جمعة عبد اللهيعجز الكلام والوصف في التجربة والمنجز الشعري للسماوي. لانه وبكل بساطة متناهية. عملاق في القصيدة والشعر. في خلق الصور الفنية المركزة، في السرد المكثف في الرؤية الشعرية الصوتية، في نغم الصوت واللحن والايقاع الموسيقي والشعري. في الابتكاروالخلق في البنية الشعرية. في اللغة الجميلة المدهشة والساحرة في الابهار، دون الابهام والغموض، والتلاعب على المعنى، بل يتوجه بكل وضوح الى المرام والهدف والغرض. بالدهشة في الصياغة الشعرية. هذه مضامين التجربة الطويلة، التي اكتسبت خبرة عملاقة، في الصياغة والتعبير، والرؤية الفكرية والفلسفية، التي تجعل القصيدة تحلق في الآفاق العالية، شكلاً ومضموناً، وهو يغرف من الشعر الاصيل، المعتق بالنبيذ من خمرته الاصيلة. التي تشد احاسيس القارئ والسامع، بروح الدهشة في النص، الذي يخلق في الاثارة والدهشة. ويجعل القارئ يعيش حالات الابهار في الحلم، تجعله ينسى غصات الالم والوجع في داخله، وينصت الى شعر الموسيقى والايقاع، او بالعكس الموسيقى والايقاع في الشعر. الحالمة التي تشفي الجراح الوجدان . هذه روحية النص الشعري، الذي اشتغل ويشتغل عليه السماوي في الشعر، الذي يتناغم مع الحلم والعشق، يجعله حالة وجودية او حياتية بالغة الاهمية، في الحلم المشتهى والعشق المرتجى، لكي يتغلب على الواقع المأزوم والمخنوق، ويمد له طوق النجاة والحياة. يجسدها في استلهام الرمز الاسطوي في الحب والتضحية (إينانا). يجعل الحلم والجمال والتضحية نهر بثلاث ضفاف، تحرسه ربة العشق (إينانا). من اجل الخلاص والانقاذ من اليم الجارف. هذه مكونات استلهام فلسفة العشق وعوالمها العريضة والشاسعة، يصوغها بشمولية عامة، تخرج من الذاتية الفردية الى الاشمل والاعم، في دلالات الايحاء والمعنى الدال. في صياغتها المرهفة في الشفافية. التي تحرث في بناء مدينة الحلم والعشق الفاضلة. كما سبقه الفيلسوف الاغريقي (افلاطون) في بناء مدينته الفاضلة، التي سميت بجمهورية افلاطون، ولكن لعنة الشرق، بأن هذه المفردة (الجمهورية) جاءت بكل الاوساخ والقاذورات والقمامة بأسم الجمهورية، لذلك السماوي يسعى الى بناء المملكة العشقية وحارستها الرمز الاسطوري (إينانا)، في اعادة ترميم اوصياغة الواقع، بالحب والتضحية والعشق (الثالوث المقدس من نهر إينانا بثلاث ضفاف). في سبيل ايقاظ الوعي والعمل (حيَّ على خير العمل). هذه سكة الانقاذ ولا يوجد طريقاً اخراً للبديل، عن الحب والعشق. ولا يمكن ان يكتمل الخلاص إلا بهما. من اجل ايقاف ثعابين التوتر والتمزق والقلق الوجودي. لا يمكن إلا بنهر إينانا بثلاث ضفاف. ويجعلها السماوي مرجعية فوق المرجعيات الآخرى. ولكن لابد من الاشارة البالغة الاهمية. عودنا السماوي على الريادة، في الابتكار والخلق برؤية جمالية مدهشة. في التعبير والرؤية والاستلهام والاستخدام، فقد دأب الشعر العراقي، في توظيف الرمزي الاسطوري لمفردة (عشتار) وقد كثر تردد (عشتار) في قصائدهم، حتى السياب كثر من توظيف (عشتار) في الكثير من قصائده، ولكنه لا يعتبر هذا التوظيف ان يعطيه سمة الريادة في استخدام الرمز الاسطوري (عشتار) لان الكثير من الشعراء من سبقه، استخدموا هذه المفردة أو المصلح الاسطوري في قصائدهم . بينما في حالة السماوي مختلفة تماماً، لم يسبقه شاعر من قبل استخدم المصلح الاسطوري (إينانا) وهذا يحق للسماوي ان يعتبر الرائد في توظيف الرمز الاسطوري (إينانا) لآن لم يسبقه شاعر في توظيف هذا الرمز الاسطوري، وكما هو يحمل الريادة في المصطلحات العشقية، التي لم تخطر على بال احداً في توظيف المصطلح العشقي (عشقائيل) وحي العشق، و(صوفائيل) حكيم العشق. لذلك الديوان الشعري (نهر بثلاث ضفاف) هو موزع بين (عشقائيل) و (صوفائيل). ونقتطف المقاطع الشعرية المختارة من الجانبين:

77 samawi600

1 - عشقائيل:

- للعشق يبدأ بالصلاة مع صوت الأذن. حتى يشعل القلب بنبض الحب أشتعالاً، حتى يتنعم بمطر العشق الغزير في ضوئه النوراني، لتتفيء الصحراء بظليله، وتفيض الينابيع بغدران السلسبيل من اطياف الجنة .

قـبـلَ الـنـداءِ الـى صَـلاةِ الـفـجـرِ:

فَـزَّ الـقـلـبُ..

صـوتٌ كـالأذانِ أتـى.. أصَـخـتُ الـنـبـضَ..

مَـنْ ؟

فـأجـابـنـي صـمـتـي:

هــو الــمَــطــرُ الـوبــيــلْ

*

فـانـثـرْ بـذورَكَ

آنَ لـلـصـحـراءِ أنْ تـتـفـيَّـاَ الأيْـكَ الـظـلـيـلْ

*

وتـفـيـضَ غـدرانٌ بـأعـذبِ سـلـسـبـيـلْ

*

ألـقـى عـلـيَّ تـحـيَّـةّ الـعـشـقِ الـخـرافـةِ هـدهـدُ الـبـشـرى

وقـال:

يُـخـصُّـكَ الـزمـنُ الـجـديـدُ بـجـنَّـةٍ (قصيدة هبوط إينانا)

- فاكهة العشق وخمرته التي تسقي فسيلة الحب

تأبى كؤوسي غيرَ خمرك

لا تمسكي الينبوع عن عشبي

فناعوري

أبى أن يستقي

من غير بئركِ  (قصيدة تضرع في محرابها)

....................

قبل أن تومئَ ليْ

أن ْ أدخل الفردوس إينانا

وتستقيني

شراباً من هديلٍ

ورغيفاً

من حنينٍ  (قصيدة شراب من هديل)

- ميلاد العشق: لوح الولادة والانبعاث. والصعود الى فردوس الملاك السومرية (إينانا).

مـيـلادُ " إيـنـانـا " الـبـعـيـدةِ بُـعـدَ قـلـبـي عـن يـدي:

مـيـلاديَ الـمـكـتـوبُ فـي الـلـوحِ الـمُـقـرَّرِ قـبـلَ يـومِ ولادتـي

وغـوايـتـي فـي نـشـرِ أشـرعـةِ الـرَّحـيـلْ

*

إصـعَـدْ إلـيـهـا ـ قـال هُـدهُـدُهـا ـ لِـتُـبْـعَـثَ مـن جـديـدٍ:

عـاشـقـاً.. طـفـلاً رضـيـعَ الـلـثـمِ.. مـشـبـوبـاً فـتـىً..

فـاهـنـأ بـمـيـلادِ الـمـلاكِ الـسـومـريَّـةِ أيـهـا الـشـيـخُ الـجـلـيـلْ

*

كـيـف الـصـعـودُ ـ أجَـبْـتُ ـ مـولايَ الـبـشـيـرَ

الـى جـنـائـنِ ربَّـةِ الـمـطـرِ / الـجـمـالِ / الـحـبِّ " إيـنـانـا " ؟

أنـا الـحَـيُّ الـقـتـيـلْ  (قصيدة هبوط إينانا)

- مواثيق الحب: وصايا الحب هي مواثيق عشقية مقدسة. فلا يمكن ان ينال مرتبة العشق إلا بحفظ مواثيق الحب والعشق.

قالتِ العشق مواثيقُ

فلا عشق إذا لمْ تحفظِ الميثاقَ

ما أشرقت الشمسْ

وما آذانَ بالنجم الغسقْ

ليْ تعاليمي التي أوصى بها

رب الفلق

لا تكن

ذئباً على الظبيةِ والظبيِ

ولا سبعاً على الشاةِ

ولا إن شبتِ النارُ

ورقْ  (قصيدة وصايا إينانا)

- هبوط العشق:

هبوط رمز العشق الاسطوري (إينانا) لتنقذ البيدر والنهر من الجفاف، لتفتح طريق لميلاد العشق، فغدت دجلة والفرات بهاء في موجة النعمة، وفساتين خضرة للواحات.

هـبـطـتْ إيـنـانـا مُـنـقـذةً..

فـغـدَتْ دجـلـةَ

وأنـا صـرتُ فـراتْ

*

فـأعـادتْ لـلـنـهـرِ الـمـوجـةَ

والـوردةَ لـلـروضـةِ

وفـسـاتـيـنَ الـخـضـرةِ لـلـواحـاتْ (قصيدة حزمة قصب سومري)

- طقوس العشق: ربما في بعض الطقوس في الحب، تحمل غرابة في المراسيم، من الفرح الى العسر، او من الابتهاج الى الحزن وبالعكس. ولكن رغم هذا وذاك، فعذاب الحب احسن عذاب ودلال. في شروقه وغروبه.

لا تسلني

عن طقوس العشق

في بدءِ شروقٍ

أو

نهايات غروبِ

لا مراسيم لعشقي

غيرَ أن أفنى هياماً

بحبيبي

ربما أضحك من حزنٍ

وأبكي من سرورٍ..

فأنا

مختنق حيناً

وأحيانا

صداحُ العندليبِ    (قصيدة طقوس العشق)

2 - صوفائيل: حكيم العشق وبصيرته النافذة.

- القسمة العادلة، مال الله لله

ما لقيصر من العروش والكنوز هي لولاية العشق. العشاق هم وحدهم ورثة بركات ونعم الارض، وليس لقيصر والاباطرة.

لـلـهِ مـا لـلـهِ

لـكـنْ

مـا لــقــيـصـرَ مـن عــروشٍ لـيْ..

ولـلـعـشـقِ الـولايـةُ..

نِـعـمَ دِيـنـاً عـشـقُ " إيـنـانـا "

وأكـرِمْ بـالـخـلـيـلـةِ والـخـلـيـلْ (قصيدة هبوط إينانا)

- الاستقامة والعدل والشموخ بالحق، فلا تنحني للمنبوذ والناقص واللئيم. ولا يمكن للغصن الفاسد، ان يخضر سنابل وأزهار. وكن سوطاً على الجاحد ومغتصب الحق حتى لو اظلم الدرب.

لا تـمُـدِّ الـيـدَ لـلآفِـكِ والـمـنـبـوذِ

والـكـامـلِ نـقـصـاً

وسَــفـيـهٍ ذيْ مـجـونٍ وحَـمَـقْ

*

ولـئـيـمِ الـجـذرِ والـغـصـنِ

فـإنَّ الـغـصـنَ نـسْـلُ الـجـذرِ..

هـلْ يُـثـمِـرُ غـصـنٌ فـاســدُ الـجـذرِ كـرومـاً وحَـبَـقْ ؟

*

كُـنْ عـلـى الـجـاحـدِ ســوطـاً..

ونـدىً لـلـوردةِ الـعـطـشـى..

وإنْ أظـلـمَ دربٌ

كُـنْ ألـقْ (قصيدة وصايا إينانا)

- العمر: لا يقاس بالسنين، وانما يقاس بسنين وولادته بالعشق .

فـأضـافـتْ:

كـم مـن الـعـمـرِ لـكَ الان ؟

فـقـلـتُ:

الـعـمـرُ قَـيْـد الـبـدءِ مـولاتـي

فـإنـي لـم أزلْ نُـطـفـةَ عـشـقٍ فـاحْـبَـلـي بـيْ وانْـجِـبـيـنـي..

ربـمـا أصـبـحُ فـي الـعـشـقِ ولِـيَّ الأولـيـاءْ

- الجهد الحياتي يحتاج الى سباق ومعاناة ولهاث. وسهرالليالي بالارق، هذه خلاصة الحياة المضنية بالتعب، لا بالرفاه والترف، والنوم على وسادة الحرير.

مـنـذ دهـرٍ

وأنـا أركـضُ وحـدي

فـي سـبـاقِ الـفـوزِ بـالـجـنَّـةِ

أو بـئـس الـمـصـيـرْ

 

مـرةً يـسـبـقـنـي الـلـيـلُ وأخـرى أسْــبـقُ الـصـبـحَ..

وفـي الـحـالـيـنِ:

وحـدي أركـضُ الأشـواطَ والـدربُ ضَـريـرْ

 

لـيـتـنـي أعـرفُ:

هـل كـنـتُ بـهـا الأوَّلَ ؟

أمْ كـنـتُ الأخـيـرْ ؟

- جهر بالحقيقة: وقولها دون خشية وخجل وتردد، أزرعها لتثمرثماراً في الجهر والكشف الباطل، فكل شيء زائل إلا الحقيقة باقية تضحك بوجهها الباسم، مثل للنار لا يمكن ان تضحك إلا بالحطب. والحقيقة مثل الازهار تشمخ بعبير عطرها.

ما العيبُ في قولِ الحقيقة ؟

هل تكون النارُ ضاحكة اللهيبِ

بلا حطبْ ؟

أم تستحي الازهارُ من عبقِ العبيرِ

ومن سُلافتِهِ العنبْ ؟

فأنا الفراتُ

وأنتِ دجلةُ

والسريرُ بكوخنا شطُ العربْ  (قصيدة جهر)

......................

- ولابد من الاشارة الى المقدمة الرائعة بقلم الاستاذ النقد المعلم الكبير عبدالرضا علي

- الديوان الشعري: نهر بثلاث ضفاف

- اصدار: مؤسسة المثقف العربي / سدني / استراليا

- المؤلف: الشاعر يحيى السماوي

- الطبعة الاولى: عام 2019

- لوحة الغلاف: بريشة الفنان عبدالله الشيخ

- عدد الصفحات: 146

 

جمعة عبدالله

 

ضَجَّ التاريخ العراقي منذ القدم بهويات متعددة ومختلفة واحياناً متناقضة بحكم تنوع المكونات الاجتماعية التي تعيش فيه (الدين، العرق، الاثنية) فالمؤرخ او الروائي كتب سرديته من منطلق ايديولوجيته والايديولوجية هي بحد ذاتها نسق ثقافي غالباً ما يهمن عليه التلفيق والتزييف والبعد عن الحقيقة، فالكلّ يكتب بدافع الانتصار لجماعته التي ينتمي إليها. رواية فكشنري الصادرة العام الحالي عن دار المدى للروائية ميسلون هادي التي أعادت فيها صياغة التاريخ العراقي في مرحلة الاحتلال العثماني وبداية الحرب العالمية الأولى فجلعت بطلها (الاحمداني) يشارك في الحرب العالمية في صف محتلي أرضه اذ تقول على لسان البطل حين التحق بالجيش العثماني: (دخلتُ إليها، مع عشرين شاباً اقتادتهم الحكومة كجندي مكلف يطلقون عليه اسم جندرمه نفر. ص 126)، ثم تستعرض الروائية ذاكرة الموروث الشعبي في تلك المرحلة بدءاً من مشهد ولادة الاحمداني الذي ولِدَ ميتاً لولا تدخل القابلة (الجدة زيتونة) التي بذلت جهداً في إحيائه من موت محتم ولاسيما حين خطف إخوته الصبيان بطرقٍ مختلفة ولم تبقَ سوى أخته اسيا ثم تسرد الكاتبة ميسلون مشاهد كثيرة عن تلك الطقوس الشعبية وكذلك الدينية التي استُلت من الشعبي وغُلفت بغلاف ديني حسب معتقدات عامة الناس وهذا السرد غيب عن الرواية التحبيك، اي صياغة الحبكة التي تعد مجموع من التنسيقات والترتيبات التي تتحول من خلالها الاحداث المتناثرة الى حكاية منسجمة وذات معنى، فدخلت الرواية في السرد التاريخي لكن بشخصيات شعبية حسب نظرة ما بعد الحداثة للتاريخ حين سلطت الضوء على الشخصية الهامشية بدل من الابطال المشهورين، وتحديداً في شخصية (شرار النار) التي جعلتها الروائية كمعلم وأبٍ ثانٍ للأحمداني ومن هنا ينطلق السرد في تصوير الاحداث التي وقعت في تلك المرحلة ومن اهمها إنشاء العثمانيين خط سكك الحديد، ودخول التصوير الفوتوغرافي حين قام المصور نعيم بتصوير الأماكن المهمة في العراق، حتى طوب ابو خزامة أخر مَعْلَم من معالم الحرب بين الفرس والعثمانيين . نلحظ أن السرد جاء في الرواية مسلطاً الضوء على التراث والأحداث التاريخية وما ادخله العثمانيون من عادات إلى البلد، وهذه ليست موضوعات أصلية بالضرورة، وليست شيئاً خاملاً او سلبياً دائماً، بل هي (موضوعات نفعية يتم توظيفها واستخدامها لخدمة اغراض ومقاصد معينة من أجل إقصاء هوية ما، وإعطاء هوية أخرى تماسكاً واطراداً ومكاناً في العالم) وبهذا هيمنت الهوية القومية على الرواية حين لجأت الكاتبة الى سرد تفاصيل الأمة وسرد تاريخ اجدادها المؤسسين وسرد الوثائق الاصلية اذا تقول لسان الأحمداني (توبة هو الذي قال لي بأنه قد ولد في العام الذي دخل في الحوت الى نهر دجلة ووصل الى قصبة النبي عزرا المعروف بالعزيز وقد حدد دخول الحوت بالعام 1880 احد موظفي شركة الملاحة المعروفة بشركة بيت لنج، وهو اسكندر جوزيف زفوبودا وكان هذا الكاتب قد بدأ يدون كل يوم، وبدون انقطاع تصرفاته ومشاهدته .. ص 129) . فمثل هذه السرد كثير في الرواية الذي رصد مرحلة الاحتلال العثماني وكما قلنا بأنه كون هوية الساردة في الوقت الذي تبعثرت فيه الهوية المركزية العراقية، فمنذ عملية التحول السياسي في العراق عام 2003 تمزقت الهوية القومية و التي اثبتت فشلها في مجتمع متعدد الطوائف والديانات والقوميات ؛ لذا أصبحنا بحاجة الى هوية جامعة تلم تلك الهويات المبعثرة . بعد ذلك تعود الروائية الى اتخاذ القومية مرة أخرى هوية مركزية ولا سيما حين اتخذها النظام السابق ذريعة لإقصاء جميع الهويات الفرعية في العراق . وبهذا استعادت الروائية تلك الهوية حين كتبت الرواية بطريقة اصطفائية بدافع الانتصار للايدلوجية التي تنتمي إليها، وهذا ما يحرض الآخرين على كتابة تاريخ هويتهم بالطريقة ذاتها ونكون قد وقعنا في أزمة الهوية مرة أخرى .

 

موج يوسف

 

عدنان حسين احمدصدرت عن دار "أروقة" في القاهرة رواية "طيور الأحواز تحلّق جنوبًا" للشاعر والروائي الأحوازي محمد عامر الذي تندرج غالبية كتاباته الشعرية والنثرية ضمن أدب المقاومة الأحوازية. ورغم إقرار الكاتب بأنّ روايته "حقيقية الأحداث" إلاّ أنها لم تنجُ من الخيال الذي يتسرّب إلى الجملة الروائية ويمنحها نكهة خاصة تُخفّف من ثقلها الواقعي الذي تنوء به منذ مُستهل الرواية حتى خاتمتها المدروسة بعناية فائقة.

تعتمد ثيمة الرواية على المذكّرات الشخصية التي تتعالق مع بعض الوقائع والأحداث التي ارتبطت بالثورة الإيرانية التي فجّرها الخميني من منفاه الباريسي عام 1979 وأزاح الشاه محمد رضا بهلوي، وتعهّد منذ تسنّمهِ سدة الحُكم بتحقيق العدالة، وإعادة الحقوق المسلوبة للشعوب غير الفارسية كالعرب والبلوش والكُرد والأذريين لكن ما إن ترأس الشيخ محمد طاهر الخاقاني الوفد الثلاثيني وطرح مطالب الشعب الأحوازي حتى تجهّم الخميني ورفض المشروع، ووصف انتفاضة المحمّرة بالفتنة التي يجب إخمادها فورًا، وسرعان ما التقطت الأجهزة الأمنية هذه الإشارة فأغلقت المراكز الثقافية في المحمرة، وزجّت بالمحتجين والمعارضين إلى السجون والمحاكمات التعسفية التي يشرف عليها صادق خلخالي الملقب بجلاد العصر الذي أمر بإطلاق النار على عبدالرضا شفيع الكناني وحسن دغلاوي من دون أن يسألهما عن الجرم الذي ارتكباه، فلاغرابة أن تتعمّق فكرة المقاومة وتأخذ أشكالاً متعددة أبرزها المشاركة في العمليات الفدائية في عمق الأراضي الإيرانية خاصة بعد قرار تشكيل جيش تحرير الأحواز .

تتكئ الرواية على شخصيتين أساسيتين وهما محمد شفيع الكناني وصديق طفولته بدر معتوق الكعبي اللذين استقيا أفكارهما الوطنية من عبدالرضا شفيع الكناني لكن النسق السردي الذي يسير بخط مستقيم سيعتمد على بدر، الشخصية المحورية التي طوّرها الروائي بدقة وأناة، فهو وفيّ مع أصدقائه، وله علاقات اجتماعية متشعبة، والأهمّ من ذلك هو ارتباطه بقصة حُب مع زهرة، الفتاة التي تعلّق بها لكنه لم يستطع الاقتران بها لأن الموت كان يتربّص به من كل حدبٍ وصوب.

يُكلَّف بدر على مدار النص الروائي بثلاث عمليات خطيرة ينجح فيها كلها بعد التدريب المكثّف عليها، الأولى هي التسلّل خلف خطوط العدو في قاطع ميسان، الهدف منها رصد آلياته الثابتة والمتحركة، ومراقبة مواضعة الدفاعية، وتحديد مواقع المدفعية الثقيلة، وحينما أمضى خمس ليالٍ عاد وفي جعبته معلومات كثيرة. أما العملية الثانية فكانت ثُكنة عسكرية إسرائيلية في حيفا تضمّ آليات وخزّانًا كبيرًا للوقود نجح في تفجيرها وعاد إلى قاعدة انطلاقه سالمًا. وقبل تنفيذ العملية الثالثة يتم احتلال الكويت من قِبل الجيش العراقي فتتوعّد أمريكا بإعادة العراق إلى عصر ما قبل الصناعة، وهذا ما حصل فعلاً بعد أربعين يومًا من القصف الجهنّمي المتواصل قبل أن تشرع دول التحالف بهجومها البريّ في نهاية شباط/فبراير 1991 لتندلع في إثره الانتفاضة الشعبانية في محافظات الجنوب كلها، وينهار جيش تحرير الأحواز بسبب الحصار الاقتصادي، ويسبّب في عودة عناصره برفقة عوائلهم إلى الأحواز باستثناء من كانت عقوبته السجن المؤبد أو الإعدام. وعلى الرغم من وجود عمليات أخرى متفرقة تستهدف دوائر المخابرات الإيرانية أو حافلات كانت تُقلّ ضباطًا من الحرس الثوري، أو مقرات للتشكيلات العراقية المُعارضة لنظام صدام حسين، إلاّ أنّ العملية الرئيسة هي تفجير مضخة "مارون 2" التي أوجعت النظام الإيراني وتسبّبت في إيقاف تصدير النفط لمدة أربعة أشهر، وسرعان ما حضر بدر معتوق إلى أذهان العناصر الأمنية المجتمعة في إقليم الأحواز، ووضعوا خطة مُحكمة للقبض عليه وهم المعروفون بنَفَسهم الطويل، وروحهم الانتقامية. وعلى الرغم من أنّ السجين كاظم ديوان كان محكومًا لمدة 35 عامًا في سجن سبيدار إلاّ أنّ المخابرات الإيرانية، التي جنّدته للتعاون معها، تُرتّب له هروبًا مُفبركًا كي يستدرج بدر معتوق ويعيده إلى الأحواز حيًّا. وبعد سنتين من البحث والتقصّي يلتقط هذا العميل الإمّعة خبرًا مفاده بأنّ بدر معتوق موجود في البصرة، فيذهب إلى هناك، ويحدّد هدفه بدقة، ويلتقيه في شتاء 2001 في سوق حنّا الشيخ في البصرة، ويسرد له قصة هروبه من السجن، وما عاناه في عبور الحدود. تعزز المخابرات عميلها بعنصرين آخرين حبكت لهما رواية الهروب من إيران التي يُحتمل أن يُصدّقها بدر ويقع في الفخ الذي نصبوه له. دعاه العميل كاظم ديوان لوجبة أحوازية ولم يترك له فرصة للاعتذار بحجة المفاجأة التي رتّبها له وهناك يُصعق حينما يرى الرائد عبدالله حمزة والسياسي القيادي غازي ضاحي. وما إن وضع اللقمة الأولى في فمه حتى شعر بالدوار وأخذ المخدّر يسري في شرايين دمه حتى سقط مغشيًا عليه، فوضعوه في تابوت معزز بشهادة وفاة، ونقلوه ليلاً في قارب صغير إلى عبادان، ومنها إلى المقرّ الرئيس للمخابرات الإيرانية في مدينة الأحواز لكنهم ما إن فتحوا الكيس حتى وجدوه جثة هامدة، وحينما استعانوا بطبيب كي يفحصه أشار إلى جُرح في يده اليمنى. "لقد حرمهم بموته من نشوة التشفّي، وأذاقهم الهوان حيًا وميتًا، وهزمهم حتى وهو مسجىً أمامهم ". فتشوا جيوبه فعثروا على وريقة فيها حساب لشقيقه الأصغر الذي اعترف جرّاء التعذيب بكل العمليات التي نفّذها بالتعاون محمد شفيع وبدر وآخرين. لم يعترف محمد شفيع فنُفِّذ به حُكم الإعدام بينما كان يردِّد:"عاشت الأحواز حرّة عربية. عاش الشعب الأحوازي الأبيّ".

لم تتزوج زهرة رغم كُثرة خُطّابها فقد كانت تحلم ببدر ليل نهار لكنها بعد ثلاثة أعوام ستوافق على الزواج وتُنجب حفنة أطفال يملؤون البيت وقد أطلقت على بِكرها اسم بدر. وبينما هي تحتضتر على فراش الموت كانت تردّد هذه الأبيات الشعرية:"بدر معتوق يا كُلّي / بدر مو بس أنا وأهلي / بدر حتى النخل يسجد له ويصلّي".

تتميّز هذه الرواية بنهايتها الفنية الجميلة على الرغم من حدثها التراجيدي فبينما كان جسد زهرة يبرد رويدًا رويدًا أغلق بدر عيناه مستسلمًا للقدر وهو مسجىً داخل التابوت وخرج بثياب بيضاء يعلو في سماء الأحواز حيث تلتقيه زهرة، ويطوفان حول المدينة الغافية، ثم يرحلان صوب النأي الأعظم.

جدير ذكره أنّ محمد عامر صدرت له رواية "الاغتيال"، وقد وضع اللمسات الأخيرة على روايته الثالثة "سبعة أيام حُب" التي سترى النور قريبًا. وهناك روائيون عربستانيون قدّموا منجزًا ملموسًا مثل عدنان غريفي، وأحمد أغايي، ومسعود ميناوي، ومريم كعبي، وصادق حسن، وسعيد مقدّم أبو شروق، وعمّار تاسائي الأحوازي وغيرهم. ولابد من الإشارة إلى أنّ هناك قصاصين وروائيين إيرانيين كتبوا نتاجهم الأدبي بالفارسية لكنهم يعيشون في إقليم عربستان نذكر منهم أحمد محمود ونسيم خاسكار وناصر تقوايي وأحمد أغايي وبرويز مسجدي وحسين رحمت وبهرام حيدري إضافة إلى كُتّاب آخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا لكن قراءة منجزهم الأدبي سيسلّط الضوء، بالتأكيد، على المجتمع العربستاني وإن اختلفت لغة التعبير والكتابة.

 

عدنان حسين أحمد

 

يؤسس المكان وجماليته، اضافة إلى الأنطباع الخيالي لهندسة معماريته حافزاً أساسياً في كتابة الكثير من الأشعار، والقصص، والروايات؛ لأنه -المكان- لا يمر مروراً عابراً، بل هو قيمة عليا،هو البيت، الأمان، الأستقرار، وهذه المواصفات لا تنطبق على البشر فقط، بل أن المكان وانطباعاته يمثل الأمان الأول والأخير للإنسان، والحيوان ايضاً.

وركز "باشلار" على أهمية المكان، وعلى جوهرية البيت القديم، الذي يقصد به بيت الطفولة؛ لأنه الحاضن الأول لطفولتنا، نرسم عن طريقه خيالنا، الذي يمتد معنا العمر كله.

استغل الأدب هذه الجمالية، وأسس عن طريقها الكثير من الكتابات الأدبية، بنكهة خيالية عالية الدقة،" باشلار" ركز على نوعين من الخيال: الأول:الخيال الشكلي، والآخر: الخيال المادي.

أنطلق خيال (نزار قباني) وغيره من الشعراء، إلى توظيف المكان وخياله في رسم صورة العشق .

سأقولُ لكِ " أحِبُّكِ"

حينَ تنتهي كلُّ لُغَاتِ العشق القديمَه

فلا يبقى للعُشَّاقِ شيءٌ يقولونَهُ.. أو يفعلونَهْ..

عندئذ ستبدأ مُهِمَّتي

في تغيير حجارة هذا العالمْ

وفي تغيير هَنْدَسَتِهْ

شجرةً بعد شَجَرَة

وكوكباً بعد كوكبْ

وقصيدةً بعد قصيدَة

سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..

وتضيقُ المسافةُ بين عينيكِ

وبين دفاتري ويصبحُ الهواءُ الذي تتنفَّسينه يمرُّ برئتيَّ أنا

وتصبحُ اليدُ التي تضعينَها على مقعد السيّارة هي يدي أنا..

سأقولها، عندما أصبح قادراً،

على استحضار طفولتي، وخُيُولي، وعَسَاكري،

ومراكبي الورقيَّهْ..

واستعادةِ الزّمَن الأزرق معكِ على شواطئ بيروتْ..

إن التصور النقدي الذي يستقر في ذهننا، وجود علاقة ترابطية بين عد اللغة جسداً، والجسد لغة، فالتجربة الشعرية في الأساس تجربة لغة، وهي المادة الأساس للوجود الثقافي، لذلك فإن لكل أديب طريقة، وخيال فردي خاص بذاته وقلمه، في نسج لغة قصائده.

وهذا الخيال الذي صاغ جمالية الجسد عن طريق استغلال المكان، مثل الجسد مكان حيوي للنقش، أي أنه لوحة (فسيفساء) يمكننا عن طريقها-هذه اللوحة- كتابة وقراءة خطابات عدّة.

فالجسد كيان ثقافي، وهو نقطة جوهرية، لأستنطاق المخفي، فهو من الاجزاء الحاضرة في الكيان الثقافي ولغته؛ لأنه يفرض قوانينه الطوعية علينا.

النص يمثل الماضي بلغة الحاضر، إذ أسست (السين) حرف استقبال، ومفتتحاً لنسج لغة القصيدة، وطريقاً عابراً لنطق اصغر واعمق عبارة (أحبك).

ويعمد الشاعر إلى توظيف الفعل المضارع( تنتهي) الدال على استمرارية الفعل، فاللغات لا تتوقف، وخصها بالقديمة؛ لأنها مهد الحب وعفويته، ويعني أن اللغات مستمرة ودائمة عنده( حين تنتهي كل لغات العشق القديمة).

(فلا يبقى للعشاق شيء يقولونه.. أو يفعلونه)، يترأى المشهد أمامنا متشكلاً من مجموعة من العناصر الحسية( يقولونه...يفعلونه)، وخصها بالجمع، أي أن عشقه مميز، ومختلف عن الكل.

الأمر الذي يساعد على تنسيق المشاعر عن طريق الإثارات المتنوعة للصورةالشعرية،ومن ثم تنكشف كل الرموز المغلقة، في فضاء مليء بالوضوح،والمباشرة.

فالحب جاء بصورة بصرية مكانية (شجرة بعد شجرة،كوكباً بعد كوكب، قصيدة بعد قصيدة).

(تضيق المسافة بين عينيك... وبين دفاتري ويصبح الهواء الذي تتنفسينه يمر برئتي أنا) لغة النص مفتوحة على نافذة المباشرة، ليعبر عن طريقها الشاعر عمّا يغازل دواخله من صراعات نفسية واضطرابات شبقية وجسدية متوهجة، عن طريق عملية إبداعية نقلت تصورات الشاعر على اكثر من مستوى، وتعمق نحو الكتابة الإيروسية ذات اللغة الشهوانية، فشعرية مثل هذه القصائد هي شعرية سردية قائمة على أساس الملاحقة( وتصبح اليد التي تضعينها على مقعد السيارة هي يدي أنا، سأقولها، عندما أصبح قادراً على استحضار طفولتي، وجنوني، وعساكري).

(مراكبي الورقية .. واستعادة الزمن الأزرق معك على شواطىء بيروت)، عبارات بسيطة تحمل لغة الحياة اليومية بامتياز، لكن هذا لايعني أن النص هنا لايحمل مدلولات غائرة في ذاته، بل أن النص يذهب ليحلق من هذه التوظيفات البسيطة إلى لغة جسد عالية في دقتها، بدليل أن هذه التوظيفات تحمل دلالة الأمكنة، بمعنى أن الشاعر يراوده العشق حتى في هذه الأماكن، وعمد إلى ربطه بـ (شواطىء بيروت)؛ لأنه الهدوء والنقاء، الذي يجعل الإنسان منفرد بذاته فقط، هو والماء وعواطفه، وهو أنقى أنواع المشاعر والحب؛ لأنه يشير إلى النقاء العالي.

أضيف، أن استثمار الشاعر للدلالات المكانية في هذه القصيدة، يرتبط بخيال الشاعر العالي، الذي ربط عن طريقه عشقه لحبيبته، بلغات الماضي التي تمثل امتداد الحاضر، وعمد إلى التكرار الجنوني في كلمة (احبك)، ثم أنتقل إلى ربط عشقه بـ (شواطىء بيروت)، وهي رمزية من رمزيات الحب.

 

د. وسن مرشد

 

كريم مرزة الاسديالمقدمة: كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، وأمه كبشة السحيمية، كنيته أبو المضرَّب شاعر مخضرم عاش في نجد عصرين مختلفين،هما العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام، ولادته لم يحددها مؤرخو الأدب؛ ولكن وفاته دوّنها الزركلي في (أعلامه) سنة (26 هـ / 645 م)، وهو سليل عائلة موهوبة بالشعر والحكمة، فأبوه زهير بن أبي سلمى، وأخوه بجير وابنه عقبة وحفيده العوّام كلهم شعراء، درّب الزهير ولديه على نظم الشعر وإجادته تماماً، خالياً من كلً عيب وضعف حتى فاق كعبٌ الحطيئة في الشهرة؛ فالرجل من الطبقة الرفيعة، اشتهر في الجاهلية، وهجا النبى (ص)، وشبّب بالنساء المسلمات، فهدر الرسول دمه، ومن ثمّ جاء مستأمناً، فأمنه، وأسلم على يديه، فأنشد الشاعر لاميته الشهيرة (بانت سعاد) (1)، التي طارت شهرتها عبر الآفاق والأزمان حتى يومنا التعبان، خمسها الشعراء الكبار، وشطروها، وعارضوها، وترجمها المترجمون الأكفاء في غربة الديار، فتـُرجمت إلى الإيطالية، ونشرها مترجمة إلى الفرنسية المستشرق، (رينيه باسيه)، وعني بها، وشرحها شرحا جيدا، صدره بترجمة كعب، وهنالك ترجمات إلى الأنكليزية، واللاتينية، والألمانية .

وللامام أبي سعيد السكري " شرح ديوان كعب ابن زهير"، ولفؤاد البستاني " كعب ابن زهير "، وكلاهما مطبوعان (2)، وشرحها كثيرون من غيرالسكري، منهم ابن دريد (933 م)،والتبريزي (1109 م)، وابن هشام (1360 م)، والباجوري (1860م)، وطبعت مراراً في أوربا والشرق، منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي في ليدن، وفي القرن التاسع عشر في هال وليبسيك وبرلين وباريس، وفي مطلع القرن العشرين طبعته قسنطينة، ثم بيروت سنة (1931 م) (3).

كعب وأخوه بجيرابنا زهير، وموقفهما من النبي (ص):

يذكر ثعلب في (مجالسه) خرج كعب وبجير ابنا زهيرٍبن أبي سلمى " إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بلغا أبرق العزاف فقال لبجير: الق هذا الرجل وأنا مقيم لك ها هنا فانظر ما يقول. قال: فقدم بجير على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع منه فاسلم، وبلغ ذلك كعباً فقال:

ألا أبلغا عني بجيراً رسالة *** على أي شيء ويب غيرك دلكا

على خلقٍ لم تلق أماً ولا أبا **** عليه ولم تدرك عليه أخا لكا

قال: فبلغت أبياته رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهدر دمه، وقال: " من لقى منكم كعب بن زهيرٍ فليقتله " . فكتب إليه بجير أخوه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمك. ويقول له: انج وما أرى أن تنفلت. ثم كتب إليه بعد ذلك يأمره أن يسلم ويقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول له: إنه من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قبل منه رسول الله وأسقط ما كان قبل ذلك. فأسلم كعبٌ وقال القصيدة التي اعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها: " بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ "، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وكان مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه مكان المائدة من القوم، حلقةً ثم حلقة ثم حلقة، وهو في وسطهم، فيقبل على هؤلاء فيحدثهم، ثم على هؤلاء ثم هؤلاء، فأقبل كعبٌ حتى دخل المسجد، فتخطى حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، الأمان. قال: ومن أنت؟ قال: كعب بن زهير. قال: أنت الذي تقول، كيف قال يا أبا بكر؟ فأنشده حتى بلغ:

سقاك أبو بكر بكأسٍ روية *** وأنهلك المأمور منها وعلكا

فقال: ليس هكذا قلت يا رسول الله، إنما قلت:

سقاك أبو بكرٍ بكاسٍ روية *** وأنهلك المأمون منها وعلـكا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مأمونٌ والله "، وأنشده:

"بانت سعاد فقلبي اليوم متبول "، حتى أتى على آخرها . " (4)

ويذكر ابن كثير في (بدايته ونهايته) رواية أخرى، وعلى العموم الروايات عن سيرة الرسول (ص)، وأحاديثه، تـُمحّص كثيرا، ويُبحث عن سندها، وثقة رجالها، فهي أقرب لواقع حالها، وإن اختلف بعض مضامينها، إليك ملخص ابن الكثير، وقارن: في موسم حج سنة ثمان هـ، بقى أهل الطائف على شركهم من ذي القعدة حتى رمضان سنة تسع هـ،  ولمّا قدم رسول الله (ص) من منصرفه عن الطائف، كتب بجير بن زهير ابن أبي سلمى إلى أخيه لابويه كعب بن زهير يخبره أن الرسول لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الارض .

وكان كعب قد قال:

ألا بلغا عني بجيرا رسالة ***فويحك فيما قلت ويحك هل لكا

فبين لنا إن كنت لست بفاعل ٍ**** على أي شئٍ غير ذلك دلكا

على خلق لم ألف يوماًاً أباً له ***عليه وما تلقى عليه أبا لكا

فإن أنت لم تفعل فلست بآسف ٍ**** ولا قائل إما عثرت لعالكا

سقاك بها المأمون كأسا روية ** فأنهلك المأمون منها وعلكا

قال ابن إسحاق: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجير أكره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشده إياها، فقال رسول الله (ص) لما سمع (سقاك بها المأمون): " صدق وإنه لكذوب أنا المأمون، ولما سمع (على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه) - كذا - قال: " أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه".

قال ثم كتب بجير إلى كعب يقول له:

من مبلغ كعبا فهل لك في التي***** تلوم عليا باطلا وهي أحزم

إلى الله لا العزى ولا اللات وحده***فتنجو إذا كان النجاء وتسلم

لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت** من الناس إلا طاهر القلب مسلم

فدين زهير وهو لا شئ دينه * **** ودين أبي سلمى علي محرم

قال فلما بلغ كعب الكتاب ضاقت به الارض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه، وقالوا هو مقتول، فلما لم يجد من شئ بدا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله (ص)، وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة، فغدا به إلى الرسول (ص) في صلاة الصبح فصلى معه، ثم أشار له إلى الرسول، فقال هذا رسول الله، فقم إليه فاستأمنه، فقام، وجلس إليه، ووضع يده في يده، وكان الرسول لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن جئتك به ؟ فقال الرسول " نعم "، فقال إذا أنا يا رسول الله كعب بن زهير، وثب عليه رجل من الانصار فقال: يا رسول الله، دعني وعدو الله أضرب عنقه ؟ فقال: دعه عنك فإنه جاء تائبا نازعا " قال: فغضب كعب بن زهير على هذا الحي من الانصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير. (5)

وفي ( مجالس ثعلب ) عن موسى بن عقبة، أنه قال: أنشد كعب رسول الله (ص) في مسجده بالمدينة (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول)

فلما بلغ:

إن الرسول لسيفٌ يستضاء به*****مهنَّذ من سيوف الله مسلول

في صحبةٍ من قريشٍ قال قائلهم ***ببطن مكة لما أسلموا زولوا

زالوا فما زال أنكاسٌ ولا كشف ***** لدى اللقاء ولا ميلٌ معازيل

 

أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحلق أن يسمعوا شعر كعب بن زهير (6)، وورد في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه بردته حين أنشده القصيدة، وقد نظم ذلك الصرصرى في بعض مدائحه، وهكذا ذكر ذلك الحافظ أبو الحسن بن الاثير في الغابة، قال: وهى البردة التى عند الخلفاء . (7)، وأن البردة النبوية بيعت في أيام المنصور الخليفة العباسي بأربعين ألف درهم، وبقيت في خزائن بني العباس إلى أن وصل المغول . (8)،

أمّا القصيدة البردة، فهي لامية من البحر (البسيط)،لا تتجاوز ( 58 ) بيتاً، تقسم إلى ثلاثة أقسام: ما بين أبياتها (1 - 12)، يطلّ بإطلالتها الغزلية المألوفة في عصره، ويواصل مسيرته، من خلال أبياته العشرين التالية (13 - 33)، لوصف ناقته، محبوبته الثانية، ورفيقة صحرائه، وليله، وما تبقى منها ( 34 - 58)، يخصصها للاعتذار من النبي (ص)، ومدحه، ومدع المهاجرين، وإليك منها، ومنهلها:

بـانَتْ سُـعادُ فَـقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ *****مُـتَـيَّمٌ إثْـرَها لـم يُـفَدْ مَـكْبولُ

وَمَـا سُـعَادُ غَـداةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا **إِلاّ أَغَـنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ

هَـيْـفاءُ مُـقْبِلَةً عَـجْزاءُ مُـدْبِرَةً *** لا يُـشْتَكى قِـصَـــرٌ مِـنها ولا طُولُ

تَجْلُو عَوارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسَمَتْ ****كـأنَّـهُ مُـنْـهَلٌ بـالرَّاحِ مَـعْلُولُ

أكْـرِمْ بِـها خُـلَّةً لـوْ أنَّهاصَدَقَتْ ***مَـوْعودَها أَو ْلَوَ أَنَِّ النُّصْحَ مَقْبولُ

ولا تَـمَسَّكُ بـالعَهْدِ الـذي زَعَمْتْ ***** إلاَّ كَـما يُـمْسِكُ الـمـاءَ الـغَرابِيلُ

كـانَتْ مَـواعيدُ عُـرْقوبٍ لَها مَثَلا ****** ومـــا مَـواعِـيدُها إلاَّ الأبــاطيلُ

تَـمُرُّ مِـثْلَ عَسيبِ النَّخْلِ ذا خُصَلٍ ****** فـي غـارِزٍ لَـمْ تُـخَوِّنْهُ الأحاليلُ

تَـسْعَى الـوُشاةُ جَـنابَيْها وقَـوْلُهُمُ *****  إنَّـك يـا ابْـنَ أبـي سُلْمَى لَمَقْتولُ

فَـقُـلْتُ خَـلُّوا سَـبيلِي لاَ أبـالَكُمُ ****** فَـكُلُّ مـا قَـــــــدَّرَ الـرَّحْمنُ مَفْعولُ

كُـلُّ ابْـنِ أُنْثَى وإنْ طالَتْ سَلامَتُهُ ****** يَـوْماً عـلى آلَـةٍ حَـدْباءَ مَحْمولُ

أُنْـبِـئْتُ أنَّ رَسُـولَ اللهِ أَوْعَـدَني* ****** والـعَفْوُ عَـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَأْمُولُ

لا تَـأْخُذَنِّي بِـأَقْوالِ الـوُشاة ولَـمْ ***** أُذْنِـبْ وقَـدْ كَـثُرَتْ فِــــــيَّ الأقاويلُ

حَـتَّى وَضَـعْتُ يَـميني لا أُنازِعُهُ ******* فـي كَـفِّ ذِي نَـغَماتٍ قِيلُهُ القِيلُ

إنَّ الـرَّسُولَ لَـسَيْفٌ يُـسْتَضاءُ بِهِ ******* مُـهَنَّدٌ مِـنْ سُـيوفِ اللهِ مَـسْلُولُ (9)

ومما يستجاد لكعب:

و كنت أعجب من شيء لأعجبني***سعي الفتى وهو مخبوء له القدر

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ****** فالنفس واحدة والهم منتشر

والمرء ما عاش ممدود له أمل ****لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر(10)

 

كريم مرزة الأسدي

..........................

(1) (الأعلام ): الزركلي - الأنترنيت - موافق للمطبوع - الموسوعة الشاملة .

(2) م . ن .

(3) (تاريخ الأدب العربي ): حنا فاخوري - المطبعة البولسية - بيروت .

(4) (مجالس ثعلب): أبو العباس ثعلب النحوي الكوفي - - الوراق - الموسوعة الشاملة .

(5) (البداية والنهاية ): الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي - تح علي شيري - الطبعة الاولى 1408 هـ 1988 م - دار احياء التراث العربي .

(6) (مجالس ثعلب) م. س .

(7) ( البداية والنهاية ): ابن كثير - موقع اليعسوب - الموسوعة الشاملة.

(8)(خزانة الأدب ) : عبد القادر البغدادي - - تح عبد السلام محمد هارون - مكتبة الخانجي بالقاهرة .

(9) (ثلاثية البردة بردة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم): حسن حسين - ط1 1400 هـ - دار الكتب القطرية - الدوحة .

(10) (خزانة الأدب ): - م . س .

 

جوتيار تمرللاديب والشاعر الكوردي عصمت شاهين الدوسكي

النص: طيفك والليل

عصمت شاهين دوسكي

أتوسل بالليل

أن يجلي طيف محياك رقا 

ويبيح لإحساسي

أن يكون بين يديك رفقا

مالي ابحث بين أنفاسك مناديا 

وأرجو من آهاتك رحمة وشوقا

على سريرك المعنى ترسم أحلامي

وأنا بعيد بين الجبال والشعاب

حائرا ابحث عن طرقا

**

آه من وجع الغربة

إن تفجرت حرمانا وعذابا وحرقا

آه من ربيع بلا ورود

وجنة بلا خل ودود

وبحر لا اغرق فيه غرقا

آه من طيفك لا يتركني

عن ذكريات يُحدثني

كنتِ فيه شمسا وأنا كنتُ غسقا

تيممي جمالا وفي محراب الليل

كوني امرأة تمسي لليل عشقا

**

أنا يا سيدتي لا أتكرر ثانية

فابحثي عني بين الروابي صدقا

كل حروفي وكلماتي العارية معلقة

يتباهى بها العشاق لهفة ورمقا

لا تحملي طيفك عبئا بلا رتوش

طيفك ينساب كالماء ريا ودفقا

أينما كنتِ بين جدران مغلقة

تفتح الأبواب أمامي رمشا وحدقا

أنا الحب والتاريخ والعشق والبحر

ومن مثلي يعشق عمقا ورقا ..؟

***

حين يتخذ العنوان" طيفك والليل" مساراً ايحائياً قصدياً يجبر المتلقي على البحث في الماورائيات، وهنا لااقصد بها الماورائيات الميتافيزيقية، انما الماورائيات الصورية والمشهدية التي يمكن من خلالها نسج خيوط الصورة لاسيما حين تكون الخيوط في الاصل وجدانية قابلة للتعددية التأويلية والتخيلية، وهذا ما يدفعنا الى تقطيع العنوان الى ثلاث مشاهد تكاملية تعمل على استكمال الرؤية او النسج الصوري بدقة " طيف" حيث لامجال الا للتخييل حول ماهية الطيف ومحاولة التنصص من السؤال البديهي حول الاطياف انفسها خارج الادبيات، ولكن الجواب هنا لايتوقف على المسلمات التي يمكن ان يبحث عنها المتلقي في الكتب لانه موجود في " ك " التي الحقت بالطيف لتصبح الرؤية واضحة، بعمقها الوجداني التخيلي، فالشاعر هنا يناجي ملامح محفورة في وجدانه، لذا تعيش الذات مرحلة التجميع وليس البحث، لاسيما ان الشاعر الزمنا بجغرافية زمنية محددة " الليل " حيث تم عطف " طيفك" عليها ، فجعلنا نركب الصور الاجمالية للعنوان ونعيش التخييل وفق معطيات الشاعر الوجداني الذي يناجي طيف الحبيبة في الليل حيث السكون يجمع بين ملامح الصورة المنشودة والوقت الذي يناجي به الشاعر حبيبته وطيفها.

أتوسل بالليل

أن يجلي طيف محياك رقا 

ويبيح لإحساسي

أن يكون بين يديك رفقا

مالي ابحث بين أنفاسك مناديا 

وأرجو من آهاتك رحمة وشوقا

على سريرك المعنى ترسم أحلامي

وأنا بعيد بين الجبال والشعاب

حائرا ابحث عن طرقا

للمناجاة هنا مدخل بلاغي واضح " أتوسل " ، والجمع بين التوسل والليل امر مرهف، وحساس ، لاسيما حين يكون الشاعر على يقين بالحالة التي يعيشها، واليقين هذا لايأتي من الرؤية المباشرة للاخر، انما الفراغ المتروك في روح الشاعر جراء البعد ، اي بعد يكون، لذا لايجد الشاعر هنا غير المناجاة والتوسل ومن ثم البحث والمناداة ومحاولة استرجاع بعض الصور واللحظات الصوفية التي قضاها الشاعر مع حبيبته فيتوغل بلغة مفعمة بالحيوية وجادة في الوصف الصوفي بين الانفاس والاهات، والسرير ، حتى يشعر بحجم الهوة التي تفصله عنها، وحجم المسافات التي تبعده عنها، فلايجد نفسه الا وهو يعبر عن حالته المستعصية من خلال الرسم البلاغي والبياني لموقعه الجغرافي من جهة، ولحالته النفسية من جهة اخرى " الجبال / حائراً ".

آه من وجع الغربة

إن تفجرت حرمانا وعذابا وحرقا

آه من ربيع بلا ورود

وجنة بلا خل ودود

وبحر لا اغرق فيه غرقا

آه من طيفك لا يتركني

عن ذكريات يُحدثني

كنتِ فيه شمسا وأنا كنتُ غسقا

تيممي جمالا وفي محراب الليل

كوني امرأة تمسي لليل عشقا

ذلك الرسم البياني والجغرافي يتفجر لوعة في الذات، وتهيج الروح لتعيش غربتها على الوجهين البراني والجواني ، غربة المكانية ، وغربة الروح ، فتحيل الذات من مرحلة البحث والتقصي، الى مرحلة الشكوى، فها هي تبث شكواها "آه من ربيع ... وجنة بلا.. وبحر..." والجمع بين الربيع والورد وبين الجنة والخل، والبحر  امر ليس بالهين، لاننا امام تضاد حاد بين الدالة والمدلول، ذلك التضاد يخلق تماهياً واضحاً في نفسية الشاعر من جهة، وفي امكانية التخييل من جهة المتلقي، وهذا ما يعطي فرصة واضحة لتعددية التأويل والتخييل، وذلك امر اعتبره قسرياً احياناً لان الشاعر يجبر المتلقي على تلقي منطقه المخصوص دون السماح له بالابتعاد عن مساره وطريقه الذي يرسمه، ولكنه في الوقت نفسه في هذا النص يجعلنا نتعايش ونتعامل مع الحالة على انها استكمالية لجلب ورسم ملامح الطيف نحن كمتلقين، فذكرياته هي الان البوابة التي نستعين نحن بها لخلق تلك الصورة، التي سبق وان نطق بتفاصيلها الطيف والليل، فنراها متقدة ضمن دائرة ذكرياته، ومتوهجة كالشمس ومتيمة بالجمال الليلي.

أنا يا سيدتي لا أتكرر ثانية

فابحثي عني بين الروابي صدقا

كل حروفي وكلماتي العارية معلقة

يتباهى بها العشاق لهفة ورمقا

لا تحملي طيفك عبئا بلا رتوش

طيفك ينساب كالماء ريا ودفقا

أينما كنتِ بين جدران مغلقة

تفتح الأبواب أمامي رمشا وحدقا

أنا الحب والتاريخ والعشق والبحر

ومن مثلي يعشق عمقا ورقا ..؟

تحول الشاعر من وصف حالته وتوغل الطيف في ليله ، ومناجاته لها، بأن يعيد رسم الطريق الى عالمه المرهف والحساس والمنتظر لكي تنبلج صورتها من جديد، الى حدود اللأنا ، محاولاً بذلك ان يكمل نسج صورته، بجمالها هي، وبروحه العاشقة الصوفية الساعية لخلق عوالمها الثنائية معها هي، فأتت دون تلميح وتواري تعلن انها لاتتكرر، وهذا بلاشك دليل مصداقية الشاعر مع ذاته اولاً ومع الاخر ثانياً، ومن ثم يتوجه الشاعر الى التشبيهات والوصفيات التي تحدد ملامح روحه وذاته بحيث نجده يغالي في وصف وجوده وحروفه، التي من خلالها يحاول ان يعطي انطباعاً للاخر وللمتلقي بانها لاتأتي من فراغ ومن اللاجدوى العابثة، انما هي امتداد فطري لروحه التي تستمد قواها من الحب والتاريخ والعشق والبحر معاً، وعلى الرغم من امكانية وجود حالة من التضاد ايضا في الجمع بين هذه المسميات، الا انها تشكل في النهائية الوجه التكاملي للصورة التي اراد الشاعر ان ينسجها ويجعلنا نعيش اللحظات التي سعى فيها لجمع خيوطها، وكأنه من خلال سعيه اراد ان يبرهن لنا مهاراته التجميعية ومهاراته العشقية ومهاراته الصوفية للاخر وللذات ايضا، ومن ثم اراد منا ان نؤمن بأن عشقه لايتوقف عند حدود الظاهريات، انما عشقه اعمق من نلامسه بالظاهر، وهذا ما يعيدنا مرة  اخرى الى العنوان، حيث فرض الشاعر علينا منذ البدء البحث في الماورائيات الصورية والبلاغية كي نستطيع مواكبة رؤاها للنهاية.

 

جوتيار تمر

 

عدنان حسين احمدتأخذنا رواية "نوتة الظلام" لفجر يعقوب الصادرة عن دار "الدراويش" في بلغاريا إلى المنطقة الرمادية التي يتماهى فيها الخيال المُجنّح بالواقع الأسيان، وهي تحتاج مثل غالبية رواياته الأخرى إلى علامات دالة تُرشد المُتلقّي في متاهة النص وتذكّره إن كان يمشي على الأرض أو يُحلّق في تجليات الأحلام. ومَنْ ينتهي من قراءة الفصل الأول من هذه الرواية سيتأكد بأنّ البطل كان مُستغرقًا في حلمه الأول وأنّ ما يجري في متن النص ما هو إلاّ تداعيات حُلُمية مع الأخذ بعين الاعتبار أن معظم الأحلام، إن لم نقل كلها، تنبثق من نتوءات واقعية قبل أن تتسامى إلى ملكوت الخيال الذي ينطوي على كثير من السحر والدهشة والغموض.

لا تنأى البنية المعمارية لهذه الرواية بنفسها عن تقنية السيناريو كثيرًا إن لم تكن في الأصل قصة سينمائية كُتبت كي تُصوّر لتتحول في نهاية المطاف إلى فيلم يحمل عنوان الرواية نفسه، الأمر الذي يتيح لنا أن نقرأ الرواية قراءة واقعية وإن كُتبت بمنظور حُلُمي مُرهف بواسطة عين الكاميرا أو العين الثالثة التي شُفيت بالتدريج من عاهة الارتخاء ولم يعد جفنها العلوي متهدلاً يُسبِّب بعض الإحراج لصاحبها الموهوب الذي لا يشبع من مطاردة الأحلام في مخيلته السينمائية الشاسعة.

ولكي لا نُشتِّت ذهن القارئ بالتفاصيل الكثيرة التي تؤثث متن الرواية سنحاول أن نجسِّم صورة العمود الفقري لهذا النص الإشكالي الذي لا يخلو من الدلالات الرمزية التي تُرصِّع نسقة السردي الذي يتكشّف عبر شخصية مهيار الذي يستهل الرواية وينتهي بها. وما نعنيه بالعمود الفقري هو ثيمة النص الرئيسة التي تتردد على مدار الرواية برمتها، وتؤسس حبكتها، وتكشف عن ترابط أحداثها، ونموّ شخصياتها الرئيسة على وجه التحديد. تتلخص ثيمة النص "بأنّ الراوي مهيار يتلقى رسالة من السيدة أغاثا كريستي تدعوه فيها للحضور وسرد قصته أمام لجنة مختصة في مائتي دقيقة فقط". ولو تأملنا هذه الثيمة لوجدناها تحتاج إلى بعض الرتوش، فالسارد لديه مشكلة في الإلقاء ولن يتغلّب عليها ما لم يلمّ بالقاعدة الذهبية التي تمنحه القدرة على سلاسة السرد التي لن تتم إلاّ بمساعدة السيدة الإرستقراطية أغاثا كريستي ولجنتها المؤلفة من 12 شخصًا مختصًا. وكلما تقدّمنا في قراءة الرواية سنكتشف أنّ على مهيار أن يخوض خمسة امتحانات قبل أن يسرد قصته في مقاطع شفهية مُتقنة تؤهله لتأدية الدور الذي رآه شاقًا وعسيرًا على وفق الإمكانيات التي يتوفر عليها، إضافة إلى العوق المُشار إليه سلفًا. يتمثل الامتحان الأول بعرض تسع لقطات من تسعة أفلام متنوعة لا تتجاوز مدة العرض ثانية واحدة لكل لقطة، وعليه أن يعرف اسم الفيلم واسم مُخرجه. وبرمشة عين أعاد مهيار ترتيب الأفلام في ذاكرته اليقظة وعرف الجواب بسرعة أثارت إعجاب السائلين ودهشة السيدة التي أثنت على مهيار وبدايته المُبهرة في تجاوز العتبة الأولى من الامتحان. قبل أن يتهيأ لخوض الامتحان الثاني أخبرته السيدة الإرستقراطية بأنها ليست فقط رئيسة اللجنة الموقرة للامتحانات، وإنما هي مديرة مصفاة تكرير النفوس الحائرة، وتقع على عاتقها مسؤولية معالجة النفوس الحيرى كي تتمكن من سرد حكايتها بطريقة مثالية، وهذه حيلة فنية كي تتشظى الرواية إلى أنساق سردية أخرى تتبنى إحداها السيدة أغاثا نفسها لتذكِّرنا بروايتها المعروفة "جريمة في قطار الشرق السريع" وتتعالق مع أحداثها المهمة لعل أبرزها الجريمة التي وقعت في القطار، والشخصيات الإثني عشر الذين وضعوا خطة للتخلّص من "راتشيب" في القطار الذي ينطلق من مدينة حلب ويُفترض أن يتعطّل في يوغوسلافيا. ثم تتشظى أحداث الرواية إلى والده بكر الذي تعلّق بامرأة جميلة أسماها "الشافية" من دون أن يعرف اسمها الحقيقي، كما يتوسع في الحديث عن قبر جده "الطاهر" الذي تحوّل إلى مزار.

يتمحور الامتحان الثاني على الصور الفوتوغرافية التي التقطها مهيار بكاميرة مستعارة بعد أن تعطّلت كاميرته الشخصية فأثارت موجة من الإعجاب لدى أعضاء اللجنة بعد أن اشتغل بطريقة فنية على تكويناتها، وأسرارها بالأسود والأبيض، فمنهم مَنْ قال عن مُصوِّرها أنه يمتلك "عين حسّاسة" وآخر قال:"إنّ شعوره مُرهف بالضوء"، وذهب ثالث إلى "أنه رسّام فوتوغرافي من طراز نادر". فشعر لأول مرة بأنّ عاهة عينه اليسرى قد تلاشت تقريبًا.

أما في الامتحان الثالث فقد طلبت منه السيدة أن يستعيد لقطة عماد حمدي وهو يصفع حليم بالملهى في فيلم "أبي فوق الشجرة" فنجح في الامتحان نجاحًا مبهرًا دفع صاحب المونوكول لأن يُعرب عن إعجابه ويقول: "إنّ في داخله ممثل ينتظر إشارة حارقة من مُخرج كبير". ليس بالضرورة أن يكمل الروائي الامتحانين المتبقيين فلقد عرفنا من السياق المتصاعد أنه سينجح فيهما، وأنّ نبرة الإعجاب سوف تتصاعد، فلاغرابة أن يضع الكاتب حدًا لهذه الاختبارات بحيث تعتبره رئيسة اللجنة مفخرة للجميع، وتُهديه مذياعًا للاستمتاع برحلة العودة إلى الديار. وأكثر من ذلك فإن المُخرج روي أندرسون أبدى إعجابه بالطريقة التي روى فيها مهيار قصته المدهشة حقًا التي رواها بأسهل الطرق وأيسرها وعليه أن يعود لكي يحضر حفل زواج شقيقته آليس.

في محطة القطار اصطدم مهيار بفتاة عشرينية جميلة تُدعى سيدرا من أبوين غير سويديين تعمل موديلاً إضافة إلى كونها طالبة فنون جميلة، وقبل أن يُعرّف نفسه قالت إنها تعرف عنه كل شيء اسمه، وتركهُ المبكِّر للدراسة، وممارسته للتصوير والكتابة، وأنه لاجئ في السويد، ومدعّو من قبل السيدة كريستي لسرد قصته في غضون 200 دقيقة. هل قرأت سيدرا أفكاره، أم أنها كانت تطارده خصوصًا بعد أن عرفنا أنه لا يؤمن بالمناهج التي فرضتها حكومة "النمصي"؟ أما هي فلم تكتفِ بتقديم نفسها وإنما عرّفته بالقط فردريك الذي سيكون له وللقطط الأخرى دور في هذه الرواية. وبين تضاعيف النص نعرف أن والد مهيار قد اختفى أو تخلى عن أمه "صبحية" وأنه قضى عشر سنوات جحيمية بسبب امرأة لم يلمح وجهها، لكنه عاد واغتصبها في ليلة معتمة لتنجب ابنتها آليس ثم يختفي مرة أخرى إلى الأبد، وقيل إنه مات بين أغصان شجرة الكينا. أما الابن مهيار فسوف يموت هو الآخر عندما يرتقي الشجرة ويفارق الحياة قبل طلوع الفجر.

تفتح السيدة كريستي جهاز اللابتوب وتكتب عن النوم الملتبس الذي يختلف عن حالتي النوم واليقظة وما يتخلله من أحلام متفاوتة في المدة الزمنية "فالدجاجة تحلم 25 دقيقة في الليلة، والقردة 60 دقيقة، والإنسان 100 دقيقة، والقط بطل الحالمين بلامنازع فهو يحلم 200 دقيقة في الليلة".  ثمة أحداث أخرى تتعلق بانحدار الأب  بكر الطاهر الجيلالي من المغرب وذهابه إلى الحج ووفاته ثم دفنه على قمة في عين الحايك ثم تحوله إلى مزار قبل أن يفقد رتبة الولي العارف بعد عشر سنوات. وهناك قصص وأحداث أخرى لا يتسع المجال للتوقف عندها جميعًا، وحسبنا أن الثيمة الرئيسة ستقدم للقارئ ما يكفي من الأحداث التي تُدخلة في فضاء النص، وتعرّفه بالشخصيات الرئيسة التي نسجت "نوتة الظلام"، وأسفرت عن عمل روائي لا تنقصه الخبرة، ولا تعوزه الحرفية والإتقان.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

مصطفى النبيهكأنك خارج السياق تسبح في فضاء بصري وبين يديك كنز من المعرفة لا تبصره، فأمامك، سيمفونية من الجمال المتجدد تنهل منه الروائع، إنها السينما التي تحمل عوالم من الأسرار والتجارب الإنسانية، التي تعتمد في صنعتها على الإبداع  الجماعي لتنهض في المجتمعات وتعزز المفهوم الثقافي المعرفي، وتساهم في تهذيب وتطوير الإنسان. لقد أدرك الكتاب العباقرة الروائيون على مدار التاريخ سرها العظيم وتأثيره على المجتمعات، فاستعانوا بمفرداتها للبوح بتجاربهم الإنسانية من خلال لغة جميلة مكتوبة.

في هذه الدراسة  سنجتهد في تسليط الضوء على  تقنيات السينما في رواية (ما تبقى لكم) للأديب الشهيد الفنان غسان كنفاني الذي رسم من خلالها لوحات بصرية بأبعادها الفنية، ومزج بين الأمكنة والأزمنة، والانفعالات الإنسانية المنهمرة، وانتقل بخفة من انفعال لانفعال بأسلوب تقني مشوق.

تعد رواية  (ما تبقى لكم) التجربة الثانية بعد روايته (رجال في الشمس) حيث اعتمد الروائي في صنعها على التقنيات الحديثة، مستخدماً أدوات ونهج السينما  في عملية البناء  والتوليف والمونتاج.

تتناول الرواية حكاية أسرة هُجرت من مدينة يافا، وتشتتت ما بين غزة والعواصم العربية، وتعرضت لكل أنواع القهر والاضطهاد حتى تمردت على ذاتها وقررت المواجهة وأعلنت ثورة الكفاح المسلح. رواية (ما تبقى لكم) تجاوزت حدود المقروء، لتلفت نظر القارئ المشاهد بأن الصورة تعبر عن ألف كلمة، فبأسلوب بصري تتقاطع الأمكنة والأزمنة ويتوحد الجماد مع الإنسان لينهضوا بالحدث والرسالة الموجهة من خلال شخصيات يتدفق منها مشاعر صادقة توحي لك أنها تعيش الواقع، وربما تعرفها أو التقيت بها ذات يوم، تحاول الشخصيات الهروب من السجن إلى الحرية، ومن العار إلى البطولة والشرف، تواكب تطور الأحداث، تغضب، تبتعد، تتوافق، وتلتقي تعيش الفصول الأربع بجمالها وألمها، تحمل الوجع وتتميز بالمشاعر الجياشة والإيقاع السريع.

شخصيات الرواية:

(حامد): يعمل مدرساً حمل على عاتقه مأساة التهجير وعار الخيانة، اختاره الكاتب ليكون رمزاً للتغير والطريق إلى المستقبل.

(مريم شقيقة حامد): فتاة تبلغ من العمر الخامسة والثلاثين، جميلة، متعلمة، مثقفة من أسرة مناضلة، عطشى للحياة سقطت في بحر الرغبة فتعرضت للعديد من الكوارث، حرمت من كل شيء جميل في حياتها حرمت من مدينتها يافا بعد أن هجروا إلى غزة،  كما حرمت من والدها وخطيبها بعد استشهادهما.  عاشت الخوف بعد أن نزحت أمها إلى الأردن، مضت أعوامها تطوي بعضها بعضا، فكل شيء يرحل من أمامها، ولم يبق سوى (ساعة حائط .. تشبه نعشاً صغيراً، أليس كذلك)، إحساس مرعب يشعرها بأن زمانها يفر هارباً وكل ما تبقى من حياتها يسرق. هذه المعطيات، صنعت منها فريسة سهلة لأول متطفل، فنراها ترتمي في أحضان زكريا المتزوج، الأب لخمس أطفال وتحمل سفاحاً. (أيتها المسكينة الصغيرة مريم ! أي بؤس أمضيت حياتك فيه، جعلك تقبلين بهذه النهاية! أنت وردة المنشية بأكملها، الطموحة، المتعلمة، ذات الأصل والفصل، أي حياة تعيسة جعلتك تقبلين زكريا بأعوامه كلها، وزوجته وأولاده زوجاً؟ يا حبيبتي الصغيرة يا حبيبتي ..).

مريم .. شخصية موازية لشخصية أخيها حامد، عاشت حياة القمع والاضطهاد وشعرت بالدونية، مأساتها الزمان الهارب وإيقاعاته الرتيبة، يسيطر عليها موت ـ "نعش" الساعة - تدفن فيها أحلامها، لقد ضاع كل ما تبقى لها، الكل يصعد إلى هاوية السقوط ما بين موت وموت، حتى خالتها التي كانت تؤنس وحدتها ماتت وتركتها وحيدة مع أخيها الصغير حامد. عاشت الوحدة ترتعب من عقارب الساعة (لقد ماتت هناك بعد أن دقت الساعة دقة واحدة، في الليل، أحست بذلك تماماً)، لذلك باتت الساعة تذكرها بحقيقة أنها فقدت الأمل في هذه الحياة، فها هي تستسلم لأول متطفل يعبر حياتها. كيف بدأت القصة؟ (مرة قابلناك فيها مصادفة  بالطريق. ما اسمه؟ زكريا، من أين تعرفه؟، زميلي في مدرسة المعسكر، صديقك؟ كلا إنه نتن.  وكان هذا كل شيء: أنه النتن، لم يغير هذا الاصطلاح إطلاقاً، وحتى حين عرف قال إنه "النتن" ومضى) ثم لا يعرف حامد أنك استوقفتني بعد ثلاثة أيام في الطريق، وقلت لي: سلمي على حامد، وأنا لم أوصل سلامك، لأنني عرفت أنك استوقفتني لسبب آخر، ولم أعرف قط لماذا مررت ذلك المساء من أمام المقهى  الذي تجلس فيه؟، كأنما بالمصادفة، ولماذا أبطأت حتى يسرت لك أن تراني وتلحق بي، ولم أعرف أن هذه اللحظة الصغيرة ستصل بي بعد أربعة أشهر إلى سريرك أمام ذلك النعش الذي ظل يدق، يدق.

هذه هي حكاية مريم الفتاة العانس الذي دفعها عطشها الأنثوي إلى بحر الرذيلة، فهاجس الزمان يطاردها فيهون عليها جسدها كما يهون عليها أخوها الحالم بلم شمل الأسرة، وعندما تستيقظ من عطش الرغبة  تدرك ما يدور حولها، وبأنها سقطت بالوحل، وأصبحت في نظر زكريا عاهرة، لذا  تنتفض وتنقض عليه ثائرة لتقتله، وتتخلص من ضعفها، وتقضي على رأس الخيانة.

(زكريا): كان ضئيلاً بشعا كالقرد، هو النقيض لشخصية المقاوم، شخصية سلبية، سطحية، متطفلة، هو رمز الفساد، المدرس السلبي المتهرب من واجبه وعمله بحجج واهية، هو اللص الذي يستغل ضعف الناس ليقتحم حياتهم  ويدنس  شرفهم، إنه النتن (مجرد لطخة وجدت مصادفة في مكان غير مناسب). إننا  لا نشاهد هذه  الشخصية القبيحة إلا عن طريق تداعيات حامد ومريم، أنه عدو من نوع آخر، ضعيف، جبان، جائع، لا يفكر إلا بنزواته، يطالب من مريم أن تجهض جنين الخطيئة                                         (هل حسبت أنني تزوجتك لتنجبي ولداً أيتها العاهرة؟)،  بل اختارها لتكون معبراً بين بيته القديم ومدرسته، ليفرغ بها ضعفه وقتما يشاء، ففكرة الانتماء للأسرة لا تعنيه كثيرا فهي خارج عالمه، ويعتبرها  فكرة سخيفة، وهذا يتضح من خلال قوله: (أنت مجنونة صدقيني ! تفتكين شبابك من أجله، وغداً ستلعنينه وتلعنين أباه والساعة التي لم تستمعي فيها إلى النصيحة، ستتحولين إلى امرأة مترهلة في بطن منقوش كأنه مصاب بجدري، أنا أعرف وقد رأيت ذلك بعيني، وطوال عام كامل لن تكوني امرأة، مجرد زجاجة حليب).

(سالم): شخصية ملائكية نموذج للنبل، الفدائي الذي خلق من أجل التضحية، تشعر وأنت تقرأ الرواية أنك أمام شخصية ثائرة قوية تشع حباً، تنتصر للحق في زمن الصمت (أوقفني ذات يوم بعد أن مضي أسبوع واحد على دخولهم إلى غزة، وسألني وهو يشبك ذراعيه في ذراعي، ألم تشتهي أن تطلق رصاصة في معركة فاتتك دون أن تطلق أي رصاصة؟ .. حامد .. لقد قتلوا أباك كما أعلم).

(الساعة المسروقة): تشبه النعش .. الموت المتحرك القادم الزمان الضائع المسروق من حياتنا بفعل فاعل

(الصحراء): هي المخلوق الميت الساكن الذي يلبس ثوب الحياة، ينهض يتحرك ويمارس طقوس تأخذ واقعاً مختلفاً عن طبيعته.

الفكرة العامة للرواية:

تتلخص فكرة الرواية في الهم الوجودي، علينا أن ندق الخزان، ونتمرد على ضعفنا، ونتطهر من البكاء على الأطلال، ونواجه الواقع الفلسطيني المزري بذله وعاره، فزمن المعجزات ولى، النصر الحقيقي يكمن بصمود الفلسطيني فوق أرضه، وعليه أن يقاوم التهجير ويقيم تجربته الحياتية ويستفيد من أخطائه، مثلما فعلت مريم حين قتلت من استحلها ونفخ في بطنها سمومه وجعلها عاهرته، وأسقط احترامها لنفسها، وكما فعل أخاها حامد  الشاب الوديع الباحث عن قوة خارجية لتغيثه، فيتمرد على خوفه، ويتحرر من وهم المنقذ الأسطوري والمتمثل بشخصية الأم، ويعلن الكفاح المسلح ويواجه عدوه لأول مرة وجه لوجه ويقرر الصمود فوق أرضه.

تحليل عناصر الرواية وعلاقتها بالسينما:

يكتب غسان بطريقة سينمائية يعتمد في بناء روايته على إشباع الفكرة، ودقة التحليل النفسي، ووضوح الحوار، ويرسم مشاهد بصرية لها بداية ووسط ونهاية، متناسقة بشكل انسيابي تعتمد على كثافة درامية مركزة، وحبكة ديناميكية متطورة، وأسلوب تعبيري منسجم مع واقع الحكاية حيث يعبر عن الأفكار في مقاسات محددة جداً، وبشكل مكثف، فالسينما اختزال للزمن وتكثيف للأحداث، وهي أكثر الأدوات الثقافية بلاغة في هذا الاتجاه. في رواية (ما تبقى لكم) يستخدم غسان تقنيات السينما في بناء روايته معتمداً على:

المونتاج المتوازي: والمقصود بالمونتاج المتوازي أن يكون هناك حدثين مختلفين في المكان يربطهم شعرة غير مرئية تساهم في البناء العام للسيناريو، وتضيف عمق ودلالة خاصة للعمل يقول "ريتشارد فينمان"  الحائز على جائزة نوبل (أن القوانين الطبيعية بسيطة من الصعب رؤيتها، ولكي نراها يجب أن نعلو فوق حدودنا الطبيعية والمعرفية لخلق واقع جديد يساهم في البناء)، فالبناء العنصر الأكثر أهمية في السيناريو، القوة التي تغذي الشكل والمضمون، الهيكل الخارجي وحجر الأساس في صناعة العمل الفني بدونه ليس هناك رواية وبدون رواية ليس هناك سيناريو.

فما هو السيناريو: السيناريو هو الرسم المعماري، النابض بالجماليات والمشاعر الإنسانية، يستخدم كمرحلة وسيطة لا بد أن يمر الفيلم من خلالها في طريقه حتى يصل إلى شكله النهائي. يعتمد السيناريو على الأخبار، والقصص، والخيال، والمسرحيات، والمقالات، والتاريخ، والسير، والأساطير، والأحداث العامة الاجتماعية، السياسية والاقتصادية، والتجارب الفردية، وكل مكونات الحياة، فالفكرة هي بذرة العمل التي تبشر بميلاد الثمرة.

ينقسم السيناريو من حيث الفكرة إلى نوعين: أفكار إنسانية عظيمة تحمل قيم تخدم البشرية. وأفكار تجارية هدفها شباك التذاكر. ولتتضح الرؤية أكثر نأخذ نموذجاً مشهد حامد بالصحراء:

أولا، وصف الصورة: يبدأ المشهد بحرف الميم والمقصود بحرف الميم هو مختصر لكلمة مشهد، ويليها رقم المشهد، ثم تحديد المكان (الصحراء)، وتحديد الزمان (وقت الغروب).

ثانيا، وصف الشخصية: حامد فتي في السادسة والعشرين نحيف الجسم أشعث الشعر.

ثالثا، وصف الحركة: يسير حامد بشكل مستقيم، سريع الخطوات يخترق الصحراء باتجاه الشمس تقابله عاصفة رملية خفيفة يواصل سيره وهو منهك متردد.

رابعا، وصف الصوت: هناك مؤثرات طبيعية، ومؤثرات صناعية، يستغلها صناع السينما بما يتناسب مع الجو العام للمشهد. المؤثرات الطبيعية، مثل صوت الرياح، نبضات قلب حامد. والمؤثرات الصناعية، مثل بوق السيارة.

الحوار: لا بد أن يكمل الصورة ويبنى بحرفية عالية معتمداُ على التكثيف الذي يعبر عن المشهد. نأخذ نموذجاً هذا النص من المشهد:

حامد: (زوجتك أختي مريم على صداق قدره عشرة جنيهات، كله مؤجل، كله مؤجل). وهنا يتم التعبير عن الحالة النفسية للشخصية حيث يقف حامد وينظر إلى الشمس ويتحدث بمرارة.

حامد: (المعجل الوحيد هو جنين يخبط في رحمها). يواصل حامد سيره، إظلام تدريجي ينتهي المشهد ويتم القطع السينمائي الذي هدفه ربط المشاهد ببعضها بعضاً بحرفية عالية، والتحضير للمشهد القادم.

كاتب السيناريو هو أكثر من طبيب جراح يحمل مشرط القطع السينمائي ويتقن فن المعالجة في صناعتها. شخصية حامد في هذا المشهد تحمل نوعان من الفعل: فعل جسدي وفعل انفعالي، أعده المؤلف قبل الشروع في عملية بناء الشخصية حيث أجاب على مكونات الشخصيات التالية: ما الهدف من الشخصية؟، ماذا تريد الشخصية أن تحقق؟، وما هي ملامحها الجسدية والنفسية؟.

استطاع غسان من خلال شخصية (حامد) تكثيف الحوار ليدعم المستوى البصري، ويدفع بالحدث إلى الأمام بعد دراسة عميقة للشخصيات وقراءة انفعالاتها، وترجمتها إلى لغة ومفردات ذات قياس تعبيري محدد، فشخصيات الرواية بنيت بشكل مضطرب مهزوز له خصائصه، فنراها تعيش نفس الواقع وتنتقل من انفعال لانفعال ومن حالة إلى حالة، أصوات تتزاحم، تلهث، تبتعد، تقترب، تتلون، وتتنامى طيلة الأحداث، فلغة السينما تختلف عن لغة الشارع، فالمقصود بالحوار السينمائي كلام واضح مكثف بعيداً عن الاستطراد، وهذا ما شهدناه في المشهد السابق، وكان مكمل للصورة البصرية. فقد شاهدنا عين الكاميرا المتحركة النابضة بالمشاعر تكتشف الصحراء، وترسم تكوين بصري من خلال زوايا رصدت الهدف،  وحددت المساحة والاتجاه تم اختيارها بحرفية عالية، فأحجام اللقطات تعبر عن الفكرة وتتماشى مع الانفعالات والحالة النفسية والبناء الخارجي، كما تساهم بالتتابع في عملية البناء. كل هذه التقنيات والأدوات الفنية استغلها الروائي غسان كنفاني في صناعة (رواية ما تبقى لكم) فقد استطاع أن يصنع مشاهداً بصرية يسرد من خلالها قصص مستقلة مكانياً وزمانياً تتغذي ملامح شخوصها من البيئة التي تحيط بها وتكمل بعضها بعضاً، لينسجم  المشهد مع المشهد الذي يليه. من الواضح أن تيار الوعي يتوحد مع عالم السينما وأدواتها الخاصة، المونتاج وعناصر المزج والتوليف والانتقال من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان، بشكل يساهم في تطوير الحدث ويعبر عن تأثير درامي متبادل، فالمزج والإيقاع الداخلي الموسيقي والإيقاع السريع بين اللقطات والانتقال من زمن لزمن ومن مكان لمكان بدون حواجز زمانية أو مكانية يمنحنا رؤية واعية بصرية تساهم في توضيح الصورة للأجيال.

حامد يمخر عباب الصحراء للجوء إلى أمه التي نزحت إلى الأردن عبر صحراء النقب التي يحتلها العدو الصهيوني هارباً من عاره، بعد أن فرض عليه الموافقة على زواج أخته مريم مرغماً، بعد أن تنازلت عن شرفها وحملت سفاحاً وتزوجت  الخائن زكريا النتن، وفي طريقه يتخلص من تردده بعد أن يلتقي وجها لوجه مع عدوه، ويقرر المواجهة والبقاء على أرضه بعد أن يتطهر من عقدة المخلص، فيعلن الكفاح المسلح، وفي نفس التوقيت تبدأ الثورة الداخلية على الخونة فتعود مريم إلى رشدها وتقرر الخلاص من هزيمتها ليعيش طفلها في جو نظيف فتعدم  زوجها الخائن زكريا.

رسالة مواجهة من الروائي المناضل غسان لا تحتاج للتأويل، يدعو الشعب الفلسطيني للمقاومة المسلحة والقضاء على الاحتلال وأعوانه والتخلص من ذيوله مهما كلف الأمر، فالتراكمات الكمية تؤدي إلى تغيرات نوعية، فهنا تتوحد الأفكار نتيجة المعطيات، وتتجاوز المسافات، وتنتهج الشخصيتين نفس الأسلوب، وهو الكفاح المسلح وسيلة للتعبير عن الحدث في مواجهة  الاحتلال الداخلي والخارجي، والتحرر من غول الخوف والتمرد على الضعف، فكلما غصنا في تفاصيل الرواية سنكتشف وسائل حديثة لها علاقة مباشرة بالسينما، الشخصيان الرئيسيتان (حامد ومريم) يسيران في عالميين متوازيين عالم يقوده المكان والمتمثل في الصحراء، وعالم متمثل بالزمان من خلال الساعة الخشبية التي تشبه النعش والتي سرقها حامد ليؤكد لنا أننا نعيش حالة موت سريري ضحايا الزمن المسروق (أعتقد أنها ليست مستقيمة إن ساعة الحائط لا تشتغل إذا كانت مائلة، وصعد إلى الكرسي مرة أخرى وأخذ يحركها ببطء وكأنه يصوبها تصويباً وفي اللحظة التالية بدأت تدق) الخط المستقيم يرمز إلى الشموخ والقوة إلى ما لانهاية والخط المائل يشعرنا بعدم الاستقرار، فهو متوتر يميل إلى السقوط ولن يعطينا إلا فراغ ويبشرنا بزمن مسروق ليس له ملامح (لم أشترها، سرقتها) تختلط المشاعر بين الشخصيتين فيغوص الماضي بالحاضر والحلم بالمستقبل إلى درجة نجد صعوبة في التمييز بينهما أو الحديث عن إحداهما دون التطرق للآخر، تتلاحم الأفكار والمشاعر النفسية والهواجس فيما بينهما، فلحظة الفعل الدرامي في الرواية تكاد تكون واحدة.

الصحراء في الرواية تأخذ شكلاً مخالفاً لطبيعتها فهي قارب النجاة، الطريق إلى الحياة، مخلوق يتنفس بصوت مسموع، جسر يمتد بين الوطن والأم التي ترمز للأمة العربية الضائعة، وقد جسد الروائي مشهد سينمائي حين رسم بقلمه لوحة فنية لغروب الشمس في الصحراء وهي تنسحب وتذوب كشعلة أرجوانية تغطس في الماء تاركة خلفها لوحة فنية، ثم وصف الصحراء بالمكان السرمدي الحي الذي يتنفس وتنازل عن كونه جسداً صامتاً، حين حاول اختراقها الشاب النحيف حامد بملامحه السمراء ووجهه الحزين وشعره الأشعث. كان يسابق الزمن ليقطع الصحراء، عينيه شاخصتين باتجاه الشمس، مع ذوبانها تتموج الصحراء وتدفن خلفه بيت حامد حتى عزلته عن كل شيء، وبقي الظلام يسيطر على الواقع، هذا ملخص فكرة المشهد. أما صناعته فلنتابع ما يلي: يبدأ المشهد بغروب الشمس والمدينة تغرق خلف حامد وحامد يغوص في عتمة الليل. هذا المشهد مفتاح التتابع،  فحامد يكرر في الصحراء: (زوجتك أختي مريم على صداق قدره عشرة جنيهات كله مؤجل). يعود الكاتب للقطع السينمائي ويطوي المسافات ويربط  الحدث ما بين الصحراء وبيت حامد، فيعود لمشهد زواج مريم، والساعة النعش، وحالة الترقب، وتتابع الأحداث، ويرسم الانفعالات النفسية الداخلية للشخصيات، والشكل الخارجي في التكوين الجمالي لمكونات المشهد. بيت حامد (حامد جالس خجولاً أمام الشيخ والناس خلف ظهره يحدقون به ويتغامزون وهناك بعض الهمهمة حامد يردد نفس الكلام (زوجتك أختي مريم - زوجتك – على صداق قدره – على صداق قدره -  عشرة جنيهات –  عشرة جنيهات  - كله مؤجل - كله مؤجل  ثم أخذت العيون تأكل ظهره وهو جالس أمام الشيخ  .. والمعجل الوحيد هو جنين يخبط في رحمها وخارج الغرفة أمسكها من ذراعيها ونظر إلى عينها نظرة يائسة - لقد قررت أن أترك غزة. ابتسمت فبدأ فمها الملطخ بالحمرة جرحاً دامياً انفتح فجأة تحت أنفها). تعامل الكاتب مع اللون الأحمر وتأثيراته النفسية، ورسم  بالماكياج  فن من فنون السينما وهو الخداع البصري، صنع جرح دامي ليعبر عن عمق المشهد وتأثير الحالة في تكوين البناء الفني، هذا المشهد مع المشهد السابق شكل وحدة متكاملة لا يستطيع المخرج الاستغناء عنها بأي صورة كانت. استطاع الكاتب أن يمسك خيوط اللعبة، وينقلك من لقطة واسعة للصحراء إلى لقطة متوسطة للغروب، وتتبعها لقطة مقربة لوجه حامد حتى يظهر تعابير وجه، هذا اللقطات مع  ازدحام الأفكار وتشابكها وعملية القطع السريع والمونتاج والتوليف والمزج، جعلنا نغوص في بحر الصحراء ونخرج  إلى البيت دون أن يرمش جفن، فالحياة تسير على عكس طبيعتها، الساعة التي تمثل الزمن، رمز الحركة قد توقفت وأصبحت نعشنا المؤجل .. حياتنا المسروقة ما دمنا نعيش حالة التردد ونخشى المواجهة.

فحامد يلجأ للصحراء كي تساعده على اكتشاف ذاته وتطور وعيه النضالي والفكري، فينضج إلى درجة تسمح له بالاصطدام بعدوه الحقيقي (كانت أمك بالنسبة لك دائما فارساً غالباً على استعداد ليشرع سيفه في وجه أي عقبة تقف أمامك. فما الذي تريده الآن من هذا الفارس الوهمي الذي أعطيته من فشلك وعجزك حصانه الخشبي؟ اجلس هنا تحت هذه السماء المرتدة إلى أعماقها وفكر بروية ما الذي أدراك أنها لم تتزوج فور أن ضاعت عنكما)، هذه التساؤلات جعلت حامد يواجه الحقيقة ويتخلص من براءة العقل الطفولي المرضي الذي يسكنه وينضج ويعتمد على ذاته، فلم يعد لنا إلا نحن، فالأمة العربية النائمة في العسل لن تمنحنا انتصارات، كل المعطيات تشير إلى ذلك فما تبقى لنا غير هذا الذل والموت المعد سلفاً.

شكلت الصحراء في العمل القوة الغريبة التي ساهمت في إعادة بناء شخصية حامد ففي صفحة (168-169) المكان – الصحراء: الوقت ـ ليلاً ـ المؤثرات الصوتية الطبيعية التي اعتمد عليها الروائي في المشهد ـ دقات قلب حامد وصوت الصحراء، الإضاءة الطبيعية نجوم السماء (وحدق إلى السماء خيمة سوداء مثقبة) جسد من هذه الإضاءة لوحة فنية تعبر عن الحالة النفسية، فاللون الأسود رمز القتامة، والثقوب بصيص الأمل، كما رسم خطوات حامد وحركته أمام العدسة (كانت الرياح باردة ومنعشة، وحاولت أن أنظر للساعة إلا أن الظلمة كانت حالكة تماماً فجأة بدت لي الساعة غير ذات نفع، حيث لا أهمية هنا إلا للعتمة والضوء) العتمة والضوء، يمثلان المساحة والفراغ، وهما عناصر أساسية في البناء الجمالي لتكوين الصورة.

حامد يسير في الصحراء يشاهد من بعيد عينين مضيئتين تهتزان وهما تنثران حولهما ضوءً دائرياً يواصل الروائي التعبير عن انفعالات شخصية بطله والتطور النفسي لحالته، فالخطوط البصرية الدائرية لها دلالاتها التعبيرية تساهم في سجن الشخصية داخلياً وخارجياً (دون أن ينتابه خوف أو تردد استلقى على الأرض أحس بها ترتعش كعذراء فيما أخذ شريط الضوء يمسح ثنايات الرمل بنعومة وصمت عندها فقط شد نفسه إلى التراب وأحسه دافئاً ناعماً) حاول الكاتب أن يمنح  القارئ المشاهد نفحة من العاطفة ترصد علاقة الأرض بالإنسان، واستعان الكاتب بالإضاءة الصناعية للتعبير عن المشهد، كما جعلنا في حالة ترقب وانتظار المفاجأة المتوقعة، وهي إما أسر حامد أو هروبه أو قتله، لكن يأتينا بعكس التوقع فمن ذروة الانفعال إلى السكون والهدوء. الهدف من حالة التوتر النهوض بعنصر التشويق وجذب المشاهد إلى القمة ثم إطفاء الشعلة وإعداد القارئ المشاهد للمرحلة القادمة لينتظر الأحداث المتصاعدة.

الوقت ليلا ً ـ المكان الصحراء (حامد يسير وحيداً خائفاً في الصحراء)، المؤثرات الصوتية .. نبضات قلبه - صوت عصف الرياح .. وفجأة يأتي ضوء متحرك من بعيد فيشتد خوفه فيستلقي على الأرض، ومع اقتراب ضوء السيارة الصناعي يزداد انكماشه في الأرض لكن السيارة تستدير يتبعها سكون. الحدث هنا مخالف للتوقع الذي ينتظره المتلقي، نشاهد الضوء الأحمر في مؤخرتها وهو رمز الخطر، فللون الأحمر نصيب واضح بالعمل وتمهيد لما سيحدث مستقبلاً. يسترجع حامد حكايته وهذا تذكير القارئ المشاهد بمأساة حامد .. حامد يردد (زوجتك أختي مريم .... لو كانت أمي هنا) بهذا المشهد استطاع غسان أن يعبر عن خفايا شخصية حامد الطفل الكبير، فحامد الشخصية الرئيسية في الرواية شرقي الملامح قمحي اللون أشعث الشعر، يحمل في رأسه مأساة التهجير، يحلم بأن يعيد شمل الأسرة، ينتظر أن تأتي قوة خارقة والمتمثلة بالأم لتعيد له كرامته، وتعيد له العفة والشرف المغتصب، مازال  يشعر بالنقص لقد انتزعوا طفولته وحشوه بالانهزام (لقد جعل من أمه البعيدة ملجأ يؤمه ذات يوم صعب، وانصرف إلى تكبيره وإعداده إلى درجة نسي فيها أن يبني نفسه رجلاً لا يحتاج في اليوم الصعب إلى ملجأ..).

كما يصنع كنفاني مشاهد متنوعة للمقاومة، وموت والد حامد وهو يقاوم وعودته شهيداً على الأكتاف، ويديه تترنح في الهواء، وضياع قبره، والافتراق عن الأم بعد نزوحها وتهجيرها) (ص186) كل هذه المفردات ساهمت بحالة الاضطراب التي غزته وزعزعت ثقته بنفسه.

الزمان عام 1948 ـ المكان شاطئ يافا صباحاً، يبدأ المشهد بصوت ضجيج حمم اللهيب تتساقط في كل مكان، النساء والرجال خاشعون يدعون الله، الأطفال تبكي وتصرخ الناس في حالة رعب وخوف شديد وكأنهم في يوم الحشر، هذيان غثيان، النار تبتلع الأخضر واليابس، الدخان غطى سماء المدينة الطلقات المتوحشة النارية تلتهم الإنسان، الحجر، الحيوان، والنبات.

(مريم) في حالة احتراق عاطفي، وانفعالات جنسية تعيش النشوة مشتعلة مثل المدينة تركض وسط الزحام يبدو عليها الإعياء، الزوارق تشق عباب  البحر، الناس تلقي بأنفسها مرعوبة، أكوام بشرية تتجمع فوق الزوارق المتحركة، حالة من الخوف والهذيان تصاحب الجميع، الرحيل والشتات والضياع يفرض سطوته. (حامد) يخترق الجموع ويلقي بنفسه في الزورق، وعندما يشاهد مريم يسألها عن أمه (ولكن أين أمك؟ تركت على الشاطئ ستلحق بنا، خالتك هنا معنا).

هذا المشهد الذي مزج ما بين واقع التهجير والمشاعر الإنسانية المتناقضة، ما بين الرغبة في الحياة والجنس، وشريط الموت تحول لبانوراما سينمائية لعملية التهجير تلتقطها  أكثر من كاميرا ومن أكثر من زاوية، فالرواية صنعت من خلال عين مخرج يجيد فن بناء اللقطات وتوليفها وتقنية كاتب يملك حرفية  بناء السيناريو، وقد تم دراسة وبناء المشاهد بعمق مع شرح الأبعاد الثلاثية النفسية والاجتماعية والفسيولوجية للشخصيات، وهو عنصر أساس، فالمشاهد هنا بنيان مرصوص يشد بعضها بعضاً بشكل فني وهندسي والمعالجة البصرية واضحة المعالم.

القصة تتواصل بعد عملية التهجير إلى غزة ويكبر العار، فيهرب حامد من جحيم يطارده ويتوحد هو والأرض، ينضج ويقرر الثبات والمقاومة. يمثل حامد الطبقة المتعلمة في تلك المرحلة فهو يعمل مدرساً في وكالة الغوث لجأ إلى غزة مع أخته مريم التي تكبره بعشر سنوات بعد أن احترقت يافا وضاعت أمه في زحمة اللجوء عام 1948، واضطرت إلى النزوح بعيداً عن أولادها، وهنا ينقلنا الروائي في صفحة (193) لواقع الحياة الفلسطينية والشتات التعسفي الذي تعرضوا له الشعب الفلسطيني.

المكان - غزة "بيت حامد" الوقت - ليلا بعد العشاء عام 1946. الجو ماطراً طرقات على باب البيت صوت مزاريب الماء تتدفق، تفتح مريم الباب تطل عجوز متدثرة ببطانية كالحة تزرب من حواشيها خيوط المطر، العجوز أين خالتك؟ مريم: تفضلي، العجوز تدخل إلى سرير خالتهم المريضة، العجوز بعد أن تتنهد، أختك أم حامد جاء اسمها في الراديو سألت عنك وعن حامد وعن مريم، وطلبت أن تقولوا لها أين أنتم؟، الخالة تبكي وتحتضن حامد بين ذراعيها ... ماتت الخالة في غزة وبعد ستة عشر عاماً من القهر والحرمان، تنهار مريم أمام أول رجل يحاول استغلالها .. اقتحم زكريا حياتها وقرر افتراسها من اللحظة التي شاهدها مع أخيها حامد في الشارع. يرسم لنا الكاتب بداية العلاقة بين مريم وزكريا بثلاثة مشاهد  تمهيدية مترابطة تنمو تدريجياً .. في صفحة (178) يرصد غسان التأثيرات النفسية لمريم ومسببات حالة الزنا (كنت أرتجف خائفة ومستثارة في وقت واحد حين رأيته أمام الباب، كان حامد قد غادر منذ خمس دقائق، وكان زكريا واقفاً أمام الباب واثقاً من نفسه، وسأل هل هو هنا؟ لقد ذهب ليأتي بالإعاشة .. إذن سيتأخر .. ودخلت واضعاً يديك على كتفي .. إذن سيتأخر، كنت ماراً بالصدفة قرب المركز ورأيت ازدحاماً لا يصدق، صحيح أنه أول الشهر. سيول من المشاعر الإنسانية المتدفقة في هذا المشهد تعبر عن الشحنات الشعورية، والرغبات المتدفقة فهو مشهد مركب داخلي خارجي.. يبدأ لحظة تكدس أهل المخيمات على باب مركز الإعاشة والتدافع والصراخ والزحام، حيث يشخص الوضع الاقتصادي والفقر المدقع، كما نشاهد زكريا يتفحصهم بشكل سريع بحثاً عن ضحيته فيبصر حامد فيهز رأسه مبتسماً فينسحب ويواصل سيره .. الكاميرا تتابعه حتى يقف أمام بيت حامد، يدق على الباب، مريم تقف على الباب منفعلة جنسياً مؤهلة للخطيئة، يتقدم يسألها عن حامد، ينظر إليها ونظرات الخبث ترتسم على وجهه ويدخل ويغلق الباب خلفه ثم يقبلها بعنف، يضع يداه على صدرها .. الكاميرا تتحرك تدريجياً من أعلى إلى أسفل، دقات الساعة تتواصل بشكل تصاعدي خلال الحدث.. قطع سريع ما بين المشهد الداخلي والمشهد الخارجي لحامد وهو يقف منهك ينتظر دوره على باب الإعاشة، فتارة ينظر للناس وأخرى ينظر للساعة ... قطع على حامد، تعود الكاميرا لمشهد زكريا وهو يلبس ملابسه، زكريا الأفضل أن أذهب .. يخرج  وتبقى الساعة المسروقة تدق .. تدق حتى نهاية المشهد، ثم يتبعه مشهد فرض الأمر الواقع (نبت جنينك في رحمي، وليس أمامنا إلا الزواج، وضعنا حامد تحت الأمر الواقع، رغم أنه لا يطيق سماع صوتك، وضحيت بحامد، استعبدتني الرغبة فلم أفكر بأسرتك وزوجتك وأولادك الخمسة وتزوجنا وكان (كله مؤجل طبعاً فالمعجل هو جنين يتخبط في رحمي)، وهرب حامد من اللعنة يستنجد بأي ظل، وبقيت وحيدة أعيش كابوس خطيئتي مع زكريا النتن، ويرافقني  نعش الساعة المرعب.

المشهد الأول، المكان - الشارع .. الزمان – نهاري: حامد ومريم يسيران بالشارع فيقتحم زكريا طريقهما فتكتشف مريم أنه مجرد زميل لحامد بالمدرسة.

المشهد الثاني، المكان - الشارع.. الزمان – نهاري: مريم تمر بالطريق فيقطع زكريا طريقها ويطلب منها أن تسلم على حامد ..

المشهد الثالث، تفتعله المكان – المقهى.. الزمان – نهاري: مريم تمر لتلفت انتباه زكريا وهو جالس على القهوة .. مريم تبطئ من خطواتها حتى يراها ويتبعها.

هذه المشاهد الثلاثة تساهم في بناء مشهد الذروة التأسيسي للعلاقة الحميمية بين زكريا ومريم.

يهرب حامد إلى الصحراء ومازال يركض وراء سراباً خوفاً من الكابوس الذي يطارده، تاركاً ورائه الوطن والأخت الضائعة التي كانت ضحية النكبة والتهجير، وافتقدت أمها النازحة وخطيبها الشهيد فتحي، تخلص حامد من أوهامه وضعفه. لقد ساهم مشهد التحامه بالمجند وسيطرته عليه ببلورة شخصيته، فالمشاهد السينمائية في صفحة (203، 204، 205) تعبر عن انسجام عضوي وبناء محكم سينمائياً.     في صفحة (168، 169) المكان - الصحراء.. الوقت ليلاً - المؤثرات الصوتية - صوت الرياح وصوت نبضات قلب حامد.. الإضاءة، هناك نوعان من الإضاءة المستخدمة طبيعية وصناعية متمثلة، بالإشارات الضوئية من المجند الإسرائيلي. يبدأ المشهد بإشارات ضوئية سريعة تنتقل الكاميرا لحامد وهو بأقصى حالات الاضطراب ، ينظر للهضبة المسطحة والتي كانت مصدر الضوء وكأنه سيشاهد وحش يتحرك أو شبح يطارده فيرتعش خوفاً، وأخيراً يسيطر على انفعالاته ويستلقي فوق الأرض، ويتابع مصدر الضوء المتحرك، فيشاهد جندي الاحتلال يقترب منه، فيقرر حامد سريعاً السيطرة عليه، وبدون تردد ينقض عليه ويعضه من كتفه، ثم يركله بين فخذه، وينثر حفنة تراب في عينيه، فتخر قوى الجندي ويسقط على الأرض بعد أن يجرده من سلاحه الرشاش ويلقيه بعيداً ويحتفظ بالسكين، للمرة الأولى يشعر حامد بنشوة الانتصار. يعتمد غسان في هذا المشهد على القطع السريع والإيقاع المتصاعد ما بين الفعل وردة الفعل .. الكاميرا متحركة مضطربة تجذب القارئ المشاهد وتجعله جزء رئيسي من الحدث وتحرك انفعالاته وتمنحه عنصر التشويق والإثارة، وتعبر عن التغيرات التي واكبت الشخصية .. فلحظة  الانتصار تساهم في نضوج وبناء شخصية حامد وما يطرأ عليها من تغيرات.. يرفض حالة الذل ويتنكر للماضي الانهزامي ويستعيد الأوراق المشرقة واللحظات الجميلة التي تمنحه القوة والصمود والتصدي، مثل استشهاد الفدائي سالم الذي علمه معنى مقاومة الاحتلال..  يسترجع  حامد شريط الذاكرة كيف خرج سالم  شامخاً ووقف يتحدى جلاده، وفوت الفرصة على الخائن الساقط زكريا قبل أن يشي عنه للاحتلال، مازالت نظراته تحتضن الجماهير وتدعوهم أن ينتصروا للحياة وأن يثوروا على القيد والخيمة، ثم يصب سهام الشفقة والاحتقار على الخائن النتن الذي باع نفسه لأجل حياة رخيصة، يسترجع الكاتب مشهد زكريا من خلال مخيلة حامد ليقول أن من يخون ويغرق بالوحل بإرادته لن يتعافى من مرضه يوماً (وقبل أن يفعل تقدم سالم من تلقاء نفسه ووقف أمامنا مباشرة. وقد رأيناه يغسلنا بنظرات الامتنان  التي لا تنسى  فيما كانوا يقتادونه أمامهم إلى أن عاد والتفت إلى زكريا وشيعه بنظرات رجل ميت: باردة وقاسية وتعلن عن ميلاد  شبح) استشهد  سالم، فأسكنه  غسان في الذاكرة، غذاها بصورة الفدائي الذي لا يسرق لا يكذب لا يزني وينتصر لشعبه، والذي تأثر بها حامد بعد ستة عشر عاما من التردد والخوف يخترق الصحراء  خلال  محاولته الغوص في قلبها، شاهدنا بصرياً لوحة معبرة، بأسلوب مشوق، معتمدةً على العناصر الطبيعية كالمؤثرات الصوتية، ثم يعود بذاكرته للنتن ما زال  يرعبه غدره وهو يبتكر فنون للخيانة عشق اًلملذات الحياة، لم يفكر يوماً بمصير عائلته الصغيرة  وأولاده الخمسة، ولا بالعار الذي سيلحقه بزميله في المدرسة حامد الذي استباح بيته وطعنه بشرفه، كل هذه  المكونات البصرية واللقطات المتنوعة والمزج السريع ما بين الحاضر والماضي والأصوات المتشابكة ، شكلت شخصية المقاوم لدى حامد، فلأول مرة تمنحه الصحراء الشجاعة لكي يلتحم بعدوه الحقيقي فعملية الالتحام والمواجهة المباشرة مع العدو خلقت منه إنسان آخر يفكر بأسلوب جديد تخلص من ذله وعاره وقرر أن يحيا فوق أرضه، ويكتشف ذاته بعيداً عن الأوهام والمعجزات القادمة،  فحامد أدراك أنه لم يعد يملك شيئاً ليخسره، فيخاطب عدوه.. (سأقول لك شيئا مهما ليس لدي ما أخسره الآن، ولذلك فقد فاتت عليك فرصة أن تجعلني رِبحاً لأن موت المقاوم حين يواجه عدوه لن يكون خسارة على النقيض سيتحول الموت إلى حياة وتتحول المواجهة مع العدو في المستقبل القريب إلى ولادة جديدة، وهناك قضايا أخرى لها قيمتها يجب أن نحسب حسابها أن تقتل أنت هنا على بعد خطوات من معسكرك ربما هو عمل أخطر من أن أقتل بعد خطوات منه).

يستقيم الأمر وتنضج الشخصية بعد المواجهة مباشرة. حامد يقرأ الواقع المعاش بشمولية ويحدد مفهوم المكسب والخسارة ومعنى الحياة والموت، فأما أن تعيش حراً أو تموت حراً (ما تبقى لي في العالم كله ممر من الرمال السوداء، عبارة بين خسارتين، نفق مسدود من طرفين). كل هذه اللعنات تؤهل حامد للمقاومة والانتصار لنفسه ولوطنه فيخاطب عدوه (كن رجلاً طيباً ودعنا نتحدث عن يافا. إن الانتظار الصامت لن يأتي إلا بالرعب)، وهنا يوضح غسان أن الاحتلال لن يفهم لغة المفاوضات فما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة، فكل المحاولات  للتفاوض والوسائل السلمية مع خصمه تبوء بالفشل، فتتعزز لديه فكرة التجذر في أرضه واختيار وسيلة الكفاح المسلح لانتزاع حقوقه (أدركت أنه سيكون بوسعي ذات لحظة أن أجز عنقه دون رجفة واحدة، وأن هذه اللحظة ستأتي لا محالة)، ويجسد (حامد) نبوءة الفدائي الذي سيغامر بدخول الأرض المحتلة، ليصل إلى أمه الحقيقية (الوطن) لينفض عن نفسه غبار الوهم الذي عشش في داخله طويلاً، وقد تجسدت النبوءة بعد سنة من كتابة الرواية عام  (1965) يطلق الفدائي رصاصة الثورة، وهكذا نجد المبدع الأصيل يستشرف المستقبل، ليسلط الضوء على كل الوسائل التي تغذي رؤيته.

مشهد الكفاح المسلح صفحة (226، 227، 228) المكان الصحراء، الزمان بزوغ الفجر، حامد ينظر إلى المجند المقيد، ويمرر نصل السكين فوق حذائه .. الحذاء هو نقطة التواصل بين الإنسان والأرض لذا نشاهد حامد يمرر نصل سكينه على الحذاء ليقول للمشاهد المتلقي علينا أن نجتث الاحتلال من جذوره.. (الجندي ينظر إليه، نظرة خرساء خائفة، يزحف على مؤخرته للبحث عن زجاجة معدنية سقطت منه، حامد يتقدم ويهز الزجاجة وينظر للجندي نظرة احتقار، ويرميها بعيداً.. يأخذ حامد أوراقه من جيبه، يشاهد كلمه يافا باللاتينية، حامد يقترب منه للسؤال عن يافا)، إيماءات الجندي تدل على رفضه للحوار، فلن تكون هناك لغة بين القاتل والقتيل.. ليس أمام حامد إلا أن يشهر سلاحه في وجه المحتل وينتهج نهج الكفاح المسلح.. كما ترصد الكاميرا  في الطرف الآخر (مريم) وهي تواجه عدوها الداخلي زكريا  وتتحرر منه. المكان .. بيت حامد - الوقت - ليلاً.. المؤثرات الصوتية - دقات الساعة التي تتابع تصاعد الحدث .. مريم تصرخ بجنون لكي تحمي جنينها، تختلط الأصوات ما بين صراخها وشتائم زكريا، مريم تضع يديها على بطنها لتوحي للقارئ المشاهد أن الطفل القادم يحتاج أرض نظيفة خصبة حتى يخرج للنور، لكن زكريا محور الشر يصمم على قتل الحلم، فينقض عليها لكي تسقط جنينها، مريم تصب ناظريها على السكين وتأخذ قراراً سريعاً أن تتطهر من ذنوبها لتحمي المستقبل،  تنطلق وتحمل السكين، لقطات متنوعة متبادلة سريعة بأحجام متساوية بين  فعل وردة فعل توثق انفعالات زكريا ومريم .. كالبرق تتقدم مريم مسرعة وتطعنه في عانته، زكريا يتراخى ويحاول الإمساك بالمقبض، لكنه لم يفلح فينحني ويستدير على الطاولة، الدم يبلل سرواله، زكريا يصب نظرات خبيثة عليها، مريم تمسكه من كتفه وتدفعه نحو الحائط، يلتصق جسده هناك وينحني بعض الشيء وقد سقط ذراعاه على جبينه ، ألصق جبينه على الحائط محاولاً أن يبعد المقبض عن الوصول إلى الجدار، مريم تضع ركبتها على ظهره  حتى يغوص  النصل في لحمه. مريم تبتسم وكأنها تغتسل من ذنوبها وتروي عطش الضحايا.

جمال السينما أنها تختصر الأزمنة وتخترق الأمكنة وتوحد المشاعر فلا مسافات في عالم الصورة، الأفكار تتجاوز الحدود، إنه التمرد على التردد والضعف، مزيج من اللوحات التعبيرية السينمائية المتناسقة، نفس الانفعالات والتصعيد ونفس  القرار في الصحراء، وفي بيت حامد .. التأثير النفسي يتم توزيعه ما بين حامد ومريم رغم اختلاف الأمكنة من الواضح أن كل هذه التفاصيل وبعد المكان، لم يؤثرا على علاقة الترابط بالمشاعر بين حامد ومريم أنهما يعيشان نفس القضية، ونفس اللحظات الانفعالية ..   تعتمد الكاميرا المتحركة على الإيقاع السريع والفعل ورد الفعل، واختيار أحجام اللقطات والزوايا المتشابهة في كلا الحالتين، ما بين حامد والمجند ومسرحهم الصحراء، وزكريا ومريم ومسرحهم الزمن المفقود والتي ترمز له الساعة النعش.

ينقلنا الكاتب من مكان لمكان، ومن زمان لزمان، ومن شعور لشعور، ليضع القارئ المشاهد في وسط الحرب مع جنوده أبطال روايته، نقرأ تفاصيل ملامحهم، ونشاهد عملية الانكسار النفسي بعد كل حدث، وخطواتهم الجنائزية النابعة من المشهد، فالمعركة مغلقة تحتاج الحسم واتخاذ قرار المواجهة.

(كانت الساعة تشيع نفسها كل صباح في نعشها الصغير أمام عيني وأنا أبدل ثيابي، ومع صبي الخباز تسلمت منه أول الكلمات وآخرها سأغادر مع غروب الشمس وسأكتب لك من الأردن) عاشت حالة انتظار كأن دقات الساعة مربوطة بنبضات قلب حامد، وقفت شاخصة أمام الساعة تراقب حركات عقاربها تحسب خطاه (وها هي تدق عشر دقات تدق، تدق وكأن العكاز ينتزع نفسه وهو يدق خطواته الأبدية  المفردة في نعش صغير مغلق بإحكام)، مريم تحترق تغزوها الهواجس وزكريا يغط بالنوم وكأن شيئاً لم يكن ما زالت تترقب مصير حامد فهي السبب الرئيسي وراء هروبه. في صفحة (191) ينظم لنا غسان المشاهد وكأنه ينظم قصيدة  شعر ما بين اضطراب مريم ومشاعرها الإنسانية، وسكون زكريا والبحث عن المكاسب المادية، فكل همه بعد هروب حامد تغيير الأثاث والبحث عن متعة إضافية. ما يشدك لهذا العمل.. الإيقاع الخاص باللقطات وإيقاع الشخصيات فيما بينها فما بين تناقض الانفعالات الداخلية وتقطيع المشاهد الخارجية بأحجام مختلفة ومتنوعة تحملك إلى عالم المعرفة والتشويق والمتعة.

المكان بيت حامد التوقيت ليلي .. تجلس مريم أمام الساعة نعشها الصغير، تراقب خطواتها، تتذكر حامد يوم أحضرها، طرقات سريعة على الباب، تفتح مريم .. حامد يحمل الساعة وعند السؤال عن ثمنها يقول أنه سرقها.. تنتفض مريم مفزوعة عندما تتخيل أن مكروه مسه. يستيقظ زكريا ينظر إلى الساعة ويطلب منها أن تخرج من دائرة الانتظار والقلق وتستسلم للواقع، لأن حامد من وجهة نظره حتماً سيهلك فهو لن يهرب من الميتات التي تنتظره خلال عبور الصحراء .. يقول زكريا (لو قرأت غداً صباحاً في الجريدة خبراً يقول أن أحد المتسللين قتل على الحدود) تنهار مريم... زكريا يتنفس الصعداء منتصراً شامتاً يحتقرها بنظراته، فتنهمر الدموع من عينيها تبكي وتبكي  فيصرخ بها كفى، كفى بعد أن يذبح ضحيته يبدأ بجمع المكاسب يريد زكريا تغيير أثاث البيت، واستغلال التوقيت لمصلحته، فتنهار مريم وتعيش حالة هذيان تسترجع تفاصيل جريمتها المتعلقة بزوجته وأولاده الخمسة، تحاول الاقتراب منها تكتشف أن اسمها فتحية وهو نفس اسم صديقتها في يافا، ليقول لنا الكاتب ربما تختلف الملامح  لكن ستبقى  الضحية واحدة  مادام هناك من يغذي عالم الجرائم.. تسترجع ذكريات يافا والتهجير والبكاء والحرائق والقوارب التي تتجه إلى غزة، وعائلة فتحية ووالدها المصمم على البقاء في المدينة، و فتحي الذي أصبح خطيبها كيف استشهد دفاعاً عن الوطن، تتزاحم في رأسها الأفكار.. تنهض في الذاكرة صورة ضحيتها زوجة زكريا القديمة فتشعر بالذنب (لو استطعت فقط أن أجعلها تفهم بأنني لست ضدها، وأن الأمور كلها سارت دون أن تكون فيها.. ما الذي سيهمها من الكلام وقد أصبحت زوجة ثانية) تجتهد مريم للتخلص من أفكار تطاردها وتتابع عقارب الساعة وهي تتقاطع ثم توقظ زكريا

- ولكن قل يا زكريا، كم يحتاج المرء على قطع المسافة مشياً من غزة إلى الأردن.

- عشر مرات قلت لك.

- لا لم تقل لي.

- اثنتا عشرة ساعة..

مريم ينقبض قلبها وتجتاحها رعشة مفاجئة لحظة التحام حامد مع العدو .. تتوحد المشاعر تطوي المسافات وتتعانق الأرواح خارج الأمكنة والأزمنة.. فتنتفض قائلة  - لقد حدث شيء ما له في هذه اللحظة بالذات .. تعيش مريم الانتظار والخوف من المجهول، يستغل زكريا ضعفها فيكشر عن أنيابه ويفرض عليها أن تسقط الجنين. في صفحة (220) المكان - بيت حامد - التوقيت ليلاً.. مريم تنزف عرقاً مضطربة، تتحرك في الغرفة يأكلها القلق، زكريا يتصفح الشارع من خلال النافذة، ينظر للسماء وإلى أكوام التنك وغرف الطين في الجهة المقابلة، هنا تتضح جغرافية المكان والوضع الاقتصادي للاجئين.

- زكريا أوشك أن يطلع الفجر .. ماذا حدث لك؟.

- مريم لا أستطيع لا أستطيع .. خطواته تملأ رأسي وتدق.

- زكريا .. خطوات من؟.

- مريم: "بغضب" حامد  .. نسيته !.

- زكريا يضحك ساخراً .. زكريا: (مجنونة، تستمعين إلى خطواته).

- مريم: خطواته .. مع كل دقات الساعة يخطو خطوة.

- زكريا "باستهتار" ألم يخطر على بالك أنه .. مريم .. تنظر إليه بغضب فيحاول جرها لموضوع أخر.

- زكريا: اسمعي يا مريم إذا كانت الساعة اللعينة، تسبب لك الأرق فلدي الحل إذا أملناها قليلاً إلى الجانب توقف الرقاص. مريم تشير إلى حركة بطنها لتوحي له الدق هنا ..  وبهذا يربط الكاتب بين إيقاعين .. إيقاع الساعة وإيقاع المولود القادم ..  ليوحي لنا أن توقف الوقت عن الحركة سيتوقف الإنسان وينتهي الكون.

- "ز كريا غاضباً" طفل سادس؟ إنه الولد السادس! لقد نصحتك ألف مرة أن تتخلصي منه، ولكنك تعتقدين أنه شيء مثير ومهم .." مريم ترعبها الفكرة فتلتزم الصمت "يواصل زكريا حواره.

- زكريا: الناس.. الناس ماذا سيقولون؟ هذه فضيحة أخرى، طفل بعد خمسة أشهر من الزواج!! هل حسبتي أنني تزوجتك لتنجبي ولداً أيتها العاهرة؟ إذا لم تستطيعي إسقاطه .. فأنت طالق .. طالق .. طالق .. هل تسمعين؟ طالق.

مريم مذهولة مما وصلت إليه، فبعد أن غرقت في بئر القاذورات و تنازلت عن قيمها النبيلة التي ورثتها عن عائلتها، وعاشت مع رجل جائع يريدها مسخ، فهي بالنسبة له مجرد ممر للرغبات  بين بيته والمدرسة لذا يريدها أن تجهض الجنين الذي بات يشكل لديها الأمل الوحيد في مستقبل أفضل، قررت مريم أن تتطهر من عارها وتجتث الخيانة من جذورها، فقتلت زوجها النتن، حتى ينشأ طفلها واثق الخطى قوي في جو نظيف بعيداً عن أجواء العار.

تعتبر شخصية مريم نموذجاً للإنسان الفلسطيني الذي يقاوم ويقاوم إلى ما لا نهاية حتى لو تعثر وسقط عليه أن ينتصر للحياة، ويبدأ من جديد، ويتمرد على الخوف الذي يستوطنه، ويكون أقوى مادام هناك أمل بحياة أفضل. مزج الكاتب الهم العام بالهم الخاص، فحكاية مريم وسقوطها تتشابه مع حكاية فلسطين  فمريم حلمها الجنين وفلسطين تنظر للأجيال القادمة أن تثور وتجتث المحتل وتحررها .. فحامد ومريم يجسدان الروح الفلسطينية النقية التي تنهض من وسط الركام وتنتصر للحياة.

وأخيراً نستطيع القول أن الرواية الحديثة هي فيلم سينمائي مصور كتابياً.. الفرق بينها وبين الفيلم، أن الفيلم يقوم بإخراجه مخرج لها رؤية محددة يمنحها للجمهور.. عكس الروائي الذي يمنح كل قارئ مساحة من الخيال لإخراج عمله بنفسه.. ليس معنى ذلك أن كل كاتب رواية سيناريست، فكاتب السيناريو يحتاج إلى ملكة خاصة وعالم من الخيال فعليه أن يكون جراح محترف ومهندس يجيد فن البناء وقاص يحيك عناصر العمل من لحظة ولادة الفكرة حتى الشروع في عملية البناء محافظاً على الإيقاع  مروراً باختيار الشخصيات ودراسة طبيعة الحوار والصراع والحبكة والتتابع والمفاجأة وإخفاء المعلومات والتوقع ومخالفة التوقع واختيار نوعية الإضاءة والمؤثرات الصوتية والموسيقى وفن توليف اللقطات في المونتاج وعناصر التكوين السينمائي، فما تبقى لنا بعد دراسة الرواية هو فن المعرفة والجمال التي منحنا إياها الشهيد المبدع غسان كنفاني.

 

مصطفى النبيه – مخرج فلسطيني

 

مادونا عسكرقراءة في نصّ للشّاعرة المصريّة أمينة عبد الله

- النّصّ:

أكره الجنّة

الّتي يقف على بابها الحجّاج بن يوسف الثّقفي

معلّقاً في مشكاتها عبد الله بن الزّبير

أكره الجنّة

ففيها احتقار لقيمة العمل

أناس كسالى متواكلون على ملائكة مظلومون يكرهون البطالة

أكره الجنّة

الّتي لا عمل لأسماء بنت أبي بكر إلّا رتق النّطاقين وانتظار رجال القبيلة

أعشق النّار كخليّة نحل تشقي بكلّ المغرّدين خارج السرب

الجنّة ليس بها علماء يستفيدون من النّار في تحويل الطّاقة والاختراعات

الجنّة ليس بها شعراء يؤرّخون للمرحلة

أحبّ جهنّم الّتي يستفيد فيها كفّار الجنّة من العلماء والرّاقصات وصانعي الأفلام

أعشق النّار الّتي تصنع البهجة بلا حوريّات عين

***

- القراءة:

الكتابة الحقيقيّة، لا محالة جارحة. ويتطاير من بين حروفها الشّرر. (د. يوسف زيدان)

في حنايا نصّ الشّاعرة أمينة عبد الله كتابة حقيقيّة تعبّر من خلالها عن وعيٍ متقدّم لمفهوم الجنّة والنّار، غير ذلك المفهوم السّائد أو الملتبس عند البعض أو الأغلبيّة. كما أنّها تعطي تصوّراً خاصّاً عن الجنّة والنّار يكسر الموروث ويتخطّى الفكر الدّينيّ النّمطيّ. ينبع هذا التّصوّر من تأمّل عميق موغل في التّاريخ والسّلوك الدّينيّ المرتبط بالقتل لتعزيز أركان الدّولة، أو المرتبط بالكسل الذّهنيّ والفكريّ والعمليّ، والمستند إلى أصول فكريّة لا علاقة لها بالمفهوم الإلهيّ. ويتطاير من هذه الكتابة شرر يجنح إلى قلب المفاهيم أو إصلاح ما أُفسد منها. وبذلك تتجلّى أهمّيّة الكتابة وعمق معانيها ويتحقّق هدفها المفترض أن يكون زلزلة المتلقّي وخلق التّساؤل في داخله واستفزاز البحث والتّأمّل.

(أكره/ أعشق) فعلان جسّدا بقوّة الهوّة العظيمة بين الجنّة والنّار بمعناهما المتعارف عليه. إلّا أنّهما جسّدا بقوّة الهوّة العظيمة بين مفهوم الشّاعرة للجنّة والنّار والمفهوم الملتبس عند الآخرين. فخرجت عن نطاق المفهوم الرتيب والمقيت للجنّة والنّار؛ لتدخلنا في تصوّرها الشّخصيّ الّذي محوره العمل بشكل أساسيّ. ومبدأ العمل يشمل الفكر، والبحث، والنّشاط الجسديّ والرّوحيّ الدّؤوب لتحقيق الصّورة الإنسانيّة الكاملة. لا تلك الصّورة الخاملة المنتظرة تعويضاً أو خائفة من عقاب.

أكره الجنّة/ تعبير صادم يحطّم الصّورة المألوفة، ولعلّ الشّاعرة عبّرت بصدق شديد عن كفرها بالحالات التّاريخيّة القديمة والمعاصرة الّتي تنزع إلى السّلطويّة والإجرام والانتهاك بغية بلوغ الجنّة أو تحت غطاء هذا المسمّى (الجنّة). الجنّة الّتي اخترعها السّفاحون ليرعبوا الإنسان فيستحكموا ويتحكّموا أكثر.

أكره الجنّة

الّتي يقف على بابها الحجّاج بن يوسف الثّقفي

معلّقاً في مشكاتها عبد الله بن الزّبير

بدت الجنّة المكروهة من الشّاعرة حالة خاملة، راكدة أشبه بالموت، لا عمل فيها. كأنّ الإنسان إذا ما بلغها فقد الحالة الحركيّة. أو كأنّه قد صوّر إليه أنّ النّعيم الآتي لا حياة ولا حركة فيه. بيد أنّ الآية في سورة النّساء تبلّغ المؤمن أنّ النّعيم الآتي حياة. "سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ" ﴿٥٧ النساء﴾، واستناداً إلى عبارة (خالدين أبداً) يظهر معنى الحياة الأبديّة ومفهوم الخلود. وإذا حضر معنى الحياة حضر مبدأ الحركة.

أكره الجنّة

ففيها احتقار لقيمة العمل

أناس كسالى متواكلون على ملائكة مظلومون يكرهون البطالة

أكره الجنّة

الّتي لا عمل لأسماء بنت أبي بكر إلّا رتق النّطاقين وانتظار رجال القبيلة

إلّا أنّه ينبغي أن نقف أمام إقحام عمل أسماء بنت أبي بكر في النّصّ الّتي تبدو في حالة انتظار لا هدف له أو لا قيمة له. فلفعل أسماء الّتي سُمّيت بذات النّطاقين الّتي شقّت نطاقها لتربط سُفرة النّبيّ وأبي بكر حين خرجا مهاجرين إلى يثرب، قيمة إيمانيّة دلّت على إيمان أسماء وعلى قيمة عملها الإيمانيّ. لكنّ الشّاعرة تبدو كأنّها تتهكّم على أنّ ما قسمته أسماء بنت أبي بكر في هذه الحياة ستعيد رتقه في الجنّة. وهنا يبدو قصور ما في المزج بين قيمة العمل الإيمانيّ وما سبق وأوردته الشّاعرة في بداية النّصّ. مع العلم أنّ الإيمان هو الجنّة الّتي تبلّغ جنّة الآخرة بحسب قول ابن تيمية: "إنّ في الدّنيا جنّة من لم يدخلها لم يدخل جنّة الآخرة، قالوا: وما هي؟ قال: إنّها جنّة الإيمان". والإيمان من دون أعمال لا قيمة له بل ينتفي معناه.

هل أرادت الشّاعرة التّفريق بين لفظ (النّار) ولفظ (جهنّم) في القسم الثّاني من النّصّ؟ خاصّة أنّها أشارت إلى النّار كعنصر يستفزّ القدرات الإنسانيّة ويوقد فكرها وينزع عنها النّمطيّة والرّتابة الفكريّة وأحاديّة الفكر، ويؤسّس لبناء حضارة (أعشق النّار كخليّة نحل تشقي بكلّ المغرّدين خارج السرب). أم إنّ النّار وجهنّم مترادفان لديها؟ أم إنّها تتمرّد على التّطرّف الدّينيّ المناهض للحضارة والمدمّر إيّاها؟

الجنّة ليس بها علماء يستفيدون من النّار في تحويل الطّاقة والاختراعات

الجنّة ليس بها شعراء يؤرّخون للمرحلة

أحبّ جهنّم الّتي يستفيد فيها كفّار الجنّة من العلماء والرّاقصات وصانعي الأفلام

أعشق النّار الّتي تصنع البهجة بلا حوريّات عين

لا بدّ من أنّ في هذه السّطور إشارة إلى أولئك الّذين يعتقدون أنّ الجنّة ملاذ غرائزيّ وحسب، وإلى أولئك النّاقصين فكراً وديناً، استناداً إلى استخدامها لفظ كفّار الجنّة (العلماء والرّاقصات وصانعي الأفلام) المعدّين كفّاراً بنظر التّطرّف الدّينيّ. ولا بدّ من أنّها تحيل مفهوم البهجة إلى الإشباع الذّهنيّ والفكريّ والحضاريّ لا الغرائزيّ. (أعشق النّار الّتي تصنع البهجة بلا حوريّات عين)

قد لا يكون النّصّ مبهراً فنّيّاً، ولعلّ الشّاعرة اشتغلت على تحقيق الصّدمة لدى القارئ بهدف تبديل المفاهيم المتطرّفة السّائدة والتّمرّد عليها، فخلا النّصّ من عنصر الدّهشة. وقد لا يخلو النّصّ من خطاب مباشر وربّما مستفزّ إلى مجموعات تحتكر مفهوم الجنّة والنّار وتفرضه عمداً، إلّا أنّ النصّ عميق المعاني ويعبّر عن مفهوم متقدّم للدّين عند الشّاعرة ينازل التّطرّف الفكريّ والدّينيّ مقتحماً ركود العقول ليحرّك ماءها فتستفيق من الخوف والجهل.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

1091 حجازيتمثل التجربة الشعرية لدي الشاعر حسن حجازي في ديوانه ”وريقات من كتاب الشعر” الصادر عن اتحاد كتاب مصر 2019م. والذي يحتوي علي 24 قصيدة كتبها الشاعر معبرا عما يدور داخله من حب وعشق للأمة وللوطن، تعبيرا عن مشاعر عاطفية ووطنية جياشة تفرض حضورها داخل معظم قصائده، معتمدا علي روافد معرفته البيئية والثقافية، وتبرز مقدرته علي إبراز جماليات التناص الديني والتاريخي نابعة من ثقافته العربية والغربية، وقد عبرت عناوين قصائده علي ذلك ومنها (وريقة من كتاب الشِعر، تصبحون على.. شِعر، اغضب، الأقصى.. هل يضيع؟، وريقة من كتاب الغربة، دم المسلم، أهل دمشق أدرى بشعابها، جنيف 2.. وسيكس بيكو الجديد، وتهون الأرض، رسالة.. للقادم، ِلمن يهمه الأمر!، يقين، معا ضد الإرهاب، أهلا بالمعارك، اليوم موعدنا، هذا الشعب، الرقم الصعب، إرادة، درع وسيف، خير أجناد الأرض، ماذا نقول له ؟، قنوط، استراحة محارب، كالبدر.. بل أجمل !، حالة حب خريفية، تأملات، مـــرآة، حالة تلبس) تلك العناوين التي تفصح عن علاقة الشاعر بالواقع المحيط به وما يدور حوله من أحداث سياسية واجتماعية واقتصادية متسارعة تترك أثرها علي تجربته الذاتية، وتحدد موقفه منها، نراه كلما ضاقت به السبل يلجأ للشعر كي يبوح ما يداخله ـ كأنما يفضفض أوجاعه غلي الوريقات التي تمثل جزءا من كل، فهناك تجارب أخري عديدة باح بها في دواوينة التي صدرت، وهناك تجارب في انتظار البوح علي وريقات أخري، يشكلها وعيه ورؤيته، وموقفه من الحياة التي يعيشها في مجتمع استلب من الإنسان مشاعره، وتحكمت المادة في هذه العلاقات الإنسانية التي لم يتبق منها سوي تلك المشاعر التي تتشكل في هيئة قصيدة يكتبها وتكتبه، وتعبر عن بعض مواقفه الحياتية داخل نفسه ووطنه بل تمتد لتعبر بصدق عن قضايا أمته .

 ويبدو من وضوح التجربة الشعرية لدي الشاعر حسن حجازي في ديوان ” وريقات من كتاب الشعر ” التي ذكر فيها كل هذه الأماكن الوردة، وارتباطها بالأحداث الجارية ليست مقصودة لذاتها بل في علاقتها بتجربة الشاعر وتقوم بتشكيل الوعي بالذات الشاعرة، فالإنسان العارف بالله الذي تأخذه السياحة في طلب المعرفة لا يقف عند المألوف من الأشياء والأماكن، بل يبحث في مكنوناتها وتناقضاتها، وهذا ما حصل لنا مع الشاعر، إذ يصور هذه الأماكن المشكلة للوعي وكأنه يكتب سيناريو يمكن أن نحول من خلاله شعره إلى فيلم طويل، ما دام يصدق فيما يرى مثل كاميرا موضوعية بعيدة عن تدخل الذات وتشظيها قي واقع مؤلم وحزين.

 وييبدو أن كثرة التناص في شعر حسن حجازي تجعله يستعرض آفاق تجربة إبداعية متخلقة، متخيلة، مختلفة واضحة المعالم والرؤى في هذا السفر الإبدعي عبر القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة النبوية والأحداث التاريخية، فالشاعر استلهم لغته من معجم ديني مواز لتجربته الشاعرة ومحيلا إلى أن الشعر يرقى عندما يرتبط بالمعرفة، حيث يصور الإنسان في أبهى تجلياته الإيمانية التي يحضنها الدين عقيدة وشريعة، ويزكي هذا الحضور الديني النزعة الصوفية لدى شاعرنا من خلال التناص مع تجارب شعرية سالفة الذكر في تراثنا العربي، كما يحضر التناص الشعري من خلال الرجوع إلى الشعر العمودي و الشعر الحر وقد أصبح التناص في شعره جزءا لا ينفصل من لغته الشعرية وثقافته واطلاعه علي تجارب الآخرين من رواد الشعر العربي والعالمي.

***

وريقة من كتاب الشِعر

البحرُ من أمامِكم

والشِعرُ من خلفِكم

فإما الموتُ أو الكتابة

فأينَ تذهبون؟

***

ما حرقتُ سفيني

ولا مزقتُ دفاتري

وإنما أرسلتُ قلبي

خلسةً..

لعلي أجد قبساً من حب

أو جذوةٍ من نار

أحرِقُ بها زيفكم..

فأينَ تفرون؟

***

ما خنتُ قلبي يوماً

وما جَفوتُ قلمي

ربما هي قسوة المُحِب

( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ )

فأينما كنتمْ.. نكون

وكيفما كنتمْ.. نكون

ومثلما هُنْتُمْ.. نهون !

***

الحرية هي الزاد

وهي العٍماد

فكم قتَلنَا الزيفُ

والركضُ خلفَ الكلمات

أما زلتم :

“.. في كلِ وادٍ تهيمون ؟”

***

غُلبِت أمريكا

في أقصى الأرض

كما ” غُلِبَت الروم “

فَنُكِست الأعلامُ

وتهاوي المُبْطِلون!

***

ما بعتُ وطني

وما خلعتُ عمامتي

بقروش أو مسمياتٍ

ما أنزل الشِعر بها

من سلطان

وما وقفتُ يوما

ببابِ ” هامان “

ولا ” فرعون ” .

***

هو صراطٌ مستقيم

أرقُ من النسيم

وأحد من النصلِ المسنونْ

سأقفُ عليهِ يوماً

وتقفون

“وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ “

***

يصلبني قلبي لوقفةٍ

(وفي روايةٍ أخرى قلمي)

تعادلُ يومَ الحشر

يوم أن يضعوا قلبي

على الميزان

ويتربصونَ بهِ :

“ريب المنون”.

***

ما خنتُ ” ولادة “

وما داهنتُ “جبران”

وما نافقتُ ” شوقي”

وما حفظِـتُ حرفاً

من شَعر الأقدمين

إنما سِرتُ

في ركابِ المحبين

أتقلبُ وحدي

على جمرِ الكلماتِ

وعبثاً تسرقني السنون .

***

ما باعَ ” عبدالصبور” ليلاه

وما تركها وحيدة

تنتظرُ المُلك أو المليك ,

إنما نحنُ من تهنا

عن الطريقْ

تتجاذبنا الممالِك

وتلهو بنا في غيها :

السُنون .

***

فطفنا حولَ البابِ العالي

قرونا وخنوعا

وميراثا من سواد

ونارا ما خبا جمرها

لم تزل تصطلي

تحتَ الرماد

ولم نزل غرقى

نتخبط بلا هدف

في بحارٍ من ظنون .

***

مازالت ” ولادة “

تنتظر فارسها , بلا جدوى,

في سفره الطويل

عبرَ القرون !

***

البحرُ بحركم

والشِعر شِعركم

أما أنا : فعابر سبيل

في رحلتي عبرَ الدهور

أسعى لبضعِ قطراتٍ

من الرحيقِ المختوم

ربما تشفع لي ولكم

في يومٍ محتوم

فأين أذهب؟

وأينَ تَذهبون؟

***

” جفت الأقلامُ

و طُويِت الصحف “

ومازلنا على الدرب

نسعى..

فكيفما كنتم.. نكون !!

***

دراسة دكتور إبراهيم عطية

 

رحمن خضير عباسعن دار لارسا للطباعة والنشر، صدرت مجموعة قصصية للكاتب العراقي المغترب عبد جعفر، تحت عنوان (طاقية الوهم). وهي المجموعة الرابعة في مساره القصصي . وقد تضمنت أيضا بعض القصص القصيرة جدا، إضافة إلى مسرحية من فصل واحد.

يبدو أنّ أغلب قصص المجموعة تلعب على حبال الوهم، في محاولتها للبحث عن بعض الحقائق التي تشظت وتشوهت، في عملية تشبه ألعاب السيرك، حيث يظل ابطال قصصه معلقين على حبال الخطر والمجازفة والوهم. وكأنهم يعيشون أحلام اليقظة، فالأحداث تسير في نسق متشابه، مابين الأفعال الحقيقية التي يمارسها هؤلاء البشر، وما بين الوهم المُتَخيْل الذي يكتنف هذه الأفعال والأحداث، حتى يكتشف القارئ أنه أمام صور فنتازية، يمتزج فيها الواقع بالمُتَخيل، والحقيقة بالوهم . هذا ما ظهر في قصة متحف الحياة، التي تجعل السياق السردي يسير على مستويين:

المُمكن وغير الممكن، مما يجعل هذه المجموعة، وكأنها تسعى للبحث عن أجوبة مناسبة لأسئلة حادة . إنّها الحيرة التي تجعل الأسئلة ترفرف في الفراغ :

أين كنعان؟ كيف انتهى أبو الصفو؟ ماذا يبحث المسافر؟ لماذا لجأ الحامد إلى المشاكسة؟

وغيرها من الأسئلة التي تتقافز بين ثنايا النصوص. غير أن المغترب يحتل البطولة في أغلب القصص. المغترب الذي يحمل أزماته أو فشله أو ثقافته أو جنونه. ذلك الإنسان الذي قذفته ظروف قاهرة، في مجتمع جديد كان – ربما - يحلم به، ولكنه حينما عاش فيه لم يستطع أن يهضمه، فبقي معلقا في وهمه.

المغترب الذي فشل في أنْ يندمج أو يتأقلم مع معطيات الحياة في المهجر، فلبس طاقية وهمه، وظل أسيرا لماضيه، وكأنه يطارد خارطة الذاكرة، فلا يجد فيها سوى الصور المضببة للعنف والقهر. ورغم ذلك فقد بقي متمسكا بهذه الخارطة التي جعلته في حالة انفصام الشخصية.

قصة (الغريق ) تتحدث عن مغترب اسمه (شوقي) يعود إلى مدينته البصرة. ولكنه يغرق في شط العرب. ورغم أن القصة لم تكترث للحادث ولم تتناول سبب الغرق. ولكنها تحدثت عن حياة شوقي في طفولته وصباه، ومدى القحط والفاقة التي تعرض لها من خلال تخلي والده عن العائلة.

ثم يتناول الاعتقال والتعسف الذي تعرض له شوقي الذي أراد أن يحقق كينونته، من خلال الحرية في التعبير والحرية في الموقف. كما تحدثت القصة عن منفاه حيث كان يتلظى من الغربة. وحالما أتيحت له فرصة العودة إلى الوطن، حتى غرق في مياهه. وكأن القصة تريد أن تعبّر عن ذلك الاتحاد الأبدي بين المهاجر وبين الوطن، من خلال ذوبان جسده في قاع النهر.

لقد كانت قصة الغريق ذات تقنية قصصية جميلة، حيث تبدأ من ذروة الحدث، ثم تحاول الكشف عن مقدماته.

أمّا قصة (القطار الهابط) فتحكي عن قطار العمر، الذي يذهب نازلا حتى النهايات الوشيكة أو المتوقعة. وهو يعلن عن مغادرة محطاته في عتمة الليل. هل هي محطات القطار أم محطات العمر؟

فهذا المغتربٌ القادم من أوربا الذي يزور بلدا عربيا، ويلتقي بالمسافرة الجميلة التي شاركته ذات المقصورة، كانت تحسده على عيشه في أوروبا، لأنها تعتقد أنّ أوربا واحة للثراء والسعادة، ولكنه كان يسخر من اعتقادها، فيحدثها عن حجم المعاناة التي يكابدها المهاجر في العمل المضني، من أجل لقمة العيش. وكيف أنّ طبيعة الحياة في الغرب، اجبرته على فناء شبابه في العمل اليومي، الذي لا يلائم كفاءاته . وهاهوَ يعود سائحا، يحمل حقائب الحنين، ويراقب محطات القطار المتسارع.

كل من المغترب والمسافرة يتمنيان أنْ يتبادلا المواقع. هي تحلم بالغرب وحيويته، وهو يحلم بالشرق وسكونيته. وحينما يتجاذبان أطراف الحديث، يشعر بإعجاب خفي بجمالها وحيويتها. ولكنها تبادله إعجابا مختلفا:

"أنت تذكرني بأبي، صوته وهدوئه وملامحه"

وها هو يسقط ما بين سحر الجمال وبين حاجز السن. لذلك يهرب إلى خيالاته في لحظة متوترة مابين النوم واليقظة:

" الهواء يرفعه ويدفعه، استقبلته لطيفة بقميص ابيض شفاف، احتضن جسدها وغرق في تقبيل تموّجاته"

ولكن فتاة المقصورة تقطع عليه أحلامه، محتجة على أن شخيره قد أزعجها.

تهبط المسافرة وتضيع في الزحام، أما هو فيبقى في شرنقة همومه، يحسب صفير القطار في محطات مجهولة.

في (رحلة البحث عن كنعان). غياب كنعان وعدم تواصله يقلق صديقيه. فيحاولان البحث عنه في شقته الكائنة في الضواحي القصية لمدينة لندن. وبعد أنْ يبذلا جهدا كبيرا في الوصول هناك . كانت شقته مغلقة والعمارة شبه خاوية. متى المرأة الشقراء التي فتحت باب العمارة، قد ذابت في العتمة وكأنّها شبح. وحينما تسللا إلى الطابق الذي يسكن فيه كنعان وجدا الشقة مُقفلة، ولا حياة فيها. مما جعل هادي يشك في وجود كنعان، ويوجه إلى صديقه سؤالا ينطوي على تهمة الوهم :

"هل أنت متأكد أنّ لديك صديقا اسمه كنعان؟"

لقد حاول الكاتب أن يضخ في قصته شيئا من الغموض والرمزية. فكنعان حكاية ملفّقة، لا وجود لها. إنه الإنسان المهاجر الذي يتوحد وينطوي عن حركة الحياة، ليتحول إلى حضور وهمي . ولعل الكاتب أراد أن يؤكد مسألة الغياب الذي يطرأ على المغتربين، ويجعلهم معتكفين على هموم الوطن الذي أضحى بعيدا، والواقع الذي لم يقدّم لهم البديل .

في قصة (صورة داعش) يحاول الكاتب أن يصور الأهوال التي تعرض لها الايزيديون العراقيون من قبل قطعان داعش. وما حلّ ببطل القصة أبو الصفو الذي تعرض إلى الموت ذبحا. ولكنه بقي يؤكد خلوده حيث أنهم تمكنوا من جسده الهرم. ولكن روحه انتصرت على وقسوتهم ووحشيتهم.

هذه القصة تروي بشكل فني الكارثة التي طالت شرائح كبيرة من المجتمع العراقي، من قبل الفكر الإرهابي السلفي والممثل بداعش، والذي اكتسح الحياة واراد أن يغتالها. لقد كان الضحية الممثلة ب أبو الصفو ينتصر رغم موته، حيث يبتسم ساخرا من ضعف اعدائه الذين لا يحتملون من يختلف معهم في الرأي والمذهب والسلوك. ورغم أنهم اغتالوا جسده بصورة مرعبة ووحشية، ولكن روحه بقيت حية طليقة، تعلن انتصارها على أعداء الإنسانية:

" ومد جسده باسترخاء، واضعا رأسه تجاه جبل سنجار، موقنا أنّ الأشباح السوداء لن تقوى على دخولها "

وفي الوقت الذي تدين هذه القصة التطرف السلفي، فانه في قصة أخرى يدين التسلط الذي يمارسه بعض رجال الدين، والذين يقومون بابتزاز الضحايا واستغلالهم . فالأم وابنتها الشابة تستجيران برجل دين لأرجاع طفلتهما المختطفة. ولكنه يستغل سذاجة المرأتين واعتقادهما بموقعه الديني، من أجل إشباع رغباته الجنسية، واستغلالهما جنسيا.

القصتان تنتصران للطبقات المستضعفة والمهمشة. تلك الطبقات التي وجدت نفسها تحت رحمة إرهاب واستغلال وقتل وخطف. ورغم أن الكاتب قد انتزع بعض قصصه من الواقع العراقي البائس، ومن بعض الوقائع التي تفشت. ولكنه أعاد صياغتها بشكلها الفني، فقدمها إلى القارئ وهي تتماهى مع الوقائع وتنأى عنها، مما أسبغ عليها الكثير من التأثيرات الفنية حتى تكون أعمق في دلالاتها ورمزيتها .

يتجلى الوهم بشكل واضح في سلوكيات (الحامد ) وهو مغترب أيضا، ومشاكساته لمدينة لندن التي يعيش فيها، وذلك من خلال ارتدائه الملابس الشتوية الثقيلة في أوج حرارة الصيف. حيث يصعد الحافلة متأبطا مظلته، والثقيل من ملابسه. بحجة استفزاز المدينة وأهلها. ولكن الشابة اللندنية الجميلة التي ترتدي البكيني تسخر من شذوذ ملابسه بوضع عجزها في حضنه:

"هل تشعر بالدفئ أيها الخنزير "

مما أثار سخرية جميع ركاب الحافلة. وحينما ينزل من الحافلة وسط استغراب الآخرين، يحاول استفزاز شرطي المرور الذي يقف في الشمس الحارقة، ويشكو إليه أيضا من شدة البرد . مما يوهم الشرطي بأنه مجرد مجنون، ويستمر الحامد حتى يدخل الكنيسة، ويدخل في حوار عن البرد مع راعي الكنيسة الذي يعامله بذات الاستغراب، ليقنعه بالإيمان والتقوى، لعلهما يشيعان الدفئ المفقود في جسده !.

هل كان الحامد مشاكسا للمدينة كما يظهر من خلال عنوان القصة بسبب الجنون؟ أم أنّ الحامد في كامل قوته العقلية، ولكنه يعبر عن احتجاجه على مدينة لندن؟

لم نستطع أن نلتقط من سياق القصة إجابة شافية. ولكن سياق النص وسلوك الحامد يعبر عن حالة اللا اندماج الذي يميّز بعض المغتربين، والذين يعتكفون على مزاجية مخالفة لما هو سائد ومقبول في هذه المدينة .

انها الغربة المسوّرة بالاعتكاف على النفس، ورفض التغيير الطارئ حتى وإنْ كان على مستوى الانسجام مع روح الطقس. فهذا الرجل وسلوكه الشاذ، ما هو الا كناية عن بعض المغتربين، الذين يعيشون في الغرب ولكنهم لا ينتمون إليه.

وهكذا يدخلنا الكاتب عبد جعفر في أجواء المهجر، من خلال هذه العيّنات التي اختارها بعناية لمهاجرين لفظتهم بلدانُهم، فعاشوا في الغرب ولكنهم لم يتأقلموا، وتحولوا إلى شرائح اجتماعية على هامش الحياة. ورغم شراسة المغزى العام التي تحاول قصص عبد جعفر الوصول اليه. ولكنها كُتبت بإسلوب كوميدي ساخر .

 

رحمن خضير عباس

 

1088 تفضل معناقراءة في رواية (تفضل معنا وو) للروائي مهدي زبين

وداعا حكايات جدتي:

الروائي مهدي زبين مهموم بتجديد اسلوب السرد، يحاول ان يبتكر اسلوبا سرديا مختلفا عما كتبه ليس عن بقية الروائيين ولكن ايضا مخلفا عن اساليبه السردية السابقة، اسلوبا عابرا للتقليد، وكذلك في طبيعة الثيمة المعتمدة في السرد ليتجاوز المألوف، لم يكن يعبث او يجرب بعبثية او دون دراية ولكني ارى انه كان موفقا جدا في بث روحا جديدة غي الرواية العراقية لتكون بعيدة عن التكرار والاجترار.

لايحتفظ مهدي في رواياته سوى ميزة واحدة، او لايكرر في رواياته الا على ميزة واحدة تميزه عن سواه الا وهي ميزة بث الحياة والحركة وانسنة المفردة فيتلقها القاريئ كروح منظورة وليس كحروف مسطورة، انه اسلوب (السرد الناطق) كما ارى (تهمس خطواتي عند مدخل القاعة) ص7،(عصافير الكلام) ووو8، وهو اسلوب لايتمكن منه الا مالك خيال باذخ وثروة لغوية ثرية، قادر على تخليق روح للعبارة والحرف ... كم اتمنى ان تصيبنا عدوى هذا الاسلوب السردي لتحفل كتاباتنا بالحياة فنشهد حروفنا وعباراتنا كائنات ناطقة تعيش في كوكب عملنا القصصي والروائي .

هذه الرواية هي توصيف لحالات واستعمالات وصور عبارة (تفضل معنا) العبارة ذات الاستعمالات المختلفة حسب المكان والزمان والواقع المعاش، وحسب الفرد الناطق بهذه العبارة، فعلى الرغم من كونها عبارة تحمل قدرا من الاحترام والاحتشام والتقدير والتوقير للمخاطب للداعي وللمستدعى ...

ففي مجتمعنا لها دلالات مختلفة منه: الدلالة على المجهول الدال على الخوف والارهاب والترويع حينما يكون الداعي رجل امن في بلد اللاقانون، حينما يتقضلك معه من الشارع او البيت او محل العمل دون ان يكون لك في في طرح اسئلة من انت، لماذا والى اين ؟؟ فالسؤال ممنوع والعتب مرفوع في بلد الخوف والقهر والخنوع ..

1- (تفضل معي) كما حصل مع عامل الاخشاب وصاحبه واقتياده (تفضل معنا) الى دائرة الامن واتهامهم بسرقة سيارة الاخشاب التي تعود لصديق المسؤول، فلابد من القبض على فاعل كائن من يكون ولايهم ان يكون بريئاً ولا علاقة له بالتهمة، المهم ارضاء المسؤول واثبات الجدارة، دون أي احساس بالذنب او تانيب الضمير حتى وان ادت التهمة الملفقة التي يجبر البريء الاتهام بها تحت التعذيب الى الاعدام حيث سيكون راضيا بالاعدام كخلاص من شدة التعذيب ...

المؤلم ايضا هو موقف الناس في مجتمع الخوف والخنوع هو تاييدهم لفعل السلطات القمعية والامنية دون علم بمجريات الحدث فالسلطة هي الاعلم وهي صاحبة الحق المطلق ولايمكن الاعتراض او التساؤول (تتخاطف اصوات صبية ورجال تشفي بنا:"حيل بيهم" و "عاشت ايديكم"" منصورين ..(حيل بيهم ذوله الارهابيه، فروخ ...) ص27-28

فالروائي هنا يوجه سهام النقد واللوم اللاذع الى مثل هذه السلوكيات العدوانية التي زرعتها سلطة الخوف في نفوس العامة من الناس.

اخيرا يتم القبض على السيارة المسروقة والسارق في احدى السيطرات، يطلق سراح المتهمين مع عبارات التحذير وعدم الكلام عما حصل .!!!

2- (تفضل معنا) للجنة الاتحادية لماذا تكتب ومن تعني ب(اكرهكم)

3- (تفضل معنا) الاستاذ يريدك المنظمة الحزبية، هنا تظهر لنا العبودية والخنوع من قبل (الرفاق) امام مسؤولهم المتغطرس (جبتوه) فياتي الحواب (نعم رفيق (شنو) يعصي على الحزب؟) ص39 .

وبعد ذلك يتحولون الى فئران مهانة حينما يتصاغر مسؤولهم امام ورقة يبدو انها ممهورة بمهر مسؤول كبير، يوجه اللوم للرفاق (والله النوب اللي يتعرض له ميلوم الا نفسه، يلله ولو منا)!!

حتى انهه لم يدقق في الورقة كونها منتهية المفعول واتت بطريق الصدفة في يد(المتهم) بمناكدة الحزب والثورة، هذه صورة للشخصيات الكارتونية المتنمرة على الناس والمتصاغرة امام الاسياد، صورة لذكاء وفطنة الفرد العراقي وضحكه على ذقون قود السلطة وزبانيتها .

4- (تفضل معنا) لتلبية حاجة مخرج سيمائي الى كومبارس يردد كلمات يلقنها له وهو يسجل فلما سينمائيا في المطار، لايعلم ذلك الا بعد اخذ منه الخوف والرعب مأخذه وهو يقاد للمجهول، فيضحك على نفسه .

5- (تفضل معنا) ليفرغ الطائرة من احمالها من فراخ الدجاج، فيخلس قناني مياه علامة (بيريه) بنية وخضراء اللون متوهما انها قناني بيرة، فيعطيه مضيف الطائرة منا مايشاء، فيسكره الخجل والوهم وجهله بان يكون الماء بمثل هذه العلب الجميلة نظيرة علب البيرة في بلادنا .

6- (تفضل معنا) دعوة من الحبيبة لحضور امسية جميلة، يعيش حلم سعادة اللقاء بالحبيبة، تتناوبه اللهفة والشوق و مشهد المافجأة للمحب في قاعة الامسية الفخمة، يفتش عنا يتفرس الوجوه، يمسح بنظراته المنصة وكراسي الجلوس فلا يجدها، يصاب بالصدمة حينما يعلم انها قد فارقت الحياة حينما يدله بعضهم عن لافتة النعي في مقدمة القاعة .

عبر ما تقدم فالرواية تكاد تكون مجموعة من القصص القصيرة يربطها رباط واحد فيلبسها ثوب الرواية الا وهو عبارة (تفضل معنا) بمختلف تجلياتها المؤلة المرعبة، المدهشة، الغير متوقعة الساخرة من الذات ومن الاخر، افرادا او سلطات، قيما وسلوكا وممارسات ...

وقد حملت هذه القصص اجمل ميزة من ميزات القصة القصيرة وملاحتها الا وهي القفلة او الخاتمة الصادمة المدهشة .

مهدي زبين لا يمارس السرد الخيطي المتسلسل متنكرا لحكايا الاجداد والجدات و (سوالفهم) التي كانت تشدنا صغارا في ليالي الشتاء الجميلة ونحن نتحلق حول منقلة الحطب ونتعطر برائحة مسك الجدات ورائحة الشاي المهيل، يقطع الصور ويعرض سلسلة متناثرة الاجزاء لحياة انسانية معاشة، لناس فقراء، بسطاء، محايدين حرمتهم سطوة سلطات ظالمة واعراف بالية وقهر الفاقة والعوز من نعمة الامان والاحساس بقيمة الذات وصيانة الكرامة .

فلو اقتطعنا احد هذه القصص فستكون مكتملة ولا تحتاج لاستكمال بنيتها السردية وحبكتها الى استدعاء القصص الاخرى في الرواية .

انها محاولة لعرض بانورامي لصور وومارسات وتجسيدات وتمظهرات ال (تفضل معناو ..) في حياتنا الاجتماعية المعاشة، يمكن للقاري ان يضيف المزيد من من تمظهرات (تفضل معناو) مثلا (تفضل معنا) لتناول وجبة طعام في مطعم فاخر ونحن نعاني من الافلاس المزمن، ولكن الداعي المتفضل يتسسلل خارج المطعم ولا يدفع الحساب ونقع نحن في المصيدة، وتفضل معنا لحسناء تنتهي بكمين فنكون فريسة للضرب والابتزاز ودفع الغرامات، وتفضل معنا لتصريف وتبادل بعرض مغري لعملة باخرى لنتبين بعد حين انها عملة مزيفة وهناك الكثير من المشاهد .

فتظهر لنا حربنة هذه (تفضل معنا) وقدراتها الكبيرة على الايهام، فمرة سوط جلاد، ومرة افعى قاتلة، او حبيبا مفقود، او ثعلبا ماكرا ..

الامر الرئيس الذي اكد عليه الروائي ان هذه (التفضل معنا) غلفتها السلطات بالخوف وحرمة ورهبة السؤال والتساؤول وهي صفة وتوصيف الانظمة الديكتاتورية في حياتنا اليومية .

("تفضل معنا" يالها من جملة أنيقة، لكنها توحي باتجاهات متناقضة، ظاهرها يساير اللطافة واللياقة العالية، كأن احدا يدعوك الى وليمة \ نزهة، أو مناسبة عزيزة، أو تعني قصدا مغايرا، يفسره سياق الموقف، أنت تحدد صيغة العبارة وكيفية القائها، وتوصيلها الى تأويل يطابق التهديد...) ص21.

 

بقلم: حميد الحريزي

..............

* طبع واصدار فضاءات الفن ط2 2019 .

* رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد(1349) لسنة 2019.

 

 

جمعة عبد اللهروائي عراقي متمكن في اسلوب القصة والرواية. منذ الستينات القرن الماضي ظهر في الكتابة القصة، في سن مبكرة، بدأ ينشر في الصحف والمجلات. بذلك يملك تجربة غنية وهامة، في الابداع واسلوب كتابة القصة والرواية، في اسلوبيته الواقعية الواضحة في المتن السردي. بالتناول بالسعة الشفافة والمبسطة، في لغته الجميلة. بالتركيز المكثف، الصافي من حواشي الزائدة. وهذه الرواية صدرت في عام 1970. نتلمس من خلال الصياغة واسلوبية العرض والطرح، بأنها تشق الطريق نحو التناول الحديث في تقنيات براعة النص، يتجاوز ماهو مطروح آنذاك من الاسلوب التقليدي والكلاسيكي السائد أنذاك، ونستطيع ان نقول بثقة بأن هذه الرواية، نقلة نوعية في تطور اسلوب الرواية العراقية آنذاك، بطريقة ابداعية متمكنة، في الاسلوبية والصياغة، والتناول والطرح، بالرؤية الابداعية العميقة. في تناول قضايا الحياة والواقع، بالاسلوب الواقعي والموضوعي. في تناول الحياة الشرقية في بلدان الشرق، ومنها العراق. التي تتزاحم عيوبها وعثراتها على الانسان الشرقي، التي تضعه في دائرة مغلقة من الهموم والمعاناة. نتيجة العسف والاضطهاد. بأن تجعل الانسان يتحمل صبر ايوب. في العلاقة غير المتكافئة، بين السلطة والمواطن. وهي علاقة السيد بالخادم، في زحمة الارهاب المسلط عليه. لذا يجد الانسان نفسه منهزم ومحبط في الانتكاسات والازمات داخل هذه الدائرة المغلقة. وتجد الانسان يبحث عن منافذ للخروج من هذه الدائرة بأية وسيلة كانت، اي الرحيل خارج البلد، مثلما فعل هذا الشاب العراقي، الذي يمارس مهنة التدريس، ان يجد فرصته المواتية في العمل في المغرب. ان يجرب حظه في مهنة التدريس هناك. ويسمى في المغرب (سي الشرقي). والحدث السردي يقوم في مهمة الرصد والملاحقة، في عيشه وسكنه وطريقته عيشه في الحياة، بالتفاصيل الدقيقة، في غربته الجديدة. بهذا العمق والاتساع في المتن السردي، في معايشة ازماته الجديدة، في الرصد العميق، وبضمير المتكلم السارد. ما هو إلا شخصية الكاتب نفسه. بهذا التدفق الوجداني، في الارهاصات والخوالج والهواجس. كانت غربته في سبيل تعويض خسارات التي تجرعها في بلاده. والسعي الحثيث في امتلاك الحرية المفقودة. التي يجسد قوامها في شخصية المرأة (رقية) وهي الشخصية الدالة في رمزيتها التعبيرية، بالحب والحرية من رؤية واقعية. هذه الفتاة المغربية ذات عشرين ربيعاً، في زيها الشعبي المحافظ. في افعالها وتحركاتها وعلاقاتها المتشعبة والمتشابكة. ربما بعضها يدور في دائرة الابهام والغموض. وهي جزء من العلاقات العامة، بين التحرر والمحافظة. ولكنها تظل تحمل دلالة رمزية عميقة، هي رمزية الحب والحرية. وامتلاكها صعب المنال، تتداخل فيه صعوبات ومعوقات وحواجز شتى. اي انها تحمل تناقضات المتشابكة في روحية الشرق عموماً. ولكن (سي الشرقي) يصاب من اول وهلة، في مشاعر مشتعلة بالتشوق والانجذاب. نحو هذه الفتاة ذات البشرة السمراء والشعر الكثيف، منذ اللقاء الاول تصرعه نظراتها، وتأخذه مجرات المشاعر في التحليق البعيد (إلا اني لم اجد دوافع كافية تحملني، رغم نفسي الى ذرى الموجة، كما يحدث لي في الماضي، شيء ما مهم من مشاعري) ص29. وكانت مشاعره تحرث في امتلاك، والوصول الى قلبها، لينالها بالحب. لتكون كافية لتغيير مسار حياته. من الاحباط الوجودي الذي يعصف في وجدانه وان تأخذه الى مسارات معاكسة، لكي يسكن ويهدأ فورة التوتر والقلق التي تصاحبه كظله، لينطلق الى فضاء الحرية المفقودة في بلاده، ووجدها في شخصية (رقية)، التي تمثل رمزية الحب والحرية. وهو يبحث عن هذه الاشياء المفقودة في بلاده. بهذا التشخيص يرسم الكاتب شخصية (رقية) في ابعادها الوجودية والحياتية (جلست على الكرسي فأنتثر شعرها، كنت أمر بسعادة لا توصف، كسارق حصل على غنيمة العمر، فبات يخشى على نفسه من فرط سعادته - قالت. وأنت؟

- اعجابي يصل الى حد العبادة.

ضحكت : أنا متأكدة من ذلك) ص76. هذا الانبهار الروحي، هو مرادف للانبهار في الحب والحرية، المتلألأةً في عيونها، يجد ماضيه وحاضره، في خيره وشره (كانت عيناها تملأن الوجود عليَّ. ماضيه وحاضره، خيره وشره، واخذت أتلمسها نصباً زجاجياً شفافاً مغرزاً في ذاتي، وملكتني رغبة أحرقت دمائي، لكني أحتقرت نفسي حيث لا أستطيع ان أفعل غير تقبيل يدها، لا أجرؤ ان اتمادى) ص76. وهو يريد ان يلتهم جسدها وروحها في الاحترق الرومانسي (كنت ألتهما. جسدها. روحها. ضحكتها. يالهي، أنني أحترق ولا شك ان روحها هي التي تحرقني. جسدها عملاق من الحسن والوجد والنار، يسد عليَّ المتافذ) ص76. بهذه الغزارة في الشوق الرومانسي، يسعى في الحصول على الشيء الضائع داخل نفسه. بهذه الصورة الابداعية في تصوير، الشخصية الشرقية، التي تتنازعها الصراعات المتأزمة والمقموعة، بالاحباط والمحاصرة، في شرنقة الصراعات المتعددة الجوانب. من القوى المضادة، التي تعمل على الحرمان والانكسار، انها صفة عامة في بلدان الشرق المتوسط. ان تتحول الحرية الى شيء غير موجود، او انها شبح ودخان وسراب.

   احداث المتن الروائي:

شاب عراقي يمارس مهنة التعليم كمدرس، يستغل الفرصة السانحة للعمل في مجال التعليم كمدرس في المغرب، وينزل في منطقة شعبية، في عمارة الصيني المطلة على شارع وزقاق يفصل المدينة الى قسمين. زقاق (زنقة بن بركة)، الذي تدور فيه معظم احداث النص الروائي في هذه الحارة الشعبية، التي تعيش الفقر والحرمان، في سكنه الجديد يتعرف على الناس في الحارة، رجالاً ونساءً، ويرتبط بعلاقات حميمية ووثيقة معهم. وينادونه بأسم (سي الشرقي)، ويتعرف عن حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية المحيطة بهم. يحاول ان يبني علاقة حب مع الفتاة (رقية) لكنه يجد صعوبة ومعوقات في ذلك. مما تزيد من احباطاته النفسية الى التأزم، وينزلق الى الحياة العبثية، في الجنس والنساء والخمر، ولعب الورق والقمار. يفقد التوازن الحياتي في سلوكه. وفي النهاية تحوم حوله الشبهات المريبة، في ارتكاب جريمة قتل، هو لم يفعلها، ليجد مصير الاسود من الاحباط والانكسار والانهزام. ويجد نفسه في حالة يرثى له، يعني انه فشل في امتلاك الحب والحرية.

 شخوص الرواية المحورية:

لاشك ازدحمت الرواية بالشخوص الاساسية والثانوية، رجالاً ونساءاً. ولكن من اهمهم، ثلاثة شخصيات: هي رقية، موجود في كل شخوص الرواية، في تحركاتها ونشاطها وعلاقاتها المتشابكة والمتشعبة. ولكنها مضطربة في التوازن في الحب، واخيراً بعد فوات الاوان، عرفت، بأن (سي الشرقي) يحبها فعلاً وذلك تشعر بالخسارة من هذا الحب الضائع. وكذلك شخصية. سي الحبيب. وسي أدريس.

1 - شخصية ورمزية. سي الحبيب. مناضل قديم ساهم في النضال في سبيل استقلال المغرب، وتحمل الكثير من السجن والتعذيب والحياة الشاقة، شخصية محبوبة ولها ثقل في الاوساط الشعبية. ولكن بعد الاحداث العاصفة في منتصف الستينات القرن الماضي، وضع تحت المراقبة والاقامة الجبرية، وابعد الى هذه المنطقة الفقيرة، بدلاً من ان يصدر حكم الاعدام بحقه. وتقول عنه (رقية) موجهة كلامها الى سي الشرقي (كل الرجال يحبوني، ويخضعون لي، لكن لم اجد الحب العظيم الذي يجعلني أجثوا على ركبتي، في سبيل بقائه والاحتفاظ به، هنا قد وجدته في شخص سي الحبيب

- لكنه لم يحبك ِ.

- ربما، لكنه أذا احب فسيحب بكل ما يملك، سيضحي حتى بروحه لاجل الحب، ألا تراه قد ضحى بصحته ومستقبله وكاد يعدم لاجل قضيته ؟

- وطن

- وطن، إمرة الشي ذاته، انه قادر على التضحية، والتضحية تخلق الحب العظيم. القضية العظيمة. الامل العظيم) ص79. وكان يحث (سي الشرقي) على نيل حب (رقية) وان يصونها من التشتت. بأنها جديرة بالحب.

2 - شخصية ورمزية سي أدريس: الذي طفر من الفقر المدقع الى الغنى الفاحش، واصبح من اثرياء المغرب. يملك مزرعة كبيرة، ويستغل ببشاعة عمال مزرعته، يعاملهم كالعبيد لدية. وهو صورة طبق الاصل، للطبقة الاقطاعية ورجال الاعمال والنفوذ، في جشعهم واستغلالهم الفاحش للفقراء والعمال. يعيش البذخ والليالي الحمراء ولعب القمار والنساء. ويعتبر المال يشتري كل شيء ويمزق شرف والعفة ببساطة لاية إمرأة كانت، ويعتبر النساء او المرأة، بأنهنَّ حشرات حقيرة. يستطيع بماله ان يشتري اية إمرأة مهما كانت مكانتها، وانه دائماً يكسب الرهان في شراء الفتيات، وحين يحتج غضباً (سي الشرقي) على هذا الوصف والاهانه للمرأة، بأنها حشرة حقيرة، فيجيب (لانه لا توجد فتاة نظيفة، كلهنَّ حقيرات تعميهنَّ المادة)ص105. لذلك ورد على لسانه بالسؤال عن (رقية) استفز غاضباً ومزمجراً وهدده بالقتل، اذا ورد على لسانه أسمها (سأقتلك اذا ذكرت أسمها ثانية في هذا المكان) ص111. ولكن بعد ذلك يتهم (سي الشرقي) بجريمة قتل (سي أدريس) وهو بريء ولم يفعلها، لكن كل شبهات الجريمة تحوم حوله، حتى (رقية) تعتقد بأنه قتله من اجلها لانه يحبها صدقاً، لذلك تقول له وهي تجهش في البكاء المر (- قتلته لاجلي، لانك تحبني.

- أنتِ واهمة، أنا لم أقتله، وأن كنت اتمنى أن افعل ذلك)

 وتنفجر في البكاء، وهي تفجر الحقيقة الصاعقة

(أنت تظلمني، ألم تعرف حقيقته؟

مططت شفتي مقلداً اياها بسخرية مريرة : وما الحقيقية ؟

- أنه عنين. غير طبيعي. ليس كالرجال

- عنين؟) ص137.

ولكن سبق السيف العذل. هكذا كان يطارد الحب والحرية المفقودة. ليجد نفسه في وضع ميؤس لا فكاك ولا مخرج منه.

 

  جمعة عبد الله

 

 

يُعَدُّ الرمز من التقنيات الفنية التي وظفها الشعراء في مختلف العصور وعلى اختلاف انتماءاتهم الفكرية والأيدلوجية، وذلك يعود لما لهذه التقنية من تأثيرٍ فعّال في تثوير دلالة النص الإبداعي من خلال تكثيف الدلالات بمساحةٍ ضيقةٍ ومحدودةٍ، مع توفر البعد الدلالي الذي ينفتح على تشظي التأويل، ولم يكن الشاعر يحيى عباس السماوي بعيداً عن هذا التوظيف، إذ سجل حضوراً مائزاً في مساحاته الشعرية الموصوفة بــ(قصيدة التفعيلة)، ولذا جاءت فكرة هذا البحث تحت عنوان (التصوير الرمزي في شعر يحيى السماوي / شعر التفعيلة أنموذجاً)، وتم تقسيمه على محاورٍ عده منها: (أهمية التوظيف الرمزي)، وفيه وقف الباحث على أهمية توظيف الرموز في رسم ملامح الصورة ودلالتها عند الشاعر، ثم قسمنا الرموز التي مثلت مهيمناً نقدياً في المتن تبعاً لمدى حضورها على: (الرموز الأدبية) وتناولنا فيه الرموز التي تكاد تشكل خصوصيةً في توظيفها عند الشاعر، على الرغم من شيوع بعضها عند شعراء آخرين، أما المحور الثالث فقد جاء بعنوان (الرموز التراثية) وهو القسم الثاني من أقسام الرموز التي تم توظيفها من قبل الشاعر يحيى عباس السماوي، وقام على (الرموز الدينية)، وعلى (الرموز التاريخية)، وكلاهما تمثل بشخصيات سجلت حضورها في التكوين المعرفي للمتلقي العربي وبمختلف توجهاته واهتماماته، ثم خاتمة البحث التي تضمنت أبرز النتائج التي توصل إليها الباحث.

اعتمد البحث المنهج التحليلي الاستقرائي في تناول هذه الظاهرة النقدية مستعيناً بمصادرٍ تتصف أغلبها بالتوجه النقدي الحديث.

أهمية التوظيف الرمزي

يُعَدُّ الرمز من أكثر الوسائل الفنية انتشاراً في التشكيل الصوري للقصيدة العربية المعاصرة، فهو يتيح للشاعر(تجسيد رؤيا هو يمنحها شكلاً حياً و ملموساً)(1)، ويعطي فرصة لتأمل شيء (آخر وراء النص. فالرمز هو قبل كل شيء، معنى خفي وإيحاء، إنَّه اللغة التي تبدأ حين تنتهي لغة القصيدة)(2). لذا فأنَّ التصوير بالرمز هو (تقرير للقضايا، وتسجيل للأحداث)(3)، كونهُ أول قيمة شعورية مباشرة تنبع من تجربة الشاعر؛ لتحدد رؤيته الشعرية بوساطة الصور الناتجة عنه (4).

فضلاً عن كون الرمز وسيلة إيحائية يحاول الشاعر فيها تقديم حقيقة مجردة، أو شعور، أو فكرة غير مدركة بالحواس في هيئة صور وأشكال محسوسة يجعلها قادرة على الإيحاء بما يستعصي على التحديد والوصف من مشاعره وأحاسيسه وأبعاد رؤيته الشعرية المختلفة (5)، ليحّمل رموزه (وظائف جمالية عندما تسهم تجربته على نحو مؤتلف مع مكونات النص الفني)(6).

فالرمز في حقيقته (صورة الشيء محولاً إلى شيء آخر، بمقتضى التشاكل المجازي، بحيث يغدو لكل ِّ منهما الشرعية في أنْ يستعلنَ في فضاء النص، فثمة ثنائية مضمرة في الرمز وهذه الثنائية تحيل على تقويمين جماليين متماثلين مع الإشارة إلى إنَّ هذا التماثل هو الأساس في التحويل الذي يجريه المبدع ـ أي هو الأساس في جعل الثنائية واحدية في الرمز)(7)، وما هو إلاّ (وحدتهُ الأولى صورة حسية تشير إلى معنوي لا يقع تحت الحواس، ولكن هذه الصور بمفردها قاصرة عن الإيحاء: سمة الرمز الجوهرية، والذي يعطيها معناها الرمزي إنَّما هو الأسلوب كله، أي طريقة التعبير التي استعملت هذه الصورة وحملتها معناها الرمزي، ومن ثم فإنَّ علاقة الصورة بالرمز من هذه الناحية أقرب إلى علاقة الجزء بالكل، أو هي علاقة الصورة البسيطة بالبناء الصوري المركب الذي تنبع قيمته الإيحائية من الإيقاع والأسلوب معاً)(8)، فضلاً عن كون الصورة تتحول إلى رمز من خلال (وفرة دلالاتها وكثرة معانيها وقدرتها على الإيحاء والتداعي، وإنَّما هو وضع خاص لها تكّون فيه نسقاً كاملاً من التجربة أو كائناً مستقلاً يملك حياته المتكاملة دون اعتبار لأيِّ معيارٍ عرفي من معاييرها، وما لم ندرك هذا الفرق الضروري، فستقع لا محالة في شرك، فنتعامل مع كل َ صورة ٍ قادرة على الترميز رمزاً فنياً)(9).

وطبيعة الرمز لا يحل شيء محل شيء آخر فحسب، ولا يكتفي بمجرد الدلالة، حيث الطرفان طرف العلاقة الدالة وطرف الشيء المدلول عليه يعملان معاً (10)؛ لأنَّ وظيفة الفنان أنْ يجسد خبرته في رموزه، فيستعمل ما يجده في عالم الطبيعة، ويعبر به عن رؤيته في الأشياء التي يرمز لها في نصوصه (11).

ولو بحثنا في سبب لجوء الشاعر إلى توظيف الرمز في تشكيل صورته لوجدنا أنَّه (مرغم على ذلك بسب وجود عوائق سيكولوجية واجتماعية وأخلاقية فضلاً عن الخوف والحياء، تَحول دون اللجوء إلى التعبير مباشرة عن رغباته وأحاسيسه، أي أنَّ الشاعر يَعمد إلى الرمز بصورة طبيعية وقسرية في آنٍ واحدٍ، فيظهر رمزه كمظهر الثورة على الوضوح الكلاسيكي العادي، الذي يشوبه الصدق وعدم الافتعال، وبصورة أخرى إنَّ الشاعر يغير طرائق التعبير الشعري فيحل الرمز والإيحاء ـ حسب رأي الدكتور مندور ـ محل التقرير والإفصاح...)(12)، فضلاً عن وجود عوامل أخرى تتمثل (بوجود عوامل فنية، كعامل الرغبة في نقل أحاسيسه إلى الآخرين، والتأثير بهم، وغالباً ما يحقق الشاعر هذه الرغبة باستخدام الصور والتشبيهات والاستعارات وغيرها من ضروب البيان والبديع، والقيم الفنية التي تنثال من مخيلة الشاعر بتلقائية تتسامى على كل افتعال أو تصنع)(13). إلى جانب ذلك ثمة أسباب سياسية في المجتمعات الدكتاتورية التي لم تمكن الشعراء من التعبير مباشرة عن مقاصدهم خوفاً من القمع السلطوي.

ولذا (بات الشعر المعاصر أكثر تعقيداً، وأميل إلى الاستغناء بالإشارة والتلميح عن التصريح فقد انبثقت أشكال بنائية متقدمة وبدأ الشاعر بهجر المباشرة والتقريرية، واعتمد الإيحاء والرمز والبناء بالصورة الشعرية عن طريق إيجاد (معادلات موضوعية) لانفعالاته وأفكاره وتجاربه)(14).

وتكمن جمالية الرمز في تشكيل الصورة الشعرية إذا كان (نابعاً من حاجة القصيدة إلى تلك الرموز، وما تمتلكه هذه الرموز، من مجال درامي أسطوري يتفاعل مع تجربة الشاعر المعاصر)(15)، لكي يكون أكثر جمالاً وتأثيراً حتى يتنفس في القصيدة كلها، ويمتد فيها كاشفاً عن رؤيا الشاعر (وينبغي أن ندرك بوضوح أن استخدام الرمز في السياق الشعري يضفي عليه طابعاً شعرياً، بمعنى إنَّه يكون أداة لنقل المشاعر المصاحبة للموقف وتحديد أبعاده النفسية)(16).

وقد تنوعت الرموز وتشعبت مصادرها وطريقة تناولها، وليس مجال البحث في هذه الدراسة استقصاء تلك التشعبات وتفريعاتها، وإنّما نكتفي بدراسة الظاهرة في شعر يحيى السماوي في النصوص التي تميزت في تشكيل صورها باستخدام الرمز، بصورةٍ عَمقّت من فاعلية الصور التي شكلها، ونقلها إلى مصاف الجمالية.

فمثل الرمز في لغته الشعرية أبرز أسلوب جمالي في تشكيل صوره الشعرية، مضفياً عليه أبعاداً دلالية شعرية جديدة يحرص فيها على الإيحاء بخصوصيته الأسلوبية من جهة الأداء، وعلى عدم حضور فاعلية الآخر الشعري (17).

فيحيى السماوي شاعرٌ يعيش باحثاً عن رموزٍ تعادل تجربته الشعورية، تلك التجربة التي تعمقت؛ أثر اغترابه وحنينه إلى وطنه، وعشقه المتمثل بتجربته الرومانسية، ورفضه المتواصل للمحتل بكافة تجلياته، لكون الرمز (يتيح للشاعر تعبير آفاق واسعة لمعانيه الشعرية، بمعنى إن المعنى الشعري الصادر عن أسلوب الرمز، هو معنى مكثف ذو تجليات خاصة)(18).

والمتتبع في شعره يكشف أنَّ نصوصه غنية بالرموز الفنية التي بثها في صورٍ حية تؤلف بين ذاته والواقع الذي يريد أنْ يصوره. فيخلق منها قوة تأثيرية ضاغطة على السامع والقارئ. لذا جاء الرمز لديه موزعاً على مجموعتين هي:

أولاً: الرموز الأدبية.

ثانياً: الرموز التراثية وتقسم على قسمين: الرموز الدينية، والرموز التاريخية.

أولاً: الرموز الأدبية

يمثل الرمز الأدبي (عمقاً أو بعداً من أعماق أو أبعاد المعنى)(19)، وهو هنا غير الرمز الأسطوري الذي توارثه الشعراء بالتوظيف وتوالى عند غيرهم حتى غدا أسطورة، ولا الرمز البدائي الذي انحدر إلينا من الثقافات البابلية والفرعونية واليونانية والهندية(20)، وإنَّما هو ذلك الرمز الذي أبتكره الشاعر من خلال إلحاحه على لفظةٍ محددة ٍ حتى تغدو في شعره رمزاً، ليوحي من خلاله بتجربته الانفعالية، وارتباطه بظروفه النفسية، وهو على وفق هذا التوصيف (ابن السياق)(21).

وعند تفحص نصوص الشاعر، يجد الباحث أنَّه قد وظف رموزاً، تميزت بالأصالة والابتكار من خلال مزج رؤيته بالواقع مزجاً تخيلياً عميقاً، فيعطيه أبعاده الجمالية والتأثيرية (22)، ورموزاً أخرى أنتزعها من الطبيعة، وأسماء لشخوصه التي مثّلت صفحات مضيئة في مخيلته. فالشاعر المبدع (هو الذي يستطيع خلق الرمز الجديد الذي يوصف بأنَّه حي ومحمل بالمعنى)(23).

فمن الرموز التي أبتكرها الشاعر رمزية (صوفائيل) بأنَّه نحت كلمة من كلمتين الصوفية والملائكية، وهو ملاك العشق الصوفي (24)، وأسماء أخرى مثل (مجدائيل، عشقائيل)، وكأنَّما يوجد ملاك للعشق الصوفي الذي شيده في بنية خطابه العشقي. إلا أنَّ إلحاحه على لفظة (صوفائيل) التي تكررت (عشرين مرة) حتى غدت رمزاً لرسول محبوبته، التي أضفى عليها سمة القداسة، فحاول (تنكير طبيعته الحسية من خلال اشتقاق تركيبة الاسم من الصوفية المرتبطة بلاحقة لغوية سومرية ترتبط بسمة الإلوهية (أيل)، تضاعف من التغريب الأسطوري لدوره)(25).

فما صوفائيل إلا مرسال بين المرسل (المحبوبة)، والمرسل إليه (الشاعر) الذي ينتظر أنْ يأتيه بوصايا قانتته الزهراء، التي ينتظر أنْ تنزلَ عليه عبر مبعوثها، الذي يبلغه بوصاياها بصورة غير مباشرة (26)، كما تبين ذلك في قصيدة (بعيداً عني قريباً منك) التي يقول فيها:

جاءني

في خلوة الفجر على الساحل

" صوفائيلُ "

يمشي خلفه الأطفالُ

والإزهارُ..

والنهر ُ...

وأسرابُ الحَمامْ

قالَ ليْ:

تُــبْـلِغُـكَ الضّـوئيـّة ُالعِـشقِ

السّـــلامْ

وتقولُ أحْـذرْ مـنَ:

الغـــمْــزِ

أو

اللـــمْـزِ..

أو الهـَمْـزِ

إذا تكتب شعراً..

فالذي يغــمــزُ

أو يلـمِـز

أو يهمِـزُ من طاهرةِ الثوبِ لئيمٌ..

وأنا فردوسيَ الناسِكُ لا يدخلهُ

المارقُ..

والآثِمُ..

والآكِـلُ من صَحـْـنِ الطواويسِ

وماعونِ اللئامْ (27)

يتضح من هذا النص أنًّ (صوفائيل) رسول الوصايا الأخلاقية، إنسانية وشعرية، فالرمز هنا وضح البنية الصوفية التي شيدها الشاعر في خطابه، وأوضح صورة قانتته (الزهراء) ذات صفات القداسة التي أستدل عليها الباحث من وصاياها عبر رسولها (صوفائيل)، فهو رمز للخير والعطاء، وصيانة النفس من المريب الذي يدنسها. ونلتمس ابتهاجات الفرح والخير دائماً يأتي بها مبعوثها في قوله:

جاءني

في يوم ِعيدِ الوردِ "صوفائِيلُ"..

مبعوثاً

من القانتةِ الزهراء ِ..

حَيّاني..

وألقى للعصافيرِ على النّخلة ِ

قمحاً..

جاءَ طيرٌ يُشبهُ الهُدهُد َ..

حَيّاه..

فقالا كلمات ٍ..

ومضى الطائرُ حتى غاب َ

في حضن ِ الفضاءْ.. (28)

يُلحظ في المقطع السابق حركة التبليغ التي جاء بها المبعوث (صوفائيل) المتمثلة بالتحية الملقاة على الشاعر، وحركة إلقاء القمح على العصافير، فهي تعزيزٌ لرمزية الخير والعطاء التي دائماً ما يأتي بها صوفائيل وهو حاملٌ هذه الكرامات، فامتدت كراماتها عن طريق مبعوثها ليس على الشاعر فقط، بل امتدت لتشمل الكائنات الحية الأخرى.

وهناك شخصية اتسمت بالبطولة في مقاومة النظام آنذاك، عاصرها الشاعر في حقبة من حياته السياسية، وهو ما جعل الباحث يلتمس أثرها في فكر الشاعر من خلال إلحاحه عليها في قصيدته التي حملت اسم المرثي (كامل شياع)(*) فاتخذ منه رمزاً للشجاعةِ الأبية، ورمزاً للشهيد الذي خلده القرآن بأنَّه حيٌ لا يموت بقوله:

ما مات َ" كاملُ "..

إنَّ " كامل " لا يموتْ:

ما دارَ ناعورٌ

وفاضتْ بالهديل ِحمامة ٌ

وتوضأتْ بالشمسِ أبوابُ البيوتِ!

ما ماتَ " كاملُ "..

" كاملُ " اختصرَ الطريقَ إلى السَّماءْ

من كوَّة ٍ في رأسهِ الضوئيِّ

والجسدِ المُخَضَّبِ بالدماءْ (29).

جعل الشاعر ذكرى استشهاد (كامل شياع) رمزاً من رموز النضال والتضحية التي قدمها الشعب العراقي بيد أن ذكره لم ينفصل عن السياق الرثائي الذي تطور في القصيدة المذكورة، فضلاً عن دلالة اسم المرثي التي عززت من دلالة الصورة؛ لكونها تدل على (الكمال والتمَّام، كمال الخير)(30).

ومن هنا يبدو للباحث أنَّ (كامل) الرمز يتحرك دائماً في نفس السياق الرثائي على طوال القصيدة التي تكرر فيها (ثماني عشر مرة)؛ لأنَّ التجربة الشعرية للشاعر بقيت متأثرة بالحدث الجلل الذي رسم درب المناضلين المخلصين أمثاله، ولكن عزاء الشاعر أنْ يكون (المرثي) الرمز القدوة ومثالاً للتضحية في سبيل تحقيق الخلاص والتحرر.

وثمة نوعٌ آخر من الرمز الأدبي لا يخفى أثره، ودوره في تصوير عمق تجربة الشاعر، وهو (الرمز الطبيعي) الذي كثيراً ما يختلف عن باقي الرموز الأخرى، لعدم تدخل الإنسان في تكوينه، لذا تكون قيمته الجمالية متبدلة ومتغيرة، بصورة دائمة، ممّا يجعل تاريخه مستمراً وغير محدد نهائياً، وهذا ما يميزه عن الرموز التراثية التي تمتلك وجوداً محدداً في الذاكرة الاجتماعية، التي تفرض نسقاً معيناً في تلقي هذه الرموز. أي أنَّها لا تتصف بالحيوية التي يتصف بها الرمز الطبيعي والابتكاري(31).

(وإنَّ هذه الحيوية تعطي المبدع حرية عظمى في التعامل الرمزي، بحيث لا يبدو مقيداً بتلك الذاكرة.... فللأشياء تواريخ، في الوعي الاجتماعي، لا يمكن للمبدع أنْ يهملها أو يتغاضى عنها؛ غير إنَّ هذه التواريخ متواصلة النمو والتبديل والتغيير والإضافة والحذف والتعديل بحسب التجارب الاجتماعية المتبدلة أيضاً)(32).

والمتتبع لشعر التفعيلة عند يحيى عباس السماوي يلمح تدفقاً ملحوظاً في استخدام رموز الطبيعة، وتحميلها دلالات نفسية وفكرية من خلال إسقاطات ذاتية، عَبرَ مماهات الذات الشاعرة مع تلك الرموز؛ لذلك نجد النخيل تكرر في شعره كثيراً، ومثل حدثاً ثابتاً عند الشاعر، ويتغير في الرؤية الشعرية لديه تبعاً للرؤية النفسية. فشكلت هذه المفردة (الثيمة المركزية) للنصوص التي انضوت تحت هذه المجاميع.

فعمد الشاعر على تجسيد إحساساته في النخيل، ولكنه جرده من كثافته الحسية، فتعامل معه بوصفه قوة معنوية، ترمز للشموخ والإباء والرفعة تارة (33)، وتارة أخرى رمز لبلده العراق وارتباطه بذكريات الطفولة وهو في أرض غربته؛ لأنَّ (النخل رمزٌ للعراق؛ لشهرته به، وقد يستعمل هذا اللفظ للدلالة على السمو والشموخ والكبرياء)(34). فتنوع الدلالة الرمزية للفظة النخيل تبعاً للسياق الذي ترد فيه كما سبق تذكرنا بمقولة الدكتور مصطفى ناصيف: (الرمز ابن السياق وأبوه)(35).

فالنخلة تحتل مكانة خاصة ومتميزة في نصوصه الشعرية؛ لأنَّها كما يفيد التفسير الأسطوري صورة من صور الأمومة والخصوبة، وما تزال رمزاً للخير والعطاء، ورمزاً من رموز الأرض والماء والشجر(36)، فضلاً عن كونها تحتل مكانة في الموروث الديني في قوله تعالى: فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (37)، والنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (38). وتبوَّأَت مكانة سامية في الأدب العربي، فتغنى بها الشعراء، وتفنن في وصفها الأدباء والبلغاء، فأحسنوا وأجادوا (39)، فما السماوي إلا واحدٌ من هؤلاء الذين تفننوا في تصويرها، فأستثمرها، وجعل لها مكاناً خاصاً في شعره، فكثيراً ما آتخذها رمزاً للتلاحم بالأرض والوطن. بحيث لا نجد مجموعة شعرية من مجاميعه تخلو من هذه المفردة ودلالاتها، إذ بلغ تكرارها من خلال إحصائية أجراها الباحث (ثماني وستين مرة) في نمط شعر التفعيلة، ومنها قوله في قصيدة (إنَّهم يقتلون النخل):

هم يقتلونَ النخلَ !!

إنَّ النخلَ مُتهَمٌ برَفضِ الإنحناءِ

وبالتشبُّثِ بالجذورِ..

وباخضرارِ السَّعفِ..

مُتهَمٌ بإيواءِ العصافيرِ التي

لا تحْسِنُ استقبالَ:

أعداءِ الطفولةِ..

والطواغيتِ الكبارْ..

والنخلُ مُتهمٌ

بتأليبِ المياهِ على الطحالبِ

في بحيراتِ الدهاقنةِ الصغارْ

للكافرينَ بعشقِ نخلتنا القرارْ(40)

نَلحظُ أنَّ لفظة (النخل) ظلتْ ترافقنا تباعاً عبر صورتها المتكررة، فجسد الشاعرُ صورةً رمزيةً، صور فيها النخيل بأنَّه رمز للشموخ والقوة والثبات (41)، وضح دلالة الفرد العراقي، ورفضه الخضوع والانحناء للمحتل، فتعامل الشاعر مع عنصر من عناصر الطبيعة (النخيل)، وأرتفع بدلالة اللفظة من مدلولها المعروف إلى مستوى الرمز، فحاول بوساطة رؤيته الشعرية أنْ يشحن اللفظة بمدلولات شعورية خاصة وجديدة (42)؛ لأنَّه وجد فيها دلالة سياسية، عمقت من دلالة موقفه الرافض للمحتل.

ويبدو أنَّ الصورة التي جاء بها الشاعر، وبخاصة ما توحي به العبارتان (النخل ُ متهمٌ برفضِ الانحناء)، (وبالتشبث بالجذور) تستثير استجابة نفسية لدى المتلقي، وذلك حين يتصورها صورة الفرد العراقي الأبي، الذي مهما تعرض لأحداث يبقى متمسكاً بعروبته، فضلاً عن كون التكرار اللفظي للمفردة عززّ من دلالة الصورة التي صورها الشاعر في كل فقرة وردت فيها.

ويعاود تكرار لفظة النخيل وتحميلها مدلولات رمزية متعددة من خلال ارتباطها بذكريات الحنين إلى وطنه بقوله في قصيدة (إنَّها السماوة فآدخلي آمنة مطمئنة):

يا نخلةَ اللهِ

السلامُ عليكِ يومَ وُلِدتِ من قبلي بَتولاً..

والسلامُ عليكِ

يومَ أموتُ فيكِ مـُـضـرَّ جاً

بلظى الصّبابةِ والتغــرُّبِ..

والسلامُ على جذورِكِ يومَ أبْعَثُ في الفسيلةِ..

والسلامُ على الفراتينِ..

السلامُ على السماوةِ..

والسلامُ على السلام

فأنا وأنتِ وعشقنا المجنونُ

ثالوثُ المحبَّــةِ والغرامْ

يومـــي بظــلِّكِ:

ألفُ عامْ (43)

يجسد الشاعر ثنائية الماضي والحاضر في توحده بـ (نخلة الله) التي يصنع منها رمزاً للحنين أثر إحساسه بالوحدة وهو في ظل غربته. فيعمق دلالة اللهفة والشوق إلى وطنه من خلال استدعائه النخلة رمزاً لذاته المغتربة (44). وكذا فإنَّ استعمال الشاعر لأسلوب النداء بحرف (يا)، الذي يستعمل لنداء البعيد وفيه مد صوتي، خيرُ دليل على أنَّه في ضيق ومعاناة شديدة، فهو كمن يستنجد بالأحبة والخلان والوطن، ثم آنظر كيف يحن حنيناً شديداً إلى (الفراتين)، (السماوة). وهكذا يجمع الشاعر عدداً من الصور التي جذبته إلى وطنه على الرغم من كل المعاناة، ويجعلها كلها مصدر إلهامه بما في ذلك أيام صباه في مدينته التي صرح بلفظها ـــ ومجاورتها (نهر الفرات).

ومن الرموز الطبيعية التي وظفها الشاعر في تشكيل صور شعرية ذات طابع جمالي، استلهامه من الطبيعة المتحركة رموزاً حملها دلالات وضحت تجربته التي يعيشها، فاتخذ من طائر (الهدهد) رمزاً للبشرى في جميع الصور التي ورد فيها، والتي بلغ عددها (أربع عشر مرة)، ومنها قوله في قصيدة (هوامش من كتاب الحزن العراقي):

كيفَ للهدهدِ

أنْ يحملَ بشراه إلى نافذتي

في زمنٍ

أصبحَ فيه الصُّبحُ

أدجى من عباءات الدراويشِ

وأحداقِ المداخِنْ (45)

يمثل الهدهد في نصوص يحيى السماوي رمزاً للبشرى التي عُرِفَ بها في الموروث الديني، وهي صورة أستلهمها من البشرى التي جاء بها طائر الهدهد إلى نبي الله سليمان (عليه السلام) حاملاً بشراه، إلا أنَّ الشاعر يصرح متسائلاً عن كيفية وصول البشرى، لوجود العوائق في مثل هذا الزمن. فالتصوير بالرمز عمق من دلالة الموقف المأساوي لبلده.

ويكرر الصورة نفسها في قصيدة (حكاية التي صارت تسمى):

مــرَّ دهــرٌ

وأنا أنـتـظـرُ الــهـُـدهـُـدَ

أنْ يأتــي ببشرى مـطــرٍ

يُطــفئُ نيرانَ ظـنـوني (46)

وقوله أيضاً معززاً دلالة انتظاره البشرى في قصيدة (مُــدّ لي حبل جواب):

فـمــتى

هُــدهُــدُك َ الموعودُ

يأتي

حاملاً بُشراهُ بالفردوسِ

والخمرِ الحلالْ ؟(47)

فرمزية طائر الهدهد في جميع النصوص التي وردت فيها، لا تخرج عن مفهومها المتعارف عليه في الموروث القرآني وهي (بشرى سليمان)، فما البشرى التي ينتظرها الشاعر دائماً، إلا انتظار الغد الجميل الذي يسود فيه الأمان والحرية والعدالة، ويحمل المحبة لكل الناس، انتظار البشرى بمجيء القائد الذي يحمل نسك (محمد باقر الصدر)، وزهد (عبد الكريم قاسم) (48).

ثانياً: الرموز التراثية

يُعَدُّ يحيى االسماوي واحداً من الشعراء الذين استثمروا الرموز التراثية في كثير من قصائده، من خلال توظيف ما فيها من طاقات دلالية مؤثرة عريقة، بعيدة الأغوار في نفس الشاعر والمتلقي في آنٍ واحد، من أجل التعبير عن رؤياه المختلفة المعقدة، ليصل إلى مرحلة التعبير بالموروث ذات الإيحاء والتأثير العميق، بحيث أصبح الرمز التراثي جزءاً من نسيج، وعضواً لا يستغنى عنه (49).

فاستلهم الشاعر من التأريخ، وما يتصل به من شخصيات سلبية كانت أو إيجابية، وجعلها شخصيات رمزية وموحية في محاولة منه لإعادة قراءة التاريخ، ثم توظيفه بصورة انتقائية هادفة، وغالباً ما يرى فيها تجسيداً لمواقف بطولية، ترسم منهجاً واضحاً لقانون القيم الدينية والأخلاقية هذا من جهة، ومن جهة أخرى يرسم صوراً لقوى الشر المتجددة في أكثر من زمان ومكان من هذا العالم الإسلامي. لذلك فأنَّ (العودة إلى التراث لا تجدد شيئاً، ولكن بالانطلاق منه وبالإضافة إليه تجدد قوته)(50)، وتكون فائدة هذه العودة بما يعالجه من أحداث ومواقف راهنة. وإنَّ الاهتمام به لا يمنحه سمة الأصالة والتواصل من دون تحقيق صلة عميقة بين صورة القصيدة ومضامينها، وما استوحاه من التراث (51).

ومن جهة أخرى لا يشترط أنْ تكون الشخصية التراثية هي المرجعية الوحيدة بل هي صورة من صور المرجعية التاريخية وأحدى مصادقيها، لذا يمكن أنْ تتغير دلالاتها عند تشكيل الصورة، فدلالتها غير ثابتة (ويدلك على هذا إمكان استدعاء مبدع واحد لشخصية تراثية معينة، في سياقات مختلفة، للدلالة على معان متعددة)(52).

ولم يقف الشاعر في إفادته من تراثه القومي فحسب، بل توسع مفهومه للتراث حتى شمل رموزاً مختلفة الأصول والديانات، فطفق ينهل من معين التراث على اختلاف منابعه من رموز دينية وتاريخية مختلفة، وهذا ما سيتضح عندما نقوم بتحليل نصوص شعرية يكون التشكيل التصويري من الرمز مخالفاً أو معاكساً لمعناه الأصلي المرجعي. والرموز التراثية التي وجدها الباحث في شعر يحيى السماوي تنقسم على قسمين:

1ـــ الرموز الدينية

يمثل التراث الديني (مصدراً سخياً من مصادر الإلهام الشعري، إذ يستمد منه الشعراء نماذجاً وموضوعات وصوراً أدبية)(53)، فأخذ ينهل من التراث الديني وما يتصل به من شخصيات سلبية كانت أو إيجابية في شعره، وجعلها مصدراً أساساً من المصادر التي عكف عليها للتعبير من خلالها عن جوانب من تجاربه الشخصية، فكثيراً ما كان توظيفه للرمز الديني على صورةٍ جزئيةٍ أو إشارة في ضمن المستوى الدلالي للنص الذي يرد فيه.

ومن الشخصيات الدينية التي استدعاها الشاعر في تشكيل صورته، شخصيات ذات رمزية سلبية غالباً، كشخصية (أبرهة الحبشي) الذي يمثل رمزاً للظالم المستبد في قصيدة (بعض التفاصيل) لذا ننتخب منها قوله:

" أبرهةُ " الجديد يستحمُ في الفراتْ

والقَيْحُ في دجلة

فكيف لا يحتضرُ السنبلُ

أو تنطفئُ المُقلَة

وأهلنا سباتْ(54).

يستدعي الشاعر في هذا المقطع شخصية دينية ذات بعد سلبي رمزاً، بتوظيف تقنية الاسم المباشر، ليحاول امتصاص الدور الذي قامت به هذه الشخصية تجاه رمز ديني ذي أهمية خاصة في الجاهلية والإسلام (الكعبة المشرفة)، ثم إضفاؤه على الواقع المعيش في زمن الحرمان في حقبة الحصار الذي مر على العراق، فأبرهة الحبشي رمزٌ للحاكم الظالم المستبد المتمثل بشخص (صدام) الذي حاول أنْ يستبيح كل شيء، فيتمثل توظيف الرمز من كون أبرهة الحبشي هو رمز للظلم في ذلك الزمان، وصدام هو أبرهة الجديد.

ولعمق السلبية السوداوية لهذه الشخصية في الوعي الجمعي لدى القارئ، يستدعيها الشاعر في مكان آخر وقصيدة أخرى، ولكن بصورة مغايرة، وكأنَّه رمز لماض ٍمظلم يتسم بسوداوية حزينة، فانتزعه الشاعر بعد أنْ أتته قانتته الزهراء في قصيدة (خلعت أمسي) قوله:

وكنتُ مِنْ قبل هواكِ تائهاً

أبحثُ في الأرضِ عن النجمِ

وفي السماءِ عن ظِباءْ

أبرهةُ الضلّيلُ كان في دمي

ومنذ أنْ أسرِتْني

صار فمي مئذنةً

وفي عروقي دمُ أولياءْ(55).

يمثل أبرهة الحبشي في النص السابق رمزاً لماضٍ مظلم ٍعاشه الشاعر في ضياع متواصل، وبحث مستمر عن سمة الاستقرار، إلا أنَّ هذه السمة تحققت نتيجة مجيء الزهراء التي مثلت رمزاً للخلاص من ذلك الماضي. فسمة التحول تتسم بنزعة صوفية نستدل عليها من الألفاظ الموحية بذلك  (مئذنة، دم أولياء).

وفي قصيدة (نقوش على جذع نخلة)، يستدعي شخصية تراثية ذات مدلول ديني سلبي، بوساطة الكناية، وهذه الشخصية ذات ارتباط مباشر بشخصية (أبرهة الحبشي)، وهي شخصية (أبو رغال)(56) الذي أشتهر بقصته المعروفة كدليل لأبرهةِ الحبشي، عندما قصد الكعبة هادماً. يقول فيها:

باسمِ الفرات المستباحِ

وباسمِ نخلٍ مُثْكَلٍ بالسَعْفِ والعرجونِ

حتى باتَ مذبوحَ الظِلالْ

فاكنسْ بمجرفةِ الجهادِ الوَحْلَ

واسْتَأْصِلْ جذورَ " أبي رغالْ " (57).

يختار الشاعر ما يناسب صورته التي يشكلها، إذ يمثل هذا الرمز صفة الخيانة، لذا يؤوله تأويلاً خاصاً يلائم طبيعة التجربة المستوحاة من الواقع الذي صوره، فجعل من هذه الشخصية ذات دلالة رمزية متجددة من خلال إضفائه الأبعاد المعاصرة في تشكيل صورتها التي رسمها، فيتحقق التحرر من الرمزية السوداوية، عند التخلص من كل الذي يؤدي دور(أبي رغال) الخياني.

ومن الرموز ذات الارتباط بالمرجعية الدينية التي اعتمدها الشاعر في تشكيل صور شعرية ذات إيحاء جمالي معززاً دلالة الموقف المراد تصويره للمتلقي، من خلال ازدواج رمزين (خير وشر) وردا في سطر شعري واحد في قصيدة (هوامش من كتاب الحزن العراقي) قوله:

تصرخ ُ المسْغبة الآن َ

بنا:

هزُلَ الخبزُ

وجوعي سَمُنا..

مثلكِ الآن َ

أُسَمِّي غُربتي أهلاًّ

وجُرحي وطنا..

كــلُّنــا أصبحَ " هابيلَ " و " قابيلَ "

ولكنْ

أيّهُمْ كان أنا ؟ (58)

تستمد الصورة جماليتها هنا من المفارقة التضادية التي أوجدها الشاعر، وفي الوقت نفسه شكلت أمراً ينسجم مع طبيعة السياق الذي يتأسس على رؤيا مفارقة تختزلها بنية الصراع الوجودي القائم بين رمزين أحدهما ذا بعد إيجابي، متمثل بـ (هابيل) الذي يوظفه الشاعر هنا رمزاً للتضحية، و(قابيل) الرمز (الذي يمثل العدوان والظلم والخيانة)(59)، رمزٌ حلت عليها اللعنة؛ لتمرده على إرادة الله عز وجل، فأتخذه الشاعر رمزاً لكل سفاح ومعتدٍ (60)، فيوظف الشاعر الرمزين معاً؛ ليرسم صورة مأساوية لأبناء بلده من خلال توظيف تقنيتين في تشكيل صورته، الأولى: تقنية التضاد المتمثلة بين الجملتين (هزل الخبز، جوعي سمنا) التي عمقت دلالة المأساة.

والثانية: تقنية الرمز في (قابيل وهابيل) التي وضحت أبناء بلده والصراع المحتدم بينهم مابين الجاني والضحية، أحدهما يقتل الآخر بعد دخول المحتل.

ومن توظيفه لهذا النوع من الازدواج الرمزي مابين شخصيتين ذاتي طابعين متنافرين قوله في قصيدة (بعيداً عني قريباً منك):

بستاننا مرعى الذئابِ

وحارسُ البستانِ لصٌّ

حِصّتي دغل ٌ..

وحِصّتُهُ البيادرُ والغصونُ المُثْقلةْ

الثوبُ ثوبُ الهاشِميِّ الطفلِ

لكنْ

في جيوبِ الثوبِ

نبْلةُ "حَرْمَلةْ"!(61).

يستدعي الشاعر في رسم ملامح صورته رمزية الطفولة المتمثلة بــ (عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام))، التي تمثل رمز النقاء والطهر والبراءة الضائعة(62)، و(حرملة بن كاهل) الرمز الذي يمثل الوجه المظلم في تاريخنا الإسلامي، فامتص ملامحه وأضفاها على كل مجرم لا يتحلى بالرحمة، فكأني به أراد أنْ يقول: إنَّ التأريخ يعيد نفسه، فحرملة الذي قتل الطفل الرضيع وأمثاله موجودون في كل زمان ومكان. فتبين للباحث أنَّ هذا الحشد من الرموز التاريخية التي وظفها الشاعر أكثرها ذات دلالات سلبية، بحسب شهرة الرمز الذي يستدعيه وطابعه السلبي.

2ـــ الرموز التاريخية

يمثل النوع الثاني من الرموز التراثية ما استوحاه الشاعر من شخصيات تاريخية ذات صفات عُرفت بالبطولة، والشهرة التاريخية، ونستطيع أنْ نقول: أنَّها رموز ذات مضمون إيجابي. والتصوير باستدعاء مثل هذه الرموز التي تمتلك بعداً إنسانياً على نحو ما يُلحظ في انعدامها أو تواجدها بصورة مغايرة في الواقع الذي يعمق من مأساة تجربة الشاعر أو يوضح بنية المفارقة بين الماضي والحاضر. فتكون فائدة عودة الشاعر (إلى القيم الفنية الشعرية الموروثة ليست انكفاءة أو رجعه، إنَّما هي أحياء لكل ما أوثر عن الماضي الشعري من معطيات فنية إيجابية، وهي تطوير لفن الشعر كما أنها إضاءة وتعميق لرؤية الشاعر وإحساسه بالاستمرار والتواصل الفني)(63)، فضلاً عن كون (الشخصيات التأريخية ليست مجرد ظواهر كونية عابرة، تنتهي بانتهاء وجودها الواقعي، فأنَّ لها إلى جانب ذلك دلالتها الشمولية الباقية)(64)، كما ترتبط جودة القصيدة بكونها (لا تقتبس من الموروث التاريخي لتوثيق الشعر وتأكيد انتمائه إلى القديم، وإنّما تثير... في ذهن المتلقي دلالات وصور وومضات، تقرّب بها المعاني الحديثة التي يريدها الشاعر المعاصر، بإثارة تلك الأجواء التاريخية، بشرط أنْ يلتحم هذا المقتبس بنسيج الشاعر)(65).

فقد استوحى الشاعر تلك الشخصيات استدعاءً عرضياً أو كلياً من خلال الإشارة إليها كرموزٍ تكلم عنها، ولم يتكلم بها قناع. ومن أهم الشخصيات التي استدعاها، شخصيات أتسمت بمواقف بطولية، وجد فيها القدرة على النهوض بواقعه، لما عُرف عن تاريخها في الفكر العربي والعالمي، بما تحمله من ثنائية الماضي والحاضر، أي الماضي المرتبط بالشخصية التاريخية، والحاضر المرتبط بواقع الشاعر، شخصية (المعتصم) التي جرد الواقع المعيش من وجود أمثالها في قصيدة (آية الفئة القليلة) قوله:

كُفي صراخكَ يا " دليلة "

كُفي الصراخَ

فليسَ في هذا الزمانِ المسخِ " معتصمٌ "

يذودُ عن الحرائرِ والترابِ

وعن عفافِ التينِ والزيتونِ..

فالكرسيُّ أخصى في فوارسِنا

الرجولة (66)

ففي هذه الصورة نوع من المفارقة التصويرية(67) الشاملة بين ما كان عليه الحاكم في الماضي من عزة وشهامة، وما أصبح عليه من هوان، فاستدعى الشاعر في سبيل تصوير هذه المفارقة رمزية المعتصم البطولية مصرحاً بلفظه التراثي (المعتصم) وهبَّته لنجدة المرأة الهاشمية التي استنجدت به قائلة (وامعتصماه) فأجابها المعتصم ملبياً صرختها.(68)، فما (دليلة) إلا رمزٌ لتلك المرأة الهاشمية، فاستعملها الشاعر على نوع من المفارقة التصويرية، إذ لا فائدة من استصراخ الحرائر في الوقت الراهن، لأنَّه مجرد من رمزية البطولة المتمثلة بشخص (المعتصم)، وهنا عمقت الصورة إحساس الشاعر بفداحة هذه المفارقة ومرارتها بين الماضي والحاضر.

ويسير على هذا النوع من المفارقة التصويرية بين صورة الماضي، والحاضر بوساطة استدعائه رمزاً يتسم بدور بطولي، هو القائد (صلاح الدين الأيوبي) معززه بشخصية (المعتصم) في نص شعري واحد، ممّا عمق أثر التجربة التي صورها الشاعر في قصيدة (نقوش على جذع نخلة) التي يقول فيها:

كيف يقومُ بيننا " مُعْتَصِمٌ "

يذودُ عن كرامةِ " الحُرَّةِ "

حين يَسْتَبيحُ خِدْرَها المنبوذُ والآفِكُ والهَجِينْ

إن كانت " الأمةُ " قد أوْكَلَتْ " العِصْمَةَ " للغريبِ

فهو الأمرُ الناهي... وليُّ أمرِها..

وصاحبُ القرارِ ـــ وقتَ الفَصْلِ ـــ بين الظنِّ واليقينْ؟

كيف يقومُ في جموعِنا " صلاحُ الدينْ "

ونحن لا " صَلاحَ " في نفوسِنا

مُسْتَبْدِلين لَذَّةً زائلةً بـ "الدِّينْ "؟(69)

يستدعي الشاعر رمزين تاريخيين كان لهما الحضور الفاعل، وأثرٌ واضح في التأريخ العربي من خلال استعمال آلية التجريد من أمثالهما في العصر الراهن، فيبدو أنَّه لا يرمز لشخصهما المتمثل بإنقاذ كل من يستنجد بهما، تخليص المعتصم للمرأة الهاشمية (وامعتصماه)، وتلبية صلاح الدين الاستغاثة التي أطلقتها الفتاة المقدسية المسلمة، وإنَّما استعملهما كدلالة رمزية للانقياد وراء المحتل. فوظف الشاعر الرمزين توظيفاً عكسياً، إذ استدعاهما في مجال السخرية من القادة السياسيين الذين سلموا عصمة أمورهم للمحتل وانقادوا لأوامره.

فيبدو أنَّ الشاعر يستلهم التراث التاريخي، ويخاطب أبطاله، ليخبرهم بما حدث في زمنه، فيكشف الواقع الزائف الذي يتجرد من أمثالهم، فتبين أنَّ رؤية السماوي في تشكيل صور نصوصه ذات طابع حزين ومأساوي.

وهناك نوع آخر من الرموز التاريخية اتخذها الشاعر وسيلة هادفة لتصوير الكثير من تجاربه بوساطة صور أتسمت برمزيتها المعروفة. وهي رموز العشق التي تتوافق مع تجربة الشاعر، ومنها، رمزية الحب المقدس الذي عاش مرارة عذابه، وهو يستدعي شخصية (قيس بن الملوح) و(القتيل الحميري) في قصيدة (تضاريس قلب):

لي أنْ أَعيدَ الأعتبارَ إلى الجنون

كأن أَعيشَ عذابَ قيس بن الملوّح

والقتيل " الحميري "

وأنْ أَجوبَ مفاوزَ الأحلام

معموداً شقيّا (70)

يقدم الشاعر في هذا المقطع مشهداً رومانسياً ينم عن إحساس مرهف، إذ استدعى رمزين من رموز العشق، عرفا بتاريخهما العشقي الذي غدا رمزاً تناقلته الأجيال، هما (قيس ليلى) و (القتيل الحميري)، فالشاعر عندما يوظف هذه الرموز يريد إثراء مفهوم العشق لديه من تأصيل وتفعيل مثل هذه السياقات الإنسانية المتنوعة التي ترتبط بمنظومة العشق منذ القدم وحتى الوقت الحاضر.

وقد كشفت الدراسة أنًّ نصوص الشاعر لا تخرج من إطار هذه الرموز، وتسليط الضوء على جوهر المرأة الإنساني بدلاً من جسدها ومفاتنها. ففي نص آخر يستدعي (قيس بن الملوح) رمز الحب الخالد، الذي لا تزال ذكراه تتناقلها الأجيال في كل زمان ومكان بقوله في قصيدة  (بعيداً عني قريباً منك):

العِشْقُ بابٌ للخلودِ

فإنَّ قيسَ بن الملوّحِ

لمْ يزلْ لليومِ حَيّا !(71)

يتضح أنَّ الحديث عن الحب ورمزيته في نصوص يحيى السماوي، لا يأتي في خطابه الشعري عملاً تجريدياً خالصاً، بل ينبثق من التجربة الذاتية التي يحرص عليها من خلال بلورة آفاقها وصياغة رؤاها الجمالية، لذا يعمق دلالة تجربته في استدعاء أكثر من شخصية تاريخية توحي بتجربة العشق والتشرد والاغتراب الذاتي والنفسي الذي عاشته جميع هذه الشخصيات. ونتلمس مثل هذا في قصيدة (حين تكونين معي) إذ يستعين بأكثر من شخصية ذات دلالة رمزية بقوله:

حين تكونين معي

يَهربُ من فصولنا الخريفُ

يرتدي رُبى الروح المواويلَ

يُقيمُ العشقُ مهرجانهُ

فكلَّ صبٍّ يلتقي نجواه..

يُطلُّ " قيسُ " راكباً جوادهُ

وخلفهُ " ليلاه "

و" عروةُ بن الوردِ " يأتي

راكباً سحابة تقودها " عفراءُ "..

و" الضليلُ " يأتي شاهراً منديلهُ..

و "العامريُّ " يلتقي " بثينة "

ويلتقي رُباه

" صبُّ الفراتين " الذي شَيَّعَ في منفاه

طفولة النخل

وشيَّع الهوى صِباه (72)

يُلحظ تدفقاً ملحوظاً لتراكم الشخصيات التاريخية ذات الدلالات الرمزية، التي تصب في معنى واحد، وقد اسقط دلالاتها على ذاتية الشاعر. فتراكم مثل هذه الرموز في نص شعري واحد لا تفقد الرمز إيحائيته فحسب، بل يفقد النص شعريته، إلا أنَّه لا يبدو في النص معنياً بالرمز، بل بمضمونه الذي يبدو جاهزاً، وذا إيحاء محدد نهائي، مما يدفعه إلى استدعائه للتعبير عن تجربته الشعورية، فقد سعى في خطابه إلى استحضار رموز العشق التي تتوافق مع تجربته، لتكون رموزاً تجسد العشق الذي يتلبس الشاعر، وتجسيداً لمعشوقته، كونه يمثل واحداً من الشعراء الذين ارتبطوا بقضية عاطفية.

فتوظيفه لهذا الكم من الرموز أضفى على البعد العاطفي في حياته دلالة أخرى غير دلالتها العاطفية تَمثل في بعض الأبعاد النفسية لتجربة الشاعر كإحساسه بالغربة والحنين والتشرد (73).

وقد لوحظ أنَّ الشاعر أستدعى رموزاً أبتكارية أبتدعها وانفرد بها كما استدعى رموزاً طبيعية تنوعت مابين طبيعة صامتة ومتحركة، واستدعى أيضاً شخصيات دينية تنوعت مدلولاتها بين الإيجابية والسلبية، وشخصيات أتسمت بتاريخها الأدبي والشعري على الخصوص، سواء كان الاستدعاء بآلية العلم، أم بتوظيف الكنية، من أجل الكشف عن واقع تجاربه التي عاشها وتمثيلها في صورٍ كشفت عن نفسية تواصل الحزن والرفض المستمر والعشق الخالد من دون انقطاع.

الخاتمة

مما لاشك فيه أن توظيف الرمز عند الشعراء المحدثين هو غيره عند الشعراء المتقدمين؛ وذلك يعود لشيوع هذه التقنية عند المبدعين بشكلٍ عامٍ، والشعراء بشكلٍ خاصٍ. ولذا فلابد من خصوصيات تحتلها التجارب الشعرية لهولاء الشعراء، ومنهم شاعرنا يحيى عباس السماوي، والتي يمكن إيجازها بما يأتي:

اتخذ الرمز عند الشاعر مسالك شتى منها الذاتي والديني والتاريخي.

لم تكن البيئة بمنأى عن إبداع الشاعر ولاسيما الطبيعة العراقية، فكانت النخلة الرمز الشعري المهيمن على مجمل نتاجه.

اختلاف أسباب توظيف الرمز عند الشاعر، إذ توزعت على عوائق سيكولوجية واجتماعية وأخلاقية وسياسية.

الرمز عند الشاعر يمثل معادلاً موضوعياً لتجربته الشعورية، ولاسيما فيما يخص الاغتراب والحنين.

عمد الشاعر إلى توليد رموز أدبية من خلال ظاهرة النحت اللغوية لتوليد لفظاً يحمل دلالة اللفظين.

يمثل الرمز الثيمة المركزية في النصوص التي جاءت فيها.

مثل توظيف الرمز الديني الدلالات السلبية في أكثر نصوص الشاعر.

شيوع ظاهرة التوظيف الرمزي الذي يقوم على استحضار الرموز المتضادة وبشكلٍ لافتٍ للنظر، فالشاعر يجمع بين المتضادين في موضعٍ واحدٍ.

مثلت الرموز التاريخية عند الشاعر علاقة الحضور والغياب ولاسيّما بعد شحنها بطاقات دلالية كبيرة يمكن استنتاجها من خلال السياق.

استثمر الشاعر الدلالات الرمزية التي توفرها الرموز التراثية للتعبير عن القضايا السياسية والاجتماعية. وثمة نتائج أخرى تضمنتها صفحات البحث.

 

أ. م. د محمد فليح الجبوري

علي كتيب دخن

جامعة المثنى - كلية التربية

.........................

الهوامش:

(1) في حداثة النص الشعري، د. علي جعفر العلاق، 56.

(2) زمن الشعر، أدونيس، 160.

(3) أصول الرمز في الشعر الحديث، أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، 7.

(4) ينظر: الصورة الشعرية وجهات نظر غربية وعربية، د. ساسين عساف، 76.

(5) ينظر: عن بناء القصيدة العربية الحديثة، علي عشري زايد، 104.

(6) جماليات الأسلوب (الصورة الفنية في الأدب العربي)، د. فايز الداية، 175.

(7) وعي الحداثة (دراسات جمالية في الحداثة الشعرية)، دراسة، د. سعد الدين كليب، 68.

(8) الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، محمد فتوح احمد، 139.

(9) تطور الصورة الفنية في الشعر العربي المعاصر، د. نعيم اليافي، 289.

(10) ينظر: المصدر نفسه، 278.

(11) ينظر: موسوعة المصطلح النقدي، ترجمة، د. عبد الواحد لؤلؤة 2 / 257.

(12) الرمز في الشعر، صالح درويش، مجلة الأقلام، بغداد، ع 5، 1968م، 35، نقلاً عن بدر شاكر السياب، دراسة أسلوبية لشعره، د. إيمان محمد أمين الكيلاني، 86

(13) المصدر نفسه، 36، نقلاً عن بدر شاكر السياب، دراسة أسلوبية لشعره، 86.

(14) بدر شاكر السّياب، دراسة أسلوبية لشعره، 86.

(15) التناص الأسطوري في شعر محمود درويش، مفيد نجم، مجلة نزوى، ع 59، 2009، 114.

(16) الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، عز الدين إسماعيل، 200.

(17) ينظر: مرايا المعنى الشعري، أشكال الأداء في الشعرية العربية من قصيدة العمود إلى القصيدة التفاعلية، د. رحمن غركان، 223.

(18) المصدر نفسه، 223.

(19) مقالات في الشعر الجاهلي، يوسف اليوسف، 298.

(20) ينظر: مثل هذه الرموز، نظرية البنائية في النقد الأدبي، د. صلاح فضل، 312، 313.

(21) الصورة الأدبية، د. مصطفى ناصيف، 155.

(22) ينظر: بدر شاكر السياب، دراسة أسلوبية لشعره، 87.

(23) الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية، نظرية وتطبيق، عبد الله الغذّامي، 125.

(24) لقاء مع الشاعر في مقهى الصياد في مدينة السماوة، بتاريخ 10/12/ 2012، الساعة، 5: 3 مساءاً.

(25) بعيداً عني قريباً منك، يحيى السماوي، 30.

(26) ينظر: بعيداً عني قريباً منك، 30.

(27) المصدر نفسه، 139، 140، 141.

(28) المصدر نفسه، 97، 98.

(*) أحد أبرز المثقفين الشيوعيين العراقيين الذي أستهدف من قبل أعداء الثقافة في عام 2008م.

(29) لماذا تأخرت دهراً ؟،11 يحيى السماوي، 12.

(30) لسان العرب، ابن منظور، محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري (ت: 711هــ)، مادة (كمل)، 11 / 598.

(31) ينظر: وعي الحداثة (دراسة جمالية في الحداثة الشعرية)، 80.

(32) المصدر نفسه، 80.

(33) ينظر: التصوير الشعري الحالة الشعورية وأدوات رسم الصورة، عدنان حسين قاسم، 138.

(34) قراءة في ديوان هذه خيمتي.. فأين الوطن، د. حسن فتح الباب، تجليات الحنين، د. ماجد الغرباوي، 1/ 96.

(35) الصورة الأدبية، 155.

(36) ينظر: بلاغة النص، مدخل نظري ودراسة تطبيقية، د. جميل عبد المجيد،67.

(37) الرحمن، 11.

(38) ق، 10.

(39) كتاب النخلة، لأبي حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني (ت: 255هـ)، تحقيق: حاتم صالح الضامن، 9.

(40) البكاء على كتف الوطن، يحيى السماوي، 171، 172. وينظر مثل هذه الرمز: بعيداً عني قريباً منك، 227، هذه خيمتي فأين الوطن، يحيى السماوي، 139.

(41) ينظر: صورة النخل في العصر العباسي حتى نهاية القرن الرابع الهجري، صالح علي سليم الشتيوي، مجلة جامعة الملك سعود، م 19، الآداب 2، 2007م، 279.

(42) ينظر: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، 219.

(43) تعالي لأبحث فيك عني، يحيى السماوي، 46، 47، وينظر: هذه خيمتي فأين الوطن، 109، 110،

(44) ينظر: صورة النخل في العصر العباسي حتى نهاية القرن الرابع الهجري، 285.

(45) لماذا تأخرت دهراً، 138، 139.

(46) تعالي لأبحث فيك عني، 8.

(47) تعالي لأبحث فيك عني، 39، وينظر مثل هذا الرمز، 9، 67، 68، 90، 91، 102، لماذا تأخرت دهراً، 19، نقوش على جذع نخلة، 145، بعيداً عني قريباً منك، 89، 168.

(48) لقاء مع الشاعر في مدينة السماوة في مقهى الصياد بتاريخ، 18/ 11/ 2012، في تمام الساعة: 5 مساءاً.

(49) ينظر: بدر شاكر السياب دراسة أسلوبية لشعره، 125.

(50) ينابيع الرؤيا، جبرا إبراهيم جبرا، 141.

(51) ينظر: أثر التراث في الشعر العربي المعاصر، د.علي حداد، 240.

(52) أشكال التناص الشعري، دراسة في توظيف الشخصيات التراثية، أحمد مجاهد، 191.

(53) استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، د. علي عشري زايد، 75.

(54) هذه خيمتي فأين الوطن، 166.

(55) تعالي لأبحث فيك عني، 105، 106، وينظر مثل هذا الرمز، 5، الأفق نافذتي، 59.

(56) أبو ثقيف، قسي بن منبه بن النبت بن يقدم من بني آياد (ت: 575م)، وهو جاهلي، اختلفوا في تسميته ونسبه ومنشأه، حتى ذهب كاتب لترجمته في دائرة المعارف الإسلامية إلى أنَّه (شخصية أسطورية)، وهو صاحب القبر الذي حلت عليه اللعنة ومازال يرجم إلى يومنا هذا. ينظر: الأعلام، خير الدين الزركلي (ت: 1396م)، 5/ 198.

(57) نقوش على جذع نخلة، 129.

(58) لماذا تأخرت دهراً، 133، 134.

(59) الشعر العراقي الحديث 1945ـ 1980في معايير النقد الأكاديمي العربي، د. عباس ثابت حمود 174.

(60) ينظر: استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، 101.

(61) بعيداً عني قريباً منك،150، 151.

(62) ينظر: الاتجاه التصويري في الشعر العراقي الحديث (1974ــــ 1969)، تغريد موسى علي، أطروحة دكتوراه، الجامعة المستنصرية، 2004م، 264، والتجربة الشعرية الجديدة، 453.

(63) دير الملاك، دراسة نقدية للظواهر الفنية في الشعر العراقي المعاصر، د. محسن أطيمش، 222.

(64) استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، 120.

(65) تطور الشعر العربي الحديث في العراق، اتجاهات الرؤيا وجمال النسيج، علي عباس علوان، 264.

(66) البكاء على كتف الوطن، 90.

(67) المفارقة التصويرية هي ((تكنيك فني يستخدمه الشاعر المعاصر لإبراز التناقض بين طرفين متقابلين بينهما نوع من التناقض.. والتناقض في المفارقة التصويرية فكرة تقوم على استنكار الاختلاف والتفاوت بين أوضاع كان من شأنها أن تتفق وتتماثل))، عن بناء القصيدة العربية الحديثة، 130.

(68) ينظر: جماليات القصيدة الإسلامية المعاصرة، الصورة ـ الرمز ـ التناص، د. رابح بن خوية، 176.

(69) نقوش على جذع نخلة، 114.

(70) قليلك لا كثيرهنَّ، يحيى السماوي، 11.

(71) بعيداً عني قريباً منك، 228.

(72) قليلك لا كثيرهنّ، 113، 114، 115.

(73) ينظر: استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، 146.

............

روافد البحث

القرآن الكريم.

أثر التراث في الشعر العربي المعاصر، د. علي حداد، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 1986م.

استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، د. علي عشري زايد، دار الفكر العربي، القاهرة، 1997 م.

أشكال التناص الشعري، دراسة في توظيف الشخصيات التراثية، احمد مجاهد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، ط1، 1998م.

أصول الرمز في الشعر الحديث، أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، الرئاسة العامة لرعاية الشباب، حائل، السعودية، ط1، 1398هـ.

الأعلام، خير الدين الزركلي (ت: 1369 م)، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط5، 1980م.

الأفق نافذتي، يحيى السماوي، استراليا، 2003م.

بدر شاكر السياب، دراسة أسلوبية لشعره، د. إيمان محمد أمين الكيلاني، دار وائل للنشر، عمان، الأردن، ط1، 2008م.

بعيداً عني.. قريباً منكِ، يحيى السماوي، دار الينابيع، دمشق، ط1، 2011م.

البكاء على كتف الوطن، يحيى السماوي، التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، ط1،2008م.

بلاغة النص، مدخل نظري ودراسة تطبيقية، د. جميل عبد المجيد، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 1999م.

تجليات الحنين في تكريم الشاعر يحيى السماوي، ماجد الغرباوي، دار الينابيع، دمشق ــ سوريا، ط1، 2010م.

التصوير الشعري، الحالة الشعورية وأدوات رسم الصورة، عدنان حسين قاسم، ليبيا، ط1،1980م.

تطور الشعر العربي الحديث في العراق، اتجاهات الرؤيا وجمال النسيج، د. علي عباس علوان، منشورات وزارة الإعلام، العراق، ط2، 1975م.

تطور الصورة الفنية في الشعر العربي الحديث، د. نعيم اليافي، صفحات للدراسة والنشر، دمشق، ط1، 2008م.

تعالي لأبحثَ فيكِ عنّي، يحيى السماوي، مؤسسة المثقف العربي، استراليا، ط1،2012م.

جماليات الأسلوب (الصورة الفنية في الأدب العربي)، د. فايز الداية، دار الفكر المعاصر، دمشق، ط2،1411هـ.

جماليات القصيدة الإسلامية المعاصرة، الصورة ــ الرمز ــ التناص، د. رابح بن خوية، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، ط1، 2013م.

الخطيئة والتفكير من البنيوية إلى التشريحية، نظرية وتطبيق، عبد الله الغَذّامي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط6، 2006 م.

دير الملاك، دراسة نقدية للظواهر الفنية في الشعر العراقي المعاصر، د. محسن أطيمش، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط2، 1986م.

الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، محمد فتوح احمد، دار المعارف، مصر، ط2، 1978م.

زمن الشعر، أدونيس، دار العودة، بيروت، ط2، 1978م.

الشعر العراقي الحديث 1945ـ 1980 في معايير النقد الأكاديمي العربي، د.عباس ثابت حمود، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 2010م.

الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، د. عز الدين إسماعيل، دار العودة، بيروت، 2007م.

الصورة الأدبية، د. مصطفى ناصف، دار مصر للطباعة، (د. ت).

الصورة الشعرية وجهات نظر غربية وعربية، د. ساسين عساف، دار مارون عبود، بيروت، 1985م.

عن بناء القصيدة العربية الحديثة، د. علي عشري زايد، مكتبة ابن سينا، القاهرة، ط4، 2002م.

عيناكِ لي وطن ومنفى، يحيى السماوي، دار الظاهري للنشر، جدة ـــــ السعودية، ط1، 1415هـ.

في حداثة النص الشعري، د. علي جعفر العلاق، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 1990م.

قليلكِ.. لا كثيرهُنَّ، يحيى السماوي، استراليا، 2006 م.

كتاب النخلة، لأبي حاتم سهل بن سهل بن محمد بن عثمان السجستاني (ت: 255هـ)، تحقيق: حاتم صالح الضامن، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان، ط1، 2002م.

لسان العرب، ابن منظور، محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري (ت: 711 هـ)، دار صادر بيروت، لبنان، ط1، (د. ت).

لماذا تأخرتُ دهراً ؟، يحيى السماوي، دار الينابيع، دمشق، سوريا، ط1،2010م.

مرايا المعنى الشعري، أشكال الأداء في الشعرية العربية من قصيدة العمود إلى القصيدة التفاعلية، د. رحمن غركان، دار صفاء للنشر، عمان، ط1،2012م.

مقالات في الشعر الجاهلي، يوسف اليوسف، دار الحقائق للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط2، 1981م.

موسوعة المصطلح النقدي، ترجمة، د. عبد الواحد لؤلؤة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، ط2، 1978م.

نظرية البنائية في النقد الأدبي، د. صلاح فضل، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط1، 1998م.

نقوش على جذع نخلة، يحيى السماوي، التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، ط2،2007م.

وعي الحداثة (دراسة جمالية في الحداثة الشعرية)، د. سعد الدين كليب، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1997م.

هذه خيمتي فأين الوطن، يحيى السماوي، استراليا، ط1، 1997م.

ينابيع الرؤيا، جبرا إبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1979م.

الدوريات:

التناص الأسطوري في شعر محمود درويش، مفيد نجم، مجلة نزوى، مؤسسة عُمان للصحافة والنشر، مسقط، سلطنة عمان، ع 59، 2009م.

الرمز في الشعر، صالح درويش، مجلة الأقلام، بغداد، ع 5، 1968م.

صورة النخل في العصر العباسي حتى نهاية القرن الرابع الهجري، صالح علي سليم الشتيوي، مجلة جامعة الملك سعود، ع 2، 2007م.

الرسائل والأطاريح الجامعية:

الاتجاه التصويري في الشعر العراقي الحديث: 1947 ــــ 1969 م، تغريد موسى علي، أطروحة دكتوراه، الجامعة المستنصرية، 2004م.

اللقاءات مع الشاعر:

- لقاء مع الشاعر في مقهى الصياد في مدينة السماوة، بتاريخ 18/ 11/2012م، في تمام الساعة، 4 مساءاً.

- لقاء مع الشاعر في مقهى الصياد في مدينة السماوة، بتاريخ 10/ 12/ 2012، في تمام الساعة، 5: 3 مساءاً.

 

1083 الشاعرةالشعر هذي الأكوان الضاجة بما هي ألوان الذكرى.. أو بشيء منها..

الشعر.. هذا الآخذ بالدواخل والشواسع يقتحم الوجود بالأمكنة والتفاصيل والعناصر وهي تنحت ظلالها قولا بالكينونة وتقصدا لرسم ذات كما بدت لتصير كما يرام لها.. الشعر في هذا المعترك يبتكر ازميله ومعاوله وخيال كائناته في هذا الكمال  مفتوح والمتراكم من المعاني والكلمات متعددة الدلالات والمرامي..

  ثمة نهر من الحنين.. ثمة أمنيات جمة.. ثمة ذاكرة تملي كنهها على الشاعر تدعوه للأخذ بناصيتها طوها وكرها.. كتابة ومحوا.. ونظرا ونسيانا..

الذاكرة من الألوان المؤثرة في الشهر .. في الكتابة عموما باعتبار ما تحمله في كونها الجزء الهام في مكونات الذات في علاقاتها بالآخرين .. ومنهم حضرة السيد الزمن..

زمن وأزمنة تنحت أفعالها في اليومي المتراكم الذي تتغذى منه اللحظة الابداعية.. ومنها لحظة الكتابة..

ماذا تفعل الذات الشاعرة تجاه الذاكرة كمعطى ثقافي شعري بالأساس.. كيف تقيم القصيدة علاقاتها مع السيدة الذاكرة وهي تنكتب ..

الشعر والذاكرة.. هذا ما يقودنا الى طرحه وتذكر أسئلته الديوان الشعري الصادر مؤخرا بالقاهرة ..في هذه الرحلة المفتوحة على الكتابة والمفتونة بها منذ كتابها الأول " غواية السكين "..

هذا الديوان هو للشاعرة المجتهدة والاعلامية وعنوانه " شيء من الذاكرة " وفي حوالي 95 صفحة من القطع المتوسط وعن دار الأديب للنشر والتوزيع بالقاهرة.. الشاعرة ابتسام الخميري ضمنت في عملها الشعري هذا أكثر من ثلاثين قصيدة بين النثري والحر والعمودي ومن القصائد نذكر " شيء من الذاكرة " و" ارهاصات الزمن الآفل " و" لذة الاشتهاء " و" الأفعى الغربة " و" تراتيل الوجد الآبق " و" حديث إلى والدي" و" ربما " و" على سطر الحياة " و" على قارعة المصير " و" لست أغار" / و" ولي صور أخرى " و" اجهاض على رخام العشق " و" المساء الأخير " و" إلى عليسه " و" انبهار الأريج و" و" بوابات أخرى.. للحياة و" عبق الحياة " و" فلنغني للحياة " و" همس الاشتياق " و" مرافئ الوجد " و" نداء وعوي " و" إلى درة في الوجود " و" أهيم بوجدي " ..

قصائد تمضي الى الحال فيحلها وترحالها.. في تشظيها الراهن تقول بالذاكرة على سبيل السلوى وهنا تتداخل تلوينات الشجن بالحلم والرومانطيقية والألم المعطر بالأمل .. وهكذا.. هي فوضى العوالم تبتكر كلماتها في شيئ من هدوء القصائد الضاجة بالذات الشاعرة وهي تنشد خلاصها الشعري وبالكتابة وشؤونها وشجونها..

في هذا السياق نذكر قولة "بورخيس" في كون (الذاكرة ليست مجموعا، إنها فوضى بإمكانات لا نهائية).. وفي حيز من هذه العلاقة بين الشعر والذاكرة يقول الشاعر المغربي رشيد المومني في مداخلة له عن "الشعر والذاكرة في تفكيك الملتبس " والتي نشرت بصحيفة الاتحاد الاشتراكي بتاريخ 06 - 06 – 2014 " .. اشتغال كل من الشعر والذاكرة على أرضية استراتيجية مشتركة، تهدف إلى التخفيف من حدة العنف الوجودي والميتولوجي الناتج عن ذلك المحو المادي والرمزي الذي تمارسه وبإتقان تام آلة الزمن على الكائن، من خلال ميلهما معا -كل بطريقته الخاصة-إلى إنتاج زمن مغاير، معزز بديناميته وحركيته، ومهيإ للديمومة، بفعل قابليته للاستعادة والمعايشة المتجددة، والمستندة على تملكه المضاعف لسلطتي التذكر والتخييل، بخلاف الزمن الطبيعي المتسم بصيرورة منذورة إلى زوالها في قلب منافي اللاعودة، التي هي المقابل الموضوعي لمدافن الماضي ، الشيء الذي يمنحنا الحق في القول إن زمن الذاكرة المستعاد، ومعه زمن الشعر، هما السكن الرمزي الذي تطمئن إليه الذات، كشكل من أشكال تسييج كينونتها وحمايتها من الفقد الجارف الذي يهدر به مجرى الزمن الطبيعي. وهي شبه قناعة تجعلنا نحسم باستحالة مقاربة كل من الشعر والذاكرة خارج مقولات الزمن ومنظوماته المتعددة.. في السياق ذاته ، تجب الإشارة إلى حضور مسارين متقابلين، يمتد أحدهما من الشعر إلى الذاكرة التي تتكفل بضمان بقائه واستمراريته استنادا على عامل التجميع والتوثيق والتأريخ والتصنيف والتقييم، فيما يمتد المسار الثاني من الذاكرة إلى الشعر، حيث تتحقق عبره لعبة الإبداع الشعري التي تعتبر الذاكرة إحدى مصادرها الملتبسة، وإحدى أهم روافدها الأساسية المؤثرة في توفير إواليات وجودها وكينونتها. وفي كلا المسارين، تأخذ الذاكرة شكل وسيط يقود الشعر إلى تلك الإقامة الآمنة التي تضمن له إمكانية حفظ ما تراكم لديه من ودائع قد تكون عرضة لضياعها، سواء في حالة غياب الدليل، أو في حالة ضياع المكان ذاته. كما تكون الذاكرة ذاتها، دليلَ كل شعر متوجس من قلق التيه إلى بوابة نجاته المحتجبة في مكان ما بخلفية ليل الغابة. في ضوء هذه الاحتمالات ربما، يكون استدعاء الذاكرة مطلبا حتميا، ( ....) ذاكرة تجدد ذاتها بفتنة النسيان والفراغ والمحو والصمت أيضا. وليس ذاكرة معلبة مغلقة مستبدة بشلل الكائنات المتراكمة في دهاليزها القوطية البناء. أيضا يمكن القول، في لحظة الكتابة، تختفي الذات دون أن تنمحي طبعا ، كما تختفي الذاكرة، الجسد والزمن، ولا يبقى هناك سوى تلك اليد الثالثة، التي تتخبط على بياض صفحة ممسوسة، بقسوة النسيان ولذته، أو هكذا يخيل لي..."

من هنا نجد هذه الخصوصيات في العلاقة بين الشعر والذاكرة والتي يهم كل شاعر النظر اليها من زاويته الكتابية الخاصة حيث ذهبت الشاعرة ابتسام الخميري في هذه المجموهة التي نحن يصددها الى قول الذات وهي تفيد من ذاكرتها وفق كتابة شعرية تتنفس الحاضر بتفاصيله تبتكر له ذاكرته الآنية..هموم الكائن وأوجاع الوطن والحلم المتعثر الآن وهنا ..

من ذاكرة السنين الى راهن الذاكرة حيث البحث في الدروب بين العناصر والتفاصيل

في قصيدة "شيء من الذاكرة "تقول:

 " انتظرت ..

منذ آلاف السنين

والعمر يمضي

كسحابة وقت الهجير

هي

غيمة كانت هنا..

منذ آلاف السنين

...

و بحثت ..

بين أعشاش الطيور

بين أشجار الرياحين

وبين الجبال والسدود..

وصرخت

من رأى حلمي الوحيد

ها هنا.. كان يغني للحياة

ها هنا.. كان يرقص... "

في هذا العنفوان من الألم الكوني والقلق الانساني في كون متحول وعولمة شرسة تتهدد الالكائن في ألفته وهدوئه وألوان خصوصباته وصوره الأخرى تمضي الشاعرة في قصائدها ديدنها نحت هيئات أخرى للأمل والحرية وممكنات المجد الانساني الوجداني لتنبثق الأغنيات من دروب القلق .. تقول الشاعرة الخميري في قصيدة "و لي صور أخرى"

".. كلما رقصت

أنبش جراحي

و تضيع أعنياتي..

.....

كلما أمطرت

تساقطت آلامي

وارتسمت آهاتي..

على ثوب القلق.."

هي الشاعرة تنبش في ذاكرة الوقت تعلن مسراتها ة آلامها وفي هذا الراهن تستعيد شيئا من الأمنية والأغنية بين ثنايا الجمال والرقص والحلم..تبتكر أسماء دروبها وهي تخاطب عليسة.. في قصيدة " الى عليسة" تقول الشاعرة ابتسام الخميري

"...أنت

جمال البقاء.. ورقص الخواء

وبرد ينز بحلمي..بدربي

وأنت الغناء.."

" شيء من الذاكرة "..القصائد بعين القلب ووجدان الحال.. فنحن ازاء عمل هو بمثابة الكون الشعري لذات شاعرة تسافر في الدواخل والشواسع بالكلمات تبتكر وفقها ايقاعها لتأخذنا طوعا وكرها الى شجنها ونواحها الخافت وهي تواصل طريقها المحفوفة بالشعر وقلقه الدائم حيث لا يقنع الشاعر بغير البحث ونشدان التجدد تقصدا لحياة تتجدد.. مع كل صباح..

كلما أمطرت / تساقطت آلامي / وارتسمت آهاتي / على ثوب القلق.. فعلا هي صور أخرى من الشعر المسكون بالشجن والذكرى.. الشعر هذي الأكوان الضاجة بما هي ألوان الذكرى .. أو بشيء منها..من الذكرى.. تجربة صادقة مميزة حيث الشعر هذا الترجمان النادر تجاه العناصر والأشياء يحاورها الشاعر ويحاولها نحتا للهبوب والخلاص في كون مربك يطلب فيما يطلب شيئا من الذاكرة على سبيل العزاء والسلوى... الحلم.. نعم الحلم ديدن الشاعر في حله وترحاله الملونين بالىه والشجن المبين.. مرحى للقصائد تكتب الذات بل تدعوها للأمل والانطلاق الجديد ولا مجال لغير الحلم الدفين المتجدد وللذكرى..

 

شمس الدين العوني

 

عدنان حسين احمدتنفرد رواية "ربيع التنّومة" لقصي الشيخ عسكر بمقاصصة الذهنيتين القامعة والمقموعة في آنٍ واحد، إذ ينهمك المؤلف بتفكيك طرَفَيّ المعادلة من دون التركيز على الضحيّة وإهمال الجلاد. كما تُعدّ هذه الرواية أنموذجًا للأدب "السوداوي" الذي يفحص الشخصية العراقية ويضعها على مِحك الاختبار لدراسة عُقَدها النفسية والاجتماعية والثقافية أو تلك الإشكالات التي تنبثق من التاريخ والجغرافية مثل "عُقدة السندباد" الذي يركب المخاطر والأهوال من دولة تمتلك بالكاد منفذًا بحريًا صغيرًا على الخليج العربي. لا تسلمْ الشخصيات الأخرى من العُقد النفسية وربما يكون عبدالله عبدالرحيم، الموظف في مديرية العدل هو الأنموذج المثالي الحامل لعُقدة النقص، فهو أعرج لكنه تنكّبَ بندقية خالية من الرصاص ونزل بها إلى شوارع "التنّومة" المنتفضة مثل بقية المدن الجنوبية التي ثارت عن بكرة أبيها ولعله أخذ بنصيحة المعلِّم كامل الرامي الذي يقول: "ليس بالضرورة أن يشعر كل ذي عاهة بعقدة، تيمورلنك الأعرج احتلّ العالم، وموشي دايان "دحر" 150 مليون عربي في ستة أيام حسوما" فليس من المستغرب أن يُهزِم عبدالله الأعرج لواءً مدرّعًا بكامله لأنه استعمل كلمات حماسية بسيطة من قبيل "أيها اللواء البطل، لقد انهار الجلاد والثورة تشتعل" ليتوراى الجنود والضباط في لمح البصر.

تنطوي "ربيع التنّومة" الصادرة عن مؤسسة المثقف العربي في سيدْني بالتعاون على سيرة مدينة منتفضة، وسيرة مواطن قرّر أن يناهض حكومة البعث لكنه سقط في فخّ الجلادين وأوشك أن يفقد حياته لولا مصادفة انتقال "أبو درع" إلى سجن الرضوانية، الضابط البدوي الذي يجمع في طوّيته بين ازدواجية العنف والطيبة، وهذه عُقدة أخرى تنضاف إلى العُقد السابقة لشخصيات النص السردي الذي يتناول مرحلة دقيقة وحرجة من تاريخ الشعب العراقي الذي انسحق غير مرة بسبب صراع الأحزاب السياسية على السلطة والثروة.

 تسترجع الرواية القادة العراقيين الذين طالبوا بتبعية الكويت إلى العراق أمثال الملك غازي، والزعيم عبد الكريم قاسم لكن صدام حسين هو الذي ضمّها بساعات معدودة، شبّهها الراوي بملخّصٍ لحرب دامت ثماني سنوات، ووصفها ساخرًا بمُقدمة لكتاب اسمه "تحرير فلسطين"! إنّ ما يهمنا من الأحداث التاريخية في هذه الرواية هو الانتفاضة التي انطللقت شرارتها من "ساحة سعد" بالبصرة في 3 آذار 1991 وامتدت مثل النار في الهشيم إلى 14 محافظة عانت الأمرّين من حُكم الطاغية الذي قمع كل العراقيين الذين وقفوا في الخندق المناوئ له ولحزبه الفاشي الذي تخلّق بأخلاق الجلاد.

ومن بين حوادث الثأر والتصفيات الجسدية الكثيرة ركزّ الراوي على مسؤول الفرقة الحزبية راجي المزروع الذي لم يتوارَ مثل بقية البعثيين وإنما ظلّ في داره وكأنه يتحدى الجميع رغم انهيار المؤسسات الأمنية والعسكرية فتعرّض للقتل حتى أنّ جسده أصبح منخلاً لكنهم لم يأخذوا العائلة بجريرته فتركوها تلوذ عند الأخيار. لابد من التوقف عند عنف الشخضية العراقية وقسوتها، فبعد أن أصبح المزروع جثة هامدة تغرق في بِركة من الدماء بدأ أحد المنتفضين يدعك وجهه بحذائه، وآخرون يبصقون عليه، وثالث موتور، فقدَ خمسة من ذويه بتُهم متعددة يرقص على صدره، ويزعق متشفيًا من دون وعي: "أديروا وجوهكم فلن أجد مرحاضًا أبول فيه غير هذا". ومع أنّ المجتمع العراقي يقرّ بأنّ "إكرام الميت دفنه" إلاّ أنّ المنتفضين بالغوا في الإساءة إلى الميت الأمر الذي يُذكِّرنا بالمصائر المُفجعة للعائلة المالكة وما عانوه من قتل وسحل وتشويه امتدّ بعد بضع سنوات ليطال الزعيم نفسه ومئات اليساريين الذين عمّدوا بدمائهم تراب الوطن. غير أن الراوي يدين هذا التصرّف الوحشي الفظ حين يقول: "أشحتُ بوجهي عن المشهد، وآمنتُ حقًا بأنّ صفحة معتمة لطفولتنا تنتهي وفق تلك الطريقة البشعة من العنف".

يتسع الفضاء السردي شيئًا فشيئًا، وتتعدد الشخصيات رغم أن الأحداث تتمحور حول عبد الله "الأعرج"، الشخصية الرئيسة التي تحضر بقوة منذ مستهل الرواية حتى نهايتها، فنتعرف على أبيه عبدالرحيم الذي مات في أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وعلى أمه جميلة التي لا تتذكّر شيئًا سوى ابنها أحمد الذي ذهب في بعثة دراسية إلى ألمانيا قبل الحرب ولم يعد، وسوف تموت بعد أن تعرّض مُلحق المستشفى إلى ضربة جوية. وهناك شقيقتاه الكبرى والصغرى وصهره. ولو خرجنا من نطاق الأسرة ستُدهمنا شخصية المعلّم كامل الرامي الذي يرى الحياة من زاويته الخاصة التي لا تتناغم مع رؤية الآخرين وتصوراتهم. فبينما كانت الناس تنهب في دوائر الدولة ومؤسساتها كان هو يفتش عن كتاب مهم أو وثيقة سريّة. لم تتضح نتائج الانتفاضة ففي يومها الثاني غطّت صور المعمّمين العراقيين والأجانب حيطان المدينة، وبعد مقتل المزروع وضابط الأمن التكريتي، وقصف جسر التنّومة بدأت ملامح القصة الغامضة تتضح بعد أن تصافح الجنرالات في "خيمة صفوان" بينما كان المنتفضون يعتقدون أن الأميركان "سيلتقطون صدام مثلما تلتقط البوم جرذًا من ذيله". لكن العكس هو الذي حدث تمامًا، فقد عاد البعثيون بشراسة أكبر، وعادت صور صدام إلى الجدران الأمر الذي دفع عبدالله وصهره لأن يُلقيا البنادق في بالوعة المرحاض. لقد اندحرت الانتفاضة، وبدأت المجازر من جديد. لم يهرب عبدالله وعائلته إلى إيران مثلما فعل بعض العوائل فقد آثر البقاء، وأصبح ضحية لرجال الفرقة الحزبية، والعناصر الأمنية التي تفتش في ضمائر المنتفضين وعقولهم.

يتعرّض عبدالله "الأعرج" في القسم الثاني من الرواية إلى الاعتقال بعد أن دهمه عناصر الأمن واقتادوه إلى السجن. وفي التحقيق يُتهم بأنه مسؤول عن إذاعة شط العرب، وأنّ اعترافه بهذه التُهمة يعني الإعدام، وتأكيد جريمة صهره، ومعلّمه كامل الرامي، فلم يكن أمامه إلاّ الإنكار رغم بنيته الواهنة، وقدمِه العرجاء المتنمِّلة. يمرّ عبدالله بثلاثة سجون تتشابه في قسوتها وهي سجن "شط العرب" وسجن "البصرة المركزي" وسجن "الرضوانية" في بغداد وثمة سجن فرعي في مستشفى تابع للرضوانية يُديره نائب ضابط أكثر وحشية من السجون الثلاثة التي حُشِر بها وذاق مرارتها، فهذا الجلاد يُوسع ضحاياه ضربًا حتى يسقط لاهثًا على الكرسيّ من الإعياء. لم يتركوا نوعًا من التعذيب إلاّ ومارسوه مع عبدالله الأعرج إلى أن يظهر "أبو درع"، وكيل المسؤول الأمني في السجن فيدقق ملفه من جديد ويخلي سبيله لأنه وجد صفحته بيضاء ناصعة رغم التُهم الموجهة إليه فيستعيد عبدالله حريته ويدرك بأنه أمضى أقسى ثلاثة شهور في حياته.

قبل أن نختم المقال لابدّ من الإشارة إلى ملحوظتين أساسيتين، الأولى تتعلق بتجريد العراق من الإطلالة البحرية مع أنّ القاصي والداني يعرف جيدًا أن مدينة الفاو مطلّة على رأس الخليج العربي وأنّ خورعبدالله هو المنفذ الوحيد على البحر، فليس من المعقول القفز على هذه الحقيقة التاريخية والجغرافية بالقول إنّ العراق لا ساحل له منذ زمن هارون الرشيد حتى الوقت الحاضر. أما الملحوظة الثانية فتتعلّق بأبي درع الذي يجمع بين الطيبة والعنف في سجن الرضوانية الذي كان يضم المناوئين لحكومة البعث فأقول لك بثقة شبة تامة بأنّ النظام السابق لا يسمح بوجود جلادين يمكن أن يتعاطفوا مع الضحايا مهما كانت درجة براءتهم وأن وجود هذا الشخص يُربك مصداقية العمل الروائي.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

جمعة عبد اللهالقصص القصيرة جداً، جنس ادبي يعتمد على اسلوبية خاصة ومتميزة، في الكمية والكيفية. الاولى تلتزم في الصياغة المركزة بالتركيز والتكثيف في لغة السرد المركزة. والثانية الكيفية تعتمد في ابراز الحدث والفكرة في الرؤية التعبيرية الدالة في الايحاء والرمز في البنية النص في المنظور السردي وافاقه المتعددة الاغراض. والاديب حميد الحريزي، بارع في التقنية الاسلوبية والتعبيرية في هذا الفن، ويحشر رؤيته الاجتماعية والسياسية في النص. وفي تناول مفردات الواقع، والغوص في اعماقها لكشف شفراتها في الايحاء والرمز الدال، ويكشف من خلال النص تناول ثيمات الواقع، التي تزاحمت عليه العيوب والزيف والفساد والنفاق والرذيلة والجشع الاناني. ويكشف من خلال الرؤية الفكرية افرازات الواقع، التي قادته الى التأزم والخناق الحياتي، لذلك يحاول كشف عورات وعيوب هذه الافرازات السلبية، التي فرضت نفسها بقوة على الواقع، ورمته الى أتون المعاناة والجحيم. وان الاديب ينشغل في ابراز التساؤل في دهشة النص المأزوم، واظهار التنافر والتناقض والازدواجية في التعاطي، لكي يأخذ النص المعنى الدال في المضامين الاجتماعية والسياسية والدينية. في الرصد الوعي، في التشخيص والتجسيد والتفسير. ان يبرز هذه العيوب على الملاء، بالفضح والاستهجان، بصيغة السخرية التراجيدية، او في المأساة السوداء، التي تعمل على الانهزام والاحباط والتأزم. حقاً غزت الواقع خصائل او مظاهرة غريبة وهجينة، في الفساد والنفاق في الدين والتدين. يعني انه يكشف هذا الانحراف الذي يخنق الانسان الذي بشر به المحتل في بيوضه التي تفقست ثعابين وافاعي، وجعلت الحياة ارهاق حياتي، وخاصة على الشرائح الشعبية والفقيرة، يكشف المناخ السياسي المتلوث والموبؤ، بالنفاق والتلون الانتهازي كالافعى الحرباء، التي تغير جلودها. حسب المناخ والحاجة في العرض والطلب، في التصرف والسلوك الذي ينتقل من ضفة الى ضفة اخرى، بالسخرية التراجيدية. هذه الرؤية الفكرية والتعبيرية في نصوص المجموعة (المصابيح العمياء) والاديب يتخذ الموقف الواعي والناضج في الانحياز الى الانسان ومظالمه وجحيمه. شجب الزيف والنفاق اسلوب ساخر ومستهجن. يحاول ايصال شفرة النص الدالة الى القارئ. في الرؤية الفكرية. لذلك ان القصص القصيرة جداً. تحمل ابداع ورؤية. لذلك نتمعن في بعض ابرز النصوص في المجموعة، التي احتوت على اكثر من 50 نصاً من القصص القصيرة جداً. ويمكن اجمالها في هذه العناوين البارزة :

1 - التجاة في الدين والتدين : ابراز مكامن النفاق والزيف واللصوصية. هذه السلوكية الجديدة التي جلبتها البيوض الاسلامية التي تفقست الى افاعي وثعابين جشعة وانانية. وانتهجت اسلوب التتعاطي بالازدواجية، في مظهرها المخادع، في الامتثال الى التدين والتقوى والتمسك في فروض الدين والصلاة في الظاهر. وفي الباطن الوجه الشيطان والثعلب الماكر، في الفساد والرذيلة والجشع الاناني، واشباع النزوات الشاذة والغريبة. هذه الافاعي التي جاءت مع المحتل، واستلمت السلطة والحكم، يحكمها نهج وعقلية الترهيب والترهيب، كأنها تفقست من عقلية النظام الساقط. وكذلك في شراء النفوس الضعيفة، والذمم الرخيصة من الاقلام المأجورة. لكي يتصاعد الجحيم والفقر في الحياة الى الاعلى. متل اقصوصات (جلد الافعى) و(عطر الحياة) و(خارج الحساب) و(التفئير) التي يدل نصها على عميات الفساد والاختلاس والاحتيال، محملة بالحقائب الدولارية. وكذلك في (الفوز) عن عفونة الديموقراطية عن استبدال احشاء صناديق الانتخابات، بصناديق أخرى لكي تضمن الفوز الكامل لها. وكذلك في القصة القصيرة جداً التي تحمل عنوان المجموعة (المصابيح العمياء) عن السخرية التراجيدية السوداء. في الابهار المخادع في المظهر الخارجي، والانجراف اليه بشهوة واشتياق، لكنه يعرف اخيراً انها زوجته التي يلاحقها ويطاردها بنزواته، لذلك لابد من تغيير مصابيح غرفة نومة. وكذلك (اللهم أني صائم) يكنزون المال بجشع ويتابهون به، الىشقاء على الاخرين، او على حساب دموع الثكالى والفقراء والايتام. وكلك في (القناع) يفرح بزهو وتباهي وهو يحمل قرار المحكمة، بتخلي المؤجرين الدكاكين المحيطة بجامعه، بطردهم، لعدم قدرتهم على دفع الزيادة في الايجار. وكذلك اقصوصة (المحاضر) يتحدثون في وسائل الاعلام والفضائيات والمحاضرات الجماهيرية. عن حق المرأة وحريتها ومكانتها في المجتمع. ولكن حين يستلم الجوائز من هذه الانشطة الاعلامية، يعرج على سوق الحريم ليشتري المزيد والمزيد من (الحاجبات). او مثل قصة (التفتت) تغيير الجلود وانتقال من ضفة الاخرى. يعني من ازلام النظام السابق، الذين مارسوا الوحشية والاغتصاب، تحضر ابنة الشهيد الحزب، لتجد الرفيق المسؤول الذي يقدمها الى رفاق الحزب، هو نفسه الذي قتل والدها واغتصب امها، فتصرخ بجزع واستنكار، وكذلك في (صلاة الثعالب) وبقية القصص القصيرة في هذا العنوان البارز.

2 - عن الجحيم الحياتي في الحيف والظلم والانسحاق. في الايحاءات التعبيرية في المعنى والترميز البليغ. في عدم القدرة في توفير الخبز العيش المر، ضمن الجحيم الحياتي، وهذه الضائقة الشاقة تدفع الانسان الى الانتحار او الحرق، احتجاجاً على الواقع الظالم واللاعادل، في صورة (بوعزيزي) الدالة على رفض الظلم الحياتي، التي تؤدي الى انهزام الانسان، مثل القصص القصيرة جداً (الشيب المكهرب) و(الرأس المفجوع) و(فواتير) تتزاحم الفواتير عليه، ويجد نفسه في حالة العجز في تسديدها، ضمن الضائقة المعيشية، لم يستطع توفير رغيف الخبز لعائلته. لذا يتطلع الى صورة (بوعزيزي) مستلهماً اشارة قبول منه، ليتخلص من احمال الحياة الثقيلة في الشقاء والمعاناة. وكذلك اقصوصة (أمنية) بعدم قدرته مواكبة الحياة، بعدما سدت الابواب في وجهه، ان يطلق الحياة بجورها القاسي، وان تكون محطته الاخيرة في دار العجزة، بتكبير عمره من 60 عاماً، الى 65 عاماً، وكذلك شقاء المواطن في وطن الجحيم، تبقى هويته (هوية الاحوال المدنية) عديمة الفعل والقيمة والاثر، ولا تستحق ان يحملها المواطن، ويحرقها احتجاجاً على الوطن الجحيم الذي لايحترم ابناءه، كما في النص (الهوية). وكذلك اقصوصة (التفتت) الذي يعجز في توفير المال المطلوب للعملية الجراحية بالتخلص من حصواته، ويقتنع بمصيره المحتوم بعدم اجرى العملية، لانه غير قادر على الدفع المالي. وكذلك (قصة المعاناة) و(الرغيف) من اعباء الحياة في الحيف والظلم، حتى الحب يشهد زمن الكوليرا، في اقصوصة (الضرة)، في زمن العولمة في الجوع والعسف والظلم والانتهاك لللانسان.

3 - الحب المزيف والمخادع : مثل النصوص (عطر الحياة) و(باقة ورد) و(غرام الورد) و(قبلات النهر) و(رقصة الانا) في كلام عسل على عسل في الحب، يفيديها بروحه وحياته، وبالفعل الحقيقي، يرقص على انغام الانا، حين يفترس القرش حبيبته. يعني هذه الاثار السلبية على على الحياة التي دلفت الى التلوث في اخلاق الفساد والسلوك، حتى الغش دخل في الحب. وكذلك في النصوص الاخرى مثل (النجوم) و(قبلة في الفنجان). حينما انتهت مراسيم شهر العسل وظهر التباين في جدول القبل، سلمها ورقة الطلاق.

4 - صنع القلم المأجور والمرتزق والمزيف.. كيف يكون القلم الاصفر الذي يتقيء بقاذوراته العفنة والكريهة، وعندما يداس على ضميره وشرفه، يصبح طبالاً وراقصاً في حضرة الامير او السلطان، أو صاحب المقام الكبير،، أويعرض بضاعته الصفراء من يملك المال والنفوذ، ان يكون خادماً ذليلاً في التمجيد والتعظيم، ويخرس اما الزيف والدجل الحياتي، بل يكون بوقاً للزيف والدجل، في (الجائزة) احسن جائزة في حضرة الامير والسلطان. و(موت المؤلف) و(هبة السلطان) يغدق المال على جوقة القلم المرتزق، لكي يجددوا البيعة. وفي (أوهام). وكذلك اقصوصة (المصادرة) حين يصادر الضمير والشرف للكاتب بالمال، ويكون مرتزقاً، حتى يتعلثم لسانه، ويصيبه الصمم والبكم من اهوال الحياة وجحيمها، من حبات الذهب المخلوطة بحبات الرز، في خلق قلماً مأجوراً ومطيعاً لمن يدفع من المال، وان يكون حاضراً في عرس الواوية في التمجيد والتعظيم،لكي يساهموا في دفع الحياة الى الجحيم والفساد. مثلما نجد في الاعلام المضلل والمزيف بالمنحرف عن الحقيقة، وامام هذه الصورة السوداء للقلم المرتزق والمأجور، هناك صورة مشرقة للقلم الذي يحافظ على شرف القلم ونزاهته بالضمير، الحي المنصف للحق والعدل، ولا يمكن ان يساوم او يداهن، او يقايض بالمال. لان للقلم قدسية يجب احترامها، وخاصة الاقلام الشريفة الذين يقفون الى جانب معاناة الوطن، ويدافعون عن المحرومين والمسحوقين، ينشدون العدل والحقيقة، كما في اقصوصة (الندم) الذي يجد الكاتب الخداع والزيف والرياء والفساد والرذيلة، ويخرج حتى لا يدنس قلمه بهذا بالوحل العفن.

 

 جمعة عبد الله

 

عبد الجبار نوريتعتبر الرواية من أرقى أشكال التعبير اللغوي في تجسيد تجليات ما يجيش في أعماق اللاوعي من المشاعر والأحاسيس الوجدانية وتناقضاتها وربما إرهاصاتها من حب وكراهية وحركة وسبات ورفض وأستكانة وقبح وجمال للإنسان الذي أعتبر أثمن رأس مال في قائمة الأحياء في فضاءات هذا الكون الشاسع .

أن رواية " الكنزة الزرقاء " للروائي فريد الطائي تركيبة وجدانية وترجمة (واقعية) لمستلبات الأنظمة الشمولية في التسلط ومصادرة الحريات للشعب العراقي المقهور، ولمست  الواقعية) بأجمل صورها في رواية الكنزة الزرقاء ولآن الروائي فريد الطائي عايش المأساة التراجيدية بأبشع زمكنة مرعبة ابتداء من 1963 وعبر الأسلاك الشائكة المكهربة والملغومة لسنة الأحتلال الأمريكي البغيض 2003، أجاد الروائي البارع الطائي أن يترجم تلك المعاناة بواقعية تقدمية وكـأنهُ تقارب –حسب قناعتي – مع مؤلف رواية " المدرعة بوتيميكين " (نينا أغادزنوفا) الروسي الذي أرّخ للثورة العمالية في مدينة سان بطرس بيرغ 1905، وأعتبرت روايتهُ هذه من أعظم الروايات المحرضة على الثورة، وترجمت حينها إلى فيلم صامت قصير بأخراج (سيرغي أيزينشتاين) .

فكانت المحطة الأولى لفصول روايتهِ الحرب الأيرانية العراقية، أبدى أولى ومضاته الوطنية في سرد لسيرورة هذه الحرب العبثية مبيناً ببراعة حسيّة عقم الحروب وأستلاباتها المرعبة، فقد أعتنى بالمعارك الشرسة التي خاضها الطرفان في ثمانينات القرن الماضي  والتي دامت ثمان سنوات، وهي أطول الحروب التقليدية في القرن العشرين وغطت مآسيها أبادة أكثر من مليون وأكثر من واحد مليون معوّق وأسير ومفقود من العراقيين، وأكثر من مليوني فرد من أيران بين قتيل وجريح ومفقود وأسير، كما تمّ استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، وكشفت مأساة رحيل الجيل الذي أشترك في الحرب من كبار المسؤولين والقادة والضباط والساسة والمشاركين من أطباء ومهندسين وأعلاميين، وطرح الروائي ببراعته وشجاعته سؤالاً ملحاً مطلوب الأجابة عليه من قبل الشعب : هل كانت تلك الحرب ضرورية؟ في عالمٍ بدأت متغيراته ِمن بعد أن وضعت الحرب أوزارها، هل أستبقتْ الحرب زمنها ؟ وتجيب الرواية " الكنزة الزرقاء " بسلاسة كاتب الرواية بوطنيته اليسارية التقدمية : لقد أفرزت تلك الحرب حالات تأريخية أذ أحرقت الثقة والتي كانت عميقة الجذور بين الطوائف العراقية وأقلياتها فقد أنتجت تلك الحرب صراعات مستمرة وكادت أن تغيّر مسار وحدة الشعب العراقي إلى حربٍ أهلية خصوصا في عامي 2006 و2014 وللأسف الشديد لا زالت الصراعات والمناكفات مستمرة تطفح على الواجهة السياسية بأشكال مختلفة ربما كطائفية أوأثنية أو مناطقية وربما كلها معاً .

وكاتبنا عايش حرائق الغربة تحت خيمة وطنهِ المتهرئة، وأفرز روايةً بزمكنة واقعية لأنهُ عايش جميع الأنظمة معلناً راية الكفاح والتصدي وكسر حاجز الخوف بموصول غرائبي تحت وابل زخات الأوجاع والأستلابات الروحية والجسدية المرعبة وتلك هي مولد الأرادة الجماهيرية في طلب التغيير بانسياقيه نحو الواقعية والأنطلوجية الرقميىة لهندسة أفكاره الثورية ببرمجيات معلوماتية ذات فائدة جمة للجمهور المكتوي بعذابات الشمولية الساحقة لآدمية الأنسانية .

وينقلنا الروائي بسردية نصيّة متقنة إلى الفصل الثاني الأكثر أيلاماً ووجعاً بشكل موجات بربرية متوحشة للنظام الشمولي والديني الراديكالي في أكله للحم البشري الحي كمثل غزوات قندهار وتوروبورو في تغييب الكلمة الحرة في أغتيال الروائي والكاتب اليساري التقدمي كامل شياع مستشار وزير الثقافة العراقية في 23 آب 2008، وأجاد الروائي اليساري الطائي في روايته الكنزة الزرقاء بدوره الأعلامي في التعامل الأنساني في فجيعة أغتيال الكلمة الحرة، يقول: وفُجع كل ضمير حي تنبض شراينهُ بحب الحياة وكل مناضل في العالم بالجريمة الأرهابية المبيتة التي خطفت حياة الشهيد الشيوعي والمناضل اليساري " كامل شياع " وهو صاحب القلم الحر الشجاع الذي أقتحم المشاريع الأمبريالية والظلامية المشبوهة مدافعاً صلباً عن حقوق الأنسان العراقي والعالمي، وكان من أبرز المطالبين ببناء حركة ثقافية جديدة في العراق وفق رؤى علمانية منفتحة حاول أن يغيّرْ المشهد الثقافي بيد أن بعض العقول الفاسدة لا يروق لها ذلك.

 

عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي / ستوكهولم

 

 

كريم مرزة الاسدي1 - قال المنخل اليشكري، وهو: عمر بن مسعود اليشكري،

ولد المنخل في الشعيبة غرب مكة المكرمة، عاش بين (584 - 607م)، أي قتله النعمان بن المنذر، وعمره 23 سنة، وكان من أجمل فتيان العرب، وهذه الأبيات من قصيدته (فتاة الغدر)، كتبت عنه مفصلًا في كتابي (شعراء الواحدة، وشعراء اشتهروا بواحدة):

ان كنت عاذلتي فسيري*** نحو العراق ولا تحوري

لا تسألي عن جل مالي*** وانظري كرمـي وخــيري

ولقد دخلت على الفتا **** ة الخدر في اليوم المطيرِ

الكاعب الحسنــــاء تر***فلُ في الدمقس وفي الحريرِ

فدفعتها فتــــدافعتْ *** مشي القطـــــــــاة الى الغديـر

ولثمتها فتنفـّــــستْ **** كتنفــــــس الظبـــــــي الغريرِ

فدنت وقالت يا منخـــْ*** ـــل مـــــــا بجسمك من حرورِ

ما شفّ جسمي غير وجد **** كِ فاهدأي عنـّــــي وسيري

واحبّــــها وتحبّـــــــني ***** ويحبُّ نــــــــــاقتها بعيري

ولقد شربتّ من المدا ***** مةِ بالقليـــــــلِ وبالكثيـــــــــر

فاذا انتشــــــــيتُ فانّـني ***** ربّ الخورنقِ والســــــــــديرِ

واذا صحوتُ فانـّــــــني****** ربُّ الشـــــــويهةِ والبعيــــرِ

2 - وقال قيس بن الملوح، والملقب بمجنون ليلى (24 هـ / 645م - 68 هـ / 688)، شاعر غزل عربي، من المتيمين، من أهل نجد.

عاش في فترة خلافة مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان، لم يكن مجنوناً؛ وإنما لقب بذلك لهيامه في حب ليلى العامرية التي نشأ معها، يقول:

ألا يا حمامات العراق أعنني *** على شجني، وابكين مثل بكائيا

يقولون ليلى بالعراق مريضةٌ *** *فياليتني كنت الطبيب المداويا

وله:

يقولون ليلى بالعراق مريضة ٌ ****فمالك لا تضني وانت صديقُ

سقى الله مرضى بالعراق فأنني**على كلِّ مرضى بالعراق شفيقُ

فأن تك ليلى بالعراق مريضة **** فأني في بحر الحتوف غريقُ

أهِيم بأقْطارِ البلادِ وعَرْضِهَا *** * ومالي إلى ليلى الغداة طريـقُ

3 - قال عمر بن أبي ربيعة، وهو من مخزوم، قرشي النسب،؛ بل لم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير الغزل؛ بسبب نشأته في أحضان أمه، التي كانت تشرف على أملاك أبيه الواسعة، فترعرع بين النساء والجواري، ويخاطبهن دون تحرج!! يقول:

بينما يذكرنني أبصرنني **** دون قيد الميل، يعدو بي الأغر

قالت الكبرى أتعرفن الفتي ؟ ***قالت الوسطي: نعم، هذا عمرْ

قالت الصغرى وقد تيمتها ****** قد عرفناه وهل يخفي القمر

ذا حبيب لم يعرج دوننــــا **** ســـــــــاقه الحين إلينا والقدر

ليت هنداً أنجزتنا ما تَعدْ ****وشَفَتْ أنفسنا مما تَجِدْ

واستبدتْ مــرة ً واحدة ً****إنما العاجز من لا يستبدْ

زَعَموها سَــأَلَت جاراتِها**** وَتَعَرَّت ذاتَ يَومٍ تَبـتَرِدْ

أَكَما يَنعَتُني تُبصِـــرنَني**** عَمرَكُنَّ اللَهَ أَم لا يَقتَـصِدْ

فَتَضاحَكنَ وَقَد قُلنَ لَها ***حَسَنٌ في كُلِّ عَينٍ مَن تَوَد

وَلَها عَينانِ في طَرفَيهِما***حَوَرٌ مِنها وَفي الجيدِ غَيَد

وَلَقَد أَذكُرُ إِذ قُـــلتَ لَها****وَدُموعي فَوقَ خَدّي تَطَّرِد

قُلتُ مَن أَنتِ فَقالَت أَنا مَن ***شَفَّهُ الوَجدُ وَأَبلاهُ الكَمَد

نَحنُ أَهلُ الخَيفِ مِن أَهلِ مِنىً*** ما لِمَقتولٍ قَتَلناهُ قَوَد

قُلــــتُ أَهلاً أَنتُـــمُ بُغيَتُنا ****فَتَسَمَّينَ، فَقالَــت أَنا هِندْ

إِنَّما خُبِّــلَ قَلبي فَاِجتَوى *****صَعدَةً فــي سابِرِيٍّ تَطَّرِدْ

إِنَّما أَهلُكِ جيرانٌ لَنا إِنَّما**** نَحنُ وَهُـــم شَــيءٌ أَحَـــدْ

حَدَّثوني أَنَّها لـــي نَفَثَــت *****عُقَداً يا حَبَّذا تِلكَ العُقَــدْ

كُلَّما قُلتُ مَتى ميعادُنا***** ضَحِكَت هِندٌ، وَقالَت بَعدَ غَدْ

4 - جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي أبو حزرة، من تميم (653 - 733 م/ 33 - 114هـ).

أشعر أهل عصره، ولد ومات في اليمامة، وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل.

كان عفيفاً، وهو من أغزل الناس شعراً.

عاش حوالي ثمانين سنة

اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ وفاة جرير، على أنه في الأغلب توفي سنة 733م/114هـ وذلك بعد وفاة الفرزدق بنحو أربعين يومًا، وبعد وفاة الأخطل بنحو ثلاث وعشرين سنة.

لم يكن غزل جرير فنا مستقلا في شعره، فقد مزج فيه أسلوب الغزل الجاهلي بأسلوب الغزل العذري. فيقول:

بَانَ الخَليطُ، وَلَوْ طُوِّعْتُ ما بَانَا *** وقطعوا منْ حبالِ الوصلِ أقرانا

حَيِّ المَنَـــازِلَ إذْ لا نَبْتَغي بَــدَلاً*** بِالدارِ داراً، وَلا الجِيــرَانِ جِيرَانَا

كصاحبِ المــوجِ إذْ مالتْ سفينتهُ****يدعو إلى اللهِ إســراراً وإعلانا

تُهدي السّلامَ لأهلِ الغَوْرِ من مَلَحٍ ***هَيْهَاتَ مِنْ مَلَحٍ بالغَوْرِ مُهْدانَا

أحببْ إلى َّ بذاكَ الجزعِ منزلــة ****بالطلحِ طلحاً وبالأعطانِ أعطانا

يا ليتَ ذا القلبَ لاقى منْ يعللـــهُ ****أو ســاقياً فسقاهُ اليومَ سلوانا

أوْ لَيْتَهَا لــــمْ تُعَلِّقْنَا عُلاقَتَـــهَا****وَلَمْ يَكُنْ داخَــــلَ الحُبّ الذي كانا

قالَتْ: ألِمّ بِنا إنْ كنتَ مُنْطَلِقـــــاً*****وَلا إخالُكَ، بَعــــدَ اليَوْمِ، تَلقانَا

يا أمَّ عمرو جـــزاكَ اللهُ مغفرة ******رُدّي عَلَيّ فُؤادي كالّذي كانَـا

ألستِ أحسنَ منْ يمشي على قدمٍ ***يا أملحَ الناسِ كلَّ الناسِ إنساناً

يلقى غريمكمُ منْ غيرِ عســرتكمْ ****بالبَذْلِ بُخْلاً وَبالإحْسَانِ حِرْمانَا

قد خنتِ منْ لمْ يكنْ يخشى خيانتكْ *****ما كنتِ أولَ موثوقٍ به خانا

لقدْ كتمتُ الهوى حتى تهيمنــــى ****لا أستطيعُ لهــذا الحـــبَّ كتمانا

لا بَارَكَ الله في الدّنْيَا إذا انقَطَعَتْ *****أسبابُ دنياكِ منْ أسبابِ دنيانا

إنّ العُيُونَ التي في طَرْفِها حَــــوَرٌ****قتلننا ثــمَّ لـــــمْ يحيـــينَ قتلانا

يَصرَعنَ ذا اللُّبّ حتى لا حَرَاكَ بـــهِ*****و هنَّ أضعفُ خلقْ اللهِ أركانا

يا حبذا جبلُ الريــــانِ منْ جبلٍ *****وَحَبّذا ســـاكِنُ الرّيّانِ مَــــنْ كَانَا

وَحَبّذا نَفَحَاتٌ مِــــــنْ يَمَانِية ******تأتيكَ مــــن قبــــلَ الريــانِ أحيانا

هبتْ شمالاً فذكرى ما ذكرتكمْ ******عندَ الصفـاة ِ التي شرقيَّ حورانا

أزْمانَ يَدعُونَني الشّيطانَ من غزَلي****و كنَّ يهوينني إذْ كنتُ شيطانا

5 - عروة بن أذينة، فقيه المدينة شيخ الإمام الإمام مالك بن أنس (ت 130 هـ / 748م)

يا عصرنا كيف عاشوا عصرهم ؟؟!!، لو تجرأ شاعر في أيامنا هذه وقالها بالرغم من عفّة فائلها، لحكم عليه بالزنا رجماً، بحجّة أنّه اعتراف ضمني، و إقرار على النفس علني...!! إليك قصيدته الغزلية بادئاً، تمتع به، والله كريم ...!!

إن التي زعمت فؤادك ملـّـها ***خُلقت هواك كما خُلقت هوى لها

فبك الذي زعمتْ بها وكلاكما ******أبدى لصاحبه الصبابة كلّـها

ويبيتُ بين جوانحي حبٌ لهـا *******لو كان تحتُ فراشها لاقلـّـها

ولعمرها لو كان حبّــك فوقها **** يومـــاً وقد ضحيت إذاً لأظلّهـا

وإِذا وَجَدْتَ لها وَساوِسَ سَلْوَة ٍ ** شَفَعَ الضميرُ إلى الفؤادِ فَسَلَّها

بَيْضاءُ باكَرها النعيـمُ فَصاغَها ******بلباقَــــــة ٍ فأَدَقَّــــها وأَجَلَّها

لمّـا عرضتُ -مسلماً- لي حاجةٌ ٌ***اخشى صعوبتها .. وارجو ذُلـّها

منعت تحيتها فقلت لصـاحبي: ******** ماكان اكثرها لنا... وأقلّـها

فدنا، وقال: لعـلها معذورةٌ ***** فـي بعض رقبتها... فقلت: لعلّـها

6 - أبو نؤاس هو الحسن بن هانئ بن صباح بن عبد الله بن الجراح بن وهيب ويقال الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح أبو علي الحكمي المعروف بأبي نواس الشاعر مولى الجراح بن عبد الله الحكمي.

عاش بين أواخر (139 هـ - 199 هـ / 757 م - 815 م)

تهافت على اقتناص اللذائذ الجنسية والجسدية قبل فواتها ! فتطلع إلى الجواري، يراسلهن، ويتوسل إليهن، ناصبا الشراك لجذبهن: أين الجواب ,وأين رد رسائلي *** قالت ستنظر ردها من قابلِفمددت كفي ثم قلت تصدقوا ****** قالت نعم بحجارة وجنادلِان كنت مسكينا فجاوز بابنا **** وارجع فمالك عندنا من نائلِيا ناهر المسكين عند سؤاله **** الله عاتب في انتهار الســائل

ولكن أبا نواس لم يتمتع بمؤانسة حبيبته الجارية  (جنان)، ولا حتى رؤيتها إلاّ بلمحات خاطفة، ومن هذه المصادفات الصعبة، رآها تلطم بمأتم، فقال فيها هذه الأبيات الرائعة:

يا قمراً أيصرتُ في مأتمٍ *** يندبُ شجواً بين أترابٍ

يبكي فيذري الدرّ من نرجسٍ *** ويلطم الوردَ بعنّابِ

لا تبكِ ميتاً حلَّ في حفرةٍ **** وابكِ قتيلاً لكِ بالبابِ

إليك مقاطع من قصيدته الرائية الأولى بروعة مطلعها، وحسن ختامها، وما بينهما من حسن التخلص، والتشبيه البليغ، وقبل هذا وذاك عبقرية القصيد في بحرها الطويل :

أجارة َ بَيْتَيْنَا أبوكِ غَيورُ،**** وميْسُـــورُ ما يُرْجَى لديْكِ عسِيرُو إن كنتِ لا خِلماً ولا أنتِ زوْجة ٌ** فلا برحَتْ دوني عليكِ ستُورُوجاوَرْتُ قوْماً لا تزاوُرَ بينهمْ ****ولا وَصْلَ إلاّ أن يكونَ نُشُورُفما أنا بالمشْغُوفِ شَرْبَة َ لازِبٍ ****ولا كلّ ســــلطانٍ عليّ قَديرُوإنّي لِطَرْفِ العينِ بالعينِ زَاجِرٌ*** فقد كدْتُ لا يخْفى عليّ ضميرُتقولُ التي عن بيتها خفّ مرْكبي:****عزيزٌ علينا أن نَرَاكَ تَسيرُ أما دونَ مصْرٍ للغنَى مُتَطَلّبٌ؟ ***** بلى إنّ أسْبـــاب الغِنَى لكثيرُفقلتُ لها: واستعجلَتْها بَوَادِرٌ ***جرتْ، فجرى فــي جرْيهِنّ عبيرُذريني أكَثّرْ حاسديكِ برِحْلَةٍ ****** إلى بـلَـدٍ فيـه الخصيـبُ أميــرُ

إذا لم تَـزُرْ أرْضَ الخصِيبِ ركابُنا ** فـأيّ فتـى،بعـدَ الخصيبِ، تَزُورُ

7 - ابن زيدون وولّادته:

ابن زيدون هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلسي القرطبي الشاعر المشهور، ولد ابن زيدون في رصافة قرطبة سنة (1003 م / 394هـ)، وتوفي (1071م/463هـ ).

والولادة بنت الخليفة المستكفي، ولدت في مدينة قرطبة، عاشت بين (994 م - 1091م)، وكانت بارعة الجمال، ولم تتزوج، شاعرة وأديبة.

كانت الولاّدة تكتب على طرازين وضعتهما على عاتقيها:

أنا واللهِ أصلحُ للمعــالي ***** وأمشي مشيتي وأتيـه تيهاًأمكّنُ عاشقي من صحن خدي** وأمنح قبلتي من يشتهيها

وفي أول لقاء ابن زيدون بها، رماها بهذين البيتين:

ما جالَ بَعْدَكِ لحْظي في سَنا قمــرٍ *** *** إلا ذكرتُكِ ذكرَ العَيْـن بالأَثَرِ

فهمتُ معنى الهوى من وَحْي طَرفِكِ لي** إن الحِوارَ لمفهومٌ من الحَوَرِ

ويودّعها عند الانصراف بهذه الأبيات:

ودّع الصبر محبٌ ودّعكْ *** ذائع من سرّه ما استودعكيقرع السن على أن لم يكنْ ** زاد في تلك الخطا إذ شيعكْيا أخا البدر سناءَ وسنـــاً ****** حفـظ الله زمـاناً أطلعكْإن يطل بعدك ليلــي فلكم**** بـــت أشكو قصر الليل معك

8 - البحتري (205 هجري - 284 هجري): هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى التنوخي الطائي، أحد أشهر الشعراء العرب في العصر العباسي.

يقال لشعره سلاسل الذهب، وهو أحد الثلاثة الذين كانوا أشعر أبناء عصرهم، المتنبي وأبو تمام والبحتري، قيل لأبي العلاء المعري: أي الثلاثة أشعر؟ فقال: المتنبي وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري.

ولد في منبج إلى الشمال الشرقي من حلب في سوريا، له في الحب:

حبيبي حبيبٌ يكتم الناس أنّه *** لنا حيـن تلقانا العيـون حبيبُ

يباعدني في الملتقى وفؤاده *** وإن هـو أبدى لي العباد قريبُ

ويعرض عنّي والهوى منه مقبلٌ * إذا خاف عينًا أو أشار رقيب

فتنطق منا أعينٌ حيــن نلتقي *****وتخرس منــا ألسنٌ وقلــوبُ

وقال:

ويا مُدرِكَ عينيه ليقتلني *** إنّي أخاف عليكَ العين من عيني

ليت ما بين من أحب وبيني ***** مثل ما بين حاجبي وعيني

وقال في حبيبته:

سَلامُ اللهِ كُلَّ صَبَاحِ يَوْمٍ **** عليكَ، وَ مَنْ يُبَلِّغ لي سَلامي؟

لقد غادَرْتَ فِي جسدي سَقَاماً*** بِمَا في مُقْلَتَيْكَ مِن السَّقام

وذكَّرَنِيكَ حُسْنُ الوَرْدِ لَمّا ***** أَتَي وَ لَذيذُ مَشروبِ المُدام

لَئِن قَلَّ التَواصُلُ أَوْ تَمَادَي **** بِنَا الهِجرانُ عاماً بَعْدَ عامِ

أَأَتَّخِذُ العِراقَ هويً وداراً **** ومَن أَهواهُ في أَرضِ الشآم؟

9 - أبو الفضل العباس بن الأحنف الحنفي اليمامي النجدي (103 - 189 هـ)، شاعر عربي عباسي وُلِد في اليمامة بِنجد وعِندما مات والده انتقل من نجد إلى بغداد ونشأ بِها وعاش مُتنقلاً ما بين بغداد وخراسان.

أحب فتاة سماها فوز لأنها كانت كثيرة الفوز بالسباقات والمنافسات لكي لا يصرح باسمها الحقيقي.

خالف الشعراء في طريقتهم فلم يتكسب بالشعر، وكان أكثر شعره بالغزل (شعر) والنسيب والوصف، وهذه أبيات مختارة من قصيدته عن فوز: ....

يا دارَ فوزٍ لقَد أورَثتِني دَنَفا ****وزادَني بُعدُ داري عنكُمُ شغَفَا

حتى متى أنا مكروبٌ بذكرِكُمُ ***أُمسِي وأُصبحُ صَبّاً هائماً دَنِفا

لا أستريحُ ولا أنساكمُ أبداً ****ولا أرى كرْبَ هذا الحبِّ مُنكشِفا

ما ذُقتُ بعَدَكمُ عيشاً سُرِرْتُ به ***ولا رأيتُ لكم عِدْلاً ولا خلفا

إنّي لأعجبُ مــــن قلبٍ يحبُّكُمُ ****وما رأى منكُمُ بِــرّاً ولا لَطَـفا

لوْلا شَقاوَة ُ جَدّي ما عرَفتُكُمُ **إنّ الشّقيَّ الذي يشقى بمن عرفا

ما زِلتُ بَعدَكُـــمُ أهذي بذكركـمُ****كأنَّ ذكرَكمُ بالقلبِ قـــد رُصــفا

لوكانَ ينساهمُ قلبـــــي نسيتهمُ ****لكنّ قَلـبي لَهُمْ والله قـــــد ألِفَا

أشكو إليكِ الذي بي يا مُعَذِّبَتي **وَما أُقاسِي وما أسطيعُ أن أصِفَا

طافَ الهَوَى بعِبـــــادِ الله كُلّهِمُ ****إذا مرَّ بي مـــــن بينهم وقـــفا

إذا جحدتُ الهوى يوماً لأدفنهُ ***في الصّدر نمَّ عليّ الدّمعُ معترفا

10 - بشار بن برد:

بشار بن برد بن يرجوخ العُقيلي (96 هـ - 168 هـ)، أبو معاذ، شاعر مطبوع. إمام الشعراء المولدين، ومن المخضرمين حيث عاصر نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية. ولد أعمى، وكان من فحولة الشعراء، له في الغزل:

يا قَومِ أَذني لِبَعضِ الحَيِّ عاشِقَةٌ**** وَالأُذنُ تَعشَقُ قَبلَ العَينِ أَحيـانا

قالوا بِمَن لا تَرى تَهذي فَقُلتُ لَهُم** الأُذنُ كَالعَينِ تُؤتي القَلبَ ما كانا

هَل مِن دَواءٍ لِمَشغُوفٍ بِجارِيَـــةٍ**** يَلقَى بِلُقيانِها رَوحـــاً وَرَيحـــانا

وكتب هذا البشار بن برد البصير الخبيث إلى قينة كان يهواها:

هَل تَعلَمينَ وَراءَ الحُبِّ مَنزِلَــــةً*** تُدنــي إِلَيكِ فَإِنَّ الحُـــبَّ أَقصانـــي

يا رِئمُ قولي لِمِثلِ الرِئمِ قَد هَجَرَت** يَقظى فَما بالُها في النَومِ تَغشاني

لَهفي عَلَيها وَلَهفي مِن تَذَكُّرِهـــــا **** يَدنــــو تَذَكُّرُها مِنّـي وَتَنـــآني

إِذ لا يَزالُ لها طَيــــفٌ يُؤَرِّقُنـــي**** نَشوانَ مِن حُبِّها أَو غَيرَ نَشوانِ

فكتبت إليه، الأخبث منه، لأنها ما وجدت فيه وسامة:

نعم أقول وراء الحب منزلة *** حب الدراهم يدني كـــــــل إنسانِ

من زاد في النقد زدنا في مودته*** لا نبتغي الدهر إلا كل رجحانِ

11 - الشريف الرضي:

أبو الحسن، السيد محمد بن الحسين بن موسى، ويلقب بالشريف الرضي (359 هـ - 406 هـ / 969 - 1015م)، شاعر وفقيه ولد في بغداد وتوفي فيها. عمل نقيباً للطالبيين حتى وفاته، من غزله هذه المقطوعة الرائعة:

الماءُ عِندَكِ مَبذولٌ لِشارِبِهِ *** وَلَيسَ يُرويكِ إِلّا مَدمَعي البـــاكي

هَبَّت لَنا مِن رِياحِ الغَورِ رائِحَةٌ *** بَــــعدَ الرُقادِ عَرَفناها بِرَيّاكِ

ثُمَّ اِنثَنَينا إِذا ما هَزَّنا طَــــرَبٌ *** عَلى الرِحـــــالِ تَعَلَّلنا بِذِكراكِ

مَن بالعِرَاقِ، لَقد أبعَدْتِ مَرْمَاكِ *** سهم أصاب وراميه بذي سلم

وَعدٌ لعَينَيكِ عِندِي ما وَفَيتِ بِهِ **** يا قُرْبَ مَا كَذَبَتْ عَينيَّ عَينَاكِ

حكَتْ لِحَاظُكِ ما في الرّيمِ من مُلَحٍ* * يوم اللقاء فكان الفضل للحاكي

12 - ابن الرومي:

هو أبو الحسن علي بن العباس بن جريج، وقيل جورجيس، ولد ومات مسمومًا في بغداد، بإيعاز من الوزير القاسم بن عبيد الله، (221 - 283 هـ)، من عباقرة الشعر الخالدين، وهذه أبيات من قصيدته المطولة عن (وحيدة المغنية):

يا خَلِيلَيَّ تَيَّمَــتْني وَحيــــدُ *** ففؤادي بـــها معنَّى عميدُ

غادة ٌ زانها من الغصن قـــدٌّ **ومن الظَّبي مُقلتان وجِيدُ

أوقد الحسْنُ نارَه من وحيـــدٍ ***فوق خدٍّ ما شَانَهُ تخْدِيدُ

فَهْيَ برْدٌ بخدِّها وســــلامٌ ****وهي للعاشقين جُهْدٌ جهيدُ

لم تَضِرْ قَطُّ وجهها وهْو ماءٌ **وتُذيبُ القلوبَ وهْيَ حديدُ

وغَريرٍ بحسنها قــــال صِفْها ***قلـت أمْران هَيِّنٌ وشديدُ

يسهل القول إنها أحسن الأشْـ ***ياءِ طُرّاً ويعْسرُ التحديدُ

لِيَ حيْث انصرَفتُ عنها رفيقٌ *من هواها وحيث حَلَّتْ قَعِيدُ

عن يميني وعن شمالي وقُدّا **مي وخلفي، فأين عنه أحيدُ

13 - أبو فراس الحمداني:

هو أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني التغلبي الرَّبَعي،(320 - 357 هـ / 932 - 968 م). شاعر وقائد عسكري، له في الحب والغزل:

أساء فزادته الإساءة حظوة *** حبيب على ما ما كان منه حبيب

يعد علي الواشيان ذنوبه *******ومن أين للوجه الجميل ذنوب

وهذه القصيدة الخالدة، تبدو قصيدة عشق ولوعة، ولكنها قصيدة فخر وحماسة، ينوّه فيها ببطولاته وشجاعته أمام سيف الدولة الحمداني، غنّتها كوكب الشرق، أم كلثوم:

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ ***أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ؟

بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعـــــة ٌ***ولكنََّ مثلي لا يــــذاعُ لـهُ سرُّ

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى ** وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ

تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بـــينَ جَوَانِحِي ****إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ

معللتي بالوصلِ، والموتُ دونــــهُ ****إذا مِــتّ ظَمْآناً فَلا نَـزَل القَطْرُ

14 -المتنبي:

أبو الطيب، أحمد بن الحسين الجعفي الكندي (303 - 354 هـ/ 915 - 965م)، الرائد الأول للشعر العربي:

لعَيْنَيْكِ مــا يَلقَـى الفُؤادُ وَمَـــا لَقــي*** وللحُبّ ما لـــم يَبــقَ منّي وما بَقــي

وَما كنــــتُ ممّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قلبَـــه***وَلكِنّ مَــــن يُبصِرْ جفونَـــكِ يَعــشَقِ

وَبينَ الرّضَى وَالسُّخطِ وَالقُرْبِ وَالنَّــــوَى** مَجَــــالٌ لِدَمْــعِ المُقْلَةِ المُتَرَقرِقِ

وَأحلى الهَوَى ما شكّ في الوَصْلِ رَبُّهُ** وَفي الهجرِ فهوَ الدّهرَ يَرْجو وَيَتّقي

وله:

فإن قليل الحب بالعقل صالح ****. وإن كثير الحب بالجهل فاسد

وله:

وفي الأحباب مختص بوجد ***وآخر يدعي معها شتراكا

إذا اشتبكت دموع في خدود **تبن م***ن بكى ممن تباكا

وله في الأميرة خولة أخت سيف الدولة الحمداني:

ﻛﺘﻤﺖُ ﺣـﺒّﻚ ﺣﺘﻰ ﻣﻨْﻚِ ﺗﻜﺮﻣــﺔً**** ﺛﻢَّ ﺍﺳﺘﻮﻯ ﻓﻴﻪِ ﺇﺳﺮﺍﺭﻱ ﻭﺇﻋﻼﻧﻲ

ﻛﺄﻧَّﻪ ﺯﺍﺩَ ﺣﺘّﻰ ﻓﺎﺽَ ﻋﻦْ ﺟﺴﺪﻱ** ﻓﺼﺎﺭَ ﺳﻘﻤﻲ ﺑﻪِ ﻓﻲ ﺟﺴﻢِ ﻛﺘﻤﺎﻧﻲ

15 - ابن الدمينة:

ابن الدمينة الخثعمي، شاعر أموي توفي سنة 747م

وهو عبد الله بن عبيد الله ابن الدمينة، وينادى تلقيبا بأمه الدمينة بنت حذيفة من بني سلول)، وكنيته (أبا السري). كان جميل الخلقة، فصيح اللسان، شديد الغيَرة، من شعراء الغزل العفيف العذري، من أشهر قصائده:

ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد***لقد زادني مسراك وجدا على وجد

إذاهتفت ورقاء في رونق الضحى**على غصن بان او غصون من الرند

بكيت كما يبكي الوليد ولم أكــــن***جليدا وأبديـــت الذي لم أكـــن أبـــدي

وله، وقيل لقيس بن ذريح الكناني (صاحب لبنى) كما في - توفي 680م:

هل الحب إلا عبرة بعد زفرة ***وحر على الأحشاء ليس له برد

وفيض دموع تستهل إذا بدا *** لنا علم من أرضكم لم يكن يبدو

16 - حازم القرطاجي:

وهو أبو الحسن حازم بن محمد بن حازم القرطاجني (1211 - 1284م)، كان شاعرًا وأديبًا أخذ عن أبي علي الشلوبين وعنه.، له - وتروى لزيادة بن زيد شاعر إسلامي من شعراء صدر الإسلام-:

وإذا هويت فلا تكن متهالكا *** في الحب بل متماسكا كي تنتجي

فالحب مثل البحر يأمن من مشى *** في شطه ويخاف كل ملجج

فاسلك سبيل توسط فيه تصب***** وإلى التبسط فيه لا تستدرج

17 - زيادة بن زيد:

شاعر إسلامي من شعراء صدر الإسلام، ينتمي إلى بيت شعر فأخوه عبد الرحمن شاعر، وابنه المسور شاعر أيضاً.

كان زيادة يميل إلى شعر المطولات، قتل على يد هدبة بن خشرم سنة 54هـ. يروي ابن عساكر في تاريخه (ج 34 ص 375)، الأبيات التالية له:

إن امرأ قد جرب الدهر لم يخف ***** تقلب عصريه لغيـر لبيـب

فلا تيئسن الدهر من وصل كاشح ** ولا تأمنن الدهر صرم حبيب

وليس بعيدا كل آت فواقعٌ****** ولا ماضياً مـن مفـرحٍ بقـــريب

وكل الذي يأتي فأنت نسيبهُ*** ولســـت لشيء قـد مضى بنسيب

18 - ابن الفارض:

بن الفارض، هو أبو حفص شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي، أحد أشهر الشعراء المتصوفين، وكانت أشعاره غالبها في العشق الإلهي حتى أنه لقب بـ "سلطان العاشقين". والده من حماة في سوريا، وهاجر لاحقاً إلى مصر.

ولد بمصر سنة 576 هـ الموافق 1181م، وتوفي   سنة 632هـ / 1235م، له:

قلْبـــي يُحدّثُني بـــأنّكَ مُتلِــــفي ***روحي فداكَ عرفتَ أمْ لــــمْ تــعرفِ

لم أقضِ حقَّ هَوَاكَ إن كُنتُ الذي*** لم أقضِ فيهِ أسى، ومِثلي مَن يَفي

ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ****في حبِّ مـــنْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ

فَلَئنْ رَضيتَ بها، فــــقد أسْعَفْتَني****يا خيبـة َ المســعى إذا لـــمْ تسعفِ

يا مانِعي طيبَ المَنــــامِ، ومانحي ****ثوبَ السِّـــقامِ بهِ ووجدي المتلفِ

عَطفاً على رمَقي، وما أبْقَيْتَ لي ***منْ جِسميَ المُضْنى، وقلبي المُدنَفِ

وبما جرى في موقفِ التَّوديعِ منْ ****ألمِ النّــــوى، شاهَدتُ هَولَ المَوقِفِ

إن لم يكُنْ وَصْلٌ لَدَيكَ، فَعِدْ بــــهِ ******أملي وماطلْ إنْ وعــــدتَ ولاتفي

19 - السيد جعفر الحلي مات أواخر القرن التاسع عشر (1897 م / 1315 هـ )، وعمر 36 سنة، أي مواليد 1861م جيراننا ومن مدح أجداننا بالعديد من القصائد الرائعة ما بين مطوّلات ومقطوعات ونتف، يقول هذا في أوج عصور الطلام

يا قامة الرشأ المهفهف ميلي***بظماي منـــك لموضع التقبيـل ِ

رشأ اطل دمي وفي وجناته***** وبشأنه اثـــــر الدم المطلـول

يا قاتلي باللحظ اول مـــــرةٍ ***** اجهــز بثانيـة على المقتول

ولأن أحاسيسها صادقة مؤثرة !!،غناها يوسف عمر وناظم الغزالي وسعدون جابر وكاظم الساهر،،لذا غناها كمقام، يوسف عمر، وناظم الغزالي، وسعدون جابر، وكاظم الساهر.

20 - بدر شاكر السياب ولد في محافظة البصرة في جنوب العراق، عاش بين (25 ديسمبر 1926 - 24 ديسمبر 1964)، شاعر عراقي يعد واحداً من الشعراء المشهورين في الوطن العربي في القرن العشرين، كما يعتبر أحد مؤسسي الشعر الحر في الأدب العربي. أبياته (عيناك غابتا نخيلٍ ساعة السحرْ) من قصيدته (إنشودة المطر)، تُعد أجمل وصف للعيون في تاريخ الأدب العربي بجميع عصوره:

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ

أو شُرفتان راحَ ينأى عنهما القمرْ

عيناكِ حين تبسمانِ تورقُ الكرومْ

وترقصُ الأضواءُ، كالأقمارِ في نهَرْ

يَرُجُّهُ المجذافُ وهْنًا ساعة السَّحَرْ

كأنَّما تنبضُ في غوريهما، النّجومْ

وتغرقانِ في ضبابٍ من أسىً شفيفْ

كالبحر سرَّح اليدين فوقَهُ المساءْ

دفءُ الشتاء فيه وارتعاشةُ الخريفْ

والموت، والميلادُ، والظلامُ، والضياءْ

فتستفيقُ ملءَ روحيْ، رعشةُ البُكاءْ

ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانقُ السَّـــــماء

كنشوة الطفل إِذا خافَ منَ القمرْ!

كأنَّ أقواسَ السَّحابِ تَشَربُ الغيومْ

وقطرةً فقطرةً تذوبُ فــــــي المطرْ

21 - براهيم ناجي:

شاعر مصري ولد في 31 ديسمبر 1898م في حي شبرا في القاهرة، وتوفي عام 1953م، عندما كان في الخامسة والخمسين من العمر.[2] كان طبيبا وكان والده مثقفاً، مما ساعده على النجاح في عالم الشعر والأدب. هذه مقاطع من قصيدته (الأطلال) الشهيرة، التي غنّتها أم كلثوم كوكب الشرق.

يا فُؤَادِي رَحِمَ اللّهُ الهَوَى **** كَانَ صَرْحاً مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى

اِسْقِني واشْرَبْ عَلَى أَطْلاَلِهِ ** وارْوِ عَنِّي طَالَمَا الدَّمْعُ رَوَى

كَيْفَ ذَاكَ الحُبُّ أَمْسَى خَبَراً ***** وَحَدِيْثاً مِنْ أَحَادِيْثِ الجَوَى

وَبِسَاطاً مِنْ نَدَامَى حُلُمٍ ******** هم تَوَارَوا أَبَداً وَهُوَ انْطَوَى

***

لَسْتُ أَنْسَاكِ وَقَدْ اَغْرَيْتِني ** بِفَمٍ عَذْبِ المُنَادَاةِ رَقِيْقْ

وَيَدٍ تَمْتَدُّ نَحْوي كَيَدٍ ** مِنْ خِلاَلِ المَوْجِ مُدَّتْ لِغَرِيْقْ

آهِ يَا قِيْلَةَ أَقْدَامي إِذَا **شَكَتِ الأَقْدَامُ أَشْوَاكَ الطَّرِيْقْ

وبريقاً يظمأ الساري له** أين في عينيك ذياك البريق ؟

***

كُنْتِ تِمْثَالَ خَيَالي فَهَوَى ******* المَقَادِيْرُ أَرَادَتْ لاَ يَدِي

وَيْحَهَا لَمْ تَدْرِ مَاذا حَطَّمَتْ ** حَطَّمَتْ تَاجي وَهَدَّتْ مَعْبَدِي

يَا حَيَاةَ اليَائِسِ المُنْفَرِد ِ ********* يَا يَبَاباً مَا بِهِ مِنْ أَحَدِ

يَا قَفَاراً لافِحَاتٍ مَا بِهَا ********* مِنْ نَجِيٍّ يَا سُكُونَ الأَبَدِ

***

أَيْنَ مِنْ عَيْني حَبِيبٌ سَاحِرٌ **** فِيْهِ نُبْلٌ وَجَلاَلٌ وَحَيَاءْ

وَاثِقُ الخُطْوَةِ يَمْشي مَلِكاً ** ظَالِمُ الحُسْنِ شَهِيُّ الكِبْرِيَاءْ

عَبِقُ السِّحْرِ كَأَنْفَاسِ الرُّبَى**سَاهِمُ الطَّرْفِ كَأَحْلاَمِ المَسَاءْ

مُشْرِقُ الطَّلْعَةِ في مَنْطِقِهِ ***** لُغَةُ النُّورِ وَتَعْبِيْرُ السَّمَاءْ

22 - نزار قباني:

ديبلوماسيّ، وشاعر، وناشر سوريّ، ولد في 21 مارس/آذار 1923 في دمشق، وتوفّي في 30 أبريل/نيسان 1998 في لندن، ودفن في دمشق، ويعدّ أحد أبرز وأشهر الشّعراء العرب، وأكثرهم جدلاً في العصر الحديث.

الحبُّ يا حبيبتي:

الحبُّ يا حبيبتي قصيدةٌ جميلةٌ مكتوبةٌ على القمرْ

الحبُّ مرسومٌ على جميع أوراق الشجرْ

الحبُّ منقوشٌ على ريش العصافير وحبات المطرْ

لكن أيّ امرأةٍ في بلدي إذا أحبتْ رجلاً تُرمى بخمسين حجر.

........................

اختاري

إني خيرتُك فاختاري

ما بين الموت على صدري

أو فوق دفاتر أشعاري

اِختاري الحبَّ أو اللاحبَّ

فجُبنٌ ألا تختاري

لا توجدُ منطقة وسطى

ما بينَ الجنّةِ والنارِ

اِرمي أوراقكِ كاملة

وسأرضى عن أيِّ قرارِ

قولي. اِنفعلي. اِنفجري

لا تقفي مثلَ المسمارِ

لا يمكنُ أن أبقى أبدا

كالقشّةِ تحتَ الأمطارِ

غوصي في البحرِ أو ابتعدي

لا بحرٌ من غيرِ دوارِ

الحبُّ مواجهةٌ كبرى

إبحارٌ ضدَّ التيارِ

صَلبٌ.. وعذابٌ.. ودموعٌ

ورحيلٌ بينَ الأقمارِ

23 - محمد مهدي الجواهري:

هو محمد مهدي بن عبد الحسين الجواهري، شاعر عراقي يعتبر من بين أهم شعراء العرب في العصر الحديث، ويلقب شاعر العرب الأكبر. ولد في النجف الأشرف 26 تموز 1899م، وتوفي بدمشق  27 تموز 1997م.، في  أواخر عشرينات القرن المنصرم، نظم قصائد خليعة، مثل (عريانة)، و(جربيني)، وغيرهما، وهذه أبيات من (جربيني):

جرّبيني منْ قبلِ انْ تزدَريني ***وإذا ما ذممتِني فاهجرِيِني

ويَقيناً ستندمينَ علـــــى أنَّكِ ****من قبلُ كنتِ لــمْ تعرفيني

لا تقيسي على ملامحِ وجهي *****وتقاطيعِه جميعَ شؤوني

أنا لي في الحياةِ طبعٌ رقيقٌ*** يتنافى ولونَ وجهي الحزين

قبلكِ اغترَّ معشرٌ قرأونــــي *****مــن جبينٍ مكَّللٍ بالغُصونٍ

وفريقٌ من وجنتينِ شَحوبين *****وقدْ فاتتِ الجميعَ عُيوني

إقرأيني منها ففيها مطاوي النفسِ******طُراً وكلُّ سرٍّ دَفين

فيهما شهوةٌ تثورُ . وعقلٌ *****خاذِلي تارةً وطوراً مُعيـــني

فيهما دافعُ الغريزةِ يُغريـــــني *****وعدوى وراثـــةٍ تَزويني

أنا ضدُّ الجمهور في العيشِ**والتفكيرِ طُرّاً . وضدُّه في الدِّين

التقاليدُ والمداجاةُ في الناسِ *******عدوٌّ لكلِّ حُــــرٍّ فطيـــــن

وأنا ابن العشرين مَنْ مرجِعٌ لي ****إنْ تقضَّتْ لذاذةَ العشرين

أخذتني الهمــــــومُ إلّا قليلاً *****أدركيني ومــن يديها خذيني

وأنا في جهــــــنَّمٍ معَ أشياخٍ *******غــــواةٍ بِغيَّهــمْ غمروني

ودعيني مُستعرضاً فــــي جحيمي ******كلَّ وجهٍ مُذمَّمٍ ملعون

عن يساري أعمى المعرَّةِ و(الشيخُ) *الزهاويُّ مقعداً عن يميني

إنزليني إلى(الحضيضِ) إذا ما شئتِ ****أو فوقَ ربوةٍ فضعيني

كلُّ مافي الوجودِ من عقباتٍ * ** * عن وصولي إليكِ لا يَثنيني

إحمليني كالطفلِ بين ذِراعيــكِ * ****احتضاناً ومثلَــــــه دَّلليني

وإذا ما سُئلتِ عني فقولـــــي ****ليسَ بِدعاً إغاثـــــةُ المسكين

لستُ أُمّاً لكـــنْ بأمثالِ (هذا) *******شاءتِ الأُمهات أنْ تبتليني

اِلطمِيني (إذا مَجُنتُ فعمداً) ******أتحرَّى المجونَ كي تَلْطمِيني

وإذا ما يدي استطالتْ فمِنْ شَعركِ *******لُطفاً بخُصلةٍ قيِّديني

ما أشدَّ احتياجةِ الشاعر الحسَّاسِ ******يوماً لساعةٍ مِن جنون

 

كريم مرزة الأسدي

 

1068 talal2مما يميز التجربة الشعرية طلال الغوار في المجموعات الشعرية التي أصدرها من قبل تفاعله مع المكان والزمان معا، وإحساسه العالي بتجلياتهما من خلال الأحداث التي حفرت في الذاكرة ولم تغادرها، ليترجمها الشاعر إلى صور حيوية وفاعلة تعبر بصدق عن واقع مؤلم، إذ يتمظهر الوجود في شعره في صورة سـؤال تارة وتأمل ونقـد وبحث عن الحقيقة والجمال، فهو يحلم بقلب يتسع لعشق كل ما هو جميل، لتنساب الكلمات والعبارات والصور المحملة بالحب، وما تمتلكه من قدرة في إحداث الدهشة، فالشاعر يتحسس الخراب ويبادر في ترميم الروح وبناء الامل لما يمتلكه من حساسية الطفل الذي لم يغادره .

وفي كتابه الأخير (انثيالات) يكسر الشاعر طلال الغوار المألوف ليقدم مجموعة من القصائد و المقالات أدبية والثقافية التي يحاول فيها طرح آرائه في بعض القضايا التي تثير الجدل في الساحة الثقافية، فضلا عما يحمله الواقع من أحداث، وقد أضاف الشاعر العنوان الرئيس (انثيالات) إلى (الشعر، الطفولة، الحياة) دلالة على ان هـذه الانثيالات التي يقدمها الشاعر هي حسرات وآلام وآمال وأفكار، أراد الشاعـر التصريح بها بعـد أن كان يلمح بها في ثنايا قصائده، فجاء الكتاب على شكل مقاربات في الشعر والتلقي، إيمانا منه على حد رأي أرسطو بأن الغرض من الفن هو تجسيد الجوهر السري للأشياء وليس استنساخ أشكالها، ومن هنا جاءت القصائد التي تضمنها الكتاب لتلامس هواجس الشـاعر، وارتباطه بجوهـر الحـب والطبيعة والطفولة مـن خـلال البحث في الذاكرة عـن صور لهذه الثيمات لتشكل معادلا موضوعيا لما يتطلع إليه الآن، وهـذا ما نجده في قصائد (انا عندي حنين ما بعرف لمين، قصيدتان، بوح، قصائد، لصوص، الأقاصي، حلم، الليل، قصائد ) اذ تشـكل الحياة بمفرداتها وتفاصيلها ركيزة واضحة في هـذه القصائد، فضلا عـن المكان متمثـلا بالطبيعـة التي يسـقط عليها الشاعر مشاعره وانفعالاته، ولا ننسى الطفولة التي لم تغادر أحلام الشاعر وتطلعاته، اذ طالما اتخذها فضاءً يهرع إليه تحت وطأة الواقع بقسوته وعنفه، اذ يقول في قصيدة (انا عندي حنين ما بعرف لمين ...) التي يقول فيها :

ما أغربك أيها الحنين

لا أعرف إلى أين تمضي بي

وتحط رحالك

ربما نحو صبي كنته يوما

يجلس عند نهر

وهو يتصفح موجاته

ليقرأ وصاياه

ثم يقول في آخر القصيدة:

هل كنت ابحث عن ذات

أرهقها سفرٌ

في الحب

وفي الشعر

سفر في الحرب

أم كنت استشرف اللامرئي

من الآتي

فالشاعر يتعجب من ذلك الحنين الذي يأخذه عبر الذاكرة إلى الطفولة يحث الأمل (يقرأ وصاياه) ليعود في آخـر القصيدة ليصور رحلة المنفى للبحث عـن الحب، عبـر الشـعر ثم الحرب التي بعثرت الأحلام والآمـال لتتلاشى الرؤية في الأفق، ويأتي الاستفهام ليعكس حيرة الشاعر في رحلة بحثه عن ذاته فهل أرهقها سفر في الحب والشعر أم سفر في الحرب ؟ وهـذه الحيرة يؤكدها قوله (كنت استشرف اللامرئي مـن الآتي) فالصور التي تحققت بفعل الانزياح شـحنت المفردات بطاقة شـعرية عالية، حققها الشاعر مـن خلال استثمار السياق وما يمنحه للمفردات من دلالات جديدة، فضلا عـن التناص الموجود في عنوان القصيدة الذي يحيل الى اغنية المطربة فيروز، وهذا التوظيف قصد فيه الشاعر الحنين الى الماضي .

الوطن ... الطفولة .. الحلم.. الحياة قصائد بطعم الحزن

تشكل هـذه الثيمات هاجسا يؤرق الشاعر طلال الغوار أينما حل في وطنه أم في غربته، فتراه يعود إليها بين قصيدة وأخرى، وتكاد لا تخلو قصيـدة منها، ففي قصيدة عنونها بــ (قصائد) جعلها في تسـعة عشـر مقطعا خصص بعضا منها لهذه الثيمات فجاءت عبارة عن قصائد ومضة مكثفة ومؤثرة إذ يقول في بعضها:

2

أيتها البلاد

أية ظلمة ستندحر غدا

بخطوات أحلامنا

5

كن طفلا

كي ترى

ما لا يراه الآخرون

6

لم يعد لي مكان

أقيم فيه

أنا سفر دائم

في الكلمات

9

أفقٌ ضيق

ولحلمي

ترانيمه الواسعة

19

أحبابي أصحابي

بعد أن اختطفتهم أجنحة الغياب

ما زال قلبي يمتلئ بهم

لكنهم جميعا موتى

ها انا

احمل مقبرة في صدري

فهذه المقاطع عبارة عن قصائد ومضة نستطيع ان نضع لها عنوانات قصدها الشاعر واتضحت من خلال اللغة فالقصيدة رقم (2) الوطن: إذ يعبر فيها الشاعر عن خوفه على مستقبل الوطن الذي عبر عنه بالأحلام، والقصيدة رقم (5) الطفولة: فالشـاعر يرى أن الطفولة تمثل البراءة والنقاء والصدق، لذلك نرى مـن خلالها مـا لا يراه الآخرون، والقصيدة رقم (6) الغربة: التي التي جعلت من الشاعر بغياب الوطن سفراً دائما في الكلمات إذ يبحـر في القصيدة هربا من الواقع، والقصيدة رقم (9) الحلم: الذي لا يتسع الواقع لمفرداته، ويؤدي التضاد هنا وظيفة المفاجأة من خلال ما ينتج عنه من فجوة تخلق مسافة للتوتر، وفي القصيدة (19) الذكرى التي يختم بها الشاعر انطباعاته عـن الواقع في مكان وزمان محددين، إذ يمزج بين خسـائر الوطن بغياب الأحبـة والأصحاب وبين حضور الذاكرة التي يصور فيها استمرارية الحزن والألم، إلا انه يمزج أحيانا ذكرياته الشخصية برؤاه الذاتية ليرسم يوتوبيا خاصة في قصائده .

ورغبة منه في تعزيز ما يطرحه في النصوص الشعرية في هذا الكتاب، يقدم الشاعر طلال بعض المقالات التي تأتي أحيانا بعد النصوص الشعرية التي يعالج فيها الثيمات نفسها التي عالجها شعرا، مثل (حزن الصورة، وداعا أيها الشاعر الرائع، ثقافة الذاكرة، غرائب، غياب، سفر، دائما اعلق وجهي على الأشجار، بيت الطفولة صباح دمشق لا تقرأه إلا شعرا، بغداد بعد 2003 شارع المتنبي، لا بغداد في بغداد 2005) ففي هذه المقالات يعـود الشاعر ليعبر عن تلك الموضوعات التي طالما أرقته مثل : الوطـن والموت والذاكـرة والغربـة والسـفر والطبيعة والطفولة وبغداد، فهو يرى أن (الصورة القديمة تبعث فينا إحساسا بالانتماء الى الزمن المتصل في حقيقته بنا لأنه يشكل جزءا من تكويننا الممتد إلى ذلك الزمن) وفي وداع الشاعر وليد دحام الذي غيبه الموت يعبر الشاعر عـن عدم مفاجأته بالخبر لأن الموت اقترن بالعراق ويستحضر موت مئات الآلاف من العراقيين لكنه سرعان ما يعود الى مستودع ذاكرته، ليسترجع ذكرياته مع صديقه الفقيد بما تضمنته من مواقف وأحداث، ويتكرر هذا الأمر في مقالة (سفر)، التي يستحضر فيها الطفولة بما تمثله له مـن يتوبيا يحلم بها، ومما تتميز به هذه المقالات هيمنة اللغة الشعرية تارة، والحوار الذاتي والسرد تارة اخرى، وقد حاول من خلالها التعبير عن رأيه في الواقع الذي مر به الوطن، وما حل به مـن خراب خلفه الاحتلال، فضلا عـن واقع الثقافة التي عرج عليه في أكثر مـن مقال مثل (غرائب، غياب) مؤكدا أن دور الثقافة يجب أن يكون فاعلا في الارتقاء بواقع المجتمع، ولا يكون ذلك إلا من خلال المثقف الحقيقي الذي يأخذ على عاتقه انتشال الثقافة الى مستويات الرقي والتقدم .

الشعر والتلقي بين المفهوم والرؤية:

ومن الانثيالات التي أطلق الشاعر طلال الغوار لها العنان في هـذا الكتاب مقالات في القضايا التي تتصل بالشعر والتلقي، التي تثير جدلا واسعا بين الشعراء والنقاد، مثل ما يسمى بقصيدة النثر والتلقي ومفهوم الشعر، واللغة الشعرية، وقد حاول الشاعر ان يغادر موقع الشعر الى موقع التلقي، ليعبر عن انطباع الشاعر المتلقي للشـعر، وتارة نراه يفسر عملية ولادة القصيدة وطبيعة بنائها، ومـن هـذه المقالات (كتابة، البحث عن التكامل، الخروج، التعبير السامي، تناص، خفايا، لا منطق للشعر، جدل، قصيدة نثر، الشعر، المتلقي، شعرية النص) ، فتارة يصف ارهاصات القصيدة عنده كما في مقالة (كتابة ) إذ (تبدأ بعبارة، فكرة، صورة، وإحساس مبعثه مفردة طارئة من حياتنا اليومية اسمعها ) وفي مقالة (البحث عن التكامل) يفسـر كيف يتناول موضوعـة الحب اذ يتخذه رؤيا تكشـف علاقة الحضور والغياب، وهنا يأخذ الشاعر دور المتلقي (الناقد) لأن الشاعر ليس مـن وظيفته التفسير والتحليل لنصوصه، والشعر عند الشاعر طلال في مقالته (الخروج) هـو خروج عـن جاهزية اللغة مثلما الحب هـو خروج عن جاهزية الحياة، وهـنا يقدم مفهوما للشـعر يتفق فيه الشـاعر والمتلقي، وهـذا الامر في مقالة (التعبير السامي) الذي يشير فيه للشعر الذي وحده من يستطيع اقتحام الأعماق والمناطق السرية بحسب رأي الشاعر طلال، الذي يعود لموقع الشاعر ليقرر أن الإحاطة الكاملة بالتجربة الشعرية للشاعر غير ممكنة، الا ان الشعر لا يعبر عـن حقيقة ثابتة، فالخطاب الشعري يحتمل قراءات متعددة بحسب ثقافة المتلقي وتأويلاته.

ومن القضايا التي يطرحها الشاعر في هذا الكتاب الأشكال الشعرية وبشكل خاص ما يسمى بـقصيدة النثر، وذلك في مقالتين (قصيدة النثر، الشعر ) ولما كان الشاعر قد كتب في جميع أشكال القصيدة، فانه يطرح رأيه في هذه القضية، فالشعر عنده هو الشعر -على حد قوله- بأي شكل من الأشكال الكتابية كتب، ويـؤيد الشاعر الإشكالية التي يحملها مصطلح قصيدة النثر، إذ يراه وافدا من الغرب، وفيـه تناقض لأنه يخرجها مـن دائرة الشعر، وفي هذا المجال يحذر الشاعر من بعض الطارئين الذين يكتبون باسم هذا الفن، فهم ولا يمثلونه وتتسـم كتاباتهم بالسطحية والضعف على مستوى اللغة، وما يكتبونه هو أقرب إلى الخاطرة منه إلى الشعر، ولم يهمل الشـاعر مصطلحات مـثل التناص والمتلقي، إذ خصص لهما مقالتين وضـح فيهما وظيفة المتلقي في العمليـة الإبداعية، إذ يمثل ركيزة مكملة لا يمكن ان يغفل عنها الشاعر، وفي كلامه عن التناص يقر الشاعر أن (ليس ثمة نص صاف يكتبه الشاعر فهو مجموعة أصوات يصهرها بنبرات صوته) وعلى حد قول فاليري أن الأسد عبارة عن مجموعة كباش مهضومة، وتؤكد جوليا كرستيفا أن النص هو عبارة عن فيسفساء من الترسبات الراسخة في ذهن المبدع .

في الأخير فان الكتاب وان تنوعت أشكال الكتابة فيه من شعر ونثر إلا أن الموضوعات المحركة كانت ثابتة في جميع النصوص، وقـد نجح الشاعر في الربط بين النصوص الشـعرية بما تحمله مـن ثيمات ومواقف مـن جهـة، والمقالات التي عالجت في معظمها مـوضوعات الثقافة والمثقف، والوطن ومشكلاته، والشعر وتقنياتـه واشكالياته، والمتلقي ودوره من جهة أخرى .

 

بقلم: د. سعد التميمي