قاسم ماضيذات خدر ديوان شعري جديد للشاعر العراقي المغترب المصيفي الركابي

قصائد مكثفة تغوص في موضوعات متنوعة.


 

للدخول في ديوان الشاعر العراقي "المصيفي الركابي" هو الدخول في أروقة المفردات  العربية الغامضة، والتي تحتاج إلى تفسير، أو البحث في التعاريف والمعاني لإيجاد معانيها الملغمة بالأسئلة والمشفرة كاللغز .

ذات خدر، كأنها البدر ص1

 ومعظم المفردات التي  تناولها الشاعر العراقي "الركابي" في هذا الديوان ذات معنى   وتحرك مخيلة المتلقي،عبر صور شعرية مكثفة، والغاية منها تأسيس مشهد شعري يترادف عبر متنه النص،ومن خلال ملاحقة ما يكتب من قصائد لن نجد المفردات التي يستخدمها معظم الشعراء من كتاب القصيدة القصيرة  في عالمنا اليوم .

 كيف لي 

احنث باليمين  ص 82

حيث  تجد الكثير من هذه المفردات التي نسجها الشاعر عبرعملية مخاضية تستند إلى التنقيب والبحث في معاجم اللغة العربية التي يستشف منها ويتغذى عليها طوال تجربته الكتابية، كي يؤكد ذاته المعذبة في عالمه الاغترابي، الذي شكل نسبة عالية من قصائد الديوان والتي تتجاوز أكثر من " 134 " قصيدة قصيرة .حتى تجده يغوص في أعماق هذه المفردة أو تلك كي يصل إلى هدفه الأساسي، الأ وهو يبشر القارئ بوجود هذا الكم من المعاني للغتنا المعبرة والهادفة .

ذات لحظة

عشقت

ذات خدر  ص1

وبهمة لا تعرف الكلل قد واصل عطاءه في مجاله الشعري الذي لا ينضب وعمقّه في فلسفته الشخصية والمبتكرة، حيث أصدر العديد من الدواوين الشعرية التي حاول أن يكرس عبرها توجهه الشعري مستعينا بالتراث وآليات الحداثة  نذكر منها " هواجس ثملة، أرجوحة القمر، فراشات ملونة،ذات خدر" وحتى لا يغيب عن المشهد الشعري العربي ظل يقظاً ومعتمدا ومن خلال موهبته الشعرية ورغبته في توظيف وتفجير هذه المفردات في معظم نصوصه الشعرية التي تحتوي في باطنها الإيقاع الداخلي المتسق مع الدلالة الشعرية، حتى يستدرج ذهن المتلقي لفضاء نصوصه وأجوائها  المعمقة بفلسفة هذا الغوص الذي   يطلق عليه "الغوص في لغة الشعر " من خلال العديد من الاستخدامات اللغوية  الشعرية والتي اعتبرها هي حجر زاويته في معظم قصائد هذا الديوان . حيث نجد كل مفردة لها طعم مليئ بالحياة، ودرجة إقناع فنية في تناغم الحرف والصوت والإيقاع، لتشكل المغزى المراد ايصاله وكذلك المعنى المكمل لذاته في البنية العامة للنص .وهو بالتالي يعمل على تحرير المعنى في الشيء لتحررالقصيدة عبر فاعلية لغتها .

وسأضع

على متن البراق ص5

1893 المصيفي الركابيوجاء ديوان الشاعر"المصيفي "المعنون ذات خدر"والصادر عن مؤسسة ثائر العصامي في بغداد،والذي يقع في 134 صفحة من القطع المتوسط .ليجسد هواجس الشاعر حيال موضوعات متنوعة ومنها موضوعة الحب .

سيدتي

 الغيداء

همسُ صوتك

يختزلني في مشق قدك ص95

حيث القصائد القصار التي  نثرها على الورق الأبيض، جاعلا قصائده موصوفة،منطلقا من الاختزال الحدثي والتكثيف الدلالي والتقليص الموضوعي، مما  أوصلك في خضم الأوضاع التي تجعلك تدخل عالمه بروح كامنة في أقبية هذه القصيدة أو تلك  .

 في تمام اطواره

 وقد تكون

ثريا

 في جوف كرستالة ص1

 حتى تجد عالمه الشعري يتعكز على عدة طبائع تمتاز بالغرابة، و الرهافة، والتهكم واللوعة .

على خدها

 غمازة

تغوص كثيرا ص111

وتعد  معظم قصائده ذات حساسية قصيدة، لأن التفعيلة القصيرة والتي أشتغل عليها من خلال اهتمامه بالايقاع والوزن، ليكون فيها ذلك المترجم لروحه المضطربة، والمنكمشة في  عالم اليوم المعقد والمتقاطع، حتى تجد هذه  القصائد كأنها استعادة لذاته من جديد، وهناك رأي يقول أن كتابة قصيدة التفعيلة القصيرة ليس بالأمر الهين لأنها قد تستغرق ضعف المتاح الإنتاجي الذي تتطلبه إنتاجية القصيدة الطويلة . والشاعر "المصيفي الركابي "  يمتلك مهارات خاصة في التعامل مع اللغة واستثمار عناصرها في التعبير عن الافكار والمشاعر الانسانية التي انطلق منها ويحاول دائما أن يستفيد من مختلف جوانب وأغراضها لينسج جملة شعرية قصيرة معبرة ودالة  بوصفه شاعرا دخل فضاءات قصيدة الهايكو وجرب الكتابة وفق نسقها وآلياتها لذا باتت تستهويه تلغرافية الجمل الشعرية وقوة تعبيرها ومداها التأويلي   .

ما

غردت

غرانيق العلى

لغيرك ابدا  ص126

والجدير بالذكر أن شاعرنا الركابي له العديد من المجاميع الشعرية والقصصية نذكر منها ديوان  "شعر هايكو" نيازك مجموعة قصص قصيرة جدا، وقصص عربية قصيرة جدا مشترك مع 111 كاتب عربي.

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

 

 

جمعة عبد اللهيمتلك الشعر جمالية خاصة، اذا كان مختزلاً من شوائب الاستطراد الزائد بالحشو الزائد. التركيز في تصوير الحدث ووصف رؤيته البليغة (كلما أتسعت الرؤية ضاقت العبارة) هذا التكوين الشعري الخلاق في التركيز المكثف. يعجنه الشاعر السماوي الكبير ببراعته الفذة، في عملية الخلق والابتكار يشكلها بعجينتها الطيعة. التي ينفخ في اشكالها في المعنى الدال بعمق خلفيته وسيمائيته الظاهرة والباطنة (في الدلالة والاشارة) التي تعطي المعنى البليغ لأخيلته  التصويرية، التي ترتقي الى مستوى الاحداث البارز ة، وفي بصيرته الثاقبة والنافذة. والديوان الشعري (ملحمة التكتك.. نصوص نثرية وشعرية) يمثل قمة تقمص واستلهام اغوار ثورة الشباب بيومياتها العاصفة بالاحداث المرئية التي طفحت على السطح. من تراكم الزبى ومعاناة السنين، في وطن ينحدر الى التدهور الخطير. والصياغات الشعرية تملك قوة المعنى والعبارة. قوة الفعل الدراماتيكي الفاعل، قوة الرؤية الصائبة في مفاعيلها التي تجسد الاحداث وخلفيتها الدرامية والدموية في اراقة انهار من الدماء في ثورة الفتية والشباب. في استقراء يومي لاحداث الثورة التي غيرت وجه تاريخ العراق السياسي قبل وبعد الثورة. الديوان الشعري (ملحمة التكتك) مخصصٌ في تقصي يوميات الثورة، وجاء اهداء الديوان الشعري الى ثورة الشباب الفتي وشهدائه الابرار (الى جميع شهداء ثورة الخامس والعشرين من اكتوبر السلمية الذين سقطوا مضرجين بحب العراق، والى الذين لم يستشهدوا بعد..) والديوان الشعري يمثل تجسيداً  حياً  وفعلياً  للتوثيق الملحمي ليوميات الثورة. كما وثقت الثورات الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ، مثل الثورة الروسية والثورة الفرنسية وغيرهما من ثورات الشعوب الطامحة الى الانعتاق والحرية. فقد  تجسدت يومياتها (شعراً وسرداً) والسماوي يسجل هذه المبادرة التاريخية في الشعر العربي والعراقي، في تجسيد يوميات الثورة بالوثائق اليومية في احداثها العاصفة. قبل خميرة الثورة والتي تراكمت في الانفجار الكبير، الذي هز كيان العراق، كما هز كيان الاحزاب الحاكمة. وهذا التوثيق الشعري في بياناته الدالة، من شاهدٍ عاش عمق الاحداث العاصفة، وسجلها باحساسه الوجداني الذي يهفو بعشق الوطن. والشاعر في مهارته التسجيلية التاريخية، يرتقي الى سجدة الشعر في براعة تكوينه، الذي ينبض في احساس ووجدان الناس، يمثل التجانس الروحي والمعنوي في الذات الجمعية ، يسجل نبض الوطن وخفقاته الملتهبة بنيران الظلامين من الارهابين واللصوص الفاسدين. الذين سمموا عروق الوطن بسمومهم القاتلة. لكي يخنقوا هواء الوطن بدخان حرائقهم .

1521  ملحلمة التكتك 1

تمثل المجموعة الشعرية تسجيلا  احترافياً  بارع الدقة، بحيث يجعل القارئ يعيش الاحداث العاصفة، ويشحن ذهنه بالتأثيرات الحماسية، ويدرك عمق الصورة المشرقة، للصمود والتحدي والمجابهة بالصدور العارية، التي تلقت قنابل الموت الدخانية من المرتزقة الملثمين. ويضعه في صورة الصمود البطولي، هذا يؤكد بشكل ساطع، أن العراق لن يموت، فلابد ان يبزغ النور من كنف الظلام الدامس. هذا الاصرار العنيد في نيل الشهادة في سبيل الوطن، رغم اراقة انهارٍ من الدماء. ولكن الشباب والفتية صرخوا بصوت مدوٍّ  واحدٍ (هيهات منا الذلة) كما صرخ بها الامام الحسين في استشهاده العظيم، لا يمكن الخضوع لقوى الظلام. الديوان الشعري يبرز جوانب الصراع العنيف، يجسدها من مرئيات الواقع، بين الصدور العارية التي تتلقى الموت وهي تحضن العلم العراقي ليغرقوا في برك الدماء من البلطجة الدموية السادية. يجسد النص الشعري لهيب رصاصات الغدر من اللصوص والفاسدين الذين خلقوا اقزاماً  تجلب الموت والانتقام. يجسد النص الشعري اعادة من جديد ملحمة كربلاء على ارض العراق. بنصوص شعرية واسعة الافاق وبالمغزى البليغ. ان الملحمة الشعرية للسماوي (ملحمة التكتك) تنقل الشعر الى الفعل الدرامي الملحمي، المرهف في احساسه، في ضمير عاشق الوطن. لنأخذ فيضاً من غيض او بالعكس. × ندخل في صلب الدولة العميقة. التي شيدها اللصوص واالفاسدون، ونصبوا أنفسهم أسياد اً وملوكاً  وسلاطين. دولة جلالة الخليفة، واشبعوا بتخمة المال من الياقوت والذهب والدولار، وتنعموا بفردوس الارض، ومنحوا الشعب الدخان والغبار والاهوال والمصائب. في هذه الدولة العمياء. دولة الغنائم وتوزيع الحصص على السراق والعملاء. فما فائدة ان يتنعموا بالبستان والبيدر والحقل، ويحرموا الجياع. فما فائدة كمامات المتظاهرين، وقنابل الموت تخترق الجماجم وتحرقها بالدخان. لقد شيدوا دولة الحقد والاجرام:

جلالة الخليفة

قبلَ أن تُشيدَ لنا الجسور

شُقَّ لنا الانهارَ أولاً ..

الجائعُ يحتاجُ خبزاً

لا حَجَراً يشدُّهُ على بطنِه..

إذا كنتَ نيرون

فبغدادُ ليست روما

لماذا إذنْ تريدُ إحراقها ؟

الطيورُ لا تبني أعشاشها على ىشواهد القبور..

قبل أنْ تطلبَ من المتظاهرين خلعَ الكمّامات

أطلبْ من مرتزقتِك وميليشياتك

خلعَ اللثامِ أوّلاً..

أنتَ وحاشِيتكَ أصبحتم

زائدين عن الوطن كالزائدة الدودية

الرَّعيةُ مُنشغِلةٌ بإصاخةِ السمعِ لِعجلاتِ " التكاتك "..

"نوح" لم يحملْ في سفينتهِ زوجاً من اللصوص الفاسدين

فكيف أصبحوا زرافاتٍ

في وطني المعروض للبيع والإيجار

في حوانيت المحاصصة ! 

لايمكن أن يستمر الظلم والحرمان والطغيان، فلابد ان تدق ساعة التحرير. ساعة الحساب والعقاب. ان يهجم الجياع على الآلهة التمر. ذات غد قريب لا ريب فيه،  اليوم الذي يخرج فيه العراق من الظلام الى النور. وتصبح لافتاتهم، حفاظات للاطفال:

ذات غد (الساعة آتيةٌ لا ريبَ فيها) ساعة يقضمُ الجياعُ الآلهةَ التمر

*  (ذات غدٍ سيجمعُ الفقراءُ لافتاتِ أحزابكم

وأعلامَ ميليشياتكم

لِيصنعوا منها حفّاظاتٍ للأطفالِ )

عطلوا الحياة برمتها واصبحت مسرحاً للقناص الملثم. أن يقتل ما يشاء ويفعل ويعبث بالارواح البريئة مثلما يرغب. فقد وجدوا وظيفة جديدة. وظيفة القناص الملثم، وتعطل التكبير في المآذن التي اصبحت عاطلة يملكها القناص الملثم. هذا ابتكار احزاب الغضب الالهي:

(أخيراً: إبتكرَ القنّاصون وظيفةً جديدة للمآذنِ العاطلة عن التكبير!)

من بركات الاحزاب الحاكمة التي تقودها شلة من اللصوص والقتلة، عطلوا كل شيء. سوى حفاري  القبور يشتغلون بمجارفهم بالعمل المرهق والمتواصل لحفر المزيد من القبور للملائكة  الذين حصدهم رصاص الابالسة القناصين:

(وحدهم حفّارو القبور:

خرجوا للعمل مُشمِّرين عن مجارفهم

لحفر المزيد من القبور

للملائكة الذين حصدَهم: رصاصُ الأبالسة!)

تساؤل وجيه لماذ يصر الناس مع سبق الاصرار على الانتحار ؟، في بصمة الحبر البنفسجي، في شرب سم الحبر البنفسجي، وبارادتهم واختيارهم الحر   كما فعل (سقراط) في شرب السم. يعني المشاركة الطوعية في جريمة اغتيال الوطن:

(نحن لسنا " سقراط "..

فلماذا شربنا سمَّ الحبرِ البنفسجيِّ

من تلقاءِ أصابعنا !)

لا شعر يعلو إلا شعر الناس.

لا صوت يعلو إلا صوت الناس. ولا شعر يكتب إلا بدماء الشهداء في ساحة التحرير. ليكتب  شعراء الوطن المعلقة الثامنة، ويعلقوها على جدران  كعبة الثورة، على جبل أحد، في المطعم التركي:

(نحن الشعراءَ  جميعنا نكتب قصائدنا بالحبر..

إلآ فِتيةُ وشبابُ ساحةِ التحرير

فإنهم يكتبونها بدمائهم..

لذا فهم الأشعرُ منا جميعا..

المعلقاتُ ليستْ سبعاً..

إنها ثمان

سبعٌ عُلِّقنَ على جدران الكعبة..

والثامنة عُلِّقتْ على جَبَلِ أُحُد الثورة في المطعم التركي !)

لا يمكن التستر على الجريمة البشعة، التي داهمت الشباب في اواخر الليل وهم نيام. من قبل جنرال قاتل ومسعور لسفك الدماء. فلابد ان تأتي ساعة الحساب لهذا السفاح القاتل. حتى حذاء الشهيد ينتفض مطالباً بحقه في القصاص. ولابد للقضاء العراقي ان يستيقظ ضميره بميزان العدل، ويطالب بدم الغزلان البريئة والطاهرة، هذه هي عدالة الارض والسماء من الجزار القاتل:

(الشهيدُ الذي حلَّقَ من جسر الناصريةِ نحو السماء

تركَ حذاءَهُ المُلوّنَ باللونينِ الأسودِ والأحمر..

الأسودُ: لون لِثام القناصّين..

والأحمر: لون شارةِ الأركان التي يحملها الجنرال..

الجنرالُ الذي أصدرَ الأمرَ لذئابه

بنهش أجسادِ الغزلان)

سقطت الاقنعة وبانت العورات، لم تعد الوعود الكاذبة منقذاً. فقد تكسرت وداستها اقدام العابرين. فالشباب كتبوا الوعود الكاذبة بالطباشير على ارصفة ساحة التحرير وداستها أحذية العابرين:

(نعرفُ أنَّ وعودكم كاذبة

لذاكتبناهها بالطباشيرعلى أرصفةِ ساحةِ التحرير

لِتقرأها أحذيةُ العابرين

قبل أنْ يمسحها المطروالعاصفة)

***

* ملحمة التكتك.. نصوص نثرية وشعرية

* للشاعر يحيى السماوي

* تاريخ الاصدار: عام 2020

* اصدار: الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق – بغداد

*عدد الصفحات: 117 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

 

رياض الناصريمن نتائج عودة يوسف الخال من الطرف الآخر، إلى أرض الوطن ذات القاعدة الروحية، أن طبعت الرموز المسيحية شعره بصورة مكثفة، لتطالعنا هنا، صورة "الشاعر/ الإله" الذي يمكن عدها عمدة المشروع الشعري وسنده، لأنها صورة مكثفة تختزن إرهاصا تنظيريا؛ وحساسية جمالية مغايرة، إنها تأمل شعري، صريح وضمني  في مسيرة الشعر العربي، ومساره الحلزوني، بغية تأسيس تصور جديد، يهدم مفهوم الشعر السائد، ووظيفة الشاعر الخطابية المنبرية، وما يتفرع عن كل ذلك من نسج وشائج مغايرة بين: الشعري والحياتي.(1) ولعل المفهوم الشعري الجديد هو أحد الدعائم الكبرى، حيث أصبح الشعر مرادفا للخلق والإبداع على غير منوال أو قالب سابق .

ومن ثم صار الشاعر يستشرف المستقبل. وعلى هذا الأساس رفع الشعر إلى مرتبة أضحى فيها منافسا لما هو مقدس، بالمقدار الذي يكشف فيه ما هو مستور، ويبتدع طرائق مغايرة في النظر إلى الحياة والكون.

ولا يغرب عنا أن هذا التطهير الأقصى ما هو إلا إيمان مطلق بالشعر وضرورته لتستمر حركة القلق والخوف والتوجس. وبما أن المعشوق لا يناظر، فأن من سار على درب الحب شهيد الشعر يستحق كل ثناء وتبجيل. وهذا "عزرا باوند" واحد من أولئك الذين سال دمهم على محراب الشعر، فكان دمه مشعل ضياء ينير الدرب:

جراحك للأولين

عزاء ودرب خلاص لنا (2)

إنه المسيح الذي حمل خطايا البشر، ويبشر بالأخوة والمحبة والحرية والخلاص.

وهذه القدسية تقتضي، في مقام الاحتفال الطقوسي، أن يعتزم المريد طي  صفحات  الماضي وبداية حياة جديدة. فبقدر ما تمده بدفقات حية بقدر ما تخلصه من براثن (المعصية/اللعنة). ولا يحصل التطهر إلا بالصدق الذاتي في الاعترافات و في الألم. ويحسن أن نشير إلى أن الفعل التحويلي المركزي الذي ينطلق من الدين-  المسيحية بخاصة-  ليرسي في مرافئ الشعر، يتم حسب وشائج تركيبية دلالية مختلفة فالشاعر ازرا باوند تتحدد في صورته الصفات الإنسانية والصفات الإلهية، لهذا فإن الوقوف في حضرته يستوجب الطهارة من الذنوب، وهي طهارة تنصب أساسا على الممارسة الشعرية السابقة وعلى التبشير بالرسالة الشعرية الجديدة، ولا ريب في أن هذا التبشير لا يصدق على قوم دون قوم وإنما هو موجه إلى الإنسانية جمعاء.وهذا أحد مكاسب موجة التجديد المعاصرة التي يلح روادها على تجاوز القطرية والإقليمية إلى العالمية ليكون تراث الإنسانية كلاً موحداً في خدمة الإنسان وقضاياه المصيرية(3.

وفي هذا السياق الأوسع ندرك أسباب الصيحات المدوية والإدانة الشديدة الموجهة إلى التقليدي والسائد من أشكال الكتابة إلى درجة قرنها بالإثم والجريمة، وفي الضمير "نا" نسبة إلى الذات والجماعة على حد سواء، تكون الإدانة لكل من الفرد والجماعة التي تغافلت عن كل ما هو مقدس(4):

أثمنا إلى الشعر، فاغفر لنا

ورد إلينا الحياة(5).

وفي هذا التكثيف تتجمع كل المظاهر والمقاييس المعيارية القديمة التي قولبت التجربة وقيدت من الحرية الإبداعية، بسن قوانين وقواعد أسهمت بالقسط الأوفر في ركود التجارب، ونسج النموذج الأمثل الذي يكون منتهى المحاولات اللاحقة محاكاته والنسج على منواله(6).

وبهذا الفهم للفن الشعري وعلاقته بالمقدس، نرى الخال يقترب من رواد الكلاسيكية الأوائل، الذين شرعوا أسسها ومبادئها، حيث كانوا ينظرون إلى الشاعر بصفة مقدسة تكاد تكون إلهية؛ فالعبقرية الشعرية موهبة إلهية تصب عنده في وسيلة إلهية ولغاية إلهية، فالشعر كالدين يجب أن يوضع في طقوس دينية، فنظمت له العبادة الفنية بدقة، وأصبح الهوى الشعري، إيماناً دينياً وشعرياً، وبذلك كبح تعنت الطقس الديني التحرر الشعري، بصورة كاملة، فبدلاً من التنوع الشخصي في الموضوع قيدته طقوس شاملة وعنيفة، "ويذكّر رونسار أن الشعر هو في الأصل عنصر من عناصر الدين، يمنع الشاعر من إساءة استعماله بدون نبل" (7)، ولأن الشعر" لم يكن في أول عهده سوى لاهوت رمزي، يُدخل إلى عقول الناس الغلاظ بالأمثال المسلية والملونة، الأسرارَ التي ما كانوا ليستطيعوا فهمها عندما كانت تكشف لهم الحقيقة بصراحة تامة"(8).

ولكن يمكن أن نتساءل هنا، إلى أية درجة يمكن عد يوسف الخال مسيحياً؟ صحيح أنه تخذ المسيح أنموذجاً للعذاب الإنساني ومنبعاً للخلاص، وجاءت الرموز المسيحية صوراً لمواقفه الشعرية إلا أنه لم يضيء أمامنا الطريق إلى المسيح، من خلال تجربته كشاعر مؤمن بهذا المنبع (9). فإذاً علينا عندما نقرأ تجربة يوسف الخال الشعرية أن نوقف معرفتنا به كمسيحي، بل نراه، كإنسان، كشاعر، فالمسيحية عنده رمز لكل ما هو روحي، ورمز للأفكار التجريدية لـ( الما وراء)، وهي كذلك رمز لشاعر أخذ يتأمل في أشياء الكون والوجود وعلاقة الإنسان بها، عبر ذات ميتافيزيقية. فالمسيحية عنده كما الإسلام أو اليهودية دلالتها الروحية، أعمق من دلالتها العقائدية الضيقة" نحن ضدهم لأنهم ضد الحرية،أي ضد الإنسان، وضد الحقيقة،أي ضد الله مسيحياً كان أم مسلماً"(10)، وهي نقطة دالة للعلاقة مع ما فوق الواقع ولما هو تجريدي فيها، فهو شاعر يحمل روحاً إنسانية ذات طابع ديني، ولم يكن فيلسوفاً دينياً، كان قد تبنى هذا الفكر أو ذاك، وأخذ يشرحه، ويدافع عنه، ويبشر به، بل هو شاعر أحس بأشياء الوجود تؤرقه وتقض مضجعه فاحتمى بالإله. إله الناس جميعاً لا فئة منهم، وأخذ يصرخ كإنسان وكشاعر، لا كمسيحي؛ وإن تداخلت عنده المسيحية بالشعر، فهذا ما قدمته له الحياة، من نشأة في أحضان بيت مسيحي، وطقوس كنسية، ومجتمع وحضارة طابعها مشبع بالأفكار المسيحية أكثر من غيرها، فأخذ يصدر عن معرفته غير المنقطعة عن الألم الإنساني، في عموم صوره، وجميع أشكاله ومسبباته، وبمختلف مستوياته، وتواجده الزماني والمكاني، في القرية أو المدينة، في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهكذا الإنسان  "حاجته للسمو على فوضى التجارب والحقائق المتناقضة تؤدي به إلى البحث عن فرضية ميتافيزيقية قد توضح له مشاكله الملحة"(11)، فتعاونت الكنيسة مع وقائع الحياة المريرة لتقوداه إلى الشعر الميتافيزيقي. وهذا يدل على أثر النشأة الأولى وتمكنها من ذات الشاعر، على الرغم من مروره بتجارب حياتية عديدة، تعطي مجالاً أوسع للتغيير والتنوع، وإن يبدو في أحيان عدة في مظهر آخر غير مظهر ابن الكنيسة أو اللاهوت، كمظهر ابن الحداثة البار، غير أنه كبودلير "لا يحاول أن يصل إلى المعرفة، أساساً  عن طريق العقل والمجرد والأفكار، والتي تشكل مع ذلك، هي الأخرى علامات، مثلما هي علامات في الأديان وفي الـ ماورائيات. علامات لا صور: إن التجربة الدينية، الإلهية، يمكن أن تتم، أن تحدث بالأفكار، ألم يظل دانتي مقتصراً على الإقامة في عالم الأفكار؟ إن الطبيعة كلها رمز الإله. وهذا لا يعني أن الطبيعة وأن المادة هما بحد ذاتهما روحانيتان؛ بل من صنع روح، وتتيحان السمو إلى هذه الروح، النهوض باتجاهه. يقول هوغو:إن كل شيء يحيا، كل شيء مملوء بالروح"كما قال:" انظر عبر الكائن العالمي إلى الرمز الخالد"(12). فمن الممكن إذن البحث عن الله عبر الحواس والإحساس "فإن الفكر الخفي الباطني يرى أن المادة نفسها تحتوي على روح العالم، وهذه الروح تنكشف عبر الحواس. ففي الشيء المادي، يكتسي الشيء المحسوس الروح، ويحس بالعطور وبالأصوات وبالألوان على أنها تكاثرات الروح. وهكذا إذن يمكن التوصل إلى المعرفة عن طريق الحواس"(13)، التي تُوصِلنا إلى المسيح الذي لو تبرأت الكنائس منه لتبناه يوسف الخال، ولو دحض العلم أو العقل واللاهوت معاً قصة المسيح لبقي يوسف الخال يرى فيها ما يرى الآن: الرجاء والمعنى، لبقي المسيح وثناً حياً في نظره،  ليس معناه أن الشاعر مسيحي على طريقة أعصب عينيك واتبعني! أكيد أن أحد منطلقات موقفه هو الخوف أي التسليم لكن ثمة الاستنتاج أيضاً(14):

عرفت إبراهيم، جاري العزيز، من زمان

عرفته بئراً يفيض ماؤها

وسائر البشر

تمر لا تشرب منها، لا ولا

ترمي بها، ترمي بها حجر(15)

فالبئر المهجورة عند يوسف الخال هو الله / المسيح، والعودة إلى الله هي النسيج الفكري في شعره مثلما الأسطورة هي النسيج الفني، والنسيجان متعانقان بصورة فذة، تزاوجت فيها الأسطورة القديمة والأسطورة الحديثة في وحده دينامية عميقة(16) . لتتجاوز "أنا" الشاعر نفسها في طريقها إلى الآخر، والطريق إلى الآخر بلا محطات تضج بالحماس المفتعل. وإنما هي معاناة استثنائية للخروج من دائرة الذات إلى رحابة الطبيعة، من "الشخصانية " إلى العالم. ولهذا ترتبط مقدمة قصيدة الشاعر بخاتمتها ارتباطاً دينامياً(17):

كفّن اليقظة بالرؤيا وتاه

شاعر كل المنى بعض مناه

تنزف البرهة من أيامه

ألما يعصر للناس جناه

......

هو ذا الشاعر رمز الحق في

عالم ضل عن الحق وتاه

يصلب النفس ليفدي أنفساً

مرّغت في شهوة الحسّ الجباه(18)

"فالقضية عند الشاعر شديدة الوضوح، وهي أن المعاني العليا تمرغت في وحل هذا الزمان الشهوي، والمطلوب من الشاعر أن يكون هو المسيح الجديد الذي يفدي بنقائه الأمثل انحطاط القرن العشرين" (19) .

والله حسب اللاهوت المسيحي تلبس بالمسيح أو صار مسيحاً وجاء إلى الأرض على شكل: إنسان" أهم حدث في تاريخ البشرية ألا وهو مجيء الله إلى عالمنا في شخص يسوع المسيح"(20)، فيجب تبعاً لذلك الإيمان المطلق بالمسيح حتى النهاية "على أن نتمسك بالثقة والافتخار برجائنا تمسكاً ثابتاً حتى النهاية"(21)، فالمسيح هو "الإعلان النهائي والكامل لله. إنه الله ظاهراً لنا في صورة يمكن إدراكها وعائشاً على الأرض كإنسان"(22) . فحديثنا عن الله يتضمن– حسب هذا الفهم اللاهوتي– الحديث عن المسيح لأنهما واحد(23)، "والله في قصائد يوسف الخال هو نقيض "يهوه" في "العهد القديم" الذي يحفن منه الشاعر صوراً كثيرة، ليثبت دائماً نقيضها (24). غير أن إلوهية الإنسان هذه (أو التشبه بالله)، لا تتم بيسر، إنها الهدف الأقصى، إنها غاية صراع الإنسان مع الموت فأن "تحقيق الاتصال الروحي معناه انتفاء كل خوف من الموت، هو الشعور، بأن قوة الحب أقوى من سلطان الموت، وهؤلاء الذين حققوا الاتصال الروحي ليسوا منزهين عن فراق الموت الفاجع. ولكنهم يشعرون أن هذا الفراق مقصور على العالم الطبيعي، وفي عالم الروح، وفي أعماقه، يصير الموت طريقاً للحياة الحقيقية ما دام الموت لا يؤثر إلا على العالم الموضوعي، ولاسيما على شخصية هؤلاء الذين استسلموا لقوته الغريبة"(25) فحين تتفتح عينا الإنسان/الشاعر على حقيقة حاله، يدرك لعنة العقم التي جرها بخطيئته على نفسه :

" .... انظر

كيف غارت جباهنا، كيف جفت

في شرايينا الدماء : وكيف

إنبحّ فينا صوت الإلوهة . " (26)

"وعلى الشاعر/الإنسان أن يعمق هذا الإدراك بفعل كفعل الندامة، إنه فعل ديني مأساوي، إذ يرى الإنسان الهاوية السحيقة بينه وبين الإلوهية، التي يمد ذراعه اليائسة نحوها، ولن ينضم إليها، إلا بعد أن يضع، جسر الإدراك والاعتراف على شفتي الهاوية الفارغة" (27) :

أملح أرضٍ، أم

جبينٌ مسح التراب في مقابر

الملوك – هذه الأنا ؟ ...

... أفمٌ

جاع حتى جاعت الأرض به

فابتلعته ؟ .... " (28)  .

ويتردد فعل الندامة بالاعتراف المستمر بأنه يرى نفسه :

" جاثماً كالهم، كاللعنة، كالخوف

على صدر الجبان،

جاثما كالموت في البرهة في كل مكان

جاثماً بين العظام ...

أنا لا أجرؤ، لا أقوى على

طمر العظام :

قبضتي كلت وأظفاري براها

الزحف من دار لدار ... " (29)

وعليه أن يتذكر حاضره " حاضري يسأل عني ... " ويصر دائماً على التسليم بعد العناء ولكن برضًى :

" المواكب الكادحة الرازحة الكواهل

الغارزة الجفون في الثرى،

المواكب المقعدة الكسيحة التي

تنتظر الخلاص ؟ لا . تنتظر الفناء، بالرضى"(30)

ولكن الشعور بإلوهيته، على الرغم من هذا الإدراك، يظل مجدولاً في هذا الحبل الطويل من الاعتراف و التعميد، والتساؤل و الغضب، فالوحدة التي يشتكيها (31):

" عرفها،

من قبل أن يخلقنا الإله . "

وإذا كانت دارته "سوداء ملأى بعظام " فأنه يأمل أنها " تُبعث يوماً، تدفع الصخرة عنها" (كما فعل المسيح). وإذا أحس –عن طريق شخص آخر هو انعكاس لصورة الشاعر أو الإنسان– أن:

"حياتي لم تعد شيئاً

ترى موتي هو الشيء؟"(32)

أجاب بصدىً درامي لفكرة الفداء المسيحية :

"هو الشيءُ".

وهذا النفس الديني لا تغذيه صورة المسيح الإنسان، الميت/الحي، فحسب، بل كذلك رموز الصلوات الكنسية، المستقاة من التوراة بشقيها، منغمة بنغم كهنوتي، يتقصّده الشاعر لخلق جو الدعوى إلى الإيمان، الدعوى للرجوع إلى الله- رمز الحب الأكبر– الحب المسكوب على الجرح والدم، وشعلة الرضا والسلام(33):

"لو كان لي،

لو كان أن أموت أن أعيش من جديد،

أتبسط السماء وجهها، فلا

تمزق العقبان في الفلاة

قوافل الضحايا؟

أتضحك المعامل الدخان ؟

أتسكت الضوضاء في الحقول،

في الشارع الكبير ؟

أيأكل الفقير خبز يومه،

بعرق الجبين، لا بدمعه الذليل ؟(34)

فالجميع مدعوون إلى هذا العشاء الأخير، حتى يهوذا، فالحقيقة لا تخيفها الخيانة، الخيانة لا تخيف إلا نفسها، لا تخون إلا نفسها، الحقيقة المصلوبة تنهض في اليوم الثالث وإلى الأبد(35). بعد أن غمرت النفس الإنسانية المحملة بالخطايا نفسها في مياه المحيط المقدس(الله) في محاولة لتقديم كفارتها النهائية المتجسدة رمزياً " بالاعتراف والخضوع والندم "، لتصل إلى حالة التطهر من الخطيئة، الملازمة لصورة الإنسان ووجوده في قصائد الخال، والخلاص من الخطيئة عن طريق التألُّه والعودة إلى الجذور السماوية إلى الجسر الذي يعبر عليه الإنسان من الأرض الخراب إلى البحر الزاخر بالحب والخصب والحياة(36). والخلاص لا يتم ببراءة كاملة ممنوحة أو مستعادة،  بل بخطيئة تعرف نفسها، وتمتلك شجاعة الاعتراف، وتحب، وتتبع متساوية به، ذلك الذي تفهَّمها. وأنسنها، يوم مات عنها ميتة إله.

"الخطيئة : هل هي الزنى الجسدي؟ بل هي اسوداد الروح ووحشيتها، وجذام القلب وتسوسه، تدوّد الفكرة وضلالها، و "منع" الإنسان " اعتقال الحرية، مثلا، أو إفلاتها إلى ما "دون" الإنسان قيمة، ودونه حيلة وزماماً ومبادرة أي إساءة تحويلها، والتشويش بها على الحقيقة والتجديف المخدوع بنفسه على(الله). الخطيئة، أي سقوط الإنسان في التيه عن الله وعن الحقيقة، وسقوط الواقع تحت الزيف، ورجولة الإله الفارغة، سقوط الذات في ماخور الطغيان الشرير. سقوط العالم في سطحية الأشياء، وتناقضات المدبرين، تضييع المعنى الجوهري والحضور الصحيح للعناصر، التآمر، أو الزوغان عن فرح الوجود، الخطيئة ليست زنى الجنس، فالمرأة من ألوان البهجة والخصب، واشتهاؤها عادل وجميل، وليس من إله يغضبه ذلك. الإله الذي نفى آدم وحواء لأنهما اعتديا على الثمرة المحظورة ليس إلها. ليس إله يوسف الخال!؟ أما يسوع فقد عطف بكثير من الحب على المجدلية"(37)، فالمرأة ذاتها هي في شعر يوسف الخال طريق إلى الله، أعني أننا في شعره نبلغ الله حتى بالمرأة. كأن وضع الله بالنسبة للخليقة ينعكس، بغايته ومعناه، في وضع الرجل على الصعيد الروحي الميتافيزيقي بالنسبة للمرأة (38) " فجمالها يضيء جمال العالم، ومحبتها تكشف لنا محبة العالم، وفي جمال العالم ومحبته، نكتشف الله: الجمال والمحبة، فالله متصل بالعالم وبه يوجد، وهذه الصلة هي التي تفسر لنا أيضاً حنين الشاعر إلى أحضان الواحد، تفصح عن هذا الحنين بأغنى مظاهره المرئية واللامرئية،  قصيدة (النهر)"(39) :

من ظلمات الجبل الكبير

يخرج نحو حتفه

بالصمت والهدير كفارس الأحلام

في دعائنا الطويل

تحبه السهول

تحضنه

يبدأ حيث ينتهي(40)

يتوحد الشاعر هنا "بالنهر" وهو تجسيد اللانهائية، رمز مزدوج يعبر عن حنين الشاعر إلى الطبيعة الأم(الفرح والجمال)، ويعبر أيضاً عن حنينه إلى الإله/الأب– فيما وراء الطبيعة-  وليست حركة النهر الذي يسافر نحو البعيد في " التيه " أحياناً ! لكن في "صعود" دائم، إلا رمز الاندفاع صوب الواحد، الغاية، حيث ينبع ويصب، أو "يبدأ حيث ينتهي" كما يقول الشاعر(41)، فالتوحد مع النهر هو توحد مع الزمن ليخلق عبر هذا التوحد استيعاب أعمق لحركة الزمن والمجتمع والحضارة، وبالتالي، تحقيق توافق ذاتي ولو إلى حين معها، حيث يمنحه هذا التوافق   "قابلية بودليرية " على تحمل آلامه ومشاكله الحياتية، وتغيير طبيعتها، وتعديلها، باتجاه الإبداع والخلق وضمن الاتجاه والنغم الديني ذاته :

بالله لا تمهلي،

ردّي الحبيب لي،

ردّيه كالإله من غيابه :

أحضنه، أغمره بقبلي

بطيب طيب قبلي،

وفي نعيم جسدي

أسكنه للأبد(42) .

بهذا التوحد والحب مع الإله، يفترق يوسف الخال عن نازك الملائكة التي تتماثل معه، في صدور كليهما عن " نزعة دينية " ورثاها من نشأتهما الأولى، ففي حين يتبنى الخال هذه النزعة، ويحاول ترسيخ وجودها أو بعث الحياة على وفق مضامينها الجوهرية، وجعلهاً منهجاً روحياً وعملياً، نجد نازك الملائكة حاولت أن تثور على هذه النزعة وترد كثيراً من أحزانها، وتأوهاتها، إلى ذلك العنصر الذي انغرس في الذات في أول نشأتها(43). بيد أنهما يتفقان ويلتقيان في الموقف الثاني المهم في حياتهما الشعرية والوجودية، وهو طموحهما المشترك إلى جعل الحقائق الفنية، شريعة أخرى للحياة الإنسانية الراقية " لا يكفينا نحن الشعراء أن نتمرد في الشعر، أن نتحرر من القيود وننطلق إلى آفاق جديدة، علينا أن نتمرد في كل شيء، أن نقلب هذا الواقع رأساً على عقب، أن نعبر إلى الشاطئ الآخر، أن نصعد في مركبه من نار. نظرتنا إلى الوجود يجب أن تتغير، بهذا نرى رؤيا، ونحلم أحلاماً، بهذا تتجدد الكلمة وتحيى وتنمو"(44)، ورغم كل هذه الرغبة في التغيير كان يوسف الخال، حتى في أقصى درجات الافتراق عن حبيبه/المسيح يحاول أن يرتبط مع مركز عواطفه هذا، بعلاقة تبادلية تامة الترابط، حتى في بعض الشطحات التي تمر بالخال، التي يقارب فيها "أزهار الشر" لبودلير، من حيث مزج بعض القصائد (الفسق، بالصوفية، بالحب المسيحي)،  لاسيما في قصائد النثر، وهو اقتراب من الشعر الميتافيزيقي أيضاً، الذي يميل إلى المزج المتعمد بين نوعين مختلفين أو متضادين من العواطف(45):

"عيناك جدولا  نداء . ما أشهى فمك الطفل .

لسانك يصنع الجسد، ولهاثك يعطي نسمة الحياة

آه، أي إله أنت . جنتك لا تغري بالخطيئة .

ثمارها كلها لي . أنا إنسانها الأول .

عانقيني أيتها الغبطة . على جسدك أجريت

زورقي . مجاذيفه شهوة لا تفنى .

للنوء أن يهب ما يشاء . أنا بحار عريق .

زورقي أُرزة من الحب .

عانقيني يا إلهي الصغير . أغمضي آفاقك علي ؟

أحبيني أكثر من الحب . تاريخي جرح عميق لا قرارة له."(46)

فكان الخال بذلك يصل حبيبته عن طريق الله أيضاً، ماحياً الخطيئة الأصلية، والخطيئة عند الخال هي كاللعنة الموروثة (Ãte) عند الإغريق، وكالقدر عند المسلمين:

ربّاه حينما تعيدني إليك

ماحياً خطيئتي

أعد اليّ، وحدها، حبيبتي

لكي يصير ما أقولُه غناء

تسمعه،

تحب أن تسمعه السماء(47).

لتعود الحبيبة بدورها تصله بالله من جديد، في لحظات فرح نادرة، وسط بحر اليأس والمراثي(48).

إن النزعة الإنسانية عند الخال من حب للحياة وإخلاد إلى الأم العظمى (الأرض) تتصارع مع فكرة الخلود وفكرة الحياة الزاهدة (المانوية) التي تقر بحقارة الجسد الإنساني، وتفاهته، والميل إلى إهماله أو تعذيبه، لتعطينا قصائد دنيوية " باردة وشاعرية كالفجر " ذات إيقاع مختلف عمّا ألفناهُ من قبل عنده، فهي جميلة، وفَطِنَةٌ، تكشف عن رؤيا عميقة للدوافع الإنسانية، وتحاول أن تدب الروح في الأشياء الجامدة، أو المنطوية والمنعزلة، فعلى الرغم من شعوره الدائم بالحاجة إلى بؤرة روحية، لم تكن حياته هروباً كلياً من الحياة اليومية أو الحياة الواقعية. فنجد أفراح و أتراح الحياة في شعره مزينة وبشكل محبب، يضفي عليها طابع الإيمان، طابع الحب هذا، ليلتقي عنده في النهاية هذان المتوازيان البعيدان، القريبان: الوجود البشري، والوجود الإلهي، في "أرض ميعاد" روحية قصية، فالحس الديني المضمر في القصائد الدنيوية أو الموجهة إلى المرأة، الذي يبرز من خلال إحساسنا بأن هناك معنىً أساسياً مخفياً؛ نوع من الوحدة مع أشياء الوجود، تهدف إلى تحقيق هدف سامٍ ونبيل، ولكن من خلال الوقائع اليومية.

لقد خرج يوسف الخال، بصورة فذة تمثل عبئاً من المسؤولية ألقاه على عاتقه روح دينية مرتبطة بالمطلق، وفكر حر توّاق إلى كل ما هو جديد، لا نكاد نراها في أي مكان من الأدب العربي الحديث: "إن يوسف الخال، الوارث ضمن التراث المسيحي الخاص، هو فاتحة التجربة المسيحية بالمعنى الميتافيزيقي الخالص في الشعر العربي"(49)، فمقياس الجمال عنده هنا لم يعد مجموعة من القواعد والمبادئ الفكرية والجمالية فقط، بل هناك عاطفة دينية جديدة حقيقية، فأخفت سطوع لمعان فكرة " الله "  كل فكرة أخرى، وكشفت لنا الطبيعة الحقيقية ليوسف الخال.

*  *  *

لقد كتب يوسف الخال ملحمة شعرية تخالف أصول وقواعد ومنهج بناء كل الملاحم التي وضعها النقاد، فلم يكن فيها ذلك الأسلوب الجاد المبجل في الملحمة التقليدية، فهي قصيدة قصصية طويلة لعلاقة الإنسان بالإله في شقيها الإيمان و الخطيئة وعبر كل العصور، ولم يكن بطلها إلا الشاعر نفسه، الذي يمثل مُثلاً دينية وثقافية، تعرّج على المشكلات الإنسانية الخالدة. فكرتها الكامنة تحمل الضعف الإنسان، وعوامل الانتصار عليه، بنفس ملحمي يكاد يشيع في شعر الخال من أوله حتى آخره، لاسيما في أقصر قصائده، إنها ملحمة ذاتية خاصة في كل أبعادها الفكرية والجمالية.

وقد تقدم القول، بأن هذه الرؤيا برغم مظهرها الميتافيزيقي، لم تكن إلا انتصاراً للإنسان وقضاياه المصيرية، فكان عمل الخال محاولة لبعث الأشياء الفاقدة للحياة، والتي يجب أن تحيى من جديد. وإطلاق رصاصة الرحمة على كل فكرة نبذتها الحياة المعاصرة، وهذا ما يتفق مع طروحات الخال النظرية في هذا المجال، وإن كانت تبدو متقدمة أو مناقضة لرؤيا الشاعر الإبداعية، بيد أننا إذا ما تجاوزنا ظاهر الأشياء إلى عمقها بحثاً عن الحقيقة والجوهر، لوجدنا أن الرؤى النظرية والإبداعية تعملان في خطٍ واحد، ذلك أن الغاية لكليهما، هو"بعث" الإنسان، و"الانتصار" لحريته، و"الحرص" على مصيره.

وما تبني الخال للقضايا الوطنية التي يعيشها المجتمع ويفرزها واقع الحياة الجديدة إلا ينبوع يصب في ذلك النهر، و يمكننا وعبر الاطلاع على قصائد( المجد للثلاثة، العابرون، بعد الخامس من حزيران) أن نرى الخال وهو في صميم الألم الإنساني الذي تفرزه الوقائع اليومية، إذ لم يكن منعزلاً في صومعته الجميلة، بعيداً عن المجتمع، بل كان واحداً من بناة العصر، يعيش ألم الحياة وفرحها، سواء بسواء مع أبناء وطنه، ولا يسعه إلا أن يحب ويعشق هذه الأرض :

كنت أودّ  أن أرى

ماذا وراء تِلْكُم القمم

لكنني أُحبّ هذه السفوح مثلما

يُحبّ جُرحَهُ الألم(50).

*  *  *

وأخيراً لا بد من الإشارة إلى أن هذه المهيمنات الموضوعية والفكرية الرئيسة (المفازة، البعث، الله)- التي قدمناها في قراءات ثلاث لشعر الخال-  لم تكن إحداها منفصلة عن الأخرى، بل أنها تتماها بعضها بالبعض الآخر،وما تقسيمها إلا محاولة لتسليط الضوء على كل منها، للحصول على أكبر قدر ممكن من الكشف عن كل ثيمة فيها.

 

 

 

د. رياض الناصري

‏السبت‏، 10‏ تشرين الأول‏، 2020

........................

الهوامش

1-  ينظر: الأنساق الدلالية والإيقاعية في ديوان "البئر المهجورة"، للشاعر يوسف الخال، عبد القادر الغزالي، مجلة " نزوى "، ع 11، 1997، ص87 .

2- الأعمال الشعرية الكاملة، ص197.

3- ينظر:الأنساق الدلالية والإيقاعية في ديوان " البئر المهجورة "، ص87.

4- نفسه والصفحة نفسها.

5- الأعمال الشعرية الكاملة، ص197.

6- ينظر: الأنساق الدلالية والإيقاعية في ديوان " البئر المهجورة "، ص87.

7- المذاهب الأدبية الكبرى في فرنسا، فيليب فان تيغم، ترجمة: فريد انطونيوس، منشورات عويدات، بيروت، باريس، ط3، 1983، ص12.

8- رونسار، عن المصدر السابق، ص12 .

9- ينظر: البئر المهجورة ليوسف الخال، ص142.

10- دفاتر الأيام، ص119.

11- ما قبل الفلسفة، هنري فرانكفوت وآخرون، ص14.

12- أزهار الشر، بودلير، ترجمة: خليل الخوري، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 1989، ص30 .

13- نفسه، ص31 .

14- ينظر: مسيحية المنطق وعبثية الايمان، ص95.

15- الأعمال الشعرية الكاملة، ص203 .

16- ينظر : شعرنا الحديث إلى أين ؟، ص137 .

17- نفسه، ص180 .

18- الاعمال الشعرية الكاملة، ص17 وما بعدها .

19- شعرنا الحديث الى اين ؟، ص180 .

20- الإنجيل، كتاب الحياة، ط6، 1982، المقدمة .

21- نفسه، ص651.

22- موسوعة الكتاب المقدس، دار منهل الحياة، لبنان، 1993، ص31.

23- إن الرسالة التي ينطوي عليها الإيمان المسيحي، ملخصة ببراعة في بضع عظات مدونة في " سفر الأعمال ".

24- النار والجوهر، ص42.

25- العزلة والمجتمع، ص179.

26- الأعمال الشعرية، ص227 وما بعدها.

27- النار والجوهر، ص43.

28- الأعمال الشعرية الكاملة لم تضم هذه القصيدة (الوحدة)، فنقلنا هذا المقطع عن المصدر السابق، ص43 وما بعدها .

29- الأعمال الشعرية الكاملة، ص200 وما بعدها.

30- نقلاً عن " النار والجوهر "، ص44.

31- ينظر: النار والجوهر، ص44.

32- الأعمال الشعرية الكاملة، ص216.

33- النار والجوهر، ص44 وما بعدها .

34- الأعمال الشعرية الكاملة، ص204.

35- ينظر: دفاتر الأيام، ص67.

36- أسعد رزوق، نقلاً عن: شعرنا الحديث إلى اين؟ ص137.

37- ينظر: مسيحية المنطق وعبثية الإيمان، ص98 وما بعدها.

38- ينظر: قصائد مختارة، ص22.

39- ينظر: قصائد مختارة،ص22.

40- الأعمال الشعرية الكاملة، ص306.

41- قصائد مختارة ليوسف الخال، ص22.

42- الأعمال الشعرية الكاملة، ص239.

43- ينظر: من الذي سرق النار(خطرات في النقد والأدب)، د. إحسان عباس، جمع وتقديم د.وداد القاضي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1980، ص177.

44- دفاتر الأيام، ص64.

45- ينظر: دليل القارئ إلى الأدب العالمي، ص582.

46- الأعمال الشعرية الكاملة، ص272.

47- الأعمال الشعرية الكاملة، ص265.

48- ينظر: السريالية وتفاعلاتها العربية، عصام محفوظ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1 1987، ص118.

49- قصائد مختارة، ليوسف الخال، ص22.

50- الأعمال الشعرية الكاملة، ص364.

 

 

اسامة غانمناقد: تثير رواية محمد الاحمد "متاهة اخيرهم" أسئلة اشكالية فلسفية وكونية وأنسانية عديدة ترتبط: بالعلاقة بين الواقع والخيال والتاريخ، وتفاعلات جمالية التلقي عند القاريء، حيث تعمل هذه الأسئلة على إثارة التساؤلات وتعميقها اكثر من اهتمامها بالبحث عن الإجابات، وهما محكومان أي الأسئلة والأجوبة بجدلية علانية تبادلية، بينما لا توجد تبادلية بين الروائي والقاريء بل جدلية مخفية عبر النصْ الذي يعتبر وسيطاً بين الروائي والقاريء، ومنذ البداية نلمس مدى عمق التماهي المتواجد بين الواقع / الخيال / التاريخ، هذا العمق الذي توشم به الرواية الى النهاية، بحيث تختلط الأمور على القاريء، فيصبح لا يستطيع أن يفرق مابين الواقع والخيال، وعند ايهما هو متوقف، لأن السرد فيهما مضفور متشابك، ليس بالأستطاعة فصل الواحد عن الآخر مطلقاً، وتتلاشى المسافات بينهما، فالمخيال الروائي يتجول بكل حرية في متاهة الذاكرة المتشبثة بالواقع المنساب في تاريخانية لا تتوقف لأي كان ولأي سبب، يجعل القاريء وبتخطيط من قبل الروائي يضيع في ممرات السرد المتشظيء، وليضعه في متاهة التساؤل ثم يلقيه للبحث عن شخصٍ مجهول الهوية، الذي هو محور الرواية المركزي والرئيس، وهو الذي تتناسل منه الاشخاص والأمكنة، والذي يُعتْبر في النصْ : انه المتنافذ بين العالم والخيال، وهذا ما سعى اليه محمد الاحمد عندما اعتقد بان الخيال " لم يخلق شيئاً لم يكن حقيقياً " 1، تحكي الرواية حكاية آخر عائلة يهودية، وحكاية مدينة اسمها بعقوبة، بالاضافة الى حكايات ثانوية عديدة آخرى،تعمل على دعم واسناد ورفد الحكايتين، وعدم وقوعهما في الرؤية المبتورة، الناقصة، بل لكي تعطي تناسق وانسجام فيهما،هنا الروائي يكتب " التاريخ الذي لا يكتبه المؤرخ، أي تاريخ المقموعين والمضطهدين والمهمٌشين، ذلك التاريخ المأساوي، الذي يسقط في النسيان وتتبقى منه آثار متفرقة، يبحث عنها الروائي طويلاً، ويضعها في كتب لا ترحب بها (مكتبات الظلام) " 2، لقد اشتغل محمد الاحمد على أسلوب حكايات " ألف ليلة وليلة " في روايته، حيث جعل الحكايات تتناسل من بعضها البعض، وتتداخل فيما بينها، تستهل الرواية بمقطع ايحائي – تأويلي:

" الرجلُ الوحيد الذي دخل الى ذلك المكان، وبعد عشرات السنين، هو الذي استطاع وصفه بكل تلك الدقة المتناهية .. بيت بطابقين فيه نافذة واحدة تشرف على الباب الرئيس، ومنها يتفحصون الطارق . يعيش فيه ثلاثة أشقاء، (يهوده، حسقيال، وسناء) . لايمنعون عن أي محتاج حاجة، ولا يردون سائلاً .. خاصة في امور الطبَ ..خبرتهم متوارثة، ص 11 الرواية " .

نستشف من هذا الاستهلال نقطتين اثنين: الاولى أن هذه العائلة يشوبهة الخوف والحذر الشديدين من الخارج، والثانية انهم يقدمون المساعدة للجميع، وهذه العائلة اليهودية ارتبطت بعائلة مسلمة منذ أن قامت الصداقة بين الجدين : يعقوب وابو علوان دندي، لتمتد مابين ناجي وعلوان فهما لم يفترقا لحين وفاتهما سويا في يوم واحد، ثم يهوده الصديق الحميم لـ ابراهيم، وهذه الصداقة لم تاتي من فراغ، او عن طريق الصدفة، انما اتى ذلك لأن عائلة دندي هي بالاصل عائلة تنحدر من اصل يهودي " ص 137 " قسم محمد الاحمد روايته الى اربعة اقسام مع تسمية كل قسم باسم وبفترة تاريخية : باب الدخول 1966- 1972م، مَكابْيوسْ 1973 – 1978 م، باب الخروج 1979 م، السارد التالي، فالفترة السردية عملياً تكون مابين 1966و 1979، بينما مجازياً امتدت لمائة عام، وأن الرواية تبدأ من سنة 1966، السنة (3) التي تعتبر سنة الهجرة الثانية ليهود العراق،والسنة التي بدأت فيها هجرة الكفاءات العراقية والتي تصاعدت اكثر بعد استلام حزب البعث للسلطة عام 1968، وطبقاً لبحث اعدته منظمة العمل العربية بلغ عدد المهاجرين العراقيين من اصحاب الكفاءات 4192 الى الولايات المتحدة و204 الى كندا خلال الاعوام 66- 1969 م .

إن المقطع الذي أستهل فيه محمد الاحمد روايته " متاهة اخيرهم " يذكرني بالمقطع الاستهلالي لرواية غارسيا ماركيز " مائة عام من العزلة " من حيث عودة الذاكرة الى الوراء الى سنوات بعيدة مضت، والى اكتشاف الأشياء، والغوص في المعرفة، فالكتابة " بالتحديد تستحق ربط الماضي بالحاضر في تراث ما . ولا يعد النص محض قطعة من الماضي بل يتمتع بالمعنى كلما قرأه أحد " 4 :

" بعد سنوات طويلة، وامام فصيلة الاعدام، سيتذكر الكولونيل أوريليانو بوينديا ذلك المساء البعيد الذي أخذه فيه أبوه للتعرف على الجليد، ص 7، دار المدى 2005 " .

شاع الرعب والخوف بينهم، أي بين يهود بعقوبة، وعليه " استجد القرار لديهم بالرحيل، وليس لديهم اغلى من ارواحهم، ص 25 الرواية "، وبدأت الاخبار تتواصل، خبر مقتل حبيبة الخياطة في دربونة التوراة، ومقتل جميع عائلة راحيل، وقتل العم موشيه في غرفة عرض الافلام في السينما، وتوالت الاخبار المرعبة لهم، كل ذلك جعل معظم " البيوت القديمة قد هجرها اهلها خاصة بعد أن تعرض اصحابها الى اعتداءات مباشرة من قبل القرويين هجموا من القرى والضواحي المحيطة بمدينة " بعقوبة "، فبات خيارهم الرحيل الى اجل مسمى، بعضهم لم يرتض البيع بثمن بخس، لايساوي ثمن عربة وحصانها، ص 166 الرواية " .

قبل أن استعرض السارد / الراوي الذي هو الشخصية الرئيسة، اود ان ابين مأزق الكتابة الذي يقع فيه الروائي العربي عندما يتناول شخصية اليهودي الإشكالية، وكيف تصوره الرواية العربية ؟، فهنالك " تعالق شائع شائك بين اليهودية والصهيونية، عن اليهودي في الرواية العربية المرتبط في اذهان الناس بصهيونية كنا وما زلنا نعاني منها الآمرين . وأن ما يتجلى عن اليهودي من مكونات وطباع، له حمولات حضارية واقتصادية واجتماعية ودينية، بما يستدعي تفكيراً بأهمية ابتعاد كلَ من منتج النصْ أو قارئه عن فعل التنميط " 5،هنا يأتي دور الناقد / القاريء، واهمية ادواته واشتغاله عليها، في الحفر والتنقيب بعيداً عن انطباعيات متسرعة غير مستوعبة للعمل الادبي وانعدام التراكمات الثقافية المختلفة لديه عند تعامله مع الخطاب الروائي الذي تتكرر فيه صورة اليهودي الشرير أو الصالح، بما يُعد اختزالاً مخلاً ضمن رؤية احادية غير متعددة هامشية تبالغ في المدح أو الذم لتجعل الصورة التخييلية لليهودي مبتورة في كلتا الحالتين، بل ومشوهة ضمن سياقات لا تتوافق مع سياقات النصْ في الحد الادنى، ولدينا أمثلة على ذلك : رواية (النبطي) لـ يوسف زيدان – رواية (عائد الى حيفا) لـ غسان كنفاني – رواية (شرق النخيل) لـ بهاء طاهر .

وهنا يتجلى دور الناقد / القاريء في تحليل العلاقة التبادلية بين الفهم الأدبي والفهم التاريخي تأويلياً ايضاً، من اجل الكشف عن العلاقة الأساسية المتواجدة بين الفهم والتأويل ودور النقد عليهما، وكيفية ارتباطه بهما، لأن النقد لا يكون ممكناً إلا اذا كان فهم النصْ تأويلياً، "ويستلزم فهم النص فهماً لمادة الموضوع التي يتحدث عنها النص، ويختلف النص الأدبي عن الوثيقة التاريخية – وعن الوثيقة التاريخية التي يقوم تاريخ الوظائف عند بارت بتحويل النص الأدبي اليها – وذلك لأن القاريء هو المخاطب المباشر في ذلك النص " 6 .

يبدأ " محمد ابراهيم " السارد الضمني في الرواية بالبحث عن الحلقة المفقودة التي اسمائها " ابن يهوده "، وأن فكرة البحث تأتيه بعد مجيء عمه " حسقيال " لبيتهم، واستخراجه من الفتحة السرية في غرفة المكتبة الموجودة بين رفوف الكتب، الشوفار(قرن كبش مبروم على شكل بوق)، ومجموعة من الاختام معها مفتاح باب نحاسي، ويتجذر الاسم عنده بعد قول " حسقيال " له : أن " يهودا ابن متاثياس " لقبه " مكابيوس " ثم صار هذا الاسم لجميع الأسرة ص 106 . هنا " محمد " لم يستطيع استلام الشفرات المرسلة من قبل عمه ولا تفكيك السطور، فقط اصبح يرغب بشدة في أن يعرف من هو " مكابيوس " ؟ بعد أن بات يمثل له – أي اصبح يمثل محمد ضد ذاته أو مكابيوس ضد مكابيوس - تحدياً وعناداً، ونزوة تؤرقه، رغم أن الإجابة كانت تحت يده ونظره، فقط لو مد يده في الفتحة السرية الى العمق / التيه لكان عثر على ما يبحث عنه وعرف من هو " مكابيوس "، ولكن , بقى الأسم في الوثائق الدينية اليهودية " مكابيوس "، وفي الوثائق المدنية الرسمية " محمد "، وهذا اللغز / التيه منذ السطور الاولى للرواية كان امامه بشكل تورية، وقد كشف (= أي اللغز) نفسه بنفسه، ولكن لم ينتبه له ولم يستوعبه :

-" انك تشبهين الملكات في افلام السينما يا خالة "

-" أنا عمتك .. ولست خالتك" !! ص 15 الرواية .

وبكل سهولة باستطاعة القاريء الامساك ومعرفة شخصية " محمد " من خلال حواراته الذاتية مع النفس، وتمرده، وامتلاكه لوعي ترسخ وتعمق من خلال عشقه لعالم الكتب " ستقرأ كل هذه الكتب عندما تكبر"، والافلام السينمائية "لو كان ارسطو في زمننا لأحب السينما / جيرار جينيت "، والموسيقى " اديث بياف " :

" اريد مشاركة حقيقية بأن اصنَعها، اجبلها بالحبر، والورق . أشارك فيها كأي بطلٍ حقيقي يصنع قدره بيديه، ليس بالخيال، لا أن يُكمَل على الحوادث التي سمعها من هنا وهناك .. اريد أن اكون خالقا مبتكراً للشخصيات والأحداث ص 46- 52 الرواية ."

هذا الصوت الذي نسمعه ليس صوت السارد فقط بل يشترك معه صوتاً آخراً هو صوت الروائي الضمني الذي بمساعدته يعثر " محمد إبراهيم " على ما يبحث عنه وذلك في نهاية الرواية، ويتيه القاريء بينهما، ايهما يسرد، يحكي، يقص، أهو محمد الاحمد الروائي – الراوي ام محمد / مكابيوس السارد – الراوي، الاثنان هما في نقطة الروي، وينطلقا منها، ليضعا تفسيرات – تأويلية محكمة لفهم النصْ، ويكتشف بانه كان يبحث عن نفسه في كل الاوراق التي كتبها على الآلة الكاتبة وهي بلا حبر، ولكن رغم ذلك يبقى السر الذي قد اطلع عليه غير مسموح له (أي مكابيوس / محمد) من قبل ذاته باطلاع الآخرين عليه، حتى مع الذين يعرفونه وهم : عائلة يهوده (وهي قد غادرت مدينة بعقوبة، يهوده وسناء الى اسرائيل وحسقيال استقر في بغداد لاستلامه منصبا  دينياً فيها) وابراهيم وطليلة، الوحيد الذي عرف السر وهو من خارج العائلتين هو عباس زرزور/ عزرا، ولكن بعد فوات الأوان، هذه المعرفة جاءت متزامنة مع واقعة المكتبة، فلقد دخل الى غرفة المكتبة بعد خروجهم ليعثر على كومة الأوراق المرقونة على الآلة الكاتبة والتي فيها سر مكابيوس، عندئذ تتضح الصورة لدي عزرا / عباس زرزور، وتتشكل الرؤية، لا لكي تبدد متاهته بل لكي تعززها وترسخها وتوسعها :

" أعرف بانك ستسألني من يكون صاحب السر ؟ كان قريباً جداً مني، وأحد سماري، بات أقرب أصدقائي، ولن ابوح بسره، مهما سيحصل لي، ص 256 الرواية " .

وهنا يسقط " محمد / مكابيوس " مرة آخرى في التيه، والدهشة، واللامتوقع، مباغتاً بالمفاجأة التي تقتحمه بأن " عزرا / عباس زرزور" يعرف سر " مكابيوس/ محمد" وهو الباحث عنه منذ سنوات طويلة لم يستطيع التوصل اليه رغم كل الشفرات المبثوثة امامه والعلامات الدالة، انه محكوم عليه بالتيه في متاهته حتى بعد عثوره على الأوراق التي بحوزة عزرا لأنه كلما يصل الى " نقطة أجدني قد ضللت الطريق، ص 302 الرواية " .

لكل واحد منهم متاهة تختلف عن الآخر، في الاوصاف وفي السمات، وفي الاهداف، وفي نوعية المتاهة التي هو فيها، فمثلاً متاهة عزرا / عباس زرزور كانت ذات حدين، الفضح والتكتم، فهو اتى من قادش لغرض العثور على " مكابيوس " اصلاً بتكليف من قبل أبو مسعودة ـ فـ " مسعودة " زوج " يهوده " هي الأم الحقيقية لـ " محمد/ مكابيوس" وليس " طُليلة " التي عهدوا إليها رعايته ولتكون " الأم التي لم تخرجه من أحشائها.. ص 296 الرواية " ـ ورغم البحث الذي استغرق منه خمسة عشر عاماً، فعندما يعثر عليه يصبح من اشد الذين يصرون على كتمان سره، والحفاظ عليه مهما كلف الامر، حفاظاً على الطائفة اليهودية اولاً وحفاظاً على " مكابيوس / محمد " ثانياً، فهو عاش يهودياً تحت تقية الاسلام وتحت اسماً مستعاراً، ولكنه مات مسلماً حقيقياً، ليغسل ويدفن في طقوس وشعائر دينية اسلامية بحتة بل ومتزمتة (ص 271 الرواية) في مقبرة " أبو إدريس "، بعدما مشى وراء جنازته القاصي والداني من اهل دربونة المحطة، بينما " محمد إبراهيم " كانت متاهته التكتم والفضح، وهو الذي عاش ونشأ في ظل تعاليم اسلامية وتربية سمحة، ولكنه خرج من العراق تحت اسماً يهودياً هو " مكابيوس "، ليلتحق بابيه " يهوده " في اسرائيل، مع علامة تعريفية هي المفتاح النحاسي، فشتان بين الاثنين، وشتان في المفارقة المجازية .

وكان " عزرا " يمتلك قدرة عميقة في تحليل الاحداث والاخبار، وانه صاحب رؤية سديدة، واطلاع واسع في الثقافة وفي الحياة، ونلمس ذلك في حديثه عن الهجرة :

ـ " اختصرها ذات مرة " حسقيل قوجمان " بجملة واحدة " ان هجرة اليهود من العراق كانت مؤامرة مدبرة ومحبوكة، أسهمت فيها قوى هائلة أجنبية وصهيونية وعراقية، ص 274 الرواية " .

" مَتَاهَةُ أخِيْرِهِمْ "، عنوان الرواية، العنوان الذي سيضيء زوايا الرواية اذا قمنا بتفكيك شفراته، وسيكون العتبة الاولى والاخيرة في قراءة النصْ السردي، والمفتاح التؤام للمفتاح النحاسي / العلامة، فقط اذا عرفنا اين نضعه، وفي أي فتحة، وذلك لا يتم الا بالتأويل المستند على الفهم والتحليل المجازي واختراق فضاء اللغة، ولكن من الصعب الإحاطة بمفهوم التيه والمتاهة في التماثلات الأدبية . أيجب الارتكاز على مفاهيم لغوية ودينية وسوسيولوجية وفلسفية، عند دراسة هذه التماثلات ؟ كل هذا يقتضي مسبقاً تحديد مفاهيم المتاهة والتائه والتيه ؟. فالمتاهة : مكان يضيع فيه الإنسان ويتحير، المتاهة : صحراء، موضع التَيه . اما التائه : شخص يجد نفسه في لحظة معينة . وحيداً . بدون أي ارتباط خاص، متنقلاً من مكان لآخر، " غريباً في كل البلدان " . التائه : هو الفضاء الوسيط . اما التيه : هو هجرة أو سفر ليس له وجهة محدَدة . إنه رحيل عن المجتمع بأعتباره حشداً من الأفراد الذين تجمعهم أواصر اللغة والدم.

نلاحظ أن محمد الاحمد يحاول أن يبقي القاريء المحتمل المشترك معه منذ بداية الرواية، في المتاهة التي هو فيها فإن " إدخال القاريء المحتمل (إدخلاً تخييلياً حتماً) من خارج عالم السرد إلى عالم السرد التخييلي هو حالة أخرى من الصور، أقصد، التخييل " 7، من خلال نثره لشذرات من السرد الغرائبي بين سطور النصْ، ومحاولة طمسه اعمق فيها : " عينُ تصرَ على أن هذا الواقع خيالُ استند على واقعٍ قد حدث، وهذا الواقع المدون كان نسجاً من الخيال، وليس اكثر، ص 105 الرواية " .

فالكتابة الإبداعية بحد ذاتها عموماً تعتبر ممارسة متاخمة للتيه بهذا الحجم أو ذاك، لكونها تتيح للكاتب وضع مسافة بينه وبين الضوابط السوسيولوجية والسياسية والجنسية، والبحث عن آفاق يمارس فيها حريته كبديل يعوض بها عن متراكمات اختلافاته وتناقضاته مع مجتمعه، لقد انتهى المطاف بمبدعين كبار مثل رامبو وارتو وفيرلين الى تيه حقيقي، فـ رامبو انقطاع عن الكتابة وسنه لم يتجاوز العشرينات وشد عصا الترحال خارج اوربا .

تبدأ الرواية في وصف البيت، بيت عائلة يهوده، بروائحه الطيبة، ونظامه الصارم، وانسياب الموسيقى الساحرة في ارجاءه، بالاضافة الى حدائقه الخلابة، بورودها المتنوعة العبقة، مع ارض مفروشة واضواء مريحة، ونفوس مرهفة، حيث يقوم الراوي من شدة الاعجاب والاندهاش بتشبه ذلك بافلام السينما، ثم لتنتهي بصورة ماسأوية غير متوقعة نهائياً، في نهاية البيت ـ الملاذ، الجنينة، الجنة، تحت مجرفة البلدوزر المسننة :

ـ " جاءت البلدوزر بصوت مزمجر، وراحت تجرف البيت ببطء وحذرٍ شديدٍ . ص 311 الرواية "

إن هيرودوتس المؤرخ اليوناني (القرن الخامس قبل الميلاد) تناول الإنسان الذي اعتبره ذكرى منبثقة ومتجانسة من تاريخانية اللحظة، عليه سعى لمعرفة أسباب وآثار هذه اللحظة، الدائمة التغيير، ومتحوَلة، وبهذا يكون التاريخ " علماً بالمتحوَل الإنساني "، ولهذا يصبح الوعي التاريخي وعياً بالحاضر المغادر للماضي، وان " فهم التاريخ يعني محاولة فهم الحاضر (المتجلي في حقيقة ان النص " ادبي ") . وإسهامه الذي يقدمه هو شخصياً للتراث " 8 . إن صورة هدم بيت العائلة وقلعه من جذوره، فيها من الدلالات- التأويلية والمعاني – الايحائية الكثير، وهذه الرؤية تشمل كل معالم مدينة بعقوبيا التي تعتبر حضارية ومدنية مثل السينما التي انشئت عام 1946، والمكتبة العامة، والمحطة، ونهر خريسان، قبل ان تغزوها البنايات الكونكريتية والعمارات السمنتية، وقبل العبث بالنهر الاخْرس من حيث الاتجاه والعمق والمسار، ادى ذلك الى تشويه المدينة التي كانت تحتضنه وتلتف حوله ومسح الحدائق المنتشرة على منكبيه.. باختصار تغير كل شيء .

أما بخصوص عالم السرد التأريخي، فإن السيرة الشخصية المزدوجة، والاوراق التي كتبت بلا حبر، والهواجس، والتوقعات، والمتغيرات، تشكل إذا بالفعل، شكلاً من اشكال الـ ميتا – سرد.

رواية " مَتَاهَةُ أخِيْرِهِمْ " ملحمة الإنسان الذي يرفض العنصرية بكل اشكالها ومسمياتها، لأنه يؤمن بان الناس جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات . فالروائي محمد الاحمد يشتغل في روايته على الإنسان المتحد والمتشكل والمنسجم مع الآخر مهما كان دينه أو مذهبه أو طائفته أو جنسيته أو لغته .

  

أسامة غانم

......................

الهوامش والاحالات

1 – غاستون باشلار – جماليات المكان – ترجمة غالب هلسا، كتاب الاقلام، دار الجاحظ للنشر، بغداد 1980، ص 181 .

2 – د. فيصل درَاج – الرواية وتأويل التاريخ- المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- المغرب، بيروت – لبنان، 2004، ص 369 .

3 – كانت الهجرة الاولى عام 1950 – 1951 م، والثانية عام 1966 م، وكان من احد اسباب الضغط على الطائفة اليهودية في هذه السنة هو هروب الطيار العراقي المسيحي منير روفا " 1934 – 2000 " بطائرة ميغ 21 تابعة للقوات الجوية العراقية الى مطار اسرائيلي في عملية معدة ومنظمة من قبل الموساد الاسرائيلي .

وبعد اربعة عشر عام تبدأ هجرة ثالثة أي في نيسان عام 1980 حيث يتم تهجير الكرد الفيلية الى ايران .

4– ديفيد كوزنز هوي – الحلقة النقدية : الأدب والتاريخ والهرمنيوطيقا الفلسفية – ترجمة : خالدة حامد، منشورات الجمل، كولونيا – بغداد 2007، ص 143 .

5 – د. رزان إبراهيم – مأزق الكتابة عن الشخصية اليهودية في الرواية العربية – الجسرة الالكترونية الثقافية http:// leromandz.com /?p=4604 .

6 – الحلقة النقدية – ص 212 .

7 – جيرار جينيت – الانتقال المجازي من الصورة الى التخييل، ترجمة : د. زبيدة بشار القاضي، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2009، ص 83 .

8 ـ الحلقة النقدية – ص 237

 

حيدر عبدالرضاأسطرة وثيقة الميلاد وأسطورة التصوف الصحراوي

توطئة: تتمحور آليات الحكي السردي في فضاء موضوعة ورؤية ودلالة رواية (من أنت إيها الملاك؟) للكاتب العربي الكبير الأستاذ إبراهيم الكوني، ضمن أفق إشتغالية تقانة الترميز والرمز والتورية، دخولا إلى ذلك المنحى الأولى من كشوفية حكاية علاقة هي من فقد هوية انتمائه إلى ذلك الجنس من تفاصيل روح المواطنة وحقوق مرتكزات دال التوطين للفرد داخل حيز سجلات تدوين وثيقة الميلاد لوليد ذلك المواطن المدعو ب(مسي) . الروائي إبراهيم الكوني أراد من وراء القيمة الدلالية الموصوفة لروايته، الكشف عن مدى التفارقية الساحقة ما بين من هم يسكنون الصحراء وبين سكان أهل المدينة، وكيفية صعوبة استيعاب جملة العاملين في تلك الدائرة، احتواء وتفهم طبيعة أسماء وأوضاع أولاد الأسلاف من رحم الأم الصحراء، وعن طبيعة مرحلة الفرد في مكونات المدينة وأحوالها . إن الإشكالية الكبرى في دلالات وفكرة هذه الرواية، تكمن في افتقاد المواطن مسي إلى سبل تدوين وإخراج وثيقة الميلاد لعمر وليده ـ يوجرتن ـ وتكمن صعوبة حالة إخراج تلك الوثيقة من رحم دائرة الاحوال المدنية، بالموقف المحرج في مسمى هذا الأسم الذي لا ينتمي بدوره إلى قائمة شروط الأسماء المنزلة والمنصوص عليها من قبل لائحة الدائرة التسجيلية . وعلى هذا الأساس يبقى المواطن مسي في دوامة زمنية ومكانية ونفسية غاية في التضخيم الإشكالي والاعتباري، حيث تكمن مصدر المشكلة في كيفية إقناع وترويض العاملين مبنى الدائرة بتسجيل أسم الوليد في شهادة الميلاد الخاصة به، وهذا الأمر ما يدفع الشخصية إلى خلق أعظم المبررات الاقناعية والتبريرية بشرعية هذا الأسم، خاصة وأنه المعني في لائحة دستور الأسلاف ب (بطل الأبطال) ولكن محاولات الشخصية مسي، أخذت في إدراج الإخفاق والانتظار عمرا طويلا، سلخها جالسا أو واقفا في صفوف طوابير الترقب والتوسل والأمل والخيبة المؤكدة .

ـ جدلية شهادة الميلاد وحجب مخلوقات التسجيل المدني .

تنقلنا أحداث مشاهد النص الأولية، المتمثلة بدلالة مراجعة الشخصية مسي لدى دائرة التسجيل المدني، فهو دوما أمام نافذة الموظف المدني في أول مراجعة له بدءا، لغرض تسجيل وإخراج لوليده وثيقة الميلاد: (وضع مسي شهادة الولادة أمام موظف السجل المدني، وقال: ـ يوجرتن؟ حدجه الموظف بإستفهام، فأضاف: يوجرتن ! أسم المولود يوجرتن ! أنحنى موظف السجل على القرطاس المتوج بشعار مستشفى الولادة، قبل أن يستنكر: يوجرتن ؟! أجاب مسي بغمغمة مبهمة، وليبدو أن موظف السجل المدني قرأ في الجواب استهتارا بالأعراف أو إستهانة بهيبة الدولة . / ص17 الرواية) هكذا بدءا نستطيع إلماح الفجوة الحاصلة ما بين نمو إشكالية غرائبية الاسم من قبل موظف السجل، وتلك المتعلقات الدلالية المعمقة لمحمول هذا الأسم من قبل الشخصية مسي، خاصة وأن مدلول هذا الأسم يحفر في ذاكرة مسي ذلك الحيز الزمني الساحر من التأطير والتكوين المقدس لمرجعية الكائن الصحراوي في كل مواطن حياته، فما كان من موقف موظف السجل سوى التهويل والشجب ومعاينة غرائبية هذا الأسم، على محمل من محامل الرفض والشكوكية المريبة: (ما معنى يوجرتن ؟ برطم مسي بلهجة كالاستكبار: ـ أسم ! الجواب لم يقنع موظف السجل، لأن سيماء الوعيد في عينيه تحولت إيماء كالاشمئزاز، فأوضح مسي: ـ يوجرتن أسم ككل الأسماء ! . / ص17 الرواية) .

1 ـ الفضاء المكاني بين كوابيس المسمى وأصفاد الانتظار:

عالجت الرواية موضع بحثنا، مرحلة سياسية غريبة من قانون الدولة الليبية، والذي ينص في فقراته عزل سكان المدينة عن أهل الصحراء، كما والعمل بقانون التمييز بنزع حقوق ممن كانوا يسكنون في بلدان خارج الوطن في ظروفه العصيبة، إي قبل عملية اكتشاف النفط في صحراء ليبية، فهذه الدائرة المدنية في الرواية مثالا، كانت توطن مواطني دولة ليبيا إلى من لم يغادروا البلاد تماما، حتى وفي أرذل وأحلك مراح انتكاستها الاقتصادية الكبرى . أراد الكوني تدوين مواقف وحالات دولة ليبيا التي تعود إلى ما قبل اكتشاف النفط وما بعد ظهور ذلك النفط، كحقيقة قد أضافت إلى نظام البلاد كل الجور والإحتكام والاستكبار إلى قوانين خاصة من اعتناق الاحتكارية والعرقية والأغلبية المتمايزة، لذا فإنه أراد في دلالات روايته هذه، العرض لأهم صور غرائبية وتميزية واقع ضحية المواطن مسي، داخل طابور دائرة التسجيل المدني، فضلا عن هذا تخبرنا أحداث الرواية، عن مدى نفاد صبر الشخصية مسي، الذي كان يحاول أن يتظاهر بالصبر والتصبر إزاء تساؤلات ومطاردات نظرات موظف التسجيل: (ـ لم أسمع بأسم كهذا من قبل ! هنا أضاف الشقي مسي خطيئة أخرى إلى خطاياه الأخرى عندما أباح لنفسه أن يقول بلهجة الشتم منها موظف السجل نبرة إستخفاف: ـ الجهل بالشيء لا يعني عدم وجود الشيء ! سدد إليه الرجل نظرة أمتزج فيها الاستنكار بالاحتقار، ثم كز على أسنانه قبل أن يتساءل: ـ ماذا تعني . / ص19 .ص20 الرواية) .

2 ـ منظور تماثل التبئير:

تبدو عملية السرد في أولى فقرات الرواية، قد بدأت ضمن مستوى خاص من الحوارية الواقعة ما بين الشخصية مسي وموظف السجل المدني، وهذا التدرج في نمو الحوار ضدا، راح ينمي عكسية التعامل ما بين موقع الشخصية وتلك العصبة الملثمة بأقنعة التمييز والعرقية المخصوصة . ومن خلال نقطة الحوار تتبين لنا علامات الإشكالية تمييزا من داخل بنية الأحداث السردية تبئيرا، فمن خلال الشخصية مسي نعاين موجهات الناظم الداخلي كمبئر ومبأر في آن، حيث يجد المتلقي ذاته إزاء رؤية ذلك الناظم الشاهدي ـ الراوي، وهو يديم جوانية الحكي بين فقرة وأخرى، ولكن رغم خفوت (صوت الراوي) في مسار أحداث النص، غير أننا نعاين انطباعاته وتأملاته في شأن علاقات منظور التبئير السردي، استكمالا لحوادث قيام الشخصية في الإدلاء بوجهة أو الكلام جدلا مع قرينه في الانتظار عند طابور السجل المدني: (تنحى الساعي جانبا .. دار حول أريكة الخشب، حتى أدرك الجدار، أسند ظهره إلى الحائط ليقول: ـ لا يجب أن يدهشك قولي إذا قلت أن الملل هو آفة هذه الدائرة ـ الملل؟ بلى الملل داء ينهش قلب كل مخلوق تراه وراء هذا الحاجز، فلا يجد الأشقياء لمداواته ترياقا سوى الإيقاع بالضحايا: ـ الغريب أن يسود هذا الوباء في دائرة تستخرج شهادات الميلاد للأحياء، ويغيب في الدائرة المجاورة المخولة بإستخراج شهادات الوفاة ! . / ص31 الرواية) ويظهر في أحداث منظور التبئير علاقات ذلك الشخص العاملي في سياق من (الفاعل الذاتي ـ المتكلم) مما يجعله أحيانا مبئرا ساردا ينوب عن وظيفة الراوي، بمعناه الزمني والوظيفي المرتب وفق موقعه الشخوصي النسبي في السرد، ومن خلال هذه الوظيفة البرانية نلمس حوارات وتأملات من (الحكي الجواني) وبمقتضى ممارسة الشخصية في بث هواجسها الاستيطانية إلى جهة موازية لها في مستوى التبئير، كما الحال في هذه الفقرات: (تطلع إليه مسي بفضول ولكن سيماء الرجل ظلت صارمة، قال: بلى ! هذه رسالة تقول أن الشقوة تبدأ بشهادة ميلاد، ولكن الخلاص في شهادة الوفاة ! . / ص31) .

3 ـ الراوي الخارجي وتقانة التبئير من الخارج:

قلنا سابقا أن وظيفة (صوت الراوي) في أحداث التبئير الروائي، تبدو أقرب إلى علاقة المسافة الفاصلة بين راوي وبين عالمه المروي، وهذه العلاقة الفاصلة تحكمها إلتفاتات ذات تعليقات إشارية أو إحالية في مجرى تحاور الشخوص أو مواقفهم، تكون كما أوضحنا سلفا محفزات التبئير الخارجي، أكثر تعاملا وحدود معرفة الراوي، وليس للراوي في أحداث النص، أية علاقة داخلية في مستوى أفكار وأحاسيس الشخوص . تحديدا تعتمد وظيفة الراوي على ما يدركه من أفعال المشاهد وأفعال الشخوص في الأماكن البينة من قنوات الفعل الخارجي لها: (ساد سكون انتهكته جعجعة المواطنين المنهمكين في محاورة الموظفين، أو تبادل عبارات شكوى فيما بينهم، أو مخاطبة أنفسهم بألفاظ تعبر عن تذمر تفلت منهم رغما عنهم، قال مسي: لا تظن أنك أقنعتني على رغم ذلك ! أنت واهم إذا كنت تظن أني أريد أن أقنع بهذه القناعة أحدا . كل ما أردت أن أقوله لك هو قدرة أخيار هؤلاء على أن يمدوا لك يد العون ! قال مسي بلهجة يأس: لا أرى ظلا لإخيار في هذا المحفل ؟ . / ص35) على هذا النوع من المنحى وجدنا أفعال الراوي في أحداث الرواية، يشكل بذاته علامة شاهدية خاصة، وفي أكثر الأحيان لا تتعدى هذه العلامة وظيفة طابعية المتكلم على هامش تواصل الأحداث والحوارات في الرواية .كما سنلاحظ من هنا هيمنة الحوار الداخلي على مساحة مقام صوت الراوي، وفي إطار من الزمنية الخطية المتوحدة في تتابعية الأحداث الروائية اللاحقة .

ـ الأسماء المنزلة وزبانية أشباح رجال المحفل.

من خلال رؤية الحكي في تمفصلات مواضع الرواية، نلاحظ ذلك الإسراف الذي وظفه الكوني في محددات مكانية وزمنية دائرة التسجيل المدني، ولدرجة وصول الأمر بما عاد يوهمنا بأن العاملين داخل حجرها، ما هم إلا مرموزات لمحاور السلطة الجائرة في البلاد، كما أننا قد يتبين لنا بأن الكوني قد أراد من وراء تلك الزبانية المتمثلة في شخوص دائرة التسجيل والقامعة لحقوق المواطن الصحراوي في تسجيل مسميات ولادات أبنائهم، ما هي إلا تلك السلطة بصيغة لسان العام من قوانين ودستور الدولة، أي بمعنى ما من جهتنا نفترض جزفا، إن تلك الدائرة صورة للدولة بذاتها، أما الناس المراجعين لقضاء شؤونهم فيها، هم عامة الشعب، ولكن هذا الإفتراض منا، قد لا يكون راجحا خصوصا وأن الأحداث المقبلة في الرواية، تخبرنا بأسرار غريبة حول دستور هذه الدائرة في وجودها الكياني المستقل عن باقي دوائر الدولة الأخرى، فعلى سبيل المثال، تخبرنا أحداث الرواية على لسان حال الشخصية المسمى ب (الساعي) بمثال هذا القول: (في تلك الدواليب تنام قائمة الأسماء المنزلة، قائمة بالأسماء السرية، قائمة بالأسماء الربوبية كما يسمونها، فإذا لم يرد فيها أسم الوليد المزمع تسجيله خضع رب الوليد للمساءلة . / ص38 الرواية) وبهذا الحجم من الغرائبية نتعرف على قوانين سوداوية ووحشية وهستيرية محافل دائرة التسجيل، وعلى النحو الذي يجعل منها على حال لسان ذلك الشخصية الساعي وصفا، وكأنها كينونة جحيمية من شأنها محسوبية معايير الأسماء المنصوص عليها من جهة عليا تتعدى الحدود الدنيوية جدلا .

1ـ العاملية الوظيفية في محفل الزبانية:

تعرفنا أحداث الرواية، على جملة من المكونات النادرة في شخوص زبانية ذلك المحفل من الدائرة، حيث نعلم من خلال ذلك الحوار الدائر بين الشخصية مسي وشخصية الساعي، بأن أصحاب الزبانية أولئك، قد يتم تغييرهم وغيابهم عن المكان بمجرد ارتكابهم تلك الآثام المنصوص عليها من قبل أرباب تلك الغرف المظلمة من غبار تسجيل وتدقيق تلك الأسماء المنزلة: (أقترفوا آثاما ؟ إذا ارتكبوا أخطاء، كما تقولون في لغتكم، هنا يسمون ارتكاب الأخطاء آثاما لأن الخطأ قد يغفر، ولكن الأثم في معجم هذا المكان هو ما لا يغتفر ! . / ص39) وقد يوحي الأحساس بهذا الأثم لدى القارىء إلى حالة استيعابية من فهم صوفية ما عائدة بطبيعتها إلى مرجعية شرعية ما، ولكننا بعد التقدم في متابعة مستحدثات السرد، نكتشف أن أحكام هذه الآثام، قد زرعتها السلطة الحتمية من قبل رؤساء هذا المحفل، بشرائط هي بعيدة كل البعد عن الله والناموس الديني . أردنا أن نقول بأن إبراهيم الكوني كان يتقصد بهذا المحفل، ثمة دلالات معارضة وانتقادية للرموز السياسية للنظام الحكومي أولا وأخيرا، اعتمادا على فكرة ذلك الزمن الجبار لدى مصدر تلك السلطة الباطشة في البلاد قهرا . ولكن الغريب في أمر أحداث ودلالات الرواية، هو أن موضوعتها تتحدث أخيرا بإمتيازية التفاعل الشخوصي مع بيئة الصحراء بعيدا عن التصادم مع لغة السلطة، بل إنها تكشف لنا أخيرا عن قتل الشخصية مسي لولده لأنه كان طرفا في صفقة تهريب الحجر المقدس من الصحراء إلى خارج البلاد: (في ذلك اليوم حدث الأب مسي خليفة عهده يوجرتن، كيف كانت القبائل تنحر قربانا في أزمنة المحنة، ثم تذهب لتستجير بالحجر بدهن الصلد بشحم القربان، فلا تلبث البلية أن تنقشع .. لكن الأب اكتأب فجأة وهو ينهي روايته للأبن قائلا إن البلاء سيعم، والصحراء لم تعود في ذلك اليوم الذي سيقع فيه الحجر المقدس في يد الدخلاء . / ص173 الرواية) الحقيقة أن الحجر قد وقع فعلا في يد الدخلاء قد صدقت نبوءة الشخصية مسي، في ذلك اليوم الذي أبرم فيه الشخصية المحتال ـ الباي ـ اتفاقا بإعادة أسم الوالد المفقود وأسم الأبن في سجل محفل دائرة الأحوال المدنية، شريطة عمله مع فريقه التنقيبي عن النفط في عمق الصحراء ولكن الأمر لم يكن تنقيبا مزعوما عن النفط، بل أنه كانا بحثا عن ذلك الحجر المقدس الذي تم العثور عليه بمساعدة وإرشاد ولده يوجرتن، خيانة لوالده وإلى ناموس الدستور الصحراوي الخاص بالأسلاف القدامى .

ـ الصوفية الصحراوية وطقوس القربان الأسطوري .

إن الخطاب الروائي في دلالات رواية (من أنت إيها الملاك ؟) تساعدنا على فهم مرجعية صوفية الانسان المتصحر وعلاقته الاسطورية بالأم الصحراء، وصولا منها إلى فهم ذلك المعنى المضمر في مغاليق حكاية دائرة التسجيل، وأسباب رفضها إلى تدوين أسما لولد الشخصية مسي في سجلاتها، بل وحتى الشخصية مسي نفسه غدا بلا هوية مواطنة في مرابع هذه المدينة وسجلاتها السوداوية . تخبرنا الرواية بأن مسي، هو من أولاد أسلاف الصحراء سابقا، لذا يحضر عليه ضمن التشريع القانوني في دائرة الأحوال المدنية، إخراج بطاقة مدنية له ولولده، كونهما ليسا من سكان المدينة أصلا: (لو كانت هذه المدينة تعترف بك، ما بخلت عليك بالأسم !: ـ ولكني أبن هذه المدينة يا أبت، ولم أكن يوما أبن صحراء !: ـ بل أنت أبن صحراء شئت أم أبيت، لأن الدم الذي يجري في عروقك دم صحراء مهما أنكرته ! / ص200) تتبين لنا مسافة وحجم الفجوة ما بين الوالد وأبنه، في مشروع كل منهما، وعلى تفاوت رغبة الأثنان، تضعنا المحاور الروائية على حافة خطيرة من المفارقة الكبرى، فقد باع الأبن حجر الصحراء المقدس مع عصبة فريق الباي وكيل الشركة للتنقيب المزيفة، وقد تم تهريب هذا الحجر خارج البلاد، فقد أستغفل الابن طموحات وزهد الأب بصوفية عشقه بهذا الحجر وبأسلافه القدامى في الصحراء، وعندما علم الأب مسي بهذا الأمر، قرر مغادرة المدينة مهاجرا إلى عمق منبعه الصحراوي بعيدا، بعد أن قام بنحر ولده قربانا لملكوت آلهة الصحراء: (أستل صاحب الاغتراب نصل المدية المثبت في ذراعه في اللحظة التي بدأ فيها الإله المسربل بالدم يتوارى تلبية لنداء ناموسه الخالد . لوح الأب بالمدية في الفراغ، فأغتسل النصل النهم بشعاع الدم قبل أن يستقر في النحر .. أستقر النصل المغسول بروح الإله الأبدي في نحر السليل فخر الأبن أرضا أنبثق الدم غزيرا من النحر ليسيل عبر الحضيض، تسلله عبر الأرض الضمأى يروي شجرة الرتم، فحشرجت الضحية . / ص254) .

ـ تعليق القراءة:

هكذا ختاما يمنح (إبراهيم الكوني) إلى آلهة الصحراء موطن أسلافه القدامى ، الخصوصية القرابانية في منظومة خصائص أنشودته الصحراوية الكونية المشدودة إلى استقلالية الأنا المتوحدة في صوفية ابعاد المكان والزمن وفي ضمير أسطورة الصحراء الكبرى .. في الحقيقة حاولنا في دراستنا هذه الربط ما بين علاقات وحدات النص، وصولا منها إلى ذروة الكون الروائي لدى الكبير إبراهيم الكوني، وإذا ما تفحصنا البنيات الدلالية في حكاية الرواية، لوجدنا مادتها السردية توحي لنا بالضد من السلطات والرموز السياسية، اقترابا كاشفا نحو أسطرة وثيقة الميلاد بمواجهة قربان أسطورة الأبدية الصحراوية في مضمر قلبها المحفوف بأسرار ذاتية رحلة الأنا الصوفية نحو ملكوت معبودها الأوحد .

 

حيدر عبد الرضا

 

احمد الشيخاويقراءة في ديوان "درب الأراجيح مغلق"

بعد دواوين "ثرثرة في كانون" و"أطياف تراوغ الظمأ" و"خلف البياض" و"امرأة من زعفران"، وعلى امتداد خارطة إبداعية لافتة، وبحسب المستشفّ من مجمل منجزه الشعري الجدير بالغوص فيما ورائيات اللون، وسراديب الحكي المكتظة بالبياضات المثرثرة بوجعنا العروبي، ما ينفكّ الشاعر الفلسطيني المغترب حسن العاصي يسلك دروب الإخلاص للغصن الأول، بما الكلمة أشبه بانتحار إبداعيّ لاذع، وجَلد ذاتيّ مفخّخ لملف العروبة وشتى خيوط انجذابها لأزمتها الهوياتية. دوماً هنالك في كتاباته بسط لهيمنة أصوات الدفين والغائر في الذات، من حيث النزوع إلى بلورة نيوكلاسيكية ترتقي بشعرية القصيدة، وتوجّه خطاب تلافيف القابع في اللاوعي، تستقطبه إلى انصهار كريستالي في شتّى ما يترجم ثقل وتوهّج الإحساس بالانتماء إلى حقل إنساني لامّ ميسمه اللامحدود واللانهائي في تجربة تجاذب الأضداد. 

ديوان "درب الأراجيح مغلق" جرعة ألم زائدة، ما تنفكّ تخيم على أفق الرؤى المؤثثة لعوالم المعمارية الشعرية لدى صاحبنا، وتوقظ المسكون بنُثار الذاكرة، داخل حدود توليفة تعبيرية مكمنها البوح القاهر والمتسربل بنفس ملحمي خفيض ومناوش بخلطة أيديولوجية جمالية يطبعها اختمار روحي طيفي صاقل لمرايا الماهية الموجوعة والمطعونة في قضايا المساس بقدسية البعد الهوياتي في لبوسه العروبي، حدّ اختزال القصيدة وسكبها فيه.

يشتقّ حسن العاصي معجمه الشعري، من تيارات حياتية تتقاذفها هواجس اغتراب روحي مزدوج، وتجليات ضاغطة مثلما تجرد صوغها ذاكرة المنبت، وتهمس بها الحالة النشاز في انشدادها وفلكلورية حلزونيتها والتفافها بالجذر. 

لذلك، طالما شكّلت وعي شاعرنا، خيوط العنفوان في ميزان القضية الفلسطينية المسطورة أو المنقوشة في بكارة البياض، تبعاً لأحرف مدادها نفحات روح مغترب يجدّف مزداناً بفروسية العاشق الغاضب الأولى بقلبه الدامي أن يخفق شعراً مشبعاً بلغة الانكسار، نكاية في حثالة من زلزلوا مضارب ليلى تحت قدميه، بما المعضلة والاستشكال اغتصاب لملامح وطن عصي نابض ورافل في أريحية عروبته المكابرة، فطوبى لنظير كهذا مجنون ملء القصيدة وحقيبة اسمها القلب يتنفّس أقصى الدرجات وأنأى الأنجم تعشّق ليلاه المكناة فلسطين.

في كتابة تستوقد بالماء، تهشّ بزئبيقة المعنى الوالج في دوامة المائيات، والذات اكتواء وملحمة طافحة بذبول الراهن وتحجّر الآني، تنهش لُحمة الأنساق، ضاربة لنا الموعد المخملي مع حكاية الالتزام بالدورة الكاملة في المقامرات الكلامية المشحونة بهديل الهامشي والمعطّل والمهجور، من خلالها تتأمّم أو تحاول ذلك، ذات الانشطار والهذيانات المحمولة على تيميتين لا ثالثة لهما، الهوية والاغتراب، وكأنما تتوسل على عجل وخارج قيود الزمن ووفق استثمار جشع لمخزون الذاكرة، وتنشد علياء كأس الاحتواء، تماما وعلى مقاس مرثاة الأمة المشروخة والمهدّدة في مزيد من ثوابتها ودعاماتها، بما السيناريوات حياكة خسيسة بتواطؤ يدشنه تمازج أيادي الخونة والغرباء، مطيح ولا شك بالمتبقيّ، ومحيل على دنو تآكلات وأعراض جانية تنذر بخراب وحطام شاهد على فصول المحذوف من حكاية انكسار وانحسار في ليلته بداية لياليه الكالحة والمغرقة في سوداوية جحيمية، تحصد دونما هوادة، بؤر الغضّ والنضر والمزهر في إنسانيتنا المهدورة أصلاً:

جنائز الغرباء

على بعد طفولة

من باحة البكاء

نعش يسترق الحياة

لكن..

درب الأراجيح مغلق.

 

ثم في مكان آخر يقول الشاعر:

الوجع الضاري ينبت شوكاً

على أطراف كل لحظة 

قصائد تسري كأنها تدفّق معسول الأنهار الأخرى، التي هي وقف قاموس ضاربة بحفنة من ورد على خدّ مثالي يحاكي خدّ ليلانا جميعاً، ونحن نتلمّظ من جهة العطشى للبرود من نبع القصيد وسلسبيله، ثمالة أمجادنا المتراقصة أو المحجوبة والمعطّلة عنّا فيها وهي المعشوقة النموذجية على مرّ السنين وتعاقب الأجيال، والتي ما تلبث تهزمنا غضاضة ومرارة الذبيح والمغتصب عبرها فينا دونما مواربة، وهل ليلانا إلّا عروس المستحمّات وملاكهن، السّليبة فلسطين؟

تنهمر أسئلة الذات، مخلخلة واقع القضية، وناكئة للجراحات الأبلغ غطساً في أخطاء التاريخ.

وهو ديدن دأب عليه العاصي في بلورة رؤاه ونسج مواقفه المسبوكة بنورانية الخلفية، والدفع بها إلى دوائر تضيق أكثر فأكثر مع التبخّر الروحي المنساق وشعرية توبيخ العالم، اتكاء على زحزحة نظرة لم تعد قادرة على المواكبة، آثرت أن تمكث في ثوبها القشيب فيما يخص حياة النضال بالكلمة والقول الشعري الذي يتغيّا قلب المنظومة المفاهيمية المحكومة بثالوث الأنوية والغيرية والكونية.

لوحات تراوح ما بين صفحات الإشراق والذبول، الحضور والغياب، مساهمة في تلقين الخطاب الإنساني الراقي المنصف للذات في ضوء ما يتفشى من وإلى جوانيتها الرّازحة تحت نير تقاطعات هوياتية ــ اغترابية، تمنح للشعر هشاشة إضافية، لا بل تضعه فوق الحياة كدالّ على جنون إدمان الحرف بعدّه السلاح الشرعي المتاح كضرب من تكريس لثقافة لملمة المفقود وتقمّص روح المشترك وتتحسّس ريح الخلاص، وترع حيّز الحكاية المنسية وملء غاية مقدّسة يلوّن متاهاتها حضور فلسطين: 

النوافذ ملّت لعبة التوقع

ستكون الرحلة طويلة

1873 حسن العاصيفلا داعٍ للعجلة

ستحصد حزنك

حين يصرخ عصفور الوقت

 

وفي مقطع آخر:

هناك

تماماً هناك

خلف ستارة الجنون

جهة أقصى المتاهة

تمور شرفات الانتظار

تتدلّى منها

وجوه الراحلين 

إذاً، نحن إزاء كتابة جاذبة وراشقة بطقوسيات إعادة ترتيب الأوراق فيما يرتبط بإقامة مصالحة حقيقية تنطلق من الذات كي تشمل سائر ما حولها، على احتكاك مع أفلاك الشاعرية المدغدغة بصفاء المعجم ودفق الرؤى المشكّكة.

نصوص ترفل في الاستعارة الكلية، وتدبّج فسيفساء النعوت بتوحّد أغراضها، وانصهار بعدها الرسالي في بوتقة استنطاقات مفاهيمية تعنى بالانتماء.

توليفة كأنما تعزف على أوتار القلب، تعقد لها الذات بعضاً من قران طوباوي هامس، تختمر عبره تجربة الاغتراب ومفردات الهوية، وفقاً لسريان تيارات خطابية حماسية متصادية ودوائر اغتراف القصيدة رعشة العذرية من تلاوين استحواذ المكوّن البصري على باقي الميكانيزمات التعبيرية والدلالية الأخرى.

 

أحمد الشيخاوي

شاعر وناقد مغربيّ

 

جمال العتابيشكّل الوجع العراقي مرجعاً مهماً إزدهرت به السرديات العراقية بعد عام الإحتلال 2003، وصار الكلام عن رواية عراقية بعد هذا التاريخ، مدخلاً مهماً لكتاب صدر عن دار الرواسم في بغداد 2014 للروائي حسين السكاف، كانت صورة الوجع مادة لافتة فيه، كدراسة للرواية العراقية للفترة2004 -2012، وأصبحت هذه المادة موضوعاً جذاباً، بل أساسياً لروايات عدد غير قليل من كتاب الرواية في العراق، السكاف نفسه تحرك بروايته (وجوه لتمثال زائف) الفائزة بجائزة كتارا 2017  للنصوص غير المنشورة، نحو هذا المحيط، في علاقة واضحة مع هذا المرجع الحي والطاغي، وإفترش مساحة لأكثر من 500 صفحة، إكتظت بالرؤى والخيال والأحلام والفنطازيا، وإمتزجت بالواقع المأساوي الذي عاشه العراق بمرحلتين قبل وبعد 2003 .وبسبب هذا الواقع كان الوجع والتمزق يتشكلان سمة للكتابة السردية، التي راحت تتلمس عمق الجرح العراقي، وكأنها بذلك تلملم أجزاء الجسد الإجتماعي – النفسي جسد البشر والمكان، جسد الروح والعيش، الذي فتته الإحتراب حتى بدا عاجزاً عن إيقاف الإنهيار والخروج من دوامة النزيف .

حاول الروائي ان يوهم القارىء ان روايته لاتنتمي لمكان أو زمان، بينما تشير كل أحداثها وشخصياتها إلى حاضر العراق، إلى عهد الديكتاتورية كماضٍ ترك بصماته العميقة في الحاضرالذي لايستطيع الإفلات من ماضيه، ولاينعتق من ظلاله المعتمة عليه،

تبنى الكاتب مشهد الدمار، دمار الحياة والقيم، معادلاً لواقع كابوسي صار هو القاعدة،يتلبس فيه القاتل قناع البطولة، مرهون عيسى الصاحب (الراوي) الشخصية المحورية في الرواية، يتحول إلى قاتل وشاهد،حين يعم القتل في كل حي من المدينة، والكل مقتولاً.

مرهون كان في السابعة من عمره حين قتل والده أثناء محاولته سرقة بيت أحد الأغنياء،ومن هذه اللحظة تبدأ مأساته،  صار (العم) مانع دائم الحضورفي بيت القتيل، وبدأ يصطحب مرهون لساحة وقوف السيارات التي يشرف عليها، ثم تزوج أم مرهون، ووضعت منه طفلة جميلة أسماها (وداد)، إلا أن الأم إختفت نهائياَ مع إبنتها، تحولت الساحة الى مسكن لمرهون، وبدأ العم يعامله بقسوة، إذ يناديه (إبن الشريفة جداً)، ذات صباح ترك السكين مغروسة في صدر مانع، وهرب مرهون، في سجن الأحداث تعلم القراءة والكتابة، والدفاع عن النفس بعد تعرضه لمحاولات إغتصاب عديدة من قبل الأحداث الأكبر سناً منه، السجين عدنان النائي المنتدب لتدريس الصبيان لحسن سلوكه في السجن، يوجه إهتمامه لمرهون ويرعاه، تكتشف إدارة السجن موهبة مرهون في تخدير الضحايا من السجناء بالإتفاق مع طبيب السجن، وتوظفه لهذا الغرض مع عصابة خارج السجن تتاجر بالأعضاء البشرية في مستشفيات سرية يديرها أطباء،

تتكرر هذه الجرائم ويتحول مرهون إلى أداة منفذة لها في خارج السجن أو داخله، حين يعود إليه مرة أخرى، لايتردد مرهون من قتل أية ضحية ترشحها (المنظمة السرية)، في عهد الديكتاتورية، لم يكن يعاني من مشاعر القلق والخوف، ولم يكن سادياً يتلذذ بمشهد الدم،من الصعب حصره في صورة سلوكية واحدة، إلا ان المؤكد في هذا السلوك يعود إلى إضطراب مستمر في الشخصية لازمه في وقت مبكر من حياته، مع عدم توفر الوازع الضميري بما يكفي للشعور بالندم، شخصية مرهون أغلب ما تتضمن السمات السايكوباثية المضادة للمجتمع، والتي لا تؤشر لمرض عقلي أو تخلف، بل تشير إلى سلوك يتسم بالعنف، والتخلف الدراسي، والتفكك الأسري .

تصير الحكاية حكايات، ويصير الزمن أزمنة، ولكن بلا تاريخ، فيمتد السياق السردي ويستمر تواليه في محاولة لبناء فضاء سردي مفتوح على ذاته، يخلع أبواب الذاكرة ويتركها تحكي طويلا، لعمليات قتل تلتقي فيها أطراف مختلفة في الظاهر لكنها متعانقة خلف الظهر، الكل يقتل ويسرق ويكذب، مرهون في (العصر الجديد، عصر الديمقراطية)، يتحول إلى شخصية أخرى تدير مؤسسة واجهتها ثقافية، إلا نها تقوم بنفس الدور الأول، وضع (الوزير) تحت تصرفه إمكانات مالية هائلة، وأخرى بشرية.

تتسع علاقات مرهون مع شخصيات أخرى من النساء والرجال، ويقضي إوقاته في مجالس الخمر والعاهرات وأحضان النساء، يدير شبكة واسعة جاهزة لتنفيذ عمليات القتل (والتفصيخ البشري)، إمتدت إلى اقرب الشخصيات إليه،وطالت أمه وأخته بالصاعق الكهربائي، ورمي جثتيهما في النهر، بعد سنوات من البحث عنهما، وجدهما بائعات هوى في الشارع، إمتدت عمليات التصفية لتشمل فئات متعددة في المجتمع، مثقفين وفنانين( هناك إشارة واضحة لتصفية المفكر كامل شياع)، وأطباء، ورجال أعمال، وعشيقات، ورجال أمن. وشخصية الوزير في حدود سلطتها ونتائج سلوكها العابث وغير العقلاني، إنما تبلغ لمستوى الرمز الدال على قوى الشر التي تقود السلطة ممثلة بإتجاه سياسي وطائفي محدد، لايوحي ان قوى الدمار واحدة ومشاركة في الخراب بإمتياز .

في لغة السرد إشارات إلى مؤسسات دولة عميقة تدير هذه العمليات في زمن العنف والخراب، وهناك (أبو طبرجديد)* هو مرهون ذاته، يجد في أعماقه لذة خفية تمحو أثار شقاء ماضيه وبؤسه .

قصد السكاف تكديس الأحداث لتصعيدها بقصد الإثارة،بلغة سينمائية يتجسد في بناء السيناريو والنقلات المتتالية بين الماضي والحاضر،تعرف (بعين الكاميرا) دون تدخل من الروائي، المصور الذي يتابع مشاهد الحياة، وما تسجله آلة التسجيل، هو مادة السارد في الرواية، وموضوع الحدث المركزي  بلغة تصويرية لاتخلو من إسهاب وإطالة وتوفير المفاجآت وإصطناع عنصر التوقيت في حضور الشخصيات وغيابها،عمليات قتل لضباط شرطة تذهب بلا نهايات معروفة أو متابعة للجريمة، لايتردد الروائئ من تخيل زيارة للرئيس المريض في ألمانيا، ومن ثم عودته لتنفيذ مآرب الرئيس العدوانية، كنت أتوقع ان الروائي سيتوقف عن السرد  عند مشهد مؤثر لمقتل أمه وأخته، إلا انه استمر بهذا المزيج الذي لم يقدم إضافة فنية وجمالية لعناصر السرد، بإعتقادي ان إمكانية إختزال الرواية متوفرة في العديد من الفصول، بتكثيف الحوارات والأحداث المتكررة . الإسهاب أضعف قدرة الرواية، وجرّدها من أهم ما فيها، لتستغرق بمشاهد القتل،بنفس الأدوات وذات الغايات .

إلا أن الروائي إستطاع أن يرتفع بلغته السردية في تصويره للقاءات الجسدية مع عشيقاته، إلى مستوى فني معبر وراقٍ، مرتقيا بها إلى التوحد مع الجسد الأنثوي، وأتخذ الروائي من حركة المياه بوصفها لوناً من ألوان التعبير المؤثر في أعماق الشخصية، متماهيا مع إيقاع الحدث القاسي، في رمي جثتي أم مرهون وأخته في النهر، كان عمق المياه وجريان النهر، إنما يحكيان زلزلة كيان مرهون وإستسلامه لتيار الأحداث العاصف، بعد أن كان ينعم بالثبات .

في تقديري أن الرواية كان لها ان تبلغ مستوى تعبيرياً آخر يؤهلها لأداء أكثر من معنى، وتحمل أكثر من دلالة، في غير تلك النهاية التي إنتهت بسفر مرهون (البطل القاتل) إلى ألمانيا، ومغادرته البلاد، كان بوسع الروائي ان يذهب إلى معالجة فنية أخرى لنهاية الرواية، وما يزال أمامه  متسع من الوقت لكي يقدم أعمالا سردية جديدة لأنه يمتلك الأدوات والموهبة .

 

جمال العتّابي

..........................

*أبو طبر: شخصية أشاعت الرعب عند أهالي بغداد في بداية سبعينات القرن الماضي، إثرعمليات قتل لعدد من العوائل، توجهت حينها الإتهامات لدوائر المخابرات العراقية، كونها تقف وراء تلك العمليات .

 

طلال الغوارالمفهوم التقليدي للشعر يحدد الانتساب له من خلال الوزن والقافية، ومن خلال هذين العاملين الخارجيين نجد الكثير من القصائد قد حازت شرف الانتساب للشعر لتصبح قصائد (شعر) في حين أنها تفتقد إلى الشعرية حيث لا حرارة للشعر فيها،  أنها نظمٌ في إطار الوزن والقافية،بالمقابل نجد هناك نصوصا نثرية تحفل بطاقة شعرية عالية،ولأنها تفقد إلى العاملين المذكورين لم يعدونها من الشعر بالمفهوم التقليدي .من هنا نجد أن معاير الشعرية ليس مقترنة بالوزن والقافية ب هذين العاملين الخارجيين وإنما ثمة معاير أخرى متعلقة بالطاقة التعبيرية للغة وبإمكانية استنفار الطاقة الاستعارية فيها وكيفية استخدامها وخلق العلاقات المغايرة للمألوف .

ولتأكيد ما ذهبنا إليه فأن البحور الخمسة عشر التي وصف بها احمد بن خليل الفراهيدي إيقاع الشعر العربي، وحوّله من إيقاع شفوي إلى إيقاع مكتوب وبتسميات معينة، أدت إلى بروز أراء ومواقف تختلف مع الفراهيدي فقد رفض الاخفش تقبل بحرين من بحور الخليل، كذلك أبو العتاهية كان يقول بما معناه إنا اكبر من العروض،أي أن الفعالية الشعرية هي المنتجة للإيقاع وعلى علماء العروض أن يصفوها، وفي الوقت ذاته اكتشف الاخفش تشكيلا إيقاعيا وأضافه إلى البحور الخليلية، وضمن هذه الرؤيا فأن هذا النوع الكتابي (قصيدة النثر) لم تكن منقطعة عن مجرى الشعر العربي المعروف منذ القدم  ولها جذورها التاريخية .

ومن المعروف أن الشعر هو ديوان العرب كما يحدثنا التاريخ فهم أدرى واعرف به حين نجدهم يطلقون اسم الشعر على بعض النصوص التي لا تعتمد البحور الخليلة، كقصيدة عمر بن قميئة، وقصيدة المرقش الأكبر، الاختلافات الوزنية في قصيدة عبيد بن الأبرص وغيرها.

 وهناك كثير من الشواهد على وصف النصوص النثرية بالشعر، كوصفهم للنص القرآني بالشعر واتهام الرسول ( ص) بأنه (شاعر) وهذا الوصف يعتمد على رؤية العرب وفهمهم للشعر، فقد كان الشعر بالنسبة للعربي آنذاك فطرة، وهو ملازم للشخصية العربية، حيث أن الشعر يمثل المكانة الراقية في حياة المجتمع العربي،وإعجابهم بالنص القرآني وشبهوه بالشعر، فقالوا أنه شعر بما وجدوا فيه من طاقة تعبيرية عالية للغة لم يألفه العرب، كان يعبر عن إحساسهم بالشعر ونظرتهم إليه .

أن معظم تعريفات الشعر كانت تهتدي بالوزن والقافية وترى الاحتكام إليها من الشروط الرئيسة في تأشير شعرية النص من عدمه، لكن نرى ثمة من يخرج عن هذه التعريفات تعد نقلة قوية في الرؤية إلى الشعر أو في تعريفه، الجاحظ مثلا  الذي يرى " أن الشعر صياغة وضرب من التصوير"  وهذا ابن رشد يقول (ليس كل نظم شعرا، اذ كثيرا ما يوجد   من الاقاويل التي تسمى اشعارا ما ليس فيها من معنى الشعرية الا الوزن واللحن ) وهنا يتجاوز في هذا القول الوزن باعتباره معيارا تقليديا للتميز بين الشعر والنثر، وتخطى القافية.

وهذا الجرجاني أيضا الذي يرى الشعر بقوله " تعليق الكلم بعضها ببعض وجعل بعضها سبب من بعض "وهنا نرى في هذا القول أن الشعر لا يستمد شعريته في وزنه وقافيته بل من النظم،  وتجاوز المعايير المعروفة ويؤكد  على خلق العلاقات الجديدة في اللغة باستخدامها المتميز.

وهنا نذهب الى اللغة الشعرية والتي من خلالها يستطيع الشاعر ان يخرج الواقع من واقعيته، يخرج الشيء من ذاته، ويؤسس عالما  مشابها للواقع ومغايرا له في الوقت نفسه، يستمد عناصره من الواقع ولكنه يخلق لها علاقات جديدة تبدو غير واقعية، وهذا لا يتم إلا من خلال اللغة ذات الاستخدام الخاص، فالتمكن من اللغة في استخداماتها المختلفة خارج السياقات التقليدية المألوفة وعلى عمل من المخيلة  تجعل لغة الشعر تقول ما هو غير مألوف، وما هو غير عادي، أنها تخرج من عاداتها، ليتجلى دور المخيلة إبداعيا، من خلال توليد الصور الشعرية المكتنزة الدلالة، صور لها فاعلية من الدهشة والغرابة،، لذا أجد أن الشاعر عليه أن يكتب بأقصى التعبير اللغوي، يكتب بمعرفة عالية باستخدام اللغة التي تجسد قدرته عن اجتراح تعبيرات غير تقليدية، ومتجددة بأبهى ما يمكن من خلق الحساسية الفنية والجمالية، وباي شكل من اشكال الكتابة الشعرية سواء كانت قصيدة الشطرين او التفعيلة  او (قصيدة النثر) كما يطلق عليها.

 

طلال الغوّار.. العراق

 

 

 

توفيق الشيخ حسين"أخناتون ونيفرتيتي الكنعانية" للروائي صبحي فحماوي

تعد ّ الأسطورة المغامرة الأبداعية الأولى التي أبتكرتها المخيلة البشرية من المغامرات التي كانت صدى للواقع المعرفي والجمالي والتطور الإدراكي للإنسان، وشكلت جزءا ً مهما ً من حياة الشعوب وطقوسهم وعبرت ّ عن ثقافتهم ويؤكد الكاتب " علاء الدين محمود" بأن نشأة الأسطورة هي من محاولات الإنسان لإقامة علاقة مع الطبيعة من حوله، كانت تلك هي أولى محاولة لتفسير الأشياء والظواهر، وهذا ما جعل الأدب يحتضن الأسطورة بكل رحابة وحماس .

إن التاريخ العربي حافل بتلك الأساطير والمحكيّات الخرافية القديمة، كان لا بد أن تستلهمه الرواية العربية الحديثة، وهناك عدد من الأعمال الروائية الكبيرة والمميزة التي صنعت حالة سردية مستمدة من الفضاء الأسطوري منها رواية " عودة الروح " لتوفيق الحكيم التي تتحدث عن الأساطير المصرية القديمة فيما يتعلق بالموت والحياة، وكذلك رواية " إيزيس وأوزوريس " لعبد المنعم محمد عمر، و" مارس يحرق معداته " لعيسى الناعوري، و" نرسيس " لأنور قصيباتي وغيرها، ثم كان التتويج والتناول الخلاق للتراث من قبل" نجيب محفوظ" .

من هنا نجد الروائي " صبحي فحماوي" يستلهم الأساطير في معالجة قضايا الإنسان العربي في زمن التمزق والتشظي والاغتراب وسيادة العزلة والوحدة والحياة الفردية في روايته " أخناتون ونيفرتيتي الكنعانية".**

نرى أن عتبة الرواية تعتمد في تقنيتها على " منظار الزمن الصيني " المتطور لدرجة إنه يعطي السارد فرصة مشاهدة الصور وسماع أصوات الزمن الماضي وذلك ببرمجة علمية لا يعرف تفاصيلها غير مخترعيه، يقول الروائي صبحي فحماوي في أحد لقاءاته :

" إنني لا أكتب كتاب تاريخ، ولكنني أسرد رواية عشق جمالية تقدم فكرا ً يكتنفه الخيال، وهذا إبداع وليس كتاب تاريخ لا يلتزم بحرفيات المكتوب سابقا ً، وإنما يقدم فكرا ً جديدا ً " .

في ختام القرن الخامس عشر قبل الميلاد وصلت مصر الى قمة المجد فإتسعت رقعتها، وامتد نفوذها من أعالي دجلة والفرات شمالا ً الى " بناتا " عند الشلال الرابع جنوبا ً، وصارت مهيبة الجانب ونافذة الكلمة، يذعن لقوتها وبطشها أرباب التيجان وأصحاب الدول، ويسعى كل عاهل في الشرق الى أن يخطب ودها ويفوز برضاها.. كان أهلها في رغد من العيش، ينعمون بحياة ناعمة ويتمتعون بخير كثير جاءهم من تلك الممتلكات المترامية الأطراف التي تتبع بلادهم وتفيض من خيرها عليهم.

و" صبحي فحماوي " بصفته روائيا ً معلوماتيا ً عربيا ً استطاع " بمنظار

الزمن " أن يشاهد ما يريد من أحداث الماضي، ويكتب رواية معلوماتية تسرد ما يبحث عنه من أحداث الزمن السحيق، لا يعرف السبب الذي دعا لإدارة " منظار الزمن " 1868 اخناتونلإعطاءه الإطلاع على هذا المنظار الزمني والذي يجعلك تستطيع مشاهدة أي ّ زمن ماض ٍ تريد استرجاعه، من هنا عاد بنا الى عصر الأمبراطور" أمنحتب

الثالث" وزوجته الملكة " تيي "وابنه " أمنحتب" أخناتون عاشق الجميلة "نيفرتيتي" للتعرف على قصة حبهما ولمشاهدة معركة " مجدو " الشهيرة والتعرف على مسبباتها وبداياتها ونهاياتها، هكذا أوصلنا " منظار الزمن" الى ذلك العصر الكنعاني الفرعوني المجيد .

تقوم الرواية في بنائها على أماكن وأحداث ثيمية وأسطورية ولغة رمزية، فالشد الأول في المشهد يتناول قصة حب شهيرة للأمير " أمنحتب " أخناتون أبن الأمبراطور المصري " أمنحتب الثالث " والأميرة الكنعانية " إلهام " نيفرتيتي أبنة " رافائيل " ملك مملكة "مجدو"، بينما كان الملك الكنعاني " رافائيل " يتفاوض مع ملك مصر العظيم " أمنحتب الثالث " حول تفاصيل العلاقة المتأزمة بين مصر والممالك الكنعانية، كان الأمير الفرعوني " أمنحتب " أخناتون يشاهد فتاة تسبح في وسط بحيرة الشط، الخليلية فاعتقد أنها تغرق، فخلع ملابسه وغطس لينقذها، وبعد جلوسهما على الشط، شدهما الجمالية الفائقة لكل منهما أمام الآخر، وكانت الإيجابية هي التي أوثقت العلاقة، كونهما يؤمنان بأن الشمس هي القوة الأعظم المسيّرة للحياة على الأرض سواء النباتية أو الحيوانية.. كانت الأميرة إلهام " نيفرتيتي " تحمل بيدها تمثالا ًصغيرا ً لإله الشمس الهندوسي واسمه " سوريا " وكان أخناتون يؤمن بالإله المصري " رع آتون الشمس " فكان الانتماء إلى الشمس هو سر استلطافهما لبعضهما بعضاً.. وقبل أن ينتهي هذا اللقاء الجميل، سألته سؤالاً أخيرا :

" ما دمنا نفكر بهذه الإنسانية الرائعة، والمحبة المتبادلة، وما دمت أنت ولي عهد ملك مصر، فلماذا هذه المشاحنات بين شعبينا، ولماذا تزداد قسوة الفراعنة على أبناء شعبنا في هذه السنوات العجاف، وذلك بابتزازهم، واستغلال طاقاتهم التي أتفقنا على إن مصدرها هو إلهنا الواحد " آتون الشمس " الذي يعطي الطاقة للجميع بلا تمييز؟

لماذا نجد عندكم التمييز بين حاكم ومحكوم، بين سيد ومسود، وبين فرعوني وكنعاني؟

كانت تودع فارسها الفتي ّ وعيناها تدمعان وهما معلقتان به، فتجد نفسها تترك بين يديه تلك التحفة النادرة التي أعطتها إياها أمها وهي تمثال " شاباس الشمس " الذي يوحدهما دينيا ً وهي تقول له : " لعل شاباس إله الشمس هذا يذكرك بي ذات يوم " .

يقول الروائي صبحي فحماوي في حوار خارج النص:

" التاريخ المكتوب حاليا ً رسمه الغرب لنا بعد أن أحرقوا مكتبة الأسكندرية التي كانت مستودع كتب العلمية والثقافية والأدبية، وتحوي كل كتب العالم في تلك الأيام، فأزالوا اللغة الهيروغليفية واللغة الكنعانية العربية، ولم يبقوا لنا شيئا ً نستند عليه كمرجع حقيقي للأحداث ثم جاءوا ليرسموا تاريخنا كما يشاؤون بصفة أن المنتصر هو الذي يكتب التاريخ كما يشاء " .

بعد ثلاثة أعوام من ذلك اللقاء اشتد تمرد الممالك الكنعانية على مملكة مصر الفرعونية، فيشاهد القائد الكنعاني " رافائيل " ملك مجدو يقف أمام قادة جيوش الممالك الكنعانية القادمين كل من الممالك الكنعانية، وهم يحملون تابوت العهد الكنعاني وذلك إيمانا ً منهم إن الإله " إل " يرافقهم حيث يمضون، وينصرهم على من يعادون وليكون شعارهم؛ " تقديس الموت بهذا التابوت وهم يدافعون عن الوطن " لمواجهة قوات " أمنحتب الثالث " فرعون مصر، بقيادة ولي العهد " أمنحتب " أخناتون .

كان " رافائيل " ملك مجدو يعطي إبنته الأميرة " إلهام " الحرية الكاملة في إبداء الرأي حول الشؤون المدنية وكذلك المشاركة في التخطيط للمعارك العسكرية للمملكة .

صارت الحرب حقيقة واقعة، إذ تواجه الجيشان وجها ً لوجه، الفرعوني من الجهة البحرية، والكنعاني من جهة السهول المحيطة بمدينة مجدو .. ولبدء المعركة تقدم الأمير "أمنحتب " خطوات الى الأمام وانتظر قليلا ً لظهور من يقابله، فإذا بصبية كنعانية فائقة الجمال من الجيش المقابل تتقدم الى الأمام، بصفتها الممثل المفوض عن جيوش مجدو .. ذهل أفراد الجيشين بهذا التقابل غير المتكافئ، وذلك لكون اللقاء لم يكن عدائيا ً كما كان متوقعا ً إذ قالت له الأميرة " إلهام ":

" إيها الأمير الأمبراطوري " أمنحتب " الذي عرفته يتغنى بالمحبة والإنسانية والسلام؛ كنت قد التقيتك على بحيرة الشاطئ الخليلية قبل ثلاث سنوات، وكنا قد تفاهمنا على أن الحياة على الأرض تعني المحبة والسلام، وأننا سنحقق السلام بين مصر وكنعان، ولكننا على عكس ما توقعت، نلتقي اليوم وجها ً لوجه على سهول مملكة مجدو، بمعارك قد تحرق الأخضر واليابس بين بلدينا، وأنا بمبادرة من نفسي وبالنيابة عن أبي " رافائيل " ملك مجدو وملوك الكنعانيين وقادتهم العسكريين جميعا ً أقترح عليك أن تكون مجدو مملكة لقاء وسلام بدل أن تكون شعلة للحروب والدمار وأن نتقابل منها كإخوة وجيران وأصدقاء ومحبين بدل أن تسيل بيننا الدماء ونبقى نحتل بلادكم هكسوسا ً وتبقون تحتلون بلادنا فراعنة .. ذُهُل القائد الأعلى

" أمنحتب " أخناتون بما يشاهده ويسمعه من هذه الأميرة " إلهام " ثم قال:

" نعم كنا قد اتفقنا على المحبة والسلام، ولكنني قادم على رأس جيش مصر، بصفتي ممثلا ً للإمبراطورية الفرعونية.. فلقد قررت أمامك وأمام هذه الجيوش الجرارة قبول مبادرة السلام هذه، على أن تستبدل كل العلاقات بين الدولتين المصرية والكنعانية عامة، وليست ممالك فلسطين وحدها من استعلاء وعداء، الى سلام ووئام تام " .

وبالمقابل عرض " أمنحتب " عرضه على الملك " رافائيل " توثيق معاهدة رسمية لإرساء سلام ومحبة دائمة بين الفراعنة والكنعانيين كافة، واعتبارهم من هذا اليوم أمة واحدة، ولهذا تبتعد الجيوش عن بعضها، ويسهر " أمنحتب الرابع " أخناتون مدعوا ً من قبل أبيها الملك الكنعاني " رافائيل " على عشاء وسهرة ليقضي ليلة ضيفا ً معززا ًومكرّما ً عندهم وفي الصباح اليوم التالي يقرر خطبة الأميرة الجميلة "إلهام".

لو تأملنا هذه الأحداث وهذه الثورة لوجدنا أن الصراع السياسي على السلطة والصراع الاقتصادي على توسيع النفوذ هو المهيمن على مسيرة الأحداث، وليست المسألة مسألة ديانة أو عقيدة، على الرغم من كون " أمنحتب الرابع " أخناتون كان أميراً سديد الرأي وعادلاً وصائب النظر فيما اتخذ من إصلاح ديني يتمثل في توحيد الآلهة، واعتبار الآلهة الأخرى زائفة، ولكن الطبقة السياسية وأصحاب النفوذ ضربت مصالحهم وثرواتهم ومكانتهم الإجتماعية بعد أن هجر الملك " أمنحتب الرابع " أخناتون طيبة على الرغم مما كان لها من السيادة والأبهة عندما وجد ارتباكها بالتقاليد اللاهوتية القديمة التي كانت أكثر من اللازم، وضعفت الحركة فيها نسبيا، لتكون العاصمة الجديدة " أخت آتون " هي الحداثية البديلة المتطورة .

يتفق مؤرخو " أمنحتب الرابع " أخناتون على أن الكشف الحقيقي لأخناتون وثورته الرائعة تمثلت في فنه وليس في دينه، ففي عهده بدأ الفن يتنازل عن الكلاسيكية وينزع الى الحقيقة السافرة في تصوير طبيعة الأشياء، فتصور الفرعون الى جانب زوجته في جولاتهما معا ًفي دار العبادة، وفي شرفات القصر، وحينما يخرجان للنزهة في عربته، وايضا ً يحيط الغموض بمعظم مراحل حياة أخناتون، نشأته ودوافع ثورته وحقيقة علاقاته الأسرية، نهايته ولعل ذلك ما جعل منه شخصية فنية بامتياز .

بعد السنة الثانية عشرة لحكم أخناتون أخذ الضعف يدب في بنية السلطة ووقع انشقاق في الأسرة نفسها، إذ استطاع الكهنة ذوي التاريخ العريق المتمكن، الضارب جذوره في أرض مصر والمروي بماء النيل استقطاب خاله الانتهازي " آي " الذي خضع لمشيئة كهنة آمون وأضطر بحكمته وذكائه العودة من " أخت آمون " مع زوجته " تاي " للسكن في طيبة وهذا أعطاه الفرصة للتجاوب مع استعدادات الكهنة، ونشاطاتهم للانقلاب على دين أخناتون.. وها هو الزمن يمضي والإمبراطورية المصرية تخسر مواقعها لتنكمش الى دولة صغيرة، وحتى الضرائب المحلية لم تعد تجمع، فأصبحت الخزينة المصرية مقفرة وعمت الفوضى في جميع مناطق البلاد، مما أدى الى حزن الملكة " تيي " الأم كثيرا على هذه التشققات في العائلة الملكية، ولم تستطع لم شملها، فتوفيت في سن الخمسين وذلك بعد اثنى عشر عاما من عهد ولدها أخناتون .. وفي نهاية منظار الزمن نشاهد تحطم أعصاب أخناتون وهو يرى الثورة تندلع في أكثر من موقع من مناطق الإمبراطورية، والأجنحة الخاضعة لها، والقوى التي تناوئه، وتجهر بإسقاطه.. واخيرا ً توفى محطم القلب، ولم يكد يتم الثلاثين من عمره بعد أن أدرك عجزه عن تحقيق آماله بتغيير العلاقات الإنسانية على وجه الأرض .. قتل الإنسان الذي انبثق من وسط الفساد نقيا ً طاهرا ً حالما ً بتحقيق جنة على الأرض .

وأما " نيفرتيتي"، الملكة الساحرة الفاتنة رقيقة الملامح والتي عاصرت حقبة زمنية من أكثر الحقب المصرية غموضا ً والتباسا ً، فقد أحاط الغموض بكل تفاصيل حياتها بل وحتى مماتها بعد أن عم ّ الحزن حياتهما، فانتهت بالبعد والهجر المقيت، وتناسى المحبان ما كان بينهما من عشق، فبلغ الشقاق بينهما مداه، وانعزلت " في قصر بشمال " أخت آتون " بمفردها، وقد انتابها الحزن العميق وهي تسمع بنبأ مقتل زوجها بعد المؤامرة التي تعرض لها، وبعد فترة من الزمن لحقت بإخناتون ولم يعرف حتى هذه اللحظة كيفية موتها ولا مكان دفنها ولا حتى سنة وفاتها،وقد عثر على تمثالها النصفي الذي تم اكتشافه عام 1912 م والذي يعرض حاليا ً بمتحف برلين الجديد بألمانيا .

هذه هي رواية " أخناتون ونفرتيتي الكنعانية " للروائي صبحي فحماوي والتي تم تسليط الضوء على الرؤيا التاريخية لحقبة سيطرة مصر الفرعونية على بلاد كنعان، ومستعينا ً بأعذ ب ما جادت به لغة عصره لحضارة كانت ثمرة اختمار تجارب إنسانية، تأسست على الحب، هذا الحب الذي ظل محفزا ً لابتكار أساطير عديدة وأشعار وأدبيات وفنون بلورت أقرب لمشاعر المصري القديم بمختلف المفردات والصور البلاغية .

 

بقلم : توفيق الشيخ حسين.

...................

** رواية أخناتون ونيفرتيتي الكنعانية / الروائي صبحي فحماوي / الدار الأهلية للطباعة والنشر / بيروت / عمّان / شباط 2020 .

 

 

حيدر عبدالرضاخصوصية الذات بين شعرية الاغتراب ومراهنة الحضور الشعري

توطئة: أن عملية تعيين محاور حالات الأشياء في دلالات مجموعة (امرأة من كرزٍ وعسل) للشاعرة الأديبة ذكرى لعيبي، تقتضيها نوازع خاصة، من الشد الاستقرائي الكامن في موضوعة وقصدية (شعرية الذات) وهذا الأمر بدوره ما جعلنا نقرأ عينات الانماذج الشعرية في تجربة المجموعة، على أنها جملة تشخيصات ذواتية نادرة في تمويل استعدادات المقاصد القولية إلى أقصى أطراف حدود الإشادة المائزة بنوعية وظيفة الدال الأنثوي في شواغل القصيدة، والذي راح من جهة ما يؤسطر ثيماته الاغترابية في مواضع خاصة من الوجود الآنوي المقترن بمسميات تتعلق ومواطن الأسمى من فقرات وجوده المتحقق أو اللامتحقق.

ـ أطروحة الأنموذج النصي ومقاربة رثاء الذات

أن المواقف الدوالية في مجموعة الشاعرة، يمكننا وضعها في خصوصية الذات عبر حالاتها المنجذبة إلى أحياز وجدانية من خاصية الانطباع القولي المتصل ومقاصد دلالة الأشياء العينية من الإزاحة والاستعارة الشعرية . فهي من خلال قصيدة (يكتبني قدري قصيدة) تتجاذبها موضوعة الشكل البوحي في مدار وظيفة دوال من المفقودية والانتزاع واغتراب جدية الاستقراء في حساسية الموضع والحالة البوحية:

صغيرةٌ أحلامي

بحجمِ لُعبة وقطعة حلوى

يكتُبني قدري قصيدةً

أو

حكايةً

أو

نجمةً ضائعةً تلحقُ

بركب بنات نعش

و أنت هناك

(تضرب في تخت الرملِ والمندل)

و تسأل:

أتُحبني ؟ . ص7/ص8

وبهذا المسعى ذاته من الشاعرة قد لا ينتهي بمواجهة هوية الأنا المتكلمة، وهي تطرح انفعالاتها البوحية عبر وعيها الانطباعي المكون من جملة دلالة (صغيرة أحلامي) وجملة (بحجم لعبة وقطعة حلوى) بل إنها تفرض لذاتها إمكانية تأثيرية خاصة من محددات الإيقاظ الزمني برمزية الحس التوصيفي التوقعي  (يكتبني قدري قصيدة) وبين ما يمكن أن تكون عليه فكرة التعدد والملازمة الاحتمالية بالمضاف القولي الممكن (أو حكاية .. أو نجمة ضائعة) إذ يبدو هذا التوصيف الأخير من جهة ما، بمثابة الإقرار في لحظة المزاولة التي لا تسعى الأنا الشاعرة نحو تجاوزها، بل أنها تستكملها في مسار معادلة دوال (الضياع ـ التيه ـ الاغتراب الذاتي) وصولا إلى دليل جملة (بركب بنات نعش) كعلاقة دلالية مجسدة بملامح البوح المستعار بروح الأمثولة الشعرية .. وفيما يتعلق بإجرائية إنبثاق ذلك الآخر من صلب دلالة الخطاب المرسل، تحفزنا الأداة الرسومية في مسار جمل (وأنت هناك ـ تضرب في تخت الرمل والمندل .. وتسأل: أتحبني ؟) يبدو أن الغرض من وراء هذه العملية (تخت ـ الرمل ـ المندل) هي لمعرفة الطالع أو طوالع النصيب من أفق غيب الاحتمال، ولكن السؤال والمساءلة ذاتها تحفظها كفاءة الفاعل الشعري، وبمقتضى مخصوصية مغايرة من دليل وعلامة القول في الجمل اللاحقة من القصيدة:

و أعُيد من خلفِ جدار

الخوفِ!

ذات السؤال:

أيحبُّني؟

و يخطفني التيه ليُعلمني

أني:

حبيبةُ الأرضِ والورد

يمامةُ عشق

تطير

بلا انتهاءْ ! . ص9

يبقى أن نفهم بأن موجهات الأنا الشاعرة، ما هي إلا نواة في صيغة دلالات تغدو أكثر انطلاقا من إحادية موضوعة عشقها الأسير أو الواهن، لذا نجدها تحقق انفتاحها في مواضع مرتبطة بدلالات وكنية (حبية الأرض) أو (يمامة عشق) أو إنها تحفز ذاتها في العدول بمواضعات خالصة من الفعل التكويني الممسرح في فضاء البوح (تطير .. بلا انتهاء) أما الحال في موضوعة قصيدة (يا غريبة) وقصيدة (لا تطيل الغياب)فالأمر من خلالهما راح يتعدى سياق البوح المحدد ليدخل بدوال صراعية مع الزمن والظرف وقيمة حالة الفقدان المركز في وظيفة مرثية الذات الشعرية:

ليتني أمسكُ

بجناح الوقتِ

أقتنصُ سنيني الواهنات

و أركنُها خلفَ الروح .ص13: قصيدة: لا تطيل الغياب

الشاعرة تسعى هنا إلى تسخير جل طاقاتها العمرية المهدورة في الماقبل والمابعد، في سبيل خلق تلك الكيفية المتمثلة بإبقاء سنواتها العمرية عبر جملة (أركنها خلف الروح) الروح هنا تتمسك بما تبقى من أحلام الشاعرة وسعاداتها المرهونة بنقلها القسري في دال (ليتني ـ أمسك) افتقارا إلى ذلك الواهن الزمني الذي لن يتكرر في رجوعاته مجددا عبر دال المراقبة (اقتنص):

أرتبُ أيامي الباقيات

يوماً، يوماً

أجدلُها مع ضفائرِ الزنبق

وأزينُها بشرائط ملونة

مثل فراشاتِ

حقولنا الجنوبية

وأرسمُ على كل يوم

حرفا من اسمك، /ص13

أن الصورة الزمنية المتبقية من حلم سنوات الشاعرة، أخذ ينفتح كأيقونة على ذاته وصولا إلى أفق صورية الأشياء ليمنحنا مقاربة القول كبديلا مصورا من طقوسية المعايشة الموصوفة في جملة (أرتب أيامي الباقيات) فيما تنفرد الأنا الشاعرة في احصاء جدول أيامها وساعاتها، بذلك التركيز الفرزي القاهر (يوما، يوما) ويتداخل الأنموذج الآنوي في معاينة أفق المعطى بقابلية الحلم (أجدلها مع ضفائر الزنبق .. وأزينها بشرائط ملونة) وتحيل الاداة الشعرية مستوى قولها إلى دلالات تماثلية خاصة من مساحة وظيفة المشبه والمشبه به، استنادا إلى تناوبية تداخل الفاعل بذاته عبر محاور العين المصورة (مثل فراشات .. حقولنا الجنوبية) وبعد أن تبلغ الدوال مبلغها المؤثر، تدركنا تواصلية الأنا مع جهة ذلك الآخر من الداخل في مضمر قلب الشاعرة (وأرسم على كل يوم .. حرفا من أسمك) ويوغل النداء الأخير في صوت القصيدة وكأنه المعطى الوجودي الأبدي القابع في رحم الغياب (ثم أناديك: لا تطل الغياب) .

ـ الذات الإشكالية بين دوامة الوجع الاغترابي وقلق العاطفة

تكشف لنا دلالات قصيدة (لست بشاعرة) عن حيوية إشكالية الذات في ظل مؤثرات شجون العاطفة الشعرية . فالشاعرة أرادت من وراء قصيدتها هذه، الاستحواذ على ذلك الراهن الاحوالي المتكون من ثنائية صراع (الخارج / الداخل) إذ يكشف لنا حال الدوال في صيغة متن النص، عن موجهات موجعة، ولكنها تزعم لذاتها في الوقت نفسه روح المكابرة والمغالبة والتصبر إزاء ذلك المدجج بثياب الفعل واليقين من جدوى امتثالها إليه آجلا أو عاجلا:

يا أميرُ ..

لستُ بشاعرةْ

أو

شهرازد تلك التي

تبُهجُها المغامرةْ

يمامةٌ من بلادِ الرافدينِ

أنا

تسمرّتْ في مشهدِ الحائرةْ

لستُ مفتونةً بنظرتِكَ

الآسرة . / ص14

تقودنا مقاطع النص ومنذ ثريا عنونتها (لست بشاعرة) نحو حالة متدبرة من الغواية المقصودة، التي من شأنها حسن التصرف بمواضع القبول أو الإدعاء أو المخادعة من جهة ذلك الآخر . فالذات الشاعرة ينتهي بها الحال إلى الإقرار بأستحواذية ذلك الآخر على حكاية قلبها، وهي في كل مراسم مقاطع قصيدتها، أنما تمارس حالة من إبقاء ذاتها في منطقة زعم اللاتوقع أو التشاغل بسفرها نحو دلالة (الحائرة) لتتضح لنا بأنها مأخوذة بألف شهرزاد، كونها مرتبطة بدلالة جمل (ولكنك القيد والآصرة .. أنت النشيج .. أنت الدمع .. وكنت النشيد .. وكنت الجموع) هكذا وجدنا أغلب قصائد مجموعة الشاعرة بأستثناء قصيدة (أنهم شهداء) وقصيدة (مالي سواك) وقصيدة (كلانا وطن) وقصيدة (توسد ضلعي يا وطن)  وقصيدة (سأعود يا وطن) وقصيدة (ذاكرتي حبلى بك) .

ـ تعليق القراءة:

لاشك أن مجموعة قصائد (امرأة من كرزٍ وعسل) من التجارب الشعرية النسوية المؤثرة في شرائط مصوراتها وفاعلية مداليلها وتضاعيف موضوعتها الشعرية الواثقة، بل أنها أنشودة من فضاءات العشق والحيرة والترقب والالتباس والحنين إلى مرابع ظلمات الوطن، وعلى النحو الذي تضع قارئها في أسمى علاقات الابعاد الاستعارية والمجازية الموفقة، وإضافة المزيد من التشوف والشغف إلى احتواء لغتها الشعرية بأشد لوازم جمالية اللفظ والملفوظ:

جاء الزنجُ

فأرسَوْا سفائنهم

قريب جيكور

عند بويب!

عند الشناشيل

و أرسلَ صاحبُ السيفِ والصولجان

بطاقةَ عهدٍ

تسلمها شاعرُ الماء،

حتى بكتْ

قصائدُه كنشيجِ المطر

" مطر

مطر

مطر

وفي العراق ضيم ! " / ص110 / قصيدة: الزنج .. ثانية

و أمام هذه المقاطع من المحاكاة والتداخل والتناص، تتوغل فينا القابلية الاستفهامية القرائية، بذلك القدر من فضاء السؤال والإدانة والشجب، إلى ما آل إليه حال البلاد، فيما تبقى دلالات القصيدة تشكل بذاتها بؤرة مركزة لالتقاط حجم حقيقة المعنى الكامن في كينونة قصيدة جدل الواقع والمتخيل، تتابعا نحو موجودات فاعلية مجسات الانفتاح لدى الذائقة الشعرية نحو أدق الدلالات الكشوفية الحاذقة . ومن هنا لا نملك سوى القول ختاما بأن تجربة مجموعة الشاعرة والقاصة ذكرى لعيبي، جاءتنا كانعطافة نوعية في توظيف موضوعة المنفى والعشق لذلك الآخر في مواطن الاغتراب والقلق عبر صيغة عاطفة الابتعاد عن الأوطان .. وهذه الثيمات بدورها ما راحت تشكل في مجموعة الشاعرة ذلك التوالد الكيفي الخاص والمختزل من مسار خصوصية الذات الشعرية بين حسية الاغتراب ومراهنة حضورها الشعري الثمين .

 

حيدر عبد الرضا

 

احمد فاضلعندما يذوي النص الشعري السردي في أُتون اللغة .

في أحدث ما كتبته الشاعرة التونسية خيرة مباركي "عطش العنادل"، لم أكن أتوقع بقاء عنوان قصيدتها يتردد صداه في ذاكرتي، حتى مع انتهاء  قراءتي  لها، دهشة، وحزن، وصدمة، وإعجاب، وهذا العندليب الذي قصدته  طائر صغير الحجم، يظهر في  أيام  الربيع، وغناؤه مثلٌ يُضرب في الملاحة والطيب، لكنه هنا يستغيث بعد تمهيدة الشاعرة التي خاطبت القمر – المخاطبة هنا قد تعني امرأة أخرى -، باثة حزنها، في ليلة ظلماء إلا من بياضه:

تماهياً في غواية البياضِ..

أرحْني

ياااااا أيها القمر المدّثّرُ بهيبةِ الثلجِ..

فهذا القلبُ تجّمدَ

والروحُ تحرث مساماته

بصمتِ النارِ ..

اليوم أتممتُ عليكَ نعمتِي

وأغدقتُ عليكَ الصبرَ

القصيدة، بحركتها السلسة المكونة من خطوط بثلاثة وأربع إيقاعات وتحولات  رائعة  بين القافية المفردة والقافية الكاملة، حافظت على تماهيها – معنى  وصورة – كما يوحي السطر الافتتاحي والسطور الأخرى لها:

هذا نجْمي يَسْري بأعيُن النّدى .

يرصُد خسوفك

ويرقبُ استحالتكَ

من الشُّرفة الموقُوتَة

ينقُشُه خَارطَة عُمُر ..

ويمضي

على جَديلَة غيْمَة منْسيّة ..

يبدو أن هذه المقاطع تأخذ معنى أكبر، وتمتد خارج صورة القمر الذي بدأت به مفتتح القصيدة، حيث الذات المعاتبة الماضية ك – غيمة منسية:

لم تألف سرّ وداعَ الفُصُولِ..

ولم تُنازِع غرُورَ الحَرائقِ

التي تشتهيني ..

لا شيء يُشبِه نقراتَ إسمِكَ

وهو يُنرْجِسُني فِي عزِّ الخُشُوعِ ؟!

يتموّجُ على لوْحي المحْفُوظْ ..

يكتبني سفرا سرمديَّ الغوَى

وأنا التي خبأته عن أعيُنِ الحُور

غنيمةً يرَفْرفُ النّبض لأثيرِها

حتّى الوجعْ !!!

بلى ..

وجعك دونما شفاءْ !!

1865 خيرة مباركي

هذه  المعاتبة  – المجروحة – في  سطورها  اللافتة  للنظر (وداع الفصول، غرور الحرائق، حتى الوجع، بلى، هذا الحرف الذي استخدمته  مباركي هنا جواب  للتصديق، فجعلته إثباتاً ل وجعك دونما شفاء)، تكاد تكون – أي المعاتبة – مؤذية لذكرى مروعة وبقايا قاتمة:

ياااااااااأنتَ ..

يا أقسَى الرّاحِلينَ في دَمِي ..

كأنك لستَ منّي ..

الرّعْدُ يعبثُ بأشْرِعتي

ما بَقِيَ غيْرُ سينِ تنْفيسٍ تتَلاطَم

على المساءات الحائرة،

نكَسَتْ هَامتَها بصمْتِ الدُّجَى ..

تُرَى هلْ يسْتيْقِظُ اليَاسَمينُ

في قَلْبٍ تداعى لهيبُه

ذاتَ شِتاءٍ بَاردٍ

الصوت هنا مقتضب ومباشر وغريب أحياناً وجذاب، فيه وقفات للذات، استخدمت مباركي فيه تقانات السردية الشعرية التي تستعير من القصيدة وسائل عملها وآثارها، حيث يأخذ تحليلها  بعين الاعتبار كلا من تقنيات وصف الرواية وتلك الخاصة بالقصيدة، فالسرد الشعري هي ظاهرة انتقال بين الرواية والقصيدة، هذا هو التعريف الذي قدمه الكاتب الفرنسي جان إيف تاديه، لهذا النوع الهجين، في الواقع، إذ بدت القصة الشعرية وكأنها تتأرجح بين جميع أبياتها، فيجب التأكيد على أنها تعطي مكان الصدارة للوصف والبعد الشعري، حيث تتمحور طريقة الكتابة حول الوسائل وليس على الغايات، وبالتالي فهي تتميز بخصوصية إيلاء أهمية كبيرة للمناظر الطبيعية، وهي المناظر التي تفكر فيها الشخصية، والتي تسمح لنفسها بالاستيعاب (بكل معاني المصطلح)، وهو المنظر الطبيعي الذي سيصبح موضوع رغبتها .

هذا هو الجانب الذي يلفت الانتباه هنا قبل كل شيء، والذي يدفعنا إلى تعميق هذا النهج تجاه النصوص، وإعادة فحص ما يشكل، في رأينا، جوهر هذا النوع من القصص: البحث عن الفضاء، إنها إذن مسألة إظهار كيف أن السرد الشعري، المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمسارات المكانية للشخصيات، ينتج مساحة خاصة به، والتي تحددها وتعرفها .

وقبل أن تغلق باب - شرفتها الموقوتة -، تستعر الكلمات في قلب الذات الأنثوية لتقول له:

وعَطَش العَنادِلِ

يروي صُراخِ اللائلين؟؟؟؟!!!!!ْ

هَذا الحنينُ أتقنتُ صحبته مُكَابرَةً

وللدّمعِ سقوطٌ آخَر

في جموعِ المُتسَاقِطِين..

وهذِه فديتِي أدْفعُها سذاجةً..

تُرَى هلْ يسْتيْقِظُ اليَاسَمينُ

في قَلْبٍ أكل جمارَهُ

ذاتَ شِتاءٍ قارصٍ

وتهاوى برحيل العَنادِلِ

في لهاثٍ أليل؟؟؟؟!!!!!ْ

إنها أبيات قوية وحادة لأنها توجه أعيننا وآذاننا وعقولنا إلى حجم الألم الذي تشعر به الذات الأنثوية تجاه الرجل – زوج، حبيب -، مباركي هنا تلعب بالشكل وتوظف المساحة وعلامات الترقيم والتكرار بطرق تجبرنا على إعادة التفكير في اللغة التي أمامنا، كيف تبدو وكيف تعمل، وماذا تعني حقاً، وكيف يتردد صدى هذا المعنى من خلال كل واحد منا، إنها تستخدم القوافي المرئية والسمعية التي تجبر القارئ على التعامل مع هذا النص الشعري وتمييزه داخل مكامن نفوسنا، من يعاني ؟، ومن يحزن ؟، ومن هو مذنب ؟

نحن محظوظون لأن لدينا نص غير محايد يمكننا من خلاله إعادة فحص ذواتنا، والنظر بعيون واضحة إلى الحاضر ونحو مستقبل قادم، لم يتم تشكيله بالكامل بعد، أو كما لو كانت مباركي  تضع  تحديها في مسرحية من فصل واحد:

" إنشاء عالم خال مما تعيشه الأنثى من قهر الرجال "، وحتى تبقى العنادل مغردة غير عطشى:

هل أدقُّ أجْراسَ الهَوَى علَى

عتَباتِ عَيْنيْكَ ..

أمْ أهُبُ عاصفةً تمسَحُ كُلَّ

التّوارِيخِ

وتُزيلُ سِجِلاّت زُليْخة بجنُونِ

ليْلَى ؟؟؟

لا شيءَ منْ شيءٍ ..

لكُمْ هجْرُكمْ ولي كِبرِيائي .

***

كتابة / أحمد فاضل

....................

للاطلاع على نص الشاعرة في صحيفة المثقف

عطش العنادل / خيرة مباركي

 

يادكار لطيف الشهرزوديشهد الفكر الإنساني، والحركة الأدبية العالمية تحولات كبيرة مع نشأة الفن القصصي منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وازداد هذا التحول أهمية، فشكّل انعطافة فكرية وثقافية وأدبية مؤثرة مع نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، حيث ميلاد الرواية والقصة القصيرة، إذ أسهمت الرواية والفن القصصي على نحو عام إسهاماً كبيراً في تغيير العقلية الأوروبية، وبناء الإنسان، وتغيير ضمير العالم المتمدِّن، إذ إنّ ثورة الخيال هي التي غيّرت أوروبا - حسب قول (كولن ولسن) - وليست الثورة الصناعية ولا الثورة الفرنسية، إذ لم يحدث أي شيء في أوروبا يمتاز بالثورية التامة إلى حوالي سنة 1740. وقد مثّلت الرواية بعداً جديداً في الحرية الإنسانية.

وقد رافقت هذا التحوّل في المجال الأدبي، تحولات أبرز في مجال نقد الرواية، بدءاً بالنقد الروائي الكلاسيكي متزامناً مع ظهور مدرسة النقد الجديد، ومروراً بميلاد السردية على يد توردورف وجينيت تحت تأثير لسانيات سوسير وجهود الشكلانيين الروس والبنيوية، وانتهاء بالسرديات المعاصرة التي تأثرت بمبادئ ما بعد الحداثة، والمناهج ما بعد البنيوية، وفي مقدمتها السيميولوجيا والنقد الثقافي والتفكيكية ونظريات التلقي. فأصبحت القراءة النقدية الحديثة حواراً بين المتلقي والنص، ويتم هذا الحوار عبر وجود فراغات نصية، تستدعي مشاركة القارئ من أجل ملئها والتواصل بفاعلية معها، ويعد رصد الخطابات المضمرة، وإلقاء الضوء عليها، سمة أساسية من سمات هذا التواصل والتفاعل، وعن طريق الاشتغال على هذه الأبعاد الغائبة، وإبرازها، يحقق النص وجوده، ويثبت القارئ في الوقت نفسه جدارته وتكون قراءته قراءة منتجة.

لا تكمن أهمية السرديات ومدياتها النقدية في الاشتغال على الأدب ولا سيما الرواية وفن القصة، والمسرحية، حسب، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحياة الإنسان المعاصر وهمومه ومشاكله وتطلعاته، وذلك تزامناً مع التطورات الكبيرة التي شهدها الوعي الإنساني تجاه ذاته وقضاياه وأبعاده الوجودية والاجتماعية. ويرى الدارسون أنّ السرد ليس مجرد شكل أو طراز أدبي، بل هو مقولة معرفية أساسية، إذ لا يقدم الواقع نفسه للذهن الإنساني إلاّ على شكل قصص، وأنّ الزمن يبقى عصياً على الفهم ومستغلقاً من دون اللجوء إليه وإلى الكتابة التاريخية، كما يذهب إلى ذلك بول ريكور. فالرواية – حسب قول الفيلسوف الفرنسي المعاصر ريجيس دوبريه - أكثر إخلاصاً للواقع وقرباً منه لأنّ الواقع مرتبك ومحيّر. ويذهب المفكر والناقد (إدوارد سعيد) في كتابه (الثقافة والإمبريالية) إلى أنّ الرواية كانت عظيمة الأهمية في صياغة وجهات النظر، والإشكالات، والتجارب الإمبريالية، وغدت القصص – في الوقت نفسه - الوسيلة التي تستخدمها الشعوب المستعمَرة لتأكيد هويتها الخاصة، ووجود تاريخها الخاص؛ والأمم هي ذاتها سرديات ومرويات. وإنّ القوة على ممارسة السرد، أو على منع سرديات أخرى من أن تتكون وتبزغ، لكبيرة الأهمية فيما يتعلق بالثقافة والثقافة الإمبريالية. وإنّ هذا التداخل بين السرد والحياة ليس أمراً طارئاً على الأدب والنقد الأدبي، إذ نجد تبادلاً مشتركاً للتأثير والتأثر بين الأدب والنقد الأدبي مع الحقول المعرفية الفكرية والفلسفية منذ عهد الإغريق، كما يشهد بذلك كتاب (فن الشعر) لأرسطو، الذي استنبط أسس وقواعد الأدب من مسرحيات سوفوكليس على نحو كبير، وأخذ التبادل المعرفي بين المجالين منحى جديداً مع ظهور مدرسة التحليل النفسي على يد فرويد، الذي عكف على قراءة سوفوكليس، واستنبط من مسرحيته (أوديب ملكاً) عقدة أوديب، ثم شهد هذا الأخذ والتبني من مجال الفلسفة والسرد إلى مجال النقد الشعري والسردي، تطورات موحية جديدة، على هدي تداخل الفنون والأجناس الأدبية، وشفافية الحدود بين الفلسفة وعلوم الاجتماع والنقد الأدبي، ما يعني أن النقد الأدبي ولا سيما النقد السردي كان منفتحاً منذ زمن طويل تجاه حقول معرفية مختلفة، وميادين علمية متعددة، فإن لم يفعل ذلك ولم يتغذ النقد الأدبي، ومعه النقد السردي من معطيات الإنجازات المعرفية المتعددة، والابتكارات العلمية المستمرة، فإنّه يجف ويبذل، كما يشير إلى ذلك النقاد والفلاسفة المعاصرون.

إنّ السردية أو علم السرد Narratology هو دراسة القصص واستنباط الأسس التي يقوم عليها وما يتعلق بذلك من نظم تحكم إنتاجه وتلقيه. ويعد علم السرد أحد تفريعات البنيوية الشكلانية كما تبلورت في دراسات كلود ليفي – ستراوس، ثم تنامى هذا الحقل في أعمال دارسين بنيويين آخرين، منهم البلغاري تزفيتان تودورف Tzvetan Todorv، الذي يعده البعض أول من استعمل مصطلح (السردية Narrtology). ويشير الباحثون في هذا الصدد إلى أنّ علم السرد بدأ بالتشكل "بصفته علماً له قواعد وأصول في عام 1966، العام الذي أصدرت فيه الصحافة الفرنسية (تواصل) عدداً خاصاً بعنوان التحليل البنائي للسرد، أما مصطلح علم السرد فقد نحت بعد ذلك بثلاثة أعوام، من قبل أحد المساهمين في العدد الخاص: تزفتان تودوروف 1969"(1).

ومع صدور كتاب (خطاب الحكاية – 1972) لـ (جيرار جينيت) وجدنا أنفسنا أمام تقديم علمي لنظرية متكاملة للسرد. فهو ينطلق من قراءة التصورات السابقة كلها، ومن خلال نقده إياها يقدم مشروعاً منسجماً مع ما سبق، وتكامل المشروع مع جهود الفرنسي ألغراد جوليان غريماس، والأمريكي جيرالد برنس(2).

تسعى السردية إلى كبح جماح النزعة التفسيرية في قراءة النصوص، كما كان يحدث كثيراً في النقد الأدبي. فبدلاً من تفسير النصوص؛ يسعى علم السرد إلى استخراج القوانين التي تمنح النص ما يجده المفسر من دلالات (3). فأصبحت السردية علماً معترفاً به بوصفها مبحثاً متخصصاً في دراسة المظاهر السردية للنصوص السردية، ففيه تثبيت لمفهوم السرد، وتنظيم لحدوده(4).

والسردية أساساً تبحث في السرد بوصفه جنساً أدبياً، كما تبحث كذلك في استنباط القواعد الداخلية للأجناس السردية، واستخراج النظم التي تحكمها وتوجّه أبنيتها، وتحدّد خصائصها وسماتها، فهي المبحث النقدي الذي يعنى بمظاهر الخطاب السردي، أسلوباً وبناءً ودلالة، وهو يصف المتغيرات والثوابت والتركيبات الأنموذجية للسرد، كما يوضح كيفية ارتباط هذه السمات للنصوص السردية داخل إطار النماذج النظرية(5).

وقد أدّى التطور الحاصل على أوجه الخطاب السردي، إلى تبلور اتجاهين سرديين أساسين؛ أوّلهما: السيميائيات السردية أو سيميولوجيا السرد، وثانيهما: السرديات أو السردية اللسانية(6). أمّا المتون أو النصوص التي يشتغل بها الاتجاهان فهي حافلة بالاختلافات القائمة بينهما، وفيما يخص السرديات السيميائية – بوجه عام – فهي تشتغل إمّا بالحكايات البسيطة أو الأساطير، وإمّا بالقصص القصيرة، ثم توسعت دائرة اهتماماتها بالحقول المعرفية البشرية المختلفة المتعددة، لهذا قد يسمّى هذا الاتجاه بـ(السردية التوسيعية) التي تطلّعت إلى إنتاج هياكل عامة، توجّه عمل مكونات البنية السردية، من أجل توليد نماذج شبه متماثلة، على غرار التوليد اللغوي في اللسانيات(7). أما السردية اللسانية فينصبّ اهتمامها أكثر على الروايات ذات الخصوصية الفنية(8)، كما نجد ذلك في بحوث تودورف، وجينيت، التي تستوعب مظاهر الخطاب السردي كلّه، وتسعى إلى إخضاع الخطاب لقواعد محددة بغية إقامة أنظمة دقيقة تضبط اتجاهات الأفعال السردية، وقد يسمّى هذا الاتجاه بـ(السردية الحصرية) (9). ويدلّ وجود هذه التفصيلات في مستوى المتن ومستوى الخطاب السردي، أن النصوص القصصية والروائية "لا تحدد فقط بمضمونها، ولكن أيضاً بالشكل أو بالطريقة التي يقدّم بها ذلك المضمون"(10). تأسيساً على ذلك، ومن أجل تطوير مجالات السردية، يسعى بعض السرديين أمثال (شاتمان Chatman) 1978 وجيرالد برنس Gerald Prince (1982) إلى الجمع بين هذين الاتجاهين الذين يعرفان باتجاه (الماذا) واتجاه (الكيف) أو ماذا يسرد وكيف يسرد(11).

 

يادكار لطيف الشهرزوري

جامعة صلاح الدين أربيل

....................................

(1) علم السرد - مدخل إلى نظرية السرد، يان مانفيد، ت: أمالي أبو رحمة: 51 .

(2) م.ن: 51 .

(3) دليل الناقد الأدبي: 103 - 105.

(4) ينظر القاموس الموسوعي الجديد الجديد لعلوم اللسان، أوزوالد ديكرو وجان ماري سشايفر، ت: د.منذر عيّاشي: 29. وينظر السرديات، كريستيان إنجل وجان إيرمان، ضمن كتاب نظرية السرد من وجهة النظر إلى التبئير، ت: ناجي مصطفى: 97.

(5) مدخل إلى علم السرد: 25.

(6) ينظر القاموس الموسوعي الجديد: 29. وينظر السرديات، كريستيان إنجل وجان إيرمان، ضمن كتاب نظرية السرد من وجهة النظر إلى التبئير: 97. وقال الراوي- البنيات الحكائية في السيرة الشعبية، سعيد يقطين: 13-14، وموسوعة السرد العربي، د. عبدالله إبراهيم: 7 - 8.

(7) ينظر موسوعة السرد العربي: 8.

(8) ينظر الكلام والخبر، مقدمة للسرد العربي، سعيد يقطين: 29 - 30.

(9) ينظر موسوعة السرد العربي: 8.

(10) ينظر بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، د.حميد لحمداني:45 - 46

(11) ينظر دليل الناقد الأدبي: 105، والسرديات ضمن كتاب نظرية السرد: 97.

 

حيدر عبدالرضامؤشرات الشخوص ومضمرات التبئير السردي

  الفصل الثاني ـ المبحث (3)

توطئة: تتباين وتتفاوت مضمرات التبئير في مسار وظائف دلالات رواية (سيدات زحل) من حيث الأهمية واللاأهمية في مواقع السرد، لذا نجد الأبعاد التبئيرية غالبا ما تحدث من خلال منظور الراوي المشارك في النص، فيما تظل هناك غائية تبئيرية مضمرة داخليا بهواجس الراوي بالشخصية أو بالحكاية بصفة مجملة، وبمقابل نواجه بين هذا وذاك، حالة تبئيرية تضم الراوي والشخصوص في المحكي معا . وانطلاقا من هذه الحدود نعاين آليات الفاعل وموضوع الفعل في علاقة محور التبئير، حيث يظل التبئير محكوما في حدود مؤشرات بنى شخوصية (داخلية / خارجية) من فاعل التبئير المصدر من قبل جهة الراوي المشارك في الرواية، وهذا الأمر ببساطة هو ما وجدناه مؤثرا في محكيات رواية (سيدات زحل) أي أن الفاعل المبئر بمعرفة الشخوص وفرض أصواتها في الحكي المسرود، كان مكرسا بموجب عائدية (الراوي المشارك) حيث تكون مجموعة الشخوص في الرواية استتباعا عضويا إلى صوت أو حركة أو حكي الراوي نفسه، لذا فأننا وجدنا أغلب صياغات العوامل الخارجية والداخلية من محاور عاملية الشخوص، تحكمها آليات الراوي المهيمن والمسيطر على جملة تبئيرات واقع المحاور الشخوصية في الراوية . 

ـ الراوي تشكيلا متعدد الأدوار .

تسعى الروائية لطفية الدليمي، إلى جعل ساردتها المشاركة ـ حياة البابلي ـ بمثابة الصورة المصغرة من مرجعية (أنا المؤلف) ومخططات المعادلة التأليفية في غضون لحظات واقع السرد الروائي . فحياة البابلي هي علاقة وعملية تواصلية لا تخلو من صورة لطفية الدليمي حيث تشعرنا الساردة المشاركة في أحداث النص، وكأنها حقيقة واردة من محتملات شخصية المؤلف ذاته خارج الرواية أو داخلها، وهذا الأمر بدوره ما أصبحنا نتداول نكهته ومنذ الفصول الأولى من زمن الرواية .

1ـ عاملية الراوي ومؤولات الشخوص في الرواية:

تحتضن الشخصية الروائية في مدار اشارات وعلامات خصائصها في الحكي، من قبل قراءة (الراوي المشارك / المؤلف الضمني) إقترانا بالفعل نفسه من محكيات حكاية الساردة المشاركة حياة البابلي . فيما تبقى الأدوار الشخوصية في المسرود المتبنى من قبل جهة الساردة، كحالة منسجمة عبر منظومة الفواعل المتحركة والمصورة من قبل حكاية المسرود الاشاري أو الإيحائي أو العرضي أو الحدثي، وعلى هذا الأساس تتحدد خلاصة الأدوار العاملية بمقترح النموذج المطروح بوظيفته الإنجازية وبموقعيته الفاعلة في المرسل إليه من كفاءة السرد والعرض الروائي، كما هو الحال الحاصل في (كراسة 5) من فقرات أحداث الرواية: (لا شيء حقيقي سوى الفجر الذي ينهمر بغتة على المدينة، يترع جسدي بالنور قبل الشروق فأراه معي، أرانا مختبئين من رصاص القتلة في غيضة نخل، يحيطني بذراعيه فتتلاشى رعشة الرعب التي شلت أطرافي، يقبل عنقي ويدي وعندما تفيض شهوته، يكبحها احتراما لألمي يهمس لي: ـ أهدأي، لن نموت الآن، أنا معك، تماسكي، سننجو وآخذك من هنا . / ص79: برسكا برنار ـ الكراسة 5: الرواية) تكون في هذا النوع من التبئير الداخلي، معرفة السارد المشارك، حيث بؤرة الذاكرة والإدراك الذي يقع خارج أفق معرفة الشخصية، ولكن حالة المبئر هنا هي الراوي الذي يحمل امتيازات محاور الرؤية والفكرة، وحتى مشاعر الشخصية في ذلك الاسترجاع الإيهامي من التخييل لدى الشخصية الراوية حياة البابلي، ويمكننا معاينة التبئير الخارجي، كحالة مقاربة إلى التبئير الداخلي الذي يجمع الشخصية بالشخصية الساردة: (منذ يومين وبرسكا برنار الصحفية الفرنسية تقيم عندنا، ليس عندي أو عند راوية أو منار بل في بيتنا، بيت النساء . / ص80)و تظهر نوازع هيمنة السارد الشخصية في فقرات ووحدات فصول الرواية، انطلاقا من طريقة وظيفة الوصف والإحاطة المتوخاة بالادوار الشخوصية الكامنة في محاور السرد (أماكن ـ أزمنة ـ ذكريات ـ أقدار ـ موت) وقريبا من هذا، نلاحظ كيفية نمو جملة العلاقات الشخوصية في النص، اعتمادا على موقعية الراوي المشارك نحو طريقة خاصة من آلية الخطاب المباشر من الراوي ذاته: (نسير في شارع دمشق، معهد الفنون الجميلة، المعهد مهجور، التماثيل حطمت وشوهت اللوحات الجدارية وعن يميننا متنزه الزوراء الذي أغلقوه قبل الحرب، أحترقت بعض أشجار اليوكالبتوس والصفصاف والأرجوان . / ص80 ص81) ولاشك أن الظلال الصورية للمكان غدت مكثفة برمزيتها إلى حالة من نذير الإيحاء بالرعب والقلق من إستكانة المكان المثير بموضوعة الموت والاختطاف . تكشف لنا حياة البابلي الساردة المشاركة، عن حادث اختطاف الصحفية الفرنسية برسكا: (لماذا لم يأخذونني معها ؟؟ أكانوا يرصدون تحركاتها منذ وصولها بغداد ؟؟ برسكا كانت هدفهم، فرنسا تدفع فدى كبيرة مقابل المخطوفين، انهارت قواي فجلست عند السور المهدم انتحب . / ص 82) الشخصية برسكا لم تدخل إلى صلب المسار النصي كما ينبغي، حتى تجد ظهورها معلقا على حال لسان موقع السارد أو الراوي المشارك ـ أي إنها شخصية تستدعي حضورها وغيابها بحركية مرتبطة بضمير حال الدور المتوخى لها من قبل مسرودية الراوي، وقد يكون ظهور هذه الشخصية محكوما بحادثة تعرض الشخصية الساردة حياة البابلي إلى عمليات خاصة تهدد حياتها بالموت القريب: (كانت رصاصة جديدة لامعة ترقد في قاع المظروف، نقطة دم جافة علة أسمي: إنذار بليغ بالموت . / ص83) هكذا تتم عملية تطويع أحوال ومصائر الشخوص في الرواية إلى اطروحة الراوي المشارك، وعلى أكثر من محمل من محامل الخطاب المباشر وغير المباشر .

ـ غرائبية الطيور التي تتناول أدمغة البشر .

1 ـ الشخصية حامد صديقا للطيور:

قد يطول مسار العنف في إيقاع دلالات شخوص الرواية، وإذا ما تفحصنا البنيات الشخوصية الواردة في الأنموذج الروائي، لوجدناها عبارة عن عناصر مقموعة في كل عهود الأنظمة السياسية الحاكمة في البلاد . فهذه الشخصية ـ حامد أبو الطيور ـ أنموذجا، هي في محاور مستوى المظلومية والقهرية التي تعرض لها بقطع أطراف من لسانه، وهو مدرس اللغة الأنكليزية، إذ جنى عليه القدر بقراءة بعض من مشاهد مسرحية ماكبث، وخاصة تلك المشاهد من الفصل الثالث التي يرد فيها مدلول الإدانة الواضحة إلى جهة جذور الطاغوت والطغيان: (طبيب معروف يقطع لسانه، هذا ما أشيع في حينه، أشتهر الطبيب برسم الطيور السود التي تلتهم أدمغة البشر وعيونهم، رسم في أحدى معارضه ثمار الشهوات وصنع منحوتات فخارية مستعيرا فاكهة الكمثرى للتعبير عن مؤخرات أنثوية وأثداء وأعضاء ذكرية رسم أجساد النساء التي تلتهمها ديدان الفاكهة وتسيل منها قطرات الرغبة السوداء، كان يرسم بشاعات ويحول الجمال إلى جيفة، بطن المرأة تحول بين يديه إلى كهف أسود تلتف فيه الأفاعي . / ص91) الفاعل الذاتي المتمثل بحياة البابلي، أخذ يمارس بالنيابة عن دورها كساردة روائية في تعليلات استرجاع أحداث الشخوص، فهي (المتكلم = الناظم الداخلي ـ الخارجي ـ المبئر) ولكنها في الآن نفسه تحتفظ لذاتها بتلك المسافة الفاصلة كفضاء للناظم الشخوصي، لتدرك من خلال وعيها بالشخصية العاملة، ذلك الدور المروى من حيز الحكاية، فالشخصية ترى من خلالها ومعها وبها، فمن خلال معرض ومنظور استعراض حكاية حامد أبو الطيور تصادفنا تجليات صيغة الخطاب من حاضر المبأر من مسرود الراوي / الناظم الخارجي . فالعلاقة ما بين (المبئر / المبأر) في هذه الفقرات لا تعتزم الوقوف عند الحدود الخارجية للمشهد، بل أنها وبفاعلية الفاعل في فعل تبئيره أخذت تقدم لنا الشخصية من خلال دواخلها، ومن خلال فاعلية التركيز على معرض حياته العاطفية والموقفية الغاية في المأساوية والنبل (هجرته خطيبته بعد واقعة بتر اللسان، وتزوجت ضابطا يعمل في حماية أحد الوزراء، رمت خاتم الخطبة والهدايا: ـ (أريد العيش مع رجل غير مشبوه، أنت شتمت الرئيس وأسأت للنظام، أهلي يرفضونك وأبي يشعر بالعار من فعلتك .. لم يقل شيئا ولم يراها بعد ذلك وكتم حامد طعنتها ولاذ بطيور ألفته وألفها . / ص93)

2ـ ظلال لبقايا صور وروائح أشباح الرجال:

و إجمالا يمكننا القول بأن منزل النساء أو شارع النساء راح يعبر عن انعدام وجود العلامات القرائية المعاينة لجنس الرجال بفعل آثار الحرب والدمار والفرار من بطش سلطة الطاغوت، بل أن الراوي المشارك، راح يبلغنا عن غياب الرجال ومحو العلاقات المتكافئة ما بين النساء وما تبقى من أطياف الرجال، ولم يقتصر وجود هذا الأمر على حالة الشخصية الساردة حياة البابلي، كونها مطلقة من الشخصية حازم الخصي في ظروف ملتبسة من فعل التدمير والمحو الرجولي الذي تعرض له عضويا، ويمكننا معرفة التفاصيل من معرض هذه الوحدات: (يحلو لنا أحيانا أن نسمي شارعنا شارع النساء، فقد أختفى تقريبا كل الرجال من حينا وما بقي في بيوتنا غير ظلالهم وصورهم وبعض روائحهم التي تتلاشى بمرور الوقت .. بقي حامد أبو الطيور وأبن عمه الملتحي الذي ظهر فجأة في بيت حامد ومعه صبي أشقر .. قيل أنه كان هاربا من الجيش منذ التسعينات وكان محكوما بالاعدام، وعاد الآن بعد أن حل الحاكم العسكري الأمريكي الجيش العراقي . / ص93) .

ـ تعليق القراءة:

من خلال هذه الوحدات السردية الأخيرة تتبين لنا تفاصيل ناتجة عن منظور دلالة وتقانة (الرؤية مع) كما يسميها بعض النقاد، فالناظم الخارجي / الراوي المشارك يرى ما لا تراه شخوص حكاية الرواية، وبما أن عملية الحكي في رواية (سيدات زحل) قد بدأت بهيمنة صوت الناظم الأوحد، فأن فعل القراءة والتلقي سوف يعاين تقديم الخطاب من خلالها مسرودا مبئرا، ضمن أفق وجهة نظر السارد المشارك، اقترانا بوعي المنظور المؤشر للشخوص في مضمر مفصلية وتمفصلات صوت وحالات رواية الصوت الأوحد .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

حسن رحيم الخرسانوأنا بينَ أناملها التي تتراقصُ في حدائقها الكلمات، كنتُ شيئاً غريباً يفرش التأملَ في هذه الجناتِ الحبلى بالأحرف الملونة، وهي تطرزُ الكلمات بأناشيد دجلة، ودعاء النخيل في عالم غاب عنه المطر!

نعم..

كنت شيئاً.. بل كنت التأمل ذاته.

أتوحد مع هذه القصائد التي ترفض أن تكشف عن سر أنوثتها.

قصائد لها مآذنها الحالمة، ولها أسرتُها البيضاء، ولها في نفسها مآرب أخرى.

قلتُ لي:

أنا التأمل.. فلماذا لا أعزفُ لها أثواب البردي،، وإبتسامات أهوار الجنوب،، وأصرار النخيل على أن ينجب الرطب رغم الرياح الصفراء،، رغم الرمال المؤدلج بالرماد،، رغم العواصف العمياء!

وهنا

وبلا سابق إنذار.. سمعتها تقول.. نعم وهي بكامل كوكبها.. تقول ذكرى لعيبي:

١

(أريدُ حبًا

يتقصى بداخلي

رشفة ضوءٍ

ويعلمُني بلؤلؤة

سرَ البحر)

قالت إليّ،، وكأنها تداعب النجوم.

نعم.. إنه الحب،، قبس القلب،، بل مفتاح الوصول إلى شذا الورد،، وأثواب السلام،، والتورط بالبياض.

البياض الذي أصبح يتيمًا في زمن متخم بالحروب والسواد!

لايهمُ

المهم تصرخُ الشاعرة أمام أمواج تتصارع في هذا العالم،، تصرخُ وتقول بأعلى صوتها:

(أريدُ حبًا)

هذا الحب غير معرف جاء نكرة،، لـُيبينَ لنا بأنه بلا هوية ينتمي إليها،، بل هو حبٌ يدرك ما يريد.. .وذلك من خلال الأستمرار في بناء المعنى في النص حين نتواصل معه في قول الشاعرة – ذكرى -

(أريدُ حبًا.. يتقصى بداخلي.. رشفةَ ضوء.. )

يا له من حُبٍ!

أي حب ذلك الذي يتقصى؟

وماذا يتقصى؟

يتقصى رشفة ضوء!

لو تأملنا الفعل- يتقصى- وما يوحي إليه لوجدنا بأنه يعني البحث في التفاصيل عن قرب ودقة،، لهذا يجب أن يكون ذلك الحب خبيراً وذكياً ومدركًا لما عليه من فعل يفعله،، وما عليه من نتائج يتوصل إليها كي يحقق الغاية وهو عليها قويٌ أمين.

نعم

إنها الشاعرة التي ترسم لنا وبدقةٍ ما تبتغي كي يطمئن القلبُ،، والمتلقي،، وأنا ذلك الذي أبحرُ في قصائدها،، وما زلتُ على الشاطيء أتأمل هذا المقطع الجميل.

نعم

إنه لجميل وبهي،، ذلك الحب الذي يتقصى في داخل الشاعرة- رشفة ضوء-.

انظروا معي.. (رشفة ضوء).. كلمتان لكل واحدة منهما نهرها،، ولونها،، ومزاجها،، ألتقيتا سوية بنور خفي لينتجا بحراً يستحق التأمل والغوص فيه.

بحرٌ له استقلاله المشرق بثوب جديد.

أقول حقاً،، هاتان المفردتان- رشفة ضوء- يحيلان توهجي إلى توهج يسحبني إليه.. كي نُغني معاً.. بل نرقص بلا جسدين معا،، ثم نغادر إلى اللامكان.. اللازمان.. ولكن ليس معا!

وهنا عليّ أن أعود من يقيني بهذا النص المتحرك،، الثابت في القلب إلى يقين المكان والزمان اللذين تتورط بميزانهما الشاعرة والتي تظل تصرخ أمامنا- أريدُ حبا-!

وأنا أيضًا – أريد حبًا-

وأنتم أيضًا- تريدون حبًا-

الحبُ أيضًا- يريدُ حبًا-

ولكن لكل واحدٍ منا مساحة يتنزه فيها ويريدها له جنة المأوى.

عليّ أن أعود ثانية إلى الشاعرة

تلك التي تلاحقني بهمس هديلها لتقول لي:

٢

(انحنيتُ

لطعم البرتقال

الحزين)

هنا تحقق فعل الانحناء لا إلى البرتقال الحزين.. بل إلى طعم ذلك البرتقال الحزين،، والذي كان طعما فاقعا يسر العارفين.

لهذا اِنحنت الشاعرة له.

كم هو رائع أن يصل الشاعر إلى هذه المنطقة من التوحد.

وكم كانت الشاعرة- ذكرى لعيبي – في توهج عميق حتى أدركت هذا الغياب.. الوجود.

أبارك لها من كل قلبي على جناتِها الشعرية التي جعلتني أن أكتب عن مقطعين اثنين فقط.

حملت قلمي الذي ظل يركض.. وما زال أمامه الكثير.

 

بقلم: حسن رحيم الخرساني

..............................

هامش:

الشاعرة ذكرى لعيبي – عراقية- تُقيم في الإمارات العربية المتحدة، لها عدة إصدارات شعرية وقصصية:

١- مقطع من قصيدة أريد حبًا

٢- المقطع السابع من قصيدة نقوش تخفي امرأة سومرية

 

منذر الغزاليأولاً، النص

يأتي اليقين بماهيّة الأشياء حين تراها في بؤبؤ عينِ من يتحدّث إليك، في زجاجِ النّافذة، في الصحونِ، والملاعق، وحتّى في السكاكين، لكن في هذه الأخيرة، يبدو الانعكاس مشوّهاً بعض الشيء، كأن ترى وجهك كخابية تسندها أذنان طويلتان تكادان تلامسان كتفيك، وترتطمان بصدغيك عند كلّ زفير. ميزة هذه السكاكين أنها تظهرك على حقيقتك الغائبة عنك، دون رتوش أو إكسسوارات. ما تراه هو ما يخبئه هيكلك العظمي المغطى بقطع اللحم المتهدلة.

ـ لا تستغرب أبدا من كلامي، البارحة رأيتني في ملعقة الطعام كتلة مقعرة تتوسطها عينا ضفدع، لدرجة أنني سمعت نقيقه بوضوح، حتى من كانوا معي أثناء غداء العمل استدعوا النادل مستغربين وجود ضفدع في مكان يقال عنه خمس نجوم. كنت أراقبهم وهم منهمكون بالبحث عنه، تحت الطاولة، في جيوبهم في صحن الوجبة الرئيسية المغطاة. أمتعني انشغالهم وقلقهم، وهذا ما حدا بي لأن أستبدل الملعقة بالسكين، ما حصل بعد ذلك أثار حفيظة رواد المطعم؛ فقد تلونت شراشف الطاولات، والأرضية والسقف وحتى الملابس التي يرتدونها باللون الأحمر، وكلما أمعنت النظر في السكين، كلما سال الأحمر القاني على الجدران ليشكل شلالاً غرق فيه الجميع إلا أنا، بقيت على حالي كما دخلت، والدليل أنني غادرت منذ بضع دقائق لألتقيك حسب موعدنا المتفق عليه

ـ استناداً لما سبق وقلته؛ فأنت قاتل وإلا كيف تفسر نجاتك وموتهم؟

- كيف يخطر ببالك هذا الأمر؟! لو كنت كما تظن، كان الأجدر بي أن أقتلك أنت أولاً لأنك تعرف هذه التحولات التي تطرأ علي، خصوصاً عندما أتواجه مع أسطح ملساء وأرى انعكاسي فيها. يبدو أنك تدفعني إلى ذلك عمداً بأسئلتك التافهة، لحظة وسترى ماذا سيحدث الآن، سأسدل وشاحاً على وجهي كي لا أرتكب حماقةً فيك.

انتهى الحوار العقيم بينهما، بشظية من المرآة في عينه، وسط فراغ تملؤه الدماء.

ثانياً، القراءة

في التجنيس

هذا نص مختلف قليلاً، يكاد يكون محيّراً، أو عصيّاً على التجنيس، أو لنقل -مبدئياً- عابراً للأجناس.

تقرأ المدخل، يُخيَّل إليك أنك مقبلٌ على مقالٍ أدبيٍّ. تدخل الفقرة التالية، تجد أنّ ما تقرؤه هو جزءٌ من قصةٍ يرويها راوٍ متكلّم إلى القارئ المخاطَب مباشرة، في لعبة سرد جميلة، اختلط فيه الحوار بالسرد حدّ التماهي، حتى غدا السرد كلُّه حواراً، جزؤه الأوّل كان في المقدمة؛ لكنّ الكاتبة سهت، أو تعمّدت ألا تضع إشارة تدلّ أنه حوار.

تحسبه قصةً ساخرة يتحدّث فيها الراوي عن الملاعق والسكاكين وأدوات المائدة؛ لكنك، وبعد أسطرٍ قليلةٍ، تجد نفسك وجهاً لوجهٍ أمام أفكارٍ جدّيّة، تكتسي بالسخرية، أو اللامبالاة، يبدأ تأثيرها في اللحظة التي تنهي فيها قراءتها. يحثّك على البحث لتغلق الأسئلة التي فتحها في رأسك... وهذا ما فعله بي، وهذا ما ستقوله هذه القراءة. 

في العنوان: ثورة المرايا

تورة!!!

كلمة كبيرة، لعلّها الموضوع الأكثر استخداماً في الأدب، الكلمة الأكثر بطولية في جميع اللغات*. الصورة الأكثر رومنسية في الروايات العربية: صورة الثوري البطل، الذي يهب نفسه لقضيته، تتنافس عليه الجميلات، وتعشقه البطلة، وتتباهى بالفوز بقلبه.

صورة الثورة في بلاد الشرق البائسة ارتبطت بصورة الموت: تحت الأنقاض، أو تحت التعذيب. صورة الثورة في بلادنا المستلبة ارتبطت بصورة التهجير والنزوح، منذ الثورة الفلسطينية، حتى الثورة السورية.

كل حدثٍ عظيم، مفصليّ، يجعل ما بعده مختلفاً عمّا قبله هو ثورة.

لا يمكن أن يكون هناك ثورة إلا إذا وُجِد الضمير... هكذا كان لسان حال الثورة الطلابية الفرنسية... فماذا لو ثار الضمير نفسه؟ على من سيثور، وكيف يثور؟

الضمير، هو الجزء الحيّ الذي يعكس حقيقتنا... الضمير هو مرآة الإنسان الحقيقية.

المرآة... كم من مرايا في حياتنا، وكم نعشق المرايا!

أقدم مرآةٍ عرفها الإنسان هي انعكاس صورته على سطح ماءٍ شفاف. نرسيس (نرجس) عشق صورته المنعكسة على سطح ماء البحيرة، وصارت النرجسية صفةً تلازم عشق الذات المَرَضيّ... هل عشق نرجس ذاته حقاً؟ أم عشق الصورة الجميلة التي رآها على سطح البركة تحت ضوء القمر؟

بعض الأساطير تعطي للمرايا قدراتٍ خارقةً، فتجعلها تعكس الأرواح، وتستطيع قراءة الماضي والحاضر والمستقبل... لو اقتنى أجدادنا إحدى هذه المرايا، كانوا أراحونا من هذا الحاضر الآسن الذي نغرق فيه.

وفي بافاريا القديمة، موطن قصة بياض الثلج، كانوا يعتقدون أنّ المرآة تتكلّم وتقول الحقيقة دائماً... لو كانت المرآة كذلك، لحُطِّمت كلُّ المرايا الموجودة على هذه الأرض... أو حَطّمَ الناس بعضهم بعضاً.

لو كانت المرآة تقول الحقيقة دائماً، لصادرت المرايا السلطاتُ العربيةُ جميعها، دون استثناء، ومنعتها بمادةٍ أساسيةٍ في القانون، وصارت حيازتها جريمةً تعدل الخيانة العظمى.

الحاكم الظالم يحيط نفسه بالمرايا من جميع الجهات، فلا يرى إلا صورته. أما الحاكم العادل، فيرى حقيقته منعكسةً في عيون شعبه.

عندما يعشق الإنسان، هل يعشق حقيقة معشوقه الكامنة بداخله، أم يعشق الصورة التي يراها؟

كم نرسيساً نصادف كلّ يوم، ممن يظنّون أنفسهم مثالاً للكمال والحق والجمال؟ وبالتالي، ما حجم الزيف والخداع الذي يحيط بنا؟

في المكان والشخصيات

منذ البدء، كانت أحداث الحكاية في مطعم، والمطعم مكان التناقضات:  من جهةٍ، روّادّ متأنّقون، مهذبون، يجلسون حسب المواضعات الأكثر تهذيباً التي وضعها الانسان، ومن ناحيةٍ أخرى، يلتهمون، بكلّ أناقةٍ ولباقةٍ، لحم طيرٍ ضعيف، أو حملٍ طالما تغنّوا بوداعته... منذ البدء تضع الكاتبة أمامنا المرآة... وتخبرنا أنها مرآةّ تكشف الحقيقة، الحقيقة الخادعة... "في زجاجِ النّافذة، في الصحونِ، والملاعق، وحتّى في السكاكين، لكن في هذه الأخيرة، يبدو الانعكاس مشوّهاً بعض الشيء"

السكين، أداة القتل الأولى في التاريخ... أداة الأكل! .

هل تاريخ الإنسان هو تاريخ السكين؟

هل السكين هي المرآة الأصدق لتاريخ الإنسان؟

"ميزة هذه السكاكين أنها تظهرك على حقيقتك الغائبة عنك، دون رتوش أو إكسسوارات. ما تراه هو ما يخبئه هيكلك العظمي المغطى بقطع اللحم المتهدلة"

هل حقاً نحن أبناء قابيل؟ وأن هابيل مات ولم يبق منه أثر؟

المرآة هي رمز الخداع، وهي مصدر الحقيقة في آن... حسب تضارب انفعالاتنا.

آناً تكون مرايانا مسطحة، منبسطة، كالنفس المنبسطة، فتعكس الأشياء على حقيقتها... ونحبها.

وآناً نكون مرآة محدبة تشتت الضوء في كل الاتجاهات، ولا نحتفظ بالصورة، كالذاكرة المريضة.

وأحياناً نكون كالمرايا المقعرة، نجمع الصور، ونركزها في صورة مشوّهة، في بؤرة عقدتنا...  "البارحة رأيتني في ملعقة الطعام كتلة مقعرة تتوسّطها عينا ضفدع، لدرجة أنني سمعت نقيقه بوضوح"

في الخاتمة، الفرد مرآة المجتمع... تحطيم الذات

والفرد الذي يقع تحت الضغط الدائم، دون أي شعور بالطمأنينة، يصبح حبيس ذاته، تنقلب مرآته نحو الداخل، داخله المشتت، الضائع، يفقد إحساسه بالعالم الخارجي، يختلّ شعوره بالواقع، فيسعى لتدمير ذاته مثل أسطورة الأم التي تأكل أبناءها.

يقول الفيلسوف نيتشة في كتابه هكذا تكلّم زرادشت: "وما إن نظرت إلى المرآة حتى صرخت، وقلبي خفق خفوقاً شديداً، لأن ما انعكس في المرآة لم يكن وجهي، بل وجهٌ تقطّبت أساريره بضحكةٍ شيطانية".

أنها غريزة تدمير الذات المحبطة، البائسة، المغرورة...  "كيف يخطر ببالك هذا الأمر؟! لو كنت كما تظن، كان الأجدر بي أن أقتلك أنت أولاً لأنك تعرف هذه التحولات التي تطرأ علي، خصوصاً عندما أتواجه مع أسطح ملساء وأرى انعكاسي فيها. يبدو أنك تدفعني إلى ذلك عمداً بأسئلتك التافهة، لحظة وسترى ماذا سيحدث الآن، سأسدل وشاحاً على وجهي كي لا أرتكب حماقةً فيك.

انتهى الحوار العقيم بينهما، بشظية من المرآة في عينه، وسط فراغ تملؤه الدماء".

 

منذر فالح الغزالي

بون في 27/ 9/ 2020

........................

* يوجين دبس

 

حيدر عبدالرضاأفق العلاقة الدلالية بين إحاطة الدال وإزاحة المدلول القصدي

توطئة: يسعى الشاعر الأستاذ عباس السلامي من خلال مجموعته الشعرية (غرقى في سراب) إلى نقل وتبيين ثمة علاقات دلالية ذات خصائص سببية مؤثرة، يستدعى من خلالها ذلك الإرتباط العضوي المحفوف بمسميات الأفعال والاقترانات الأحوالية الخاصة ووظيفية (إحاطة الدال) صعودا إلى مقاطع متمحورة في روابط مضمرة في الجوهر والمكونات الخارجية والداخلية من مسار علائقية ملفوظات تذكرنا بخلفية (النص التوالدي) وامتداداته التكثيفية، والشاعر يسعى من جهة غاية في الأهمية إلى ملامسة أعمق الصفات من تلميحات العلامات والاشارات والمقاصد في عوالم نصه المليء بمفارقات مواضع تتخطى مواطن غرقها وهوانها بوسائط من الغفلة وعنفوان غياهب مصيرها المدلولي المزاح في خطاب وصورة وحدات رؤية النص المقطعية .

ـ البنية الشعرية بين مفترق الذات وتجاوز الذات

تطلعنا عتبة الإهداء، بما يمثل مقاطع من الوحدات الشعرية، التي هي بمثابة ذلك التصدير المختزل في تكوين الوحدة الكلية من مراحل تنصيصات دوال وعلاقات المحتوى النصي، فمثلا نقرأ هذه العتبة الواردة من قيمة تصديرية الإهداء (إلى من يصرون على الغرق ! .. إليهم بلا جدوى) هكذا وجدنا عتبة الإهداء تشكل بذاتها مفترقا وتجاوزا عن الذات الشعرية الخاصة بالشاعر، والأمر هنا مفصولا عن آنوية الذات الواصفة وأحوالها، إيصالا بدلالة ملفوظ الآخر من مبنى النص . وتبقى أهمية مبررات دلالة جملة (يصرون على الغرق) وجملة (بلا جدوى) بمثابة العلامتين المسيطرتين في مؤشرات دال (القشة) وبالمعنى الذي لا يقدم إلى دلالة (الغرق) سوى تلك الوسائطية الهلامية من النجاة والوصول إلى بر الأمان . فالشاعر السلامي كان يسعى إلى معاينة داله القصدي في حدود صناعة الوهم بالإمكان والأمل واللاأمل والحقيقة واللاحقيقة . وتبعا إلى درجات التلميح والإيجاز، تدفعنا دوال النص إلى جهات قصدية غير محددة في أدنى مستوى من تشكلاتها الدلالية، فيما تنقلنا حالات الرؤية إلى مساحة تراتبية خاصة من نسق مقابلات البدائل الممكنة في ظل وقائع الظرف النصي:

مِنْ على اليابسة ..

تحملُ القشةُ المغفَّلينَ

لتُفْرِغَهُم غرقى في عرض البحر

و تعود ثانية إلى اليابسة

هكذا

في مشهدٍ يتكرر ...

1856 عباس السلاميالذات الشعرية تصف لنا لوحة حياتية، يكون مصدرها عادة ذلك التوظيف الملامس إلى بؤرة أحوال الخطيئة من قبل الآخر المتواصل في استجاباته لمزايا وأهوال مزالق الآمال الكاذبة في الحياة والمرحلة العمرية . والشاعر من وراء جمل دواله القصدية، ربما كان يصبو إلى مسميات أدهى من مجال تحليلنا النقدي هذا، ولكن مواضع الإشارات العلاماتية في النص، أخذت تؤكد لنا جملة معطيات خاصة في فهم المعنى المتاح في جمل النص الأولى، بدءا من عتبة الإهداء وحتى رسومية هذه الجملة من علاقة الملفوظ (هكذا في مشهد يتكرر ..) ففي هذه الجملة تحديدا نشعر بحقيقة مأزق المشهد الحياتي لدى الآخر، خصوصا من خلال أولئك الذين هم في موضع الصورة من الغفلة والخطيئة، بيد أن كل واحد منهم كان يسعى في دال (اليابسة)إلى بث وظائف سلوكية مريبة وآثمة على حد تقديرنا المفترض في مؤولات النص، فيما ينتقل إذا أدركه الموت مثقلا بأحمال ذنوبه داخل عصارة أمواج ذلك البحر الذي هو صورة محتملة للموت القيامي أو هو لربما يعنى بواقعة البرزخ الدنيوي لدى ذلك الآخر . أما دلالة (القشة) فهي الأخرى بمثابة الخصيصة التي تقوم بنقل أصحاب الغفلة وحدهم إلى قرار الموت (لتفرغهم غرقى في عرض البحر) ويبدو أن الشاعر من جهة أخرى كان يحتفظ بالمستوى الخاص من كمون وتخفي المعنى المراد منه في محمول النص الظاهر، لذا فإننا سوف نتعامل مع تحولات المعنى والمقاصد اللامحددة لدى الشاعر، في حدود نقطة مفترضة ومشتركة من وجهة نظرنا الرابطة وأبعاد قراءتنا الاحتمالية للنص، وصولا إلى فهم معنى النص بحثا في تداولية معناه المطروح في علاقة الملمح والمرمز في المعروض النصي:

مَنْ يُبْحِر

وهو يعتلي مركب الوعي

لا حاجةَ لهُ بالقشّ .

قد تكون معادلة ثنائية (الغرق + القشة) بمثابة البنية اللاتبصرية لدى معاملات الآخر، أي أولئك الذين بلا مقدمات من الحكمة والرشد والبصيرة، لذا نجدهم يفترضون السفر في بحر الحياة فوق قشة واهنة، فإنهم يلاقون في الآن نفسه ذلك المصير المحتوم بالغرق والتيه والمجهول في أعماق بحر الحياة، وعلى هذا النحو تتوالى الأطر المعرفية لدى الشاعر، موضحا سبيل النجاة من الغرق (من يبحر .. وهو يعتلي مركب الوعي .. لا حاجة له بالقش) .

ـ رمزية البدائل الشعرية وخطاب دليل الطوفان

تشكل لغة الشاعر السلامي في وحدات مجموعة (غرقى في سراب) كطاقة متعددة البدائل المتحولة في لغة الممارسة الدلالية، فالشاعر يستمد بدائله الاستعارية ضمن مداليل ومصنفات وقائع حقيقية من عين الواقع، ومن خلال موجهات لغة البدائل لدى الشاعر، نعاين حيز الاستخدامات الإيحائية المتاحة في دليل النص لإقامة علائق في مواطن ومداخل صورة المعنى، أي أنها كما يقول إلياس لحود (لغة الممكن وليست لغة القائم، المعروف، العادي، المتعارف عليه .. لغة القصيدة الجديدة يجب أن تكون من علاقات مغايرة ومختلفة في الطرح الدلالي والأسلوبي . / لغة القصيدة الجديدة: مجلة المعرفة ـ العدد 242) وبهذا المعنى المراد، وجدنا وفهمنا مغزى مقاطع ووحدات (غرقى في سراب)، أي بمعنى ما أن السلطة الرمزية في أداة خطاب قصيدة الشاعر، كأنها بمثابة مغامرة تيه الآخر ممن لا يحسن ارتقاء السفر فوق الأمواج الحياتية العاتية، إنها مخاطرة العبور إلى أعماق بحار المعارف في مراكب واثقة . وهكذا نجد شعرية المسرود لدى السلامي، تنقلنا نحو ملحمة وصفها الآسر وفي حدود من أيقونة التراكيب التفاعلية في علاقة بوح الذات الواصفة:

على متن القشّة

يتعالى دعاء الغرقى ! !

**

عبثاً

تحاول القشّة

أنْ تمحُوَ أسماءَ الغرقى

المنقوشة على الماء ! .

و تسعى إشكالية ابتهالات الغرقى من على ظهر القشة، إلى الوساطة نحو السماء، طلبا للنجاة والوصول إلى ضفة الأمان، ولكنها بلا جدوى أدخلت الآخر في لجة الأعماق ليستوعب قرار الغرق وسكرات موت الغفلة، فيما تعاود وسائطية هشاشة القشة، نحو الاتصال بحلمها المتوثب نحو النجاة للآخر، ولكن طوفان الموت كان أعتى من أن تبدد تلك القشة الهالكة يقين موته المتواتر في قصدير لجة الماء .

ـ غواية القشة في مدن الآخر الظلامية

وفي المقاطع اللاحقة من المجموعة، تشغل الصورة الحسية لدى الشاعر ـ عناصر إضافية من التأثير وتنفيذ فواعل العلاقة المتصلة ما بين الوعي ومساحة المضاعفة الشعرية في الدلالة المقصدية، وحدود ذلك التغاير والاختلاف من جهة الضوء إلى جهة الظلام:

في مدن الضوء،

يضجُّ البحر بالنوارس والسفن

أمّا في مدن الظلام، نرى البحرَ

يطفحُ بالقش والغرقى

**

آه !

يا لَخيبة الغرقى

ظلّوا في اللجّة بانتظار

قشّةٍ لا تجيء .

أن إستراتيجية الدال القصدي في مبنى جمل الشاعر اللاحقة، أخذت تؤسس لذاتها مجالات تشكيلية خاصة، فجملة (في مدن الضوء) بمثابة الانموذج المحتذى به من قبل تصدير وعلاقة جملة (يضج البحر بالنوارس والسفن) وهذا الأمر ما جعل طاقة المقاربة الشعرية الواصفة وكأنها كفاءة دلالية منفتحة للأنا إزاء إعلامية الجزء الآخر من الموصوف المقطعي (أما في مدن الظلام، نرى البحر، يطفح بالقش والغرقى) أي بهذا الشكل المنشطر إلى نصفين، تتألف جملة تلميحات الدال المضيء بالعودة إلى مساحة آنوية الشاعر مجددا، فيما يبقى الجزء الآخر من الدال المظلم ـ مخصوصا في مقام ذلك الآخر والآخرون من احياز (مدن الظلام) . والملاحظ أن الجمل التابعة في المقطع الأخير، هي أيضا ما يشكل نقطة علائقية خاصة تضم ذاتها بروابط شعرية البدائل والأختيار من ثريا وحدات المجموعة .

 تعليق القراءة:

حاولنا في دراسة مقالنا هذا، توضيح العلاقات المبحثية التي من شأنها تناول صفات التعمق للشاعر السلامي في مجموعته المقطعية (غرقى في سراب) والتي من خلال وحداتها المطروحة فهمنا ماهية العلاقة المنشطرة ما بين ثنائية (الضوء / الظلام) وثنائية (القشة الواهنة / المركب الواثق) فالشاعر أراد من وراء دلالات وحداته الشعرية، بيان من أراد السفر والمرور بقارب النجاة من عرض البحر، المتمثل في صورة الحياة أو النجاح في مسعى الحياة، فما عليه سوى الصعود بقارب البصيرة وإرادة الوعي والحلم . أما ذلك الآخر والآخرون  ممن يغرقون في مدن ظلامة تيه البصيرة والمعرفة، فمقامهم الهلاك على ظهر قشة اللاوعي ثم بالتالي الغرق في قاع ظلام بحر الحياة . هكذا وجدنا مسار المعنى القصدي المحتمل من جهتنا في ثريا نصوص الشاعر السلامي، كاستعدادات متلافية للغرق في سراب الآمال الكاذبة والمطامح الناقصة لدى ذلك الآخر ممن استهواه البقاء في (ظلوا وراء القشة فظلوا) وعلى هذا النحو من المعنى أصبحت وحدات ومقاطع شعرية إحاطة الدال وإزاحة المدلول مما تسلح به الشاعر في سفره البصير نحو جزر قصيدة الضوء وتنوعاتها المستحدثة والأثيرة في مدار الذائقة القرائية المبصرة والبصيرة، بعيدا عن غرقى قصيدة الهشاشة والظلام وأرباب شعرية الغرق والسراب .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

لفترة طويلة ارتبطت أسطورة لوريس Loris البالغة من العمر ستة عشر عاماً، والتي جسدت بامتياز اليأس بهروبها الجمالي من الحياة في معبد الجمال. وعبادة الجمال، لم يكن بأي حال من الأحوال غير مبال، إنما يتم النظر إليه من خلال موضوعات التفاعل الاجتماعي ـ والاجتماعي التاريخي للمجتمعات وطبائعها وعاداتها وتقاليدها العامة. قد يكون ذلك مثيراً، لكنه في الفضاء العام "آلية" تعبيرية، ليس لفلسفة الحياة الجمالية والشاعرية عند البشر فحسب، إنما الوعي الأدبي لمفهوم "النقد"، عكس الأعمال غير ذات الصلة التي ظلت مخفية عن الوعي لأنها لم تصبح عامة.   

"المراجعات النقدية" إلى ما قبل عصر التنوير، كانت بشكل أساسي أفكار "سلبية أو إيجابية" بالنسبة لطرفي التجاذب، الكاتب والقاريء، وهي بالكاد تكون موضوع بحث أدبي. لكن هناك إجماع عام على أن "النقد" ونحن نتحدث هنا عن ما يتعلق بالثقافات الغربية في أواخر القرن الثامن عشر على وجه الخصوص، قد تجاوز الدور الثانوي الذي نُسب إلى ذلك النوع من التصور المنغلق. لذلك تضع الدراسات العصرية أهمية "النقد" بأشكاله المتنوعة، في المقدمة، وفي نفس الوقت تأخذ في الاعتبار حقيقة: أن "النقد" يشكل نمطاً جدلياً من الأنماط التي تتيح للمؤلف مراجعة صياغه أفكاره. مع التركيز على أهمية ما يجلب معه من تصور جديداً تماماً للواقع، مع الوضع الاجتماعي المتغير بشكل عام والوضع السياسي والتقليدي بشكل خاص.

مفهومنا نحن العرب، لأدب النقد، في أغلب الأحيان نصبح "جلادين"، ننحاز إلى صراعات اجتماعية ـ سياسية أو عقائدية، وفي العموم على أساس المجاملات وليس المهنية. الكتابات النقدية عندنا في أغلب الأحيان (ولا أعمم) لا تعتمد الموضوعية، حينما تتناول مبدعا أو كاتباً ما. ولا تتناول مؤلفات المؤلفين الشعرية أو الروائية أو الفكرية وحتى في شأن السينما والمسرح والفنون التشكيلية، من زاويا حرفية حيادية، يقوم بها، الكاتب أو الشاعر أو الفنان الناقد المتخصص، يعتمد في مراجعته النقدية على التيارات القيمية والجمالية والانطباعية والشاعرية، ولا يجد صعوبة في فهمها وإحاطتها بالأحكام التعبيرية واللغوية والفلسفية.. من خلال متابعتنا للثقافات الغربية، الأوروبية تحديداً، وبغض النظر عن مدى شيوع كتابة النقد في مواضيع مختلفة وبمساحات واسعة، ألا أن القاعدة العامة لا تقبل "نقداً" يتعرض لشخص المثقف، ولا يتواءم مع  المفاهيم واللياقة الأدبية. لاعتبارات أخلاقية ترتبط بفلسفة الإنتماء لإرث ثقافي وحضاري يُعتز به ويَعتبر المثقف جزءاً من تلك الحضارة ومكمل لثقافتها، وبالتالي احترامه يجسد إحترام الموروث الوطني ـ الثقافي المترامي الأبعاد..أحيانا  أقرأ المواضيع النقدية العربية "كتابات نقدية" في مجالات متنوعة، إنما بأشكال مختلفة عما نعرفه في "أدب النقد" لدى الثقافات الأخرى. إلى حد كبير هي حكايات تجريم، نتيجة انفعالات شخصية، لا تمتلك رؤية، ليس فقط الجمالي والشاعري، إنما حاضرنا من خلال عيون حقبة ماضية، تم التعرف عليه وتدوينه بفعل ذلك الحاضر نفسه. على الأقل ليلتزم "الناقد" بشروط وحدود وأفاق ما يكتبه ومدى تأثير ذلك على الحياة الثقافية في بلده.. أعتقد ينبغي على الناقد العربي أن يكتب كما هو متاح في الثقافات الغربية نقداً موضوعيا ينسجم مع عصر حاضره: لأن أي فن أو رواية أو قصيدة لا تريد أن تتعرض لنقد زائف ومقيد. ومن ناحية أخرى، نجد أن الكثير لا يستطيع (إلا ما قل) أن يقترب في سياق أكاديمي من أي مكان أو حدث أو ظاهرة أو إنشاء أدبي أو فني بشكل كافٍ. 

في مقالته بعنوان "الفن الوطني الديني الألماني الجديد" كتب غوته  Goethe، الناقد للارتباك وحتى الخلط بين المجالات الدينية والجمالية، حول انسكاب الكاتب الألماني وأحد مؤسسي الرومانسيه في القرن الثامن عشر فاكنرودر Wackenroder على الرسومات الدينية والتأملات والقصص التي أثرت على تدفقات القلب لأخ الدير المحب للفن: » طالب المؤلف ببلاغة ملحة للعشق الدافئ لكبار السن، كما لو أنه الهدف الأعلى للفن، وأن  قواعد المغازلة لدى كبار السن ليست لعبة فارغة، وأنهم لا يمتلكون باستمرار الصفات العاطفية، لذلك يُنظر إليهم على أنهم غير متفوقون على الأحدث ـ وبالتالي يتطلب حماساً ورعاً ومشاعر دينية، لا غنى عنها للقدرة الفنية ـ  فيما ينظر النقد على أنه شر وتأثيره على الدين والدين عليه غير محدد تماماً. مع ذلك، كان على المعايير النقدية "التي تفترض مسبقاً على الأقل بعض الانتظام النسبي"، تقييم مثل هذه الأفكار بشفافية، بقدر ما هي مشروطة اجتماعياً وتاريخيا.. ما تسميه تافها، على سبيل المثال، يمكن أن يكون دقيقاً وعميقاً في سياق مختلف، أمام قصة مختلفة، أمام ثقافة مختلفة، حتى الأفراد، فقط، اعتماداً على متطلباتهم لهم غاياتهم المحددة «.

يقول ألفريد كير Alfred Kerr: (النقد هو الأهم في هذا العالم إذا كان أيضاً فناً. لسوء الحظ، الأمر ليس بهذه البساطة. من هنا فإن الناقد هو الخالق المضاد الذي يقف في أحيانٍ كثيرة في الطرف الآخر من الكون).. الكاتب عندما يخلو بنفسه للكتابة حول موضوع ما، يشعر بنشوة سمو باردة، أعظم من فرائد العصر. فقط الضجة اللغوية؟ تجعل من كتاباته أمرا ممكناً في مكان ضيق، لكن بفضل جلدة النقد كما يقول ألفريد: (لم يعد أي ناقد يعتبر نفسه ديوس سيكوندوسdeus secundus   الإفلات من العقاب وسط مسرح مليء بالأحكام).. ألفريد كير، المصاب بجنون العظمة، ساوى بين النقد، لا: نقده، لكنه ذهب أبعد: (إلى أن النقد أفضل من الشعر). لديه أيضاً تشبيه ديني جميل: (الفنانون يتبعون خالق السماء والأرض كمبدعين أرضيين يتخيلون أولاً ما سيكون). ويصف الناقد الذي لا يقف في نهاية سلسلة الاستغلال، بل السلسلة الكونية للخلق نفسه بـ (المبدعين الذين يفسرون الوجود من خلال تعريفهم الفكرة وأشكال النص وأنواعه بابتسامة متسامحة تاريخياً) بالإشارة إلى أعمال المشاهير الأربعة جوته وشيلر وويلاند وهيردر. 

استفاد عصر التنوير المعروف باسم "عصر المنطق" وهو حركة فكرية وفلسفية هيمنت على الأفكار في القارة الأوروبية خلال القرن الثامن عشر، من الأنماط القديمة لعصر النهضة بين القرن الرابع عشر والقرن السابع عشر، لمعالجة فكرة التنوير أدبياً. وكان في المقام الأول تركيز النداء الأدبي على تصميم توازن متناغم بين العقل والشعور، يكون نموذج للفترة الكلاسيكية الجديدة. لم يكن الأمر يتعلق بتصوير الواقع أو التنديد بالمظالم الاجتماعية بداية، بل أراد تقديم أنماط لتحديد الهوية التي يجب أن تثقف الناس ليكونوا أخلاقياً. أخذ لاحقا مجموعة متنوعة من النماذج النقدية للأوضاع التي تعاني منها المجتمعات، مع انتقاد كبير للنسبية الثقافية واستخدام استعارات ما بعد الحداثة لشرح جميع الظواهر الجيوسياسية الحديثة غير العادلة في الغرب، بما في ذلك قضايا العرق والطبقة والسلطة الأبوية وآثار الرأسمالية الراديكالية والقمع السياسي.. تناول الناقد الأدبي الأمريكي والمنظر السياسي الماركسي، فريدريك جيمسون  Frederic Jamesonهذه الظاهرة بالقول: أن ما بعد الحداثة (أو ما بعد البنيوية) لا تريد أن ترتبط بنقد خطاب الرأسمالية والعولمة باعتباره "المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة" الذي يسهر على مصالحها. 

يتشارك نقد ـ ما بعد الحداثة، على إختلاف تنوعه الفكري، في وجهة النظر القائلة بأنها تفتقر إلى التماسك وأنها معادية لمفهوم المطلق والحقيقة. على وجه الخصوص، يُعتقد أن "ما بعد الحداثة" يمكن أن تكون بلا معنى، وتشجع الظلامية، وتستخدم النسبية (في الثقافة، والأخلاق، والمعرفة) إلى الحد الذي تشل فيه معظم الأحكام.. غالباً ما يشير مفهوم ما بعد الحداثة إلى بعض الفروع، مثل فلسفة ما بعد الحداثة وعمارة ما بعد الحداثة وأدب ما بعد الحداثة. وأحياناً على ما بعد البنيوية، والنسبية الثقافية، و "النظرية" دون معالجة المخزون الكامل لمشاريع ما بعد الحداثة المختلفة. لذلك، فإن نقد ـ ما بعد الحداثة، ككل يكشف الغموض في تعريف ما هو عليه في الواقع.. لنقد ما من شأنه إنهاء هذا الجدل، يقول اللغوي والمفكر نعوم تشومسكي: بأن ما بعد الحداثة لا معنى لها لأنها لا تضيف أي شيء إلى المعرفة التحليلية أو التجريبية ـ أسأل لماذا لا يتفاعل مثقفو ما بعد الحداثة مثل الناس في المجالات الأخرى عندما يُسألون على محمل الجد ـ ما هي مباديء نظرياتهم، وما هي الأدلة التي تستند إليها، وما الذي يشرحونه والذي لم يكن واضحاً بالفعل، وما إلى ذلك؟، هذه متطلبات قيمة. إذا لم يتم الوفاء بالجواب عليها، في ظرف غير عادل، سألجأ إلى نصيحة هيوم Humes: بكم إلى ألسنة اللهب!. النقد في العموم، والأدبي بشكل خاص، من أهم هيئات الوساطة بين المؤلف والقارئ. يتشابك مع النظم الحديثة المتمايزة للتواصل الأدبي والاجتماعي، ويشكل جزء لا يتجزأ من ماهية الأدب، وكيف يمكن أن يكون أو على الأقل يجب أن يكون!. فما هو "أدب النقد" في الواقع؟ للجواب على السؤال، لابد من الإضاءة على أن نشأة مصطلح النقد الأدبي، والذي يستخدم كأمر طبيعي اليوم، بمثابة نهج لموضوع التحقيق. هذا المصطلح له أصله الاشتقاقي من الفعل اليوناني kr í no ، والذي ترجم فراق، منفصل، قرار أو حكم. في القرن السابع عشر، أخذ مصطلح "النقد" عن اللاتينية criticus (القاضي الناقد)، إلى اللغة الألمانية kritischer Beurteiler "مقيّم متشدد" فيما بعد  Kritiker"ناقد". عموماً يعني في الأساس شيئاً مختلفاً عن مفهوم النقد الأدبي في اللغة الإنجليزية أو النقد الأدبي بالفرنسية. على النقيض من الألمانية، مصطلح "النقد" في اللغة الإنجليزية يشمل مراجعة الأدبيات والنظريات في الدراسات الأدبية. في اللغة الفرنسية، Critique litteraire" النقد الأدبي" ويُصنف على أنه فرع من الدراسات الأدبية، بينما يدور في ألمانيا الجدل حول ما إذا كان يجب فصله عن الدراسات الأدبية على الإطلاق، وبالتالي، فإن الفهم الألماني للنقد الأدبي هو مفهوم صحفي أكثر منه أدبي، أو إلى حدٍ كبير يشبه التعريف الفرنسي  critique mondaine"الناقد الاجتماعي"، الذي ظهر عالمياً في القرن السابع عشر كنموذج مضاد "للناقد المثقف" الذي يجسد النموذج الكلي، ناقداً مهذباً تتوجه نظرته نحو جمهور عريض من القراء. 

يتناول وينديلين دينجلر Wendelin Dengler المراجعات النقدية بشكلها الأكاديمي في الخطاب الإعلامي بالقول: "النقد الأدبي، هو مجموع المواجهة مع النصوص التي تمارس في وسائل الإعلام، حول الآراء والكتب الأدبية والدراسات الفلسفية والفكرية والفنية، وكيفية مشاركة معظم النقاد حول فكرة أساسية أكثر أهمية. ومن جانب آخر يعتبر النقد، وسيلة رعوية للجمهور الثقافي والحياة الثقافية، ومن أهم هيئات الوساطة بين الأدب والقراء من جهة، والمؤلفين والناشرين من جهة أخرى". إذن، النظام الأدبي، يشمل مؤسسات الإنتاج والتوزيع، وهي جزء من مؤسسة التواصل حول الأدب، الذي يشمل التربية التوعوية التي تتفاعل مع الأفراد والمجموعات، تؤثر عليهم وتتأثر بدورهم بها.. في القرن السابع عشر، على سبيل المثال، ساهم النقد الأدبي في حقيقة أن المزيد والمزيد من الطبقات قد تطورت وبالتالي أصبحت قادرة على نقل ما هو ضروري بشكل تعليمي والمشاركة في النظام الأدبي في الحياة الثقافية نفسها.. ببيانه "النقد ليس غاية في حد ذاته، ولكنه يؤدي مهمة يسهل تعريفها ـ أساسيات مشتركة" يقول ويرنر إيرو Werner Irro: (يجب أن يتحدث النقد إلى القراء، على الرغم من أن هذا المطلب الاختزالي لا ينجح في تحديد النطاق الكامل لوظائف النقد الأدبي، إلا أنه يشحذ وجهة نظر ما تعتبر الحد الأدنى من الإجماع على وظائف النقد).. ويقول توماس آنز Thomas Anz (منذ ظهور "المراجعات النقدية" في زمن حركة التنوير الأوروبية في القرن السابع عشر، لاتزال هناك وظائف عديدة تواجه "أدب النقد" ومواصفاته، ولكن، يجب على النقاد تقديم معلومات حول محتوى الكتاب وحول أي شيء آخر قد يكون مثيراً للاهتمام - على سبيل المثال، الإشارات الموضوعية إلى الحاضر، والزخارف التاريخية، والنصوص المتداخلة. وفي وقت تزايد حاجة القراء للمعرفة المكتسبة، فعلى "الناقد" أن يؤدي وظيفة التوجيه المعرفي ـ الإعلامي بقدر ما يمنح المهتمين بالأدب، نظرة عامة، يبقيها محدثة، وبالتالي يعزز التحسينات في إنتاج الكتب القيمة في المستقبل. من ناحية أخرى، سيستفيد القراء من حيث فهمهم للمعايير المطبقة عند تقييم العمل، ومقارنتها بمعاييرهم الشخصية).  

 

عصام الياسري

 

 

عبير خالد يحيىللكاتبة السورية د.عبير خالد يحيي

لا يستطيع الكاتب أن يبتعد عن بيئته مهما تناءت به المسافات ومهما أغرته الظروف بمعايشات أخرى مختلفة عما يدور في وطنه.

فالوطن في نهاية الأمر ليس مجرد أرض وبناء وجو محيط به، لكنه بالدرجة الأولى روح تسري في العروق وتفيض في الوجدان وتشعل الإحساس، ولايمكن مهما كانت درجة الغربة ودفئها أن تجعله ينسى ما كان يوما .

الوطن طقوس يعتادها الكاتب عبر يومه، ووجوه يراها في حياته، وهواء له مذاقه وروعته يتنفّسه، الوطن أفئدة تشدّك إليها هي بمثابة خيوط حريرية لا مرئية تشدّك إلى قلب كبير مهما رأيت منه فسوف يظل ساريًا في روحك، نابضًا في عروقك، متأججًا في زوايا نفسك بكل كينونته وعنفوان ارتباطك به.

ومن هذا المنطلق ننظر إلى ما بين أيدينا من آخر أعمال الأديبة الطبيبة السورية الدكتورة عبير خالد يحيي، وهو مجموعة قصصية بعنوان (ليلة نام فيها الأرق) التي تقع في 95 صفحة من القطع المتوسط تضمّ بين طياتها عشرين قصة قصيرة، تتراوح صفحاتها ما بين صفحتين إلى ست صفحات ونصف، تنقسم حسب مضمونها إلى مايلي:

-  الحديث عن الحرب وويلاتها

-  والحديث عن الخوف وآثاره، ثم محاولة مواجهته

-  والفقد بأنواعه والعجز الذي يسيطر على الإنسان، وهل يستطيع أن ينتصر عليه أم يستسلم له فى نهاية الأمر ويخضع له.

موضوعات كما نرى تسيطر على عقل الكاتبة ربما بوعي منها وربما لاشعوريًّا، تعبر عمّا في نفسها لكونها كاتبة سورية والكاتب ضمير أمته وهو القادر فى كل الظروف أن يعبر عن روح هذا الوطن وكيانه ، وإذا نظرنا إلى ماكتب عن الحرب السورية سنجد روايات عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر

-  غائب عن العشاء الأخير أيمن مارديني الاصدار عن دار رياض الريس

-  القنفذ رواية الكاتب إسلام أبو شكير عن دار فضاءات

-  أيام في بابا عمرو للكاتب عبد الله مكسور

-  طبول الحرب للكاتبة مها حسن

وكل منهم وغيرهم يكتب من منظوره ورؤيته للمأساة السورية وانتمائه لأحد أطراف النزاع، أو محاولة الوصول إلى أسباب النزاع ذاتها، أما كاتبنا الدكتورة عبير يحيي فلأنها امرأة أولًا، وأديبة ثانيا فسوف نرى مذاقًا آخر للحرب يموج بالإحساس المتدفّق مع السرد، والذي يحمل روح الأنثى بحميمية مشاعرها وخطوط حروفها ومذاق عباراتها التي تبدع وسط الدموع تارة ونظرات الإصرار أخرى في، دقة طبيبة تعرف جيدًا أين تضع المشرط، ومتى تجرح ولماذا، وكيف تداوي الجرح بالكلمات والانتماء الحقيقي لأرض نحلم جميعًا أن تعود كما كانت من قبل روضة غنّاء بناسها وأنهارها وبدائع زينتها

فإذا أردنا الحديث عن مضمون القصص فسوف نجد أن جزءًا أول من القصص تتحدث عن الحرب تمثل مايقرب من نصف عدد تلك المجموعة تقريبًا، وكلها بضمير الغائب، ماعدا القصة رقم 6 وهي بعنوان براغماتي، إذ أنها حوار بين طرفين، والقصة رقم 9 بعنوان نذور الوطن وهي بضمير المتكلم، أما قصص الحرب فهي :

الصفعة - أبناء قابيل – نهاية الانتظار – براغماتي - المنتصر في الحرب مهزوم – نذور الوطن - مركب الغرب

و قصص الجزء الثاني تتحدث عن الفقد، فقد الابن كما في قصة نذوور الوطن وصفعة وأبناء قابيل ومركب الغرب، وفقد الأب كما في قصة المنتصر في الحرب مهزوم وفقد الأخ والحبيب كما في قصة نهاية الانتظار، أو فقد الزوج كما في قصة أبناء قابيل والأفئدة الراحلة وليلة نام فيها الأرق

أما في الجزء الثالث من المجموعة علمًا بأن هذا التقسيم الجزئي يأتي في المضمون قسّمته بمعرفتي وليس تقسيمًا فعليا قامت به الكاتبة، نجد قصص هذا الجزء الثالث تتحدث عن الخوف كشريك لا يترك النفوس الخائفة ولا يغادرها، مثل قصة (يوم مت) وقصة (سيرة ذاتية) وقصة (ويبقى الولد ولد).

ثم نأتي رابعًا إلى قصص تدعو إلى الرفض والمقاومة وعدم التسليم للأمر الواقع مثل قصة (نام فيها الأرق) وقصة (رحلة) و(اللعب مع الكبار)

فإذا بدأنا بقصص الحرب سوف نجد في القصة الأولى (صفعة) تأخذنا الكاتبة مباشرة إلى أثر من آثار الحرب وذلك من خلال امرأة خرجت على المعاش حديثا وحيدة إلا من زوج لايخرج من البيت إلا لمامًا تصفه أنه جزء متحرك من أثاث البيت، بينما أولادها قد هاجروا بعيدًا، تذهب لتأخذ معاشها وتقرّر العودة سريعًا قبل الغروب لأن وجه النهار آمن نوعًا ما بينما الليل والحواجز خطر داهم لاتطمئن إليه، تركب عربة أجرة يغالي سائقها فى الأجر فتوافق مضطرة لكنه لايسير فى طريقه المعتاد بل في طريق آخر تستشعر معه الخطر فتتوسل إليه أن يأخذ كل مالديها من مال هو أملها فى البقاء حيّة ويتركها دون أن يمسّها بسوء، يقف بها أمام دار غريبة فى مكان لاتعرفه ويطلب منها النزول، لاتمتلك المقدرة على الحركة فيدفعها دفعًا ويضطرها للنزول، وحينما يفتح الباب وتشهد بعينيها الغرف والفوضى والقذارة التي فيها، يفاجئها بآخر ماكان يمكنها ان تفكر فيه قائلًا:

لاتخشي شيئا لن امسك بسوء ولن آخذ منك مالًا، كل ما أريده منك أن تنظّفي المكان

قصة لم تتحدث عن الحرب وويلاتها مباشرة، ورغم هذا تدخلنا في عمق المأساة مابين أم وزوجة واهنة بحكم السن وبحكم فقد الأبناء المهاجرين وحكم قلّة المال والشعور الداهم بالخطر في كل خطوة تخطوها وبين شاب فى الثلاثينات من العمر رغم اختطافه لها لم يفكر فى الاعتداء عليها أو سرقة مالها، بل تنظيف المكان وهنا تركت لنا الكاتبة الباب مفتوحًا على مصراعيه للتأويل فهل هذا الشاب فقد زوجته وربما هي أمه أو هي أخته ولماذا صار البيت ضربًا من فوضى وجحيمًا من قذارة وإهمال....؟!

ولانمتلك إلا القول بأنها الحرب....

ثم نرى وجهًا آخر للحرب في القصة التالية (أبناء قابيل) فنرى امرأة هجرها زوجها وعاشت لولدها الوحيد ترعاه وتأتنس بوجوده لكنه غاب وانتظرته طويلًا وفجأة يدقّ الباب بعنف، تهرول نحوه ظنّا أنه ولدها فإذا به آخر يدفعه شباب المنطقة بالركلات والصفعات ويلقونه بين يديها: قتل ابنك ياخاله

تصف الكاتبة في آخر القصة الحدث فتقول :

صمت قاتل جثم على صدور الجميع، حرّكه صفعة ضعيفة من كفّها الهزيل باتجاه وجه قابيل، وسؤال بقي بلا جواب لماذا قتلته؟

وهكذا تصرخ الكاتبة بكل حواسها قائلة:

قابيل ماذا تفعل بأخيك؟

ثم نجد آثار الحرب جلية واضحة في قصص (نهاية الانتظار) و(نذور الوطن) و(مركب الغرب) وهم متشابهون في ذات الدلالة. فإذا أخذنا قصة (نهاية الانتظار) مثلا فسوف نجد سارة ولمى صديقتين متخرّجتين حديثًا من كلية الطب، وتباشران العمل في إنقاذ المجروحين وتفقد الموتي تنتظران شخصًا واحدًا هو حسن شقيق الأولى وحبيب الثانية، وكل أملهما أن يعود سالمًا، لكن آلة الحرب اللعينة لاترحم ويبقي السؤال قائمًا لماذا يقتل قابيل أخاه ولايكف عن جريمته....؟!

أيضا في قصة (المنتصر في الحرب مهزوم) نجد أسرة اشتد أوار الحرب في مدينتها، مما اضطرها إلى المغادرة على عجل، ولم يتحمل الأب ماجرى، فمات وبقيت الفتاة الضعيفة الواهنة وحدها، وكان عليها أن تعول أمها المريضة واختها الصغيرة، فعملت خادمة بأحد البيوت، وإذا بها تجد أثاث الصالة هو أثاث بيتهم الذي تم سرقته وبيعه في سوق الحرامية، وفي إحدى كنباته مصاغها الذي خبأته، والذي أهداها إياه خطيبها، وختام هذه القصة يضعنا في حيرة فتقول الكاتبة فيه ص 38

"كيس الخام الذي حوى مصاغ ندى أخرجته ريم من حشوة الكنبة بعد أن بقرت قماشها من الأسفل بسكين حادة".

فهل اعطته ريم لندى ثانية أم احتفظت به؟

لم تجب الكاتبة عن هذا وتركت الأمر للقارئ، وكأنها تقول له الأمر ليس أمر صاغ مهما غلا، فثمنه قليل أمام فقد الأحبة والأهل والأمان والسكن.

وأيضا كان لاستخدام سكين حادة هنا وقع ملائم لطبيعة القص، فالحرب سكّينتها كانت فى منتهى الحدّة على الجميع، وبخاصة أسرة ندى وأسر كثيرة مثلها، وبطبيعة الحال إذا كانت الحرب قد طالت مدينتها فمدينة ريم من المؤكد لن تنجو من آثار تلك الحرب.

نأتي الى قصة براغماتي وفيها يعلو صوت الكاتبة برفض قائلة في ص 31

"مايحدث في أوطاننا من حروب ونزاعات حمقاء إن دلت على شيء تدل على أننا شعوب غافلة بكل طبقاتها، ندمر أوطاننا بأيدينا، وبأسلحة نشتريها من أعدائنا، والعدو الحقيقي يتربّص بنا فرحًا بما يراه منّا من فرقة وشتات واقتتال".

وقد أفاضت هنا فى الحديث عن قصص الحرب لأهميتها النفسية من ناحية، والتكتيكية في المجموعة من ناحية أخرى.

نأتي الى القصص التي تتحدث عن الفقد وهي قصص المجموعة الثانية التى تحدثنا عنها من قبل، ونأخذ مثالًا لها قصة ليلة نام فيها الأرق وهي القصة التي أخذت المجموعة عنوانها، وهي تتحدث عن امرأة وحيدة يرافقها الأرق تتساءل الكاتبة بلسان بطلتها :

-  لماذا تبرد الأماكن عندما يغادرها أصحابها؟

فسريرها تلسعه لسعات باردة منذ أكثر من ثلاث سنوات، يوم غادرها زوجها إلى مثواه الأخير، فتذكّرت فكرة قديمة كانت المرحومة أمها تلجأ إليها لجعلها تنام، وهي ارتداء ثوب جديد وحذاء جديد، فمضت بطلة القصة إلى فستان زفافها الدانتيلا الأبيض، أخرجته ووضعته على جسدها، الناحل نظرت إلى المرآة ص 64 قائلة :

-  لقد اصفر لونه قليلًا، سبحان الله حتى الملابس يجب أن تتنفس هواء الحرية بين الحين والآخر حتى لاتتبدل خامتها.

تنزع ثوبها القاتم وترتدي ثوب العرس قائلة نعم مايزال مناسبًا، ثم ارتدت حذاء الخطوبة الخاص بابنتها ووجدته مناسبًا، سارت جيئة وذهابًا مرّات ثم رفعت إبهامها مضمومة بقية الأصابع مع كلمة نعم نعم، ثمّ تخلعهما وترقد وهي تحتضنهما وتغطّ في نوم عميق، وهكذا نرى المغزى واضحًا والرؤية جلية، فلابد أن تسير الحياة وأن تتبدل الأحوال ولابد أن يولد الأمل من جديد وتعود الحياة الى رونقها، ولن يتم هذا إلّا بخلع السواد والعيش مع أمل يمنح حياتها معنى.

ولأن الكاتبة تعي تمامًا ماتكتبه، فقد كانت موفقة فى اختيار هذه القصة عنوانًا لمجموعتها، فالحرب مهما طالت ومهما كانت نتائجها فلابد أن تنتهي، وتفسح مجالا لأمل جديد يولد، تشير إليه هنا بثوب الزفاف وحذاء الخطوبة وهما إشارة لحياة جديدة وبشارة بميلاد جديد .

وهنا أيضا لايغيب عن بالنا أن الفقد بلا مقاومة موت، أما الفقد الذى يحاديه الأمل فهو بعث لحياة جديدة لابد أن نتمسك بها مادمنا نتنفس ونعيش.

والقصص التي تتحدث عن الخوف

الصفعة – يوم مت – قرناء السوء – ويبقي الولد ولد - سيرة ذاتية

فإذا اخذنا قصة (قرناء السوء) كمثال سنجدها تتحدث عن أم تزوجت ابنتها حديثًا ومرّ عليها عامان دون أن تنجب ولما جاء زوجها يشكو ويؤكد أنه سليم معافى، وأن العيب في ابنتها، قرّرت أن تعالجها بعد أن ضاق صدرها من شكوى زوج ابنتها، فلجأت إلى دجال يدعى الشيخ حسن الذي أخبرها رغم أنه لم يكشف على ابنتها ولم يرها حتى، قائلًا إن عليها عفريتًا قابعًا فى جسدها لن يخرجه إلا خوض غمار بحر هائج متلاطم الأمواج ص 18 لايجرؤ عل خوض غماره إلا من تريد طرد ذاك القرين القابع في جسد ابنتها ، ولكن المشكلة أن البنت متعلمة وسترفض حديث أمها فكانت الخدعة التى قالتها الأم أنها ستزور شقيقتها المريضة جدًّا فى جزيرة مجاورة، وطلبت من ابنتها مرافقتها فى ركوب البحر الذي كان يخشاه فى ذلك اليوم حتى البحار ذاته الذي رافقهما في رحلتهما، وحدث ماكان متوقعًا من انقلاب المركب وتعرض الجميع للغرق ونجت الأم لكنها حينما أفاقت تذكرت قول ابنتها لها حينما حادثتها عن شكوى زوجها من عدم انجابها :"انا مازلت عذراء يا أمي" وكانت النهاية الحتمية للخوف المرتبط بالجهل هو موت الابنة، لتعيش الأم فى جهلها نادمة أبد الدهر على ضياع ابنتها بسببها.

ثم نأتي إلى القصص التي تؤيد فكرة التمرد على الخوف ومحاولة التغلب عليه بمواجهته، وسوف نأخذ مثالا لها هنا قصة (رحلة)وهي تحكي عن أم وابنتها تبدآن رحلتهما في مركب تجمع غيرهما من المسافرين وتبدأ بسؤال واضح وصريح تسأله الأم لابنتها :خائفة؟

تلتفت البنت محاولة رسم بسمة بدا واضحًا أنها قناع تخفي به أعراض الهلع قائلة: لا أبدًا

بعدها أخذت كل منهما مكانها، وامتلأ المركب بالناس، خليط بين نساء ورجال وأطفال وفجأة تحدث حركة هبوط مباغتة للمركب، مما يستدعي صراخ الأم: هذا جنون ما أقدمنا عليه ضرب من الجنون

ثم يسير المركب متأرجحًا بين هبوط وصعود، بين صراخ الركاب وهلعهم إلى أن أُعلن: وصلنا هيا انزلوا

وهنا تواجه المرأة ابنتها بسؤال يلح عليها، فالبنت طيلة الرحلة كانت تمسك بيد سيدة غير أمها تتشبث بها وتطمئن إليها، سألتها أمها: لماذا لم تتشبثي بي؟! فترد البنت: خشيت أن تشعري بخووفي فتحجمي عن المحاولة.

إذن نحن أمام حالة خوف مستقر فى الوجدان، نهرب منه بأقصى مالدينا من مقدرة، ورغم الصراخ والهلع نصرّ على استمرار التجربة التى تكتمل بركوب القطار الذي تبطأت سرعته تدريجيًّا حتى توقف نهائيًّا أمام نفق مغلق، وعلى ضوء القطار المبهر رأت الأم شبح إنسان التصق بفوهة النفق، دققت النظر فيه فإذا هي شابة اقتربت وجلست أمام الأم، وإذا بها فتاة عشرينية ثيابها مهترئة، تدل أنها منسية منذ عقدين من الزمن، وعليها مساحيق ترابية باهتة، سألتها الأم: منذ متى وأنت هنا وماذا تفعلين ومن أنت؟

أشارت الفتاة بإصبعها إلى الأم كأنها تقول باتهام صريح :أنتِ.

لنصل هنا إلى لب الموضوع التي تعرضه الكاتبة علينا، ففي النفق المعنوي التى تعيشه الأم بطلة القصة تعيش منذ زمن ناسية أن العمر يمر والزمن يتغير ،لكن الأمر لايخرج فى حقيقته عن لعبة هي لعبة الحياة ذاتها بكل مافيها من خوف وهلع، لكنه لن يدوم بحال فلكل شيء انتهاء لذا نجد البنت تقول لأمها فى النهاية ص 59

هيا أمي ، game is over خبرنا الخوف وواجهناه

وقبل أن نختم هذه الاطلاله على مجموعة ليلة نام فيها الأرق للكاتبة السورية عبير يحيي نتكلم عن عدة ملاحظات سريعة منها مايلي :

-  1- الحوار يشكل أداة طيعة في يد الكاتبة بلا ترهل ولا إسهاب، ويشكّل ملمحًا من ملامح تكوين القصص والتعبير عن ذات أبطالها بدقة فنراها تستنطق أبطالها بلغة تكاد تقرب من اللغة اليومية فنجد مثلًا في القصة الأولى صفعة تقول السيدة العجوز لسائق التاكس:

-  كفر سوسة إذا بتريد

-  2000 ليرة

تشهق شهقة لا تكاد تتمها ليعترضها مساوما

-  آخذك بطريق مافيه حواجز

وفي قصة قرناء السوء نجد الحوار التالي:

تقول المرأة التي تم إنقاذها من الغرق حينما أفاقت من إغمائها:

-  أين أنا

يرد الطبيب المعالج :

-  لاتخافي ، أنت بخير ،أنت في المشفى وقد أنقذناك بعون الله من غرق مقدّر

وهكذا في حوارات القصص نجدها كما قلت تستخدم لغة طيعة سلسة بعيدة عن التعقيد تفيد بمعلومة وتقدم الشخصيات بفهم وإدراك لأبعادها،

2- تيار الوعي والمقصود به استنباط النفوس واجترار المشاعر في تداعيات نفسية لارابط بينها وقد استخدمته الكاتبة في أكثر من قصة، نجدها في القصة الأولى يوم مت تبدأ القصة على لسان شاب معاق كالتالي :

-  وحدها أمي كانت ترى في ضحكتي المعاقة حياة

لتستمر بعدها في رصد نفس هذا الشاب من الداخل والخارج شرحًا للأبعاد الجسمانية والنفسية معًا لتعطي للقارئ أخيرًا الرؤية من زوايا مختلفة، معبرة عن موضوعها التى تريد التحدث عنه.

-  3- الواقعية التحليلية وهي تتوسط الواقعية التسجيلية وتيار الوعي، فبينما الواقعية التسجيلية تقوم على السرد المباشر والوصف الخارجي، وبينما تيار الوعي يقوم على استنباط النفوس من الداخل والتنقل بين الداخل والخارج، نجد أن الواقعية التحليلية تقوم على رصد الحركات الإنسانية وتصوير الصراع النفسي الحاد، مع وصف الشخصيات وتحليلها وتفسير أحلامها عن طريق استدعاء الماضي

-  وهنا أيضًا نجد الكاتبة قد لجأت لهذا الاسلوب في أكثر من قصة، ومثال على هذا قصة رحلة التى بدأتها بسؤال صادم للأم تسأل ابنتها :

-  خائفة؟

سألتها باذلة جهدا كبيرًا لأخفي رجفان لساني كيلا يفضح رعبًا ملأ نفسي ص55

-  4- روح القص الحالة العامة هنا لروح القص فيها حزن داهم وألم جارف تأثرًا بما يجري في سوريا الوطن، فنجد فى معظم القصص كلمات مثل:

-  قطعته صرخة مارقة أعقبها صوت ارتطام حاد بالأرض ص 28

-  مايحدث في اوطاننا من نزاعات حمقاء؟ إن دلت على شيء فلا تدل إلا على أننا شعوب غافلة ص 31

-  أخيرًا بين أزرقين، فوق مركب متهالك لا يكاد سطحه يبين، قد زرع برؤوس بشرية متراصة .....خوفًا من مباغتة خفر السواحل لهم ومنعهم من ركوب مراكب الموت ص 68

5- الأسلوب يتميز أسلوب الكاتبة باستخدام الصور الجمالية لتوضيح أفكارها، فهي تعتمد عليها كثيرًا فى حالاتها الشعورية المختلفة، مابين سرور وغضب وضعف وقوة وخوف وهلع ومن أمثلة هذا الجمل التالية:

-  تلفتت الي محاولة رسم ابتسامة بدا واضحًا أنها قناع تخفي به أعراض الهلع ، أنا اصلًا أخاف من الأقنعة مهما كانت منمّقه ص 55

-  صار الصمت هو الصراخ الذي يصمّ مسمعي، احتل الذهول تقاطيع وجهي المنمنمة وتسلل الخوف الى جنباتي المظلمة ص 70

أخيرًا.. أقول أن تلك كانت إطلالة على مجموعة متخمة بمشاعر صادقة حيّة، تفيض بروح الانتماء لوطن ندعو الله جميعًا أن يعود لسابق عهده بلدًا للياسمين.

 

محمد عباس علي

....14 أبريل 2019

 

  

ثامر الحاج امينضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق صدر مؤخراً رواية (رُقم الغياب) للروائي العراقي المقيم في السويد "علي عبد العال" وهي تعد الكتاب العاشر في سلسلة اصدارته الأدبية التي توزعت بين الرواية والقصة القصيرة، وعلى خلاف رواياته السابقة التي اتخذت من المنافي وآثارها المؤلمة ثيمها الرئيسية لدرجة ان الناقد الدكتور حسين سرمك الذي درس في كتابه (الفردوس المشؤوم  المنجز الأبداعي للروائي عبدالعال وصفه  بـ "اختصاصي أدب المنافي"، فان هذه الرواية تتخذ من السيرة مادتها على مستوى الشخصيات والأماكن والحوادث، حيث يعيد فيها عبد العال احياء الماضي المتعلق به شخصيا وبمدينته الديوانية وذلك من خلال سرده جانبا من فصول حياته وحياة المدينة وطبيعة الأماكن التي شهدت طفولته ونضجه ومغامراته وكفاحه الطويل ضد الدكتاتورية .

في الفصول الأولى من الرواية التي اسماها بالرٌقم كي تعطي بعدها الزمني، يحرص الروائي عبد العال على ضبط الزمن اثناء بنائه الشخصية الرئيسية " حيان البصري " التي منها يبدأ التعريف بسلالته العريقة وتاريخ اسلافه، فبسرد ممتع يكشف عن مهارة في المزج  بين الذاتي والتخييلي وبلغة صافية يغلب عليها الشعر يدخلنا عبد العال الواقع الاجتماعي لحيان البصري نتعرف فيه على الصبي المكافح الذي تدفعه ظروف الفقر وحالة اليتم المبكر الى العمل مع (الصيادين الكسالى الشرسو الأطباع) حيث يقوم على خدمتهم بتلبية طلباتهم البسيطة لقاء أجر بسيط وبضع سمكات صغبرة يجودون بها في أخر النهار ليسد بها رمقه، ويمتعنا الكانب برهافة وصفة للواقع الاجتماعي الذي يحيط باسرة حيان المكونة من امه التي تعيش معه في كوخ بائس يظهر فيه حيان رغم الفقر والقهر انه يعيش في هدوء واستقرار راضيا بنصيبه الى ان يلتقي بعرافة  فتضطرب حياته ويتغير مجراها بعد ان تقرأ طالعه وتخبره انه سوف يتزوج من فتاة جميلة تنجب له ثلاثة صبيان  سيبتلعهم البحر الواحد تلو الآخر، الأمر الذي يدفعه الى الهرب من المصير الذي تنبأت به العرافة وذلك بالهجرة الى بلاد اخرى يتخذ فيها من البر وسيلة للعيش بدل الماء أملا في قطع الطريق على تحقيق نبؤة العرافة وينتهي به المطاف العيش في كنف الشيخ " بدر ذو النورين " الذي يلمس فيه الشهامة والقوة فيكافئه بان يهدي اليه ابنته " النوار "، التي تنجب له  ثلاثة ابناء يذهبون الواحد تلو الاخر طعما لسمكة القرش الجبار ولم يبق من العائلة الا ابن يحمل اسم" علي بن حيان البصري " الذي سيكون الامتداد و(الخيط الذي يروي هذه الرواية ص 62) .

 بهذه الحكاية الممتعة برهافة الوصف وتسلسلها الزمني، التي يرتدي بطلها قتاع الراوي  يستهل الكاتب روايته الجديدة، وللوهلة الاولى قد يظن القاريء انه امام رواية ذات طابع اجتماعي، لكنه ما ان يقطع شوطا في قرائتها حتى تتكشف له الابعاد السياسية للحوادث الصغيرة التي سربها الكاتب عبر لغه رشيقة غنية بالدلالات، فبعد قتل القرش الكبير الذي تمادى في افتراس الابناء يقول عنه (لم يمت القرش الكبير اذاً، خلّف له ذرية من القروش الصغيرة المفترسة تسبح بحرية في هذا العالم المظلم الجديد، العالم الغريب الهلامي الذي تضيع فيه جميع الحقائق والاصول ص 70) .

الرقيم الرابع الذي اسماه (في طريق العودة الى الرحم) يمثل انعطافة ونقطة تحول في مسار احداث الرواية ويؤكد فيه حقيقة ان لارواية تخلو بعض تفاصيلها من شخصية الكاتب، فبعدما كان الكاتب يتخذ في اشاراته للشخصيات والأماكن اسلوب الترميز وعدم المباشرة فانه يتخلى في هذا الرقيم عن قناع التخفي ويضعنا وجها لوجه امام شخصيات باسمائها وتاريخها الحقيقين الا عند بعضها حيث يجري التحوير البسيط على اسمائها احتراما لخصوصيتها وتجنبا المساس بمكانتها الاجتماعية من الاساءات التي قد تطالها عند ذكر بعض تفاصيل حكايته، فالحفيد " علي بن البشر بن حيان البصري " الذي يتولى سرد الفصول اللاحقة من الرواية ه العائد من اوربا عبر معبر ابراهيم الخليل في اب 2003 بعدغربة عن البلاد دامت اكثر من ثلاثين عاما هو نفسه الكاتب والمناضل "علي حسين عبد العال ص 98 " الذي يبدأ باستعادة ذكرياته مقاتلا في صفوف الانصار الشيوعيين منذ لحظة وصوله الى السليمانية ولقائه بصديقه الكردي " مام كمال " الذي شاركه تلك التجربة النضالية المريرة، بعدها يتوجه الى مدينته " الديوانية " ليكتشف حجم الخراب الذي طال النفوس والبنى ومظاهر الفوضى حيث لاقوانين ولانظافة  ونفوس مدمرة خلفتها سياسة النظام الدكتوري، عند ذلك يشرع الكاتب في فضح جرائم النظام السابق بحق الشعب وبحق عائلته على وجه الخصوص الممثلة بنكبة الاخت في اعدام ابنها وسجن زوجها ومصادرة بيتها وموتها كمدا بعد سلسة معاناة ثقيلة، وعلى صعيد تاريخه الشخصي يقول عبد العال انه صار شيوعيا بالفطرة نتيجة ماشهده من جرائم الحرس القومي بحق عائلته وبحق الاخرين عندما كان صبيا في الثامنة من عمره. كما ويسرد تفاصيل شخصية جدا عن علاقته بـ " النوار " الفتاة التي يصف ماجرى لها من انتهاك لعذريتها في لحظات حب حقيقية معه بانها ضحية التقاليد الاجتماعية المتخلفة، وفي الرقيم الرابع عشر والموسوم بـ " سيرة ثعبان " يختتم الكاتب سيرته التي تداخلت معها سيرة المدينة وسيرة النظام السياسي ويخوض في ظروف حياة الثعبان ــ الدكتاتور ــ الذي اذاق الشعب ذلا وقتلا انه انجبته افعى رقطاء الذي رغم نهايته وغيابه عن المسرح السياسي الا انه (مايزال يحكم المنطقة بجوقة من فراخ ثعابين سامة وأفاع مرقطة من نسله الشاذ ص 289) . 

وقد يحسب البعض على الكاتب خوضه في تفاصيل شخصية لاتعني القاريء، لكنني لا أجد عيبا في ان يتخذ الكاتب من سيرته وسيرة مدينته التي لحق بها الاهمال والخراب والتعسف وسيلة لفضح جرائم النظام السياسي وسيرة افعاله، وهو مافعله الروائي علي عبدالعال في روايته الممتعة (رٌقم الغياب) التي تمثل سيرة انسان وسيرة مدينة ونظام .

 

ثامر الحاج أمين

 

جبار ماجد البهادليقراة في تجليات السرد المنثور

إذا كانت اللغة قديماً في منظور ابن جني (بأنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم) والتعبير هنا اشارة واضحة ودقيقة إلى الناحية الصوتية والاجتماعية، كونها نسقاً كونياً إشارياً ورمزياً للمعرفة الإنسانية، فأنها لا تختلف كثيراً عما قاله المحدثون من الناحية التداولية،أي وضيفتها التداولية المناطة بها. وهذا يعني أن هناك فرقاً واضحاً بين مفهومي اللغة والكلام، أي أن اللغة شيء والكلام شيء آخر. واللغة كما يراها عالم اللسانيات الحديثة السويدي فرناند دي سوسير قائلاً : (أن اللغة والكلام عندنا ليسا بشيء واحد، وإنما هي منه بمثابة قسم معيَّن وإن كان أساسياً) أي أنها نتاج اجتماعي لملكة الكلام. والكلام أياً كانت أصوله أو مذاهبه أو مرجعياته الرئيسة (وحياً أو توثيقا أو تواضحاً أو اصطلاحاً أو محاكاة للطبيعة)، فإنه نتاج هذه اللغة الأم وتكوينها .

إن ما أريد أن قوله من خلال هذه التوطئة اللغوية الميسّرة إن النتاج الفكري الذي ينتجه المبدعون المحدثون شعراً أو نثراً هو نتاج وصنيعة هذه اللغة الخالدة في تطورها الزمني الطويل، وعبر آليات مختلفة من حيث المستوى النظري المنهجي أو الإجرائي التطبيقي، كونها لغة تعبيرية نفعية للإنسان . وقد اختلفت المستويات الأسلوبية الإبداعية في التعبير عن هذه اللغة اختلافا فنياً مغايراً من كاتب لآخر وفق ما يمتلكه الصانع الماهر من أدوات تعبيرية خلاقة تتحكم فيها محمولات ملكة استعداده الفطري الذاتي، واستعداده الثقافي المعرفي المكتسب الذي يكتنزه في خزين هائل من الثقافات المعرفية والإنسانية المتعددة الرؤى والاتجاهات .

لا شك أن هذا التمايز اللغوي الفارق بين هاتين الصفتين يشكل بوناً واسعاً وعلامة لافتة للنظر بين شاعر أصيل مبدع، وشاعر آخر لا يمتلك من لغة الشعر البيانية إلا الغثاء الجافي والهذيان العابر، وبين سارد رصين مُحكَم في لغته الجزلة واقتصاده الأدبي المتوازن، وآخر سارد ناثر لا يجيد من لغة النثر السردية سوى الأنشاء التقريري والثرثرة لملء الفراغ بالزبد غير النافع .

ويبدو أن هذا الأخير هو الغالب الذي كَثُرَ انتشاره الغَثُ، وتوسعت سطوته الركيكة عل حساب السمين المملوء فناً ولغةً. وربما تعود أسباب ذلك الى انحسار دور الرقيب الثقافي أو انعدامه، أو لسبب غياب وقلة الموازين النقدية واختلاط المفاهيم المعرفية لفن الرواية السردي لذلك شهدت الأوساط الثقافية عراقياً وعربياً ظاهرةٍ جديدةٍ، وإن كانت لها جذور قليلة تتمثل لدى بعض الطارئين على هذا الفن السردي بتضخيم حجم ولغة الرواية شكلاً لا مضموناً، كماً لا نوعاً دون النظر إلى آليات وشروط كتابة هذا الفن العالمي الحديث، وتدبّر قواعد قراءته من خلال تحشيد الألفاظ والعبارات والتراكيب اللغوية المصفوفة زخرفياً وفنياً بحكايات قصصية طويلة، وتصييرها شكلاً كتابياً على أنها رواية (كماً وكيفاً)متغافلين الوقوع في حبائل شرك الاقتصاد الأدبي، وتوفير الصحيح .

(ثلاثية اللوحة الفارغة) رواية واقعية حديثة للكاتب المبدع عبدالرضا صالح محمد، والصادرة عام 2015 بثلاثمائة صفحة من القطع المتوسط عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت / لبنان . وتتألف هذه الرواية من سبعة فصول متقاربة، جعل فصلها الأخير تتمة وخاتمة شائقة لفصولها، واللافت لفصولها السبعة أن الكاتب وسم مطالع هذه الفصول بمقدمات عنوانية، وقولية نصية لأبرز المشاهير من الكتاب والأدباء العالميين لتكون مرآة عاكسة وتعضيداً وإسناداً لوحه بنيات فصولها. وجاءت الدلالة اللغوية لهذه النصوص المتفردة تقنياً نصا ًموازياً لثيمات وأنساق النص الأدبي السردي الذي هو متن الرواية ووحدتها العضوية الكبرى.

إن قراءة متأنية فاحصة لأساليب السردية المعاصرة في التكوين اللغوي ل (ثلاثية اللوحة الفارغة) يُجيل بنا النظر عميقا إلى أن ندوس خلالها أرض هذه اللوحة الفنية الرامزة، ونقتفي آثار هندستها اللغوية المائزة، وجماليات أنساقها الثقافية، وأشكالها اللفظية المعمارية بقراءات تأويلية مُتجددة الألوان من حيث صيرورة رؤيتها الفكرية، وضبط ثيمات إيقاعها السردي المتضاد زمانياً ومكانياً وعُقداً وشخصيات، ومن ثمة الإيغال في مستويات نصّها السردي، والكشف عن منعطفات وتلوين بنياته التركيبية والدلالية والمعجمية، وتفكيك شفرات رموزها اللغوية التي ينتجها السياق المعرفي الدلالي للنص السردي جمالياً وفنياً، باعتبار أن اللغة كونا دلاليا قابلاً للتأويل. كل هذا الاشتباك النقدي لمستوياتها الثقافية وإنتاجها الجمالي والمعرفي يجعلك أن تقف مندهشاً صامتاً أمام عتبة هذه اللوحة الرئيس متفكراً في إيحاء مدلولها الضارب بالتأويل والتحليل، باعتبار أن العنوان بطبيعته يشكل شفرة مهمّة من شفرات العمل الأدبي، ومفتاحاً سحرياً من مفاتيح جماليات الرسالة النصية التي تستنطق عقل المتلقي، وتفتح مغاليق دهشته الفكرية بمهمازها الحركي المباغت للوعي الذهني الذي تلتقطه أنظار القارئ للوهلة الأولى من ذلك المثير الحسّي. وطبيعة الحال، إن هذه الشفرة العنوانية التي هي أساسا تمثل إيحائية رمزية دلالية مُتجلية في تركيبها اللغوي المكين، ونسقا معرفياً ثقافياً مرجعياً من أنساق العمل السردي الذي اكتملت خريطته التكوينية بثلاثة أبعاد وجوه نسوية في لوحة سردية واحدة مما يجعلها أن تكون تقنية سيمائية جديدة ونصا ًبارزاً موازياً للنص السردي الذي يقف وراءه السارد مضمراً ومُتجلياً بما تُفضي وتؤول إليه فضاءات الرسالة النصية .

(ثلاثية اللوحة الفارغة) ذات الأبعاد الثلاثة وجوه بشرية لثلاث نسوة أحبها مختار بطل الرواية الرئيس، فالوجه الأول يمثل وجه (مريم) حب الطفولة والبراءة والعفاف، والوجه الثاني يمثل وجه (ديدكا) الفتاة ذات الأصول الروسية التي جاء حبها عرضاً ورغبة وتعويضاً جنسياً وشبقاً عن حبه الطفولي الأول، أما الوجه الثالث من هذه اللوحة الأثيرة يُعد الوجه الأبرز والأهم فيها هو (زينب) التي تمثل الحب الحقيقي العذري لحياة البطل، فضلاً عن كونها رمزاً للبعد الثالث الذي تكررت وجوهه في الأبعاد الثلاثة لهذه اللوحة.

ولكل وجه من هذه الوجوه الثلاثة جاءت لغة السارد النثرية تحمل معادلاً موضوعياً مشتركاً بين رسم هذه الوجوه بلغة توصيفية نسقية رشيقة تُميّز كل وجه عن الوجه الآخر من حيث جماليات الدلالة اللغوية الفنية والتسريدية لأبعادها التوظيفية. وقد عمد الكاتب إلى أن يتحدث بلغة قوية هي لغة ضمير المتكلم الحاضر على لسان شخصياته الرئيسة والفرعية في بناء وسرد أحداث روايته، لذلك احتلت الأفعال الماضية المقترنة بتاء الفاعل، ولزمنية الحاضر ـ كدلالة حدثية زمانية ـ القدر الأكبر من فضاءات السرد الروائي (تذكرتُ ـ جلستُ ـ هممتُ) .

فمن بين الشواهد التي يتماهى فيها السارد بلغته التصويرية الشفيفة مع زينب الشخصية المحورية الثانية من أبطال روايته، فيروي سارداً على لسان حالها في توصيف حبها لبطل الرواية مختار متذكرة إياه (رأيته هنا، وهنا، وهناك، ابتسامة عبق فواح ملأ الفضاء، أو رفرفة جناحين بين الأغصان، أو لحناً سحرياً هادئاً، أو قبسا من نور ينير الظلام، فتحتُ عيني وعطره يملأ أنفاسي، وصوته يُجلجل في ذاكرتي، وهيأته ما تزال تملأ كياني وروحي). ص (17). وبهذه اللغة رسمتْ أحلامها وآمالها وتطلعاتها الفكرية والاجتماعية .

وفي معرض الحديث عن (ديدكا) الوجه الثاني من اللوحة التي بُنيَّ حبها على أساس من الرغبة الجسدية، وبدافع جنسي محض تأتي لغة السارد منسابة من لغة التفاصيل اليومية التقريرية إلى لغة يرتقي بها إلى مناص الفنية التشكيلية التي انماز بها بطل الرواية مختار باعتباره كائناً روائياً مثقفاً ورساماً تشكيلياً بارعاً. فتروي حبيبته زينب ما تعتمل ريشة هذا الفنان من أفكار وتداعيات مسوغة في الوقت نفسه أسباب رسم هذه اللوحة بالقول : (لهذا لم يضعها ضمن لوحاته، بل ترك إحدى زواياها بلطخ لونية قاتمة فارغة، ليكتفي بثلاث زوايا). ص 35، إذن اللغة الإشارية لرسم اللوحة من وجهة نظر السارد لم تكتمل فنياً، ولم تنته سردياً بعد ...

لن يكتفي عبدالرضا صالح محمد بالفضاء اللغوي السردي المعتاد للرواية بل ينعطف بلغته التسريدية إلى كون من كوائن البلاغة الحديثة في إزاحة لغوية تحويلية وتناص تاريخي إيحائي ليسقط فيه أحداث ألف ليلة وليلة الأسطورية على شخصية مركزية واقعية من أبطال روايته كنسق ثقافي ومرجعي يرمز به الى شخصية زينب الشخصية المجددة لحياة البطل مختار، ويُماهي بها رمزياً شخصية شهرزاد التاريخية المنقذة من الهلاك المحدق : (شهرزاد الأنثى التي أوقفت نزيف الدم الذي كان شهريار يمارسه كل ليلة من لياليه بطريقة بشعة، لا يقبلها العرف ولا المعتقد، لذلك كانت تضحيتها كبيرة جداً في راحتها والسهر الطويل لتروي له حكاية من أجل بنات مدينتها، التي لم تعرفهن أصلاً، إذن فهو يعتني (مختار) ويقصد بقوله : أنت يا زينب تضحين بشبابك من أجلي) ص 36 وفي هذه المقاربة السردية اللغوية لوقائع التاريخ مع الحاضر جاء التضمين متوافقاً مع شخصيتي الرواية المحوريتين شكلاً ومضموناً.

وبهذا التوصيف اللغوي التضميني الذي يؤرشف به تاريخاً ثقافة شعب، وتراث حضارة أمة تُحيلنا عبارة السارد (شهرزاد تعبث بأوراق الخريف)ص 36 التي وضعها بطل روايته عنواناً فرعياً بارزاً للفصل الأول من روايته الى دلالة لغوية سيمائية تشعيرية تجلّت بما أحدثته زينب أو (شهرزاد) من تغيير إيجابي طال حياة بطلي الحكايتين دون السقوط في هاوية المحظور السلبي.

وحين تُجيل النظر في مطلع فصله الثاني تطالعك مرة أخرى عبارة (شهرزاد تعبث بأوراق الخريف) تلك العبارة الأثيرة التي وسمها بطل الرواية لفصله الأول، حيث تتنامى بتلقائية سلسة لغة معجمه السردي النثرية الى لغة شعرية مكتنزة يهمس بها تارة بلغة تدفقية عذبة تميل الى تشعير النثر وتصويره فنياً إذا جاز لنا التوصيف، وتارة أخرى يجنح بها إلى مصاف التقريرية الجادة، حيث تكون لغة الحوار اليومي المألوف الذي يُجَسِدُ فيه إرادة وعزيمة بطله مختار مردداً: (فليس شيء يثنيني عن إرادتي، سأمتطي العاصفة الرعناء، وأطارد الغيمة الهائمة في وكرها، وأركب الموجة العاتية في محيطها، وأصنع الحروب، وأقاتل الأشباح التي تحول دون ذلك، وتهدد كياني، وتتحدى وجودي بسيوف من نار، فقد مضى العمر وجار بي الزمن لخمسين عاما من الألم والوحدة القاتلة...) ص 41ـ 42. إن هذه التلقائية في التشعير اللغوي الذي تبوح به عقلية بطله وتنفذه دخاناً سردياً نافعاً كانت السلوى الوحيدة والملاذ النفسي الآمن له في الحياة، ولولاه لفقد عقله وتحوّل الى مصح عقلي للأمراض النفسية .

وعبر مجسات أثيره النصي ينقلنا السارد بخفة لغوية إلى مشهد درامي آخر من مشاهد بطل روايته الذي يترنم بخيلاء وزهو بجمال حبيبته صوتاً وحركةً وطلَّةً بلغة تصويرية مدهشة تنم عن براعة حسية تجريبية ذاتية لافتة: (تهفو مجلجلة كأنها رشفة نسيم عابر، أرقبها من نافذة الغرفة، أهفو لرؤيتها بتأن ساعة طلتها عبر الزجاج نافذة القسم) ص 46 وكأننا هنا نرى أو نتأمل لوحة أو مشهداً فنياً تتوالى فيه حركية الأحداث بتتابع صوري متناغم ثم يمضي بنا السارد قدما متنقلاً بلغته الشفيفة واحاسيسه العذبة الى موضع تسريدي آخر يًوظف فيه طواعية اللغة توظيفاً حسياً ينسجم مع الدلالة السياقية التركيبية للحدث السردي الذي تسمو فيه الأفعال الافتراضية بحركتها الإيقاعية الرومانسية لتعزف قولها: (رقصت بما أُتيت من مهارة، ولما تعبت ألقيت بجسدي على السرير، وفتحت الكتاب ووضعته على صدري، أحسست وكأن (مختار) قريب مني، وأن عطره يملأ فضاء الغرفة ورائحته تفوح بين ثنايا صفحاته، وأن أنفاسه تحيط بي، أغمضت عيني، ونمت والكتاب على صدري حتى المساء) ص 50

وحين نتوغل بتجلٍ في مهيمنات السارد اللغوية، وننقب بتؤدةٍ عن آثار هذه السردية في معجمها اللغوي السياقي تنهض بنا لغة الكاتب قائمة لتتحول من لغة تدفقية تشعيرية نَميرةٍ الى لغة حرب وهجوم ودفاع صارم وفق ما يتطلبه مقتضى الحال ولغة المقال زمانياُ ومكانياً لتقرع نذير أجراسها الضروس بواقعة الحدث فتعلن: (حاولت مرةً اختراق سواترنا الأمامية، وخرق قواتنا الدفاعية حتى بلغت قلب الميدان، وكادت أن تثبت رايتها في مواقعنا، وفي اللحظات الأخيرة من هجومها، أفشلتُ محاولتها وأجبرتها على التقهقر إلى مواقعها الخلفية) ص 57ـ 58 ولعل هذا الانتقال المفاجئ في لغة الرواية يدل بإيحاء على الجو النفسي الذي يمرُّ به ويعيشه بطلها مع من يقصدها كحبيبة أثرت به الانتقال من حال إلى آخر .

وفي المحطة الأخيرة من محطات تسريده اللغوي نقف متأملين إلى ما يراه الكاتب من أن لغة التلاعب بالمشاعر والأحاسيس، وخاصة المشاعر الرومانسية الساخنة والحميمة، هي لغة خاصة وصامتة لا يمكن فهمها إلا بعد محاكاتها والتعبير عنها بطرائقها الخاصة . ولننظر بقراءة خاصة إلى قاموسه اللغوي الباذخ في التعبير عن المدلولات الجمالية لامرأة تدعى (سيدة القصر) من أتباع نظام السياسي قبل التغيير، أثارته بغنجها المترف، فكانت استجابته لها تصويراً فنياً زاخراً بإمارات  الجمال البديعي الباذخ بالصوت والحركة والإيقاع الأسلوبي اللافت حتى (كاد صدرها أن ينطلق لجماله، كأن ثدييها فرسا سباق تتأهبان للقفز والوثوب من حاجز مرتفع وهي تحمحم وتقول: هيت لك، ما ذا تنتظر؟ كنت أحس بهذه اللغة، وأتوق الى اللعب بها، وأرتمي في أحضانها ... إلا أن المواقف الصعبة التي تباغتك ولا تعرف نهايتها هي التي حجزت بيني وبينها) ص 171 . وهذا يدلك على أن المواقف الصعبة هي التي تنتج لغة السارد.

ومن مصداق القول ونافلته أن نقرّ حقيقة هذه الرواية التي وضع أساس خريطتها الفكرية بطلها مختار الذي حال الموت بينهما دون أن يتمها، فارتأت حبيبته وزوجته زينب إكمالها وإتمام وجوهها الثلاثة كونها وجهاً بارزاً من وجوهها الفارغة التي جاد بها قلم ساردها عبدالرضا صالح محمد .

كل هذه التعددية في الانتقالات اللغوية تؤكد بصدق أن لغة الكاتب لا تقف ميّتة أو عاجزة الأداء عند حدٍ معين أو متناهٍ من حدود اللغوية الثابتة، بل تتخطى ذلك الخط إلى فضاءات لونية من التجدد اللغوي الذي يضفي على أسلوبية السارد شيء من روحه وفكره، فيأتي تسريده للجملة أو العبارة التركيبية متساوقاً مع ثيمة الغرض والجوّ الذي وظفت من أجله أصلاً .

ولا شك أن هذا التأصيل اللغوي اللّوني الذي إنماز به المعجم السردي للكاتب تُحتّم علينا أن نُثبّت حقيقةً تأصيليةً مهمة تدلّك بقصدية واعية على أن خاصية الاستعداد الفطري والمكتسب ثقافياً لموهبة الإبداع التي يتمتع بها عبدالرضا صالح تجمع بين ثنائية الفن الروائي السردي والفن التشكيلي رسماً الذي عرف به رساماً تشكيلياً قبل أن يشتهر روائيا سارداً. لذلك جاءت أغلب أعماله الروائية والقصصية المرئية منها والخيالية لا تخلو من هذه الثنائية المتجانسة جماليا وفنيا التي أضفى عليها أجزاء كثيرة من أفياء محطات سيرته الذاتية والفنية. موظفا موضوعاتها الحياتية الشائقة بقالب سردي محكم يتماهى فيه مع شخصياته الثقافية الرئيسة بأسلوبية واضحة وقصدية مائزة تشدك نفسياً إلى أن تتفاعل بعفوية تلقائية، ورغبة كبيرة مع مجريات أسلوبه السردي الحكائي الواثب، دون الشعور بالنكوص المفاجئ أو الممل أو الضجر أو الرتابة الممقوتة، فضلا عن الإيقاع الحركي الأسلوبي في تنغيم الجملة السردية الذي يوظفه كتابياً في التعامل الدلالي اللغوي للبنية السردية، والانتقال به جمالياً وفنياً من موضع لآخر.

 

   د. جبار ماجد البهادلي