كل شيء في الوجود له عالمه الخاص به، ولغته التي تميزه عن غيره من الأشياء، فالإنسان كائن بيوثقافي يمتلك لغته الخاصة به وعالمه المميز الذي يعيشه، وكذا الجماد-ككل- والحيوان لهم عالمهم الخاص بهم، ليتوافق الجسد مع لغات العالم جميعها ويمتلك لغة خيالية صامتة ناطقة للجميع، وتنتظر من يفك قيود الغازها وسحرها.

الجسد: ركيزة أساس تدور حوله الأعمال الأدبية -شعراً، قصةً، روايةً...الخ- إذ يعد غاية لأختراق المحرم، وقد استطاع جيل الحداثة الشعرية العربية، أن يوظف الجسد داخل الأعمال الأدبية، لإضفاء معنى ايروتيكي جديد.

ومن المتعارف عليه في اوساطنا الأدبية والثقافية، إن الجسد شكل أهمية كبيرة في حياة الناس؛ لأنه ذا قيمة روحية كبيرة، فالحديث عنه أجده مرهوناً بالمناسبة، فكما نعلم أن لكل حادث حديثاً، أي أن الشاعر لا ينفرد بالحديث عن الجنس فقط، إنما يربطه بالجسد؛ لأن الجسد لغة رشيقة ناطقة بذاتها، وداخل ذاتها.

وهو تعبير رمزي يوظفه الشعر الحديث ليكشف انزياحات الزمن عن طريق تنوع الثقافات، وهو نص له قيمة ثقافية قبل أن يكون ذا قيمة جمالية، وهذه العلاقة الثقافية لا تتحقق دلالتها إلا عن طريق سياقها الذي أنتجها أول مرة، وهو مصطلح يوحي بموقف ايديولوجي، واختراقه يعد عملاً ثقافياً جاداً؛ لأنه عملاً من أعمال المثقف.

عبد الوهاب البياتي، ينتمي إلى جيل الحداثة الشعرية، من رواد المدرسة الشعرية، شعره متعدد اللغات؛ لأنه نابع من عالمية خاصة به، ورحلات سفر عدّة، خاضها الشاعر، بين اسبانيا التي اشتركت في بناء الكثير من نماذجه الشعرية، وهذا ينم عن وعي متقدم للشاعر، وثقافة شعرية، صاغ قصائده عن طريقها، وهذا هو اسلوب شعراء الحداثة أغلبهم، فشعرهم جاء مزيجاً للحداثة الناطقة بلغة الممنوع، والمجردة لذاتها من قيد النمط التقليدي الكتابي.

يقول في قصيدة (صلوات):

انني استنشق الهواء العذب الخارج من فمك

وأتأمل كل يوم في جمالك

وأمنيتي هي أن اسمع صوتك الحبيب

الذي يشبه حفيف ريح الشمال

إن الحب سيُعيد الشباب إلى أطرافي

أعطني يدك التي تمسك بروحك

وسوف احتضنها واعيش بها

نادني بأسمي مرة وإلى الأبد

لن يصدر نداؤك ابداَ بلا إجابة عنه

وقال لي

أنك ستحترق بنار صوتك

وستغدو رمادا

مثل كريم

لغة النص مفتوحة على نافذة المباشرة، ليعبر عن طريقها البياتي عمّا يغازل دواخله من صراعات نفسية واضطرابات شبقية، وجنسية متوهجة، (انني استنشق الهواء العذب الخارج من فمك)عن طريق عملية ابداعية نقلت تصورات الشاعر على أكثر من مستوى، وتعمق نحو الكتابة الإيروسية ذات اللغة الشهوانية، فشعرية مثل هذه القصائد شعرية سردية قائمة على إساس الملاحقة، إذ وظف الشاعر عبارة (أتأمل كل يوم في جمالك)، وهي جملة تدل على رمزية الذات المعذبة من الطرف الآخر، (وأمنيتي هي أن أسمع صوتك الحبيب) ذات الشاعر هنا ترتقب الأمنيات المؤجلة العالقة تحت محطة الأنتظار المميت؛ لأنه هو الذي يراقب، ويتأمل، ويحاكي ذاته بذاته، فالنص عكس الصورة المتولدة من الملاحقة وتحولالت المشهد.

وجاءت لغة النص الشعري بسيطة وغير متكلفة، إذ ابتعدت عن جفوة البلاغة وثقلها، فالنص يأخذ مفرداته من الجسد والروح الأنثوية، وما يسجل على النص هو أن الشاعر أجدهُ يعمد إلى خلخلة الثابت من القيم الثقافية المكبوت عنها، يجعل اللغة الشعرية وسيلة تعبير أكثر منها وسيلة بناء، (أعطني يدك التي تمسك بروحك) لتكون وسادته المتعبة الموجوعة المتألمة(وسوف احتضنها واعيش بها).

ومن جانب اخر نجد تحولاً في مسار الحديث من المباشر غير المعلن، إلى الجنس المعلن، إذ تتحول القصيدة-صلوات- إلى المراقبة، وشكل المراقبة تمثيل للرغبة وعدم المبالاة

(أنك ستحترق بنار صوتك

وستغدو رمادا

مثل كريم)

(كريم) الأسم الذي يحمل اكثر من دلالة في معناه، هذا يدل على أن الشاعر وظفه بصيغة قصدية مفتعلة

أضيف، حققت الكتابات الأدبية الحديثة حضوراً مميزاً في خرق الممنوع، والكتابة بصياغة جديدة، وبلغة ناطقة للرموز، ووسائل فك الشفرات المغلقة، عن طريق كلمات بسيطة لاتحتاج إلى اعمال الذهن لفهمها، بل تحتاج إلى وعي متقدم لما هو مكتوب، وايمان حقيقي بحرية الفكر الحر.

 

د. وسن مرشد

 

سعد الساعديبعيداً عن معنى العنوان وما يعنيه، وما قاله مؤسسو المدارس النقدية والمنظرون في هذا المجال، والتعريفات الخاصة به، نحاول الوقوف عند العنونة الطويلة للكثير من النصوص الشعرية لاسيما القصائد التجديدية أو مأ أطلق عليها قصيدة السرد التعبيري .

نجد في القصيدة التجديدية مساحة واسعة جداً لعنونة النص كأسلوب متفرد جديد مقصود كما لو انه ملخص البحث في دراسة معينة، أو دلالة لمعنى يبتغيه الشاعر كصورة ابداعية . تتكرر القصائد بشكل مضطرد يومياً بعد الانتشار الواسع لقصيدة النثر التجديدية بشكلها الأفقي كما اتفق عليه بناتها وكتّابها، وهي تحمل العنوان الواسع بمعناه، كثير الكلمات في جملته .

الدراسات الكثيرة التي كتبت عن عنونة النص كعتبة او مفتتح القصيدة، او رأس النص، والارادية التالية المفسرّة لما يأتي من اللاحق، لكننا لم نر فيها َ دراسة جديدة تطرقت لطول العنوان بشكل عام، سواء القصيدة العمودية التي نحى بعض شعرائها مؤخراً بكتابة جملة اسمية أو فعلية طويلة، أو بيت من الشعر كعنوان يسمي القصيدة، أو كتاب القصيدة التجديدية، وهذه المرة الثانية لنا في محاولة الكتابة عن العنوان الشعري في محاولة لملء بعض فراغ من الضروري الوقف عنده طالما أن مرحلة الكتابة الادبية تحاوزت فترة ما بعد الحداثة الى الحداثة التجديدية التي يسير معها كل شيء في ظل عولمة فكرية نتمنى ان تكون انسانية خالصة بعيداً عن كل شيء من أجل سعادة الانسان ليس إلاّ .

تقول الشاعرة الليبية نعيمة عبد الحميد عن طول العنوان كونها أحد الجدد مع تشكيلة من يكتبون القصيدة التجديدية وأصدرت مؤخراً ديواناً لها :

" العنوان مهم جدا للنصوص الإبداعية بصفة عامة، لانها مرآة تعكس الحالة الشعورية للنص، و أيضا للعنوان قصة يجب أن يرويها بشرط اختلافها عن باقي القصص ان شئت " .

من هنا نستشف أن القصيدة التجديدية الجديدة هي حالة ابداعية عنوانها له دلالة حضورية واقعية مؤثرة على المتلقي الباحث عن الجديد دائماً، كما أن العنوان محفز وجداني للشاعر يرصف كلماته بشكلها المنتظم كراوٍ لقصة مختلفة تماماً عن كل ماضٍ سابق، وتضيف :

" فهو الكاشف عن كنوز النص الشفافة، و معري جزره المغمورة، لذلك اقول دائما يأتي النص و العنوان معه، مهما أحتار و انشغل به، فهو يدور داخل النص، قد اكتبه بكلمة واحدة لكن هناك نصوص تأتي بعناوين طويلة حيث أجدها معبرة عنها خاصة و انا اكتب السردية التعبيرية أراه يليق بها يلخص نفسية النص".

ونكتشف هنا جديداً آخر هو الكشف عن نفسية النص، وبالتأكيد يكون أول الانطلاق من سيكولوجية الشاعر وارهاصاته ودواخل روحه الحالمة، او المتألمة، أو العاشقة التي نرى الكثير من القصائد التجديدية تميل اليها، وتسير على نهجها حتى وإن كانت وصفاً لحب مغادرٍ او يحتضر فأمام الرجل امرأة شاهدة على البناء، وأمام المرأة رجل تصبو اليه .

وتختم الشاعرة نعيمة عبد الحميد زهرة الناردين قولها بعد سؤالي لها قائلة : ' لذلك ابتعد عن العناوين الرنانة التي تستهدف الجذب، و لا تعبر عن القصيدة، فهو المعبر عن اكتمال النص، و وجه النص الذي احرص ان يكون مشرقاً ".

وبرغم الاشارة الصريحة من الشاعرة بعدم استهدافها الجذب او الاثارة من العناوين الرنانة، لكننا وكذلك المتلقي المتابع، نجد عناويناً هازّة بقوتها، مثيرة بكلماتها، جاذبة بصورها، وتحتاج لتأويل ما في الكشف التالي عن المضامين المسطورة بدفق الكتلة البنيوية سواء الرمزية او الإنزياحية أو الواقعية الصريحة كما في كتابات الكثير ممن يكتب هذه القصيدة.

في حين نجد الشاعر العراقي كريم عبدالله وهو من رواد كتاب القصيدة التجديدية أنَّ قصائده غزيرة بالعناوين الطويلة أكثر من غيره، وربما لانه العاشق المخلص للقصيدة التجديدية الجديدة والحديثة بكل ما نقرأه طالما وصفت الحياة، والحب، والمرأة، والطبيعة بعيداً كل البعد عن كتابة الخواطر النفسية التي عاد بعض الكتاب اليها، متناسين الأسس والمقومات والشروط الواجب بها كتابة القصيدة التجديدية من اجل تجنيسها كنوع وجنس ادبي معترف به حسب كل معايير الاجناس الادبية والتي تستحقها بجدارة .

وللتأكيد أيضاً مرة أخرى مع ما اوضحته في دراسة سابقة انني اميل الى تسمية قصيدة السرد التعبيري الى القصيدة التجديدية، وقد يختلف، او يتفق معي البعض كون السرد يعني الحكاية بعيداً عن الاختزال في الوصف والتكثيف وهذا ما لا ينطبق على القصيدة هنا لانها ليست سردية قصصية، نعم، يمكن تحويرها وتحويلها الى قصة قصيرة بإدارة فنية من قِبَل قاص - شاعر، لكنها ليست قصة كما تؤكد الوقائع، ويقول بذلك كتابها، وهي ايضاً ليست خاطرة مع أن جزءاً قليلاً ربما يكتب بهذا الأسلوب لسببين اولهما : انه لم يتقن الصنعة بعد لانها مستحدثة، وثانيهما ان خطه ما زال عالقاً بنمط الخاطرة التي مضى عليها الكثير لكنها باقية .

التأويل المقصود في هذا البحث، هو مشاركة القارئ والكاتب والنص، في خلق الابداع الموجود في المكان والزمان، وفق ما يمكن تسميته بالجمال الحقيقي والتلقي المقبول حين يُعرض النص على بساط التخيل والنقد والتحليل، هذا يبدأ انطلاقاً من عنونة مقصودة تدفع بلا عنف نحو الادراك والتصور، مع ان القارئ ليس مبدعاً لنص شعري، لكن ذائقته الجمالية فيما يقرأه تساهم بشكل فاعل في مزيد من انتاج ابداع متواصل كما في الرسائل الاعلامية المفهومة بلا تشويش من المتلقي، ما يعني انها ادّت غرضها بنجاح، وبلا أية صعوبات وخلل، وأثّرت فعلياً بما جاءت به من أغراض نتيجة رجع الصدى المقبول الذي يستشعره الكاتب، وهنا المقصود الشاعر، لانه جزء من عملية اتصالية جماهيرية اعلامية واسعة النطاق، وليست محدودة.

شاعر آخر من كتاب القصيدة التحديدية وله دواوين فيها وهو الشاعر العراقي عدنان جمعة، وبرغم كتابته لعناوين قصيرة  لكنه يقول :

" انا اعتمد على العناوين القصيرة جدا والتي لا تتعدى ثلاث كلمات في الغالب، ودائما اكتب العناوين بكلمة او كلمتين . اما لماذا يكتبون بعناوين طويلة ؟ فهو عدم ايجاد عنوان مختصر للقصيدة ليعبر عنها لذا يلجا الشاعر الى كتابة عنوان طويل حتى يوصل فكرة القصيدة للمتلقي من عنوانها " .

من ذلك يتضح بشكل جليّ أن فكرة القصيدة، او فلسفتها الخاصة بما يريده الشاعر بعد نضوجها التام تحتاج لعنوان طويل كي لا يتعب القارئ بما يراه امامه من زخرفة لغوية تمتاز بها القصيدة التجديدية، وإشعاره بمتعة تليق به كمتلقي وجهاً لوجه مع نص يمتاز بوصف كثير المعاني، وجمال لغوي، ومعنى قابل للتأويل او التأمل، والتفسير وفق الحاجة النفسية، والشعورية، والخلفية الثقافية ، بما يسعى اليه الشاعر كمرسل لفظي لبيان مكتوب على الورق، يخترق الكيانات الروحية بالصور الجميلة، وهذه كلها أسس وخلفيات اعتمدتها القصيدة النثرية التجديدية، مع ملاحظة أخرى أن البعض لا يعترف بما يسمى قصيدة النثر، فإما النثر الفني المركز بكثافته وبنائه، أو الشعر المرسل، ولكلٍ وجهة نظره الخاصة به، لكن الواقع الجديد على الأرض أثبت المقدرة العالية لقصيدة التجديد .

 

سعد الساعدي

 

 

عباس داخل حسن(عندما شرعتُ أستجيب لدفقتي الشّعوريّة والفكريّة والإبداعيّة في كتابة "أكاذيب النّساء" كانت تسيطر الفكرة عليّ؛ ولذلك سمحتُ لنفسي بأن أستخدم أيّ تجريب يخطر في بالي مادام ذلك سيقودني إلى هدفي الرّئيس، وهو تسجيل وثيقة إدانة لفساد الطّبقات النّخبويّة والمتنفّذة)... د. سنـاء الشـعلان

عن الكذب:

إنّ التّعريف الشّائع للكذب هو الإخبار عن الشّيء على خلاف ما هو عليه عمداً أو خطأ، والكذب يناقض الصّدق والحقيقة والواقع، ومترادفات الكذب عديدة: الخرص، والبهتان، والإفك، والافتراء، والخداع، والتّدليس، والحنث باليمن، وخلاف الوعد ....الخ

وقد عني الفلاسفة وعلماء الاجتماع والنّفسانيين ورجال اللاهوت والفقهاء بتفسير فعل الكذب ونبذه وتجريمه؛ لأنّه قول يجافي الحقيقة مع العلم بها، واختلفوا حول السّهو، أو الخطأ، إلاّ إذا أصرّ المخطئ "الكاذب" عليه، وبعضهم ناقش كذب الخرافات من باب الاعتقاد والاقتناع والتّخيل، ولم يعدّوه كذباً؛ لأنّه لا يترك آثاراً على الآخرين، أو صنّفوها من الأكاذيب البيضاء التي أدانها "كانط" بشدة، بينما يقبلها الفيلسوف الإنكليزي "جيرمي بنثام" من باب أنّها غير ضارة.

إنّ أغلب الأديان تعدّ الكذب ومرادفاته من أسباب الفجور، وقد ذُكر الكذب في القرآن 250 مرة، وإنّ التّاريخ والتّاريخ السّياسيّ يعج ّبالكذب.

ويقترن الكذب بعدد من الجرائم، مثل: الغشّ، والنّصب، والحنث باليمين ... ، وكلّ هذه الأفعال يحاسب القانون عليها " والكذب يتخّذ طابعاً إنجازيّاً، وذلك؛ لأنّه يتّخذ في الوقت نفسه وعداً بقول الحقيقة وخيانة لذلك الوعد، وقدّم "جاك دريدا" في كتابه "تاريخ الكذب" أطروحات تحليليّة وتمهيدية "تمكّنت من بلورة جينالوجيا تفكيكيّة لمفهوم الكذب، هو التّساؤل حول إمكانيّة تشكيل تاريخ خاصّ بالكذب من حيث هو كذلك، فهناك صعوبة لا يمكن تخيّلها إذ عزمنا على القيام بمشروع من هذا القبيل، وهي تكمن في ضرورة التّميز بين تاريخ الكذب، بوصفه مفهوماً وتاريخاً في حدّ ذاته، الأمر الذس يحيل إلى عوامل تاريخيّة وثقافيّة، ويساهم في بلورة الممارسات والأساليب والدّوافع التي تتعلّق بالكذب التي تختلف من حضارة لأخرى، بل إنّها تختلف حتى داخل الحضارة الواحدة نفسها". 2

1003 سناء الشعلان

عن أكاذيب النّساء

هي المجموعة القصصيّة الـ 16 للأديبة الشّعلان، وتحتوي على خمسة عشر عنواناً، إلاّ أنّها تناهز 190نص تعالقيّ بين القصّة القصيرة والقصّة القصيرة جدّاً والومضة والشّذرة، مستفيدة من البنى الحكائيّة في التّراث العربيّ، وهذا واضح في أكثر من قصّة من قصص المجموعة ذات الأشكال المتوالدة والمتداخلة القائمة على المفارقة واستدعاء الأشكال في السّرد والحكي التّراثيّ، وتركيز الأحداث والأزمان والأزمات في حدث قلق واحد، واجتهدت القاصّة في استخدام تقنيّة السّرد التّراكميّ "إنّ مثل هذا التّداخل السّرديّ يعني فيما يعنيه، تقسيم الحكاية الواحدة إلى مجموعة من الأحداث المكتفية بذاتها معنى ودلالة، لكنّها لا يمكن أن تعطي المعنى العام للحكاية الأمّ ما لم تتداخل مع بعضها، حيث يتداخل الأوّل والثّاني بالأوّل والثّالث، وهكذا يستمرّ التّداخل حتى تكتمل الحكاية، أي أنّ الحدث يركّب على الحدث الذي قبله، ويدخل في الحدث الذي يليه "3 على سبيل المثال في قصص: "أكاذيب النّساء" التي أخذت المجموعة عنوان لها، و"أكاذيب العدالة"، و"صهوات الكذب".4

وقد استخدمت القاصّة أسلوب القصص الفرعيّة، مثال: قصّة "أفراح التّدليس ومصارع الصّادقين" 5، وهذا أسلوب تراثيّ وجوده الأدبيّ يتجلّى عند الفيلسوف " عبدالله بن المقفع" في كتاب " كليلة ودمنة"، أو في قصص ألف ليلة وليلة؛ فالأبواب التّسعة لقصّة أفراح التّدليس ومصارع الصّادقين": فيما ورد في باب فضائل اللّصوص الشّرفاء، وفيما ورد في باب فضل الكذب الكبير على الكذب الّصغير، وفيما ورد في باب مصارع الصّادقين ومهالك الورعين، وفيما ورد في باب اختلاف أقدار الصّادقين والكذابين، وفيما ورد في باب التّاريخ لأهل التدليس، وفيما ورد في باب حسن الاغتنام عند أهل الإفك والبهتان، وفيما ورد في باب مُلح أهل النّفاق والرّياء، وفيما ورد في باب أكاذيب الغواني وترّهات الشّطار، وفيما ورد في باب من عشق نساء الخنا وما استطاع أن يعشق غيرهن.

شكّلت هذه الأبواب المختلفة النّصّ، إلاّ أنّها متّصلة بالموضوع، وانطوت على استحضار مقاصد اللّغة ببعدها التّداولي والسياقي خدمة للخطاب الحجاجيّ بمستوياته المتعدّدة للتّعبير عن الاعتلال القيميّ وانحطاط السّلوك الإنسانيّ، وكشفت عن الأساليب والممارسات والدّوافع المتعلّقة بفعل الكذب ونتائجه الكارثيّة ثقافيّاً واجتماعيّاً التي تسود علاقة المجتمع من أعلى الهرم الاجتماعيّ والسّياسيّ إلى أسفله.

كلّ ذلك يتحقّق من خلال دلالات مباشرة ومضمرة داخل هذه النّصوص "الأبواب"، وضمن السّياق الحكائيّ والسّرديّ. ومثلما تكون الدّلالات مباشرة وغير مباشر، فعلاقة تلك النّصوص بنصوص أخرى علاقة ظهور وخفاء حسب "جيرار جينيت"، وهكذا يكون التّناصّ مباشر وغير مباشر.

عن ألفة الكذب:

إنّ قصص هذه المجموعة فضح صارخ لألفة المجتمعات الإنسانيّة على الكذب تحت ذرائع ومبرّرات نفعيّة واستغلاليّة متعدّدة، حتى بات السّاسة والحكام يكذبون على شعوبهم بالوسائل كلّها لممارسة الحكم، وتقول المفكّرة والفيلسوفة الألمانيّة الشّهيرة "هانا آرنت" (1906-1975م) اللّجوء إلى الكذب في ممارسة السّياسة هو مسّ فاضح بكرامة المواطن وهدم بيّن للعقد الاجتماعيّ بين النّاس: "ذلك السّياسيّ المحنك أتقن الكذب والسّرقة، كما أتقن أن يقوم بهما بحرفيّة مجيدة؛ فهو يفضّل الأناقة والحرفيّة على عمل الهواة، وتجارب المبتدئين، ولذلك عندما يكذب، فهو يقدم الكذب وجبة شهيّة "6

والإعلام يزيّف الحقائق ويكذب: "هو يدين بالكثير للوسط الذي جعله يحوّل موهبته في الكذب من هواية ضالّة إلى تخصّص علميّ وموهبة فريد" 7

والإعلانات تكذب، والبعثات الدّبلوماسيّة لا تتوانى عن استخدام الكذب والدّيماغوجيّة ليل نهار، والأزواج تكذب، والخدم والأسياد يكذبون، وهكذا دواليك حتى أصبحنا في شبكة معقّدة جداً من الأكاذيب.

وهذا ما يؤكّد نكوصنا الإنسانيّ وتدهور العلاقات الاجتماعيّة والأسريّة "فلو كان للكذب كما هو شأن الحقيقة وجه واحد، لكانت العلاقات بيننا أحسن ممّا عليه، فيكفي أن نحمل على محمل صدق نقيض ما ينطق به الكاذب منا، إلاّ نقيض الحقيقة له مائة ألف وجه، ولا يمكن الإلمام كلياً بالحقل الذي يشغله " 8

ولكن تبقى الحقيقة ليست مرادفاً للواقع، بل قيمة أكثر إطلاقيّة وتسامياً منه، فلجأت القاصّة إلى عنونة نصوص قصّة "أكاذيب النّساء" 9 الفرعية باستخدام مفردة حقيقة لتعميق دلالة العنوان السّيميائيّة، وإعطائها بعداً فلسفيّاً: أكاذيب العانس/ حقيقة العانس، أكاذيب الخادمة / حقائق الخادمة، أكاذيب الزّوجة / حقائق الزّوجة، أكاذيب الجميلة/ حقائق الجميلة، أكاذيب العروس/ حقائق العروس، أكاذيب الحرّة/ حقائق الحرة ، أكاذيب السّاحرة/ حقائق السّاحرة.

في هذه الحكايات القائمة على اجتراء نقيضين متضادّين؛ الكذب / الحقيقة، لا يلحق الكذب فيهاالأذى بالآخرين، بقدر أنّه خداع للذّات "الايحاء الذّاتيّ"؛ لأنّ الحقيقة والواقع شيئان مختلفان، والحقيقة هي قول الصّدق، لكن الحقيقة لا تقبل النّسبيّة كما الصّدق المنتمي إلى الأكسولوجيا "القيم والمثل العليا "، والضّد للكذب المنتمي للرّذيلة والسّقوط.

ويتجلّى الخطاب الحجاجيّ في الاستهلال الأوّل لهذه المجموعة بوصفه صرخة احتجاج مدويّة ضدّ الكذب والكذابين لتحقيق نمط حجاجيّ بالمخاطبة بواسطة الإهداء: "إهداء كاذب" إليهن عندما يجدن الكذب كي يوارين الألم خلف الصّمت .

إليّ لأنّني أفوقهنّ قدرة على الكذب .

إلى مولانا الكذب الذي يهبنا الهراء كلّما احتجنا إليه في عالم لا يدين إلاّ له ولمريديه من الخرّاصين".

وفي الصّفحة التّالية صرخة أو إجابة بصيغة سؤال احتجاجيّ.

درب : لولا الكذب ما كانوا، وما كان الألم .

إجابة: هذه هي أكاذيبهنّ، فماذا عن أكاذيبكم؟"10.

وخلصت نصوص هذه المجموعة بخطابها الحجاجيّ وفق رؤية تحريضية /ثوريّة جديدة للواقع، وكما أكّد "رولان بارت" في إبداعيّة الخطاب "الخطاب ليس تمثيلاً للواقع، بقدر ما هو خلق لهذا الواقع وفق رؤيّة جديدة تجعلك تفكّر فيما لم يفكر فيه أحد، بعبارة أخرى تفكّر فيما حجبته الألفة والعادة عنك"، وهنا نجحت القاصّة "الشعلان" من خلال المسرود من حيث هو حبكة لاستحضار ما نفهم به الواقع الذي حجبته الألفة والعادة عنّا من خلال الموضوع الجماليّ الذي اختارته "لكنّه موضوع مُرّر من خلال رؤية معينة وفق اقتضاءات جنس أدبيّ معين، وتوجيه فنيّ ما، وخلفيّة معرفيّة معيّنة، ومتحكمات محّددة، والمقصود بتحديد الرّؤية من خلال هذه العناصر أن يصير الموضوع ممرراً من وجهة نظر أيديولوجيّة."11

الملفت للنّظر في هذه المجموعة بوصفها وثيقة سرديّة بتنويعاتها المختلفة إثارة انتباهنا لسيل الكذب الجارف المستحكم في مجتمعاتنا الذي ألفناه دون أن نحتجّ عليه، ويبرّر البعض كذبه للعرف السّائد، وهذا لا يستقيم مع العرف بوصفه مفهموماً نستتر به بقول الكذب وارتكاب الأفعال المشينة والمنحطّة، فمفهوم العرف: هو الأمر الذي اطمأنّت إليه النّفوس، وعرفته، وتحقّق في قراءتها وألفته، مستندة في ذلك إلى استحسان العقل، ولم ينكره أصحاب الذّوق السّليم في الجماعة، وعكس ذلك هو بهتان وتدليس للحقيقة .

مجتمعنا العربيّ زاخر بالكذب بأنواعه كلّها تحت طائلة الأعراف والعادات دون إخضاعها للعقل والذّوق السّليم، ولا تستقيم أمور العباد أو الجماعة التي تشترط للعرف أن تطمئنّ النّفوس له، ولا يكفي اعتياد الأكثريّة عليه، ليصبح عادة، فهناك نسبة كبيرة من الأعراف الفاسدة نحتكم إليها، ونتمسّك بها، وتتمسّك بنا.

"عندما اجتمع رجال أسرتها، وقررّوا بكلّ رجولة صداحة، وعدالة صارمة أن يذبحوها؛ لأنّها جرّت العار عليهم برفضها الزّواج بمن اغتصبها، وخسارة امرأة أهون من خسارة رجل في عرف القبيلة" 12

وما أكثر الجماعات التي تلبس كذبها بالدّين زوراً وبهتاناً، ويمارسون كذبهم باسم "الحقيقة المقدسة"، ويحملون فكراً دينيّاً متخلفاً وأفكاراً قطعيّة، حيث لا مجال للتّفكير وإعمال العقل هم جماعات هشّة، ولا قوة لها، ولو تُركت وشأنها، فستأكل نفسها بنفسها؛ لأنّ القضية لديهم ليست قضية خطأ وصواب، وإنّما هي قضية حلال وحرام، ثم تعاظمت إلى إيمان وكفر ثم استباحة دماء، وهي جماعات هزيلة وغشيمة" 13تعطّل التّفكير واللّجوء لمسلّمات ميتافيزقيّة تكهنيّة مليئة بهراء تاريخ زبالة يعجّ بالكذب والأفّاقين، ولا تعطيهم الحقّ؛ لأنّ الحقّ قائم بذاته وفرض آراء خرافيّة لا تمتّ للعقل والتّفكير الإنسانيّ لا من قريب ولا من بعيد ويقول "كانط" فيلسوف السّلام الأبديّ والمثاليّة: "إنّ البشر كلّهم يُولدون بقيمة جوهريّة أساسها أنّهم قادرون على اتّخاذ القرار باستقلال تامّ والكذب يفسد القدرات الأخلاقيّة للإنسان، ويعيق الآخر في السّلوك بعقل وباستقلال، وبالتّالي هو مسّ بالكرامة الإنسانيّة التي نادت الأديان السّماويّة بها.

تحتج "أكاذيب النّساء" بقوّة في العالم المبني على الكذب الذي يمارس من أجل  تغييب الحقيقة، فلا غرابة في أن يشيع الظّلم والعبوديّة بسبب الكذب والكذّابين تحت ذرائع ومسمّيّات شتى وأعراف بالية لم يعد لها معنى أو قيمة في حياتنا المعاصرة، وتسحق الشّرائح المستضعفة، وتستغلّها، والنّساء أوّل هذه الشّرائح المستغلّة، ويحدث كلّ ذلك مرة باسم الدّين وأخرى باسم الأعراف المحكومة بجندريّة قاسية ومميتة.

إنّ قضية المرأة في مجتمعاتنا العربيّة هي قضيّة معقّدة ومركبة وشائكة، مثل الكذب نفسه، وتشارك المرأة في خذلان نفسها لاستسلامها للكذب، بوصفه طريقاً لدرء مخاطر محيطها، والدّفع بقبولها الكذب بوصفه وسيلة دفاعيّة، وأتت هذه القصص من تجربة اجتماعيّة نعيشها جميعاً بتجليّاتها وآثارها بشكل يوميّ أصبح الكذب متلازمة مرضية أصابت المجتمع ونخبه الفاسدة السّاقطة في الرّذيلة والابتذال، المتوارية خلف الكذب وأقنعته المتعدّدة التي تملكها؛ لتخفي حقيقة واحدة كبرى، وهي أنّها كاذبة ومتهالكة، وساقطة، وتسير بالمجتمع، والحضارة والإفراد نحو الفساد والإفساد والخراب والدّمار، وأصبح العالم الإنسانيّ يبتعد عن الأمن والأمان؛ لأنّ دول تمارس الكذب والاحتيال على دول أخرى.

استخدمت القاصّة السّخريّة والفنتازيا، كما استخدمت المفارقة والتّقابل والتّضادّ في سبيل استمالة القارئ وإقناعه بالخطاب المرسل إليه سعياً لتأكيد الحقيقة التي تدافع عنها، ليس من منطلق يوتوبيا أو فلاطونيّة أو مثاليّة، بل تروي قصص من الواقع وإسقاطاته وتعريته، كما هي الحقيقة عارية، وعلى القارئ أن يستنطق الدّال والمدلول لإقامة الفهم أو المعنى "ولن يأتي ذلك إلاّ بتحديد مرجعيّة خاصّة بمعرفة حقيقة الأشياء، أو الأمور المتحدث عنها، أيّ حقيقة ما وراء الكلام، وهي حقيقة قد تظلّ معلّقة في النّصّ الأدبيّ رغم إصرار علماء اللّسان وعلماء الخطاب على أنّ القيمة المرجعيّة حاسمة في بناء النّصوص قد تبهت، وقد تختفي، لكنّها لا تضمحل، ولا يمكن الاستغناء عنها أبداً" 14

ولا تغفل هذه القصص كذب المهمّشين والمستضعفين اضطراراً نتيجة الاستلاب النّفسيّ والوجوديّ والنّساء في مجتمعنا العربيّ تبقى فرائس مستهدفة بشراسة، ولا تختلف كثيراً في المجتمعات الأخرى التي تدّعي التّحضر.

لقد نجحت نصوص هذه المجموعة بجملة الأساليب الحجاجيّة التي اضطلعت بحمل المتلقي "القارئ على الإقناع بمبرراتها السّرديّة بما عرضته وكسر التّوقعات لسلوك شرائح نخبويّة، كما تسمّي نفسها تقوم بأفعال لا تتطابق، ولا تتوافق مع ما هو متوقّع في أذهاننا، وبضدّها تبنى الأشياء والأفعال والسّلوكيّات في مجتمعات متهاوية ومتورطة بالرّذيلة والفجور تدين للكذب والكاذبين، وهذا جلي من خلال الخطاب الحكائيّ المبني على البلاغة لتتّسع إلى خصائص جديدة مع نصوص هذه المجموعة المرتكزة على الخطاب الحجاجيّ، وهو محطّ أنظارنا حصراً في تناول هذه النّصوص القصصيّة والحكائية في المجموعة انطلاقاً من "إنّ الحكي بمعنى الخطاب هو الذي يمكن دراسته أو تحليله تحليلاً نصيّاً، وذلك لسبب بسيط هو أنّ القصّة، أو السّرد لا يمكن أن يوجد إلاّ في علاقة مع الحكي، وكذلك الحكي، أو الخطاب السّرديّ لا يمكن أنّ يتم إلاّ من خلال حكيه للقصّة، وإلاّ فليس سرديّاً، وأنّ الخطاب سرديّ بسبب علاقته بالقصّة التي يحكى وبسبب علاقته بالسّرد الذي يرسله" 15

ويمكن القول إنّ هذه المجموعة تنحو منحى الكتابات النّثريّة المتخصّصة لنخبة من القراء، وهي بذلك مضنون بها على غير أهلها؛ ولذلك غلب عليها الحجاج والتّدليل والنّقاش؛ لأنّها تنبثق من فكرة الاستدلال والإقناع بغية تسجيل الرّفض والاحتقار للكذب والكذابين.

والمجموعة تجربة فريدة وخاصّة في توثيق سير الكذابين لاسيما في أوساط النّخب المزورة التي أفسدت الإنسان والمجتمعات، وهي تعرية لهم جميعاً بغية فضحهم وتجريمهم ولعنهم في الذّاكرة والتّاريخ.

ومن هذا المنطلق تعدّ هذه النّصوص السّرديّة ليست مجموعة قصصيّة تستهدف قطاعات القرّاء جميعها، بل هي تتوجّه نحو النّخب أيّاً كان وضعها أكانت نخب متسلّقة مفروضة على المجتمع، وهي رمز للسّقوط و الانتهازيّة والخواء، أم كانت نخب حقيقيّة تعاين ما يحدث حولها من فجور وكذب، وتلوك القهر، وفي الغالب هي مغلوبة على أمرها وصامتة، وهاربة نحو العزلة والاعتكاف بعيداً عن فساد المفسدين وكذب الكذّابين.

من هنا أصبحت هذه النّصوص وثيقة إدانة تاريخيّة وخطاب احتجاج صريح، وأنّ في وسع الخطاب أن يكون أكثر اتّساعاً من النّصّ، لكن النّصّ أكثر بقاء، وأثبت مع الزّمن لم يرتهن للحظة الإرسال .

كما نجحت القاصّة في استخدام السّخرية والفنتازيا والمفارقة والتّقابل والتّضاد في سبيل استمالة القارئ وإقناعه بالخطاب المرسل إليه سعياً لتأكيد الحقيقة التي تدافع عنها ليس من منطلق يوتوبياويّ أو افلاطونيّ؛ لأنّها تروي قصص من الواقع وإسقاطاته وتعريته، كما هي الحقيقة عارية.

وهي كذلك لا تغفل كذب المهمشين والمستضعفين اضطراراً نتيجة الاستلاب النفسيّ والوجوديّ، والنّساء في مجتمعنا العربيّ تبقى فرائس مستهدفة من القريب والبعيد نتيجةلاختلال العدالة التي أخضعها الذّكور لسلطانهم.

كتبت القاصّة في مجموعتها "أكاذيب النّساء":" كان الأمر أسهل ممّا تتخيّل، اغتنم فرصة بقائها وحدها في بيتها، واغتصبها بكلّ سهولة وسطوة بعد أن استفرد بها، قاومته بشدّة، لكنّه كان أقوى منها جسديّاً، وبذلك حظي ببكارتها، وثم سلّم نفسه للشّرطة معترفاً بجريمته، ومعلناً أنّه على أتمّ الاستعداد للزّواج بها وفق ما يقرّه القانون من حقّ المغتصب بالزّواج ممن اغتصبها، وكان القانون مفصّل بعناية لخدمة المجرم" 16

"انتهت المجموعة القصصيّة ، لكن لم ينته الكذب ! كُتبتْ هذه المجموعة ذات صدق " هكذا ختمت د. سناء الشعلان مجموعتها أو وثيقة الإدانة للكذب والكذّابين .

وبعد؛

تنتمي هذه المجموعة القصصيّة إلى القصة المعاصرة التي تقوم على التّجريب على مستوى الشكل( وبتعديلها عن الخطوط المستقيمة، وتركت هذا العالم البسيط لتقيم عوالم أخرى تعتمد على توازي الخطوط وتقاطع الأحداث وتعدد المستويات، حتى تتمكّن من شقّ بطن الواقع والنّفاذ إلى أحشائه بدلاً من الانزلاق على سطحه ) متّخذة من التّكثيف الدّراميّ لمعاناة بطلاتها بتبادل الرّمز الضّديّ للكذب وشجرته مقابل الحقيقة والصّدق تارة بالمجاهرة والوضوح، وتارة تعتمد على التّورية للإشارة إلى موضوعات شائكة، مثل انعدام العدالة الاجتماعيّة والقهر والرّضوخ لسلطات متعدّدة، وكذلك الجنسيّة الاجتماعيّة تخضع لفاشية المجتمع الذّكوريّ في مختلف الأنظمة حتى في ظلّ الأنظمة التي تظهر تضامناً مع النّساء، وهي أنظمة نتجت من الصّراع الطّبقيّ عن الأساس واستغلال المرأة، والاتّجار بها بوصفة سلعة اقتصاديّة، وبعض القصص تمثّل إدانة للنّساء الخانعات للقيم والعادات نتيجة الرضا والخنوع والقبول بالاستلاب والعبودية.

وقد أثارت القاصّة "سناء الشعلان" قضية بالغة الأهميّة من خلال خطاب حجاجيّ مؤكّدة "لا يمكننا الزّعم بأنّ كتابات النساء جميعها تنطلق من منظور مؤنّث، وتحمل قيماً مؤنّثة، بل لا يمكننا الزّعم بأنّ أيّ شيء تكتبه النّساء نسويّاً بطريقة أو بأخرى.

وعليه يتبع من هذا الخطّ الفكريّ سؤال مثير للفضول: هل( يمكن أن يُقال عن الرّجل الذي يتّفق مع هذا، ويعبّر عنه أنّه نسويّ؟ أعتقد أنّ الإجابة هي نعم، بينما يجب أن نعترف في الوقت نفسه بأنّ الرّجل النّسويّ يعبّر دائماً عن وضع عن المرأة النّسويّة في علاقتها بالعدالة الاجتماعيّة القائمة على أساس النّوع )، وهذا أمر مفروغ منه.

 

عباس داخل حسن / هلسنكي

................................

الإحالات:

1- أكاذيب النّساء: سناء الشعلان، مجوعة قصصيّة، دار أمواج للنّشر والتّوزيع، عمان، الأردن، ط1 ،2018 م

2- تاريخ الكذب: جاك دريدا، ترجمة وتقديم رشيد بازي، المركز الثقافيّ العربيّ، بيروت، لبنان، ط1، 2016، ص32-6

3- ألف ليلة وليلة سحر السّرديّة العربيّة: سلمان داود الشّويلي، منشورات اتّحاد الأدباء العرب "الالكتروني"، 2000م، ص42

4- أكاذيب النّساء: ص 17-41-67 القصص المذكورة.

5- نفسه: ص79، قصّة أفراح التّدليس ومصارع الصّادقين.

6- نفسه: ص 105، قصّة كاذبون بمنتهى الصّدق.

7 – نفسه: ص 167.

8- تاريخ الكذب: جاك دريدا، ص29-30

9- أكاذيب النّساء: ص 17، قصّة أكاذيب النّساء.

10- نفسه: ص5-7

11- القصّة القصيرة ومأزق التّجريب ضرورة جماليّة مكوّنة للأدب: عبد الرّحيم جيران، جريدة القدس العربيّ، 19 ابريل 2015

12- أكاذيب النّساء: ص 41 ، قصّة أكاذيب العدالة.

13- لقاء مع المفكّر المصريّ محمود إسماعيل، أجرته الدّكتورة نجلاء مكاوي، مجلة الاستغراب، الصّادرة عن المركز الإسلاميّ للدّراسات الاستراتيجيّة، بيروت، لبنان، العدد الرابع، 2016

14- خطاب الحكاية: جيرار جينيت، ترجمة محمد معتصم، مطبعة النّجاح الجديدة، الدّار البيضاء، 1996م، ص38

15- النّصّ الأدبيّ وإشكاليّة القراءة والتّأويل: الدكتور محمد خرماش، الشّبكة العنكبوتية "انترنيت"، رابط: https://www.aljabriabed.net/n67_03kharmach.htm

16 – أكاذيب النّساء: ص44 ، قصّة أكاذيب العدالة.

 

 

ثائر العذاريفي الامتحان النهائي لطلبة المرحلة المنتهية لهذا العام وضعت سؤالا عن رواية نجيب محفوظ (اللص والكلاب) بعد أن كنا قد قرأناها وحللناها في أثناء العام الدراسي، وكان السؤال: هل كان سعيد مهران في رأيك شخصية طيبة أم شريرة؟ ولماذا؟ وجاءت إجابات طلبتي مثلما توقعت تماما، تشي بصعوبة الحكم والحيرة فيه، فقد تراوحت إجاباتهم بين من رأى أنه شخصية شريرة أو طيبة أو الاثنين معا ولكل منهم أدلته.

يوظف محفوظ في هذه الرواية وروايات أخرى وفي عدد من قصصه القصيرة كما في مجموعة (همس الجنون)، تقنية خفية تدفع القارئ نحو التعاطف مع شخصياته مهما كانت سيئة، أو السخرية منها مهما كانت طيبة، وهذا ما يؤدي إلى بناء أثر الشعور بالذنب عند القارئ كما سنبين.

أضاف (كلينث بروكس) فصلا إلى كتابه (فهم السرد Understanding Fiction) في طبعته الثانية، عنونه (المسافة Distance)، يرى فيه أن ثمة تنويع مهم في صيغة الروي لم يحظ بالاهتمام المناسب، ذلك هو مقدار ما يستطيع الراوي معرفته من أفكار الشخصية الرئيسة ومشاعرها، وهو ما سماه المسافة بين الراوي والشخصية التي تتيح مروحة كبيرة من التنويعات في صيغة الروي.

وفي كتاب (بلاغة السرد The Rhetoric of Fiction) يرى (واين بوث) أن من السخف ان نحاول حصر صيغ الروي بثلاثة أنواع أو أربعة، لأن هناك الآلاف من الاحتمالات.

ويمكننا الدخول إلى صيغة الروي في (اللص والكلاب) بالجمع بين المدخلين السابقين، إذ إن صيغتها من تلك الأنواع التي قصدها (بوث) التي يصعب تصنيفها، بينما يمكننا أن نكتشف أن المسافة بين الراوي و سعيد مهران تساوي صفرا.

تبدأ الرواية هكذا:

"مرة أخرى يتنفس نسمة الحرية ، ولكن في الجو غبار خانق وحر لا يطاق. وفي انتظاره وجد بدلته الزرقاء وحذاءه المطاط، وسواهما لم يجد في انتظاره أحدا. ها هي الدنيا تعود، وها هو باب السجن الأصم يبتعد منطويا على الأسرار اليائسة.

هذه الطرقات المثقلة بالشمس ، وهذه السيارات المجنونة…"

تتسم هذه البداية بسمات يفترض أنها ستحدد صيغة الروي، فمعظم الذين كتبوا عن الرواية رأوا أن الراوي فيها راوٍ عليم، فهو يقدم سعيد مهران بصيغة الغائب، فضلًاعن تمكنه من الكشف عن أفكاره.

يستغل نجيب محفوظ شعور القارئ بموثوقية الراوي العليم، لكنه لا يجعله يتحدث بلغة تعبر عن حياديته، فالمفردات التي استعملت في هذا المفتتح تحمل شحنات عاطفية تعبرعن شعور سعيد حال خروجه من بوابة السجن. فهده الانزياحات الممتدة في هذه الأسطر لا يمكن أن نكون مشاعر الراوي، فمن يشعر بتنفس الحرية والغبار الخانق وبعدم وجود من ينتظر وجنون السيارات، مثلا، هو سعيد مهران لا الراوي، لكنها تشي بانعدام المسافة بينهما، وهذا ممكن في تقنية الراوي العليم القادر على النفاذ إلى وعي الشخصيات، لكن غير الممكن هو:

"... ولا شفة تفترعن ابتسامة. وهو واحد، خسر الكثير، حتى الأعوام الغالية خسر منها أربعة غدرا، وسيقف عما قريب أمام الجميع متحديا. آن للغضب أن ينفجر وأن يحرق، وللخونة أن ييأسوا حتى الموت، وللخيانة أن تكفر عن سحنتها الشائهة. نبوية عليش، كيف انقلب الاسمان اسما واحدا؟، أنتما تعملان لهذا اليوم ألف حساب، وقدما ظننتما أن باب السجن لن ينفتح، ولعلكما تترقبان في حذر، ولن أقع في الفخ، ولكني سأنقض في الوقت المناسب كالقدر … استعن بكل ما أوتيت من دهاء، ولتكن ضرتك قوية كصبرك الطويل وراء الجدران . جاءكم من يغوص في الماء كالسمكة ويطير في الهواء الصقر ويتسلق الجدران كالفأر وينفذ من الأبواب کالرصاصن …"

ففي هذه الأسطر القليلة تتغير صيغة الروي ثلاث مرات، من غير علامة ترقيم تدل على الانتقال من صيغة إلى أخرى، فبشكل مفاجئ يظهر صوت سعيد بصيغة المتكلم بعد أن كان يشار إليه بضمير الغائب، ثم فجأة، أيضا، يتحول إلى مخاطب، ثم يعود إلى صيغة الغائب.

يمكن، عبر الفحص اللغوي، أن نصل إلى أن الرواية كلها تقدم العالم كما يراه سعيد مهران بعينيه وفكره، فهو موجود في كل مشاهدها من اول كلمة إلى آخر كلمة، وليس هناك حدث صغير واحد يحدث في غيابه، رأينا عليش ونبوية وسناء ورؤوف علوان ونور والجنيد والشرطة، بعينيه هو، ولم نجد أثرا لقدرة الراوي العليم على النفاذ إلى وعي الشخصيات، فكل شخصيات الرواية، عدا سعيد نفسه، رسمت من الخارج كما يراها هو، وإذا ما أبدلنا ضمير الغائب الذي يشير إليه بضمير المتكلم فلن نحتاج إلى تعديل أية فقرة في الرواية. وهكذا يكون من الصعب عد الراوي عليما. كما لا يمكن القول أن الراوي سعيد نفسه لأن الصيغة اللغوية التي تشير إليه بضمير الغائب تمنع ذلك.

إن من السهل بمكان الاستدلال على الشبه الكبير بين سعيد مهران وراسكولنيكوف، وكما رأينا العالم بعيني سعيد هنا، كنا نراه بعيني راسكولنيكوف في (الجريمة والعقاب). فنجيب محفوظ يوظف الصيغة نفسها التي وظفها معلمه دوستويفسكي، إذ يبدو كما لو أن الراوي يجلس في رأس كل منهما، فيطلع على تفكيره ومواقفه من العالم الذي سيشاركه رؤيته. ولهذا ستكون كل أفعالهما مسوغة ومقنعة، مع الإيهام بموثوقية الراوي باستعمال ضمير الغائب، وهكذا سنتعاطف معهما على الرغم من معرفتنا أنهما مجرمان.

ولأن الراوي يجلس في رأس سعيد سيتوحد معه إلى الدرجة التي تختلط فيها الضمائر (أنا، أنت، هو)، وهذا ما يفسر اختلاط الصيغ في مفتتح الرواية.

إن تنويعات صيغة الروي التي يتيحها عامل المسافة بين الراوي والشخصية، هي أحد أهم أسباب سخرية واين بوث من محاولة تصنيف الصيغة، فكلما اقترب الراوي من وعي الشخصية تغيرت طبيعته، وقل بالضرورة مقدار ما يعرفه من وعي الشخصيات الأخرى، حتى إذا أصبحت تلك المسافة صفرا، اصبحت قدرة الراوي على النفاذ إلى وعي الشخصيات الأخرى منعدمة.

أسمي هذا النوع من صيغ الروي (الراوي الملتبس)، ولا أقصد إضافة مصطلح لصيغة روي جديدة، بل هو مصطلح يمكن أن ندخل فيه كل صيغة روي لا تدخل في التصنيفات المعروفة.

 

د. ثائر العذاري

 

رواية (عركَشينة السيد) للقاص والروائي سلمان كيوش

قرأنا العديد من الروايات والقصص من الشفاهيات المنقولة مع الاستماع إلى الأغاني والشعر بشقيه الشعبي والفصيح والتي بمجملها تتحدث عن موضوع العشق الذي يُطلق عليه (عشق الشروكَية) لأنه محصور في منطقة الماء مابين دجلة والفرات والأهوار وتحديدا محافظات الناصرية والعمارة. وعادة مايكون مصير العاشق هائما على وجهه سائحا في الأرض بعيدا عن أرض المعشوق أو مجنونا (مسودن) أو الموت منتحرا وغالبا بالغرق في الماء..

ولطالما أُثير تساؤل أهل المدن التي تصلها رياح هذه القصص محملة بعبق القصب والبردي وأصوات الطيور وطعم القيمر واللبن الرائب.. كيف يمكن أن يكون العشق بهذا الجنون والعمق حتى أنه يؤدي بصاحبه إلى الهلاك هل يعقل أن يكون هناك من يعشق بهذه الطريقة؟ هي ليست روايات وقصص متخيلة أو أشعار واغنيات مفترضة على سبيل التمني. بل حقائق على الأرض التي تغمرها المياه.

ويأتي الجواب من القاص والروائي سلمان كيوش في روايته (عركَشينة السيد) هذه الرواية التي لم يكن هم كاتبها سرد الأحداث في حكاية العاشق السيد هاني الناجي بطل الرواية، بل كان هم سلمان كيوش هو أن يشرح ويفسر حالة العشق والهيام إلى حد الانتحار في آخر الأمر على لسان بطل روايته ومن الروعة والجمال أن هذا البطل المدعو السيد ناجي كان مثقفا صاحب شهادة دراسية وموظفا في مجال التربية والتعليم مما جعله متمكنا وقادرا على التعبير بلغة كانت أقرب إلى الشعر بل أكاد أجزم أنه الشعر بعينه وهو يسرد حكايته مع معشوقته التي رفض ذكر اسمها في الرواية للنهاية وعلى الرغم من أن صاحبه الذي يستمع له يُحضّر الدكتوراه في علم الاجتماع إلا أنه لم يستطع أن يجاري السيد هاني في أسلوبه السردي لحكايته.

(يبدأ الحب في اللحظة التي نقتنع فيها جازمين بفذاذة الحبيب، وأن فيه، هو وحده، مايكمّل عوزا حادّا فينا، في أرواحنا تحديدا، وأنه أجمل، أو في الأقل، بجمال الصورة نفسها التي دأبنا على رسمها منذ أن غادرنا أثداء أمهاتنا مكرهين، وكأن الحب خلاص من وطأة البحث الحثيث عن أثداء أخرى نعوّض فيها جسامة خسارة الفطام الكبيرة الأولى). هذا مقطع مقتطف من الرواية وضعها الناشر على الغلاف الأخير للرواية.

لقد كانت الحكاية بسيطة في الرواية وهي تشبه حكايات العشق التي قرأناها وسمعنا عنها ولكي لاتكون رواية عادية ومكررة اشتغل الكاتب سلمان كيوش على الحوار المعتمد على الوصف أكثر من الأحداث والشخصيات حيث كانت محدودة إلى حد كبير. واختص السيّد هاني بحواراته الطويلة التي بدت في لحظة ما وكأننا أمام مونودراما مشحونة بالكثير من الشجن وهو يصف لنا علاقته بمعشوقته بأدق تفاصيلها الحسية بينما اكتفت بقية الشخصيات بجمل قصيرة جدا تبدو مبتورة أحيانا لكنها ممتلئة بالقصد والمعنى حتى أنه جعلها سببا مباشرا في تحويل مجرى الأحداث حين تشعرك بالصدمة إذ تجيء في لحظات غير متوقعة وهو مايبقيك مشدودا لمتابعة القراءة.

كما أن للمكان حضوره المستقل والمؤثر في مسار الرواية فالجسر الذي كان شاهدا على علاقة العاشقين يكاد يكون أحد شخصيات الرواية حيث منحه السيّد هاني قيمة روحية امتزجت مع مشاعره الجياشة العاشقة بكل عنفوانها فكان حاضرا في كل أجزاء الرواية بعلاقة روحية عميقة حياة وموتا حتى أننا نشعر في أكثر من لحظة أنه كان على الكاتب أن يجعل الجسر عنوانا لروايته لولا خاتمة الرواية التي بيّنت أهمية عركَشينة السيد في كونها رمزا معنويا للبطل وإرثا لصديقه الذي تأثر كثيرا بشخصية هذا العاشق المتفرد.

وأخيرا لابد من الإشارة إلى أن العامل المشترك لكل قصص العشق الشروكَية هو جمال المعشوقة الذي هو السبب الحقيقي والأول لبداية أي قصة من هذا النوع والتغزل بهذا الجمال هو محور كل مايقال في حضرة هذه القصص ويبدو أن جمال الطبيعة هو السبب فجمال المرأة هو مكمل لجمالها لذا يُسلب لب الرجل من النظرة الأولى. 

لقد نجح الروائي في جعل روايته متفردة بمعالجتها فقد أرادها أن تكون رسالة وإن كانت طويلة موجهة إلى الحبيبة ومطالبتها بأن تكتب مايعتمل في صدرها من هذا العشق على غرار مافعل السيد بسرده للحكاية ويبدو أن شخصية سلمان الصديق هي نفسها شخصية الكاتب وقد حمل إسمه نفسه وعنوانه الوظيفي.

 

منتهى عمران - البصرة  - العراق

 

عبد الكريم قاسمقراءة سيكولوجية في سواقي العسل المر للقاص احمد الجنديل

تقدمة: ان رسم لوحة أو كتابة قصة كاملة للانطباقات الفصامية Schizophrenia غير ممكن حيث يتعارض فيها الفكر مع المشاعر والتحايل مع الاكتشاف الحدسي والسطح مع القعر. علينا فك التشابك للبنى الفصامية التي يضخمها المرض، نجد من الضروري أن ندع المريض يلخص بنفسه التشاكل لنظام القمع ألظلامي ويختار طريقه المناسب العقلي أو الغريزي.

(سواقي العسل المر)1 للقاص العراقي المبدع أحمد الجنديل؛ جسد أدبي غير معافى يتقطع الى 18 قصة قصيرة ويتمدد عند القراءة على ثلاثة مستويات سريرية هي:

الأول، الطاووس 2:

للوهلة الأولى الرمزية الحيانية شديدة الغموض لأنها كثيرة الشيوع، تحتمل التقويم سلبا مع الزواحف والجرذان وإيجابا مع الحمام وما شابه. إن قراءة الأنموذجات الرمزية الحيوانية تبدأ بتأمل عالميتها وشعبيتها. نستطيع أن نلحظ بعضها توصف بالذكاء أو المكر أو التبختر..في سلوكياتها. إن الحيوان يبدو في تفكير بعض الشعوب كتجريد عفوي بدائي أو تمثيل رمزي كما في الوعي المتمدن. يبدو على هذا الأساس بأن الرمز الحيواني يحتل مركزا مرموقا في العقلية الجماعية والمخيال الفردي هذا ما يوصلنا الى التساؤل: ما هو الخط البياني الذي يمثله النموذج الحيواني الطاووس؟.

الحيوان المثالي عند الجنديل هو المتعدد الدلالات. الأسطوري الواجب تلطيفا صورته لتجعل منه الأنموذج الأساسي الذي يختصر قاموس التفاخر والعجرفة. يصوّر بجناحين وذيل فيه الأطياف وقدرة سماوية رمز الاكتمال وجميع الإمكانيات؛ يصبح خيال تجميعي.

يحرك صاحب السلطة مشاعر الذنب عند الإنسان وتستغل وجدانه، تقلق ضميره، توتره كي تؤلبه ضد الخارج عليها. تخفي الكراهية الموجهة ضدها بإزاحتها عن الطريق. من هنا تولد الشعور بالذنب الوهمي؛ ذلك الشعور يتمثل بالخوف من العقاب أو برموز بديلة. يتماها الجبار مثلا بالأب الحنون أو تراث السلف الصالح، فيقدم نفسه للشعب رمزا لهما.

هكذا تظهر السلطة أمام الوعي بمثابة المضطهد أو تراث الأمة المهدد بالدمار والاندثار. بذلك تنتقل الى لا وعي الفرد البطانة، الأديب أو الفنان..الفقيه أو شيخ الطريقة صاحب السماحة. هو جسر بين السياسي والرعية، هي محنة المثقف واشكاليته. من هنا تتسرب مشاعر محبطة الى الذات والتأثير في السلوك والوعي، وإقامة صورة كاريزمية للحاكم.

ٍ  الحاكم في قطاع اللاوعي Unconscious  والاستعارات والمأثورات، يمثل اللذاعة واللوعة، يلقاهما المواطن الحر في التعامل مع الجبروت. هنا تسلط السياسة على ألعلائقي والغوري، البادي والكامن، قيعان الأنا والنحن. الخوف الواعي كما اللاواعي، من السلطة، شديد التجذر في النفوس، يحذر منهما في قوالب المألوفيات ومعاناة الإنسان من الجور والانقهار.

إن الطاووس رمز الكبر والغرور، جنس خاص حتى لكأنه ليس من هذا العالم المرئي. ليس لصيقا بالأرض، خص بالأجنحة رمز الطيران والاتصال بالأفق. اقترن في أذهان الناس من خلال التجارب والحكم والأمثال والأساطير بحيث أصبح من خلال إسقاط عالم الإنسان عليه وسيلة من وسائل التعبير عن العالم الأرضي ونظامه وما بين أفراده من العلاقات. دليلا ورمزا ضمن خطاب عقائدي كبير هو عنصر منه لا يكتمل معناه بدون إدراجه ضمنه.

الثاني، الرأس 3:

نتساءل في البداية: ألا تعتبر لعبا على الكلام عملية إتباع أنموذج السلطان، الرأس السياسي، بدراسة الرأس بمعناه التشريحي والجسدي؟.

على الفور نجيب: أن الكلمات دائما لها مغزى بالنسبة للباحثين في مجال النفس والاجتماع. وإذا كانت الأنساق العمودية تلتقي في الكون الاجتماعي الكبير مع انموذجات السلطان كما تلتقي في الكون الطبيعي الأكبر مع تقييم القمم فإننا سنلحظ أنه في الكون المصغر الذي يشكله جسم الإنسان تنتج العمودية عدة ثوابت رمزية اقلها الرأس، الذي يشبهه روحانيو الارتقاء بقبة السماء.

ففي وصف الشخصية الفصامية التي قدمها القاص علينا أن لا نسهب فيها، بل أن نرى البنى الفصامية للتصور داخل القصة حتى لا يوهمنا القاص بهذيانها. سوف نستكشف من عرض الشخصيات الملامح البنيوية النموذجية للذهنية العقلانية، التي تجد سعادتها في المجرد، في الساكن، في الصلب والجامد، فهي تفكر أكثر مما تحس ولا تتحرك بشكل عفوي بل تتوصل الى تحديد شكل التمرد. يتراءى لنا من هذا أن شخصياتها منطلقة من خلفية اجتماعية مفكرة مضطهدة تستند الى حجج لكي تصل الى العلائية.

البنية الفصامية التي نوه عنها القاص احمد الجنديل في شخصياته ليست مرضية لكنها تظهر من خلال التضخيم والتركيز على المعطيات التي تشكل مواقف ردات الفعل الطبيعية. يصبح هذا البعد فقدانا للتعاطي مع المعيوش ونقصا ذرائعيا ونفيا لوظيفة الواقع.

هنا يحصل الانطواء على أنه انفصال وليس انفصام عن الواقع والدليل الفكر يأخذ منحى ذاتي. يرتبط بالقدرة على تميز الإنسان الذي يفكر على هامش المجتمع والخوف من دخوله الى الوسط لقلب الطاولة. نكتشف تعطش الشخصيات الى نظام واضح انطلاقا من تضحياتها التي تستعير لعبة الأقنعة السيكولوجية الفصامية المقلقة لدلالات الظلمة وسقوط  الزمن المميت الذي تحول الى صورة طائر جميل يسر الناظرين لكنه يحصد بذيله الذي يشبه المروحة الذين يفكرون بعقلهم وحواسهم الوطنية من الهامش فقط ، ويبقي الذي استنبتهم تحت مخرجه من شعراء وكتاب وأهل الفن.. وحاول ضم الآخرين لكنه يموت وتتم قراءة (الفاتحة)ص83 عليه هؤلاء أنفسهم يتناسلون ليعيدوه.

عندما يسخّر القاص الجنديل الخيال في خدمة المصغرات  لا يتوقف في الطريق، ومن الناحية التشريحية، فإنه يفتش، في سياق عملية تصغير بديلة، تشريحية الرأس الجمجمي. تبرهن لنا الرمزية أن القدرة على التصغير تتمثل على السواء بالرأس المرفوع أو الذكر في حالة الانتصاب الذي يخصيه الطاووس وأخرى بيد البطانة.

عليه فإن هنالك انتقالا طبيعيا وتعاكسيا رمزيا بين الرأس وعضو الذكورة. يكون خصاء المفكرين عند الطاووس موازيا لقطع الرؤوس المشتملة على العقول التي تحمل نظرية التغيير. هكذا يتحول الرمز من، عن طريق البديل، أولا الى علامة ثم الى كلمة ليتخلى فيما بعد عن دلالته لمصلحة السيمياء.

أصبح الرأس المقطوع هو المرقاة، رمز للصعود، للسمو الروحي، كأننا نرمز ظاهرة التحول النفسي والاجتماعي الى ما هو أرفع، أرقى، أكثر تقدما باتجاه القيم التي سوف تتحقق عند حيازة السلطة والعرش.

الثالث، البطل وأسلحته 4:

تفرض انساق وأنموذجات العلائية نهجا جدليا محددا. فالخلفية الفكرية التي تواجهها هي هجومية تجعلها تتصدى لنقيضاتها. هكذا نتخيل الصعود ضد الهبوط والنور ضد الظلام. عند الإصرار على العمودية، والبقاء فوق، أنها تترافق بإحساس التأمل السيادي يصغّر الكون ويمجد العملقة ويتغنى بالطموح وبأحلام الصعود. دينامية صور كهذه تنم عن تصورات قطعية شرسة. سرعان ما يتحول النور الى صاعقة أو سيف براق، يتوصل الصعود الى سحق عدو مهزوم. هكذا ترتسم وراء رموز المشاهدة أو التمييز، الخطوط العريضة لصورة المحارب البطل الصامد في  وجه الظلمة والهاوية.

أن التسلح يمكن أن يؤدي برمزيته الجنسانية الى أبهام وان يدمج السيف والقلم بالذكورة. أن التماثل يربط العمودية بالعلائية وبالرجولة التي تظهر هنا من خلال رمزية السلاح الممتشق المجرد، لكن هذه الرجولة تأخذ هنا صيغة هجومية يمدها بها الرمز نفسه.

راموز كل الأبطال، أسلحة روحانية أو قتالية، هي التي يركز عليها التحليل النفسي في قراءته لكوكبة رمزية في(سواقي العسل المر)هي التي تدور حول النشاط الفكري والعضلي(القلم/الأب/صاحب العربة/الأم الخبازة/الطالب المجد،الحلاق..).

عدد الأبطال الذين يكافحون للقضاء على المسوخ وافر أولهم الشباب العاطل ومن الأسماء والمهن يتعرف القارئ عليهم. ولا يوجد تفريق أخلاقي نقيمه بين استعمال الهراوة أو السيف أو الشفرة أو القلم.

لا يمكن للإنسان المهدور أن يتحمل بسهولة ولمدة طويلة واقعه الوجودي(المر في سواقي العسل)الذي يعصف به، وقد يزلزل كيانه، كما لا يمكنه أن يتعايش مع هذه الصورة المبخسة وفاقدة القيمة عن ذاته، التي تكاد تنحدر من حالات الهدر الشديد الى مستوى القيمة المضادة. الاستجابة الحيوية الطبيعية تتراوح ما بين الانفجار الذي لا يبقي ولا يذر، والانتحار الذي يحمل دلالة ذعر خواء الكيان وفشله.

هناك آليات دفاع ضد الهدر متعددة تنوعت تبعا لظروف المهدورين جعلهم القاص إبطالا لقصصه وان توشحوا بالهذيان، منهم طبقة الطاقات الحية الوثابة الطامحة للنماء والتوسع، إنها تمثل الجانب الأصيل من أنفسنا. يشكل بلوغها الدخول في اتصال حقيقي مع الذات في كل وجداناتها المتفجرة من فرح، ورغبة في الثورة والتغيير، حتى يقلبون دلالة الوجود من خواء الى امتلاء الى استحقاق.

تبدو للقارئ الرموز الارتقائية مدموغة كلها بطابع استرداد قوة مفقودة حيوية أضعفها الضغط. يظهر هذا الاسترداد نحو فضاء ميتافيزيقي5 يرمز إليه الحب و الزواج وتعتبر مرحلة طمأنينة سامية. ثم تأتي صورة،  المرتقب أو المشرع المحارب، يرمز إليه الرأس والفكر السلاح.

ماذا عسانا ان نقول:

1ـ بدأت بالطاووس وانتهت بالفاتحة، القصص، تدور في مجتمع يغلب عليه طابع إسلامي. مبتنية بالمرض النفسي والأسطورة. تعبر  تشكيليا ودراميا عما تعبر عنه الماورائيات بطريقة جدلية 6.

2ـ المرض النفسي والفكر الأسطوري حاضران في نسيج الخطاب الديني الإسلامي واضطلعت بوظيفة فكرية مهمة مع تقدم المعرفة. ذلك أن بعض الأمراض النفسية والأساطير أسهمت في بلورة المفاهيم بطابع الدين وتثبيتها بإخراجها في صورة درامية تتحدث بحسب الضرورة. في مراحل دينية كان الطاووس يتمتع بقداسة، فهو كائنا ملك أو خليفة واجب التقديس. القاص بإبداعه، سّوق هذه البنية بشكل الحاكم الذي يقطع الرؤؤس ولا يسأل، بل مفترض الطاعة.

3ـ انتقل الجنديل من مواجهة العقل الى تجاويف اللاوعي؛ حيث البس شخوصه بعناية أزياء المصحات الذهانية Delirium لكي تتسرب من أفواههم الأفكار بدون رقابة تبعية الطاووس.

4ـ المدنس جرى ترقيته تحت تبريكات ما تحت ذيل الطاووس؛ فئة من كتاب الشعر والفن ورجال فقه وفكر واقتصاد.. ملاصقة لمخرجه تتلقى برازه نعمته، تصفق وتنحر الذبائح بعد كل قراءة فاتحة من قبل الشعب، واجبها اختلاق الطاعة وداعمة لدوام الطاووس ورغبة في قطع الرؤؤس.

بصمات:

استطاع القاص تحريك شخوصه بطريقة  ذكية، علينا عدم قبولها باشتراطاته، حيث أننا تحققنا من ان مواقف التخيل هي التي توصل لبنى التصور الفصامي، الارتقائية تبشر بالسلامة السريرية للشخوص التي تسبب الريبة للظالم.

أما الرئيس هو الرأس، المفكر عنها، عظيمها وصدرها، وجهها والقائد لها، يتقابل الرأس والرئيس. الرأس في الجسد من حيث الوظيفة الإيديولوجية، الرئيس في السلطة ملك، هو رمز الامتلاك، لذلك؛ يقطع الرئيس الرأس ويبقي الجسد، مطية له لأنه من ملكياته.

هنا نقل القاص بذكاء وظيفة الرأس الى مدلول جديد اقتصادي. تعطيل دور الرأس لماذا؟ لأن الرأس بالعمل والصراع Conflict ينتزع الاعتراف بالذات ويحظى بالآخر مقرا له بمهاراته، مشاعر الانتماء للجماعة حيا أو في الرمازة يكون الموت أبرز فقدان وخسارة، وتخلص من عدو طاووس مناهض للبروليتاريا.

 

عبدالكريم قاسم

........................

1ـ سواقي العسل المر/قصص احمد الجنديل/مطبعة الرفاه/بغداد 2013 .

2ـ ص 7،26 ،54،..

3ـ ص 34، 38، 46 ، 76 ،..

4ـ ص 31 ،42 ، 63 ، 81، ..

5ـ ص49 ،..

6ـ ص39 ،..

 

عدنان حسين احمدتندرج رواية "الاغتيال" لمحمد عامر الصادرة عن مؤسسة "أروقة" في القاهرة ضمن أدب المقاومة الأحوازية، ولو شئنا الدقة لقلنا إنها رواية واقعية تستمد مادتها من أحداث حقيقية وقعت بالفعل على أرض الواقع، وأنّ بعض الأسماء ليس وهميًا مثل الشيخ كاظم آل علي، المُحرّض على عملية الاغتيال، وفايز، العقل المدبّر الذي ساهم في عملية القتل، ووهاب أبو شجاع هو المناضل وهاب خانجي الذي نظّم زباري في جبهة تحرير عربستان ليصبح عضوًا بارزًا ومؤثرًا فيها، أمّا بقية الأسماء فهي وهمية صنعتها مخيّلة الروائي تفاديًا لعمليات الثأر التي يمكن أن تمزّق النسيج الاجتماعي للأُسَر والقبائل العربستانية.

تكمن أهمية هذه الرواية الواقعية في الإجابة على السؤال المحوري الذي ورد في العنوان قبل أن يرد في التيمة الرئيسة وهو: مَنْ قتلّ زباري؟ الشاب الذي سينخرط في جبهة تحرير عربستان ويسعى بكل السُبل المتاحة لتحريرها من الاحتلال الإيراني؟ وعلى الرغم من أنّ الحكومات الإيرانية المتعاقبة منذ أيام رضا خان حتى الآن كانت العدوّ الأول لعربستان إلاّ أنّ تيمة هذه الرواية تؤكد بأنّ الخونة والعملاء ومخالب المحتلين هم أكثر خطرًا من الاحتلال نفسه، وبغية تحرير البلد من ربقة المحتل ينبغي تنظيف البيت العربستاني والتخلّص من كل المتواطئين الذين يتعاملون مع الأجهزة الأمنية الإيرانية وعلى رأسهم الشيخ كاظم وغيرهم من المرتزقة والمأجورين.

تقع الأحداث في عدة قرى عربستانية وعراقية من بينها قرية "نهر يوسف"، وجزيرتي "الحاج صلبوخ"، و"البوارين" كما تتوسع دائرة الأحداث لتشمل البصرة، والمحمّرة، وعبادان. وبما أنّ الرواية لا تخلو من اللمسة التاريخية فلاغرابة أن نصادف بعض الإحالات إلى الصفويين والإنجليز والانتفاضات التي أعقبت وفاة الشيخ خزعل عام 1936 في مقر إقامته الجبرية في طهران وظلت تندلع بين آونة وأخرى حتى يومنا هذا.

يمكن اختصار تيمة الرواية بأن تنظيم "جبهة تحرير عربستان" يُكلّف زباري المحمراوي باغتيال الشيخ كاظم لكن شاءت الظروف أن تنقلب الخطة رأسًا عقب فبدلاً من أن ينفّذ منصور عملية اغتيال الشيخ يتحول هو وأبناء عمومته (صمد وفايز وحسين) إلى قتلة يتناوبون على إطلاق الرصاص على الضحية زباري ويردونه قتيلاً أمام عينيّ ولده الأكبر نعيم الذي كان يصرخ بأعلى صوته:"لا تمت يا أبي، لا تمت".

تتساوى في رواية محمد عامر الشخصيات والأحداث، وتشتبك مع بعضها بعضًا إلى درجة التماهي بحيث يصعب التمييز بين الشخصية والحدث، وهذا الأمر ينطبق على الشخصيات المُقاوِمة مثل زباري، وعزيز، ووهاب، ومحي الدين آل ناصر، وزوجته ملوك، وعلي الشيخ حميدان وسواهم الكثير، وشخصيات الاحتلال وأزلامهم مثل العقيد رضا نوروزي، والشيخ كاظم، وعبادي، وطهران الكعبي، وفايز، وصمد وحسين الذين سيتجرعون كأس الخيانة ولم ينجُ منهم سوى منصور الذي كان يُطلق النار على الأرض بعيدًا عن رأس الضحية المغدور زباري المحمراوي. 

تحتاج الرواية إلى أنساق متعددة تؤثث المتن السردي الذي يتآزر مع الحبكة لتشيّيد الهيكل المعماري سواء أكان واقعيًا أم فنتازيًا أم بينَ بينْ. ولو تأملنا هذه الرواية جيدًا لوجدناها تقوم على أربعة أنساق سردية رئيسة يقودها على التوالي زباري المحمراوي، وعزيز ناصر الشغيني، والشيخ كاظم، والعقيد رضا نوروزي، ويجب ألاّ ننسى الأنساق السردية الأخرى مهما كانت صغيرة وامضة مثل السجين العربي الذي يتعرّض للتعذيب، أو الأهبل الذي ينطوي على معنى رمزي واضح، وشخصيات مقاومة تظهر وتختفي لكنها تؤازر تيمة الرواية وتمنحها نكهة وطنية آسرة.

يتضمن النسق الأول نشأة زباري وعمله في تهريب البضائع والمتاجرة بها في البصرة والمحمرة وعبادان. وفي أثناء تردده على البصرة ينتمي إلى "جبهة تحرير عربستان"، ويكلّف بقتل الشيخ كاظم، أحد عملاء السافاك في المحمرة. تتحسن أوضاعه المادية ويوافق برحابة صدر على تقديم المساعدة لأبناء عمومته وأصدقائه الأربعة صمد وفايز وحسين ومنصور الذين منحهم فرصة العمل في التجارة وتصريف البضائع المهربة التي يجلبها من البصرة. يعمل فايز سائقًا عند الشيخ كاظم، وسوف يستعمل سيارته في نقل البضائع المهرّبة وتصريفها من دون أن يفتشها أحد. وحين يعلم بالمؤامرة التي تُحاك ضد الشيخ يخبره بأنّ زباري هو العقل المدبر لعملية الاغتيال، وأنه ينوي تكليف ابن عمه منصور بهذه المهمة الصعبة.

يتوسّع الشيخ كاظم في النسق الثاني الذي يعرّي الشخصية العميلة التي تقف بالضد من الشخصيات الوطنية مثل زباري وعزيز ومحي الدين آل ناصر وغيرهم. وسنعرف أنه يتمتع بفراسة قوية ويعرف ما يدور في ذهن مُحدّثه، كما يخشاه الكثير من الشيوخ وزعماء القبائل حتى صار أكثرهم أهمية وحظوة في مدينة المحمّرة بعد أن ارتبط بأجهزة السافاك الأمنية. وبموازاته ينتظم النسق السردي الثالث الذي يرويه عزيز الشغيني الذي يقيم في مدينة التنّومة حيث يشرف على تدريب فايز الذي جنّده السافاك لأكثر من سبب، الأول هو التأكد من إصرار زباري على تنفيذ مهمة الاغتيال، والثاني: معرفة إن كان قد كلّف منصور بهذه المهمة أم لا؟ أما النسق الرابع والأخير فيتمثل بدور العقيد رضا نوروزي، الضليع في عمله الاستخباري حيث يُعيد صياغة اللعبة من جديد ويحبكها بالطريقة الأمنية المناسبة له حيث يورط فايز مع أبناء عمومته الثلاثة الذين يستدرجون زباري من حفل الزواج إلى الساتر الترابي ويشرعون بإطلاق النار عليه تباعًا باستثناء منصور الذي كان يتفادى التصويب إلى جسد زباري الملطخ بالدماء بينما كانت صرخات ابنه البكر تشقُّ عنان السماء أمام مرآى ومسمع عشرين فردًا من المخابرات الإيرانية الذين كانوا يتأكدون من مقتل زباري وهم يتنكرون بالزي العربي خلف أشجار النخيل الباسقة التي تتوارى تحت جِنح الظلام.

يسترجع الكاتب محمد عامر في هذه الرواية جانبًا من ثورة 1943 التي فجّرها الشيج جاسب، نجل الشيخ الراحل خزعل الذي آزرته القبائل العربية في عربستان لكنها سرعان ماخذلته بحجة عدم التكافؤ مع القوات المُهاجمة، كما منعت الحكومة العراقي آنذاك مدّ العربستانيين بالذخيرة والمؤونة والرجال، وقد استشهد في هذه الثورة محي الدين آل ناصر الذي كان يشغل منصب رئيس "جبهة تحرير عربستان". وفي سياق المقاومة التي تفضي غالبًا إلى السجن يمكننا أن نعدّ هذه الرواية من "أدب السجون" ولعل شخصية العربي المُعتقَل الذي تعرّض لمختلف أنواع التعذيب هو خير نموذج لأدب السجون في عربستان، فقد تعرّض إلى قلع الأظافر، والحرق بالمكواة، والصعق بالأسلاك الكهربائية، والوخز في المناطق الحسّاسة.

يتمتع الروائي محمد عامر بنَفَس سردي جيد، وقدرة واضحة على رسم الشخصيات ومتابعة نموها، وتطورها الذهني الذي يقنع المتلقي بأنه يقرأ نصًا روائيًا واقعيًا، مكتمل الأركان لكن يجب تنبيه الروائي إلى الأخطاء اللغوية التي جاوزت العشرين خطأً لأنها تربك القارئ في أثناء القراءة، وتسرق منه فرصة الاستمتاع بالتدفق السردي الذي تتمتع به الرواية منذ مُستهلها وحتى جملتها الختامية. جدير ذكره أن الشاعر والروائي محمد عامر قد سبق له أن أصدر مجموعة شعرية بعنوان "أول المشوار" ورواية "طيور الأحواز  تُحلِّق جنوبًا".

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

ساطع الجميليقراءة في مجموعة الشاعر ولاء الصواف

يقول هارولد بلوم ان لكلمة معنى جذور تقود الى فكرة أو قصد وترتبط بكلمة أنين أو شكوى تلك القصيدة، ذاتها،فالقصائد نفسها تعلمنا كيف تعمل على تحطيم نفسها أي الشكل لخلق المعنى أو الافصاح عن أنين خاص، أما الشكل فقد عرف عند بيرك في الادب بأنه ( إنارة الرغبة واشباعها) وهذا لا يأتي إلا من الجاهزية التامة التي هي جزء من العطاء في أي مجال كان، اذن هناك حضور للأدوات الحسية والمعنوية والوسط المحيط هو البساط التي تقوم عليه بناء القصيدة .

الشاعر العراقي ولاء الصواف أصدر مجموعته الشعرية (أغاني الصموت) عام 2018 عن دار الصواف للطباعة والنشر كان لها صدى ووقع بين أوساط الأدباء والمهتمين بالشأن الأدبي الشعري، آثرت مراجعتها فكانت لي هذه القراءة الاولى لها .

تبدأ المجموعة بإهداء تضمن (الى حبل الغسيل الأزرق لأرجوحتي) وهنا يبرز سؤال بخصوص التركيز على اللون الأزرق في محطات الصوّاف الشعرية، يقول الشاعر محمود درويش (إنَّ التشابه للرمال وأنت للأزرق) فلطالما ألهم اللون الأزرق الفنانين لارتباطه بالطبيعة والسماء والبحر والعيون، فعلماء النفس يقولون ان شعبية صفة اللون يجذر نمونا التطوري فالإنسان الصياد يتعرض للسماء والمياه الصافية ومن هنا أصبح هذا اللون وصفاً مميزاً بين الالوان أما الارجوحة التي ذكرها واستخدمها الشاعر ترتبط بالحبل وربما أراد الشاعر من خلال ذلك الانكفاء جانبا والجلوس بحرية ذهابا وايابا ويرى الاشياء كأنها تصعد وتنزل أمامه وكذلك للأرجوحة اسطورة رومانية فهي رمز ديني وروحي مقدس (عن لطفي سعيد).

أولى القصائد الطوال (هذا أوان البنفسج) أيضا تضمنت لون وهو البنفسج انفتح الشاعر صوب الوجود بسماواته بنجومه بفصوله بأسرار آلهته فكانت رحلة الوجود والمفردة المعبرة وطابع الدهشة والخروج عن المألوف فيقول في القصيدة آنفة الذكر ص9 (مثل نجمة / في سماء سابعة / أرقبها / أشدُّ الضوء/ فيهمي على العشب/ لون الضحى/ فيا آلهة الخصب / استميحك عذراً / لأني أزهرتُ في الخريف).

يشعر الشاعر بالفخر حين يحاول ايقاظ وبعث الحياة في تفاصيل الوسط الذي يضمه فيقول في ذات القصيدة : (يا آلهة الخصب اشهدي / اني ضفرت للوردة جدائلها / فتنفس العطر فيها / وأيقظت لحناً / من بعد دهر صموت)، يحاول الشاعر استفزاز الوسط بفنه الشعري فيستنفر مخياله الى أقصاه لأجل توفير مستلزمات القصيدة بانزياحات جديدة مغايرة يدخل بها جولة ما بعد الحداثة وما بعدها . التناص كتابة نص على نص أي أن يستشهد الشاعر بنص ما لينتج لوحة فسيفسائية أو قطعة موزائيك من زخارف متنوعة فطغت وظيفة الجمالية على وظيفة التوصيل أو أنهما أديا غرضيهما معا عندما أنجز الشاعر القصيدة الاولى (هذا أوان البنفسج) بخاتمة كانت بمثابة تأمل ثاقب نجم عن ومضة داخلة حاذقة: ( اني اصطفيتكِ / دون آلهة الزهر رباً / وارتضيتكِ نجمةً / وآمنتُ بكِ عطرا).

وفي نص (دقيقة صمت) ص 38، لم تكن دقيقة انما أزمان من العوالم والالم النفسي والبشري يتجلى في ان هذا الالم والحرمان فيه من العتب والرثاء الكثير والصور ناطقة بأحلام المغيبين وكل الذين خسروا أحلامهم وما يملكون فكانت أزمان صمت بالإنابة فهو يقول في بعض سطورها: (سأقرأ جرحاً لمّا يزل يلثغ بالآه / سأقرأ ما تناسل من حروبي / فتحاً فتحا / وما انهمر من الردى / ساعة الصفر).

قصائد الشاعر ولاء الصواف لم تغادر الطبيعة والمرأة إلا قليلا أو أنها مادة أغلب القصائد، والصورة النفسية هي المنحنى المعبر عن أغراض الشاعر لأغراض الطبيعة والاسطورة والمرأة، بل هي رحلة مع ألم النفس، وطبيعة الصورة لدى الشاعر الصواف تأتي من منظور مستوى وظيفي وخيال رابض مع الحالة الشعورية اليومية .

في قصيدة (الفزاعة) ص30 يفصح الشاعر عن ذاته بألم ويستعرض عوالم الاحتراق في بعد جمعي يمر من خلال فعل تواصلي باتجاهات كثيرة،وبما ان النص الشعري يقوم على التشكيل والبناء والايماء وتبعا لذلك تنوعت توظيفات الشاعر لمكنونات رؤياه الشعرية في أروقة وزوايا القصيدة، ففي زاوية من زوايا القصيدة آنفة الذكر يقول: (فزاعة أنا يا أبي / تسحرني هداة الأهداب / حين يغازلها الندى / وتطربني رعشة الشفتين / لو رانها خدر) والقصيدة المذكورة آنفاً تمثل ماهية الشاعر ورد فعل وافصاح صادق عن ذات بيضاء ازاء ما يراه من واقع حوله .

وفي قصيدة (فكرة بيضاء مثل سحابة)، استطاع الشاعر أن يوظف أكثر من فكرة وموروث واسطورة وتناص في بضعة سطور من النص وعلى النحو التالي كما في ص45 .

(مغارتي باردة / لا مريم لي ولا رعاة / أطرافي موشاة بندب المسامير / لا مواريث لا مزامير / ولا سرب قطاة يبسم لي / لا زمزم بطعم التوت / ولا نبي بعكاز يفلق البحر البعيد)

المغارة ـــ مريم، مزامير ــــ داود، ندب المسامير ـــ عيسى، سرب القطا ـــ العباس بن الاحنف، زمزم ــــ بئر في مكة، نبي يفلق البحر ـــ موسى .

واضح من خلال ذلك انه نتج عن الاستخدامات آنفة الذكر تشكل نص جديد من مسميات سابقة بحيث يغدو النص خلاصة لمرموزات اختصرت المكان والزمان معا ..

 

ساطع الجميلي

 

تتفاجأ من البداية بالدفق الدلالي الذي يتراكم متجاوزاً سرعة الحوار؛ الذي يحلو أن أسمّيه (الحوار الأعرج)، حين يتجاوز إبداع الدكتور عليّ القاسمي فكرة الحوار الثنائي من جهة، والمونولوج من جهة أخرى؛ ليخلق نمطاً - وسطياً - يخترق إجراءات الحوار الفعّال، والأسى الخالق لسوداوية الذات في المونولوج !!!

أعترف أن السرعة القاتلة في السرد، المبنية على صناعة نمط تقابلي غير ظاهر، ربما هو نوع من التضادّ الخفي الكاسر لأفق التوقع جعلت من (فطور الصباح) ذات أبعاد دلالية مترددة، أو فلنقل تحمل (زيغاً دلالياً) أخّاذاً؛ فالفطور ليس الفطور " تعال معي لنتناول فطور الصباح " جملة تفترض الثبات الدلالي والبدء برسم لوحة، لكن الدكتور القاسميّ يزلزل تلك الصورة " إنهم يتناولون فطورهم، أو بالأحرى يحتسون قهوتهم " ليس لك من خيار في لفظ أنفاسك حيال هذا الخرق والانزياح، فالعقل ما زال غير قادر على تجميع شتات الصورة الأولى، ليعاود البحث عن أجزاء الصورة الثانية، وهنا يكمن السرّ في صناعة دراماتيكية التلوين والصوت والحدث والضوء في (فطور الصباح) !!

نحن في مواجهة حدث متداخل رسم المبدع تشكيلته من الصورة المركبة؛ ولا أعني هنا بالتركيب معناه الأرسطي المبني على تعاقد الأجزاء؛ بل تركيب متعاكس في تداخله، يضعنا أمام تساؤل فيزيائي قديم - لو صحّ التعبير - وهو (كم صورة سترى عند وضعك مرآةً أمام أخرى)؛ فـ(فطور الصباح) الواقع تداخل بصرياً مع (فطور الصباح) لجاك بريفير، كلاهما يتماهيان في نفسيهما لا تكاد تعرف ماهية الأول، وذات الثاني؛ عبقرية الدكتور القاسمي لم تلجأ للمنحى الفيزيائي في حلحلة هذا الاشتباك؛ بل لجأ لخرقٍ آخر تجاوز حدود التوقع عندما رفض فكرة المعرفة باللغة الفرنسية !!

هكذا عادت صورة أحادية، وربما ممتزجة بطريقة تلغي تعددهما، أو تغايرهما !!!

ويستمر الدكتور القاسمي لتستهويه لعبة التداخل، والخرق الذي يكسر صمت التداخل؛ ليصنع زيغاً دلالياً جديداً " وإذا كنت لا تُجيدُ الفرنسية فسأقرأ لك القصيدة ذاتها بالعربية، فقد نقلها إلى العربية الشاعر نزار قباني، وأعطاها عنوان (الجريدة) ... ولكنه نسيَ أن يكتب كلمة (ترجمة) عليها ..."، وها هو القاسميّ يعود ليضع (الجريدة) في قلق الدلالة حين تتداخل ثانية " وإذا كنتَ لا تُحبذ الشعر وتفضّل الإنكليزية فلنقرأ قصةً قصيرة للكاتب الأمريكيّ (رون كارلسون) بعنوان (قراءة جريدة) ..." ويعود ثانية للتقنية نفسها التي تجعل هذا التركيب المتعاكس في مهبّ الريح؛ ليكسر هذه المعادلة " ماذا تقول : أنت تجهل اللغة الإنكليزية " .

(فطور الصباح) صوتان؛ أحدهما قويّ بارز بوضوح مثير للانتباه، والآخر خافت يكاد يكون معدوماً، بل يقترب كما أسلفنا إلى منطقة (المونولوج) الحرّة .

سوداوية مرّة كمرارة القهوة؛ ولا يكاد تراسل الحواس الولوج الى حيز مفاهيمها؛ لتعود (باردة) تفقد قدرتها على تلمسّ الحواسّ وإخبارهنّ بكنهها وهويتها.

الدكتور القاسميّ المتألم السوداويّ يرمي بحيرة حزنه الراكدة بحجارة تلو الأخرى لينتظر من (زيغ الدلالة) صنع دلالات جديدة تعكس ذلك الحزن القاتم بلونه وصوته معاً ...

- لم تُعجبكَ قصّتي ؟

- ليست لها مواصفات القصة ؟

- لا تُريد أن تَسمع شيئاً من الأدب الفرنسيّ ولا الإنكليزي ؟

عُدْ إلى رُشدكَ أيّها القارئ النهم لهذا الجنون من تدافع الدلالات المأزومة حزناً وقلقاً لتجد عمقَ المأساة حين تفتح باباً لمأساةٍ أكبر " إذن سنقتل الوقت بقراءة الصحف العربية " ...

تُذكرني المفارقات التي يصنعها الدكتور القاسمي في (فطور الصباح) بتلك الخروقات الصانعة لشاعرية (أحمد مطر)؛ المبنية على خارطة طريق مسدود يفتح باباً لطريقٍ مسدود، هو أقربُ لنفي الإلحاد بالتسلسل المنطقي والدور الباطل؛ فالاحتمالات اللا متناهية من الطرق المغلقة تحكي بوضوح قتامَ الصورة والشعور في آنٍ واحد !!!

يدفع الدكتور القاسمي بمجموعة بصرية خاطفة تعتمد التناقض (المرأة التي تُسرَق حقيبتها بالقوة - الشرطي اللامبالي بها بسبب الفساد الإداري وموت الضمير)، (النادل وقهوته الباردة - التظاهر بالتلذذ بشربها)، (نجاة برويز الإنقلابي - الرئيس الفاسد المزوّر)، (القتلى اللبنانيين - سرقة أموال الصيانة)، (الجرائم الإسرائيلية - موت الضمير العربي والاعتياد على رخص الدم الفلسطيني)، (الأمريكان يقتلون العراقيين بدم بارد - ثقافة الكاوبوي)، (المقابر الجماعية في العراق - تعلم الحكم الصالح) ... سخرية وسوداوية تعتمد الجرأة على خلق توافق منطقي لجمع الأضداد؛ وهو الأمر الذي سيسخط أرسطو الذي سيظل يصرخ " الأضداد لا تجتمع ولا ترتفع في وقت واحد " ليجيبه الدكتور القاسمي ساخراً متألماً " هل تريد أن تسمع مزيداً من الأخبار؟ لا؟ لنغيّر الموضوع إذن. والآن كيف نبحث عن عمل " .

 

الدكتور حسام الجبوري

كلية الآداب ـ جامعة بغداد

.................

للاطلاع على قصة: فطور الصباح للدكتور علي القاسمي

 

 

صباح شاكر العكامباب الخان محلة من محلات مدينة كربلاء القديمة التي تعج بأسواقها وأزقتها وناسها من عرب وعجم وهنود وباكستانيون وروس وأفغان من الاغنياء والفقراء والذين يمارسون مختلف المهن من تجار وكسبة في مختلف المهن والحرف وعتالين وشقاوات ولصوص ومثقفين وعمال، فهي تحوي جميع شرائح المجتمع فتكون جمهورية مصغرة .

صدر عن دار الفؤاد للطباعة والنشر رواية (جمهورية باب الخان) للشهيد علاء مجذوب، تحتوي الرواية على (312 صفحة) من الحجم المتوسط، وتعد وثيقة تاريخية يجسد واقع محلة باب الخان أقسامها، شوارعها، أزقتها، أهلها على اختلاف طبقاتهم وأصولهم، دكاكينها وخاناتها، أسواقها التي تعج بمختلف المهن والحرف، شقاواتها وقحابها ولوطيها . كما توثق الرواية محلات كربلاء القديمة وأسواقها المحيطة بمحلة باب الخان .

الرواية تحوي على مقدمة وستة فصول، فالمقدمة وصف مفصل لمحلة باب الخان وحياة الناس فيها وهي منطقة شعبية عاجة بالحركة من الفجر وحتى ساعة متأخرة من الليل، كما تضمنت الحياة في مدينة كربلاء القديمة من أيام الدولة العثمانية وأهم معالمها التاريخية، القشلة بشرطتها وحراسها الليليين، وفترة الاحتلال البريطاني وأنشائها لبناية دائرة الكهرباء عند طرف باب الخان والتي زودت البيوت والمحلات بالكهرباء فأصبحت الحياة فيها نابضة  بالحيوية .

كما تضمنت المقدمة وصف تفصيلي لمحلة باب الخان الذي يتوسط مدينة كربلاء القديمة وخاصة سوق الفسحة فيها الذي يضم دكاكين الكسبة الذين يزاولون مختلف المهن والحرف ومقاهي ومطاعم وعربات النقل بكل أنواعها .

كان محور الرواية شخص من سكنة باب الخان اسمه (سيد عدنان) صاحب خان لبيع التمور، وله مكانة متميزة في باب الخان يرجع اليه الناس لحل الخلافات بينهم، ويقدم المساعدات لهم في أفراحهم وأحزانهم ويشاركهم فيها مشاركة فعالة .

في الفصل الأول (دفاتر بيضاء) وقد تضمن:

990 علاء مشذوب حياة دافئة: تضمن أبرز الأحداث التي حصلت في مدينة كربلاء في سبعينيات القرن الماضي، فهي توثق الحياة في سوق الفسحة الذي يتوسط باب الخان منذ الصباح الباكر، عند دخول سيد عدنان اليه على دراجته الهوائية، واستعراض أبرز الأشخاص في السوق وطبيعة عملهم، وهو توثيق مفصل للحياة اليومية في هذه المنطقة الشعبية، كما يوثق أبرز الأسواق في مدينة كربلاء القديمة من خلال جولة سيد عدنان وصديقه سيد حليم فيها .

كما تطرقت الرواية إلى واقعة الطف التي حصلت عام 61هـ  وتأثيرها على أهالي مدينة كربلاء والتي أصبحت جزءاً من واقعهم بكون الأرض التي قامت عليها مدينتهم هي في الأصل أرض المعركة .

الرواية وثقت العادات والتقاليد لمدينة كربلاء، فوثقت طقوس عاشوراء، ومراسيم تغسيل وتكفين الموتى وتشيعهم، وطقوس عيد النوروز (المسمى دخول السنة) لدى العوائل الكربلائية، ودخول أول بث تلفزيوني لمدينة كربلاء ومتابعة أهلها للبرامج التلفزيونية .

الفصل الثاني (المجزرة) وقد تضمن:

رواية أريف الأرمنية التي كانت تعمل ممرضة في أحدى مستشفيات كربلاء، وقابلة لتوليد النساء والمتزوجة من يوسف المضمد المسلم الديانة عند استدعائها من قبل سيد عدنان لتوليد امرأة  جاره وصديقه، وقد تأخرت الولادة فجلست معهم وأخذت تروي لهم تفاصيل الابادة الجماعية التي تعرض لها الأرمن على يد العساكر العثمانيون في بداية القرن العشرين ونزوحهم الجماعي إلى مدن سوريا ومدينة الموصل في العراق وكما روتها لها أمها قبل وفاتها .كما روت ما حصل في مدينة (وان) الأرمنية عندما قتل الرجال واغتصبت النساء وادخال الأطفال في مدارس خاصة لتغيير ديانتهم وتحويلهم إلى مماليك لخدمة الدولة العثمانية .

الفصل الثالث (طقوس) وقد تضمن:

طقوس رمضان في مدينة كربلاء، أوقات الصيام والافطار في رمضان، لعبة المحيبس، طبول السحور، ثم قدوم العيد والمراسيم الخاصة به . كما وثقت ذهاب الحجاج إلى مكة والمدينة، ومراسيم وصولهم بعد ادائهم مناسك الحج . وكان من ضمن الحجاج الواصلين الحاج أيوب زوج سعدية صاحبة دكان لبيع الفاكهة والتي كانت سيئة الخلق، سليطة اللسان، وكان لها أربعة أولاد وبنت واحدة علقت في رأس أحد الشباب بعد أن كان دوره الرابع عليها، وقد أجبر على الزواج منها من قبل قاضي المحكمة، وقد أنجبت له البنين والبنات .

كما وثقت الطقوس العاشورائية خلال شهري محرم وصفر لاستذكار واقعة الطف واستشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وآل بيته وسبي عياله، ومن أبرز طقوسها ركضة طوريج في اليوم العاشر من محرم وزيارة الأربعين في يوم العشرين من شهر صفر .

الفصل الرابع (تجدد القصص) وقد تضمن:

تهجير العوائل الكربلائية من التبعية الايرانية وهم أما ايرانيين جاءوا لزيارة العتبات المقدسة واستوطنوا في كربلاء، أو عراقيون سجلوا أنفسهم كتبعية ايرانية للتخلص من الخدمة العسكرية أيام الدولة العثمانية، أو من العرب المتزوجين فارسيات أو الفرس المتزوجين من عراقيات . وقد وثقت الرواية تسفير بعض العوائل وما تعرضوا له من انتهاكات بإخراجهم من بيوتهم ونقلهم بحافلات ورميهم بالعراء امام الحدود الإيرانية بدون السماح لهم بأخذ أموالهم ومقتنياتهم الذهبية ومصادرة أثاث بيوتهم وأموالهم وعقاراتهم واحتجاز أبنائهم من الشباب ومن ثم اعدامهم . 

كما استعرضت الرواية أحداث مايس غام 1941م، عندما أستولى رشيد عالي الكيلاني مع الضباط الأربعة على السلطة في بغداد وهروب الوصي عبد الاله ونوري السعيد إلى خارج العراق، ثم احتلال بغداد من قبل القوات البريطانية وارجاع عبد الاله ونوري السعيد، وما أعقب ذلك القتل والفرهود الذي طال اليهود في بغداد .

الفصل الخامس (رياح شرقية ) وقد تضمن:

ذهب سيد عدنان إلى مقهى (عباس منسي) التي كانت ملتقى المثقفين والسياسيين والوجهاء والعمال والكسبة لغرض الاتفاق مع صاحب العبد (أبو طرب) صاحب فرقة موسيقية شعبية لإحياء احتفالية طهور أبن جاره، وقد وثقت الرواية طقوس الطهور التي كانت تقام في ذلك الزمان . كان في المقهى مجموعة من الشباب ومنهم الشاب (منتصر جبر) ذلك المثقف الذي ينتمي إلى عائلة شيوعية بكل أفرادها، وقد دار نقاش بين الشباب حول الدين وما ورد من تناقض في القرآن الكريم وكانت الأسئلة توجه إلى منتصر مباشرةً فيقوم بالرد عليها والذي لا يخلو من الحاد . بدأ النقاش عندما وجه أحد الشباب سؤال إلى منتصر عن فكرة الموت وعالم البرزخ، وكان منتصر يجيب عن أسئلة الشباب ومما قاله:" التراث الديني وفقهه ما يعجز العقل عن استيعاب الكثير مما يطرحه " . ورد عن سؤال لأحد الشباب عن الفرق بين الكُتاب في الغرب وفي الشرق فأجاب " كُتاب الغرب متصالحون مع أنفسهم يكتبون ما يعتقدون، ويعتقدون ما يكتبون بسبب وجود قانون يحميهم، بينما كُتاب الشرق يكتب أغلبهم بزيف كبير دون الاعتقاد به بسبب الخوف وغياب الحرية وضعف الوعي" . وقد ضرب أقوال لعدد من الفلاسفة منهم ستاندال وفريدريك نيتشة وعبد الرحمن بدوي والتي كانت الحادية ورفضهم فكرة الدين . سخن الحديث بين الشباب إلى نقاش وصياح وتبادل الشتائم حتى وصل إلى الاشتباك بالأيدي .

الفصل السادس (الرحلات) والذي تضمن:

رحلة السيد عدنان والسيد حليم مع عائلتيهما إلى قضاء عين التمر وناحية شثاثا، وفيها وصف لبحيرة الرزازة وللطريق الرابط بين كربلاء وعين التمر وفيها وصف لبقايا أقدم كنيسة في العراق قبل الإسلام التي تزخر جدرانها برسوم مختلفة للصليب وقبور رهبانها . وكان مرورهم بقصر الأخيضر الذي كان قلعة صفراء وحصناً مربع أو مستطيل الشكل وفيه فتحات للحراسة يقف فيها الجنود، وعند وصولهم إلى عين التمر قضوا فيه بقية النهار، وعند مغيب الشمس توجهوا إلى أحمد بن هاشم وقضوا الليل فيه .

كما تروي الرواية قصة بيت جليلة شماعية بائعة التمر والخضروات واللبن وزوجها غيض الأعور بائع الثلج في سوق الفسحة، تتكون عائلتهم من أربعة شبان وثلاث بنات وهي عائلة مجنونة بكل تصرفاتها وموسومة بالخبل بين الناس، فأحد أبنائها أمتهن السرقة فكان مصيره السجن، تزوجت أحدى بناتها بينما البنتان الأخريان فقد انحرفتا عن الطريق القويم مما أدى إلى انتحار أخوهما الثالث حرقاً والذي كان بطل المحافظة بالمصارعة .

أخبر منتصر سيد عدنان أن حرباً قادمة بين العراق وإيران مستنداً على بعض الأحداث التي حصلت بين البلدين منذ عام 1975م على أثر توقيع اتفاقية الجزائر بين البلدين وتم بموجبها تقاسم السيادة على شط العرب بين العراق وإيران مقابل أيقاف إيران الدعم للحركة الكردية في شمال العراق، والتي ولدت تخوفاً كبيراً منها لسيد عدنان.

بعد الثورة الإيرانية التي قدها الخميني وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ورفعها شعار تصدير الثورة الإسلامية وان استرجاع القدس يتم عبر بغداد، وبغداد تريد أسقاط دولة الفرس الإسلامية، وبسبب ألغاء بغداد لاتفاقية الجزائر حصلت خروقات متبادلة عبر الحدود بين البلدين، كل تلك المسببات  أشعلت أوار الحرب بين البلدين . لقد أعلن العراق بدء الحرب واستدعاء عدة مواليد لخدمة الاحتياط لكي تكون حطباً للحرب الملعونة التي أستمرت ثمان سنوات سقط فيها من البلدين مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمعوقين والأسرى ويُتِمَ فيها ملايين الأطفال ورُملت الآلاف من النساء وحرقت الحرث والنسل .

ختاماً أقول ان رواية جمهورية باب الخان تعد وثيقة تاريخية لمدينة كربلاء القديمة التي أنشأت على الأرض التي دارت عليها معركة الطف عام 61هـ، فقد وثقت محلاتها، أسواقها، سكانها، أبرز الأحداث التي حصلت فيها، الطقوس التي تمارس بها سواء كانت خلال شهري محرم وصفر أو في شهر رمضان، كما وثقت محلة باب الخان، شوارعها، أزقتها، أسواقها، أبرز أشخاصها والمهن التي يمارسونها، فهي خليط من مختلف الفئات الاجتماعية والطبقية، ففيها المثقفون والتجار والعمال والبقالون والحمالون والشقاوات واللصوص وجميع المهن لذا أطلق عليها المؤلف (جمهورية) . لقد وثق المؤلف أهم الأحداث التي حصلت في أواخر سبعينيات القرن الماضي وهي تسلم صدام حسين رئاسة الجمهورية وارتكابه مجزرة لرفاقه بالحزب وتهجير العوائل من التبعية الإيرانية ونشوب الحرب العراقية الإيرانية . ومما يلفت النظر ما ورد عن (منتصر) من أفكار لا تخلو من الالحاد لنقده الفكر الديني مستنداً على العقل والمنطق، والتي قد تكون مطابقة لأفكار مؤلف الرواية التي اغتيل على يد القوى الظلامية .          

 

صباح شاكر العكام

 

سعد الساعديقراءة في ديوان فستان بلا ازرار للشاعر العراقي عدنان جمعة

الصور اللغوية الجديدة تتجلى بوضوح يوماً بعد آخر في القصيدة التجديدية أو ما تسمى قصيدة السرد التعبيري  لما بعد الحداثة التجديدية والتي أميل الى تسميتها بالقصيدة التجديدية بدلاً عن السردية التي يفهم منها معنى السرد وهي قطعاً خلاف ذلك ، كما هو واضح  في  ديوان الشاعر عدنان جمعة، فستان بلا ازرار، وغيره ممن يكتبون هذه القصيدة  اضافة الى ما يريده الشاعر من اثارة الوعي لما هو موجود واقعاً،  كحالة  يومية معاشة عشقاً أو حلماً او بخيال سارح بين الجمال والامتاع ، رغم رفض التصوير الواقعي المباشر الذي تبنته الحداثة  وما تلاها، تتابعاً الى يومنا هذا، مما ابتُكِر كتجريد فني لغوي، يرتكز أيضاً على منظومة قيمية متعددة الجوانب الفنية والبيانية .

الإشكالية النقدية الشعرية لما بعد الحداثة التجديدية في النثر المركز والسرد التعبيري أو (قصائد النثر) اللذين ما زالا بلا تجنيس بيّنٍ  وربما الشكلين يلتحفان جلباباً واحداً، لا نجدها في (فستان بلا أزرار)  حتى لو تم تشطيره بنصوصه السردية الحداثوية التجديدية الجميلة، كون لغته  الشعرية واضحة السبك، بصور ابداعية، متزينة بلغة  سارت  بمختلف الاتجاهات، لكن الخط البيّن صراحة ومضموناً هو العشق والحب الذي اتسمت به كتابات الشاعر هنا وفي دواوينه الأخرى  .

في قصيدة ليل بعباءة الشوق دلالات واضحة عن حياة عاشق: (نطفئ الشمع بعري الليل ، أيها المخفي والمستور لماذا الوقت غير كافٍ، أسرع بالعناق وأجسادنا مصلوبة ..) فهو عاشق حد الثمالة بكلماته على الورق والحياة ، هذه اللغة كأنها لغات متعددة تنحدر من نفس الأصل، ولأن لغتنا العربية ـ كعرب ـ تختلف كثيراً عن غيرها من اللغات بما تتضمنه من اشتقاقات واسعة، ومترادفات كثيرة وعميقة، حتى أننا نجد لكلمة واحدة أحياناً أكثر من ثلاثين معنى، وكل معنى يختلف عن غيرة ككلمة (عين) مثلاً؛ ما يجعل حتى ترجمة النص الشعري الى لغة أجنبية في غاية الصعوبة مع ما ترجم منها ، لان كلمة واحدة ربما تحتاج لمجموعة كلمات مترابطة كي تعطي نفس المعنى أو ما يقاربه.

ماذا يدلّ ذلك؟ في غرائبية النص الشعري اختلاف واضح عما تسعى اليه الروايات في مرحلة الحداثة التجديدية، فهي إن عبرت عن واقع مسخ كما يعرّفها البعض فالشعر يعبر بطريقة اخرى عن محاولة من الشاعر الجمع بين واقع وخيال بعبارات مختزلة، واعتقد أنه من الوهم القول بان الرواية سحبت البساط كلياً من تحت الشعر واصبحت هي ديوان العرب كما يرى الكاتب المغربي (الكبير الداديسي)، فالقصيدة التجديدية اليوم احتلت مكانتها المميزة لتكون الغرائبية في بنائها تعطي المعنى اللغوي العربي الصريح في انها الذهب او الفضة كما تقول معاجم اللغة، وهي فعلا كذلك.

إنها دلالة واضحة على تجدد اللغة من خلال الناطق بها، ومن يكتب فيها، وهذا ايضاً وجدناه في ديوان الشاعر عدنان جمعة فستان بلا ازرار الصادر مؤخراً عن دار المتن في بغداد، والذي تُعَد كتاباته تجديدية مائزة بكل احترافية، فهو متجاوز للزمن في وصفه للمرأة وجمالها والحاجة اليها، لأنه أراد عبور مكان حلولية الزمان ، وشكّل عناصرَ متآلفة بعيداً عن التعقيد، ولم يجعل المكان دائرة ضيقة تحيطه، فجاءت مساحاته في الكتابة متسعة، تستطيل بكل الاتجاهات، لتضع هناك ما مطلوب بيانه، واحتلال مكانه وفق خطة وفكرة النص الذي وضعه الشاعر نازلاً من بين هواجسه، وخلجاته التي طفت لاحقاً على نصوصه.

إن القصيدة  التجديدية تناضل من أجل الانتصار بما تطرحه من جديد متجدد يسمو بالأدب، ويرتقي بالشعر، حين يعرف الشاعر استخدام أدواته بطريقة متقنة، ويشتغل عليها بوضوح وشفافية تامتين فانه يؤدي ويوصل رسالته تامة، وهذا ما سار عليه، وفعله شاعرنا في فستان بلا أزرار بما يوحيه هذا العنوان من خصوصية بتمازج صورتين لرجل وامرأة احتلت واجهة الكتاب بسيميائية منفردة التعبير عما سيراه ويقرأه المتلقي ويفك بعض الرموز الكائنة بين حوايا متون الصفحات.

وحين ينتقل القارئ من عنوان الديوان لقراءة الاهداء تواجهه صورة جديدة وهو يقرأ خمس كلمات فقط : (الى من تترقب حروفي بصمت)، اذن هي المعشوقة المنتظِرة لعاشق عبّر عن نفسه بـ : (يا حلوتي، أنا والليل غريبان، يتقافز الدهر فرحاً برحلتي بلا متاع، والجرح بهيبة النزف بلا صراخ،عند أبواب الاعتراف) كما في قصيدة بشارتي مواكب عزاء .

لقد وظّفَ الشاعر حالة جَمعَ بها مبنيين : الرمزية والواقعية؛ أي ظلت الواقعية ملازمة للعمل كما في احدى القصائد التي حمل اسمها اسم الديوان (فستان بلا ازرار)، مهما أرادت الابتعاد عنها الكتابات الحداثوية والتجديدية  لكن الوقع يبقى مؤثرا وهنا جاء العشق والتغزل بالمعشوقة . لقد نجح فيها حين رسم ذلك وفي كثير من قصائد الديوان   . كما نجد رمزية طاغية أحياناً هنا وهناك، وانزياح واضح منذ الوقوف عند عنونة النص  بشكل تام في الوصف، وسيميائياته العميقة، حتى الصور السريالية تجسدت فيها .

وهذا ما تمتاز به كتابات القصيدة التجديدية، أو النثرية بشكل أعمّ، والتي تضمنها ديوان فستان بلا أزرار. النصوص الكثيرة التي جاءت في الديوان تستحق نظرة تأملية واسعة، أسوة بغيرها من الكتابات التجديدية الجميلة التي دأب عليها الكثير من الشعراء اليوم مجاراة مع الغرب، أو تفرداً جديداً يحسب للشعراء العرب كلون يبتعدون به عن كل القيود ..

الغرائبية في النص الشعري قد تكون جديدة عليه وفق المعنى الاصطلاحي الأعمّ اذا انطلقت تفسر الواقع بمرارة حزنه ومآسيه وما يقع على رأس الانسان المسكين في كل بقاع الارض، لكن مضامين النصوص التجديدية في قصائدها ومسارات شعرائها اتخذت ثلاثة محاور، أو مسارات واتجاهات انتعشت بها القصيدة، ووُفّقَ بها الشاعر وهي اللغة البنائية للنص، وجمال الوصف ، والمعنى الطافي على سطح القصيدة التي اخذت الغزل عنوانا شاسعاً في كتاباتها واضح بشكل جليّ فيما تضمنه ديوان فستان بلا ازرار الذي يختم الشاعر فيه آخر سطر له قائلا: (حينها اغني مترنحاً، وانا المقصود بالحبيب الاول) بعد أن وصف حاله وحال حبيبته  في أول عبارة من الديوان: (كنّا كالسحب النقية، ندخن الحكايات للفجر، مستنشقين رائحة الحاء والباء، ممزوجتان بسعير النيران الى  انجناءةِ الضحى ..) .

 

سعد الساعدي

 

 

ضمن الموسم الرمضاني الذي تتسابق فيه القنوات التلفزيونية إلى عرض الأحدث والأفضل من أعمال أنتجتها طوال السنة التي سبقته، دخل سباق الدراما العراقية العمل التلفزيوني (الفندق) الذي جنَّسه كاتبه على أنه "رواية تلفزيونية"، وأثار هذا العمل منذ حلقته الأولى الكثير من الجدل في الأوساط الثقافية والفنية وكذلك بين المشاهدين بمختلف مستوياتهم الثقافية، فانقسمت المواقف بين من أصدر حكمه وعبَّر عن رأيه منذ الحلقتين الأولى والثانية وهم أيضا لم يجمعهم رأي واحد وانطلقوا من منطلقات مختلفة فنية وأخلاقية وسياسية، فانقسموا إزاء العمل بين موقفين حانق ومعترض أو مشجع ومادح، بينما اكتفى قسم آخر من المشاهدين بالمتابعة إلى أن استقر العمل منتظرا نهايته لإصدار الحكم وقول الرأي، ومنهم كاتبة هذه الدراسة. فماصلة هذا العمل بالأدب الروائي المعروف؟ ولماذا أُطلقت عليه صفة الرواية التلفزيونية وليس الدراما أو المسلسل التلفزيوني كما هو معتاد عليه؟ ما الأمور التي قرَّبت هذا العمل من النصوص الروائية المقروءة

تتمظهر علاقة هذا العمل بالرواية في اتجاهين، الأول الجنس الكتابي الذي صنفه الكاتب ضمنه، وأما الاتجاه الثاني فقضية اقتباسه من عمل روائي عراقي شاع مؤخرا أنه (مسروق) منه. فأما الاتجاه الأول فيمكننا النظر فيه انطلاقا من السؤال أعلاه، بعد أن نبحث في ماهية الرواية التلفزيونية وفي فرقها عن المسلسل التلفزيوني وما علاقتها بالرواية بوصفها جنسا أدبيا مقروءا بعيدا عن الفنون المرئية وقريبا منها في آن واحد.

يطرح الكاتب السوري نهاد سيريس تساؤلا مفاده "هل الرواية التلفزيونية حقيقة أم إننا نطلق على المسلسل التلفزيوني اليومي هذه التسمية كي نرفع من سوية نصوصنا التي نكتبها، على الأقل، بإطلاق التسميات الكبيرة على أشياء أقل منها أهمية؟" (سيريس، 8/12/1998) ليجيب لاحقا منطلقا من المقارنة بالدراما التلفزيونية واستعارتها لمصطلح الدراما من الحقل الأدبي والمسرحي بالتحديد قائلا: "لا أعتقد اننا نتجرأ على ذلك إذا لم تكن لدينا أسباب تشابه الأسباب التي دعت المشتغلين بالفنون التلفزيونية لإطلاق تسمية "الدراما" على مسلسلاتهم مستعيرينها من المسرح ومن الرواية أيضاً" (سيريس، 8/12/1998) وهنا يعطي الكاتب للرواية التلفزيونية شرعية توظيف المصطلح للدلالة على جزء من الأعمال التلفزيونية التي تتسم بسماتها الخاصة المميزة لها، فلمصطلح الرواية التلفزيونية جذوره وامتداداته غير العربية إذ يدل مصطلح (تيلينوفيلا) الإسباني الأصل على مسلسلات الدراما الشعبية التلفزيونية التي تعرض في قنوات الدول الناطقة باللغة الإسبانية في كل من أمريكا اللاتينية، والبرتغال، والفلبين، وإسبانيا وأمريكا الشمالية ولا سيما المكسيك والولايات المتحدة. وتتكون كلمة (Telenovela) من مختصر كلمتين مركبتين هما: تيلي اختصار لكلمة تلفزيون ونوفلا التي تعني الرواية، فالتيلي نوفيلا هي الرواية التلفزيونية (ويكيبيديا)، أما (المسلسل) فهو مصطلح فرنسي الأصل وسمي أيضا بـ(الفيلم ذي الحلقات) أو (الرواية السينمائية) "وكانت حلقاته تظهر في الصحافة في وقت معا، وإنه المعادل السينمائي للحلقات الروائية المسلسلة في الصحف التي يستغل منها مبدأ القلق الذي تثيره، فكل حلقة تتوقف عند لحظة حرجة تتيح إبقاء المشاهد في حالة النفس المقطوع" (جورنو، 2007)، وهناك فرق بين المسلسل والسلسلة، التي يقصد بها الفلم المكون من عدة أجزاء تشكل كلا واحدا نجد فيه بطلا واحدا تستمر مغامراته من فيلم إلى آخر مثل جيمس بوند واينديانا جونز وغيرهما (جورنو، 2007)، ولاننس أن المسلسل ارتبط بشاشة التلفزيون بينما ارتبطت السلسلة بالشاشة السينمائية، ويجمع بين كليهما كونهما سردا صوريا يقترب كثيرا من السرد المقروء في الأعمال الروائية، لا بل قد يقتبس عنها أو يبنى على أساسها، وفي حالة اقتباس العمل عن نص روائي مكتوب تتم الإشارة إلى ذلك في تايتل العمل، وقد يُبنى على غرار عمل روائي معروف كما نجد في عمل (ليالي الحلمية) لرائد الرواية التلفزيونية (أسامة أنور عكاشة) الذي لقب  (نجيب محفوظ الدراما التلفزيونية)، إذ بني العمل على أساس أنه ثلاثية كما هو الحال مع ثلاثية محفوظ، وبعد أن حصل على شعبيته أكمل بجزئين آخرين، وحملت هذه الخماسية التلفزيونية الروح المحفوظية وصيغت على غرار الثلاثية الشهيرة وبنيت فنيا بناء أشبه ببنائها، ومن هنا يرى بعض الباحثين أن "واقع المسلسل التلفزيوني يشابه واقعي الرواية والفيلم السينمائي، لهذا يمكن اعتبار المسلسل التلفزيوني سرداً روائياً بالصورة (هذا لايعني إلغاء الحوار) أي اننا يمكن أن نطلق على المسلسل اسم الرواية التلفزيونية إذا توفرت فيه بعض التقنيات التي طورتها الرواية الأدبية مثل الاهتمام بالعالم الداخلي للشخصيات وإظهار ميولها وضعفها وقلقها وحالاتها النفسية وغيرها. كما أن على الرواية التلفزيونية أن تبني عالمها بدقة وفق نسق واحد على صعيد وحدة الزمان والمكان والبيئة واللغة والثقافة الشفوية والملابس والموسيقا وغيرها. أيضاً على الرواية التلفزيونية أن تُعنى بتعدد الأصوات وأن تطرح القضايا الفكرية والفلسفية والسياسية وغيرها من الأنشطة الإنسانية. إن الفارق بين المسلسل العادي والرواية التلفزيونية يتطابق مع الفارق بين أفلام المقاولات والأفلام الفنية ومع الفارق بين رواية التسلية التي تكلم عنها ليونيل آيدل وبين الرواية الأدبية الغنية" (سيريس، 8/12/1998)، وهذا ما تؤكده علاقة رائد الرواية التلفزيونية عكاشة مع الأدب التي تجاوزت امتلاكه لعدد من النصوص الأدبية المقروءة يصدرها بصفة دورية، بل وصلت إلى إصراره على أن النص المرئي هو نص أدبي رفيع المستوى وليس فقط مجرد نقل المكتوب إلى مشاهد مرئية، وهذا دفعه لوصف ما يقدمه من أعمال مرئية بأنها ما هي إلا (رواية تلفزيونية) وليست مسلسلات، وبالنتيجة استطاع أن يطبع سيناريو (ليالي الحلمية) لقناعته أن النصوص المرئية تنتمي إلى عالم الأدب،  وكرر تجربة الطباعة مع فيلمه (الاسكندراني) عندما لم يجد المنتج الذي يستوي بوساطته العمل كما يريد كاتبه (صالح، 31/5/2010)، وحصلت أعمال عكاشة على شهادة نجيب محفوظ التي يرى بعض الباحثين أنها أكدت أننا نعيش زمن الرواية التلفزيونية، "فقد قال محفوظ لأسامة: (ليالي الحلمية) وقبلها (الشهد والدموع) هي روايات مرئية ميزتها أن غير المتعلم يستطيع أن يقرأ ما فيها بسهولة ومتعة، وما أكثر غير المتعلمين في العالم العربي !وكأن محفوظ بهذه الكلمات يشير إلى أهمية رواية التلفزيون التي يقدمها الكاتب في شكل مسلسلات. وقبل ذلك بسنوات، كان الأديب عبدالله الطوخي قد أعلن صراحة في مقال حزين وشهير عن "غروب الأدب" وكتب تحت هذا العنوان يقول :إن مسلسلات أسامة أنور عكاشة أكثر تأثيراً في مستوى القاع الشعبي من أعمال نجيب محفوظ، واقترح أن تعقد مصالحة أو يتم زواج الرواية الأدبية والتلفزيونية فيما يمكن أن يسمى بـ(التليرواية)" (الجمل، نوفمبر 2000)، وإن انطلقنا من منطلقات التعريفات أعلاه للروايات التلفزيونية ومن استقراء أعمال عكاشة فإننا نذهب إلى أن العمل قيد الدراسة لا ينتمي إلى جنس الرواية التلفزيونية، وإنما ليس سوى مسلسل تلفزيوني درامي اعتيادي، فمن ناحية الشخصيات حاول الكاتب الغوص في دواخل الشخصيات لكنه تاه في عوالمهم الداخلية ولم يستطع رسمها ولا بنائها بناءً متقنا بحيث تصير مقنعة للمتلقي من خلال إظهار ميولها وضعفها وقلقها صوريا وبطريقة معبرة، إلا فيما ندر، لكنه استعاض عن ذلك بالحوارات المنطوقة بين الشخصيات فضلا عن مونولوجات الشخصيات التي تعرض فيها مشاعرها وحالاتها النفسية، أما فيما يخص الرؤية البوليفونية أو تعدد الأصوات في العمل قيد الدراسة فقد غابت تماما، ذلك أن العمل بأكمله يروى من وجهة نظر واحدة، وهي وجهة نظر الصحفي (كريم نعمان) الذي أدى دوره (محمود أبو العباس) واتضح لنا في نهاية العمل أننا رأينا كل شيء من خلال عيني هذه الشخصية.

غير أن (الفندق) التزم من سمات الرواية التلفزيونية انه بني على أساس وحدة الزمان والمكان والبيئة وأخفق في اللغة والثقافة الشفوية من وجهة نظرنا ولاسيما في شخصية (ماري) التي لعبت دورها (سناء عبد الرحمن)، فضلا عن أن العمل طرح عددا كبيرا من القضايا الفكرية والسياسية السائدة في المجتمع العراقي، حتى أنه تاه في زحمتها فظهرت مجمَّعة على غير هدى وسطحية لاحلول لها ولا نهايات شافية لمشكلات متعددة طرحها العمل كالبطالة، والإدمان، وتجارة الممنوعات، والاتجار بالبشر، وتجارة الأعضاء، فضلا عن سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي، والابتزاز، وزنا المحارم، والانتحار، وفساد الطبقة السياسية العراقية والمتعاملين معها، وازدواجية الشخصية العراقية والشخصية المتدينة على وجه التحديد.

أما الاتجاه الثاني في علاقة العمل الدرامي (الفندق) بالرواية، وهو قضية اقتباسه أو أخذه من رواية عراقية سابقة له، فقد صار النقاش قي هذه المسألة مبتذلا جدا على صفحات الجرائد وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وخرج من باب الادعاء بأحقية النص ونسبته لشخص بعينه ليصل إلى التطاول والاستهزاء والإساءات الشخصية التي لاتمت للنقد بصلة من قريب ولا من بعيد، ولم تتوقف الاتهامات والمشادات بين المؤلفين فقط وإنما بدأت تطول كل من أصدر حكما في هذا الخصوص سواء مع العمل الروائي المقروء أو مع العمل الدرامي المرئي تلفزيونيا، وهذا ما يرتبط بموضوعية الأحكام ومصداقيتها. ومن البديهي في أي حكم نقدي أن يطَّلع المُوازِن أو المُقارِن بين العملين طرفي النزاع على العملين كليهما، فضلا عن ضرورة أن يتخلص من الدافع الذاتي في الحكم لتصير الموضوعية هي الدافع والمحرك الوحيد للحكم عليهما، وهذا لا يتحقق من وجهة نظري إلا إن نحَّينا المؤلفِينَ عن أن يكونوا أطرافا في المقارنة، واعتمدنا فقط على النصوص الروائي المقروء/التلفزيوني المرئي بقطع الصلة عن مؤلفيهما فهل الثاني مقتبس من الأول أو مبني على أساسه أم لا وما سمة هذا الاقتباس إن كان موجودا أو مانوعه.

والاقتباس عن الأعمال الأدبية يحصره (جانيتي) في ثلاثة و"بالتطبيق الفعلي تقع أغلب الأفلام في مكان ما بين هذه الاصناف" (جانيتي، 1981) وأول مستوى من مستويات العلاقة بين الرواية والسينما هو الاقتباس الأمين الذي "يحاول إعادة خلق المصدر الأدبي بالتعبير الفلمي محافظا على روح المصدر الأساسي قدر الإمكان، لقد شبه أندريه بازان المعد الأمين بالمترجم الذي يحاول أن يجد المعادلات للأصل" (جانيتي، 1981)، أما المستوى الثاني من الاقتباس فهو الاقتباس غير المشدود الذي يتمثل بأخذ فكرة وموقف أو شخصية مأخوذة من مصدر أدبي ثم يتم تطويرها بصورة مستقلة (جانيتي، 1981)، فالاقتباس ليس محاكاة العمل الروائي وإنما عبقريته خلاقة تعمل على استلهام حر يوجب على صانع الفلم النظر إلى النص الروائي لتخطيط ما يمكن اتباعه بدقة وما يجب استبداله ليتوافق مع رؤية صناع الفلم (ديك، 2015)، وأما النوع الأخير من الاقتباس فهو ما يسميه جانيتي مرة بـالأدبي ومرة بـالحرفي ويقتصر فقط على الاقتباس من المسرحية، ذلك لأن "لغة المسرح الرسمي وأحداثه صالحة للتحويل سينمائياً، وأهم التغييرات في الإعداد الحرفي يحتمل أن تشمل الاختلافات في الزمان والمكان وليس اللغة" (جانيتي، 1981)، وبناء على هذا نجد أن لاوجود لاقتباس حقيقي في عملنا قيد التحليل، إذ اختلف العملان اختلافا كبيرا، وهذا لاينفي التشابه الحاصل بينهما، من نواحي جزئية وتفاصيل كثيرة، فنص السيناريو قد أخذ الأفكار البارزة في العمل الروائي، ووظفها دراميا في نصه التلفزيوني، وبنى عليها هذا العمل، ما يعني أن العمل الثاني (التلفزيوني) لم يكن اقتباسا للعمل الأول وإنما كان أشبه بعملية إعادة خلق من المواد الأولية نفسها، سواء كانت أفكار أو حوارات أو طريقة بناء، إلا في الشخصيات فقد اعتمد النص التلفزيوني على شخصيات مختلفة يضمها فضاء مختلف، كما تعددت الاماكن في العمل الروائي وبالمقابل اختصرت في العمل التلفزيوني، وقد يكون هذا التشابه وإعادة الانتاج سبب إرباكا في بناء النص المرئي، الذي ضاع في زحمة اخفاء الاخذ من نص سابق له، وفي الوقت نفسه إضفاء الروح الدرامية على العمل وجعلها روحا عراقية خالصة بأماكن عراقية، تختلف عن الرواية التي جرت أحداثها لعراقيين خرجوا ولجأوا إلى دول أخرى في زمن يسبق 2003، بينما المسلسل وأحداثه في عام 2018.

وإن مررنا بموضوعية على مواضع التشابه بين العملين بعد الاطلاع عليهما ودراستهما تفصيليا، نجدها قسمين، الأول مأخوذ حرفيا من الرواية، كفكرة وجود الشبح وقصته، وكوابيس البطلة (عشتار/منار)، واشياء أخرى انطلاقا من الثيمة الأساسية للرواية، المتمثلة بأن القارئ يقرأ العمل بأكمله ليكتشف في نهايته (المشهد الأخير) أنه وقع في فخ لعبة سردية لعبها المؤلفان بتقديم أحداث متكاملة محبوكة للقارئ من وجهة نظر خارجية بدون تدخل الراوي، وهي أشبه بالرواية بعين الكاميرا، ليكشفا بالنهاية أن كل تلك الأحداث ليست سوى أحداث رواية يكتبها الاثنان، وهذا ما حصل أيضا في العمل التلفزيوني، الذي يقدم في عشرين حلقة أحداثا متعددة ليكتشف المشاهد أخيرا في الحلقة الأخيره انها ليست سوى رواية يكتبها أحدهم. غير أن الرواية التي تكتب في العمل المقروء تكتبها شخصيات من خارجه، أما الرواية في العمل المرئي فتكتبه شخصية من داخل العمل نفسه، وتضع نفسها بطلة فيه، وهذا أيضا من التشابهات إذ وضع أحد المؤلفين نفسه بوصفه شخصية داخل العمل الروائي المقروء. ومن التشابهات الجذرية بين العملين التي اخذها المسلسل حرفيا من الرواية فكرة الأرواح الهائمة، التي يرد سردها تفصيلا في المشهد7 من الرواية، على لسان (زهراء) وهي إحدى الشخصيات التي تسكن مع (عشتار/منار) في المنزل، تقول: "إن هذه المنازل بنيت على قبور العبيد الذين كانوا يقتلون على يد صاحب القصر في أواخر القرن الثامن عشر، امرأة فاحشة الثراء جميلة، قاسية، انتزعت من قلبها الرحمة، حتى على زوجها وبنتيها تحتكم على عدة هكتارات من مزارع الذرة والبطاطا والشعير وبضعة عشرات من العبيد الذين يطيعونها طاعة عمياء وإن خالف أحدهم أمرها أو أخطأ فقد أضحى آبقا.. كانت تتفنن بتعذيبهم قبل قتلهم أما جثثهم فتأمر بإخفائها في الأقبية المنتشرة تحت القصر والتي تنتهي بغرف ترمى فيها دون أن توارى التراب، مما يعني أن منازلنا تقع على أعشاش الموتى.. إنهم يفقسون عن أرواح يحلوا لها الطيران فجرا في بيوتنا(...)وهم ودودون ، إنهم ليسوا أرواح وإنما أشباح تفتش عن الر احة في القصاص بمن جعلها تموت دون ذنب" (رشيد و محمد، 2016) وهذا بالحرف ماورد في المسلسل الذي ترافق أبطاله روح امرأة ثرية هائمة قتلت دون بيان الأسباب لتبقى روحها تسكن المكان مطالبة بالقصاص من قاتليها. ونجد كذلك شخصية (عشتار/منار) في الرواية تشترك مع شخصية (كريم) في المسلسل في تخيلاتهما المتعلقة بالأشباح والأصوات والكوابيس وحتى حادثة الإغماء فهما يتعرضان لها كليهما، غير أن الفرق بينهما أن (كريم) يدخل الفندق وهو مريض نفسي يعاني هلاوس سمعية بصرية، بينما تدخل (منار) الآفو سليمة تعاني من ضغوط الهجرة وعدم الاستقرار، لكن المجرم في الرواية يضع لها حبوب تصيبها بتلك الهلاوس.

أما القسم الثاني فيشابه ماورد في الرواية لكن ليس خاصا بها، إذ قد يؤدي سير الأحداث منطقيا في العملين إلى توظيف هذه التفصيلات، والوصول إلى هذه النتائج، ولاسيما أن الأفكار المناقشة في العملين تدور في الفلك نفسه، وهذا نجده مع شخصية (عشتار/منار) في الرواية التي يمكن ربطها مع شخصية (سعدية) في المسلسل ولاسيما في مشهد تسلمها للسكن في الآفو، وأيضا في كون ابنها ليس ابنا بايولوجيا لها، بل هو ابن متبنى، وسعدية تستلم السكن في الفندق بطريقة مشابهة ولها أبناء ليسوا أبناءها بايولوجيا. وأيضا من التشابهات التي يمكن أن نعدها من هذا النوع عدد الشخصيات المتلازمة في الرواية (جلال،عبد الله، نبيل) مع اختلاف التفصيلات نجد أمامنا في المسلسل (سنان، واثق، ماجد)، وأيضا يمكن وضع تحت خانة التشابهات هذه الأقوال التي ترد في الرواية وكتبت في متنها بأقواس اقتبسها الراوي من أدباء وأعلام في مختلف المجالات، نجدها ترد أيضا في العمل المرئي، لكن الفرق أنها ترد على لسان الشخصيات على اعتبار غياب الراوي في العمل المرئي وتنازله عن موقعه للكاميرا، بينما يتمتع بموقعه في العمل الروائي المقروء بكامل ميزاته.

ومن الطريف أن الأخطاء التي وقع بها العمل المرئي في موقع الراوي ووجهة النظر سبق أن وقع فيها العمل المقروء نفسه، وهذا يتمثل في المشاهد التي كتبها (محمد محسن) إذ يرد بعضها بصيغة المتكلم وبعضها بصيغة الغائب، وهذه الضمائر تعبر عن وجهة النظر الساردة للأحداث، إذ قدم بعضها من الداخل، وقدمت الأخرى من الخارج، وهذا ايضا لاحظناه في العمل المرئي، إذ وجدنا عددا من المقاطع الروائية التي يكتبها (كريم) يكتبها بضمير المتكلم وبعضها الآخر بضمير الغائب.

ومع إثبات أن العمل المرئي التلفزيوني مأخوذ من العمل الروائي المقروء (عناكب الآفو) لابد أن نشير إلى حقيقة مفادها أن الرواية قد كان لها جوانبها التي تميزت بها، كبناء الشخصيات المتقن والتسلسل المنطقي للأحداث، والاهتمام بالبناء النفسي للشخصيات وربط ما تبديه من ردود أفعالها مع ماتتعرض له من ضغوطات، وسيطرتها على مصائرهم جميعا، فضلا عن تميزها بتقديم قصتين متوازيتين يجمع بينهما زمن واحد وتفصل بينهما أمكنة متعددة، في حبكتين تسيران بالتوازي وتتقدمان مع بعضهما خطوة خطوة. كما أن لها جوانب أخرى أخفقت بها، وأبرزها المبالغة باللغة الشعرية والانزياحات المتتالية في جمل الرواية سردا وحوارا، حتى جاءت جمل الشخصيات جميعها مصاغة بالاسلوب ذاته، الذي صيغت به الجمل السردية والوصفية، وهذه الانزياحات المتتالية أدت بالقارئ إلى الانشغال بها وباستعمالاتها غير المألوفة للغة لتشتت نظره إلى الحدث وترابطه في بعض الأحيان، لابل حتى الكاتب قد وقع في غفلة منه بهذا التشتت عندما أوصل شخصيته الرئيسة (نبيل) إلى بيت (الدكتور حميد وابنته نادية) في نهاية المشهد 26، إذ يقول الراوي: "اتصل بنادية قبل وصوله إلى الآفو لكنها لم ترد، فعاود الاتصال بالدكتور حميد ليخبره بأنه قادم، رد عليه الدكتور حميد بأنهم جميعا بانتظاره،(...) كان يشاور عقله في كل نقطة يقف على حافتها الحادة وهو يراجع موقف نادية من حضوره، ولم يلتفت إلى ممارسات التضليل التي برع فيها جزء قلبه الضعيف اتجاه مشاعر الحب عندما اتخذ سبيل المراوغة في خلق الأعذار والتبريرات الكثيرة..." (رشيد و محمد، 2016)، وينتتهي المشهد دون أي إشارة إلى مغادرة (نبيل) لبيت (نادية) بينما نلتقي به في بداية المشهد التالي 27، يتجول في مدينة أمستردام وأحيائها المتعددة، فكأن الراوي نسي (نبيل) هناك ليعود فيما بعد ويضعه في مكان وزمان مختلفين لاربط منطقي بين الاثنين. وفي سياق متصل باللغة، فإن الرواية وقعت في عدد لايحصى من الأخطاء اللغوية والطباعية والإملائية لاتخفى على أحد. فضلا عن أنها، أي الرواية، وقعت في عدد من حواراتها بالافتعال والمبالغة كما في المشهد 21، الذي أخطأت فيه باسم الشاعر (شيركو بيكس) فورد اسمه في هذا المشهد (فائق بيكس) (رشيد و محمد، 2016).

وأخيرا لنتفق على أن هذه الإشكالية وهذا الارتباط بين العملين أسدى خدمة كبيرة لكليهما، فكم من مشاهد للمسلسل دفعه الفضول للاطلاع على الرواية وقراءتها بحثا عن حقيقة السرقة، والعكس وارد أيضا، فكم من قارئ للرواية أعاد مشاهدة المسلسل بعد أن قرأها ليجد الحقيقة أو يدلي بدلوه في هذا السياق.ومع الضجة المثارة حول التشابه الكبير والسرقة المدعاة، صار القارئ ضعيف الثقة بالنص الثاني، (الفندق) وصار يبحث عن أي تشابه في ثنايا رواية (عناكب الآفو)، لأنه رسخ في لاوعيه أن الأول مسروق من الثاني، فباتت التشابهات المقصودة وغير المقصودة بعين القارئ شيئا واحدا يثبت أخذ النص المرئي تلفزيونيا من النص المقروء بحذافيره، مع تغييرات تشوش على المشاهد ولا تحيله إلى الرواية لو كان قرأها مسبقا.

 

كوثر جبارة - ناقدة واكاديمية

جامعة دهوك / مركز بيشكجي للدراسات الانسانية

 

مادونا عسكرقراءة  في نصّ للشّاعر التّونسيّ محمّد بن جماعة

أوّلاً- النّصّ:

"أنا بكلّي لك

ولا يَكلُّ كلّي

والكلّ بكلّك كلّي!.."

ثانيا- القراءة:

العشق واحد والسّبل إليه متعدّدة، إلّا أنّ المراحل الّتي يتدرّج فيها العاشق تتجلّى من خلال الخبرة العشقيّة والتّجربة اللّتين تعبّران عن خصوصيّة يتفرّد بها كلّ شاعر على حدة. وها نحن أمام نصّ يحمل في حناياه ما يقارب العشق المطلق، أو التّلبية المشابهة لتلك الّتي هتف بها الحلّاج المنفتح على النّور الإلهيّ. ولعلّها المرحلة الأخيرة الّتي يقترب بها العاشق من الكمال، فيعاين بقوّة ذلك النّور حتّى يكاد لا يطيق المكوث داخل ذاته.

الشّعر ليس نسقاً واحداً، ليس بحسب الاختلاجات الشّعريّة المتعدّدة والتّعبير عن الذّات المتنوّع  والانفلات من الوجود إلى عوالم النّور فحسب، بل إنّه يختلف من إحساس إلى آخر ما يترك آثاره النّصّية والأسلوبيّة والتّكوينيّة في النّصّ، فبين كلّ نصّين متشابهين في الفكرة ثمّة ما هو مختلف؛ فإذا ما صرخ الحلّاج (لبّيكَ لبّيكَ يا سرّي ونجوائـــي // لبّيك لبّيك يا قصدي ومعنائـي)، يختصر محمد بن جماعة ذات المعاني بثلاث كلمات (أنا بكلّي لك)، بل كأنّه استمع إلى أبيات الحلّاج واتّخذ منها موقفا إيجابيّا بثمثّل الحالة عند المستمع المقصود فكان الشّاعر نفسه.

ويعبّر الشّاعر بالاختصار عن موقفه ذاك، والاختصار أشدّ كثافة من الإسهاب، وأقوى تأثيرا في السّامع، وأشدّ قسوة على الشّاعر نفسه؛ لأنّه كلّما اتّسعت الرّؤية ضاقت العبارة (النّفري). فرؤية محمد بن جماعة اختُزلت بكلمة (بكلّي) لتكون عبارة كونيّة تتّسع  لرؤى خاصّة عند الشّاعر تضيق بها عبارة التّلبية (أنا بكلّي لك). "كلّ" الشّاعر في هذه العبارة أبعد وأعمق من وجوده. فهو يتطلّع إلى أبعاد أخرى في وجود آخر يتوجّه إليه بكلّه ويوجّه كلّه إليه. قد يختلف نصّ الحلّاج عن نصّ بن جماعة بالمضمون، لكنّ الاتّجاه نحو السّماويّات يتضّح للقارئ من خلال (الكلّ). والاتّجاه نحو السّماويّات لا يلغي الحركة الدّيناميكيّة في الوجود لبلوغ وجود آخر (ولا يكلّ كلّي) فالشّاعر في سعي دؤوب وحركة وفيض حبّ، لا يهدأ ولا يرتاح ولا تطمئنّ  كينونته إلّا في داخل الكلّ الآخر. وهذا الارتياح مرادف للاكتمال الإنسانيّ والشّعريّ الّذي يحدّد هويّة الشّاعر. فكأنّي به يقول إنّه يدرك أبعاده الكونيّة والشّعريّة بالاتّحاد بالكلّ المنتظر الاتّحاد به عشقيّاً. والاتّحاد العشقيّ هو غير الذّوبان في الآخر، فهو أشبه بشجرتين لجذور واحدة. كلّ واحدة متفرّدة بكينونتها إلّا أنّ الاثنتين معاً تجسّدان معنى الاتّحاد، إذ إنّهما تنموان بذات الفعل الحيويّ. هو أبعد من تكامل وأعمق من انجذاب نحو الآخر. إنّه مسيرة حجّ وانتظار مقدّس واتّحاد آنيّ بقوّة الرّجاء والحبّ.   

(أنا بكلّي لك) عبارة جمعت كلّ وجود الشّاعر في أبعاده الأرضيّة الوجوديّة وأعماقه الإنسانيّة وكينونته كشاعر، وانسكبت في (لك) كفعل اتّحاد عشقيّ يحمل في عمقه قراراً واعياً. فالشّاعر يدرك ويعي أنّ كلّه مرتبط جذريّاً بكلّ آخرَ لا يكمّله وحسب، وإنّما يحقّق كينونته (والكلّ بكلّك كلّي) ما يدلّ على عدم انفصال ضمنيّ بين الوجود الحاليّ والوجود الآخر. وبذلك ينتفي مفهوم الآخر بالنّسبة للشّاعر على مستوى النّصّ أوّلا الّذي هو تابع بالضّرورة إلى الإحساس بعمق الوجود والاتّحاد، لينتفي ذلك الانفصال الّذي يبيّن أنّ هناك آخر مسايراً للشّاعر في وجوده. هذا الإدراك معنيّ به الشّاعر وحده، ويتسرّب إلى القارئ شذرات نورانيّة، لا يمكن بلوغها إلّا بالتّأمّل باتّجاهين: الأوّل اتّجاه نحو قلب الشّاعر لإدراك ما يمكن إدراكه من حبّه وتصوّفه وإلهامه الشّعريّ. والثّاني، اتّجاه نحو السّماء للانفتاح على ذلك النّور الّذي يتدفّق ويتجلّى شعراً. 

حمل النّصّ فعلاً واحداً (يكلّ) ما دلّ على ثبات متأصّل في نفس الشّاعر. وهو غير الرّكود الخالي من أيّ فعل. فالفعل هنا يقتصر على حركة الشّاعر داخل العشق وحسب. فكلّ اهتماماته وأهدافه تنصبّ في بلوغ تمام العشق حتّى تتحقّق صورة الشّاعر في الكلّ الآخر الّذي هو فعليّاً كلّه. ما يترادف وقول الحلّاج:

يا كلّ كلّي يا سمعي و يا بصري

         يا جملتي و تباعيضي و أجزائي

يا كلّ كـلّي وكلّ الكـلّ ملتبس

          وكلّ كـلّك ملبوس بمعنائــي

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

صالح الطائيقراءة انطباعية في رواية "حفرة السلمان" لصالح مطروح السعيدي

حتى قبل أن يمتهن أجدادنا العمل السياسي، كانوا قد ابتكروا لمناوئيهم ومنافسيهم حفرا ومصائد ليلقوهم بها، فيتخلصون من خطرهم، وكانوا أحيانا يلقون بها الأبرياء من وغيرهم، ومن لا ذنب لهم لكي يرهبون الناس بأفعالهم، ويزرعون في نفوسهم الخوف، ويدخلوا الوجل إلى قلوبهم والخشية إلى أرواحهم، لكي لا يفكروا بتحديهم أو الكيد لهم، أو مجرد معارضتهم، والعمل على خلاف مناهجهم، ولذا لا غرابة أن تجد السجن شاخصا في حضارتنا الجاهلية، حيث كان للحارث بن عبد بن عمر بن مخزوم سجن في جبل نفيع بمكة، كان يحبس فيه سفهاء قومه. وكان لحجر بن الحارث الكندي، والد أمرئ القيس، سجنا حبس فيه بعض سادات بني أسد لأنهم ثاروا عليه. وفي الشام حبس عمرو بن جفنة الغساني بعض القرشيين بطلب من عثمان بن الحويرث الأسدي بسبب رفض قريش تنصيب الأخير ملكاً عليها من قبل قيصر الروم. وفي الكوفة اتخذ المناذرة سجن الصنّين لسجن أشخاص من بينهم عنترة بن شداد وعدي بن زيد.

ولا غرابة في أن تجد حضارتنا الإسلامية وقد سارت منذ أيامها الأولى على النهج نفسه، صحيح ان النبي لم يكن له حبسا، ولا لأبي بكر، ولكن عمر الذي استخلف في شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة النبوية، أي بعد مرور ثلاث سنوات فقط على موت النبي؛ سرعان ما أحيا موروث السجون، واتخذ مكانا، وصيره سجنا، مثلما ورد في مجموع فتاوى ابن تيمية.

أما في زمن الأمويين فقد توسع الحكام في اتخاذ سجون عامة وخاصة، علل البعض وجودها بسبب تزايد الحركات السياسية المناوئة للسلطة، وكان معاوية بن أبي سفيان أول مَن أنشأ السجون بشكلها المعروف اليوم، وخصص لها حراساً.

وفي مكة تماهى معهم عبدالله بن الزبير، فبنى سجناً خلف دار الندوة، عُرف بسجن عارم نسبة إلى سجين قتل فيه.

وعلى منوال سجون معاوية، أنشأ الأمويون سجوناً في الحجاز، وحوّلوا دار عبد الله بن سباع الخزاعي في المدينة إلى سجن عُرف بسجن ابن سباع. كما تحوّلت دار ابن هشام في المدينة إلى سجن في أواخر العصر الأموي. وأنشئ سجن في عسفان بين مكة والمدينة في خلافة هشام بن عبد الملك، وسجن آخر في تباله قرب الطائف. وكذلك ظهر سِجن في العقيق من بلاد بني عقيل، وسجن دوّار في اليمامة.

أما في العراق فقد كان الحجاج خلال السنوات العشرين التي عين فيها واليا على العراق (السنوات 70ـ 95هـ) قد اتخذ سجونا عديدة، بعضها مطامير لا يعرف المسجون فيها ليله من نهاره، وبعضها لا تقي من حر ولا برد، وقد مات في حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألفا عزباوات، وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد. وبعد موته عُرضت السجون، فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفاً، لم يجب على واحدٍ منهم قتلٌ ولا صلبً.

منذ عصر الحجاج فصاعدا وصولا إلى الاستعمار العثماني، ثم الحكم الملكي وحكم المستعمر الإنكليزي للعراق، تطورت السجون كثيرا، وتنوعت مصادر التعذيب، وكانت بعضها في منتهى السوء، حتى أن سماع اسمها يجعل الأعصاب تنهار، ومنها سجن (نقرة السلمان) الذي أنشأه الانكليز، وهو يقع في محافظة المثنى (السماوة ـ ناحية السلمان) في منطقة صحراوية على أطراف الحدود العراقية السعودية، في منطقة نائية تحميها الصحراء المترامية، التي تهدد من يفكر بالهرب بموت بطيء.

وقد أصبح سجن نقرة السلمان أنموذجا تقاس صعوبة باقي السجون نسبة إليه، وإلى ما يعانيه السجناء وعوائلهم، ولاسيما بعد أن قام النظام البعثي في صبيحة 3 تموز 1963 بإصدار مرسوم جمهور يقضي بترحيل سجناء السجن رقم واحد وهو أحد سجون معسكر الرشيد إليه، وغالبية السجناء كانوا من الشيوعيين، وقد أرسلوا إليه لغرض تصفيتهم.

امتدادا لهذا التاريخ المفعم بالأذى والعذاب، وإحياء لذكرى الوجع القديم السابت في النفوس، كتب الروائي الواسطي الأستاذ صالح مطروح السعيدي روايته الرمزية (حفرة السلمان) التي تؤرخ لهذه المرحلة الحساسة من تاريخ شعبنا وحركاته الوطنية، وأحزابه التقدمية، ومثلما تؤرخ لنظمه القمعية الإجرامية، لتكون لبنة أخرى في المنجز السياسي لهذا الكاتب اليساري المعروف، تؤرخ لصور تزدحم بها ذاكرته لأصدقاء وزملاء ورفاق ومعارف وأقرباء، طحنتهم طاحونة العجرفة السياسية، ولتكون (نقرة السلمان) صورة للحياة التي مرت على العراقيين في عقود ولت، بعدما تحول الوطن كله إلى (حفرة)، لا وجل ولا مانع من أن تسمى (حفرة السلمان).

حفرة السلمان استذكار لمرحلة تاريخية خطيرة وشائكة ومعقدة من مراحل تاريخ العراق الحديث، سطرها الأديب الواسطي الكبير صالح مطروح من ذاكرته كونه أحد المشاركين بصنع أحداثها، كانت أحداثها مزدحمة بالحب والعذاب، بالعلاقات السوية والمنحرفة، بالسادية والرحمة، بالحرية والانعتاق ضد العبودية والهمجية والتقييد وتكميم الأفواه وسلب الحريات. تم استدراك ذلك كله في صفحات تئن، تتألم، تتوجع،  تكاد تسمع آهات وجعها، صرخاتها، شكواها، منذ فصلها الأول "الدخول الى الداخل"، حيث تتلمس تحدي الألم ومواطن الوجع:

"أنا وأنت وجعان فوق سفوح الألم.

أنت وأنا نافذتان نخرت ألواحهما ريح الغروب.

أنا وأنت دمعتان في مشابك الدمع تتأرجحان.

إرادة تشظت، ثم التمت، فتعلقت بأودية الحياة؛ إرادتان.

أنا وأنت  مصير واحد مكبل بقيود لا نقوى على قد أغلالها (صفحة: 11)

حيث تستشف الوجع من خلال تلك الكلمات التي شكلت النص: وجعا.. الألم.. نخرت.. دمعتان.. مصير.. قيود.. أغلال.. مصير. وهي كلمات تدل على خيال مشبع بالوجع والآهة، ويسعى لأن يخرج كل ذلك الوجع ليتشاركه مع الآخرين عسى أن يشعر بالراحة التي كان ينشدها منذ أيام وعيه الأول، في ريعان شبابه، ولحين أن سلبه الزمان مكمن قوته، ولم يبقِ له سوى هيكلا يكابر باستحياء خوف أن يشمت به الأعداء.

وهو حتى في محاولة استرجاع الذكريات الجميلة كما في الفصل الثاني "امرأتان"

عجز عن مغادرة مفردات الوجع: "ببياض يدي، بحجم تواريخ الأسى، باحتشاد اسئلتي على أرصفة التشظي، ببقايا ارادتي، بأسمال الحروب، بقبعة الحضارات المثقوبة من الوسط، خارج أنا عن وطني، بل محرر من إسار تعلقي به، محمل بفيض انكساراتي، باشتعال سنواتي، برماد احتراقاتي، ذاهب بصمت ذهولي الى منفاي، بكل أعبائي وإسقاطاتي(ص: 10)

هكذا تكرر معزوفة الحزن: تواريخ الأسى.. أرصفة التشظي.. بقايا.. أسمال.. مثقوبة.. إسار.. فيض انكساراتي.. اشتعال سنواتي.. رماد احتراقاتي.. صمت ذهولي .. منفاي.. أعباء.. إسقاطات.

هكذا تحتشد كلمات الوجع لترسم فصول الرواية، فصلا بعد آخر، وتسير بك من محطة تسمع فيها صراخ الأجساد المعذبة إلى محطة تسمع فيها صراخ الضمائر المستلبة، حينما يتعامل عنصر الأمن المنزوع الضمير مع فتاة في مقتبل العمر، فيسرق منها عفتها وبرائتها باسم الدفاع عن النظام، والنظام نفسه يبارك له عمله الدنئ.

إن الغوص في فصول الرواية السبع في قسمها الأول، وفصلي ورسالتي القسم الثاني، يتنقل بك من المواجهة، إلى عجلات الموت، إلى عام المرارة، ليستقر في الخاتمة في حفرة السلمان، فمع كل الألم المحتشد في فصول الرواية بما يشعرك وكأن الهزيمة حلت بالخير والصلاح والوطنية والعفة ومحاسن الأخلاق، ستجد في خواتيمها ولادة جديدة لأمل دافق بالمتعة، يحفزك لأن تؤمن بأن الحياة سوف تنتصر على الموت، والخير سوف ينتصر على الشر مهما طال الصراع بينهما: "الله ما أجمل الحياة حين تجتمع تحت خيمتها جميع التناقضات" (ص:349) هكذا أراد صالح مطروح لروايته أن تعلن انتصار الحب والجمال وإرادة الحياة على دعوات الموت الصفراء: "ازحت الرمال بيدي وثمة ضوء شفيف يتدفق بعيني. عملت بجد ومثابرة، أزحت طبقة الأرض، حفرت حفرة تكفي خروج جسدي، واخيرا استطعت أن ألج في ذلك الشق واخرج غلى الحياة"(ص:350).

تقع الرواية في 353 صفحة نصف أي فور، تزين واجهة غلافها لوحة جميلة ومعبرة للمصممة أمينة صلاح الدين، وقد تولت دار تموز ديموزي السورية إصدارها ونشرها في عام 2019.

 

الدكتور صالح الطائي/ العراق

 

جبريل بن فرحات آل مطر، أو جرمانوس فرحات كما سمي فيما بعد، شخصية بارزة احتلت مكانة مهمة قي تاريخ الرهبنة المارونية في لبنان ثم في حلب، ولد في 20 نشرين الثاني سنة 1670، من أسرة قديمة انحدرت من بلدة (حصرون) في جبل لبنان، واستقرت في حلب، وتلقى العلم في هذه المدينة على أيدي علماء مشاهير، ووجد طريقه إلى مدارس المدينة المعروفة، وشيوخها، فأتقن علوم العربية لا سيما علوم اللغة والأدب، ونزعت نفسه في سنة 1690 إلى الرهبنة، وترهب فعلا سنة 1693، ثم قصد لبنان، موطن أجداده، حيث انتمى إلي الرهبنة المارونية، وتقلب في المناصب الدينية راهباً ورئيساً لأديرة عدة، فعمل على تنظيم قواعد الرهبنة، وتقويم السلوك الرهباني، كما انصرف أيضا إلى الدرس النحوي والصرفي، وألف غير كتاب لقيت اقبالا في عصره، منها (الأجوبة الجلية في الأصول النحوية) و(إحكام باب الإعراب) و(المثلثات الدرية) و(المطالب في علم العربية) في النحو، وجميعها طبع، ووجد انتشاراً لا سيما بين المسيحيين في الشرق، ومن الكتب الاخرى (بستان الرهبان) في وجوب الصلاة وقد طبع، وتاريخ الرهبنة اللبنانية، طبع، و(الرياضة الروحية أو الحاشية في تدبير رياضة المتروضين)، طبع، وكتاب في الأدب سماه (بلوغ الأرب في علم الأدب)، طبع، وغير ذلك، فكان بذلك الأب الروحي لجيل من الأدباء واللغويين اللبنانين الذين سيلمع نجمهم في القرنين التاليين، أمثال إبراهيم اليازجي، وجرجي زيدان، وشبلي شميل، وبطرس البستاني، ويعقوب صروف، وغيرهم من أساطين النهضة الأدبية الحديثة. وتولى الأسقفية في حلب نحو عقد من الزمن حتى وفاته. وكان فضلا عن ذلك يجيد من اللغات العربية والسريانية واللاتينية والإيطالية.

جرمانوس فرحات

ولفرحات شعر نظمه بين سنة 1690 اي منذ أن كان شاباً في العشرين من عمره وحتى سنة 1719، ولم يكن قد رتبه في ديوان فقدر لأحد أصدقائه المعجبين بشعره أن يجمعه في ديوان مستقل، ولبث مخطوطاً حتى طبع في مطبعة الآباء اليسوعيين سنة 1886، وقد شاء القدر أن نطلع على نسخة خطية نادرة من هذا الديوان محفوظة بين مجموعة المخطوطات التي أودعها الناشر توماس فيشر Thomas Fisher (ولد في يورك شاير سنة 1793 وتوفي في كندا سنة 1874م) في مكتبة جامعة تورنتو في كندا، فتبين لنا أن هذه النسخة تمثل اصل الديوان، وأنها تضم من المقدمات التوضيحية للقصائد والتعليقات والحواشي ما يزيدها قيمة، وتلقي أكثر من ضوءٍ على حياة هذا الراهب العالم، ومراحل من سيرته بما فيها من معاناة ومكابدات. وصحيح أن عددا من الدراسات والمقالات قد وضعت عن حياته، إلا أن الوقوف على نسخة الديوان الأصلية من شأنها أن تضيء ما سكتت عنه تلك المصادر، وتوضح زوايا جديرة بالاهتمام من حياته. ومما يؤكد أهمية هذه النسخة ان اسم الشاعر الذي وجد في مقدمته هو الاسم القديم الذي عُرف به قبل أن ينال منصب اسقفية حلب، وهو جبريل، بينما كتب على ديوانه المطبوع أنه (ديوان الحَبر الفاضل النبيل، و العالم العلامة الجليل، السيد جرمانوس بن فرحات مطر الماروني مطران حلب تغمده الله برحمته و أسكنه فسيح جناته و نفعنا بكثرة أتعابه و عدد مصنفاته

الصفحة الاولى من مقدمة الديوان

تقع المخطوطة في نحو 400 صفحة، وهي مُجَدوَلة بمداد أحمر بعناية، وكتبت التعليقات التوضيحية على كل قصيدة في وسط اطار أفقي، أو معيني، باللون نفسه، ويبلغ عدد القصائد والمقطعات الشعرية فيه 375 قصيدة ومقطعة في مختلف الأغراض، كثير منها في مدح السيدة مريم، يليها في مدح السيد المسيح، وفي الاخلاق والحكمة، وفي الوعظ عامة، وفي أغراض أخرى متنوعة. ويلاحظ أن هذه القصائد والمقطعات لم تأت مرتبة على أي سياق، أما في النسخة التي طبعها الآباء اليسوعسن فهي مرتبة على حسب حروف القوافي، وقد تقدمت الديوان مقدمة في ثلاث صفحات كتبها جامع الديوان ومُهذبه، وهو – كما يقول- قريب الشاعر وصديقه، قال فيها ما نصه (الحمد لله الذي خلق الإنسان، وزيَّنه بحُسن المعاني وإحسان البيان، من البلاغة والفصاحة والأوزان. وبعد فلما وقفت على شعر الشيخ جبريل بن فرحات القس المترهب تحت قانون الرهبان اللبنانيين المنتمين إلى اسكيم القديس انطونيوس الكبير، واخترت رقة منطقه وإنشاده، فرأيته قد أجاد في معرض الفصاحة، وغالى في وادي البلاغة، وقد ضمَّن قريحته معان مختلفة ومبان مؤتلفة..وقد غالت بعض أشعاره يد التحريف والسناد والخلل والزحاف، فاستعنت على تعبه، وتوجهت لنصبه، فاجتمعت به من حيث أنه أخي وصديقي وسَميري ورفيقي، وكلفت بمبان سيضم إليه أشعاره بمجملها ومفردها، ومثقف ميلها وأودها ويهذب ما كان أخل بنظمه ونقص.. ورسمه، من حركة تزيد ومن مبنى ركيك ووزن شارد ولفظ هجين، لأن من بعد موته لا أدري إن كان يوجد من يتمم له عرضه.."، فالجامع كان قريبا من الشاعر وهو الذي تحمل مسؤولية انتقاء قصائده، وتصحيح هفواتها النحوية والعروضية، ولكن الأهم فيها أنه قدَّم لمعظم القصائد بمقدمات قصيرة توضح الغرض من ورائها، وموضوعها، وسنة نظمها، معتمداً بلا شك على إفادات الشاعر نفسه، وهو ما يساعد الباحث في الوقوف على تفاصيل حياته في حقبة مهمة مرتبة على السنين.

والمحور الذي يدور حوله معظم الديوان هو الرهبانية والحياة النسكية، وإن كانت ثمة قصائد بعيدة ظاهراً عنها إلا أنها تعبر عن روحها غالبا، ونستطيع أن نفهم الرهبنة بحسب وصفه، بأنها تعني التقى والتورع عن السيئات، وكثرة الصلاة والعبادة، والسهر ليلا، وعدم الاسراف بالطعام، وعدم السكر، والعلم، والعمل به، والتواضع الجم، والطهارة الجسدية والروحية، وذم الدنيا، والتوبة.

ونستطيع أن نلمح تأثر الشاعر ببعض الشعراء القدماء، ذكر منهم ابن سينا وأبي العلاء، كما تأثر إلى حد كبير بابن الفارض في عشقه الإلهي، وبالبوصيري في أماديحه النبوية، وغيرهم.

ويمكن ترتيب السياق التاريخي للقصائد المؤرخة على النحو الآتي:

سنة 1690

ثمة ثلاث قصائد، واحدة مؤرخة في هذا التاريخ، تتناول موضوعا دينياً تاريخياً استمده من الإنجيل مباشرة، وهو اصطباغ السيد المسيح في نهر الأردن، وربما كانت هذه القصيدة من أوائل ما نظمه في حياته، أو سجله في ديوانه هذا، والأخرى قالها على البديهة "عندما تحرك قلبه نحو الرهبنة وأراد الدخول فيها"، وقد صرح جامع ديوانه أنه "أول شعر قاله":

ومطلعها

ما كلُ من يَهوى الصَّلاح مُوفقُ    ما كلُّ ما يُعطى الولاء مُقلدُ

ويظهر من هذه القصيدة أن توجهه إلى الرهبنة سبق انتماءه إليها فعلياً بنحو ثلاث سنوات.

أما الثالثة فهي في مدح" مريم البتول وديرها المعروف بصدنا "، وهو يقصد دير السيدة العذراء في بلدة صيدنايا، وقد أمر بإنشائه الأنبراطور البيزنطي جستنيان (482-565م)، ويعد من أهم المواقع المسيحية في العالم.

سنة 1691

أثبت قصيدة واحدة تحمل تاريخ هذه السنة، وتتناول موضوعا انجيليا كسابقتها، وهو سلاق (أي صعود) المسيح إلى السماء.

سنة 1694

ثمة ثلاث قصائد يحمل كل منها تاريخ هذه السنة، أولاهما في "توبيخ النفس" وهي في الوعظ ومعاتبة النفس وتخويفها بالموت

وأولها

أوائل السُّهد وآخر لذة الوسَنِ     كالنطق أوله من آخر الفطن

كذا الشيب إذا ما حل في لمم      أقصى الشباب وأوهى صحة البدن

ومنها

كأننا في أمانٍ من فجائعنا       والفخ من شأنه للعين لم يبن

والأخرى في قيامة المسيح من بين الأموات، والثالثة في التوبة، والرابعة في مدح مريم البتول، وقد نظمها في حلب. وأولها:

عِج بالحِمى يا راكبَ الوَجناءِ        فعَساك تُحيي ميَّت الأحياءِ

واقرأ السلام أهَيل ذيَّاك الحِمى       مني فإني عن حِماهم نائي

إن كنت تجهل مَربعي فامش إلى      نار يَقدها تنفس الصُّعداء

أو كنت تجهلُ في الحِمى أرجاءهم    يهديك منها تضوُّع الأرجاء

وثمة قصيدة أخرى لا تحمل تاريخاً ولكنها مما نظمه في حلب، وقد وصف فيها نهرها (قويق) وجمال الطبيعة فيها، قائلا:

لله يومٌ في  الرياضِ   قطعتُه    بحِمى قويقٍ مثلَه  لن   أبصرا

والزَهرُ في تلك الرياض   كأنه    زُهر النجوم على بساطٍ  أخضرا

والريح في فَنَنِ الأراك  مُشَبِّبٌ    لما رأى الغُصنَ المجردَ  مُزهِرا

والغصنُ يرقص تحت أذيال  الصَبا    فيكاد من طربٍ به أن  يُكسَرا

والوَرق في أعلى الغصون  كأنها    همزاتُ قطعٍ قد عَلونَ  الأسطرا

والسُّحبُ تبكي والبروقُ ضواحكٌ    كالعسكر المنصور يَطردُ  عسكرا

والماءُ في تلك الشعاب  كأنه    أَيمٌ  جفولٌ  قد  أُخيف   فأدبرا

ما زال يجمح من مَداه  جارياً    حتى هوى من شاهقٍ  فتكسرا

سنة 1695

توجد قصيدة مؤرخة في هذه السنة. موضوعها مدح السيد المسيح.وفي دخول السيد المسيح اورشليم يوم الشعانين.

سنة 1696 

هناك ثلاث قصائد مؤرخة في هذه السنة، الأولى في حلول الروح القدس "معرضا بأنوار الرسل، ورياسة كرسي ماري بطرس في رومية الكبرى"، وفي مولده، وفي مدح السيدة مريم، وبشارتها .

سنة 1697

ثمة قصيدتان نظمهما في هذه السنة وأثبت في كل منها تاريخ السنة، وهما قصيدة في تجلي السيد المسيح من فوق جبل تابور، ومطلعها

جلا مذ تجلَّى  أعيناً  فيك   تدمعُ        مسيحٌ  بأعلى  طوره  النورُ   يَلمعُ

يريك  ذرى  الطابور  مبنلجَ   الضيا    كأن  الدراري  من  أعاليه   طُلَّع

وفي مدحه "مخبرا عنه في العهد القديم والحديث" ومطلعها:

أزل  يا  شقيق  الروح  مني   بقيتي     عسى من دمائي ترتوي فيك  غلتي

ويا  مهجتي  ذوبي  أسىً   وتحرُّقاً     ويا  زفرتي  زيدي  بوقدك   لوعتي

وفي القصيدة إيماءات إلى أزمات نفسية قاسية كان يعيشها آنذاك، إذ تتكرر فيها ألفاظ مثل (مصاب) و(غوائل) و(علة) و(النكال)، وما أشبه ذلك.

سنة 1699

له قصيدة واحدة أرخها في هذه السنة، وهي مهمة لأنها تكشف عن أنه غادر حلب في تلك السنة إلى لبنان، حيث دخل دير (مرت مورا) الكائن في الجهة الجنوبية الغربية من أهدن على وادي قزحيا في لبنان، ويذكر مترجموه أنه غادر حلب قاصداً لبنان بعد أن دخل في سلك الرهبنة المارونية سنة 1693، مع أن القصيدة توضح أنه ظل يعيش في حلب حتى 1699، ومن ثم فإن دخوله هذا الدير جرى في التاريخ الأخير لا قبله. ومن الملاحظ أن الديوان خلا من قصيدة مؤرخة في سنة 1693 ومن ثم لا نجد ما يسجل دخوله الدير في هذه السنة, و"كان قد استنشده إياها حاكم البلاد، ويسمى عيسى، من آل حماده، وطلب إليه وطلب إليه أن يعارض أبياتاً لذلك المارق على الوزن والقافية"، وكانت أسرة آل حمادة قد فرضت سيطرتها على منطقة عكار في الحقبة الممتدة من أواخر القرن السادس عشر وحتى أوائل القرن الثامن عشر. وكان الآباء المُترهِّبون قد استأجروا بعض الأراضي الصالحة للزراعة لتدرَّ عليهم من المال ما يلزمهم لشؤون الحياة، فكان مما استأجروه مزرعة (عين بقرة) من الشيخ عيسى حمادة، وذلك بعشرة قروش في السنة، وتقع هذه المزرعة في شمالي بلدة أهدن، وظل الرهبان يعملون فيها ويستصلحونها حتى تملكوها فيما بعد.

1705

له قصيدة واحدة مؤرخة في هذه السنة، وهي في مدح مار جرجس الشهيد نظمها في حلب مما يدل على انه لم يكن قد غادرها حتى ذلك التاريخ

وله في هذا التاريخ رسالة في المثلثات اللغوية في التصريف التي نظمها على غرار مثلثات قطرب، فاللفظة الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة، والثالثة مضمومة، وقد سماها المثلثات الدرية.

1706

له ثلاث قصائد مؤرخة في هذه السنة أولاها أرجوزة فيما يلزم كاهن الإعتراف، قال في أولها:

يا أيها الأب المُكرَّم التقي       والكاهن الموسوم بالعلم النقي

إسمع نصيحةً تفيدك الرضا     في الإعتراف كأنها نور أضا

يا كاهناً مُعرّفاً قد اقتضى       أنتَ الصديق والطبيب والقضا

عليك أن تعرف نوع المعترف   كذا ورتبته ومهنته تصف

إن كنت ممنوعاً ولن تعرفا     فغير جائز لك أن تعرفا

وثانيها منظومة تضمنت المزامير الخمسة "التي رتبها القديس بنونتورا في مدح مريم العذراء، وهي على وفق لفظ ماريا في اليوناني، أي مريم في العبراني، والتزم في أول كل بيت وآخره بحرف من حروف ماريا، وهذا النوع يسمى في الصياغة البديغ بمختوم الطرفين"، مطلعها:

مريمٌ مدينة مولاها معظمة      في بيعة الله من ساعٍ على القدم

وثالثها منظومة تتناول العيوب الثمانية: الشراهة، الزنا، محبة الفضة، الغضب، الحزن، الضجر، المجد الباطل، الكبرياء.

سنة 1707

له قصيدتان في موضوع واحد، وهو الرهبنة، وأولى هاتين القصيدتين يمدح فيها "الرهبنة الشريفة"، والأخرى "في ابتغاء الرهبنة". ونجد في ديباجة الديوان تعليقة تفيد أنه انتقل إلى لبنان حيث انتمى إلى سلك الرهبنة الانطونيونية التي أسسها القديس انطونيوس الكبير، فأصبح، كما سمي، مترهبا "تحت قانون الرهبان اللبنانيين".

بشراك بشراك قد أدناكم النائي      وأومض البرق من تلقاء عذراء

فالجو منبجسٌ بالنور مَفرقة        والأرض قد سمت عن ثغر لمياء

وغرد الطائر السري من طرب     لما رأى القضب ترقص رقص هيفاء

والريح تكتب فوق الماء أنملها        سطرا تحاكيه بين الدر والماء

ولاح شمس الهُدى في بُرج طالبه       بشارة قدَّست أرحام حواء

سنة 1708- 1709

له في هذه السنتين أربع قصائد تحمل تاريخها، وهي تكشف عن الأماكن التي قصدها، أو نزل فيها في لبنان، فثمة قصيدة يمدح فيها أحد الكتاب جاء في مقدمتها أنه "كان مقيما في دير مار انطونيوس قزحيا من جبل لبنان" فهذا هو تاريخ نزوله في الدير وتأسيسه مع عدد من رفاقه الرهبنة الأنطونية فيه، ويعد هذا الدير، الواقع في شمال لبنان، أحد معاقل الطائفة المارونية، وقد أسسه القديس انطونيوس سنة 1584م، وأصبح تابعاً لأبرشية زغرتا للموارنة هناك، واشتهر بأنه شهد تأسيس أول مطبعة عربية في البلاد العربية سنة 1610. وكان يضم مدرسة رهبانية، كما توجد بقربه مجموعة من (المحابس) التي يقصدها المترهبون لغرض الاعتكاف والزهد.

مضت المدة الأولى من إقامته سعيدة بتأملاتها الروحية، إذ نجد له قصيدة في غاية الرقة مؤرخة في العام نفسه، موضوعها "في محبة الله للبشر" كما نقرأ له في هذه السنة قصيدة رقيقة تدور حول محبة الله والعشق الإلهي، منها قوله في أولها:

الله الله أنتَ السمعُ والبصَرُ      في العاشقين وأنت الفوز والوطرُ

هويتكم والهوى مني على صغر   يا حبذا وله قد زانه صِغرُ

هجرت فيكم ربوع الوالدين وما    أهوى فليس له من دونكم أثر

سيروا الهوينا يقلب سائر بكم     فكأنه فلك وكأنكم قمر

الذكر صورتكم والقلب مركزها   والحب دائرة وشعاعها الفكر

كأن عينيَّ إذا صورتكم فلك      في أفقها قمر دانت له الصور

وأخرى في مدح القربان المقدس وكان قد نظمها راهباً "عند رجوعه من حلب".

دير قزحيا

على أن القصائد الأخرى التي نظمها في هذا العام تكشف عن أنه عاش في هذا الدير فترة حافلة بالمشاكل الاجتماعية والشخصية،، فإننا نقرأ له أيضا قصيدة عن" شقاوة الهالك في جهنم" يومئ فيها إلى بعض من كان يناصبه الخصومة، كما نقرأ قصيدة أخرى في "أمر عرض له" ولم يوضح طبيعة ذلك الأمر، وصادف أن توفي له أخ يدعى أرسانيوس فأثر ذلك في نفسه حتى أنه رثاه بقصيدة مؤثرة، ثم وجدناه ينظم قصيدة "ينصح نفسه ويعنفها"، وأخرى في " مناسك النساك القديسين"، وثالثة "في الفقر الاختياري في الرهبنة"، يظهر أنه كان يقارن فيها بين رهبانية النساك السابقين وبين سلوك بعض الرهبان المعاصرين له، وتشير مصادر ترجمته إلى أن خلافاً نشب بين رهبان الدير أدى إلى أن يترك الدير ويعتزل الرهبنة منزوياً في قرية (زغرتا) القريبة في شمالي لبنان ليعمل معلماً للأولاد هناك، وتوضح قصيدة مدى معاناته في هذه الفترة من حياته، حتى أنه قصد طرابلس مبتعدا عن بيئة الدير، حيث ورد في صدرها أنه نظمها في طرابلس وهو "يندب حاله بشدة نما دهمه من التجاريب ثم يشجع نفسه على احتمالها، يؤنس نفسه ويلومها"، وثمة قصيدة غير مؤرخة تكشف عن "إنفصاله عن جبل لبنان مغتاضاً"، من المحتمل أن يكون لها تعلق بأزمة الدير المذكور. وقصيدة أخرى غير مؤرخة "مضمناً واقعة حدثت له مع أحد الخارجين وهو في طرابلس"، وأخرى "يشكو من الدهر ويعاتب بعض إخوانه"، وثمة قصيدة غير مؤرخة لكنها تتصل بسابقتها من حيث الموضوع، نظمها "في واقعة حدثت له مع واحد خان ما كان قد وعد به، ثم انفصل منه لخيانته، يقول فيها:

ذهب الناكث عنا    فاصطلحنا واسترحنا

راح يشكونا ونشكو  نحن ما يشكوه منا

ما كفاه من دَهاه    قد رزئنا وافتضحنا

ليتنا ينسى فننسى   فعله لفظاً ومعنى

ونواري باحتشام   كل ما يفعل معنا

نشكر الله بأنا     عن حماه قد نزحنا

ولكنه ما أن سمع بنبأ انتهاء ذلك الخلاف حتى عاد إلى الدير مرة أخرى، ثم تركه ليتولى رئاسة دير اليشع النبي، قرب زغرتا،، حيث نظم قصيدة أخرى جاء في صدرها أنه نظمها "عند رجوعه إلى ديره المعروف بدير اليَشع النبي في قرية بشرى"، ومطلعها:

لو كان للأفلاك نطقٌ أو فمُ     لترنَّموا بمديحك يا مريمُ

وقصيدة يمدح القديس يوسف في ديره في قرية زغرتا، ويظهر أن مدة رئاسته لهذا الدير كانت حافلة بالنجاح، فإننا نجد قصيدة رابعة له "يمدح رهبنة اللبنانيين ويمدح ديرهم دير اليَشَع النبي في سفح الوادي المقدس من جبل لبنان في قرية بشرى"، ويذكر إقامته " وهو في دير مار اليَشع النبي من الوادي المقدس في جبل لبنان"

وكان مع ذلك كثير التردد إلى منطقة كسروان في لبنان، لأننا وجدناه فيها "يمدح ملته المارونية في كسروان" سنة 1707، وله قصيدة يمدح فيها كسروان نفسها في السنة نفسها، وثمة قصيدة مؤرخة في سنة 1718 موضوعها الحواس الخمس الباطنة، وهي الذكر والتصور والفكر والفهم والإرادة، نظمها "وهو في بلاد كسروان".

سنة1710

ثمة ثلاث قصائد مؤرخات له في هذا العام، الأولى في مدح العذراء وذكر مولدها وهو موضوع طالما تناوله في كثير من قصائده،، والثانية يصف فيها " الضر الناشئ عن الخطية ويعاتب مرتكبها" إلا أن القصيدة الثالثة منها تكشف عن متاعب اجتماعية أخرى و(تجارب) مؤلمة، وكان يشكو فيها "من أحد إخوانه ومن التجارب التي ألمت به".

سنة 1711

سافر فرحات إلى روما، ومن هناك قام بجولة في بعض دول أوربا، ولذلك نجد له في في السنة نحو تسع قصائد مهمة مؤرخة، أما الأولى فهي حين وصوله (بلاد النصارى) على حد تعبيره، وربما يقصد أوربا، وقد وصف فيها "غربته" في تلك البلاد، و"يذكر اخوته الرهبان الذين فارقهم في جبل لبنان"، وشرع يعاتب نفسه ويحاسبها قائلا:

نصحتكم  واتخذت  الغيَّ  لي   عَمَلاً    لذاك  نُصحي  لكم  قولٌ  بلا   عمل

أنا  المريضُ  فلا   تغررك    عافيتي    ما أقبحَ القولَ  من  دَنْفٍ  لكَ   اعتَدِل

أدركت  موتي  وما  أدركت    غايته    من  توبةٍ  عن  طريق  الإثم   والزلل

خالفتُ شرعَ الذي  بالشرع   خلَّصني    أَهنتُ    عزَّتَه    بالجد     والجدل

ثم عرج من ذلك إلى مديحه "السيد المسيح ووالدته"، ثم نجده يصل روما، فينظم قصيدة ثانية "يمدح رومية الكبرى حين دخلها"، قائلا

صخرةَ   الإيمان    صارت    وعَرَفتَ   الصخرَ    ماكن

فاتخذها    لك     أُسّاً    أبداً   من   غيرِ    لكن

وتأخذ المدينة التاريخية الكبيرة بلبه، فكان أن زار ضريح القديس بطرس ومدحه في قصيدة ثالثة، وأثارت روما بجوها الروحي شجونه فشرع يعاتب نفسه، ويلومها على ما فعله في حياته، فنظم قصيدة رابعة "ينعى سوء سيرته"، وكان كثيراً ما يتذكر "وطنه واخوته الذين فارقهم في جبل لبنان حين رحل عنهم إلى بلاد الغرب"، وقد نظم قصيدة رابعة له في ذلك المعنى أرسل بها "إلى أحد إخوانه في الديار المصرية"،

عيني   لتلك    الناحيهْ    لَفتاتُها          متواليهْ

تَذري   الدموع    سخينةً    من    جفنها     متتاليه

فتَظلُّ   من     أشواقها    تبكي    بعينٍ     هاميه

تبغي    ديار      أحبةٍ    كانت   عليهم    راضيه

وقد وصف فيها أيام له مضت بين الرهبان في أديرة لبنان حيث كانت له فيها ذكريات عزيزة، وفيها وصف طبيعة تلك الأماكن الخلابة

لهفي على  زمنٍ   مضى    مع  إخوةٍ  في    الباديه

في ذلك الوادي الذي  ال    أفراح    فيه      وافيه

فكأنه     لي      جنةٌ    وبه    قطوفي     دانيه

فيه    النفوس     أمينةٌ    وبه    الملائك     واقيه

تهتز    لي     أغصانه    فكأنها    بي     هازيه

والريح    تنقل     بيننا    أخبارَه         كالواشيه

فيه   السواقي    جاريهْ    ليس   الجواري    ساقيه

ورياضه         كزهوره    غضبَى   وأخرى    راضيه

والورق  إن  ناحت   بدت    عين   السحائب    باكيه

يا  أيها   الوادي    الذي    فيه    الفضائل     راقيه

قد  ضمَّ   من    رُهبانه    من  كل  نفسٍ    غاليه

وفي قصيدة خامسة نجده يُذكر أخا له من والديه في حلب فنظم فيه مدحه قصيدة أرسلها إليه وهو مقيم في روما، وقد عبر فيها عن شوقه إلى مدينته حلب، فمدحها وأثنى على ربوعها ونظم قصيدة سادسة في وصف منطقة قزحيا حيث دير انطونيوس، فجاءت حافلة بالشوق "إلى الوادي المقدس وهو في رومية، ثم يمدحه ويصف حسن آثاره"، و"لأمر ما" نجده بعد حين من ذلك العام، يغادر روما متجها إلى صقلية، ومنها انتقل إلى مالطة حيث نظم قصيدة "لما حل في جزيرة مالطا، وبلغ جزيرة ميس من بلاد الروم وقد اعتراه مرض" ولا توضح سيرته نوع ذلك المرض الذي أصيب به، ولكننا نقرأ له قصيدة غير مؤرخة تشير إلى إصابته بمرض الاستسقاء. وتقول مصادر سيرته انه قصد بعد ذلك إسبانيا متفقدا ما فيها من اثار العرب وقد حصل فيها على بعض المخطوطات ونقل عددا منها الى لبنان بينما لا نجد في قصائد الديوان أي إشارة الى إقامته في اسبانيا اصلا.

سنة 1712

شهدت هذه السنة عودته الى بلده ولذا فإننا نقرأ أربع قصائد مؤرخة في هذا العام، توضح أولاها "حاله لما رجع إلى بلاد الشرق"، وقد رثى فيها هذه الحال، وأما الثانية فقد نظمها بعد أن استقر في دير اليشع النبي، وموضوعها في "نبوءات البتولات"، ويظهر أنه انصرف بعد ذلك إلى العبادة، فدخل محبسة ماري بيشاي الكائنة قرب دير قزحيا. ومكث عاكفا على حياة رهبانية فيها الكثير من شظف حياة الرهبان، فضلا عن التأمل والقراءة والدرس، وهو يقول في مطلع قصيدة نظمها هناك:

ليسَ للرهبان عيد     يبتغون فيه الشراهة

والقصيدة الثالثة لا تتحدث إلا عن الصلاة،، والظاهر أنه رأى بعض الرهبان قد تركوا، أو توانوا، عن أداء هذه العبادة، فقال:

كفاك يا راهباً إن كنت تتوانى      عن الصلاة وكنت لذاك كسلانا

إسعاف موكب رهبان وقد نهضوا    ليلا لناقوسهم والحين قد حانا

لا تشكُ ضيقاً بليل قمته متشحاً      ثوبَ الصلاة به إن كنتَ سهرانا

يسُرّ إبليس حين يراك منقبضاً      ولا يزال يريك الربح حسرانا

يريك ضعفاً بجسم عاد منتصراً     عن الصلاة وعن ما عاد خذلانا..

وبعد عدة أشهر غادر مختاراً محبسه هذا، متجهاً إلى طرابلس، في جولة يتفقد فيها الأديرة هناك، حيث وجدنا في الديوان قصيدة رابعة مؤرخة في هذا العام يمدح فيها (كيراتناسيوس البطريرك الانطاكي) وذلك "حين دخل طرابلس يزور ديورتها". بينما تذكر سيرته أنه قصد، بعد أن غادر محبسته المذكورة، دير اليَشع حيث أقام مدة، لكن قصائد هذه السنة لا تشير إلى ذلك.

سنة 1713

ثمة خمس قصائد مؤرخات في هذا العام، يظهر من أولاها أنه ترك طرابلس، أو دير اليشع، قاصداً موطنه الأول حلب، وذلك للوعظ والتبشير، وكانت الحياة الرهبانية في حلب تعاني عهد ذاك من تردٍ لاحظه، فجاء في مقدمة إحدى هذه القصائد أنه نظمها "يصف حال المتكبرين عند دخوله حلب، يعظ للتبشير" بينما كان موضوع القصيدة الثانية مدح مريم العذراء، لكنه عرَّج فيها إلى "ذكر ديره وأخوته الرهبان وهو في حلب"، فقال متشوقا إليهم:

يا ساكني  لبنان  دونَكم   امرَءاً    ما  زال  ينشد  فيكم   ويقول

إن الخيام كما  علمت   خيامُهم    لكن  لها  في  النازحين   ضليل

قفل الخليطُ وليس قلبي   قافلاً    عنكم وإني  في  الرحال   قفول

قد أقفرت مني الطلول   وحقكم    ما  أقفرت  مني  رُباً   وطلول

لكن  لي  قلباً  إليكم   شيقاً    أبداً  وطرفي  بالرضا    مكحول

فالعين إن رمقت وإن دفقت  معاً    فبنَقدها  كرُمت  لدي    أصول

ما حل ركبي في الرحال  معرِّساً    إلّا  ولي  في  القاطنين   حلول

عذَل العذولُ بكم ولم يك  عالماً    أني   لديه   عاذلٌ    معذول

أوسعتُه   عتباً   فقال    موارباً    أنا   عاذلٌ   وجنابكم    معذول

إن السماء ديارهم لكنني   اس    تسقيته    ولشرحه     تأويل

دعه ولذ  بحمى  البتولة   مريمٍ    مستعصماً   فملاذها    المأمول

إن الذي أضحى  ومريم   رشده    لم يغوه الشيطان  وهي   دليل

وفيها نجده "يتهدد الزنادقة على لسان المسيح" وفي قصيدة ثالثة، نراه "يصف رؤيا يوحنا الحبيب"، ويمدح مواطنه الحلبي "مفسرها المار يوسف القس الحلبي الماروني".

سنة1714

لم يغادر حلب، فإن له في هذه السنة قصيدة في "مدح صديقه نعمة الله الحلبي".

سنة 1716

ثمة ثلاث قصائد تحمل تاريخ هذه السنة، الأولى في يوحنا الحبيب، ويحتمل أنه نظمها وهو لما يزل في حلب، أما القصيدة الثانية فواضح أنه نظمها بعد انتقاله إلى لبنان، لأنه مدح فيها "أحد الأمراء المسيحيين"، وإن لم يذكر اسمه. وتكشف القصيدة الثالثة عن انتدابه "رئيساً عاماً على الرهبان اللبنانيين سنة ألف وسبعمائة وست عشرة بعد رجوعه عن حلب". ويظهر أن المسؤولية الجديدة كانت ثقيلة فعلاً، لأننا وجدناه "يشكو من ثقل الرياسات، ويبين عظم خطرها، ويوبخ راغبيها" وذلك في مقدمة لتلك القصيدة.

سنة 1717

له في هذه السنة ثلاث قصائد، إحداها يستنجد فيها بالسيدة العذراء، نظمها وهو "في دير لويزة من بلاد بيروت"، وموضوع القصيدة "واقعة حدثت له مع أحد الظالمين، متوجعاً من جنونه وعدوانه"، وليس في القصيدة ما يوضح تلك الواقعة وهوية من ناصبه فيها ذلك العداء. أما القصيدة الثانية فهي في "ختان السيد المسيح"، وأما الثالثة فهي في وصف المرأة، وتتضمن هجوماً عجيبا عليها، ويظهر أن القصيدة جاءت على سياق موقف تقليدي تردد في كتابات "الآباء القديسين"الذين كانوا يعمدون إلى تقديم صورة منفرة للمرأة في سعيهم لدفع الوقوع في علاقة محرمة، وليس لسبب لآخر.

سنة 1718

نجده في دير لويزة مرة أخرى زائراً، كما ورد في مقدمة إحدى خمس قصائد أرخها في هذه السنة، وموضوع القصيدة في وصف ما سماه "الحواس الخمس الظاهرة"، وفي قصيدة ثانية نجده "يوبخ الراهب الخبيث في رهبانيته"، ولا ندري إن كان هذا الراهب هو نفسه من وصفه في السنة الماضية بالجنون والعداء. أو أنه شخص آخر اشار إليه في مقدمة قصيدة لا تحمل تاريخاً ووصفه بأنه "كان يقدح بذوي الإيمان المستقيم" والظاهر أن دعاواه أدت إلى إثارة الجدل بين الرهبان إذ "كان المؤمنون يبغض بعضهم بعضا من قبل الشكوك والهذيانات التي كان يوردها بافترائه على أهل الإيمان الكاثوليكي". وكان رئيس دير من أديرة رهبانيته قد طلب منه أن ينظم به قصيدة في مدح رسل السيد المسيح الإثني عشر "ليكتبها تحت أيقونات الرسل القديسين في كنيسة جديدة على اسم السيدة مريم"، ففعل، ونجد له قصيدة أخرى غير مؤرخة، في الدينونة، نظمها في غرض مشابه فقد "استنشدها إياها راهب من إخوته المصورين ليكتبها على صورة"، وفي السنة نفسها نجده ينتقل للإقامة في دير مار يوحنا، ذلك أننا نقرأ في مقدمة القصيدة أنه نظمها "ينبه الآباء ويحضهم على صيانة بنيهم من شر العشرة التي تفسد عقول الصبيان وتُدنِّس أنفسهم وأجسادهم وحواسهم بالزنا وآباؤهم لا يعلمون"، وكان ذلك "في دير مار يوحنا من قرية رشميا في بلاد الدروز، وقد أرسلها إلى أحد محبيه في مدينة حلب". ونقرأ في قصيدة أخرى، لكنها غير مؤرخة، أنه كان "في دير ماري يوحنا" رئيساً، وقد حث فيها على اقتران العلم بالعمل، حيث "وبَّخ فيها العالم إذا كان لا يعمل".

دير مار يوحنا في لبنان

ولا نجد في الديوان قصيدة تحمل تاريخاً بعد سنة 1718، ومن ثم فإننا لا نعلم، وفقاً للديوان، المراحل التالية من حياته، على أن مصادر سيرته تشير إلى أنه قصد في هذه السنة دمشق، بناء على طلب من رؤسائه، لأعمال الرسالة، وثمة بيتان في الديوان يذكر فيها دمشق فعلاً، لكنهما غير مؤرخين، هما:

بدمشق أبصرتُ النموم مجبراً   يشكو الورى يوماً ويوماً يشكر

تالله ما زالت دمشق مليحة     لكنها فيكم تُذمّ وتهجر

وفي البيتين تنويه بما واجهه من متاعب بسبب نميمة بعض من صادفهم هناك.

وعلى أية حال فإنه قام بوظيفته خير قيام، فكان أول من أجرى طريقة الوعظ في وقت الغروب من كل جمعة من الصيام الكبير. وتقديرا لأعماله فقد كافأه البطريرك يعقوب عواد بترقبته إلى درجة الأسقفية بتاريخ 29 تموز 1725، واتخذ اسم جرمانوس بدلا من جبريل، تيمناً بالقديس جرمانوس بطريرك الأسقفية، وفي 8 كانون الأول من السنة نفسها توجه إلى حلب حيث فقضى سنواته التالية مشغولا بمهامه الدينية، فضلا عن اهتمامه باللغة العربية، فنقل إليها المزامير والإنجيل والكتب الطقسية المارونية، وأبدى نشاطاً واسعاً في مجال تعليم العربية، ولبث مشغولاً بأعباء منصبه حتى وفاته في التاسع من تموز من سنة 1732.

ذكر بعض من ترجم له أنه دخل سلك الرهبنة في هذه السنة على يد البطريرك اسطيفان الدويهي الماروني والذي يظهر من ديوانه أنه كان راهبا حينما غادر حلب إلى لبنان.

طبع في مكتبة لبنان ناشرون، بيروت 1995.

طبع في جامعة الروح القدس، الكسليك، لبنان 1988

طبع في دار المشرق في بيروت سنة 2001

طبع في دار المشرق 1990

تزايد عدد الكتب التي وصلت إلى هذه المكتبة، من المجموعات النفيسة المهداة، حتى بلغت نحو 700000 كتاب، عدا ما يقدر بلاثة آلاف متر من المخطوطات.

على الورقة الأولى من المخطوط عنوان كتبه أحد المتأخرين هو (ديوان السعيد الذكر المطران جرمانوس فرحات الماروني)، وعبارة غير واضحة تماما يقرأ منها (كتب.... في 15 شهر آذار سنة ألف وسبعمائة وتسعة وتسعي سنة 1799 مسيحية) ووقفية نصها (وقفاً مؤبداً وحبساً مخلداً برسم وتملك الرهبنة اللبنانية سنة 1828 مسيحية عربية.. وقد خصصنا هذا الكتاب بمكتبة دير... ولا نسمح أن يخرج من الدير تحت... غصب...)

وهي محفوظة في المكتبة تحت العدد 1039

الاسكيم حزام من الجلد فيه مجموعة من الصلبان يلبسه الراهب حين دخوله في الرهبنة، أو عند التقدم في الحياة الروحية، وللبسه طقس خاص، كما يتوجب على لابسه واجبات عدة، وفق قوانين خاصة، تزيد على ما يطالب به سائر الرهبان.

الاصطباغ لغة: التلون بشيء

ص145

ص342

ص193

ص105

ص85

ص361

ص176

الأيم هنا: الحية

ص115

ص65

ص138

ص93

ص75

ص6

اشموني امرأة صالحة من صعيد مصر، صلبت في سنة 283م، أما الدير فبني سنة 1339م، ينظر الأب يوسف يمون، نبذة تاريخية مختصرة عن دير مرت مارا،

تنظر ترجمته في لويس شيخو: شعراء النصرانية بعد الإسلام، بيروت 1982، ويوسف داغر، مصادر الدراسة الأدبية، بيروت 2000، ومارون عبود: رواد النهضة الحديثة، بيروت 1952، وجرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج4، ص13 والزركلي: الأعلام ج2 ص110 ومجلة المشرق، السنة 7، شباط 1904، العدد3، ص105-111 وعيسى فتوح: الموسوعة العربية ج18 ص382.

ص404

ينظر ajdadalarab.wordpress.com

ص249

ص38

الص40

ص54

ص83

ص151

ص91

ص217

ص100

ص169

ص59

ص87

ص163

ص69

ص356

ص239

ص398

ص430

ص106

ص118

ص396

ص369

ص128

ص133

ص430

ص74

ص183

ص183

ص374

ص386

ص385

ص390

ص390

ص400

ص306

ص309

ص309 أيضا

ص219

ص312

ص338

ص317

ص321

ص343

ص346

ص360

ص376

ص306

ص399

لويزة هي بلدة جزين الكائنة إلى الجتوب من بيروت بنحو 88كم.

ص398

ص393

ص401

ص411

ص411

ص430

ص403

ص433

ص435

 

 

985 عبدالستار نورعليشاعر متمكن من موهبته الشعرية الفذة. يبحر في الحروف الشعرية الجميلة، في لغته الرشيقة. والعميقة في الصياغة الصور الشعرية البليغة في مدلولاتها. يطوف بقيثارته الشعرية، المحطات والمرافئ، وارصفة المنفى والتشريد والتهجير. انه سندباد الشعر في الهموم الغربة ومحطات المنافي، بلا كلل ولا وهن. طالما الحنين والشوق يهزه من اعماق وجدانه. من اعماق المعاناة الانسانية. من معاناة العراقي، الذي اصبح حقيبة سفر، في التشرد والغربة، ويخوض اعماق محنته الى المنافي الغربة. لكنه يأخذه الشوق والحلم، أنه شاعر حالم رغم المحنة التي تغلي وتفور في الضلوع. أنه حالم رغم لوعة الالم. يتنفس بشوق وحنين رائحة العراق. أنه يحمل العراق في اعماق وجدانه. ولا يكف عن حب العراق، طالما يتنفس هواء الحياة، يحمل معاناة العراق في شعره ووجدانه، لذلك يعزف في الناي والربابة، ليثبت انه عراقي المنشأ والاصل، عراقي يلبس ثوب نخل العراق.. لذلك يجد الشعر وسيلة للدفاع عن صرح العراق، ويعلن للملاء محنة العراق، إلا بقيثارة الشعر وايقاعها الرنان. يسهر الليالي بأرق العراق. ويحلم من السحب والغيوم الكثيفة، ان تمطر لو مرة واحدة، لتغسل احزان العراق. تنشف دموع المعذبين والمعدومين. هكذا يصهل بكلمات الشعر، بالحب المقتول والمغدور، كالحلاج الذي صلبته الكلمة الشريفة والنزيه، صلبه العشق والحب والهوى للناس والحياة، لم يهادن محاكم التفتيش. لم يغازل الاغنياء والسلاطين، ودافع عن شرف الكلمة ونقاوتها، من ان تتلوث بالسواد. هكذا صدحت المجموعة الشعرية (على أثير الجليد). بما تحمل من عذاب ومحنة. لكنها في نفس الوقت تحمل الحلم بالغرض النبيل. يضعها في صفاء الذهن والرؤية. يضعها في خمرة الشعر بحلاوته الجميلة. يحمل عالمه الصغير (العائلة) وعالمه الكبير الاكبر (الوطن / العراق). لذا فأن قلبه مشطوراً الى نصفين، ولكن يغطيهما بالحلم الاتي بالغد. هذه المديات الجمالية، سكبت حروفها على أثير الجليد والثلج في البرد والهجير. ليتدفئ بنار الشوق والحنين. عسى ان يطل باب الفرح. بعدما طفح الكيل. لكن انطلقت صفارة الانذار، لتكسر سارية الفرح.

دقَّ طفل مشرقي بابَ الفرحْ

لم يجيبه أحد،

تزاحم الخيول

تنتظر السباق نحو ساحة الفرحْ

فأنطلقت صفار الانذار

قد كسرت سارية الفرحْ

لذلك لم يبق له وسيلة، سوى العزف على الناي، ليسكب اوجاع القلب بلحن حزين، الذي لم ينام، ولا يتعب من الترحال والتجول في محطات التهجير، وارصفة الغربة، وفي عز البرد والجليد. من معاناة الهجير والترحال. يستيقظ حادي عازف الربابة، يعدو، يصرخ لكن صوته يضيع ويتيه بين الرمال والكثبان.

يا أيها القلب ما نام

من كثرة الترحال.....

والتجوال...

والتهجير !

ما تبتغي

من بعد هذا البرد والهجير ؟

------------

أستيقظ الحادي

يعدو على رجليه

يصرخ خلف الريع والركبان

وصوته يتيه بين الرمل

والكثبان

ويأخذه ويهزه الشوق والحنين الى الوطن الراقد في اعماق الروح والقلب. يتقاسمه خبز الحنين. يمسد نبض الوطن المكلوم، في لوعة ولهب وشجن ووحشة، والاشتياق يهزه من الاعماق. حين يشم ريح الوطن البعيدة، والقريبة من جدران القلب

المطر الهامس يبكي

يزحف

والقلب غريق في الرهبة

في الوحشة

- ألو بيروت !

ألو بغداد

لوع.. شوق... لهب..

شجن.... يقفز.. يقتربُ

من بين خزائن جرح نار تلتهبُ

يهبط الثلج فوق سور الليل، في صمت وشجون، ليشعل نار الشوق. مصلوباً على شمس الغد، او ما بعد الغد، برودة أمل تسري على اوتار القيثار بدون حد

الثلج يهبط فوق سور الليل

والشجن المسجى غصنها في الصمت

والشوق الحزين

تسبح في الشمس غداً

أم بعد غدْ.

برودة تسري على القيثار دون حد

تمضي السنون وتتساقط الاوراق والفصول. والعراق في غابات الادغال الوحشية. يحمل مأساته، كصخرة سيزيف، يحملها على ظهره في معاناة الهجرة والتهجير والترحال. كأنه حقيبة سفر بين المحطات وارصفة الغربة. اصابه وباء التشرد والتهجير. ويطوف في المحطات الصغيرة والكبيرة، بجوازات بأسماء مزورة، ولكن بقلب العراق وثوب النخل العراق

 (يا فشلة الملهوف ويدور هله بمحطات)

صرنا محطات

حقائب

تسميات في جوازات مزورة

خلقنا كل رسم غير أسمك يا..........

من أين جئت ؟

من العراق

واين شبتَ ؟

في العراق

واي ثوب ترتدي؟

نخل العراق...

 هكذا اصبح العراقي حلاج جديد، يطارده الموت والصلب. اينما وجد، واينما صهل بخيول الشعر، تنادي بالحب والعشق، وبأسمه يدعو الى منازلة الاغنياء والسلاطين، الذين سدوا هواء الحياة وحرموا الفقراء من رغيف الحياة. ولم يعرف للخوف طريقاً. ولم يهادن بالحب والهوى. من قصيدة (الحلاج مصلوباً).

لوحةُ الشعراء تنادي الحبَّ

من بين صهيل الشعراء

واهتزاز الاتقياء

هو ذا الحلاج مصلوباً

ويزهو

دون ان يعرف للخوف طريقاً

او رفيقاً

لم يهادن في الهوى لوناً

سكوناً

بأسمك اللهم يدعو الفقراء

لنزال الاغنياء

وحروب الاقوياء

فكل يوم محنة في اشرعة المنفى، هربا من غابات الادغال الوحشية، بالاشباح والاضداد.ويموت شاعر بصمت حزين في المنفى، رغم ان روحه تصعد مع السماء، لتواجه الحساب في ثوب وقلب ابيض ناصع البياض، بالدفاع عن صرح الوطن، وحق الفقراء في رغيف الوطن. قصيدة الى الشاعر الراحل (رشدي العامل).

في كل يوم هجرة،

فشاعر يحط بين غابةٍ

تلتف بالاشباح والاضداد،

وشاعر ينام في أردية الاضداد،

وشاعر يغفو مع الصمت لظىً

منتظراً أشرعة النداء،

وشاعر مات مع السماء،

في كل يوم هجرة...

منفى.. رؤىً...... صمتاً.... واختفاء،

وقد كتب النزال والنفي على

الشعراء

الانبياء

في زمن يسد باب الاتقياء،

هذه مزامير الشرق الحزينة، تتلوى بوجعٍ على ابجدية المجموعة الشعرية (على أثير الجليد).

 

جمعة عبدالله

 

صالح الطائيقراءة انطباعية في مجموعة نهر بثلاث ضفاف ليحيى السماوي

حينما اهداني نسخة من مجموعته الشعرية عيناك دنيا في حديقة كلية الآداب بالجامعة المستنصرية بحدود عام 1972، كنا لما نزل نرفل بعز الشباب، غير متعودين على سبر أغوار المجهول والتنبؤ بالقادم، ربما لأن الأمن الصدامي والأمن الجامعي كان يرصد كل حركاتنا بما يدفعنا عنوة لأن نقصر أحلامنا على ساعات من الأمان بعيدا عن شرهم..   

حينها لم اكن اتوقع ان صديقي الشاب النحيل بشعره الذهبي اللماع وعيناه الزرقاوان، وبشرته البيضاء وبدلته التي تبدو وكأنها أستلت من شعاع الشمس سيتحول إلى حقيقة تملأ الدنيا وتشغل الناس، ولاسيما واننا افترقنا سنين طوال، لأغامر في تسعينات القرن الماضي بالسفر إلى السماوة باحثا عنه ومتحديا خوفي من رجال الأمن، ولأصدم بخبر موته المزعوم الذي هد حيلي وملأ قلبي حزنا وروحي كمدا.

خلال تلك المرحلة انطوت صفحة يحيى من خيالي باستثناء إلماحات استدعيها من أعماق الذاكرة حينما أسمع كلمة دنيا أو اسم يحيى لأبدأ بالترحم عليه والتأسف على شبابه المفقود، ومن ثم أنخرط بسيل من السباب والشتائم واللعن لرئيس النظام وحزبه وزبانيته. ولذا شعرت كالملسوع حينما قرأت بعد عام 2003 بسنوات اسم (يحيى السماوي) في أحد المواقع الالكترونية بعد أن دخل الانترنيت إلى العراق بشكل علني، فبادرت إلى مراسلتهم مستفسرا عن هذا السماوي من يكون؟، أهو يحيى بن عباس بن عبود السماوي؟ ولم يجيبوني بالرغم من تكرار السؤال، ولم أبدأ البحث، لأني كنت لما أزل قليل الخبرة بالحاسوب ولا أعرف كيف يستخدمون الانترنيت إلا بقدر محدود جدا، إلى أن دخلت عن طريق المصادفة، وكانت المرة الأولى، إلى موقع صحيفة المثقف الغراء لأجد اسم يحيى ماثلا أمامي، فبادرت إلى مراسلتهم والاستفسار منهم، وحينما لم يجيبوني، اعتقدت أن هذا الموقع لا يختلف عن ذاك، ثم كانت المفاجأة حينما استلمت من يحيى رسالة طويلة سرد فيها ما مر به من قهر الطغاة إلى أن حمل السلاح على أمل التغيير ولم ينجح، مما أضطره إلى الهرب خارج البلاد، وأنه يعيش الآن في أستراليا ولديه عائلة وأولاد، حيث تبين ان موقع صحيفة المثقف حول رسالتي إليه ليجيب عليها وهذا لطف كبير منهم لا زلت أحمله جميلا لهم في عنقي.

كانت هذه المفاجأة مفتاح عودة العلاقة الأخوية مع يحيى السماوي، وخلال هذه المدة كان كريما معي، فهو فضلا عن زيارته لي في بيتي وكثرة الرسائل والتهاني التي يبعثها، أهداني أغلب مجاميعه الشعرية والكتب التي ألفت عن تجربته، منها على سبيل المثال:  مسبحة من خرز الكلمات، شاهدة قبر من رخام الكلمات، لماذا تأخرتِ دهرا؟،  مناديل من حرير الكلمات، بعيدا عني .. قريبا منك، تعالي لأبحث فيك عني، أطفئيني بنارك. وهي غالبا مجاميع ما بعد سقوط النظام البعثي، بينما حرمني الفراق بهجة الحصول على مجاميع التسعينات ومنها:  قصائد في زمن السبي والبكاء  قلبي على وطني ، جرح باتساع الوطن، الاختيار، عيناك لي وطن ومنفى، رباعيات، هذه خيمتي.. فأين الوطن، أطبقت أجفاني عليك، الأفق نافذتي، زنابق برية، نقوش على جذع نخلة، قليلك ... لا كثيرهن، البكاء على كتف الوطن

مع هذا الفيض من عطاء السماوي الذي حل في بيتي وعلى عرائش مكتبتي وفي قلبي، شعرت وكأني لم أفارقه كل تلك السنين العجاف. حيث كنت أبحر مع بواخر شعره المحملة بالندى والربيع ومكامن الخوف والغربة والجوع، فأشعر وكانه جزيرة نائية كان قدري أن أجول أفيائها بحثا عن أسرارها التي ترفض البوح بها.

وكانت آخر هدية قيمة استلمتها من يحيى مجموعته الشعرية " نهر بثلاث ضفاف" التي سنحت لي الفرصة لأعيد قراءتها عدة مرات، مما حفزني للكتابة عنها لا بقلم ناقد بل بقلم قارئ، وبين قلمي الناقد والقارئ بون شاسع، وقد ألجأني لهذا الخيار سبب وجيه، فأنا بالرغم من كوني سبق وأن كتبت عن نتاجات السماوي عدة مرات إلا أني في كل مرة أنوي فيها خوض هذه التجربة أو أجد في نفسي رغبة للكتابة عنه، أشعر برهبة وتوجس وخيفة، والكثير من التردد، فالكتابة عن يحيى ليست أمرا عابرا طالما أن كبار نقاد الأدب العراقيين والعرب(*) قد تناولوا تجربته بالدرس والتمحيص، والكثير من طلاب الماجستير والدكتوراه تناولوا حياته ونتاجه في دراساتهم لنيل درجتي الماستر والدكتوراه، وبعد أن وضع الأخ والصديق لطيف عبد سالم كتابا بعنوان مرافئ في ذاكرة يحيى السماوي، وفضلا عن ذلك كله أجد نفسي لست ناقدا بقدر كوني متذوقا هاويا، ولذا كنت في غاية التردد وأنا أمسك الورقة والقلم وأضع المجموعة أمامي لأكتب عنها بعد أن أعدت قراءتها عدة مرات بل بعد أن قرأت بعض قصائدها أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أشعر بها وكأنها جديدة لم تمر علي من قبل، فتزيدني دهشة.

هنا يجدر بي الاعتراف قبل البدء بالقراءة بأمرين في غاية الأهمية:

الأول: أنه قد تكون لعلاقتي الأخوية بالسماوي أثرا على نوع كتاباتي عنه، وقد يكون لهاجس صداقتي به دافعا روحيا، يدفعني لأغمض عيني عن الهنات التي أتوقع أني سأجدها في المجموعة، ولكني وبكل حيادية أعلن ان مجموعات السماوي كلها ـ وهذه واحدة منها ـ تكاد تكون مقدسة بسبب كمالها وتكاملها من حيث الوزن والقافية ووحدة الموضوع والضربة والقفلة فضلا عن تصميم الغلاف والطباعة وحجم الحرف.

والثاني: تلك الكلمات التي نحتها البروفسور عبد الرضا علي من السكر، وغلفها باللوز والزعفران، وعطرها بالقرنفل والفل والياسمين، التي تصدرت المجموعة لتقدمها للذائقة، فكانت كالمصباح الذي يجلي ظلمة الطريق إلى فهم خيوط اللعبة التي حاكها السماوي بتجربة الناقد المطلع الخبير. وبضمنها الآراء التي أطلقها الدكتور عبد الرضا والتي كادت أن تكون شافية وافيه كافية بما لا يدع مجالا لغيره كي يبدي رأيا! كيف، وهو صاحب الرأي السديد والعقل الرشيد؟

من بين كل ما قاله في مقدمته الرائعة، أوهم الدكتور عبد الرضا علي الواقع بثلاثة آراء ناجزة، تحولت إلى حاجز أمني يصيب من يريد العبث بتراتبية مجموعة السماوي بالرهبة، رهبة الخوف من مقارعة سلطان العلم بسلطان أضعف! جاء في الرأي الأول قوله: "السماوي واحد من ابرز الشعراء المعاصرين الذين هضموا التراث الشعري العربي، وأفادوا من حالات الإشراق فيه، إلى جانب أن دائرة اكتسابه الثقافي والمعرفي واسعة ومتجددة، وتستحضره عند كل عملية ذكية في التلقي". [[مقدمة المجموعة، ص9]]]

وجاء في الثاني قوله عن السماوي: "أما ذائقته الموسيقية فهي من العلو بحيث لا يتربع معه على قمتها غير قليل"[[مقدمة المجموعة، ص9]]]

وجاء في الثالث قوله: "معظم قصائد هذه المجموعة لا تحتمل التأويل، أي لا تحتمل أي شرح أو تفسير، أو تحليل، وينبغي إبقاؤها بعيدة عن أقلام من يخدشها". [[مقدمة المجموعة، ص10]]]

وأنت مطلوب منك أن تنفذ من بين هذه الآراء لتعطي رأيا جديدا مختلفا أو تسكت دون ان تثير ضجيجا. من هنا تجدني متسلحا بحبي واحترامي لهاتين الشخصيتين القريبتين إلى نفسي لأندفع من خلال مسامات هذا الحب، كما يرشح الماء من بين حبات الرمل، عسى أن أجد ما غاب عن الدكتور عبد الرضا علي، ولا أظنه قد غاب عنه شيء، لأشير إليه بإصبع الفرح وعلامة الانتصار، ولا أظنني سأجد شيئا!.

77 samawi600

ولقد شعرت بالعجز الكبير أن أحيط بكل ما جاء في هذه المجموعة المليئة بأسرار مرحلة النضج السماوي، ولم أجد امامي مناصا من أن أكتفي بالتحدث قليلا عن إينانا في هذه المجموعة، ربما لأن السماوي بدء رحلته بالحديث عن هبوط إينانا، وإينانا هذه هي آلهة السماء والمطر والحب في الأساطير السومرية، وقد عُدت إينانا ابنة لـ(آن) رب السماء في اوروك، وفي نصوص أخرى ابنة لرب القمر (نانّار) وربة القمر (نينجال) وقد حملت إينانا في النصوص الأكدية اسم عشتار، وتابعت ذلك في النصوص البابلية والآشورية والأوغاريتية.

هذه الافتتاحية تكاد تشير إلى صلة تربط بين السماوي وحضارات العراق:

شقت ظلام الليل إينانا

فأيقظت المرايا

ألبستني بردة الفرح المؤجل[ص13]

وهي الصلة التي أوصلته إلى بدايات حضارة الإسلام "منذ عام الهجرة الأولى"[ص13] ثم نقلته إلى حيث الجغرافيا الأحب:

الماء الفرات

وسيد الشجر

النخيل[ص13]

لتوصله بعد ذلك إلى لحظة البوح الذي ينزف وجع السنين التي حولته من مطارد في بيته، إلى مهاجر حيث لا وطن، إلى الغربة، وضياع ملامح الأهل والأحباب والنخل والتراب وتنور الأم وأهازيج الوالد، وصولا إلى حيث تتربع السماوة على شغاف قلبه يعيش ليلها مع من يحب من الأصدقاء:

وعن السماوة

والظباء الفاتنات

.

.

وحدي وقاسم كنت في قصر الغدير

مهرولين وراء قافية

ونطنب في الحديث عن البلاغة والبيان[ص14]

وحتى هذه الرفقة تكاد تنتهي مثلما انتهت مسيرة وجعه ليعود وحيدا:

قبل انتصاف الليل

آذن بالذهاب إلى جنائن بيته الضوئي قاسم[ص14ـ15]

ولأنه شاعر أدمن التوجس، فهو الذي يعرف الوحدة ويجيد اللعب على أوتارها الحزينة:

فاقترحتُ عليَّ أن أبقى معي

لأعيد ترتيب الهموم

عساي أطفئ من حرائقها القليل[ص15]

هذه العسى التي لم يتحقق حلمها يوما وما زادته إلا غربة وتألما، دفعته عنوة ليفك الارتباط بأمس لم يورثه سوى الندامة والتوجع:

فاحزم فؤادك

وأخلع الأمس المقرح من كتاب اليوم

وأدخل آمنا غدك

الجميل[[ص17]]]

ولكن حضارات الأمس التي يتصارع موروثها في يقينه دفعه لأن يخلع عنه سطوته عسى أن يكون هو؛ الذي يعرف نفسه ولكنه سرعان ما أدرك أن زواجه بالموروث زواج نصارى لا انفصال فيه فأنشج:

اليوم قد أكملت عشقك، قال عشقائيل باسم

السومرية

وارتضيتك أن تكون لي الرسيل[[ص17]]

إينانا وكل ربات اليوم اللائذ بالظلمة، الغائر في عمق التاريخ لم تفارق محياه، فرسم صورا أخرى لميلاد إينانا[[ص18]]ُ] التي توحدت بأرض السماوة:

في أرض السماوة

يوم حط على سريري

هدهد البشرى بأول زخة عذراء

من مطر الهديل

فثملت من خدر

فما أدري أكان الوقت صبحا

أم أصيل

كل الذي أدريه أني صرت غيري

لم يعد حجرا جناحي

والسماء قريبة مني[[ص21]]

وعلى مر القوافي كانت السماوة هي إينانا التي يبثها الجوى، بعد أن نجح في خلط الماضي بالمستقبل في لحظة حاضر مترع بذكريات الطفولة والشباب:

خلعت خريفي

فارتديت من الفصول

ربيع إينانا المسيج

بالفصيل

فإذا ببادية السماوة واحة

والنهر طرز بالزوارق

والضفاف تفيض بالنسم

العليل[[ص23]]

تتردد إينانا وكأنها أيقونة العشق السومري التي اتخذها السماوي حرزا، فهي: "تحتال إينانا على قلقلي...فتشغلني برشف ندى زهور اللوز" وهو حتى حينما يكون: "بشغل عن هموم الأمس.. أقطف ما أشاء من القطوف الدانيات..فحيت ملت إلى يديَّ قطوف إينانا تميل"[ص26]

ورسم صورا أخرى لوصايا إينانا[ً27] التي رسم من خلالها صورة واضحة الرتوش له شخصيا وللأخلاق السامية التي يحملها، وتحدث عن فردوسها بعنوان "قبل دخولي فردوسها"[ص35]

سألتني قبل أن تدخلني فردوسها الأرضي

إينانا

وترضاني نديما

سادن المحراب

محراثا لتنور رغيف الانتشاء

ما الذي أغواك بي؟

قلت:

الذي أغوى بـ"شامات" فتى الغابة أنكيدو

وأغوى الملك الجبار كلكامش

عن العشب الذي ينجيه

من ذئب الفناء[ً35]

أما في "الوصية"[ص42] فتجد حوارا بين السماوي وإينانا:

أذكر يوما سألتني إينانا

ماذا توصي حين تموت؟

قلت

سأطلب أن يوسع قبري شبرين

وأن ينسج لي كفن خوصا

ومن الجريد التابوت

ويعطرني منك زفير

وهديل يلبسني ثوب سكوت

وفي هدهد البشرى[ً42] اعتبر إينانا هدهد البشرى الذي أنبأني .. من بعد غي.. أنني صرت رسول العشق.. في وادي المنى.. معجزتي .. المشي على صدرك، لا البحر.. بخفي شفتي[ص48ـ49]

انزوى بعد ذلك ليتضرع في محرابها:

للسومرية ربة الأمطار/ والعشب/

والجمال/ العشق، إينانا طباع النهر

حين تسير

تأبى الالتفات إلى الوراء[ص51]

وفي حديثه عن حبل إينانا[ص61] وعن المطر الذي ألجأه إلى الدخول لحانة ليجلس قرب موقدها وقدوم النادلة إليه:

شقت قميص الصمت نادلة

فألقت بالتحية

وانحنت

فرأيت من شق القميص حمامتين

ومس وجهي، أو يكاد يمسه طرف الجديلة

وضعت امامي قهوة تركية

واستدركت

هل من مزيد؟

قلت: قطعة سكر أو قبلة

ضحكت

وكادت أن تمد فما إلي

وأردفت

شفتاي أم مقلي الكحيلة [ص62ـ63]

ومن ثم دعوة النادلة له ليبيت لديهم، تذكر إينا وكأنها ترقب كل حركة يأتي بها:

أوشكت لولا

فارتجفت

ظننت إينانا تراقبني

فخفت عليَّ

من نزق الكهولة

فيم ارتجافك

قلت

من قلبي يشي بي عند إينانا

فإن الله

خص لكل رب سومري مثل إينانا رسوله[ص65ـ66]

ثم بعد أن تحدث عن بيع عروة بن الورد حصانه، وشمشون الذي اشترى جارية ليهرب من دليلة، أراد ان يصرح بحقيقة علاقته بإينانا فقال:

وأنا اعتصمت بحبل إينانا

أبشر بالبيادر جثة الصحراء

والأنعام والمرعي

ومملكة العوانس والطفولة[ص70]

وفي حزمة قصب سومري[ص79] تحدث عن إينانا واحدة وعن شامات، كلكامش، انكيدو، أوروك، وخمبابا، ومن خلال ذلك أراد ان يصف ساعات القهر التي مرت به:

وأنا حافي القلب

أفتش عني

منطفئ العينين

نداماي الأموات

حين رأتني

ذات سماوة حزن

أتوسد مشحوفا مهجورا

.

.

هبطت إينانا منقذة

فغدت دجلة

وأنا صرت

فرات[ص82]

وفي شراب من هديل[ص85] نسب إلى إينانا أنها هي التي أبدلت بؤسه نعيما:

قبل أن تومي لي

أن أدخل الفردوس إينانا

وتسقيني شرابا من هديل

ورغيفا من حنين

كنت سجاني وسجني

وسجيني

وعدوي في حروبي

بين عقلي وفؤادي

ويساري ويميني

أعرف الله

ولكن

لم أكن أعرف ديني[ً85ـ86]

أما في أزف الوداع[ص94] فإنه جمع كل ما لديه ليقيم لإينانا مأدبة:

فأقمت مأدبة

على شرف التي أحيت رميم الطين إينانا[ص95] فقابلته بالإحسان:

مدت إلي بعشقها طوق النجاة

وكنت قاب الجمر أو أدني

من الحطب المهيأ للحريق[ص97]

لقد كانت إينانا ذلك الرمز التراثي القديم الذي قدسته حضارات العراق هي اللقطة الرائعة التي وظفها السماوي في مجموعته هذه لتكون التاريخ والجغرافية والوطن والبيت والحبيبة والحياة كلها، كانت الملاك الحارس الذي يتنقل معه في مغامراته التي قادته بعيدا ليبقى سنينا يذرف الدمع على السماوة التي كانت يعبدها وكل ما يحبه فيها من أهل وخلان، وهي كانت ما أراد قوله في خلاصة الحياة[ص111]

منذ دهر

وأنا أركض وحدي

في سباق الفوز بالجنة او بئس المصير

مرة يسبقني الليل وأخرى أسبق الصبح

وفي الحالين

وحدي أركض الأشواط مجهول المصير

ليتني أعرف هل كنت بها الأول؟

أم كنت الأخير؟

آخر ما أريد التطرق إليه هو أن شعر السماوي فاز في كثير من الملتقيات العربية والعالمية الكبرى على مدى سنوات، ومن ذلك فوز ديوانه "قلبي على وطن" بجائزة الملتقى العربي في أبها عام 1992

فوز ديوانه "هذه خيمتي .. فأين الوطن" بجائزة الإبداع الشعري برعاية جامعة الدول العربية عام 1998 وعام 2008

فوز  ديوانه "نقوش على جذع نخلة" جائزة البابطين لأفضل ديوان شعر عام 2008

فضلا عن فوز السماوي بجائزة دار المنهل للقصيدة العربية وعدة جوائز أخرى منها درع ديوان العرب للعام 2007.

مجموعة نهر بثلاث ضفاف صدرت في حزيران 2019 عن دار تموز ديموزي، لوحة الغلاف بريشة الفنان عبد الله الشيخ، وهي من إصدارات مؤسسة المثقف العربي/ أستراليا بواقع 146 صفحة لا يمكنك تجاوز إحداها، وستجد نفسك مجبرا لإعادة قراءة كل صفحة منها مرات ومرات.

 

صالح الطائي

................

(*) من الذين كتبوا عن تجربة السماوي الأدبية:

الدكتور علي جواد الطاهر، الدكتور عبد الملك مرتاض، الدكتور عبد العزيز المقالح، الدكتور عبد الله باقازي، الدكتور غازي القصيبي، الدكتورعبد العزيز الخويطر، الدكتور جميل مغربي، الدكتور حسن فتح الباب، الأستاذ يس الفيل، الأستاذ فاروق شوشة، الدكتور محمد جاهين بدوي، الأستاذ حسين الغريبي، الدكتورة فاطمة القرني، البروفيسور توماس شابكوت، الأستاذ روب ووكر داون كولسي، الأستاذ انطوان القزي، الأستاذ شوقي مسلماني، وكثيرون غيرهم.

 

 

سعد الساعديقراءة في رواية باغاتِل للكاتبة العراقية سلاهب الغرابي

من خلال ادراج تنسيقي واضح انطلقت الكاتبة  سلاهب طالب الغرابي بروايتها باغاتل الصادرة مؤخراً عن دار المتن لتكتب مالا يمكن حصوله قطعاً، وأبداً لن يتحقق، باستعمال خيالها التي اشتغلت به على منطلقة من الواقع، المكان بشخوصه، والزمان بتوقيتاته .

العالم الخيالي تمحور بالحديث مع الموتى التي أسمتهم الهامسون، ومصاحبتهم لترسم الصور المختارة لكل حالة وشخصية تريدها البطلة باغاتل، والتي هي في الحقيقة الشخصيات المعدة من قبل الكاتبة سلفاً التي عرفتنا بمعنى الاسم باغاتل بعد سبع وأربعين صفحة من السرد المتسلسل لسيرة حياة البطلة وذكرياتها وهي ترويها لنا بعد موتها، وهو معنى الرواية .

باغاتل لم تعرف اسمها إلاّ بعد ان زارتها جدتها لأمها، المرأة المحببة لها، والتي عاشت معها كثيراً؛ سناء الجدة، التي تأتيهم بزيارات متتابعة وتمكث لشهور، تعلقت بها الطفلة الصغيرة باغاتل لكنها لم تسألها لماذا اسموها بهذا الاسم الذي هي من اختارته لها إلاّ حين زارتها ذات ليلة حضورياً بعد موتها، وليس حلماً أو من خلال خيال مصطنع، هناك عرّفتها الجدة بمعنى الاسم بعد ان روت حلم لها رأته، وهو قصة اسطورية يونانية عن تل (الكافيتيوس) في اثينا وسيدة بملابس الفرسان مع سيفها حيث حوصرت الجدة من ذئاب قرب كنيسة هناك، ما كان المنقذ غير تلك الفارسة التي عرّفتها بانها باغاتل المقاتلة من أجل السلام، وأن باغاتل تعني : هدية الرب، لذا اخبرتها بانها سترزق حفيدة قريباً تحمل نفس رسالتها .

نجد هنا الفكرة الفانتازية التوظيفية جاءت منسجمة لتفسير الاسم الذي هو معنى اسم الرواية أصلاً، لكن السرد السابق طيلة صفحات طويلة لم يبين لنا المستوى الفكري والثقافي للجدة سناء، وأين درست التاريخ، وكيف عرفت تل (الكافيتيوس) في حين والدة باغاتل هي ربة بيت لم نعرف عنها اي مؤهل دراسي تحمل، وهذا ما ورد في الصفحة الخامسة والأربعين: (لذلك كانت منشغلة بإدارة أعمال البيت كإعداد الطعام، والتنظيف من دون أن تطلب أي مساعدة  مني أو من أختي..) . ولم نعرف مستواها العلمي، ما يعني تاكيداً أن تكون الجدة أكثر علما من الابنة الشابة المتعلمة فعلا لانها كانت تساعد بنتيها في دراستهما أحيانا أو هو محض تفسير وضعته الكاتبة ونسيت التعريف بتلك الجدة وثقافتها ما لم نعرفه ربما ..!

هذا التفسير خرج عن السياق العقلاني للمتوقع والمتصور للسرد الحكائي ما يجعل القارئ يتساءل عن السبب، فمن لا يعرف معنى اسمه الغريب لماذا لم يتساءل عنه من أحد، مع ما أوقع باغاتل بإحراجات كثيرة لانها لغاية الرابعة او الخامسة عشر من عمرها لم تعرفه، وهو في ذاته خلل جزئي هنا غير مقصود قطعاً ..!

يضاف الى ذلك ما ذكرته الكاتبة في الصفحة الثامنة عشر والتاسعة عشر والعشرين والصفحة اللاحقة والصفحة الثالثة والثلاثين وما لحقها عن الحرب الاهلية اللبنانية بالمتن والهوامش جاء من نقل نصوص حرفياً من محرك البحث گوگل موسوعة (الوكيبيديا) تحت عنوان الحرب الأهلية اللبنانية، والحرب اللبنانية عام ٢٠٠٦ كان ينبغي الاشارة اليه، لان الهوامش جُعلت للشرح والتوضيح وذكر المصادر ويا حبذا لو فعلت حينما اشارت الى شريعتي وهي تقطف احدى مقولاته وكما فعلت في ديوانها الشعري هاجس النجاة والأنا؛ اضافة الى سرد آخر مستلة معلوماته من الانترنت وهذا ما نشاهده  حالياً لدى الكثير من الروائيين وهم بين حالتين من اما التناص، أو النسخ، اضافة الى سيرهم نحو شيء آخر، وهو رسم صورة الحبيبين العاشقين وهما ينشئان الاسرة السعيدة المثالية والخالية من الاخطاء بسيرة ملائكية كأنهما للابد في جنة . .

فالقارئ العابر لأول وهلة، ومن لم تمرّ عليه معلومات موثقة مطلع عليها مسبقا يظنها من فعل الكاتب وانتاجه وجهده رغم جهود الكاتبة  الحقيقية الواضحة في البحث من أجل جمع المعلومات المطلوبة، وهذا يبدو بوضح على سلاهب الغرابي وكم تعبت في جمع واقتناص المعلومة لتوظيفها في روايتها تشكر عليها كمعلومات تاريخية علمية حقيقية عامة ومفيدة في ذات الوقت، كل ذلك الذي تذكّرته باغاتل روته لنا وهي بعمر السادسة، من تفاصيل، وأرقام، وإحصائيات وتواريخ..!

تعود الكاتبة من جديد للولوج بنمط آخر من توسيع رقعة الخيال، وتدخل  مع البطلة لتسيح في ميتافيزيقيا خاصة وأيضاً في ما تعارف عليه من علم الباراسايكولوجي حين تقوم باغاتل بالتخاطر مع زميلاتها واقاربها وهي في سن الخامسة عشر: (وكنت اتمكن من معرفة ما بداخلهم تجاهي، أو معرفة ما يحتاجوه مني، وكنت أسعى لتلبية حاجات بعض زميلاتي) ص ٤٩

أغدقت الكاتبة على بطلة روايتها الروح المثالية المستقيمة لكنها كانت تأبى لبس الحجاب ولم ترتدهِ إلا في السنة الثانية من الكلية مع أنها تصلي ومن عائلة محافظة مبررة ذلك بأن العبادة سموّ روحاني لا يقتصر على المظهر وحسب .. في حين كانت باغاتل تعد اقاربها بانها ستلبس الحجاب وتقول مع نفسها) أظن بداخلي أني أكذب عليهم لان هذا اليوم لن يأتي)..ص٤٦

رسمت الكاتبة حروفها على الورق لتؤكد فنتازيا نصها السردي حين ذكرت الجن، ومخلوقات  مثل الطائر برأس انسان، والكلب برأس الافعى وهم يتجولون في بيت الجدة سناء ويسخرون من باغاتل أو يشدّونها من شعرها .

لم تغادر الرواية مصطلحات كثيرة في علم النفس مثل الشيزوفرينيا والاكتئاب والهوس وغيرها نتيجة الصراع النفسي لبطلة الرواية وما انتابها من قلق وتوتر وانفعال وأرق سلب منها النوم طيلة سنوات وهي ترى الموتى عياناً وجهاً لوجه لتخفف من معاناتها بالدعاء والصلاة وتلاوة القران والأذكار لتقع أخيراً في حب آدم استاذ القانون وجارهم من غير دينها في رؤيا من أحلامها قبل التعرف عليه عند وصوله من العراق مدرساً في جامعة بيروت . من هذا يتبين لنا بوضوح مدى استفادة  الدكتورة سلاهب الغرابي من تخصصها العلمي في علم النفس، لتضع أفكارها وبعض المعالجات للمرضى النفسانيين منهية بذلك السرد الحكائي بموت آدم في ليلة عرسهما الذي أسلم سراً قبل معرفة باغاتل، وهو من احبته بصدق وعنفوان،  بعد ان تحل العتمة  ويثقل سمعها ويعم المكان السكون بتصوير الموت كبؤرة للحدث، والبناء وانه النهاية الحتمية، لكنه كان اجمل شيء لآدم وباغاتل يتمنيانه وينتظرانه .

مع باغاتل البطلة المثالية الطيبة والمؤمنة بالله والتي تصوم لشهور أحياناً وتصلي مع الفرائض مستحبات كثيرة من صلاة للشكر وطلب الحاجة وكثرة اذكار وادعية وتلاوة قران، كان هناك بطل ثانٍ، هو ناصور رمز الشر، وهو من يهيئ للموت وأسبابه، وكأنه القوة المسيطرة على الدنيا متناسيه خالق الكون وجبروته كونها مؤمنة، والتي تخشاه (ناصور) دائماً باغاتل وتتشاءم منه حين يأتيها من العالم الآخر، ومع كثرة الهامسين معها كل ساعة لكن ناصور هو الأقوى، كما لو أنه رتب أمر الانفجار بين الحرمين في كربلاء اثناء رؤيتها له بدقائق قبل موتها شهيدة ممسكة بيد آدم الميت قبلها، وهذه اشارة من الكاتبة الى قوة الشر المسيطرة منذ آلاف السنين على العالم  وأن الخير، والحق والعدل ما زال ينتظر وقت ظهور سطوته الأبدية لنشر السلام .

جاءت لغة الروية سهلة واضحة بعيداً عن التزويق والتضخيم، وأحيانا بلغة الخواطر الشعرية وفقت كثيراً بها الكاتبة مع وجود اخطاء املائية ونحوية هنا وهناك تحسب عليها لكنها لغة إقناعية رصينة البناء واضحة المعالم قوّت وعززت السرد وحبكة القصة بلا فلسفة يختارها البعض في مثل هكذا روايات . كما لا يخفى التذكير بأن ما كتبته سلاهب الغرابي ينبئ عن مستقبل واعد لروائية قديرة جديرة بالاهتمام نظراً لخلفيتها الثقافية الواسعة، وعلميتها في تخصص مهم يسمح لها بالانطلاق بعيداً في الابداع .

 

سعد الساعدي

 

عبير خالد يحيىفي مجموعتها القصصية: ضغط عالي

أولًا- مقدمة:

-" لا يهم الزمن .. فنحن من نصنع الزمن والتاريخ، نحن نقدّم الحلم.. نعلو فوق السحاب .. نعانق الخيال، نعلّم الناس الإنسانية والحق والخير والجمال، والواقعية التي تتحدّث عنها لا تعني الانحطاط بأخلاق الناس، أليس هذا ما أقسمت عليه ضمائرنا يوم اتخذنا من القلم مهنة ورسالة ومن الكلمة شرفًا وأمانة؟".

هكذا فهمت سحر النحاس الأدب، وهكذا قدّمته لنا...

ولأن الأدب إبداع قِيَمي وأخلاقي، استغنى عن دلاله ولهوه ليقوم بمهام جسيمة، وتجنّد بطواعية ليكون في خدمة الأمة والمجتمع، واعتبرها أمانة ثقيلة تشبّثتْ في عنقه، حملها بكل نبل، ليدفع عن مجتمعه الجهالات والآفات الفكرية والأخلاقية الفتاكة، والتي تقوض بنيانه من القاعدة، إبداع تغلغل في أقلام رصينة ألقتْ بحبرها فكرًا مسؤولًا التزمَ الأدبَ إمتاعًا وتقنياتٍ ورسالة...

إلى هذه الأقلام الرصينة المسؤولة ينتمي إبداع سحر النحاس... أُجمِلُها- وما أَجملَها- بسطور ... من هي سحر النحاس؟

سحر محمد جابر النحاس

المهنة: محاسبة- بكالوريوس تجارة جامعة الاسكندرية- كاتبة قصصية وشاعرة وصاحبة مدونة شروق الشعرية، وصفحة حكايات أنتيكا الأدبي.

مساميرها على حائط الأدب:

1- (حكايات أنتيكا) إصدار 2014

2- (حدث في كالكتا) إصدار 2016

3- حاصلة على مركز أول في مسابقة أفضل نص مسرحي عن المسرحية الاستعراضية (المجد لأمنا كانكا) بقصر ثقافة مصطفى كامل نادي أدب التذوق بالاسكندرية (شهادة تقديرية من الهيئة العامة لقصور ثقافة غرب الدلتا)

4- شاركت بعدة كتب جماعية نشرت من قبل دار الحكمة .

5- عضو بمختبر السرديات بمكتبة الاسكندرية، وعضو مؤسس بمبادرة(أكوا) الثقافية بالثغر، عضو بندوات الاثنين بقصر ثقافة الأنفوشي، ومنتدى المحكيات

ولديها تحت الطبع:

1- رواية (أجينا)

2- ديوان (قمر في سمائي)

ثانيًا – المستوى البصري و اللساني الجمالي External and Linguistic Level::

يضمّ هذا المستوى مداخل الجوانب العينية والمنظورة في النص.

1- المدخل البصريExternal Trend:

-  العتبة العينية الأولى الغلاف:

وسارع النص الأدبي باتجاه النص الموازي (النص الأصلي مضافًا إليه العتبات)، فأصبح النص الموازي مركزًا جماليًّا ومعرفيًّا للنص الأصلي، يأخذه باتجاه الفن التشكيلي والتلوّن الطيفي، مما يجعل النص الموازي أكثر جمالًا وتزويقًا من النص الأصلي، وتلك حقيقة صناعية تثبّت جمالية النص الأصلي وتلقيه في سلة الثبات حين تخصص له مكانًا في باب ليوغرافية (فهرست) المعرفة، وهو إضافة لا بد منها، أصبحت في عالم الأدب حقيقةٌ وثابتة من ثوابته وستصبح لدينا يومًا بعد يوم عمودًا مهمًّا رئيسيًّا في النقد العلمي حين يدركه الآخرون.

الغلاف الأمامي والصراع اللوني:

صورة لوجه تغيب ملامحه بألوان الشحوب، الأسود والأزرق بتدرجاتهما، فقط الشفتان واضحتان ومحددتان باللون الأحمر، وهذا ما دلّنا على أن الوجه لامرأة، يداها تمسكان بالرأس من الأعلى والأسفل بإشارة واضحة إلى الألم والصداع المسيطر عليها، أعلى الغلاف، عنوان المجموعة (ضغط عالي)، (ضغط) بالبنط المتوسط وباللون الأزرق الغامق، (عالي) بالبنط الكبير وباللون الأحمر، إلى الأسفل منه وباتجاه الحاشية اليمنى ختم بالأحمر فوقه تجنيس العمل (مجموعة قصصية)، ثم في الأسفل من جهة الحاشية اليسرى الحرة مستطيل أحمر وبداخله اسم صاحبة العمل (سحر النحاس) باللون الأبيض، بمحاذاته من جهة الحاشية الثانية شارة دار النشر (النابغة) وتصنيف خاص بالدار (سلسلة الإبداع العربي).

الغلاف الخلفي:

باللون الأزرق الغامق، صورة للكاتبة تالية للعنوان، وتحتهما فقرة سردية من إحدى قصص المجموعة (حريم درغام).

اللون الأزرق:

من ألوان المجموعة الباردة، وهو لون الهدوء والصفاء، ويقلّل الهياج والثورة، ويعبّر عن الحساسية والحيوية، وهو أيضًا لون شفاف يشير إلى الخوف، وفي علم النفس هو لون الناس الذين يميلون إلى الصراحة والإخلاص، وإلى الغوص في الأفكار الفلسفية مع إمكانية أخذهم لقرارات خاطئة.

اللون الأحمر:

هو لون الطاقة والنشاط والإثارة، وهو لون محفز، وفي الوقت نفسه يفسره البعض بأنه لون مجهد وعدواني، ونفسيًّا يرمز اللون الأحمر للجسد ومتعلقاته، للشجاعة والقوة والطاقة الإيجابية والدفء، والآليات الرئيسية للبقاء، حيث يسرّع اللون الأحمر دقات القلب وينشط الغريزة من أجل البقاء، كما أنه يرمز إلى الحب، ويرمز للانتماء، ويدخل في علاج حالات نفسية عديدة عند الأشخاص الذين يعانون من مشاكل أسرية أو الشخص المغترب الذي يحس بالوحدة بهدف تعديل شعور كل منهم حيث أن تردد موجة اللون الأحمر على الجهاز العصبي من شأنها تقوية روح الانتماء، وهذا هو سر فرش السجادة الحمراء للدبلوماسيين الذين يزورون بلدانًا غير بلادهم، الهدف رفع روح الانتماء للبلد التي يزورونها. يستعمل اللون الأحمرأيضًا كلون محفّز سلبيًّا لإثارة العناد والعدوانية.

اجتماع هذين اللونين معًا يمثّل توازنًا في معركة- بين كرّ وفر- غير محسومة النتيجة، وأرى أن الاختيار اللوني كان مناسبًا جدًّا لمواضيع المجموعة القصصية.

-  العتبة العينية الثانية هي العنوان (ضغط عالي):

جملة اسمية، المبتدأ (ضغطٌ) نكرة لأنه موصوف وهو مضاف، (عالي) صفة للمبتدأ مرفوع مثله بالضمة المقدرة على الياء، وحُذف الخبر لأنه دلّ عليه دليل. هذا العنوان مفتوح على معان محتملة عديدة، فكلمة ضغط بمفردها تحتمل الكثير من التصورات على اعتبار تعريفها بأنها: القوة النوعية المؤثرة عموديًّا على مساحة سطح، وتأتي الصفة (عالي) ليحجّم بالوزن هذة القوة المؤثرة، هذا الضغط العالي يمكن أن يكون الضغط الجوي أو أي ضغط فيزيائي، بينما صورة الغلاف تحدّد لنا مفهوم (ضغط عالي) بارتفاع ضغط الدم عند الإنسان، سنجد أن معظم القصص أشخاصها موتورون بفعل تصاعد القوى الضاغطة على سطح حياتهم، وهو مفتاح فتح قفل باب الكاتبة المغلق، لنطل بعد فتح هذا الرتاج على شيء من حياتها الخاصة وعندها نقف تحت ذريعة: أسرار الكاتب تتأرجح في رأس قلمه.

-  لم يكن هناك إهداء، وإنما جملة لافتة جدًّا هي لوحة تعريفية بمواضيع القصص التي تسكن المجموعة، والإهداء ثيمة للعرفان:

العلاقات العابرة

تصلح أحيانًا لنسج حكايات لا تنتهي

استوقفتني هذه الجملة التي استهلت فيها الأديبة سحر النحاس مجموعتها القصصية هذه، فعرفت أنها تعمّدت أن تكون بعض النصوص فيها حكايات.

-  هناك استقبال في المجموعة، يأتي بعد الجملة تلك الجملة اللافتة، حيث استقبلتنا الكاتبة بخاطرة عنوانها(الملائكة لا يسكنون الأرض) تظهر فيها بوضوح تلك المعركة الشرسة الدائرة في الذات الإنسانية بين اللونين الأزرق والأحمر التي أشرنا إليها سابقًا عند الحديث عن الغلاف، تقول:

" ماذا لو استيقظت ذات يوم وقد نبتت لك أجنحة أثيرية تحملك إلى السماء؟ وتخليت عن ذاتيتك المتوحدة بروحك، وطموحاتك المستعرة بأغراضك الدنيوية لتسمو بأخلاقيات ملائكية.. هل تستقيم الحياة ؟ ...."

سؤال في وجه إنسان أذهله التصوّر الذي ألقته الكاتبة في خضمّه، أن يكون ملاكًا! لن تتركه في ذهوله طويلًا، لكن ليس قبل أن تفرغ من طرح كل تساؤلاتها، وفي نهاية هذه الخاطرة تحسم الأديبة العميقة المعركة، قائلة:

" الحقيقة أننا لم نخلق لنكون ملائكة تمشي يظلّلنا الغمام، بل لنظلّ نلهث ونلهث مع أولى زفراتنا التي تعلن قدومنا في عالم مليء بالصخب والضجيج حتى النهاية ..."

تقرّر الأديبة نتيجة المعركة بنظرة تشاؤمية حزينة، لكنها بمقتضى الواقع المعاش هي حقيقة إلى أن نرى العكس، خلقنا بشرًا يتصارع فينا الشر والخير، والنتيجة أننا خطّاؤون، والكثيرون منّا لوّثتهم الرذائل حتى مجّتهم الأرض، فكانوا طغاةً بحق أنفسهم وبحق غيرهم، الملائكة فقط هم الأنقياء، والأزرق المخلص يكسب، كيف ؟ هكذا:

" ستبقى المنظومة العشوائية تحكمنا بسيادية مطلقة حتى تنطبق السماء على الأرض.... ويتساوى الجميع تحت الثرى، حاملًا كل منّا طائره في عنقه، ويئن جوف الأرض من ثقل خطايا البشر ورذائلهم بعد أن يصمتوا للأبد. وحدهم الملائكة من يرحلون للأعلى بدعة وسلام، تحملهم أجنحتهم البيضاء وقلوبهم النقية إلى الفردوس".

هكذا يصير الآدمي ملاكًا، عندما يرحّله الموت للسماء وليس إلى جوف الأرض، وطوبى للأنقياء...

-  تجنيس العمل: مجموعة قصص قصيرة، تتبع المدرسة الواقعية تحت نظرية الفن للمجتمع.

-  التراكيب والألفاظ: ألفاظ سهلة متداولة، تراكيب تراوحت بين القصيرة والمتوسطة مع بعض الأخطاء الإملائية والنحوية أوالمطبعية.

-  أدوات التنقيط: تم مراعاتها بمستوى لا بأس، التنسيق المطبعي جيد،

-  عدد القصص 14 قصة، متفاوتة في عدد الصفحات بين بين الثلاث صفحات والعشر صفحات وما بينهما على مساحة كلية تبلغ حوالي90 صفحة من القطع المعروف للمجموعة القصصية .

2- المدخل اللساني Linguistic Trend:

ندرس في هذا المدخل وحدات التحليل التالية:

-  الثقافة الأدبية الشاملة للكاتب:

ومدى قدرته على توظيف مكتسباته الثقافية في مضمار عمله الأدبي، لقد استخدمت الكاتبة في هذه المجموعة بعض الألفاظ تبرز ثقافة مهنية، منها على سبيل المثال في قصة الساحر والتي تدور أحداثها في استديو تصوير:

- يبدو (اللوكيشن) كخلية نحل

- في إحدى زوايا (البلاتو) جلس يرتب مشاهد.

هناك أيضًا ثقافة شعبية نقلتها الكاتبة في بعض القصص منها مثلًا ما ذكرته بين هلالين في قصة صافرة الرحيل:

"ورنيش، تورنش، تلمع، أتاوة، الاصطباحة، المعلوم، البوكس، راكية حطب، مداسهم"

كذلك في قصة مانيكان نرصد ثقافة التجميل cosmatic:

" مانيكانات، الأتيليه، الماكياج، الماسكرا"

هناك أيضًا " النمكي" والتي تعني المهووس بالنظافة،

" تكعيبة العنب "

-  البنية اللغوية من مفردات وتراكيب وسياق:

انتقت الكاتبة ألفاظًا ومفردات سهلة ومتداولة، نظمتها بتراكيب تراوحت بين القصيرة والمتوسطة، دون أن تقع في أخطاء بالقواعد في ترتيب الجملة نحويًّا، فالجملة الفعلية جاءت بترتيب: فعل وفاعل ومفعول به أو حال أو تمييز أو صفة ...

لننظر إلى بعض هذه التراكيب، ولنتأمل في المفردات التي وظفتها الكاتبة في الجمل لتخدم السياق الذي أرادته:

- التقيت ذات صباح بجاري، أمام باب المصعد، وهو يهمّ باستقلاله للنزول إلى عمله، شرعتُ في معاتبته على رنين منبهه الذي يوقظ أهل الكهف إلا هو...

التقيتُ: فعل وفاعل (ضمير متصل)

ذات صباح: ظرف زمان

بجاري: جار ومجرور في محل نصب مفعول به

أمام باب المصعد: ظرف مكان

وهو يهمّ...: جملة فعلية في محل نصب حال

الكاتبة راعت تمامًا هذا الاحتمال السحري الوحيد المقبول للجملة العربية، ولقد أصبحنا نرى تراكيب غريبة جدًا في بعض النصوص العربية، يُقدّم فيها الفاعل عن الفعل دائمًا من غير أسباب موجبة، أو المفعول به والحال والصفة عن الفعل، وكأننا نقرأ ترجمة فورية وحرفية عن اللغة الانكليزية، وهذا يفقد التراكيب العربية وقعها السحري وهو التركيب الاحتمالي الوحيد الذي يأخذه العقل البشري بشكل منطقي بعد تشفير الكلمات حسب نظرية المعرفة، فلكل لغة تراكيبها اللغوية التي إن فقدت ترتيبها السحري فقدت بنيتها.

-  البنية الإشارية (الدلالة والمفهوم):

وهي تدور في حلقة المفهوم، الدلالة تشير إلى المدلول، والمدلول يشير إلى المعنى، والمعنى يشير إلى المفهوم، نوضح ذلك من خلال خلال المثال المأخوذ من الفقرة التالية:

- تشتدّ أعواد الصغار فينحني جذعها، يميل، يدنو من الأرض، يهبط الصغار بسلام، تضرب جذورهم في الأرض يزدادون عنفوانًا، تزداد انكسارًا، يجفّ جذعها ويتشقق، تسقط، يعفرّها التراب، عيناها دامعتان مثبتتان عليهم .. تضحك لهم.

هنا الدلالة هي (الزراعة)

المدلولات: (تشتد، أعواد، ينحني، جذعها، يميل، يدنو، الأرض، تضرب جذورهم في الأرض، يزدادون عنفوانًا، يجف، جذعها، يتشقق)

المعنى: الرعاية، التجذير، الترسيخ، النماء، اليباس، الهرم ....

المفهوم: الأم

فالمفهوم يغلف المعنى: الأم ترعى أبناءها إلى أن تموت.

فالمفهوم أوقف مراوغة المدلولات بديناميكيتها الكبيرة، وهذا ما يوصلنا إليه التحليل الذرائعي تحديدًا، الذي يعتمد على تجاوز التحليل لدلالات النص بالمدلولات، لأن المدلولات تقف عند الحدّ السيمانتيكي، فتعتبر درجتها الدلالية عبارة عن متوازيات مترادفة لمعنى الدلالة، حتى يبلغ هذا التجاوز الركون عند المفهوم لإدراك المعاني المؤجلة عند المعنى الذرائعي، الذي يختزن اللغة الساندة التي تنتج عنها التأويلات المتعلقة في الخيال والرمز، والتي تكون درجة تأجيلها إلى ما لا نهاية.

-  البنية الجمالية ومتعلقاتها البلاغية – علم البديع وعلم البيان

هناك الكثير من الاستعارات والتشبيه نرصد بعضها:

- العاصفة تقلع كل شيء تبتلعه في جوفها كدوامة. تشبيه

- المطر ينهمر غزيرًا من عينيها. كناية

- انسلخ النهار من الدجى وتنفس الصبح . استعارة

- تتعلق برقبة أبيها كقلادة يباغتهما الموج من الخلف تشبيه

- بوحي دموع سُكبت على الأوراق تئن منها المحبرة. استعارة

- تعبّأتُ كقارورة أطفال مرتين، تحوّلت بعدها لجسد مستباح وروح مهزومة. تشبيه

- كنت أسمع عن الحب ولم أذقه، عرفت الكبت والقهر من التلظي بجوار جثة هامدة تلتهم جسدي، كطبق حساء تُرِك لزجًا بعد الفروغ منه. تشبيه

ثالثًا– المستوى النفسي Psychological Level

3- المدخل السلوكي Behaviorism Theory:

هي حالة من التداعي والاندماج بين شخصية الأديب والمتلقي، نتوصّل فيها إلى أعماق الأديب من خلال التساؤلات والإشكاليات التي يثيرها في نصه، وقد رصدت بعضها...

تساؤلات اجتماعية:

في قصة (حريم درغام) تسأل (ولاء) خطيبها الشكّاك سيء الظن:

" ماذا لو ساورتك شكوكك ونحن زوجان ؟" سؤال هام جدًّا بعرف المنطق والبصيرة، لو تطرحه كل فتاة على من تتهيأ للارتباط به بالرباط المقدس - وقد كان له من المغامرات العاطفية ما له، مهما كانت تحبه- لشهدنا انخفاضًا ملموسًا في حالات الطلاق، هذا السؤال يحتاج إلى إجابة عميقة تولّت القاصة الإجابة عنه على لسان الخطيبة (ولاء):

" وقتها لن أحتمل إهانتك الحياة بيننا لن تقوم إلا على الثقة المتبادلة، وأنت لن تثق بأحد بعد تجاربك السابقة، دعنا نفترق اليوم قبل غدًا"

تساؤلات فلسفية:

في قصة (الليلة الأولى) ، وبعد أن تقرّ بحقيقة الموت كفراق آت لا محالة، وبأنه الحقيقة الوحيدة التي لا تحتمل التأويل، تتساءل الأرملة:

".. ولكن ماذا بعد موتهم؟ ".

تساؤل تطرحه لا لتستبين حالَ الفقيد، بل حال من فقدوه، حالَها هي تحديدًا، في البداية، كانت إجابتها عن هذا السؤال إجابة ضبابية فيها ارتباك وخوف من مجهول من عالم جديد ستعيش به وحيدة، بفقد كامل لشخص اعتادته في عالمها، تقول:

" نقطة بعدها نتحوّل لعالم لم تستبن طقوسه الجديدة بعد.. تغيّر جذري لكل ما سبق واعتدنا عليه، فجأة أصبحت وحيدة ..بدون رفيق، رحل بلا عودة، فرغ العالم من حولي..."

بعد أن أخذتها صورة الزفاف التقليدية إلى ذكرياتها قبل أربعين عامًا، تغيّر إحساسها بمقدار الفقد إلى النصف، تقول:

" الآن فقط أحسست بغياب جزء مني، نصف لازمني طيلة عمري، نصف اقتلع من كياني وحياتي كثيرًا ".

وتبرر سرعة تغير إحساسها بحقيقة أن الموت يولد كبيرًا ثم يصغر، وقد صغر عندها بسرعة.. بليلة واحدة! .

رابعًا- المستوى الأخلاقي Moral Level

1- التبئير الفكري:

إن المطلع على هذه المجموعة القصصية، سيجد أن الأديبة سحر النحاس هي أديبة حملت في أدبها المهمتَين الثقيلَتين (الإمتاع والرسالة)، بوعي أخلاقي وإدراك إنساني ووجداني كبير، جعلت من الإنسان المأزوم بالصراع بين ضغوط الحياة والوجدان اليقظ والقيم الأخلاقية مادتها الرئيسية التي تغمس في دواتِها قلمَها، وتكتب به نصوصَها الوجدانية الرصينة، التي تدعو فيها إلى احترام الإنسان بقيمه الخيّرة، وتشير إلى مثالب المجتمع، و الشر والفساد المستشري في المؤسسات الثقافية والاجتماعية والقضائية والاقتصادية، تدين الرذائل والتحلّل الأخلاقي، كل ذلك يعكس أيديولوجيتها الفكرية المستنيرة، حتى في القصص التي حملت تمرّدًا على التقاليد المستبدة كتسلّط الأم على ابنتها في قصة (امتثال)، وبوح الأرملة بحياتها البائسة مع الفقيد في قصة (الليلة الأولى) لم يكن التمرّد في هذه النصوص ريحًا عاصفة تدعو للعقوق والجحود، وتطيح بقيم الطاعة والبرّ والوفاء، بل كانت على العكس من ذلك، كانت زفرة لا أكثر، وعبر طرح أدبي بتكنيك راق، غير مباشر بالمجمل، ضمن إطار العصرنة، غلب عليه الشاعرية، وعبر تدفق سيل الوعي المثار بعتبة واقعية في الكثير من القصص، مثل (وما توعدون، شارع المعسكر،النمكي، نور جيهان / تويتي، الليلة الأولى، المنبه، سلام عليك صديقي الغاضب....) استعرضت قيم الحنين والوفاء للأشخاص والأماكن، في قصة (الساحر) كانت المبادئ والمثل العليا هي القضية الرئيسية التي تأزّمت حولها الشخصيات، أقتص من هذا النص هذه الفقرة الحوارية التي جرت بين المخرج الذي يطلب من المؤلف الرضوخ لرغبة الممثلة النجمة المشهورة بإضافة بعض المشاهد المبتذلة والألفاظ البذيئة، هذه القصة التي كانت بحق رسالة الكاتبة إلى مجتمعها، رسالة الأدب والأديب المعاصر الحقيقي إلى مجتمع العولمة الذي ضاعت فيه معالم الفن الجميل الراقي:

هو (المؤلف): "..سيحاسبنا التاريخ، فنحن مسؤولون أمام ضمائرنا عن تسفيه فكر الأمة وانحطاط أخلاقها".

المخرج: " فن! أمة! أفق يا عزيزي، إنك تهذي يا رجل، لم يعد هناك فن.. زمن الفن الجميل ولّى، نحن في زمن العولمة، كل شيء مقبول ومباح، نحن نقدّم واقعًا ملموسًا وليس عالمًا من الخيال، بحق السماء من أي زمن أنت؟

2-الخلفية الأخلاقية للنصوص أو الثيمة:Theme or Moral Background:

الثيمة التي طغت على كل مواضيع قصص المجموعة هي (الفقد)، فقد كل غال وثمين، فقد الأهل كما في (صافرة الرحيل)، الفتى المتشرد ماسح الأحذية الذي فقد أمه وأبيه وأخوته في انهيار منزلهم، ثم فقد حياته تحت قضبان القطار، أم تستشعر فقد ولديها لها في لحظة احتضارها في قصة(وما توعدون)، الجار العجوز الذي يعيش وحدته، لكنه يقتات الحياة على ما يترامى إليه من قصص جيرانه من خلال منور العمارة، يفتقد زوجته وشبابه وحياته التي خلت من نعمة الذرية ومنها اقتص هذه الفقرة:

" وددت لو أن في العمر بقية من شباب وصحة لأتزوج مرة أخرى بمن تعيد الحياة لتلك الجدران الحجرية، وتملأ البيت بهواء ساخن محمّل بروائح الطعام الشهي في يوم عاصف، تسامرني في ليلة صيفية أمام التلفاز، فالمرأة نعمة لا يدركها إلا من افتقدها، مللت الوحدة ورياح الصمت تعصف بحواسي، أعد ما بقي لي من عمر وحيدًا..."

فقد الابنة الوحيدة كما في قصة (نور جيهان/ تويتي)، فقد الصديق (سلام عليك صديقي الغاضب).

فقد الأماكن والحنين إليها وإلى أيامها الغابرة، كما في قصة(شارع المعسكر) والكلام عن بيع فيللا العجمي التي شهدت أيام الطفولة والشباب مع الأسرة، ثم كان قرار البيع:

" بكينا يوم الفراق وكأنما اقتطعت من أرواحنا، وقبل المغادرة أصر كل منا صغارًا وكبارًا على كتابة كلمة وداع على جدرانها وحوائطها، حتى غطّت رسائلنا الدامعة واجهتها".

خامسًا-المستوى الحركي في التحليل Dynamic Level

ندرس في هذا المستوى:

- البناء الفني وعناصره:

1- العنوان: عنوان المجموعة سبق أن تكلمنا عنه.

أما عناوين القصص فقد تنوّعت بين العنوان المفرد المعرف (المنبه، النمكي، الساحر، نورجيهان/ تويتي) والمفرد النكرة(مانيكان، امتثال) والجملة (صافرة الرحيل، وما توعدون، شارع المعسكر، سر النوتيلا، حريم درغام، سقوط مر، الليلة الأولى، سلام عليك صديقي الغاضب).

لم تكن العناوين كاشفة لمضمون القصص، وبذات الوقت لم تنفصل عنها، بل كانت تلخيصًا لها بانتقاء جيد ومدروس، بل كانت أول عنصر من عناصر التشويق، نذكر مثلًا (صافرة الرحيل، المنبه، مانيكان، النمكي، الساحر، الليلة الأولى ...) كلها عناوين قصيرة وجاذبة تشدّنا إلى استجلاء مضامينها.

2- المقدمة والزمكانية:

نتكلم هنا عن الاستهلال الذي برعت الكاتبة به من جانب عنصر التشويق، الاستهلال الذي تنوّع بين الوصفي، والزمكاني، هناك استهلال وصفي لحال البطل، كما في (صافرة الرحيل، امتثال، حريم درغام، سقوط، سر النوتيلا، سلام عليك صديقي الغاضب) نأخذ مثالًا عن الاستهلال الوصفي تعريفي بالبطل:

قصة (صافرة الرحيل) استهلال وصفي لبطل القصة (ماسح الأحذية) وصف غير مباشر وإنما مسبوق بفعل حركي (يضرب بعصاه القصيرة على صندوقه).

" يضرب بعصاه القصيرة على صندوقه المتهالك كوجهه الشاحب، يحمله طوال ساعات النهارعلى كتفيه النحيلتين"

استهلال وصفي مكاني: نشهده في نصوص كثيرة، مثل (وما توعدون..، النمكي، الساحر)، من نص (وما توعدون ..) استشهد بهذا النوع من الاستهلال:

" أسرّة متوازية، مصفوفة في حجرة كبيرة، تفصل بينها ستائر مُعتمة، أجسادٌ مسجاة على الأسرّة، موصولة بأسلاك كهربائية، ودوائر تلفزية...)

استهلال زماني: كما في نصوص (شارع المعسكر، نورجيهان/ تويتي، الليلة الأولى)

من نور جيهان/ تويتي هذا الاستهلال الزماني:

" إنها الخامسة الآن

لماذا تأخروا هكذا !

لم يتبق على الميعاد سوى ساعتين فقط! "

وهناك استهلال زمكاني، كما في نصي (المنبه، مانيكان) ومن الأخير استشهد:

" لم يكن من المعقول أن يغادر باريس عاصمة النور – بعد أن أنهى جولته المكوكية في أرقى بيوت الأزياء حاملًا من كل بستان زهرة ومن كل بيت أزياء قطعة ملابس أجمل من مثيلاتها- من دون أن يصطحبني معه،...".

الزمان والمكان في النصوص:

القصة القصيرة هي أقرب للتوغل في أبعاد النفس، و ليست مثل الرواية التي هي أقرب للتوغل فى أبعاد الزمان والمكان، لكن لا يعني ذلك أن القصة القصيرة لا تحوي زمكانية، وهي قصة الحدث أو الموقف اللحظي الذي يحدث في مكان واحد خلال زمن قصير نسبيًّا، وبين شخصين أوثلاثة على الأكثر، وبهذا الاعتبار نجد أن بعض القصص قد تمدّد فيها الزمن، تجاوز الأيام والشهور، وتعددت فيها الأماكن، كما تعددت فيها الأحداث، بما ينفع أن تكون ملخصًا أوحبكة لرواية، نجد ذلك واضحًا في نص (النمكي) الذي عدّدت فيه الكاتبة الأماكن التالية: مطار القاهرة، بيوت الأهل، شقة البطل، المقهى .... مع سرد الكثير من الأحداث بإسهاب، خلال زمن طويل، وهذا ما أخرجها عن الإطار القصصي القصير وألقاها خارجًا عن حدوده ومجاله، كان الأجدر توخي التكثيف وهو من أبرز أعمدة القص القصير، تجنّبًا للترهل أو الحشو الذي قد يفقد النص رونقه السحري وأحيانًا هويته التجنيسية ك(قصة قصيرة)، فكلما زاد التكثيف قلّ الحجم وزادت نسبة التفكير عند المتلقي.

تنوّعت الأماكن التي اختارتها الكاتبة في قصصها، محطة القطار، فاترينة عرض، مستشفى، عمارة، مول تجاري، غرفة نوم، استديو، فيسبوك....

3- التشابك السردي:

صراع بين الشر والخير بشخصيات يصنعها القاص مستوحاة من السلوك الإنساني في المجتمع، تلتقي خيوط هذا الصراع في نقطة واحدة (العقدة) ومن بعدها ينقلب نحو صراع مغاير إيجابي يسعى للانفراج والحل والنهاية.

طريقة بناء الحدث في هذه المجموعة القصصية:

استخدمت الكاتبة الطريقة التقليدية القائمة على التطور السببي المنطقي، مقدمة – عقدة نهاية كما في (صافرة الرحيل، المنبه، الساحر، حريم درغام، مانيكان، وداعًا صديقي الغاضب)

واستخدمت الطريقة الحديثة من لحظة التأزم، ثم العودة للماضي flashback مع الاستعانة بتقنيات تدفق سيل الوعي stream of consciousness والذكريات memories (الليلة الأولى، سقوط، وما توعدون...)

سردية الحدث:

استخدمت الكاتبة الطرق التالية لسرد الأحداث:

- طريقة الترجمة الذاتية: ضمير المتكلم بلسان الشخصية البطلة، استخدمتها في غالبية قصص المجموعة (المنبه، شارع المعسكر، مانيكان، النمكي، حريم درغام، نورجيهان، سقوط، الليلة الأولى، سلام عليك صديقي الغاضب)

- طريقة السرد المباشر: ضمير الغائب بلسان السارد العليم(صافرة الرحيل، وما توعدون، سر النوتيلا ، امتثال، الساحر)

4- الموضوع:

تنوعت مواضيع المجموعة، ونجحت الكاتبة في جعل الأحداث والشخصيات تتحرّك في خدمة الموضوع، وكانت مواضيع القصص بالمجمل جيدة، مواضيع وجدانية محورها الإنسان، وتحديدًا الإنسان المأزوم نفسيًّا أو اجتماعيًّا، في البداية كان موضوع التشرّد والأطفال المشرّدين (صافرة الرحيل) والآفات الكبيرة المرافقة لها من إدمان على المخدرات والاعتداء الجنسي والشذوذ والاستغلال وامتهان السرقة والتسول، ثم موضوع المرض والاحتضار(وما توعدون)، موضوع الوحدة والشيخوخة(المنبه)، الحنين إلى الأماكن(شارع المعسكر)، الفساد بأنواعه في كل مجالات المجتمع الاقتصادية والأخلاقية والثقافية(مانيكان، حريم درغام، سقوط، الساحر)، السطوة العائلية والخضوع لها (امتثال)، وهدف هذه المواضيع خدمة الإنسان وتطويره بالاتجاه السوي، ومن هنا أستطيع أن أحدّد ثيمة النصوص، هي إضاءة قوية على قضايا الفساد في المجتمع، الفساد الاقتصادي والإداري والثقافي والفكري والأخلاقي، وكل هذا الفساد ينعكس سلبًا على الإنسان البسيط الذي يعيش في مجتمع حقُّه عليه أن يؤمّن له متطلباته للعيش بكرامة. ولم أجد في النصوص ما فيه مخالفة للقيم والظواهر الأخلاقية والعرفية للمجتمع، وهذا يثبّت رؤية الكاتبة، ويعكس استراتيجيتها وأيديولوجيتها في رسالتها الأدبية والإنسانية.

5- العقدة:

نقطة التقاء جميع خيوط الصراع الدرامي وهي عقدة واحدة سلبية، تقلب مسير الأحداث وتنقل الصراع الدرامي السلبي نحو الانفراج.

إن عقدة القصة القصيرة الجيدة يجب أن تجيب عن سؤالين: وماذا بعد؟ ولماذا؟ بينما نجد أن الحكاية القصصية البسيطة تكتفي فقط بالإجابة عن السؤال الأول.

العقدة عند سحر النحاس تأتي بعد سرد هادئ عاطفي طويل نسبيًا، ثم لا يلبث أن يتسارع متأزمًّا بأفعال متلاحقة لاهثة حتى تصل الذروة، ولكنها في غمرة هذه السرعة لا تنسى أن تتهيأ للإجابة عن سؤالَي المتلقي: ماذا بعد؟ ولماذا؟

في قصة (صافرة الرحيل) بعد سرد تجاوز الست صفحات، نجدها تبدأ بتجميع خيوط الحبكة، ثم تعقدها هكذا:

انتابه الفزع، (لماذا ؟) فكم مرة ألقي به في الحجز، وحرّرت له محاضر تشرد، وانتهكت طفولته على يد العتاة من المجرمين وزبانية الأقسام.

انتشل صندوقه وعلق جرابه (ماذا بعد)، وأطلق ساقيه للريح(ماذا بعد).

سقط صندوقه على رصيف القطار ليستقر على إحدى القضبان (ماذابعد)

قفز وراءه، تعثرت قدماه(ماذا بعد).

صيحة مروعة هزّت أرجاء المكان (لماذا؟)

ورغم أن البعض بات يرى أن العقدة لم تعد من عناصر القصة الهامة، إلا أن هذا غير صحيح، فمع تطور فن القصة بقي عنصر العقدة أداة قوية لتشكيل لحظة التأزم داخل النص، يدخل فيها عنصر التشويق ويحتلها احتلالًا لإجلاء الإبهام المحيط بها، ما يخلق لذة جمالية، بالنتيجة، الأعمال القصصية الخالية من العقدة هي أعمال فيها نقص كبير يخلّ بتكامل كيان العمل الأدبي، لأننا لن نشهد فيه انقلاب نحو الانفراج والحل.

6- الانفراج:

يتضّح من خلاله مصير الشخصيات التي تعاني من ضغط وقساوة العقدة في حدث الذروة، وقد يسميها البعض النهاية وبذلك يرفعون شأن النهاية كونها جزءًا أساسيًّا من صلب القصة القصيرة.

في قصة (مانيكان) يبدو الانفراج جليًّا بعد موت صاحب المحل منتحرًا، يتوضّح مصير الشخصية البطلة (المانيكان) بالانتظار:

" وها نحن أنا وباميلا بانتظار بيعنا ضمن منقولات المتجر في مزاد علني لنرى من المشتري القادم" .

7- النهاية:

النقطة التي ينتهي فيها الحل، وتستقر عليها الأحداث، ولا يقع خلفها أي حدث، وهي لحظة التنوير النهائي للعمل القصصي المتماسك، وفيها الكشف النهائي لأدوار الشخصيات وتأثيرهم على المجتمع، النهايات المفاجئة غير المنطقية والمقحمة وغير المقنعة تكون بمثابة الجسم الغريب الملصق بالعمل القصصي، فالإقناع – بالدرجة الأولى- هو العنصر الأساسي في أي عمل فني جيد، اعتمدت الكاتبة على نهايات بعض القصص على المفارقة اللفظية، مثال على ذلك في قصة (وما توعدون):

تتلاشى تبتسم، ومن حولها يبكون

كما اعتمدت (التدوير) كما في قصة (مانيكان) حيث أعادتنا إلى حدث جاء ذكره في متن السرد، بالإضافة إلى التلميح إلى صفة (عدمية الحركة) بين العنوان (مانيكان) وبين فعل الفتى المتسمّر:

"... بينما ذلك الفتى الأسمر ذو الثلاثة والعشرين ما زال يراقبني من بعيد، وما زال متسمّرًا في مكانه".

كانت هناك نهايات مفتوحة على تأويلات عديدة وضعتها الكاتبة في عهدة المتلقي..

كما في صافرة الرحيل:" صيحة مروعة هزت أرجاء المكان، لمع اسم الجلالة في السماء".

بعض النهايات كانت سعيدة ك نهاية الرجل العجوز الذي حظي بعائلة جديدة هي جيرانه

في قصة (المنبه): " رغم صخب المنبه، الذي أطاح بسكون عالمي، غلا ان عائلتي الجديدة ومنبهها الجديد منحاني ترياق الحياة ، وكأنني عدت لنفسي بعد تيه..."

وبعضها كانت تراجيدية كما في قصة (نور جيهان) حيث نكتشف أن الأم تحتفل بعيد ميلاد ابنتها التي توفيت قبل عام:

" امتلأت عينا زوجي دموعًا وهو يمسح على رأسي المتجه صوب صورتها على الحائط .... احتضنني بقوة:- هوني عليك غاليتي.. أنا مثلك لا أصدق أنه مضى عام على فراقها منذ حادثة اليخت المشؤوم".

8- الحبكة

لا يكتفي القاص المبدع بنقل المشاهد التي توضّح أحداث القصة، بل لا بد له - وهو يكتب عمله الإبداعي - من أن يتقن صنعة الكتابة، أن يولّد العاطفة، لا يكتفي بذلك بل أن يديرها أيضًا، يتزوّد بأدوات الكتابة التي تمكّنه من دمج الحبكة (الأحداث) ورسم الشخصيات وتوليد العاطفة لتكوين قصة مؤثرة ذات معنى، ولا بد له أيضًا من أن يحقق أهم وظائف الحبكة وهي إثارة الدهشة في نفس القارئ، فيختلف عن الحكواتي الذي يحكي حكاية، فالحكاية تثير عند المتلقي حب الاستطلاع فقط، وفرق كبير بين إثارة حب الاستطلاع وإثارة الدهشة من حيث التأثير الفني، ثم هناك مهارة تتعلّق بمبدأ (السببية) في بناء الأحداث.

استطاعت الكاتبة أن تسلسل حوادث قصصها تسلسلًا متوافقًا منطقيًّا مع النتيجة، وذلك إما عبر الصراع بين الشخصيات، كما في (حريم درغام، الساحر، امتثال)، أو بتأثير الأحداث الخارجية كما في (صافرة الرحيل، وما توعدون، الليلة الأولى...)

كما تمكّت وببراعة من توليد العاطفة وإدارتها، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نجدها في قصة(نورجيهان) تحمل المتلقي على التعاطف مع الزوجة التي تتعقب الأمومة، حتى وصلت لقرار التلقيح الصناعي، والزوج الذي لم يدخر مالًا ولا جهدًا في سبيل تحقيق هذا الحلم، الأبوة، تغذي هذه العاطفة باستمرار الحديث عن الأفعال والأحداث والمشاعر والحالات النفسية المرافقة لهذه الحالة وظروفها.

تقول:

"تسارعت نبضات قلبي عنفًا وصخبًا، وبهت وجه زوجي رغم كل محاولاته للتماسك أمامي، لم تستطع قدماه أن تحمله، فهوى على المقعد المقابل لي وشفتاه ترتعدان خوفًا وطمعًا، ولا يكف لسانه عن الابتهال والترجي....."

لم تعتمد على عامل الصدفة والقدرية، بل اعتمدت مبدأ السببية في بناء الحبكة، وأيضًا كمثال لا الحصر، نجدها في قصة (حريم درغام) تطلعنا مسبقًا على الأسباب السيكولوجية والسلوكيات المؤهبة لفعل الخيانة وانعدام الوفاء عند ذلك الدرغام المدعو نبيل، شاب عبث مع كثيرات، من المنطق أن يكون شكّاكًا وغيورًا و سيء الظن بخطيبته، فيتهمها بأنها تلتقي بحبيبها السابق في المتجر، وبأنها خبأته في غرفة القياس عندما سمعت صوته، ليطّلع بعدها على الحقيقة من أختها وأمها اللتين كانتا برفقتها، وهي أنها كانت تعدّ له مفاجأة وتجهز فستان الزفاف، ذات المبدأ الذي يجعلنا نقتنع بالنهاية المفاجئة وهي استجابته المباشرة لغواية صفاء التي التقاها في ذات المتجر وفي اللحظة التالية لافتراقه عن خطيبته ولاء التي أصرت على فسخ الخطوبة:

-" حسنًا أيها الوسيم، ذهبت ولاء، هل تصلح صفاء؟!"

- " ولمَ لا! هيا يا عزيزتي.. كلكن في الظلام صفاء".

9- الشخصيات:

الشخصية الرئيسية:

انتقت القاصة شخصياتها المحورية بدقة سواء الواقعية أو الخيالية، لتكون الوسيلة التي تنقل القاصة من خلال آرائها وأفكارها المشهد الذي تريد تصويره، ونجحت في جعلها تستقطب اهتمام المتلقي وهي تؤدي الدور المناط بها بقيادة مجرى القصة العام، وهي شخصيات متنوعة، مبتكرة في بعض القصص كما هو الحال في (مانيكان)، وشخصيات مهمشة كماسح الأحذية في (صافرة الرحيل)، والعجوز في قصة المنبه، منحتها القاصة استقلالية في الرأي كما منحتها حرية الحركة داخل مجال النص القصصي وجعلتها تتحرك وتنمو وفق قدراتها وإرادتها، رمت بها في ساحة صراع اجتماعي واقتصادي و فكري ونفسي، ترقب انتصارها وانكسارها كالأرملة في قصة الليلة الأولى- المرأة في قصة سقوط، نبيل الدرغام في قصة حريم درغام، المؤلف في قصة الساحر- الشاعر في قصة وداعًا صديقي الغاضب....

طريقة عرض الشخصيات:

استخدمت الكاتبة طريقتي العرض المعروفتين:

- الطريقة التحليلية:

طريقة مباشرة، ترسم القاصة ملامح الشخصية من الخارج وتذكر تصرفاتها وعواطفها وأحاسيسها بصريح العبارة كاشفة للشخصية، وتوجيهها لها بما يخدم حاجتها، كتقديم ماسح الأحذية في (صافرة الرحيل) وهناء في قصة (امتثال)

- الطريقة التمثيلية:

وهي غير مباشرة، تتنحّى فيها القاصّة جانبًا، متيحة المجال للشخصية لتقوم بتقديم نفسها والقيام بوظيفتها الفنية بمعزل عن التأثيرات الخارجية، وهي الطريقة التي استخدمتها القاصة في معظم قصص المجموعة.

- البناء الجمالي وعناصره:

المكملات الجماليات التي وجب أن تكسو البناء الفني للعمل الأدبي، حتى يصبح كيانًا أدبيًّا متاحًا للتلقي والتداول.

1- الأسلوب Style:

الأداة اللغوية التي ينقش بها الأديب السرد والوصف والحوار، والأسلوب هو الذي يحوي العمق السردي والانزياح نحو الخيال والرمز والجمال، وهو بصمة الكاتب وتكنيكه الذي يميزه عن غيره

بأسلوب واقعي كتبت الأديبة مجمل قصصها، مع بعض الجمل التقريرية التي قادها إليها الإسهاب، منزاحة بشكل متوسط نحو الخيال وخالٍ من الرمزية. تاركة للشخصيات فرصة كبيرة لتتحدّث بلغتها ومستواها الفكري دعمًا للمنطقية والواقعية والصدق.

2- السرد Narration:

أجرت الكاتبة السرد بالطريقة المباشرة على لسان السارد العليم (ضمير الغائب)، كما استخدمت طريقة الترجمة الذاتية بلسان الشخصية المحورية أو شخصية مشاركة (ضمير المتكلم).

3- الحوار Dialogue:

مُستَخدم لأداء وظائفه بالتخفيف من رتابة السرد والكشف عن الأفكار وآراء الشخصيات، وإظهار سويتها الثقافية، أدارت حوارات باللغة الفصحى كما في قصة (الساحر) وقصة (وداعًا صديقي الغاضب) ومنها المثال:

يسألني صديقي دومًا:

-" عما أكتب اليوم؟ الآن لا أدري عن أي حديقة أكتب، فكل الحدائق ليست غوطة دمشق أو حدائق بابل المعلقة"

-" إذن اكتب حنينًا"

وحوارات أخرى باللهجة العامية مثال في قصة النمكي:

- خلاص بقى صافي يالبن؟

- خلاص ياستي هدية مقبولة.

وزاوجت بينهما كما في قصة شارع المعسكر:

صرخت بوجه السائق: ما هذا يا رجل ؟ هل أنت أصم؟

يخرج رأسه من النافذة وعلامات الغضب تقفز من عينيه شذرًا: انتي بتعدي الشارع وانتي نايمة؟ فوقو بقى حتودونا في داهية ..... ماليتو البلد.

4- الوصف والصور:

وهنا يلتقي الأدب مع الفن، مع الرسم والموسيقا، فيرسم صورًا بالكلمات بدلًا من الريشة، ويعزف أيضًا بالكلمات مستعيضًا بها عن النوتة، هذه بعضها، اما الاستعارات والتشبيه فقد عرجنا عليها في المدخل اللساني:

- عدسات تقتنص اللحظة

- اختلطت عليّ ملوحة الموج بدموعها المتسربة مع حلاوة ضحكاتها الأولى.

- تهدمت وتساقطت الأحجار باكية محملة بذاكرة أيام كانت يومًا جزءًا من أعمارنا

- هو فقط من يستقطب روحي الشريدة في فضاء أزرق

- ازدادت سطوة الأم على الخطيب، وراحت ترصف العراقيل في ممشاه.

- آمال قديمة طُمِست بذاكرة عمر منتهي الصلاحية.. يوم جديد يتنفس، يعلن قدومه

- أفكارك تقتات بها روح الأمل لدي، كل فكرة / قصيدة هي مفتتح بهاء يومي، من غيرها أفقد يومًا كما فقدت وطنًا.

- كنت أمتطي صهوة فحولته بجبروت أنثى ظمئة، لا تحدّها شرائع، ولا يشبع نهمها محيط.

- وتغيّر مُقامي من محبس إلى محبس آخر، كنت أظن مبتغاي وخلاصي، فسرعان ما تبدّدت سحب أوهامي .. فهذا مثل ذاك " رجل" يملأ المكان صخبًا، فيدرك الجميع أنني بظل حائط

- يقولون أن الصور هي حبس للضوء، هي حبس للذكرى، حبس انفرادي للروح القديمة مع كل ما مضى، وأنا أريد لما يمر أن يموت

- كرهتُ أنفاسي اللاهثة وراء حقيقة لم تُكتشف أستارها، ولم تُفك أحجيتها إلا حين التقيته.

- أعلم أن إكرام الأمر دفنه كما ينبغي.. فلا أحد يرغب أن تُدفن سيئاته معه.

التجربة الإبداعية عند الأديبة سحر النحاس:

هي قاصة تتقن بناء المشهد بكل عناصره، المكان والشخصيات والحوارات والانفعالات، ولا غرابة في ذلك إن علمنا أنها تكتب المسرحية بكل عناصرها كنص مسرحي (من حبكة وشخصيات وفكر ولغة)، وتعتني بوصف التفاصيل المرئية، وإن كانت القصة القصيرة لا تستوجب ذلك، عندما تطلق خيالها عبر المونولوج تتكاثر في فضائها سحب الجمال والشفافية، وهي بهذه الناحية مؤهلة لكتابة الرواية بمستوى ملفت، كاتبة وجدانية بكل مواضيعها. أبارك لها هذا الإصدار، وأتمنى أن أكون قد وُفّقت في الوقوف على محطات رئيسة في مجموعتها هذه، ونجحت في سبرٍ معقولٍ لأغوارها، إن قصّرت فمن نفسي، وإن وُفّقت فبفضل الله وعونه.

 

دراسة نقدية ذرائعية مستقطعة

د. عبير خالد يحيي - سورية

 

رحيم زاير الغانمسراب العمر / عباس حسن الغالبي

تتوالى سني العمر مارقةّ كالسراب

وليس لي سوى عدّها وتعدادها

ربما التوقيت تجاوز خمرة الغروب

تجاوز وشوشات القلب

تجاوز الدمع الحصين

وتمضي السنون راجلةّ عن صهوة الفرح

والحزن يراوح ظله ويأبى الرحيل

تدعوني الاقدار الى مدني المندثرة

لأعتكف عند اطلالها

وأبكيها حد الوجع

حد جفاف الدمع

وهي صماء .. صماء

لم تنبس ببنت شفة

يستبصر المدى نوارسه

ويسكن فكرة مرتعشة

عند اطراف الكلام

أمخر عبابَ الليل حلماّ سرمدياّ

وأتوه في الطرقات باحثاّ عنك

فيخال لي وجهك قمراّ محاقاّ

وارتقي لنصفه علًنا نصنع منه بدراّ

هل نلتقي عند سدرة الافلاك

وتداعبني انفاسك ومضة هفهافة بارقة

آه .. آه

كم أعياني البحث عنك بين النجوم وفي مدارات الكواكب

وعدتُ فارغَ الحنين بخيبة القمر ساعة خسوفه

تتوالى السنون ..

ويهجع الكون ..

وتتبدل المواسم ..

ويسقط الندى على سواحل انتظاراتي

وأنا أرقب عودة فجر نزقك

في تباشير الصباح

وانا .... انا المتكأ على جرحي

لي روح تنبض بالقمر معك

ولي عين تشهق باللوعة معك

وتتضوع من بين أضلعي أحجيات الفراق

تنبأني حكايا مضت وأخرى لم تزل طرية

لتنبت على شفتي كجمرات الوداع

***

الشعر فعل ابداعي جمالي، فيض داخلي مُمثلا بوجدان نفس شاعرة، مقرونا بانهيارات النفس، بمحركات الواقع لفقد الحبيب المكمل لقطبية الحياة، يضحى الوجود كنفثات شرر تطلقها مصابيح كهوف الروح الولهة، عندما يُداعب وجعها فراشةُ صبر نزقة، والعمر آه منه ومن سنيه عندما  (تتوالى سني العمر مارقةّ كالسراب / وليس لي سوى عدّها وتعدادها(، بعمر أكثره تحصيل عدٍّ بلا جدوى، بلا مماحكة لإثارة شرارة فعل الطرف الاخر، لتمخر الروح في عتمة الفوضى، في تجاوز لوشوشات القلب والدمع معا، في تيه مطبق، الا السنون والحزن ماكثان كحجر صلد يأبى التفتت او الحراك عما جثم على صدره، (وتمضي السنون راجلةّ عن صهوة الفرح

والحزن يراوح ظله ويأبى الرحيل(،  وتتوالى حكاية الرتابة والانضواء خلف طاقيات الزمن الهلامي، الذي اوضح ما فيه جزعنا وحزننا، فهو يجدد الدعوة الى اندثار مدننا بدرس معمارها الفطري الذي نشأت ارواحنا على تمتمت نسجه الاول علها تردع الهرم المباغت في وسط العمر القادم، وما ندري قد لا تفلح فيه، لكنها (صماء .. صماء لم تنبس ببنت شفة)...

ولا شيء يفوق وقع الفقد غير شرح مستفيض لحال انسان شاعر، (يستبصر المدى نوارسه/ ويسكن فكرة مرتعشة /عند اطراف الكلام /أمخر عبابَ الليل حلماّ سرمدياّ / وأتوه في الطرقات باحثاّ عنك / فيخال لي وجهك قمراّ محاقاّ/ وارتقي لنصفه علًنا نصنع منه بدرا)،  حال لا ينصرف اكثر من كونه يمخر عباب الليل كحلم سرمدي، فلا صحوة تبشر بالتلاقي، وخيالات وجه محبوبته وهو قمر محاق، أمنيات تبددها امنيات اللقاء عند (سدرة الافلاك، أو مات لاه من اعتراف بيِّن بحقيقة الفقد لعياء البحث غير المجدي،)،

(كم أعياني البحث عنك بين النجوم وفي مدارات الكواكب/

وعدتُ فارغَ الحنين بخيبة القمر ساعة خسوفه (لكنها الروح المشتاقة التوَّاقة الولهة لا تنفك عن مواصلة البحث كما لا تنفك عن مواصلة الحب.

ومع توالي الانكسارات سنينا اهجع كما الكون لكني متكئ على جرحي، (تتوالى السنون ../ ويهجع الكون ../ وتتبدل المواسم ../ ويسقط الندى على سواحل انتظاراتي / وأنا أرقب عودة فجر نزقك / في تباشير الصباح / وانا .... انا المتكأ على جرحي).

لكني الشاعر في نهاية الحلم/ الرؤية والفكرة المحققة لذاته وجوده كينونته لا يقف عند حد تبدُّل المواسم فله موسمه الذي ينتج وينجب عبر قطبية ملهمة مهما علاها الحلم او الخيال، كونها بذرة الحقيقة التي اثمرت اغصانا وتفجرت لأمانيها الانهار، رحيق لا اندثار لعبقة،  (لي روح تنبض بالقمر معك / ولي عين تشهق باللوعة معك / وتتضوع من بين أضلعي أحجيات الفراق/ تنبأني حكايا مضت وأخرى لم تزل طرية /  لتنبت على شفتي كجمرات الوداع).

لكن الشاعر في نهاية الحلم/ الرؤية والفكرة المحققة لذاته وجوده كينونته لا يقف عند حد تبدُّل المواسم فله موسمه الذي ينتج وينجب عبر قطبية ملهمة مهما علاها الحلم او الخيال، كونها بذرة الحقيقة التي اثمرت اغصانا وتفجرت لأمانيها الانهار، رحيق لا اندثار لعبقة، (لي روح تنبض بالقمر معك / ولي عين تشهق باللوعة معك / وتتضوع من بين أضلعي أحجيات الفراق/ تنبأني حكايا مضت وأخرى لم تزل طرية /  لتنبت على شفتي كجمرات الوداع).

 

رحيم زاير الغانم