عبد الله الفيفيكثيرٌ من اللغة العربيَّة قائمٌ على عاملين، لا يعيهما كثير من الناس، أو لا يقدرونهما حقَّ قدرهما، هما: الإيجاز، والمجاز، وكلاهما قائمٌ على عدد من الآليَّات، من أبرزها: عامل الحذف، الذي يندرج ضمن ما يُطلَق عليه بالمصطلح الحديث: الفراغ النَّصِّي، والذي قال فيه (عبدالقاهر الجرجاني)(1): «هو بابٌ دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيهٌ بالسِّحر، فإنك ترى به ترك الذِّكر أفصح من الذِّكر، والصمت عن الإفادة أَزْيَد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتمَّ ما تكون بيانًا إذا لم تُبِن. وهذه جملةٌ قد تُنكرها حتى تَخْبُر، وتَدفعها حتى تَنظُر.» وكثيرًا ما يقع بسبب هذين العاملَين التأويل البعيد، أو تخطيء المتحدِّث أو الكاتب. ذلك أن مِن الناس مَن إذا لم تأته الجملةُ كاملة، بأفعالها وأسمائها وأحوالها وصفاتها، ارتبكَ عقله، فذهب إلى الخطأ في فهمه، أو إلى تخطئة غيره. فإنْ أَردفَ ذلك شغفٌ بالتنطُّع اللغوي، رأيت هنالك العجب العجاب!

لإيضاح المسألة نسوق مثالًا دارجًا، تتكرَّر كلَّ عامٍ تخطئةُ استعماله. هو تبادل الناس التهنئة بعبارة «كلُّ عامٍ وأنتم بخير!». إذ يهبُّ في وجهك بعض فقهاء اللغة قائلين: ما هذه الواو؟ يجب القول: «كلُّ عامٍ أنتم بخير!». ولو كانت العربيَّة في الصوغ والإفهام على هذا النحو السطحي العقيم، ما كانت ذات بلاغة، بل ما كان فيها شِعرٌ قط، ولا كنايات، ولا أمثال، ولا خطابة، ولا أساليب تعبيريَّة ملتبسة، تومض بالمعاني إيماضًا، وتتطلَّب التخريج ومراجعة الدلالات والقراءات. ومَن أَنِسَ بكلام العرب، وعرف أساليبها، وخَبِر تنوُّعها، لم يستشكل مثل تلك العبارة، ولا شكَّ في صحَّتها، كما لن يغفل عن مقدار الفساد الذي يلحقها بحذف واوها. ذلك أنها عبارة قائمة على إيجاز الحذف، محتملةً تقديرات، كلها صحيحة سليمة، ولها نظائر من كلام الفصحاء، وبلا حصر. من ذلك أن يكون التقدير، ببساطة: «[ليأتِ] كلُّ عامٍ [بخير] وأنتم بخير». ولو قلنا: «[ليأتِ] كلُّ عامٍ وأنتم بخير»- على أن كلمة «أنتم» معطوفة على «كلّ عام»- لصحَّ. أو يمكن أن يكون التقدير «ليعود عليكم كلُّ عامٍ وأنتم بخير»؛ فتكون الواو حاليَّة من فعلٍ محذوفٍ مفهومٍ من السياق.

وهكذا يتضح أن مَن يخطِّئ مثل هذا التعبير إنما ينتظر أن يتخلَّى له الناس عن لغتهم، فيسوقون الجُمل مرهَّلةً بالتفصيل والشرح، وإلَّا فإن صاحبنا لن يفهم، وسيحكِّم عجزه عن الاستيعاب، أو يسخِّر مبادئه اللغويَّة الأوَّليَّة الساذجة في تخطئة خلق الله، والتعالُم عليهم، والتظاهر بالغيرة على سلامة اللغة؛ فإذا هو ينظمُّ إلى حزب (قُلْ، ولا تقُلْ)، بباطلٍ أو بحق! وما كذلك لغة الضاد. وما خلا العربُ بعدُ- حتى في عاميَّتهم- من السليقة الأصيلة في التعبير، ولا من سُنن العربيَّة الأولى، التي لا تُحصَّل بعلم النحو المدرسي الجامد، أو علم اللغة الشكلاني البارد- اللذين يحفظ أربابهما شيئًا وتغيب عنهم أشياء- ولكنها تُحصَّل بمعاقرة النصوص من كلام العرب، وتُكتسب من أدبهم، وبالاستعمال اللغوي الفطري السليم.

هذا، وإن النحو قد يغدو مضلَّة اللغة السليمة، حتى لدى النحاة أنفسهم. فكم من نحويٍّ لا يُحسِن العربيَّة إذا استعملها! وكم منهم من تُوقِعه قواعده النظريَّة في الاضطراب التطبيقي واللبس الصياغي!(2) وأنت إذا قرأت قواعدهم في مسائل بدهية- أَلِفْتَها منذ الطفولة، ودرجتَ على التعبير السليم فيها بلا خطأ- أخذتَ تتردَّد، وتتلعثم، وتتلجلج، مستحضِرًا تشقيقاتهم التي طفِقت منذ القرن الثاني الهجري ويبدو أنها لن تنتهي إلى أن يُنفخ في الصُّور! ذلك أنهم أسرفوا في اصطناع ما لا حاجة إليه من التقعيدات المتناسلة. ولو أنهم اقتصروا على الضروري منها، وتركوا سائرها لاكتساب المتعلِّم تلقائيًّا من خلال النصوص، لكفى ذلك المتعلِّمَ مؤونة الوقت والجهد في ما لا جدوى منه، بل ما ضرره أظهر من نفعه أحيانًا. ويظل الداء المزمن في هذا الميدان تحوُّل النحو العربي إلى تنظيرٍ بلا تطبيق وقواعد رياضيَّة بلا تربية نصوصيَّة.

-2-

أمَّا الأدب، فيزيد على خصائص البلاغة اللغويَّة خاصيَّةَ التعدُّد الضروري في المعاني. وفي ذلك سِرٌّ من أسرار التعبير الفنِّي، ولاسيما في الشِّعر، يجهله غير الشُّعراء، أو حذَقة النقد. نضرب على هذا مثالًا: فلقد عيب قديمًا على الراجز (العَجَّاج) قوله: «وفاحِمًا ومَرْسِنًا مُسَرَّجًا»؛ لتعدُّد معنى «مُسَرَّجًا»: تُرى أهو من «السُّرَيْجِيّ»، المنسوب إلى رجلٍ اسمه سُرَيْج، كان يصنع السيوف، يريد: أنه مستوٍ كالسيف السُّرَيْجِيّ؟ أم بمعنى: «مُشرِق»، كالسِّراج؟ وقد ترى أن هذا هو الوجه المُرَجَّح؛ لأن البيت في سياق وصف جمال المرأة، حيث قال العَجَّاج:

ومُقلَةً وحاجِبًا مُزَجَّجا

وفاحِمًا ومَرسِنًا مُسَرَّجا(3)

فأراد تصوير التقابل اللونيّ بين شَعر المرأة الفاحم ووجهها المشرق، معبِّرًا عن الأخير بالمَرْسِن، وهو أرنبة الأنف. لكن المعنى الأوَّل واردٌ كذلك. إلَّا أن أصحابنا البلاغيين عابوا الرجل في الفصاحة للَّبس في معنى صفة «مُسَرَّج» هذه، وأرهقهم التأمُّل فيها طويلًا، وانشغلوا وأشغلوا، وحَشَوا مجلدات كتبهم بالسهر جرَّاء عجاج العَجَّاج والاختصام فيه.

هنا يصبح معنى «الفصاحة»: الوضوح المطلَق، وواحديَّة المعنى. وهنا تصبح «الفصاحة» بضِدِّ «البلاغة»! والحقُّ أن لا عيب في الكلمة فصاحةً، ثمَّ هي- شِعرًا- من طبيعة التعبير الشِّعريِّ تمامًا، بمعنيَيها المحتملَين كليهما. غير أن البلاغة العربيَّة ظلَّت نافرةً من التباس الكلام، فضلًا عن الغموض فيه. لأنها- ببساطة- تقيس الشِّعر بمقاييس الخطابة، ولغةَ التأثير بلغة التفكير! وتلكم النكبة البلاغيَّة التي واجهها (أبو تمَّام) وأضرابه وأحفاده مع هؤلاء.

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

.................................

(1)  (2004)، دلائل الإعجاز، باعتناء: محمود محمَّد شاكر (القاهرة: مكتبة الخانجي)، 146.

(2)  انظر، مثلًا، كيف تناقَضَ صاحب كتاب «النحو الوافي»، (مصر: دار المعارف، 1974)- ربما لخطأ طباعي- بين قوله، (1: 281): «وإنْ كانت [ياء المتكلِّم] منصوبة بالحرف (لعل) جاز الأمران [=حذف نون الوقاية أو إثباتها]، والأكثر حذف النون»، وقوله (1: 283): «فإنْ كان الحرف الناسخ هو (لعل) جاز الأمران، والأفصح الإثبات!». أي أن الأفصح أن نقول: «لعلَّني»! وهذا بنقيض الصواب، وإنما الصواب أن حذف نون الوقاية هو الأكثر الأفصح بعد (لعل): «لعلِّي». وهو أمر يعرفه كلُّ طفل حفظ بعض آيات القرآن أو تلقَّاها. غير أن «المتنحوي» قد يقع على هذه العبارة الخاطئة في كتاب النحو «الوافي» فيظنها صوابًا، ثمَّ يذهب إلى تطبيقها، والدعوة إليها، والإلزام بها، غافلًا عن النصوص والاستعمال الفعلي للغة، وهما بضِدِّها.

(3)  انظر: العجَّاج، (1971)، ديوانه، رواية الأصمعيّ وشرحه، تحقيق: عبدالحفيظ السطلي (دمشق: المطبعة التعاونيَّة)، 2: 33؛ الخطيب القزويني، (2003)، الإيضاح في علوم البلاغة، باعتناء: إبراهيم شمس الدِّين (بيروت: دار الكُتب العلميّة)، 14.

 

محمد المسعودييعد يوسف جوهر أحد المبدعين الكبار الذين أسهموا بدور فعال في تأصيل فني القصة القصيرة والرواية في أدبنا العربي الحديث إلى جانب أدباء كبار من جيله مثل نجيب محفوظ وعبد الحميد جودت السحار وعبد الحليم عبد الله وعلي أحمد باكثير.. وغيرهم. وإذا كان بعض هذه الأسماء قد نال الشهرة وحظي بالاهتمام، فإن يوسف جوهر لم ينل حظه الكافي من المتابعة والقراءة النقدية نظرا إلى عزوفه عن الأضواء وميله إلى الانزواء والتفرغ إلى العمل الأدبي والسينمائي. وقد تعددت انشغالات الرجل ما بين كتابة الرواية والقصة وكتابة سيناريو أغلب ما أنتجته السينما المصرية في أوج ازدهارها وعطائها خلال الأربعينات والخمسينات. غير أن ما يعنينا من كل ما أبدعه الرجل هو الوقوف عند مجموعة قصصية من مجاميعه الكثيرة، هي: "دموع في عيون ضاحكة"، وذلك من خلال تجلية كيفية اشتغال المفارقة في قصصها، وترصد بلاغة السخرية في بناء فنية القصة لدى يوسف جوهر. إذن كيف تشتغل المفارقة في قصص يوسف جوهر؟ وكيف تسهم في بناء متخيل نصوصه؟ وما أشكال بلاغة السخرية في هذه النصوص؟ وكيف تؤدي دورها في تشكيل متخيل النص؟

إن من يطلع على قصص "دموع في عيون ضاحكة" يلفت نظره اشتغال المفارقة في تشكيل النص وبناء متخيله منذ القصة الأولى التي حملت عنوان: "قوام رشيق"، وهي قصة أدت فيها المفارقة دورا هاما، وكانت مكونا جوهريا من مكونات البعد الفني والدلالي في النص. تحكي القصة عن رؤية السارد امرأة شابة في الثلاثين من عمرها، وهي أرملة وأم لطفل بلغ الحادية عشر عاما. عرف السارد المرأة من بعيد لأن صديقه ورفيقه في السكن الدكتور أحمد أحبها وكان يرغب في الارتباط بها، لكن "إيناس" رفضت الزواج من الطبيب الذي كان يسهر على علاج زوجها المصاب بسرطان المعدة. وها هي الصدفة تجمع السارد بالمرأة بعد عشر سنوات لترافقه في ديوان واحد وقاطرة واحدة من قاطرات القطار المتجه إلى المدينة. عرفها ولكنها لم تعرفه، واستعاد في ذاكرته حكاية صديقه الدكتور أحمد. ولما وصلا المدينة كان صديقه في انتظاره لدى باب المحطة فأسرع إليه حتى يبعده عن "إيناس" وحتى لا يراها فتنبعث من جديد آلام الماضي، غير أن المرأة والطفل مرا بهما فعلق السارد: "انظر.. إنه لقوام رشيق"، فردد الطبيب كلامه وهو ينظر إلى المرأة التي ابتعدت نظرة طويلة وكأنه يبحث عن شيء في ذاكرته. وفي البيت سيقول لصاحبه بعد وجوم وطول تفكير: "خاطر سخيف مر برأسي.. [لما قلت لي "إنه قوام رشيق"].. كأن ذلك الشبح القديم الذي دخل حياتي مرة عاد إلى الظهور. لكن كلا.. إنه وهم من الأوهام". (ص.21)

بهذه الكيفية تبدو المفارقة القائمة على صدفة اللقاء، وعلى توزع دواخل الطبيب بين استرجاع الذكرى وحسبان ما رآه أمامه شبحا ووهما من أوهامه. ولكن المفارقة لا تكمن في خاتمة هذه القصة الجميلة، وإنما تتمثل في الموقف الذي اتخذه كل من المرأة (إيناس) والرجل (الطبيب أحمد) من الحياة، فهي فضلت أن تظل أرملة وأن ترعى ابنها، بينما أصر هو على البقاء أعزب ولم يفكر في خوض تجربة حب أخرى. وكانت المفارقة الساخرة أن هواجس المرأة وخشيتها من أن يقال عنها إنها خسيسة ونذلة إذا ما تزوجت طبيب زوجها بعد موت هذا الأخير، انتصرت على حبها للطبيب. وأن الطبيب، بدوره، عد المشاعر التي يحملها للزوجة والتي نبعت في بيت الزوج أثناء تردده عليه لعلاجه، نوعا من الخيانة، فهو دخل البيت طبيبا وما ينبغي أن يخرج منه عاشقا. ولهذا تقبل رفض المرأة الزواج منه وظل وفيا لذكرى صارت تتمثل له شبحا وأوهاما. وبهذه الشاكلة كانت المفارقة ثاوية في صلب القصة تصنع مصير الشخصيتين، وتبني عوالم هذا النص العميقة الدلالة في انتصارها لقيم الوفاء، والخضوع للضمير المهني، والتغلب على أهواء النفس ومتطلباتها، والتشبث بالتضحية بمعانيها الواسعة. أما السخرية فقد انبثقت داخل النص كشرارات طفيفة، لكنها أسهمت في إضاءة جوانب من النص، وبلورت نظرة الراوي لما يجري حوله، ولعل أول تجليات السخرية تمثلت في تصوير ناظر محطة القطار في القرية، يقول السارد عنه:

"وفضل الناظر أن يقتل الوقت بالنعاس في كرسيه. وسرعان ما صدر من أنفه صوت بينه وبين صفير القطار قرابة قوية، حتى خيل لي أن القطار سيجيء ويمضي دون أن يفيق.. ولذلك دهشت لما رأيته يفتح عينيه فجأة، إذ اقتربت من مكتبه خطوات خفيفة لسيدة يصحبها طفل، تقدمت لتطلب تذكرتين. وأدركت أنه اكتسب من المران تلك القدرة الفائقة على التنبه والإغفاء حسب الظروف فإنه لم يلبث أن أقفل عينيه بعد تسليم التذكرتين، وسرعان ما تصاعد الصفير من أنفه، معلنا أنه بدأ من جديد رحلته إلى نعاس مستغرق، لا حلم فيه.. ورمقتني السيدة بنظرة باسمة، لتشاركني العجب من هذا التمساح النائم.." (ص.9)

بهذه السردية الدقيقة في ترصد أفعال ناظر المحطة، ووصف ما يدور حوله يتمكن السارد من تقديم صورة قصصية قوامها السخرية ومدارها روح الدعابة والفكاهة، ولعل ورود هذه اللمحة الساخرة كان تمهيدا لما سيأتي من تركيز على مفارقة السلوك الإنساني، وغوص في فهم الكائن البشري في توزعه بين رغباته وبين ما يمليه ضميره، أو ما يمليه المجتمع من قيم. وقد كانت بسمة المرأة إشعاعة مضيئة في ظلام ليل القرية وفي محيط المحطة، كما كان قوامها الرشيق بعثا لذكريات مشرقة حركت ركود حياة الطبيب أحمد. وبهذه الشاكلة كانت هذه اللقطة الساخرة -التي اتخذت من نوم ناظر المحطة بؤرة ارتكازها- ذات وظيفة دلالية وفنية هامة في سياق القصة، وأدت وظيفة بلاغية لا يستهان بها، لأنها هيأت المتلقي لتقبل ما سيسرده الراوي على مسامعه من مآسي تتعلق بالمرأة رفيقة القطار وزوجها الراحل وصديقه الطبيب. ولعلها كانت اللمحة الوحيدة التي وشت بنوع من الفرح وسط واقع مؤلم ومفارقة كئيبة، كما بينا أعلاه.

وتكثر مثل هذه الإلماعات السريعة، والبوارق المشعة التي تنقدح فجأة في مسار القصة وتؤدي دورا هاما في الكشف عن بؤر خفية ما لدى يوسف جوهر في مجموعته القصصية هذه، كما نجد في قصص: الوزير والراقصة، وأربعة ذئاب ..ونعجة!، وكله تمام !، وعاصم بك نائب محترم!.. وغيرها؛ إلا أننا سنقف عند قصة جميلة من قصص "دموع في عيون ضاحكة"، وهي قصة: "سيدة..فاضلة جدا!"، وهي قصة توحي منذ عنوانها بالمفارقة وتشي بتشكل متخيلها انطلاقا من تشغيل المفارقة وتوليد السخرية لتشكل العوالم القصصية. والحكاية، أيضا، تبدأ في قطار، وتنتهي بالنزول منه، تماما، كما رأينا في القصة الأولى التي وقفنا عندها: "قوام رشيق"، غير أن لقاء السارد، هذه المرة لم يكن بسيدة، وإنما بزهرة جافة محفوظة بعناية بين دفتي كتاب شعر منثور. وعبر محكي هذه الزهرة، المتصل بها، والمرتبط بسيدتها الأولى، وبصديقتها "ليديا"، نكتشف أسرار الواقع الاجتماعي بما يعج به من ملاهي في خضم مآسي، ومن مفارقات عجيبة، ووقائع ساخرة.

هكذا تضطلع الزهرة بمهمة الحكي، في سياق فانتاستيكي واقعي، عن ولادتها وترعرعها في قصر، وعن عاشقها البستاني الذي كان يحرص على قطف أخواتها وتسليمهن للوصيفات ويبقي عليها ويخشى أن تمتد إليها يد سيدة القصر. ومن خلال أحاديث الوصيفات والخادمات والبستاني عرفت الزهرة حقائق كثيرة عن سيدتها "سميرة هانم". وهي امرأة ذات وجه جميل كله طهر وبراءة، ولكن ما تسرده الزهرة عن المرأة يكشف مفارقة الظاهر والباطن، واختلاف ما تعلنه السيدة عما تفعله وتمارسه. وترجع بنا الزهرة إلى ماضي سميرة هانم التي كانت في ريعان صباها عاملة في محل حلوى تبيع الفطائر الساخنة مصحوبة بابتسامتها الشهية. هذه الابتسامة التي استمرأها سياسي كهل، فأكثر من أكل الحلوى، ومن ثم وقع في فخ صاحبة الحلوى والابتسامة. ومن هذه المحطة ابتدأت رحلة "سميرة هانم" في عالم أسر القلوب وحشد العشاق وتحقيق المآرب. تقول الزهرة مخاطبة سارد القصة والقارئ معا:

"وحذار أن تظن السوء بسيدتنا ذات الوجه الملائكي.. فإنها لم تبذل شيئا أكثر من ابتسامتها الشهية، التي سحرت أحدهم فوضع اسم الزوج العزيز، عندما كلف بتشكيل الوزارة، في رأس القائمة. وحرص أن يأخذ رأيه –ورأيها- في بقية الزملاء!..

 وهكذا أصبحت "سميرة هانم" قرينة صاحب معالي.. وسكنت قصرا.. ومن الحق أنها ملأت مركزها، وصار يضرب بها المثل في الحشمة والوقار(..) ولا أريدك أن تنسى سياسينا المحنك.. أن السكرتير –ذلك الجندي المجهول- الذي كان يكتب لسيده المقالات النارية صار يكتب الخطب الرنانة، وكانت الزوجة لا تجد من زوجها هذه الفصاحة في أحاديثه معها، فأدركت أن في الأمر سرا.. وكان السكرتير كتوما، ولكن "سميرة هانم" ما زالت تتربص به، حتى ضبطته يضع الشكل على حروف خطبة عنيفة.. ومنذ فطنت إلى أن السكرتير يملي على زوجها تصرفاته، ويحشو فمه بالكلام، انتقل إعجابها من الببغاء إلى الملقن.."(ص.57/58)

بهذه السردية الساخرة، وعبر تتبع مسار حياة سيدة القصر "سميرة هانم" وتنوع مغامراتها: ما بين الزوج السياسي وسكرتيره والرياضيين الأربعة وحلاقها "ميتشو"، وما حققته من مكاسب وما أدته من دور عبر جمعيتها الخيرية التي تؤكد من خلالها براءتها وحشمتها ووقارها، أو بالأحرى فضيلتها الموهومة، يكشف السارد عن مفارقة الصورة الظاهرة لشخصيته وحقيقتها الباطنة التي تتنافى مع الفضيلة التي كانت صفة مقترنة بالسيدة.

ومن خلال هذه السردية القائمة على التضاد يعمل السارد على تعرية عفن الواقع والسخرية من طبقة المتسلقين للمناصب والمراتب، وما يقدمونه من أوجه زائفة تخفي حقيقة أمراضهم النفسية والعقلية. ولم تكن "سميرة هانم" بدعا في هذه القصة، فإن هذا الزيف يشمل باقي الشخصيات المحيطة بها والدائرة من حولها: الزوج والسكرتير والأصدقاء وميتشو.. وغيرهم، بما يدل على أن العفن استشرى في الجميع وشمل مختلف الفئات الاجتماعية. وقد كان يوسف جوهر لماحا في إشاراته التصويرية ووقوفه عند مفارقة السلوكات الإنسانية الخفية وتعارضها مع الأفعال والأقوال المصرح بها عن سبق إصرار وترصد لتجميل الصورة وإيهام الناس بفضيلة لا وجود لها. وكأن الكاتب يضع اليد على داء ارتبط دائما وسيظل أبدا متصلا بمن يرتبط بعالم المال والسلطة والنفوذ، وبمن يصل إلى بعض المناصب أو الأوضاع الاجتماعية بدون كفاءة ولا استحقاق.

وبهذه الكيفية كانت المفارقة عنصرا أساسا في تشكل متخيل هذه القصة التي روتها زهرة كانت تتوق إلى العودة إلى صاحبتها: صاحبة كتاب الشعر المنثور "ليديا" الصبية الحالمة البريئة البعيدة عن عالم الكبار ومفارقاته وزيفه، وكان على السارد أن يبحث عن الفتاة ليحقق رغبة الزهرة.

ولا تبتعد نصوص قصصية أخرى في مجموعة "دموع في عيون ضاحكة" عن رصد تناقضات المجتمع واختلالاته، وتعارض الظاهر والباطن، وخاصة حينما يمعن الكاتب في تصوير الفئات المتنفذة سواء في القرى أو المدن، كما نلمس في قصص: الوزير والراقصة، وأربعة ذئاب.. ونعجة!، وعاصم بك.. نائب محترم!. ففي هذه القصص تؤدي المفارقة دورا تكوينيا لبناء عوالم النص المتخيلة، وكشف طبائع الشخصيات وتناقضاتها وحقيقتها الخفية المتعارضة مع ظاهرها المعلن. غير أننا بوقوفنا عند القصة السابقة "سيدة ..فاضلة جدا!" نكون قد ألممنا بجوانب من اشتغال المفارقة أثناء تناول تيمات امتلاك النفوذ والسلطة والمال، ومن ثم سنقف عند أفق تخييلي آخر، يرتبط هذه المرة، بأجواء أخرى للوقوف عند أوجه تشغيل المفارقة في "دموع في عيون ضاحكة"، ومن ثم اخترنا قصة "رحلة صيف" لتكون محور اشتغالنا في هذا الحيز.

تحكي هذه القصة عن حشمت أفندي الموظف البسيط الذي عاد من عمله مكدودا مرهقا، ليجد زوجته (فهيمة) تحدثه عن عزمها على إرسال ابنتيه (ناهد) و (نوال) في رحلة صيف تقضيانها بالإسكندرية رفقة أسرة جاره الموظف مثله، والذي فتح الله عليه وترقى وصار ميسور الحال؛ فقد كانت زوجته سعاد تلح على أن تأخذ البنتين معها إلى الإسكندرية وستكونان في ضيافتها. وقد سعت زوجة حشمت أفندي أن تبين له أهمية هذه الرحلة، فهي قد تعود عليه بالنفع، إذ ستسنح الفرصة لفتح موضوع ترقيته وطلب إنصافه، لأن أخ سعاد هو سكرتير الوزير، ولأن الوزير سيسهر عند سعاد ويرى البنتين ويعطف عليهما. كان حشمت أفندي مترددا، لكنه في الأخير رضخ مشترطا أن تسافر الأم معهما. وفي محطة القطار همس الموظف في أذن زوجته (فهيمة): "حافظي على البنتين وافتحي عينيك جيدا"، فردت عليه المرأة: "التعرف بسكرتير وزير فرصة لا تسنح كل يوم.. اطمئن.. قلبي يحدثني أنني سأعود بغير ناهد أو بغير نوال"(ص. 162)

فهل فعلا عادت (فهيمة) من غير إحدى ابنتيها؟ وهل تحققت أماني الأب (حشمت أفندي) في الترقية وتحسين وضع أسرته؟

لعل المفارقة تتولد، في هذه القصة الطريفة، من هذه العبارة التي نطقت بها (فهيمة) فشكلت بؤرة السخرية وعمق المفارقة، إذ إن مجريات الأحداث ستمضي في أفق غريب غير متوقع، لأن سكرتير الوزير (محسن) سيقع في حب أم البنتين الشابة الجميلة، وسيستولي عليها ويقنعها بالتخلي عن زوجها وابنتيها، لتعود (ناهد) و(نوال) من الرحلة بدون أمهما التي لم يعرفا لها طريقا. وحينما يلفظهما القطار العائد إلى القاهرة لن تجدا والدهما المكلوم في انتظارهما لأنه عجز عن تقبل الصدمة، وعند وصولهما إلى البيت وارتمائهما في حضنه سيسلم حشمت أفندي نفسه إلى رحلته الأخيرة. هكذا تتولد المفارقة بين رحلتين، ومصيرين لم يكونا متوقعين.

وبهذه الكيفية كانت المفارقة جوهر هذه القصة التي تثوي فيها المأساة في رحم الملهاة. وعلى هذه الشاكلة كان المتخيل القصصي في هذه القصة يقف عند غموض الأقدار وسخريتها، والتباس المشاعر والأهواء والآمال في النفس الإنسانية. وهكذا كان اشتغال المفارقة قائما على غير المتوقع وعلى أفعال وردود أفعال تخرج عن سياق المعقولية في الغالب.

انطلاقا من كل ما سبق، ومن خلال وقوفنا عند بعض النصوص التمثيلية لتجلية اشتغال المفارقة في مجموعة "دموع في عيون ضاحكة"، نؤكد أن كل قصصها اشتغلت ارتكازا على هذه الخاصية الفنية، وأن بعضها نحت مناحي السخرية، بينما جلت قصص أخرى أوجه المأساة المضمرة في كنه المأساة، وهي بذلك عملت على كشف اختلالات المجتمع وتناقضاته، كما عملت على تشريح طبائع الإنسان ودواخله.

وقد كتب يوسف جوهر قصصه باحترافية فنية عالية، وصياغة سردية فاتنة، ولهذا كان اسما لا ينسى في السردية العربية الحديثة. ومن هنا كانت هذه القراءة تذكيرا بمبدع قاص وروائي يحتاج إلى إعادة قراءته وتمثل فنية إبداعه الراقي في جمالياته وأبعاده الإنسانية الرفيعة، وليكون نبراسا تهتدي به الأقلام الجديدة التي تجهله.   

 

د. محمد المسعودي

..........................

هامش:

تتم الإحالة على النصوص المستشهد بها من كتاب يوسف جوهر، دموع في عيون ضاحكة، سلسلة اقرأ، عدد 350، القاهرة، فبراير 1972، داخل متن القراءة. وللإشارة، فإن قصص هذه المجموعة كتبت بين سنتي 1940 و1965 كما يثبت الكاتب داخل المجوعة، وهي، ولا شك، أخذت منه جهدا ووقتا كبيرا للكتابة والصياغة مما ينبئ عن مدى عناية الرجل بفن القصة واهتمامه بها.

 

   

يمنح توظيف الصمت في قصيدة ما بعد الحداثة هويتها، انطلاقا من مقصدية تحقيق التوصيل الميتالساني، الذي يحيل ما هو صوتي إلى كيان مرئي، وبذلك تقلع الأذن عن أداء وظيفتها كقناة توصيل جزئية ويستعاض عنها بكليانية توصيلية ممثلة بالجسد الذي سيكون بمجموع أعضائه القناة البديلة التي توصل ما لا يوصل بالحواس الخمس أو باثنتين منها والسبب أن الاصوات والصور ما عادت قادرة على أداء ما تبغي الذات الشاعرة توصيله للمتلقي..

وفي مقدمة ما تبغيه هذه الذات الافتتان الذي تهيم فيه النفس، بلا ارتدادت تحكم شغفها ولا ذبذبات تحدد ولهها. إنها الآن بحاجة إلى ما هو أوسع من أن تضمه الترددات واكبر من ان تحتويه الذبابات.

وليس الصمت في القصيدة ما بعد الحداثية خرسا لسانيا، بل هو استعاضة ما بعد لسانية انه كتمان سماعي حصيلته افتتان بما هو متجسد وعياني وتوله بما هو حسي، وتعبيرا دامغا عن ازدراء الواقع وانعكاسا عمليا للفهم الغائر في الوجود وهو ما تطمح قصيدة ما بعد الحداثة إلى تمثيله وتوجيه الأنظار إليه.

والمراهنة على المصموت هو نوع من التعبير عن انتفاء حاجة الذات إلى الصوت، واضعة ثقتها بالمرئيات واللامرئيات معا متجاوزة السماع الذي أثبت عجزه عن الانتفاض والرفض.. وأنه مهما طغت الاصوات فإنها لن تحيل الوجود إلا ضوضاء صاخبة ، تشتت العقول وتصدع القلوب فتغيب الحقيقة ويتبعثر الفكر ويتلاشى المضمون.

وفي خضم الصخب والهرج تفقد الاصوات قدرتها على أداء دورها في التأمل ويخيب مسعاها في أن تسمو بالنفوس أو تصمد أمام الزيف والانهيار والحضيض.

وإذا كان الصوت في القصيدة الحداثية يتجاور مع الصمت في ثنائية يكافئ أحدهما الآخر، فإن في قصيدة ما بعد الحداثة سينتفي الازدواج الثنائي وتتم مصادرة التلاحم لصالح احادية الصمت التي تتجاوز التضاد رافضة الازدواج.

إن الصمت في شعر ما بعد الحداثة، عالم لوحده يفرض رهبته على الماديات مسموعات ومرئيات وملموسات ومشمومات فلا يعود لصخبه المشوش قدرته على جعل الانسان مغيبا فيه متلاشيا في العجيج ومتشائما من الضجيج محتدما في الغلو.

وليس أمام الشاعر إلا أن يختزل الكلام بالصمت ويختصر الهوس بالخرس ويحول الأنين إلى إنصات ويكبت النطق كي تنطلق الأضواء في عالم لم يعد يملؤه؛ إلا الهمس على وجل والتأمل على خفر بلا نهر ولا إيماء وتصير الصور منطوقات بالعين لا باللسان.

وبهذا تفرض القصيدة حضورها الطاغي الذي به يتهادى العالم من مادية فانية إلى سرمدية دائمة فيرى الوجود عالما من الملكوت وهكذا يضمحل الاستغلال والاضطهاد الذي كان قد عم العالم الأرضي بالسواد ليتحول إلى صفاء وسلام في ظل عالم علوي مزده بالبياض.

وعلى الرغم من قدرة الصوت على التجسيم والتشخيص؛ فإن الصمت في شعر ما بعد الحداثة لن يكون هو التجرد والجمود، بل سيغدو بمثابة القبس الذي يقدح شرارة التطلع والاستبصار فلا يختبئ الشاعر خلف استعارية الكلمات وكنائيتها، انه الآن يتمظهر ولا يتوارى يقدم القصيدة وهو أمامها ولا يتوانى من أن يصارح ويكاشف غير آبه أن تكون ذاته هي موضوع القصيدة وأساسها وكيانها ..

وهذا هو التحول الذي تعمدت قصيدة ما بعد الحداثة صنعه وهكذا يغدو مسعى القصيدة أنها تريد الشاعر هو القصيدة والقصيدة هي الشاعر ككيانين يبزغان كي يقلبا العقل ويقوضا شكه ويدفعانه إلى اللاعقل.

وما ذلك إلا لان حضور المبدع لا يضاد غائية القصيدة، كما أن غيابه لا يعني نجاح القصيدة كون الإبداع هو البغية والمنال الذي ينطلق من رحم المبدع ومثلما أن الشعر ليس هو الرحم الذي يصنع القصيدة فكذلك الشاعر ليس وليد القصيدة، بل القصيدة هي الوليد.

وهذا ما لا يبرهن عليه إلا بالصمت كما لا يمكن إثباته إلا بالتأمل وبهذا تنتفي الحاجة إلى الكلام، ولا يعود للصوت أية أهمية.

وهذا لا يعني عودة الهيمنة المركزية للشاعر على القصيدة بالمفهوم السياقي ولا هي لا مركزية المبدع بالمفهوم البنيوي المحايث؛ بل هما معا اعني مركزية المبدع والقصيدة من خلال اتحادهما ببناء ابستمولوجي ميتا شعري.

وليس الصمت وحده هو القادر على إثبات هذه الفرضية التصورية للوظيفة الميتاشعرية إنما هو أهم التوظيفات وأكثرها مواءمة وبما يحقق مقاصد شتى.

وتتوقف ملاءمة الشكل الشعري لهذا النمط من التوظيف على قدرة الشاعر وإمكانياته الفنية والتقنية في توجيه الشكل الشعري باتجاه ما بعد حداثي كاستعمال القصيدة الإسمنتية أو الشعر الكونكريتي والشعر التجسيدي الصوري ناهيك عن قصيدة النثر والقصيدة الحرة وقصيدة التابلو.

 وهذا الشكل الأخير هو الأسلوب البنائي الذي اعتمده الشاعر الانكليزي المعاصر اندي كروفت الذي جعل القصيدة في شكل تابلو يتمحور كلوحة تعج بالصور السمعية، ذات الهول والوقع والقوة لتتحول من الجلب والهياج إلى الهمس الذي يطغى عليه الخفر والخفوت متحدية الإيقاع بنبراته وتوزيعاته واتساقاته الذي سيغدو عبارة عن جرس خفوت يشيع السكون لا الحركة.

وهذا ما نلمسه في قصيدته (خرافة تليماونيتك) التي يتفنن فيها الشاعر اندي كروفت على المستوى الموضوعي، مراهنا على الصمت جاعلا المستوى الفني منصاعا لهذه المراهنة، عبر القصيدة التابلو التي التزمت التوزيع الصوتي المتزن في ثمانية مقاطع وفي كل مقطع أربعة اسطر ينتظمها وزن واحد وتفعيلات متساوية.

وما كان للشاعر أن يوجه القصيدة وجهة ما بعد حداثية إلا بقصدية واقعية جعلت الصور ملأى بالأصوات المهولة والعنيفة بصخبها وضجيجها كانعكاس منطقي لحياة ما عاد فيها الانسان قادرا على تلقي عنف تردداتها الا بان يكتم ملفوظاتها ويحولها الى صوامت لعلها في سكونها ولا سماعيتها قادرة على أن تكون محسوسة لا بالقنوات الفيزيقية الخمس بل مدركة بالحدس الذي سيسعفها في ادراك الوجود وما وراءه وهذا الحدس هو الذي سيشتت الصوت ليتجاوز العالم المادي متلاشيا في فضاء سرمدي.

وهذا الاشتغال هو بمثابة لعب معرفي لا لغوي أو كلامي فيه الصمت حاجة تقتضيها التأملات العميقة في بواطن الموجودات وبما يجعل من الصوت الفيزيقي صورة ميتافيزيقية.

وهذا يعني ان الشاعر ما ولج عالم السماع إلا لأجل ان يكتشف العالم اللاسمعي بحثا عن صمت يتيح له التأمل كلعبة اليغورية تجعله يمارس رياضة روحية وكأنها يوغا شعرية تسبح فيها الذات في عوالم لا نهائية وتتلاشى فيها الحواس ليستيقظ الحدس فينبري العقل مشاكسا ومتمردا لعله يقتنص الحقيقة ويظفر بها فهي بغيته أولا وأخيرا.

ان الصمت عند اندي كروفت هو عماد القصيدة وهو القالب الذي تصهر فيه الأحاسيس في بوتقة ميتا حسية، فتغدو الموجودات جميعها وكأنها صيرورة سحرية، تكشف عما وراءها في سعي معرفي وتأمل كهنوتي من طراز خاص يتحول فيه الشعر من اطراد موسيقي إلى عبث ميتا موسيقي.

وهذا ما أتاحه شكل القصيدة التابلو الذي استطاع أن يخترق الموجودات مغادرا الحواس الفيزيقية إلى عوالم الصمت الشجية الساحرة ليصنع منها ملاذا كتابيا يودع فيه صوره الغارقة في ضجيجها لتستكين هادئة وتهمد متصالحة

وإذ تعجز الصور الصوتية عن أداء وظيفتها السمعية تتمازج الأضواء في حزمة واحدة فتوقظ الموتى وتحيل وحشة الظلام نورا فيتحول الخوف إلى انتشاء والوجع إلى استمتاع واقباس ضياء منبعثة من الصمت المنعكس من الصخب والضوضاء لينبعث في الروح سموا ويجعلها تحلق في عوالم لا نهائية من الرؤى الجنائنية في صورة إحياء وقد خرجوا من موتهم..

وهنا لا يعود الصراخ صخبا ولا الرصاص احتداما ولا الفزع صراخا وانتحابا ولا الأغاني نشوة أو انتصارا، فلقد تحول الصراخ والرصاص والفزع من صور سمعية بقوالب هامدة ساكنة إلى رؤى تتبصر بهوادة متأملة بتمعن وتمحيص ولا ينفك الإيقاع الوزني من أن تعاضدها بانسيابية تجعل التابلو عبارة عن قطعة مناجاة وغناء قداسي وتتحول القصيدة من مجرد أصوات مسموعة إلى منظورات صورية فتتلاشى الاصوات ليبزغ الضوء منسابا بومضات وانبثاثات بديلة عن فعل الترددات ومستغنية عن صنيعها.

ويتحول التأوه ووقع أقدام الجيش ووساوس الشيطان المريعة إلى زخم وسكينة نفس وصفاء بال، وما من سبيل إلى ذلك كله إلا بالصمت الذي يظل الشاعر اندي كروفت متمسكا به كعمود فقري يشيد عليه نصوصه الثمانية، ليصنع تابلوا بصريا على أنقاض صوتية متسقة لكنها هادرة فتنبلج صورا صماء لكنها متاحة الولوج للحواس كلها

ولا عجب ان التوزيع الصوتي المتزن للكلمات سيوظف أيضا في خارطة التابلو ويسهم في صنع متخيل صوري لا سماعي فنقيق الضفادع وصوت الذبح وقرع الطبول هي مسموعات تولِّد الصمت الذي هو رؤيا العالم وهذا ما تعززه القافية والفعلية (سمعنا/ سمعوا/ استمعنا) فالصمت أداة شعرية تسهم في توصيل المعنى على المستوى الموضوعي وبما يتيح للشكل أن يقدم رؤيا العالم واذا عددنا القصيدة الحداثية فقدت يقينها بالوجود، فان القصيدة ما بعد الحداثية استعادت هذه اليقين متسامية إلى العدم ممدة بصرها إلى الأمام رافضة الرضوخ للوجود الذي ليس هو الملاذ.

أنها رؤية العالم التي تتعالى على عالم المكان منزاحة إلى اللامكان، ومن الوجود إلى خارجه انه الانتشاء الروحي اللامكاني هربا من الضياع المادي:

وكما استمعنا إلى الطبول القاتل

من وحشية، يتمرد محمومة،

كنا نعلم أنه كان الجيش الهندي قادمة.

وإلا فإن من الشيطان.

وبهذه الألاعيب الفنية على مستوى الصمت والنزعة الواقعية الموضوعية تدخل القصيدة في خانة الشعر ما بعد الحداثي الذي أهم سماته وملامحه مفارقة اللعب الفني لشعر الحداثة عبر الاستعاضة عنه بلعب آخر ليس فيه لصراع الأضداد حضور ولا لجدل الثنائيات مخاتلة تهادن بها القصيدة الآخر أو تراوغه..

والسبب أن الذات لا تصارع إلا أناها وهي تنزوي فيه عن قنوع ورضوخ إحساسا منها أن الصمت ليس هو التضاد مع الصوت؛ بل هو منفذها الوحيد للهرب من الزيف إلى الحقيقة التي بها تكتم لجاجة الاصوات وتحيل المنطوقات إلى مخروسات.

وما أن يؤدي الصمت وظيفته التوصيلية حتى يزال الصخب بالرحمة وعنف الضوضاء بالرضا غير مكترث للآخر الذي افتقدت روحه هذا الإحساس فظل سادرا في غيه وما ملاذه إلا الحروب والدمار، ولقد جعلت سوداوية الواقع ومراراته، الصمتَ عند اندي كروفت صمتا محسوبا مموسقا انه صمت وجودي مقموع يعبر عن الحيرة متأملا في متاهة ليس فيها إلا الحزن والعنف والتعسف ولا مناص فيها للذات إلا أن تحلق لائذة في الصمت هربا من المكابدات ومواساة للوعات.

 

د. نادية هناوي

 

 

كريم مرزة الاسديحفّزنّي حافزٌ أن أطرق هذا الموضوع، ولله في خلقه شؤون!

لا يتخيل القارئ الكريم أن شعر التفعيلة سهل المراس، ينظم فيه من يشاء كما يشاء!! دون ضوابط، ولا هم يحزنون، مجرد تسطير كلام، أو تفعيلات عشوائية مرتبة ، ومشّي الحال ...!!

كلّا - يا حبيبي!!- ما هكذا تورد يا سعد الأبل !!

ربّما ضوابط شعر التفعيلة - وأنا أتكلم عن أوزانه- أصعب من الشعر العمودي؛ وإن أتعب الشعر العمودي العربي القدماء والمحدثين والمعاصرين.

شعر التفعيلة يأتي على ثمانية بحور على العموم ، وهي:

أ - البحور الصافية، وعددها ستة:

وهي البحور التي لها تفعيلة واحدة متكررة - :

1- البحر الكامل : متفاعلن / متفاعلن / متفاعلن

2 - البحر المتقارب : فعولن / فعولن / فعولن / فعولن

3 - البحر الهزج : مفاعيلن / مفاعيلن / مفاعيلن

4 - البحر الرمل : فاعلاتن / فاعلاتن / فاعلاتن

5 - البحر الرجز: مستفعلن / مستفعلن / مستفعلن

6 - البحر المتدارك : فاعلن / فاعلن / فاعلن /فاعلن

من حق شاعر التفعيلة أن يختار قصيدته من تفعيلة لأحد هذه البحور، ( أو إحدى جوازاتها ، كما أقرّها علماء العروض)، ويستعملها مرّة واحدة في الشطر، أو يكررها في الشطر الواحد حتى اثنتي عشر تفعيلة، ومن حقّه أن يدوّرها؛ أي يجعل جزءًا من التفعيلة في  شطر، ويكمل بقيتها في الشطر التالي.

وأحيانًا ينتقل الشاعر من تفعيلة بحرٍ إلى تفعيلة بحر آخر قريب له في النغم. كتفعيلتي المتدارك ( فاعلن)، والمتقارب (فعولن)، وهما من  الدائرة الخامسة (دائرة المُتَّفِق).

ب - البحران : السريع والوافر:

وهما من البحور المركبة -أي تلك البحور التي تتركب من تفعيلتين مختلفتين

7 - البحر الوافر : مفاعلتن / مفاعلتن / فعولن

من حق شاعر التفعيلة أن يكرر ( مفاعلتن)، أو إحدى جوازاتها، وينهي الشطر بـ ( فعولن).

مفاعلتن مفاعلتن فعولن

مفاعلتن فعولن

مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن فعولن

مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن فعولن

مفاعلتن فعولن

8 - البحر السريع : مستفعلن / مستفعلن / فاعلن

ومن حق الشاعر هنا أن يكرر (مستفعلن) ، وينهي الشطر بـ (فاعلن)

مستفعلن مستفعلن مستفعلن فاعلن

مستفعلن فاعلن

مستفعلن فاعلن

مستفعلن مستفعلن فاعلن

ج - استخدم الشاعر الخالد السياب- وغيره- بحور الطويل والبسيط والخفيف، وحتى المديد يصلح،  في شعر التفعيلة؛ ولكن لا يجوز في هذه البحور الأربعة  تكرار تفعيلة واحدة منفردة مباشرة؛ وإلا سيخرج الشاعر من بحرٍ إلى آخر؛ فتسقط القصيدة في المحرمات:

- البحر الطويل : فعولن / مفاعيلن / فعولن / مفاعيلن

فعولن / مفاعيلن

فعولن / مفاعيلن

فعولن / مفاعيلن فعولن / مفاعيلن فعولن / مفاعيلن

فعولن / مفاعيلن فعولن / مفاعيلن

فعولن / مفاعيلن

لا يجوز تكرارفعولن أو مفاعيلن؛ وإلا سيخرج الشاعر إلى بحر آخر، فيسقط الشعر، وكذلك في البحور الآتية، يستطيع شاعر التفعيلة  أن يستخدم التفعيلتين الأوليتين، أو يكررهما عدّة مرات في الشطر الواحد، أو إحدى جوازاتهما:

- البحر المديد : فاعلاتن / فاعلن / فاعلاتن / فاعلن

- البحر البسيط : مستفعلن / فاعلن / مستفعلن / فاعلن

- البحر الخفيف : فاعلاتن / متفعلن / فاعلاتن

نكرر قولنا في هذه البحور للفقرة (ج)، لا يجوز تكرار تفعيلة واحدة مباشرة، أي لا يجوز في  استعمال البحر الطويل أنْ ننظم هكذا :

فعولن فعولن  / مفاعيلن

فعولن / مفاعيلن مفاعيلن

فعولن / مفاعيلن / فعولن  فعولن / مفاعيلن

نكرر هذا لا يجوز؛  لأن الشاعر ينتقل من بحر إلى آخر، فمثلًا: فعولن فعولن تخرجنا من البحر الطويل إلى البحر المتقارب؛ وإذا  تكررت : مفاعيلن مفاعيلن، نخرج من البحر الطويل إلى البحر الهزج!!

مجرد خاطرة  سريعة وردت على ذهني، والله الموفق لكل خير.

ترقبوا الحلقة الثانية بعد أشبوع: ( أمثلة لتقطيع شعر تفعيلة من كل تفعيلات الشعر العربيالمستعملة).

 

كريم مرزة الأسدي

 

احمد عواد الخزاعيعرف جيرالد برنس الحدث الروائي بأنه (مجموعة من الوقائع المتصلة والمتسلسلة، تقسم بالدلالة وتتلاحق من خلال بداية وعقدة وحل).. هذا التعريف لا يخرج عن حيز الثوابت الأرسطية لأي نص سردي يتبع منحى كلاسيكيا في صناعة الأنساق الحكائية، التي تتخذ شكلا هرميا متناميا، مع توفر السببية المنطقية لنشوء الحدث، بما يتلائم مع البيئة العامة الحاضنة لذلك النص .. في رواية (نافذة العنكبوت) للروائي شاكر نوري والصادرة سنة 2000 عن دار الفارس، نلاحظ وجود تعالق مشيمي بين سببية الحدث المركزي والوقائع التأويلية المترتبة عليه، التي أخذت منحى تصاعدي في تفاعلها مع هذا الحدث، تحولت هذه السببية إلى مبرر لسلوك البطل السارد، والبطل المحوري عبد الرحمن، الذي تميزت شخصية الأخير بكونها مرجعية (مؤدلجة) حسب تصنيف فيليب هاملتون، أي إنها أخذت معناَ واحداَ ثابتاَ فرضتها ثقافة ما.

كانت السببية التي تعكز عليها النص هي (الحرب) وتجلياتها  وانزياحاتها النفسية والاجتماعية، لذا تعد نافذة العنكبوت جزءا من أدب الحرب، الذي عده النقاد أولى الفنون الأدبية التي عرفها الإنسان، كما في الرسوم الموجودة على جدران الكهوف التي تمثل مهد الإنسان الأول، والتي كانت تشير إلى هذا المعنى، فأدب الحرب اخذ حيزا كبيرا في العقل الجمعي الإنساني منذ مهد البشرية، فهو عملية جلد للذات تمارسها الشعوب كي لا تتكرر مأساة الحروب .. تناولت الرواية الحرب من جانبها الآخر الغير مباشر والغير مرئي للعيان، ووقعها النفسي والاعتباري على الفرد والمجتمع، حتى في أكثر الأمور خصوصية، فشكل العجز الجنسي هاجسا حرك مفاصل النص وتحول إلى قطب رحى دارت عليه وحوله الإحداث، هذا العجز الذي سببته الحرب لعبد الرحمن، وشح النص بسوداوية قاتمة غاب عنها الأمل، بعد أن عجز عن فض بكارة عروسه شيرين، ليدور النص في هذا الفلك دون تشظي أو محاولة تضمين قصصية تخرجه عن مساره الوئيد والحزين، لتأخذ الرواية منحا جنسياَ في التعبير عن أصل المشكلة، وتحدث عملية  تلاقح متناغمة بين الحرب والجنس، والذي أضفى الأخير على النص بعداَ غرائزياَ بعد أن احتل مساحة كبيرة منه ، لكن شاكر نوري وفق في إدارة النص بطريقة مكنته الخوض في الجنس والتحدث عنه بطريقة فلسفية تأويلية، أشعرتنا بحضوره وفعاليته، دون الحديث فيه بطريق مباشرة وتفصيلية.

عبد الرحمن الشاب النحيل الجسد والأخ الأصغر للبطل السارد، حُرم من ذكورته بشظية أصيب بها في إحدى الحروب التي خاضها العراق، ليشكل هذا العوق سر من أسراره الدفينة والذي فضحه زواجه من شيرين، التي مثلت رمزية غاية في التعقيد، استخدمها الروائي لجعلها إيقونة لجميع المتناقضات والإرهاصات التي تنتجها الحروب، ليحل بيته البسيط الكائن في إحدى قرى العراق مسرحا بديلا عن ساحة الحرب، وتدور الأحداث فيه وفق نسق حكائي متدرج (الأمل، الشك، الترقب، اليأس، الانتحار والموت)..هذه التراتبية خضعت لمتوالية اجتماعية بسيطة بإطارها العام، لكنها معقدة ومتشابكة في وسائل التعبير عنها والتعاطي معها، فبعد أن شكت الأم في عجز ولدها عبد الرحمن، أخذت تراقبه هو وعروسه من ثقب في جدار غرفتها، ليقوم البطل السارد والأخ الأكبر بنفس الفعل لكن مع اختلاف الغايات والنوايا بين الاثنين، في عملية تناص مع رواية (الجحيم) للروائي الفرنسي هنري باربوس الصادرة سنة 1918 كون بواعث الفعل هذا كان يقف ورائها الجنس.

يستمر النص بهذا التداعي الحر لمجمل الإحداث وحركة الشخوص فيه، حتى ينتهي بطريقة دراماتيكية، حين يقوم عبد الرحمن بقتل شيرين والانتحار، أو هذا ما يمكن فهمه، كون النص تميز برمزيته العالية التي وصلت إلى السريالية في بعض محطاته، وكان يحتاج إلى هريمونطيقية (تأويلية) لفك شفره، على الرغم من إن شاكر نوري حاول لملمة نصه في الثلث الأخير منه، عن طريق وصية عبد الرحمن التي أنزلت النص إلى ارض الواقع، وأفشت بعض أسراره.

أهم مرتكزات الرواية:

1- العنوان: يعد العنوان العتبة الأولى للنص، والنافذة الاستشرافية لمعرفة بعض شيء عن قصديته، وقد يتحول في بعض الأحيان إلى نص موازي للمتن الرئيسي، وقد أشار الروائي إلى قصدية العنوان (نافذة العنكبوت) في نهاية الرواية كمحصلة نهائية لما آلت إليه الأحداث، وجاء ذلك على لسان البطل السارد (لقد أصبحت انظر إلى العالم عبر نافذة العنكبوت، لأن المنافذ كلها على ما يبدو قد انغلقت أمامي بإحكام في تلك البقعة النائية، مدينتي).

تميزت الرواية  باحتوائه على عناوين ثانوية داخلية لفصولها أخذت اتجاهين تعريفيين:

الأول: يشير إلى سير الأحداث بنسقيها الأفقي والعمودي، وهو تسلسل زمني لم يتجاوز التسعة أشهر مدة حمل شيرين في الطفل الخطيئة.

الثاني: يشير إلى طبيعة الأحداث التي ستجري داخل هذا الفصل، ومثل عتبة استهلالية تأويلية.

2- السارد: صنف الناقد سعيد يقطين السارد بحسب موقعه من النص، فيما إذا كان غير مشترك فيه (سارد خارجي) وهو سارد عليم يعرف كل شيء عن سير الأحداث، وما كان وما سيكون، والذي غالبا ما يكون الروائي نفسه.. وآخر مشترك في النص (سارد داخلي) وهو سارد ضمني، يعرف عن الأحداث بقدر علم القارئ بها، أو بحسب موقعه من النص وتأثيره فيه .. في رواية (نافذة العنكبوت) نجد إن الروائي قد لجأ إلى أسلوب مغاير لهاذين التوصيفين، وذلك باستعانته بسارد داخلي هو الأخ الأكبر لعبد الرحمن، حيث شكل جزءا مهما من النص وسير الأحداث، لكنه في نفس الوقت كان يلعب دور السارد العليم في روايته للأحداث وتداعياتها، فكان يعرف كل شيء عما يدور من أحداث وهواجس وأفكار الأبطال، وماذا يفعلون في خلواتهم، فكان الأخ السارد يمثل (الأنا الشاهد) على الأحداث و(الأنا المشارك) فيها، وهذا الأسلوب يمثل حضورا متواريا للروائي داخل نصه.

3- الواقعية السحرية: طغت على الرواية واقعية سحرية أضفت عليها طابعا تشويقياَ، كونها خرجت عن المألوف في التعاطي مع أصل المشكلة .. فقد وظف الروائي مدرستين مهمتين في الواقعية السحرية هما: المدرسة اللاتينية والمدرسة الألمانية .. فقد استخدم المدرسة اللاتينية في تصوير الأحداث ورسم المشاهد، وتأثيث مكان الحدث السردي، وهذه المدرسة منبثقة من الواقع الاجتماعي ومعبرة عنه بعفوية، كونها جزء من بنائه التكويني، وصورة أخرى له تشكلت تحت وطأة التراث (الدين والعادات والأعراف الاجتماعية) كما في مشاهد غرفة العناكب، ومشهد محاولة الأم معرفة سبب عجز عبد الرحمن والبحث في شجرة العائلة عن قرين له أورثه هذا العجز الجنسي، وذكر الغجر بكل دلالاتهم الميثولوجية والغرائزية.. وأما المدرسة الألمانية والتي تنزع إلى الرؤى الفلسفية في تفسيرها للواقع وتفاعلها معه، فنجدها حاضرة وبقوة في اللغة وطريقة التعبير عن الواقع المعاش.

4- اللغة: شكلت اللغة عنصرا مهما في إدارة النص الروائي والتعبير عنه، فكانت لغة فلسفية في معظم محطاتها تلجأ إلى إثارة التساؤلات الجدلية، لكنها كانت مرنة سلسة في مفرداتها، مع ندرة الحوارات والتي ارتقت إلى مستويات نخبوية متقدمة واعية، لم تراعي المستوى الثقافي والمعرفي لبعض المتكلمين، كما في هذا النص الذي يمثل حديث للأم مع ابنها السارد: (شيرين حبلى برياح الخريف !).

5- المكان: كان عنصر المكان معادياَ في اغلب مشاهد الرواية، فقد خيم عليه الظلمة والرائحة العفنة والسكون، وكان مصدر للخوف والترقب، وشكل هاجسيا ماديا وحسيا فعالا في حركة الأبطال، وتأثيره في سير الأحداث، على الرغم من محدوديته كونه لم يتجاوز حدود منزل العائلة الصغير، لكن الروائي عمد على إعطاء خصوصية لكل جزء منه وفق دلالته القصدية:

(غرفة الأم) كانت ملاذا لها، باعثا على الأمل المفقود في شفاء عبد الرحمن من عجزه الجنسي، فهي محطة للصلاة والدعاء ومراقبة سير الأحداث من خلال ثقب الجدار، (غرفة الأخ السارد) كانت محطة استراحة فكرية للملمة شتات أفكاره وتصوراته وتحليله للأحداث ونتائجها، (غرفة عبد الرحمن) مثلت حلما جميلا لم يكتمل، (غرفة العناكب) التي لجأت إليها العروس شيرين بسبب عجز زوجها عبد الرحمن، هي على الأغلب كانت مكاناَ افتراضيا حسيا وليس ماديا، في مقاربة مع (الواقع البديل) لقصص محمد خضير .

6- الزمن: كان زمن السرد مقيداً بفترة حَمل شيرين، وكان موازياً لسير الأحداث، أي إن السارد الضمني الذي انتحل دور السارد العليم، كان يسرد الوقائع لحظة حدوثها، في عملية تزامن آني مع البناء الهرمي للنص، لذا تعد نافذة العنكبوت رواية (متزامنة) حسب تصنيف جيرار جينت، وذلك لتطابق زمن الأحداث مع زمن كتابتها، كما في هذه النص (خُيل لأمي رعاها الله ....)..وهناك إشارة أخرى تبين إن ما يحدث هو قراءة لنص كتبه الأخ السارد، كما جاء في وصية عبد الرحمن (ليست مهمتي أن أفند آراءه أو أن أعطي حكما قاطعا على ما كتبه عني في نمط الرواية التي اجهل أصولها....).

7- الرمزية: لجا الروائي إلى الرمزية كتقنية للتعبير عن الواقع المعقد والمأزوم في ظروف الحرب، وذلك لقدرتها على تصوير الواقع المعاش بطريقة أكثر نضجاَ وشمولا .. فقد مثلت شيرين رمزية عالية لمتناقضين : الأول الحرب بكل تجلياتها وماسيها وتأثيراتها على الفرد والمجتمع، لذا كان عجز عبد الرحمن اتجاهها ماهو إلا موقفه من هذه الحرب، وعدم قدرته على التعايش والتعاطي معها، والطفل الخطيئة الذي أشار البطل السارد على انه من صلبه، وأشار عبد الرحمن في وصيته على انه نتيجة لعلاقة غير شرعية، بين شيرين ومقاتل فُقد في جبهات القتال، مثل هذا الطفل رمزية لكل إفرازات الحروب ونتائجها السلبية، والقرين السيئ الذي رافق العراقيين بعد انتهاء تلك الحروب،  (وهكذا تهيأت شيرين وتأهبت لقذف الجنين من عرشه الأمومي إلى حضيض ارضي، افقه حروب لا أهداف لها سوى إغراق بيادق البشر الهائمين في عجز جنسي لا حدود له).. وفي جانب آخر مثلت شيرين رمز للمرأة العراقية التي عانت من ويلات الحروب ونتائجها، وأما غرفة العناكب فقد مثلت ارض الوطن، الذي أغرقته الحروب بطوفان من الدماء والأيتام والأرامل والمعاقين:

هذه البقعة الملعونة من الأرض : غرفة العناكب.

ورددت الجدران فجأة صدى العبارة:

- هذه البقعة الملعونة من الأرض!

وتجرأت أن ارفع صوتي وأكابر:

- كيف تصبح ارض الأنبياء ملعونة ؟!.

 

احمد عواد الخزاعي

 

 

هي القصيدة التي تميل إلى النظر إلى الاشياء من زاوية واحدة فلا تتضح بغيتها بسبب الابهام الذي يكتنفها ما بين اليقظة والحلم ولا يتضح مرادها بسبب غلالة الترميز التي تحيط بها وعادة ما يوظف فعل النظر فيها لا بقصد الإبصار؛ بل التبصر.

ويغلب هذا النوع من قصيدة النثر على الكتابات الشعرية التي هي أقرب للخواطر والانثيالات الشعورية ذات النقلات الدلالية من دون ضابط أو معيار حيث الأنا تتحرك في شكل شطرنجي من حال الى حال متقلبة هائمة حائرة ومتضاربة تتشتت أفكارها وتزوغ مدياتها فلا تكون رؤياها للعالم متضحة.

وعادة ما تشيع هذه الكتابة الشعرية في النصوص التي تحمل صوتا نسويا سواء كتبها الرجل أو كتبتها المرأة مادام للأنثى فيها حيز مركزي.

والقصيدة الناظرة من ثقب الباب، قصيدة تغاير المنطق في إدراك الاشياء وفهمها وهي تجد للمحسوسات بعدا يقلب المرئيات إلى لا مرئيات، بمعنى أن النظر كفعل فيزيقي تواصلي يتحول من تداوليته الاشارية المباشرة الدالة على الابصار والرؤية الى دلالة أبعد غورا تتعلق بفعل تجريدي يحمل أبعادا تفكرية تأملية تنساح في الما ورائيات. ومن أمثلة هذا المبنى في كتابة قصيدة النثر مجموعة( أحاول دحرجة الايام) للشاعرة فرح الدوسكي فتقول مثلا في نص( بغداد):

انظر اليك بارتباك

من ثقب عباءة الغرباء

أرى ممالك الفقراء مفتونة برواية

لا تستيقظوا

والفراغ عندها هو المؤنس والمطلب ويظل الاختفاء هو اللعبة الأثيرة التي بها تتلمس الذات حقيقة وجودها في قصيدة( أراجيح متكئة) التي تتوسل فيها الذات بالسماع كوسيلة توصيل لإدراك ما حولها، لكن الاصغاء لنداء الذات نفسها هو الذي يخرج الانصات من وظيفته السماعية الحسية الى وظيفة تفكرية تدبرية لا حسية تتجرد فيها الذات من أي شعور بالـ( ما حول) لتنشغل بالتأمل الذي يحمل الانصات على بلوغه وإدراكه والبغية الظفر بكنه الروح الحقيقي: أين كانت ؟ وما تكونه ؟ وما الذي تتأمل في تكوينه ؟ لعلها تجد ذاتها وتحس بما حولها فتعرف موقعها من نفسها ومن الآخرين

إن الخيبة من الزمان ومكابدة لوعة الفراق والحنين تجعل القصيدة نسوية تسير نحو اللازمان واضعة ثقتها بالمكان الذي يستبدل الزمان( الغد ) ويحل محله.

 وقد تهادن الذات ما حولها حالمة بيوتوبيا من النجوم والفراشات على أديم من ورود وندى، لكن كآبة الأنا الفردية تجعلها رهينة سجن ليس فيه إلّاها، مشتتة ميتة وحية معا، باحثة عن ملاذ ينقذها من عزلتها، فلا تجد بدا من النظر من ثقب الباب.

وقصيدة النثر ذات المبنى الناظر من ثقب الباب هي في الأغلب قصيدة نسوية لكنها لا تقتصر على الشواعر وحدهن؛ بل يمكن أن تنطبق على ما يكتبه الشعراء أيضا كون التوصيف بالنسوية ليس رهنا بالكاتب كمذكر أو مؤنث إنما هو رهن بالقصيدة نفسها وما يحويه نصها من دلالات تتموضع في سياقات أنثوية.

 وقد نلمح في قصيدة النثر تقولبات شعرية لها شكل انزياحي دال وموح، والسبب أن الذات سابحة في عالم يوتوبي حالم حيث لا زمان لها ولا مكان.

وعلى الرغم من أن الذات الشاعرة لا ترى إلا من ثقب الباب وقصيدة النثر لا تتجاوز عندها التعامل مع ما هو مرئي إلا إن هذا الجزء الواقعي المرئي هو ممر الى رؤية ما هو تخييلي لا مرئي وبما يوصل الذات الى رؤيا العالم..

 فيتحول تشظيها الى الآخر الذي تراه ناقصا إن لم يكن متلاشيا ولن تشعر بحضوره إلا مستلبا بكينوتها مصادرا وجودها وبسبب هذه الاسلبة تصبح قصيدة النثر ناقمة على الاخر الذي ستتعدد صورته وقد تتسرب في ذاكرة الانا المؤنثة كغائب غير حاضر.

وما بغية القصيدة الناظرة من ثقب الباب إلا تتصالح مع العالم متوخية الاعتناء بنفسها مع عدم الاكتراث بغيرها متلفعة بالغياب ومتوارية بالغموض صانعة لها صرحا من المثالية وعالما من اليوتوبيا فيها الاشياء موصوفة ومرتبة بحسب ما تريد تلك الذات في عالم خاص ليس فيه للادلجة أي مكان. 

وعادة ما تتشكل قصيدة النثر الناظرة من ثقب الباب نصا سرديا كل شيء فيها يتحرك وينبض وينطق ويهتف وأما تفاصيل اليوم المعيش فانها صالحة للشعر ما دامت العين الراصدة تلتقط تفاصيل مكانية تسيح فيها اللحظة السردية في رؤية هلامية حيث لا تتوضح أبعاد المشهد إلا من زاوية واحدة، والسبب أن الانا ترى من ثقب الباب

وهذه القصيدة لا تنتجها الا ذات ترى حالها بالانزواء وهي تخاتل الآخر مفردا وجمعا بوعي يشوبه الغموض وعقل يتدارى خشية ووجلا. والزمن القادم كابوس أليم وعادة ما لا تفارق حدود هذه القصيدة حيز المكان المعيش كالغرفة مثلا او اي حيز تعتاده بشكل مكرر، مسجلة يوميات الشاعر كلحظات يقظته ونومه أو طبيعة حركاته وسكناته ملتقطة صمته وسكونه راسمة هدوءه وعربدته تعقله وجنونه.

ولا تخلو كتابة هذه القصيدة من واقعية لكنها واقعية موهومة أو واهمة بسبب سوء الفهم الناجم عن اللااكتمال في الرؤيا التي تبصر الاشياء من جانب واحد.

هذا ما يجعلها بالنسبة للذات الشاعرة كيانا حيا نابضا ومتحركا تحاول الذات أن تبني معه شراكة او صداقة أو لعل هذه الذات تتمكن من أن تتبنى القصيدة كوليد أو ربيب تعاهده بالرعاية وتتكفل بكل متطلباته.. والهدف ألا تضيع الذات وأن يكون لها ما يربطها بالوجود ويشعرها بالأبوة او الأمومة فتركن إلى واقعها وتتفهم منغصاته بلا عصاب أو توتر.

وهكذا يبدو هذا النوع من قصيدة النثر لا كنص من كلمات وبنى.. وإنما ككائن أثير وهلامي وجزء صميم من تكوين الذات. وهذا الكائن الحميم حدوده البيت ومرتعه الغرفة فهو الطفل أو المرأة أو الابنة، ولأن القصيدة تظل تنظر من ثقب الباب لذلك لا يتعدى الالهام فضاء الذات وحضنها وحدود الكتابة فيها لا تتجاوز الغرفة التي تظل المكان الاثير لولادة القصيدة ولعل تسميتها بالقصيدة الغرفة سيكون ملمحا من الملامح المميزة لقصيدة النثر ذات المبنى الناظر من ثقب الباب لتنغلق على نفسها داخل فضاءات كتابتها منشغلة بخصوصيات صغيرة وشخصية تجد فيها الذات إرهاصات ابداعها التي تنصهر فيها شعرية النص ضمن حميمية المكان ليكون المنتج وليدا فتيا لكنه أصيل، فهو جزء من فضاء البيت وأثاثه وموجوداته .

 

د. نادية هناوي

 

اسست السردية الروائية حضورها المعلن على النتاجات الأبداعية جميعها، وتفوقت في قراءة الواقع المعاش بظروفه الضاغطة، والمعتمة، وقدمت نقدها المعلن لكل ماهو ممنوع ومحظور، لنجد ذاتنا امام سردية ناطقة لذاتنا الغائبة، ولنكمل قراءة الفكرة قبل الوصول اليها ؛ لأن المتن السردي انطلق من عقم الواقع المعاش.

و باتت هذه الظاهرة محوراً رئيساً في عديد من الكتابات الروائية، لتتحول الرواية إلى واقع معاش تحمل جانباً كبيراً من الشجن، وهي في الوقت نفسه رواية ذات بُعد ثقافي،  إذ تتنوع الآراء والمداخلات بين شخصيات الرواية لكن التقاء هذه الآراء يصب في منبع واحد هو نقد ضغط الواقع المعاش تحت سطوة السلوك والممارسات السياسية.

وتسجل الراوية الواحدة محاور عدّة تنطلق من فكرة أساس وتجتمع في الفكرة ذاتها، فداخل المتن السردي الواحد نرصد  نقداً للواقع، ونقداً للسلطات الضاغطة، ونقداً للواقع اليومي، وجلها جاءت من ايمان حقيقي بفكرة النقد بوصفه نقداً صادراً عن قناعة راسخة في الذات الكاتبة بفكرة نقد الممنوع .

وتقترب رواية (طشاري)  مع مثيلاتها من الروايات في تقديم قراءة لواقع اجتماعي معاش،فـ (الدكتورة وردية) بطلة الرواية تجسد معاناة الإنسان العراقي ما بعد (2003) الذي يعاني اجبارية الخروج من وطنه بفعل الطائفية القاتلة، التي هي من صنع السياسة الموظفة لرداء الدين، الذي حقق وجوده المعلن والطوعي عهلى الشارع العراقي، وهمش الكثير من القوميات العراقية الأصيلة.

كانت الدكتورة وردية قد ذهبت إلى فرنسا، والذاكرة الاسترجاعية  من الوعي لديها دفعتها، للقول: ̏ جزار تناول ساطوره وحكم على اشلائها أن تتفرق في كل تلك الأماكن. رمى الكبد إلى الشمال الأمريكي، وطوح بالرئتين صوب الكاريب وترك الشرايين طافية فوق الخليج ̋ .

ومثلت الدكتورة وردية الشخصية المحورية  في عرض فكرة المتن السردي، وتقديم قراءتها لسوداوية المشهد المعاش، وعقم الشارع العراقي، الذي تحول إلى معدوم، ومسيطر عليه من الغير، الذي يملتلك(الساطور)، والفكرة استمدتها من (ابو طبر) الذي سيطر على شوارع بغداد ماضياً، وها هو الماضي يعيده الحاضر بالصياغة ذاتها، ولكن بفكر ايديولوجي حديث.

و(براق) ابن الدكتورة وردية شخصية رافضة لسلوك وممارسات لعبة الاقتتال الطائفي بين الطبقات الاجتماعية، إذ كان أحد المساهمين في (المواكب الحسينية)، ̏ يبدو براق في الصورة مرتدياً دشداشة في الموكب الحسيني ̋ .

فـ (طشاري) من الروايات التي تألفت في نسيجها مع صورة الواقع لاسيما في قولها: "ملثم وبعضهم مسلح وبعضهم ملتح والباقي يبدو أنه في ورطة وجودية فـ "لا" أحد يعرف لمن يأمن وممن يخاف والشوارع مقسمة حسب الطوائف".

فالخوض في هذا المجال يولد لدينا بُعد نظر وإدراك لفنية الروائية في استثمار الواقع الاجتماعي في بناء سردية تنقل واقعنا المعاش.

فالمتن السردي خص القول بـ (البعض) وليس (الكل)، وعمدت إلى هذا التصنيف؛ لأن النصف الثاني في (ورطة وجودية)، ووظفت الفعل المضارع ( يأمن، يعرف، يخاف) وهو إشارة إلى استمرارية المشهد المأساوي.

أمَّا رواية (امرأة القارورة)، فقد عمد (الراوي) فيها إلى سرد الواقع المعاش ايضاً، قائلاً: ̏ هل من الضروري أن تسحق روحي وتنقطع أوصالي، لكي يجلس القادة المحترمون في النهاية إلى طاولة المفاوضات لنقاسم بضعة كيلومترات عند حدود ملطخة بدماء ملايين يائسة،  ثم هل تضمنون لي أن هؤلاء القادة، بعد الانتهاء من مفاوضات الحدود،  سيتفاوضون مع الرب لارجاع حياتي التي نهشتها دباباتهم وبعثرتها قنابلهم ؟ ̋.

فأكثر ما يحاكيه المتن السردي هنا هو المجتمع، ويجسد النص حالة الاستبداد السياسي والبؤس الفكري والحضاري للحكام المستبدين.

ويمثل المتن السردي ثورة تحريضية يفضح صمت الاستبداد والظلم والضغط السياسي؛ لأنه يعاني المرارة والألم السياسي بوجه العموم، والألم الشخصي للإنسان المضطهد بوجه الخصوص.

وينقسم المتن السردي على قسمين يجمعها استفهام واحد، وكأن القارئ يقرأ جملة استفهامية واحدة، مقسمة على مقاطع داخلية استفهامية:

1- (هل من الضروري أن تسحق روحي وتنقطع أوصالي؟).

(هل تضمنون لي أن هؤلاء القادة، بعد الانتهاء من مفاوضات الحدود، سيتفاوضون مع الرب لارجاع حياتي...؟) وعليه فالنص يذهب ليقدم  نقداً من نوع جديد، ويرسم مصالح الحكم،عن طريق توظيف الفعل المضارع (تسحق، تنقطع، يجلس، تضمنون، سيتفاوضون)،الذي يحمل عنصر الديمومة بالتسلط والطغيان

يكشف النص عن حاجة، هذه الحاجة = مصلحة التمسك بالحكم      نهب الثروات، زيادة الطغيان، التعسف بالرأي، فرض الاستبداد..الخ.

أضيف، القراءة التي تقدمها السردية العراقية، لم تأتِ من فراغ، أنما من وعي تام من كاتبها، وكاتبتها، وقراءة نابعة من سوداوية المشهد المعاش، الذي سيطر عليه السذج.

 

بقلم: د. وسن مرشد

 

893 اوماالشعر ضرب من الجنون المتواصل، اكتشاف للكهوف البلورية القابعة في ذواتنا، تلك الثقوب السوداء المستترة في أعماقنا، لا سيما عندما يكون العشق موضوعا شعريا، مثلما هو الأمر في ديوان "أناديك قبل الكلام" للشاعر إبراهيم قهويجي، الصادر عن منشورات اتحاد المبدعين المغاربة، فما تجليات حضور العشق في الديوان؟ وكيف يوحّد العشق ذوات متعددة لتنصهر في ذات واحدة؟

- تراجيديا العشق/المرأة

الحب درجات وأنواع كما قال ابن حزم الأندلسي، وهو الخيط الناظم لقصائد الديوان، منبع لا يكف شاعرنا من التزود منه باستمرار، وهو يحضر بأشكال مختلفة، غير أن أولى تجلياته تتبدى من خلال الشكوى والتغني بألم الهَجر والبُعد، وصعوبة الوصل أو استحالته كما في قصيدة "ذات الأجنحة الأربعة"، حيث يقول الشاعر:

يا ذات الأجنحة الأربعة

هل ينبغي أن أسافر... ص 17

في السطر الشعري الأول، وظف الشاعر أداة نداء البعيد ليخاطب قريبا منه، قُرب مادي أو معنوي، حضور فيزيائي أو على صورة طيف أو ذكرى أو شبح، وقد أنزله شاعرنا منزلة البعيد، وإن كان قريبا، إما لغفلته أو إعراضه عنه، وهذا ما جعل القصيدة برمتها انزياحا شعريا، مجازات واستعارات وتشبيهات، كلها للتعبير عن محنة الشوق والانتظار وألم البعد، نداء البعيد، نداء للقابع في ذات الشاعر، البعيد الذي يوّلد حرقة الأسئلة، وصعوبة سلك الجسر الممتد بينهما:

كيف أبدد... ص 21

فهل نزغك من نوري له انفصال؟ ص 22

هل أضعت مفتاح باب المغفرة؟ ص 25

هكذا يتحول البعد وحرقة الأسئلة إلى انكسار في قصيدة النسر الملكي، انكسار وتيه، فقد طال البعد، واصطدم الصراخ والأنين بآذان صماء، وبهذا تردى شاعرنا في هوة سحيقة، ولوج لعوالم قصية غير مأهولة:

أنا النسر الملكي المتسلل إلى ذاكرة اليباب

لا أملك غير عش تعشقه الرياح... ص 27

أي عش هذا الذي تعشقه الرياح؟ إنه اللاستقرار، واللاجدوى، واللامعنى، ويستمر العشق، ويستمر الانكسار والتيه في قصيدة "أناديك قبل الكلام" و"حبيبة فوق العادة"، فهاهو يقول:

رأيت بيني وبينك ألف مقام

ولما اقتربت من واحد

احترقت.... ص 32

هكذا يحافظ العشق على وجوده في ظل هذه المسافة الفاصلة بين ذات الشاعر ومخاطبه، فهذه الحواجز والمتاريس هي التي تبقي على العشق، إنه حب تراجيدي، حب مأساوي، فما أجمل قوله:

وتمضغني أغنياتك

وتحتفلين

أنا اللاهث خلفك

والسنين... ص 38

- تراجيديا عشق المكان والهوية والإنسان

يستمر العشق والشكوى وتباريح البعد في الجزء الثاني من الديوان "أغنية لأرض قديمة"، عشق المكان غزة "ردي الكلام"، إن إبراهيم قهويجي يتنفس عشقا، هذا العشق الذي ينتصر للإنسان في زمن الفوضى، العشق الذي نعرف به أنفسنا، يقول:

غزة يا أمي

موصدة المعبر

والصمت عميق... ص 43

وهو نفس البعد الذي يفصله عن المرأة/حبيبته، وهي المسافة نفسها التي تغذي عشقه المنهمر في أرجاء القصيدة، بل يستمر عشق القصيدة واكتشاف الذات، عشق الغائب والذكرى، عشق الرحيل والغربة. هكذا يتجاوز العشق علاقة الرجل بالمرأة، معشوقات الشاعر كثيرة ومتعددة، ويستحضر بعضها في هذا الديوان "أناديك قبل الكلام" انتصارا للإنسان في عصر يمكننا أن نطلق عليه ما بعد الإنسان.

 

عبيد لبروزيين

 

ثائر العذاريعلى الرغم من الطاقات الجمالية الهائلة التي يتمتع بها تكنيك السرد بضمير المخاطب فإنه لم يحظ بما يناسب ذلك من الدراسة والتنظير، وقد يكون أهم ما كتب في الموضوع ورقة براين ريتشاردسون (The Poetics And Politics Of Second Person Narrative) التي نشرها عام ١٩٩١ وترجمها إلى العربية د.خيري دومة في سياق اهتمامه الكبير بالموضوع وهي متاحة على صفحته في موقع أكاديميا، ولكننا نعتمد في هذا المقال النص الأصلي.

يبدأ ريتشاردسون ورقته بشكوى مرة من إهمال من اشتغلوا بنظريات السرد لهذا التكنيك، ويلوم بعضهم بالاسم كما فعل حين ذكر واين بوت، ثم يستعرض الكثير من الأعمال السردية المهمة التي كتبت بضمير المخاطب ويحاول تصميم تصنيف يستطيع استيعاب طرائق السرد بالمخاطب.

ولا يمكن إغفال كتاب د.خيري دومة (أنت، ضمير المخاطب في السرد العربي) لأنه الوحيد في بابه، ويشير في مقدمته إلى أهمية الموضوع وسعته، حتى أنه يرى أن كتابه سيظل مفتوحاً لإضافة فصول أخرى. وهو يبني الكتاب على فكرة (الحديث) أو توجيه الخطاب إلى مخاطب مفترض وهي فكرة قارة في الأدب العربي القديم التي بلغت أقصى نضجها- كما برى- في كتاب التوحيدي (الإشارات الإلهية)، تم ينتقل إلى تمثلاتها في السرد العربي الحديث كما رصده في أعمال طه حسين ويوسف إدريس.

ونريد في هذا المقال التركيز على الشكل الأكثر جمالاً من هذا التكنيك، حيث نرى العالم بعيون المخاطب نفسه فيكون هو بطل العمل السردي كما فعل ميشيل بوتور في رواية (التحول) التي نشرها عام١٩٥٧ وترجمتها إلى العربية د.هناء صبحي عام٢٠١٠ والتي توقف عندها ريتشاردسون طويلاً:

وضعت قدمك اليسرى على الفرضة النُحاسية وبكتفك اليمني تحاول عبثاً أن تدفع الباب المنزلق، أكثر قليلاً.

تدلف عبر الفتحة الضيقة وأنت تحتك بحافتيها، ثم تنتزع حقيبتك المغلفة بجلد مُحبب غامق في لون قنينة دكناء، حقيبتك الصغيرة جدا لرّجل تعوّد الأسفار الطويلة….

يبدو في هذه البداية أن الراوي يحدث المخاطب عن نفسه كما تفعل العرافات، لكننا نكتشف مع تقدمنا في القراءة أن الراوي هو البطل المخاطب نفسه، فضلاً عن احتمال إحساس القارئ بأنه هو المعني بالخطاب. وهكذا يصبح الراوي والمروي له والقارئ واحداً، وهنا يكمن جمال هذا الأسلوب السردي.

ثمة أنماط متعددة لتوظيف السرد بضمير المخاطب، قد يكون أهمها ما سماه ريتشاردسون النمط المثالي، الذي يبدو فيه الراوي كما لو أنه ضمير البطل فيخاطبه بنبرة محاسبة، كما فعل طالب الرفاعي في متواليته القصصية (الكرسي) التي كتبت كلها بضمير المخاطب:

"لا يمكن.."

صرخت تكلم نفسك كالمجنون وأنت تلمح الساعة الثامنة والنصف.. نهضت، لم تستطع البقاء جالسا في مكتبك، خرجت

تغلي بغيظك:

"سأقتله الليلة".

 هذه بداية القصة الأولى التي يعيش بطلها ضابط الأمن موقفاً درامياً بين رغبته في تعذيب معتقل سياسي ورغبة في اللحاق بموعد مع فتاة في شقته، غير أن السرد يضمير المخاطب أعطى القاص إمكانية محاسبة الراوي للبطل، مع أنهما ذات واحدة، فنحن لا نرى إلا ما يراه البطل نفسه حتى أن بالإمكان إعادة كتابة القصة بضمير المتكلم، لكن أسلوب الخطاب أعطى القصة بعداً آخر يعبر عن إزدواج الذات الإنسانية بينما نفعل و ما ينبغي أن تفعل. ويغلب على هذا النمط أن تعلو فيه نبرة الوجدانية وأن يكتب بالزمن الحاضر فيصور ما يحدث الآن.

أما النمط الثاني فهو ما يمكن أن نسميه الإيهامي، وفيه يذكر الراوي وهو يخاطب البطل أشياء لم يكن البطل قد رآها، وفي هذه الحالة سيقع القارئ فى حيرة السؤال عن كنه الراوي وهويته، والمثال النموذجي هنا هو رواية (خرائط) التي نشرها الروائي الصومالي نورالدين فا رح عام ١٩٨٩ بالإنكليزية و ترجمها إلى العربية سهيل نجم عام ٢٠٠٥، وفيها:

عند الفجر، حين أفشت المرأة سر عثورها عليك لبعض الجيران، تولى الرجال أمر دفن أمك. لاحظت مصرا، وهي تخلو بك، أن عينبك مشحونتان بالريبة. إنهما تحدقان فيها، تركزان النظر على يديها بشك!

لا يمكن هنا أبداً إعادة صياغة المقطع بضمير المتكلم لأن هذه أحداث لم يرها البطل، بينما يمكن صياغتها يضير الغائب. مع أن معظم الرواية تتحدث عن العوالم الداخلية للشخصيته، وهكذا يونعنا فا رح في لعبة الضمائر التي يتخفى بوساطتها بطل روايته لأننا نكتشف فيما بعد أن كل ما مر ليس سوى تيار وعي البطل صيغ بصيغة المخاطب.

أما النمط الثالث وسنسميه نمط الأمر والتوجيه، إذ يستغل السارد هنا إمكانات الأمر والتوجيه التي يتيحها ضمير المخاطب، فيصدر الراوي اوامر للمخاطب ويتخيل ما سيحدث في الخطوات التي تلي تنفيذ الأمر، وهذا هو الأسلوب نفسه الذي استعمله التوحيدي في (الإشارات الإلهية)، وهو الأسلوب نفسه المستعمل في الإعلانات التجارية مثل (استعملي حبوب التنحيف كذا وبعد أسبوعين قومي بقياس خصرك وسيذهلك الفرق)، ومثال هذا النمط المقطع الذي اقتبسه ريتشاردسون من قصة (كيف) للقاصة لوريا مور:

إبدئي بلقائه في الصف، أو في البار، أو في مهرجان تخفيض أسعار، قد يكون مديرا لمحل قطع الحواسيب، أو رئيس عمال معمل الورق المقوى، سيكون راقصا جيدا، وستكون تسريحة شعره مثالية…

ومع أن القارئ لن يشعر بالتطابق مع هذا البطل فإنه لن يستطيع التخلص من محاولة التماهي معه.

ثمة إمكانات وأنماط أخرى يتيحها السرد بضمير المخاطب، لكنها جميعا تشترك في إحداث هذه المفارقة، الراوي والمروي له والبطل كلهم واحد، لكنه واحد تشظى ليصبح ثلاثة.

 

د. ثائر العذاري

 

أمام توالي الهزائم العربية والانفتاح على الثقافة الغربية وخصوصا الاطلاع على أعمال كارسيا ولوركا وتوماس اليوت ,, توفر للشعراء العرب قدر من الحرية الابداعية وأصبح لزاما عليهم البحث عن أشكال شعرية جديدة تتناسب وطبيعة المرحلة، فكانت الثورة على النموذج التقليدي شكلا ومضمونا، حيث برز جيل من الشعراء الشباب الذين حملو مشعل الثورة نذكر منهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور ويوسف الخال وعبد الوهاب البياتي،ويعد محمود درويش أحد الشعراء الذين تبنوا نظرة المعاصرين والحداثيين في نظم الشعر، وخير دليل على ذلك قصيدة (جواز السفر) لمحمود درويش الماثلة أمامنا والتي اخترناها نموذجا للتحليل. فإلى أي حد تمكن محمود درويش من خلال هذه القصيدة من التعبير عن النموذج الشعري الجديد من حيث البناء والتركيب والدلالةا؟ .

إن المتمعن في عنوان القصيدة (جواز السفر) الذي يشير إلى تأشيرة الدخول إلى بلد جديد؛ غير البلد الأصلي. يتأكد من حضور موضوعة التنقل من مكان إلى آخر بما يعنيه من غربة وضياع وعزلة ووحدة في البلاد المستقبلة، كما أن الدلالة النصية تفصح عن ذلك من قبيل (تمتص لوني في جواز السفر- جرحي عندهم معرضا لسائح يعشق جمع الصورر- كل العصافير التي لاحقت كفي على باب المطار البعيد- عار من الاسم من الانتماء- في تربة ربيتها باليدين..) ولفظاعة الأمر لجأ إلى النفي الذي خرج عن دلالته الحقيقية إلى دلالة جديدة استلزمها السياق تتمثل في (الإنكار) في قوله:

لا تجعلوني عبرتين مرتين

لا تسألوا الأشجار عن اسمها

لا تسألوا الوديان عن أمها

إنها حقيقته التي تعلو جبهته (ومن جبهتي ينشق سيف الضياء- ومن يدي ينبع ماء النهر- كل قلوب الناس جنسيتي)، وكان لابد أن يصيح صيحة مدوية ؛ صيحة آمر مظلوم ليفك قيده، ويصبح بالتالي حرا في أرضه، ويسقط عنه جواز السفر الذي يقيده، وتحط عنه حقائب الترحال والتنقل من بقعة في العالم إلى أخرى (فلتسقطوا عني جواز السفر) . إن المعنى العام للنص لا يقف عند حدود تتبع مقاساة الشاعر ومعاناته مع التهجير، بل ينفتح على دلالة حضارية عامة تمس حالة الإنسان المعرض لاستبداد القوة الظالمة التي تعتو فسادا في الأرض، وخاصة الإنسان الفلسطيني الذي ذاق ومازال يذوق مرارة الإبعاد عن أرضه على مرأى من العالم، وهكذا يتجسد في النص البعد الكوني الذي ينطلق من قضايا الذات ليعبر عن معاناة الإنسانية .

 

وتجلو هذه الدلالة العامة للنص الشعري من خلال عدد من الحقول الدلالية المسخرة في القصيدة من قبيل: حقل السفر (جواز السفر- باب المطار البعيد- قد أسقطوها من جواز السفر- كل الحدود- عار من الاسم- جنسيتي)، وحقل المعاناة (لم يعرفوني- شاحبا كالقمر- كل السجون- كل الحدود- كل القبور البيض)، وحقل الطبيعة (الظلال- شمس- الشجر- القمر- العصافير- حقول القمح)

وقد تضافرت هذه الحقول الدلالية لتُعري البؤرة الدلالية للقصيدة المؤسسة على الغربة والضياع والمعاناة حتى أن عناصر الطبيعة شاهدة على ذلك، لأنها رافقت الشاعر، بل يجدها في طريقه أثناء تنقله ورحيله في وقت غاب فيه المشفق والرفيق، كما غابت فيه كل القوى الحية الإنسانية والدولية. وقد احتفى النص بطابعه الإخباري المؤسس عن طريق مجموعة من الأساليب الخبرية التي سعى من خلالها الشاعر إلى نقل حالته وحالة شعبه المأزومة، وفي ذلك أيضا تعريف بقضيته الإسلامية والإنسانية، وتتجلى في قوله: (جرحي عندهم معرضا لسائح يعشق جمع الصور- كفي بلا شمس- لأن الشجر يعرفني- تعرفني كل أغاني المطر)، بيد أن سيادة الطابع الإخباري على القصيدة لا يحجب ظهور الأساليب الإنشائية المؤكدة للنفي الإنكاري الذي ذكرناه سابقا (لا تتركني شاحبا كالقمر- لا تجعلوني عبرتين مرتين- لا تسألوا الأشجار عن اسمها- لا تسألوا الوديان عن أمها). فكل هذه الأساليب يستنكر بها الشاعر عما تعرض له من ظلم ويطلب بها التخفيف من معاناته من خلال إنكار سؤال الأشجار عن اسمها، وسؤال الوديان عن أمها، لأن تلك الحقيقة معروفة ولا شيء يحجبها، كما أن ما آلت إليه حالته دعته إلى التعجب في قوله: (لا تتركيني شاحبا كالقمر!- قد أسقطوها من جواز السفر!- لا تجعلوني عبرتين مرتين! فلتسقطوا جواز السفر!)، والنداء الذي شمل الغائب (يا سادتي الأنبياء) الذي لا يرجى منه العون في ظل موت الحي.

فكل هذه الأساليب الإنشائية خرجت عن دلالتها الحقيقية إلى دلالة جديدة اقتضاها السياق لتدل على إنكار ما يتعرض له الشاعر من تهميش وإقصاء وإبعاد عن وطنه، وقد تبلور الفعل المضارع الدال على التحول والدينامية في القصيدة ليبرز حالة الشاعر الموصوفة بعدم الاستقرار والثبات في المكان في الحاضر والمستقبل نحو قوله (يعرفوني- تمتص- يعشق- يعرفني- تتركني- تسألوا- تجعلوني- ينشق- ينبع)؛ وهي التنقل من مطار إلى مطار، ومن بلد إلى بلد طلبا للجوء، وفي المقابل نجد الأسماء شاخصة، بل وشاهدة على ما تعرض له الشاعر من اضطهاد في أرضه ومن غربة في أرض غيره، وهي مواقف صرح بها عدة مرات مثل قوله (حقول القمح- السجون- القبور البيض- الحدود- المناديل- قلوب الناس- أيوب صاح)، وقد دعمت هذه الأسماء بعدد من الكلمات المكررة خاصة لفظة(كل) الدالة على العموم والتي تكررت عبر القصيدة ثمان مرات، وإلى جانبها نجد كلمات أخرى مكررة (يعرفوني- جواز السفر- سادتي- تسألوني..). وللحذف في القصيدة أهمية كبرى في تعرية الدلالة، وذلك بجعل القارئ يؤول ما تبقى من المعاني التي يسعى الشاعر إلى تبليغها، وقد شغل في النص حيزا لا بأس به، حيث لامسناه في خمسة أسطر شعرية هي:

لأن الشجر يعرفني...

تعرفني كل أغاني المطر...

كل السجون...

كل الحدود...

كل قلوب الناس...جنسيتي

وللصورة الشعرية قوة إقناعية وتأثيرية وتعبيرية، وجمالية أيضا في الشعر الحديث بصفة عامة وفي القصيدة على وجه الخصوص نظرا لطبيعتها الانزياحية ونظرا للوظيفة الايحائية والرمزية التي أصبحت تؤديها اللغة في الشعر الحديث، حيث أصبحت اللغة المهيمنةهي لغة الإشارة والرمز لا لغة الوضوح، كما أضحت تقول ما لم تتعود قوله على حد تعبير أدونيس، ومن الأمثلة على ذلك في القصيدة:

كفي بلا شمس

لأن الشجر يعرفني...

لا تتركيني شاحبا كالقمر

كل العصافير التي لاحقت

كفي على باب المطار البعيد

من جبهتي ينشق وجه القمر

ومن يدي ينبع ماء النهر

فالصورة الشعرية في الأمثلة تقوم على الإسناد، حيث علق الشاعر صفات لموصوفات لم تكن لها في الأصل، فقد أسند الشمس للكف والمعرفة للشجر والملاحقة للعصافير، وفعل انشقاق وجه القمر للجبهة، وفعل نبع الماء لليد، وهذه الأشياء تكون في الأصل للإنسان الذي تتوفر في الصفات الآتية [+ كائن حي، + يتكلم، + عاقل، + إنسان]، فألحقت بغيره(الشمس، الشجر، العصافير) التي تتسم بكونها [- عاقل، + كائن حي، - يتكلم، - عاقل، - إنسان). وبفعل هذه الصور الشعرية الجديدةا ستطاع الشاعر التعبير بصدق ووضوح عن معاناته المتجلية في طرده من وطنه وتركه عرضة للضياع بين الحدود والمطارات التي شهد عليها الشجر والشمس والعصافير، وقد دعت هذه المعاناة الشاعر إلى التحلي بالصبر والتفاؤل الذي تجسد في رمزية أيوب الذي صبر على المرض والعدو حتى أتاه الله بالفرج في قوله (أيوب صاح ملء السماء). فحمولة الرمز الدلالية لا تبتعد عن تعميق الدلالة، وإعطاء الشاعر آفاقا أرحب في التعبير عن المآسي التي تلاحقه، وكأنه شبه نفسه بأيوب الذي ابتلاه الله بذلك المرض الخبيث، فهو صابر صبر أيوب رغم التعذيب والتهجير والتغريب الذي دلت عليه رمزية عناصر الطبيعة أيضا، لكونها ترافق الشاعر وهو على تلك الحالة (الشجر، العصافير، حقول القمح، السجون، القبور البيض).

وقد تشكلت معالم الإيقاع في القصيدة من خلال اختيار الشاعر لتفعيلة وزن الرجز ذي التفعيلة (مستفعلن) والذي يعد من الأوزان الصافية كالوافر والكامل والمتدارك والمتقارب، لكن الشاعر تعامل مع هذا الوزن تعامل مخالفا لتعامل القدماء كما سنوضح من المثال الآتي:

1- لم يعرفوني في الظلال التي

مستفعلن/ مستفعلن/ مستعل

2- تمتص لوني في جواز السفر وكان

مستفعلن / مستفعلن/ مستعل / متفع

3- جرحي عندهم معرضا

لن/ مستفعلن / مستعل

يتضح جليا أن الشاعر اعتمد بنية إيقاعية تتسم بالجدة في تشكيل معالم النص، فبفعلها لم نعد نتحدث في القصيدة عن الجزء، بل عن كل متكامل، كل جزء له أهمية كبرى داخل هذا الكل المتماسك العناصر وهذا ملمح من ملامح معمارية القصيدة الحديثة المتسمة بما يسمى بالكون الشعري الذي تغيب فيه الفكرة أو الصورة أو البيت الشعري المستقل بمعناه، وقد تحقق لها ذلك بسبب اعتماد تقنيات إيقاعية تتمثل في توزيع التفعيلة على الأسطر الشعرية بشكل متفاوت، حيث نلاحظ في المقطع الذي اعتمدناه نموذجا للتدليل على الإيقاع أنه يتكون مما يلي: (السطر الأول ثلاث تفعيلات، والسطر الثاني أربع تفعيلات، والسطر الثالث ثلاث تفعيلات..)، ثم اعتماد التدوير الذي يظهر في التفعيلة الأخيرة من السطر الثاني(متفع) التي تنتهي في السطر الثالث(لن) ثم اللجوء إلى الوقفة العروضية التي تنتهي بانتهاء العروض، والوقفة الدلالية التي تنتهي بانتهاء الدلالة والتي نلاحظها عند نهاية المعنى، وكثيرا ما يُغلب الشاعر أحد الوقفتين على الأخرى ففي قوله:

تمتص لوني في جواز السفر وكان

جرحي عندهم معرضا

لسائح يعشق جمع الصور

نلاحظ أن المعنى في السطر الأول انتهى عند كلمة (السفر)، لكن العروض لم ينته، لذلك غلب الشاعر الوقفة العروضية على الوقفة الدلالية، ومثل هذا كثير في القصيدة، غير أن المتحكم فيه هو ما يسمى بالدفقة الشعورية التي تتحكم في قوة مشاعر الشاعر وضعفها، وبذلك تطول القصيدة أو تقصر. وإلى جانب ما ذكرنا نسجل أن الشاعر أكثر من الزحافات والعلل كالخبن (مستفعلن أصبحت متفعلن)، الطي (مستفعلن أصبحت مستعلن)، والقطع (مستفعلن تحولت إلى مستفعل)، كما نلاحظ أيضا أنه نوع في القافية(الصور- المطر- القمر- البعيد- البيض) والروي (الراء- الدال- الضاد- التاء- النون ...)، واعتمد عددا من الكلمات المتقاربة في صيغها لخلق نوع من الإيقاع الداخلي للقصيدة (يعرفوني- تعرفني- تتركيني/ لوني- جرحي- جبهتي/ السجون- القبور- الحدود- العيون..

تأسيسا على ما سلف اتضح أن محمود درويش يعد أحد رواد الشعر المعاصر الذين عملوا على تطوير القصيدة بانتشالها من رتابة نظيرتها الكلاسيكية على مستوى بنائها ورؤيتها للعالم،وقد شكلت هذه القصيدة نموذجا يُحتدى في التعبير عن تكسير البنية في الشعر العربي، حيث انطلق الشاعر من الذات وهمومها ليعالج القضايا الحضارية الكبرى، وأهمها قضية الشعب الفلسطيني التي أضحت قضية كونية، تجسد الظلم وانتهاك حقوق الإنسان على مرأى ومسمع القرارات الدولية، إنها رؤيا شعرية تجاوزت مفهوم الغرض الشعري الموجه لشخص بعينه، كما أن الشاعر تخلى عن الصورة التقليدية التي تتغيى التوضيح عن طريق التجسيد المادي المحسوس إلى صورة انبنت في أساسها على لغة جديدة تقصد التعبير عن طريق ما أضفاه عليها الخرق الدلالي من قوة هائلة في التعبير، وما ألهمها الرمز من تعميق دلالي كبير، بالإضافة إلى القوالب التي زينت شكلها العام كالسطر الشعري والتنويع في القافية والروي، واعتماد التفعيلة الموزعة بنوع من التفاوت بين الأسطر الشعرية المتفاوتة الطول والمحكمة التماسك عن طريق التضمين والتدوير والوقفتين العروضية والدلالية. وبكل هذه المقومات التي ذكرنا.  يحق لنا القول بأن قصيدة محمود درويش(جواز السفر) تعد بحق من أفضل النماذج الشعرية التي تعبر عن تكسير البنية وتجديد الرؤيا في الشعر العربي الحديث.

 

بلال الدواح باحث من المغرب

 

علي القاسميالغزالة

بقلم: علي القاسمي

ألفيتني، والقمرُ بدرٌ في ليلة تمامه، أُطيلُ النظرَ إليه من فُرجة الخيمة المنصوبة في العراء، فيبادلني النظرَ ويزداد توهُّجاً واقتراباً من الأرض حتّى  يلامس نهاية الأفق بحافته الدائريّة. وجدتني، وسكونُ البادية يشحذ حواسِّي، أستجلي لونَه الفضيّ، أتملّى حُمرته الذهبيَّة، فتستدير حدقتا عيني مع استدارته. ينغرز فيه بصري، يغوص في أعماقه، ويندمج فيه. أبصرتني مأخوذاً بأشعّته المتهادية نحوي، تغسل وجهي برفق، ويستحمُّ فيها جسدي، وتنسكب في  عينَيّ، وتتسرَّب منهما إلى أعماقي، فتنبثّ خيوطُ ضوئه في أوصالي دونما صوتٍ ولا نأمة. رأيتني مشدوهاً بسناه، مخدّراً بنوره، وهو يتغلغل بنعومةٍ إلى باطني، ويذوب فيَّ مثلما يذوب قالبُ سكّر في ماء دافئ، فأشعر بسكِينةٍ تلفُّ أحاسيسي، واسترخاءٍ يهدهد بدني، كطفلٍ على وشك النوم في مهده المتأرجح.

كنتُ أظنّ أوَّل الأمر أنَّني أحدّق في سطحٍ مستوٍ مشعٍ، غير أنّني أخذتُ أتبين رويداً رويداً تضاريسَ وظلالاً كالوشم في وجه القمر. ثمَّ تبدّى لي في وسط القمر أو قدّامه،كائنٌ حيوانيّ يتحرَّك قليلاً، ثمَّ يكفّ عن الحركة. ولم أدرِ تماماً ما إذا كان ذلك الكائن يكمن في القمر نفسه أم إنّه يقف على الأرض في نهاية المسافة الممتدَّة بيني وبين القمر. وراح ذلك الحيوان يَتًّجه صوبي فاتّضح لي  رأسٌ جميل يعلوه قرنان صغيران وتتوسطه عينان واسعتان، ويتّصل به جسمٌ ضامرٌله سيقان رقيقة. إنّها غزالة تتحرَّك نحوي ببطءٍ وتَرَدُّد، والقمر يؤطِّرها من خلف، حتّى صارتْ تغطّي معظمه. وأخذتْ تدنو منّي شيئاً فشيئاً، ثمَّ توقّفتْ إزاء خيمتي، وهي تنظر إليَّ فتلتقي عيوننا في صمت.

لم أَذُق طعاماً يُذْكَر طيلة ثلاثة أيامٍ في تلك الصحراء الشاسعة القَفْر الخالية من أيّ نبات أو حيوان أو أيّ شيء آخر ما عدا كثبانٍ رمليَّةٍ تنتشر فيها على مدى البصر مثل انتشار الأمواج العالية على سطح البحر. لقد نَفَدَ طعامي وأوشك مخزونُ الماء على النفاد، فلم أستهلك منه إلا قطراتٍ في فتراتٍ متباعدةٍ، تبلُّ شفتي ولا تكاد تبلغ ريقي. ولم تَعُدْ سيّارتي تساوي حبةَ رملٍ، بعد أن توقّفتْ عن الحركة لانعدام الوقود. ولم تكُن خيمتي المنصوبة في قلب الصحراء، كرايةِ حدادٍ منكّسة، قادرةً على حمايتي من لفح الشمس التي كانت تصهر كلَّ شيءٍ تحتها، وتحيله إلى رمل مسحوق. وهكذا انقضَّ عليّ القلقُ نسراً ينهش عصافير الأمل الفَزِعة في نفسي، وأخذ صِلُّ الخوف يدبُّ في أوصالي.

وهبّتْ في أعماقي ريحُ الحنين إلى المدينة وشوارعها ومقاهيها وحدائقها ونافوراتها. وعجبتُ لنفسي كيف تضجر بين الحين والآخر من صخب المدينة وزحمتها، وتتوق إلى صمت الصحراء وفضائها الغارق في السكون. هكذا كنتُ دوماً، حياتي كلُّها سلسلةٌ متصلةٌ من التناقضات. أَترعُ كأسَ الرغبة بالشوق، ثمَّ في لحظةٍ واحدةٍ أُهْرِقه على بساط الملل؛ أُحلِّق على جناح الأمل إلى قِمَم الفرح، ثمَّ سرعان ما أهوى متشظياً إلى سفوح البؤس؛ أُغنّي للوصل أحلى الأغاني، وفجأةً أقطعها لأنشج بكائيات الهجر والحرمان.

ودبّتِ الساعات بطيئةً ثقيلةً مثل سلحفاة خائفة منكمشة، وكَلّت عيناي من التحديق في  الصحراء التي تحاصرني من جميع الاتجاهات، وتحيط بي كثبانها الرمليّة مثل قلاع منيعة يستحيل اختراقها. وتحت وطأة الجوع الذي كان يعضّني بضراوة، وبفعل العطش الذي كان يجففني مثل قطعةِ لحمٍ قديد، هامَ عقلي في سراب من الهواجس والرؤى. ورحتُ أجترُّ خوفي وأمضغ قلقي. ومن ربوةٍ رمليّةٍ صغيرةٍ تشبه الرمس، ارتفعَ شبحُ والدي بكفنه الأبيض، مُمتطياً صهوة جواده الأدهم، متقلِّداًبندقيته، كما لو كان في طريقه إلى الصيد. واستقرَّ على كتف أبي، بومٌ أسودَ بدلاً من صَقْره المدلَّل. وراح كلبُه السلوقي يعرج بإحدى قوائمه المبتورة، وهو يتلفّتُ إلى الجواد الذي فُقِئَتْ عيناه. وعندما اقترب أبي منّي أوقف جواده، وانحنى عليّ، ومدَّ يدَه إليَّ، ورفعني من الأرض وأردفني وراءه على الجواد كما كان يفعل في صغري، ثم عاد من حيث أتى وأخذ جواده يغوص في ذلك الرمس الرمليّ وأنا معه، فأشعر بذرات الرمل تندس في أنفي وتخنق أنفاسي. 

نظرتُ إلى الغزالة الواقفة أمامي. عيناها الجميلتان تذكرانني بعينَيّ الحبيبة الكحيلتين؛ فيهما معاني المحبّة ورقّة الاستعطاف. ولها لفتة الجيد ذاتها كذلك. غير أنّ هذه الغزالةَ هي أملي الوحيد في الصمود بعض الوقت ريثما تصل نجدة ما أو تمرّ قافلة. رمقتُها بنظرة ولهى على استحياء. يا إلهي، كم أنا بحاجة لدمها يروّي ظمئي! وما ألذَّ لحمها! . التفتُ إلى البندقية الملقاة على أرض الخيمة، فتذكرت أنّها هي الأخرى لا تساوي حبة رمل، فقد أَمْسَت مجرد قطعة من خشب جامد وحديد بارد بعد أن نفدت ذخيرتي، بسبب محاولاتي المتكررة الفاشلة لإصابة ذلك الضَّبّ اللعين. كان يمرق أمامي كالبرق ثم يختفي في جحر من جحوره المتعددة في قَلْب الكثبان الرملية، فأظلُّ أُطلق النار بجنون على الرمل. وفي كلّ محاولة لم أحصل على شيء سوى دويّ هائل سرعان ما تشربه الرمال، وأبقى أردد بصوت عال متوتر عبارة "وضعي أعقد من ذَنَب الضبّ".

حدجتُ الغزالة المنتصبة أمامي بنظرة متلهّفة. توهّمتُ أنّ قوّة خفيّة  ساقتها إليّ لإنقاذي. نظرتُ إليها ثانية نظرة انكسار واعتذار. تحسَّستُ خنجري المشدود على بطني الخاويّ. لا بدّ أن أُمسك بها أوّلاً. مددتُ يدي على مهل تجاه فَمِها، كما لو كنتُ أقدّم إليها شيئاً تأكله. لا بدّ أنّ الجوع هو الذي دفعها صوب خيمتي. أَدْنَتْ رأسها من يدي وهي تشمُّ كفِّي الفارغة. نهضتُ بحذر، فجفلتْ وتراجعتْ إلى الخلف بخفّة ثم توقفتْ. تقدَّمتُ صوبها ببطء. اقتربتُ منها مادّاً يدي نحوها. تراجعتْ مرّة أخرى وأنا أتبعها حتّى ابتعدنا عن الخيمة وصرنا في وسط العراء.

التقتْ نظراتنا مرّةً أُخرى. لم أرَ منها غير عينيْها هذه المرَّة. استرعى انتباهي احمرارٌ شديدٌ أخذ يكسوهما، ويُخفي تلك النظرة المنكسرة الحنون. وبدلاً منها لاحت لي نظرةٌ قاسيةٌ مريبة. انزلقت عيناي عن عينيْها إلى بقية وجهها، فأدهشني وأفزعني في آنٍ، منظرُ أنيابٍ حادَّةٍ يكشِّر عنها الفكان. وسرعان ما صدر عواءٌ خافتٌ متقطِّعٌ يُنذر بالشرِّ. وقبل أن أستجمع شتات فكري المشدوه، أَحْسستُ بمخالبَ حادةٍ تنغرز في صدري وبطني، وبأنيابٍ شرهةٍ تمتدُّ إلى وجهي. وفي طُوفان الرعب الذي اجتاحني بفعل المفاجأة، اختلطت الأمور في ذهني. غير أنَّ الشيء الوحيد الذي تأكَّد لي هو سقوطي على الأرض مستلقياَ على قفاي، وفوقي ذِئْبٌ شرسٌ على وشك أن ينهش وجهي، ويقطّعه إرباً بأنيابه الحادَّة. وألفيتني أُطلق صرخةٌ رعبٍ تمزِّق سكون الليل، يتراجع على إثرها الذئب قليلاً، ليتأهَّب للانقضاض عليّ في هجمةٍ جديدةٍ حاسمة.

وفي غمرة اضطرابي، امتدتْ أَصابعُ يدي المرتجفة إلى خنجري، فاستللتُه من غمده، ثمَّ أمسكتُه بكلتا يديّ، وأسندتُه إلى صدري،كأنّي أحتمي به. وفي تلك اللحظة، انقضَّ الذئبُ عليَّ، بقفزةٍ هائلةٍ، فانغرزَ نصلُ الخنجر، في موضع القلب من صدره. ووجدتني في حالةٍ من الهيجان والصراخ، وأنا أغمد الخنجرَ، أكثر فأكثر في جسده، لينبجس الدم الحارُّ منه، فيغطّي وجهي كلَّه، ويندلق في فمي،ويُطفئ ظمئي.

.....................

من مجموعة قصصية عنوانها "دوائر الأحزان"، الطبعة الخامسة (الدار البيضاء: دار الثقافة 2019) الطبعة الأولى (القاهرة: دار ميريت،  2005)

***

سحر الحكاية في قصص علي القاسمي.. قراءة في قصة "الغزالة"

صعوبة القصة القصيرة:

بادئ ذي بدئ ينبغي أن نعترف أنه ليس من السهل أن تكتب قصة قصيرة، فتجارب العديد من الكتاب تشهد أنهم استهلوا حياتهم الأدبية بفن القصة القصيرة، وحين استحوذ عليهم الفشل وضاقت بهم السبل تحولوا إلى الرواية والشعر أو ممارسة النقد. ولعل نجيب محفوظ في مصر وإدريس الناقوري ونجيب العوفي في المغرب خير مثال على ذلك ورغم ذلك نجد بعض الكتاب امتطوا صهوة التحدي وأصروا على سبر أغوار هذا الفن واقتحام أدغاله مؤثرين المعاناة والمكابدة على السير في طريق معبدة. ومن هؤلاء نجد الدكتور علي القاسمي الذي نشر في الآونة الأخيرة العديد من القصص القصيرة في المغرب وفي المشرق على السواء. والغريب أن النقد لم يلتفت إلى ما صدر عن هذا الرجل رغم توافر العديد من عناصر الجدّة والجودة فيه، وكأن النقاد أبَوا أن يعترفوا به كاتبًا للقصة القصيرة، وفضّلوا أن يبقى في المجال الذي مارسه وبرع فيه ونعني به علم المصطلح وما يتعلق به. وقد صدرت له مؤخراً قصة قصيرة بجريدة يمنية قدم لها الشاعر الناقد الدكتور عبد العزيز المقالح بعبارات شديدة الإيجاز لكنها تحمل من غنى الدلالة وقوة المعنى  ما ينطق صراحة بنضج القصة واستواءها فنيا وبتنوع واتساع ثقافة صاحبها. يقول الدكتور المقالح متحدثا عن تطور الفن القصصي في الوطن العربي بعد أن استبد به الإعجاب بقصة الدكتور علي القاسمي وبقصص أخرى :    " ويكفي أن أقلية متميزة بدأت تكتب القصة القصيرة بمفهومها الأحدث وقد تحولت كتابة القصة عند هؤلاء من هواية إلى رغبة عميقة وإلى محاولة تتجاوز السائد في هذا الفن ليس على الواقع المحلى وإنما على المستوى العربي أيضا وأمامي وأنا أكتب هذه الومضات نماذج ترقى إلى أفضل مستويات القصة القصيرة في الوطن العربي والعالم بعد أن تخلت عن العبارات الإنشائية والوصف الفضفاض، واعتمدت الكلمة  الدالة الموحية، وهذا ما يجعلني أكرر مقولات سابقة حاولت أن تؤكد على حقيقة أن القصة القصيرة هي قصيدة العصر الحديث وأنها استطاعت بما امتلكه كتابها من موهبة وثقافة واسعة أن يأخذوا أجمل ما في الشعر وهو اللغة وأجمل ما في القصة وهي الحكاية ويخرجوا إلى القارئ بهذا المزيج البديع الذي يسمى بالقصة القصيرة المعاصرة."

وفي الحق أن حكم الدكتور المقالح ليس وليد قراءة عجلى وسريعة ولا نابع عن محاباة ومجاملة.

تستوي قصة الغزالة على رقعة مكانية صغيرة إذ غطت ربع صفحة لا غير، أي  ثلاثة أعمدة لا يتجاوز طول الواحد أربعين سطرا وكل سطر يتكون من بضع كلمات  لا يفوق عددها خمسا أو ستا على الأكثر وعمودا رابعا يتعدى الثلاثة بقليل. وتستغرق قراءة القصة ربع ساعة في أكثر الأحوال، وهي تنهض على موقف واحد تناوله الكاتب بكثير من الكثافة والتركيز اللذين تتطلبهما وحدة الزمان والمكان وهو ما أهلها أن تتمدد على سرير القصة القصيرة بجدارة واستحقاق ومن دون حاجة إلى الاستنجاد بسرير بروست .

سحر الحكاية:

باسم الحداثة، قام الكثير ممن يسمون أنفسهم كتّابًا بإخراج نصوص تتشكل من جمل متناثرة لا رابط بينها ولا معنى لها وسمّوها قصصا قصيرة تروم بناءً حديثاً يسعى إلى التجاوز و خلخلة أنماط السرد التقليدي وزحزحة أفق انتظار القارئ.  وعوض أن تجتذب هذه القصص القارئ وتستهويه حدث العكس، لأنها تفتقد تلك المتعة التي كانت توفرها كل أنواع السرد والتي تنهض أساسا على الحكاية ، صحيح أن الأجناس الأدبية في حاجة إلى التغيير والتطوير، لكن من غير أن تتلاشى المبادئ الأساس التي تكوّنها . فالتجاوز يتم في إطار القواعد نفسها التي يقوم عليها كل جنس .

إن الدكتور علي القاسمي شديد الوعي بهذه المسألة لذلك تجده يحرص كل الحرص على إضفاء طابع الجدة على كتاباته من غير أن ينزلق في متاهات الغموض، متسلحا بكثير من تقنيات الكتابة القصصية، وتجده أيضا يصر على إمتاع القارئ وإهدائه لذة القراءة من خلال حكاية مشوقة يمتزج فيها الواقعي بالمتخيل ويأخذ فيها العجائبي بعدا رمزيا.

العجائبية:

يحاول كثير من كتاب القصة والرواية توظيف العنصر العجائبي في أعمالهم الإبداعية ولكن نادرا ما ينجحون في ذلك لعجزهم عن جعله عنصرا فاعلا في السرد يلتحم مع باقي العناصر ليشكّل لوحة سردية واحدة ذات بناء متراص ومتكامل، فتتحول نصوصهم إلى عناصر متفككة تبدو عليها كثير من علامات التكلّـف والتصنّع، ولا تحمل أي مدلول ولا تبشر برؤية واضحة أو هدف مرسوم. وحين نقرأ قصة "الغزالة" للدكتور علي القاسمي نكتشف قدرته البارعة على تجاوز هذا المنزلق، ونقف على نجاحه في بناء عالم عجائبي تتقاسم فيه البطولة أجناس مختلفة، وتتصارع فيه الشخوص صراعا يجذبك إلى فضاء يشعرك بكثير من التردد والدهشة وأنت ترى الأحداث تنمو وتتفاعل في اتساق وانتظام، فيأخذ الواقعي والعجائبي بُعداً واحداً، وتمتزج الأشياء وتختلط وتصير شيئا واحداً، إذ تنمحي الحدود بين الإنسان والحيوان ويشتركان في القسمات والعلامات، ويتحد الثابت والمتحرك ويتساويان في الصفات والأفعال، وهكذا  لا نميّز في البطولة بين البطل الإنسان والغزالة والذئب، ولا نفرّق في المكان بين الصحراء والخيمة والمدينة ، إذ تسهم هذه العناصر جميعها في بناء القصة وتتضافر من أجل أن تعطينا نصا له نكهة خاصة تتأسس على مفهومي " الانقلاب والمفاجأة " (1)، وهذا يذكرنا بنصوص مبدعين كبار نذكر منهم أحمد بوزفور في رائعته " حدث ذات يوم في الجبل الأقرع " التي توجد ضمن مجموعته القصصية " النظر في الوجه العزيز" مع اختلافات طبعا في طريقة الحكي وملامسة القضايا والإشكالات.

إن الدكتور علي القاسمي نجح في تجاوز تقنيات الوصفة والمعايير وتجاوز مستوى الانتماء التصنيفي وخص نفسه بخطاب وصنعة تلفّظ منفردة من خلال علاقة تحويل لا علاقة استنساخ.(2)

البعد الرمزي:

إن المتأمل في قصة الغزالة يلاحظ ورود كثير من الرموز التي وظفت في أدبنا العربي قديمه وحديثه: الصحراء، والغزالة، والذئب، والدم. ومن الذين وردت هذه الرموز كثيراً في أشعارهم نذكر الشاعر العذري قيس بن الملوح الملقّب بمجنون ليلى والذي وجد النقّاد في أشعاره مجالاً خصباً لتجريب مناهجهم الحديثة وبخاصة المنهج النفسي. وإذا كان قيس بن الملوح قد نقل " مأساته وصوّرها في هذا المشهد الصحراوي صراع بين ذئب عاد وظبي  جميل مع انتصاره هو للظبي وانتقامه من الذئب" (3)، فإن الدكتور علي القاسمي قام باختزال الصراع الذي يعيشه الإنسان مع ذاته ومع الآخر في ظل التحولات السريعة والمعقدة التي يشهدها العالم المعاصر، تاركاً باب تعدد القراءات والتأويلات مفتوحاً على مصراعيه، ما دام النص قابلاً لكل الاحتمالات.

جمالية اللغة:

رغم أن الكاتب يؤلف باستمرار في مجال علم المصطلح وصناعة المعجم، ورغم دأبه على حضور الندوات واللقاءات العلمية وحرصه على إثراء النقاشات بآرائه، ورغم أن هذه المشاركات تتطلب لغة علمية دقيقة ليس فيها إيحاء أو مجاز أو رمز، فإن صاحبنا حين يخلع عنه بردة العالم ويرتدي لباس الأدباء، تتغير لغته أيضاً وتأخذ تلوينات وأشكالاً مختلفة وتصبح لغة مجازية فيها إيحاء وفيها انسياب وفيها ماء ورونق، على حد تعبير البلاغيين، إذ يتعذّر أن نصادف كلمة تخالف الذوق أو تعبيراً  معقداً أو فكرة غامضة؛ كل شيء يخضع لميزان السهولة والوضوح في غير إفراط، وانزياح في غير تفريط.

 

الدكتور عبد الحميد العبدوني

..........................

أستاذ النقد الأدبي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في مكناس ـ المغرب

(1) إدريس الناقوري ، ضحك كالبكا (الرباط: دار النشر المغربية، 1985) ط1،ص 120

(2) محمد برادة،  لغة الطفولة والحلم (الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986.

(3) محمد غنيمي هلال، "مجنون ليلى بين الأدب العربي والفارسي" في مجلة "فصول" العدد الثالث 1983، ص 151

 

 

معراج احمد الندويالملخص: انتهل الدكتور نجيب الكيلاني من مناهل الشرق والغرب ولكنه مثل في كتاباته الواقعية الإسلامية، لا الواقعية الأوربية، لأنه رأى أن الواقعية الأوربية هي محكومة بروح الإسلام. برز هذا الأديب العبقري كرائدا من رواد الفكر الإسلامي المعاصر والقصة الإسلامية في العصر الحديث. له اسهامات جيدة في تطوير الأدب الإسلامي عن طريق القصة والرواية والمسرحيات ألف روايات تاريخية مستمدة من التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية وعالج القضايا الإجتماعية والسياسية عن طريق رواياته وقصصه لإبراز الإتجاه الإسلامي.

 المدخل:

كان الدكتور نجيب الكيلاني عبقريا من عباقرة الإسلام ورائدا من رواد الفكر الإسلامي المعاصر والقصة الإسلامية في العصر الحديث. استقى نجيب الكيلاني فكره الإسلامي من ينابيع االأصلية القرآن والسنة ورأى أن الإسلام هو دين المساواة، ودين العلم ودين الأخلاق والفضائل، ودين العزة والكرامة، لا دين الضعف والخرافات والبدع. ومن سمات رواياته أنه يضمن الحوار الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. تظهر براعته في الوصف وتشخيص الأحداث وسرد الحكايات. فهو يستلهم أحداث التاريخ وشخصياته ويشيرا في نفس الوقت إلى احداث الواقع وشخصياته. ولم يسمح نجيب في رواياته أن تخل الفكرة التي يدعو إليها وينتصر لها أحيانا بل التزم بالشكل الفني للرواية. 

مولده ونشأته:

 ولد نجيب الكيلاني بن الكيلاني بن إبراهيم بن عبد اللطيف في قرية "شرشابه" في محافظة غربية من محافظات مصر في أول من يونيو عام1931م في أسرة متوسطة ليست لها سمعة في الثروة والثقافة.[i] بدأ القراءة والكتابة على كتاب القرية وحفظ أكثر من سور القرآن الكريم. دخل في مدرسة سنباط للدراسة الإبتدائية الرسمية ثم التحق بمدرسة "طنطا" للمرحلة الثانوية. قصد إلى جامعة فؤاد الأول وهو يريد الدخول في كلية الآداب أو الحقوق ولكنه مع رغمه الشديد إلى الأدب دخل في كلية الطب. وفي أثناء دراسته انضم إلى جماعة الإخوان وبينما كان في السنة الرابعة في كلية الطب القى القبض بسبب صلاته بجماعة الإخوان. قضى في السجن مدة أكثر من ثلاث سنوات وبعد اطلاق سراحه أكمل دراسته. لم تظهر في بداية أمره ميوله إلى الأدب ولكنه كان مغرما بالقراءة لدراسات الأدباء والشعراء من أمثال الشهيد سيد قطب ومصطفى صادق الرافعي وتأثر بهم تأثرا عميقا. وبعد التخرج من كلية الطب بدأ حياته العملية والمهنية في الوحدات المجمعة في وزارة النقل وثم التحق بمجمع السلك الحديد الطبي في مصر. ولكنه لك تطب هذه الوظيفة فتركها وسافر إلى الكويت طلبا للحياة الناعمة وللرزق المرتاح. ثم غادر إلى الإمارات العربية المتحدة وعمل هناك كمدير للثقافة الصحية في وزارة الصحة. شارك في بحث الحلول لقضايا الأمة الإسلامية المعاصرة. أدرك أهمية الأدب وتأثيره على أذهان الناس ودوره في بناء المجتمع. فدعا إلى أن يكون للمسلمين أدب متميز. لقد استمر الدكتور نجيب الكيلاني في إقامة منهج إسلامي في الأدب بنشر مقالاته وبحوثه حتى أتاه اليقين في القاهرة.

فاز بجائزة التراجم والسير عن كتابه "اقبال الثائر"عام 1957م. وفي عام 1958م فاز مرة أخرى بعدد من جوائز من وزارة التربية والتعليم. ففي مجال الدراسة الفسية والإجتماعية فاز كتابه "المجتمع المريض" وهو دراسة متميزة عن مجتمع السجون. وفي مجال الرواية فازت قصته "في الظلام" كما فازت بجائزة مجلة "الشبان المسلمين" في مسابقة القصة القصيرة التي أعلن عنها عام 1957م. وفي عام 1959م فاز بجائزة القصة القصيرة لنادي القصة القصيرة الميدالية الذهبية كما فاز في 1960م بجائة المجلس الاعلى لرعاية الفنون والآدب على روايته " اليوم الموعود". 

أثاره العلمية والأدبية:

تنوعت مواهب نجيب الكيلاني الفنية وتعدد انتاجه الأدبي بين الشعر ةالمسرحية والرواية والقصة. وهذا التنوع في أدب نجيب الكيلاني يؤكدأنه قد أصدر في أدبه عن ألوان متعددة وأنماط مختلفة من أشكال التعبير الأدبية من الرواية والقصة والمسرحية والبحوث والدرسات والمقالات والكتب الطبية. يبلغ عدد رواياته 43 رواية. وله مسرحيات استلهمها من التاريخ.

الواقعية الإسلامية في رويات نجيب الكيلاني:

قد انتهل الدكتور نجيب الكيلاني من مناهل الشرق والغرب ولكنه مثل في كتاباته الواقعية الإسلامية، لا الواقعية الأوربية لأنه رأى أن الواقعية الأوربية هي محكومة بروح الإسلام. أما ميزته الأدبية القصصية فهي إبراز الواقعية الإسلامية. يقول الدكتور محمد حلمي في هذا الصدد: "أن الواقية لدى نجيب الكيلاني تعني الإنتماء لقضايا الأمة والاهتمام بشؤون الناس وأمرهم مواجهة المشكلات الخطيرة التي يعانوها بطريقة جادة واثقة، لذا دارت أحداث رواياته في بيئة يتعرض أهلها عادة للظلم والقهر ويعانون الفقر والقمع، ويعيشون بين مطرفة الخوف وسنوان النفاق. وقد قدم الكتب نماذج لشخصيات مؤمنة تجعل غاياتها إرضاء الله قبل إرضاء الناس.[ii] كان نجيب في آثاره صاحب فكرة وصاحب رسالة يدعو إليها ويسعى إلى خدمتها ويسلك في سبيلها كل الطرق ما دامت سليمة من الخطل، بعيدة عن المزالق التي لا تؤدي إلى إلى خير، دون أن يخالف في ذلك لومة لائم. وليس اتجاه نجيب إلى النتاريخ الإسلامي في رواياته هروبا من الواقع، بل هو محاولة لفهم التاريخ والتبصر فيه والاتعاظ به والاستفادة منه لإحياء التراث الإسلامي. يقول سماحة الشيخ العلامة أبو الحسن علي الندوي: "إن حياة الدكتور نجيب الكيلاني حافلة بالعطاءات الأدبية. وقد خلد بقلمه آثارا قيمة نالت الاعتراف من رجال الفن والأدب وغطت أعماله جميع أقسام الأدب. فقد كان كاتبا قصصيا. له اتجاه خاص في القصة. ولم يكن الكاتب كالأدباء الآخرين مصورا لواقع الحياة وإنما كان معالجا ومحللا لقضايا الحياة.

نجيب الكيلاني وروايته "نور الله" نموذج إسلامي في الرواية الحديثة:

هذه الرواية رواية تاريخية تستمد أحداثها من التاريخ الإسلامي وتمتد من البعثة المحمدية إلى فتح مكة. صور المؤلف فيها أهم الأحداث من السيرة النبوية مثل الهجرة من مكة إلى الحبشة وصلح الحديبية وأحوال يهود بني قريضة وبني قينقاع وبني نضير وقصة عمر رضي الله عنه كيف أنه اسلم وما إلى ذلك. وظلت الرواية تلتزم بالنزعات الإسلامية في عرض كل من الأحداث التاريخية التزاما تاما مع مرااعاة الفنية واختيار اللغة المناسبة لفن الرواية. ويرتسم من خلالها ملحمة الصراع بين الحق والباطل كما يبرز الكاتب سماحة تعاليم الإسلام وموقفه مع التعايش السلمي مع أعداه. والجدير بالذكر أنه مزج الفن بالتاريخ دون أن يغطي أحدهما على الآخر.[iii] استعرض الكاتب الوقائع التاريخية الإسلامية وجعل الشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي أبطالها. نجد كل المحاسن الفنية في هذه الرواية كالوحدة في الموضوع والتشويق من البداية إلى النهاية. زين صاحبه لغته بإستخدام الألفاظ القرانية والتراكيب المستمدة من آيات القرآن والحديث الشريف. تميز الدكتور الكيلاني عن الكتاب الآخرين بفكرته السليمة وعرض الدعوة الإسلامية وترسيخ دعائم العقيدة وإبراز الجوانب المشرقة للحضارة الإسلامية.[iv] دعنا نقرأ كيف يصور عن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في الحوار بين بطلي الرواية وهو يقول: " هذا ما أمرنا به رسول الله الكريم، محمد بن عبد الله.. ومحمد يا أم عبد الله.. رجل.. طيب.. شريف.. صادق.. ليس في يده سوط، ولا يسوق الناس بالقهر والإذلال. إنه لا يملك غير الكلمة المضيئة، والحجة الدامغة، والسلوك البا هر. إنه حبيب القفراء والعبيد والمسكين.. أجل.. أقول الكلمة المضيئة، إنها شيئ كبير يا إمرأة.. ألم تعجز السيوف عن إطفاء نورها، لكأن المعذبين والمضطهدين منا زيت يمد تلك الكلمة بمزيد من الضياء والقوة.. لا إله إلا الله محمد رسول الله."[v] ومن سمات رواياته أنه يضمن الحوار الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. تظهر براعته في الوصف وتشخيص الأحداث وسرد الحكايات. فهو يستلهم أحداث التاريخ وشخصياته ويشيرا في نفس الوقت إلى احداث الواقع وشخصياته. ولم يسمح نجيب في رواياته أن تخل الفكرة التي يدعو إليها وينتصر لها أحيانا بل التزم بالشكل الفني للرواية. 

الحب في رواية" نور الله":

يستعمل الكاتب في هذه الرواية عنصر الحب وذكر الجنس لعرض الدعوة الإسلامية من خلالها ولإصلاح المجتمع ولإنفاذ الأقدار السليمة. يجعل الكاتب الحب سببا للخير والسعادة. وفي هذا السياق نقرأ الحوار الذي دار بين الحبيبين حول الموضوعات الملتزمة وهو يقول: "قالت هند وقطرات الدمع تبلل أهدابها.. آمنت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا.. ثم انكفأت على ذراعه وأخذت تقول في براءة وهي تبكي: سامحني با رابح.. لقد ارتعدت مفاصلي من ذكر الموت.. إني أحبك يا رابح، وأتمنى أن نظل معا في الدنيا والآخرة.. أن نحيها، وأن نموت معا، وأن نبعث معا.. إن وجودك إلى جواري متعة ما بهدها متعة.. أعذرني أيها الحبيب.. حدثني كثيرا عن الله.. عن محمد.. عن دين الله.. أريد أن أكون مثلك.. بل ليتني استطيع أن أحمل سيفي وأعلو به هامات المشركين والمنافقين.. إن الموت الذي تتحدث عنه رائع حقا.. إنني في مسيس الحاجة لأن يقوى إيماني أكثر وأكثر.. أن أنسى كل شئي تافه ولا أذكر سوى الأشياء العظيمة التي يعلمنا إياها رسول الله.. وتمتم رابح: لقد قال الرسول يا هند "لن يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.. قالت هند: وهي تجفف دموعها: وهذا هو السر الذي جعلكم نتدفعون وراءه في شوق جارف تاركين ورائكم الدنيا بكل ما فيها من مال وزخارف وأهل وولد.. لقد كنت أحب الرسول حبا كبيرا.. أما حبي له الآن فقد نما وازداد .. إنني أحبه لأنه الرسول.. وأحبه أيضا من خلالك.. إن الرجل الذي تزوجني من صنع كلمات محمد.. أعني أنه سوى فكرك، وشكل قلبك وروحك .. وهذب سلوكك وكلماتك.. وأنت من تكون؟؟؟ أنت الفكر والقلب والروح والسلوك.. هذا ما أحبه فيك.. انفجر رابح ضاحكا وهو يقول: تتكلمين وكأنك عجوز في الستين.. وأنت تتحدث وكأنك فيلسوف في الثمانين.."[vi]

وفي هذه الرواية يقدم أم عبد الله كإمرأة مؤمنة مكافحة صابرة. فإن الكيلاني يؤمن بأن المرأة هي نصف المجتمع و صانعة الأجيال ولذلك يصور المرأة في معظم رواياته كالمرأة الملتزمة بالقيم الإسلامية والشرقية ويعرض الحياة الزوجية الصحيحة دون الإضطرابية والمتخاصمة. قد بدأ للدارس من خلال هذه الرواية حشد كبير من المظاهر الإسلامية تتجلى من خلالها ثقافته الدينية ورؤيته الإسلامية.

نتيجة البحث:

 لقد حاول نجيب الكيلاني في روايته أن يبرز من خلالها الفكر الإسلامي والقيم الإسلامية في صورة فنية ممتعة. ومن أهم منجزاته الدعوة إلى قيام أدب إسلامي فجعل الفكر الإسلامي من فلسفة لأدبه ومنهجا لحياته وتعمق فيه تعمقا كبيرا. وظلت دراسته للفكر الإسلامي باقية يقوتها إلى آخر حياته ولم يتخيل عن فكره الإسلامي بل ظل متمسكا به ومتحمسا له ومدافعا عنه بفنه وأدبه. استقى نجيب الكيلاني فكره الإسلامي من ينابيع االأصلية القرآن والسنة ورأى أن الإسلام هو دين المساواة، ودين العلم ودين الأخلاق والفضائل، ودين العزة والكرامة، لا دين الضعف والخرافات والبدع. وهو يؤمن أن الإسلام هو قوة روحية ومدنية كبرى، وأن الإنسانية الحائرة تحتاج دائما إلى الاهتداء بنوره. يتجلى اتجا هه الإسلامي والتزامه في آثاره الروائية والقصصية والمسرحية بصورة واضحة. واليوم أخذ اسمه يتردد في أنحاء العالم الإسلامي والعربي حيث أصبح علما مدرسة الأدب الإسلامي.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

....

الهوامش:

[i] د.عبد بن صالح العريني: الإتجاه الإسلامي في أعمال نجيب الكيلاني ص42

[ii] د. حلمي محمد القاعود، الواقعة الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني، عمان، 1996 ص 131

[iii] دكتور محمد طارق الايوبي الندوي، الأدب الإسلامي رؤية وتاريخ، مركز الثقافة والتحقيق، عليجراه، الهند 2014م، ص 234

[iv] المصدر السابق،ص 236

[v]  الدكتور نجيب الكيلاني، نور الله، ص18

[vi] المصدر السابق، ص 258

 

 

مادونا عسكرقراءة في نصّ للشّاعر التّونسيّ يوسف الهمّامي

- النّصّ:

يَذْكرك الماء

عند ظلاله..

يجدّد لك

تحت كلّ شجرة بَيْعة

..

منزلة النّور

دفقة حليب في خمرة الظّلمة..

فصاحة العشق

ضحكة عشب في العينين

منذ أن أنشأ الله

شجرةَ الخلق

وأنا ألملمك في ابتسامتي..

..

عند سَهْوِي

تخاطبك باسمي الأشياء

تعرب لك عن خلاصة روحي ..

عند نَوْمِي

تأتيك روحي على شكل إلاه شَدْوٍ

تغنّي لك في الرّحاب

..

الصّمت يغرقني فيك

يغرقك

وطأة الكون ترتفع..

تثرثرني التّلال

تومئ بي الحقول

إذْ يتّقد شَيْبُ خضرتها ..

..

خاب ظنّ الأرضيّين جميعا

وَصَدَقَتْ نجمتي:

اسْمُكِ قبل البدء كان يوسف

- القراءة:

"ليس النّص بالشّيء المغلق على ذاته، بل هو مشروع كون جديد منفصل عن الكون الّذي نعيش فيه"

(بول ريكور)

يشتغل الشّاعر في هذا النّص لا على مشروع كون جديد منفصل عن الكون الّذي نعيش فيه وحسب، بل إنّه يرى ذاته في الوجود الأصل، منبع الوحي والإلهام وموطن النّور. فينفتح النّصّ على عالم الأنوار العلويّة في افتتاحيّة تتماهى والنّور الحاضر في قلب الشّاعر وذهنه.

تجتمع في النّصّ ثلاثة عناصر وهي في واقع الحال عنصر واحد: الماء، النّور، الله. ويعي الشّاعر تماماً هذه الوحدة فيما بينها، إلّا أنّه يبيّن حالة خاصّة أرادها  كوناً مفتوحاً يُخرج القارئ من ذاته ليتعرّف على كون الشّاعر من جهة، ومن جهة أخرى ليستدلّ على كينونة الشّاعر الحاضر في العالم القدسيّ. فيمتزج الشّعر في ما يشبه النّبوّة أو الرّسوليّة ليتحدّد للقارئ قيمة النّصّ الشّعريّ الممتزج بالعالم العلويّ. بمعنى آخر، لا يكون الشّعر شعراً إلّا إذا مازج الأنوار العلويّة، بل إنّ هذه الأنوار هي منبعه ومصدره.

لعلّ افتتاحيّة الشّاعر في السّطور الأولى مرتبطة بالآية القرآنيّة "والله خلق كلّ دابّة من ماء". لكنّ هذا العنصر، أي الماء، يخفي ضمناً المرافقة الإلهيّة للشّاعر (يذكرك الماء). فينبّه القارئ إلى تصوّف خاص أو اختبار خاصّ معني به  يعبّر من خلاله عن خصوصيّة العلاقة مع الله الّتي تفيض شعراً. (يذكرك الماء/ عند ظلاله). لفظ  (الظّلال) عائد إلى الله المحتجب في رمز الماء الّذي يذكر الشّاعر. "أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (الفرقان/ 45)، ولفظ (الشّجرة) الدّالّ على النّفس بحسب التّعريف الصّوفيّ يظهر رسوليّة الشّعر أو الشّاعر نفسه حيث يقول: (يجدّد لك تحت كلّ شجرة بيعة). وما هذه العبارة إلّا دلالة على انفتاح الشّاعر على النّور الإلهيّ، ليكون الشّعر شعاعاً يعكس بعضاً من الأنوار ولكن بحالة متجدّدة ومستديمة.  فكأنّ النّور الإلهيّ يفيض عليه بغزارة يعبّر عنها التّجدّد، وإن أحالت القارئ إلى حادثة "بيعة الرّضوان" ودلالتها الإيمانيّة القويّة بين الرّسول محمدّ وأصحابه، وورد ذكرها في القرآن الكريم: "لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا"/ الفتح (18). إنّ للآية رجعا كذلك في العمليّة الشّعريّة الّتي تتّخذ نزعة الإلهام والفتح الإلهيّ.

يتبيّن حضور الشّاعر بشعره في هذا الكون حضوراً سماويّاً، أو بمعنى أصحّ يرى الشّاعر نفسه من خلال هذه الحالة العلويّة. (منزلة النّور/ دفقة حليب في خمرة الظّلمة)، الحليب شراب أهل الجنّة بحسب القرآن الكريم، وهو لفظ يشير هنا إلى دفق الخير في ظلمة النّفوس أو ظلمة العالم، يستكمله  بتحديد هذا الحضور الكائن في فكر الله (منذ أن أنشأ الله/ شجرةَ الخلق/ وأنا ألملمك في ابتسامتي.. ) فالشّاعر حاضر في فكر الله قبل الخلق كأيّ إنسان، لكنّ التّميّز هنا في قدرة الشّاعر على الانفتاح  القلبيّ على النّور ليصير شاعراً.

نتلمّس في العبارة (وأنا ألملمك في ابتسامتي) صوتاً خفيّاً مخفيّاً يدلّ عليه الشّاعر بضمير المتكلّم (أنا). لعلّه صوت الإنسان المكتشف لكينونة الشاعر كفعل تأمّل بحالته الصّوفيّة وما بلغه من استنارة.  أو لعلّه  شعور خاص عصيّ على اللّغة. أم إنّه صوت آخر نابع من عمق الشّاعر، لكنّه ليس صوت الشّاعر. وإنّما هو صوت هادئ ساكن يمازج صوت الشّاعر. وكأنّي به تنكشف له أسرار لا ينطق بها. فيخفيها في ظلّ ابتسامة صامتة عميقة تحيلنا إلى لحظات الخلق الأولى الّتي تسبق المعصية. فالشّاعر أتى على ذكر شجرة الخلق دون ذكر الأكل منها.

عند سَهْوِي

تخاطبك باسمي الأشياء

تعرب لك عن خلاصة روحي ..

عند نَوْمِي

تأتيك روحي على شكل إلاه شَدْوٍ

تغنّي لك في الرّحاب

لا ينفصل هذا المقطع عمّا سبقه. فهو مرتبط به ضمنيّاً. فالصّوت يتمدّد في نفس الشّاعر مانحاً إيّاه الطّمأنينة والأمان؛ لأنّ مصدره نورانيّ (تأتيك روحي على شكل إله شَدْوٍ/ تغنّي لك في الرّحاب) وإن دلّت هاتين العبارتين على أمر، فهما تدلّان على كونيّة الشّاعر وحضوره الصّامت المتمدّد في الكون. لكنّ هذا الصّمت فاعل ومدوٍّ، وهو الّذي جعله منصتاً إلى صوته الدّاخليّ، فكانت القصيدة. (الصّمت يغرقني فيك / يغرقك/ وطأة الكون ترتفع..)، بقدر ما يشتدّ الصّمت تتوهّج القصيدة ويغرق الشّاعر في كونه ويقوى حضوره الشّعريّ (تثرثرني التّلال/ تومئ بي الحقول)، ويتّحد بالصّوت الّذي يكشف عنه في نهاية القصيدة. إنّه الصّوت العميق في قلبه الّذي عرفه وعرّفه سرّ الحضور الّذي تاه عن محيطه.

خاب ظنّ الأرضيّين جميعا

وَصَدَقَتْ نجمتي:

اسْمُكِ قبل البدء كان يوسف

يعيدنا  القسم الأخير من القصيدة إلى بدايتها مكرّساً الحضور السّماويّ. فباستخدام الشّاعر للفظ (الأرضيّين) انفصال عن الكون الّذي يعيش فيه. ترافقه نجمته الّتي حضرت  في القصيدة كلّها إلّا أنّها لم تظهر بوضوح إلّا في الختام. لكنّ حضورها يمنح النّصّ آفاقاً جديدة مفتوحة على الأعماق السّماويّة. هي الّتي تعرفه لأنّها  هو. فالاثنان معاً منفصلان عن الكون اللّذان يعيشان فيه. هما اثنان في الظّاهر، واحد ضمناً (نجمتي) "لأن النّجمة الّتي في السّماء هي النّجمة الّتي في القلب." (أنسي الحاج)

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

ثائر العذاريردا على مقال د.نادية هناوي (المتتالية - التوليفة- المجموعة- الزووم) في المدى الغراء ٩/٤/٢٠١٩

اختلاف الرؤى في الدراسات الأدبية أمر طبيعي، فليس في هذا الميدان حقيقة مطلقة، لكن هذا لا يعني أبدا تعمد تسفيه الرأي المخالف وتعمد الإساءة إلى صاحبه كما تفعل د.نادية هناوي منذ عام ٢٠١٧  حين كتبت مقالا بعنوان توريطات نقدية افترت علي فيه يومها أني ادعيت أن المصريين هم رواد المتوالية القصصية ووصفتني بالجهل والوهم، وما كنت أتمنى أبدا أن تستمر في نهجها هذا حتى اضطررت إلى الرد. والحقيقة أني لا أفهم ما الذي يجبر د.هناوي على تتبع مقالاتي والرد عليها خاصة أنها في كل رد تكتبه تقع في أخطاء فادحة وعندما نكشفها تغير اتجاه النقاش باتجاه آخر، فتجهد نفسها لإيجاد مقولات لفلان وفستان، وتشغلني عن عملي البحثي لأني أجد نفسي مضطرا للرد لتصحيح المفاهيم.

وفي مقالها الأخير في المدى الغراء، جاءت بتهمة جديدة هي أني لا أسير على هدي نظري، وعند هذه النقطة قررت أن أكتب هذه المكاشفة التي أنوي أن تكون الأخيرة لأني لن أنشغل بعدها بأي رد على الزميلة التي ما زلت أحمل لها كل التقدير.

منذ بداية اهتمامي بموضوع المتوالية القصصية عام ٢٠١١ كنت ألتزم برؤية نظرية واضحة، وكل ما كتبت متاح على الشبكة، وإذا ما تصفحها القارئ الكريم سيجد أنها تسير على نهج واحد من غير تناقض ولا ارتباك مع وضوح في القصد، وبمرور الزمن كنت أطور هذه الرؤية وأجعلها أكثر دقة ووضوحا اعتمادا على الدراسات الكثيرة التي كتبت في الموضوع واجتهادي الشخصي.

888 ثائرفي المقابل يمكن الرجوع إلى مقالات د.هناوي لكي نكتشف بسهولة تشوش رؤيتها وتذبذبها وعدم وضوح مفهوم التوالي في ذهنها ما يوقعها في تناقضات كبيرة ليس بين مقال ومقال حسب، بل في المقال الواحد نفسه فنجد عجز المقال يناقض صدره، وبينهما حشو كثير بعيد كل البعد عن الموضوع، كما في حشرها لقضية الشكلانيين وتراجع بعضهم عن مبادئ الشكلانية وعلاقة الأدب بالمجتمع، ولم أستطع أن أفهم علاقة هذا الإسهاب بموضوع المتوالية القصصية، على أن المقال ينطوي على أمر خطير هو ما يجعلني أتوقف عن الرد مستقبلا على ما تكتبه.

ليس هناك مرجع لدراسة المتوالية القصصية باللغة العربية سوى مقالة روبرت لوشر التي ترجمها الصديق د.خيري دومة ونشرها في كتابه المهم جدا (القصة  الرواية المؤلف) ومقالاتي التي أنشرها منذ سنوات، أما المهم من الدراسات وهو كتب ورسائل وأطاريح وأبحاث ومقالات فكله مكتوب بالانكليزية، وهذا أهم أسباب التشوش في رؤية د.هناوي فقد أثبتنا في مقالات سابقة أنها لا تقرأ بلغة ثانية فتعود إلى الترجمات، وحين لا تجد تحاول الترجمة اعتمادا على القاموس أو على ترجمة google، كما حدث معها حين كتبت عن كتاب إنجرام وكتاب جنيفر سميث اللذين لم تقرأ سوى فهرسيهما ومقدمتيهما، كما بينا في مقال سابق، وللتذكير فقط فقد كتبت جنيفر سميث كتابها ٢٠١٨ لإثبات تجنيس المتوالية القصصية عبر مدخل جديد حيث سمتها (الجنس الذري Atomic genre) ووضحت التسمية في الفصل الأخير بأنها ترى وجود القصص في متوالية قصصية يشبه وجود الذرات في الاندماج الذري الذي سيولد طاقة هائلة تتحول عبرها المادة إلى مادة أخرى تماماً، إن عدم قراءتها باللغة الانكليزية هو ما يوقعها في الغلط، فمن المعروف أن لكل علم معجمه الخاص الذي غالبا ما لا يذكر في القواميس وهو ما يسميه الانكليز (Slang). وهذا يفسر عدم ذكر د.نادية للدراسات الخاصة بالمتوالية القصصية إلا بعد أن ترد في مقالاتي.

كنت قد كتبت في المقال الذي ترد عليه الدكتورة رأي (شكلوفسكي) في أن التوالي هو أصل الرواية، لكني وجدت أنها تكتبه أربع مرات في مقالها (شلوفسكي)، مما جعلني أظن أنها تتحدث عن ناقد آخر لا أعرفه خاصة أنها كتبته بالحروف اللاتينية بصيغة غريبة جعلتني أمضي يومين كاملين في البحث عن هذا الناقد فقد كتبته Shlovskij. وفي النهاية توصلت إلى السبب، فهي تقصد شكلوفسكي نفسه لكن هناك ما خدعها كما سنبين.

تقول د.نادية: (وشلوفسكي هو الذي اعترف في مقدمة كتابه (نظرية النثر 1925) بتأثير الظروف الاجتماعية على الأدب والقصور عن رصد علاقات الادب المتشابكة بالظواهر الثقافية والاجتماعية المختلفة، قائلا:" لقد شغلت في دراساتي النظرية بالقوانين الداخلية للادب واذا كان لي ان استخدم عبارة ماخوذة من المجال الصناعي فانني كنت مثل من لا يشغل بوضع القطن ومنتجاته في الاسواق العالمية والسياسة الاحتكارية المتبعة فيه وانما يركز اهتمامه على مشاكل الغزل والنسيج من الوجهة الفنية" حتى جاء كتابه (المصنع الثالث 1926) محاولا التوفيق بين نظرية الادب من جانب والبحث الاجتماعي والنفسي من جانب اخر وهذا يدلل على معاناة شلوفسكي الروحية والمنهجية.)

إن الاقتباس من كتاب شكلوفسكي نظرية النثر هو ما جعلني أجزم أنها تتحدث عنه لا عن غيره، ومع ذلك أجهدت نفسي بالبحث لأن العبارة المقتبسة لا تستقيم مع طبيعة الكتاب. فقد بنى شكلوفسكي كتابه على فرضية تقترب من فكرة الديالكتيك، فهو يرى أن الأجناس الأدبية في كل عصر تتصارع لتعطي في العصر التالي جنسا جديدا يختلف عن المتصارعين، وهكذا تتكرر هذه الدورة في كل عصر، وهنا مفارقة غريبة، فشكلوفسكي على الرغم من مشاركته في ثورة أكتوبر لم يكن شيوعيا، بل إنه أسس جمعية مناهضة للبلشفية عام ١٩١٨ واضطر للتخفي بسبب ملاحقة السلطات له ثم الهجرة إلى أوربا بعد أن أُعدم أخواه للسبب نفسه. وكتابه شكلي صرف لا علاقة له لا بالاجتماع ولا بالاقتصاد فكيف يصدره بعبارة يتبرأ فيها منه؟ فضلا عن أن كتابه (المصنع الثالث) هو كتاب سردي يقترب من السيرة الذاتية يسرد فيه شكلوفسكي تحوله من الأدب إلى السينما ولا علاقة له بنظرية الأدب.

إن أسوأ ما يمكن أن يرتكبه الباحث هو السطو على جهد الآخرين ونسبته إلى نفسه والأسوأ من ذلك أن يكون ما ادعاه لنفسه مغلوطا ويأخذه من غير تمحيص.

لقد أخذت د.نادية النص الذي اقتبسناه برمته من كتاب عنوانه (تحليل الخطاب الأدبي) لكاتب سوري اسمه (محمد عزام) في الصفحة ٤٤ وأوهمتنا أنها قرأت كتاب نظرية النثر وكتاب المصنع الثالث، والنص فيه ارتكاب لخطأ علمي جسيم يصل حد التدليس والكذب وأنا هنا أتحدث عن عزام ولا علاقة للدكتورة به سوى إغارتها على النص دون تمحيص وتثبت.

اللافت أن عزام يقول هذا الكلام من غير توثيق فضلا عن أن الكتابين لم يردا في قائمة مراجعه، بل هو لم يرجع إلى أي مرجع أجنبي، وهو من أوهم د.نادية باسم شكلوفسكي لأنه كتبه شلوفسكي، مع إنه Shklovsky أما صيغته اللاتينية كما كتبتها هي فهو من عندياتها ولا وجود له إطلاقا.

واقتبس هنا نص الفقرة الأخيرة من مقدمة كتاب نظرية النثر بترجمته الانكليزية ليتبين القارئ الكريم ما توقعنا به الترجمة أحيانا من قلب للمفاهيم فهو يختتم مقدمته القصيرة جدا بالقول:

"As  a  literary  critic,  I've  been  engaged  in  the  study  of  the  internal  laws  that govern  literature.  If  I  may  bring  up  the  analogy  of  a  factory,  then  I  would  say that  neither  the  current  state  of  the  world  cotton  market  nor  the  politics  of cotton  trusts  interests  me.  One  thing  alone  concerns  me:  the  number  of strands  that  make  up  the  cotton  plant  and  the  different  ways  of  weaving them.  For  that  reason,  this  book  is  devoted  in  its  entirety  to  a  study  of  the changes  in  literary  form.”

وترجمتها الصحيحة: "أنا بوصفي ناقدا أدبيا مهتم بدراسة القوانين الداخلية التي تحكم الأدب، وإذا كان لي أن أستعير لغة الصناعة، فسأقول لا حالة أسواق القطن الآن ولا سياسة اعتماد القطن تهمني، شيء واحد أنا مهتم به هو عدد (التيلات) التي تؤلف نبتة القطن والطرق المختلفة لنسجهاً ولهذا السبب كرست هذا الكتاب بكامله لدراسة التغيرات في الشكل الأدبي"

ويستطيع القارئ الكريم أن يرى أن المعنى مضاد تماما لما كتبه عزام فقد أضاف كلمات من عنده قلبت النص رأسا على عقب بحيث يبدو أن شكلوفسكي يتبرأ من كتابه في مقدمته.

أخيرا أود أن أقول للدكتورة، اعتبريني واهما كما يحلو لك، لكن عليك مناقشة عشرات الكتب التي تعاملت مع المتوالية القصصية على أنها جنس أدبي ابتداء من إنجرام وانتهاء بجنيفر سميث، وأضيف لك هنا دراسة أخرى لم تتوقف عند تجنيس المتواية القصصية حسب بل راحت تبحث في أجناس فرعية داخلها، وهي كتاب الناقد السويدي البروفيسور رالف لندن The United Stories of America.

 

د. ثائر العذاري

 

كريم مرزة الاسديأقسام علامات الترقيم، مواضع استعمالها، مع الأمثلة الكاملة :

تنقسم هذه العلامات بدورها إلى ستة أنواع -حسب اجتهادنا - في سياق وظيفتها في الكتابة، هي:

أولًا - علامات الوقف: (، ؛ .)؛ تمكن القارئ من الوقوف عندها وقفاً تاماً، أو متوسطاً، أو قصيراً، والأمور نسبية، لأخذ فسحة ذهنية للانتباه والتأمل، وإذا كانت القراءة بصوت عالٍ، تسمح بالنفس الضروري لمواصلة عملية القراءة.

ثانيًا - علامات النبرات الصوتية: (: ... ؟ !)؛ وهي علامات وقف أيضا، لكنها إضافة إلى الوقف – تتمتع بنبرات صوتية خاصة وانفعالات نفسية معينة كالتعجب والتساؤل والتأمل ...أثناء القراءة.

3 - ثالثًا - علامات الحصر: (« » - () [ ])؛ وهي تساهم في تنظيم الكلام المكتوب،وتضمين النصوص، وتفسير المعاني بإيجاز، ويمكن اليوم إضافة الألوان التي أصبحت تؤدي نفس الغرض.

رابعًا - علامات الإشارات المستخدمة في البرمجة آو الرياضيات:

< > * & ^ \ [].

خامسًا - علامات عامة:(=)، (@)،(%)، استخدام الألوان.

سادسًا - علامات الترقيم القديمة: العلامات والرموز في باب الفصل والوصل.

مـ، قلي، ج، صلى،لا،(::)، (ـٰ).

وبعض علامات ضبط المصحف- كما وردت في الموسوعة الحرّة-

...................

أولاً - علامات الوقف: (، ؛ .)؛ تمكن القارئ من الوقوف عندها وقفاً تاماً، أو متوسطاً، أو قصيراً، والأمور نسبية، لأخذ فسحة ذهنية للانتباه والتأمل، وإذا كانت القراءة بصوت عالٍ، تسمح بالنفس الضروري لمواصلة عملية القراءة.

................

أ - (،) الفاصلة، ويطلق عليها أيضا الفارزة، والشولة.

أرتجلُ هذا البيت، والله كريم:

كلُّ الكلامِ فواصلُ *** للهِ ما أنا فاعلُ

الفاصلة في النص العربي تكتب هكذا (،) وليس تلك المستخدمة في النص اللاتيني (،) كما يقع كثيرٌ من الكتاب في ذلك الخطأ، وتكتب الفاصلة ملاصقة للكلمة التي تسبقها مباشرة بدون فراغات، وذكرنا هذا في الحلقة السابقة، وضربنا مثالاً:

وكمثال: لا تكتب أو تطبع الجملة هكذا:

(أدرس دروسي جيداً، وأكمّل وظائفي، ما أجمل النجاح !).

وإنّما تكتب هكذا :

(أدرس دروسي جيداً، وأكمّل وظائفي، ما أجمل النجاح!).

دقق في الفراغ بعد الفاصلة، وليس قبلها، والسبب يجب أن تلصق علامة الترقيم بالكلمة التي قبلها، ولا تنزل لوحدها إلى سطر جديد في برنامج طبع آخر، ولا يجوز وضع أي علامة من علامات الترقيم في أول السطر، إلاّ علامة التنصيص والقوسين.

وتستعمل الفاصلة لتقطيع الكلام موسيقيا، حتى يسهل فهمه، وتدل على وقف قصير، ويختلف الكتاب في مواضع استعمالها حسب الظروف والاجتهاد، وتقديرات الكاتب وذوقه ونفسيته وتأمله الصامت، ولكن هنالك قواعد عامة يحسن الأخذ في المواضع الآتية:

مواضع استعمال الفاصلة:

1- بين الجمل التي يتكون من مجموعها كلام تام الفائدة في معنى معين، قول البحتري (ت 284 هـ/ 897 م)عن وصية أستاذه أبي تمام (ت 228 هـ / 843م) إليه، مثال على النقطة:

- كُنتُ في حَداثَتي أرُومُ الشِّعْرَ، وكنتُ أَرْجِعُ فيهِ إلَى طَبْعٍ، ولَمْ أَكُنْ أَقِفُ علَى تَسْهيلِ مَأْخَذِهِ، ووجُوهِ اقْتِضابِه، حتى قصدتُّ أبا تَمَّامٍ، وانقطعتُ فيه إليه، واتَّكلْتُ في تَعريفِه عليه.

- الرباضة رياضة العقل والجسد، لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنهما، وإلا بفقد نشاطه الحيوي المتكامل.

2 - بين الجمل القصيرة المعطوفة المستقلة في معانيها، مثل:

- العلمُ نورٌ، والجهلُ ظلامٌ، والعملُ عبادةٌ، والكسلُ بلادةٌ، واللهُ المستعان.

- الدنيا دول، والحياة أمل، والنجاح عمل، والبطالة عطل، كن حكيما.

3 ـ- بين الكلمات المعطوفة المرتبطة بكلمات أخرى تجعلها شبيهة بالجمل في طولها، مثل:

- أَكْثِرْ بشعرِك مِن بَيانِ الصَّبابةِ، وتوجُّعِ الكآبَةِ، وقَلَقِ الأَشْوَاقِ، ولَوْعَةِ الفِراقِ.

- كلّنا مسؤول عن تقدم الوطن وازدهاره، المعلم في مدرسته، والعامل في ميدان عمله، والفلاح في حقله، والطالب في درسه، والأم في تربية أولادها.

- ما ندم من استشار، ولا خاب من استخار.

4 - بين المفردات المعطوفة التي تفيد التقسيم أوالتنويع، مثل :

يتكون جسم الإنسان من خمسة أجزاء رئيسية، وهي : الرأس، الرقبة، الجذع، الأطراف العليا، الأطراف السفلى.

- الكلمة ثلاثة أقسام: اسم، وفعل، وحرف.

- فصول السنة أربعة: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء.

5 - بين القسم وجوابه، مثل:

والله جلَّ جلاله، لأدرسن حتى النجاح.

لأيم الله، لأصدقنك القول.

6 - بين الجمل الصغرى أو أشباه الجمل، بدلاً من حرف العطف، مثل:

خرجتُ سريعاً، ركضتُ متلهفاً، عند ساحة المحطة، استقبلتُ أخي العائد من غربته.

إبان الغروب، بعد الصلاة، حلّ الظلام، ركنتُ إلى النوم.

7 - بين الأجزاء المتشابهة في الجملة، كالأسماء والأفعال والصفات التي لا يوجد بينها أحرف عطف، مثل:

اللاعب الناشط يتمرن، يجدُّ، يركض، يسرع، يتأمل، ويهدف.، ويعلل.

الطبيب الماهر يفحص، يسأل، يحلل، يعالج، يعطي الدواء.

8 - بين الشرط وجوابه إذا كانت جملة الشرط طويلة، مثل قول بشار بن برد:

اذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك، لم تلقَ الذي لا تعاتبه.

أذا أنت لم تشرب مراراً على القذى، ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه.

أذا الملك الجبار صعر خدّه، مشينا إليه بالسيوف نعاتبه.

9 - بين جملتين تامتين، تربط بينهما " لكن "، إذا كانت الجملة الأولى قصيرة، مثل:

أوجعتني، لكن أراك دوائي.

وأبعدتني، لكن أراك جواري.

10 - بين الكلمات المتضادة:

تجاهلتَ أنت، لا أنا من تجاهل.

11 - بين الألفاظ المعطوفة، نحو:

تتفاوت كتب الإملاء في دقتها، ومناهجها، وغاياتها، وشرحها، وعرضها، ومعالجتها، وتوثيقها، وإيجازها، وبسطها.

12 - بين عنوان الكتاب، ودار النشو، ومكانه، وتاريخه، بديلاً عن حرف الجر؛ وذلك عند تدوين الهوامش، أو قائمة المصادر والمراجع، مثل:

كريم مرزة الأسدي: (نشأة النحو العربي ومسيرته الكوفية)، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق، 2003م

13 - بين الجمل الاعتراضية، وهي الجمل التي لا تسبب خللاً بالمعنى عند حذفها، وإذا جاءت الجملة الاعتراضية آخر الكلام، الفاصلة الثانية، تعوض عنها النقطة، مثال:

- الجمل الاعتراضية، وهي الجمل التي لا تسبب خللاً بالمعنى، وإن تجمّله، عند حذفها

- المحيطات أكبر من البحار، مهما كبرت.

14 - بعد حروف الجواب،وهيَ -غير عاملة -: "نَعَمْ وبَلى وإي وأَجلْ وجَيرِ وإنَّ ولا وكلاَّ"،

مثل:

- نَعَمْ :حرف جواب، يفيد الإثبات في الجواب عن السؤال المثبَت، والنفيَ في الجواب عن السؤال المنفي، مثل:

أسافر خالد؟

نعم، سافر.

أما سافر خالد؟

نعم، ما سافر.

- بَلَى. تختصُّ بوقوعها بعدَ النّفي فتجعلُهُ إثباتاً، الشاهد:

قال تعالى: [ألست بربكم قالوا بَلَى[ (الأعراف 7/172). فقال ابن عباس معلّقًا، لو قالوا: [نَعَم] لكفروا.

.ووجه ذلك أنّ [نَعَم] - كما ذكرنا آنفًا - لا تُغَيِّر من النفي والإثبات شيئًا؛ فلو أجابوا قائلين: [نَعَم]، لكان تأويل ذلك: [نعم لست ربّنا]، ولكان ذلك كفراً.

ونحن نبحث عن الفاصلة، والمثل:

ألست أنا صاحبك؟

بَلَى، أنت صاحبي.

- أما (أَجلْ) بمعنى (نعَمْ)، فهي مثلُها تكونُ تصديقاً للمُخبر في أخبارهِ، أو لوعده ولكن لا تأتي بعد الاستفهام، مثل:

- قد حضر أخوك .

أجل، حضر.

- اجتهد في دروسك.

أجل، اجتهد.

- (جَيْرِ) حرفُ جوابٍ، بمعنى "نَعَمْ". وهو مبنيٌّ على الكسر. وقد يُبنى على الفتح. والأكثرُ أن يقعَ قبلَ القَسم، نحو:

جَيْرِ، والله لأصدقن القول.

- (إي) لا تُستعمَلُ إلا قبل القسمِ، كقوله تعالى {قُلْ إي ورَبي إنَّهُ لَحَقٌّ}. "أي" توكيد للقسم، والمعنى نعم، وربي، وموضوعنا (الفاصلة)، مثال:

إي، وربّي سأكون صادقاً.

- (إنَّ) حرفُ جوابٍ، بمعنى (نَعَمْ)، يقال لك:

هل جاءَ زُهَيرٌ؟

إنَّهُ، جاء.

قال الشاعر:

بَكَرَ العَواذلُ، في الصَّبُو *** حِ، يَلُمْنَني وَأَلومُهُنَّهْ

وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَ *** كَ، وَقَدْ كَبِرْتَ، فَقُلْتُ إِنَّهُ

إنّه، قد علاني...أي: نعم، قد علاني.

والهاءُ، التي تلحقه، هي هاءُ السَّكت، التي تُزادُ في الوقف، لا هاءُ الضمير ولو كانت هاءَ الضمير لثبتت في الوصل، كما تثبتُ في الوقف. وليس الأمرُ كذلك، لأنك تحذفها إن وصلتَ، يقال لك (هل رجعَ أُسامةُ؟) فتقولُ :إنّ، يا هذا، أي نعم، يا هذا قد رجع.

- (لا وكَلاَّ) تكونانِ لنفي الجواب. وتُفيدُ (كَلاَّ)، مع النفي، رَدعَ المُخاطبِ وزجرَهُ. تقولُ لِمنْ يُزَيَّنُ لك السوء ويُغريكَ بإتيانهِ:

كَلاَّ، لا أُجيبُكَ إلى ذلك.

وقد تكونُ (كَلاَّ) بمعنى (حَقاً)، كقولهِ تعالى: "كلاَّ، إنَّ الإنسانَ لَيَطغى أنْ رآه استغنى"

15 - بعد لفظ المنادى المتصل، مثل:

يا زيد، اقرأ دروسك.

يا رجل، حان وقت العمل.

أي بني، لا تؤجل عمل اليوم إلى غد.

16 - بعد كلمات التعجب، أو التأثر، أو الانفعال في بداية الجملة:

- أدهشتني، يا هذا من هذا!

-عجباً، والليالي يلدن كلّ عجيب!

- آهٍ، لأمرك يا جميل قتلتني!

- عجباً، لماذا كلّ يومك مُتعَبُ؟!

17 - بعد كلمة أو عبارة تمهد لجملة رئيسة، مثل:

- أخيراً، نال الكريم ثوابه، واللئيم عقابه.

- جزماً، لا أفرّط بصديقٍ صدوق جرّبته وخبرته.

- طبعاً، الأمور بعواقبها ونتائجها،

- في الصباح الباكر، يذهب العمال إلى معاملهم .

18 - بعد القوس الثاني مباشرة، ولا تأتي قبل القوس الأول في الجمل المحصورة بين قوسين، مثال:

- ذكرت بيتاً من الشعرسابقاً(وهو للمتنبي)،في مدح أبي العشائر.

- حدثت معركة ذي قار سنة 610م (راجع المصدر)، بين العرب والفرس.

رابط الموضوع: 19 - قبل ألفاظ البدل عندما يراد لفت النظر إليها، مثل:

- دنياكم، دنيا المظالم، تسود فيها الفوضى، ويعمها الدمار.

- لغتنا، لغة القرآن الكريم، من أجمل لغات العالم وأثراها.

- داركم، دار اليتامى، تستحق الرعاية والإحسان.

20 - قبل الجملة الوصفية، مثل:

- صادقتُ أخاً، حكمته رشيدة.

- ركبتُ بحراً، أمواجه عاصفة.

21 - قبل الجملة الحالية، مثل:

جاء زيدٌ، والشمس طالعة.

يذهب الطلاب إلى المدرسة هذا اليوم، وهم فرحون .

تجد في الجملتين السابقتين (واو الحال).

يذكر الدكتور فاضل السامرائي في بحث له عن (واو الحال) جملتين: الجملة الأولى تقول: (ما مررت برجل إلا له مال)، والثانية تقول: (ما مررت برجل إلا، وله مال)؛ فمعنى الأولىى:أنك لم تـمرَّ إلا برجل غني له مال، وأنك لم تـمرَّ على رجل فقير قط؛فالوصف عام؛ أمَّا الثانية فمعناها: أنك لم تـمرَّ برجل إلا حين يكون غنياً عنده مال، والحالة متنقلة.

22 - قبل الجملة أو شبه الجملة الاعتراضية وبعدها، مثل:

- سافرت، وعمري تسع سنوات، إلى بغداد زائراً.

- ذهبت، عند الساعة التاسعة ليلاً، إلى المطعم مع أخي.

- تحمّلت، منذ نعومة أظفاري، أعباء الحياة،

23 - قبل كلمة مثل أو نحو أو الشاهد التي تسبق المثال أو الشاهد على قاعدة ما:

- كلامنا لفظ مفيد، مثل: محمد رجل مهذب.

- الجناس من المحسنات البديعية، نحو: عباس عباس إذا احتدم الوغى.

- (لمْ) قد تأتي ناصبة، الشاهد:" ألمْ نشرحَ" عند بعض القرّاء.

.........

ب - (؛) الفاصلة المنقوطة، أو القاطعة:

يقف القارئ عندها وقفة وسطاً، أطول من الفاصلة، وأقصر من النقطة، وتوضع بين الجمل الأشدُّ ترابطاً من حيث المعنى، والمستقلة من ناحية الإعراب، أو التي لا ترابط بينها، كما يلي :

1 - بين الجمل الطويلة المترابطة المعنى، توضع لتجنب الخلط، والتنفس بين الجمل، مثل:

الناس سواسية كأسنان المشط، يجب عدم تفضيل بعضهم على بعض، لا في حقوقهم، ولا في واجباتهم؛ مما يؤدي إلى تعاونهم، وتعاضدهم، وتكاتفهم، على درب النجاح، وازدهار الوطن.

2 - بين جملتين الثانية منهما سبب للأولى، مثل:

- لا تمازح سفيهاً ولا حليماً؛ لأن السفيه يؤذيك، والحليم يشمئز منك.

- أدرسُ وأجتهدُ دائما؛ طلبًا للنجاح.

- طريقنا الصراط المستقيم؛ لأنّنا لا نريد أنْ نكونَ من المغضوبِ عليهم، ولا الضّالين.

3 - بين جملتين الثانية نتيجة للأولى، مثل:

تهاون في عمله، بدّد ماله، فقد أصدقاءه؛ فأصبح بائساً في حياته.

جدَّ واجتهد وكافح في حياته؛ لاجرم أن يكون من البارزين في مجتمعه.

4 - بين جملتين الثانية تفسرالأولى، مثل:

قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ . اللَّـهُ الصَّمَدُ . {الصَّمَدُ}؛ أي: هو الكامل في علمه، الكامل في حلمه، الكامل في عزته، الكامل في قدرته.

5 - بين جملتين تامتين مرتبطتين بالمعنى دون الإعراب:

إذا أنت سكتَّ أتيت خيراً؛ وإلا فالسكوت هو الصوابُ.

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته؛ وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا.

6 - قبل التفصيل بعد الإجمال، مثل:

الأديب المثقف يجب أن يكون عارفاً بقضايا وطنه وأمته وإنسانيته، وأن يكون ملماً بعلوم اللغة والشعر؛ بلاغةً ونحواً وعروضا.

7 - بين جملتين تامتين، إذا جمعت بينهما أداة ربط، نحو:

- ولم أر كالمنافق؛ أمّا كلامه فجميل وأما فعله فقبيح.

- تصغر في عين العظيم عظائم الأمور؛ أمّا الصغير فتهزّه الصغائر.

- أكرمه أنّى رأيته؛ ولكن لا أرى إلا الجفاء.

- اللهم رضيت كلّ الأشياء؛ إلا الوقوف بباب اللئام.

8 - بين المرادفات لمعاني، أو أضداد الكلمات، أو أصناف الحاجات والكائنات، مثل :

- أضداد كلمة فَرْق: التقاءٌ؛ امتثالٌ؛ تآلُفٌ؛ تَجانُسٌ؛ تَشابُهٌ؛ تَطَابُقٌ؛ تَعاونٌ؛ تَفاهُمٌ؛ تَقارُبٌ؛ تَلاَؤُم؛ تَمَاثُل؛ تَناغُمٌ.

- من حيوانات الفصيلة الكلبية: الكلب؛ الذئب؛ القيوط؛ ابن آوى، الثعلب.

9 - وتستخدم للفصل بين عدد من المصادر ضمن حاشية واحدة، ومثاله:

العقاد ص(142)؛ شلق ص(64)؛ عبد الغني ص(231).

....................

ج - (.) النقطة، وتسمى الوقفة أو القاطعة.

تدل على وقف تام، وتكتب - كما ذكرنا سالفاً - ملاصقة للكلمة التي تسبقها ولا يترك فراغ بينهما، وتُستعمل لأغراض متباينة، من أهمها:

1 - بعد أن تستوفي الجملة، ذات المعنى التام، قواعد اللغة، سواء أكانت جملةً اسمية أم فعلية أم مركبة، دون تعجب أو استفهام، ولا كلام بعدها، أو تلاحظ جملة أخرى، أو أكثر، تطرق معنى جديدًا، غير ما عُرض؛ فهنا لكلِّ جملة نقطتها الخاصة، كما ترى في المثالين الأخيرين من الأمثلة التالية:

- النظافة من الإيمان.

- رأس الحكمة مخافة الله.

- دخل الطبيب المستشفى في الساعة الثامنة صباحاً.

- المهندسون مجتمعون في مكاتبهم، ويعمل العمال داخل المعمل.

- من نقل إليك، نقل عنك. رضى الناس غاية لا تدرك. ولله الأمرُ من قبلُ، ومن بعدُ.

- قال الإمام علي: أول عوض الحليم عن حلمه أن الناس أنصاره. وحد الحلم ضبط النفس عند هيجان الغضب. وأسباب الحلم الباعثة على ضبط النفس كثيرة، لا تعجز المرء.

2 - يجوز استخدامُ النقطة داخل علامات التنصيص، إذا كانت جملة مكتملة بذاتها، ولا سيما إذا كانت طويلة. مثال قول البحتري:

" كُنتُ في حَداثَتي أرُومُ الشِّعْرَ، وكنتُ أَرْجِعُ فيهِ إلَى طَبْعٍ، ولَمْ أَكُنْ أَقِفُ علَى تَسْهيلِ مَأْخَذِهِ، ووجُوهِ اقْتِضابِه، حتى قصدتُّ أبا تَمَّامٍ."

3 - في نهاية الفقرة، مثل:

الأدب هو نوع من أنواع التعبير الراقي عن المشاعر الإنسانيّة التي تجول بخاطر الكاتب، والتعبير عن أفكاره، وآرائه، وخبرته الإنسانيّة في الحياة، وذلك من خلال الكتابة بعدّة أشكال، سواء أكانت كتابة نثريّة أو شعريّة، أو غيرها من أشكال التعبير في الأدب.

4 - بعد الحروف التي ترمز لدرجات علمية، أو شهادات عليا، أو اختصار لرموز، مثل:

أ. د. (أستاذ دكتور).

أ. م. (أستاذ ماجستير).

أ. م. د.(أستاذ مساعد دكتور).

ق. م. (قبل الميلاد).

ص. ب. (صندوق بريد).

ك. م. الأسدي(كريم مرزة الأسدي).

5 - توضع في عناوين المواقع والبريد الإلكتروني في الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، في الوقت الحاضر.

6 - نهاية الجملة الاعتراضية المتكاملة المحصورة بين قوسين، وإذا انتهت الفقرة بها؛ لا حاجة أن تضع نقطة بعد القوس الثاني، نحو:

(سنكمل البحث في العدد القادم، إن شاء الله.)

7 - من المستحسن وضعها بعد الفقرات المرقمة أو المتتابعة، والتي تبدأ من سطر جديد، ولو لم تكن جملة كاملة، وإنما شبه جملة، ونورد المثال التالي:

يلزم المتقدم أن يكون:

1 - حسن السيرة.

2 - ملتزماً بالدوام الرسمي.

3 - سليم البنية.

- قد تستخدم عقب الأحرف أو الكلمات أو الأسماء المختصرة، ومثاله: 4

ص. ب. (صندوق البريد).

ــــــــــــــــــ

ثانياً - علامات النبرات الصوتية: (؟ ! : ...)؛ وهي علامات وقف أيضا، لكنها إضافة إلى الوقف – تتمتع بنبرات صوتية خاصة وانفعالات نفسية معينة كالتعجب والتساؤل والتأمل ...أثناء القراءة.

أ - علامة الاستفهام (؟):

توضع بعد الجملة الاستفهامية المفيدة ملاصقة للكلمة التي تسبقها، ولا يترك فراغ بينهما، سواء أكانت أداة الاستفهام مذكورة في الجملة، أم محذوفة، وتنوب عن النقطة.

والاستفهام يعني أن الناطق للجملة ينتظر إجابة أو استجابة؛ أما إذا كان لا ينتظر واحدة منهما حين التلفظ بها؛ فلا توضع علامة الاستفهام إلا بين علامتي التنصيص،فيكتب النص كما ورد.

تستعمل علامة الاستفهام في المواضع التالية:

1 - إذا كانت أداة الاستفهام مذكورة، مثل:

- مَنْ ربّكَ؟

- مَنْ أينَ لك هذا؟

- أتذهب إلى السوق أم إلى المدرسة أولاً؟

متى يعود عليٌ من الدائرة؟

- أبن مفر مديرية التربية؟

2 - وهذه أمثلة عن الأدوات المحذفة:

- تدري الأمور تجري بما لا تشتهي السفن، وتصمت؟

أي: أتدري، أو هل تدري؟ ...فأداة الاستفهام مقدرة .

- تدخل المستشفى، ولا نعلم بصحتك؟

أي: أتدخل، أو هل تدخل؟...أداة الاستفهام مقدرة.

3 - عند الشك في معلومة أو عدم التأكد من صدقها، مثل:

تعددت الأراء والروايات حلول ميلاد ووفاة أبي نواس، فهل ولد سنة ست وثلاثين ومائة، ومات ببغداد في سنة خمس وتسعين ومائة؟ أو كان مولده في سنة خمس وأربعين، وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائة؟ أو كما يذكر ابن المعتز في (طبقات شعرائه)، ولادته سنة تسع وثلاثين ومائة، ومات،سنة خمس وتسعين ومائة؟

فذلكة الأقوال، مما سبق نكاد نقتنع أنه قضى في هذه الحياة ما يقارب (59 عاما).

4 - جملة استفهامية بصفتها جزءًا من جملة خبرية، وقد تكون بين علامتي تنصيصٍ، وهنا توضع علامة الاستفهام عند نهاية الجملة، داخل علامة التنصيص؛ وذلك لأن السائل عند توجيه السؤال كان ينتظر الإجابة، ومثاله:

- يسأل المعلم الطالب:"من ربك؟"

أو لا تكون الجملة الاستفهامية بين علامتي تنصيص، وإنما فقط جزء من الجملة الخبرية:

- يسأل المعلم الطالب من ربّك؟

5 - قد تكون الجملة الاستفعامية مجرد طلب مؤدب، أو توجيه ورجاء، نحو:

أتسمح لي بسؤال؟

نعم، تفضل.

هل لي أن أعرف الطريق إالمؤدي إلى محطة القطار؟

.................

ب علامة الانفعال أو التأثر، وتسمى علامة التعجب (!):

تعبِّر هذه العلامةُ عن العواطف أكثرَ مما تعبر عن الفكر، أو القضايا العلمية البحتة، المبنية على التجارب، والاستنباطات العقلية ؛ لهذا لا تستخدم في الكتابات العلمية، ربما على هوامشها؛ كأن تندهش من نتائجها، أو تتأسف لفشلها.

مهما يكن الأمر، تستخدم للتعبير عن الانفعالات النفسية تجاه الأشياء غير المتوقعة أو المستنكرة، وقد تعبر عن التعجب، أو الإعجاب، أو الفرح، أو الحزن، أو التهكم، أو التحذير، أو الاستغاثة، أو الدعاء.

وتنوب عن النقطة، ولا يجوز ترك فراغ بينها، وبين آخر كلمة في الجملة.

وتوضع بعد الجمل التي تعبر عن الانفعالات النفسية، في المواضع التالية:

1 - التعجب، مثل

- ما أجمل نهرالفرات!

- لله درّك لاعبا!

2 - الدعاء، مثل:

- يا الله عفوك!

- تبّت يداك أيّها السارق!

3 - الإغراء، نحو:

- يا شباب: الدراسة الدراسة!

- فوزكم ركضكم ركضكم!

4 - التحذير، مثل:

- إيّاك الغيبة والنميمة!

- حذارِ حذار السرعة القاتلة!

5 - الفرح، مثل:

- يا بشراك النجاح!

- وا فرحتاه! فاز فريقنا.

6 - الحزن، مثل:

- وا خيبتاه!

يا حسرتي!

7 - الاستغاثة، مثل:

- وا معتصماه!

- رحماك رحماك يا ربّي!

8 - الدهشة، مثل:

- يا لروعة الخضرة قرب النهر الرقراق!

9 - التحبيذ، مثل:

- يا حبذا أمينتي وكلبها!

- مرحى لكم مرحى لكم!

10 - التمني، مثل:

- يا ليتنا كنّا معكم!

11- الترجي، مثل:

- لعلّ الدهر يرجعنا كما كنّا!

12 - المدح، مثل:

- نعم الرجل الصادق!

- حبذا الصديق الصدوق!

:13 - الذم، مثل

- بئس اللاعب الخشن!

- لا حبذا من رضى ذلّا!

14 - التأسف، مثل

- وا أسفا على العشا!

مطبقًا مكشمشا!

قد ظفر الهرُّ به، ونال منه ما يشا!

15 - التذمر، مثل:

- طفح الكيل!

- بلغ السيل الزبى!

16 - الندبة، مثل:

- وا كبداه!

- وا ابناه!

17 - الإنذار، مثل:

- ويل للظالمين!

18 - التحذير، مثل:

- إياك وصديق السوء!

19 - التأفف، مثل:

- أف لكم من معشرٍخذلوا!

20 - الإغراء، مثل:

- الجائزة الجائزة!

- التفوق التفوق!

21 - وقد تأتي علامة التعجب بعد علامة الاستفهام في حالات، مثل:

أ - بعد الاستفهام التعجبي، مثل:

- أنت فعلت هذا؟!...إذا كان السؤال عن فعل يُعجب منه.

- كيف أصدّقك، وأنت تكذبني دائمًا؟!

ب - الاستفهام الإنكاري، مثل:

- كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وهل يكُبُّ الناسَ على مناخرهم في جهنم إلا حصائدُ ألسنتهم؟!)

- أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرٌ؟!

...................

ج - (:) النقطان الرأسيتان، أو الشارحة.

وتسميان أيضاً علامة التوضيح والحكاية، أو نقطتي التفسير والبيان؛ أي أنهما تستعملان في سياق التوضيح عمومًا.

تُوضع النقطتان (:) في الجملة، وتستعملان في سياق التوضيح والتبيين، أي توضّح ما جاء قبلها، وتوضع بين القول ومَقولِهِ، وبين الأشياء وأقسامها، وقبل المنقول والتمثيل والتفسير. وتكتب ملاصقة للكلمة التي تسبقها ولا يترك فراغات بينهما، من مواضع استعمالهما:

:1 - بين القول وصاحبه، مثل

- قال الطبيب: مرض أحمد غير خطير.

2 - بعد فعل بمعنى قال، مثل:

(حكى، حدث، أخبر، سأل، أجاب، روى، تكلم، صرخ، صاح...)، مثل:

صرخ المريض: وا ألماه.

- صاح المضربون: لا نأكل.

- سألته: من أين لك هذا؟ فأجاب: من أبي.

: 3 - قبل التعداد، أو بين الشيء وأقسامه، مثل

- هؤلاء الطلاب: أولهم أحمد، ثانيهم همام، ثالثهم سليم.

- يتركب جسم الإنسان من: الرأس، العنق، الجسد، الأطراف الأمامية والخلفية.

4 - قبل التفسير، مثل:

العسجد: الذهب.

اللجين: الفضة.

- بين الكلام المجمل، والكلام الذي يتلوه موضحا له، مثل:5

- المرء بأصغريه: قلبه، ولسانه.

6 - قبل الكلام المقتبس أو المنقول، مثل:

- جاء في إحياء علوم الدين للإمام الغزالي “ج1 ص111” في أوَّل كتاب أسرار الطهارة قوله: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "بُني الدِّين على النَّظافة"

من الأقوال المأثورة: العقل السليم في الجسم السليم.

7 - قبل الأمثلة التي تساق لتوضيح قاعدة، أو حكم، وغالبا ما تستخدم النقطتان في هذه الحالة بعد كلمتي (مثل)، أو (نحو) أو قبل الكاف، مثل:

- الطباق الإيجابي، مثل قول دعبل:

لا تعجبي يا سلمُ من رجلٍ*** ضحك المشيبُ برأسهِ فبكى.

- بعض الحيوان يأكل اللحم: كالأسد، والنمر، والذئب ؛ وبعضه يأكل النبات: كالفيل، والبقرة والغنم.

- الفعل المطلق من جنس الفعل، نحو: ركضتُ ركضًا، ومن غير جنسه، نحو: فرحتُ جذلًا.

8 - في التحقيقات القضائية أو الإدارية، بعد حرفي «س» و«ج» اللذين يرمزان إلى كلمتي: سؤال وجواب، مثل:

- س: ما اسمك؟

ج: عبد الله.-

- س: عمرك؟

- ج: 30 سنة.

9 - في كتابة الوقت للفصل بين الساعات، والثواني مثل

- الساعة الآن 4 :15

أي الساعة الرابعة والربع.

10 - بعد الصيغ المختومة بألفاظ: (التالية)، (الآتية)، (ما يلي)، أو ما يشبهها، مثل:

- كما في البيت التالي :

وإني لتعروني لذكراك هزة*** كما انتفض العصفور بلله القطر

- اقرأ الجمل الآتية:

أ ـ أبداً لم يهزَّنا الزلزالُ.

ب ـ تذكّرقدرة الله عليك.

ج - سبحان الله بكرةً وأصيلا.

...................

د - علامة الحذف (...)، وتسمى أيضا علامة التنصيص، أو التقطيع، أو (نقط الاختصار)، أو (نقط الإضمار). وهي ثلات نقط (لا أقل ولا أكثر)، وتستخدم ملاصقة للكلمة التي سبقتها، لتدل على أن الكلام لم ينته، أو أنه حدف منه شيء اختصارًا، أو عيبًا يخدش الحياء، أو أن الكلام المحذوف لا ضرورة لإتباته، أولم يستطع الناقل الحصول عليه، تنبيهاً على النقص. وذلك فيما يأتي:

1 - ليدل القارئ على أنه أمين في النقل، ولم يبتر الكلام المنقول، مثل

قال الجاحظ في كتاب البخلاء: "كنت عند شيخ من أهل مرو، وصبي له صغير... فقلت له: إما عابثاً وإما مُمتحناً: أطعمني من خبزكم، قال: لا تريده هو مر..."

وكذلك في النص السابق المنقول، وضعناها مكان الكلام المحذوف، وفي نهاية الجملة التي قطعناها، لأن النص مجرد تمثيل. ونجعلها في نقطة ثانية لزيادة التوضيح.

2 - توضع في نهاية جملة قطعت عمدا لسبب من الأسباب، مثل:

قال العقاد: "فكرتك أنت فكرة واحدة، وشعورك أنت شعور واحد، وخيالك أنت خيال فرد..."

3 - نضعها مكان الأقوال التي تخدش الحياء، مثل:

لقد نعتها بألفاظٍ سوقية، لا يمكن لعاقلٍ أن يتفوّه بها، قائلا يا...فخرجت من حينها حياءً.

4 - توضع للدلالة على الإيجاز والاختصار، مثل:

هذا كتاب نصوص شعرية لشعراء من العصر العباسي كابن الرومي والبحتري والمتنبي والمعري...

5 - قد تجد أكثر من علامة حذف (...) في نص واحد؛ فعندما ينقل الكاتب جملة أو فقرة أو أكثر من كلام غيره؛ للاستشهاد بها في تقرير حكم، أو في مناقشه فكرة، قد يجد أكثر من موقف يشير إلى الاكتفاء ببعض هذا الكلام المنقول، والاستغناء عن بعضه، مما لا يتصل اتصالا وثيقا بحاجة الكاتب، فيحذف ما يستغني عنه، ويكتب بدل المحذوف علامة الحذف؛ لتدل القارئ على أن الكاتب المقتبس أمين في النقل، ولم يبتر الكلام المنقول، مثل:

في فن المقال لطه حسين

"ليس كل محافظة على القديم تقليدا، (ولا كل إضافة على القديم تجديدا)، وإنما للتقليد وللتجديد في الحياة الأدبية...أصول وشروط لا تتحقق المحافظة إلا بـها، وليس شيء أيسر من التقليد ولا أيسر من التجديد في حياة الناس المادية، لأن حياتهم المادية محدودة بما يتاح لهم وما لا يتاح ...فهم مجددون حين تطرأ على حياتهم هذه المخترعات الكثيرة، وحــين يصطنعون هذه الأشياء الجديدة التي تجلب إليهم من الخارج، وإن كانوا في الوقت نفسه لم يبتكروا هذه الأشياء... وإنما هم يستعملونها مقلدين للذين اخترعوها..."

ـــــــــــــــــــــ

ثالثًا - علامات الحصر: (- « » () [ ] { })؛ وهي تساهم في تنظيم الكلام المكتوب، وتساعد على فهمه، واستخدمت في العصر الحاضر الألوان التي أصبحت تؤدي الغرض نفسه أحيانًا.

..............

أ - الشرطة: (-) وتسمى الوصلة، أو العارضة، وتستعمل في المواضع الآتية:

1 - بين العدد رقماً أو لفظاً وبين المعدود؛ إذا وقعت الأعداد ترتيبية في العناوين، وفي أول السطر، مثل:

- تقسم البلاغة إلى ثلاثة علوم:

1 - علم البيان.

2 - علم المعاني.

3 - علم البديع.

- تصنف العلوم حسب العديد من المعايير، فهي تتميز:

أولًا - بأهدافها كالعلوم الأساسية، والعلوم التطبيقية.

ثانيًا - بمناهجها كالعلوم الخبرية أو التجريبية، والعلوم التجريدية أو الصحيحة.

ثالثًا - بالمواضيع التي تدرسه كالعلوم الطبيعية، والعلوم الإدراكية، والعلوم الإنسانية أو البشرية.

: 2 - للدلالة على توزيع الحوار بدلا من ” قال ” أو ” أجاب “، مثل

الأب يخاطب ابنه محاورا:

- الأب: هل ذهبت إلى المدرسة؟

- الابن: نعم، قد ذهبت.

- الأب: ماذا درست هذا اليوم؟

- الابن: اللغة العربية، الرياضيات، العلوم، التاريخ.

- الأب: هل وجدت صعوبة في هذه الدروس؟

- الابن: بعض الشيء في الرياضيات.

3 - في أول الجملة الاعتراضية، وآخرها، وتقع جملة الاعتراض بين متلازمين أو متصلين، كالمبتدأ والخبر، والفعل ومفعوله، ويؤتى بها للدعاء، أو الاحتراس، أو التتريه، أو ما شابه ذلك، مثل:

- ولد ابني - رعاه الله - في يوم عيد الفطر المبارك.

- الشريف الرضي- رحمه الله- شاعرٌ هاشمي من الطبقة الأولى.

- العلمُ- وإن كان بعيدًا- مطلوب.

ملاحظة: استخدام الشرطة في العربية في الكتابة الشبكية - للجمل الاعتراضية- غير ملائم، لأن كتابتها ملاصقًا للكلمة قد لا يتناسب مع بعض الحروف الموازية للسطر، وكتابتها بعيدا عن الكلمة قد يؤدي لتظهر بداية السطر الجديد وحدها؛ مما يبعدها عن الكلمة، وعن المعنى، ويفضل استخدام القوسين الهلاليين بدلا منها، آو استخدام فاصلتين بدلا منهما

4 - بين المبتدأ والخبر؛ إذا أسهب الكاتب في توضيح بينهما، مثل:

- الشاعر- الذي يشتهر شعره بين أبتاء عصره، وتتلاقف شعره ألسنة الأجيال، ويقال عنه: مالئ الدنيا، وشاغل الناس- عبقريٌّ عظيم.

5 - بين الشرط وجوابه؛ إذا كان بينهما كلام طويل، مثل:

- إنْ درستَ متفانيًا بجد- وتركت اللهو مع الأصدقاء، ولعب كرة القدم في كلّ أوقاتك، والذهاب إلى السينما يوميًا، ولا تحرص على تنظيم وقتك- نجحتَ بتفوق.

6 - والحق قبل وبعد كل جملة طوبلة تعترض لتوضيح معاني اسم (إن وأخواتها)، أو (كان وأخواتها)....ويعقبها الخبر، أو إجمال ثم ىخبر، مثل:

كان الرجل- في عمله الشاق، وظروفه التعسة، وتكالب الدنيا عليه، وكثرة أطفاله، ومتطلباتهم، ومدارسهم،مع كل ذلك- عفيفًا صادقًا شامخا.

7 - بين جزئي الكلمة المركبة عند إرادة فصل جزأيها، وبين جزئي المصطلح المركب، مثل:

بعل- بك (بعلبك).

حضر- موت (حضر موت).

مَعْدِ - يكَرِبُ (مَعْدِ يكَرِبُ).

سيب - وَيْهِ (سيبوَيْهِ).

اون - لاين (اون لاين).

البترو- كيماوي (البتروكيماوي).

8 - للفصل ببن الكلمات المفردة أو الأرقام في التمثيل، مثل:

- اذكر معاني الكلمات الآتية:

عذل - ولج - نفد - سرد - همد.

- راجع أرقام الشواهد الوردة في شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك:

81 - 93 -107 - 121 - 133- 142.

تنويه:

الشارطة تستخدم الآن في البرمجة الإلكترونية، كالبريد الإلكتروني، أو أسماء المواقع، وهنالك الشرطتان (ــــ)، والشرطة المنخقضة (_) (اندر سكور)، لا تستعملان في اللغة العربية.

............

ب - ()، (القوسان الهلاليان):

يوضع أو توضع بينهما الجمل، أو شبه الجمل، أو الألفاظ التي ليست من الأركان الأساسية للكلام، وهي كما يلي:

1 - العبارات التي يراد لفت النظر إليها، مثل:

- أخبرته مرارًا وتكرارًا (وسرّني مديره برغبته في طرده)، أن بجدَّ في عمله، لأنه مصدر رزقه الوحيد.

- كان وفيًا جدًّا لأخيه (وأنا الأدرى بهما)، ولكن لم يقابله بالمثل.

2 - التمثيل لمجمل كلام سابق، مثل:

- الأمراض المعدية التي تصيب الأطفال (كالحصبة والجدري والسعال الديكي والنكاف...)، يجب الوقاية منها بالمراقبة والتطعيم.

3 - ألفاظ التفسير والإيضاح والتحديد، مثل:

- وصلت مدينة دار السلام (بغداد) صباحًا، وتجوّلت في معالمها الشهيرة.

- المؤسسات التعليمية العليا (الجامعات، الكليات، والمعاهد)، يجب أن تزوّد بأجهزة الحاسوب، والمختبرات العلمية.

- إنَّ العراق (وهو من أكبر البلدان المصدرة للنفط)، يجب أن يتطور عمرانيًا وصناعيًا وزراعيًا وعلميًا.

- شاعر العرب الأكبر(محمد مهدي الجواهري)، عاش معظم حياته منفيًا متغربًا.

4 - إذا كان هنالك أكثر من اسم لمصطلح نريد تعريفه، نذكر المشهور، ونضع الأخرى بين القوسين، مثل:

- البندورة (طماطم، قوطة)، نبات عشبيّ حوليّ قصير متسلِّق ثمرته حمراء مغذية تؤكل نيئة ومطبوخة.

5 - ألفاظ الاحتراس، منعا للبس، مثل:

يَتقارَظانِ المَدْحَ (بالظاء أخت الطاء)، يتَقارَضان المَدَحَ أَو الذَّمَّ (بالضاد أخت الصاد).

6 - تصرفات وحركات الممثلين في المسرحيات، الخارجة عن النص، مثل:

المرأة (باستغراب): وهل للصراخ معنى؟

الرجل (هازئًا) : هكذا يقول أهل الثقافة والفنون!

7 - الأسماء والعناوين غير العربية للفت نظر القارئ إليها، إلا المشهورة فلا داعي للأقواس، والاكتفاء بشهرتها، مثل:

- ولد الفيلسوف الألماني (ماكس شيلر) في (ميونيخ)، ألمانيا، عام 1874، وتوفي في فرانكفورت 1928، ودفن مع زوجته الثالثة، (ماريا ني شو).

وضعت (ميونيخ) الألمانية بين القوسين رغم شهرتها، لكي لا يلتبس على القارئ الأمر، ويخلط بينها وبين مدينة (زيوريخ) السويسرية، بينما فرانكفورت، لم أحصرها بين قوسين مكتفيًا بشهرتها.

8 - الأرقام والتواريخ، تحصر بين الأقواس، مثل:

- الرقم (99) أكثر فخامة في اللفظ من الرقم (100)!

- ولد الشاعر العبقري الخالد ابن الرومي سنة (221هـ)، وتوفي سنة (283هـ).

9 - تأتي - أيضًا- داخل أقواس التنصيص الأصلية، إذا جاء نص آخر للمنقول عنه، مثل:

- قال لي أبي ناصحًا: "عليك بالصدق والوفاء والإخلاص في العمل، وقال والدي: (ما نجحت في حياتي، إلا بهذه الخصال.)، وهذه سيرتنا قد توارثناها عن الآباء والأجداد."

تنويه: تُرسم علامة التنصيص أو المزدوجان هكذا (« »)، لكن لصعوبة كتابة هذا الرمز على لوحة المفاتيح عندنا، فنرسمها هكذا (" ")، نرجو أخذ العلم.

10 - عند تفسير كلمات أو مصطلحات شائعة، أومختصرة، أومنحوتة:

أ - الكلمات الشائعة، مثل:

- الذّهب الأسود (البترول).

ب - كلمات مختصرة، مثل:

- جوقد (الجبهة الوطنية القومية الديمقراطية)، كانت من المعارضة العراقية.

ج - كلمات منحوتة، والنحت: هو اختصار أو اختزال لكلمتين أو أكثر، مثل:

بسم الله الرحمن الرحيم) : البسملة.)

(الحمد لله) : الحمدلة.

(لا إله إلا الله) : الهيللة.

لا حول ولا قوة إلا بالله) : الحوقلة.)

سبحان الله) : السبحلة.)

(حسبي الله) : الحسبلة.

(ما شاء الله) : المشألة.

(سلام عليكم) : السمعلة.

أطال الله بقاءك) : الطلبقة.)

أدام الله عزك) : الدمعزة.)

(جعلت فداك) : الجعفدة.

(الله أكبر) : التكبير.

..................

ج -علامة التنصيص، ويطلق عليها «علامة الاقتباس»، أو «المزدوجتان»، وعلينا أنْ ننوّه بادئًا:

تُرسم علامة التنصيص أو المزدوجان هكذا (« »)، لكن لصعوبة كتابة هذا الرمز على لوحة المفاتيح عندنا، فنرسمها هكذا (" ")، نرجو أخذ العلم. والسبب الأخيرة، غير مناسبة، وغير متوافقة مع شكل الحروف العربية التي يكتب بعضها على مستوى السطر مثل السين والشين وما شابه. وذلك عندما نقل الأديب المصري الراحل أحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة علامات الترقيم إلى العربية عام 1911م بطلب من وزارة التعليم المصرية في حينه فقد حدد علامات التنصيص المزدوجة بما يشبة الأقواس التالية: « ». ولو عدنا إلى كتب الأدب القديمة سنجدها كذلك؛ ولكن عندما ظهر الحاسوب وأدخلت مايكروسوف لوحة المفاتيح العربية فقد بدأ الكتاب العرب يستخدمون الأقواس الغربية (" ")، خطأ واستمروا في ذلك.

والأقواس « » ليست الأقواس التالية < > فالأولى أقواس للتنصيص، فيما الثانية تستخدم في البرمجة والرياضيات، ويجب عدم استخدامها في النصوص الأدبية، سنأتي عليها لاحقا في الفقرة الرابعة.

توضع علامة التنصيص:

1 - في أول الكلام المنقول، وآخره، بنصه حرفيا، سواء أكان جملة أم فقرة …، مثل:

جاء في(الكامل في اللغة والأدب)، لأبي العباس المبرد (ج 4، ص 31)، ما يلي: "وحدثني العباس بن الفرج الرياشي قال: قدم رجل من البادية، فلما صار بجبل سنام مات له بنون، فدفنهم هناك، وقال:

دفنت الدافعين الضيم عنــي ... برابية مجـــاورة سـناما

أقول إذا ذكرت العهد منهم ... بنفسي تلك أصداء وهاما

فلم أر مثلهم ماتوا جميعاً*** ولم أر مثل هذا العام عاما"

2 - عند الكلام عن لفظة أو مفردة، ومناقشة معانيها، واستخداماتها، وخصوصًا إن جاءت في كتب مهمة كالقرآن الكريم، أو كتب نحوية أو لغوية دقيقة، مثل:

- ورد لفظ « الزّكَاة » في القرآن الكريم في ثمانية وخمسين موضعا.

- ألاّ مركبة من "أن " الناصبة " ولا" النافية "، أو من "أن " المخففة من الثقيلة، و" لا" " النافية للجنس.

3 - عند استخدام مفردة شعبية (أو الحسجة العراقية) في النص الأدبي الفصيح، مثل:

- كانت جلسة أدبية ممتعة هادئة، وتساجل فيها الشعراء بأشعارهم الارتجالية البليغة الهادفة حتى دخل "المسودن ولاصها"؛ فخرجنا جميعًا ساخرين.

.................

د - القوسان المعقوفان، يرسم القوسان المعقوفان([ ])، ويوضعان:

1 - لحصر كلام الكاتب عندما يكون في معرض نقل كلام لغيره بنصه، مثل:

- يقول الدكتور طه حسين عن أبي العلاء المعري: وهو إذا تحدث عن هذا الخالق الحكيم تحدث عنه في لهجة صادق يظهر فيها الإخلاص واضحاً جلياً. [ والحق كان المعري يؤمن بالله، وهو القائل:الله لا ريبَ فيه، وهو محتجبٌ بادٍ.]، ولكنه عاجز عن فهم هذه الحكمة التي يمتاز بها هذا الخالق الحكيم.

الكلام بين القوسين المعقوفين لكاتب هذه السطور.

2 - للفت النظر، مثل:

يقول المتنبي: وإذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ* * فهي الشهادةُ لي بأنّي كاملُ [والكمال لله وحده.]

3 - تستخدم بشكل مشابه للقوسين السابقين الهلالين، ولكن يفضل استخدامهما بشكل خاص للهوامش في الدراسات والأبحاث. إذ على الكاتب أن يذكر فيهما رقم الهامش أو الهامش نفسه، مثل:

- أنا حتفهم ألج البيوت عليهمُ*** أغري الوليد بسبّهم والحاجبا[الجواهري]

- بعض البلدان تقيس المسافة بالميل وليس بالكيلو متر، والكتلة بالباوند وليس بالكيلو غرام. [الميل يساوي 1.6093 كيلو متر. الباوند يساوي 0.4536 من الكيلو غرام.]

..............

هـ - القوسان المزهران ({ })، ويستعملان:

1 - لحصر الآيات القرآنيّة، عند الاستشهاد بها، مثل:

إن الله غفور رحيم لمن ضلَّ سبيلا، الآية الكريمة تقول:{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى }، واشترط الله الإيمان، والعمل الصالح، والهداية.

2 - في المعادلات الرّياضيّة والكيميائيّة والفيزيائيّة.

ـــــــــــــــــــــــــــ

تأكيد...تأكيد...تأكيد:

نؤكد على النقاط الآتية، قبل الانتفال إلى علامات ترقيم البرمجة والرياضيات، والعلامات الآخرى:

- 1 - علامات الترقيم كافة التي تآتي مباشرة بعد الكلمة تكتب ملاصقة لها ولا يترك فراغا بينها وبين الكلمة التي تسبقها، وهذه الإشارات هي: (النقطة، الفاصلة، الفاصلة المنقوطة، النقطتان، علامة الاستفهام، علامة التعجب، وعلامة الحذف.

2 - الكلام داخل الآقواس يكتب مباشرة بعد فتح القوس دون فراغات، ويغلق القوس مباشرة بعد انتهاء اَخر كلمة فيه.

3 - علامات الاستفهام، والتعجب، متى تأتي داخل الأقواس، أو خارجها؟

أ - إن جاءت على لسان كلام منقول تكتب داخل القوس المعني. أيّ ينقل النّص حرفيّا مع علامات ترقيمه.

ب - وإن جاؤت من الكاتب أو الباحث التاقل للنص، تكتب خارج القوسين.

ـــــــــــــــ

رابعًا -علامات الإشارات المستخدمة في البرمجة آو الرياضيات(< > * & ^ \ /).

مدخل جديد لما يأتي:

علامات الترقيم وضعت لعدم التباس جمل وفقرات النص الأدبي النثري أو الشعري، ولسعة إدراك وتفهم وفهم الأفكار والمعاني والصور والتخيّلات، وتطورت منذ بدايات صدر الإسلام، بدأت بوضع الحركات والنقط على يد أبي الأسود الدؤلي، ومن بعدعلى يد العالمين اللغويين نَصْرَ بنَ عَاصِمٍ، وَيَحيَى بنُ يَعْمُر، فقاما بنقط الحروف المتشابهة في الرسم للتمييز بينها.

وفي العصر العبّاسي، ابتدع الخليل الفراهيدي، حركات الكسر والضم والفتح، والشدّة والسكون والمد؛ ثم ابْتُكِرَتْ رسوم الشّدة، والتنوينات المتراكبة للفتح والضم والكسر، ورموز أخرى، مثل: ...إلخ، واهـ.

والدنيا تتطورعلى مرور الزمان، وقد تحدث طفرات علمية وتقنية غير محسوبة، فبعد الثورة في عالم التكنولوجيا والنشر الإلكتروني برزت تقنيات فنية كثيرة أصبح بإمكاننا الاستعانة بها في نشر البحوث العلمية، والمقالات والنصوص الأدبية، ودوّننا علامات ترقيم الفقرة الرابعة، ومن بعدها ستأتينا الفقرة الخامسة، ومن جديد تقنياتها استخدام الألوان كعلامات ترقيم في النصوص الأدبي لإبراز عنوان محدد، أو كلمة واحدة، وتؤدي الهدف المنشود.

......................

وإليكم علامات ترقيم الفقرة الرابعة، ومواضع استعمالها:

الأقواس المثلثة. (< >)

الإشارة المائلة. (/)

الإشارة المائلة المعاكسة. (\)

(^) إشارة القوة المرفوعة.

إشارة الضرب. (*)

إشارة العطف. (&)

......................

أ - الآقواس المثلثة (< >).

هذه الآقواس غير بارزة، وغير شائعة الاستعمال في النصوص الأدبية، تستخدم بشكل خاص في الرياضيات، والعلوم البحتة، وبرامج الكمبيوتر، وقد يلتبس الأمر على من يستعملها نادرًا، فيقع في التضاد مما يريد قوله، مثل:

خمسة > من أربعة، يعني (خمسة أكبر من أربعة).

الخمسون < من المائة، يعني (الخمسون أصغر من المائة).

وهكذا:

650 > 450

132 < 234

دائمًا فتحة القوس المثلث لجهة الرقم الكبير.

:(/) ب - الإشارة المائلة

تستخدم في البرمجة، وتحدبد تاريخ اليوم والشهر والسنة، مثل:

1- كتابة التاريخ:

- اليوم الأربعاء المصادف 10 / 4 / 2019م

بعضهم يستخدم الشرطة عن الإشارة المائلة في كتابة التاريخ:

- اليوم الأربعاء المصادف 10 - 4 -2019م

2 - للفصل، أو المقارنة بين عناصر مختلفة، أوالاختيار المتعدد بينهم، مثل:

- قارن بين: الأوكسجين / ثاني أوكسيد الكاربون / النتروجين.

3 - تستخدم في الرياضات عند قسمة عدد على عدد، مثل:

256 / 16= 16

ج -الإشارة المائلة المعاكسة (\).

تستخدم في البرمجة، وعناوين المواقع الإلكترونية، وتكون باللغات اللاتينية، ولا تستخدم في النصوص الأدبية.

د - إشارة البريد الإلكتروني(@)، والتي تآتي فقط مع الآحرف اللاتينية، مثل:

karim_alasady@yahoo.com

هذا مجرد بريد إلكتروني وهمي كمثال، لا تستخدم نهائيا هذه الإشارة في النصوص العادية حتى لا تتضارب مع لغة البرمجة.

هـ - إشارة القوة المرفوعة (^).

في الرياصيات توضع قوة الرفع رقمًا فوق الرقم الأساس المراد رفعه دون إشارة ترقيم القوة الرافعة، ولكن إذا جاءت ضمن نص، نستعمل إشارة ترقيم القوة الرافعة، مثل:

عندما كنت أسير في ساحة المدرسة، سألني مدرس الرياضيات مازحًا، ليعرف قابليتي الذهنية، اجب عن (4^5)، قلت له يساوي 625، فضحك مبتسمًا.

و - إشارة الضرب (*).

تستخدم هذه الإشارة بدلًا من إشارة الضرب (×) المستعملة في العمليات الحسابية في درس الرياضيات، مثل:

عشرون * ثلاثون = ستمائة.

ز - إشارة العطف (&).

لم يألف على استعمالها العربُ، ولن تستخدم، لأن حروف العطف في اللغة العربية، ولكلّ حرف معناه الخاص، مثل: (و، أو، ثم، أم، حتى ...)، نعم تستخدم في البرمجة وخصوصا في المسائل الرياضية.

ـــــــــــــــــــــــ

خامسًا - علامات عامة:(=)، (@)،(%)، استخدام الألوان.

أ - علامة التابعية، (=)، مثل:

أشهد أن لا إلهَ إلا الله.

= = = = = =

أشهد أن محمداً رسولُ الله.

= = = = =

ب - (@)، إشارة البريد الإلكتروني والتي تآتي فقط مع الآحرف اللاتينية، مثل:

ARABTIMES@YAHOO.COM

البريد الإلكتروني وهمي، مجرد مثال.

ج - (%)، علامة النسبة المئوية، هي طريقة لتعبير عن عدد على شكل كسر من 100(مقامه يساوي 100). يرمز للنسبة المئوية عادة بعلامة النسبة المئوية "%"، مثل: 38% (تقرأ: ثمانية وثلاثون بالمائة). ويكتب رمز النسبة المئوية « ٪ » للأرقام المشرقية.

تستخدم النسبة المئوية بكثرة في الحياة اليومية. فالمصارف تستخدمها لحساب الفوائد على المدخرات والقروض كما أن الضرائب تحسب بطريقة النسب المئوية من الدخل والأسعار ومقادير أخرى، وتستعمل في علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والجولوجيا والجغرافيا والإحصاء، وكثيرا ما يكتب العلماء نتائج ملاحظاتهم وتجاربهم في شكل نسب مئوية.

وتستعمل أيضًا- في المقالات الأدبية التي تتطرق للعلوم، أو حينما يتطلب الأمر لها.

د - استخدام الألوان: يسهل في هذه الأيام مع التطور التكنولوجي في مجال النشر الإلكتروني استخدام الألوان في إبراز العناوين، أو الفقرات المهمة التي يريد الكاتب أو الباحث التركيز عليها، وترسيخها في الأذهان، ويمكن استعمال الألوان لنص منقول، والاستغناء عن أقواس التنصيص؛ بل يمكن استعمال أكثر من لون حسب اجتهاد الكاتب أو الباحث؛ كأن يجعل لكلّ نصٍّ منقول من مرجعٍ أو مصدر لونًا خاصًا به. وهنا يحلُّ اللون محل أقواس التنصيص.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

سادسا - علامات الترقيم القديمة:

الإنسان لا يستطيع مواصلة الكلام دون فصل ووقف ووصل، وبنبرات تصاحب الكلام للتعبير عما يختلج في النفوس، واللغة العربية مثل بقية لغات العالم، وتطورت أكثر من غيرها بكثير، وخصوصًا بعد أن أصبح القرآن الكريم معجزة نبيهم، وبالتالي دينهم، وأصبحت للأحاديث النبوية الشريفة قدسية، لذلك يستوجبان الدقة والتأمل وعدم اللحن، من هنا وضعوا علامات يسيرون على هديها كاستخدام الدائرة لانتهاء الجملة، وبعض الرموز كـ(إلخ، أهـ...ونحو ذلك)، ووضع علماء البلاغة مثل هذه العلامات والرموز في باب الفصل والوصل.

أ- في المصاحف الشريفة فوق الحروف علامات للوقف؛ ولكل منها دلالة خاصة، وهي:

مـ، قلي، ج، صلى،لا،(::)

1 - الدائرة التي بداخلها الرقم موضع انتهاء الآية.

2 - مـ : علامة الوقف اللازم؛ وذلك لأن الوصلَ يوهم معنًى غير مراد من الآية.

3 - قلي: علامة الوقف الجائز، فالقارئ مخير بين الوقف والوصل، إلا أن الوقفَ أَولى من الوصل، فهذه الكلمة منحوتة من عبارة (الوقف أولى)، وهي علامةُ الوقف التام. 

4 - ج: علامة الوقف الجائز جوازًا مستوي الطرفين؛ أي إن الوقفَ والوصل سواء، ليس هناك أولوية بينهما، وهي علامةُ الوقف الكافي.

5 - صلي: علامة الوقف الجائز، فالقارئ مخيَّر بين الوقف والوصل، إلا أن الوصلَ أولى من الوقف، وهذه الكلمةُ منحوتة من عبارة (الوصل أولى)، وهي علامة الوقف الكافي.

6 - لا: علامة الوقف الذي لا يجوزُ أحيانًا، ويجوز أحيانًا أخرى، وعلى كلتا الحالتين لا يجوز الابتداء بما بعده، ويكون هذا الوقفُ في الوقف القبيح الذي لا يجوز الوقفُ عليه، ولا الابتداء بما بعده، نحو: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [الأنفال: 50]، كما يكون في الوقف الحسن الذي يجوز الوقفُ عليه، ولا يحسُنُ الابتداءُ بما بعده، نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل:20 ].

7 - (::): علامة تعانق الوقف، بمعنى أن القارئ إذا وقف على أحد الموضعين، فلا يقف على الموضع الآخر، نحو: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2]، فإذا وقف القارئ على كلمة ﴿ لَا رَيْب ﴾َ وجَب عليه أن يصل كلمةَ: ﴿ فِيهِ ﴾ بما بعدها.

.......................

ب - الألف الخنجرِية أو الألف المحذوفة (ـٰ) شكلة عربية تفيد إثبات نطق الألف الممدودة مع الحلول محلها، كما في كلمة ٱلرَّحْمَٰنُ.

الالف الخنجرية تفيد الاستمرار وعدم الانقطاع ... وكذلك تفيد التجانس بين طرفين او أكثر (اي ان هذه الاطراف ذوات نفس المكنون). أما عند استبدالها بالالف الاعتيادية فان ذلك يعني عكس ما ورد اعلاه، مثال:

الاية (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَمَىٰ وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا).

في هذه الآية نجد الألف الخنجرية في خمسة مواضع هي:

(بِالْوَلِدَيْنِ، إِحْسَنًا، الْيَتَمَىٰ، الْمَسَكِينِ، أَيْمَنُكُمْ)؛ لأن كلّ الكلمات تعني الاستمرارية؛ بمعنى جميع الوالدين، وإحسانا غير منقطع، وجميع اليتامى، وكلّ المساكين، وكل ما ملكت أيمانكم) ... وبالمقابل نجد الألف الاعتيادية في كلمة (الصاحب بالجنب)، هنا جاءت ألف اعتيادية؛ لأن هذا (الصاحب) ليس على ديننا؛ فلو كان على ديننا لكتبت الكلمة بالألف الخنجرية التي تفيد الاستمرارية والتجانس.

...............

ج - بعض علامات ضبط المصحف- كما وردت في الموسوعة الحرّة- :

ۖ - ربطة صاد مع لام مع ألف مقصورة صغيرة فوقية تفيد بأن الوصل أولى مع جواز الوقف.

ۗ - ربطة قاف مع لام مع ألف مقصورة صغيرة فوقية تفيد بأن الوقف أولى مع جواز الوصل

ۘ - شكل ميم صغيرة فوقية بدئي تفيد لزوم الوقف.

ۙ - لام-ألف صغيرة فوقية تفيد النهي عن الوقف.

ۚ - جيم صغيرة فوقية تفيد جواز الوقف.

ۛ - نقط صغيرة فوقية تفيد جواز الوقف في أحد الموضعين وليس في كليهما، وهو ما يسمى بوقف المعانقة.

ۜ - سين صغيرة فوقية إذا وقعت السين أعلى الصاد، فهي للدلالة على وجوب النطق بالسين بدل الصاد.

ۣ - سين صغيرة إذا وضعت السين أسفل الصاد؛ فهي للدلالة على وجوب النطق بالصاد بدل السين.

۟ - صفر مستدير صغير فوقي للدلالة على زيادة الحرف وعدم النُّطق به مُطلقًا.

۠ - صفر مستطيل قائم صغير فوقي للدلالة على زيادة الحرف وعدم النطق به حين الوصل فقط.

ۡ - رأس خاء صغير فوقي بلا نقطة للدلالة على سكون الحرف.

ۢ - شكل ميم صغيرة فوقية معزول للدلالة على وجوب الإقلاب.

ۤ - مدة صغيرة فوقية للدلالة على وجود مد فوق مقدار المد الطبيعي.

ۥ واو صغيرة إذا وقعت الواو مفردة صغيرة، دل ذلك على وجوب النطق بها كأنها كبيرة.

ۦ - ياء صغيرة إذا وقعت الياء مفردة صغيرة، دل ذلك على وجوب النطق بها كأنها كبيرة.

ۨ - نون صغيرة فوقية إذا وقعت النون مفردة صغيرة، دل ذلك على وجوب النطق بها.

۪ - نقطة معينة تحتية خالية الوسط للدلالة على الإمالة.

۫ نقطة معينة فوقية خالية الوسط للدلالة على الإشمام.

۬ - نقطة مستديرة فوقية مليئة الوسط للدلالة على التسهيل.

۝ - نهاية آية للدلالة على نهاية الآية ورقمها

۞ - بداية ربع حزب للدلالة على بداية الأجزاء والأحزاب وأنصافها وأرباعها.

 

كريم مرزة الأسدي

...........................

المراجع والمصادر:

ستدوّن في كتابي الذي سيصدر قريبًا، تحت عنوان (اللغة العربية بين يديك)، وعلامات الترقيم تحتل الفصل الأول منه، وقواعد كتابة الهمزة والألف اللينة الفصل الثاني، وحروف العلّة والمد واللين في الشعر العربي مفصلًا مع الشواهد الفصل الثالث، وتطور علم البلاغة الفصل الرابع، والسرقات الأدبية بين النحل وتوارد الخواطر ونظرية التأثر والتأثيرالفصل الخامس، وقضايا نحوية: ما الكافة المكفوفة؛ والمنصوب بنزع الخافض الفصل السادس، وابن زيدون وعشقه الخالد بالتمام الفصل السابع، والسخر والسخرية في الشعر العربي، ورائدها الأول دعبل الخزاعي الفصل الثامن، أجمل الحكم في تاريخ الشعر العربي الفصل التاسع.

 

السيد الزرقاني"أن تكون مختلفًا عن الآخرين يعني أن تدفع ثمن اختلافك في كل لحظة من لحظات حياتك.. حتى وإن كان الثمن هو شعورك بالغربة عن الزمان والمكان.. وأن تشعر بالغربة يعني أن تنصهر في بوتقة المعاناة الأبدية ولا تجد الخلاص إلا بخلاص روحك من أغلالها المادية المتمثلة في ذلك الجسد الذي تسكنه دون اختيار منها والذي يلزمها أن تستكمل دوره على خشبة ذلك المسرح العبثي المسمى بالحياة "

- هكذا جاءت رواية "سان استيفانو" للكاتبة "ريم أبو عيد" الصادرة عن دار "جولدن بوك" في 269 صفحة لتطرح علينا العديد من المعادلات الصعبة في العلاقات الإنسانية والاجتماعية عبر انطلاقة من نهايات أزمنه متعددة ، حاملة بداخلها أطروحات متعددة وتدفع القارئ إلي حلة من حالات التخيل البصري والزمني عند الانخراط في تلك الرواية التي تعد علامة متميزة في البناء الأدبي والفني بما تحمله من رؤى متعددة ،وصراع مشوق بين شخوص أراها قد أحسنت الاختيار في المسميات الزمنية والمكانية لتحريكها لهم علي مسرح الرواية من خلال تبني نظرية سردية في غاية الجمال حتى أن القارئ لا يمكن الهروب فيما بين السطور بما تحمله من إسقاطات  رمزية أضافت إلي النص الأدبي الكثير من القيم الأدبية التي تتميز بها الكاتبة ،فهي تعشق عبق الماضي بكل مؤثراته الزمنية والمكانية وتنسج حكايات مترابطة المضمون والأفكار والرؤى تأسر القارئ داخل مكنون اللغة الجميلة بأفكار وصراعات تحلق فيها بكل استمالة وإثارة ثم تهبط في نهايات منطقية ليولد عالم جديد في واقع حياتي جديد حيث نجدها تواصل المسيرة في نص أدبي جديد الذي يعد استكمالا لروايتها السابقة " متروبول "والتي أشارت إليها في اكثر من موضع بالرواية حتي في نهاية الرواية أن الكثير من القصص حول الإسكندرية مازالت ممتدة في المستقبل فهي تعتمد دائما علي إنهاء حدث ليبدأ بداخلها حدث جديد وأقصوصة جديدة وبطل جديد في حس روائي جديد وهذا ما نراه في ص 62 (اتجه ناحية باب الشقة بخطوات أثقلها الألم وغادر غير آسف عليها وصفع الباب بقوة وقسوة وكأنه يصفع ذلك الماضي الذي جمعهما يومًا ما.. ارتج جسدها في تلك اللحظة وهي تجلس على طرف فراشها ثم انكفأت تبكي كما لم تبكِ من قبل.. لم تكن تبكيه أو تبكي صورتها التي أضرمت فيها النيران عمدًا في مخيلته.. ولكنها كانت تغسل نفسها من كل أدرانها التي علقت بها.. أغمضت عينيها بارتياح..)

- فالرؤية الروائية عند الكاتبة ذلك النهر الجاري الذي يشق الغابة، ويأخذ من خصائص الطبيعة نكهة الحياة وتعدد المشارب وأخيلة الظلال وحواراتها مع زهرة النور، ومجسات الرواة وفي أياديهم عصيّ التنقل من مسرح إلي أخر ، وعلى رؤوسهم يحطّ طائر الأفكار المتولدة والمتداخلة ، ليستمر النهر في الجريان عبر الزمن وصولاً إلى بداية الشلال قبل أن تقول المؤلفة كلمتها، وأبطال الرواية الذين يتشابكون في صراعاتهم هم من يحددون طبيعة الأحداث التي تشق مجرى النهر مُوْدِعَةً حكاياتِها المتوالدة وجدان المتلقي، الذي سيغوص عبر الصور الشعرية التي تشكل تيارات الوعي فنزبد عند جوانب الضفتين، قبل أن يتكون السؤال في ذروة الشلال المعربد بقلق شديد حيث تكمن في طياته الدهشة.. والأحداث المتداعية تنثال حتى أعماق المعنى كالسؤال الذي سينتهي به المطاف ليذوب في بحر النهاية ممتداً حتى آخر الأفق الذي لا بد ويستيقظ على الخاتمة،لتؤكد لتا إيمانها التام بفكرة تناسخ الروح ما بين الحاضر والماضي "سارة سمعان – سارة رياض " أفكار تتوالد علي مسرح الكاتبة وان اختلفت العتابات باختلاف الزمن ومع تطور أحداث الرواية مابين الزمن الماضي والحاضر والربط بين الأحداث نجد أنفسنا بين تاريخيين متباعدين في العادات والتقاليد والأعراف والأحداث السياسية حيث استغلت الكاتبة إحداث الحرب العالمية الثانية لتضع القارئ في بؤرة الحدث التاريخي من حيث المنطق والايدولوجيا السياسية وتخطي بعدها الدرامي إلي ما

هو ابعد من ذالك في تناول الجنسيات المختلفة وإثرها في الحدث الدرامي بطريقة الفلاش باك في لحظة التذكر ،إلا أن الكاتبة تتمتع برؤية عاشق صوفي يتحاشى حديث الجسد ويعظم أشجان الروح وسماء العاطفة، ويرصع ذلك بألفاظ هي الجواهر في عقد المحبة، برغم لهيبها الذي يكوي الوجوه والقلوب.

- تلك الرواية تحتوي على العديد من القصص كلها معزوفة على وتريات الرجل والمرأة في علاقات متعددة تختلف باختلاف الزمن ومرور العلاقة بينهما، وتطورها سواء بالشكل السلبي أو الإيجابي، إلا أنها كانت حريصة كل الحرص على إظهار هذه العلاقات في شكلها المرضي لها ولثقافتها الممزوجة بين الحاضر بكل أبجدياته المعلوماتية وتقنياته الحديثة والماضي بكل مفرداته المكانية والزمنية ومسماياتة اليومية ، حيث تقر بان اللذة والألم وجهان لعملة واحدة، تربط بينهما نهايات أعصاب لا تفرق بين هذا الشعور وذاك، حين يصل أيهما إلى ذلك العمق، فيمتزج الشعوران ليصنعا معا تلك النشوة باللذة أو النشوة بالألم.حيث نجدها تسطر في بداية الفصل 22 (إن الحب لا يأتينا.. ولكننا نحن من نذهب إليه حيث ينتظرنا.. إنه يبحث عنّا كما نبحث عنه.. ينادي علينا لنتبعه.. يضع لنا ورودًا على دربنا نستدل بها على الطريق الصحيح.. يمد لنا يدًا حانية تأخذنا إلى عالم لا يشبه سواه.. يمنحنا تذكرة عبور إلى جنة لم يطأها إنس ولا جان قلبنا.. جنة أحلامنا.. ويمنح من نحب جواز مرور أبدي إلى عالمنا.. إنه تلك العصا السحرية التي تحيلنا إلى مخلوقات نورانية تسبغ على الكون وهجًا وحياة.. ربما كانت قد نسيت الحب في زحام تلك الأحداث الغريبة التي تمر بها منذ فترة ليست بالقصيرة.. وربما تكون قد تناسته متعمدة بعدما خط الفراق كلمته الأخيرة في قصتها هي وعمر.. كل ما أصبح يشغل بالها الآن أن تتمكن من الخروج من تلك المتاهة التي تبتلع أيامها..)

لتعبر لنا عن فلسفتها في الحب وهو محور تلك العلاقات المتابينة التي تزخر بها الرواية منذ الانطلاقة الأولي في إحداث الرواية وتطورها حتي النهاية إلا أننا يمكن أن نزيح الستار عن عدة محاور للرواية وهي:

1- المحور الوصفي والتحليلي:

- حيث لجاءت الكاتبة إلي إتباع الأسلوب الوصفي والتحليلي للاماكن المعنية بالحدث في الرواية معتمدة علي تلك النقاط المتعددة لتتخذ منها مسرحا للانطلاق أو إدارة حوار بين شخوص الرواية أو للتذكر لمشاهد تفصح عنها لتأكيد حدث آني سيأتي وقد نجحت في الربط بين المكان والزمان الوصفي،حيث اهتمت بالوصف التفصيلي للاماكن المختلفة ومسميتها ومدلولها وعلاقتها بالاحداث داخل الرواية ، كما انها اهتمت بالتحليل الوصفي في معظم المشاهد والحوارات داخل متن الرواية كما جاء في ص 34 (كارلوس جريجوري.. شاب وسيم في أواخر العشرينات من العمر.. من عائلة يونانية مكونة من خمسة أفراد.. الأب كان يمتلك متجرًا لبيع الحلوى والخمور.. والأم ربة منزل.. وشقيق يكبره كان يعمل نادلًا أيضًا في فندق سان ستيفانو الذي كان يعمل به كارلوس في ذات المهنة.. أقامت أسرته فترة طويلة في الإسكندرية ولكنهم غادروها إلى اليونان حين اشتدت الغارات عليها أثناء الحرب.. عرض على إيفيلين أن ترحل معهم ولكنها رفضت مغادرة بيتها ومدينتها التي نشأت فيها بالرغم من مقتل شقيقها الوحيد في إحدى الغارات.. لم يستطع هو البقاء فغادر على وعد لها بالعودة مرة أخرى بعدما تهدأ الأمور في المدينة.. فكر مليًا وهو يستعيد تلك الذكريات.. أتراها ستوافق هذه المرة على الرحيل معه أم أنها ما زالت تتمسك بالبقاء في مدينة لم تمنحها سوى الألم.)

2- محور التناقض:

- احتوت الرواية علي العيد من حالا ت التناقض الزمني حيث احتوت علي عناصر زمنية متانقضة ما بين الحاضر بكل ما يحمله من عناصر تكنولوجية متطورة وماضي سحيق ابان قيام الحري العالمية الثانية حيث نجد محور درامي يدور بين ايفلين وكارلوس وانطونيو في مكان وزمان انقضي ومحور درامي أخر علي النقيض تماما بين "عمر وسارة وغادة وياسر زهران "بتقنيات حديثة ومسرح الإحداث ألان ان الكاتبة نجحت في الربض الروحي والمعنوي بين اختلاف الزمن في كلا المحورين وأضافت عنصر يعيش الواقع ويحرص علي بقاء الماضي بكل جماله متمثلا في شخصية يحي غريب الذي جعل الحفاظ علي التراث المعماري القديم قضيته الأبدية وكان حريص علي التقاط صورا لجميع المناطق قبل إزالتها بشكل عشوائي

- احتوت الرواية أيضا علي هذا التناقض الاجتماعي مابين التعايش السلمي مابين جميع الإفراد في الماضي بين كل من (كارلوس وايفيلن) رغم اختلاف الديانات والجنسية وحتي النسب الذي لم تعرفه ايفيلين لنفسها حيث انها لا تعرف لها أب ولكن تعرف الأخ وإلام فقط وتطور علاقة حب وزواج جديد بين ايفيلين وانطونيو وتطورها الي شكل اجتماعي مستقر من خلال علاقة زوجية ناضجة والتناقض التام الذي صحب المجتمع في العصر الحديث في تلك العلاقة مابين (إسماعيل ومريم) التي ورفضتها أسرته وأجبرته علي الزواج من شقيقة زوج أخته وتقسي الشواطئ إلي خاص بالرجال وأخر بالنساء في شكل من إشكال التفرقة والتميز حيث تحاول كل طبقة ان تتمسك بما اكتسبته من عادات وتقاليد اجتماعية وتجلي ذالك في موقف إسماعيل داخل المطعم في الفصل11("لمح إسماعيل ذلك الرجل الذي كانت تتحدث فتاة أحلامه إليه.. كان يقف عند مدخل المطعم يرحب بالنزلاء الذين توافدوا على المطعم لتناول طعام إفطارهم.. هب إسماعيل من مقعده وجرى نحو الرجل قبل أن يفقد أثره مرة ثانية.. تبادل جميع أفراد أسرته النظرات باندهاش الذي سرعان ما تحول لغضب مكتوم من ذلك التصرف الأهوج الذي قام به إسماعيل والذي تسبب في إحراجهم أمام جميع من كانوا في المطعم.. كاد الأب يلحق بابنه ويعنفه إلا أن الأم أمسكت بذراعه ناهية إياه عن معالجة حماقة ابنهما بحماقة أكبر.. ظل فخر الدين يتابع ابنه بعينيه وبدت عليه الدهشة وهو يراه يقف مع عامل الفندق ويبدو أن حديثًا ما مطولًا يجري بينهما بود غير مفهوم.)

3- محور التضحية:

- وتجلي هذا لمحور المهم في تلك الرواية في مشاهد عدة وبصور متعددة ربما كان أصعبها هو انتحار مريم وإسماعيل فداء للحب الذي ولد بينهما وتطور تلك العلاقة الي الحد الذي جعل "إسماعيل يغير اسمه الي "ميلاد" من اجل عيون حبيبته المسيحية وعندما يتم اكتشاف تلك العلاقة عن طريق زوج أخته فاطمة التي تقوم هي الاخري بتوبيخ "مريم" وكشف النقاب عن حقيقة ميلاد وبأنه مسلم وليس مسيحي وتقدم علي الانتحار لأنها بالفعل كانت تحبه بصدق وتفاني رغم ظروفها الصعبة وتترك أمها الكفيفة تواجه الحياة بالا عين تبصر بها، وكذالك قيام "انطونيو" بتغير أسمة إلي إسماعيل من اجل الفوز بمن أحبته هذا جزء من التضحية لانتصار الحب “) دق باب بيتها وقلبه يدق بلهفة ووجل.. فتحت له امرأة ضريرة عرف على الفور أنها أمها.. تلجلج ثم استجمع شجاعته وادعى أن العم إيليا قد أرسله ببعض المال.. منحها النقود.. وسألها عن مريم.. أبلغته أنها ذهبت لإحضار بعض الطعام.. فانصرف محبطًا.. لم يرها كما تمنى.. سار بضعة خطوات مبتدعًا عن البيت.. رآها آتية من بعيد.. حث خطاه نحوها.. أصابتها الدهشة لوجوده بالقرب من منزلها.. همت بسؤاله عن سبب مجيئه ولكنها أحجمت عن الكلام خجلًا.. ابتسم لها وكأنه قرأ ما يدور برأسها وأجابها دون أن تسأل بأن العم إيليا أرسله للاطمئنان عليهما هي وأمها.. لم يذكر لها أمر المال الذي أعطاه لأمها.. تحدثا قليلًا وشعرا وكأنهما يستكملان حديثًا قديمًا لا يعرفان متى وأين بدأ أول مرة.. وقبل أن يرحل عنها سألته عن اسمه.. أجابها (ميلاد)..

4- محور التخطيط:

- من المؤكد ان الكاتبة وضعت مخطط زمني ومكاني وحركي لكل فصول الرواية التي بلغ عددهم 40 فصل وارها قد برعت في الخريطة في إدارة عنصري الزمان والمكان داخل فصول الرواية وإنها نجحت في الربط المباشر والغير مباشر بين المجموعات الثلاث التي أدارت بهم متن الرواية حيث نجد المجموعة الأولي تنطلق من الإسكندرية القديمة أبان الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من تغيرات ديمغرافية وجغرافية وشملت " ايفلين وانطونيو كارلوس وسيف "أما المجموعة الثانية التي انطلقت من الإسكندرية إلي القاهرة في صراع اجتماعي وسيكولوجي وضمت " سارة وعمر وياسر ويحيي غريب " إما المجموعة الثالثة والتي انطلق من فندق سان ستيفانو في لقاء عابر بين بطل تلك المجموعة والذي اثأر انتباه القارئ منذ الحدث الخاطف في لقاء عابر بين " إسماعيل – مريم " وضمت تلك المجموعة بجانب هؤلاء كا أفراد الأسرة "الوالد والوالدة وفاطمة الأخت وزوجها " وكان لهما دورا مخطط لتطور الحدث داخل تلك المجموعة واري أن الكاتبة نجحت في خلق حلقة اتصال روحي ونفسي بين تلك المجموعات الثلاث من خلال الزمان والمكان ولم يخل ذلك بعنصر الترابط والبناء الفني والأدبي للرواية وفق هذ المخطط المسبق

5- المحور التراثي:

- كانت الكاتبة حريصة علي إحياء الذاكرة بكل التراث القديم في شكل أراه متعمدا منها لعشقها إلي الطراز المعماري في الأحياء والميادين في مدينة الإسكندرية وتجلت عبقريتها في تحريك إبطالها واختيار الأسماء القديمة والعمل علي الربط فيما بين الماضي والحاضر من خلال هذا المصور الذي جعل رساله في محور الرواية هو الحفاظ علي كل التراث المعماري القديم الذي يعد علامة مميزة لمدينة الإسكندرية ممثلا في شخصية "يحيي غريب " واختيار الاسم كان إسقاط علي الإحياء المعماري الذي ينم عن عبقرية المكان في الإسكندرية التي كانت قبلة لكثير من العناصر البشرية الوافدة ال مصر وحملت كل المعالم المعمارية المتنوعة التي أضافت تاريخا عظيما لتك المدينة وهذا الشعور الذي تملكه من جراء تلك العشوائية التي تحاول القضاء علي كل ما هو تراثي فأحس بالغربة في زمن يناضل وبنور الأجيال القديمة بأهمية تلك الأطر المعمارية التي يحاول الآخرين القضاء عليها بدون تخطيط او حتى الاستفادة من المختصين في هذا المجال مما حول المدينة إلي مدينة بلا هوية معمارية علي هؤلاء الجدد الذين لا يعلمون كارثة ما يقومون به ولذالك حرصت الكاتبة علي ان يكون الفصل الأخير هو حوار الذكريات لتجعل النهاية مفتوحة حول أسرار أخري لدي "يحيي غريب " حين نجدها في صفحة 257تقول (كانت تزداد إعجابًا به كلما زادها من حديثه.. كان يتحدث عن مدينته وكأنه عاشق متيم.. تعددت لقاءتهما.. وفي كل مرة تلتقيه كانت تغوص أكثر وأكثر في عالمه الساحر وترى الإسكندرية وكأنها لم ترها من قبل.. كان يبهرها دائمًا بما يرويه لها من حكايات عن هذه المدينة وعن عشاقها الكثر.. حكى لها عن المعماري أنطونيو لا شاك.. وأراها ما تبقى من المعمار الذي شيده ذلك العاشق للإسكندرية.. المدينة التي أصبحت قضيته الوحيدة في الحياة وشغله الشاغل وعشقه الأبدي الذي توارثه عن جده..

طاف بها في كل شبر منها والتقط لها صورًا تذكارية أمام كل بناية جميلة باقية.. أخبرها أنها المرة الأولى التي يشرك فيها فتاة أو امرأة في صوره التي يتلقطها لمعمار الإسكندرية التاريخي.. ابتسمت له ممتنة.. كانت عيناه تنطقان بما لم يبح به من مشاعر.. واكتفت هي بما قرأته من سطور في كتاب عينيه..)

6- المحور الروحي والسيكولوجي:

- حرصت الكاتبة علي اربط المباشر والغير مباشر بين نهج روايتها السابقة " متروبول " وروايتها الحالية "سان ستيفانو "من خلال تالف الأرواح ما بين شخصيات الرواية وهذا خلق حالة من حالات التشابك الوجداني بينهم والصراع النفسي خاصة شخصية ياسر زهران ومليكة وسارة وتحول العلاقة إلي صراع وشك خاصة بين سارة وياسر الذي أدركت انه يراقبها من خلال تلك الروح الهائمة حيث تقول في ص 79( أنهى ياسر المكالمة.. بينما ظلت سارة تحدق في الفراغ وهي ذاهلة.. إنه على علم تام بكل تحركاتها.. كما أنه يعرف أن عمر لم يفق بعد من غيبوبته.. أي شيطان مريد هذا.. شعرت بخوف حقيقي يسري في جميع أوصالها.. أحست برغبة في البكاء ولكنها تماسكت في النهاية)

ونجحت الكاتبة في رسم تلك الصور الروحية بعبقرية والتصاعد الوجداني بين مجموعات الرواية في مشاهد رومانسية رائعة كانت حريصة فيها علي التصاعد الحسي والوجداني بين كل عنصرين من خلال تالف الأرواح رغم بعد عنصري الزمان والمكان حين إذا وضعت تلك المشاهد نج ان التالف والتوحد هو العامل المشترك بينهما نفس الحس والرؤى هنا في الإسكندرية القديمة و هناك في القاهرة الحديثة إلا أن الرابط المشترك هو المكان الذي ربط بينهما حيث حرس عمر علي إقامة حفل زواجه في فندق سان استيفانو (أخرج عمر علبة قطيفة صغيرة لونها أحمر ومد يده بها إلى غادة.. نظرت إليه مستفهمة.. فتحها وأخرج منها سلسلة ذهبية يتوسطها اسم eve.. ابتسمت له بحب.. ألبسها إياها.. تحسستها على عنقها وهي مغمضة العينين ما زالت ابتسامتها الرائقة ترتسم على شفتيها.. أمسك كف يدها وطبع قبلة حانية على باطنه ونظر إلى خطوطه المتوازية 111 وابتسم ثم أغلقه على قبلته.. فتحت عينيها واحتضنته بهما وهي تسأله..

- أكنت تعرف إذن؟

- عرفت أثناء الغيبوبة..

- ولماذا لم تخبرني أنك عرفت بعدما أفقت مباشرة؟

- لم أشأ أن أفسد المفاجأة..

طوقت عنقه بذراعيها وأمطرت وجهه بقبلاتها.. أطل في عينيها المتوهجتين وهو يخبرها بالمفاجأة الثانية التي أعدها لها..

- سنقيم حفل زفافنا أيضًا في فندق سان ستيفانو..

ثم اقترب من أذنها وهمس بدفىء..

- ما رأيك في اسم سيف لو رزقنا الله بصبي..)

وفي الجانب الآخر ما بين "انطونيو وايفلين "حيث تقو ل

(ظل أنطونيو ينظر إلى إيفيلين بعينين ملؤهما الامتنان.. أرخت جفنيها وأحست بدقات قلبها تكاد ترقص فرحًا.. إنه يعرف إذن ما قامت به من أجله.. ارتبكت قليلًا أتراه يعرف أيضًا عن كل ما كانت تقصه عليه وهو في غيبوبته.. اتسعت ابتسامة أنطونيو وهو ينظر إليها وتكلم لأول مرة..

- هل بإمكانك أن تخرجيني من هنا؟

غمرتها سعادة بالغة.. إنها المرة الأولى التي تسمع فيها صوته.. كم هومفعم بالرجولة كملامحه تمامًا.. احتضنته بعينيها وهي تجيب سؤاله..

- بكل تأكيد.. إن سمح لك الطبيب بالمغادرة..

- لا يا إيفيلين.. أرغب في مغادرة هذا المكان الآن..

أصابها الذهول..

- أتعرف اسمي؟

- نعم.. لقد أخبرتني به من قبل حين كنتِ تقصين عليّ حكايتك ذات مرة..

شعرت بالخجل والارتباك.. أدركت أنه كان يسمع كل ما تحكيه له من تفاصيل عن حياتها.. إذن فهو يعرف كل شيء.. سيهجرها بلا شك بعد كل ما عرفه عن حياتها.. بدا عليها الوجوم وهي تتحدث إليه..) " جاء التناول من خلال التحليل النفسي لكل منها مؤثرا في نمو الحدث حم خلال الانطواء –الحزن – السعادة - الحب الكراهية المتعة الجسدية والنفسية الإمتاع – الإحساس بالذنب – الخيانة تلك هي المفردات النفسية والسيكولوجية التي اعتمدت عليها الكاتبة في البناء النفسي للشخصيات وهذا المحور في الرواية أحيته الكاتبة في براعة من خلال مجموعة من المتناقضات اللغوية والحسية لتبرز لنا التحليل النفسي لكل منها في إطار من الفلسفة والمنطق وربما كان تأثرها بالنظريات النفسية هو الغالب علي تناول قضايا المرأة من خلال هذا المنظور النفسي الذي دمر حياة تلك الشخصيات رغم تباين الأحداث لدي كل منهن و وتجلي ذالك في صراع نفسي يعكس الرغبة في التحرر والحب رغم قيود مجتمع يكبل الخطوات ،عبرت عنه مرادفات موحية و أشارات ، وحالة الانتظار المستمرة للتغيير مع الاستمرار في ملاحقة الأمل.

7- محور السرد الأدبي:

حيث نجد الكتابة تميل في السرد الأدبي لديها إلي الاعتماد علي الجمل السهلة البسيطة التي توظفها في تناول وتصاعد الحدث وهذا أضاف إلي النص الروائي لغة جديدة لم تستخدم كثيرا لدي الروائيين فمعظم الكتاب لا يعتمدون علي تلك الجمل الشاعرية القصيرة والبليغة وإنما تعتمد معظم السرد لديهم علي الجمل الطويلة ذات التفاصيل المكانية والجغرافية بعيد عن تلك المناطق الشعورية التي ركزت فيها الكاتبة "ريم ابو عيد " في تناولها للحدث إلى استخدام لغة الفصحى القريبة من لغة الصحافة والشارع، الاحتفاظ الذكي بالكلمات الكبرى التي يستخدمها بعض في

صيغة الراوي المشارك؛ لتجعل لغة في متناول فهم الجميع بلا أي تعقيدات او ملل

8- البناء الفني للرواية:

- هذه الرواية تحتوي عبي ما يميزها عن غيرها من الروايات من حيث الانتماءات الواقعية والاجتماعية والنفسية ، وتتميز بقوة بنائها الفني ونجحت الكاتبة " ريم أبو عيد" في الإمساك ببراعة بعناصرها الفنية سواء المكانية أو الزمنية ، واحتوت علي عنصر التشويق بشكل دائم ومستمر و ظهور الشخصيات بشكل مرحلي حافظ علي البناء الدرامي للرواية دون أخلال وان الكاتبة سارت علي نفس النهج الأدبي المتدرج والرابط بين عنصري الإبداع ألابتكاري في القصة العمق الفلسفي ونجحت " ريم أبو عيد " في توظيف الشخصيات في خدمة الصراع الدرامي المتصاعد حيث عرض كل الأنماط البشرية بتوازن، مما أضاف متعة للقارئ من خلال تلك الجمل السردية السهلة والبسيطة وتلك العقد وتصاعدها وحلها في حالة من حالات الابتكار والإبداع الأدبي .

- وأخير علينا أن نقر أن الكاتبة "ريم أبو عيد" تمتلك من الثراء الإبداعي والثقافي مما يجعل، تلك الرواية تتميز بثراء مضمونها، وتعدد مشاربها، وانتماءاتها ما بين الواقعية والرومانسية والاجتماعية والنفسية؛ فهي مجموعة تنتمي لكل هذه التصنيفات، الأمر الذي يمكن معه أن نطلق عليها الرواية الشاملة المتحررة من التصنيف التقليدي لكثير من المجموعات النمطية ، أضف إلى ذلك قوة بنائها الفني؛ والإمساك ببراعة بعنصري الزمان والمكان، والابتكار في تعدد المكان ورحابته، وتعدد العقد والإشاعات بشكل مرحلي بنائي؛ يسهم في تكوين العقدة الرئيسة والحل، والمحافظة على عناصر التشويق بشكل دائم ومستمر، مع نوع من التوتر الشيق، ورسم الشخصيات بهدوء دون إخلال في البناء الفني والدرامي

 

السيد الزرقاني

كاتب وناقد أدبي – مصر

 

 

رحيم الغرباويإن المتلقي على وفق نظرية القراءة والتلقي له الأسبقية في الفهم التأويل؛ كون النص أُنشئ من أجله، لذا فمن البديهي أن يحمل في ذاته محتوىً دالاً، فلابدّ من فهم ذلك النص الذي يتفرج عليه سواء أكان نصاً شعريا أم تمثيلياً، فيكون التفاعل بين صاحب النص أو الممثل ومتلقيه، ولعل العمل الفني لايحقق مؤداه مالم يخضع للقراءة المتأنية؛ ليتمكن النص من طرح مافيه من دلالات خبيئة يضمرها في طبقاته العميقة .

والتأويل في طروحات غادامير (1900)، هو عملية فهم النصوص من خلال قراءة ما " حدث في التاريخ، يتمُّ فيه تفاعل النص والمؤول والذات والموضوع تفاعلاً مُتبادلاً في كل عملية فهم، وهو المسار الطبيعي نحو إطلاق العنان لسيرورة التأويل، لابدَّ في ذلك من استحضار قوانين النص وقوانين السياق، وفي هذه السيرورة يكون للأحكام المسبقة دور رئيسي؛ كونها تشكل الكون الوحيد الذي يجعلنا منفتحين على العالم والنص " (1)، إذ تدور عملية التأويل بين ثلاثة أقطاب: " المؤلف التاريخي، والمؤول الذاتي، والنص في معناه الكلي، وهي دائرة يؤطرها السياق التاريخي والثقافي " (2) .

ولعل التجربة الفنية لدى صاحب النص مستقاة من تجربته الشعورية  والسياق الخاص، ففي أحيان كثيرة يرجع الشاعر إلى ما ينعكس في شعوره تجاه الواقع المشوب بالفرح أو الحزن، العلو أو الانتكاسة، ولعل الرمز الشعري في النص يحقق مؤداه، لكن على الرغم من سعة دلالته، فهو مشدود إلى واقع تاريخي يقرره السياق والتجربة الشعرية التي يعبر بها صاحب النص عن أحاسيسه وأفكاره، فالرمز "الشعري مرتبط كل الارتباط بالتجربة الشعورية التي يعانيها الشاعر والتي تمنح الأشياء مغزىً خاصاً " (3)

وشاعرنا الراحل نزار قباني الذي كتب أشعاره بروح شفافة صدحت بالكثير منها حناجرُ المطربين العرب بوصف نزار شاعر المرأة والحب في مفهوم معظم المعجبين به من متذوقين أو وآلهين و محبِّين لكن، في قصائد له نستمري للنص وجهاً آخر، فقد وجدناه قد كتب من أجل قضايا العرب المصيرية، منها قضية العرب الكبرى فلسطين . ويبدو أنَّ قصيدة قارئة الفنجان النبوئية، هي من أكثر قصائده المؤلمة التي ترك نهايتها المأساوية مفتوحة ومتعددة القراءات، فمنها وما تعارف الناس عليه أنها كُتِبتْ للمحب الوامق المفتون الذي لم يهنأ بحبيبته للنهاية المأساوية التي أنبأته العرَّافة قارئة الفنجان، إذ لامناص من نهاية حبِّه الذي سيؤول إلى فراق حتمي لامحالة، فنرى نزار يصف قارئة الفنجان ونبوءتها، وهو يقول بلسانها وبإسلوب قصصي:

جلستْ والخوفُ بعينيها

تتأملُ فنجاني المقلوب

قالت يا ولدي لاتحزنْ

فالحبُّ عليكَ هو المكتوبْ

يا ولدي قد ماتَ شهيداً

من ماتَ على دينِ المحبوب

...

فنجانُكَ دنيا مُرعبةٌ

وحياتكَ أسفارٌ وحروبْ

ستحبُّ كثيراً وكثيراً

وتموتُ كثيراً وكثيراً

وتعشقُ كلَّ نساء الأرض

وترجعُ كالملكِ المغلوبْ .

فنراه في المعنى المباشر كأنَّ قارئة الفنجان تخاطب رجلاً طلب منها مصيره مما يتلجلج في دواخله، لكنها لم تؤمِّله بما يروم أو يطمح، فتنبئه أنه سيعشق ولا يفلح في نيل معشوقته  مستقبلاً على الرغم من تعلّقه فيكرر كثرة الحب مرات ومرَّات، لكنه إزاء ذلك الحب يموت مرَّاتٍ ومرات أيضاً، ثم أنها تصف فنجانه الذي تقرأه له: من أنه سيعيش دنيا مرعبة، وأسفاراً، وحروب؛ لكنَّ على الرغم من محاولاته في نيل حبيبته إلا أنه سيعود منها كالملك المغلوب الذي يذهب من سوح الوغى، ولا يجد أمامه سوى الخسران .

ولو قرأنا لا وعي الشاعر والظروف التي أحاطت بالنص لاسيما انتكاسة العرب في حزيران 1967م، فقد كان الشباب العربي متعطشاً قبل النكسة أنْ تتحرر فلسطين وهو الحلم الأكبر، لكنهم صُدِموا بالخسارة الفادحة أمام الكيان الصهيوني، والتي عصفت بالشباب وبمثقفي الأمة وشعرائها، فبرز جيل من الشعراء ينعى مأساة العرب، ويهجو الحكام الذين تسببوا في هزيمتهم الكبرى، ومن بينهم نزار قباني الذي استوقفته " ظاهرة الإدانة التامة لكلِّ ماهو شرقي وأنَّ تبخيسه قدر الشعب المتخلف لم يمنعه من إدانة كل الملوك والرؤساء يومذاك... فقصائده لم تستثنِ أحداً من مسؤولية العار العربي" (4)، ولعل هذا الحدث الكبير هو ما جعل نزار قباني يكتب قصيدته قارئة الفنجان وغيرها، ويتنبأ بما ستؤول إليه القضية الفلسطينية، لكنه لم يبح بذلك، بل كتب نصه؛ كي تقرأه الأجيال اللاحقة، ولو أنَّه عُرِف عنه بأنَّه شاعر الحب والمرأة، ولقد أدين لكتابة شعر الحب والغزل، من لدن الكثيرين الذي لم يدققوا بالمعاني المستبطنة التي لم يكونوا  يتمتعون بالدراية الكاملة لما تحمله القصيدة في إتونها من معانٍ مُغيَّبة، لكنه عُرف بشاعر الشباب، فآثر أنْ يكتب بروحهم من دون أن يبث في دواخلهم لواعج اليأس و مرارة الهزيمة، بل بثَّ في أرواحهم معاني الجمال والإنسانية؛ لذلك لم نسمع له تصريحاً يفتي بمعنى القصيدة المضمر بوصفها قيلتْ كذلك للأجيال اللاحقة لأنها تخاطب كذلك القادمين الذين سيعشقون بلدهم المضاع ويقاتلون من أجله .

ولعل فلسطين لما حملته من وسامة وجمال وما فيها من أمنيات للقاء بها والعيش في ظلالها راح يتغزل بها كما يتغزل بفتاة يافعة الجمال، فنراه يصفها على لسان قارئة الفنجان بسرد قصصي، يقول فيها:

بحياتكَ يا ولدي امرأةٌ

عيناها سبحانَ المعبودْ

فمها مرسوم كالعنقود

ضحكتها موسيقى وورود

لكنَّ سماءكَ ممطرةٌ

وطريقكَ مسدودٌ مسدودْ.

فهي أجمل النساء؛ لكن لا يمكن الوصول إليها لأن طريقها بات مسدودا، وكأنه يخاطب الشباب العربي على الرغم من أمانيهم الكثار ممن سيتعلقون بحسنها وجمالها إلا أنَّ أنها صعبة المنال وعلى الرغم من أنَّ سماءهم ممطرة إشارة إلى الأمل المعقود لديهم لكن الطوفان هو أعلى منهم كما يرى الشاعر.

ثم نراه يعرض الأسباب التي تحول دون الوصول لتلك الحبيبة النائمة في القصر المرصود من قبل آسريها:

فحبيبةُ قلبكَ يا ولدي

نائمةٌ في قصرٍ مرصودْ

والقصرُ كبيرٌ يا ولدي

وكلابٌ تحرسهُ وجنود

وأميرة قلبك نائمةٌ

من يدخل حجرتها مفقودْ

من يطلب يدها ... من يدنو

من سورِ حديقتها مفقودْ

من حاول فكّ ضفائرها

يا ولدي مفقودٌ ... مفقودْ .

ولعل الحبيبة فلسطين هي من وقعت أسيرة المحتل، وفي قصر كبير تحرسه كلاب وجنود مدججون بالسلاح، فالدخول إلى غرفتها بات مستحيلاً وحتى الوصول إلى حديقتها مفقود، ويبدو تكرار لفظة (مفقود) في بعض مقاطع النص، هو توكيد لما ستؤول إليه الأمور، وأنَّ تحريرها أشبه بالمستحيل في عصرنا حسب نبوءة الشاعر، بينما صوَّر فلسطين امرأة في قصر مشيراً إلى أنَّ لها حديقة ل اهتمام المحتل واعتناءهم بها؛ لما يدَّعون أنها الوطن الموعود، ومن أجله سُبيتْ واتُّخذتْ وطناً وموئلاً لهم، فلذلك أُسِرتْ من دون أن يمنحوا أصحابها الشرعيين فرصة استردادها، وعلى الرغم من تضحيات واستشهاد الكثير من أبنائها الأصليين، لكن من دون أمل لإنقاذها حسب رؤيا الشاعر .

ثمَّ يختم بقوله عن لسان قارئة الفنجان:

مقدوركَ أنْ تمشي أبداً

في الحبِّ على حدِّ الخنجر

وتظلّ وحيداً كالأصداف

وتظلّ حزيناً كالصفصاف

مقدوركَ أنْ تمضي أبداً

في بحرِ الحبِّ بغير ِ قلوعْ

وتحبُّ ملايين المراتْ

وترجع ... كالملك المخلوعْ .

وبهذا نرى أنَّ القصيدة قد استنبطت من أحداث تاريخها موضوعاً لها، لكن الشاعر غلَّفه بما عُرف عنه من أنه شاعر الحب، ومازالت حناجر المغنين وأوتار الملحنين تغرِّد وتعزف، وما زالت فلسطين حكراً على غير أبنائها الأصليين على الرغم من المقاومة الشرسة التي تتعرض كلَّ يوم لِلإجهاض على الرغم من أشتد أوارها، فظل الحبيب وحيداً من غير مناصرٍ بل وقضيته أضحت غريبة كالصفصاف، فهو المُحبُّ لأرضه،  لكن كمن يبحر للحبيبة من غير قلوع، فآل حسب نبوءة القباني عائداً يجرُّ الحسرات والانكسارات كالملك المخلوع ... .

لكننا نرى جذوةً في الأفق من أن المسار الحقيقي لاسترداد فلسطين، هو النضال من أجل الله والحب، وخير الجهاد هو الجهاد في سبيل الله من أجل تراب الوطن المغتصب .

 

بقلم د. رحيم عبد علي الغرباوي

......................................

الهوامش:

(1) الفلسفة الغربية المعاصرة، إشراف د. علي المحمداوي:2/ 1189

(2) المصدر نفسه: 1190

(3) الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، د. عز الدين إسماعيل: 198 .

(4) النرجسية في أدب نزار قباني، د. خريتو نجم: 382

 

معراج احمد الندويخاض أحمد شوقي في غمار العمل الروائي وأثبت حضوره روائيا إلى جانب إمارة الشعر. فقد كانت تجربته الروائية الأولى من خلال روايته "عذراء الهند" التي ظهرت في عام 1897م والتي عدت باكورة أعمااله الروائية في هذا الميدان، لقد كتب شوقي خمس روايات استلهم فيها التاريخ الفرعوني القديم، ولكن لم تحظ رواياته باهتمام الباحثين، ويجهل الكثيرون بأن شوقي كان روائيا، لقد أبرز في معظم رواياته الحضارة الفرعونية القديمة ورسم معالم حضارة الأجداد تجعلنا نقف خاشعين أمام أمجادهم وعظمتهم.  قد ساهم مساهمة فعالة في كتابة الرواية العربية الحديثة. له إبداع وابتكار في مجال الرواية العربي التاريخية، يبدوا أن شعره قد غلب على نثره وقتل أعماله الرواية.

يتربع أحمد شوقي على مكانة الصدراة بغزارة شعره وروعته وجماله. وهو أول من أدخل شعرنا الحديث المسرح القصصي الشعري ولكن قبل أن يخوض هذا العبقري في الشعر، لقد طرق باب الرواية في وقت مبكرة من حياته. وسرعان أدرك أنه لم خلق له فغير وجهة نظره و كرس حياته ونفسه للشعر وحده حتى أصبح أمير الشعراء في العصر الحديث.

مولده ونشأته:

 ولد أحمد شوقي في السادس عشر من أكتوبر عام 1870م. انحدر شوقي من أسرة اختلطت دماءها بأصول أربعة: الكردية واليونانية والتركية والعربية. أما جده لأبيه يرجع أصول لاكردية. إن والده قدم هذه الديار يافعا يحمل وصاة من أحمد باشا، وكان جدي وأنا حامل اسمه ولقبه يحسن كتابة العربية والتركية خطأ وإنشاء فادخله الوالي معيته. تلقى شوقي علومه الإبتدائية على يد الشيخ صالح ثم التحق بمدرسة المبتديان الإبتدائية ثم انتقل إلى مدرسة الحقوق. والتحق بقسم الترجمة. درس هناك الغة الفرنسية ولعل أصوله المتعددة ساعدته في دراسة الترجمة. عمل شوقي  في قصر الخديو عاما قبل أن يسافر إلى فرنسا لاكمال علومه على نفقة الخديو الذي وجد أن الفتى ابن العشرون لا يجوز أن يلتحق بقصره قبل أن يستكمل أسباب الثقافة القانونية بالإضافة إلى شهادة الترجمة. وعندما سافر شوقي إلى فرنسا راح يطلع على الآداب الأوربية وتأثر بها فضلا عن تأثره بالقانون والحقوق. راح شوقي يطلع على الآداب الغربية اثناء إقامته في فرنسا فتأثر بروائع الفن والحضارة الأوربية ولا سيما عندما وقف على أعمال الكتاب بهم باع طويل في الأدب العالمي. عاد شوقي إلى مصر عام 1892م بعد أن اتم دراسته في فرنسا والتحق بقر الخديو توفيق، وفي عام 1894سافر إلى سويسرا مبعوثا من الحكومة المصرية لحضور مؤتمر المستشرقين ثم انتقل إلى  ببليجكا. لم تدم المكانة التي حظى بها شوقي في داخل القصر بعد موت الخديو توفيق، عاد شوقي إلى مصر عام 1892 في عهد عباس حلمي الثاني، فأعرض مدة عن شوقي ولكنه ما لبث أن قربه إليه وجعله شاعر البلاط. عاد شوقي إلى وطنه برسالة جديدة حيث راح ينظم الشعر الوطني ضد الاحتلال البريطاني. فأصبح شوقي لسانا لشعبه ينطق بميولهم ورغباتهم الدفينة في نفوسهم عقب الثورة العرابية.  هكذا بدأ شوقي يتأثر بالأدب الغربي وبدأ يقلد أدباءهم في فنه وأدبه. وكانت المدسة الرومانسية ذات الأثر الأكبر على فكره. تسارعت الأحداث السياسية في مصر والدولة العثمانية. وكان لذلك أثر عظيم في حياة شوقي وفنه.

 اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914م وتمكنت بريطانيا على إثرها من السيطرة على مصر. فامرت بريطانيا بعزله من منصبه وتمت التعيين حسين كامل مكانه, ولم تكتف بريطانيا على ذلك بل بدأت تعزل وتنفي رجالات الخديو، فلم يسكت شوقي بل نظم قصيدة تحدث فيها عن الحماية عنها ونفوذها على مصر فقال" "إن الرواية لم تتم فصولا". راح شوقي الوطني ينمو ويزداد شيئا فشيئا، فاشتعل الحنين لوطنه في صدره وبدأ لسانه يفيض شعرا وطنيا وغناء حزينا. وتعتبر هذه الفترة من حياته نقطة التحول في فنه. ومن هناك بدأ الشاعر يتحرر من قيود القصر الذهبية ويتقرب إلى الشعب المصري. فصار لسان الشعب.

أحمد شوقي وإسهاماته في الرواية العربية:

لقد أغنى شوقي المكتبة العربية بفنونه النثرية المختلفة إلا أنها لم تنل حظا وافيا بالدرس والتحليل، إذ تغلب شعره على نثره وقتله. أخرج أحمد شوقي خمس روايات استلهم فيها التاريخ الفرعوني القديم وهي بالتالي: "عذراء الهند" عام 1897م و"لادياس" أو "آخر الفراعنة" سنة 1988م، ثم رواية "دل ويتمان" في نفس العام والتي تعتبر الجزء الثاني لرواية "لادياس"، ثم "شيطان بنتادور سنة 1901م، وأخيرًا "ورقة الأس". عام 1905م.

- عذراء الهند: بدأ شوقي باكورته الروائية بكتابة "عذراء الهند" عام 1897م التي نشرة مسلسلة في جريدة "الأهرام" تحت عنوان "عذراء الهند وتمدن الفراعنة" من20يوليو إلى6 اكتوبر سنة 1897م. وهي رواية غرامية غريبة السرد تنتهي وقائها إلى زمن رعمسيس الثاني المعروف سيزو وستريس أحد الفرااعنة مصر الأقدمين.

- ولادياس: أصدر شوقي هذه الرواية عام 1898م. وهي رواية نثرية تاريخية تدور أحداثها في عهد الفراعنة  تدور أحداث الرواية العنصرالمصري في زمن البرياس. اتخذ شوقي من الحب يبني عليه حوادثه التاريخية حيث اعتمد كثير من المتاب على العلاقة بين الشخوص إلى جانب الأحداث أو في بناء الأحداث حتى أضحت كأنها بناء فني في العمل الروائي.

- ودل وتيمان: في الواقع أن هذا الرواية هي مكتملة لرواية لادياس أخرجها شوقي هذه الرواية عام 1899م وعبر فيها حالة مصر في عهد الملك "أمازيس" ونوه فيها باستبداد اليونان بشؤون مصر.

- شيطان بنتاور:  أخرج شوقي هذه الرواية عام 1901م. وهذه الرواية مختلفة عن الأخرى في كونها وكيانها. اعتمد شوفي فيها على الحوار بأسلوب مقامات الهمذاني والحرير. يدور الحوار في هذه الرواية بين طائر الهدهد الذي يرمز إلى شوقي نفسه وطائر النسر الذي يرمز إلى بنتاءور، شاعر مصر الفرعونية القديمة. قد ذكر فيها شوقي أحوال مصر السياسية والأخلاقية والاجتماعيىة والأدبية والثقافية. أراد شوقي من ذلك البيان أهمية الأديب والشاعر ودوره في المجتمع.

- ورقة الآس: قد أخرج شوقي هذه الرواية عام 1905م. وهي الرواية العربية الوحيدة من بين رواياته الفرعونية. ترجع أحداثها إلى العام 272م. وقد أخذ موضوعها من التاريخ العربي قبل الإسلام.

فكر شوقي واستلهم التاريخ الفرعوني في أربع رواياته وهي "عذراء الهند" و"لادياس و"دل وتيمان" وشيطان بنتاؤور" أما روايته "ورقة الآس" فقد استحضر فيها تاريخ العرب قبل الإسلام. قد تناول شوقي  مادته الأولية في رواياته مثل الأدباء الآخرين من التاريخ وأومن الحياة الاجتماعية المعاصرة، واستفاد من التاريخ ليظهر أفكاره ويوقظ أبناء الوطن.

الحضارة الفرعونية كما تنعكس في روايات أحمد شوقي:

لقد كتب شوقي خمس روايات استلهم فيها التاريخ الفرعوني القديم.استطاع شوقي أن يستظهر الماضي لخدمة الحاضر. فكانت مصر القديمة نهل منه شوقي وبنى عليه عالمه الروائ. رسم شوقي في هذه الرواية معالم حضارة الأجداد وقدم صورة لنا تجعلنا نقف خاشعين أمام أمجادهم وعظمتهم. إن المجتمع الفرعوني متحضر، يحتكم للقضاء والقانون، فللمحاكم شأن عظيم في فض النزاعات بين المواطنين. وكانت مصر الفرعونية مستقلة بقراراتها، تعتمد على ذاتها حيث الزراعة والصناعة والتجارة. فلم تك مسلوبة الإرادة كمصر الحديثة كان مجتمعا عزيزا قويا يعتز بذاته يدافع عن معتقداته وتراثه. يبدو أن شوقي يعتز بحضارة اجداده ويدعو إلى احترامها وتقديرها وحميتها من الضياع والفقدان. 

إن شوقي ينقل لنا معالم الحضارة الفرعونية بأدق تفاصيلها ويبين لنا العدالة الفرعونية وانتصارها للخير على الشر، ثم ينطلق بنا إلى الدوائر المصرية.وقد مجد شوقي الأدب والأباء المصريين قديمهم وحديثهم. لقد أظهر شوقي في رواياته مفاتن الحضارة الفرعونية، فجائت صورها زاهية مشرقة، فأكثر من ذكر المدن الفرعونية، والأسواق والمصانع والتاجر كما أشاد برقى المجتمع الفرعوني حيث وصل إلى مراكز علمية رفيعة. وذكر عن الطب الفرعوني والتخطيط مشيدا بدور العلم ومعاهده. رسم شوقي معالم الحضارة الفرعونية في معظم روايته بصورة زاهية مشرقة.

 

 الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

رحمن خضير عباسعن مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع في بيروت. صدر للكاتب المغربي شكيب أريج كتابٌ بعنوان مدينة تأكل أولادها. وقد وُصِفَ المؤٓلَّف ب " الكائنات القصصية" وكأنما أُريد من ذلك إعفاء الكاتب عن مهمة التصنيف من الناحية الفنية، وترك ذلك للمتلقي، ليتلمسَ بنفسه هوية العمل وتصنيفه، على أساس السؤال الذي يُلّح على القارئ:

هل (مدينة تأكل أولادها) مجموعة قصص قصيرة خضعت لهذا العنوان ؟ أم أنها فصول مجتمعة تكوّن بمجملها رواية تحت هذا الاسم الذي أشرنا إليه ؟

لذلك فحينما تتصفح الكتاب، نقع في حَيْرة التجنيس، بين الرواية أو القصص القصيرة.

وذلك يرجِع إلى الشروط المتعارف عليها في العمل الروائي، الذي يتكوّن عادةً من مجموعة من الفصول، تساهم في نمو الاحداث وتناسقها أو ترابطها. وهذا ما لم نتلمسه في هذا العمل. وذلك لأن قصة (الحلقة) منفصلة عن السياق العام للمجموعة، لها بناؤها القصصي المستقل عن بقية متون النص. وكذلك يمكن القول عن قصة (رجل الجريدة والعمود).

فاذا افترضنا أنها مجموعة قصصية. فينبغي أنّ كل قصة منها تكتفي بذاتها ومضمونها وأبطالها ولا تترك النتائج للقصص الموالية، لذا فمفهوم المجموعة القصصية لم يتوفر في بعض النصوص التي أكمل بعضُها بعضا، من حيث العقدة والشخوص. وكأنها فصول لرواية واحدة. وذلك لنمو الفعل الروائي من فصل لآخر، وإعادة نفس الاسماء مثل عبيقة وعبيروش ومبروك وعلال التنس.

يبدو أنّ هذا العمل الأدبي اعتمد على ترك الاحداث والشخوص تتحرك وتتجول بين متون النص، تحت فضاء مدينة هائلة وقاسية تعتصر أبناءها في لوحات سردية، تقرّبنا من أسلوب (الكولاج) القصصي، والذي يعني عملية انتزاع بعض الحوادث السردية، والتي يُفترض أن تكون في هذا الفصل / القصة، ولصقها في قصة أخرى. أو محاولة توزيع المتن القصصي بنصوص مجتزأة، كي تتبعثر الصور الحكائية في مساحة اللوحة. ولكنها تبقى ضمن إطارها العام. وقد شاع أسلوب الكولاج في الفن التشكيلي. وأعتبر في وقته نوعا من التجديد للفن الكلاسيكي الذي عرف فترةً من الركود في بداية القرن العشرين.

وكان من رواد الكولاج والتجديد في قواعد بناء اللون الفنان المعروف بيكاسو. ولكن أسلوب الكولاج الذي أدهش المتلقّى وأثرى الفنون التشكيلية، قد لا يكونٓ ملائما للرواية أو القصة، اللهم الا في حالات معيّنة، يصل فيها الكاتبُ إلى التخمة في الكتابة التقليدية، فيضطر إلى كسر القواعد المعمول بها. وانتهاج أساليب روائية أكثر حداثة.

لكنّ التحرر من السياقات المألوفة، قد يجعل الكاتب في مواجهة مغامرة فنية غير محسوبة النتائج في التجربة الإبداعية.

في قصة الحلقة يتألق الكاتب شكيب أريج. فيصف لنا حلقات الحكواتي. مركّزا على عنصر التشويق لمعرفة السر الذي طرحه في حلقته. والذي يتمثّل في تحويل الحمار إلى حرير، لقد استطاع الحكواتي أنْ يصنع هالةً من التشويق والفضول بين الناس الذين تجمهروا لمعرفة نتيجة هذه المعجزة. ولكنّ صاحب الحمار وضع شروطا لهذا التحوّل المستحيل. هذه الشروط تتمثل بمحاولة تجسيد المدينة، ووصفها وتأمل زواياها وأسرارها، ومعرفة أهلها وطبائعهم.

فيبدأ بالحديث عن الناس الذين يؤمّونَ المدينةَ ويفترشون طرقاتها واسواقها، للبحث عن العيش والعمل. يتحدث عن بنية المدينة وما تحتويه من مستشفيات بائسة، يتحدث عن شوارعها وأرصفتها وشبابها الذين يعانون من الفراغ والبطالة. يتحدث عن طقوس أهل المدينة في أفراحهم ومناسباتهم، عن وسائل نقلهم ولهوهم، عن طوابيرهم المصلوبة على شبابيك الانتظار في مراكز البريد والمصارف والشرطة والصيدليات. يتحدث عن الأبخرة والسيارات والدراجات الهوائية، عن المتسولين والسكارى والعمال والفلاحين وبائعات الهوى.

وبعد أن يتحدث الحلايقي عن كل زاويةٍ من زوايا المدينة، وعن أغلب مظاهرها.

يستخلص نتيجةً مفادها:

" ها هو الحمار صدقوا أو لا تُصدقوا.. صبركم وحده لو تدرون كفيلٌ بتحويله إلى ذهب " وهذا يعني أن التحوّل، هو أن لا يرى الانسان الأشياء بعيون غبية،غير قادرة على التحليل والتشخيص، وإنّما بعين الوعي والإدراك.

لقد استطاع الكاتب أنْ يشحن هذه القصة بطاقة هائلة من التشفير اللذيذ، والرموز الثرية التي تمتلك كمّا هائلا من القدرة على إدراك الواقع وتشخيص عاهاته.

واختزل المدينة كلها ككيان اجتماعي واقتصادي في حلقة للفرجة التي يمتزج فيها الجدّ بالهزل، وحيث تتكون المدينة/ الحلقة من زحام بشري، (يُمغنطه) الفضول والإنصات وانتظار الإعجاز. دون أن تساهم هذه الوجوه المزدحمة والساعية إلى الفرجة المجّانية، الوجوه الخاملة والكسولة، غير القادرة على رفض الخرافة، أو السعي إلى الاحتجاج على منطقها المنحرف. تظلّ هذه الوجوه متلونةً بفداحة جهلها، حتى تجعل من هذا الحكواتي الذي استطاع أن يستقطب فضولهم أن يعلن لهم:

أن عمل المستحيل (تحويل الحمار إلى حرير) يكمن في وعيهم وبصيرتهم وإدراك حجم المخاطر التي تحيط بهم. هذا الوعي والقدرة على التمييز،هو المعجزة الحقيقية.

لقد استخدم الكاتب تقنية قصصية متداخلة ومتشعبة. من حيث ثنائية السرد، الذي يأتي مرّة على لسان الحكواتي ومرّة على لسان السارد، وتداخل الأصوات بينهما، حتى يجد القارئ نفسه أمام رؤيتين لمشهد واحد.

كما نجح في تسخير كل أدواته الكتابية، لينفذ إلى روح الحلقة كتراث حكائي فولكلوري، تمتزج فيه أنواع متناقضة، كتجسيد العبر من التراث. وبثّ الحكمة والموعظة. وتلفيق الحكايات الماضية ومحاولة مسرحتها، وتقديم الطرائف والألغاز والأحاجي التي يمتزج فيها الواقع بالخيال كما تمتزج الحقائق بالأكاذيب، ويستلّ منها جملة من الرؤى والأفكاروالمفاهيم والقيم، ليبثها في هذه القصة الجميلة فنيا والثرية فكريا.

قصة (رجل الجريدة والعمود) ذات بعد تجريدي بالمعنى الفني، بمعنى تجريد ما هو محيط بِنَا عن واقعه وإعادة صياغته برؤية فنية. تتداخل فيها الالوان والمشاعر والرؤى المختلفة. الرجل كان مريبا بالنسبة للآخرين، غير منسجم مع المشهد المحيط به وكأنه توأم للعمود الذي يضيء العتمة في الليل، ويبقى دون إضاءة طيلة النهار، والرجل شبيه بالعمود، من حيث السكون وعدم الفعل الحقيقي.

فهذا الرجل الغامض، والذي يجلس وحيدا كل يوم وفي نفس المكان، يقرأ الجريدة ويراقب حركة الشارع. بشكل لا يختلف عن عمود الضوء في سكونيته. هذا الرجل كان يعيد المشهد وفق رؤاه وكأنه يمتلك المكان. حتى ظنّ الناس بأنه مخبرٌ يتجسس على أفعالهم. لكنّ هذه الرجل الذي يجاور العمود ويشابهه. قد اندمج كليا معه في لقطة فنية تجريدية. ترمز الى الخواء الروحي الذي يعتري بعض النماذج في المدينة، ليتحولوا إلى دمى وبيادق. لا تعي الحركة. إنه الخمول الحقيقي وعدم القدرة على الفعل.

موت رجل الجريدة بفعل سقوط العمود عليه، لم يُشكِّل ضمن سياق القصة، سوى البعد عما هو واقعي، وتجريده من مضمونه كحادثة موت. لقد ورد في القصة وكأنه حالة اتحاد بين كائنين عبثيين ؛

الرجل الفائض عن حاجة المدينة، والعمود الذي تقادم بفعل الزمن.

وبدلا من ردود الفعل التي تندهش وتُصدم لحالة موت مفاجئ، تحولت إلى مشهد لوني لا يكترث للموت كفاجعة، وإنّما كحالة تجريدية:

" سائل القهوة السوداء اختلط بسائل أحمر بأعقاب سجائر والعمود يجثم على وجه الرجل المُهشّم "

قصة الخم التي تتحدث عن أنواع الدجاج وطبقاته، والتفاوت بين أنواع الدجاج، لا قيمة لها من الناحية الفنية. فهي ترديد لرموز حيوانية وردت في أزمنة غابرة،مثل كليلة ودمنة التي أصبحت مُتَجاوزة و مُستهلكة.واعتقد بأنّ ذهنية الكاتب شكيب أريج وثقافته قادرة على استنباط ما هو جديد من واقعنا المُعاش، ومحاولة رفده بالرؤى والأساليب الفنية والإبداعية، دون الحاجة إلى الإطلالة على التراث، وتكرار بعض مضامينه.

في القصص الأخرى، ثمة أبطال التقطهم الكاتب من قاع الحياة. واستطاع أن ينفذ إلى علّة ضياعهم. جسّدهم لنا وهم يصارعون وجودهم القلق على حافة الهاوية.

هؤلاء (الأولاد) الذين يعيشونها بكيفية أقرب إلى الموت البطيء، ومنهم (عبيروش) ماسح الاحذية، الذي وجد نفسه على أرصفة التشرد والفقر والاهمال في هذه المدينة المزدحمة بالبشر. ولكنه يقاوم شظف اللحظة بالعمل الذي لا يقدّم له سوى مسخ إنسانيته، وبحكم عمله كماسح أحذية، يقيم علاقات جنسية شاذة مع سائح مأبون، طمعا في المال وليس كحاجة جنسية. ولكنّه يُدرك فداحة ما يقوم به، ويكره ذلك. وحينما يقوم بسرقة ممتلكات السائح يتعرض لاستجواب من قبل الشرطة، التي تقف مع السائح. كما يطرح النص شخصية (عبيقة) الذي يعيش على جمع أعقاب السجائر ومخلفاتها، والذي يشارك عبيروش في نفس الجنحة التي ارتكبت للسائح المأبون. وقد استطاع الكاتب بطرف خفي أن ْ يُلمّح إلى قسوة الحاجة والتشرد التي يعيشها هؤلاء في مدن الفاقة، ويقارنها بترف أبناء مجتمعات الوفرة الذين يأتون من أوربا، وهم محمّلون بتخمة العيش وتمظهراتها من شذوذ جنسي وجنوح أخلاقي. كما يشيرإلى غياب القوانين التي تحمي الطفولة المشردة، والتي تسقط في فخ الانحراف الاخلاقي، بسبب الحاجة الملحة، لأطفال لا يجدون سوى شوارع مدينة لا تكترث لأبنائها، بل أنها تسعى لتدميرهم واستهلاك جذوة طفولتهم.

واذا كان عبيقة وعبيروش يجسدان بؤس الطفولة، فشخصية مبروك وعلال التنس تمثّل الازدواجية في السلوك، ما بين التقوى الظاهرية وما بين الفعل الحقيقي القائم على الغش. ومحاولة استغلال سذاجة الناس وبيعهم ماء زمزم مثلا. وقد أورد الكثير من الحكايات التي تدلّ على نوع من الانحرافات العقيدية.

ولكن ثمة صور أخرى تتحرك في اللوحة السردية، ومنها علاقة خندوشة بحبيبها العاطل عن العمل،والذي يمتلك الوعي بحالته المزرية فيسقط ضحية لطموحاته غير المتحققة. وحينما يلتقي بخديجة في موعد عاطفي على أسوار مدينتهم، يتعرضان إلى تحريم السلطة لسلوكهما المحظور، والذي تمثٌل في لقطة تجريدية بصعود الشرطي إليهما، وربط وثاقهما بأغلاله، ولكنّ الشرطي يسقط من السور ويموت. ويجدان أنّ انقاذهما وكسر الأغلال يكون بيد رجل دين. الذي يحاول أن يكسر القيود بسيفه، في مشهد يثير الرعب فيهما.

في هذه القصة يحاول الكاتب أن يقدّم لنا صورة تجريدية، يمتزج فيها المُتخيل بالممكن. ومزج الوهم بالواقع، ويتصاعد الموقف إلى ذروته، رعب اللحظة في التخلص من الأغلال والذي يحتمل المخاطر والاحتمالات. ولكنّ هذه المواقف تنطفئ في النص دون إشارات واضحة ومقنعة.

تحتوي هذه المجموعة القصصية ايضا، على الكثير من الصور والمواقف والبشر. والذين قدمهم الكاتب وهم يمارسون طقوسهم الحياتية، تحت وطأة ظروف ومُناخات مختلفة. إنه الصراع المحموم من أجل البقاء، ضمن مساحة جغرافية مسوّرة بالأضداد والمفارقات التي لا ترحم أحدا.

الكائنات القصصية التي قدّمها شكيب أريج، كأول عملٍ إبداعي له، جديرة بالتأمل والتحليل، وجديرة بالاحتفاء.

لقد كان أنيقا في أسلوبه، بليغا في لغته، لا يتردد في استخدام اللهجة المحكية وفق مقتضيات الأحداث وضروراتها، فقدم لنا مدينة مهيبة حافلة بعبء ابنائها. من خلال سيل من الحكايات التي شحنها بجملة من المفاهيم والأفعال. كما قدّم تصوراته عن مدينة يعشقها ويهيم بها. وما هذه الكائنات التي جسدها على هيئة قصص واحداث سوى تعبير عن حالة الذوبان في مدينة يسعى ويتمنى أنْ لا (تأكل أولادها).

 

رحمن خضير عباس

 

مالكة عسال(بحث تدفق من خلال السم الذي شكته مهزلة المقررات في جسدي حول اللغة العربية، وهو موضوع شائك حاولت التطرق إلى بعض نقاطه بشكل متواضع، مستندة على بعض المراجع الورقية والإلكترونية، لملامسة أهمية اللغة العربية عبر التاريخ.. وسأذيل نهاية المقال بالمراجع والمصادر التي أثرَت بحثي ..أتمنى أن يدغدغ المقال فضول الجميع)..

وسينشر على مراحل ...

ـ فتح مبين

نظرا لما يلحق اللغة العربية من تهميش وتحقير من قبل بعض الناطقين بها من جهة، ومن أعدائها من جهة أخرى، أبذلتُ ما في وسعي لأبين نشأة اللغة العربية، ومراحل تطورها، ومدى أهميتها بالنسبة للشعوب العربية، وعلاقتها ببعض المعارف، وكيف تعامل معها بعض العلماء والمهتمين منذ نشأتها إلى اليوم .. وماذا علينا فعله نحو اللغة العربية لتنمو وتتطور وفق العصور، باعتبار اللغة العربية هي الهوية، والرافعة الأساسية للنمو والتنمية؟ هل ندرك على وجه التحديد ماهية اللغة العربية؟؟ وهل من تعريف مستقل يميزها عن باقي اللغات؟؟..وما علاقتها بالمعارف الأخرى؟

1) هل من تعريف محدد للغة العربية؟؟

اللغة العربية هي مجموعة من النظم والعلامات والطرق المصاحبة، التي يستخدمها الفرد في الكلام للتواصل والإبلاغ والشرح والتفسير، من عناصرها:

الصوتي، والهمس والصرفي والنحوي، والإشاري والتلميحي والترميز والملغز والمباشر والمعبر وغيرها، لإيصال المعنى بغرض الإفهام، وهذه النظم المتماسكة المتضافرة، سواء كانت مكتوبة، أو مسجلة، أو محفوظة أو مفهومة، صالحة للتطبيق الكلامي، فهي إذا جهاز من الحروف والعلامات والصيغ، والأساليب والطرق، والعلاقات النحوية والصرفية والتركيبية في المجتمع العربي، يتعلمها الفرد اكتسابا، وليس غريزيا أو بالفطرة،  ليدخل بها في زمالة اجتماعية، ويمكن القول بصيغة أخرى: اللغة العربية هي مجموعة من عناصر منسجمة ترتبط علاماتها بالمعاني والدلالات وما توحي إليه، ارتباطا اعتباطيا كجسد لنقل الأفكار، تضم في دائرتها حمولات ووحدات ذهنية، يستطيع المتكلم بمساعدتها، أن يستعمل علامات الكلمات في كل أوضاعها للتعبير، أو للتوضيح، أو لنقل الأفكار ..

وعموما فالتعريف للغة العربية على هذا المنوال: أنه طريقة إنسانية مكتسبة وغير غريزية لنقل الأفكار، والتعبير عن العواطف والرغبات، بواسطة نظام من رموز وعلامات تستعمل حسب الإرادة، قد ينطبق بصورة مثلى على أية لغة، وفي أي مجتمع آخر..

2) تضارب الآراء حول نشأة اللغة العربية..

كيف نشأت اللغة العربية، وكيف تطورت؟؟ وهل سارت على نفس الدرب مع أخواتها اللغات؟؟ أم انفردت بطريقة خاصة؟؟ وكيف حالها اليوم؟؟ جملة من الأسئلة تتشابك في أذهان اللغويين والباحثين والمهتمين، ومن لهم غيرة على اللغة العربية كهوية، وكرافعة أساسية للنمو والتنمية ..لا أحد يستطيع على وجه التحديد أن يحدد كيفية نشأة اللغة العربية خصوصا، ولا اللغات عموما؛ في خضم النظريات التحليلية المتناسلة منها ما هو أقرب نسبيا إلى الموضوعية، ومنها الخرافية السطحية غير منطقية، اختلاف وتنوع واسع في الرؤى والأفكار والتنظيرات حول مسألة نشوء اللغة، واللغة العربية حصريا على امتداد الحضارات القديمة والحديثة..

لقد أجمع البعض على أن الفضل في إنشاء اللغة العربية كما الشأن في جميع اللغات، يعود إلى المجتمع نفسه، وإلى الحياة الاجتماعية، حيث اجتماع الأفراد بعضهم ببعض، يحتاج إلى التعاون والتشاور والتفاهم وتبادل الأفكار وإبداء الرأي، والحُكم واتخاذ القرارات، والتعبير عما يجول في الخاطر؛ تنظير أقرب نوعا ما إلى المنطق .. وعلى غرار هذه  النظرية تناسلت آراء وأفكار وبحوث أخرى، تدلي بدلوها حول أسباب نشوء اللغة العربية وأصلها، والعوامل المساهمة في تطورها ونموها كما سأوضح:

ـ أفكار ترى في نشأة اللغة العربية هبة من الله، أي توفيقية من وحي إلهي، حيث علّم الله الإنسان النطق بالأشياء، معتمدين في ذلك على بعض الآيات القرآنية (علم آدم الأسماء كلها)، وإذا رجعنا إلى النص القرآني والتراث القديم، وكيفية خلق آدم، وما يمتاز به عن غيره من البشر من قدرات عقلية، تمكنه من اضطلاع بالأمانة الربانية، وما تمتلكه اللغة العربية من أسرار، وهندسة لغوية متينة على جميع المستويات، نخلُص إلى أن اللغة العربية نشأت بتعليم رباني، يتجلى ذلك في ما تملكه حمولتها من خيال وإدراك، وذكر وتداعٍ وتعبير وآفاق ممتدة لا حصر لها، تستدعي نشاطا عقليا مكتملا؛ يلزم التعمق فيها، وما هيأه سبحانه من أعضاء وجينات، قادرة على النطق بها .. ومصطلح التوفيق كما تستدعيه هذه النظرية يعتمد على مسلمات مطلقة /ثابتة /مقدسة، لا يمكن الخوض في نقاشها، ولا التغيير في نصوصها بالزيادة أو النقصان .. بل تبقى على حالها، أو قد تتطور تدريجيا حسب الظاهرة الإنسانية دون المساس بجوهرها ..

ـ وبحوث ترى أن اللغة العربية قديمة قدم الإنسان نفسه، أم اللغات إن صح التعبير، وأعلى وأرقى لغة سامية عرفتها الإنسانية، تستوعب التراث العربي القديم، وما في رحمه من حقائق علمية؛ بل وكانت اللبنة الأولى لأغلب الحضارات..

ـ ونظريات ترى أن اللغة العربية كما سائر اللغات،  ابتُدعت واستُحدثت بالتواضع والاتفاق، أي بارتجال ألفاظها بالمواضعة، وبوضع أسماء للأشياء بالإجماع.. وبالتداول لهذه الألفاظ والأسماء نشأت اللغة العربية كما اللغات الأخرى...

ـ وغيرها ترى أن اللغة العربية فرع كما اللغات الأخرى نشأت وتطورت عن اللغة الأم الأولى أثناء الخلق، عن طريق التقليد ومحاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة على اختلافها، من حفيف أوراق الشجر، وخرير المياه، وشدو العصافير، وأصوات الحيوانات، فسارت في سبيل الرقي شيئا فشيئا، مع ارتقاء العقلية الإنسانية وتقدم الحضارة، وتعدد حاجات الإنسان، واتساع نظام الحياة

ـ وآخرون يرجحون أن إنشاء اللغة العربية مثل كل اللغات، يعود إلى تعلم الإنسان والاكتساب، انطلاقا من المحيط /من الجماعة، للتعبير عن انفعالاته بإشارات، وتغيير ملامح، وحركات جسمية وأصوات بطيئة، وعن طريق الدربة والمراس، بدأت اللغة تتطور وتتنوع باكتساب مفردات جديدة، فاهتدى الإنسان إلى أساليب أخرى في تركيبها واستعمالها بالقدرة عن الكلام..

كانت جل هذه النظريات والبحوث والآراء تتقاطع أحيانا في بعض النقاط، وتختلف أحيانا أخرى، فمهما كان الترجيح صحيحا لأية نظرية، تبقى هذه مجرد خطوط ضيقة حول نشأة اللغة العربية، لكن الموضوع المثار هنا، هو كيف كانت اللغة العربية وعاء لاستيعاب الفكر الإنساني، وهل هي فعلا وعاء نصُبّ فيه الأفكار، كما نصب الزيت في جرة؟؟ أم أنها كائن حي تتفاعل وتتنامى وتتطور وتواكب؟؟ وكيف استطاعت التفاعل مع المعارف الإنسانية في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والديداكتيكية؟؟وهل استطاعت اللغة العربية أن تواكب التجديد في هذه المعارف؟؟؟ وما هي أوجه التعثرات؟؟وهل وضْعُها حاليا على أحسن ما يرام؟؟ وهل تزاول وظائفها باقتدار؟؟

3ـ مواكبة اللغة العربية للظاهرة الإنسانية في تطورها

اللغة العربية شأنها شأن أي عمل فني، وأي عمل إبداعي، خاضعة للسيرورة التاريخية، وقابلة للتجدد حسب العصر بطرح شوائب تخلق تشويشا على مسارها، أو بإضافات تثريها وتغنيها ولا تُقِلّ من شأنها، أو تدني من قيمتها؛ وجاهزة لأن تستوعب أية حمولة ثقافية بكل مصطلحاتها ومفاهيمها ومعانيها ودلالاتها، ومهما منطق العرب اللغة العربية بالحيطة والحذر باعتبارها لغة القرآن المقدسة المتكاملة، التي لا يجوز المساس بها حماية لجهازها من تسرب بعض الدخائل الأجنبية إليها، أو الحيلولة دون تدفق مالم يطبع بطابع الفصحى، فاللغة العربية عبر تاريخها تنصلت من هذا القيد الجبار، ورمت عنها غلالة الحصار، وتفاعلت واحتكت، واكتسبت أشياء أثرتها وأغنتها، وطرحت أخرى زائدة لم تضف إليها أية أهمية، مما يبين بجلاء أن اللغة العربية ليست عذراء يُخشى افتضاضُ بكارتها، ولا بناؤها وتشكيلُها حسب المواضيع المطروحة وما يجوش في الخاطر، قد يخلخل قصدها ويضلل معناها؛ والدليل على ذلك أنها عبر التاريخ تلبست حللا فلسفية وميتافيزيقية وسريالية وصوفية ودينية وعلمية حسب المرامي والغايات، وتشكلت وتوشحت بالإضافات أو النقصان من عصر إلى آخر بشكل هادف ومتميز؛ وإن إعلاء الأسوار حول اللغة العربية، وإغلاق جميع الشرفات عليها من أجل تحصينها، لم يمنعها من مواكبة الظاهرة الإنسانية في تطورها وسيرها التاريخي كما سيأتي لاحقا ...

ـ اللغة العربية والتعاليم الدينية والإسلامية

إن انتقاء خالق العالمين اللغة العربية للوحي، كخاتمة لرسائله إلى البشرية، يعني أنها كانت أفصح وأشد اللغات وأرقاها، وأكثرها قدرة على استيعاب تعاليم أحاديث الوحي، بما تمتلكه من خصائص ومميزات، وتمتاز به من ثراء ومقومات، وأنها أقرب إلى أذهان المسلمين للفهم والتلقي والاستيعاب والتأثير. لتبقى خالدة بخلود القرآن للأجيال البشرية اللاحقة، فيلتموا تحت لوائها كلغة عالمية شاملة لكل المقاصد، تجمع شملهم وتشد أزرهم، والقرآن الكريم وصف نفسه بأنه عربي، وأكد ذلك في أكثر من آية وسورة (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)، وقد اختار الله تعالى أن يخاطب البشرية خطابه الأخير باللغة العربية، التي هي لسان الرسول العربي الخاتم الأصيل، لتصبح لسانا ثقافيا عالميا للخاص والعام ولجميع الشرائح البشرية وعلى مر العصور ...إذا اللغة العربية جزء من الإسلام، وكانت السبيل الأقوى لنهضة المسلمين ورقيهم في صدر الإسلام، مما ساعد على ذيوعها وسيادتها في جميع الأقطار العربية و الأعجمية.. والفهم السليم والإدراك الصحيح للقرآن، واستيعاب مقاصده و أحكامه، والتشبع بتعاليمه وقيمه، لا يتأتى إلا بتعلم لغته العربية الأصلية التي نزل بها بكافة عناصرها ومكوناتها وعلى جميع الأصعدة، ولا يمكن لأي كان أن يستوعب معاني القرآن ودلالاته، إلا إذا أحكم القبض على اللغة العربية بكل أطيافها؛ وعلى الذين يحثون على إدراك القرآن، وتجديد الفهم لـه على ضوء الدراسات اللسانية الحديثة، أن يتقنوا أولا اللغة العربية التي هي لغة القرآن؛ وغير ذلك لا فائدة ترجى، بل على العكس قد تطبعها الفوضى وعدم الإتقان، ولا تعبر التعبير الحق عن كنهه وأسراره، ولا تتوغل في أعماق القارئ بما يقوى إيمانه،  ويحبب إليه الدين الإسلامي، فاللغة العربية لها دور أساسي في استنباط ما ترمز إليه الأحكام الشرعية والحقائق العلمية من النصوص القرآنية، لذا لِفهم الخطاب الإلهي يجب إتقان اللغة العربية صَرفا وتحويلا ومعنى، ومن لا يملك ناصية متينة لهذه للعلوم، لن يستوعب البتة ما في القرآن من مقاصد ..

ـ اللغة العربية والاحتكاك بالفلسفة والمنطق الأرسطي

لقد عاصرت اللغة العربية في البلاد الإسلامية تدفق سيول خصبة من الأنشطة العلمية المتعددة، سهلت الترجمة من اللغات الأجنبية لبعض فروع الثقافة والمعارف التي تخدم اللغة العربية كالفلك والرياضيات؛ فأصبحت العقلية العربية في احتكاك مباشر بالأمم والديانات الأخرى، مما أذكى شرارة تأثر العرب بهذه الأمم، والتشبع بالثقافة اليونانية، والارتواء من معينها، حيث كان لأرسطو نصيبُ الأسد في سيادة منطقه في البلاد الإسلامية إبان العصر العباسي ـ الذي كان عصر ازدهار العلوم ـ عن طريق الكتب المترجمة إلى اللغة العربية، كما كان الدور أشد وأقوى بشكل ملموس، احتكاك اللغة العربية بالتفكير الأرسطوطاليسي الذي يخلط بين المنطق والميتافيزيقا، فيظهر ذلك واضحا في الدراسات اللغوية عند العرب .. إذا فاحتكاك العرب بالإغريق، وتواصل المسلمين برجال الدين من المسيحيين الذين أغلبهم من الدولة الإسلامية، والذين كانوا يتقنون أكثر من لغة، كانا الحافز الأقوى على خلق علم الكلام، والأدلة التي كانت تستمد بالطبع من منطق أرسطو كمرجعية، والذي لم تتخلص اللغة العربية من قبضته السحرية، بل وامتد المنطق الأرسطي حتى إلى الفقه الإسلامي، وبذلك يتضح بجلاء، أن النفوذ الإغريقي بفلسفته وما يطبعها من علل وأقيسة ظل مهيمنا على اللغة العربية ...

ـ اللغة العربية والأجناس الأدبية

كما كانت للغة العربية علاقة بالفلسفة والمنطق، فقد كان لها حراك قوي في مجال الأدب على اختلاف أجناسه، فتنقلت وتشكلت حسب الظواهر الأدبية على امتداد العصور، حيث حرصت اللغة الكلاسيكية على جودة الصياغة اللغوية وفصاحة التعبير، والقرائن التقليدية، معتمدة في ذلك على العقل الواقعي، وما تراه العين بالمباشرة، وفق معنى واحد وواضح لا اختلاف فيه لدى الجميع، تنتهي صلاحيته بمجرد فهمه،  معنى، يلتقي فيه التفكير والإحساس.. الاهتمام كل الاهتمام بالتنميق اللغوي والزخرف اللفظي، فتعددت المحسنات البديعية، وترادفت الأجناس، وتتالت الاستعارات، و تقافزت التشبيهات، حيث وجهت العناية الكبرى إلى الشكل على حساب المضمون.. ثم خطت اللغة العربية خطوة أخرى أرقى لتسمو بنفسها، فاقتحمت المذهب الرومانسي، بقفزة نوعية ملموسة من الواقع إلى الخيال، اقتصرت على مناجاة الطبيعة بكل تلاوين الفلسفة والميتافيزيقا، في صياغات فنية وتركيبات دلالية، بكل ما تعنيه الكلمة من إيحاء وترميز، جاوزت تماما أسلوب المباشرة المنصرم، والحس الواقعي إلى عالم الحدس والتأمل ... والمتمعن في تاريخ الأدب، سيلمس بالمباشر أن قاموس اللغة اليوم، ليس هو ما كان عليه سابقا في العصر العباسي، أو الأموي أو الجاهلي، لأن حياة اليوم أدخلت إلى معجمها مفردات جديدة أنبتتها حقول العصر، وزخِرت بها الهموم اليومية؛فخلعت اللغة العربية أذيالها القديمة المبنية على المباشرة والوضوح، لترفل في المجازي والإيحائي بشكل جديد، يستعصى معه استيعاب المعنى من قبل القارئ، مما يبين أن اللغة العربية قد تحررت تدريجيا من قيود الاستعمال البسيط المتداول، كظاهرة من ظواهر الحياة الإنسانية، ليصيبها التغيير مختارة ألفاظا للحياة الجديدة، وإن كانت بعض الخيوط مازالت لحد الآن، تشد بحنين قوي إلى الماضي، عن طريق القوالب السحرية المتمكنة من العروض والقافية، والموسيقى الخارجية؛ ومن هنا نستخلص أن اللغة العربية ليست جامدة وثابتة ومطلقة كما يبدو للبعض، يستحيل إضافة إليها أشياء أو حذف منها أخرى، كما يقول: ميخائيل نعيمة (فتحسبها واقية كاملة وليس لمستزيد في دقتها زيادة)..

وعليه نجد المبدع في مادته الإبداعية في قلق وانفعال دائمين مع اللغة، فإما أن تكون مطواعة، يكيّفها حسب مستجدات العصر ومتطلباته، فيرقى بالأدب إلى أعلى مستوى، أو تعاسره وتستعصي عليه، فيخونه التعبير مما يؤدي بها إلى الجمود والتردي ...فمبدعو الحداثة من شعراء وقصاصين وروائيين، يتولون اللغة العربية بعد كتابة نصوصهم بالقص والتشذيب، والحذف والإضافة والتغيير،  في ما يسمى بالنقد الذاتي، للتمكن من النصوص قبل تقديمها للقراء، أو بغربلة التراث، وانتشال الألفاظ البليغة المعقدة والغريبة، لإبراز إشعاعها وتقريبها من مفاهيمها بصياغة أخرى، تكون مرآة للعصر، بمعجم جديد مناسب للتجربة الحداثية، ضمن قوالبَ وصيغ جديدة نابضة باليومي على حد قول محمد مندور (وإن ما يعيب الأسلوب عدم التجديد) ..

وهكذا نخلُص بوضوح، إلى أن لغة الأدب هي النبض الحقيقي للحياة، تتطور تبَعاً لتطورها، مترجمة سلوك ومواقف وتخمينات المبدع، وأحلامه وطموحاته، في صراع محتد ودائم مع ما يأمله، وما تعتريه من عراقيل لتحقيقه.. وبهذه المواجهة من قبل المبدع للحياة، تستجيب اللغة لكل ما يروج في خلد الذات المبدعة، فتحمل الجديد من الهزات التعبيرية المدهشة، بشكل حداثي صرف يتوخى جزالة اللفظ، واتساع المعنى، وفخامة الدلالة، في لغة متينة مكثفة وموحية وممتعة في آن واحد..

وهذه اللغة هي المناسبة والقابلة لتشخيص قضايا العصر الملتبسة، التي تغوص هي الأخرى في إبهام صرف، وهكذا تلامس فكر القارئ، وتدغدغ أفقه المعرفي، وتثير بركان وجدانه، مخاطبة فيه جانبه الرمزي والانفعالي، مستنهضة ذكرياته وأحلامه وآماله وتجاربه، كل ذلك في قالب لغوي رمزي إيحائي تلميحي دلالي متين، يبعث الهزة ويحدث الربكة ...

وما يجري على الشعر يجري على القصة والرواية، حيث اكتست اللغة فيها حللا جديدة مناسبة للظرفية، وهكذا تُخيِّب اللغة أمل مَن اتهموها بالقصر، ورأوا فيها الجمود، فهمشوها بحجة أنها غير مطواعة، ولا يمكن أن تتكيف مع أحداث العصر، والهدف من ذلك تكسير رقبتها لغرض في نفس يعقوب..

ـ اللغة العربية ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة 

لقد كانت اللغة العربية سابقا، تُستَخدَم للأخبار شفويا عن طريق حفظ الرسائل، أو مكتوبةً عبر الورق، أو في خطبة يجهر بها الخطيب وسط حشد من الناس في المساجد، أو الساحات العمومية، وهذه الطريقة اندثرت اليوم، بفضل تعدد وسائل التبليغ والإبلاغ بطرق مختلفة ومتعددة، من ندوات ومحاضرات، ولقاءات، وملتقيات، ومهرجانات ثقافية، بالإضافة إلى الكتب والمجلات والجرائد، والقنوات الإذاعية والتلفزية، وأجهزة الحواسيب، والهواتف العادية والذكية وغيرها، حيث ساهمت هذه الآليات المتنوعة والمتطورة في استيعاب اللغة العربية، وتوسيعها وانتشارها على المدى الرحب بما يتدفق من مصطلحات أدبية، وعلمية، وسياسية، وفنيةن ورياضية، الشيء الذي يكسبها صياغات فنية متنوعة، إن على مستوى الثروة المعجمية، أو على مستوى تركيب الألفاظ، وتنظيمها في سلاسل من الجمل والفقرات، أو على مستوى اختيار النسيج الأسلوبي، أضف إلى ذلك ما لعبته القنوات الفضائية من دور في انتشار وتنوع البرامج باللغة العربية، حيث استطاعت اختراق الجدار العربي إلى دول الغرب، لتنفذ في أعماق الجالية العربية، بما تملكه هذه الأجهزة من قدرات توصيلية محكمة وهائلة، في مجال استخدام اللغة العربية الفصحى، وتقديم أصناف المعرفة بلسانها ..لكن ما يلاحظ في هذا الشأن هو أن دودة ناخرة، أخذت تتغلغل في جسد اللغة العربية، لتسيء إليها وتنحو بها نحو الضعف والتردي، ألا وهو تطعيم اللغة العربية بالدارجة، تحت ذريعة إيصال المعنى للفهم إلى الذين لم يساورهم الحظ في القراءة والكتابة.. بينما العكس هو الحاصل، أن هؤلاء المشار إليهم بالبنان يتابعون المسلسلات المكسيكية والتركية والهندية المدبلجة باللغة العربية ويفهمون، بل يستوعبون الأحداث حدثا حدثا دون عسر في الهضم، ويتشبعون بمصطلحات عربية محضة، وكذلك الأطفال في بعض الرسوم المتحركة، فنجد هذه الشريحة قد تمكنت من اكتساب رصيد هائل باللغة العربية، ويوظفونها بسهولة أثناء اللعب مع بعضهم البعض (كريندايز ..مثلا) (أنا الرمح الصاعد) (أنا الرشاش) وغيرها .. إذا فذرائع الفهم لا أساس لها من الصحة جملة وتفصيلا، بل انسياق بعض وسائل الإعلام إلى العامية، ومعارضة الفصحى خاصة في بعض البرامج الإذاعية والتلفزية، هو موقف ناخر للغة العربية، ويدعو بالمباشر إلى تخريبها، والنزوع بها إلى الدونية ..من هذا المنطلق فأنا لست ضد بعض الجمل بالعامية، التي قد لا يوجد لها مكانا في اللغة العربية، أو حشر بعض المصطلحات الصعبة غير مفهومة، لتقريبها من المتلقي للتوضيح، ولكن أن تندس اللغة العامية غازية، لتتبوأ عرشها على حساب اللغة العربية، وتحل بدلها الشيء الذي يساهم في قتلها، فهذا مرفوض تماما، لذا فمن واجب المسؤولين على وسائل الإعلام، حماية اللغة العربية، وذلك بإعداد أعمالهم إعدادا متينا، بكل ما تستدعيه السبل والأدوات، من منطلق إحساس قوي بأهمية اللغة العربية، كوسيط للتفكير والتعبير والوحدة القومية والتنمية، وأن يقدموا لها من خلال برامجهم ما يجعلها في القمة ...

ـ اللغة العربية كعمود فقري للاقتصاد

إذا تصفحنا تاريخ اللغة العربية في هذا الجانب، نجد أن اللغة العربية نشأت وترعرعت، بين أحضان التجارة عن طريق القوافل العربية، والتجارة في الأسواق لتلمس الرزق، أو بين القبائل من بقاع مختلفة، وهذه العوامل أفسحت المجال لتحريك اللغة العربية كرافعة أساسية في العمليات التجارية، وبالتالي تنتشر انتشارا واسعا بتنمية ألفاظها، وتعدُّد مفرداتها، وتنوعها تبعا لهذا الميدان، وبالتوازي كان العرب إلى جانب عرض البضائع في الأسواق للبيع والشراء، يعقدون محافل أدبية وفنية كتقليد، تتشكل من عدة فقرات متنوعة ومتكاملة، مثل مبارزة فنون القول بكل أشكالها وألوانها، إما عن طريق المدح، أو الذود عن القبيلة التي ينتمي إليها الشاعر،  أو عرض مواد أدبية ولغوية للتنافس والتباحث لحل إشكالها، للحكم على جودتها من رداءتها؛ فينساق أهل اللغة إلى عرض خزانهم اللغوي بكل أجناسه على المتلقي.. ومن هنا يتضح، أن اللغة العربية كانت هي الوسيلة الأساسية في المجالات التجارية والاقتصادية، إن على مستوى ترويج الأدب أو ترويج السلع والبضائع، أو على مستوى التفاخر والمبارزة،  لكن والحال اليوم حيث الثورة المعلوماتية متدفقة، والانفجار التكنولوجي ينتشر جارا وراءه وابلَ الاستثمار، ووباء الخوصصة، أصبحت اللغة العربية كعنصر أساسي وهام من عناصر الاقتصاد والتنمية مجرد صورة نمطية، وغُيِّبَ دورُها بتسرب المصطلحات الغربية، وهنا أفتح قوسين: لا أقصد اندساس بعض المفردات الأجنبية والتصاقها بجذع اللغة العربية، فهذا لا يضير في الأمر شيئا إن حصل من أجل التكملة، لكن أعني هيمنة اللغة الأجنبية، وخاصة الفرنسية والإنجليزية، واحتكارهما للبحوث والدراسات والإعلانات واللافتات واللوائح الإشهارية، بالتلفزة أو معلقة على الجدران، وتداول اللغتين نطقا، وكتابة في بعض المؤسسات، مما يشكل باعثا حقيقيا على زحزحة اللغة العربية من مكانتها إلى الهامش، ومصادرة هويتها .. والأخطر من ذلك هو إقصاء اللغة العربية تحت يافطة ضعفها، والحكم عليها بعقم رحمها من استعداد حمل جينات المصطلحات الاقتصادية ...

وعليه مادامت اللغة العربية هي الوسيلة المثلى للنهوض بالمجتمع، والسير به نحو التنمية، وبما أنها ظاهرة اجتماعية تتبادل التأثر والتأثير بالاقتصاد، إن لم نقل هي المحرك الأساسي له، وجب أن نرقى بها عن طريق النفخ في صورها، وضخ دماء جديدة في جسدها بحوسبتها وإدخالها إلى عالم الكمبيوتر، وتزويدها بالتقنيات، وتوجيه الاستثمار نحو مشاريع، تعالج اللغة العربية بتطويعها على استيعاب هذه التقنيات، وبناء معاجم في هذا الشأن بكل تجلياته ومصطلحاته، مع تشكيل برامج الترجمة وإعادة الهيكلة، لخلق منها حقلا للدراسات التنظيرية اللغوية، مما يساعد على ترويجها وانتشارها في الحركات التجارية، وتخصيص لها حيزا في الاقتصاد قد تكون له أهلا،  لكن لا بلوغ هذه الغاية دون تحسين اللغة العربية، وتطويرها وتجديدها حسب ما يستدعيه العصر ...

ـ اللغة العربية والحوسبة وعالم الكمبيوتر

حيث أن العولمة احتكرت كل بقاع العالم، وتدفقت الثورة المعلوماتية بغزارتها المعرفية وتنوعها، وأصبحت بلمسة أيقونة يصبح العالم بين يديك، من خلال شاشة صغيرة لا تتعدى مساحتها شبرا، أصبح لزاما على اللغة العربية كجهاز للتنمية، أن تمْتَثل لهذه الثورة، وأن تدخل المغامرة للتفاعل والتطور والتجديد، لتواكب مستجدات العصر وتدفقاته وتعبر عن كل ماجد في هذا العالم، فتدخل للمعركة في صميم هذه التقنيات، وتؤكد قدراتها في أن تكون أداه للتخاطب والتواصل في جميع القطاعات، وعبر كل الآليات لتُستَثمر كأي سلعة اقتصادية، تستفيد منها التنمية باعتبارها عنصرا من عناصر التنمية، إضافة إلى كونها وسيلة لحمل المعارف، واللغة العربية قادرة على أن تستقبل هذه التقنيات بكل مصطلحاتها، وأن تسير في الركب الحضاري باستيعاب المصطلحات الحسوبية، وتدخلَ غمار البحث العلمي على اوسع نطاق، كلبنة أساسية لبناء الأمة العربية والنهوض بها .. يكفي من القيمين على الإعلام أن يتداولوا ما عربته مجامعنا العربية ..غير أنه يلاحظ مؤخرا تهجين اللغة العربية وتدنيها وتهميشها، بالانسياق وراء لغتين مهيمنتين، هما اللغة الفرنسية والإنجليزية وما جاورهما، تحت رؤية هشة جاهلة، تقصي، وتستثني قدرة اللغة العربية عن استخدام المصطلحات التقنية العلمية الحديثة، والتأكيد على عجزها في ذلك، رغم أنه يتضح لنا وبيقين تام، أن اللغة العربية قادرة على التطور واستيعاب الرموز والعلامات العلمية، شأنها شأن أية لغة أخرى، مادامت هذه المصطلحات غريبة كليا عن جميع اللغات؛ وإذا جارينا تاريخ اللغة العربية، يثبت لنا أن اللغة العربية على مرّ العصور، ومنذ ان خرجت من أفواه أهل البدو، قد أثبتت حيويتها وتفاعلها، وقدرتها على التطور والتجديد، ومواكبة مستجدات العصر على اختلاف ينابيعها:علم فلك /طب /رموز رياضية/فلسفة منطقية / أو إسلامية، وأنها قابلة لتبادل التأثر والتأثير في أي مجال، وعلى أي مستوى، وفي أي عصر، وما يجري في ميدان الاقتصاد، إذا من خلال النظرة الدونية إلى اللغة العربية كيف يمكن حماية اللغة العربية وبالتالي كيف نرتقي بها؟؟

4) تحقير اللغة العربية من قبل خصوم الإسلام

خصوم الإسلام وأعداؤه أدركوا الترابط الوثيق، والأواصر المحكمة بعهودها ومواثيقها بين الإسلام واللغة العربية، وتيقنوا من مدى تمسك المسلمين بعقيدتهم بما تحمله من شعائر وطقوس، وعبـادات عميقة نابعة من الإيمان الراسخ كدين متماسك الحلقات، فسعوا إلى إضعاف اللغة العربية، والتقليل من أهميتها والإطاحة من شأنها، مع تحقير واسع للمسلمين، والمتشبثين بدينهم الحنيف، فأشاعوا أن اللغة العربية، ليست لغة العلوم العصرية الحضارية، من هندسة ورياضيات وفيزياء وطب وغيرها، ولا لغة العقل والفكر والثقافة والحضارة، وإنما هي لغة العبادات والطقوس الدينيـة، لغة الزوايا والأولياء، والكتاتيب القرآنية، فكرة استعمارية دخيلة حقيرة سياسيا، رُوِّجَ لها ليظل النهج الاستعماري اللغوي والثقافي مهيمنا على الحياة الفكرية والعلمية، وتمرير ثقافة الإحساس بأن اللغة العربية ليست لغة علوم وفنون، بقدر ماهي لغة شعائر دين، وفقه وعبادات، أسلوب خطير في توجيه الأنظار والأفهام إلى اللغة العربية، على أنها مجرد لغة الكهنة والخرافات والقصص والأساطير؛ متناسين التلاقح الفكري الثقافي، والتفاعل الحضاري عبر التاريخ، وأنها من اللغات العريقة، حيث خصّها بعض العلماء (أولستهوزن) بدراسة خاصة، كلغة سامية ..

انطلاقا من هذه النقطة بالذات، وجه العرب أصابع الاتهام بدقة إلى أعداء اللغة العربية، الذين يريدون الإطاحة بقيمتها، وزعزعة كيانها، كحبل متين يعتصمون به للحفاظ على هويتهم، وكرافعة أساسية للتنمية كباقي اللغات، فتضافرت الجهود، وانطلقت المساعي لحمياتها...

5) حماية اللغة العربية من قبل الغيورين عليها

وبتظافر جهود بعض العلماء والمثقفين، والمتعاطفين الغيورين على اللغة العربية تعددت الأفكار، وتتالت النظريات، وأُنشِأت آراء متكاملة ومتناسقة لحمياتها، والذود عنها من الأيادي الآثمة التي تسعى لإلحاق الضرر بها ..

 ـ فهناك من اكتفى بحظ قليل من فصاحة القول وبلاغة التعبير تبعا للتقاليد وموروثاتها الخاصة، وبيئاتها الجغرافية المحدودة في صياغة جملها، وتركيب مفرداتها وفق قرائن متداولة لا يمكن البتة الخروج عن إطارها ..

ـ وهناك من تطلّع إلى صقل اللغة العربية وتحسينها، لتسمو في تعابيرها إلى مستوى أرقى من مستوى التخاطب العادي، باعتبارها أقدم اللغات السامية، فنمقوها بالمحسنات البديعية، وعمقوها بالمجازي والإيحائي والتلميحي ..

ـ وهناك من انشغل بها كلغة فصحى نزل بها القرآن، تستند دراستهم على منهج علمي دقيق، ينبني على الملاحظة والاستقراء، مع الإفراط في الحيطة والحذر، حتى تبقى اللغة العربية محضة لا يشوبها شائب، يمكن إفساح المجال لتطويرها وتجديدها، لكن دون الخروج عن الحدود ..

لكن ما ينبغي التأكيد عليه، هو أن اللغة العربية مهما حصّنّاها وأحطناها بأسوار فاصلة بينها وبين اللغات الأخرى، لابد من تبادل التأثر والتأثير، شأنُها شأن لغات العالم كلها، التي تتفاعل وتتلاقح ألفاظها مع بعضها البعض، فتندس في هيكل كل لغة .. وحصر اللغة العربية في حدود الفصحى، وإقفال جميع الشبابيك عن تعريب بعض المصطلحات الحضارية في حدود المعقول، وتطعيمها به، يوجه السداد لقتل اللغة العربية، والتوجه بها نحو الانقراض، إذا علينا حماية لغتنا العربية، ولكن بطرق حضارية تقوي جسدها، وتُمتّن ألفاظها، وتمكن من تعددها وتناسلها، وضخ دماء جديدة في أوردتها، لتحيا وتنمو،  ولا نحرمها من سيرورتها التاريخية التي تزحف بها لغة التعامل والجوار، الشيء الذي لا يستطيع أحد منا أن يوقفه أو يتصدى له..

لذا على المثقفين أن يهتموا باللغة العربية، شكلا ومضمونا وقيمة وتطويرا، من حيث الخاصية النحوية الصرفية والتركيبية، وتنامي ألفاظها وتطويعها حسب لغة العصر، وإبعادها عن القنوات التي قد تجرفها نحو التدني، كالانعطاف نحو العامية، والتصدي لتحريض الغزاة على إهمالها، باعتبارها ليست أهلا للعلم؛ وإغلاق المجال في وجه سطْو اللغات الأجنبية على المؤسسات، والتفاعل معها كأساسيات، مع تهميش وإقصاء اللغة العربية ..

6) التوصيات الضرورية لحماية اللغة العربية

اتخذت تدابير إجرائية سياسية وميدانية وإعلامية توصيات ضرورية يجب العمل بها لحماية اللغة العربية من ضمنها:

ـ أن ينهض الكوادر من لهم باع طويل في أمهات المعارف للنهوض بحماية اللغة العربية والعمل على تطويرها ..

ـ نهج سياسة تعليمية تستند على اللغة العربية، ونشر ثقافتها في المعاهد والجامعات، والمدارس والبرامج التلفزية والإذاعية والإدارات والمؤسسات العمومية ..

ـ تنقية اللغة العربية من شوائب العامية، اللهم ما تستدعيه الضرورة للإفهام عند مصادفة أشكال، لا مخرج لها غير توظيف العامية، أو توظيفها للتزين أو التنميق ليس بشكل أساسي ..

ـ التصدي للألفاظ الأجنبية بوضعها في قوالب عربية متينة، لا تساهم إلا بتكسير جذع اللغة العربية، أما إذا كانت مكملة ومغنية ومفسرة لإبهام ما، فلا ضير في ذلك ..

ـ العمل على توظيف المصطلحات العلمية والبحوث والتقنيات باللغة العربية، خاصة وأن اللغة العربية طيعة وتحمل في رحمها بذور النماء والتجديد، وقادرة على احتضان المستجدات..

ـ تفعيل مجامع اللغات العربية في الميدان العلمي، والتصدي بشدة لهيمنة اللغات الأجنبية واحتكارها الميادين ..

ـ هدم جدار الاختلاف السياسي بين الدول العربية، وتفرد كل واحدة بتوجهاتها وغاياتها من منظورها الشخصي، وتوحيد الرأي في تطبيق هذه المجامع خاصة وأن اللغة العربية هي لغة الكل ..

ـ التنسيق بغض النظر عن الاختلاف في مجال اللغة العربية لتكوين رؤية قومية واحدة، تشد عضد اللغة العربية لمواجهة التحديات وفق نهج مُحكَم للنهوض بها وتطويرها ..

* الخلاصة:  

وحتى تصبح اللغة العربية أكثر إشعاعا من أي وقت مضى، وتؤدي دورها المنوط بها حسب العصر، تحتاج إلى تجديد منهجي وإغناء معرفي، يقومان على أسس علمية بكل ما تحمله الكلمة من طرائق وأساليب حضارية سليمة، تستند على المنطق كالملاحظة والتجريب والتحليل والتطبيق،  مع الانفتاح على المنهجيات الغربية المتقدمة في البحث وتعليم اللغات، واتباع المنهج العلمي الذي يُستَعمل في دراسة العلوم، كالمنهج التجريبي وعلم الأصوات، والتصدي للتحقير الصارخ بنظرة التمييز التي تُعلِي من شأن اللغات الأجنبية، وتُدنِي من قدرات اللغة العربية، وكسر وتحطيم الجدار الشاهق بين اللغة العربية والعلوم، الذي هو في حد ذاته تحقير ملموس للعرب والمسلمين، بنظرة دونية افتقد فيها الإنسان العربي المسلم الإحساس بالكرامة والعزة والقوة، ترتبت عنها هزائم نفسية أضعفت الشخصية العربية في إحدى مقوماتها التي هي اللغة، وحطت من قدرها. وخلَقَ شروخا واسعة في جذعها، لكن بما أن اللغة العربية هي القاسم المشترك بين الشعوب العربية، والإسلام هو الجناح الدافئ الذي يحمي بفيئه الكل،  سيظلان دون شك الرابطين أشد توحيدا بين مكونات الأمة العربية وشعوبها ومجتمعاتها، لِلَمّ شتاتها وبناء وحدتها، والوعي بلغتها أنها لغة عربية لها مقومات وأسس غير قابلة للاختزال، وأنها السلاح الأوحد للتعبير عن مشاعر هذه الأمة العربية، وأحاسيسها، وأفكارها وأهدافها، ويدركوا عن وعي أن اللغة العربية ليست وعاء أو قالبا تصب فيه المعاني والأفكار فقط، وإنما هي محور للتفكير وقطب للتعبير، بينهما ترابط متين، بفضلهما يبقى التفكير سليما معبرا عما يحسه العمق، ويدور في الخلد، و يختلج في النفس، مما يعني أن سبيل وحدة هذه الأمة، يبدأ بتوحيد لغتها وثقافتها واستراتيجيتها المعرفية، والحط منها معناه المس بكرامة الناطقين بها ..

من خلال ما سبق نلاحظ أن اللغة العربية أقوى الروابط التاريخية التي تشد أواصر الأجيال في الشعب الواحد، ضمن وحدة ملموسة رغم اختلاف العصور، لكونها سجلا يختزل تجاربهم، وأرشيفا يحتفظ بمكوناتهم الثقافية: من عادات وتقاليد وعقائد التي يتوارثها الأجيال، مما يضمن الاستمرارية لهذه الثقافة؛ وإحساس الخلف بأهمية ما تركه السلف لا يتأتى إلا بتقاسم اللغة بينهما، والكل يعي أن اللغة العربية أقوى حافز، له الكثير من الفضل على تشبث العرب بعروبتهم في أنسابهم ودمائهم، والعلاقات الرابطة في ما بينهم،  وتعد أقوى سلاح للسيطرة على الأفكار والأشياء، الناقلة للقيم النبيلة، خاصة وأنها نابعة من جذور عربية أصلية؛ والأسف كل الأسف حين نصادف آراء مغلوطة من أطراف خارجية وداخلية، تنعتها باللغة الجامدة التي لا حركة فيها، أو ترى فيها اللغة العقيمة العاقر، التي لا تنجب بحوثا علمية، أو التي ترى في العامية أفضل منها لتقريب المفاهيم إلى المواطنين، أو التي أغلقت أبواب الاجتهاد، باعتبار أن الأجداد أتوا بالكمال الذي لا يمكن خلخلته بالحذف منه أو الإضافة إليه، أو التي ترى وجوب احترامها وتقديسها لأنها مرتبطة بالقرآن، مما أدى إلى تحريم الترخيص جملة وتفصيلا بالزيادة أو التوليد.. وحتى أنهي أوجه ندائي إلى الغيورين على اللغة العربية، أن يعتنوا بها، ويتصدوا لمن يحاول العبث بها ..

مالكة عسال

10/09/2018

..............................

المراجع والمصادر

ـ مناهج البحث في اللغة /للدكتور تمام حسان

ـ مباحث في النظرية الألسنية وتعليم اللغة للدكتور مشال زكريا

ـ بنية الشعر الجديد للمؤلف محمد عزام

ـ لغة الشعر العربي الحديث للدكتور السعيد الورقي

ـ بعض أقوال الأديب ميخائيل نعيمة

ـ بعض أقوال الأديب محمد مندور

ـ آيات من الذكر الحكيم (سورة البقرة)

ـ علم اللغة للدكتور علي عبد الواحد وافي

ـ دراسات في فقه اللغة للدكتور صبحي صالح

ـ البنيوية في اللسانيات للدكتور محمد الحناش

ـ واقع اللغة العربية بين المتفائلين والمتشائمين للدكتور عبد العزيز مقالح ..

ـ وسائل الإعلام والفصحى والمعاصرة للدكتور عبد العزيز مقالح ..

ـ اللغة العربية والنشاط الاقتصادي للدكتور سعيد بيومي

عناصر البحث في اللغة العربية

* فتح مبين

1) هل من تعريف محدد للغة العربية؟؟

2)تضارب الآراء حول نشأة اللغة العربية

3ـ مواكبة اللغة العربية للظاهرة الإنسانية في تطورها

ـ اللغة العربية والتعاليم الدينية والإسلامية

ـ اللغة العربية والاحتكاك بالفلسفة والمنطق الأرسطي

ـ اللغة العربية والأجناس الأدبية

ـ اللغة العربية ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة

ـ اللغة العربية كعمود فقري للاقتصاد

ـ اللغة العربية والحوسبة وعالم الكمبيوتر

4) تحقير اللغة العربية من قبل خصوم الإسلام

5) حماية اللغة العربية من قبل الغيورين عليها

6) التوصيات الضرورية لحماية اللغة العربية

* الخلاصة