طارق الكناني(عندما تحوك لي من خيوط معاناتك قلب وفيّ فهذا هو الحب)

 في خضم هذه العبارة التي الزمت الكاتب ان يستحضر كل تداعيات المرحلة العمرية التي وصل اليها، لوصف حالة انسانية أو مرحلةٍ عمريةٍ منصرمةٍ، خالط فيها عدّة مشاعرٍ قد تكون مزيجًا من الحب والرغبة مصحوبة بالنقاء النفسي الذي غالبًا ما يصاحب الإنسان في مرحلةٍ ما، حيث تتنامى لديه هذه المشاعر، تؤجّجها ما يسكن في اللاشعور من ذكرياتٍ يعتقد الإنسان إنها قد انتهت وتخلّص منها في فترةٍ ما، ولكنها تبرز للظهور ضمن نسق حياتي اعتاد عليه خلال مسيرته. وهذا يتطلّب تأجيج حالة الصراع العاطفي بين ما هو مرغوب وبين ما يثير عقدة الشعور بالذنب لدى هذا الإنسان ،لأن هذا الذنب ناتجٌ عن الإيمان بأنساقٍ فكريةٍ قد يعتبرها البعض متأزمة،لأنها تقع ضمن نطاق المثالية المتعالية، ولكنها في الحقيقة مغروسة في النفس البشرية (تؤتي أكلها كلّ حين)، ففي حالة الجدب الروحي والتيبّس العاطفي يستدعي العقل الباطن للإنسان كل هذه المشاعر ليبدأ مرحلةً مختلفة، كما بدأ محسن بطل روايتنا (فضاء ضيق) في مرحلةٍ ما عندما اكتشف أن زوج عشيقته قد أصيب بذكورته مما حرمها من ممارسة حقّها وجاءت عنده تبحث عن هذا الشيء، أنكر عليها حاجتها لممارسة الحب، لا لشيء إلّا لكونها زوجة جريح حرب، حيث قال عبارته (أنا وأنت والحرب على زوجك) فهو يعرف إنها كانت متزوّجةً وترتكب فعل الخيانة الزوجية معه، وهذا لم يحرّك مشاعره المتبلّدة والمشحونة بالشغف الجنسي وعشقه لهذه المخلوقة، ولكن هناك دافعٌ آخر هو ما أوقظ حسّ التعاطف مع الزوج المخدوع، هو كونه جريح حرب. فإيمانه بهذه الحرب هو ما جعله أن يتخلّى عن سلوى . 

1578 فضاء ضيقإن صراع عواطف بطل رواية فضاء ضيق التي جاءت نتيجة حنين لجسد امرأة تركها في لحظةٍ يقظةٍ للضمير، وفي مرحلةٍ تختلف بأنساقها الفكرية عما يعيشه الآن، فحالة الحرب التي يعيشها البلد هي واحدة لم تتغيّر طبيعتها، فالموتى والجرحى والأرامل واليتامى هم أنفسهم عراقيون، ولكن الجهات المتحاربة فقط هي من تغيّرت، وهذا ما استدعى تغيير نوع الثقافة، فبالأمس كان العدو مختلف عن اليوم مما استدعى حالة التعاطف الوجداني مع الزوج، أما وقد أصبح عدو الأمس صديق اليوم، هذا بحدّ ذاته يفرض قيمًا وأخلاقًا جديدةً لما يجب أن نكون عليه، فالكاتب والروائي محسن (بطل الرواية) الذي كان يكتب للحرب الأولى أصبح اليوم في مفترق طرقٍ وتغيّرت لهجة بعض أصدقائه معه، هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا يصحبونه الى جلسات الخمر ويسامرهم بالرغم من كونه لا يعاقر الخمرة، إلّا أنه في جلساتهم كانت راحة له، لقد تغيرت بوصلة الصحبة من الجلوس على ساحل بحيرة الرزازة الى الاتجاه الى المعاكس.. إن تواجدهم  في مقرات الأحزاب الدينية واطلاق اللحى والتختّم باليمين، هذا بحدّ ذاته تحوّلٌ كبيرٌ أوضح لدى محسن حالة البراغماتية لدى أصدقائه من الكتّاب ،وهذا يستدعي إعادة النظر بالثقافة المجتمعية التي أفرزتها الحالة الطارئة. فهو قد عرف بوفاة زوج سلوى وهو يعرف تماما استحالة الزواج منها فهو مازال ضمن الرقعة الجغرافية للثقافة المجتمعية لم يستطع مغادرتها ،(فلا يمكن لك الزواج من كانت عشيقتك) والسبب (قد خانت زوجها مهما كانت الأعذار لذا ستخونك).

 إن عملية تسليط الضوء على الأنساق الفكرية والعقدية خلال رحلة البحث عن سلوى، أفرزت حالة شعور بعدم الانتماء، مما أضافت أزمةً نفسيةً أخرى، ملاصقة لما يختزنه، فازدادت حالة التمرّد على واقعٍ لم يألفه سابقا. إن قوة السلطة التي تمتّع بها النظام السابق تمكّنت من إخفاء معالم وقيم وثقافات كثيرة.. ففي مدينة مثل (كربلاء) والتي تدور فيها أحداث الثلاثية ( فرواية  فضاء ضيق هي الجزء الثالث من رواية علي لفتة سعيد بعد روايتي الصورة الثالثة ومزامير المدينة).

 إن محسن لم يستطع  أن يكتشف نوع الثقافة المحلية التي أراد الانتماء إليها في فترةٍ معينة، ففي الجنوب تختلف أنماط الحياة، وباختلافها يتأثّر الناتج الثقافي ونمط التفكير والأنساق المعرفية والفكرية بشكلٍ عام، مهما تظهر لنا الصورة البعيدة من كونها تشابهها كون هذه المدن يجمعها، مكوّن عشائري واحد، ومعتقد واحد، وربما حتى لهجات متعارفة بينهم، إلّا أن الاختلاف يكمن في طريقة العيش، لم يتمكّن الكاتب من الغوص بأعماق المجتمع الذي يعيش فيه بسبب حالة الانغلاق التي يعيشها المجتمع ذاته، فهو لم يطلّع على نمط الحياة وأسرار المجتمع إلّا من خلال صديقه (مجتبى) مما أظهر خللًا في النسق الفكري، ولو كان في ظاهره بسيطًا في البنيوية حيث استطاع أن يخفيه بشكلٍ أو آخر، إنما هناك عملية قلب حقيقية، فالسيمياء التي تحدّث عنها علي لفتة سعيد وأراد من خلالها إنشاء علاقة بينها وبين النموذج اللساني البنيوي هي علامات حدّدها المنحدر الجنوبي للكاتب، ولعلنا نستطيع أن نرى تأثيرًا للمتصوّر اللغوي في اللاوعي الفرويدي  في حالة الكاتب هذه، فلقد كانت مقاربته توفيقية في جوهرها التي مازالت تتعاظم على امتداد السنين .

صراع  ثقافات

في حديث خاص لي مع الروائي الدكتور علاء مشذوب والذي هو احد شخوص هذه الرواية عن طريقة بناء الرواية والامساك بحركة الشخوص ضمن اطار الحبكة الدرامية ،يقول الدكتور علاء: ان الرواية عندي تبدأ برسم شجرة للعائلة اتحرك من خلالها واوزع الادوار فيها حسب الحبكة سواء كانت حبكات مصير مثل: حبكة فعل، او ميلودرامية ،او تراجيدية ،او تهكمية ،او عقوبة ،او عاطفية . أو حبكات الشخصية أو حبكات الفكرة والتي تتضمن حبكة الكشف والحبكة الانفعالية وحبكة الخيبة . فنرى من خلال هذه المشجرة التي يرسمها علاء تمكن من محاكات الواقع في مدينته ،وكذلك علي لفتة عندما كتب (السقشخي) كان متمكّنا في الكشف عن مدى تعلّقه في تراثه الأدبي الأصلي فقد أظهر براعةً غير مسبوقةٍ وهو لم يبرع بنفس القدر عندما غادر الرقعة الجغرافية التي ينتمي اليها.

إن لكل مجتمع أسراره وخفاياه، فما يظهر من أنساق فكرية في مجتمع مثل المجتمع الكربلائي لا يمثل حقيقة الصراع الفكري المتأجج بين ثقافتين إحداهما طارئة حالية اصطبغت بصبغة دينية مطلقة، وأخرى تنطوي عليها البيوت المغلقة وما تمثله من ثقافةٍ متحرّرة هي أبعد ما يكون عما تظهره بعض الجهات التي كانت الى عهدٍ قريب، هي الرائدة في حالة التحرّر. ما يهمنا هي رؤية الكاتب نفسه الى هذا المجتمع فهو يظهر معاناة حقيقية في كيفية فهم مجريات الأمور وطريقة التعامل مع شخوص الرواية والذي استمدّها من شخصيات حقيقية تعيش نفس تناقضات المرحلة، مما جعل (علي لفتة سعيد) يتقمّص دور الضمير للكاتب محسن فهو يعيش ضمن شخصيتين لا يمكننا أن نقول عليهما متناقضتين، فهما يبدوان على توافق كبير ويتمّم أحدهما الآخر.  فهذا الضمير هو من كان يتكلّم باسم الشخص الأول في الرواية، وربما استوقفه معاتبًا ليعكس صراع الذات.. ففي هذا النوع من الروايات يكون الضمير حاضرًا ليردع ويوجه الشخوص لأنه يمثل الوجه الاخر لشخصية بطل الرواية .

 اختلاف في الرؤى الفلسفية

هناك جنبة فلسفية أضفت على الرواية نوع من الحيوية والديناميكية، وعكست تنوع الفكر المجتمعي وحرية إظهاره ،وأخرجت الرواية من رتابة البحث المستمر عن (سلوى)، عندما كان الثلاثة يقفون على أرض محايدة وهي (مصر) فهناك (محسن) الذي يجمع بين طرفي المعادلة وهناك (حليم) الفيلسوف الإسلامي هناك (علاء) الذي تبنى الفلسفة المادية.. لقد انعكست حالة الصراع الفكري والفلسفي بين المقدّس والمدنّس، فهم قد يتّفقون في مرحلة معينة، ولكنهم لا يتّفقون مع  الخطّ الوسطي لهم، وقد اطلقوا عليه اسم (المقندس) وهي كلمة تم مزجها من كلمتي (المقدس والمدنس). ففي كلا الاتجاهين الذي يمثلهما حليم وعلاء هم متّفقون على زيارة الاضرحة والغور في العمق التاريخي للطقوس والإرث الحضاري، وكلاهما يعشقه، ولكن الفرق بالنظرة الموضوعية لهذا الإرث، حيث ينظر له (حليم) على إنه مقدّس ويجب أن يمارس بشكلٍ مميّز ومقنّن لا يمكن المساس بهذه التقاليد.. وكذلك (علاء)  يحب أن يمارس هذه الطقوس والتي يعتبرها إرثًا حضاريًا نتج عن ثقافةٍ مجتمعيةٍ متجذرةٍ في الحزن والبكاء، ولا علاقة لها بالمقدّسات، فهي طقوس موروثة ربما تمتد قبل ظهور الدين..  مثال ذلك (اللطم)*1 وربما تكون مستمدة من شعائر دينية لديانات أخرى.. مثال ذلك (الزنجيل )*2.وهذا دليل آخر على إن اليسار المتطرّف واليمين المتطرّف هما من منبعٍ واحد، وأنا إذ أورد هذا الرأي لا يعني أني أتّهم شخوص الرواية بالتطرّف فهم أكثر اعتدالّا في طرح أفكارهم ..

إن مفهوم الدين وتطوّره يعكس لدى الأطراف الثلاثة مفهومًا حضاريًا ومتّفق عليه وهو مفهوم غير مؤطّر بقيودٍ تفرضها الحالة الإنسانية أو الحاجة لتشريعٍ معيّن، فهو مفهومٌ واسعٌ غير معني بالعبادات وتطوّرها لدى الديانات المختلفة، ويبدو لي أن الحوار كان فيه امتداد لرسائل أخوان الصفا * (مجموعة فلسفية اسلامية). التقى الثلاثة خلال هذا النقاش في الإطار العام، وهو جانب المعاملات وهو ما تؤكّد عليه الديانات الحديثة.

إن الخوض في هكذا موضوعات يتطلب منّا معرفة (بأن النصّ المقدس بطبيعته نص إشكالي، هذه السمة الإشكالية تنطبق على النص الاسلامي مثلما تنطبق على غيره من النصوص المقدسة لأديان الثقافات القديمة)*3. اعتقد ان الروائي علي لفتة سعيد كان موفّقًا في طرح هذه الرؤية الفلسفية على لسان شخوص الرواية .

 فقد استخدم الكاتب  أسلوب التكثيف في طرح كل الانساق الفكرية المعلنة للمرحلة الراهنة، والتي ادّعت الأحزاب الدينية تبنّيها وترسيخ هذه الأفكار لدى النشء الجديد، من خلال تكريس الطقوس واشغال المجتمع بنمطٍ معيشي جديد، لا يعتمد على الكدح والعمل الجاد، بل يأتي من خلال منظمات مجتمع مدني أوجدت لتقديم المعونات والهبات للمعوزين، لهذا جاءت رواية (فضاء ضيق) لتتحدّث عن كلّ الانساق الفكرية المضمرة، التي تعاملت بها أحزاب السلطة وكشفت زيف المعلن منها.

ففي المشهد الأخير الذي صوّر عملية اغتيال الكاتب الروائي علاء، كان بمثابة إعلانٍ عن اللغة الحقيقية لما يجري في البلد، وتذكير لحرية الرأي التي مارسها الأصدقاء الثلاثة، وهم في مصر من خلال طرح أفكارهم بشفّافيةٍ عالية، دون خوفٍ أو وجل، وكشف الزيف الفكري لهذه الأحزاب وما تطرحه من فكرٍ لا يطابق ما تمارسه على أرض الواقع .

 

 طارق الكناني

.........................

 1- وهو (ارث سومري )

 2- وهو (ارث نصراني ) ومارسه الهندوس ونقلوه للشعائر الحسينية مؤخرا.

 3- فراس السواح (طريق اخوان الصفا) ص9.

 

بكر السباتينلصبحي فحماوي

في هذه العتبة سنغوص في أعماق الرؤية التاريخية لحقبة احتلال مصر الفرعونية لبلاد كنعان من خلال قصة حب جمعت بين إخناتون الفرعوني ونفرتيتي الكنعانية.. في سياق رواية صبحي فحماوي التي استلهمت التاريخ ولم تستنسخه.. وقد خالطت في مضمونها الحقائق مع الخيال في إطار رواية أدبية بكل المقاييس الفنية.. إنها رواية “إخناتون ونفرتيتي الكنعانية” الحادية عشرة التي صدرت في فبراير 2020 عن الدار الأهلية للطباعة والنشر- بيروت- عمّان- وهي قصة حب شهيرة للأمير إخناتون، ابن الإمبراطور المصري أمنحتب الثالث، والأميرة الكنعانية إلهام- نيفرتيتي، ابنة رفائيل ملك مملكة مجدو.. ولكنهما عند التقائهما وجهاً لوجه، على أبواب معركة مجدو الشهيرة، يتوصلان إلى عقد اتفاق يقول لها فيه:

” نيفرتيتي… ستكونين الزوجة الملكية.. الملكة العظمى. ولن يكون حب كبير كحب كل منا للآخر.. وستبقين جميلة وسعيدة إلى الأبد.”..

وفي هذه العتبة سنركز على تداعيات النهاية المؤساوسة لعلاقة جمعت بين هذين الأميرين الذيْن أقاما بنيان مملكتهما في إطار دولة اتخذت لها عاصمة جديدة وكيف أن هذا الحب لم يصمد أخيراً أمام النزعات الشخصية للملك إخناتون حيث فرقت بينه وبين معشوقته وزوجته نفرتيتي الكنعانية، وكيف إن الصراعات على الحكم التي دبت بين أفراد العائلة وخصوم الملك أدت إلى تهاوي حلم العاشقين بطريقة أفجعت تفاصيل البداية المفعمة بالحب الصادق والإلهام الجميل.

هذا النهر الذي يعيد إلينا بينابيع الحياة الكنعانية بتفاصيلها المدهشة وتفاعلها مع الآلهة التي ما لبثت لها بصماتها في بعض عاداتنا.. حيث تجري أحداث هذه الرواية بين طيبة عاصمة مصر الفرعونية، وممالك بلاد كنعان الممتدة من البحر الكنعاني إلى بابل، مروراً ب عجلون وعمون وموآب، وصولاً إلى صيدا وبيروت وجبيل، وأوغاريت.. وقد زودت الروافد نهر الرواية الهادر الجاري، بمعطيات الحياة الحافلة بالتنوع والحكايات المسرودة بنكهة التاريخ والأساطير التي ساهمت في تشكيل الوعي الذي حدد ملامح الشخصية الكنعانية.. وفي هذه الرواية، يتعايش القارئ مع قصة حب عظيمة وملهبة للمشاعر، حيث الصعود إلى ذروة الحدث ثم الهبوط.. وتداعيات المؤلمة.. نحن نتحدث عن رواية تكشف لنا الكثير من خبايا التاريخ السحيق حينما احتل المصريون الفراعون بلاد كنعان، فاشتبكت السيوف والقلوب وخرجت الملاحم التي خالطتها الأساطير وأنعشت تفاصيلها قصة الحب التي جمعت بين إخناتون ونفرتيتي.. رغم النهاية غير المتوقعة لمسارات القلوب التي خالفت مسارات العقول ومآربها. في سياق إنساني منفتح على الخيال داخل إطار تاريخي محسوس وليس منسوخاً بحذافيره.. أي أن الرواية تنقل عبر النهر الدفاق نبض الحياة في تلك الحقبة الكنعانية بتفاصيلها الإنسانية بعيداً عن السرد التاريخي، لذلك فقد وظف الكاتب كما سنرى الصور الفنية الجميلة لتقريب المشهد إلى قلوب القراء قبل عقولهم.. حتى يراها العقل الباطن فتتحول لديه إلى مسلمات.

وفي سياق هذه الرواية يعرفنا الراوي” العالِم” بالتلسكوب الصيني الذي سمح له باستخدامه لاسترجاع الماضي من قلب الفضاء بصرياً. وهذا ينسجم مع فيزياء الكم لو أمعن القارئ التفكير.. فحدقة التلسكوب الصيني تتبع افتراضياً ما تلاشى من انعكاسات الضوء للأحداث عبر الكون اللانهائي الامتداد.. وكأنه يذكرنا بنظرية الحسن ابن الهيثم في أن الأجسام تعكس الضوء الذي يسقط في عيوننا فنستطيع رؤيتها.. ووفق الكون الأحدب والبعد الزمني في نسبية أينشتاين، ومبدأ عدم اليقين في فيزياء الكم، فإن الأجسام ومنها النجوم، لا ترى بالعين المجردة عبر السنوات الضوئية، إلا بعد أن تلتقي الأشعة العاكسة للحدث بعيوننا فتتبلور الصورة.. لذلك ففي الكون الأحدب توجد بعض النجوم المولودة التي لا نراها لأن أشعتها العاكسة لم تصافح عيوننا بعد، والعكس صحيح إذ توجد نجوم تلاشت بعد أن استنفدت طاقتها لكننا نراها لأن الشعاع الذي انقطع عن الحدث ما زال في حالة تواصل مع عيوننا فنراها قائمة.. هذا يترجم لنا مبدأ عدم اليقين.. من هنا فالروائي صبحي فحماوي استغل هذه الحالة الفيزيائية ليأتي لنا بالدليل البصري على أن أحداث روايته حدثت كما وصفها الراوي.. فالتلسكوب الصيني استطاع ملاحقة الأشعة الكونية من خلال المرايا لرصد تفاصيل الأحداث عن كثب.. وقد كتبها فحماوي وفق الشروط الموضوعية للرواية بدءاً من الشخوص الرئيسة والثانوية المساندة، والحوار المتنقل ما بين المباشر وتيار الشعور، مروراً بالحدث فالذروة والمكان وصولاً إلى الزمن الذي استعادته المرايا بدقة بالغة.

وفي إطار عتبة هذه الرواية أيضاً نذكر بما قاله الراوي المثقف في سياق عملية الولوج من المستقبل إلى الماضي، مروراً بتداعيات الحاضر الذي سادت مفرداته عقله الواعي:

” قال لي العالِم الصيني المسؤول؛ إنني بصفتي روائياً معلوماتياً عربياً، أستطيع بهذا المنظار أن أشاهد ما أريد من أحداث الماضي” إلى أن قال:

“ولتأكيد أنني في علم ولست في حلم، ثبّتَ العالِمُ سماعتين على أذنيّ، فكانتا تُسمعاني قرقعة الأسلحة، وأصوات حوافر الخيول المطاردة في ذلك التاريخ السحيق، والصرخات، والآهات، وأحاديث الحب والغرام، وحتى الأحاديث المترجمة بنظام الترجمة الفورية من الكنعانية والهيروغليفية إلى العربية الحديثة…هكذا أفهمنى منظار الزمن، الذي لم أتوقع بأي حال من الأحوال أن أنتقل برمشة عين إلى ذلك العصر الكنعاني الفرعوني المجيد”

ومن هنا تبدأ الأحداث تتوالى في سياق قصة عاطفية إنسانية مستلهمة من تاريخ منهوب، في ظل سياسة تضليلية من قبل المؤرخين المعاصرين المجيرين لصالح الرواية الصهيونية المزورة، التي دأب أصحابها بكل ما لديهم من قوة على نفي الآخر، وانتحال تاريخه الكنعاني المجيد وتراثه الفلسطيني الأصيل.

وهنا يتحول الراوي السارد إلى إحدى “شخصيات الرواية المستقبلية” في زمن يكون باستطاعة الإنسان  فيه استرجاع تفاصيل الماضي بالتلسكوب الصيني، حيث أسقطت هذه الشخصية وعيَها الذي يتجاوز الزمن على تفاصيل “الماضي”، في الوقت الذي استعاد فيه الراوي التاريخ الكنعاني المنتهك، من خلال استلهامه في إطار حكاية مروية، وإسقاط ذلك التاريخ على الحاضر بكل تجلياته ومفرداته.. فالتاريخ الممتد عبر الزمن التراكمي يتكرر في تفاصيله الإنسانية، حيث يتجلى ذلك في الثنائيات التي أتخمت بها رواية فحماوي، وكان أهمها ثنائيات: “ما بين مركز الفعل والهامش”، الخير والشر، الحب والكراهية، “سطوة الدين ومؤسسات الدولة واتباع سياسة القطيع ومن ثم تجيير المواقف، مقابل المواجهة المباشرة والحوار لحسم الواقف”.. ليخرج القارئ الحصيف من خلال هذه الثنائيات بخلاصة تمثل الحقيقة المليئة بالتقاطعات والثنائيات المتنافرة على أرضية فسيفسائية تمثل واقع الحال آنذاك.. وتتكرر اليوم وربما مستقبلاً حيث يقف الراوي أمام التلسكوب ليستعيد الماضي التليد والمحجوب عن الأنظار.

وقد جمّل فحماوي روايته بالخيال المجنح على متن لغة سردية مثقفة، رزينة ومستقرة، مفعمة بالصور الفنية واللوحات الجميلة من خلال الوصف الجميل لتفاصيل المكان البيئي حيث بين الكاتب ملامح تلك الحقبة من التاريخ الفرعوني الكنعاني المشترك.. إنها الرواية التي لفتت انتباه المبدعين العرب، حيث جاء السياق التاريخي فيها وفق المصادر التاريخية المنصفة.. وقد تفاعلت الشخصيات النامية والثابتة، الرئيسة والثانوية، على صعيد إنساني منذ بداية الأحداث ونمو الصراع فيها فالذروة حتى الخاتمة القاسية التي أقيمت على تناقض النفس البشرية ونزعاتها الشهوانية والسلطوية وصعود الأنا إلى الذروة.. في تداعيات عاطفية إنسانية تخللتها صراعات عززت من عنصر التشويق في الرواية، من خلال وصف حياة الكنعانيين المتحضرة التي كانت تتمتع بالتنوع والازدهار، واستلهام روح وثقافة المجتمع.. حيث تمازج الأدب الرفيع والفن الراقي وديانة ايل الكنعانية، إذ تعلقت قلوب المؤمنين وفق قناعاتهم آنذاك بالإله الموحد المنير الكنعاني إيل مقابل عبادة الإله الفرعوني “أمون” حيث كان الكهنة يقيمون شعائر عبادته في معبد الكرنك بعاصمة مملكة مصر “طيبة”، أولئك الكهنة الذين تحالفوا مع السلطة في سبيل الاغتنام غير المشروع من المواطنين.. الذين أرهقتهم الضرائب.. سواء في بلادهم أو في الممالك الكنعانية التي كانت خاضعة لسيطرة ملك مصر أمنحتب الثالث.

وسوف يتنفس القارئ الصعداء وهو يعيد قراءة هذه الرواية من جديد بعين السائل المتأمل.

 وفي الختام فإنه يمكن استخلاص عدة عبر من هذه الرواية.. فالحب الذي تختلط فيه المصالح يحتاج إلى تجيد والعودة به إلى ذكريات اللقاء الأول المغسول من الخطايا.. فذلك سيضع الكوابح في طريق الزلات المدمرة.. وهذا لم يحصل في قصة حب نفرتيتي وإخناتون.. لأن الحب يحتاج إلى رعاية مستمرة حتى لا تشيخ.

وتقول المعادلة التوفيقية في الحياة أنه لا بد من الحفاظ على صداقة من هم إلى جانبك، وصناعة صديق، وتحييد عدو.. ومواجهة الخصوم إذا أتت منهم الأذية بجاهزية تامة.. وهو ما نجح فيه في معركة مجدو لكنه لم يتحقق معه إبان حكمه..  فكل أفعاله أتت بعكس ذلك تماماً.. لذلك واجه المؤسسة الدينية وخصوم مشروعه السياسي الذين يشكلون الدولة العملق دون جاهزية معتمداً على إيمانه بفكرته ومشورة زوجته فقط.. وربما لو وسع من دائرة مستشاريه واستقطب خصومه بحنكة أكبر لظفر بنصيب أكبر من النجاح..

وأخيراُ فإنه إذا اجتمع المال والسلطة والجشع واللهو والتسيب فقد الحاكم توازنه.. وإن العاقبة لا شك ستكون وخيمة.. وقياساً إلى الرؤية الخلدونية التي تحدثت عن مراحل سقوط الدولة، وكما أشرنا إلى ذلك في سياق المقال، فإنه بعد ظفر أخناتون بالحكم، وتعالي "أناه" في سياق منصبه الذي تفرد به وتنعم بخصائصة، مهمشاً بذلك من صاروا فيما بعد خصومه الذين استغلوا الفراغ الذي دفع به إلى حياة الدعة والبذخ واللهو والصرف دون حساب على حساب الدولة، فانقضوا عليه بقسوة؛ كانت نهاية الدولة الهلاك، وبالتالي أتت خاتمة العاشقين مأساوية.

 

بقلم بكر السباتين - الأردن

 

 

عبير خالد يحيىإنّ داريدا وضع التّفكيك بين الأحاديّة والثّنائيّة، رفض الثّنائيّات، واعتبر الجانب الثّاني أقلّ أهميّة من الأوّل، أقرّ الوعي ولكن قلّل من شأن اللّاوعي، واعتبر أنّ اللّاوعي أرضًا غير آمنة للدّلالة، بذلك وقعت فلسفته (الحضور والغياب) بين الأحاديّة والثّنائيّة، ولم تبلغ أيًّا منهما، لذلك صار التّفكيك رفضًا للترانسندنتالية وثيولوجيّة سوسير، وكان الهدف من ذلك هو سحق البنيويّة، وبدء مرحلة سمّاها ما بعد البنيويّة .

لذلك صارت الكتابة – وهي الجانب الثّاني من اللّغة(صوت- كتابة)- وبما أنّه يقلّل قيمة الجانب الثّاني كما قلنا سابقًا، فقد أصبحت الكتابة بالنّظرة الدّاريديّة هي (اختلاف) لاختفاء الصّوت فيها حسب تمركزه اللّاغوسي، فسمّى جانب الكتابة بالمفهوم المتدنّي، والدّلالة فيها دلالة ثانويّة لغياب المدلول المقترن بالصّوت الغائب، فكان (الإرجاء والأثر) بديلًا ل (المدلول)، لذلك صار المدلول بعيدًا عن متناول اليّد تفكيكيًّا، وظهوره يعني موتًا للإله والكاتب، ويعني بموت الكاتب تفكيكيًّا (الإله)، والله أوّل من كتب النّص المقدّس، فموت الكاتب تفكيكيًّا يعني موت الإله

و مادامت كلّ علامة تؤدّي وظيفة مزدوجة في حركة المعنى من الاختلاف والتّأجيل، فصار الاختلاف عند الذّرائعيّة حضورًا بمعانٍ مؤجّلة، تنطلق من مرحلة الإرجاء الذي وقف عنده (داريدا)، لكون داريدا يعتبر الاختلاف غيابًا، لأنّ الدّلالة فيه كاذبة، لكونها مكتوبة ومرئيّة، وتشهد موت الإله، أمّا الذّرائعيّة فقد نظرت لمنظور (داريدا) بشكل معاكس ينطلق من كينونة الدّلالة لغويًّا، والتي تعني شيئًا مرئيًّا وصورة شاخصة تشير لمدلولات أخرى، ودلالة داريدا هي شيء ملفوظ غير مرئيء، يضمحل بعد لحظة التّكلّم مباشرة، بذلك يكون مفهوم داريدا عند الذّرائعيّة معكوسًا، ويبرهن ذلك عمليًّا عند حدود النّصّ، فلا نصّ محكي في التّراث الأدبي، بل جميع النّصوص وخصوصًا المقدّسة جاءت مكتوبة، وأُثبتت حضورها وحضور كتّابها بالرّغم من موتهم، فغياب الكاتب عنها لا يمسّها بشيء.

نشاهدها جليًا في النص العربي المكتوب الذي لا يبرهن موت كاتبه، بل بالعكس، فهو يعطيه خلودًا دائميًّا ميتافيزيقيًّا ثابتًا لسلوكه الأدبي، يتجاوز فلسفة الحضور والغياب التفكيكية، وها هو امرؤ القيس يعيش بيننا ولا نعرف حتى متى ولد بل نعرف (قفا) حرفًا حرفًا، لكون النّصّ كيان من دلالات حيّة لا تمسّها يد في التّغيير وإن مات كاتبها، فالنّص الجيد خالد لا يموت، طبقًا لمبدأ أينشتاين في التّضاد النّسبي في الوجود والغياب، تظل مدلولاته ومفاهيمه مخزونة في عقول الأحياء، تنتقل من جيل الى آخر وهذا ما يشهده ويبرهنه الواقع والتّراث الأدبي والمعرفي الإنساني المكتوب والمطبوع والعكس تمامًا في حصّة الملفوظ، فقد تبعثر وانتسى...

موت الإله جدليّة معتمة وطريق مغلق لا شأن لعلم النّقد فيها، فقد أراد داريدا إثبات فكرة وجوديّة، بفحوى قوله : من أنّ الكتب المقدّسة السّماويّة أقرّت موت كاتبها، لكونها حين تخضع للتّفكيك تظهر شروخًا ونواقصًا وتناقضات في مضامينها([1])، وهذا الرّأي بعيد عن آليّة تعقب المنقوص بالنّظرة الأحاديّة في نقد النّصوص، والحقيقة اللّغويّة تثبت بأنّ تسمية النّص تُبَرْهن بنعته عند كتابته وليس بلفظه، لأنّه في لفظه إعلانًا لغيابه واضمحلاله بعد لحظة التّكلّم مباشرة، وهذا الرّأي أو الاعتقاد بحدّ ذاته يعدّ خروجًا جدليًّا معقولًا ومحايدًا من المأزق الوجوديًّ في الفلسفة الأوربيّة الأحاديّة وفلسفة الاختلاف والإرجاء التّفكيكيّة باتجاه السّاحة الذّرائعيّة العربية، بتوافق معقول مع الواقع العربي  المتدّين بالخلق والإنسانيّة، تثبته سورة الكرسي وسورة الإخلاص وسور وآيات كثيرة  في القرآن الكريم والكتب السّماوية الأخرى بما يخصّ خلود الإله وصمديّته‘ أما فكرة موت الكاتب فهو رأي خبيث يشير به داريدا نحو موت الإله لكونه أول كاتب للنّصوص المقدسة، فما يخرج عن هذا الرأي مطلقًا الفلسفة الأحادية، لكن الحقيقة، عند التّحليل اللّساني أو النّقدي علينا أن نصوّرالكلام المنطوق عن طريق  الكتابة، كصورة للّغة المحكيّة الأصليّة التي رسمها الدّماغ الإنساني في مركز اللّغة في المخ، وحاجة الكتابة قرّرتها موجودية التحليل والعلوم المتعلقة به كعلم اللّغة واللّسانيات والنّقد والأسلوبية، فحين نحلّل شيئًا لايمكن أن يكون غير موجود، بل يجب أن تقرّ موجوديته أولاً قبل تحليله ببنيته وكينونيته التي تكون صورة من العالم الخارجي نحو العالم الداخلي، لكن ما نريد تأكيده بالفعل، هو أنّ الدلالة صورة وعلامة سيميائيّة للاستدلال، ظهرت مع الكتابة ومع التّحليل والدّراسات التّحليليّة التي تشعّبت إلى تفسير وتفكيك وتشريح....الخ... بشكل أعمق من ظهورها مع الكلام المنطوق، لأنّها في المنطوق لا تبقى شاخصة لتقوم بواجبها الاستدلالي والإشاري والتّحليلي، لاضمحلالها السريع بعد لحظة التّكلّم مباشرة، لذلك فالدلالة المكتوبة هي الأرسخ في التّحليل النّقدي، وليس الدّلالة المحكيّة.

وخلاصة القول، فإنّ داريدا صاحب التّفكيك هو رجل فيلسوف وليس ناقدًا أدبيًّا، وضع أسس فلسفة الحضور والغياب بمبدأ حضور الإله (اللوغوس) الذّاتي وغيابه، ولكن زجّه الفلاسفةُ والباحثون في متاهة النّقد الأدبي بكتاباتهم المستمرّة عند حياته، حتى كسر ظهر الدّلالة بغرافيّة التّمركز والاختلاف، باعتباره أنّ الدّلالة اللّغويّة المكتوبة تصبح ظلًّا للدّلالة اللّغويّة المنطوقة التي تمثّل ذاتيّة حضور الإله، والأخرى المكتوبة تبرهن موته، فهي إذًا تنتج اختلافًا في المعنى يتجلّى في الإرجاء والأثر، وقد يجيء مغايرًا لها حين تكون منطوقة، ومن هنا انطلقت الذّرائعيّة بتثبيت أقدامها على أرضية النّصّ المكتوب، بشكل معاكس تمامًا لما ثبته داريدا آنفًا بنتيجة موت الإله......

 

د. عبير خالد يحيي

الإسكندرية 21 يونيو 2020

......................

[1] - الدكتور نبيل راغب – موسوعة النظريات الأدبية – ص230 و231

 

صادق السامرائي

"الشعراء إكتشفوا اللاوعي ولستُ أنا"

قراءة نفسية لقصيدة "بيتي" للدكتور وليد العرفي.

هذه القراءة ضمن المحاولات التي جربتها منذ سنوات فيما أسميه بالتشريح النفسي أو النقد النفسي، وقد بدأتها بقصيدة أنشودة المطر ومعلقة إمرؤ القيس،  وغيرها من القصائد التي يحثني على قراءتها ما تكنزه من طاقات نفسية، وتعبيرات سلوكية تعيننا على فهم الإنسان، وهذه القصيدة تقع ضمن الموضوعات التي أهتم بها، وأحاول فهمها وتشريح آلياتها النفسية.

البيت موطنٌ ووطن والذي لا بيت له لا وطن عنده، والوطن الذي لا يأوي مواطنيه يخلعهم من ذاته وموضوعه، والبيت كيان أهملته الأجيال وقلّ الإبداع فيه، فكأن المنهج المطلوب أن يتحقق تغييب البيت من الوعي الفردي والجمعي،  ليتحقق إستباحة الأرض والهوية.

وتناولتُ هذه القصيدة لأنها تجمعني بذات الموقف والمشاعر عندما وقفت على البيت الذي ولدت فيه وأمضيت بعضا من طفولتي بأرجائه، وقد تحوّل إلى ركام، وشكله وغرفه وطوابقه منحوتة في ذاكرتي، وما كان يدور فيه من نشاطات إجتماعية، ووجدتني في محاورة دامعة معه.

"والأهم أن موضوع البيت قد تناوله شاعر من وطن مُستلب يتم الإستحواذ على بيوته، والعمل على محق هويتها ودلالاتها الإنسانية والوطنية"*.

فالقصيدة تشكل إنثيالات نفسية وفكرية ذات قيمة معرفية، وكأنها رعدة مدوية في فضاءات الصمت العربي، التي تتمادى بالقنوط والتماهي بالخسران.

القصيدة تبدأ بصرخة عودة، وثورة إرادة ونداء روح يجزم بأن البيت بيتي، والوطن وطني والصوت صوتي، فشلال الذكريات والتفاعلات الإنسانية يتردد في أرجاء بيتي وإن توطنته أيها الغريب، نعم أعود إلى بيتي الذي لم يفارقني أيامَ بُعدي عنه، وقد عانيت كثيرا من هذا النأي عن بيتي، وأني أعود وسأعود إلى بيتي!!

أعود فعل مضارع يفيد الحاضر والمستقبل، ويكشف عن الإصرار والمثابرة والعمل الدؤوب الذي عليه أن يُثمر، ويقضي على الشعور بالغربة في المكان الذي عاش فيه الإنسان.

وهي ذات المشاعر عندما يعود المهاجر إلى وطنه ومدينته وبيته فيمتلئ إحساسا بالغربة، لأن نهر الأجيال قد جرى فيبدو وكأنه غريب بين أهله وناس مدينته.

 أعودُ إلى بيتي غريبا وما درى

بما كنتُ ألقاه ببُعدي وما جرى

فما مرّ يومٌ دون ذكرى وغصةٍ

وما ذقت طعم الفرح إلاّ تمرمرا

أيها الغاصب لبيتي حرمتني من الفرح والبهجة لأنّ بيتي يمثل حياتي ويحمل ذكرياتي، ومسيرة طويلة من الأحداث والتفاعلات الإنسانية المدوية في أرجاء أعماقي.

حوارية رائعة بين البيت والإنسان الذي غادره عنوة، فأول ما تتأجج في أعماقه في هذا الموقف هي الذكريات النابضة بالحياة والمشحونة بالعواطف والإنفعالات، التي تجعل أي فرح لا يُقارن بفرح الكينونة الإنسانية في البيت.

وأنّيَ في بُعدي القريبُ بلهفتي

وما اخترتُ بُعدي طائعا كنتُ مجبرا

ومن ديناميكية التفاعل مع الموقف أن يحضر الإجبار، وأن يُقنع الإنسان نفسه بأنه لم يهجر مكانه بخياره وإنما لأسباب خارج إرادته .

فجلتُ به عيني أراقبُ ساحهُ

وفي الأرض بلّور الشبابيك بُعثرا

وحالما تتحقق المواجهة بين البيت والإنسان تنهض المراقبة وتتجسد، لأن النفس تريد أن تفتش عن آثارها وما يشدها للمكان من مفردات وعناصر أسهمت في تحرير الذكريات وتوثيقها، فيتحوّل كل ما في المكان إلى حيٍّ ناطق، وقد تناول هذا الموضوع العديد من الشعراء منذ سالف الأزمان، وهناك الكثير من القصائد التي تترنم بالوقوف على الأطلال.

وفي الباب مفتاح الحنين يهزني

وقد أسقطَ الركن العزيز وهرهرا

وأول ما يشد الإنتباه عند النظر إلى البيت هو الباب المشحون بقوافل الذكريات، فكل حدث ينطلق من الباب ويأتي منه، وعند الباب تتسع مساحة الرؤية وتحضر المشاهد والتفاعلات التي تحققت في أوانها.

ومن سقفه المودي إلى عرصاتهِ

رأيتُ به وجه السماء منوّرا

وفي هذا البيت حضرت السماء بما فيها من تبدلات وتصورات نهارية وليلية وكيف تترسم مواضعها، التي تخيَم على البيت بألوانها ونبضات نجومها وغيومها.

وشجرةَ زيتونٍ تسوّد جذعها

وما اخضرّ من أوراقها صار أصفرا

إنها مواجهة توقظ الموجودات وتبث فيها الحياة والقدرة على التواصل مع خيط الذكريات المتين، فأغصان شجرة الزيتون تتحدث عن تلك الضحكات والكركرات واللعب الذي كان يدور حولها، فهي تتذكر ولا تنسى وتبتهج برؤية أهلها.

وكأنها حزنت على فراق أصحابها وشحبَ لون بعض أوراقها المشحونة بالذكريات، ومن شدة الشوق إحترقت.

بكتني لمّا أبصرتني بدهشتي

كأنّيَ أستجدي الدخول محيَّرا

هذه الشجرة المثقلة بالذكريات أصابتها الصدمة وانفجرت باكية، وهي تنظر إلى أهلها الذين عاشروها ردحا من الزمن، وقد ترددوا وتحيّروا من الإقتراب منها، وكأنها ترفض الغرباء الذين ألقموها مشاعر السوء والبغضاء والتأسّد على الآخرين.

وقفت غريبا إذ أحاور مَن سطا

وقد بدّل الألوان فيه وغيّرا

وظنّ بأن اللون يُذهبُ أصلهُ

وأنّه بالمرئي يحجب مُسترا

فها هي (غفرانٌ) تضاحِكُ لعبةً

وما زال منها الرسم يحضنُ دفترا

وهكذا تبلغ المواجهة ذروتها وتنطلق الروح محاورة الغاصب المستحوذ على حق الإنسان، فصاحب الحق صار غريبا والغاصب مالكا حقيقيا، وحاول أن يعبث بكيان البيت ويغير ملامحه ومواصفاته لكي يخدع نفسه بأنه يعيش في بيت يمتلكه، وليبرر لنفسه بأنه لم يغتصبه، لكنه يعجز عن محق ذات البيت وكيانه وروحه وما يعج فيه من الذكريات والتفاعلات، التي توقدت أمام صاحبه الذي تسمر أمام بابه متحيرا.

وصوتُ أبي في الفجر يُسمَع خطوه

يقومُ إلى ماءِ الوضوء مُشمّرا

وتنهض الطقوس السلوكية والروحية التي كانت تؤدى في البيت وتتحرك بحيوية كأنها تحدث لتوها، وأظن الكاتب حين كتبها،  كان يسمع خطوات أبيه وصوت الماء الذي يتوضأ به، وما يرتله من آيات وهو يؤدي صلاة الفجر.

بكى منزلي لما رأى الذئب حارسا

وأنَّ قُطيط الحيّ فيه تنمرا

وأنّ شموس الأمس غيرَ رواجعٍ

وأن سواد الليل أمسة مقدّرا

وأنّيَ أصبحتُ المُذلَّ بموطني

وأنّيَ بعد العزّ أغدو مهجّرا

ونأتي للإنحدار ووصف واقع الحال المرير الذي يحفل بالدموع والتأوهات والحسرات، فالبيت يبكي وأهله في المهجر، ولا قدرة لديهم على إستعادته والسكن فيه، لأنّ مَن حوله قد تغيّر، وداهمته آفات العدوان الأليم، فأهل الحي قد تبدّلوا وتذأبّت الموجودات وتنمّرت، وساد التوحش والإفتراس.

توكأتُ عجزي فالعصا ليس مُعجزي

ولا البيت بحري كي أشق وأعبرا

وفي هذا البيت وما يليه حوارية تبريرية وإقناعية  لتفسير واقع الحال المرير، والشعور بعدم القدرة على تبديل الموقف وإستعادة البيت المغتصَب، ولا بد من تعليل ذلك بوضوح كما في الأبيات التالية.

وهذا زمانٌ اسودٌ بغرابهِ

يُذلُّ به الأسيادُ والعبد أمّرا

زمانٌ به صار الغواة هداته

وفي عرفهم شيخ المساجد كفّرا

فلوحت بالكف اليمين مودعا

ومسحت بالأخرى الدموع تصبّرا

فاللوم يقع على الزمان الذي أذل الأسياد وتسيّد فيه ما دونهم، زمان منكوب بالموبقات والسيئات وفقدان الحق والعدل والإنصاف، ولابد من وداع البيت الذي توقفتُ عنده باكيا مستحضرا ما لا يمكن عودته من الأحوال والحياة، التي كنتُ أتمتع بها وأمارسها بعزة وكبرياء وإنتماء صادق.

وعظّمْتُ بالإنسان يَسْرق أهله

وأكبرني عمّا بفعله صغَّرا

وكم زيّفَ التأريخ خطّ كتابه

وغيّر شُهّاد الرّواة وزوّرا

ويمكن القول بأن في هذين البيتين إعتراف بأن الإنسان يجحد حقوق الآخرين، ويفعل ما يستطيعه لأخذها منهم، والتأريخ يمكن تزويره وتلفيقه لكي يضمن تلك الحقوق، وهذا ما يجري للأرض المستباحة والبيوت المسروقة من أهلها.

فيا وطنا باع الجباة هواءه

ومَن باع بالمال البلاد سيُشترى

ويحضر الوطن الذي فيه البيت، ويُلام لأنه صار مباعا مباحا، والذين باعوه تحوّلوا إلى بضائع في مزادات الإمتهان والإذلال والنيل من الإنسان.

وراحت بي الذكرى تردد كالصدى

وما انهد بالجدران بالروح عمّرا

والبيت الأخير يعبّر عن آلية التسامي التي إستبدلت البيت بكيانه المادي، بهيكل معماري خالد في أروقة الروح، التي تتمكن من بنائه والإرتقاء به ليكون صورة حية في أعماق عاشقه وصاحبه المنتمي إليه.

وبهذا تتم القراءة النفسية النقدية، التي تحاول أن تسبر أعماق الكلمات وتستشف منها المشاعر والأحاسيس والتصورات والتجليات النفسية المرافقة للوقوف قبالة البيت الذي ترعرع فيه الإنسان.

تحية للدكتور العرفي على حواريته الشعرية المكثفة، الكانزة لعبق التذكر والإنثيال الروحي والفكري، أمام رحم الوجود الإنساني الذي يمثله البيت، وكأنها صيحة إستغاثة تشعرنا بأنّ الإستقرار في بلداننا مفقود.

*عندما قرأت القصيدة حسبتُ كاتبها فلسطينيا، وأدهشني بعد أن إنتهيت من كتابة هذه القراءة بأنه سوري، فرأيت أن أبقيها على حالها، لأن أبناء الأمة أصبحوا يشتركون بذات المعاناة اليومية المتصلة بالبيت والأرض، فالغاصب غاصب وإن تنوّعت هويته، والظالم ظالم مهما كان أصله ومعتقده، وتلك عجيبة من عجائب ويلات بلاد العُرْبِ أوْطاني!!

 

د. صادق السامرائي

.....................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

بيتي / د. وليد العرفي

 

 

 

 

مصطفى النبيهتبحر في عوالم النفس البشرية

رواية تجريبية للروائي المبدع ناصر رباح

" منذ ساعة تقريباً" سيمفونية بصرية تعج بالصور الفنية, تدور في فلَك أناس مهمشين, فقراء ومضطهدين، يعيشون نفس ظروف القمع والجوع، يعانون من ازدواجية الشخصية، يهربون بأفكارهم من واقعهم اللئيم إلى ماضيهم الرحيم. الرواية تعرينا أمام أنفسنا لنكتشف صورتنا الوقحة في المرآة فنصطدم بكمية الشر التي تسكننا، والتي نسقطها دوما على ضحايانا الذين يخضعون لسلطتنا، هروباً من الأمراض المعلقة في أرواحنا.

"منذ ساعة تقريباً" اسم مثير يجذب الانتباه، تتلخص في وقت زمني محدد يسرد بها الكاتب تجربته الإبداعية المكثفة، فدلالة الاسم تحمل في طياته الكثير من الغموض والتأويلات، وتشوق القارئ المشاهد للمتابعة حتى يكتشف ما يدور من أحداث في هذه المساحة الضيقة .

فما بين أناقة السرد وتقنيات السينما، واللون وعلاقته بالحالة النفسية، يخرج علينا الروائي "ناصر رباح" في خمسة فصول متبنياً مسرح بريخت ليكسر حاجز الوهم، " الجدار الرابع"، يريد الكاتب من القارئ أن يكون فاعلاً وليس مفعولا به، كي لا ننساق قطيعاً وراء عاطفتنا وندركُ حقيقة أننا نعيش بين أفكار حملت شخوصا ابتكرها الروائي بين السطور لتدق جدران "الثالوث المقدس "، الدين والجنس والسياسة، وتحكي بصوت عالٍ بعيداً عن الخوف والقيود التي تحرمنا من التعبير عن مشاعرنا. بُني العمل على المونتاج المتوازي في السينما والقطع السريع، حيث نرى خطين يسيران في آن واحد.. الخط الأول يتناول أبطال الرواية وما يسردون من أحداث، والخط الثاني يوثّق سيرة الراوي "ناصر" وصراع الأفكار وما يدور برأسه، وبأسلوب المزج الفني نسج تحفة فنية حيكت بحرفية عالية لينتقل بين الأزمنة بانسيابية.

كيف تم ابتكار شخصيات الرواية؟

نسج الروائي ناصر من سيرته الذاتية ملامح الشخصيات التي يحركها في تجربته الإبداعية. فمثلاً عند الحديث عن الرسائل التي منحها الكاتب حياة وجعلها تنطق لتبني علاقة مع" سلامة" ساعي البريد و"منير الساكت" فهو يستقيها من تجربة في صحراء ليبيا حين وصله خطاب من خطيبته في يناير عام 1990 بعد مشقة حيث قال في صفحة "213: " الخطاب الذي وصلني في ذلك الصباح الشتويّ البارد حمله المدير وسلمه لي وتركني دون كلمه كمن يصافح جاره الممل،" كيف كان سيدرك أي فرح سيثيره في روحي خطابٌ كهذا؟", ومن هنا استوحى شخصية "سلامة", وماذا تعني للفلسطيني المهجّر وصولُ رسالة في الغربة , ولمدى تأثيرها قام في صفحة "9" بتوثيق افتتاح مكاتب البريد في فلسطين، هناك قاسم مشترك بين شخصية "منير الساكت " الشخصية الرئيسية في الرواية والروائي "ناصر" وهو اليتم والحزن والشعور بالوحدة، حيث يحدّث الروائي والده قائلاً في صفحة " 78 – 79":  "أنا أكتب الآن الرواية هذه في العام 2017, وأنت الذي مت قبل عامين.. نحن معاً في الرواية - نعم لا فرق في الجنازة أو في الرواية.. هل تريد أن تقول إنك تكتبها بسبب حزنك؟ أنا حزين لأنك غادرتني، ثم مرضت أمي، ثم لحقتْ بك "، المشاعر الإنسانية التي تفيض حزناً وحرماناً هي نفس مشاعر "منير الساكت " الذي عاش طفولته يتيماً وصاحبه الموت حيث انتزع جدته التي تمثل له الحرية والحياة.

إنَّ الموت يحاصر أبطال الرواية من كافة الاتجاهات، الروائي والمواطن العربي يشاركونهم اليتم والانكسار بعد رحيل الزعيم "جمال عبد الناصر"، حيث يستسلم الجميع للموت المؤجل.        تعد "هالة " الضحية الثالثة من المحاور الرئيسة في العمل، فهي رمز النقاء، تشع حياة بريئة ناصعة البيضاء في الشكل والمضمون، استوحى شخصيتها من أخته الطفلة "هيام "التي ولدت قبل موعدها وظل الوالدان يترقبان نجاتها بمعجزة، لكنها فارقت الحياة، حملت صدقها وبراءتها ورحلت، فكلما كبر "ناصر" عاماً تخيلها تكبر عاماً، كان يدّعي أنها الآن في المرحلة الثانوية، الآن هي مخطوبة، سأزورها في بيتها حين تضع طفلها الأول.". لقد صنع الروائي من الأحداث المأساوية التي مر بها مجتمعاً عنيفاً ، بدأ يحرك شخوصه فوق الورق ليعيشوا نفس السوداوية التي مر بها، ولكي يفصل تماهي القارئ مع شخصياته المتخيلة اعتمد على مسرح "بريخت" في كسر (الجدار الرابع ) وتوعية عقل المشاهد بكل ما يحدث في الواقع ليكون على دراية بتفاصيل جذور المرض ومناقشته والبحث عن أسباب علاجه، والهدف  من ذلك إيجاد حياة أفضل للناس، فكان ينتزع  القارئ من انفعالاته بعد أن سيطر عليه عاطفياً أثناء الحديث عن موت جدة "منير" في الرواية إلى مفهوم الفقد بالنسبة للروائي "ناصر" الذي ذاق ألواناً من الوجع ما بين  الغربة  وموت أخته الصغيرة "هيام" ورحيل والديه .  الكاتب مزج بين حالتين مختلفتين بالشكل لكنهما تلتقيان في المضمون، فالضحية "هالة " صورة عن الطفلة "هيام " التي مرت مرور الكرام في الحياة، وحتى لا ينصهر القارئ مع الأحداث ويصبح عاجزاً عن إصدار أي حكم، جعل الروائي مسافة بينه وبين الشخصية التي يقرؤها، كما اعتمد على التغريب في الفصل الأخير "ناصر 5 " , حيث يقول في صفحة ( 301 ): كل يوم ألتقي بشخصية من الرواية تشتكي لي وتتهمني بالتقصير والمحاباة لشخصية أخرى، وفي صفحة " 309"  : "وفي الخلف ركبت امرأتان وانهمكتا في حوار عميق عن تجهيزات لعرس قريب" , وفي صفحة   " 315 و316 "  "هل يمكن أن تعرّفني الآن على السيدتين؟", هز "رزق" رأسه وربت على كتفي وقال مواسياً: "لا بأس هذه أعراض طبيعية، فالانتهاء من رواية  يشبه كثيراً وداع شخص عزيز، عموماً فها أنت تلتقي بها، أقدم لك السيدة الفاضلة، روايتك التي كتبتها, وأما هذه الشابة فهي روايتك الثانية التي لم تكتبها بعد." يرصد لنا الكاتب حالة الهذيان التي يمر بها الروائي "ناصر" وحالة التيه الذي يحياها ما بين الواقع والحقيقة، وهنا يظهر مفهوم التغريب، بمعنى تقديم الأمور المألوفة في صورة غريبة، وهذا يؤكد أن الروائي استعان بأدوات مسرح بريخت في بناء تجربته الروائية، فالشخصيات نامية متطورة تتجسد في مراحل مختلفة من الرواية. فما بين ساعي البريد المهمش الخانع المستسلم والذي كان رمز البهجة لأهل المدينة، والذي أصبح يخجل من عمله بعد ثورة التكنولوجيا وينتظر إحالته للتقاعد وإغلاق مكتب البريد، و"منير" اليتيم المضطرب الذي ترعرع على فلسفة زرعتها جدته، ".. كن أنت ولا تحن رأسك لمخلوق كان.."، تشبّع بجوع الحنين بعد أن عاش في بيت الأموات كما سرد، ومازال شاخصاً أمام صورة والديه اللذينِ سقطا ضحايا حادث مفتعل، بعد تتابع الأحداث يكتشف زيف الواقع، بدايةً من مدرس الرياضيات ومروراً بصديقه الصيدلي الاستغلالي.  يثور "منير"  المذبوح ويقرر أن يطبق العدل من وجهة نظره ، فيقتل شيطان المدينة البلطجي "حميش"  الذي اغتصب زوجته " هالة" التي ذاقت ألواناً من الموت قبل أن يوارى جسدها تحت التراب، " هالة " المثقفة البريئة النظيفة التي ترجمها الألسن وتنهشها العيون ، حاول أن يخلصها من عارها ومن النظرات الوقحة  التي تفترسها والألسن الثرثارة التي تأكل لحمها فقتلها بدون قصد، وقتل الطفل الضحية الذي  يسكن أحشاءها بعد أن دس لها الدواء وأسقاها القرفة حتى يجهضها،  سقط جسدها النحيل وفارقت الحياة ، ككل شيء جميل يُهجَّر من حياتنا ، عاش  "منير" عقدة الذنب . منذ اللحظة الأولى وضعنا الكاتب أمام واقع أليم يسرد حقيقة مجتمع يغرق بالجهل والتخلف، ويبشر بالجوع، فوالد "هالة" باع المكتبة، رمز المعرفة، و"مريم العذراء" باكية حزينة في بيت" دولت" المسيحية صديقة " هالة "، والشخصيات مضطربة و"ناصر"_ الخط الثاني الموازي في الرواية للشخصيات_ يفيض حزناً وهو يوثّق  سيرته الذاتية, ويتناول من خلالها  المحيط  العربي, والواقع البائس ،حيث يشعر بالضياع، يفتقد لسماته  الرئيسية فيصيبه اغتراب نفسي،  وهذا سينعكس لاحقاً على شخصيات الرواية ، ففي صفحة" 273" يقول ناصر: "طلب منا أستاذ التربية الفنية المصري في المدرسة الإعدادية أن نرسم (عروسة المولد النبوي)،فرسمتها كما كنت أشاهدها في محالّ الحلوى بالقاهرة، لكنَّ التطريز الشهير على الثوب الفلسطيني كان قد قفز دون أن أشعر على أكمام الفستان وصدره وتدلى على جانبيه ،المعلم_ والذي كان يعرف أنني فلسطيني_ رفض الرسم تماماً وقال غاضباً: "إنها لا تعبر عن هويتين، بل عن فقد هوية". هذا الانكسار والشعور بالعجز رافق الروائي وشخصيات الرواية، حيث تناسقت الأرواح الفنية لتشكل مجتمعاً مضطرباً عنيفاً يفتقد لملامحه، تم صناعته من خلال قصص أحيكت بحرفية عالية تشد بعضها بعضاً لتقدم لنا تحفة فنية،

" منذ ساعة تقريباً" تجربة رائدة من نوعها، تأخذنا لفضاءات كونية، تسرد الوجع بانسيابية لأناس مضطهدة، أسيرة، واقع مريض يشدها للقاع ولن تنجو من ثرثرة المتطفلين، تبحث عن طوق نجاة فتستصرخ العالم أن يخرجوا من" الأنا"، فقد فاض الشر حتى ابتلع الحياة.  سر جمال العمل أنه مغامرة مدروسة لروائي عليم بكل ما يدور حوله.

إنَّ القاسم المشترك بين أبطال الرواية هو الحنين، فما قيمة الحياة عندما ينتهي دورك وتصبح مجرد فراغ ينام في ألسنة الثرثرة، وتستعبدك العاطفة البائسة وتشعرك بالدونية؟ حتماً كل هذا الضغط سيقودنا في نهاية المطاف لمسرح الجريمة، فالتراكمات الكمية على مر العصور تؤدي لتغيرات نوعية تدعو للتطرف. كل هذه المفردات تسهم في تكوين عمل سينمائي.

بداية من " الإهداء " صفحة " 5 " إلى أبي.. مت، فمات البيت.."، الإهداء مشهد تعبيري يحكي الرواية.

م/1 – نهاري " وقت الغرب" – خارجي، داخلي – بيت قديم

بيت قديم شاحب اللون, وحوله أوراق أشجار جافة ، سكون يخيم على المكان ، مع غروب الشمس ، يخترق هذا السكون  خطوات ثابتة للروائي "ناصر" بقبعته الداكنة وظهره المنحني للأمام قليلاً وهو يحمل بيده بعض الكتب ، يتأمل البيت ويمضي حزيناً ، يقف أمام  صورة والديه الفقيدين ويغمره الحزن، يكسر السكون مزيج من الأصوات التي تتناول الأزمنة التي مر بها الكاتب ، ما بين بكاء طفل وفرملة سيارات وصوت انفجارات ومظاهرات ، ونواح على الزعيم "جمال عبد الناصر" ، يضع الكاتب يديه على رأسه , تتشقق صورة والديه ويخرج منها صورة صحف تتحرك بشكل دائرة تحاصره ، تلتف حول رأسها فينفض رأسه بعنف وبشكل دائري ليهرب من هذه الأفكار ثم ينهار باكياً.

قطع

الأب.. يشكل رمز الحماية وقد سقط منذ البداية، وهذا يؤهلنا للإبحار في عالم مهزوم يعيش النقص، وهذا ما سنراه في شخصيات الرواية، حيث يرسم لنا الكاتب الشكل الخارجي للشخصية والفعل الجسدي من خلال حوار يدعم المستوي البصري، حيث اختار الجمل القصيرة وتفادى الاستطراد ليحافظ على الإيقاع، فنحن أمام صراع مستمر لتحقيق دوافع، وسنرى مدى تغلّب الشخصية على تلك العقبات التي تعترض طريقها. حيث تسير الأحداث باتجاه التعقيد فتضطر الشخصيات للقيام بأشياء معينة مما يؤدي إلى خلق سلسلة من الأزمات والمصاعب والتوقع وعكس التوقع الذي يأخذنا لعالم التشويق.

في صفحة رقم "9"  يوثق الروائي افتتاح مكاتب البريد في فلسطين وتبادل البريد فيبدأ المشهد الثاني.

م/2 – ليلي – خارجي – البحر

صوت أمواج البحر تتلاطم، إضاءة طبيعية متمثلة بالقمر، الروائي يتحدث عن أول رسالة وصلته، وعن نشأة مكاتب البريد في فلسطين والحنين التي كانت تتركها الرسالة على المتلقي.

قطع

الحكاية الأولى في الرواية:

م/3 – نهاري – داخلي – مكتب بريد

"سلامة" ستيني ذو شعر أشيب، وملامح محايدة، وجه باهت بدون تجاعيد عميقة، شاربه محفوف بعناية مع سالف طويل يصل إلى منتصف الأذن، عينان فوقهما جفون مرتخية، وحاجب رمادي كثيف، أما بخصوص الحالة النفسية للشخصية، شخصية خانعة مستسلمة محايدة تشعر بالنقص والضعف. وتبحث عن ذاتها الضائعة.

يقف "سلامة" محايداً ينظر إلى المظروف الأبيض المستطيل ذي الحوافّ المزينة باللونين الأزرق والأحمر، يرمق "سلامة" المظروف بنظرة تساؤل ويقوم متكاسلاً من مكانه ويغسل غلاية القهوة ويملؤها بالماء، ويضيف ملعقتين من البن، ونصف ملعقة من السكر، ويفتح درج المكتب ويخرج علبة الثقاب ويشعل موقد غاز صغيرا يضع فوقه الغلاية، ويجلس كي يشرب فنجانه الأول في هذا اليوم، ينظر ساهماً في وجه الماء الذي بدأت فقاعاته بالتصاعد ثم ينظر مرة أخرى إلى الخطاب ويبتسم وهو يحدث الخطاب قائلا: "مرحباً يا أخي، أتشرب قهوة؟". صمت يخيم على المكان يواصل "سلامة" الكلام، "لماذا يكتب الناس خطابات حتى الآن وقد أصبح لديهم هواتف." نظر الخطاب إلى الرجل المحبط بكراهية وأسف واصل سلامة حديثه " أنت تعرف أنني رجل في حالي، لماذا يصبح العمل الذي كنت أفتخر به شيئاً معيباً؟!".

حمل سلامة الخطاب وبدأ يقلّبه بكراهية ويقرأ ما كتب عليه..

سلامة: "نعم، نعم أعرفه، "منير الساكت"، ابن "خلدون" الله يرحم، لكن من سيرسل له خطاباً؟" هو يوم أسود من أوله، هذا خطاب نحس. هل أمزقه؟ هل أضعه في الدرج وأنساه؟ أنا لا أستبشر خيراً؟ أستر يا رب!".

قطع

م/4 – نهاري – خارجي – الشارع

"سلامة" يسير في الشارع يحدّث نفسه..

سلامة: "لماذا لا أركب سيارة عند عودتي فيهتم بي سائق سيارة الأجرة؟ لماذا لا أجلس بعد العصر في هذا المقهى فيهتم بي النادل؟ أنا من دفنت نفسي حياً ما بين المكتب القبر والبيت الكئيب، اخترت العزلة مرغماً والسبب وراء ذلك أبي"،  يواصل حديثه: "أبي كان رجلاً شديداً وصعباً، يضربني كلما عدت من المدرسة لأي سبب، بلغت المرحلة الثانوية فقال لي:،" كفى تعليماً، إلى هنا"،  في اليوم التالي، قادني إلى بيت أخيه وزوجني ابنته، دون أن أعلم يومها إلى أين كان يسحبني مثلما سحبني ذات يوم إلى هنا، كنت أخرس، ولم أقوَ على الكلام، يواصل "سلامة" المونولوج الداخلي مضطرباً ويخشى أن يكتشف أيٌ من حوله أنه يحمل بريداً يتيماً في وقت لم يعد فيه أحد يرسل أو يستقبل خطاباً، يتابع حديثه: "لماذا تتغير قيمة أفعالنا في عيوننا إذا ما قمنا بها هي نفسها حين يتغير الوقت؟", يصل سلامة إلى بيت "منير الساكت" لاهثاً.

"منير " شاب في العشرينات يصبغ شعره دائماً بألوان غريبة، ويرتدي ملابس أكثر غرابة غالباً فسفورية فاقعة، لا يكف عن الغناء أينما كان بصوت لا ينم عن ذوق أو موهبة. فقط ابتسامة عريضة دائمة حتى في مجالس العزاء وأثناء صلاة الجنازات. يقف منير على الباب ينتظر سلامة.

منير: عم سلامة, لماذا تأخرت؟

سلامة: هه؟

منير: نعم! تأخرت، أنا هنا منذ ساعة أنتظرك؟ ألم يصل الخطاب منذ ساعة يا رجل؟ لماذا لم تحضره فوراً، ألا تعرف قلقي وظروفي المعقدة؟

مد منير يده وخطف الخطاب من يد سلامة وأغلق الباب بوجهه.

قطع

مشاهد تأسيسية قدمها الكاتب لتسهم في بناء العمل ،حيث حمل معلومات وأحداثا يسير عليه الخط الدرامي، شرح الكاتب في هذا المشهد سيكولوجية شخصية "سلامة" المنهزمة من الداخل وملامحه الخارجية والواقع الاجتماعي الذي يدور في فلكه، فهو يعيش حالة من الرتابة والقهر والتهميش، وقدم لنا معلومات خاصة تتناول الوضع النفسي وتأثيره الخارجي على "منير الساكت"، ابن صديقه الذي مات في حادث وهو يقود سيارته نتيجة صبيان كانوا يلقون بقطع خشبية بها مسامير، يتحدث مع الخطاب الذي يحمله  ثم يتوجه لبيت منير ابن صديقه الذي مات في حادث ، بعد لقاء "منير" تنشط في رأس "سلامة" الهواجس فيعود مرة ثانية إلي منير ليكتشف سر الخطاب، يطرده منير فيغضب "سلامة" من تصرفه، يدور حديث بينهما عن أخلاق "خلدون" وعلاقته بسلامة قبل موته ، يراود منير  شك بأن هناك أمراً ما دعا سلامة  للعودة والسؤال عن الخطاب ،فيقرر زيارته في المكتب، أثناء الزيارة يضع منير مخدراً لسلامة في القهوة وقبل أن يستسلم سلامة للنوم، يدور حوار عن والد منير وأثناء الحوار يغفو "سلامة"،  يقوم منير بغسل كوب القهوة ثم يخرج،  يغرق "سلامة" في غيبوبة من النوم، فيعتقد الجميع أنه مات، ويتم وضعه في ثلاجة الموتى وبعد أن يستيقظ من غفوته يدق الجدار الحديدي فيلتفت الحارس لحركته، يخرج سلامة من المستشفى بعد أن فقد صوته نتيجة الصدمة ،وليبرر الدكتور خطأ تشخيص الحالة، يتهمه بأنه يتعاطى  المخدرات، وتنتشر الاشاعة بعد ذلك، وحين  يذهب إلى البيت ويرونه قادماً يفر الناس من بيت العزاء المعد له .

تتواصل الأحداث، ويتم تشويه سمعته واتهامه بتجارة المخدرات، فيتذكر القهوة وما حدث له من تخدير من قِبل "منير" ، فيقرر الانتقام، يذهب إلى البريد ليبحث عن كوب القهوة ليبرئ نفسه، فيجده مغسولاً ، تستغل السلطة انهياره وحالته النفسية ويطلب منه الضابط أن يعمل مرشداً ليراقب منير ويكشف أسراره ، يتجه" لمنير" المقموع المذبوح ليكشف خفاياه وفي نهاية الأمر وبعد جدال بينهما يدرك سلامة أن منير ضحية مثله ، فيصارحه بأن " حمش " البلطجي من تسبب في قتل والده "خلدون"،  وعندما يرسل منير رسالة بكل اعترافاته والأخطاء التي ارتكبها  لسلامة  يرفض سلامة  تسليم الاعترافات للشرطة ويبرر له ما حدث.

المشاهد السينمائية الأكثر تشويقا في حكاية سلامة

مشهد سلامة بعد أن يستيقظ من الغيبوبة وهو في ثلاجة الموتى ، مشهد هروب الناس من عزاء سلامة بعدما يرونه قادماً،  مشهد لقاء سلامة في بيت منير الساكت بعد أن فقد النطق والصراع النفسي الذي يدور بينهما,  مشهد سلامة وهو يطوف في المدينة  ويقرأ اعترافات منير الساكت الخاصة بقتل " حميش "، والتسبب بدون قصد بقتل زوجته  "هالة"، فيقول "سلامة" عن منير  : في صفحة "305 " الله ، طول الوقت يرسل لنا رسائل لا نقرؤها ، فهذا الرجل مثلاً دون أن يقصد اقتص للبلد من تاجر حشيش ومغتصب وهاتك أعراض دون أن يقصد, خلص هالة من عذابها الذي سيلازمها ويلازم أطفالها حتى الأبد ، منير يفعل أشياء مباركة دون أن يدري, وأنا أرى أنه مبروك.".

اعتمد الروائي في بناء الرواية على إيقاع منظم، يحمل لغة بسيطة واضحة قصيرة، تغذي مخيلة القارئ المشاهد وتنسج صوراً بصرية ترصد طبيعة الموقف.

الحكاية الثانية: "منير" الضحية الثانية وهو شخصية متمردة عكس شخصية" سلامة"، عاش يتيماً مع جدته المريضة صحياً، بعد أن فقد والديه نتيجة حادث سيارة.. فقد انفجر إطار السيارة (الفولكس واجن) الصفراء وانحرفت لتصطدم بشجرة كينيا بجوار الطريق، ويموت الأب الذي كان يقودها وأمه التي كانت بجواره، أما هو والذي كان بعدُ رضيعاً بالمقعد الخلفي فقد نجا إلا من جرح في خده الأيمن ترك ندبة تحك وجهه فيحكها كلما تذكر والديه.

في صفحة " 20 " يرصد الكاتب الحالة النفسية لمنير وشعوره بالوحدة والحنين للعائلة حيث يدور حوار بينه وبين الخطاب.

م/5 – نهاري – داخلي – بيت منير الصالة

منير بعد أن يأخذ الخطاب من ساعي البريد، يغلق الباب بوجهه ويمسك بيده اليمنى سكيناً وبيده اليسرى خطاباً، يرمي الخطاب من يده اليسرى عالياً في الهواء ثم يرشقه قبل أن يهبط بالسكين، ليستقرا معاً على لوحة زيتية لعائلته، يجلس منير على أقرب كرسي في المكان وعيناه معلقتان بالخطاب المطعون والصورة العائلية المشوهة، رفع سبابته اليمنى باتجاه الخطاب وكلم نفسه،

منير: " الحياة كريهة، بلا بيت، بلا أب، إن البيت ليس مجرد طاولات وكراسي، ولوحات معلقة على الجدران لميتين " أنا مستعد لتحمل أب بذيء وتافه وسكّير، وأم مستهترة ومبذرة فقط أنْ يكونا في البيت.".

قطع

المشهد يضخ وجعاً فمنير يعيش حالة من التناقض في تكوين شخصيته، حيث يوحي لمن يراه بأنه تمرد على النقص والفقد والحرمان وفي الحقيقة بقيت الغصة في قلبه، رفض أسلوب العطف والشفقة كما نقرؤها في صفحة "32" و "33"

م/6 – نهاري – داخلي – الفصل

منير يجلس بين زملائه بالفصل متذمراً يصغي لحديث المدرسين.

المدرس: " هذا ولد يتيم لا تضربه, لا تهتم بالتفتيش على دفاتره، الولد يتيم فليس لديه من يتابعه".

يضحك منير بشكل هستيري، فيلتفت له الجميع، يتوقف عن الضحك ويلتزم الصمت ويحدث نفسه من خلال مونولوج داخلي.

منير: " كلمة يتيم، لم أكن أشعر بأي داع لها عند تعريفي بين المدرسين، هذا التعريف الذي كانوا يقصدون به الرحمة الكاذبة، كان يجعلني شيئاً مهملاً بين التلاميذ، لذا فقدت الرغبة, لم أعرف أباً ولا أماً كي أحزن لفقدهم. استيقظت فوجدتُني في هذا البيت مع امرأة ترعاني أقول لها يا جدتي، وتقول لي يا منير هذا كل شيء.  هل من الضروري أن أرسم صورتي كما تريدون؟"

قطع

حرصت الجدة الصارمة على ألا يكون حفيدها يتيماً ومحط شفقة أهل البلد، ركزت على مظهره وأناقته ولا سيما لكونها تمتلك ماكينة خياطة في البيت. قالت: "سيعيش منير بن خلدون الساكت عزيزاً ومكتفياً ومرفوع الرأس".  ففي صفحة "70 " تتلو عليه الوصايا...

م/7 – نهاري – داخلي – بيت منير

منير يستعد للذهاب إلى المدرسة، الجدة ترتب هندامه، وتعد له وجبات الطعام.

الجدة: "منير، اسمعني جيداً، لا تأخذ أبداً رغيف أحد، ولا تدعْ أحداً يعطيك رغيفاً. رغيف الآخرين مر لا تضعه في فمك، وإن وضعوه في فمك لا تبلعه. قميص الآخرين شوك لا تلبسه وإنْ ألبسوك إياه فمزقه، كلام الناس دود لا تضعه في أذنك، لا تجعل أحداً يطيل النظر إليك، أنظر مباشرة في عينيه، قل له: أنا منير خلدون، أفهمت؟".

قطع

هذه المعطيات أسست لتكوين شخصية "منير"، ومنحتنا فضاء من المعلومات التي ستتناول الخط الدرامي في رحلته، فمثلا ً عندما كان يعود من المدرسة مخدوشاً لم تكن تسأله عمن عاركه أو لماذا، كان السؤال: "هل أوجعته ضربا؟"، إن تردد بالإجابة تطلّب منه ذلك ألا يعود حتى يثأر لنفسه.

نشأ منير على عدم التسامح  والحكايات الخرافية المرعبة التي تسردها جدته ، كقصة الغولة وعائلته التي باركتها ، فيسخر "منير" من الأكاذيب والخزعبلات التي تحاول زرعها في رأسه، ويرفض كل وسائل العطف من قبل الآخرين، يتعامل نداً يحارب ويقاتل ليحمي نفسه ، ففي مشهد الفصل الدراسي ،عندما بدأ معلم الحساب  في اختبار تلاميذ الصف بشكل عشوائي, كان منير متحفزاً للإجابة والأستاذ يتجاهله حتى لا يخطئ أمام طلاب الصف,  وعند إصرار منير على الإجابة  ألقى عليه سؤالا سطحياً هزيلاً لا يروق لطالب يحفظ جدول الضرب  وهو( ما ناتج اثنين في اثنين؟)،  شعر منير بالمذلة فجدته ربته على ألا يتلقى صدقات الآخرين ، فقرر أن يصفع المدرس بإجابة صادمة فقال:  "الإجابة يا أستاذي 25"، ثم تمادى بسخريته فقال: "أعتقد أن الإجابة  597"،  فقام المدرس بطرده من الفصل. خرج منير من الفصل وحينها قرر أن ينتقم من المدرسة، فتح محبس المياه ليغرق الساحة وبمسمار شوه لوح الفصل وكسر زجاج النافذة وأخرج عضوه من السروال أمام الطلاب في الدقائق الخمس التي تفصل بين الحصتين.. الفعل الحركي هو امتداد للفعل البصري، يخطف المشاهد لعالم التشويق " فالجمل عبارة عن نغمات فنية مترابطة كالبنيان المرصوص تشد بعضها بعضاً، وتقدم معلومات نفسية وبصرية.   لم يكن تفوقه في المدرسة موضوعاً ذا بال ليشغل الجدة، فقط كان ما يؤرقها أن يشب هذا الفتى قوياً صلباً لا ينكسر، شب منير بنفسية سوداوية مضطربة " يا الله! أنا ما زلت أعيش مأساة لم تنته مع بلد تكرهني وتكره الأرض التي أمشي عليها"، أصابه إحساس بأنه منبوذ في المجتمع، فأصبح لا يبالي بكل ما يدور حوله، نفخته الأحقاد فعاش الازدواجية ما بين الأحقاد التي تسكنه وتنفجر بين الفنية والأخرى، وتكوينه الخارجي واختياره ألوانا زاهية جذابة تنتصر لنرجسيته. وقد تجسد العنف بأبشع صوره في الصفحات: "132 ،133،134 " .                                      م/8 – نهاري – داخلي- محل بيع الدجاج

منير يدخل محل بيع الدجاج متجاوزا الجميع وينادي بصوت آمر،

منير للبائع:" أعطني دجاجة 2 كيلو بسرعة يا حاج، أنا مستعجل، اذبحها أيضاً، ولا تنسَ أن تسمي عليها، بسرعة هيا"، البائع يتجاهل منير وينظر له نظرة اشمئزاز، يغضب منير ويكرر: "هات دجاجة 2 كيلو وأعطني السكين لأذبحها أنا، ودع يوم الجمعة يمر على خير."،        يتجاهله البائع فيتقدم منير ويأخذ دجاجة ويحاول انتزاع السكين من البائع وعندما يفشل يحلل الذبح على الضحية وبحركة خاطفة ينتزعه من مكانه بيده العارية.

قطع

الصورة البصرية واللغة الحوارية تتجلى في تكوين هذا المشهد

ما يميز الحوار السينمائي في هذه الرواية أنه يعبر عن ثقافة الشخصية والحالة النفسية التي تمر بهاK فالأصوات المختلفة صنعت لتتناسب مع طبيعة الموقف، فلكل شخصية لغتها التي صمم لأجلها المشهد، هناك هَرموني وتناغم في وحدة البناء،

فمثلاً منير تخيل للحظة أن صاحبه الصيدلي صديقه الصدوق، فهو قضى صباه في الصيدلية حتى حفظ كل أنواع الدواء، وهو الصدر الحنون الذي يشكو له أحزانه ومن اجتهد في مساعدته في البحث عن زوجة، لم تمضِ علاقته بالصيدلي كما كنا نعتقد، فقد حرف الروائي البوصلة ليقدم لنا عكس التوقع. في صفحة "191 " مشهد البحث عن عمل.  يأتي منير للصيدلية ويطلب العمل.. منير:" أود العمل معك هنا" الصيدلي:" منير، أجننت؟ كيف خطر ببالك هذا الخاطر؟"" منير:" أنت من ترحب بي، الصيدلي: " أيها المغرور.. كيف تفسر كلماتي؟ نعم صحيح، فالزبائن تحب أن تراك هنا، لأنهم يعرفون أنك يتيم، وعصبي، متهور، ويفسرون حضورك أنه لشراء دواء ما وهذا يجعلهم يثقون بي وبأدويتي، وفي كل مرة كنت تخرج من عندي ومعك دواء سواءٌ لجدتك أو لك أو لزوجتك. أنت زبون جيد لا أكثر". رفع منير رأسه محدقاً في الصيدلي مندهشاً، كشف طبيعة العلاقات الإنسانية في المجتمع المبنية على المصالح، فهو الصبي اليتيم جسر بين الناس والصيدلية لتسويق الأدوية.  لم تكن علاقته بالصيدلية عبثا بل كان مخططا لها ليخدم العمل لاحقاً، فهو يعلم تأثير الأدوية وفعالياتها على صحة الإنسان، فنراه يضع حبوباً تسهم بالإجهاض لزوجته هالة..  في صفحة "73 " –" جدتك تفرط في المسكنات، هذا يضعف القلب ويجعله عرضة للجلطات المباغتة  – جدتك لا تأكل وتهتم أكثر بشرب دواء السعال، هذا يضعف الرئتين ويجعل الإصابة بالتهاب الرئة وارداً – لم يبق شيء لم تتناوله جدتك إلا المخدرات". أصبحت لديه حصيلة عامة عن تأثير الأدوية.

يعد مشهد موت الجدة من المشاهد السينمائية التي تترك بصمة إنسانية بوجدان القارئ المشاهد، فجدته الأب والأم والأشقاء، ومعلمته الأولى وصديقته الدائمة. في صفحة

"73،74 "، يحرك هذا المشهد الإنساني عاطفتك فلا تستطيع حبس دموعك وأنت ترى منيراً يقترب من جثة جدته ويهذي ويقول:" جدتي، جدتي.. سأتزوج، حاضر، موافق، سأنجب طفلاً تحملينه.. لن يتوقف اسم الساكت عندي.. حاضر.. قومي أرجوك، سأجد عملاً وألتزم به، فقط قومي، برحمة أبي"، ينهار منير وينفجر بالبكاء، يتكرر هذا المشهد المؤلم مع زوجته هالة والتي قتلها دون قصد بعد أن دس لها دواء الإجهاض في الطعام، ففي صفحة ""228, يعض منير على أصابعه وهو يهمس: "سامحيني.. أرجوك"، تنهمر دموعه فتغيم عيناه فلا يرى شيئاً، ينظر منير للحارس:" أرجوك، أريد أن ألقي نظرة أخيرة على زوجتي"، يواصل منير توسله بيديه المضمومتين أمامه باتجاه الرجل بعينيه الدامعتين بصوت منتحب، ثلاثة أيام لم يغادر منير جثة هالة.

يزداد حزن منير، يحترق قهراً، فما بين الموت والموت يعانقه موتٌ آخر، فهو محط استياء دائم لكل من حوله وخاصة لأفراد الجماعة لا بسبب صفيره الذي لا ينقطع أثناء سيره، وارتدائه لملابس ملونة، الكل ينفر منه، فبعد موت جدته قرر الزواج فلم يجد من يرحب به باستثناء الضحية الثالثة " هالة، وقد اختار الروائي عنوان الجزء الثالث باسمها، حيث لخص في المشهد التأسيسي واقع حياتها وخفايا تكوين شخصيتها، فهي الوجه المضيء.. فتاة نجيبة ، ذكية، مثقفة وجميلة، تعشق جمع الطوابع ، تعيش بين مكتبة ورثها والدها عن أبيه العالم الواعظ, مرتل القرآن في بيوت الله ، كما ورث "حجازي" والدها عن  أبيه  صوته الجميل ، فاستغل صوته في الغناء, فشخصيته تتناقض مع شخصية والده العالم ، عمل في مطلع حياته مغنياً مع الفرق الموسيقية  التي تحيي حفلات الزواج، وسرعان ما كون فرقة خاصة به ، وذاع صيته، وعندما حلت سنوات البطالة والكساد وعزف الناس عن إقامة الحفلات توقف عن الغناء وعمل في أكثر من مهنة، وأخيراً استسلم لواقعه، وعاش على الأطلال يتغنى بأمجاده الغابرة ويسردها لأبنائه ، وضع لنفسه مبررات وفلسفة في العبادة حتى يتخلص من عقدة الذنب، فعندما سألته ابنته هالة: "لماذا لا تصلي يا أبي؟"_" لماذا أصلي يا هالة؟"، "كي يدخلك الله الجنة"، "هل تعتقدين أن الله لديه بضاعة جيدة ليعرضها بهذا الثمن؟  الله لا يريد مني ثمناً كي لا يعذبني سوى ألا أكون شريراً وأخطئ بحق من خلقهم، أشعر أني أرضى الله حين أغني فأسعد الناس، أنا شخص يحبه الله، ولذا فإن خلقه يحبونني". هذه الأفكار شكلت شخصيته التي ستتنازل بالمستقبل عن ميراث والده المتمثل بالمكتبة. هالة الانثى الجميلة، المتفوقة الخلوقة الشغوفة في البحث عن المعرفة، والابحار بالثقافات، ملجؤها في البيت مكتبة جدها، الحصن الذي تأوي إليه من العتمة، تحتمي بالكتب من عدمية الحياة، التي ينحدر إليها أب لا يملك قوت يومه، يعشق دور الضحية ويسهم في الخراب، وعندما يبيع الكتب، تستسلم هالة لواقعها البائس، تجتهد لحل واجبات زميلاتها مقابل حصولها على وجبات الطعام والهدايا.

تشرح لصديقتها المسيحية" دولت" درس الرياضيات وهي تأكل وترتشف الشاي، وبجوارها يرقد الحذاء (الجائزة). عندما خرجت "دولت" تبدل ملابسها للخروج، التقت عينا هالة بعيني "العذراء" الدامعة في الصورة. في صفحة "29 "، هذا المشهد امتداد لحديث والدها عن الله ولكن بوجهة نظر هالة العليمة التي لا تفرق في الأديان وتدرك أن الله واحد لا شريك له، يحب الجميع. حيث تقول " يا مريم الجميلة، يا مريم الحزينة، خذي فرحي وامسحي دموعك، خذي ضحكاتي وابتسامتي، يا مريم، دعي أبي يصلي وأمي تهتم بي "، وهي تناجي صورة "العذراء" يخترق خلوتها" هاني "_ أخو دولت_ الذي تحب رائحة عطره وتطرب لسماع الأغاني التي يستمع لها، يتحرش بها فتكسر فوق رأسه صورة العذراء التي تتغير ملامحها الحزينة وتبتسم احتفاءً بدفاع هالة عن نفسها، يصاب هاني بجرح في رأسه، وعندما تأتي أمه وأخته يخبرهما أن الصورة سقطت عليه. تعود هالة للبيت وينهض بداخلها شعور غريب بأنوثتها، يُحيي هذا الشعور رسالة الاعتذار من "هاني" والتي حملتها دولت ، بعد أن  قرأت الرسالة تنسمت الحب، فهامت عشقاً, غزاها شعور غريب فحلقت في عوالم الخيال، أخفت الرسالة بين أحضان الكتب في المكتبة، وخرجت للمدرسة ، وعندما عادت إلى البيت كانت الفاجعة تنتظرها أطلق عليها والدها الرصاصة الأولى، اغتصب عالمها، باع المكتبة التي تمثل لها رمز الحياة و المعرفة، ليقول الكاتب إن الآتي مرعب، فالناس بدون معرفة سيعيشون نظام الغاب، القوي سيأكل  الضعيف وستنتشر الأمراض والإشاعات في زمن التخلف .كُسرت هالة، فقدت غذاء عقلها ، فانطلقت في البحث عن غذاء قلبها، اتجهت لبيت دولت وهي تحلم بالحب ،التقت  بهاني ودار بينهما حديث جميل, وعندما قررت العودة إلى بيتها  رافقها هاني إلى الحديقة ، وهناك ضمها وقبّلها، متناسياً أن حديقة بيته تطل على الشارع . لمح مشهد العناق البلطجي "حميش "، رمز الشر، اضطربت هالة فشعرت بالخوف وفرت هاربة إلى بيتها وارتجف هاني خوفاُ، قرر أن يترك ضحيته ويفر هارباً خارج البلاد ليحمي نفسه، استعان بأخته دولت بعد أن شرح لها ما حدث، وعلاقته بهالة، وكيف اكتشف الشرير "حميش "عناقهما بالمصادفة ثم طلب منها أن تتوجه إلى هالة وتحدد لقاءً في حديقة البلدية حتى يودعها ويشرح لها سبب هروبه من المكان. خرجت "هالة" من بيتها للقاء هاني، كان يراقبها "حميش" والذي خطط مسبَّقاً لاغتصاب فريسته، وعندما وصلت الحديقة ترك "حميش" رفيقه على الباب ليؤمّن له المكان، بعد أن طردا "هاني" ومنعوه من دخول الحديقة، فعاد إلى بيته خائباً وهو يعلم أن حبيبته ستذبح، يغتصب "حميش" هالة ويطفئ بهجتها، وتصبح كرة منبوذة يتقاذفها أهل البلد بألسنتهم الوقحة. فهي تعرضت للاغتصاب الجسدي مرة, والمدينة الثرثارة تغتصبها كل ثانية مليون مرة وتأكل لحمها. استسلمت هالة لواقعها المريض. وتزوجت من" منير" المكروه من مجتمعه, فالجميع رفضوا أن يناسبوه باستثناء والد المغتصبة هالة.. الأب في صفحة " 143":" يا ابني, مبروك، بدت غيمة من الدمع في عين الأب، لا يعرف إن كانت دمعة فرح أو كانت دمعة حسرة على نصيب ابنته. أخلصت هالة الوفية الرقيقة الجميلة لزوجها وكانت تشعر بالامتنان له لأنه أنقذها من عارها، حتى جاء يوم وأخبرته بحملها فأصابه هذيان من الضيف القادم، فهو يعلم أنها ضحية وأي ثمرة منها في هذا الوقت ستتعرض للعنة، كتم انفعالاته أمامها وانفرد بمونولوج داخلي في صفحة "178"، "هل تريدين أن ألقي إلى الحياة بطفل أو طفلة لتعيش وسط الجو الخانق والكلمات السوداء؟ تعال يا ابن اليتيم، اذهب يا ابن المغتصبة، ابتعد يا ابن الحرام، اسأل أمك: من هو أبوك". هذه الكلمات الساخنة، القاسية، جعلت "منير" يدس لها حبوبا في طعامها تساعدها على الإجهاض، بالإضافة إلى شرب القرفة.

كان يشعر بالألم لأنه يخون ثقتها وطيبتها فهو يقول في صفحة "181،180 "، "ربما أكون شريراً لكني لست خائناً، لكن يا الله، ماذا يمكنني أن أفعل غير ذلك؟!" تتوالى الأحداث، وبعد أنْ يعترض "حميش" طريقها تستنجد هالة بزوجها منير وتخبره بما حدث لها وبأن هذا المجرم هو من اغتصبها وبعد أن يقتحم حميش بيت منير هو ومجموعة من البلطجيين طمعاً بزوجته، يحمل منير أنبوبة الغاز ويفتح النار ويتصدى لهم، فيفرون هاربين، يعود منير إلى البيت في صفحة "200 ،201" " يجد هالة ساجدة على الأرض دون سجادة صلاة، فيقترب منها حتى اعتدلت وسلّمتْ، فإذا بها تنكب على قدميه الحافيتين تقبلهما: "سامحني، سامحني" – منير:" أستغفر الله.. أستغفر الله!"، ظل يشدها نحوه ويستغفر وهي ملتصقة بقدميه مواصلة بكاءها.  مشهد يتدفق منه مشاعر إنسانية، يعتمد على الحركة والتشويق، يجيّش العواطف ويؤهلك أنْ تتعاطف مع قاتل "حميش" لاحقاً. تنتشر حكاية تصدي منير لحميش وجماعته في البلدة، وبعد أيام تخرج مسيرة لجماعة "لا " المتطرفة لمحاربة دور الفساد والفسق والفجور بالنسبة لهم، فيندس منير بينهم، يحركهم خلفه، يشدهم باتجاه قهوة " حميش " وهو يهتف ضد الفساد، يحرقون القهوة وهو يجر " حميش " ويشنقه على الشجرة. تسعد "هالة " بانتقام زوجها لشرفها لكنَّ سعادتها لن تطول، يصيبها نزيف حاد نتيجة الأقراص التي يدسها لها منير في الطعام حتى يتخلص من الجنين,

تموت هالة ويشعر منير بعقدة الذنب, ويكتب رسالة يعترف فيها عما اقترف من ذنوب ويعطيها لسلامة الذي ينتظر اعترافاته ليسلمها للشرطة، لكنَّ "سلامة" يرفض تسليمها, ويصارح منير بأنَّ   حميش" هو المسؤول عن قتل عائلته بعد أن وضع القطع الخشبية بالمسامير تحت عربة والده.

يتمرد "سلامة" على ضعفه ويقرر أن يحطم جبنه ويكون له موقف يستند عليه، كما ويبرر فعلة منير. إنَّ الكاتب  يتركنا أمام نهاية مفتوحة وتساؤلات وخيال.

الرواية تضج بالمشاهد السينمائية التي تقع تحت مصطلح " ماستر سين"  والمقصود " بماستر سين" في لغة السينما هو أعلى مشهد في الفيلم من الناحية الفنية، المشهد الذي لا يموت مع نهاية العمل ويبقى في الذاكرة. غالباً ما يكون في العمل السينمائي "ماسترسين" واحد أو اثنان, أما في هذا العمل الروائي  والذي ينبض سينما، نحن أمام نهر متدفق من مشاهد "ماستر سين" التي تستوطن الذاكرة، وقد تناولتُ بعضها خلال هذه القراءة، وسأضيف عليها بعض المشاهد: مشهد "ناصر" في نهاية العمل، والفانتازيا التي قدمها من خلال علاقته بالشخصيات وبمن حوله، مشهد الروائي والشاعر ناصر في فرنسا ولقائه مع أحد أبطال روايته، "هاني " الهارب من الرواية والذي غيّر اسمه وشكله وجنسيته بعد أن انفضح أمره وترك حبيبته هالة تواجه مصيرها، مشهد لقاء الروائي ناصر مع والده الميت والحديث عن معنى الموت، مشهد بيع المكتبة، مشهد اغتصاب هالة في الحديقة، مشهد موت الجدة، مشهد موت هالة، مشهد جماعة "لا " وحرق القهوة وإعدام "حميش"، ، مشهد أنبوبة الغاز ومطاردة حميش وسجود هالة على الأرض وتقبيل أقدام منير، المشهد الإيمائي الذي يجمع "سلامة" في بيت منير بعد أن فقد قدرته على الكلمات نتيجة صدمة وجوده في ثلاجة الأموات، مشهد المقبرة في صفحة "301، 303"، منير هادئاً مثل شجرة أمام القبور الأربعة، قبر أبيه وأمه وجدته وزوجته هالة. يكتب رسالته إلى أبيه ليطهر نفسه من الخطيئة، " يا أبي، لو عبرت معي سنوات المدرسة، سنوات المدرسة فقط، ربما كنت سأصبح صيدلياً أو حتى سائق سيارة جيداً. أتعرف أني لم أفتقد أمي فقد كانت جدتي تملأ فراغها بعض الشيء، لكن لم يكن في البيت قدوة لأكسرها أو أقدسها."   وقف منير أمام القبور مثل شجرة تمد أمامها ظلها الطويل، فيبدو الظل وكأنه يفترش مكاناً مجاوراً لقبر خامس.

الرواية تزخر بالمشاهد البصرية الصادمة والتي تحتاج فقط لترتيبها كي تعطيني عملاً سينمائيا أو مسلسلا تلفزيونيا يسهم في صناعة بصمة سينمائية.

انتهت الساعة وسيبقى الروائي ناصر يعيش صراعاً داخلياً، ماذا يقول بعد ذلك؟ هل سينتصر "سلامة" الواقعي لنفسه ويخرج من حيادتيه ويتمرد على جبنه، كيف سيواجه "منير"_ الشخصية الحقيقية _التي تتشابه مع شخصية الرواية مجتمعا مريضا ينهش لحمه بالألسن الثرثارة ليجعله مجرماً، كل يوم تذبح هالة، فما قيمة الحياة ونحن لا نبصر الجمال؟ وأخيراً، سأقول ما قالت "هالة"، " الكتب أرواح يؤنسون البيت".

 

قراءة المخرج والكاتب / مصطفى النبيه

 

 

مادونا عسكرقراءة في قصيدة "ماذا لو...!" للشّاعر الفلسطيني فراس حج محمد

- النّصّ:

ماذا لو...!

ماذا لو أنّ الشّاعر كان في تلك الليلة عِنّيناً

كان عقيما والمرأة عاقرْ

أو لم يشرب كأسا من خمرْ

أو أنّ المرأة كانت حائضْ

أو كانت غير جاهزةٍ لم تنتف إبطيها

وتفوح منها رائحة العرق البدنيّ

أو أنّ العانة نابتة الشّعرِ

ولم تحسن صنع السُّكّرْ

لتصقل فخذيها، ذراعيها ونهديها

ويكون لها كل ذاك المكرُ المكّارْ

وتربّي الأطيار في حدائق صدرها المهووس بالشاعر والأشعارْ؟

هَبْ لو على حين غَرّة فاجأته القصيدة مثل وحيٍ ماج وهاجْ

هل كان سيأوي إلى عصفورها الوهّاجْ

حيث السّحرُ، السّاحرُ، والأبراجْ

هبْ لو أنّ المرأة لم تكن ذات حسنٍ

أو لم تتقن نصب الأشراكْ

وتُرعرع في خدّيها الوردَ، تعرّبُ أسراب الأفلاكْ

هل كان السّرّ سينبت في سرير عابرٍ ليولد مثل هذا "الاشتباكْ"

ليطير من بين شفاه الشّاعر حيث أذن واعية تلتقط الحَبّ والحُبّْ

وتُقرع آلاف الأجراسْ؟

هَبْ لو أنّ الشّاعر كان نبيّاً والمرأة محض ملاكْ

هل كان البحر سيهذي ويقدّم للجوعى هذي الأسماكْ؟

- القراءة:

"وجع السّؤال... تعب الحقيقة" (فراس حج محمد)

الحياة الإنسانيّة سؤال موجع يتمدّد بين قلق المعرفة والحقيقة ووهم الحقيقة. فالسّؤال واحد وإن تشعّبت الأسئلة، ومنفرد وإن تفرّع إلى تساؤلات عديدة.

(ماذا لو) السّؤال العلامة، مفتاح القصيدة الّتي أرادها الشّاعر نصّاً نقديّاً يشرّع أبوابه على عدّة أسئلة مرادها إحداث انقلاب فكريّ يؤدّي إلى نتائج مختلفة عن المعهود والمتعارف عليه. فيوجّه العقل باتّجاه معاكس ومخالف لما اعتاد عليه بهدف الارتقاء به حتّى يتّزن، ويتّخذ لنفسه منهجاً عقليّاً خاصّاً يعزّز وجع السّؤال في سبيل الحقيقة المتعبة.

لا ريب في أنّ هذا النّصّ كُتب على خلفيّة مقال طال الشّاعر الكبير محمود درويش، ولا ريب في أنّ هذا النّصّ أتى بعد تأمّل خاصّ في حال الواقفين عند التّفاصيل السّخيفة أو حال المعترضين المدافعين. وفي هذه الحال يكون العقل الجمعيّ متأثّراً بمنظومة فكريّة واحدة تؤدّي إلى نتيجة واحدة لا غير. وأمّا سؤال (ماذا لو) فيخترق هذه المنظومة، ويبدّل مسارها ويخلق سؤالاً متمرّداً يصدم العقل ليقوده باتّجاه منحىً آخر.

يستخدم الشّاعر (ماذا لو...!) مرّة واحدة، ويرفق سؤاله بعلامة الحذف أو القطع وعلامة تعجّب. ومن المرجّح أنّه ينبّه القارئ إلى التّركيز على النّص واستجماع أفكاره لفهمه بحسب منهج عقليّ جديد والغوص في الأفكار الّتي طرحها الشّاعر ثم التّجاوز إلى بناء رأيّ خاصّ مفاده حذف الأفكار/ الأحكام المسبقة وقطع الجهل بالوعي، الوعي الإنسانيّ. وغالب الظّنّ أنّ الشّاعر استتبع هذا السّؤال العلامة بعبارات قد تكون منفّرة للقارئ، لكنّها مناقضة تماماً للحالة الأصليّة. وبذلك فصل التّساؤل الافتراضيّ بشكل قاطع بين ما عُدّ حقيقة أو ضلالاً، وبين ما قد يكون الواقع الحقيقيّ. ولعلّه يدخل في حوار مع القارئ باستخدامه ثلاث مرّات حرف الاستفهام (هل) بهدف طلب التّصديق الموجب وليس بهدف الاستفهام، فيستفزّه للبحث في وسائل مغايرة حتّى يبلغ النّتيجة المغايرة، فيعرض له تساؤلاً افتراضيّاً مقابل استنتاج يحدّد من خلاله مبدأ التّساؤل الهادف إلى التّخلّي عن وجهة النّظر الأحاديّة والانتقال إلى رؤية الأمور من زوايا مختلفة.  وباستخدام (هل) ثلاث مرّات يؤكّد الشّاعر هدفه من النّص بشكل عامّ.

يختتم الشاعر نصّه ببيتين يبيّنان تناقضاً قاسياً بين مشهد العلو ومشهد الانحطاط . الشّاعر النّبيّ والمرأة المحض ملاك والبحر الهاذي غير المتّزن الّذي يمنح للجوعى ما يشبع بطونهم لا عقولهم.

هَبْ لو أنّ الشاعر كان نبيّاً والمرأة محض ملاكْ

هل كان البحر سيهذي ويقدّم للجوعى هذي الأسماكْ؟

فيشكّل هذا التّناقض هوّة بين التّساؤل الإنسانيّ الواجب والتّساؤل السّطحيّ الباحث عن الثّرثرات والسّخافات بعيداً عن الأصول. كما أنّه يبيّن الفرق بين الجوعى إلى المعرفة والجوعى إلى القوت الفاني. ويزيد حرف الاستفهام (هل) من هذا التّباين ليشدّد على أنّ سؤال العقل حركة  باتّجاه الإشباع المعرفيّ نافياً إمكانيّة إشباع العقول الهشّة الباحثة عمّا لا أهمّيّة له.

إلّا أنّ أهميّة هذا النّصّ الشّعريّ النّقديّ يتجاوز خلفيّته ليرتقي إلى نصّ نقديّ يمكّننا من إسقاط السّؤال (ماذا لو...!) على مفاهيم كبرى فنعيد النّظر فيها على مبدأ تعدّديّة الأسئلة والآراء والأفكار، وليس على مبدأ الحكم المسبّق أو القفز إلى النّتيجة بمعزل عن التّحليل وإعمال العقل في الخبر كما يعلّمنا ابن خلدون. كما أنّ النّصّ إذا ما انتُزع من خلفيّته يصلح نقديّاً لأيّ خلفيّة أخرى تجيز لنا الانقلاب على مفاهيم عدّة وحقائق عدّة نتشبّث بها عناداً، أو وهماً، أو انغلاقاً وتقوقعاً.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

صالح الرزوقترجمة وإعداد: صالح الرزوق

دارين أنديرسون Darran Anderson كاتب وناقد إيرلندي. آخر مؤلفاته كتاب (المصادر: نهر ومدينة وعائلة). وهو مذكرات عن حياته في شمال إيرلندا في فترة الاضطرابات. وفي استفتاء نظمته الأوبزيرفير وجهت له السؤال التالي: هل تتكرم بتزكية رواية تناولت الذكورة ومعنى أن تكون رجلا في أوروبا في الوقت الراهن؟.

قال أنديرسون: حينما كنت شابا، أنفقت قدرا كبيرا من وقتي بالتجوال بسبب حالة سوداوية تنتابني. وكنت أقرأ حينها كتبا مثل "الجوع" لكنوت هامسون، وهو رواية عن شاب متشرد وكآبي. وخلال استعدادي لأكون أبا قرأت عدة مرات "الطريق" لكورماك مكارثي، وكومت الأغذية المعلبة والأسلحة. وبالبحث عن إرشادات تهديني في حياتي فقد وجدتها في أفكار أباطرة روما. سواء الحقيقية (التأملات لماركوس أوريليوس) والمتخيلة (مذكرات أدريان لمارغريت يورسينار). ويبدو لي أن حياة الإنسان، من ضمن مجالات أخرى، هي شيء عبثي.

وقبل أن أصل إلى آخر أعمال أوليبيك، يجب التذكير بعدد من المؤلفات المعاصرة الممتازة والتي تناولت مضاعفات الذكورة. ومنها "كل  ذلك في الرجل" لدافيد سيزالي، وهو مجموعة رائعة من قصص صادقة لدرجة صادمة ولكنها لا تخلو من التعاطف.

وتم دراسة الجوانب المقلقة والمضطربة فيما يتعلق بالرجولة في كتابين مختلفين جدا ولكنهما بمنتهى التأثير والعمق وهما: نهاية إيدي لإدوارد لويس والألبوم الأسود لحنيف قريشي.

وأنوه أيضا بروايات ممتازة جديدة لـ “بين مايرز.” فهي تتابع الرعب الفولكلوري وظواهر قوطية من الشمال. وبقليل من التساهل أذكر مذكرات "جولي لاد" لجون دوران، وهو كتاب مؤلم جدا عن الإدمان، غير أنه لا يتخلى عن المرح والفكاهة. ومن المناسب العودة إلى “يام الصبا في كتب ذكية مثل "صبا كيرون سميث" لجيمس كيلمان و"القراءة في الظلام" لشيموس دين (وللثاني تأثير واسع على كتابي "مصادر" وقد تشارك بهذا التأثير مع أفلام تيرينس دافيز).

وهناك كتب تسبق حدود هذه الفترة. ومنها "الخروج إلى الهواء الطلق" لجورج أورويل وهو رواية متألقة لم ننتبه لها كثيرا. وفيها لحظات عالية الصوت تدل على الخيبة والتبدل والرواقية. ورواية "قصب سكر" لجين تومير الصادرة عام 1923، وهي تركز أساسا على الموضوعات العنصرية في الولايات المتحدة، ولكن يتخللها قصص مؤثرة تتكلم عن طريقة رؤية الرجال للعالم والعواقب المترتبة على ذلك. و"الخريطة المتهدمة" لكوبو آبي وهي رواية مخدرة عن أوقات الشك والوعي. ويبدو أن الذكورة تأخذ شكل نوع من التحدي وليس حالة نوعية فقط: وتطلب منا أن نتحلى بالقوة لنكون رقيقي القلب ومتعاطفين، على سبيل المثال. وهناك إطار متكامل من القصص عن الرجال الذين يتغلبون على المصاعب، أو الذين يسقطون في طريقهم، وهو ما يحيلنا إلى شيء أعمق، أكثر مصداقية وأوسع وأغنى، منها: السقطة لألبير كامو، البحر.. البحر لآيريس مردوخ، وأهالي دبلن لجيمس جويس.

وإن كانت هذه الأعمال ثقيلة وصارمة جدا هناك طريق للهروب منها يمكن أن تجده في سلسلة روايات الطيران لأنطونيو دو سانت أكزوبري. أو يمكن أن تقرأ عن العزاء الكئيب في رواية "ريدلي واكير” لراسيل هوبان. أو في "كينت" وهي رواية بعد قيامية عن شباب يخرجون بحثا عن موضع لهم في العالم.

 

 

هيام الفرشيشيعادل بن رحمون هو أستاذ وباحث دكتوراه، ولديه دراسات علمية. وكتاباته هي شذرات من سيرة ذاتية تعبر عن تشكلات  حالات الوعي، يلبسها ثوب الراوي الذي يختزن ذكريات متشابكة وتفاصيل رهيفة تجعله يتقلب بين الحنين لماض سعيد (عالم الطفولة)، وبراءة الإحساس الوجودي بالزمن والأشياء و(عالم الشباب) وفوران الغضب إزاء الخيبات الاجتماعية والعاطفية..

ورغم هذه التقلبات والعواصف والاهتزازات فهو يغمس فتيل الماضي في الحاضر لينير شعلة يتلمس بها شعاب الاتي على يقينه بأنه يسير في طريق متشعب ويكابد رحلة القلق والتوجس.. فالسرد ليس مجرد إدراك حسي وتجارب الحواس  بل هو إدراك تصوري مرتبط بقدرة الذهن على الاستفادة من صور الذاكرة، ثم نلاحظ هذا الارتقاء بالوعي حيث يضع ثقل المواجهة عن طريق العقل إذ لم يعد العلم تمارين ومعادلات صعبة بل هو طريق نحو إثبات الذات في المجتمع. ومن هنا نستشف قصدية الذاكرة في كتابات عادل بن رحمون  عبر استرجاع الانفعالات والأحاسيس، وربط صور الحاضر بالماضي، وعبر المرتكزات الاجتماعية للتذكر وخاصة الأمكنة وملامح الشخصيات الراسخة. وتنبري الذاكرة ككتلة مشاعر  تحاكي لحنا حزينا، تتدفق كالأمواج التي تعلو كلما لامست عمق الذات وخاصة في لحظات التأمل والاسترخاء، فغالبا ما يبدو الراوي في وضع نفسي معين يعبر من خلاله عن حزنه.

فالراوي في قصة "أمطار لا تتوقف"  كان في القسم يتأمل المشهد الخارجي من بلور النافذة ليشاهد مشهدا متحركا ومألوفا:  حافلة صفراء بأبواب متهتكة تكاد تسقط المسافرين البسطاء المتشبثين بقضيب مترنح، فهو يحدق في مشاهد الذاكرة ويعيش حالات التذكر، فالحافلة هي الفضاء الذي تشكلت فيه الحكاية وانطلق منه الحدث حين  عادت به الذاكرة لأيام كان ينتظر فيها حبيبته في محطة الحافلات لكنها سافرت وتزوجت برجل مقتدر ماديا. فيضع القارئ أمام مشهد محطة الحافلات القديمة غير عابئة بالزمن، ما فتئت تشكل فضاء للصراع من أجل التشبث بالحياة رغم صعوبتها وارتباك سيرها، تاركة وراءها عجوز تنتظر  حافلة أخرى، ذلك أن المواجهة تعتمد على توقد الحركة والذهن، لهذا ينطلق من مشهد داخلي في القسم و يضع الراوي/ الأستاذ تلاميذه أمام معادلة صعبة، ويصور أجواء القسم الصاخبة، وتوعد الأستاذ تلاميذه بالعقاب إن لم يعملوا العقل، فهو يضعهم أمام الامتحان الصعب لأنه يدرك أن الاستمرارية للأقوي كركاب الحافلة، ثم ينتقل لمشهد خارجي كمرآة لما ينتظر بلورته داخل القسم، ولا يعود إلى الفضاء الداخلي الذي انطلق منه إلا بإعلان أحد التلاميذ (سامي) بحله للمعادلة.

فلعبة الداخل والخارج، والحاضر والماضي  من أجل تحديد صورة المستقبل عن طريق العلم، فهو يخرج الصور من الذاكرة ويعكسها في مرآة الحاضر في بحث عن التجاوز  رغم كل الهزائم ها هو ينتصر في صنع نجاح وإن كان صغيرا. قد يعترضه ذلك التلميذ يوما وهو إطار جيد في بلد باتت فيه فرص النجاح شحيحة على الفقراء.

ولو ربطنا هذا النص بشذرات سردية ينشرها عادل بن رحمون هنا وهناك ندرك أن التلميذ سامي هو صورة للراوي حين كان تلميذا، ورغم أنه يبرز نفسه في صورة الأستاذ الفظ الذي يتوعد تلاميذه بالعقاب إن لم يكفوا عن الضجيج ولم يحلوا المعادلات، إلا أنه ينقد ذاتيا صورة ذلك الطفل الصغير في ذاكرته " لن أطيق أن أبقى بين أربع جدران ورجل غاضب على الدوام يأمرنا" ويقصد الأستاذ. ففي ذاكرته خوف من عالم أبوي صارم يحثه على العمل والتفكير ورغبة في تطليق الدراسة والعودة إلى حضن الأم والبيت وما يبعث فيه السعادة "كم أنا سعيد بعودتي لحضن أمي، لبيتي، هناك في دوار بوربيع مهد طهر وصباي، سأخبر أمي بكل شيء، سأقول لها أني لا أرغب في الدراسة". عالم أمومي من الجمال كامن في عمق الذاكرة، متحرر من الحزن والخوف والقهر، عالم الحرية المطلقة: "وأجري لا ألوي على شيء سوى العودة لعصفوري حسونة". وحيث أمه الجميلة وخالته التي تأتي في العطل صيفا وهي لا تقل جمالا.

فالتذكر يرتبط  بمفارقة صورة الأب الرحيم والقاسي، فالأب وهو يسعل في ليالي البرد والابن الذي يغطيه جيدا يذكره بملامح المعلم القاسية الذي أودعه له أبوه في اليوم الأول للدراسة. ويقارن بين صورتين للأب، صورة الأب الرحيم الذي يحميه من العالم الخارجي، وصورة الأب التي تتميز بالغلظة إلا أنه يدرك أنها صورة مرغوبة فالعلم ليس سهلا...

 كما أنه يعي بأنه اخترق المشهد الخارجي بعدما كان ضبابيا ليتحول إلى مرآة تعكس ما يريد التعبير عنه وإفراغ شحنة الحزن التي كانت تلازمه أثناء التدريس: "أنفاسه ترتسم على بلور الشباك في شكل طبقة تحجب عنه المشهد في الخارج"، وفي موضع آخر "سيجارة في شفتيه، مستلقيا على فراشه، أفكار حزينة بعد منتصف الليل. موسيقى تعود إلى عهد التسعينات، يعود إلى فراشه البارد وتسرح به الذاكرة بعيدا". كتلة من الأنفاس تعبر عن دواخله: "حزن داخلي بل تمزق شنيع"، لكنه يلازم رحلة البحث وتحرير الذات: "ظل هو هنا يقارع الرياح ويواجهها بكفه الأعزل". فالحل هو علمي لا غيره، الإيمان بالعلم.

كما يضعنا القاص أمام مرتكزات مادية للتذكر وخاصة الأمكنة التي لها علاقة بالذاكرة، فهو يدرس الكيمياء في نفس القسم الذي درس فيه الرسم وهو تلميذ ويذكره بمقعده القديم وأصدقائه ومن له صلة معهم في الحاضر. ونكاد نجزم أن المؤلف يغذي نصوصه بشذرات من السيرة الذاتية حين يحدثنا عن الاختصاص الذي يدرسه، أو الأمكنة التي يعيش فيها في الحاضر.

ورغم جمالية الأمكنة الأمومية في الماضي إلا أنه يحدثنا في موضع آخر عن ماض مستلب حين يتحدث عن المكان الذي عاش به  الراوي ومازال. ثكنة عسكرية حذو الحنايا العظيمة الشاهدة على مجد روما التي استعمرتنا"،  حتى المنزل الذي تقيم فيه العائلة فقد كان على ملك المستعمر.chappi.

فالكتابة عند عادل بن رحمون هاجس وجودي تتأمل الماضي، وتنشط الذاكرة وتسترجع بعض تفاصيلها لتنسج غطاء يقيها من تقلبات الزمن.

 

هيام الفرشيشي

قاصة وناقدة – تونس

.......................

أمطار لا تتوقف

بقلم: عادل بن رحمون

أمطار لا تتوقّف..أنفاسه ترتسم على بلّور الشبّاك العتيق في شكل طبقة تحجب عنه المشهد بالخارج. تلاميذه في القسم يصرخون، ويهملون إنجاز التمرين الصعب. يدير وجهه المكفهّر مهدّدا اياهم بالعقاب. تهدأ موجة التمرّد. يعود لمواجهة البلّور. يرمق حركة الذاهبين والعائدين بلا هدف، من شبّاك القاعة المطل على الشارع الضاج بالحركة…

حافلة صفراء بأبواب متهتّكة تكاد تسقط المسافرين البسطاء المتشبّثين بقضيب مترنّح. عجوز لا تلحق بتلك الدابة الصفراء، كما لو فاتها العمر بكل فصوله.

يشعل السيجارة الأخيرة في العلبة.

 يتذكّر آخر حوار دار بينه وبينها كما لو أنه دار بينهما البارحة. كان نقطة النهاية لعلاقة كان الفقر كان كفيلا بإنهائها من غير رجعة. بدا يومها مكابرا رغم يقينه بحجم الدمار الذي سيلحق به حين اختار إمرأة ذكية وجميلة...وفي بلده يسمى هذا  انتحار بيّن لأن المرأة الذكية تخلق المشاكل.

عادت به الذاكرة لأيام كان ينتظرها بمحطّة الحافلة من أجل أن يراها فقط، لا ليحدّثها، أو يقبع حذوها في الحافلة المتراصّة. ينزل بعد نقطة هبوطه فقط حتى يشيّعها بعينيه وهي تصعد تلك الربوة الحادّة كي تصل لبيتهم. ويعود هو أدراجه سعيدا بصور مزدحمة في ذهنه، وجهها الملائكي، ضحكتها الساحرة وحتى غضبها الرائع.

تسافر به الذاكرة ليوم خطوبتها. يومها أحسّ بأنه لم يحافظ على معدن ثمين بات يمتلكه، أو ربما صروف الدهر جعلته يخسر الرهان ليتصدّع قلبه، ويصاب بوعكة باتت تمنع تسرّب أي شعاع حب لإمرأة أخرى.

تركته حبيبته. وسافرت هناك وراء البحار ليظل هو هنا، يدير معارك دونكيشوطيّة يدرك أنه سيخسرها حتما. سافرت هي للمال والجاه والبذخ والأضواء والراحة، وظل هو هنا يقارع الرياح ويواجهها بكفّه الأعزل...

ما يقوم به لن يخرج عن دائرة التصعيد.فكل الحروب كانت بسبب النساء، وستظلّ. ما الفائدة من جلد الذات اليوم.

لقد ضاع كل شيء ولا إمكانيّة لاسترجاعه.لن يعدم ذلك الماضي. سيحتفظ به بكل مرارته. سيتحدى الطبيعة التي لا تقبل الفراغ. فليكن قلبه مجرّد آلة لضخّ الدماء..

يقطع خلوته صوت تلميذه النجيب "سامي"، ويقول له: "لقد وجدتها سيّدي". يمضي لدكّة ذاك التلميذ. ويطّلع على عمله بعينيه المنتفختين من أثر السهر، من أثر الخمر، وخيالات الليل السرية. ترتسم على محيّاه إبتسامة. رغم كل الهزائم هاهو ينتصر في صنع نجاح، وإن كان صغيرا لينمو، وقد يعترضه ذلك التلميذ يوما ما وهو إطار  في بلد باتت فيه فرص النجاح شحيحة على المعوزين. يربّت على كتف تلميذه، ويقول له بصوته الأجشّ: "أحسنت إبني". ويعود للمصطبة بخطاه المتثاقلة. يجلس على الكرسي القديم منتظرا ناقوس المعهد. ينظر ناحية الشبّاك.  لا تزال تلك العجوز منتظرة للحافلة الأخرى التي قد لا تأتي. يضحك بشكل يجعل التلامذة يهمزون ويهمسون: "ما الذي يضحك أستاذنا المتجهّم"..

 

 

وليد العرفي تُحيل قصيدة حنين للشاعر: عبد الإله الياسري متلقيها على العاطفة التي جاءت في استهلال عنوانها بكلمة مفردة جمعت، ومنعت في الآن ذاته ما بين اتّصال معنوي بموطن، وانفصال بجغرافية محققة حسياً باغتراب الشاعر، وهو يُكابد ذلك التغيير الحاصل ليس على الصعيد النفسي وحسب، وإنما على مستوى الطبيعة والمناخ المُتبدّل؛ ما بين مناخ العراق وشمسه التي كانت لافحة، وما وجد الشاعر نفسه  أمامه، وهو في أتون برد وشتاء مختلف في منفاه عمّأ عهده:

أصدُّ الثلجَ مُغترباً بكفٍّ          وبالأخرى أصدُّ لظى اشتياقي

إنه تجسيد للحالة التي  يجد الشاعر نفسه أسير جانبيها في إطار المعاناة  ما بين واقع موجود مرفوض، وآخر مغيب مرغوب؛ وهذه الثنائية في الأضداد ستشكل لدى الشاعر رؤية جديدة، وهو يتحسس مرارة الموقف، وقسوة الحالة التي يكابد معاناتها ما بين حضور وغياب وإظهار وإضمار تلك الثنائيات التي لا تقتصر على الجانب الذاتي، وإنما تتعداه إلى الموضوعات المتصلة بالذات من إنسان، و مشهدية ما تزال صورتها تعبر على شريط الذاكرة  فلا يجد مؤنساً له من أبناء وطنه، ولا لحظة تجمعه بأصدقائه ممن كانوا ندماءه في  الوطن  يقول:

فلا للكأسِ في كندا نديمٌ                  ولا للكأسِ في بغدادَ ساق

إنها الغربة التي أجبر عليها؛فكانت محاولة تخلص وفرار من واقع مأساوي، ولكنها لم تكن في الوقت ذاته خلاصاً من معاناة عاطفية وحنين دائم يستدر مشاعر الشاعر، ويستهلك عاطفته  حيث تبدو الغربة باعثاً على انعدام توازن الإنسان، وعدم قدرته على التلاؤم مع واقعه؛ فتتساوى الأشياء في تماثلها النفسي، وإن اختلفت قيمتها على مستوى العاطفة والمشاعر التي تظل متعلقة بالوطن:

أُعاني في المكانينِ اغْتراباً             تساوى البينُ عندي والفراق

وبهذا الاستحواذ العاطفي جاءت انتقائية الشاعر لعنوان قصيدته الذي اختاره بكلمة مفردة (حنين) الذي وسم به  قصيدته  بما تشير إليه من دلالات رامزة إلى العاطفة؛ لتكون ليس مجرد علامة سيميائية على النص وحسب، بل لتحقّق ارتباطأ وثيقاً بالحالة النفسية التي تنثال منها اللفظة عبر القصيدة كلها بمرادفات جاءت صيغاً تعبيرية تتعالق معها في الدلالة، وإن اختلفت معها في اللفظ، والصيغة، وهو ما يكشف عنه الحقل الدلالي المشكل للنص؛

فقد وردت مفردة الحب، وما يتصل بها من ألفاظ مثل هوى، حبيبة، (13 ) مرة، هذا ما يجعل من مفردة الحب مقولة ًفي القصيدة التي  لم تفارق بحمولاتها الدلالية مفردة  الحنين وانثيالاتها الدالة عليها، والحنين إنما يتولد لمحبوب مفتقد عزيز، ومتخٍّف عن العين الباصرة لكنه مشاهد بالعين البصيرة، إنه العراق بلد الشاعر الذي يخاطبه مصوراً  حالته قائلاً:

تعِبْتُ ولمْ يتعَبْ بأَعماقيَ الحُبُّ

وشبْتُ ولم يبلغْ صباباتيَ الشَّيبُ

وأَشغلَ جنحيَّ الزمانُ بغربةٍ

ولمْ ينشغلْ عمّنْ أُحبُّ بيَ القلبُ

تتبدى ثنائية المطلع عبر اتكاء الشاعر على مقولة الزمن الذي يستدعيه بدلالات الفعل الماضي تعبت، وشبت المسندين إلى ضمير المتكلم ( التاء) الشاعر نفسه،والحاضر في الفعلين المضارعين يبلغ وينشغل، وعبر هذين الزمنين يبدو مشهد التحول ما بين حدث حاصل بفعل قوة الآخر ( الزمن)، وثبات بفعل ردع وتحدٍّ بفعل قوة ( الذات) وهو  ما يُعلّل استخدام الشاعر أسلوب النفي؛ ليفيد بقلب الحاضر إلى الماضي محاولةً منه في إيقاف دولاب الزمن، وحركته المستعجلة عبر تلك الثنائيات:

تعبت ــــــــــــــــــــــــــــــــ لم يتعب

شبت ـــــــــــــــــــــــــــــــ لم يبلغ

أشغل ــــــــــــــــــــــــــــ لم ينشغل

 

لينقل إلى تعميق تلك الرغبة بتجذير حقيقة وجوده؛ فينتقل من ثنائيات التضاد بين الأفعال التي تعني الحركة والتغيير المستمر إلى ثنائية السكون و الثبات برمزية الأسماء؛ فنجد الثنائية الضدية تقع بين الاسم: (حضوري) الذي أراد منه الإشارة إلى الثبات الذي يسعى إلى تأكيده،والفعل: (غيَّبني ) رمز الحركة والتغيير الذي يرفضه وفق هذه الثنائية:

غيَّبني ــــــــــــــــــــــــــــــــ حضوري

لئنْ غيَّبتْني عن بلادي عصابةٌ

ففي كلِّ ليلٍ من حضوري بها شهبُ

وسنلاحظ سيطرة الأسماء في في بقية الأبيات على حساب  حضور الأفعال، وهو ما يتساوق مع ما أشرنا إليه من رغبة تأكيد المواطنة، وانغراس الشاعر في عراقه، وقد تبدَّتْ تلك النزعة عبر دوال: " جذري، مائي، طيني "، وهي تكشف بما لا يحتاج إلى تأويل عن حالة العشق التي تسكن الشاعر، وتأخذ عليه كل مشاعره،إذ جاءت تلك الألفاظ بما تحمله من معان مستقلة بمفردها مسندة إلى ضمير الشاعر (الياء) التي تعني الملكية واستحواذ تلك الدلالات على كيان الشاعر ووجدانه، وهو ما يجعله يعيش ألم بلاده وأملها، كما يشاركها البسمة والدمعة  في توحد عاطفة،  والتصاق كيان روحي / جسدي:

بلادي بها جذري ومائي وطينتي

وضوئي وإنّي من قطافٍ بها اللبُّ

إنْ ابتسمتْ بِشراً فإنِّي شفاهُها

وإنْ دمِعتْ حزناً فإنِّي لها هدبُ

وإنْ أَصبُ في شعري لوصلِ حبيبةٍ

فإنّيَ أَعنيها، وإنِّي لها أَصبو

وتتجلى هذه الوحدة وذلك الاتحاد بين الوطن والشاعر بما في بلاده من ملامح في الطبيعة من نبات  وطير مُتَّخذاً منه رمزيات دالَّة مُوحية بإحالاتها، ومقاصدها الرامية إلى تدعيم مقولته المحورية التي لم يبتعد عنها إلا بالمفردة (حنين)؛ لكنها بقيت مُسيطرةً على النص في توجّهه معنىً ومبنىً :

يَسيرُ معي النخلُ الجميلُ وظلُّه

ويَجثو معي النَّهرانِ والطينُ والعشبُ

وللسعفةِ الجرداءِ منِّيَ خضرةٌ

وللطائرِ الظمآنِ من أَدمعي شربُ

وما كان بُعدي بُعدَ من نَسيَ الهوَى

ولكنَّه بُعدٌ يَزيدُ به القربُ

ـ وغير خاف أن استخدام الشاعر لرمزية النخيل، إنما جاء للتعبير عن دلالة تعيين تُفيد بحقيقة اـشتهار العراق بالنخيل من جهة، ومن جهة أخرى إرادة تأكيد تجذُّر الشاعر في وطنه على الرغم من بعده،إذْ يُمثّل النخيل بهذا المنحى  مُعادلاً موضوعياً لذات الشاعر التائقة للتجذُّر بأرض وطنها، بينما يبدو الطير مُعادلاً آخر لمعاناة الشاعر الذي وجد نفسه مُهاجراً برغمه عن موطنه الذي مهما نأى، فإنه يحمله و يُحلَّق به بعيداً بجناحيه؛ ليبقى في روحه ومشاعره يستحق منه بذل الغالي افتداءً وتضحيةً في سبيله، وهو بذلك الفعل يكشف عن عمق المأساة التي يعيشها بين عشقه وإخلاصه لوطنه، وما كان من  مُتسلّطي الوطن من إساءة له، وإلحاق أذى به، غير أن النفس الأبية لا ترضى إلا أن تُواجه الإساءة بالإحسان، وقد أحال على مرجعية الشاعر الذي قال قديماً:

بلادي وإن جارت علي عزيزة                وأهلي وإن شحوا علي كرام

فيقيم بناء نصه على تقابل الثنائيات الضدية بين:

أحلام  الشاعر وأمنياته ـــــــــــــــــــــــــــــ وواقع  البلاد وحقائقه

الافتداء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإهانة

فَديتُ بنفسي بلدةً لم تُعزَّني

ولم يتّسعْ فيها لعاشقِها الدربُ

شرب الماء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أكواب دم

أمن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رعب

أُريدُ بها شرباً وأَكوابُها دمٌ

وأَبغي بها أَمْناً وأَحلامُها رعبُ

وأَنسَى لها سمّاً وإنّي صريعُه

وأَهوَى لها وصلاً وما بيننا حربُ

التسامح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحرب

صُلبتُ بها أَلفاً ومازالَ في دمي

حنينٌ لعينيها يَطيبُ به الصَّلبُ

وتبلغ المأساة ذروتها لدى الشاعر، وهو  يُقدّم  نفسه القربان في سبيل ذلك الحب؛ ليكون المسيح الذي يُضحّي بنفسه في سبيل خلاص الآخرين، وما ذاك الإيثار إلا بدافع الحبّ الذي تملَّك على الشاعر كيانه، وسيطر على أحاسيسه، وتغلغل شرايينه حتى صار مدعاة لتوجيه اللوم :

وكمْ من مسيحٍ هامَ قبلي بحبِّها

وسَارَ لأَعوادِ الصَّليبِ به الحُبُّ!

وإنّي لسكرانٌ هوَىً بخيالِها

وقد لامَني من فَرطِ سُكْرٍ بها الصَّحبُ

وينقل ليؤكد حميمية العلاقة الرابطة، ووشائج الصلة الجامعة بينهما، مُمثّلاً  لها بأكثر الصلات نُبلاً وقداسة ونقاءً إنها رابطة الأم بطفلها:

وماهيَ إلّا الأّمُّ فاضَ نزيفُها

وما أنا إلا الطفلُ من حولِها يَحبو

حبيبةُ قلبي لا حبيبةَ بَعدَها

فِدَى حَبّةٍ من رملِها الشرقُ والغربُ

تلك العلاقة التي تجعل قيمة حبة التراب الوطني أغلى من كل الأرض الأخرى .

وفي  المقطع الأخير يُنوّع  الشاعر في أسلوبه التعبيري؛ فينتقل من الكلام الخبري إلى الكلام الإنشائي  بصيغة النداء الخارج إلى الدعاء بهدف الكشف والمعرفة والاستفهام الذي جاء تعبيراُ عن توق الوصول،  وتجاوز الواقع؛ لتحقيق تلك الرغبات المكبوتة والأحلام المؤجلة؛  فجاءت (متى) المرتبطة بدلاتها على السؤال عن الزمن ترسيخاً لتلك الإرادة، وتجسيداً لحصولها بالرغبة في تحديد الزمن:

أَلَا أَيُّها السرُّ الإلهيُّ دُلَّني

عليكَ وأَنبئْني بما خَبَّأَ الغيبُ

متَى يَصفِق الدّيكُ العراقيُّ جنحَه

وينجابُ عن فجرٍ شفيفِ السَّنَى حَجْبُ؟

وتَرجِعُ أَطيارٌ نأتْ عن سمائِها،

ويَلتمُّ من بَعدِ الشَتاتِ لنا سِربُ؟

وتَطلَعُ من عمقِ المقابرِ بذرةٌ

وتُمطرُها من غَضْبةٍ حُرَّةٍ سحبُ؟

وأُلقي لجامَ الصَّمتِ عنِّيَ صارخاً:

لقد زالتِ الأَكفانُ وانتفضَ الشعبُ؟

 

سلاماً على البركان مادام ثائراً

وأَهلاً بفيضِ النَّارِ غايتُه الخصبُ

وسقياً ورعياً للرعودِ وراءَها

ربيعٌ لإنسانٍ يحاصرُه الجَدبُ

لتنتهي القصيدة بالدعاء وتحقيق الغاية التي ينشد، والهدف المأمول الذي يتمنَّى اقتراب تحقيقه، علَّه يرى فيه بداية جديدة لوطن حلم مُتمنَّى، وتجسيداً لآمال مُضمّرة .

 

د. وليد العرفي

.................

للاطلاع على القصيدة في صحيفة المثقف

نزيف الشمس / عبد الاله الياسري

 

 

وليد العرفي يُشكّل غرض الرثاء أحد أهمّ الموضوعات الشعرية ؛ لما له من لصوق بالنفس الإنسانية كونه يشتغل على موضوعة الفقد، والفقد بوصفه عرضاً حياتيّاً يستحوذ على مشاعر الإنسان كلها، لما يعنيه ذلك المفتقد من مكانة لا يُمكن أن يملأ فراغَها، أو يُعوّض عنها آخر، ولذلك يتصف الرثاء بأنه أصدق أغراض الشعر؛ لتنزّهه عن الغائية، كما أنه يستثير العاطفة في سمو مشاعرها، ونبل أحاسيسها، وقد شغل الرثاء حيزاً في شعرنا العربي الذي تعدّدت فيه المراثي باختلاف الأشخاص وعلاقاتهم بالشاعر الراثي ما بين رثاء الحكام والملوك إلى رثاء الأقارب من ابن أو بنت أو زوج، وهذا ما تشغله قصيدة الشاعر د. جواد غلوم الموسومة بعنوان:

"أستأذنكم بهنيهة حزن" وللعنوان دلالته من حيث البنية والنمط والتوجه ؛ فقد قامت بنيته اللغوية على: فعل مضارع + ضمير كاف الخطاب + ظرف زمان + مضاف إليه، ولهذه البنية التي، وإن جاءت عفوية في سياقها إلا أنها على مستوى الدلالة السيميائية تُحيل على أن الحزن موقف مضاف إلى الزمن، وهذه الإضافة للحزن تستوجب حيزاً من الزمن، وهو الزمن المقتطع من سيرورة الحياة المُتعاقبة التي لا تتوقف في لحظة ما لحدث طارىء، أو لموقف عابر، وهو زمنٌ بحاجة إلى مساندة جمعية ؛ لما يشعر به الحزين من حاجة للمساندة والوقوف إلى جانبه، وعلى هذا يكون العنوان نداء استنجاد، وإظهار حالة بحاجة إلى الدعم والمساندة التي جاءت بالزمن المضارع ما يُفيد باستمرار الحزن المؤقّت الذي أعلنت عنه دلالة الظرفية "هنيهة  من الزمن "، وهو ما يبدأ به القصيدة التي تتوالى فيها أفعال: " أنادي، أعاتب "، وهي أفعال مُعبّرة عن القول والحوار الذي يُشخصن الجماد والحواس  في إشارة رامزة إلى حالة الوحدة التي آلت إليها حال الشاعر بعد رحيل فقيدته يقول:  

أنادي عيوني

أعاتب دمعي:

كفى نظراً للمرايا التي ألِفتْ وجهَها

كلّ هذي السنين الطوال

أقول لكَـفّي وأرجف:

كفى عبَـثاً في الخزانةْ

فمازال عطر المليسيا

يحنّ إليها حنين الغريب الى ألفةٍ

الى وجهها الذي فرّ  كالطيرِ حين يأنس طلعتها

كالجناحِ من الخوف حين يأمن في عشّهِ

حين قالت وداعاً وفرّتْ

كأحلامنا الضَّائعةْ

وخيباتنا الشَّائعةْ

وذاك الشَّمعدان يذوي بلا شمعةٍ تحتويهْ

وتلك مخدّتها لا تنام

معبأةً أرَقاً مستدام

تلك أثوابها فقدتْ لونها

أنهكتني أزاهيرها في القماشْ

تريد رحيقاً شميماً

وعطراً يشذّبُ أحزانَها

يا لشمسي التي رحلتْ غيلةً

وهل تهرمُ الشَّمسُ عند المماتْ ؟

وذا خيطها الضوء يبزغ رغم السباتْ

يُجدّد فيَّ الحياة الزؤام .

تبدو جزئيات الحضور للفقيدة من خلال أثاث المنزل الذي يتحوّل  كل قطعة فيه إلى ذكرى، وغصّة حرّى تبعث على مزيدٍ من الألم، وتزداد حميمية العلقة بين الأشياء الجامدة، وذكريات الشاعر عبر تراكم صور تعبّر، ولا تُصوّر؛ وهو ما يكشف سبب ندرة الصور في القصيدة التي تغيت البوح والتعبير، لا إرادة التمثيل والتصوير، فلا نجد إلا صورة التشبيه التي قاربت بين رحيل الزوجة والأحلام الضائعة في إطار المشهد الكلي الذي جاء مؤطراُ ضمن لوحة الحزن الأكبر فافتقاد الزوجة التي غيّبها الموت تتماهى بالأحلام الضائعة، ولنلاحظ أن موت الزوجة يُعادل كلَّ الأحلام الضائعة، وهو ما يُبيّن مكانة المفتقدة في نفس الشاعر، ومدى الأسى الذي خلَّفه في نفسه ذلك الفقد:

 " ضاع السوارُ وفصّ عقدي

وبـقـيـتُ فـي بغـداد وحْــدي

كــانــَتْ صديــقـةَ خافِــقِــي

أدراج مُــرتَــفَـعي ومجدي

ولقد لجأ الشاعر للتعبير عن تلك الحالة بتنويع الإيقاع ما بين الشعر الحديث الذي جاء على إيقاع بحر المتقارب في بداية القصيدة  وصولاً إلى الختام الذي وجد في الشعر العمودي الوعاء الذي يسكب فيه دفقته الأخيرة ؛ فجاءت نهاية مُعبّرةً، بدفقةً شعورية سكبت جرعة أحزانها جرعةً واحدة، فها هو يبقى غريباً مفرداً في بغداد، وقد غادرته منْ كانت له السند والدعامة والملاذ والحب يقول:

 ما ضـرَّ لـو مُـتْــنـا مَـعـــاً

إلْـفانِ واشْـتَـركـا بِــلِـحْـــدِ

وحدي أيؤنسني الأسـى؟

عمرٌ بفقدكِ كيفَ يجدي"

وقد اعتمد إيقاع البحر الكامل الذي جاء على شكل تنويعٍ يندب فيه حالة الفقد عبر تكرار أسئلة أرادت أن تؤكّد وتُظهر  أكثر من أن تسأل وتستفسّر.

 

د. وليد العرفي

...................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في المثقف

أستأذنكم بهنيهةِ حزن / جواد غلوم

 

تقوم رواية (برهان العسل) للروائية السورية سلوى النعيمي على لعبة الاختلاف والتطابق، ففيها يتأسس الاختلاف في السرد – التأويل، والتطابق في الرؤية – المعنى، فالنص هو الاختلاف عينه، ونصيته هي اختلافه عن نفسه، ومن هنا، فان النص من خلال نصيته يأتي بنصوص أخرى، يدمجها، يستحضرها، لدعم النص الأصلي، ولتشكيل بؤرة مركزية، وهذا ما اشتغلت عليه النعيمي، عندما ملأت نصها بمقتطفات مستلة من كتب التراث تدور جميعها حول الجنس والمعاشرة، حتى محتويات الرواية لم تضعها على شكل فصول، بل عمدت إلى تقسيمها على شكل أبواب على طريقة كتب التراث العربية الإسلامية، وهذه المقتطفات المختلفة تقرأ أو تؤوّل ضمن أنها جزء من النص، وأنها ضمن المعنى العام الذي يقرأ بوصفه دلالة.

 إن النص يخفي شيئاً ما، لذا يجب أن نكشف هذا الشيء، ونعلنه ونستدرجه، فالنص ينظر إليه هنا على انه لعبة تمنح المؤلف والقارئ إمكانية إنتاج معانٍ كثيرة، وعلاقات تواصلية لا نهائية محققة للعمل وجودة باللقاء بين النص والقارئ، ففي هكذا نص نعثر على الذات والموضوع، والذات والعالم، والمؤوِّل والمؤوَّل، وفي الاختلاف والتطابق – التأويل/ المعنى – يحدث اللعب، إذ أن لعبَ اللعب، هو تأويل التأويل، وتجلي المعنى، وفي الآخر تكون اللغة هي موضع اللعب.

أما الجسد في الثقافة العربية الإسلامية، فيكون شديد الحساسية والإرباك، شديد التوجس والحذر، وخاصة في النص الأدبي العربي المعاصر، الذي يتناول الجسد، جسد امرأة، امرأة تحكي عن مغامرات جسدها، وارتعاشاته، ولذته، وتشظيه في رغبته، وفناءه في الآخر، ولان (الثقافة تحرم الجسد المؤنث من حقه اللغوي العقلي وتحصره في حقل دلالي واحد لا يغادره ولا يخرج عنه، إلا إلى متاهات الإقصاء والإلغاء)(1)، عليه تصبح أية كتابة من قبل المرأة عن جسدها، ضمن سياقات وأنظمة هذه الثقافة المتموضعة في ذهنية الفحولة، معارضة ومخالفة، وتعمل على تخريب الذائقة السردية الذكورية المحفورة عميقاً في الذاكرة المجتمعية.

 إن رؤية الساردة للعالم وللآخرين وللأشياء تمر عبر جسدها، وهذا ما تعلن عنه منذ أول سطر في بداية الرواية: هناك من يستحضرُ الأرواح، انا استحضر الأجساد. لا اعرف روحي ولا أرواح الآخرين. اعرف جسدي وأجسادهم ص13 الرواية. فالوعي بالشيء، ينبثق من خلال الإدراك الحسي، من خلال الإدراك الجسدي، ان الجسد هو الوحيد الذي يستطيع احتواء واستيعاب الأشياء والتلاحم معها وتميز وفرز الآخرين، ففي تجربة الجسد (= التفاعل مع الاجساد والعالم) تتحقق التجربة الإنسانية، التجربة الوجودية. يقول موريس ميرلوبونتي (انني أرى اشياء العالم الخارجية بجسدي، المسها، اكتشفها، اطوف حولها)(2)، فالجسد هو الذي يوحدنا مع العالم، وهو الوسيلة التي نتوصل بها إلى صميم الأشياء، لذا لا جنس بلا جسد، ولا جسد بلا جنس، وبهما يتكامل ويتحقق الفعل الإنساني، باللقاء الجسدي بين الاثنين، بين المرأة والرجل، وبهذه الوحدة – الجنسية يتموضع ويتفصل ويتميز الأنثى عن الذكر.

 لماذا اختارت الروائية (برهان العسل) اسماً لروايتها؟ قبل ان نفكك العنوان علينا ان نعبر عبر الغلاف الأمامي للرواية، إلى الرواية النص، ولو عرفنا ان سرد – الصورة يتطابق مع سرد – النص ، لان الصورة، تمثل الجسد الإنساني، رغم ان اللغة فيها هي لغة الجسد، ولغة الصورة المشفرة هي جسد النصّ الدلالة، والغلاف عبارة عن صورة امرأة عارية، راكعة على ركبتيّها، لا يظهر في أعلى الصورة إلا اسفل ذقنها وجزء من فمها، وفي الاسفل يظهر أعلى مؤخرتها مطوقة هي وخاصرتها بسلسلة مذهبة، ملتصقة على فخذ رجل عاري، بكلتا يديها وكل صدرها، وشعرها مسدل على ظهرها وصدرها في حالة فوضى، يقول بارت: هناك صور معينة، انها تمتع المؤلف بنفسه وهو يضع اللمسات الأخيرة على كتابه، فلذته هي الافتنان وبذلك تكون أنانية تماماً). ان الصور في هذه الحالة أساسية، لان لذة النص أساسية، ولذة المؤلف تظل موضع نقاش، في الكلمة والصورة(3).

 برهان/ العسل! لنقرأ ما تقوله الساردة عندما تقابل الآخر الرجل:

- كنت أصل إليه مبللة وأول ما يفعله هو أن يمد إصبعه بين ساقيّ يتفقدُ (العسل) كما كان يسميه، يذوقه ويقبلني ويوغل عميقاً في فمي ص30 الرواية.

 اما البرهان فهو الحجة، وقد برهن عليه أي أقام الحجة عليه، كما جاء في صحاح الرزاي، فـ برهان العسل = حجة الفرج = الحجة التي أقامها الفرج على الذكر.

 تقول سلوى النعيمي: أردت أن أبرهن فعلياً على ان اللغة العربية قادرة على كتابة الجنس والتعبير عن الحميمي من قبل ومن بعد، وعلى ان لذة الجنس تحتل مكانة أساسية في هذه الثقافة بعيد عن مفهوم الخطيئة والدنس، عبر تداخل نصي الحديث مع الاستشهاد بكتاب قدماء مثل الجاحظ والسيوطي والنفزاوي والتيفاشي(4).

 لقد أرادت سلوى النعيمي ان تذكرنا بان كتب التراث في الثقافة العربية الإسلامية تحتوي على الكثير من الكتب التي تتناول الجسد – الجنس، وهي مكتوبة من قبل فقهاء كبار وعلماء لهم بصمتهم الواضحة في الثقافة الإسلامية مثل كتاب (السحاقيات) للصميري، وكتاب (نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب) للتيفاشي، وكتاب (روض العاطر في نزهة الخاطر) للنفزاوي، وكتاب (رجوع الشيخ إلى صباه) مجهول المؤلف، وكتاب (طوق الحمام) لابن حزم الأندلسي.

 ان برهان العسل (طرح سؤالاً اساسياً في علاقتنا بلغتنا العربية وبتراثنا العربي الإسلامي. لما نعيش هذا البتر المعرفي الذي يشوهنا؟ الذي يسمم علاقتنا حتى بأجسادنا؟).

 لما نعيش هذا البتر المعرفي؟ ولدينا هذا الكم الهائل من كتب التراث التي تبحث في موضوعة الجنس، والجسد، يرى الباحث والناقد هيثم سرحان في كتابه (خطاب الجنس: مقامات في الأدب العربي القديم) ان الثقافة العربية تمتلك رصيداً أدبياً هائلاً لم يُقرأ ولم يُفكك ويؤول، يقول في ذلك:

الناظر في الظاهرة الجنسية في العالم العربي يكتشف ان الجنس موضوع محظور في التداول والتفكير والنشاط الإنساني، وذلك لان هناك اكراهات فقهية واجتماعية وثقافية تمارس ضده وتؤدي إلى حجبه وإبعاده وإغفاله، ولعل من المثير للدهشة أن الثقافة العربية تملك سبعة قرون من الكتابة الجنسانية في تراثها لكنها تمنع وتراقب وتعاقب من يقترب من تناول الجنس(5). ليس ذلك فحسب، بل أن التراث كانت له انتهاكات كبرى في مجال الجنسانية مثل الاستحواذ على مصادر الجنس واحتكارها من قبل الخلفاء والوزراء والولاة والقضاة، في حين كانت الجماهير تعيش بؤساً وحرماناً جنسيين، وتخضع لمراقبة ومعاقبة اذا قامت بسلوك جنسي يتناقض مع الأنظمة التي وضعتها السلطة، هذا الاختلال بحقل الجنسانية مكن خطاب الفقه من الخروج ببديل منهجي قائم على التحريم والتأثيم التدنيس.

 لقد عملت الروائية على الاشتغال على التداخل النصي منذ الأسطر الأولى، بين السرد الروائي والنصّيات التراثية، بحيث شكل ذلك فسيفساء ملونة، جسدت الوحدة العضوية في جسد النص، وان هذا التناص حسب مفهوم جوليا كرستيفا ادى الى محاولة تقويض سلطة المحظور والخروج منه إلى سلطة المتخيل: (الجنيد الذي كان يقول: احتاج إلى الجماع كما احتاج إلى القوت، لدي حاجة عضوية للماء والمني والكلمات ثلاثة هي عناصري الاولية – ص 52- الرواية) فالماء دلالة ايمائية رمزية جنسية، ففيها التوالد والخصوبة والحياة، ولا حياة بدون ممارسة الجنس (= الفعل البيولوجي)، وبدون المني ، فالماء = المني ، وهذا يذكرني بما يقوله سليم بركات:

فلتكن المياه عربتي وجيادي

فلتكن المياه عصاي اذا اجتاز كالأعمى،

سراديب البطولة.

المياه المياه.

درعي المياه.

 تبدأ الرواية بباب ازواج المتعة وكتب الباه وبجملة (انا استحضر الاجساد) وتنتهي بباب الحيل وبجملة (لم اعش حكايتي فضيحة)،  والرواية تسّرد بضمير المتكلم (انا)، بضمير المؤنث للساردة التي لا تحمل أي اسم، وهي الصوت الوحيد، فهل الأنا هو صوت المرأة الذي تتحدث من خلاله؟ وتختلط علينا عائدية الأنا، ما بين الروائية والساردة، لان الوحدة التركيبية للرواية قائمة على الخطاب النسائي الواحد، وبناءاً على ذلك نرى ان عالم الحياة الذاتية الوجودية للمؤلف (هو ذلك الجانب من المؤلف الذي يتسرّب إلى النصّ، وبهذا يُقرأ المعنى او عالم الحياة الذاتية من طرف المؤول بوصفه معنى النصً، ورغم ذلك يتميّز معنى النصّ من النص، لأن ذلك المعنى يعزى إلى المؤلف، ان معنى النص، هو مضمون النصّ كما يتكشّف في أنواع الأنماط المختلفة: النفسية، والاجتماعية، والسياسية، والتاريخية، فهرمنوطيقا النصّ الأدبي هي تأويل للمعنى الذي يقرأه القارئ في النص)(6).

 ولكن من يؤسس معنى العمل هو القارئ، وفعل تأسيس المعنى هذا إنما هو طريقة يُعرّف النص طبقاً لها، ولكن هنا المعنى يختلف عن النص، ذلك لأن المعنى يتأسس في القراءة.

 هذا يقودنا إلى العثور على تطابق الرؤية (= التشابه في وجهة النظر، في نمطية الشخصية، في الفعل الوجودي) عند السادرة والروائية جزئياً، فكلتهما دمشقية: (دمشق مدينة طفولتي-ص53 الرواية)، (سلوى النعيمي، شاعرة وصحفية سورية. تعيش وتعمل في فرنسا – صفحة التعريف بالمؤلفة) كلفت الساردة بكتابة دراسة بحثية عن الكتب الجنسية العربية القديمة بناءاً على طلب المكتبة الوطنية الفرنسية التي تعمل فيها كأمينة مكتبة، فتأخذ إجازة وتغادر باريس مع كتبها ومراجعها إلى تونس: (طلبت إجازة من عملي في المكتبة، حملت كتبي وهربت من باريس إلى تونس- ص51 الرواية)، الرواية كتبت ما بين باريس / تونس: (كنتُ أظن ان الكتابة في موضوع الجنس لم تعد من المحضورات لأنني كنت اقرأ ما يكتب، قلت هذا في النص نفسه ساخرة من الرقابة العربية في زمن الانترنت – الحوار)، بالإضافة إلى ان الساردة شاعرة وروائية (عدتُ إلى كتابة قصائدي الصغيرة – ص96. الرواية).

 ولكن هذا التشابه ليس معناه تشابهاً حرفياً، وليس معناه ان السادرة في النص هي نفسها الروائية في الواقع، لا أبداً، بل هذا التطابق والتشابه، يقع في منطقة الما بين، بين التخييل واللاتخييل، حتى الفعل السردي مشمول بذلك، بالإضافة إلى التجربة، (فهي لاتسرد الحوادث إلى حدثت بحد ذاتها، ومع ذلك هي تقدم ادراكات حسّية ترمي إلى الإخبار، والإمتاع، والإثارة)(7)، للقارئ الذي يبني عالمه الخيالي أيضاً، وبالذات للقارئ العربي، المليئة ذاكرته التراثية بالأساطير والتخيلات الجنسية الجامحة كـ (ألف ليلة وليلة)، التي وضعها البعض في قفص الاتهام، بعد ألف عام، لمحاكمتها كداعرة تعمل على إفساد العقول، وتقوّض وتزعزع الأخلاق، رغم انها تعتبر من روائع ما أنتجه الفكر الإنساني، ورغم قيمتها الإبداعية والثقافية، وهي من أشهر كتب التراث في الثقافة العربية الإسلامية، ومصدر لكثير من الأعمال الإبداعية الأدبية في القرن العشرين.

 لقد أحدثت سلوى النعيمي خرقاً في بنية الدكتاتورية اللغوية الذكورية، وخلخلة المركزية الفحولية المهيمنة على السردية العربية، والعمل على تكريس خطاب الأنوثة الذي يؤمن بالثنائية الجنسانية.

 إن القارئ قد يكون مخطئاً في فهم النص على المعنى الذي قصده المؤلف – أحيانا يكون المعنى مراوغ – رغم ان سلطة النص مستمدة من التداخل النصي بين التراث واللحظة السردية في الرواية، فإذا قرأ القارئ النص، ثم يعلن رأياً قاطعاً يكون قد وصل إلى حالة التوحد مع النص، ليصبح متفرداً، لا يمس، بينما يظل النص مرجعياً من الناحية العملية، الا ان القارئ يصبح دكتاتورياً، والحقيقة تظهر فقط من خلال القراءة المختارة للنص، وان القارئ هنا وبالذات في هكذا رواية، يستطيع ان ينشئ أيضاً معنى النص، عن طريق اختيار مقاطع من النص لتقديمها إلى القراء، فيهدم مرجعية النص بعملية الاختيار هذه.

 لقد ابتعدت المرأة في كتابتها عن لغة الرجل، بعد ان تعلمت منه فن الكتابة، ثم طورت نفسها، ووضعت لها أسلوباً خاصاً بها يميزها عنه، لذا لم يعد نتاجها مكرراً لنموذج الرجل، وبهذا اكتسبت وعيها، وحققت خصوصيتها، مؤكدة على وجودها كذات مستقلة غير تابعة للرجل، بعد أن تحررت من مخاوفها(8)، فتحرير الذات يعتبر في الحقيقة تحريراً للجسد، وفي رواية (برهان العسل) يتحرر الجسد من خلال الذاكرة والخيال، وان فلسفة الجسد التي يمكن التعبير عنها عبر المظاهر والحالات السوسيولوجية والثقافية، لا يمكن فهمها الا من خلال استيعاب عميق سوسيوتاريخي ورؤية شمولية لوعي الإنسان بجسده.

 ان الذاكرة والخيال، مضافاً إليهما كتب التراث الجنسية، تحدد ملامح البطلة بها، وبهذه النقاط الثلاث تكون مكتملة، في تسطير رؤيتها لما ترغب، ولما تريد ان تعلنه، ولما تفضحه، بحيث أصبحت جزء من ثقافتها، ومخيلتها، وحياتها الجنسية، حتى تساؤلاتها كانت تتوقف عند معلميّها القدماء لأنهم كانوا اكبر من هكذا أسئلة:

هل كوني امرأة هو الذي يفخخ قراءاتي السردية؟.

أليس اعتباري لها سراً جزءاً من تلك التربية المخصية التي ربيت عليها. لماذا يمكنني ان اتباهى بقراءة الأدب البورنوغرافي الغربي والشرقي واخفي قراءتي للتيفاشي؟ ص22 الرواية.

 ان الحفر المعرفي الذي قامت به سلوى النعيمي في جسد هذه الرواية، وفي جسد بطلة الرواية، هو الجمع بين الرمز والخيال والواقع، مستمداً نسغه من كتب التراث العربية الإسلامية الجنسية، ومعتمداً على الرؤية السوسيوتاريخية والايديولوجية والسياسية والسايكولوجية في انطلاق وتحرر الجسد باعتباره لغةً ونصاً مفتوحاً على كل الاحتمالات الممكنة للتأويل.

 وبما ان الجسد الأنثوي حامل للعلامات فهو إذا يلتقي مع النص الذي هو نظام مفتوح من العلامات مع معانيها المتعددة، ولان القراءة تفكك النص بحيث أن العلامات من جهة أولى، تحقق الدلالة، والدلالة من جهة أخرى، تحقق معنى من خلال التأويل.

نقرأ في (باب المفكر والتاريخ الشخصي) الفقرة الآتية:

المفكر حكاية وحده.

قسمت حياتي قسمين ق.م: قبل المفكر وبعد المفكر.

كنت أصل اليه مبللة تماماً. يكفي ان أفكر فيه كي يفور دمي.

ألم يقل لي المفكر مرة، ونحن في المقهى، وانا أغالب شهوتي اليه في مكان عام: لم اعرف قبلك امرأة يعلن وجهها (انتصابها) ص29 الرواية.

 ان الكلمات (لم أعرف قبلك امرأة يعلن وجهها انتصابها) هي البؤرة التي تلفت الانتباه، فقد يتساءل أي مرء من الذي يتكلم هنا؟ أكيد لا يمكن ان تكون الراوية، حتى بصورة غير مباشرة، ما دام تؤول شهوة البطلة على انه شبق، ولا يمكن ان يكون المفكر لأنه يعرف ان البطلة ترغب به بقوة، ان الصيغة (يعلن وجهها انتصابها) تعني عن اهتمام شخصية واحدة، شخصية ليست هي البطلة ولا المفكر، وإنما القارئ، فالقارئ هو الباحث عن الحقيقة، وهو المتتبع للخطاب السردي، رغم ان الخطاب السردي الروائي موازياً للخطاب السردي التراثي وأحياناً يكون متداخلاً مع الخطاب الآخر، إلا أنهما يكونان مستقلين، ويملك كل منهما خصائصه، ومميزاته، وتوجهاته الدلالية، إلا أنهما يخضعان لقرائية تأويلية موحدة، ذات اتجاهات متعددة.

 وبالعودة إلى الصيغة (امرأة يعلن وجهها انتصابها)، يكون معناها الدلالي الخاص المتمثل في نصية النص، غير معناها الدلالي العام المتمثل في ايحائية النص، فان دريدا يقول ان هناك (نصاً عاماً ينقش، ويغمر عملياً، حدود خطاب تنظيمه، بشكل تام، الماهية، والمعنى، والحقيقة، والوعي، والمثالية، الخ)، مما يعني ان هنالك المعنى الغائب، الذي يكون باستطاعتنا استعارته ومواجهته مع الصيغة السابقة:

- قراءاتي السرية تجعلني اعتقد أن العرب هم الأمة الوحيدة في العالم التي تعد الجنس نعمة، وتشكر الله على هذه النعمة. ص43/ الرواية.

 اما مفاجأة الراوية الكبرى للقارئ، فهي ان المفكر، لم يكن موجوداً نهائياً، وان حكايته كانت لعبة سردية اخترعتها الراوية:

- قلت له: كن، فكان كما خلقته انا بكلماتي ص147 الرواية.

ليس ذلك فحسب، بل تقوم الراوية بالتأكيد على ذلك، ان المفكر (كان حيلة) من حيل الكتابة، وهذا الشيء يعمل على قلب موازين المعادلة للرواية جميعها ويضعها في خط اللاحسبان واللامتوقع، واللجوء إلى منعطف خطير في قرائية تأويلية منبثقة من سردية فجائية، تظهر لأول مرة، لرسم مسارات ونهائيات، يشتغل عليها القارئ، فقط القارئ، وخزينه المتراكم من معارفه المتواجدة في فكره:

- يخطر لي الآن، وأنا أعيد قراءة ما اكتب، ان المفكر كان حيلة من حيل الكتابة وانه لم يوجد أبداً، ولذلك كان لابد لي من ان اخترعه. ص147 الرواية.

 

أسامة غانم

..........................

الهوامش و الاحالات:

1- د. عبد الله الغذامي – ثقافة الوهّم: مقاربات حول المرأة والجسد واللغة. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. بيروت ط1 1998. ص83.

2- د. يوسف تيبس – تطور مفهوم الجسد – مجلة عالم الفكر . العدد 4. المجلد 37. ابريل – يونيو/2009. ص56.

3- ج. هيو سلفرمان – نصيّات : بين الهرمينوطيقا والتفكيكية. ت: حسن ناظم وعلي حاكم صالح. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. بيروت ط1 2002. ص191.

4- حوار أجرته الصحفية ريم نجمي في قنيطرة مع الروائية سلوى النعيمي. أعادت نشره جريدة الوطن العراقية في العدد (27) 16/أيلول/2010، و أي اقتباس آخر للروائية الواقع ضمن قوسين وبدون ترقيم هو مستل من الحوار.

5- حوار أجراه محمود منير في جريدة (العرب اليوم) مع الباحث والناقد الأردني هيثم سرحان في العدد 4990 في 6/3/2011 حول كتابه (خطاب الجنس: مقاربات في الأدب العربي القديم).

6- نصّيات. م.ن ص121.

7- نصّيات م.ن ص151.

8- د. فاطمة بدر – خطاب المرأة العراقية الروائية . مجلة جدل العدد 7-8/ك2 شباط 2008. ص35.

* سلوى النعيمي – برهان العسل – رياض الريس للكتب والنشر – لبنان/بيروت ط3/ايلول 2008.

 

 

ياسمينة حسيبي3في زمن الحجر، كتبت فاطمة الزبيدي كي تكسرقيود الروح، تحولت إلى "بؤرة حرية" ،

دخلت إلى نفسها بحرص ودراية ثم خرجت منها بمغامرة إبداعية هيعبارة عن نصوص قصيرة /مكثفة تضيف الكثيرإلى تجربتها الرصينة في الإبداع والتجديد.

ولست أعرف شاعرة كفاطمة الزبيدي- تحث الخطى في مسافات العمر لتمسك بالواقع وتحيله تجربة شعرية جديرة بالثناء؛ لست أعرف شاعرةمثلها تحاور ذاتها بشفافية و تتجلى عبر المفردة الشعرية المنتقاة منخلال ثيمات شعرية متنوعة في استمرارية  إبداعية تُحسد عليها.

في زمن الحجر، استطاعت الشاعرة أن تسبر دواخلها بطريقة"مختلفة"،  إعتمدت على بديهيتها الشاعرية لتشتغل لغويا وشعرياعلى ثيمة "الحجر الصحي" من خلال نصوص سهلة/ممتنعة اخترقتأرواحنا ببساطة مفرداتها وعميق معانيها وكأنّما الشاعرة تستقوي برقيقمشاعرها على واقع مظلم وقاتمِ المعالم.

فالحجر لم يسلُبِ الشاعرة حريتها الإبداعية بل على العكس حولها الى"بؤرة حرية" تسافر في كل مكان بخيالها الشعري الواسع وتلتقط صورًاناضجة في الإيحاء لواقع جديد فرَضه الوباء و"تساوت فيه المخلوقات " بفعل الخوف وبفعل الضعف الإنساني أمام المجهول "العادل" على حدّقولها.

تقول الشاعرة :

في الحظرِ ...

أنا بؤرةُ حرية ...

الهواءُ موبوءٌ  ...

وحمى تعتري لُغتي

قيثارتي مبحوحةُ البوّحِ

كورونا عادلٌ كالليل

تتساوى فيه المخلوقات

ويُلبسهم لونَهُ الموّحد .

فاطمة التي تعي الفرق بين الوجود والتواجد، عوّدتْنا على انتقاء مفرداتهابوعي شعري يُشهد لها ، فهي تشحن لغتها بمقومات جمالية ودلاليةوتكشف لنا -في كل نص- عن تقييمها الشخصي لمفهوم النص المتجددبقوة الواقع ولهذا استطاعت في هذه النصوص "المكثفة/المختلفة" أنترسم لنا صورة شعرية في المفاد الضمني لمشاعرها كامرأة/شاعرة من زمن كورونا .

لقد قررت الشاعرة أن الكتابة في زمن الحجر ستكون "مختلفة" وأنعملية بناء النص ستنطلق من ذاتها الشاعرة "البدائية" في رسم وتلوينحقيقة واقع جعلها تعود أدراج الطفولة وكأنّها تريد أن تؤرخ " لتجربة" جديدة شعريا أو كأن وقْع الوباء جعل روحها الشاعرة تهرب بالنصالشعري إلى منطقة  "غير موبوءة"حيث أطلقت ذاتها لطاقة البوح وجعلتالمسافة تضمحل بينها وبين القارئ -رغما عن الحظر - كي تشاركه  وعبرالشعر أدق التفاصيل من يومياتها المحجورة.

تقول الشاعرة:

في الحظرِ …

أصافحُ الصبحَ ، أكتبُ على شفتيه :

       شكراً  (كورونا )

أجلستني -  وأنا في السبعين  - على خشبةٍ الفصلِ من جديد …

لملمتُ أطرافَ قراطيسي  ، احتضنتُ قلمي ، ممحاتي ، ومبراتي

        الأحضان تخاصمت محظورة

ثم انتزعتُ فتيلَ القبلة ِ ،  ألحقتُ الباء بنون  …

 أمست محظورة هي الأخرى

تراقصت فراشاتُ عشقي ، تقبّلُ ألواني

وعلى وسائدي نقشتْ حقلَ خُزامى

                    أكرعُ عطرها … لأنام .

الشاعرة تعرف دور المفردة  في بناء الصورة الشعرية ولهذا تختارها فقط عندما تتجمع حواسها الخمس حول القلب فتأتي نصوصها تزاوجا جميلا  بين حسّها الإنساني الفريد وحسها الشعريالمتفرد ذلك لأنها -كشاعرة- تتميز بالفطنة أولا وبالمصداقية ثانيا  فينقل  "الحدث اليومي " الى مستوى الشّعر .

تقول سليلة الشعر:

في الحظرِ …

أُسَّرِحُ  جدائلَ المساءِ …

أُرْخي  ستائرَ الذكريات  …

أغرَقُ في بئرِ أحلامي التي سرقها (صينيٌّ) نَهِّمٌ

وأوقَدَ شعلةَ الفايروس  في أركانِ عِشّقي  …

 عِشقي لأحفادي الذين لم أُقَبلْهُم منذُ دَهرٍ وكورونا

مَنْ يُطفيءُ  غَلياني  ، ومطبخي أضاع  ( الشّخاط أبو النجمة)؟

وطفاية الحريق استعارها جاري مُذ كان هناك صلة قُربى  …

ولَمّة الجارات حول صينية ( الچاي وكعك ) …

                         و ……… ( أبو الحليب يابقصَم)

 

وهنا تتجلى قوة الانصهار مع الحدث : مفردات يومية/ومشاهد اجتماعية أثْرت بنائها للنص ونهضت بمكنوناته مع العناية بكثافة الصورة، مفرداتوظفتها الشاعرة في التقاطات شعرية ممهورة بالتجربة الشخصية حيثتشكل الذاتية أهم المصادر الإلهامية.

فــ  "الصيني" في زمن الكورونا - وبعيدا عن التجنيس والتّسْيِيس  - يشكل بالنسبة للشاعرة رمزاً لعوالم سقطت من أعلى البرج وأبانت عنضعف بشري كبير  وعن اختلال في كل المفاهيم وهذا ما دونته الشاعرة عبر تأسيسها لتراجيديا الحدث.

أما " كورونا البشعة" التي أتت على الأخضر من الخيال الشعري عندالكثير من الشعراء؛ فقد تعاملت معها الشاعرة بفطنة وذكاء بُغية التجديد والاستمرارية وسخّرتْها _وبقوة _ لمشاعرها كعراقية، كشاعرة، كأم، كجدة ، وكـجارة في التعبير عن مرحلة حساسة ومختلفة من حياتها اليومية والمجتمعية/الإنسانية.

تقول الشاعرة:

في الحظر

أخاصمُ الوقتَ فهو هاربٌ محتال

أقتنصُ من كواليسِه  ما  أحب …

أُقَيدُ معصميه ،  وأكتبُ نصاً في هجاء  (كوڤيد 19)

ثُمَّ أَتراجعُ …  وأكتبُ :

                    شكراً كورونا .

صديقتي تهاتفُني كلَّ  صباح 

 بعدَ أن تَصمتَ اللغةُ  … تتكلمُ الدموع :

تعاليّ نلتقي مصادفةً على مائدةٍ فكرة …

  سأهديكِ كمامةً من انزياحاتِ قصائدي

وأعلقُ على جيدِكِ بلاغةً ضدَ العدوى

في هذا النص المكثف… نلمس خبرة الشاعرة في التوظيف الشعري.

فحين أصبح الناس يتناقلون سيرة الملل في الحجر، نجد شاعرتنا قد تفاعلت مع الوقت  عبر علاقة حسية/انفعالية تجلت في نصّ نابض، متحرك بحركة مشاعرها حيث أن الشاعرة تمتلك القدرة علىالتعامل معه وتعرف تماما ما يجب ان تفعله تجاه هذا  "الوقت الموبوء" والمحجور عليه فأسقطت عليه مشاعرها المتضاربة بين هجاء ومدح ولاغرابة فالشاعرة تدرك تماما أن "كورونا" التي كشفت ضعف الكائن البشري في مواجهة فيروس لا يُرى بالعين المجردة هي نفسها التي أعادتِ البشر أدراج الانسانية على مستوى العلاقات الاجتماعية.

ومن المدهش حقّا أن نجد نصا قصيراً ومكثفاً يحتوي على هذا الزخم من المشاعر -كمنطقة  تمثّل الروحي- وعلى هذا الكمّ الهائل من المعلومات-كمنطقة  تمثّل المادي في الحدث- كما وأنّ استعمال مفردات من زمن الوباء (كوفيد ١٩،كورونا ، كمامة، عدوى) لم تُفقد النص شاعريته بلأبانت عن مقدرة الشاعرة في الموازنة بين تقارباتها الروحية وبين مايجري حولها من أحداث يومية.

لذا يمكن القول بأن فاطمة الزبيدي الشاعرة لا تحب العزف منفردة، ولاتحب الانسلاخ عن اليومي حين تشتد مرارة الواقع فهي لا تنفكّ تطرح رؤاها ومشاعرها تجاه الأحداث وتجاه حركة الحياة لتبرهن بان الشاعر له القدرة على ابتداع لغته من الواقع -أيضاً- بما يتناسب مع الظروف والأحداث بل وأنّ بناء بعض النصوص الشعرية  يجب أن يأخذ بعين الإعتبار مستويات معينة من الطرح والتلقي.

فالشاعرة، وإن كانت وفيّة لتجربتها الحياتية إلا أنها تعي تمام الوعي بمتطلبات النص الشعري الحديث بل وتبرع فيه بكل العمق والجمال وتجربتها الشعرية في " الحجر الصحي" هي استلهامات تنمّ عن ذكاء شعري في التقاط الفكرة عبر  تقنية الكثافة والتركيز في القول ، ذكاء يؤكد أننا أمام شاعرة متميزة تجعل الشعر طوع موهبتها الشعرية الموسومة بالإبتكار والتجديد. 

فتحايا المحبة والاعجاب لشاعرة الوفاء والتميز فاطمة الزبيدي ومتمنياتي لها بالمزيد من النجاح والابداع.

 

ياسمينة حسيبي

(انطباع شخصي)

١٤/٠٦/٢٠٢٠

 

 

 

صالح الرزوقمع أن حبكة “جزء مؤلم من حكاية” للسوداني أمير تاج السر* تغطي فترة سابقة على أيلول / سبتمبر 1750 فهي ليست عملا تاريخيا، كما هو الحال في “توترات القبطي” و“مهر الصياح”. إنها لا تتناول ماضي السودان ولا حاضره، وتتابع أخبار ممالك وإمارات ليس لها وجود على الخريطة. ومهما بحثت عن أسماء الأماكن التي ذكرتها مثل طير وقير وبوادي لن تجد في المصنفات شيئا. ونفس الشيء بالنسبة لتاريخ الأحداث فهو ليس مفصليا بتاريخ السودان الوسيط، لا يحدد نهاية مرحلة ولا بداية مرحلة، ويمكن القول إن الرواية ليست سردا لذاكرة حقيقية، ولا إعادة تركيب وتأويل لها. وكل ما ورد هو من بنات مخيلة الكاتب.

ومع أنها تتابع سيرة شخص واحد لا ثاني له، هو القاتل المأجور (مرحلي)، فهي ليست رواية شخصيات لأننا لا نعلم شيئا عنه. لا خلفياته ولا خططه للمستقبل. ويبدو لنا شخصية جامدة، منتهية، لا تقبل الحذف أو الإضافة. وفي لحظات المكاشفة النادرة يؤكد بلسانه وعلانية أنه بلا صلة مع أحد. لا يعلم ما يكفي عن عائلته. ص 13. ويسمع أخبارهم من أشخاص يلتقي بهم بالصدفة في الشارع أو السوق. ص 13. إنه وعاء لأفكار يحملها معه، وهي مسقطة عليه من القدر ومن النموذج. بتعبير آخر هو نمط لشخصية لها دور ولكنه بلا وظيفة. ويوضح هذه الفكرة العقد الشرير الذي يعقده مع ديباج الفارسي. وهو يذكر بصفقة مفيستوفوليس مع الشيطان أو دوريان غراي مع إبليس. لقد احتكر هذا العقد أكبر مساحة من الأحداث، وما تبقى مجرد ضخ لمعلومات جانبية تضاعف من خوفنا و كآبتنا. ولو أن رامبو كتب رواية لن تكون مغرقة بالفظاعة والدموية والإجرام لهذه الدرجة. لقد كانت الرواية أشبه بإعادة كتابة لـ “فصل في الجحيم” لرامبو. وهي مثله تأخذ موقفا يشك بالأخلاق، بل يدينها، وتضع سلم المعايير تحت المصالح الأنانية للأفراد. وهناك أيضا تعمية على المقاييس، فالمفهومات (كل المشاعر وطريقة الإدراك) تتطور بظلمة داخلية تضيع معها الأسباب وتتركنا أمام احتمالات لامتناهية على مستوى النتائج (وهذا ما سوف يوضحه ديباج قائد وموجه مرحلي في تفسيره لطريقة عمل الميتافيزيقا أو استغلالنا لها). 

وإذا كان مجموع جرائم مرحلي يتجاوز 20 ضحية،  فإن أكثر ما يسجل لها هو أسلوب القتل وبشاعته. ثم طريقة حواره معها وهو نائم. في هذه الكوابيس لا يبدي لنا أي درجة من الندم بل المتعة والإصرار. كأنه يكرر وراء رامبو قوله: أيتها الساحرات، أيها البؤس، أيها البغض، أنتم كنزي. ص 17**. وقوله قبل ذلك: هذا ما كان دائما نصيبي.. فقدان الإيمان بالتاريخ و نسيان المبادئ. ص 32.

حتى أن مرحلي يبدو بالمقارنة مع رامبو أشد فتكا وفظاعة. فرامبو لا يؤمن بالدمار الشامل، ولديه قناعات إيمانية بمخرج ولو أنه متأخر. وبهذا المعنى يقول قرابة نهاية قصيدته: عند الشفق سندخل مسلحين، بصبر متقد، المدن البهية. ص 75.

بينما يختار تاج السر لبطله في خاتمة المطاف السقوط بالعبودية. ويتركه مقيدا ومشدودا لفراغ أسطوري كما قال. ص 311.

وبالنسبة لبقية الشخصيات، التي تظهر وتختفي بلمح البصر فهي من النوع المساند أو أنها داعمة بتعبير النقد الفني. وتلعب دور إضاءة لشخصية البطل. بالإضافة لديباج الذي يشترك في تدوير أو توسيع عالم الجريمة، حتى تتحول الحياة لمربع من الأخطاء والمكائد، هناك سلالمي الكذاب الذي يبيع الوهم على أنه حقيقة، ويزيف موضع الإنسان من نفسه ومن غيره ويشجعه ليس على ارتكاب المعاصي بل على تهديم المعايير. إنه نموذج عالم افتراضي ليس لدينا براهين عنه. أو ما يسميه تاج السر “الاستهتار المكشوف بالمخيلة” ص 125. وما يقول عنه فرويد تزوير الوعي الباطن. وإن لم يكن سلاملي صورة من صور إبليس فهو رمز للإنكار والخطيئة، أو بلغة المرحوم يوسف اليوسف: هو دليل آخر على القحط النفسي الذي أصابنا وما رافقه من مشاعر خمول وركود جعلت لون حياتنا رماديا أو أسود. وربما لم يلتفت أحد مثل يوسف اليوسف لرمز اللون في الأدب العربي منذ أيام المعلقات وحتى حداثة حيدر حيدر وزكريا تامر، وما بينهما من علاقة تشبه الدال والمدلول،  أو صورة رمز ومعنى ماهية. 

ومن هذه النقطة يمكن الدخول في عوالم “جزء مؤلم من حكاية”. إنها رواية أفكار، وتعمل على توسيع فكرتها عن القوة السالبة في المجتمع وليس الحضارة، وعن شبكة العلاقات بين النماذج وليس الواقع السياسي. وهنا  عناصر قوتها وبنفس الوقت عناصر تحولها. فهي علبة حكايات أو صندوق للحكايات، ما أن تفتحه حتى تتطاير منه الأخبار والحوادث. وإن كان لا بد من مقارنة يمكن ربط هذا الأسلوب بـ “الديكاميرون” أو “ألف ليلة وليلة”، حيث الحكاية الأساسية تتفرع لحكايات أصغر حتى نصل في النتيجة لعنقود من القصص (حسب تعبير زيد الشهيد في معرض دفاعه عن كتاباته). بتعبير آخر: يحكم منطق الرواية تناوب وتجاور الحكايات  دون أي التزام بالتعاقب.

ويبقى توضيح آخر.

إن “ألف ليلة”، وبقية هذه السير والملاحم، صناعة ذاكرة تحاول أن تقاوم النسيان. فهي تبذل جهدها لتبديل قدر الشخصيات، إن لم يكن بواسطة العصا السحرية سيكون بالإصرار، وهو مبدأ أنوثي وفرويدي يشير للتصعيد أو لتأثير الوقت بالغرائز.  وكما نعلم إن الشيخوخة تفل من عزم العقدة الأوديبية. وربما هذا ما راهنت عليه شهرزاد، وهي تقاوم إيديولوجيا التملك عند شهريار. لقد كانت تربط الحياة بالنور والموت بالظلام، وتعمل على تبديل موضعها منهما. بلغة أوضح: بدلت دورة المؤنث أمام دورة الطبيعة، ليكون التأنيث مجالا معرفيا ولتحتفظ الطبيعة بأصلها الغريزي والفطري.

أما في حالة أمير تاج السر لم تمر الحبكة بمثل هذا التحويل، ولم ينكسر أوديب. لقد انتصر الأب على ابنه، وأودى به موارد التهلكة. وكما قال ديباج (السيد)  لمرحلي (خادمه المطيع):  كنت أرتكب الأذى بيدك. أو كما قال أيضا:  كنت أنتظر ظهورك لتنوب عني بالأذى. بمعنى أنه لم يكن العقل المدبر بل نائبه. وإمعانا بالسادية والإهانة يعترف أنه قتل زوجته (الأم الأوديبية) كي لا ينتفع منها الابن. ويمكن أن تتصور مبلغ دناءته وغدره حين تنتبه لحقيقة فاجعة: أنه لا يكتفي بنفي الابن المولود حديثا ولا بقتله، بل يقتل أمه ليبطل مفعول الرؤية. ويوضح ذلك بقوله: لقد ماتت على يدي، وساعدني الوباء الذي كان منتشرا يومذاك. وينتهي هذا الاعتراف المؤلم بالسؤال العجيب التالي: هل أنا مجنون يا أخ؟. ص 317.

ولنضع خطا أحمر تحت عبارة يا أخ. إنه يشير بالضرورة لتقاليد الرواية العائلية وصراع الأخوة، أو بأقل تقدير لذاكرتنا الميتافيزيقية وجريمة قتل قابيل لأخيه الأصغر، وهي جريمة أثرية تدخل في أحفوريات تاريخ الجنس البشري. بوجيز العبارة كلل خاتمة “ألف ليلة” نهاية سعيدة، صالحت بها الطبيعة نفسها، بينما فشلت رواية تاج السر بذلك. فقد وضعت في الأسر ابن الشرير (وهو آخر لقب يحمله السفاح وسارق الأرواح مرحلي)، وتركت الشرير متربعا على عرش الظلام.

وإن انتهت رواية “إيبولا” لتاج السر نفسه بالوباء وهو يقهقه في الشوارع، يمكن أن تسمع صوت ديباج وهو يضحك في الظلام، ويحوك خيوط مؤامرة جديدة. وهذا يذكرنا فورا بضحكة فومانشو، الشرير الصيني الذي استغلته الحرب الباردة في الهجوم على حضارة المشرق.

ولكن مهما قلنا عن مشاكل رواية “جزء مؤلم من حكاية”: أن بعض شخصياتها تحتاج لمزيد من الوقت والإنضاج، أو مزيد من التفاصيل. وأن شخصية بطلها مرحلي تمثل إنسانا من بعد واحد، يتطور جزئيا ولا يستكمال دورة حياته الطبيعية، تبقى عملا رؤيويا. فهي تسير في ركاب دايستوبيا معاصرة على شاكلة “الطريق” لكورماك مكارثي  و“القصر” لكافكا. إنها تعمم الجزء وتضعه قبل الكل. وتفسر الواقع بضوء إدراكنا له ونحن في لحظة ضعف وسقوط. عموما إن الدايستوبيات الحديثة تختص بالمدن، ونادرا ما تجد رواية قيامة تكتب عن الحقول والجبال والطبيعة العذراء، كأن المدينة الشريرة جزء من مملكة الموت والخراب الأعظم. وتستطيع أن تذهب لما هو أبعد من ذلك وتقول: إن الطبيعة في الأدب رمز للجنة، بينما المدن والمعامل والمخيمات رمز للعذاب بنار جهنم. وأهم مثال هو أدب المخيمات الفلسطينية وسياسة الستار الحديدي (مثل: زامياتين في “نحن”، وسوروكين في “يوم من حياة أوبريشنيك”). لكن تاج السر بدأ سيرة الشخص الخبيث في “زحف النمل”، وطورها إلى سيرة المدينة الملعونة في “صائد اليرقات”، ليصل إلى سيرة تاريخية عن بشرية تغرق بالأخطاء والآثام وهو ما رمز له بصورة بوادي عاصمة مملكة طير في “جزء مؤلم”. ومثل هذه القفزات بالمعاني والأساليب، ولا شك، حولت الدايستوبيا من فلسفة عن مرحلة إلى فلسفة عن حقبة. ويعبر مرحلي عن ذلك خير تعبير حينما يصل إلى بوادي ويرى على وجه المدينة الخامل حقيقته: إنها زوايا مخصصة للموت، وعيون تترقرق الدموع في داخلها. ص 17. وكأنه يريد أن يقول: إن أي إنسان في هذه الدايستوبيا ضحية لجلاد... وأنه هنا لا مجال إلا للشر. ص 322.

وأعتقد أن الشر كان بطل عدد لا يستهان به من الروايات المعروفة. “سيد الذباب” لغولدنغ مثلا والتي تؤكد على أن الشر فطري وغير مكتسب. وأنه ناجم من مبدأ دارويني كلنا سمعنا به: وهو البقاء للأصلح. و”لعبة طفل” لدايفيد معلوف، وهي إعادة سرد للصراع الدرامي والمميت بين غريزة الحياة وغريزة الموت عند البشر وتأثير الواقع الاجتماعي عليه. غير أن ميزة “جزء مؤلم” أنها تقدم الفكرة مجردة دون ميلودراما، وتفرض عليها منطق العود الأبدي كما لو أنها تاريخنا غير المكتوب والذي يكرر نفسه بشكل دوائر لا متناهية. ويصور لنا أمير تاج السر ذلك من خلال نهاية مرحلي واستمرار ديباج بالنشاط. أو بواسطة ما تسميه الرواية في الفصل الأخير (ص 313)  نهاية “مهنة” وبقاء “رسالتها” على قيد الحياة .

 

د. صالح الرزوق

.................

* صدرت الرواية عن دار نوفل. بيروت.  2018 .

** ترجمة رمسيس يونان. و منشورات دار التنوير 1998.

 

وليد العرفي تسعى هذه المقاربة إلى الكشف عن تقنياتىالأسلوب لدى الشاعر الأب يوسف الجزراوي من خلال بعض أنموذجاته الشعرية،

تقنية القصّ في قصيدة:

 (قبل صياح الديك) 

" في ساعةٍ متأخّرةٍ

من لَيْلَةٍ صَافِيَةٍ

ألتمَّ فيها شملُ

القمرِ مع النُّجومِ

رأيتُ ديكَ الوطنِ

يتسكّعُ مُتنكّرًا ومُرتَبكًا

بينما عيونُهُ مُثَقَّلَةٌ بالنّعَاسِ!

كان يدورُ حولَ نفسهِ كالنّاعورِ!

نظرتُ إليهِ مُبتسمًا وسائلتهُ:-

عَلامَ تسيرُ في آخرِ الّليل؟!

أجابني بصوتٍ خنقتهُ الحَسْرَةُ:-

لكي أرقبَ مَن سيُقبّلُ الوطنَ على خدِّهِ

ومَن سيسلّمُهُ بثلاثينَ من الفِضَّةِ!

نَزَعَتُ قبّعتَهُ من رأسهِ

وحللْتُ ربطةَ عنقِهِ

.ثُمَّ حاولتُ أن أُمرِّنَ صوتي معه

رغْمَ هذا اِمْتَنَعَ

وأبَى ان يُبشِّرَ العِراق

بطلوعِ فجرٍ جديدٍ!

سألتُه: لماذا ؟

فأجاب: .لئلّا ينكروه قبل صياحِ الدّيكِ "

يقوم نص الشاعر: يوسف الجزراوي على تقنية الحوار الذي يُشخصن فيه الديك بما يُحيل عليه من رمز غير خاف في دلالته  يبدأ الشاعر قصيدته بسردية القصّ التي تعتمد على وصفية المشهد و الزمن الماضي، وهما دعامتا السرد في هذا الاستهلال الذي يبدأ بشبه الجملة، وهو استهلا يُعنى بتحديد مكونات بقية عناصر القص من زمان:  (ساعة متأخرة من الليل ) ومكان : (الوطن) لينتقل بعد تلك الممهدات إلى قلب الحدث المبني على تقنية الحوار عبر السؤال والجواب، وهي تقنية تُكسب النصَّ أبعاده على مستوى الكشف عن مخبوءات النفس التي تُعبّر من خلال الآخر المٌشخصن: (الديك) بما يعتمل في داخلها، وبما تحسُّ فيه من وقائع ؛ لتقول بلسان الآخر ما تريد الإفصاح عنه، وعلى هذا تبدو تقنية الحوار القائمة على صيغة الاستفهام المكونة من السؤال والجواب استجابة لتكنيك الأسلوب الذي يلجأ إليه الشاعر في التعبير والإبانة

تقنية التسريد

"أحيدُ ولا تحيد" يقول فيها:

رأيتُ في المنفى

سحابةً سوداءَ تبكي

كلّما نظرتُ إليها بطرفِ عيني

تَحِيدُ عني ولا أحيد

ليقيني أنّها قادمةٌ

 من بلادي!.

تبدو في هذه الومضة إحالة رامزة على التعلّق بكل ما يأتي من الوطن، فالسحابة على الرغم من لونها الأسود الذي لا يحمل إلا الأسى، ولا يبعث في النفس سوى حالة من اليأس والإحباط غير أنَّ الشاعر رغم تلك الإحالة لا يحيد بنظرته عنها لمجرد أنها قادمة من جهة الوطن، إنها التعبير عن تعلّق المغترب بأرض وطنه، وقد اعتمدت السردية التي لجأ فيها الشاعر إلى التعليل بالبرهان والأدلة .

حُكَّامٌ مارقون

الحقَّ للحقِ أقولُ:

ثمّةَ حُكَّامٌ قبل حكمهمِ

ألقوا ببلدي في غرفةِ الانعاشِ

ثَمّ اِنهَمَكَوا في القَسّامِ الشّرعيّ

 واِنشَغَلَوا بتقاسمِ الميراثِ

فتناسوا العِبادَ والبلاد!!.

تعكس هذه الومضة حقيقة ملموسة، وتوصف واقعاً مأساوياً ؛فجاءت اللغة تقريرية تفضح طبيعة الحكام الذين لا هم لهم سوى الاستحواذ على ثروات الوطن واقتناص خيراته على حساب البشر والحجر.

تقنية السؤال والجواب

كما في قصيدته (سألهُ وأجاب)

سألَ المَكُّوكُ الخيَّاطَ:

لماذا الإبرَةُ تكسوُ النّاسَ وهي عاريةٌ؟

فمتى ستخيطُ لها ثوبًا؟.

هل أعمى الخيطُ عينيها

أم هي مَن ضلّت الخَيطَ؟

أجابَ الخيّاطُ:

آهٍ يا إبرَةُ

كم خَيطًا خذلتِ!.

تقوم هذه الومضة على السؤال الذي لا يبحث عن إجابة، وإنما يبقى مفتوحاً على إثارة الخيال، ومزيد من الرؤى والتأمل، إنها ومضات تختزل المشهد، وهي تنأى عن إيقافه ؛ لتتجاوز راهنية اللحظة إلى مساقات ليست وليدة وجودها، بل تتجاوزها إلى أفق متعدد ومنفتح على التأويل، واتّساع القراءات ؛ فيما يتّخذ الشاعر فيها دور الراوي .

إيقاعُ الأسدِ ورقصُ الكلبِ

الكلابُ الّذين رقصوا

فوق جثّةِ الأسدِ

نسوا أو تناسوا

أنَّ الأسدَ

هو مَن ضبط لهم الإيقاع

فالكلبُ يبقى كلبًا

وكذلك فإنَّ الأسدَ سيبقى أسدًا

حتّى بعدَ مَمَاتِهِ

فالموتُ لا يخبّئ العُظَمَاءَ!.

تُعبّر هذه السردية الومضة عن ثبات الحقيقة التي لا يُمكن أن تتغير نتيجة حالة عابرة أو راهنية ظرف  ؛ فقد جاءت الومضة تأكيداً لحقيقة واستمراً لمقولة لا تتغير بفعل  متغير، وهنا تبرز قيمة الإحالة التي لجأ إليها الشاعر في تجسيد قيمة الخلود للعظماء الذين لا يسطرون أسماءهم في سفر الخلود، ويبقون أحياء في ذاكرة التاريخ، ولو غيب الموت أجسادهم .

تقنية الأسلوب الإنشائي

(خُبزُ أُمّي)

أيّتُهَا الغربةُ

أقْسِمُ لكِ بالخُبزِ الماسخِ

الّذي أكلتهُ على مَوائدكِ

ما زال مذاقُ خُبزِ وطني

.في فمي يُلاك

وكَيف لي أن أستذوق خُبزًا

ليس فيه

ملح دموع أُمّي!.

ومضة راعشة بالحنين إلى الوطن من خلال رمزية الأم الحاضن الأولى للإنسان، والوطن الأصغر الذي يشتاق إليه الإنسان كلما أضناه التعب، وفاض به الشوق، إنها الأم التي طالما حنّ إلى خبزها، وما يرمز إليها عجينها من دلالات تحيل على البركة والخير والنقاء والطهارة، ويحضرني في هذا السياق قول محمود درويش أحن إلى خبز أمي، وقد نوّع الشاعر في أسلوبه بين صيغ النداء والاستفهام، وهو ما حقّق حركة النص وحيويته .

تقنية السرد باعتماد الزمن كما في قصيدة: (ومضة)

بعد عقدٍ ونيّفٍ

ما زلتُ ألفظُ الغربة

كَمن يريد بشدّةٍ

أن يلفظَ حصاةً

عالقةً في حالبهِ!!.

حالة تجسد حالة المغترب الذي يشعر الألم بعيداً عن موطنه، وهو يُعاني مرارة اللحظة في مغتربه،إنه الألم المستمر الذي يتمنّى انتزاعه .

لقد جسد الألم النفسي بالإحساس العضوي، وبهذا استطاع الشاعر أن ينقل  الشعور، ويمنحه هيئة، وشكل معاناة بالحواس باستخدام الزمن الذي جاء دالّاً تعبيرياً عن عمق المعاناة .

عَسَى المَانعُ

يا الله

مُنْذُ عام ٢٠٠٣

وأنا أُرْسِلُ لكَ الرّسائل

 مِن أجْلِ بلدٍ

لم يزل يَنثِر

.ملح الصَّبر على جراحهِ

ولكَنّكَ إلى اللحظة

لم ترد!

عَسَى أن يَكُونَ المَانعُ خيرًا.

ومضة تعتمد التوقع، وهي محاولة من الشاعر في تحقيق مقصدية رسالته الكلامية في التعبير عن حجم المعاناة والآلام التي تستنزفه أملاً في أن يكون الخلاص بفعل رباني، وقضاء قدري يتمنَّى حصوله، وقد قارب في هذه الومضة لغة الشاعر محمد الماغوط .

 

  د. وليد العرفي

 

مادونا عسكرأن تقدّم ديواناً للشّاعر يوسف الهمامي، فكأنّك تقرب الوحي وتلازم الأنغام العلويّة وتلامس الأسرار الأرضيّة. وفي ذلك تكمن صعوبة التّقديم لما يمتاز به الشّاعر من خصّيصة نادرة، ألا وهي التّماهي مع العالم الشّعريّ والانصهار به حدّ اعتلاء رتبة الشّاعر النّبيّ. فيخضع الشّاعر للشّعر/ الوحي ويستحيل شاعراً ولا يبقى عند حدود الصّياغة الشّعريّة.

يتجلّى الشّعر في ديوان "نشأة الظّلّ" إلهاً يوحي لشاعره الّذي اختاره من بين النّاس وانتزعه من بينهم ليكون رسول الشّعر والإنسانيّة معاً. فالقصائد في الدّيوان لم تُكتب لتعبّر عن جماليّة شعريّة معيّنة وحسب، ولم تترجم مشاعر الشّاعر وأفكاره ورؤيته وحسب. وإنّما القصائد أشبه بالسّرّ  / Mystère؛ تستدعي القارئ ليتأمّلها ويحسّها عميقاً في داخله. فيستيقظ فيه الإنسان، ذلك الكائن اللّغز. ويتحرّك في أعماقه الحسّ الّذي يقود البصيرة إلى النّموّ تدريجيّاً مع كلّ قصيدة.

"نشأة الظّلّ"، ديوان (مشفّر)، أشبه برؤية تستدعي التّفكيك لبلوغ المعنى الأصيل في قلب الشّاعر. وقد لا يبلغ القارئ هذا الحدّ، لأنّه لا يرافق الشّاعر وحسب وإنّما يرافق وحيه. وبالتّالي فهو ملزم أن يذهب إلى الينبوع الّذي منه يرتوي شاعرنا.

العنوان إنسانيّ بامتياز، ويدلّ على إنسانيّة الشّاعر المتوغّلة في عمقه والمتفجّرة من قلبه لتحمل على عاتقها الهمّ الإنسانيّ. ما يظهر تفاصيل الشّاعر النّبيّ الّذي لا يلعب دور ناقل الوحي وإصلاح البشر، وإنّما الاشتراك مع الوجع الإنسانيّ:

إلاهي إني أحبّ ..

وإني أضيء للنّاس جميعاً

ماذا لو فقد النّاس يوماً ضيائي؟؟ (ص 7)

/

أنا الكليم ..

أخبّئ في الغاب غصّة شجرتي (ص 53)

1563 نشأت الظلسيأخذ الظّل أشكالاً متعدّدة، سواقٍ تصبّ في نهر واحد هي كينونة الشّاعر. وإذ كان الحديث عن شاعر نبيّ، فذاك يعني أنّ الشّاعر يتوغّل عميقاً في الألم بفعل الاشتراك بوجع الإنسان. كما يدلّ على تعريف خاصّ للشّعر المرادف للنّبوءة؛ فالشّعر هو الّذي يتوسّط العالم العلويّ والعالم الأرضيّ. فكلّما تماهى الشّاعر مع الأرض والإنسان ارتقى إلى السّماء وأصغى أكثر إلى الوحي الّذي يقول. ألا يقول الشّاعر نفسه: "القصيدة الّتي لا تكتب شاعرها لا تستطيع الإنجاب"؟ وبالتّالي فالشّاعر يراعٌ في يد القصيدة تكتبه وتصوغه. والشّاعر قيثارة تعزف القصيدة على أوتارها الوحي/ النّور الّذي يتغلغل في نفس القارئ ليدلّه على الجمال.

الحقيقة تكمن في ما لم أقله... (ص 29)/ الحقيقة قطيع من الاحتمال (ص 33)

في قلب الشّاعر تكمن الحقيقة. وكأنّي به عاينها ويحياها، لكنّه لا يحتكرها بل ينقلها للقارئ شعراً. والقارئ الذّكيّ يستطيع سبر أغوار الكلمة ليتلمّس تلك الحقيقة. ذاك أبهى ما في الدّيوان. ما يدلّ على نقاء خاص، يلتقطه الشّاعر وينقله للقارئ تلقائيّاً. وسيتجلّى الشّعر النّبوءة في قصيدة (هوامش بوح) (ص33) لتتشكّل المقاطع ومضات نبويّة لا يبوح بها الشّاعر وإنّما ينقل ما باح به الشّعر/ الوحي.

يا أيّها الوضوح غيّبني

وطأة القلب في ما اعتلى

يا أيّها الغيب أنبئني

متعة الرّوح في ما لم أرَ.. (ص 34)

بالمقابل يرتسم في القصيدة مبدأ التّكوين الإنسانيّ للشّاعر، فيعود إلى أصوله الّتي هيّأها له الخالق من قبل إنشاء العالم. ما يعزّز مبدأ إدراك الشّاعر لكينونته ودوره في الوحي الشّعريّ، ومكانته من العالم.

انا انتظرتُ قبل ميلاد التّاريخ

قبل اندلاع الحياة بقليل من الموت

قبل القَبل (ص 35)

..

لكنّ الشّاعر لا يغفل عن أنّ كينونته ترتبط بالأنثى المتماهية معه حتّى تكتمل إنسانيته. وسيأخذ الظّل هنا معنى الاكتمال ليكون الشّاعر، بل لتتحقّق كينونته فيتحقّق الشّعر.

لا بدّ لي من ظلّ كي أراني

لا بدّ لي من أنثى كي أكون (ص 35)

تكوّن هذه الأنثى مع الشّاعر الصّورة النّهائيّة له، فهي ليست خارجة عنه، ولا جزءاً منه. وإنّما الاثنان متّحدان حتّى التحام الأنا- أنت، وانصهار الكينونتين لتصيرا كينونة واحدة:

أراك مع أطفال الكلمات

تضيئين من براءة يوسفك الأولى

تجمعين طيور الكون حول مائدة قلبي

وترسمين على ريشهم بماء الوحي العظيم (ص 49)

هذا الاتّحاد الضّمنيّ لا يحرم أيّاً من الطّرفين استقلاليّتهما ودورهما، وإنّما يحافظ على إشراقة كلّ منهما. فالشّاعر حريص على إبراز المعنى الاتّحاديّ المخالف للذّوبان بالآخر.

أنا - أنت

نحن ساقيتان تلتقيان معا

بين حقول الشّمس والحلم

قبل نهاية العالم برجفة واحدة (ص 51)

 هذه الأنثى ليست مصدر إلهام أو وحي شعريّ. وهي المتّحدة به تشكّل سنداً يؤسّسان من خلاله درباً يقود إلى الله. وهنا ينكشف التّجلّي الصّوفيّ في الدّيوان. فالشّاعر النّبيّ لا بدّ أن يكون على علاقة حبّ بالله، وقد يتلمّس القارئ أنّ الأنثى في هذا الدّيوان رفيقة درب إلى الله: أريدك أكثر كي أقترب أكثر إلى ربّي.. (59)/ أنت اتّحادي العظيم في حضرة الرّبّ (ص 68).

/

سنتراءى معاً هناك

نصلّي بروح واحدة

خفيةً عن الأجساد (ص 78)

يعرف الشّاعر من هو من العالم ومن الملكوت. كما أنّه يعي أنّه مفعول به لا فاعل. ولعلّ قدسيّة القصائد تظهر هذا الأمر وتستبين للقارئ فرادة يوسف الهمامي الشّاعر الّذي بشعره يعرّف الشّعر الّذي  من العسير تعريفه. ويكشف الدّيوان عن نقل الجمال الإلهيّ في سطور تقترب من القداسة لفظاً ومعنى. فإذا مرّ القارئ بها عليه أن يخلع أفكاره وهواجسه المضطربة لأنّه أمام نصوص نطقها الوحي فتجسدت الكلمة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

عواطف الغالي يشكل ديوان "خطى الذئب" تجربة إنسانية غنية، إذ يدرك القارئ أن الشاعر يمزج في شعره عددا من الأفكار التي يوظفها بجرأة الشاعر الذي ينبثق الشعر من همّه الذاتي إلى الهم العام، فيلح في قصائده على حرمان  نفسه من الرغبات التي يتعين أن تتوحد في العام في تجربته الشعرية؛ يقول في أول قصيدة بعنوان "بيت العزلة": لا أريد أن تكون لي طائرة من ورق أحمر ولا بيتا من الشوكولاتة .. ومن يتعمق في هذه البداية القصائدية يدرك أنه يعمل منذ أول قصيدة على تطوير مضامين شعره ليرقى بها إلى مستوى فني، وتقديم آليات فنية ذات معاني تفاعلية.

وتقارب هذه القراءة ديوانه الشعري هذا بما يُمثله من نضج تجربته الشعرية وتطورها. فالديوان يقع في(89) صفحة من الحجم المتوسط، ويضم(31) قصيدة، تتراوح بين الطول والقصر، وقد صدر  عن المطبعة الوطنية ضمن منشورات مركز الحمراء للثقافة والفكر في طبعة أنيقة.

ويضم هذا الديوان قصائد عديدة ومتنوعة في موضوعاتها، منها ما يلامس حدة الألم الاجتماعي، ومنها ما يغوص في العاطفة الحزينة، ومنها ما يحوم حول الانتكاس ومنها ما طرق القصائد العامة، بيد أن الرؤية العامة في هذا الديوان تتألف من بعدين أساسيين هما: البعد الاجتماعي والبعد النفسي، وهما يمتزجان معاً امتزاجاً عضوياً بارعاً؛ الأمر الذي سما بهما  إلى درجة عالية من النضج والعمق والتكامل في سبك القصائد.

انشغل الشاعر بعدد من الهموم انشغالاً كبيراً، بقدر ما نجم عن ذلك من ضياع  الحلم، حتى في فترات الأمل يعود ويتحسر بغيض، يقول مثلا: فاتني أن أخبر أمي أني جاهز للفرح حين أقبلها؛ ثم يستطرد: تجاوزنا الزمن وأصبحنا مثل أشجار الصنوبر شاخت ولم تسقط. والأمثلة كثيرة تعج في ما بين دفتي الديوان. وكل هذه المضامين أقضّت مضاجع الشاعر، فانعكست في تجربته الشعرية، فأضحى يرى أحلام الناس ويرى الواقع مختلفا عما يراه وكما ابتغاه. يقول: وتراءت لي أحلام الناس في الشارع ثم يقول في قصيدة أخرى أصبحت الأمور غريبة جدا.. فقد تضاعف لدى الشاعر الانشغال بالأحداث اليومية المريرة، وما يترتب عنها من مشاكل إنسانية.

1557 نور الدين بازين لقد شكل المضامين المتنوعة بلغة فنية شاعرية أكثر تأثيرا في القارئ، وهي منهجية تنم عن عمق المادة الشعرية لديه، وعن وعيه بأهمية الخطاب الشعري، حين يختطف الأحداث ويرنو بها إلى الجمال اللغوي والمعرفي والتصويري، وهو ما يؤكد فلسفته الشعرية خاصة وأنه يعاين بروحه الواقع المعاش، فينهمر بالإبداع الشعري في حلل جديدة من الإبداع في الصياغة الشعرية. ففي قصائده ما يدهش القارئ من معازيف فنية متكاملة، وعذوبة في الإيقاع الشعري، وسلاسة وتوازن في الحركات التي يتوسطها الشاعر بتأمل في الواقع، بعيدا عن كل تعقيد وعن المساحيق اللغوية. لأن الشاعر يبني مواقف إنسانية باستخلاص عناصر فلسفته وفكره ووجدانه، ليتفوق في اللغة الشعرية ويبصم بسمات مائزة البنيات الداخلية لقصائده. إنه يشكل تصورا عميقا ممتدا في العوالم الإبداعية ليقابل الحس الاجتماعي بنبض قصائده، بمضمون فلسفي وببساطة في التركيب، وباختيار المفردات الملائمة، ومراعاة قدر من الملاءمة والتناسب. فالشاعر يستهدف الاستعارة التي تتجاوز ثقافة النمط العادي إلى بلاغة شعرية بتأكيد مباشر وقيمة فنية. فالحمولة الفنية في هذا الديوان ناتجة أساسا عن تنوع المادة المصدرية وأشكال الإيقاع في شعره، إذ تمتاز قصائده بإيقاع توليفي بين الصيغ الدلالية والأشكال التناغمية، فضلا عن انتقاء كلمات محورية ذات إيقاع داخلي مميز، ووضعها في مكانها الدلالي الملائم لإيقاع القصيدة، لتعكس جماليتها الشعرية، في نهج جديد يرمز إلى الوضعيات المعرفية، وينمذجها في مفاهيم ذات أهمية شعرية، يقارب بها الخطاب الشعري بالمادة الفنية، معتمدا على مجموعة من الأساليب التصويرية وعلى عدد من المفردات، وعلى نظام من المعاني التي تستهدف الجانب النفسي والاجتماعي وعدد من التيمات، مما يمنح أعماله القصائدية بذخا شعريا، بقدر ما يطرحه من تصوّرات مغايرة ذات بعد حداثي تعيد قراءة الشعر برصد يترجم أحاسيس الشاعر ووجدانه باعتباره يستند إلى الأبعاد الدلالية للنظم بمفهومه الحديث، وذلك تبعا لـحركة المعنى وفعاليته في تنظيم الوقائع داخل الخطاب الشعري. فالشاعر يحدد خطابه في هذا الديوان ويبني القصائد في ضوء الخيارات الأسلوبية والفنية بتنظيم دوال القصائد وقيمها حيث لم يغب البعد الاستيطيقي عن كيان القصائد. وهو ما يحيل إلى اعتبار الجانب الحداثي في شعره تمثلا آخر يدعم تجربة الشاعر الغنية. وهو ما يؤكد بأن الشاعر نور الدين بازين يُقيم في ذاته الفعل النقدي المستند على المعارف النظرية والتصورية، وهي خاصية إضافية في قصائده الشعرية. ولذلك فكل قصائده التي يحتويها هذا الديوان تتبدى في عمومها مبلورة لرؤاه ومواقفه، تفصح عن تجربته التي تنم عن معنوياته الداخلية الجياشة في نسج مختلف التعابير الشعرية التي تتحرك في نطاق متنوع من التيمات والتصورات التي تنتج المعاني والأفكار، بل وتحمل مجموعة من القيم في إطار معرفي يحافظ على وحدة الدال وتعدد المدلول، ويروم وحدة البناء، وعلى خاصيته التنظيمية في الخطاب، ويحافط كذلك على البناء والتوازي النصي. فقصائده  كلها في هذا الديوان تحمل دلالات وأبعاد اجتماعية ونفسية وقيمية، ضمن منظومة النص الشعري العربي الحديث وثقافته الجديدة. يإدراك قوي للرسالة الفكرية والتأثيرية التي يحملها الشاعر ويؤكدها في شعره.

 

دة. عواطف الغالي

جامعة ابن طفيل القنيطرة - المغرب

 

احمد فاضلد. إنعام الهاشمي وفلاح الشابندر وقصيدة:

"سماء من ماء " أنموذجاً

(قراءة ترجماتية)

هل تكفي عشر سنوات مَضينَ على ترجمة أ. د. إنعام الهاشمي لقصيدة الشاعر فلاح الشابندر "سماء من ماء"، باستعادة قراءتها مرة أخرى للوقوف على المساحة الجمالية لتلك الترجمة، أبداً لا تكفي، لأنني دائماً ما أكتشف فيها الإحساس بالمفردتين العربية والإنكليزية، اللتان قربتا المعنى وبشكل مذهل من بعضهما البعض، ففي هذا المقال لن أتعامل مع نظرية الترجمة كمنظور مهني احترافي، ولكني سأحاول الإجابة على السؤال التالي :

ما معنى أن تترجم قصيدة ؟ الهاشمي أجابت على هذا السؤال حينما اختارت نص الشاعر الشابندر "سماء من ماء"، فالمترجم لا يختار إلا ما يوافق ذائقته، لأنه أولاً وأخيراً هو جزء لا يتجزأ من منظومة القارئ باعتباره قارئاً قبل أن يكون مترجماً، من هنا كان اختيار الهاشمي لهذا النص الذي وضعت له كل أدواتها الترجمية وظهر بالشكل الذي عليه، فإذا أضفنا معرفة المترجم بالشاعر وقراءته لإعماله والاعجاب بها، فسيكون سبباً آخراً يضاف لسؤالنا الذي بدأناه، الشابندر لفت انتباه الهاشمي باستخدامه: وهي الرمزية الشعرية المصطلح الذي Poetic symbolism

استخدمه الناقد الفرنسي جان مورياس لتمييز الرمزيين عن الانحطاطات الشعرية التي سادت في تلك الفترة قبيل انتهاء القرن الثامن عشر، وكانت إلى حد كبير رد فعل ضد الطبيعة والواقعية، وأساليب مناهضة للمثالية، كانت محاولات لتمثيل الواقع في خصوصيتها الجريئة، ورفع المتواضع والعادي على المثالية كانت الرمزية رد فعل لصالح الروحانية والخيال والأحلام، الهاشمي في توطئتها قالت :

" ماجذب انتباهي الى هذا النص الرمزية الأسطورية فيه، ففلاح الشابندر كما لاحظتُ بدأ في هذا النص سلسلةً من الفهارس، من فهرس الطير الى " فهرس الشاعر " في نص أخر يحمل هذا العنوان، وكأن الفهارس هي ملحمة أسطورية بين الطير والبحر .. يبدأها هنا بالطير المحلق فوقهم كالقدر، يتبعهم في حلكة ليلهم وتأهبهم لرؤية مايخرج من مأواه في تعلقهم بالمفاجئ، ولكنه يتأخر ثم يظهر هناك مرة أخرى يصفق بجناحه ويحط علي شراع مركبهم .. فيتبين لهم أنه صاحبهم الشاعر ! فلا غرو أنَّ بِذارَه الكلمات ! " .

كذلك وجَدتْ الهاشمي في شعر الشابندر مشاعر صادقة، وصور تتخطى عالمه، وإيقاع عجيب، جميعها تمثل في النص الذي اختارته " سماء من ماء "، وقد وضعت في حساباتها الترجمية أنه سيكون مقروءاً من الآخر بلغته ولكنته الإنكليزية، فتعاملت معه بمهنية عالية باستخدامها المفردة الدالة على المَعنَيين – عربي إنكليزي – وفق مفاهيمهما والتركيز على فحص إيقاعهما للتأكد من أنهما انتقلا بسلاسة من النص الأصلي وبالعكس، كما في مفتتح القصيدة * .

نحن هنا لن نفكك النص بل سنسعى للوقوف على جماليات ترجمته بالاستماع إلى صوته الأصلي، وحمل تلك الأصوات نفسها إلى ترجمتها بالحفاظ على معانيها ونبرتها، أنظر كيف وضعت الهاشمي الأبيات الخمسة الأولى العربية مقابل مرادفاتها الإنكليزية وبلغة Shakespeare's poetic language شكسبير الشعرية

التي غالباً ما نجد فيها عند قراءتنا لها، جاذبية محببة، وتكرار الأصوات المتشابهة الدالة على تنوع المعنى وإغناؤه، كالحروف الساكنة أو التجمعات الساكنة في مجموعة من الكلمات، هي أحد العناصر الأساسية في قصائده، تتجلى جميعها في مسرحيته روميو وجولييت، و " الجاذبية " التي قصدناها كانت واحدة من أبرز ميزات اللغة الإنكليزية القديمة التي لجأ العديد من الشعراء الإنكليز أليها في قصائدهم – هي هنا في بلادنا العربية القصيدة الكلاسيكية التي حينما تترجم تصبح نثراً مع احتفاظها بإيقاعاتها وتفعيلاتها -، وهي نموذج مهم آخر لشكسبير، أما الإشارة إلى مختلف المجالات الثقافية مثل التاريخ والأساطير والفلسفة والدين وعلم الفلك، فهي سُمات قوية في شعر شكسبير حاولت الهاشمي تقريبهم للمعنى الإنكليزي وهي تضع مرادفاتها، إلى جانب الجناس وإيقاع المفردة العربية وما يقابلها من إيقاع المفردة الإنكليزية، دون أن نشعر باختلاف أو خلل معهم، كما في المقاطع الثمان منها .

ومن البديهي أيضاً أن ميزات الشعر قائمة على الصوت أو النحوية أو الهيكلية أو البراغماتية بطبيعتها، وبصرف النظر عن تحولات النص، فإن ترجمة الشعر تشتمل أيضاً على الإدراك والخطاب والعمل من قبل، وبين الفاعلين والنصوص في سياق مادي واجتماعي، فعادة ما يهدف مشروع ترجمة الشعر إلى التعريف بالشاعر أو الشعراء، يهتم مترجمو الشعر بتفسير طبقات معنى قصيدة المصدر، وترحيل هذا التفسير بشكل موثوق، و / أو " إنشاء قصيدة في اللغة الهدف تكون قابلة للقراءة وممتعة كنص أدبي مستقل "، فقد تنطوي ترجمة الشعر على تحديات، فالشعر يمثل نسبة ضئيلة من مخرجات الترجمة العالمية، ومع ذلك فقد هيمنت دراسات الحالة والأمثلة المأخوذة من الشعر على بناء النظريات في دراسات الترجمة على حساب الأنواع الأكثر منها، الهاشمي لم تغفل عن كل ذلك لسبب بسيط كونها أستاذة تمرست على إتقانها للغة غير التي كانت تتكلمها وهي العربية، ومن جهة أخرى دراستها في نيلها شهادتي الماجستير والدكتوراه، اللتان مهدتا لها الإمكانية العلمية وإقامتها الطويلة ولا زالت في الولايات المتحدة الأمريكية، والتعرف عن قرب على اللهجات المختلفة التي ينطق بها الأمريكي المتعدد الأعراق، وهي " ضرورية " بنظري

للقيام بعملية ترجمة غير منقوصة المعاني والأحاسيس، فقد يتوقف معارضو الترجمة الشعرية مثل دبليو . بي . بيتسون و توركو، أمام الأسباب التي تمنع ترجمة الشعر خاصة منه الفلسفي، لأنها وكما يقولون:

" لا تصبح قصائد مترهلة فحسب، بل قصائد جديدة بلغة جديدة، ويشددون على أن الشعر في الترجمة يفقد بالتأكيد عناصره الأساسية، تتماشى هذه الآراء مع الاعتقاد بأن الشعر ضائع كليا في الترجمة، أنا مع هذا القول، إلا إذا انبرى له أستاذ متمرس يفهم اللغة الأخرى كما فعلت د . إنعام الهاشمي مع قصيدة الشاعر فلاح الشابندر وقصائد أخرى لشعراء كُثر .

ويبدو البروفيسور هاء . جيم . ويدوسون في كتابه:

، Stylistics and the Literature of Literature

"علم الأسلوب وأدب الأدب"، أقل تطرفاً من غيره ويفترض أن ترجمة الشعر صعبة للغاية بسبب " نقش الصوت والإحساس في المعنى الواحد "، وقد تم التعبير عن آراء عديدة في هذا الصدد فعلى سبيل المثال، يعتقد أحد النقاد أن الشعر غير قابل للترجمة في حالة ترجمته، سيتم تشويه عداده، وتعطل نغمته وتختفي المتعة، ينبع هذا الرأي من حقيقة أن كل لغة لها عدادات شعرية وموسيقى خاصة بها، فهل يجب علينا إذن الامتناع عن ترجمة الشعر أم محاولة ترجمته بغض النظر عن جميع الاحتياطات ؟ والرأي الثاني، إذا تُرك الشعر بدون ترجمة، فإن القارئ له سُيحرم من عدد كبير من الأعمال الشعرية التي تعتبر روائع بحد ذاتها، فلا يمكن تحقيق ذلك ما لم يكن لدى المترجم موهبة خاصة، وقد أثارت بعض الترجمات الشعرية العميقة إعجاب القراء باللغات الأخرى، وهناك قلة من النسخ المترجمة تم اعتبارها أكثر إضاءة من النسخة الأصلية .

إن صعوبة الترجمة الشعرية تقود الكثيرين إلى الاعتقاد بأن مترجم الشعر يجب أن يكون هو نفسه شاعراً، وإلا فلن يجرؤ على ترجمته، ظهرت هناك أيضاً محاولات أخرى لترجمة الشعر إلى نثر إيقاعي، فخليل مطران الشاعر اللبناني الكبير والملقب بشاعر القطرين والذي عاش معظم حياته في مصر، على سبيل المثال ترجم بعض مسرحيات شكسبير بتطبيق النثر الإيقاعي، ومع ذلك لا يوصى بالترجمات النثرية الصافية حيث يتم فقدان الكثير من موسيقى الشعر فيها .

في الختام، يمكن ترجمة الشعر من قبل أولئك الذين لديهم اهتمام عميق بالشعر والذين يمتلكون الإحساس والشعور الشعري، بالإضافة إلى إتقانهم للغة الأخرى، الشاعر في هذا الصدد، مترجم رئيسي، ولكن، كم عدد الشعراء الذين يتقنون لغة أجنبية ؟

 

كتابة / أحمد فاضل

...................

* لرؤية نص الشاعر فلاح الشابندر "سماء من ماء"، وترجمته من قبل أ . د . إنعام الهاشمي يرجى الذهاب للرابط أدناه:

http://www.alnoor.se/article.asp?id=80084

 

وليد العرفي للشَّاعر : نزار سرطاوي

تبدو قصيدة الشاعر: نزار سرطاوي مشغولة بحمولاتها الدلالية على مستوى الفكرة التي تُعالجها، وهي من أكثر الموضوعات حساسية، ما يقتضي جرأة في مقاربتها وفق هذه الرؤية، ووفق هذا البعد تبدو اللغة بنت بيئتها، وواقعيتها، إذْ تعكسُ القصيدة علاقة المواطن بالحاكم  في موضوعة السلطة التي تُورث  من الآباء إلى الأبناء.

 يبدأ الشاعر الاستهلال بسردية تقوم على فعل القص، وهذا القص يرتكز إلى أركانه البنائية إذ يُحدّد زمان بـ (مساء) والمكان بـ (الحانة) والشخصيات بـ كل من: الشاعر والصديق، والصوت الثالث، وتوحي طبيعة المكان، والمشهد الموصوف بما وراء الغاية من ذلك؛ فالحانة التي يجلس فيها الشاعر وصديقة تتيح له التعبير بحرية أكبر من أي مكان آخر، كما يكشف المشروب  عن غاية ثانية، وهي أنها لحظات لا حرج فيها، وهي من أكثر اللحظات قدرة على الكشف والمواجهة التي ربما لا تتحقق في أوقات مغايرة للحظة تعاطي المشروب، ما يعني غياب الوعي، وإمكانية الاسترسال في الحديث من غير التزام بضوابط، أو تفكير في عواقب تلك الأحاديث، بينما يبدو الصوت الثالث الذي جاء مُبهماً في دلالته التجسيدية، وهي لفتة ذكية، وإلماحة حقّقت دلالتها في هذا التعتيم على طبيعة صاحب الصوت الثالث، أو حتى الكشف عن مصدره، وفي هذا يتخذ الصوت دور المحرّض على استجرار الحديث، وهو يؤدي تلك المهمة عن وعي، وتفطّن ما يؤكد ذلك أنه يشرب القهوة، وهو مشروب عادة ما يكون لزيادة فعالية النشاط الجسمي، ولهذا السبب يقترن تناول القهوة بالصباح عادة، وهكذا يتبدى بدء الحديث الذي يبدأ بفعل استدراج من الصوت الثالث لكل من الشاعر وصديقه :  

 

كلَّ مساءٍ نجلس في الحانِ

أنا

وصديقي

والصوت الثالثْ

  الصوتُ الثالثُ يشربُ

قهوتَهُ

وأنا وصديقي نشربُ

كأسين

وننفثُ دُخّان سجائرِنا

ونثرثرْ

 الصوتُ الثالثُ أمسِ اسْتَدرَجَنا

فتَحاوَرْنا حولَ

الحُكّام

 ويبدأ الحوار بتحديد فكرة القصيدة العامة التي يدور حولها موضوعة المناقشة بين  كل من الشاعر وصديقه والصوت الثالث الذي يُفاجىء الشاعر وصديقه بالسؤال  غير المتوقع ورثة، ومفاده (مّنْ يرث الحكّام) ؟

الصوتُ الثالثُ فاجأنا:

من يَرِثُ الحُكّامَ إذا... لا سمحَ اللهُ؟

أجيبُ:

متى سمحَ اللهُ –

ولا بدَّ سيسمحُ، هذي سُنّته في الأرض –

فأبناءُ الحُكّامِ 

همُ الـ يَرِثون الحُكّامَ

يُصوّر الشاعر حقيقة الإنسان العربي في تعاطيه السياسة التي غالباً ما يكون الحديث فيها محفوفاً بالمخاطر، وهو ما يقتضي الحيطة والحذر في الكلام، وهنا يبدو الاعتراض الذي جاء على شكل رجاء وتمنٍّ مُبطنٍ غير خافٍ  في التركيب ـــ لا سمح الله ـــ إشارة إلى مدى ما يعتمل في نفس الإنسان العربي من الخوف القابع في داخله من السلطة والحكام، غير أنَّ حقيقة نهاية الكائن الحي بالموت لا بدَّ أن تكون حتمية المصير والمآل، وهذه الحقيقة غير القابلة للنكران، أو التجاهل يعمد الشاعر إلى تجميلها بتأكيد توريث الأبناء للحكام، وهو ما يُخفّف ربّما من وطأة ذكر الموت من دون ذكر استمرار الحكم في الابن ؛ إذ إنَّ استمرار الحكم له دلالته لدى الحكَّام الذين لا يتصوّرون زواله منهم .  

" صديقي الثوريُّ – وقد لمعتْ عيناهُ –

يُلوّحُ بالسبابة،

يسأل:

كيف يموتُ الحُكّامُ؟

يلوّحُ بالسبابة ثانيةً، ويجيب:

يموت الحُكّامُ وأولاد الحُكّامِ وأحفاد الحُكّامِ –

وأنتم أيضًا يا أتباعَ الحُكّامِ

تموتون جميعًا –

حين تجيءُ الثورةُ،

والثُوّارُ هم الـ يَرِثون الحُكّام

(أغمغمُ: لا سمحَ الله) "

 يبدو صوت الصديق الذي يُجسّد نبض الثورة التي لا تعترف للحكام بذلك الحق في التوريث  نبرةً حادَّةَ الصَّدى، إنَّهُ الصَّوت  الذي يُراهن على التغيير، وإنَّ الثوَّار هم ورثة الحكَّام، فيما يظهر صوت الشاعر مُعبّراً عن حقيقة الخوف المتأصّلة في داخله عبر عدم اتّضاح رؤيا، ولا استشراف أفق مستقبلي ؛لما يُمكن أن يكون عليه الحال لو تغيّر الحكَّام :

" الصوتُ الثالثُ يتركنا بعض ثوانٍ ثم يعودُ إلينا مبتسمًا:

وإذا مات الثوّارُ...؟

يسود الصمتُ قليلًا

ثمّ أتمتم كي لا تسمعَني

الجدران

إذا مات الثّوّارُ

فأبناءُ الثّوارِ هم الـْ...

وأخبّىء رأسي... "

ينفتحُ النصُّ على تسلسل أسئلة مُوجعة تتَّخذ من الواقع مأساوية أجوبتها ؛ لما أكَّدته الوقائع، وأثبتته الحقائق ؛ فلا الحكّام الذين ماتوا لم يُورِثوا، ولا الثّوَّار الذين وصلوا إلى الحكم غيّروا من عادة التوريث، وهكذا يبدو المشهد العربي مُجرّد تغيير شخوص، وتمثيل أدوار يُؤدّيها كلٌّ منَ الحاكم والثائر على خشبة مسرح كبير اسمه الوطن .

لقد كشفت قصيدة الصوت الثالث للشاعر : نزار سرطاوي عن جمالية المُضمَر الذي أظهر أكثر ممَّا أخفى، وكان بهذا التخفّي أبينَ قولاً،وأوضحَ كشفاً ؛ فقد ينشغلُ القارىء بتحديد رمزيّة الصوت الثالث الذي ربّما يتعدّد فيه التأويل والإحالة، وفي هذا التعدّد وتلك الإحالات تتبدّى جماليّة المُضمَر أكثر من المُصرَّح به، إذْ إنَّ الصوت الثالث  في حقيقته إنَّما هو صوت الضمير الجمعي الذي يسكن أعماق الشاعر الذي يُعبّر عن لسان  حال كلّ مواطنٍ  في كلّ زمان، وفي أيّ مكان . 

 

د. وليد العرفي

.....................

للاطلاع على القصيدة في صحيفة المثقف

الصوت الثالث / نزار سرطاوي

 

 

تمتلك الرحلة في رواية "رحلة الضباع" (المجلس الأعلى للثقافة –2013 ) للروائية سهير المُصادفة، بعدين متوازيين هما البعد التاريخي/ المجازي والبعد الواقعي / الاستكشافي، المستندة على المرجعية التاريخية – المعرفية والمتكئة على الواقع، لتشكيل رؤية مندمجة متفاعلة مع النصَ والمتلقي، فالمجازي يتمدد على رقعة زمنية تقارب ألف وأربعمائة عام مضت، تحديدًا بعد الهجرة النبوية بنحو خمس وثلاثين عامًا، تبدأ بالفتنة الكبرى وذلك بمقتل الإمام عثمان محققة نبوءة الإمام علي بن ابي طالب "أحذرك أن تكون إمام هذه الأمة الذي يقتل فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس أمورها عليها ويتركها شيعًا لا يبصرون الحق لعلو الباطل، يموجون فيها موجًا ويمرجون فيها مرجًا"*1، أما الواقعي فهو حكاية – رؤية رجل نحو المرأة التي هي زوجته، هذا الطرح المرتكز على الدم والجنس جعلته سهير المُصادفة يتداخل ويتنافذ فيما بينهما، وتتداخل أحداث الرواية بين التاريخي والتخييل من حيث يقوم الحاضر بالعبور إلى الماضي وبالعكس، مما أعطى هذا التنافذ الرواية زخمًا شعريًّا جماليًا و تحولاً حداثيًا في سرديات نصْ الرحلة.

واذا علمنا أن الرحلة مشتقة من الارتحال وهي تعني الانتقال من مكان لآخر، لتحقيق هدف معين، ماديًا كان ذلك أو معنويًا، فان دافع "رحلة الضباع" كان لسبيء النساء بغرض إستغلال أجسادهن والتمتع بها، والسيطرة عليها "- آهٍ، لو كنتِ تعرَفتِ إلى سيد هذه الدار منذ أيامٍ وهو يزعق مثل ديك الفجر في أهله بأنه ذاهب الى نصرة الله والحق، والمصيبة أن جميع أهله وجميع الناس يعرفون جيدًا إلام هو ذاهب.. لاشيء سوى جمع الغنائم والاستيلاء على المزارع وأسر الجواري – ص 116 /117  الرواية"، وذلك لايتحقق إلا بالقتل وسفك الدم فرحلة الضباع ماهي إلا عبارة عن رحلة العربي في التوغل في الدم العربي وإهانة واضطهاد وقمع المرأة عبر القرون، فالاستعارة للضباع استمدتها سهير المصادفة من قتل الواحد للآخر ومن الرؤية الدونية للمرأة "وكانوا هم مثل قطيعٍ من الضِباع أثناء رحلته ما إن يسقط أحدهم حتى يأكلوه ثم يواصلوا العدو خلف الأنجم – ص 166 الرواية.

وفي رحلة الضباع نعثر على رحلات إضافية، فهنالك رحلة "السوداء بنت الرومي" في الرواية – الحكاية تبدأ منذ البداية، في السفر في دروب المسلمين، حاملة معها مئزر وحيد ونبوءة سوداء فوق أكتافها، وروحًا قلقة ملتاعة، وحبًّا بالاستكشاف:

ـ كان عليَ أن أخترق قلب الصحراء لأصل إلى الربذة وفيد والثعلبية والأساود وذي قار ومنها إلى الكوفة، سأسير في الدرب نفسه الذي سيختاره بعدي ابن الإمام 2، ص101 الرواية.

كذلك "نرمين" تبدأ رحلتها حين مغادرتها للشقة وهي مطلقة، نحو التغيير، نحو انعطافة جديدة، حاملة معها ذاتها فقط، وحبًّا بالاستكشاف والحرية:

ـ ما زال عليكِ قطعُ أميال من الألمِ المرير واذا ما أردتِ اختصارها ياسيدتي فكوني شجاعة، ص 232 الرواية.

لقد قامت الروائية بالاشتغال على تقنية رواية داخل الرواية، كما في حكايات "ألف ليلة وليلة" حيث تشتغل حكاية داخل حكاية، محكي داخل محكي، زمن الحكايات متداخل متشابك لايشعرك باختلافه حتى لو كان هنالك اختلاف فيه.

تتكون الرواية من سبعة فصول، كل فصل مسبق بهامش عن وصف طبائع الضباع مستمد من كتاب الجاحظ "الحيوان" بدون عنوان ثانوي، حيث يصبح الهامش هنا جزءًا أساسيًا من المتن، وإضاءة له، موضحًا اقتران صفات الرجال بالضباع، بعكس رواية "لَهْو الأبالسة" وضعت عنوان ثانوي على كل الفصول العشرة اسمته "سمكة الجيتار" والهامش مستقل تمامًا عن المتن، ولايمت له بصلة، وكانت رواية واحدة، أما في "رحلة الضباع" فقد وضعت الروائية العنوان الرئيس مرتين، مرة على كل الرواية حتى قبل الإهداء والمرجعية (طه حسين وفتنته الكبرى- الأصفهاني وأغانيه –  الجاحظ وحيوانه -  الجبرتي – المقريزي)، ومرة أخرى وضعته داخل الفصل الرابع ابتداءً من صفحة 99 حتى صفحة191، هذه القصدية في كتابة عنوان الرواية هكذا، تدلل على أن رحلة الضباع لم تنتهي لا في تراثنا و لا في زمننا المعاصر رغم الأمل الذي سربته إلينا في نهاية الفصل السابع.

تبدأ الرواية ومنذ السطر الأول بداية استفزازية مبطنة بهلوسات الزوج المدعو "جمال إبراهيم" / الراوي ونظرته الذكورية المتخلفة والمحقرة لزوجته بشكل خاص وإلى النساء بشكل عام – إن البطل "جمال إبراهيم" قد رسمته الروائية كنموذج حي للرجل الشرقي بكل أفكاره وأوصافه وتصرفاته – "قررتُ منذ عام تقريبًا أن أرمي يمين الطلاق على هذه الحيوانة الصغيرة – ص 9 الرواية" ، وعلينا قبل أن نتوغل في الرواية أن نتعرف على هذه الشخصية المركزية والمحورية من خلال لسانها والتي هي "جمال ابراهيم" / الراوي، صحافي يعمل مصححًا لغويًا في جريدة "أندلسية"، عديم الموهبة، محدود التفكير، ضيق الأفق، كتبه التي في مكتبته لم يقرأها، بل موضوعة في المكتبة كديكور، تجاوز الخمسين من عمره، جعلته سهير المصادفة يصف نفسه بخبث لكي تكشف باطنه أمام المتلقي في تجسيده صورة الضبع أو المثقف المزيف:

ـ في الحقيقة لم أخلق لأكون صحفيًا فأنا كسول للغاية ومخي لا يبدع أي شيء جديد وهناك عطب ما في مشاعري، ص 15 الرواية.

ـ أتأمل بازدراء عضوها التناسلي بعد الانتهاء منه، ص 46 الرواية.

ـ لا أريد الآن إلا أن أستسلم تمامًا لهذه النفس الخربة التي أمتلكها، ص 79 الرواية.

ـ يبدو أنني لم أقرأ شيئًا من الكتب التي أقتنيها على الاطلاق، ص 196 الرواية.

يقع "جمال ابراهيم" فريسة للشك والارتياب في "نرمين"، وتجتاحه وساوس وأفكار غير سوية البتة، ومما يزيد شكه وارتيابه بها، هو استدراجه إلى الفراش كل ليلة باستماتة من قبلها:

ـ هل تخونني هذه الحشرة؟ ماذا وراء تلك العاقر التي جعلتني طوال سنوات أعتقد أنها تحبني حتى العبادة ولا أفكر إلا في مصيرها بعد أن أهجرها.. هل ستنتحر مثلاً؟ هل ستمرض بالسرطان من جراء الحسرة وتموت؟ هل ستدفن نفسها في حجرة ما حتى تجن تمامًا؟ ص 10 الرواية.

ثم يتفجر الموقف عند عثوره على قصاصات ورقية في سلة المهملات بخط يدها، فيلتقطها ويعيد ترتيبها بعد أن يقوم بكويها ورصها ولصقها بشريط اللاصق الشفاف، وهو يظن أنها خطاب إلى عشيق ما، ولكن يا لهول المفاجاة له، حين يتبين أنها فقرات من حكاية جارية عربية مسافرة في الصحراء،  تغتصب من قبل إمرء ما من دبرها – كم من الدلالات التأويلية في هذا الفعل الجنسي الشاذ، حينما تغتصب المرأة من دبرها وليس من فرجها، فالدبر لخروج الأوساخ بينما الفرج لانبعاث الحياة، ففي هكذا ظاهرة نعثر على العقلية السادية، المأزومة، المشوهة، وهنا في هذه اللحظة ينهار تحت وطأة المتركمات السوسيولوجية ـ التاريخية الذكورية المرتكزة على المركزية القضيبيَة*3 في العقلية العربية، والموروث الثقافي الجنسي الأصولي، حينما يظن أن زوجته "نرمين" هي المؤلفة، فالمرأة الكاتبة أشد خطورة وأعمق خطيئة من المرأة العاهرة في نظر مؤسسة الفحولة التخييلية، وليس من الممكن أن تكون المرأة مبدعة موهوبة، وهي منقبة محجوزة مهجورة:

"هل تنقل هذه الحشرة طوال فترة غيابي عن البيت أوراقًا من مخطوطات النثر العربي الممتلئة بكل الموبقات والممنوعة من التداول في المكتبات العربية – والتي حرصتُ على اقتنائها بصعوبة – ثم تمزقها بعد نقلها؟ من أين جاءت الفاجرة بتلك الكلمات؟ ظللت أؤخر عودتي ولقائي بها، وظللت أقترح كل الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة ولكنني لم يرد بخاطري أبدًا أنها هي المؤلفة، ص 31 الرواية".

عندئذ تتلبس جمال ابراهيم / الراوي حالة معرفة واكتشاف ماتفعله زوجته في الشقة أثناء غيابه، عليه يقوم بنصب كاميرات مراقبة في الشقة ليخترق أفعالها ويطلع عليها، ولو كان باستطاعته لقام باختراق أفكارها والاطلاع عليها، ولكنه لايشاهدها إلا وهي تكتب ثم تكتب، فالكتابة في هكذا حالة تصبح فضاءً لا محدودًا من ممارسة "فعل" الحرية المفقودة، ففي الكتابة تحقق حياتها وتثبت وجودها الذي يحاول زوجها الغاءهما،  وفي الكتابة أيضًا تتحرر منه وتنتصر عليه:

ـ هل ستكتب الآن امرأتي؟ هذه المرأة تكتب! ماذا تكتب هذه المرأة التي لم تخرج من عباءاتها ثم لم تخرج من جدران بيتي؟ ماذا تعرف عن الحياة لتكتبه؟ وإذا كنت أسخر من الكُتَاب من الرجال الذين خبروا الحياة وخبرتهم فماذا عساني أن أقول عما تكتبه تلك الناقصة العقل والدين؟ ص 68 الرواية.

ويصور الراوي مخطوطها الذي يعثر عليه في أحد مجلدات "ألف ليلة وليلة" والذي لم يتجاوز تسعين صفحة، والذي يحكي حكاية امرأة اسمها "السوداء بنت الرومي" التي لم يعرف أحد سنوات عمرها، حكاية شفاهية تناقلت ألف وأربعمائة عام عبر لسان الحريم، بشروط تتسم بخبرة نسائية، على أن تحكى الحكاية من قبل الجدة لحفيدتها من ابنتها لا من ابنها، وقبل موتها بثلاثة أيام، "قالت الجدات حفيدات الجدة عبر قرون" حتى لاتبقى الحكاية/ الشفاهية محفوظة في سلالة واحدة، وتمنع الوصول إلى ذكور القبيلة، هكذا وبهذه الطريقة وصلت الحكاية إلى "نرمين" من الجدة الكبرى "السوداء بنت الرومي" التي حكتها لحفيدتها هاجر ابنة بنتها الحبابة، ولكن عندما تسئل نرمين جدتها أسئلة كثيرة منها أنها عاقر وكيف سوف تستطيع إيصال الحكاية، ولمن؟ تقول لها جدتها بحزم:

ـ للمرأة يا بنتي دروبها الخاصة التي لم يطأها سواها إلا الأبالسة، ص 97 الرواية.

وللحكاية لعنة لا أحد يستطيع الخلاص منها أبدًا إلا بأن تُحكى، فكيف بآخر حفيدة عاقر، لا حفيدة لديها، فتتخذ قرار حاسم بأن تحول الحكاية الشفاهية إلى نصَ / مخطوط مكتوب – هذا القرار كان نتيجة المعاملة اللا إنسانية لـ "نرمين" من قبل الزوج "جمال"، ونتيجة عزمه الزواج بأخرى رغبة في الإنجاب رغم أن الحكاية قد نُقلت إليها منذ خمسة وعشرين عامًا وبالضبط قبل زواجها بعامٍ وموت جدتها بثلاثة أيام - وبهذه الطريقة تحول التاريخ الشفاهي السري المهمش للنساء إلى تاريخ مدون معلن يفضح المسكوت عنه، ليقرأه الجميع، ولتعثر على دربها الخاص بها في نقل الحكاية، وبهذا العمل تلغي "نرمين" شروط الحكاية وتجعلها مستباحة للكل، مثلما كانت الجدة "السوداء بنت الرومي"  مُباحة لجميع الرجال.

أما نبوءة الجدة الاولى فكانت مختلفة عن لعنة الحكي التي لعنت بها الجدات، فبينما كانت في خبائها تنشق الأرض أمامها ويخرج كائن بلا ملامح ويأمرها بتبليغ المسلمين بالتوقف عن القتال فيما بينهم، وبعد هذا الظهور تشعر بأنها منحت قدرة على رؤية ما مر من أحداث سابقة وما سوف يمر منها.. "كنت أعرف أنني صرت قادرة على رؤية ما أشاء من سابقات الحوادث، ورؤية ماهو قادم منها بإذنٍ من الله.. لاحظت أن زواحف الأرض السامة وحشراتها تبتعد عني دون أن تمسسني بسوء كأنني صرت فجاة محصنة ضد كل ما يؤذي في الحياة، ص 105 الرواية"، وعلى اثر منادتها للمسلمين وتحذيرهم بالابتعاد عن الفتنة التي أصبحت متجذرة فيهم، وذلك بالاصغاء والاستماع للآخر، وتحريم سفك الدم، ولكن تنبيها لا أحد يستمع له، لأن ليس هناك من يسمع، لهذا يفتح على هذه الأمة القتل والقتال إلى يوم الدين، ويطلقون عليها نعت "الرائية" ص 112 ويصبح عملها وهي في خضم الحروب الضروس الحاصلة بين المسلمين الإخوة في الله أن تواريهم التراب ص 113، ومن أجل الخلاص ومن أجل حبيبها "عمر بن عدي" الذي هجرها ومضى على أساس الجهاد في سبيل الله تسلك درب الكوفة لتلحق به ولكنها تتيه سنوات وسنوات ـ يتبين أن "عمر بن عدي" يتاجر بالأسلحة والدروع بين الفرق المتحاربة، ولوضاعته عندما تعثر عليه أخيرًا يقوم ببيعها كجارية للقعقاع بـ ألف دينار وبرذونة وناقة، لكن نبوءتها تنتشر في أرجاء الصحراء وتصل إلى المتحاربين، ولكن..

"لم أفهم شيئًا مما خطته يدها على الإطلاق هل هذه رواية؟ ص 195 الرواية."

هل هو حقًا لم يفهم "مضمون" المخطوط؟ ومن الذي قال له أن هذا المخطوط هو رواية؟ ماكان يود أن يقرأه في المخطوط توسلاتها وآهاتها وتوجعها ومشاعرها وضعفها وإنكسارها، ولكن ذلك لم يحصل، بل نرى أنها تقول شيئًا مغايرًا ليقيناته وثوابته، تقوله "نرمين" على لسان السوداء:

"ضيعتُ عمري كله خلف سرابٍ.. خلف ضبعٍ من ضِباعهم بَري قلبي بريًا. ص 184 الرواية."

لقد بنى تصوراته وأرائه على الفعل الجنسي، أي على الممارسة الجنسية التي كانت تحدث بينهما المغلفة بهلوساته وتصوراته المنبعثة من قمقم مارد "ألف ليلة وليلة"، ومن دار "السبع بنات"، عبر مركزيَة لاهوتيَة ـ قضيبية متراكمة في السوسيولوجية – التاريخية تعمل على نشوء خطاب ثقافي دينيَ يكرس العنف السادي تجاه المرأة والنظرة اللا إنسانية:

"إزاء يقيني بأن كلَ أجزائها ملكي، مزقت للمرة الأولى في حياتي معها كلَ ماكانت ترتديه بكل ما استطعت من قوة فتناثرت الفيونكات الحمراء الحريرية الصغيرة التي تزين حمالات قميصها الوردي، تحسست بهدوء مثير صدري.. شددت شعرها وأكلت شفتيها أكلاً وابتلعت تأوهاتها التي لم أسمعها بهذا العنف من قبل أبدًا وأنا مفتوح العينين، ثم توقفت لأتأمل كل جزءٍ من جسدها العاري، كنت أحاول أن أدخلها من كل فجاجها علني أختفي فيها، كان صراخها العاتي يهزني وعلى إيقاع يدها التي تضرب ظهر السرير اكتشفت أنني يمكنني الاستمرار هكذا وإلى الأبد إذا تحكمت في انقطاعي عمًا أفعل فجأة أو استغراقي في محاولة الإجابة عن سؤالٍ واحدٍ: مِمَ صُنع هذا الكائن الفاتن؟ ص 235 الرواية.

هذه رؤية الزوج تجاه "نرمين"، رؤيته الأنانية، فهو لم يحاول يومًا أن يتعرف على مشاعرها وأحساسيها، ولم يتقرب منها نهائيًا وهي المجروحة والغارقة في المهانة، والتي أصبحت خارج حياته، لأنها هي ليست طريدة لكي تحتاج إلى صيادٍ، بل هي امرأة كاملة تحتاج إلى رجلٍ، ولذا نرى أن وصفها للعملية الجنسية تأتي من قبلها مختلفة تمامًا بل مناقضة لرؤيته  وتصوره، بل تكون على الضفة المغايرة الأخرى:

"أنه واجبه المقدس أن ينكب فوقكِ لاصقًا صدره بصدركِ خانقًا إياك ضاربًا بعرض الحائط كلَ وصايا ابن حزم في ممارسة الحب ومشرعًا رأسه لأعلى لُيخفي وجهه بعيدًا عن وجهكِ ولكي يتحاشى بالمرةِ تقبيلك ودونما كلمة واحدة ودونما همسة محبة ودون أن يشير من بعيدٍ أو قريبٍ إلى أنه يرغبُ في ملامسة حتى يدكِ أو أنه يحبُ أن تحتضنيه هكذا سيدخلك ممددًا عليكِ صامتًا ولن يُسمع في الفضاء إلا هديلك دون أي صدى، ليس لأنه وصل إلى ذروة محبته، وإنما لأنه أدى واجبه ولسوف ينهض عنك مخلفًا إياك جائعة لإنجذابه الأوَل وولعه الأوَل بجسدكِ، وقد تروحين وقتها في تخيله وهو يفتش في أعضائكِ عضوًا عضوًا عن أكثر من باب للدخول، ص 225 الرواية.

دون قبلة دون همسة محبة دون لمسة حنان، يدخلها، وهكذا كان "عمر بن عدي" مع جدتها "السوداء" عندما يعتليها، ويحول جسدها إلى ضلع من ضلوعه – رؤية الأسطورة التوراتية نحو المرأة بأنها خلقت من أضلاع الرجل ـ ثم لينفضها من تحته فجأة ويركلها كأنها كلب أجرب وهو الذي كان ينكحها منذ لحظات، وهو الذي حرثها ـ أي نكحها حسب تعبير الروائية – خلال عام واحد خمس وسبعين ليلة متفرقة، تناقض في الفعل وفي الرؤية وفي الموقف.

الصور السردية تتناغم متلاحمة في البنية الحكائية المتواجدة في مخطوط "نرمين" مع بقية الرواية المكتوبة من قبل سهير المُصادفة, وتشترك جميعها عند تناولها في المنظور "الفنتازي" و "المتخييل" و "الواقع"، فالحكاية التراثية المتخيلة تلتقي مع الحكاية الراهنة المتخيلة في الكتابة، بل أن "السوداء" / المخطوط  و "نرمين" / الحاضر والروائية /الرواية يتحررن عن طريق الكتابة، ففي الحكي الشفاهي تتحرر "السوداء":

ـ لم أعد أدري الآن يا بنيتي كم لبثتُ في كنفه أتمرغُ في الحرير وأتثاءب من السعادة وأساعده في كتاب الأخبار التي يمكنُ كتابتها على لوح الزمان بعد أن علمني الكتابة. ص 190 الرواية.

كذلك "نرمين" تحررها ينبثق من كتابتها لمخطوطها المنتسب لسلالة النساء / الجواري فقط:

"لقد وضعتِ في مخطوطكِ: لحظاتِ الأسرَة كلها، ووجع البلاط من فرط كثرة وثقل خطواتكِ عليه، وتعب المرايا، ونيران غضبكِ التي تشتعل في وحدتكِ، أحلامكِ التي لملمتها بحرصٍ بالغٍ من ليالٍ شديدة السواد وحبستها الى الأبد في سطوركِ. ص 230 الرواية.

وهي في انفصالها عنه تصبح روائية مشهورة، وتشارك شباب مصر في شهر يناير 2011 النوم في ميدان التحرير، أما الزوج فيدرك بعد فوات الآون كم هو غبي وأحمق، ولكن الندم لايفيده في شيء، ولا يفيده تتبع حواراتها على الفضائيات، ولا مراقبته لها وهي مع زوجها تجلس على مقهى الفيشاوي بالحسين، وهي تشرب الشيشة التي طلبها لها زوجها، فهو كما يقول عن نفسه صارخًا:  "أنا طائر الحباري"، الطائر الطريدة الأولى والتراثية للصقارين في صحاري الجزيرة، وهو يشكل التحدي الكبير لهم ولصقورهم، واصطياده يعطيهم الإحساس بالفخر والنصر.. فهو طريدة نفسه، وطريدة العقلية الظلامية.

يقول "أدونيس": "تاريخ الإنسان هو تاريخ حريته"، وحرية الإنسان في أن يكون ذاته ـ مثلما عملت "نرمين" عند مغادرتها للشقة عندما ارتدت بنطلون جينيز واسعًا وبلوزة زرقاء وجاكيت أسود، عاقصة شعرها بدبوس شعر كبير فالتغيير لم يكن وليد الصدفة أو اللحظة، لا لقد حصل التغيير منذ زمنٍ طويل من الداخل، وبما أن الحرية تقترن بالكتابة، فإذًا تصبح الكتابة جزءًا مهمًا من الحرية، والكتابة بهذا المعنى كتابتان: كتابة تعمل على غلق النص، وتتوقف في زمن معين، وكتابة تعمل على فتح النص، وتجعله دائمًا محايثًا، وبين هاتين القراءتين، تقع مسألة الحداثة، فإن كتابة وقراءة هكذا نص، هي لذة، وهذه اللذة ليست قطيعة مع المتخيل التراثي، ولا مع اللحظة الراهنية، بل هي امتدادًا لهما، وتجذيرًا وترسيخًا فيهما، وأخيرًا سوف أتساءل كما تساءل "رولان بارت": "إذا كنت أقرأ هذه الجملة بلذة، وهذه القصة، أو تلك الكلمة، فلأنها كتبت ضمن اللذة (فهذه اللذة لا تتعارض مع عذابات الكاتب). ولكن ما هو قولنا في العكس منها؟ هل الكتابة ضمن اللذة، تضمن لي – أنا الكاتب – لذة قارئي؟*4.

 

أسامة غانم

........................

الهوامش والإحالات

1– ابن الاثير – الكامل في التاريخ، تحقيق الشيخ خليل مأمون شيحا، ج 3 دار المعرفة، بيروت – لبنان، ص128.

2– الإمام الحسين بن علي (رض).

3– هذا المصطلح قمنا باستعارته من كتاب "بنيان الفحولة: أبحاث في المذكَر والمؤنَث" للدكتورة رجاء بن سلامة، دار المعرفة للنشر – تونس.

4– رولان بارت – لذة النص – ترجمة: د. منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري، حلب ـ سوريا1992 . ص25.

 

 

محمد الورداشي1- حول الرواية: "على أعتاب غرناطة" ملحمةٌ روائيةٌ تاريخيةٌ للكاتب أحمد أمين، حاول من خلالها أن يقدم لنا مشاهدَ من التاريخِ الأندلسي الغرناطي بعد سقوط غرناطة، آخر معاقل المسلمين في الأندلس، في يد المماليك الكاثوليك سنة 1492. فالروايةُ حفرٌ في التاريخ والوقوف عند أحداثه البارزة، ومن ثم، صياغتها في قالب روائي فني، ينقل للقارئ الأفعالَ المدمرةَ التي مارستها الإمبراطوريةُ الإسبانيةُ على المسلمين الذين أطلق عليهم، من قبل الإسبان، لقب الموريسكيين تحقيرا لهم، فضلا عن الإبادات والمحارق والاعتقالات التي كانت محاكمُ التفتيشِ تقوم بها بزعامة الكنيسة الكاثوليكية. كما أن الرواية، قدمت لنا لمحاتٍ تاريخيةً بطوليةً عن صمودِ ومقاومةِ المسلمين في غرناطةَ بعدما تخلى عنهم السلاطينُ المسلمون-وهذا ما ذكرنا بالوضع الفلسطيني والاحتلال الصهيوني-  للعدو الإسباني، والمعارك والثورات التي خاضوها؛ كثورة "البشرات"، و"فركسالة"، و"جاليرا"، دفاعا عن هويتهم الثقافية والدينية، وعن وطنهم الذي لم يتوانوا في التضحية بأرواحهم وممتلكاتهم في سبيل تحريره، وقد شارك في هذه المعاركِ الرجالُ والنساءُ والأطفالُ. فمنطلقُ الروايةِ أسرةٌ مصريةٌ، كما يخبرنا الكاتب في بداية الرواية، تعود جذورُها إلى غرناطة، كانت من بين الأسر التي فرَّتْ، أو تم تهجيرُها قسرا وجبرا في ظل الحملات التهجيرية الإسبانية للمسلمين، من الأندلس نحو البلدان العربية والإسلامية (المغرب، الجزائر، مصر ..إلخ).

وهكذا، يمكن القولُ إن هذه المشاهدَ السرديةَ المتضمنةَ في الرواية، تعيدُ كتابةَ فترةٍ من التاريخِ الإسلامي، الأندلسي والغرناطي، في قالبٍ روائيٍّ ذي بنيةٍ سرديةٍ وفنيةٍ محكمتين. ومن ثم، سنحاولُ الوقوفَ عند مرجعيةِ الشخصيةِ في الرواية، هذا الكائنُ الورقي، كما قال بارت، الذي يعيش ويحيا في الورق، بيد أنه يحيل على مرجع خارجي يمكن تحديدُ دلالتِه إما في السياق العام لثقافة الكاتب وبيئته، وإما في السياق الخاص بالنص من خلال تفاعل الشخصيات فيما بينها، فضلا عن مواقفها وحالاتها وتحولاتها وأدوارها، ومنه يكون الانطلاقُ من داخل السياق النصي الخاص إلى السياق الخارجي الثقافي العام، وذلك أن اختيارَ الشخصيةِ واسمِها يعزى إلى أن "هناك الكثير من المؤلفين الذين يعتمدون في اختيار أسماء شخصياتهم الطاقة الصوتية التي يشتمل عليها (أي الاسم)، سلبا أو إيجابا"(1).

2- مرجعية الشخصية: الشخصية المرجعية

تضم الشخصية المرجعية: الشخصية التاريخية والأسطورية والمجازية والاجتماعية(2). فالشخصيةُ التاريخيةُ حاضرةٌ في الرواية من قبيل: فرج ابن فرج، صفية، الشيخ، الثغري، السعدي، فيليب... والأسطورية مثل: الشيطان الذي نسج حوله المخيالُ الجمعيُّ للشعوبِ مجموعةً من الأساطير تهدف إلى إعطائه وجودا فيزيقيا بعدما كان، ذهنيا، رمزا للغواية دينيا، والنبوءة..إلخ، والمجازية؛ كالعقيدة والدين والحب والتضحية... والاجتماعية مثل: الصباغ، الخياط، القس، الملك، القائد، الجنود، السجان..إلخ.

وما يحددُ دلالاتِ الشخصياتِ هو السياقُ المرجعيُّ سواء أكان سياسيا أم تاريخيا أم اجتماعيا..إلخ. وفي الرواية، نجد أن شخصياتِ الموريسكيين مثل: محمد، غالب، صفية، حمزة، زايد، يحيى، منصور، فاطمة، عائشة، رضوان، فرج،..إلخ، كلها تحكمها مرجعيةٌ عربيةٌ دينيةٌ سواء أتعلق الأمرُ بالرواية أم بالتاريخ العربي الإسلامي، نظرا لتداولها من جهة، وإحالتها على رموز دينية مثلت دورا كبيرا في التاريخ العربي الإسلامي من جهة ثانية. أما داخل النص، فإن سياقَهُ العامَّ يحيل على أن ثمة صراعا بين مرجعيتين أو أدلوجتين:

- دينيا: بين مرجعية إسلامية وأخرى مسيحية كاثوليكية، وهذا ما ورد على لسان الشخصيات بكثرة: "...نعم يا بنيتي إنها العقيدة والدين"(3)، "...لكن ألقت المحكمة القبض عليه بتهمة عودته إلى الإسلام"(4)، "أنا مسلم.. أنا عربي"(5)،

- ثقافيا: بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الإسبانية الكاثوليكية، وبين اللغة العربية واللغة الإسبانية، ونمثل لذلك ب: "أسوف أستطيع أن أعلم أبنائي لغتي وديني...؟"(6)، "هم فقط يريدون سلخنا من ماضينا وديننا وثقافتنا حتى نصبح أمة مشوهة سهلة الانقياد والخضوع لهم"(7)؛ وهنا نودُّ طرحَ السؤالِ الآتي: هل تغيرت حالُ المسلمين الآن عن الوضع الذي نقرؤه على لسان الشخصيات؟

- سياسيا: بين المستعمَر (مسلمو غرناطة)، والمستعمِر الكاثوليكي،

- اجتماعيا: بين فئةٍ تنشدُ الكرامةَ والحريةَ والعيشَ الكريمَ في وطنِها وخيراتها، وفئةٍ أخرى تسعى إلى استعباد الفئة الأولى، واستنزاف خيراتها وإبادتها في موطنها.

إن ما يحرك هاتين المرجعيتين هو البعد الديني؛ فما دام مسلمو غرناطةَ يثورون من أجل الهوية الثقافية الدينية واللغوية، فإن السياقَ يتطلب من المؤلف اصطفاءَ أسماء لشخصياته تنتمي وتحيل إلى بيئة غرناطية إسلامية. أما الشخصياتُ الأخرى: أسبينوزا، ديسا، دون خوان..إلخ، فإن لها مرجعيةً إسبانيةً كاثوليكية. هاتان المرجعيتان متصارعتان في المتن الروائي، وكلُّ صنفٍ منَ الشخصيات متمسكٌ بمرجعيته.

3- ممارسة الشخصيات للتقية:

اضطهادُ أوربا الكاثوليكية أجبر مسلمي غرناطةَ على ممارسة نوعٍ من التقية سواء في ممارسة الطقوس الدينية أو التسمية. على مستوى الممارسة الدينية، تنقل لنا الروايةُ مشاهدَ المسلمين الذين منهم من تكبدَ المعاناةَ من قبلِ محكمةِ التفتيشِ حفاظا على دينه ولغته وتاريخه، ومنهم من ادعى اعتناقَ النصرانيةِ سلوكيا في حين ظل محتفظا بمعتقده الأصلي داخليا. أما على مستوى التسمية، فإن كثيرا من الشخصيات تسمّتْ بأسماء إسبانية: لوبيز، فلورا، فينجاس، ميجيل..إلخ، ليكتشف القارئُ أسماءَها العربيةَ في سياقِ أحداث الرواية، حيث نجد، مثلا، أن ميجيل اسمه العربي محمد بن داود..إلخ.

ختاما، حاولتْ هذه القراءةُ الوقوفَ عند السياقِ المرجعيِّ الذي تحيلُ عليه الشخصياتُ من أسمائها، وأفعالها، ومواقفها، ومعتقداتها، وحالاتها وتحولاتها، ما ينعكسُ على الجانبِ النفسيِّ السلوكيِّ للشخصية، فضلا عن الجانب الفيزيولوجي. كما أننا نود التنبيهَ إلى أن ثمة كثيرا من الأخطاء، الإملائية والنحوية، في الرواية التي قد تكون سهوا من المدقق اللغوي. وفي الأخير؛ هل سيعود المسلمون إلى الأندلس؟ هل سيرد العربُ فلسطينَ المحتلة؟ طرحتُ هذين السؤالين؛ لأن قارئَ الروايةِ يحسُّ أن ثمة حنينا مضمرا في نفس الكاتب وفي نفوسِ العربِ المسلمين للعودة إلى الفردوسِ المفقود، نضيف إليه أملَنا في تحريرِ الأراضي الفلسطينية من الاحتلالِ والعدوانِ الصهيونيين.

 

محمد الورداشي

.........................

1- فيليب هامون: سيميولوجية الشخصيات الروائية، ترجمة سعيد بنكراد، الطبعة العربية الأولى 8/2013، دار الحوار للنشر والتوزيع، ص16

2- نفسه: انظر ص35

3- أحمد أمين: على أعتاب غرناطة، ط1/2016، تبارك للنشر والتوزيع، ص 89

4- نفسه ص88

5- نفسه ص 47

6- نفسه ص 46

7- نفسه ص 36.