

4 - إقبال الأعمال ، ص 348 – 349

 

فالح الحجيةان الاساليب الشعرية العربية اختلفت وتشعبت في هذا العصر بين الحداثة والمعاصرة كثيرا عما كانت عليه في العصور السابقة كالعصر الجاهلي والاسلامي وما بعدهما حيث اوضحنا الاساليب الشعرية في كل عصر من العصور وما زاد فيها او نقص وكانت متوازية مع القصيدة العربية الا في هذا العصر فقد عظمتها التحولا ت العلمية والثقافية والادبية وشعبتها الى اساليب كثيرة.

واذا كانت هذه التحولات كثيرة في قصيدة العمود الشعري او في القصيدة العربية القديمة في اسلوبها ومعا نيها فانها في قصيدة النثر الشعري فاقت ذلك كثرة اسلوبية وتعقدت المعايير بحيث يصعب تحجيمها او الهيمنة النقدية على كل اساليبها المختلفة او قل ان لكل شاعر اسلوبا خاصا به ولكل كاتب ايضا واصبح من الصعب ايجاد قاسم مشترك بين كل هذه الاساليب المتعاركة في مدينة الشعر وطرقاتها الكثيرة ومتاهاتها المختلفة.

ان الاساليب الشعرية المعاصرة والحديثة والتي تتمثل في الشعر الحر او قصيدة النثر مهما كثرت زواياها واختلفت طرقها فانها تتمثل في مجموعتين أسلوبيتين هما الأساليب التعبيرية والأساليب التجريدية.

يتمثل الاسلوب التعبيريّ بالنمط الذي تنتجه أشكال اللغة الأدبية اسلوبا ملونا بلون من المعايشة غير المباشرة أوغير المعهودة، حيث تقدم نوعاً من الحقائق المبتكرة بتحريف يسير للغة المعبرة وتفعيل معقول لكل آليات التوازي والاستعارة والترميز بشكل يؤدي إلى الكشف عن التجربة الادبية الحرة في مستوياتها العديدة التي قد تصل إلى أبعاد محددة لكنها تظل تعبيرية في الحقيقة المكنونة .

أما الأساليب التجريدية فتعتمد على زيادة معدلات الانحراف وتغليب الإيحاء والرمز على التصريح فتعطي القصيدة إشارات مركزة يتعيّن على المتلقي إكمالُها وتنميتها من الداخل مع فارق جوهري بين التعبيرية والتجريدية يتمثل في إشارة الأولى إلى التجربة السابقة على عملية الكتابة نفسها سواء أكانت حقيقية أم تخيلية، واختفاء هذه الإشارة في التجريدية بناء على غيبة هذه التجربة فتكون متجردة منها.

ويندرج تحت التعبيرية أربعة أساليب، هي:

1- الأسلوب الحسي يتمثل طرديا حيث تزيد فيه الإيقاعية والنحويّة؛ في حين تقل درجة الكثافة والتشتت والتجريد،

2- الأسلوب الحيوي الذي ينمي الإيقاع الداخلي ويعمد إلى كسر  يسير في درجة النحوية ويتوافر فيه مستوى جيد والتنويع من دون أن يقع بالتشتت.

3- الأسلوب الدرامي الذي يعتمد على تعدد الأصوات والمستويات اللغويّة، ويحقق درجة من الكثافة والتشتت من دون أن يخرج عن الإطار التعبيري.

4- أسلوب الرؤيا الذي تتوارى فيه التجربة الحسيّة مما يؤدي إلى امتداد الرموز في تجليات عديدة ويفتر او يضعف الإيقاع الخارجي فيها ولا تنهض فيه أصوات مضادة، ويحقق مزيداً من الكثافة مع التناقص البين لدرجة النحويّة و الأساليب . فمن الاسلوب الحسي تلاحظ ان شعر نزار قباني ا فضل نموذج للشعر الحسي، و في شعر بدر شاكر السياب نموذجاً للشعر الحيوي أما الشعر الدرامي فيتمثل في شعر صلاح عبد الصبور الشاعر المصري من خلال نتاج صلاح ؛ في حين يكون الأسلوب الرؤيوي ممثلا بشعر عبد الوهاب البياتي وهكذا بقية الشعراء لكل منهم نوع مميز واسلوب خاص وكثير منهم جمع اكثر من اسلوب في شعره .

اما اذا اردنا ان تكون كل هذه الاساليب مجتمعة بواحد فخير مثال لنا هو شعر محمود درويش كنموذج للتحولات التي تتسع لكل هذه الأساليب التعبيريّة، فقد بدأ من الأسلوب الحسي الذي خرج فيه من تا ثير نزار قباني فيه لانه يعتبره معلمه الاول ، ومثّل على ذلك قصيدة (بطاقة هوية) حيث تتميز ببنية بالغة التحديد في التنظيم المقطعي تمثل الواقع الواقع الحسي الملموس بحيث تتحول انماط الكلام فيها الى وقائع ذوات قوام فعلي وقانوني وتشتمل على كثافة وجودية محددة في مقابل تهويد الارض العربية في فلسطين وتهويد انسانها الجديد او المستقبل في الاقل وطمس الهوية العربية في فلسطين وتاتي تحقيقا يتسم بالكفاءة والفعالية والخصوصية لاسلوبية تقتضي نقل الحدس الشعري بجمالية وواقعية مبينة . اذ يقول فيها :

 

سجل انا عربي

ورقم بطاقتي خمسون الف

واطفالي ثمانية

وتاسعهم سياتي بعد صيف

فهل تغضب

**

سجل

انا عربي

واعمل مع رفاق الكدح في محجر

واطفالي ثمانية

واسل لهم رغيف الخبز

والاثواب والدفتر

من الصخر

ولا اتوسل الصدقات من بابك

ولا اصغر

امام بلاط اعتابك

فهل تغضب

وانتقل إلى الأسلوب الذي اجتمعت فيه الحيوية والدرامية، كما هو الحال في كتابة قصيدة (على ضوء بندقية) وانتهى الى اسلوب الرؤيا الشعرية الذي تمثله قصيدة (أرى ما أريد).

وربما تكون التجريدية تقتصر على أسلوبين فقط يتداخلان فيما بينهما هما:

الاول التجريد الكوني الذي تتضاءل فيه درجات الإيقاع والنحويَّة إلى حدٍّ كبير، مع التزايد المدهش لدرجتي الكثافة والضياع، ومحاولة استيعاب التجربة الوجودية الكونيّة باستخدام بعض التقنيات السيريالية والصوفيّة الدنيويّة .

الثاني: التجريد الإشراقي الذي ربما يقع على خط الاتجاه السابق معترضا اياه في سلم الدرجات الشعرية، مع التباس أوضح بالنظرة الشعرية والنزوع الصوفي الميتافيزيقي، والامتزاج بمعالم ورؤى ايجادية تختلط فيها الأصوات المشتركة والرؤى الحالمة المبهمة، مع نزوع روحي بارز يعمد إلى التراث الفلسفي بدلا من الضياع في التراث العالمي ..

ولعل الإسراف في الحداثة والمعاصرة بشكلها الشعوري الحالي هذا الشعور الذي تحمل موادّه دلالات عميقة موروثة، قد يميل الشاعر إلى تشكيلها من جديد فإن وجودها الظاهر في هذا التشكيل الجديد يحيل إلى موروثها بوصفه غائباً يحضر لدى المتلقي لمجرد وجوده في النص، فيشعر او يحس بعداً أيديولوجياً ، وان أهم الملامح الأسلوبيّة في شعر هذا الاسلوب متمثلا بضياع القناع، والأسلوب الصوفي في شعر الصوفيين،

على الرغم من إيراد هذا التعريف للأسلوب التجريدي لم يرد لحد الان تمثيل صريح له وهذا ما يجعل تصنيف الأساليب الشعريّة الموغلة في التجريديّة معلقاً في الهواء، فالناقد يطرح فرضيّة جديدة لم تأخذ حقها من التطبيق فيما يتعلق بالشعر التجريدي الإشراقي. هذا ما لاحظناه في شعر قصيدة النثر او قصيدة الشعر الحر بعد ان تم فك الشعر من عقاله التقليدي وهب قائما يتخطى بخطى وئيدة كيفما يشاء ويتلمس الامور كيفما احب الشاعر او اراد .

 

امير البيــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلـــــــد روز

 

 

داود سلمان الشويليمن القضايا المهمة في الشعر العربي المعاصر، خاصة في المجموعة الشعرية التي نحن بصدد دراستها، هو إستلهام الأسطورة - وخاصة الشخصيات الأسطورية - فيها كعنصر شعري متماسك في بنية القصيدة، مندمجاً فيها، ويساعد عناصر القصيدة الأخرى في تبيان وتوضيح صورها، وحمل ما توحي به تلك العناصر من صور شعرية . انها إندمجت في نسيج القصيدة ذاتها .

والأسطورة هي رمز لغوي غير شعري، إلآ انها تصبح شعرية عندما يستخدمها أي شاعر بطريقة شعرية قادرة على توصيلها الى المتلقي كواحدة من عناصر القصيدة الناضجة .

وتعيدنا أشعار يحيى السماوي (وهو يقترب من عامه السبعين – ص73 . والذي قال في قصيدة " ندى من جمر": خدعتني صهوة اللذة في مضمارأحلام الشباب (ص 90) الى الزمن الجميل في الشعر العربي المعاصر، على أقل تقدير. الى حيث الرومانسية المحببة والجميلة . فكان نزار قباني، وكانت الأشعار الأولى لبدر شاكر السياب، وكان الشاعر الناصري رشيد مجيد . وغيرهما . الى ذلك النَفَس الذي نشم منه اشتياق المحب لحبيبته، والمعشوق لمعشوقته . فكان السماوي يعيدنا الى كل تلك الأجواء الرومانسية بعد أن أُشبعنا شعراً تفوح منه الإيدولوجية والنفَس السياسي . فبتنا نتجرعه على مضض، حتى غاب عنا الشاعر العربي القديم حتى ستينيات القرن الماضي في لجة جمهرة أولئك الشعراء المتأدلجين والمسيسين بإمتياز.

في هذه الدراسة سنقدم المجموعة الشعرية للشاعر يحيى السماوي المعنونة (تيممي برمادي) التي تضم أربعين قصيدة، توظف فيها مجموعة من الملامح الإسطورية، كالشخصيات الأسطورية مثلاً، ومعرفة كيف تعامل الشاعر مع تلك الشخصيات الأسطورية في قصائده .

ان الشخصيات الأسطورية خاصة تعد رمزاً أسطورياً يتقنع به الشاعر، لهذا فهو يختار الشخصيات التاريخية التي أصبحت كالأسطورية، أو الشخصيات الأسطورية التي تمنح قصيدته طاقة شعرية مضافة، وهذه الطاقة المضافة تضاف الى عناصر القصيدة الحيوية، فتولد القصيدة وهي قوية التأثير، متماسكة، متجانسة .

70 yahiaasamaw1550

أولاً - الشخصيات الأسطورية:

عندما يوظف الشاعر إسماً ما نشمُّ منه أسطورة قد طالعناها خلال قراءتنا العامة، فإن توظيفه هذا لم يكن من باب الترف الشعري، وإنما هو من باب بلاغة الإستخدام لهذا التوظيف، حيث يضفي على أفكار القصيدة جواً يُشعِر المتلقي بسعة الأفق الفكري والبلاغي والجمالي .

في الكثير من الاحيان تشترك بعض القصائد في موتيفة واحدة أو أكثر، بين أنْ تتناص مع نص قرآني، أو تكون موتيفة من أسطورة ذكرت قبل أن تذكر في القرآن، مثل: التناص مع القرآن بقصة آدم خاصة بما له علاقة بالتفاحة التي لا يذكرها القرآن، حيث تكون هذه القصة أسطورة قد ذكرتها الكثير من الحضارات، كالسومرية، والآشورية، والبابلية، والكنعانية .

يقول السماوي في قصيدة " تفاحة نعمى ":

* تفاحة الأمس البعيدِ

رَمَت بـ "آدمَ "

خارج الفردوس .

في هذه القصيدة وظف الشاعر، لا شعورياً كما تذهب الدراسة الى ذلك، أسطورة آدم وتفاحته التي أكلها هو وحواء فأخرجتهما من الجنة.

***

ذكرنا أن الشاعر السماوي قد استحضر بعض الشخصيات الأسطورية التي وصلتنا من الحضارات القديمة، مثل:

- " اينانا" ص31: التي استدعيت من الأسطورة السومرية، حيث كانت آلهة الحب والجمال في السماء، فوظفها السماوي في قصيدته محذراً منها:

* واحترس

من غضب النحلة

إن خنت شذى وادي زهور اللوز

واحذرْ

إن اينانا إذا جزت مداها

تُمسك الماء عن الحقل

وتُظمي جدولكْ .

***

- سيزيف ص 86: هذا الذي تحمّل عقاب كبير آلهة الإغريق، بأن حمل على ظهره صخرة وراح يصعد بها الجبل، وقبل الوصول الى القمة تسقط لتتدحرج الى الوادي، فيعيد المحاولة ثانية، وهكذا استمر في إعادة المحاولات:

* لا بد لي من صخرةٍ

لأكون

سيزيف الجديدَ

وليس من بحر وأشرعة

فأبتدئ الرحيلْ.

فإذا كان سيزيف الأسطورة يرتقي الجبل وعلى ظهره صخرة كبيرة، فإن الشاعر يرغب بسيزيف جديد يمخر عباب البحر وعلى ظهرة الصخرة نفسها، إلآ أنه لا بحر و لا أشرعة . فالرحيل صعب مثل صعود الجبل بالنسبة الى سيزيف القديم، ولا أن يمخر البحر لسيزيف الجديد، لأن لا بديل للعراق .

***

وقد استلهم الشاعر من استحضاره جو الأساطير في " الف ليلة و ليلة "، وكذلك ما يمنحه إسم " شهرزاد " و "شهريار " و " السندباد "، من معنى مضافاً للمعنى العام للقصيدة، وتوسع آفاقها في ذهن المتلقي.

- "فشهرزاد " ص8: هي الملاك السومري، ونحن نعرف قصتها كاملة:

* تغدو الملاك السومرية "شهرزادَ "

تقصُّ بالقبلاتِ لي

قصصاً .

- و" شهريار " ص 12، ص9 هو الآخر أيضاً نعرف قصته:

* فأنا بمملكة الملاك السومرية

"شهريارْ " . ص9

* ما دمت ليْ

ما حاجتي بكنوز قارونٍ

ومخدع شهريارَ وملك هارون الرشيدْ ؟ ص12

فكلاهما يشكلان عنصراً للغنى الذي ينكره الشاعر عند حضور حبيبته .

***

- السندباد ص86: هذه الشخصية الألف ليلية التي يستقبل مخاطره في البحر برحابة صدر .

* ما السندباد بغير أخطار البحار؟

ومَنْ "بثنيةُ "في قواميس الصبابة و الهوى

لولا " جميلْ " .

فالشاعر يتباهى بأن الأخطار التي واجهها السندباد في رحلاته لا تقف أمام ما واجهه الشاعر من أخطار في حبه .

***

ثانياً - الشخصيات الحقيقية التي اصبحت حياتها كالأساطير:

هناك شخصيات حقيقية مرت في التاريخ، وقد إشتهرت بمركزها أو فعلها، أو سلوكها، أو قولها، إلآ أنها اصبحت كالشخصيات الاسطورية من حيث انها قد قامت بأعمال أو أفعال ترقت فيها الى أن تكون أسطورية وقد استخدمها الشاعر في قصائده . من مثل:

- الخليفة هارون الرشيد: الذي في وقته أصبحت الخلافة العباسية هي العصر الذهبي للعالم، حتى باتت شخصية هارون الرشيد تصبح كشخصية أسطورية . وقد منحت القصيدة أفقاً واسعاً في ذهن المتلقي. يقول:

* ما دمت ليْ

ما حاجتي بكنوز قارون

ومخدع شهريار وملك هارون الرشيد ؟ ص12

فالشاعر غني بحبه لحبيبه .

***

- شن و طبقة ص122: وهما شخصيتان حقيقيتان كما جاء في المصادر التاريخية، إلآ انهما جرت لهما أحداثٌ جعلتهما يصطفان مع الشخصيات الأسطورية .

* إنني شن"

فكوني "طبقةْ" .

اذن هو يبحث عن التطابق الذي يبعثه أولئك الشخصيات عند ذكرهما مع حبيبته .

***

- الضليل ص 8:

* تغدو الملاكُ السومرية " شهرزاد "

تقص بالقبلات لي

قصصا

عن الضليل صارَ مؤذنا

ومبشرا بالعشب بادية السماوةِ

والربى بالاخضرارْ .

الشاعر هنا يوظف اسم " الضليل " وهو الشاعر أمرؤ القيس في قصيدته كمبشر بعشب بادية السماوة . هذا الشاعر صاحب المعلقة التي تفيض جنساً، والتي يذكر فيها مغامراته مع نساء كثيرات، وفوق ذلك ان حياته رحلة نحو الموت . هذا الظلم والقهر والأحزان التي مر بها بعد مقتل ابيه الملك، فإنه يبشر بالنماء والخضرة كما كان في عهده الأول .

***

- الحلاج . ص 116:

* دعوتُ

أن يورثني مصيرهُ

الحلاّجْ .

ان استحضار الحلاج في هذه القصيدة معناه التمني لأن يتماهى الشاعر في المصير نفسه الذي وصل له الحلاج، وهو مصير مأساوي .

***

- ابن عذرة ص9:

يستحضر – هنا - شخصية هشام ابن عذرة في قصيدته " ميلاد "، فيقول:

* منذ عام الفتنة الاولى

فأولد مرة أخرى

سليلاً لإبن "عذرة "

حاملاً قلبي على شفتي

أغني للمها والجسر

يتبعني السفرجل و القرنفل

والملائكة الصغارْ .

ان استحضار الشاعر لإبن عذرة والفتنة الأولى هو استحضار لما قام به هذا الأخير من ثورة في الأندلس عام (١٤٤ هـ/ ٨٥٨م) في مدينة طليطلة، فأحدث فتنة كبيرة، كما أحدث الشاعر هذه الفتنة عندما حمل قلبه على شفتيه وراح يغني .

***

- يهوذا و المسيح ص76:

* ان تكن في مذهب العشق يهوذا

فأنا

لست المسيح .

ان استحضار "يهوذا" و"المسيح" في القصيدة هو استحضار لمعنى العشق بين المسيح و يهوذا الذي يرفضه الشاعر، حيث تكون "القبلة" التي يقبل بها يهوذا المسيح هي علامة أمام اليهود لتدلهم عليه، والشاعر لا يريد أن يكون كذلك .

***

- يوسف ص85:

* وتمد حبلاً من ضفائرها لـ "يوسفها "الذي

ألقى به في بئرها عشق خرافيٌّ

تماهى فيه محراث وتنورٌ ..

وضليلٌ و ناسكةٌ ..

وصبحٌ والأصيلْ .

لقد كان يوسف وقصته كما وردت في القرآن هي القصة / الأسطورة المثلى التي وظفها أغلب الشعراء في شعرهم قديماً وحديثاً (راجع دراستنا المنشورة على أجزاء عن استلهام قصة يوسف في الشعر).

***

- جميل وبثينة س86:

* ما السندباد بغير أخطار البحار؟

ومن "بثنية "في قواميس الصبابة و الهوى

لولا " جميلْ " .

إن الشخصيات الحقيقية المذكورة في مصادرها التاريخية قد تحولت الى شخصيات شبه اسطورية بعد أن ذكر لها أفعالاً وسلوكاً غير طبيعيين، مثل " جميل وبثينة " العذريين . (من قبيلةعذرة) . فهما في سلوكهما الذي سلكاه في حياتيهما قد أحدثا ما يمثل خطراً في ذلك المجتمع الذي كانا يعيشان فيه .

***

ثالثاً - الاقوام والقرى الاسطورية:

- ثمود وسدوم ص152:

* عتّقني في طيشه أمسي

وعتقت غدي في غفلتي

فهل أنا "ثمود " أم " سدومْ " ؟

استدعى الشاعر في قصيدة " سهاد" اسم هذه القرية "سدوم "التي مذكورة في الديانات الابراهيمية الثلاث والتي عوقبت على أمر ما فخسف بأهلها، إلآ ان الشاعر لم يستدعِ معها أسباب الخسف، بل انه أعطى تأويلاً جديداً لأسباب استدعائها في قصيدته .

أما ثمود فقد اهلكهم الله لعصيانهم نبيهم صالح ,

القرية والقوم هما من الاقوام والقرى القديمة " المعتقة " . والشاعر ينفي أن يكون منهما رغم " تعتقه " .

***

وأخيراً، ان دراسة ظاهرة استخدام وتوظيف الأسطورة في شعر يحيى السماوي جاءت لمعرفة الرؤيا التي توحي بها هذه القصيدة أو تلك، وكذلك الموقف الذي تعبر عنه، وماهية الاسئلة التي تطرحها القصائد المستخدمة فيها الأساطير، وقد تعرفنا على كل ذلك في هذه الدراسة القصيرة .

 

داود سلمان الشويلي

 

التناص: مصطلح نقدي، يقصد به تناص نص مع نص آخر في الفكرة ذاتها،وتختلف في طريقة الكتابة؛ لأن لكل كاتب أسلوبه الخاص به.

تسترجع الرواية الحدث الماضي، عن طريق دلالاتها السيميائية (قابيل/هابيل، ادم/حواء).

وقد فسر(النص القرآني)هذه القضية بطريقة مفهومة ومبسطة؛ لأنها تسير نحو حدث واحد.

فـ (قابيل وهابيل) أبناء(آدم وحواء)،وقصتهما ذكرها (النص القرآني)بمفهوم تقديم كل واحدٍ منهما قرباناً لله.

(هابيل) كانت مهنته راعي اغنام، ذهب ليقدم افضل ما عنده وهو(الكبش العظيم)، وقيل أنه (الكبش ) الذي افتدى به (أسماعيل "عليه السلام").

و(قابيل) كانت مهنته فلاحاً، ذهب ليقدم اسوء ما عنده.

تلد (حواء) في كل مرة ولداً وبنتاً، ثم يتزوج الولد من البنت التي تولد في المرة الثانية، والاخت تتزوج من الولد الثاني، أي عملية عكسية، هابيل يتزوج اخت قابيل، وقابيل يتزوج اخت هابيل.

الأولى : اخت قابيل امتازت بجمالها، بعكس الثانية: أخت هابيل التي افتقرت للجمال، ليشب النزاع برفض قابيل زواج هابيل من اخته؛ لأن اخت هابيل التي من المفروض أن يتزوجها قابيل افتقرت للجمال، مما دفع قابيل لآتخاذ قرار أنَّ يتزوج هو أخته لجمالها، ورفض(آدم) هذا القرار، وارتفعت الغيرة بينهما، لذا طلب آدم أن يقدما قرباناً (لله)، ومن يتقبل قربانه يتزوج الجميلة اخت (قابيل)،فكان قربان(هابيل)المقبول، تولد الحسد والغيرة بينهما، ليودي بحياة (هابيل) من أخيه (قابيل).

من هذا التناص والفكرة، انطلقت رواية (متاهة قابيل) لصياغة متنها السردي عن طريق شخصيتين رئيستين في الفضاء ذاته، لتنمو الشخصيات ضمن عقدة وصراع مع الأحداث، مما ساعد الروائي على بناء هيكل روائي محدد العناصر.

والرواية عكست تناصها الديني، فدلالة (قابيل) داخل الرواية تحول من قاتل في القصة الأولى الأصلية القرآنية (القصة البشرية)،إلى مظلوم في هذه الرواية ومضطهد داخلها.

وتحول (هابيل) وهو المقتول في القصة الأولى إلى رجل عصابات وخاطف وقاتل.

فـ (هابيل، قابيل، آدم، حواء)،هذه الأسماء توحي بدلالات معينة، في أن هؤلاء الناس هم من نسل الأنبياء، وأنهم اليوم يحاسبون على انتماءات طائفية لا صلة لها بالدين.

وفي توجيه (قابيل الفهد)، سؤالاً لـ (آدم ذو النورين) عن سبب اختطافه من جماعة (الحاج هابيل) وأجابه قائلاً: ̏ لأن أبي كان قاضياً.. وهو الذي حكم على هذا المدعو الحاج هابيل بالسجن لسنوات عدّة، هو واخوه وشخص آخر ؛ لأنهم بعد ثلاثة أشهر من ذلك اغتالوا أبي، عند باب البيت صبحاً، عندما كان يهّم الذهاب الى المحكمة.. والآن اختطفوني لاستكمال انتقامهم ̋.

يسكن (آدم ذو النورين) منطقة (حي دراغ)، بينما تسكن عصابة (الحاج هابيل) منطقة (الحسينية) ومن هذا التوظيف المكاني، سردت الرواية مقصديتها في الإشارة الى الفتنة الطائفية المميتة، وسؤال الهوية القاتل.

يسأل (آدم ذو النورين) عن سبب اختطاف (قابيل الفهد)، قائلاً لـ (قابيل الفهد) - قابيل الفهد وآدم ذو النورين في الغرفة المظلمة ذاتها، تحت سطوة عصابة الحاج هابيل :

- "قابيل الفهد..

- وانت..؟ لماذا انت هنا..؟ هل أنت سني أم شيعي..؟

صمت قابيل الفهد للحظات، فهو يكره هذا السؤال الذي صار من أكثر الأسئلة التي تطرح على السنة الناس من (...)، لكنه كان مضطراً للإجابة وبصراحة، فأمام الموت لا مجال لارتداء الأقنعة، هكذا قال قابيل الفهد، لنفسه، فأجاب بصوت حزين:

- أنا عراقي.. و السبب.. لا أريد التفكير بأكثر من هذا..

واذا ما أردت أن أتجاوز هذا التصنيف، فأنا إنسان.. إنسان فقط

- هل هذا يعني أنت هنا ليس لأسباب طائفية ..؟

- نعم..

- (...)

- المذهب غطاء لتحقيق رغباتهم الدنيئة.. كل طرف يغطي جرائمه بوشاح الإيمان والانتماء للمذهب أو الطائفة، كي يحولوا صحابهم إلى قرابين مقدسة باسم الجماعة التي ينتمون إليها.. وفي النهاية ليس هناك خاسر أو قربان مجاني سوى قطيع الخرفان من الطرفين ̋.

انصب هذا النص السردي على السؤال والجواب؛ ولأن السؤال وجه لـ (قابيل الفهد)، فهو سؤال مباشر وحدي، نشأ نتيجة حوارات ذاتية مع الذات الداخلية لـ (آدم ذو النورين)، فالظروف الضاغطة هي السبب في توليد مثل هذه الأسئلة، التي بدورها ترتمي خلف علامات الاستفهام وتعجز عن وجود إجابات لها، ولعل هذا ما يفسر(صمت قابيل الفهد للحظات).

ففي هذا النسيج الحواري بين(آدم ذو النورين)و(قابيل الفهد)، نجد أن الروائي لا يمنعه شيء من مواجهة نصه، فحوارية النص وأن دلت في مستهلها على هواجس وكوابيس تراود (قابيل الفهد) في الجواب على أسئلة(آدم ذو النورين)،وهي إشارة إلى فعل السلطة التي تلاحق الناس في كل مكان، فإصبحت كظله، ولم يفت الإنسان مقولة (الحيطان تسمع) وهي إشارة إلى إشكالية الوضع السياسي الضاغط، الذي يفرض نفوذه على الهيمنة الفكرية ويثير نوعاً من الشك والاضطرابات في هاجس الإنسان، عن طريق توظيف جملة من المسببات الخارجية التي بدورها تؤثر في المسببات الداخلية للإنسان الذي(يكره هذا السؤال الذي صار من أكثر الأسئلة التي تعرض على السنة الناس ).

وأمام هذه الضغوط النفسية كلها والمسببات الأيديولوجية الضاغطة، لابد لها من الاندثار أمام رغبة (قابيل الفهد) الناطقة بالقول: ( فأمام الموت لا مجال لارتداء الأقنعة، هكذا قال قابيل الفهد، لنفسه، فأجاب بصوت حزين)، فالشجن غلف التركيب البنائي للمتن السردي ليرويه بالقول:( أنا عراقي.. و السبب.. لا أريد التفكير بأكثر من هذا.. واذا ما أردت أن أتجاوز هذا التصنيف، فأنا إنسان.. إنسان فقط)، وهي إجابة حدية تختصر بدلالتين إما (عراقي أو إنسان)، وهي بدورها إجابة معلنة تصدر من ذات واعية راشدة، رافضة لكل الضغوطات الهادفة لتوظيف هالة القداسة في تمزيق اوصال العراقي، والتي أشار اليها بالقول:(المذهب غطاء لتحقيق رغباتهم الدنيئة.. كل طرف يغطي جرائمه بوشاح الإيمان والانتماء للمذهب أو الطائفة، كي يحولوا صحابهم إلى قرابين مقدسة باسم الجماعة التي ينتمون إليها.. وفي النهاية ليس هناك خاسرأو قربان مجاني سوى قطيع الخرفان من الطرفين)، عمد الروائي بنائها على صيغة الفعل المضارع (تحقيق، يغطي، يحولوا، ينتمون) إشارة إلى استمرارية الفعل، الذي ختمه بالقول:( وفي النهاية ليس هناك خاسر أو قربان مجاني سوى قطيع الخرفان من الطرفين)، ويقصد بها المجتمع.

وقد سعت (حواء الكرخي) لتخليص (قابيل الفهد) من عصابة (الحاج هابيل) الطائفية، عن طريق الاتصال باخيها وهو إسلامي، امتلك هذا اللقب، بعد عملية الاستبدال التي يقوم بها الكثير من موظفي الدين (عديم الايمان، وظالم، وفاقد لتعاليم الدين الحنيف، وقاتل) الى (سياسي مسلم برداء القداسة)،ليتحول فيما بعد الى(مسؤول كبير)، وعرضت القضية لأخيها، قائلةً:

̏ - القضية وما فيها يا سعادة النائب.. أن جماعة ينتمون إلى إحدى التنظيمات الإسلامية قد اختطفت مدير مدرسة في شارع فلسطين صباح هذا اليوم، وهذا الشخص يهمني فهو في دائرة الاصدقاء المقربين..

- شيوعي..؟

- لا.. إنه إنسان مستقل، لكنه ليس متأسلماً في كل الأحوال..؟

- هل هو شيعي أم سني ؟

- هل أصدق ما أسمعه يا آدم..؟ يا مناضل..؟ أمن المعقول أن تسألني أنت مثل هذا السؤال..؟ هل صار اختطاف الناس يتم على أساس انتمائهم الطائفي..؟..

أرتبك الصوت الآخر للحظة، لكنه لم يتراجع عن صرامته:

-لا تفهمني بشكل خاطئ ..أنا أتحدث عن واقع الحال، وليس لأني أؤمن بذلك..̋.

في حوارية النص هذه نكاد نقف عند معادلة مقفلة لا نجد لها مفتاحاً، أو خندقاً لا نستطيع الخروج منه، وهي مشكلة قديمة حديثة يحتضنها العراق بصورة خاصة، والعالم العربي بصورة عامة، فإشكالية الفتنة الطائفية تحولت إلى شعلة أزلية لا يمكن إطفاؤها؛ لأنها كلما خمدت زودت بالممارسات والشحنات السياسية السالبة لإشعالها، لتنهض بإزاء الموجب لصالح مستعمليها، والسالب بإزاء الجزء الثاني (المجتمع).

وقد بُني المتن السردي على صيغة السؤال والجواب الصريح والمعلن، الذي يبتعد عن المخاتلة، وسعى الى تقديم صيغة سردية مفهومة من لحظة عرض (حواء)للقضية وقولها: (القضية وما فيها يا سعادة النائب.. أن جماعة ينتمون إلى إحدى التنظيمات الإسلامية قد اختطفت مدير مدرسة في شارع فلسطين صباح هذا اليوم، وهذا الشخص يهمني فهو في دائرة الاصدقاء المقربين..)، لتصطدم هذه المباشرة بالجواب: (شيوعي؟) و(هل هو شيعي أو سني؟)، وهو جواب ينقل هدف الممارسات الضاغطة بصورتها الحقيقية، لتصطدم (حواء) بهذه المباشرة وتنطق القول:( هل أصدق ما أسمعه يا آدم..؟ يا مناضل..؟ أمن المعقول أن تسألني أنت مثل هذا السؤال..؟ هل صار اختطاف الناس يتم على أساس انتمائهم الطائفي..؟..)، ليجيبها الطرف الآخر من الحوارية قائلاً: (لا تفهمني بشكل خاطئ ..أنا أتحدث عن واقع الحال، وليس لأني أؤمن بذلك..)،عن طريق هذه اللعبة المميتة التي سعت إلى تتويج الشعارات الطائفية في كل مكان، نجحت الممارسات الضاغطة بامتياز، في فرض حضورها وغيابها على الشارع العراقي.

وتحدثت رواية (متاهة قابيل) عن احتيالات واغتيالات رجال العصابات ؛ ولأن الخطر وزعزعة مركزيتهم تسبب قلقاً، لذا سعى (الحاج هابيل) إلى قراءة الفاتحة على (قابيل الفهد) بعد أن علم بتدخلات اخ (حواء الكرخي)، المنقلب إلى التوجه والحكم الإسلامي الداعم لثبوت المركزية، وهذه الظروف كلها دفعت الشيخ (هابيل) الى القول:

̏ بأن الفرصة قد جاءته للتخلص من مدير المدرسة بسهولة، وسيورط الحاج آدم الأسير بقتله، فقال له:

- هذه مهمتك الليلة يا حاج آدم.. توكل على الله و إذبح هذا الحقير الفاسق لأن وجوده سيكون خطراً عليك أنت، باعتبار أنك تعمل محاسباً في مدرسته .. وربما يكون قد عرفك.. فهل سنقوم بالمهمة.. أو نكلف شخصاً آخر..

- سأقوم بالمهمة.. وحدي.. الليلة إذهبوا أنتم.. سأقوم بالمهمة ..لكني ربما

- سأتأخر.. لأنني لا أستطيع ذبحه وإنما سأعدمه.. سأخذه إلى أعماق البستان، وهناك سأعدمه.. وسأذهب إلى منطقة الحسينية لأنام عند أحد أقربائي..".

وبين أوامر هذا وذاك ضاع الصالح بالطالح، وعمت الفوضى، وزاد القتل .

وعمد الروائي (برهان شاوي)، في روايته (متاهة قابيل) الى إجراء مقارنة بين (آدم البشر) ويقصدنا نحن، و(ابونا آدم ابو البشر)، عندما يقول:

̏ نحن نختلف عن آدم الأب.. لأن آدم انتقل من حالة البراءة التي تحدثت عنها إلى الخطيئة، لذلك ثمة سقوط رهيب لآدم ..لكننا البشر، سلالة آدم، أبناء خطيئته، فنحن ننتقل من الخطيئة التي وجدنا انفسنا فيها بالتبعية كأبناء لآدم الأول، الى حالات اخرى من الخطيئة، فنحن نقترف خطايانا هنا على الأرض وليس في الفردوس، نقترفها بوعي.. أي نحن نتاج الخطيئة ونعيش في الخطيئة، إن طبيعتنا الإنسانية تجنح للخطيئة ؛ لأنها مستقرة في أعمق أعماقنا، طبعاً هذا إذا فهمنا الخطيئة بأنها الشهوة والرغبة الجنسية بالتحديد ̋.

وفي الرواية، نرصد دلالة العنوان وشرحه المفهوم داخل المتن السردي.

وإن (هابيل أو قابيل) هو طفل نتيجة الخطيئة، امه (حواء الزاهد) كان ضميرها في تأنيبٍ دائم إتجاه (هابيل) ؛ لأنه ولد خطيئة، ̏ نظرت إلى ابنها هابيل الذي هو ثمرة خطيئتها المحرمة ؛ لكنه أيضاً ثمرة حبها وعشقها الحقيقي ورغبتها العميقة المنبوذة في المجتمع والدين..؟ ثم التفتت إلى ابنها آدم الملاك، الذي هو ثمرة خطيئتها الشرعية الحلال.. ثمرة علاقة مبنية على الحب ؛ لكنه الابن الشرعي أمام الدين والمجتمع..‼ صحيح انها لا تفرق بينما، فكلاهما نشأ في أعماق رحمها وهو قطعة من جسدها، إلا أنها ستشعر بالأسى على آبنها هابيل ̋.

فإن توظيف المقارنة هنا جاء عن طريق:

هابيل (ثمرة الخطيئة المحرمة) = ثمرة حبها وعشقها الحقيقي ورغباتها العميقة المنبوذة في المجتمع والدين.

آدم الملاك (ثمرة الخطيئة الشرعية الحلال) = ثمرة علاقة مبنية على الحب ؛ وهو الابن الشرعي أمام الدين والمجتمع.

وقد تكون هذه المقارنات إشارة توضيحية للقارئ، وتعد مؤشراً للصعوبة في البحث عن مغزى للوصول الى المحطة النهائية لهذه المقارنات، فالكلمات بسيطة ومألوفة، إذ جعلت (حواء الزاهد) من (الخطيئة) حلالاً عليها بسبب عشقها لـ (والد هابيل)، ومن (الحلال) جعلت حراماً عليها، لكرهها والد (آدم)، ومن الحلال والحرام صاغ الروائي خروجه المعلن لنقد فكرة الدين أولاً، ونقد المقدس كله ثانياً.

ونرصد في الرواية، تفكيكاً قاسياً وتشريحاً للحرب الأهلية والطائفية، وعمدت الرواية إلى تقديم الانقسامات الطائفية عن طريق مسلخ منطقة الحسينية، ومسلخ منطقة المنصور وتحديداً (حي دراغ).

أضيف، أنطلقت سردية الرواية من مادة مجانية معاشة بجذورها في محيطنا، ولاتحتاج إلى أعمال الذهن في فهمها وفك قيودها، الفهم يقتصر في كيفية التعليق النقدي على جملة الشخصيات المتداخلة لهذه الشخصيات.

 

بقلم: د. وسن مرشد

 

جمعة عبد اللهمغامرة روائية مبدعة يخوض غمارها الكاتب الروائي (شوقي كريم حسن) بكل قدرة متمكنة من تقنياتها الفنية في الحبكة السردية، واسلوب تعابيرها الدالة في المغزى البليغ الدال، في الغوص في شجون واشجان المحنة العراقية ومآسيها، عبر ازمنتها الجحيمة المتعاقبة بالخرائب. في التعاسة والجحيم. في نزيفها المستمر الذي لم يتوقف في نزيف جراحه الجارية. هذه الرؤية الفكرية لمنصات الحبكة السردية باشكالها التعبيرية المختلفة، والتي انتهجت اسلوب التداعي الحر، في خضم تداعياتها التي سقطت انثيالاتها بغزارة المطر الغزير في معاناة وجدان الذات، في زخم التعابير الدالة،في مغزاها ودلالة في معانيها الرمزية الدالة على الوطن، الذي اصبح يبدد كل بارقة امل وحلم، في خضم وقوعه في فلك المجاهيل والطرق المتوحشة، وتحولت انسانيته الى اوهام وهذيان على ضفاف القهرالاجتماعي، المتسلط على الرقاب، والجاثم على الصدور. في عنفوان مرارتها النازفة، كأن العراقي يولد وهو يحمل فيروس الانفلونزا المزمنة، في الوجع والانتهاك والاستلاب، المفرط بالتسلط والاستبداد. الذي يقود الى الضياع.، وبالتي تقود الى ضياع الوطن، دفعه الى اكوام الخراب وتدمير الانسان من الداخل، في الخيبات والخسارات المتلاحقة والمستمرة. بهذا الشكل تخوض تجليات الحبكة السردية في النص الروائي، وهي تكشف جراحات الوطن النازفة، في دوامة من الهيجان من الفوضى العارمة. التي تعمق الازمة والتأزم اكثر واكثر. ان تجعل الانسان حقل تجارب من الاحباطات المتكسرة، ان يكون مأزوماً في الداخل والخارج، في حياته واسلوب معيشته. حيث ان المعادلة متشابكة لا يكن فصلها، يعني ضياع الوطن وهو بالحقيقة ضياع الحلم في دروب ومجاهيل موحشة متوحشة، لا أمل فيها، طالما ان هذيان الاوهام المجنونة مسيطرة على خناق الوطن، مما تصيبه بالشلل والفشل. يقدم الكاتب هذه البانوراما الكاشفة، من خلال سيرته الحياتية والذاتية، التي اتخذت صفة الذات الجماعية، في واقع صبغ في ألوان السواد والحزن والحرمان.، في توصيل الرؤية الفكرية، من خلال السرد المبسط والعميق، بتوافق وانسجام بين اللغة الفصحى واللهجة العامية. بحيث كشفت وسلطت الاضواء الكاشفة في الغور في عمق المأساة العراقية، في استخدام اسلوب الميتاسردية (الحدث وما وراء الحدث). في هذه التقنيات من البوح في النص الروائي، ان يكشف الصورة الكاملة لواقع العراقي عبر ازمنة الانفلونزا، في تعقيدها المتشابك بخيوطها الاخطوبوطية، ودهاليزها التاهة في المجاهيل المجهولة. لقد طرحت مأسي الواقع، بكل جرأة صريحة وعلى المكشوف، كما تصدت بوعي ناضج لمفاهيم الموروثات والارث المتنوع بصفاته واسمائه المتعددة، في بعضها حملت جنينات النفاق والخداع، في بدعة العصمة والقدسية لها. وهي جزء مكمل من خراب الواقع. يتناولها الكاتب بأسوب السخرية والانتقاد اللاذع من التهكم. لانها تسهم في تشديد الخناق على الوعي، اوتفرض حالة من الارهاب الفكري. اي ان العقل يفقد حرية التصرف والتعبير والارادة. وان يكون ضحية الاستلاب والانتهاك القسري. ان هذه المفاهيم من ألارث الموروث. هي جزء من الانفلونزا العراقية. لذلك ان الحبكة الروائية، تحركت بأساليبها المختلفة، في تسليط الاضواء، في التشخيص والتحليل، عبر رموزها التعبيرية في الحبكة السردية. وهي: (جورية الام. ميري. نابليون. كاترين. حصان جدي). وقبل تفكيك شفرات هذه الرموز الدالة. لابد من تسليط الضوء بصورة مكثفة على حياة وسيرة السارد، وهو الشخصية المحورية في المتن الروائي:

- يصدمنا بطل المعاناة العراقية منذ الصبا، اومنذ تفتح براعمه الاولى، انهالت عليه السهام والطعنات الجائرة، لتدفعه الى المعاناة بوتيرة المتصاعدة (منذ صباي الاول وانا احلم بمكان استقر اليه، يمنحني رضاه وامنحه كلي.. هذا البحر سعة لا تتوقف، وعملية تائهة مع اللاشيء كلما حاولت الامساك ببعض محبته، رمى بي الى التيه أشد قسوة، وأشد مرارة) ص121. تبدأ هواجس الرحيل الى اللاشيء، الى الدروب المجهولة والوعرة، الى الطرق المتوحشة. كي يفقد الحلم والامل، مثل الوطن الذي لم يبق منه إلا مجموعة خرائب متناثرة. في كرنفالات الجنون (فاضت سيول من الانهزمات الداخلية التي ما عفتها من قبل، منذ سنوات طويلة، ما عادت كلمة وطن تعني لي أشياء محددة، فقد امتلأت قحفة رأسي بأوطان شتى، أوطان تركت في ذاكرتي مئات الرسوم والقصص والضحكات، وحدها كلمة وطن، كانت تغيضني، بل تحيلني الى كلب مرمي عند اكوام قمامة ينتظر موته، الكلاب السائبة غدت رفيقة أيامنا ونحن نسكن الشوارع) ص157. بل اصبح مشرداً مطلوب رأسه حياً أم ميتاً. هذه جنون الهلوسة التي اصابت الوطن، ليقع في احضان الجحيم. بل اصبح الوطن نفسه عنوان الجحيم، او اصبح عملة رخيصة تباع في الاسواق الرخيصة.

الرموز الدالة في النص الروائي:

1 - جورية (الام): تمثل الفلسفة الحياتية في تجربتها الشاقة في المعاناة القاسية. في كفاحها الحياتي في توقير لقمة الخبز، بعد وفاة الاب في الحرب. فكانت أمه بائعة الخبز، صمام امان والسند في مواصلة حياته الشاقة بعد اليتم (تربت على كتفي، وتمسد رأسي، كانت الى لحظات اليتم التي عشتها، اليتم الذي جعل أمي تقف عند مفترق الطرق وهي تحمل سوراً قرآنية، ورسومات لأئمة وبخوراً، من اجل رغيف خبز لا غير، ليس سوى أم حزينة، تلوج وهي تحمل خراب سنوات أعمارنا، كانت صباحاًتها نواحاً، ومساءاتها بكاءاً، لايستقر عن أسم محدد) ص61. ووتلونت عذاباته بالسواد، بعدما فقدها وغادرت الى رحمة الله. فكانت تملئ وجوده (- لا أحد غير أمي جورية..... هي الوحيدة التي يمكن ان تؤكد وجودي.. ؟

جورية... جورية.. ماذا لو كانت جورية قد غادرت هذه الارض منذ زمن قد يكون طويلاً... ماذا لو وجدت ما تسميه بيتكم وقد أزيل ولم يبق سوى خربة أو مساحة أرض) ص219.

2 - ميري (الراهبة): تمثل فلسفة الحياة والحب. التي تعتمد على مقومات أنسانية نقية في روحها وصفاءها الحياتي.. تحاول ان تدخل العزيمة والبهجة الى قلبه المكلوم، تحاول ان تشد قوته النفسية في الصبر والتجلد، في مجابهة ومقارعة الحياة (تلاحقني ابتسامات (ميري) وهي تهمس أأأأحبك... وكل ما نطلبه منك أن تنجح... كن ناجحاً في حياتك.. لأنك بنجاحك ستنال رضا يسوع) ص30.

(لا تثقب قلب رجولتك بكراهيات الارباب.. اخفي زعل الروح ما دمت تريد ادراك الوقت / وترغب بلفظ اخر الطرقات / فكر يا أبن آدم، ان طرقاتك القادمة قد تكون اكثر وحشة وتوحشاً / واكثر قتامة وحزناً / عندها يا أبن آدم عليك ان تقف عند الحد مبتسماً / وتقاوم.. قاوم وامضِ.. أياك ان تتوقف عند لحظة ما دمت غير مقتنع بالوقوف او التوقف / فكر ملياً واختر طريقاً اخر أو اقول الحق / ابتكر طريقاً اخراً يدلك على ما ترغب / محنة الانسان يا أبن آدم هو الطريق) ص28.

(بل عليك ان تتحمل الصبر وانتظار معاً!!) ص39

(- كل اشياؤكم غريبة.... أنتم تعشقون الغرابة.. مخيلاتكم تجنح باتجاه خلق عوالم من الرعب والفوضى... منذ قرأت حكاياتكم التي دمرت أحلام الناس وأنا لا اطيق مخيلاتكم.. عقول لا تجيد صناعة الحياة وتعبث بأحلامها.... قل لي ما الشيء الغريب الذي تفتخرون به ؟!!) ص97.

3 - نابليون: يمثل روح الشباب وعنفوان حلمها. لكن هذه الاحلام والعنفوان يتكسر على صخرة الواقع الصخرية بالفساد والرذيلة، مما يرجع مكسور الجناح في غصة الوجع. انه يتعامل مع واقع اكبر من طاقته في التحمل المعاناة الثقيلة. لذلك يظل مرمياً في قاعة الانتظار، في احلام يعصفها رياح الخراب، فرمزية (نابيلون) هو الضحية والشاهد والمراقب والمحترق بنار الجحيم. في عالم يضعه تحت حوافر الحرب أو السجن، ولا مفر منهما. واقع يدفه الى الاستلاب بلا عودة.

(- وانت.. لا يمكن ان اغادر بدونك ؟

- مجنون.. نحن رهن وحدتنا. شظية مثل هذه تجعلنا نغادر صوب وحشة اللاعودة.

يضحك

- ها انت تجيء محملاً بأثامك وخطاياك، نابليون.. لن يفيدك إرث ولا جاه.. الحساب لحظة لابد منها ؟) ص32.

(- نابليون.. أيها الامبراطور السارق لارث جده.... دعك من مثلك العليا هذه.. دعك من هذياناتك الراسمة لفشل الاحلام.. ودعني اسير الى حيث تنطش الرغبات فوق رأسي... أنا المخبول... قدتٌ روحي من رغباتٍ.. وأطاعت نفسي انحرافات الجسد) ص84.

ولكن يحث الانقلاب الكلي، وهي اشارة، بأن العراقي يحمل الازدواجية في التصرف والسلوك، في سهولة التلوين وتغيير جلده حسب المناخ والطلب والعرض. وفجأة يجد نابليون وسط القاعة يصرخ بأعلى صوته (اللهم صلِ على محمد والٍ محمد) ص178.

(- أنا الآن على غير ما تركتني عليه.. انتهزت الفرصة وجئت ؟

- الجميع هنا يتحدث عن فرص

- وما الانسان غير فرصة واحدة وان ذهبت لا يمكن استردادها) ص179.

4 - كاترين: تمثل فلسفة الحب والجنس والايروسية. كأنها تتقمص دور، البغي التي روضت (انكيدو) من وحشيته.

(واعتادت كاترين ايقاظي بوابل من الجليد الذي لا اعرف من أين يجيء، أشعر برغبة شديدة بالبكاء والصراخ، والركض وسط غابات التوحش.والهتاف ضد ما أسميه خرابي الانساني، لكن الفشل الذي اصاب كلي المتهدم يعيدني الى حيث كانت كاترين تضحك.... تضحك... بنت القندرة.... رأسمالية عفنة... كلبة بنت الكلب) ص163.

(الانسان كائن خلق من مستحيل، لهذا ترينه دائماً يبحث عن مستحيل ليهشم وجوده.. أنا أمامك مثلاً جئت لاهشم مستحيل فحولتي بين افخاذ بنات الغرب المسكين. نحن نأتي لنمارس الدعارة بين احضان مستحيلكم... هذا هو الفرق أستاذة كاترين... أنتم تجيئون لتكشفوا تواريخنا الاجرية، وسرية ملوكنا ودهاء ساستنا. أنا اشعر بفتحي المبين يمجد فحولتي) ص128

(تقول كاترين لحظة فرح تساوي كوناً فاسداً.. الرب الذي تمجده خلق الانسان من اجل ان يصنع حياة ابتهاج وفرح) ص132.

(تقول كاترين وهي تلز جسدها الى جسدي، شعورك بالانكسار أضعف أملكَ. السؤال الذي ينقصك هو الى اين تريد الوصول.... ولماذا جئت. لا يمكن أن يكون مجيئك من أجل قاذورات التي تلاحقها هنا وهناك.. قد تتصور ان مجتمعاتنا مجرد مواخير كبيرة، أنت واهم عيبك أنك ترى ما تريد... حاول ان تجد مكاناً اخر) ص142.

5 - حصان جدي: هو دلالة رمزية على الموروثات ومفاهيمها، التي تحرث في الخراب، وخرجت عن منطق العقل، الى منطق العقل الظلامي المتوارث، الذي تصهل في الطرق المتوحشة الغارقة في الانهزام والخيبات المتكسرة (والمرسومة بلون العبودية المستكين) ص6. (وقد أورثت هذه الابصار من محيط سفالاتنا التي ادمنها المعلمون الاوائل) (أمر الاطفال بأن يتبولوا على امجاد اجدادهم) ص 8. هذه الموروثات التي تنفخ في قربة مثقوبة بألف ثقب، وهي حكايات اوهام وخرافة، ماهي إلا لسفك الدماء (ربوعنا خراب لا يجد الاجابة، لهذا ترنا معلقين بسعف نخيل الاجداد، ووصاياهم، والمباهاة بماضٍ تليد يثير القيء. ويكشف عن مدى سفالات اولئك الاجداد الذين ارتاحوا لمرآى الدم، وادمنو الترحال اليه. حاولت مراراً التخلص من اوهام رأسي المائر بفضاءات مليئة بحمام اسود، لكني فشلت. لا أحد يستطع الانتصار على ماضيه. الماضي هو رباطنا الوحيد في اسطبلات حياتنا الحاضرة)ص10. (- انها أرثي التاريخي من الغابات والكهوف. مقاومة الحاضر بأستدعاء عنفوان الماضي السحيق. تصور أنا سليل رجل عاش بكهف وغابة) ص144. هذه الامجاد الملوثة بالدم، ندفع فاتورة حسابها الآن، بجريان دماء مضاعفة، لذلك يستفز السؤال (ليش ؟؟) (صدك عود ليش نموت. واشفنه من عمرنه. ليش نموت حتى يحيى الجنرال) ص10

 

- رواية (قنزه ونزه)

- المؤلف: شوقي كريم حسن

- الطبعة الاولى: عام 2018

- عدد الصفحات: 224 صفحة

- دار ميزوبوتاميا. العراق / بغداد

جمعة عبدالله