نبيل الشرعللشاعر مصطفى ساهي كلش

المدخل والداعي

الطوق المعرفي بأبعاد المشكلة الإنسانية يلقي بهمة على رقبة الكون أذا ما ما توجهنا إلى هدف الوسيلة في تمكين العقل من جنبة الوضوح وهنا ينتج مجال تعبوي يحتاج معالجة مناطقية ونفس هذا الطوق المعرفي هو البحث عن العلة والداعي إلى وجود المعلول بقطع النظر عن إلقاءات الفكر الإنساني لهذه المنطقة .

(دين، إلحاد، طبيعة) فالكل يعلل والكل يقود عقله إلى نتيجة لكن تبقى الفحوى هي الوسيلة الحياتية وهنا على كل مدون لمتن ما أن يتدبر معنى متنه قبل تجسيدة للذوق العام وحسب منطلقه العملي في تحديد علاقته بالوجود بمعنى أن يكون منطلقا من (كليات حقيقة) يؤمن بها ويعيشها لكن عندما يجد مطابقة التطبيق تختلف عن النتيجة التي كانت تعيش في خلد فكره يصبح التمرد الإنفعالي مرجعا آخر يوازي ألقائته الفكرية ليصنع لنفسه جدلية قوية يخوض من خلالها غمار الخروج من سيرة التوجيه إلى سيرة التوجه، فالحياة على ماهي واضحة لكنها تبقى غامضة ملبدة غير مستقرة ولم تصل الإنسانية في ظل تقلبها إلى كلمة مطابقية ونهائية عنها (كل يفلسف الحياة من منظاره) وعليك انت أن تبحث عن الواقعية نعم الواقعية وليس الحقيقة لأن الأخيرة أمر نسبي يدور مع تقدم الزمان فالشكل الماورائي والشكل المادي والشكل الفوضوي كيانات أسست قصديات عدة وعالم الشعر توغل كثيرا في هذه القواعد فالذي يربط واقعه بالإله يؤمن بحكمته من الوجود والخلق وعليه فالنص المعنون (دموع الشيطان) له ماهية التمرد ولو بنحو الترديد بين الإسقاط الكلي وبين الحفاظ على هوية الفكر والعقيدة فالشاعر كون حلبة الدخول بعنوان ضنين يحمل طعنا واضحا بجدوى وجود البشر على ماهم عليه .!

(دموع الشيطان) فكرة كاملة وتيار واعي وتعنيف عميق للبشرية في أنها لم تفلح ولم تجد مرتسم الصيانة الكونية لهدفها وبعدها تأتي مطلعية النص هل نحن فائضون عن الحاجة؟

وإذا كنا كذلك إذن لم خلقنا؟

الى أخر أوتار الفكرة في ما وظفه الشاعر في معينه.

ما يوجه للنص من اشكلة هو محاولة خرقه للمثالية والقواعد التهذيبية إذ أن منطلقه هو منطلق الإيمان وليس الأنكار لكن هو يوحي لنا استنكارا قويا وكدفاع عن النص نقول هذا الإستنكار تارة كان بريئا محضا وتارة كان لازما ومطلوبا بفضل ما وجد من تناقضات حياتية معاشة .

ثم اشكلة أخرى وهي أن الموجد لا دخل له في وفرة الأخطاء البشرية رغم أنه هو الموجد لأن في أول ظهور على بصورة ادم عصت موجدها واطاعت ذلك المخلوق الذي وسوس لها

وهذا هو أحد أسرار النص إذ يريد أن يقول إن بعثنا في الأرض ماهو إلا عقاب تستوفيه البشرية وتنتهي منه

الوتر الأول

التواجد في منطقة السؤال من حيثية النتيجة الغريبة الحدث البشري بتقريب الربوبية اعترافا بسلطة الإله والرب على الشاعر لكن سؤاله المعبر عنه بالأبكم كنوع من التقابل مع الضد (نطق / أبكم) فعلية التمرد لكن بهدوء خلقت من العتبة نمطا طريفا شاسعا :

ياربُ قد نطقَ السؤالُ الأبكمُ

هل خلقنا كـ(لزومِ ما لا يُلزمُ)؟

طاقة الوجع وهذه شرعة جديدة يخلقها النص تجعل القابل يمزج وجعه في أوراق التساؤل عن الهوية الحقيقة للخلق؟

ويصل بنفسه إلى مدعى (لزوم ما لا يلزم)

ويبقى في فلك الحيرة الأخاذة شكلا ومضمونا عند دائرة الغرائبية التعجبية :

هل من مُرادٍ في سُلالةِ (آدمٍ)؟

أفصحْ لنا فيما تراهُ وتكتمُ

أن مدعى الشاعر في خلفية المتن هو رغم كل ما توضح من لدى الخالق (على يد الكتب)

من أسباب الإيجاد والإنشاء لم تفلح في فهم الحدث البشري لإن الواقع مغاير .

هذا من جهة ومن جهة أخرى تبرز خاصية التعاطي التي فحواها أن كل ما وصلتم إليه من واقع مختل هو بفعلكم لا غير، وتأتي اجابات النص عن هذه الإزدواجية في ما يأتي من جسد النص :

ياربُ عُذراً من سؤالِ مُعذبٍ

فالقلبُ في ملحِ المدامعِ مُتخمُ

مطالع متخمة بالوجل والتعجب والسخرية من هذا الوكم الفريد

(اعتذار / عذاب / دمع / تخمة)

قصص قائمة جريئة تبحث في خضم خبرتها عن مطلع فهم وجزئية ضوء، ثم يدور مع زمن النص ويعنون الإتجاه بسؤال :

أتُراكَ حقاً قد أمرتَ بسجدةٍ

كُلُّ الملائكِ واعتلاهم (آدمُ)؟

لازالت فاعلية التمرد والجرئة تعيش في عمق القصد لأن (آدم) لدى الشاعر كتلة من الأخطاء فكيف يكون اعلى شأنا من الملائكة؟ هذا ادم المخيف في كل ما يفعله وفعله وسيفعله بحكم افعال أبناء ادم .!

يكون موضعا لسجدة من لدن الملائكة .!

وبعدها الحدث التالي :

وطردتَ شيطانَ التعبدِ إذ أبى؟

وهو المُتيمُ في هواكَ وأقدمُ

مجال التعبير اللطيف (شيطان التعبد) هو الروح السيمائية في فترة الأعداد للنص وقد أودع الشاعر في فكرته هذه لغزا كونيا تصويريا لماهية الصراع بين الشيطان والإنسان الأولوية فيه حسب النص للشيطان بحكم القدم فمن هو آدم وماهو فعله أمام الشيطان وما قدمه سابقا .

غفل الشاعر هنا عن جزئية مهمة وهي أن هناك من الواصلين من فرق بين ابليس والشيطان وان هناك من حقق أن النفس هي ذاتها الشيطان وهذا مغفور له لأنه يمشي مع المشهور الموروث

يكمل لنا دعواه الشقية المرحة رغم الألم :

رفضَ السجودَ لغيرِ وجهكَ سيدي

أتُرى يُلامُ على المحبةِ مُغرمُ؟

المعصية من حيث هي طاعة لم تكن في مجمل دواعي ذلك المسمى (شيطان) بل حسب أطروحة الشاعر هناك :

اولا: دافع الغرام بالمبدأ

ثانيا :وعلى حساب معرفة الممتنع عن السجود كيف يسجد لمن هو مخلوق .!

كأنما يريد أن يقول هو لا يرى غيرك (آدم أو من سواه) بل يراك انت فقط فلما الملامة لرفضه سجدة .!

لكن التوجه الذي يعصف بهذه الفكرة كرد على هذا المنطق هو هيمنة الآمر بالسجود وإرادته ولا يملك المقابل إلا الإنصياع والإمتثال فكيف حدد الشاعر وجهة نظر المأمور ولم يطل بوجهه إلى وجهة نظر الآمر وهذا الخط ستكون أجابته واضحة في سفر النص إذ تمكن الشاعر من توحيد الفقرات بلا خروج عن الحد التام .

فمن خلال خبرة الشاعر اوجد لقصته أفقا يخرد الإشكالات حيث يقول:

شيمُ المُحبِ بأن يثورَ لحبهِ

ويغارُ إن سلبَ المحبةَ تؤامُ

فرفعتَ (آدم) في الجنانِ مكانةً

والحُزنُ في عينِ الملائكِ يجثمُ

وعصاكَ .. يا من قد عفوتَ لذنبهِ

حملَ الخطيئةَ عاشقٌ يتألمُ

ركز مبدأ الدفاع عن موضوع قصيدته وهو (الشيطان) من منطقة معصية آدم فهما صنوان في هذه الدائرة لاحظ بداية المظلة (سلب محب / رفع الآخر / حزن الجمهور) وبالتالي وقع في نفس السهم (عصاك / عفو)

وحصة الآخر (حمل / خطيئة / ألم)

علما أن الكائن الجديد توغل في الخطيئة

من هنا وعلى ركن الواقع الذي تبلور ثوبا جديدا للتقابل بين جنسي (آدم) و(الشيطان) يأخذنا المتن إلى حلية جديدة ووتر منتج وهو ما سيعالج تاليا .

الوتر الثاني

تناول جرف التضاد والتقابل بلغة الوضوح ولم يبتعد عن الشكل الضروري إذ يقول:

من ذَلِكَ اليومُ القديمُ ولَم تزلْ

الناسُ تُخطئُ والأبالسُ تُرجمُ

كبداية ونتيجة وخطة جديدة أصبح الوجود محكوم بجزئية ثالثة وهي أن الطريق الجديد هو الحكم بضلال الشيطان واستحقاقه الرجم بسبب رفضه السجود ويقابل ذلك السيرة التراكمية من اخطاء البشرية على مر العصور لكن من الذي ينال العقاب .!

نفسهم هم من يخطئون يعاقبون ذلك الكائن الذي كان رفيق سجدة طويلة في حضرة الله

الشيطان يزين لكن من الذي يرتكب الفعل؟

وهذا هو منحى الشاعر في فرضيته :

من حطموا الاصنامَ، في خلواتهمْ

في كُلِ منهم ماردٌ يتصنمُ

جمراتهم لو انها قد أُلقيت

في وجهِ طاغوتٍ لكانوا اسلموا

لكنهم غزلوا القبورَ على المدى

حتى الغيومُ بمشيها تتلعثمُ

انظر إلى الدُّنْيَا وما صَنَعت بها

كفٌ على وترِ العذابِ يُنغمُ

سبقت قيامتكَ القنابلُ إذ بها

أجسادنا في نارها تتفحمُ

وطبولُ حربهمُ التي لا تنتهي

في قرعها نادت لنا : (دمٌ) دمُ

أنفعالية ذهنية بديعة وجدت لها حيزا انتقائيا بليغا من خلال سرد العمق الواقعي للبشرية وتصوير لمأساة الأيام الكونية ولم يغب الشاعر عن فترة الخديعة البشرية للزمن والتحايل على ثوابت الدائرة الخلقية بطعنات شوهت المشهد الذي أراده الخالق، أختزال صوري وتصديقي للمعنى بعيدا عن تجريب الصبغة الغارقة في الرمزية بل ترى إشارات الرؤيا تجود بالقصد بلا تعقيد .

الوتر الثالث

الساحة الباذلة هي مفتاح جديد يرتقيه النص ويرتدية فالمقابلة التحليلية لم تعمل خيالا بل أرخت لشكل الوقائع الإنسانية وتسلط البعض على البعض لتبقى للدنيا طبقتها الأليمة ومزاجها السفلي في ترويع الفرد :

إن كانَ تُفاحٌ أطاحَ بـ(آدمٍ)

فاليومُ في قطعِ الرؤوسِ نُعظمُ

هذي سُلالةُ (آدمٍ) في أرضنا

هرمَ الزمانُ وذنبهُ لا يهرمُ

سلبوا بإسمكَ عمرنا وحياتنا

في كُلِ بيتٍ يا الهي مأتمُ

عُذراً فما الشيطانُ أدنى منزلاً

من عُهرِ ناسٍ بالفضيلةِ مُلغمُ

إن كانَ ميزانُ الخطيئةِ عادلاً

في ذنبهِ الشيطانُ اتقى من هُمُ

إن كانَ ثمةَ من سجودٍ آخرٍ

أتلومُ من رفضَ السجودَ وتلجمُ؟

قمع الشاعر فكرة الهدف الإيجادي وعدم مشروعيته امام الضغط الهائل من المشاكل والتبعات والإسقاطات التي وفرها العنصر البشري لنفسه، لغة السؤال ولغة التمحور ولغة الدفع بإتجاه البحث عن علة الصراع البشري البشري، وبعد هذا هل يلام ذلك الكائن على عدم سجودة .!

الإقفال

الحركة الداخلية للنص كشفت كمالات بلاغية إحيائية ليذهب الشاعر بها إلى معنى حيرته وتساؤلاته ليكشف مرتبة الإطلاع لديه من بداية الأمر بالسجود إلى تقاتل بني البشر فيما بينهم ، رفض السجود هو المحور في ما وصلت إليه القضية كهذا يرى بعد النص ليرجع المتن إلى منطلق الإيمان بأن الخطوة الغير محسوبة تؤدي إلى فصائل من الوجع .

هذا من جهة ومن جهة أخرى هذا الموقع المتغطرس بشريا سيبقى يمد زوايا وجودة بنفس الألم :

قد كانَ فصلُ بدايةٍ في سجدةٍ

وبقتلِ بعضٍ في الحياةِ سيُختمُ

هكذا تذهب وتعود حكايات النص متوجة بفكرة العتبة (لزوم ما لا يلزم) لان الناتج هو التقاتل بشتى الطرق ليس المادية فقط بل المعنوية.

 

نبيل الشرع

 

.......................

للاطلاع على القصيدة في المثقف:

دموع الشيطان / مصطفى ساهي كلش

 

 

وسام عبدالعظيم عباسشكل ظهور المسرح التفاعلي نقطة انطلاق لدخول عصر جديد في المسرح، إذ تجسد ذلك في رصيده الوافر، من عروض ونصوص وتنظيرات وتجارب تسعى الى اعادة ثقة جمهور الشارع في المسرح، من خلال رؤية مركزية شاملة، رسم بها ملامح إستراتيجيته الفنية، مرتكزاً على مفاهيم أظهرها في تجاربه المسرحية تطبيقياً من خلال مجموعة من التقنيات التي ظهرت في المسرح التفاعلي دون غيره من المسارح فلم تقف وسائله التقنية والجمالية من تحقيق العرض التفاعلي في حدود خصوصية كتابته للنص المسرحي أو الرؤية الإخراجية وما تحمله من معالجات، بل سار بها إلى توظيف جمالي جديد وشامل، شمل العملية المسرحية برمتها، محققاً معها نمط لعلاقة جديدة في المسرح بين الممثل والمتفرج، وقد امتدت اشتغالات المسرح التفاعلي في مجمل توجهاته الحديثة إلى منعطفات متنوعة, ابتُكِرَتْ لتغطي الاحتياجات المتطورة للمسرح وردم الفجوة بينه وبين الجمهور , فضلا عن استعراض القدرات التي يمكن للمسرح التفاعلي الوصول إليها, عبر مخاطبة فئات المجتمع كافة، لما يتميز بيه من مرونة ويُسر في الخطاب والاداء والتواصل، اذ جاءت خلال العرض صيغ ومرتكزات جديدة قادرة على تحويل المتفرج تدريجياً من منطقة المتلقي السلبي، الى المتلقي الفاعل المشارك بصورة حقيقية في منظومة العرض المسرحي، اذ ان هذه الانماط من العروض توصف بشموليتها وقدرتها على التوجيه والمتعة والتسلية معا بإشراك الجمهور إشراكا فعليا وإنزاله إلى ميدان التمثيل . (1) بوصفه  (المسرح التفاعلي) مسرح حي للتنشيط الاجتماعي، يتيح للجمهور امكانية التفكير التواصل والتفاعل والتعبير والمناقشة مع الممثلين وفيما بينهم بكامل الحرية لدرجة يصبح المتفرج مشتركاً بالنص والتمثيل ورسم الحركة .

ومن جملة المرتكزات التي يعتمدها هذا المسرح هي (المُيَسر) في المسرح التفاعلي، وهي تسمية اطلقها الباحث على الشخص الوسيط بين الممثلين والمتفرجين للتحكم في سير العرض وتوجيهِ الممثلين، ودفع المتفرج بالاتجاه الذي يساعدهُ للاشتراك والتفاعل مع احداث العرض، اذ انه بمثابة الشريان الرئيسي في العرض التفاعلي يأخذ على عاتقه ضبط ايقاع العرض من خلال توجيه بوصلة العرض اثناء فتح النقاشات مع المتفرجين .

ولهذه التسمية مرجعيات عديدة ومتنوعة، اختلفت من بلد الى اخر، واذا ما اردنا ان نبحث عن مقاربات هذه الشخصية ومرجعياتها يمكن ان نلتمسها في الموروث العربي من خلال شخصية (الحكواتي) و(الراوي) و(المعلم)  فيما اطلق عليها الكاتب البرازيلي اوجستو بوال بــ (الجوكر) كل هذه التسميات يمكن ان تُشَكل ملمح اولي عن شخصية (المُيَسر) وفي الحقيقة هي تسمية متعددة ومتشعبة المعان، الا ان الباحث يرى ان هذه التسميات جميعها لا تتطابق مع تقنيات مرتكزات المسرح التفاعلي، بوصفة صورة متطورة ومُحدثة للمسرح، وان التسميات السابقة الذكر ألتصقت بجملة من العوامل البيئية والاجتماعية التي بلورت هذه المصطلحات بما ينسجم مع اماكن ظهورها، لان كل مصطلح اكتسب العوامل الاجتماعية والثقافية للبيئة التي ظهر فيها، اما اختيار تسمية الـ (المُيَسر) بوصفها تسمية اكاديمية ولها دلالات واضحه تتسق وطروحات المسرح التفاعلي، كنمط قائم بذاته، يختلف عن تقنيات المسرح الارسطي والملحمي على صعيد النص، والاداء، والفضاء، الروى الاخراجية، اذ ان بنية النص في المسرح التفاعلي تختلف عما هو علية في النص التقليدي، بوصفه مسودة اولية تنقسم الى جزئيين، الاول يقوم بأنشائه فريق العرض، اذ يكتبوا الخطوط العامة للموضوعات المراد طرحها ومناقشتها، اما الجزء الثاني من النص يُكتب بعد نهاية العرض، اذ تُدرج حوارات المتفرجين المشاركين في العرض، وهو متعلق بالجمهور الذي بامكانه ان يُغيير النص الاصلي ويطوره بما يراها مناسباً، وبذلك فهو نصٌ مفتوح لا يكتمل الا بنهاية العرض عن طريق اضافة حوارات ومداخلات الجمهور المشارك، اما على صعيد الاداء فان الاداءات في المسرح التفاعلي متعددة تبعاً لتقنيات العرض المقدمة، وتقنيات العرض في المسرح التفاعلي تنقسم الى سبعة تقنيات.(2)

منها تقنية مسرح الجريدة، الذي يمتاز اداء الممثل فيها بالاداء التمثيلي لان الممثل فيه يحتاج الى المبالغة والتكلف، كونه يتقمص شخصية معينة، مراد ايصالها للجمهور كما لو كانت في الحدث الرئيسي، اما التقنية الثانية هي تقنية مسرح الصورة الرمزية فهو يحتاج تقنيات الاداء الصامت لان هذه التقنية قائمة على انشاء العرض التفاعلي بأجساد الممثلين فقط من خلال تقديم صور ثابته تحمل مضامين متعددة باجسادهم، ويمكن في هذه التقنية تقديم مشاهد تمثيلية متحركة باجسادهم دون اللجوء الى الحوار، اما تقنية حلقة النقاش .   فان الاداء فيها هو اداء تقديمي، لا ينتمي الى المبالغة والتكلف، اذ ان المؤدي يسعى لتقديم ذاته بصورة عفوية بخاصية الـ (performance)، اذ انه لا يسعى لتقديم شخصية غير شخصيته ليُقنع الناس بها، وانما يقدم ذاته كما هي . وكذا الحال بالنسبة لبقية التقنيات ولكل منها نمط ادائي خاص بها .

اما شخصية (المُيسَر) فهو شخصية متعددة الانشطة والوظائف داخل العرض المسرحي، اذ يستمر عمله منذ دخول الجمهور فضاء العرض حتى مغادرته اياه، فعلى مستوى المواصفات يتميز بوصفه شخصية تواصلية بأمتياز، مطواع مرن على الصعيد الجسدي , قادر على استيعاب الحالة التي تتنامى أمامه,  وانه يعطي اللعبة المسرحية مجالاً اوسع في تكوين علاقاته مع المتفرج للارتقاء بجدل واسع النقاش من خلال تبديل الدور واختيار اللحظات التي من شأنها تغيير مجرى الاحداث، وان شخصية الممثل المُيَسر اضافت رونقاً فكرياً بجعل الحراك المسرحي نحو بلوغ الهدف وتعميق افكار المسرح، كما يسعى لجذب الجمهور تجاه صيغة اللعب الجماعي او المشاركة سواء بأستدعاء بعضهم الى مناطق التمثيل  للدخول في اللعبة، او لتعديل الاداء او حتى لمجرد التعليق، اذ ان دور الميسر قائم على جعل التواصل ممكن بين المرسل والمتلقي، ويكون دوره توجيهياً تعليمياً تحريضياً في آن واحد، حيث تكمن مهمته في ربط العلاقات الموجودة على خشبة المسرح والمحافظة على توازن امكانية التواصل وجذب الاخر كمتفرج ليشارك في عملية تبادل الآراء، وفي بعض الاحيان يكون له الحق في تغيير مفردات النص وابدال الممثل بأخر من المتلقيين ليقوم الاخر بالدور وطرح همومه من خلال الشخصية الممثلة .

ان المُيَسر يشكل النواة العملية او المركز الذي تقع عليه الانظار ويحظى بمتابعة مكثفة من قبل الجمهور، وان ما يقدمه المُيَسر يساند المتفرج  الذي ابدى استعادة للتفاعل والتمثيل في الوقوف على الطريق الصحيح لأنشاء الاسلوب المطلوب للأداء ـ بوصفه حلقة الوصل بين الاحداث على خشبة المسرح وبين المتفرجين، تمتاز هذه الشخصية بحياديتها العالية ووسطيتها، اذ انه لا يتبنى ما يطرحه العرض ليُشعر المتفرجين بحياديته واعتداله، كما لا يتبنى طروحات المتفرجين، لانها قد تكون متضاربة وغير دقيقة، بوصفها منطلقة من تقافات متعددة وكلها جديرة بالاصغاء والاحترام، فهو لا يؤيد ولا يؤكد حتى في الحوار، اذ ينتقي الفاظه بعناية كبيرة ويتجنب كلمات كـــ (الصح) او (الخطأ) الـ (نعم) والـــ(لا) بوصفه ميسراً فقط يسهل عملية التفاعل بين الممثلين وبين المتفرجين، ويحفز المتفرج على المشاركة في منظومة العرض المسرحي من خلال كسر حاجز الجليد الذي يفصل بين الخشبة والصالة، اذ انه يبدأ بتوضيح فكرة ونمط العرض في المسرح التفاعلي، كما يبدأ بتعريف الجمهور بالممثلين بشخصياتهم التمثيلية وشخصياتهم الحقيقية كخطوة اولى لمد جسور التواصل والتفاعل بينهم وبين الممثلين، ثم يبدأ بطرح الاسئلة العامة على المتفرجين، هذه الاسئلة تمتاز بعموميتها وبساطتها لان الغاية منها جعل المتفرجين يشعرون بالاطمئنان تجاه العرض، بوصفه يطرح اشياء لا تجلب الحرج للمتفرج، ثم تتطور عملية الميسر من خلال طلبه من الممثلين ان يعرضوا صورة ثابته باجسادهم، هذه الصورة تحمل معان متعددة، يبقى الممثلون في موقف الثبات ـ (Still picture )  ليُعاود الميسر الى دوره، من خلال فتح باب حوار جديد من خلال توجيه الاسئلة للمتفرجين بطريقة ودية عالية تشعرهم بذواتهم واهميتهم كأن تكون صيغة السؤال، لو شاهدت هذه الصورة في مجلة، او جريدة، او مواقع التواصل الاجتماعي ماذا ستعلق عليها ؟ ان هذا السؤال في حد ذاته مفتوح وسهل وبأمكان الجميع ان يُجيبوا عليه، فيبدأ الميسر، بالاستماع لآراء المتفرجين واحداً تلو الاخر بشأن الصورة الثابتة التي قدمها المتفرجين بأجسادهم، ويحاول ان يشجع المتفرجين المشاركين، ويحفزهم بعد نهاية جواب كل متفرج، ويمكن للميسر ان يكون مهذباً معهم وينهي جواب كل فرد من المتفرجين، بكلمة شكراً وبلطافة، ان هذا الاداء التفاعلي للميسر، يساعد في تحفيز الاخرين للمشاركة والتفاعل مع الصورة التي عرضها الممثلين بأجسادهم، هذا ما تحقق في عرض في مسرحية (ERROR) التي قدمها الباحث لصالح المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) ومنظمة الاغاثة والتنمية الدولية في بغداد، قُدم هذا العرض في منتدى شباب الفاروق في حي الجامعة ببغداد بتاريخ  22/8/ 2017، استمر العرض لمدة يومين، ناقش اهم القضايا العالقة بين المجتمع (المُضيف) والمجتمع (النازح) في بغداد، اذ تناول جملة من القضايا التي يواجها المجتمع النازح في مخيم حي الجامعة ببغداد، ومن اهم هذه المشاكل هي مشكلة التعليم والالتحاق بالجامعات بالنسبة لخريجي الدراسات الثانوية من النازحين وطريقة التحاقهم، بوصفهم نزحوا قسراً من مناطقهم، ما سبب التخلف بالالتحاق في جامعاتهم الام، وعدم السماح لهم بالقبول في جامعات اخرى، بسبب جملة من المعوقات الادارية التي تواجههم، تناول العرض هذه الموضوعات بمشاهد مسرحية قدمت من قبل شباب هم غير ممثلين ولم يُمَثلوا من قبل وهم من المجتمع النازح ومن المُخيم ذاته جاء هذا العرض نتاج ورشة قام بها الباحث استمرت لمدة (14) يوم  اذ عملت المنظمات الراعية للعرض، بدعوة جميع المسؤولين في وزارة التعليم والتربية الذين هم اصحاب قرار وذات صلة بالمشاكل المطروحة، فتناول العرض معاناة الطلاب النازحين من مدينة الموصل باتجاه بغداد، ومشكلة عدم التحاقهم بالجامعات والموقع البديلة لجامعاتهم الاصلية بسبب المعوقات الادارية، وعندما انتهى  العرض، قام المُيَسر بفتح باب الحوار والنقاش مع الجمهور، تمثل الحضور بالمسؤولين واصحاب القرار في الوزارة المعنية، والمجتمع النازح في مخيم حي الجامعة، اذ قام الميسر بفتح حوار واضح وصريح امتاز بدرجة كبيرة من الشفافية، اذ اتاح الوقت للمسؤولين المختصين بوزارة التربية والتعليم، كما اتاح للطلبة النازحين ان يدافعوا عن طروحاتهم ضمن انساق العرض، وقد انتهى العرض بجُملة توصيات، ألزَمت ممثلي وزارة التربية والتعليم بمتابعة الموضوع، وتسجيل جميع الطلبة الذين تخلفوا عن الالتحاق بالجامعات البديلة، او الذين لم يتسنى لهم الالتحاق، وقد تابع الفريق الاداري المختص بعد فترة من نهاية العرض وتم تلبية الاحتياجات للحالات القانونية .

ان العرض المسرحي التفاعلي يعتمد في مجملة على جهد ادارة الميسر للحوار بين طرفين المعادلة، وضبط ايقاع العرض، وتلافي المواضيع الجانبية التي لا تمت للعرض بصلة، عن طريق ثكثيف الحوار وايجازه بالشكل الذي يتناسب مع اهداف العرض وجمالياته، آخذاً  بنظر الاعتبار نهاية العمل المسرحي بالطريقة الحرة التي يمكن من خلالها الوصول الى نتائج مجدية تساهم تقريب وجهات النظر .

 

وسام عبد العظيم عباس

...........................

1- للمزيد ينظر، وسام عبد العظيم، المسرح التفاعلي من الصفر الى العرض، (دمشق، دار ومؤسسة رسلان للطباعة والنشر والتوزيع، 2019)  .  ص27 .

2-  للاستزادة ينظر، وسام عبد العظيم، المصدر نفسه، ص17 .

 

ليث الصندوقأضواء على أدب ال facebook (9)

بودّي أن أنصح القاريء ألا يطمئنّ لهذا الشاعر، فهو سيستدرجه من حيث لا يدري إليه بادعائه البساطة التي يتحوّط لتمويهها بمرادفات وصيغ عدّة، بعضها قد يبدو قريباً منها، وبعضها غير ذلك . وسيجد القاريء المستدرج بعد فوات الأوان نفسه ملزماً بالانخراط في إكمال اللعب وحلّ الألغاز والأحاجي، وعبور الموانع والفخاخ التي نصبها الشاعر له . ولعل هناك ثمة مقومات يستعين بها الشاعر لإنجاح مخطط الإستدراج في المقدمة منها الإستعانة بآلية قديمة ما زال يراهن على فعاليتها وإمكانية استخراج الجديد والواعد منها متمثلة بقصيدة الموضوع التي تتحقق من خلال وحدته، مع إثرائها بالموازنة مع الجوانب الشكلية موازنة لا تفرّط عن أي جانب لصالح الآخر .

وفي إطار الموضوع تتداخل عدّة نصوص غائبة يمكن تعقب مرجعياتها سواء في حقل الأدب أو في حقول موازية أو مجاورة أخرى كحقل التاريخ أو الميثولوجيا، وعادة ما يُستحضر ذلك الغائب على هيئة صور متلاحقة تُشكّل بمجموعها مشهداً أقرب ما يكون للفلم السينمائي، حيث الغزاة الذين يعبرون السور، وآثار السهام على الجدران، ووثيقة الإستسلام المثبتة بخنجر، والأنبياء المطرودون من أقوامهم . وحتى عندما يفلت النص من أسر الموضوع الواحد فأن شبكة الصور المتفرعة عن الموضوع الأساس تبدو منضومة في خيط رفيع لا يكاد ينقطع بدءاً  من العنونة وحتى السطر الأخير ككتلة متماسكة من العسير إزاحة أي وحدة بنائية مهما صغُرت منها دون أن يُخلخل ذلك كامل البناء .

والمغري في مواضيع الشاعر أنها في الغالب تُصبّ في قالب سردي بشخصيات محورية وأحداث متزامنة وفق تعاقب لا يمليه منطق السببية، ولكن تمليه ضرورات البناء، وحتى عندما لا يتجلى الموضوع الواحد بحدث محوري لتلك السرود فإن سلاسة تعاقب الصور وتدفقها، وتوالدها من بعضها من دون أن يكون هناك رابط منطقي، كل ذلك يوحي باستنادها إلى قاعدة سردية مقصودة ومحددة . بيد أن تلك السرود هي ذات صوت واحد هو صوت الشاعر، ووجهة نظر واحدة هي وجهة نظره، وحتى عندما يُفرد الشاعر نصاً بكامله لمخاطب ما يخصصه للتوغل فيه إلى الطبقات العميقة من خصوصياته على طريقة الراوي العليم، فإنه يعزل المخاطب المعني دون أن يمنحه فرصة التعاطي والرد وينفرد لوحده في الحديث عنه مما يدفع القاريء إلى تأويل الموقف بكون ذلك المخاطب ليس سوى هو الشاعر نفسه، وأن الخطاب ليس سوى نوع من المونولوجات المموهة . والحال هو ذاته في النصوص التي يستعير فيها الشاعر خطاب الجماعة حيث تبقى وجهة النظر واحدة حتى في تمحورها الموضوعي حول شؤون فردية خالصة وبما لا يتواءم مع التعدد الجماعي المفترض، مما يجعلها أقرب إلى خطاب الفرد / المتكلم منها إلى تعددية الخطاب الجماعي . 

أما من الناحية العاطفية فربما يكون دافع الحميمية التي يشعر  بها القاريء تجاه تلك المواضيع أنها هي ذاتها مواضيع القاريء، يتوحد فيها الشاعر معه، ويحرضه على المشاركه معه في خبرته وتجاربه واستعادة ماضيه بدءاً من الطفولة التي كثيراً ما تحضر في ذكريات الطفل الذي كانه (الشاعر) وهو يركض حافياً في دروب القرية، أو ينتظر مع أترابه الأعياد بثياب رثة وآباء غيبتهم الحروب، أو عبر الطفولة كمفهوم انتهكه الآخرون، وانتهاءً بموضوعة الموت التي يتماحك فيها بحثاً وتوصيفاً - وهو الذي لا يعرفه - مع من عرفوه . وفي أغلب مواضيعه الأخرى، إن لم يكن في جميعها تتحقق القراءة المنتجة تداولياً من خلال حالة من التعالق والمحاورة ما بين التراكمات الثقافية والاجتماعية للقاريء، وبين نص الشاعر وذلك عبر أكثر من تجربة فاشلة يتقاسم مرارتها الإثنان معاً كتجربة الحرب على سبيل المثال وليس الحصر، حيث تسمح الذاكرة الحرة التي تفتقد الحصر والتقنين للنص المكتوب بنبش طبقاتها الجيلوجية وتأويلها وكشف بنيتها المخفية تحت سطح المسكوت عنه . وفي هذا السياق تبدو الدربة والخبرة المهذبتين لغوياً، إضافة إلى الثقافة العامة موجهات لنقل المعنى، أو الإرتقاء به من منطقة التداول في مستواه الشعبي إلى مستوى الشعرية لتصبح ذات الملفوظات والصيغ والصور والأفكار والرؤى الخام بعد أن تلمسها عصا الشاعر السحرية نصوصاً براقة ومبهرة . ويبقى سرّ التميز لوهم البساطة المُدّعاة والتي يُعالج بها مواضيعه المألوفة ليمنحها حساسية تُعيد معها المواضيع صياغة متنها، وتضمينه بالمفاجيء المدهش والغريب فتُنسي القاريء المناصات التي خرجت منها، والتي تجمعه بها - وهو يدري، أو ربما لا يدري - أكثر من آصرة، فيتلقفها بانبهار من يبحث عن الذهب في أرض واعدة .

والبحث عن مصداقية ادّعاء البساطة لدى نامق سلطان، وتفكيك آلياتها ليس مجرّد ادّعاء ترويجي، أو مغالطة رؤيوية، بل هو أحد سنن البحث عن المعنى لديه، فهو شاعر بسيط إلى درجة الريبة، أو بالأحرى إلى درجة الإدهاش، يتستر وراء بساطته، أو ادّعائها من أجل إلا يلفت الإنتباه إلى نيّته في تفجير نصوصه من داخلها، وبذلك يطمئن القاريء ويقتاده طائعاً إلى مناطق الإنفجار من دون أن يُمنح فرصة للإستعداد، والتزوّد للرحلة بأدوات ولوازم مقاومة وإطفاء الحرائق . إنها قصائد مضللة بمهارة وذكاء،  تتوارى أكثر من طبقة تحت طبقتها الخارجية، أو تحت طبقة البساطة التي لا تكتفي بادّعائها، بل تسعى لتؤكدها عبر المنظومات الإشارية التي تتخذ منها مفاتيح إجرائية للدخول إلى المتون، فكل مفردات القاموس الحياتي خاضعة لهذا التوصيف، أو مقاربة له . ومن أجل إقناع الآخر بصدق التوصيف يلجأ إلى أحد خيارين أو كليهما معاً، فأما تكييف الموصوف بتحويله من عنصر لغوي مجرّد إلى كائن أليف وملموس وقابل لتفعيل حميمية القاريء، أو بتفجير طاقة الصفة بوضعها في سياق مرادفات بديلة  :

من حياتي التي قضيتها بينهم

ظفرتُ بحكمة واحدة

لكنها كانت بلا جناحين

حكمة بسيطة

وهكذا تمّ تفكيك بنية الصفة / البساطة من خلال تفكيك دلالة الموصوف / الحكمة، فبساطتها (أي الحكمة) لا تتأتى من كونها عاجزة عن التحليق (بلا جناحين) فحسب، بل هي إضافة لذلك:

1 - لا تُحسن حتى عبور شارع مزدحم

2 - لا تتقن السباحة في نهر صغير

3 – مرتابة / تُفضّل أن تمشي شهراً

4 - تبحث عن جسر آمن

5 - تُغلقُ الأبواب على نفسها

6 - تخاف أن تعبث الريح بشعرها

لكنّ الإحالات السابقة تُشير للدال البسيط / الحكمة مجازاً بمدلول آخر غير الذي تواضع عليه الناس وتناولته بالبحث مدارس الفكر والفلسفة، وانقادت إليه الأعراف الإجتماعية، فالشاعر يتحدث عن شيء، ويعني شيئاً آخر مستعيناً برؤية جديدة لتقنيات البلاغة بحيث يُعيد تركيب  الدلالات، بله تخليقها من جديد، مؤكداً بذلك أن مفهومه للبساطة هو الآخر خاضع لتأثيرات المجاز الذي يمنحه القدرة على المناورة وإعادة البناء .

وعبر استفهامه الإنكاري (لماذا عليّ أن أجيب على أسئلة غامضة) يعلن الشاعر انتماءه للبساطة والوضوح من خلال الإيحاء برفضه لنقيضهما / الغموض، بل هو يعلن ذلك الإنتماء من خلال تبني ملفوظات البسطاء من الناس دون أن يتعدى ذلك بالتأكيد إلى تبني رؤاهم، وفي هذا السياق لا يكتفي الشاعر بتبني الملفوظ / البسيط، بل تضمينه إدانة المتسترين وراء نقيضه / التعقيد الذي هو مثله قابل للتنكر بأكثر من مرادف وصورة، فعلى غير المعهود يستعين الشاعر بملفوظ يتبناه العامة لتحريف دلالة الفلسفة وإلحاقه بنقيضها بالرغم من أن الملفوظ المحرف / التفلسف هو من جنس الدال / الفلسفة . وهذا المحرف يعني في لغة العامة المبالغة في اجتراح الفكر، وتصنع العقل والحكمة . بيد أن استعانة الشاعر بهذا الملفوظ لا تعني بأي شكل من الأشكال تبني دلالته واستبدالها بدلالة الدال الأصل كعلم، بل لفضح زيف من تنطبق عليهم الدلالة المحرفة، والذين يربط الشاعر ممارسة انحرافهم الفكري بظرف خارجي يتسترون وراءه / ألعتمة، مع ملاحظة الإستخدام الذكي والنقيض لذات الملفوظ المحرف عندما لا يعني أهل العتمة، بل يعني (الدواب التي لا تتفلسف) ويمكن عدّ الدواب في المقبوس باعتبارها نوعاً من الإستعارة العنادية وذلك لتعاند طرفيها (المشبه / أننا) و (المشبه به / باقي ألدواب) حيث أن العلاقة ما بين الطرفين ليست المشابهة بل المنافرة، ولعل الشاعر أراد من مغالاته في التشبيه خلق حالة من التهكم:

وهناك من يتفلسف

عندما تشتدّ العتمة

ولا يبقى من أمل سوى أن نرفع أصواتنا

كي نطمئنّ إلى أننا ما زلنا ندبّ على الأرض

كباقي الدواب التي لا تتفلسف أبداً

وتنقل الدوافع التبسيطية الشاعر إلى منطقة أخرى أكثر اتساعاً، وأكثر انفتاحاً على كلّ المناطق البسيطة المجاورة، إلى الحياة التي لا أقول أنها أكثي تعقيداً لكي لا أربك القراءة:

(لن تكون الحياة أبسط من ذلك

سأدور حولك مثل رحى

اطحن المسرات الناعمة

من أجلك

ومن أجل العصافير

التي خلفتها الحرائق

بلا مأوى)

ولتتبع مسوغ الوصف بصيغة التفضيل (أبسط) نبحث في المقصود بالأداة المركبة (ذلك) عائدين مع الشاعر إلى نقطة البداية حيث الإستهلال بسلسلة أفعال إنسانية حميمة تمّ تحديدها  ككتلة لغوية متماسكة بحصرها ما بين فعل (نحاول) المسبوق بلام الأمر (لنحاول) المكرر مرتين، الأولى في بداية السلسلة، والثانية في ختامها على شكل قوسي الإبتداء والانتهاء، تعقبه مباشرة الإحتمالات المتوقعة من تنفيذ سلسلة الأفعال مسبوقة ب (ربما) التي يختلف اللغويون في تخصيصها للتكثير أو التقليل، وهو اختلاف لا يُلزم الشاعر في شيء، ما دامت السلسلة الفعلية مقصورة على التبادل العاطفي ما بين فاعلين هما المتكلم / الشاعر والمخاطب / إمرأة ما، والغاية من التبادل ليس من أجل تحقيق تقاربهما وتواصلهما، فهو أمر متحقق بداهة، ولكن من أجل تحقيق حسن التواصل مع الفضاء الأوسع بشقيه الطبيعي والإنساني، أو كما يمكن أن يُفهم مع:

1 – ألطبيعة متمثلة ب (ألغيمة التي أمطرت بهجة)

2 – وكذلك مع الآخرين، أو مع الأسوياء الذين هم بلا شكّ أفضل الآخرين:

(.. ألأسوياء الذين يُبادلوننا

فرحاً بفرح

وزهوراً بفراشات)

مع ملاحظة أن ثاني المبادلتين مع الآخرين / الأسوياء، أي مع (الزهور بالفراشات) هي في الواقع من نواتج التواصل مع المجموعة الأولى / الطبيعة، وليست من نواتج عالم الآخرين إلا في المجاز، وما انتقالها من عالم الواقع إلى عالم المجاز إلا لإزالة الفواصل ما بين العالمين وتحقيق التواصل والتداخل ما بين المجموعتين من جهة، ومع الكتلة البشرية الثنائية ممثلة بالشاعر والمخاطَبة من جهة ثانية . وتلك مفارقة من مفارقات الشاعر أن تقود سلسلة الأفعال المركبة والمعقدة الحياة ليس باتجاه البساطة فحسب، بل باتجاهها في صيغتها الفضلى (الأبسط) المشار إليها بالأداة (ذلك) . ويبقى هذا مجرّد حلم مرتهن بنجاح المحاولة (لنحاول) في إنجاز تلك السلسلة الفعلية من أجل تحقيق الصيغة المثلى للبساطة التي لن يتحقق نظيرها أو أحسن منها مستقبلاً .

ويبدو هذا النص (النص – 24) من أكثر النصوص حيوية وإدهاشاً، فهو من جانب يحتفظ بتماسكه ضمن إطار موضوع محدد متمثلٍ بحلم الحياة البسيطة، وكذلك في ضوء توفره على عناصر سردية واضحة . ومن جانب آخر يبدو على العكس من ذلك موزعاً بشكل يصعب لمّ شتاته ما بين سلاسل فعلية متدفقة ومتداخلة، وأحداث مهشّمة وغير مكتملة، وشبكة من المفاجآت الصورية والتعبيرية خارج حدود التوقعات .    

وليؤكد الشاعر ذات النزوع السابق لحلم الحياة البسيطة، يقرن الحياة في (نص – 21) بصفة مرادفة أخرى مع فارق في تزمين الصفتين في كل نص من الإثنين، فالصفة الأولى ذات وجهة مستقبلية يؤكدها حرف الإستقبال (لن) بما يجعل من البساطة ليس حلم الحاضر فحسب، بل حلم المستقبل أيضاً، بينما المرادف في النص الثاني مرتبط بالماضي، إضافة إلى أنه مرادف في الإيحاء وليس في الطبيعة، فهو وصف لملموس بصيغة وجه شبه تتفكك معه الجملة الشعرية إلى ("مشبّه / الحياة"–  "وجه شبه / خفيفة " – "مشبه به / فساتين قصيرة ") ومن الواضح بُعد المسافة ما بين الحدين الأول والأخير والتي جسّرتها حساسية الشاعر بآلية بساطته:

عندما كانت الحياة خفيفة

مثل فساتين قصيرة

وهذا التوصيف، أو وجه الشبه يتكرر ثانية لذات الموصوف / الحياة في قصيدة (أبواب) مع مشبه به آخر:

كانت الحياة خفيفة

مثل دخان المدافيء الطينية

وقد يعمد الشاعر إلى التدليل على البساطة باللون، وليس أفضل من اللون الأبيض لتجسيدها وتمييزها بدلالة بينة تُرى بالعين، ولا يختلف عليها الآخرون . مع التأكيد على أنّ هذا الإتفاق هو على دلالة اللون / الأبيض، وليس على دلالة الأشياء، فليس الناس جميعهم مولعين بالبساطة . إلا إن الشاعر يعمم بطريقة طفولية بريئة لونه ليس على الأشياء التي يتفق على دلالة بياضها الجميع، بل أيضاً على الأشياء الملتبسة أصلاً، فتصبح الوشايات التي لا يختلف أحد على سوادها بيضاء، بينما تتوحّد لديه الآراء المختلفة عادة في دلالة الحكايات، فتصبح كلها بيضاء دون تمييز:

كان يمكن للحكايات أن تدخل بيضاء

وتخرج بيضاء

والوشايات كذلك

ويسري التبسيط باللون حتى على الأضداد حين تتحول الظلمة إلى البياض، وتتحول صفحته غير الصالحة للكتابة إلى نقيضها (فاصل شرقي):

حيث يبدو الظلام صفحة بيضاء

صالحة للكتابة

ويستبدل الشاعر ثنائية اللون الضدية (الأبيض / الأسود) كمقابل عن ثنائية (البساطة / التعقيد) معلناً إنتماءه إلى البساطة من خلال بحثه (أو من خلال الفعل نبحث الذي يجمعه مع جماعة الباحثين) عن ما يمكن أن تكون شبيهته . والطريف هو في تقابل كل طرف من طرفي كل ثنائية مع الطرف المقابل له في الأخرى، فالبياض في الثنائية الأولى، والذي (يبحث / نبحث) عن شبيهه (المتكلم / المتكلمين) يقابل البساطة في الثنائية الثانية . بينما الرسالة / السوداء في الثنائية الأولى تقابل التعقيد في الثنائية الثانية ولذلك تأخر المتكلم (أو المتكلمون) في فكّ رموزها:

لأن الرسالة سوداء

تأخرنا كثيراً في فكّ رموزها

كنا نبحث عن ما يبدو كأنه بياض

وقد تكون هناك أكثر من ثنائية ضدية في مقابل ثنائية (البساطة / التعقيد) مثل ثنائيات (الإرتقاء / الإنحدار) و (البداية / النهاية) و (المقنع / غير المقنع) و (ألهروب من / ألهروب إلى) و (ألوضوح / الغموض) وتتبادل حدود الثنائيات الخمس الأخيرة المواقع ليس مع حدّي الثنائية المحورية الأولى فحسب، بل مع بعضها البعض سواء بالإشارة أو الإيحاء، أو بتداخلها عن طريق تحوّل حدودها إلى صفات لحدود بعضها البعض:

كلّ نشيد أنشدته

كان بلا نهاية مقنعة

حيث يمكن أن أهرب منها

إلى نهاية غير مقنعة أخرى

تماماً

مثل هذا العالم الممتدّ

إلى أكثر من عالم غامض 

ويضيف (النص – 28) نموذجاً لافتاً للتفاعل والتقابل ما بين ثنائية (البساطة /  التعقيد) وثنائية (المعرفة / الجهل) . فقد أفرز سياق الحديث عن الموت صنفين من الناس، ألصنف الأول يمثله من خاضوا تجربة الموت وعرفوه، والصنف الثاني هم الذين لم يعرفوه . وقد تمخضت عن هذا السياق الحكائي مفارقتين الأولى هي أن يدلي من خاضوا تجربة الموت (أو بعضهم) بشهادتهم عنه، وكأنهم قد مُنحوا بعد موتهم فرصة العودة للحياة ثانية للإدلاء بتلك الإفادة التي تتمحور حول عدم وضوحه مقوّماً بحاستي التذوق واللمس:

(بعضهم يدّعي أنه غامض ومحيّر

فهو ليس حاراً ولا بارداً

لا حلواً ولا حامضاً

بل أن طعمه لا يُدرك)

 والمفارقة الثانية أن الذين لم يخوضوا التجربة (وهم الذين يتحدث النص بصوتهم) يدّعون المعرفة بالموت بالرغم من أنهم أنفسهم يُشككون بصحة هذه المعرفة في ضوء اقتران إفادتهم بأداة التشبيه (كأنّ) التي تفيد الظنّ باعتبار أن خبرها جملة فعلية (كأننا نعرفه):

نكتب عن الموت، كأننا نعرفه

كأننا تذوقناه بأطراف ألسنتنا

وما بين الذين لم يعرفوا الموت ولكنهم أسهبوا في الحديث عنه حديث العارفين، وبين من عرفوا الموت لكنهم اكتفوا بالإشارة إلى غموضه تتحكم آليتي البساطة والتعقيد في تحديد دوافع الفريقين .

ويقدم النص (من ملفات بلدة آمنة) قراءة للطبقة العميقة من نص البساطة، أو للعلاقة ما بين التصريح بها، وبين بنيتها وذلك عبر إشارة أولية لأمر ما يبدأ (هكذا) ببساطة، من دون الكشف أو حتى من دون التلميح عن الممائل الشبيه الذي تُشير إليه هذه الأداة، على عكس الدور التلميحي للأداة  (ذلك) في (النص – 24)، وحتى من دون توضيح طبيعة الأمر المعني بالبساطة، والذي يبقى حتى إلى ما بعد البداية، أي إلى آخر القصيدة أمراً مبهماً:

هكذا

يبدأ الأمر ببساطة

ولكي تنطلي الإشارة على القاريء يوهمه بوضعه في المكان الذي يتخيل فيه أنه معني بالأمر وذلك بتغيير لغة الخطاب من لغة محايدة بفاعل مجرّد (يبدأ الأمرُ) وتوجيهها مباشرة إلى القاريء (كأنْ يمرّ بك رجل غريب)، تستتبع هذا المرور ثلاثة أفعال، الأول منها مخصص للقاريء حصراً، بينما الفعلان الآخران يتقاسمهما القاريء مع رجل غريب مع بقاء القاريء محركاً محورياً لتلك الأفعال الثلاثة بغض النظر عن دوره اللغوي فيها:

* تجلس - في ظلّ حائط

* تدعوه - إلى خبز ولبن

* يدعوك – إلى سماع بيتين من الشعر        

تنساق الأحداث منطقياً بتأثير القاريء + الرجل الغريب + الأفعال الثلاثة من منطقة الرجل الغريب إلى منطقة القاريء بنفس طريقة الإنسياق اللغوي الإبتدائي التي قادت الخطاب من المنطقة المحايدة إلى منطقة القاريء، ومن ثمّ لتقود الدعوة في الفعل الثالث (يدعوك) القاريء إلى سماع شطر من:

... قصة فشله في ترميم حائط

يشبه هذا الذي تستظلّ به

هذا التركيب البنائي الدائري الذي يُفترض أن يكون بسيطاً لا يتوقف عند هذا الحدّ، فهناك سلسلة فعلية ثانية من فعلين مخصوصين لمجهولين أولهما معبر عنه بالشيئية (لكنّ شيئاً سيتغير)، وثانيهما معبر عنه بالفردية (لا أحدَ) . هذه السلسلة الثنائية تتشكّل في أعقاب الإقرار بوجود تغيير في معطيات المشهد الأولية، وهذا التغيير سيؤدي منطقياً إلى تغيير في النتائج . لكنّ المشكلة أنّ لا أحد يعرف كيفية التغيير:

لكنّ شيئاً سيتغير في المشهد

لا أحد يعرف كيف

التغيير المحوري في المشهد الختامي تقوده سلسلة فعلية ثالثة لا تحيل هذه المرة إلى الغريب الفرد ذاته، بل إلى غرباء آخرين، بعضهم راقب وآخرون أدلوا بشهادتهم، والجميع يشترك في توريط القاريء / المخاطب  بجريمة لا قِبل له بها حسب ملفات التحقيق .

هذه التركيبة البنائية المعقدة هي أحد نماذج الشاعر في بناء منظومة بساطته، فالقاريء الذي ورطه الشاعر ليس في جريمة لا قبل لها فحسب، بل ورطه أيضاً في المشاركة في سردية النص من خلال توجيه لغة الخطاب إليه سيورطه في (بنت الملك) بإيهامه في صعوبة تقدير عُمر وردة لتقود المفارقة ما بين البساطة والصعوبة في النصين (هكذا يبدأ الأمر بسيطاً) و (من الصعوبة تقدير عمرها) إلى تركيبة بنائية مقاربة لتلك السابقة مع اختلاف في توجيه الخطاب مما ينجم عنه اختلاف في القصد، فالقاريء الذي يخاطبه الشاعر في بداية نصّه يتحول في نهايته إلى مجموعة المتكلمين، وبذلك فهو لم يرد فحسب أن ينفي مسؤولية القاريء / الفرد وحده عن الحالة التي تردت إليها وردة ويُحمل مسؤوليتها لجماعة المتكلمين – وهو أحدهم – في صورة من صور تأنيب الضمير، فتلك القراءة ربما لا تُستبعد وهي حاضرة بالبداهة، ولكنها لا تمثل سوى صورة البساطة المخادعة التي يريد استدراجنا إليها وإيهامنا بها الشاعر، لكنه إضافة لذلك أراد أيضاً أن يُنجز المعنى  بثلاثة اتجاهات:

-  الأول: أن يُحدد ويعزل الشخصيتين المعنيتين بالسردية، وتحديداً وردة ووالدها .

- والثاني: أن يُفكك النص الواحد من دون أن يخلّ ذلك بكتلته الموضوعية .

- والثالث: أن يُفرد لكل من الشخصيتين نصّه الفرعي الخاص

وهذه الإتجاهات تُساهم في منح منح بنية القصيدة طابعاً سردياً مكوناً من ثلاثة مقاطع مخصصة للحديث عن الشخصيتين المحوريتين المشار إليهما في الإتجاهات الثلاثة (وردة ووالدها الملك) بغض النظر عن الراوي، وعن الأشخاص المُخَاطَبين فهم خارج إطار الحدث، وتقتصر أدوارهم على المراقبة، وفي أحسن الأحوال على تحمّل تبعات القصور .

تتذبذب داخل هذه المقاطع حركة مؤشر الزمن في كلّ الإتجاهات، وكالتالي:

ألمقطع الأول:

ويمكن اعتباره حصراً مروية (وردة) وتتجه حركة مؤشر الزمن فيه عكسياً إبتداءً من الحاضر / الآن (من الصعب أن تُقدّر عمرها الآن)، ثم ترتدّ مباشرة وبحركة مفاجئة إلى الماضي (ألتي كانت تركض على العشب) ثمّ تعود إلى الحاضر (صارت تكبرني بسنين كثيرة) . وعدا وردة تتوالى ضمن هذا المقطع ألحضور الشكلي ثلاث شخصيات إفتراضية دون أن يكون لأي منها حدث فاعل، وهي المروي له / المخاطب (كما في المقبوس الأول)، والراوي / المتكلم (كما في المقبوس الثاني)، والغائب (كما في السطر الأخير من هذا المقطع) والذي يمكن تأويل عدم اهتمامه كمظهر فعلي لغيابه اللغوي كفاعل مجهول من دون تحديد أو تسمية (لم يعد أحدهم يهتمّ بذلك) . ومن الملاحظ أن الدخول إلى فضاء هذا المقطع يتم بتوسط من المروي له الذي يحضر لمرة واحدة في السطر الأول ثمّ يختفي نهائياً.  

ألمقطع الثاني:

ويمكن اعتباره حصراً مروية الملك المزيف والد وردة، وتتجه حركة مؤشر الزمن فيه ابتداءً من الماضي (لم يكن أبوها غير مقامر بائس) ثمّ تتوقف مباشرة في نقطة ما من الحاضر (وما زال من وقت لآخر يصيح / " أنا الملك ")، وتتعاقب في هذا المقطع حال الرجل صعوداً ونزولاً بحسب حركة مؤشر الزمن، فالحركة باتجاه الماضي شهدت ثلاث حالات معاً:

- نزول (لم يكن أبوها غير مقامر بائس)

- صعود (بعد أن فاز بجائزة كبيرة)

- ثم نزول آخر (ثمّ تردّى بخسارات متتابعة)

أما الحركة باتجاه الحاضر فأكثر تعقيداً، فهي تجمع ما بين نزول فعلي، وصعود إفتراضي، ولكن يبدو أن الحالة الأولى / النزول هي التي تتحكم بواقع الرجل طيلة الوقت، بينما الحالة الثانية / الصعود فهي حالة وقتية ومحكومة بظروفها (من وقت لآخر ...) ولكنها مع ذلك حالة قائمة .

ألمقطع الثالث:

وهذا المقطع مخصص لوردة أيضاً ولكنه ليس استكمالاً لمرويتها / المقطع الأول، بل هو مروية أخرى موازية لها في الزمنية، وفي الأحداث . حيث تُستهله حركة مؤشر الزمن عكسياً من الوراء /  الماضي ثمّ ترتدّ إلى الحاضر . وكما وُظفت هذه الحركة في المقطع الأول لتحقيق المقارنة ما بين حالتي وردة في الزمنين، فهي في هذا المقطع تحقق ذات الوظيفة :

 وردة التي كانت بستاناً 

يبست أشجارها

وردة التي كانت معبداً

تمرّغت آلهتُها بالتراب

وردة التي تكسّرت قلوب كثيرة

عند قدميها

لا تستطيع الآن عبور الشارع

ويلتقي المقطع الأول بالأخير عبر الإشارة الزمنية (الآن) التي تمكّن الراوي من استعادة الزمن ومنح المقطعين صفة الإستذكار، ولكن غاية الإستذكار تختلف في المقطع الأول عنها في الأخير، ففي الأول يُمكّن الإستذكار من إجراء مقارنة عُمرية ما بين الراوي الأكبر عُمراً ووردة الأصغر عمراً لتبيّن كثافة تأثير الزمن على الإثنين، بحيث يتحقق التأثير المعاكس ويصبح الأصغر أكبر بسنوات كثيرة ممن كان أكبر منه :

وردة التي كانت أصغر مني

صارت تكبرني بسنين كثيرة

أما الإستذكار في المقطع الأخير فقد تحقق في إطار الإحساس بالندم المقرون بإدانة وجَلد  الذات، ويبدو أن دافعي هذا الإحساس وقرينه غير مرتبطين بما سببته لوردة وحدها فقط خيبة الراوي، أو بالأحرى خيبات جماعة الرواة التي يتحدث نيابة عنها الراوي بصيغة (خيباتنا)، بل يبدو ان هناك عدا وردة وردات أخريات تحمّلن وِزرَ تلك الخيبات، ما دامت تلك الخيبات لسن خيبات طارئات، بل هنّ خيبات مزمنات:

لا تستطيع الآن عبور الشارع

إلا على عُكّاز خيباتنا المزمنة

ولا أحد منا يشعر بالعار

ولا بالأسف

..............................

نماذج من نصوص نامق سلطان على موقع ال facebook

نهايات (نص – 1)

كلُّ نشيدٍ أنشدْتُهُ

كانَ بلا نهايةٍ مُقنعةٍ

حيثُ يمكنُ أن أهربَ منها

إلى نهايةٍ غير مُقنعةٍ أخرى

تماماً

مثل هذا العالم الممتدِّ

إلى أكثر من منحدرٍ غامض،

مثل إجاباتٍ محبوكةٍ

تقودُ إلى صمتٍ بليغ

يتكرّر،

مثل أملٍ شحيح

تنثّهُ غيمةٌ عابرة

فوق سهلٍ شاسعٍ ...

هكذا تحاشيتُ أنْ أتردّى

في خيبةِ أنْ أقولَ لكم:

إطمئِنّوا.

 

**

من ملفّاتِ بلدةٍ آمنة (ص – 2)

هكذا

يبدأ الأمرُ بسيطاً

كأنْ يمرَّ بكَ رجلٌ غريبٌ

وأنتَ تجلسُ في ظلّ حائطٍ

في بلدةٍ آمنةٍ

فتدعوهُ إلى خبزٍ ولَبَن

ويدعوكَ إلى سماع بيتين من الشعر

وشطراً من قصةِ فشلهِ في ترميم حائطٍ

يشبهُ هذا الذي تستظلّ به.

لكنّ شيئاً يتغير في المشهد

لا أحدٌ يعرفُ كيف ...

الغريبُ،

لم يكن وحده

كان هناكَ من يراقبهُ من بعيد ...

ثم يدلى شهودٌ قريبون منكَ

بانّ الغريبَ أسرَّ بأذنكَ أمراً

ودسَّ في جيبكَ أوراقاً صُفراً

وأنكَ ودّعتَهُ بكيس ثقيل

وأنّ شعاراتٍ مريبةً

كانت مكتوبةً على الحائط

ما زالت صورُها

محفوظةً في ملف التحقيق.

**

إبنة الملك – (ص – 3)

من الصعب أن تُقدِّر عمرها الآن

وردةُ ابنةُ الملك

التي كانت تركضُ على العشب

دون أن يتكسّر

وتعرفها العصافيرُ، كأنها شجرةٌ

أو أغنيةٌ بجناحين من أحلام ودلال

وردةُ التي كانت أصغر مني

صارت تكبرني بسنين كثيرة

لكنْ

لم يعد أحدٌ يهتم بذلك.

*

لم يكن أبوها غير مقامر بائس

توهّم مرّةً أنه صار ملكا

بعد أن فاز بجائزة كبيرة

ثم تردى بعدها بخساراتٍ متتابعة

إلى أن باع وردةَ لمقامر وسخ

ومازال من وقت لآخر يصيح

"أنا الملك"

*

وردةُ التي كانت بستاناً،

يبستْ أشجارُها.

وردةُ التي كانت معبداً،

تمرّغتْ آلهتُها في التراب.

وردةُ التي تكسّرتْ قلوبٌ كثيرة

عند قدميها

لا تستطيعُ الآن عبور الشارع

إلا على عكاز خيباتِنا المزمنة.

ولا أحدٌ منا يشعر بالعار

ولا بالأسف.

**

قناديل الغَجَر (نص – 4)

ليس هناك من سببٍ

يجعل الأضواءَ تنطفئ

في ذلك الكوخ الوحيد في الوادي

حيث تعيشُ عائلةٌ

خلّفَتْها قافلةٌ من الغجر

مرّتْ من هنا قبيل الحرب ...

*

كان الطريقُ الترابي

يمنح الصبايا فرصةَ أن يظهرن فجأةً

كما لو كُنَّ ظلالاً

لنباتاتِ عبّاد الشمس

التي تملأ الوادي نهاية الربيع،

لا أحدٌ يعرفُ عددهن بالضبط.

أحياناً يدُرن على البيوت

يعرضن مصوغاتٍ فضيةً

وعطوراً

ووصفاتٍ سحريةً لطرد النحس

لكنهن لا يفصحن عن أسمائهن

ولا أعمارهن التي يقال إنها

لا تتغير ...

أما الرجال

فلا يظهرون أبداً

لعلهم يحرسون القناديل

التي لا تنطفئ

طوال الليل.

*

نحن أيضاً

عرفنا كيف نتوهج

في تلك الليالي الدافئة

على صوتِ ربابةٍ يأتي من هناك

ومغنيةٍ تردد لحناً من زمن آخر

لتنفتحَ الشبابيكُ على نجوم

تضيءُ أحلاماً صغيرة

تَعَوّدنا أن نخبّئَها

في أكثر الأماكنَ برودةً

من نومنا الموحش.

*

ليس هناك من سبب واحد

يجعل النجوم تخبو

في سماء الوادي ...

لكنها الحرب.

**

قوس قزح أسود (نص – 5)

كان ذلك في صيفٍ بعيدٍ

لكنني أتذكّرهُ جيداً

كانت أمّكِ تخيّط لكِ فستاناً أحمر

وأنتِ تجلسين على الأرض ...

على الأرض تجلسين

واجمةً

كأنك لا تسمعين صوتَ الماكنة

بينما عيناك ترقبان النهار الآفل

في النافذة

والماكنةُ تدور

أنتِ لم تري أباك منذ عامين

لكن صوتَه مايزال يملأ قلبكِ ...

منذ عامين لم تري أباكِ

وغداً عيدٌ

فماذا لو لبستِ أحمرَ أو أخضر

كان يقول: لا تلبسي الأسودَ أبداً

فأنتِ صغيرةٌ

ومازلتِ طريّةً مثل طين الحقول

سنزرعُ فيك فرحاً لا يذبل

وقوسَ قزح من أحلام

وأمنياتٍ صغيراتٍ ...

صوتُهُ مايزال في الغرفةِ

والماكنةُ تدور

وصورتُهُ على الجدار

بأربعةِ أشرطةٍ سود

على ذراعهِ الأيسر

مثل قوس قزح

أسودٌ.

**

(نص – 6)

سأعودُ مرّة أخرى إلى الشوارع،

ولكنْ،

ليس كمتسكع هذه المرّة

فلقد تذكرتُ أن هناك أفكاراً عظيمةً

تساقطتْ منا

عندما كنا نعبرُ من رصيف إلى آخر

أو نخرجُ مسرعين من حانةٍ أو مقهى

لندركَ ما فاتنا من إجاباتٍ

على أسئلةٍ

كانت هي الإخرى

حائرةً مثلنا

**

(نص – 7)

بلغةٍ بسيطةٍ

يفهمها طفلٌ

يركض حافياً في دروبِ القرية

من أوّل المطر إلى آخره،

سأحدّثكِ عن الطين.

**

أمنية (نص – 8)

أتمنى أن لا أعرفَ عن هذا العالم

أكثرَ مما تعرفُهُ شجرةٌ في وادٍ

أو غيمةٌ منسيةٌ فوق حقولِ القمح.

هكذا ستولدُ بين أغصاني عصافيرُ كثيرةٌ

ويمرحُ في ظلّي مغنون

ويستريحُ أنبياءٌ مطرودون من أقوامهم

هكذا سأطوفُ في الأسواق حافياً

ومن جعبتي تطيرُ فراشاتٌ وهدايا

لمن أخطأتهُ الحياةُ،

مثلي.

**

البرزخ (نص – 9)

 منذ أنْ نجَحنا بالهروبِ من الكارثة

وأنا أقولُ لكَ:

ربما نحن، يا صاحبي

نركضُ في الإتجاهِ الخاطئ،

فالذين هربوا قبلنا

لم يخلّفوا أثراً من دمٍ في الطريق

ولا رائحةً من فوزٍ مزعوم،

والذين سرّبوا لنا الخارطةَ

لم نقرأْ سجلَّ خياناتهم

في تراث الذين انتهوا قبلنا.

فهلّا أقمنا هنا

في الحقول المحروقةِ

حتى يدركَنا شتاءٌ تأخّرَ عن القافلة

فيملأ الآبار المهجورةَ.

عندها يمكن أن يصير أحدُنا دلواً

والآخرُ فزّاعةً

تلوّح للهاربين

كي يقيموا معنا

في البرزخ.

**

حريق (نص – 10)

كان الحريقُ قد أتى على المنزل

ولحسن الحظّ لم يُصَبْ أحدٌ بأذى

-هكذا يقول الشهود-

لكنني بحثتُ عن قارورةِ العطر

هديتكِ التي أخفيتُها بين الملابس

بحثتُ عن صورنا

ونحن نراوغ الحزنَ من يوم لآخر

عن الساعةِ التي تعطلت قبل سفرك

بيوم واحد

حتى صوتُ خطواتِك الأخيرة

لم يبق منه شيء ...

الآن، إذنْ

يمكن أن أقول

أنني صرت وحيدا.

**

فاصلٌ شرقي (نص – 11)

حين رفعتُ رأسيَ أول مرة

كانت السماءُ واطئةً

وسقفُ البيت واطئاً

حتى أنني كدتُ ألمسُ الحقيقة

بأطرافِ أصابعي

دون حاجةٍ إلى النهوض من السرير

وكنتُ أهربُ من العائلة

كلما لاح لي ضوءٌ من ثغرةٍ في اللغة

أو سمعتُ هاتفاً ينادي من خلال القصب:

إذهبْ إلى المياه

إذهبْ إلى مربط الشمس

إذهبْ إلى الرمال

حيث يبدو الظلامُ صفحةً بيضاء

صالحةً للكتابة

وللأحلام

ولمزيد من المصابيح ...

وكنتُ أذهب حافياً

على سجادة من حصى ناعم

فأصادفُ بين الصحراء والشاطئ

عرباتٍ تجرّها بغالٌ

وشعراءَ تائهين بين أطلالٍ مهجورةٍ

وفلاحين يدفعون أتاواتٍ إلى أفاقين

وينتظرون المطر القادم من بعيد

كما كنا ننتظر الأعياد، بثيابٍ رثةٍ

وآباءٍ غيّبتهم الحروب

كنتُ أرى راياتٍ خضراءَ وسوداءَ

تحجبُ الضوء

وتاريخاً يشبهُ الفكاهةَ المُرّة

وجغرافيةً تضيقُ وتتسع

حسب قواعد السوق التي لا أفهمها،

حتى إذا ما عبرتُ سواد يقيني

وعُدتُ بأكتافٍ متعبةٍ

لم أجد بُدّاً من امرأة

تشبهُ فكرةً جديدةً ما زالتْ غامضةً

من هذه البلاد التي لا تمل

من مواصلة الحياة.

**

أبواب (نص – 12)

 في البدايةِ

لم تكن فكرةُ الأبوابُ سيئةً

ولا قاسيةً، كما هي الآن

كان يمكن للحكاياتِ أن تدخلَ بيضاءَ

وتخرجَ بيضاء

والوشاياتِ كذلك

وصيحاتِ العراكِ التي تنتهكُ الليلَ

وغالباً ما تنتهي

دون أن تثير حفيظةَ المغلوبين.

كانت الحياةُ خفيفةً

مثل دخان المدافئ الطينيةِ

في الشتاء

أو مثل أرواحٍ شِريرةٍ

تعودتْ أن تقيمَ معنا

ولا تفعلُ ما يعكّر علينا نهاراتنا

لكنها في الليالي التي تخلو من النجوم

ينتابُها مللُ البطالةِ

فتعبثُ بنومنا

وأسِرّتنا

كأنْ تستبدلَ نساءنا بأخرياتٍ لا نعرفهن

أو أنْ تُعيدَ إلينا أحلاماً مرحةً

من حياةٍ سابقةٍ

في هيئة كوابيسَ أحياناً.

**

مرتزقة (نص – 13)

 بضعةُ رجال مسلحين

لوثوا هواء المدينة

وروّعوا أشجارها ...

لا أحدٌ يعلم من أين جاءوا

ومن أين لهم تلك البنادق

التي تلمع حتى في الظلام

ربما يكونون من فضلات الليل

فهم لا يشبهوننا أبداً

وليس في أصواتهم طراوةُ لكنتنا

لكنهم يحفظون وجوهنا

وأسماءنا

ويعرفون الشتائم التي نُسِرُّها

حين يمرون مسرعين

في الدروب الضيقة بين البيوت

تاركين ظلالاً كثيفةً على الجدران

وعلى الأبواب التي تئنّ

من قسوة رفساتهم.

**

(نص – 14)

بعض الصور توحي أَننا من عائلةٍ واحدةٍ

ربما يكون أحدنا قد ولد على شاطئ نهر

فنفذ الدفءُ إلى قلبه

والآخرُ عاش بين أغصان شجرة

فنبتتْ له أجنحةٌ وريشٌ ناعم

وهناك من ورثَ دماً على أصابعه

وما زال يغسلُه بأدعيةٍ وصلوات

حتى صار قلبُه أبيضَ من ضوءٍ.

*

سنعبر جميعاً هذه المحنةَ الباردة

حتى وإن سقطتْ أوراقُنا كلّها

فهذا الخريفُ يحفظ القلوبَ من التلف

فلا تحفظي حروفَ اسمي

في دفتركِ المدرسيّ

فهي سرعان ما تتمزق

ولا تثبّتي شعركِ بمشابكَ من ذهبٍ

فالريحُ تريدكِ هكذا، واضحةً

مثل جدول صغير

وربما أكون أنا القصبةَ التي نبتت

على ضفافكِ

لتصير ناياً عندما يدركها الحزن.

*

سنعبرُ المحنةَ

حتى لو ضاقتْ الدروبُ أمامنا

وتعالت الجبال

وانحدرتْ سيولٌ من الأعالي

فلا تُثقلي رأسك بالنّدم على شيء.

*

ألسْنا من عائلةٍ واحدةٍ:

نحنُ، والطيورُ المهاجرة

والأشجارُ

وبناتُ آوى

والسلاحفُ ...

**

(نص – 15)

هكذا أو هكذا

ستفقدُ، في النهاية، قدرتكَ على الحزن

مثل حصانٍ جاءوا به إلى المدينةِ

وحجبوا عينيه،

كي تبقى أحلامُه تتأرجح في عربةٍ يجرها

ثم تبدأ بالذبول

شيئاً

فشيئاً.

*

مبكراً

أدركتُ أنني ذاهبٌ إلى حربٍ ما

بصحبة أصدقاء أبرياء

كان يقرّبُنا ضحكٌ من اليأس

وقدرةٌ على التسلل من معسكراتِ الموت

إلى حاناتٍ في وسط المدينة

ثم العبورُ على حبل رفيع

فوق خنادقَ من تاريخ زائفٍ ودسائس

نرددُ أغانيَ قديمةً لا تتعفن

أو نحاولُ أفكاراً عصيةً على الوقت

تشبه قصب الأهوار

التي نراها من نوافذ القطاراتِ المعتمة

عندما كنا نحشر فيها

مثل أوراق مهيئةٍ للحرق.

*

كان الجندي يعيد الحكاية ذاتها

واللجنةُ الطبيّةُ تصغي جيداً

لكنها لا تفعل شيئاً

حتى تعبَ الجندي من الحكايةِ

والحصانُ تعب من الركض

فلم يعد يصغي إلى أحدٍ.

 

 

بليغ حمدي اسماعيلمسارٌ إجباري: سُئِلَ الصَّحابيّ الجَليلُ عبد الله بن عبَّاس (رضي الله عنهما)  يَومًا: بأنَّىَ أصَبْتَ هذا العِلم ؟ فأجاب بقولِهِ البليغِ "بِلسَانٍ سئولٍ وقَلبٍ عَقُولٍ"، أي أنَّ السُّؤالَ دومًا هو مفتاح المعرفةِ المُخلص الذي لا يخطئ الطَّريق، وهو البوَّابةُ السِّحريَّةُ التي يمكن من خلالها التقاطُ واقتناصُ كُنْه الأشياءِ وتفاصيلها المختبئةِ عن الأنظارِ وربما عن الألبابِ أيضاً، ويظلُّ السؤالُ في عُرْفِ النُّصوصِ الفلسفيَّة واللغويَّةِ هو الحَرَاك المُدهش لحالاتِ السُّكونِ المعرفيَّةِ وهو أشبه بأصوات وهتاف الثَّائرين وقريب التَّشبيه بفوران البراكِين المحمومة لما يتضمنه السؤالُ من تسارعٍ ذهنيٍّ بحثًا عن إجابةٍ شافيَةٍ .

ولعلَّ المُؤَسِّسَ الاجتماعيَّ العَربيَّ ابن خلدون لم يتنبَّه وهو يسطِّر مُقدمَته الخالدة الذِّكر إلى خَصيصةٍ رئيسةٍ تميز العقل العربي وليست الثَّقافةَ العَربيَّة فحسب، وهي هوس الإنسانِ العربيِّ وشغفه بالسُّؤالِ كنَمطٍ ثقافيٍّ متميزٍ، هذا الشَّغف الذي شغَل العَربيَّ جعله دائم الولوع بإلقاء أسئلتِه محاكِمًا تراثه لاسيما الشَّعبي حتى استحالتْ حَكاياه الشَّعبيَّة التي أسهم هو دونما قصدٍ في تأطيرها إلى جزءٍ أصيلٍ من عقيدته الاجتماعيَّة التي تتحكم في سلوكِه الفرديِّ والاجتماعيِّ على السَّواء بنسب تكاد تكون مُتساوية، وربما ثراء التُّراثِ الاستفهاميِّ الذي يدور في فَلَكِ الحكايةِ والتي عبر عنها العربي القديم بقصصه وحكاياه ونوادره وطرائفه المرتبطة بواقعه وماضيه هو الذي دفع هذا المواطنُ العربيُّ ولا يزال يدفعه إلى أخذه ـ أسئلة التُّراثِ ـ أساسا راسخًا متينًا لثقافته التي تتحكم في دوافعه واتجاهاته ومن ثم استجاباته الاجتماعيَّة.

والرَّسولُ الكريمُ مُحَمَّد  قد استخدمَ السؤالَ قبل إلقاءِ الحديثِ ؛ بغرض تهيئةِ الأذهانِ إلى ما سيلقى عليها، ولقد تعددت الأحاديث التي بدأت بأدواتِ الاستفهام مثل: ألا أحدثكم،ألا تسمعون،أترى بكم سبقك أصحابك؟هل شعرت أن الله ؟ ألا أدلكم؟.وقد اتبع الرسول  المناقشة والحوار كأسلوب تربوي قوي الأثر وأكثرها نفعاً، فاعتمد على الخبرة المباشرة في أغلب مواقف التعليم،كما أنه أحسن استغلال حاجاتِ المسلمين للاستفهامِ والسؤالِ عن أمور الدين.

وإذا تدبرنا صور الحوار والمناقشة في القرآن الكريم والسنة النبوية لاستطعنا استقراءَ الأيديولوجية الإسلامية لهما، فالحوار والمناقشة بطول القرآن الكريم وعرض السنة النبوية تتضمنا التفاعلِ والمشاركةِ، ويقوم فيها المناقش / السائل بدور رئيس في منظومة التحاور مع الآخر / الآخرين، وهذا الدور يتوقف عليه نجاح هذه المنظومةِ أو فشلها في تحقيقِ الهدفِ المرجو من تلك المناقشةِ .

وتظهر ملامحُ هذه الأيديولوجيَّة أيضاً في انتقال المعرفةِ من شخصٍ لآخر، حتى تصبح المعرفةُ (الخبرة) مشاعاً بينهما. ويؤدي هذا التواصل إلى تفاهم مشترك بين هذين الشخصين أو أكثر. وهذا التواصل والتفاعل بين أطراف المناقشة يحققان تقدماً في نقل المعلومات والأفكار والمفاهيم،والذي يساعد بالضرورةِ على فهم حقيقة إيمانية أو سنة كونية أو تحقيق الاستسلام للعقيدة الربانية الصَّحِيحة. كُلُّ مَا سَبق يُؤكد حَقِقة مَفادها أن السؤال وأشكال وأنماط استخدامه هو انتصار المعرفة عن طريق تقرير إجابة شافية واجبة له.

ـ الفَارِسُ القَدِيْمُ .. فَرَسُ الحَدَاثَةِ الدَائِم:

يمكن أن تتناولَ قصيدة شاعرٍ ما عن طريق التَّناصِ النقديِّ السَّابق، وذلك من خلال الاعتماد على منظورٍ نقديٍّ معينٍ أو رؤى وطروحات نقديَّة متقدمةٍ عن التناولِ الرَّاهن للشَّاعر والقصيدة، وهذا في الغالب أمر بدهي قد لا يحتاج إلى تنظير أو سرد طويل، لكن هذه القاعدة بالضرورة لا تصلح تطبيقا على شاعرنا صلاح عبد الصبور، فهو وقصيدته لا يصلحان أبدا للتناول من معطيات سابقة عليهما ؛ لا من حياة الشاعر كعرف النقاد الأوائل الذين اعتادوا أن يربطوا ويدمجوا الشاعر بالنص كوجهين متماثلين لعملة واحدة وهم بذلك أفسدوا النص في تناوله أحيانا، ومارسوا فعل الإقصاء على الشاعر بتقييد حياته داخل نص لغوي أحيانا أخرى، ولا يمكن تناول قصيدة صلاح عبد الصبور من خلال التأريخ الأدبي الذي جعل نصه قاصرا على حقبة تاريخية معينة عُرفت بقصيدة التفعيلة أو حركة الشعر الحر أو القصيدة الجديدة، فكل هذا محاولات قمعية تمارس كرها على الشاعر والنص والقارئ على السواء.

لكن صلاح عبد الصبور كونه شاعر الأسئلة المدهشة لا يمكن تناول نصوصه الشعرية إلا باعتبارها إحداثيات لغوية وفكرية تأبى تقييد الإجابة والاستجابة عنها، وترفض رفضا واضحاً أن تكون الإجابة عن التساؤلات المتضمنة داخل مشروعه الشعري نهائية وقطعية لا يمكن تجاوزها، لذا فمن الأحرى عند تناول شعر الفارس القديم صلاح عبد الصبور صاحب ديوان (أحلام الفارس القديم) التعامل مع نص دون إشارات مرجعية نقدية سابقة لأن هذا سيخل بفعل التلقي المدهش .

وربما تبدو مشكلة وتظهر للناقد الذي سيتعمد تناول نصوص صلاح عبد الصبور من خلال طروحات سابقيه لاسيما وإن كانوا من أساطين وأباطرة النقد لذلك فهو أحرى بالاستخدام النقدي السابق، هذه المشكلة تتلخص في كون نصوص صلاح عبد الصبور تمثل أيقونة لغوية أقرب إلى جماليات المقاومة، بمعنى أنك من الصعب تنبؤ ما سيطرحه الفارس القديم في نصه استنادا لطرح شعري سابق، فصلاح عبد الصبور يمثل ومعه الشعراء أمل دنقل وأدونيس ومحمد علي شمس الدين وقاسم حداد ومحمد عفيفي مطر حركات احتجاجية ضد ممارسات النقد القمعي الذي يسعى جاهدا بغيل كلل أن يقمع النص في زوايا محددة لا يمكن رؤيته إلا من خلال عدساتها المحدبة والمقعرة والمستوية .

لكن من يملك اللغة احتجاجاً والصورة الشعرية سؤالاً حائرا وقلقا ومدهشا من الصعب اقتناص قصيدته والتعامل معها على أنها مجرد سرد أو حكي لغوي لفظي يحمل مضمونا يمكن فك شفرته تاريخيا أو اجتماعيا، وهذا التوصيف ينطبق تمام الوصف وكماله على شاعرنا الفارس القديم صلاح عبد الصبور والذي دوما يراهن على نصه بتيمة لغوية وقصدٍ شعري أشبه بالصدر والعجز في الشعر العمودي التقليدي لكن هذه المرة من خلال تشكيل لغوي فكري يبدأ بالتقرير وينتهي بدهشة السؤال، تماما مثلما يصنع الشاعر الاستثنائي (أدونيس) الذي يبدأ نصه بعبارات وجمل شعرية تقريرية تجعلك تطمئن للنص وصاحبه والطريق الوثير الذي تمشي فيه، حتى يباغتك بسؤال يجعلك مجبرا بين أمرين ؛ إما أن تقفز طوعا ومستسلما داخل النص لتكون جزءً أصيلا منه ومن تشكيله اللغوي، او أن تضطر إلى التخلي المطلق عن إرهاصات التكوين النقدي القديم لديك.

ومن جُمْلَةِ هَذه الإحداثيات الشعرية التي تم تجسيدها في بدايات تقريرية ثم طرح سؤال مباغت يستدعي القلق والدهشة، يقول صلاح عبد الصبور:

 " لكنها قديمة معروفة لهيبها دموع

 معذرة يا صحبتي، قلبي حزين

 من أين أتي بالكلام الفرح ؟ " .

وأيضا يقول:

 " الله وحده الذي يعلم ما غاية هذا الوله المؤرق

 يعلم هل تدركنا السعاده

 أم الشقاء والندم ؟

وكيف توضعُ النهايةُ المعاده

الموتُ أو نوازع السأمْ ؟ " . 

غوَايَةُ النَّصِّ:

ثمة علامات يمكنك أن تقتنصها وأنت تتناول نص صلاح عبد الصبور تتمثل بغير استطراد في غواية النص ؛ بمعنى أن الشَّاعر على الدوام قد يدفعك إلى الاستسلام بتقرير حالاته النفسية تماما مثلما جاء في قصيدته الافتتاحية لديوان (أحلام الفارس القديم) بعنوان (أغنية للشتاء) التي يقول فيها:

" أموت ... لا يعرفني أحد

أموت لا يبكي أحد

وقد يقال بين صحبي ـ في مجامع المسامره

مجلسه كان هنا، وقد عبر

فيمن عبر

يرحمه الله

ينبئني شتاء هذا العام أن ما ظننته ..

شفايَ كان سمِّي

وأن هذا الشعر حين هزني أسقطني

ولست أدري منذ كم من السنين قد جُحت

لكنني من يومها ينزف رأسي " .

وبينما يبدو القارئ مستسلماً للحالة الوجدانية الأكثر حزنا في النص، يضطر لأن يكون إيجابيا إزاء تلك الحالة ليس فقط عن طريق التضامن النفسي مع الشاعر وحالته، إنما عن طريق البحث عن طرائق وسبل للخروج من تلك الحالة السلبية التقريرية حتمية النهاية، والغواية التي يصنعها النص هي وعي شديد من الشاعر لأنه يدفع القارئ دفعا لمجاوزة حد القراءة وتخوم التلقي المعتاد إلى مساحات من التخطي لدور القارئ التقليدي الذي يجد نفسه صوب الفعل الشعري محاولا أن يضع نهايات أخرى أو يواطن الشاعر في محنته . يقول صلاح عبد الصبور:

" الليلُ ثوبُنا، خباؤنا

رُتْبَتُنا، شارَتُنا، التي بها يعرفُنا أصحابُنا

لا يعرف الليل سوى من فقد النهار

هذا شعارنا

لا تبكنا يا أيها المستمع السعيد

فنحن مزهوُّون بانهزامنا " .

وبنفس الغواية التي يصنعها صلاح عبد الصبور في نصه الشعري، ينجح تمام النجاح وفلاحه في عرض لحظات إنسانية أكثر عمقاً، مستخدماً في ذلك كافة مستويات التَّتابع النَّصِّي، الذي يمكن توصيفه على سبيل الاجتهاد لا التقعيد النقدي النهائي بأنه نص قلق على الدوام . فهو يقدم مشهداً يبدو برمته حزين الوصف والملامح يمكنك كقارئ أن تكمل بقية المشهد ورغم ذلك يجعلك أكثر قلقا عن طريق صور شعرية متتابعة وسريعة تجوبها ألفاظ ومساحات لغوية مغايرة لجو النص العام . يقول صلاح عبد الصبور في قصيدة (أغنية إلى الله):

" حزني ثقيلٌ فادحٌ هذا المساء

كأنه عذابُ مصفدين في السعير

حزين غريب الأبوين

لأنه تكوَّن ابن لحظةٍ مفاجئة

ما مخضته بطن

أراه فجأةً إذا يمتد وسط ضحكتي

مكتمل الخِلقةِ

موفورَ البدن

كأنه استيقظ من تحت الركام

بعد سباتٍ في الدهور " .

ونفس الفعل الشعري الذي مارسه صلاح عبد الصبور، يحاول إعادة إنتاجه مرات أخرى وهو بذلك يدشن وحده اللغة فعلا انقلابيا لا مجرد ألفاظ متراصة بغير دلالة، وهذا الفعل الشعري الانقلابي من بالغ الصعوبة أن يقبل لعبة رهانات تحديد الزمن أو وقت القصيدة، لأنه نص في المطلق، وتعامل قصدي مع الحدث والحالة الشعرية لا مع وقتها المنقضي، لذلك هذا الملمح الشعري يؤكد لما تم ذكره من قبل بأنه من الصعب تأريخ الشاعر من خلال قصيدته ولا يمكن توثيق التطور الشعري لشاعر مثل صلاح عبد الصبور بدأ كما انتهى لا من حيث التطور على مستوى الاستعمال اللغوي للمفردات أو من خلال الصورة الشعرية إنما من حيث البدء بالعبارات والجمل الشعرية التقريرية انتهاء بطرح الأسئلة المثيرة لأسئلة أخرى . يقول صلاح عبد الصبور في قصيدته (أغنية من فيينا):

" ثم نزلنا للطريق واجمين

لما دخلنا في مواكب البشر

المسرعين الخطو نحو الخبز والمئونة

المسرعين الخطو نحو الموت

في جبهة الطريق، انفلتت ذراعها

في نصفه، تباعدت، فرّقنا مستعجلٌ يشد طفلته

في آخر الطريق تُقْتُ ـ ما استطعت ـ لو رأيتْ

ما لونُ عينيها؟

وحين شارفنا ذرى الميدان غمغَمت بدون صوت

كأنها تسألني ... من أنتْ ؟ " .

ـ فِي قَصِيْدَتِنَا .. لَيْلٌ:

على غرار رواية إحسان عبد القدوس الرائعة (في بيتنا رجل) والتي تم تقديمها على شاشة السينما في ستينيات القرن الماضي بصورة تعادل إبهار الحدث الروائي نفسه يمثل الليل حدثا مهما داخل النص الشعري عند صلاح عبد الصبور، وهو ليل ليس بالضرورة ليل ينتمي لخريطة النظريات النقدية التقليدية وإن كانت صورة الليل تماثل الصور الشعرية التقليدية التي توحي بالعزلة والضيق الداخلي واتساع الزمن والحزن الكئيب، إلا أن نظرية المحاكاة الشعرية وتركيب الصور بطريقة أقرب إلى المشاكلة بعيدة تماما عن صورة الليل في نصوص الفارس القديم صلاح عبد الصبور .

وصورة الليل في نصوص صلاح عبد الصبور هي تدفق يفيض بدلالات مصاحبة لطبيعة الطقس الزمني ولتلقائية المشاعر القوية التي يسرها الشاعر فنجده يصَوِّبُ اللغة تجاه الليل بمفردات مصاحبة مثل: وأن كل ليلة باردة تزيده بعدا / الليل سكرنا وكأسنا / الله لا يحرمني الليل ولا مرارته / في ركني الليلي في المقهى الذي تضيئه مصابح حزينة / ثم تساقط المساء فوقنا / في آخر المساء شعشعت سحابة بنور / وهكذا مات المساء .

ـ يَبْدُو عَاشِقًا:

تربط معظم النظريات النقدية المتقدمة والمتأخرة زمنيا النص الشعري بعالمه الخارجي، أي قصة الشاعر وإحداثياته الشخصية المتواترة ومحيطه الاجتماعي، والناقد في ضوء ذلك يشبه الشرطي أو رجل المباحث السري الذي يتتبع الجاني في خفية من اقتناص تفاصيل تزيح الستار عن سر أو غموض، وهكذا يصنع الناقد في ضوء الإحالات الخارجية للنص الشعري،فيحاول إيجاد علاقة تماثل بين النص وصاحبه رغم أن الشاعر ـ أي شَاعر ـ هو صوت استثنائي قد ينفصل تمام الانفصال عن تفاصيله الاعتيادية ومكوناته الاجتماعية وهو ينظم قصيدته ويبدعها مما يجعل مهمة الناقد البوليسي صعبة وهو يتتبع شاعره لاصطياد حكما نقديا عن النَّصِّ .

ورغم أن تأطير نصوص الفارس القديم صلاح عبد الصبور جعلته بحكم النقاد حبيس الطرح القومي والتيار الإنساني المهموم بقضايا مجتمعه إلا أن غلبة الجانب الإنساني جعلته يبوح بسر العاشق بملامح قد لا تكون متماثلة بالشاعر التقليدي العاشق، لكننا مضطرون قبوله عاشقا استثنائيا بسطوة نصوصه غير المسكوت عنها، والتي تبوح بأسرار العشق والعاشق بطريقة معاصرة، ويمكن إعلان لحظة القبض على صلاح عبد الصبور عاشقا من خلال الجمل الشعرية التي تخللت نصوصه ومنها ما يقول في قصيدته (الحب في هذا الزمان):

" اليوم .. يا عجائب الزمان !

قد يلتقي في الحب عاشقان

من قبل أن يبتسما

ذكرت أننا كعاشقين عصريين

يا رفيقتي

ذقنا الذي ذقناه

من قبل أن نشتهيه

ورغم علمنا بأن ما ننسجه ملاءًة لفرشنا

تنقضه أنامل الصباح " .

وفي قصيدة (أغلى من العيون) يضيئ صلاح عبد الصبور مساحات واسعة من حالات الحب البسيطة وفيها مكاشفة لغوية سهلة بغير تعقيد أو استطراد يدفع القارئ للملل التدريجي،ففي الوقت الذي يصطنع أي شاعر حالة الحب داخل قصيدته فنجده يصب لعناته ويوجه براكينه الثائرة في صدر قارئه ويبالغ في رصد وتحليل مشاهداته على حالته تلك، نرى صلاح عبد الصبور بسيطا جدا في سرده الشعري حتى يظن القارئ أنه يقدم تعويذة قصيرة عن الحب بغير أبطال أو معارك وهمية أو قصص أسطورية، وتحديدا في قصيدة (أغلى من العيون) نلمح تمازجا قويا بين لغة القصيدة وحكايتها وبين لغتنا المعاصرة التي نستخدمها في حديثنا اليومي المعتاد أو في حديثنا بالهاتف، وكأن صلاح عبد الصبور في مشروعه الشعري الذي بدأه بديوان (الناس في بلادي) كان على وعي شديد بلغة المواطن العصرية التي تخلو من الغرابة والوحشة، لذا لجأ صلاح عبد الصبور في قصيدته إلى لغة مباشرة ومفردات معاصرة شديدة الصلة بواقعه بجانب حرصه على غنائية الجمل الشعرية، يقول صلاح عبد الصبور:

" عيناك عشّي الأخير

أرقد فيهما، ولا أطير

هدبهما وثير

خيرهما وفير

وعندما حط جناح قلبي النزق

بينهما، عرفت أنني أدركت

نهاية المسير " .

ويقول في المقطع الثاني من نفس القصيدة مستخدما سلاحه الاستفهامي الذي يبدأ بعبارة تمثل صدر الكلام ثم استفسار أو تساؤل يجسد عجز البيت الشعري:

" من أين نبع رائق يفيض حبنا

يغمرنا سعادة كأننا طفلان

لم نعرف التجوال في هذا الزمان

أي نسيم ناعم هذا الحنان

وأي كأس حلوة تلك التي نذوقها

حين تطل من عيوننا قلوبنا المجنحة

تبحث في الأحداق عن طعامها ومائها

ثم تنام في أمان " .

وصلاح عبد الصبور حينما ينظم الحب شعرا فهو لا يقتصر عند حد الوصف والتوصيف، بل يتجاوز هذا الشرح الاعتيادي إلى تقمص دور الناصح الأمين، وهنا لا يستطيع عبد الصبور أن يتخلى عن دوره الاجتماعي أو الطابع القومي الذي طغى على شعر هذه المرحلة الشعرية التي يمثلها هو بجانب شاعر الرفض أمل دنقل، فهو عاشق غير مبتذل، وشاعر يؤمن ويقدر دوره الاجتماعي في التنوير والتبصير، نجده يقول:

" يطيب لي في آخر المساء أن أقول كلمتين

شفاعة أرفعها إليك يا سيدة النساء

الحب يا حبيبتي أغلى من العيون

صونيه في عينيكِ

واحفظيه

الحب يا حبيبتي مليكنا الحنون

كوني له مطيعة سميعة

الحب يا حبيبتي هدية الحياة لي، ولك

لمتعبين حائرين في السنين

الحب يا حبيبتي فردوسنا الأمين

حين تؤود ظهرنا الرياح

وتنتهي لشاطئ المنون " .

ـ أقْنِعَةُ صَلاح عَبْد الصَّبُورِ الشَّعْرِيَّة:

اتفق كثير من النقاد والمنظرين للفكر العربي المعاصر أن نصوص الصوفية وأخبارهم وحكاياهم هي المصدر الرئيس لشعر التفعيلة وأجازوا بأن النص الصوفي هو الذي شكل قصيدة النثر الحديثة، مستندين في ذلك إلى علامات متشابهة بين النصين / الصوفي والشعري، من تلك الملامح والعلامات الأقنعة المستعارة أو اللغة المجازية التي لا تكشف عن معنى محدد يبصره الرائي بسهولة ويسر، ومنها اللغة الرمزية التي يتكبد القارئ فهم دلالاتها الضمنية، وأيضا استخدام التساؤل الاستفهامي بصورة توحي بإقرار الإجابة بغير تفكير أو الاختيار من بدائل، وصلاح عبد الصبور يكاد يكون قريب الشبه بين شاعرين أجادا في استخدام الأقنعة الشعرية في نصوصهما ؛ أمل دنقل وأدونيس، والفارس القديم وإن كان استخدم أقنعة شخصية مثل لوركا وبودلير وغيرهما، إلا أن الوقوف النقدي الإجباري سيكون عند قصيدتي (مذكرات الملك عجيب بن الخصيب) و (مذكرات الصوفي بشر الحافي) لما يمثلان من إشارتين تراثيتين يمكن توصيفهما بالإحالة المؤثرة والفاعلة .

وأظن أن وقوفي الإجباري عند حافة القصيديتين قد جعلني أؤكد أن استلهام صلاح عبد الصبور لرموز تراثية هو إحالة رمزية من الذاتي إلى العام، وشهادة لعصر مشهود ولإحداثيات استشرافية قد تقع في المستقبل، ففي قصيدة (مذكرات الملك عجيب بن الخصيب) نرى صلاح عبد الصبور يقدم نقدا لمجتمعه من خلال الارتكان إلى صورة تراثية، ونظرا لطبيعة صلاح عبد الصبور البعيدة تمام البعد عن المواجهات السياسية أو الفكرية التي تحمل قدرا بعيدا من المشاحنة والعراك غير الإيجابي فالتجأ إلى شخصية الملك عجيب بن الخصيب ليقدم من خلاله نظرته لعصره مستعينا في ذلك بأحد أدوات المتصوفة وهو الالتفات بالخطاب بين الأنا والآخر، وعلى حين يبدو صلاح عبد الصبور في مجمل نصوصه رقيقا في بداياتها إلا أن تلك القصيدة الطويلة نسبيا يبدو أكثر مكاشفة وحدة بغير مقدمات، ويسعى كأمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي في قصائدهما الغاضبة في جلد المجتمع وفكره ورفض سطوة المدينة وأضوائها، يقول في المطع الأول من القصيدة:

" لم آخذ الملك بحد السيف، بل ورثته

عن جدي السابع والعشرين (إن كان الزنا

 لم يتخلل في جذورنا

لكنني أشبهه في صورة أبدعها رسامه

رسامُه ... كان عشيقَ الملكة) .

وهو يسعى في رسم ملامح مجتمعه الذي ضج بالمنافقين ومدعي المعرفة والثقافة ووصول الكثير من المنتفعين إلى أصحاب السلطة وصناعة القرار على حساب أهل العلم والثقافة الحقيقيين، ورغم الإحالة التاريخية داخل نصه إلا أنه يعكس استشرافاً لغد آخر يعقب النص الشعري ذاته ويكشف فساداً قائماً وآخر يجيئ، وربما سبب نجاح القصيدة المعاصرة تحديدا جيل صلاح عبد الصبور أنها تناولت العصر ومعطياته ولم تغرورق في الأطر الذهنية المبهمة والتي حصرت قصيدة النثر نفسها في فلك التضييق الذهني المحض الذي دفع القارئ إلى العزوف عن شكل ومضمون هذا النمط الشعري، وفي قصيدة (مذكرات الملك عجيب بن الخصيب) يراهن عبد الصبور في نصه إلى مجاوزة الدهشة إلى المعرفة، والتلميح إلى التصريح، ويقامر على تقرير القارئ وموافقته لأحداث ومشاهدات القصيدة مما يدفع القارئ أن يتضامن مع النص والقصة الشعرية،  يقول عبد الصبور:

" قصر أبي في غابة التنين

يضج بالمنافقين والمعلمين والمؤدبين

من بينهم مؤدبي الأمين (جورجياس)

وكان لوطيا مسيحيا

ورغم تعاليمه قد عرفت النساء

إماء أبي كن حين يجن المساء

يجئن إليَّ يلاعبنني ويضاجعنني

ويفضحن لي ما يسرُّ أبي

إليهم، حين تثور الدماء، وتهمد ظمأى

فيسحب ثوبه

وحين يطيب له كاهنوه، فتبتل رغبته بالرذاذ

ويحمد ربه " .

ومزية شاعر الزمن الجريح صلاح عبد الصبور أنه أحد رواد المسرح الشعري ولعل رائعته (مأساة الحلاج) خير دليل على ريادته لهذا الفن الأدبي، وهذه المزية هي التي دفعته لأن يكون أوبراليا في نصه بعنى أنه لا يكتفي بصوته الشعري، بل يتجاوز الذاتية إلى خلق مساحة من الفضفضة أو البوح الجماعي عن طريق اصطناع أصوات شعرية أخرى تعبر النص وتتخلله من أجل مشاركة القارئ في ارتداء قناع شعري يجسد صوته أو حالته، وهذا ما أراده حقا صلاح عبد الصبور في المقطع الخامس من القصيدة إذ تعددت الأصوات الشعرية المصاحبة لموت الملك، وتلك الأصوات هي معادل موضوعي لفصائل وطوائف المجتمع التي تختلف في رؤاه صوب المشهد الواحد، يقول عبد الصبور:

" صوت حيران:

هناء محا ذاك العزاء المقدما

صوت فرحان:

فما عبس المحزون حتى تبسما

صوت ريان:

فأنتَ هلالٌ أزهر اللون مشرقُ

صوت أسيان:

وكان أبوك البدر يلمع في السما

صوت غضبان:

وأنت كليث الغاب همك همه

صوت بالدمعة نديان:

وكان المليك الراحل اليوم قشعما " .

ولجوء صلاح عبد الصبور إلى التاريخ والقصص الشعبي ليس هروبا إلى تاريخ ميت، أو النزوح بمنأى عن المعارك المباشرة وجها لوجه بقصد ما يريد أن يجعل القارئ المثقف أكثر وعيا وإدراكاً لواقعه ومجتمعه والحالات الطارئة التي تعتريه من وقت إلى آخر وهو أحد أدوار المثقف الأخلاقي أي الذي يلتزم بقضايا مجتمعه حتى وإن كانت الصياغة الشعرية غير مباشرة، وهذا اللجوء أشبه بكتابات صادق جلال العظم الفكرية حينما كان يلجأ إلى التاريخ ليس هروبا لكن لكشف البنى الإيديولوجية والثقافية للمجتمع تحديدا في كتبه (النقد الذاتي بعد الهزيمة)، و(ذهنية التحريم)، و(نقد الفكر الديني) أو حتى في كتابه (في الحب والحب العذري) وهو إحياء للتراث عن طريق ربطه بأحداث حية مشهودة وبقضايا ومشكلات يحياها المواطن المصري بخاصة والعربي بصفة عامة، وربما كلاهما / عبد الصبور والعظم كانا يريدان إعادة النظر على السواء في التراث والواقع المجتمعي القائم آنذاك . يقول صلاح عبد الصبور:

" لو قلت كل ما تسره الظنون

لقلتمو مجنون

الملك مجنون

لكنني أبحث عن يقين

في مجلس الصبح أنا تاج وصولجان

تقطيب عينين وبسمتانْ

أو بسمة تعقبها تقطيبتانْ

وعلى كل حال

لها أوانْ

لكنني في مخدعي إنسانْ " .

ـ تَغْرِيْدَاتُ صَلاحِ عبدِ الصَّبُورِ .. مُمْكِنَاتُ المُسْتَقْبَلِ:

والقصيدة الثانية التي تجبرنا للوقوف عند حدودها هي قصيدة (مذكرات الصوفي بشر الحافي) وهي عن الصوفي أبي نصر بشر بن الحارث، ودوما يعتقد النقاد المتأخرون أن اقتناص الشعر أو القاص صورة الماضي هو جمود الحاضر وتيبس مفاصله، لكن النظريات النقدية المعاصرة لا ترى الأمر كذلك، بل هي تصر على الدور الكاشف للتراث في إماطة اللثام وإزاحة الغموض عن واقع المجتمع الراهن، وقد يلتمس الشاعر في ماضيه علامات وإشارات يمكن من خلالها البوح بنقد عقلاني وموضوعي لمجتمعه، وهذا تماما ما صنعه صلاح عبد الصبور في قصيدته، فهو اعتبر أن عنايته بالصوفي بشر الحافي هو عناية بمجتمع قائم والكشف عن ممكنات المستقبل الآتي، لذلك فبدايات القصيدة تبدو قصيرة وسريعه تماثل مجتمع عربي متسارع، يقول صلاح عبد الصبور:

" حين فقدنا الرضا

بما يريد القضا

لم تنزل الأمطار

لم تورق الأشجار

لم تلمع الأثمار

حين فقدنا الرضا

حين فقدنا الضحكا

تفجرت عيوننا .. بكا " .

ولا أريد أن أبالغ في أن صلاح عبد الصبور يكاد يعبر زمنه التاريخي في ابتداع شبكة التواصل الاجتماعي (تويتر) بتغريداته الشعرية القصيرة جدا والتي تجسدت في قصيدته (مذكرات الصوفي بشر الحافي)، حيث نلمح جملا شعرية قصيرة رغم بساطتها اللغوية إلا أنك تقف أمامها لتسبر أغوار معانيها، لاسيما وأنها تتمثل في صورة أمرية وكأنها نصائح أو توجيهات ينبغي الالتزام بها، يقول صلاح عبد الصبور:

" احرص ألا تسمع

احرص ألا تنظر

احرص ألا تلمس

احرص ألا تتكلم

قف ...!

قف ...!

وتعلق في حبل الصمت المبرم

ينبوع القول عميق

لكن الكف صغيرة

من بين الوسطى والسبابة والإبهام

يتسرب في الرمل ... كلام " .

خاتمة:

إن الحديث عن المنجز الشعري عند صلاح عبد الصبور طويل لاسيما وأنه شاعر لا يمكن اقتناصه بأحكام نقدية سابقة، وبات من الصعب إحالة نصوصه الشعرية إلى سيرته الذاتية التي قصدنا بوعي إلى عدم تناولها بدعوى أن الشاعر دوما في غياب، أما النص فهو شديد الحضور وهو ما استدعى قراءة معاصرة لنصوص شاعر متميز وهو نفسه لم يسع في نصوصه الشعرية إلى إضفاء عقدة التخمة والأنا في الحديث عنه، بل كان دوما صوتا لغيره، وتجاوز الصوت الآخر إلى حضور أصوات أخرى متباينة في قصيدته، وربما جاءت القراءة المعاصرة نتيجة منطقية لشاعر شكل ثورة في الشعر هو وصاحبه أحمد عبد المعطي حجازي بقصيدة التفعيلة التي رفضها آنذاك المفكر المصري عباس محمود العقاد، فجاءت اللغة بسيطة كوجوه الناس، وأتت الصور الشعرية سريعة وأكثر تسارعاً لتتزامن وعصر القصيدة .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ  المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية  (م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

وليد العرفي تتناول قصيدة الشاعر عادل الحنظل موضوعة الغربة والبعد عن الوطن، وطالما كانت الرحلة من الموضوعات الرئيسة في القصيدة العربية منذ شعر ما قبل الإسلام وليس انتهاء بالعصر الحديث ؛ فقد كانت موضوعة الرحلة من الأركان الرئيسة البانية في هندسة القصيدة العمودية التي انتهج الشعراء مسارها وفق نمطية لم يحيدوا عنها، وعدّوا الرحلة ركناً أساسيّاً تقوم عليه، وتُبنى على أساسه، وليس بعيداً عن الذهن أنَّ الرحلة كانت في تلك الحقبة من الزمن رحلة بحثٍ عن كلأ، وسعياً وراء مصادر المياه، وإمكانية الاستقرار.

ولم تتغيّرْ الدوافع كثيراً على الرغم من تباعد الأزمنة غير أنَّ الأسباب أصبحت أكثر، وأقسى وفي نص الشاعر عادل الحنظل

خلجات يقدّم العنوان مفتاح الدخول إلى النص فالدلالة المعجمية للفظة تُشير إلى تلك الغصّة التي يشعر بها الإنسان في غربته .

ساءَلْتُ العطّار

عنْ نبتٍ يشفي داءَ التَّرحالْ

ويزيلُ الغربَةَ في النفسِ

ويطَرّي يَبَسَ الأحزان

أخبَرَني

ما عادتْ في بَلَدي أمكِنَةٌ

يهواها الزرعُ .. أو ماء

حتَّى الرّيح

تحملُ أدرانا .. وترابا

تذروهُ بأعين مَنْ عشقوا

في الليلِ مناجاةَ الأقمار

تلك الغصة التي تحتاج للتعبير عنها إلى بوح يفترض وجود أذن تسمع، وقلب يصغي للشكوى، وهو ما يتبدّى بافتراض طرف آخر، ومن هنا يبدو استدعاء الشاعر للعطار بما تُحيل عليه دلالة التوصيف من إحالة مرجعية على مأثور المثل الذي يقول لا يُصلح العطّار ما أفسد الدهر، وبهذا يظهر النص أول تلك الغصات التي تكشف عن استحالة التغيير، وهو ما يكشف عنه الحقل الدلالي للألفاظ التي اتَّشحت بالقتامة، أدران، تراب، تذروه، وهي ألفاظ دالة على القفر الذي بدأ مشهده بإخبار العطار للشاعر عن خلو البلد من أماكن الخصب، والمياه التي تدل على الحياة في دلالتها الأخيرة، "وجعلنا من الماء كل شي حيٍّ "، وعلى الرغم من أنَّ لغة القصيدة سعت باتّجاه البوح والتعبير أكثر من انشغالها بالتصوير إلا أنَّها لم تغفل اقتناص اللحظة التي جاءت غايةً في الحيوية، ومكتنزةً بقدرتها البلاغية التي تجسّدت في هذا التركيب اللغوي: " ويطَرّي يَبَسَ الأحزان" التي منحت الأحزان حيزاً فيزيائياً، وهيئةً تملأ الفراغ الذي يعتمل في نفس المغترب، وقدْ نقلت الأحزان من مجال المشاعر والأحاسيس إلى مجال المدركات الحسيَّة الملموسة .

 وتتكشَّف الخلجة الأولى في قفلة المقطع بما تحمله الريح للعشاق الذين يناجون القمر من تراب وأدران تذروها في عيونهم، وهنا تبدو مفارقة المشهد بإحالته على ما هو غير متوقع بين مناجاة العشاق للقمر في الليل، وفعل الرياح وما تحمله لهم .

مسحوا عنْ وَردِكَ يا وطني

قَطَراتِ ندى الأصباح

خدشوا في الليلِ حياءَ الصَّمت

جعلوا أُمّا تبكي

أختا تندبُ مَن راح

وأبا ما عادتْ في عينيه

غيرُ خيوطِ العزّةِ

تنسجُ في وهنٍ

سترا يخفي جبلَ الاحزان

سرقوا يا وطني

منكَ صلاةَ الفقراء

ذبحوا ايمانَكَ قرباناً

لعبادةِ أوثانِ الغُرَباء

وفي المقطع الثاني الذي نهض على خلجة جديدة تمثَّلتْ بفعل الأحداث التي حصلت في هذا الوطن، وما جرته من متغيرات بفعل مقصود، ويدٍ متعمدة، وهو ما جاء بدلالة الضمير واو الجماعة الذي أسند إليه أفعال: (مسح، خدش، ذبح، سرق ) وإنَّ تأمل هذه الأفعال يكشف بجلاء عن مدى الأذى، وهول الفعل الذي ألحقه هؤلاء بالوطن، وفي العلاقات الرابطة بين الفعل، وما أحدث فيه أو عليه ثمة إضاءات أخرى لتلك المآسي فنلاحظ: أنَّ العلاقات بين الأفعال وما أحدثت فيهم جاءت بصورة تجسيدية ما يفيد بتعميق المعنى فقد ارتبط الفعل مسح الذي يرمز إلى تجفيف السائل، أي بلوغ مرحلة الجفاف، والجفاف في دلالته الأخيرة يعني الذبول والموت، وفي الفعل خدش ثمة إشارة إلى مدى الألم الناتج عن الخدش لحياء الصمت، وهو دلالة واضحة عن مدى الانحلال الأخلاقي الذي جردهم من الشعور بالخجل من اقتراف أي فعل، وهذا ما جعلهم يبكون الأم والأخت والأب، وهؤلاء الثلاثة هم من أكثر من يجب إحاطتهم بالرعاية والمرحمة، وعندما تتقطع تلك الصلات، فإنَّ الإيمان بلا شك سيكون لدى هؤلاء محل ريبة وارتهان لغير ما فطرت عليه النفس السوية والفكر النبيل . 

وتوضيحاً للعلاقة بين الفعل وما وقع عليه نُبيّن ذلك بالجدول:

الفعل -  النوع  -  الحدث -   الرمزية -  المآل والدلالة الأخيرة

مسح   تجفيف      ندى      إزالة       ذبول

خدش  ألم          تبكي       أسى      حزن

سرق  عبادة     صلاة     كفر        شرك

ذبح    عقيدة     إيمان    إلحاد       ضلالة

 ففعل المسح الواقع على الندى يؤدي إلى جفاف مصدر الماء عنه، وهو ما يعني حالة انعدام الحياة والموت، وفي الفعل خدش ثمة حالة من القسوة الحاصلة بفعل تجاوز العُرف والأخلاق، وهو ما يُسبّب ألم أعز الناس ممن يتوجب على الإنسان احترامهم، وتوفير الحماية، وصون الكرامة، وغير خاف ما تحمله مقصدية كل من الفعلين: سرق و ذبح من إشارة على استشراء حالة المخالفة لدى هؤلاء، وما آلت إليه حالتهم من البطش، وتجاوز كل قوانين الشرائع، وتوصيات الأخلاق .

أنبأني

شيخُ الأديان

أنّ عمامَتَهُ

تحوي أسرارَ الكونِ

وخبايا الخلقِ

وتفاسيرَ كتاباتِ الإنسان

من آدمَ حتى الآن

يعرفُ أين هوى الجدُّ الأكبرُ

لمّا رَفَستهُ الى الأرض

أقدامُ الرحمن

حدّثني

أنّ علومَ الإنسِ وأخبارَ الجان

منْ تحتِ عباءَتِهِ

أخرجَها الكفّار

أنّ بهاءَ سماحتِهِ

تكشفُ كلّ الأقدار

تغفرُ ما فاتَ وصار

لمَ يا شيخُ إذنْ

في بلَدي

يُقتَلُ مَنْ قالَ لكمْ ..

لا

وفي المقطع الأخير يسرد الشاعر ما يمكن للشيخ بوصفه قارئاً للغيب، ومطَّلعاً على التاريخ الماضي، وما آلت إليه الأحداث في الزمن الحاضر، وأمام تلك الإحاطة بالعلوم، وتفسير مخبواءات الكون تأتي القفلة الصادمة بالسؤال الاستنكاري الذي يأتي على شكل خلجة الخلجات بالحرف: (لا) الذي جاء انتهاء يدلُّ على ابتداء، وأحال على فضاء مفتوح من الأسئلة التي لا تعرف أجوبة لها إلا بطرحها مزيداً من الأسئلة الشائكة بانتظار أجوبة معلّقة لا تبعث إلا على مزيد من الخلجات التي جاءت عنواناً رامزاً لكل ما ورد في النص من مفارقات ظلَّتْ صدى أصوات مبحوحة ، وخلجات أحزانٍ مفتوحة .

 

 د. وليد العرفي

....................

للاطلاع على القصيدة في المثقف

خلجات / عادل الحنظل

 

وليد العرفي يطرح نص الشاعر: ماجد الغرباوي مقولته انطلاقاً من الواقع الذي يبدو مثالاً يستقي  الشاعر منه معطيات قراءة بصرية تنعكس في لغته التي تتمرأى أبعاد التجربة بما فيها من آمال وآلام، وإذا  كان الأدب بشكل عام يبني اشتراط رؤيته بما يستطيع التعبير عنه؛ فإن الشعر يبدو وفق هذا الفهم أكثر قدرة على نقل الواقع، وتجلية إرهاصاته، ويظهر في شعر: ماجد الغرباوي  أنَّ النص الشعري يجسّد تمثلات الواقع وفق بعدين بعد الواقع الحقيقي، وبعد الواقع المثال، وهو ما يتبدّى في قصيدته الموسومة بــ: (يتهادى حُلماً) التي يعلن فيها العنوان عن أولى تبديات تلك العلاقة في بعدي الواقع المثال، الواقع الحقيقي، فقد جاء تريب العنوان على النمط الفعلي، وهذا البناء يرمي إلى تأكيد الحركة التي تتولّد عبر صيغة الزمن للفعل الحاضر يتهادى، وما يحمل هذا الفعل في بنيته الصرفية من إيحاءات دالة على الحركة التي تتشكّل وفق نمط يقوم على التدرّج والمتابعة وهو ما يتساوق دلالياً مع حالة الارتقاء التي تستبطن دال (حلماً)، والحلم هنا دال تعبيري على العلو، ورغبة في تحقيق مأمول بعيد المنال .وبهذا يُؤسّس العنوان لعلاقاته البانية للمتن في السياق النصي الذي يبدأ بالحالية يقول:

نافرةً هوتْ زنابقُ البحرِ

توقاً الى رَعشةِ اندهاشٍ

سَرَقَتها آلهةُ النارِ

فَطافَتْ بها سبعةً ..

تَتَهجد ...

تُرتّـلُ قداساً مكتومةً أنفاسهُ

وتَطوفُ حولَ مَدارٍ

مشدودٍ لذلك الفجر

لأولَ يومٍ تَمايلتْ فيه الريحُ

تُشاكسُ دَمدَمات المَطر

وتُدندنُ أغنياتٍ مهمَلةً

لا تُداعبُ زَغبَ العَصافير

يكشف عن  مثال الواقع  والواقع المثال؛ فمثال الواقع  يتمظهر بدوال: (البحر، النار، المطر، الريح، العصافير، جاءت هذه الألفاظ واقعية مرتبطة بالحالة الحسية للإنسان؛ فهي مما يرى ويُسمع) فيما يتجلى واقع المثال بدوال: (توق، اندهاش، طافت، تتهجد، الفجر، عشة، ترتل، قداس،) فهي ألفاظ ترتبط بالجانب المعنوي للإنسان ومشاعره السامية ، وفي هذا الجمع بين طرفي الواقع والمثال يبدو النص الشعري مرتهناً للحظة إبداعه التي تتشوّف إلى رؤية خاصة تُمكّن من الجمع بين الواقعين في إطار العاطفة التي تجمع الشاعر بالمرأة الحبيبة يُماهي بين الجسد والروح في لحظة توهّج عاطفي:

يبدو الواقع المثال والمثال الواقع واقعاً يمازج فيه الشاعر بين الممكن والمستحيل، والأمنية والحقيقة، وهو ما يتكشَّف بإظهاراته اللغوية التي جاءت في الزمن الحاضر عبر ترداد أربعة أفعال: (يتوهَّج، يُغازل، تراود، تُطارد) وإحالات هذه الأفعال غير خافية في دلالتها الزمنية التي تعني الاستمرارية في الحدث المستقبلي، وعلى الحركة المتنامية على المستويين الحسي الانفعالي  ولنتأمل قول الشاعر:

أَغدو وأنا المُتَيمُ ... شفقاً

يَتَوهجُ فوقَ شَفَتَيكِ

يُحيل الفعل الأول:  يتوهَّج على التألق والإشعاع، وإضفاء النور على المدى المؤطّر للحالة الموصوفة، وفي قوله:  حينما يُغازلُ دفؤكِ لهاثَ أنفاسي نلحظ أنَّ الفعل يُغازل يشير إلى اللغة، (كلام الحب)، وهذا الكلام هو من أجمل أنواع الحكي؛ لأنه من أكثر الفنون جاذبية للإنسان،وأكثرها قدرةً على منح المتحدّث طاقة خلَّاقةً مُضافةً، إنها تعبير عن تشظّي الدلالات القادرة على تطييف ألوان اللغة بإشاراتها الرامزة التي تنهض باللغة وفق مستويات من التشكيل الذي ينحرف عن مسارات اللغة بمواضعاتها المعجمية المألوفة إلى انزياحات تُسهم في توليد لغةٍ من اللغة:

تُراودُ أَحلامي جَمراتُ شَوقٍ

وحَفنةُ آهاتٍ تُطاردُ ظِلاً

يُسابقُ البَنَفسَجَ عطرُهُ

إنَّها لغة تنداح في مساقات لا متناهية من الرؤى والأخيلة التي تتفتّق عبر موشور رؤيا الباصرة والبصيرة، وقدِ اقتنصتْ منَ التَّزامن الحسيّ عبر تبادل وظائف الحواس، وأدوارها تقنيةً أسلوبيَّة فالبنفسج المرئي بالبصر يسبق رائحته، وهي من حاسة الشمّ، وحفنة الآهات، وهي من دائرة الصوت، وتقع في حيز حاسة السمع تطارد الظل، وهو من معطيات حاسة  البصر .

إنَّه الواقع المثال الذي يُحلّق الشاعر في آفاقه عبر مرجعية لغوية مستعادة على شريط الذاكرة التاريخية، وتراثية الحالة الواصفة، إذْ يستعيد عيون المها التي ذكرها الشاعر: علي بن الجهم  باستهلال قصيدة له:[1]

عيون المها بين الرصافة والجسر      جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

" ضاحكةً عيونُ المَها

تُلامسُ شغافَ قلبٍ

يَسهو في مِحرابهِ

يتبتلُ ساعةً وأخرى

يَعكفُ "

ترمز مرجعية تمّوز أو دموزي في الواقع المثال إلى الأساطير السومرية،، وهو إله الزراعة والرعاة والخصب، وتُشير الأسطورة إلى أنَ تمّوز أو دموزي هو خامس ملوك مدينة باد تييرا قبل الطوفان، وقد اقترن بفصل الربيع، ونمو  النباتات وإله الرعاة، وتروي الأسطورة أنَّ عشتار: (إلهة الحب والحرب) أحبَّتْه ثمَّ قتلته وأعادتْهُ إلى الحياة، وبهذا أصبح يُجسّد انبعاث الطبيعة في فصل الربيع، [2] " وتعتقد شعوب الشرق القديمة أنه مات في الصيف نظراً لجفاف الأرض، وزوال الخصب، ولهذا يُعلن الحداد في سومر على وفاة دموزي في شهر (تمّوز) الذي يقع في منتصف فصل الصيف؛ وتُشير القصيدة السومرية إلى المنافسة بين دموزي والفلاح أنكيمدو  لكسب ودّ عشتار التي فضّلت تمّوز في نهاية المطاف، وتنتهي القصة برغبتها بزيارة العالم السفلي، وتعرضها للموت هناك بمكيدة أختها التي تقبل بإحيائها بعد تدخّل إنكي  إله الحكمة والذكاء والحِرف ، وتوسّطه الذي ينتهي بإحيائها وإعادتها إلى عالمها بشرط  إيجاد بديل لها يحلُّ محلها في العالم السفلي، وهو ما وجدته في تمّوز الذي وجدته سعيداً بغيابها، وقد جلس على كرسيها ما أثار غضبها، ودفع بها إلى إنزاله مكانها إلى العالم السفلي، غير أنها تعود وتُشفق عليه؛ فتمنحه فرصة العودة إلى العالم الحي كل سنة مرة، وهكذا تتناوب دورة الطبيعة والفصول حسب الأسطورة بعودة تموز أو نزوله إلى العالم السفلي .

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنَّ أسطورة تمّوز قد حظيت باهتمام الشعراء كثيراً، ويأتي الشاعر: بدر شاكر السيّاب في طليعة شعراء الحداثة العرب احتفاءً بتوظيف الأسطورة التموزية إلى جانب الشاعر السوري أحمد علي سعيد إسبر  الذي لقَّب نفسه بأدونيس، وهو الاسم الإغريقي لـ: (تمّوز) في قصيدته البعث والرماد [3]  حتى إنه سُمّي به . وقد نوّع الشعراء في تكنيك استخدامهم الأساطير ما بين الرمز العام العابر، والرمز المستثمر للمغزى: " لما تتصف به الأسطورة من حيويّة قادرة على إكساب الشاعر مجالاً أوسع  للتعبير؛ ليُفصح عمّا يجول في ذهنه من فكر، وما يعتمل في نفسه من رؤى وأفكار في إطار جمالي، يُحلّق بالنصّ الشعري بعيداً عن التقريرية والسرد والمباشرة، ويعصم نفسه منَ المساءلة،  ويتجنّب أذى المتابعة  . ووفق هذا الوعي للأسطورة؛ فإنَّ إفادة الشعراء من تلك الأساطير تجعلنا نتلمَّس المنابع الأصلية لإنسانيتنا، إذْ إنهم ربطوا ماضي الإنسان بحاضره في حيويّة تحفّل بالتدّفق، وتتخطّى العادي؛ لتقيم علاقة مع الأبدي ". [4]

وهو ما يُشكّل علامةً فارقةً في نمطية التكنيك التي لجأ إليها الشاعر الحديث الذي   " يفترق عن الشاعر الكلاسيكي في استخدام الأسطورة؛ فالشاعر الكلاسيكي استخدمها لمجرد مغزاها الذاتي، أو كلصق استعاري في أدنى مراتبه، بينما نجد الشاعر الحديث يستخدم الأسطورة والدلالة الميثولوجية كنوع من التوحّد بين الرمز الذي تهيّئه الأسطورة وبين ما يرمز إليه " كما أنّ استغلال أسطورة تموز في الشعر العربي الحديث يُعدّ من أجرأ المواقف الثورية فيه، وأبعدها آثاراً حتى اليوم؛ لأنّها تٌؤسَّس على  استعادة للرموز الوثنية، وتوظّفها في مفهوماتها الإشارية للتعبير عن أوضاع الإنسان العربي في هذا العصر، أضف إلى ذلك أنَّ لهذه الأسطورة جاذبية خاصَّة، لأنّها تصل بين الإنسان والطبيعة، وحركة الفصول وتناوُب الخصب والجدب"[5]،

أما في المثال الواقع؛ فإنَّ لتموز ارتباطه بالزمن الذي يُحيل على استيلاء داعش على بعض مدن  العراق، وإعلان البغدادي نفسه خليفة للمسلمين في دولته الجديدة، وكان ذلك بتاريخ 29 يوليو 2014 م . وهو ما يقابل تسميته تموز في بلاد الشام والعراق،

كما يرتبط  الواقع المثال بالزمن الماضي الذي لا يُمكن أن يعود إلا بالذكرى،آية  ذلك أننا  نجد أفعال الحاضر التي احتشدت في لحظة الذكرى بكثافة: (يُلامس، يتبتل، يسهو، يعكف، يُرتّل) جاءت مُكتنزةً بإلماحاتها التعبيرية الفائضة بتجليات السموّ والتجلّي والتلّذذ، وسرعان ما تنداح في مثال الواقع الذي يُغيّر تلك الحالة  في واقعيّة المشهد الذي يُرجع الشاعر إلى أرض مثاله المُشاهَد، إذْ يبقى الواقع المثال مُجرّد قراءة مُستعادة يقوم بها الشاعر، وهو:

يُرتّلُ آياتٍ ..

مرَ بِها طيفُكِ ساعةَ سحرٍ

فظلّتْ مَركونَةً في زوايا ذكرياتٍ

وبقايا أُمنياتٍ تَسربلتْ

ويقوى المثال الواقع بكلّ ما فيه من عتمة، وانسداد أفق؛ فيأتي:

حُزناً سَرمدياً

جادَ به تَموز

فما عادَ لنا فرحٌ

والموتُ يَنشرُ راياتَهُ السود

فوقَ سحابات بلدٍ خانتْ به

نفوسٌ أدمنتْ الغدر

وفي هذه النهاية تتبدّى لنا قصيدة السيّاب: "أغنية في شهر آب" التي يقول فيها: في شهر آب يمّوز يموت على الأفق وتغور دماه على الشفق في الكهف المظلم والظلماء " [6]

فأية أقدار تلك التي تُعيد الزمن في دورته ؟! وكأنَّ التاريخ يُعيد دورته الزمنية من جديد؛ ليلتقي تاريخ السيّاب وتاريخ الغرباوي في إطار المأساة الجامعة الدامعة .

ويُوحّد اللون الأسود تلك الثنائية: بين الواقع المثال، ومثال الواقع؛ ليُصبح واقعاً أوحد؛ فاللون الأسود في إحالته المرجعية يشير إلى الرايات السود التي ترمز إلى قيام الخلافة العباسية على أنقاض الدولة الأموية، وما في هذا التحوّل من تغيير للتاريخ، والمصير العربي في تلك الحقبة من الزمن، ويُشير تموز الواقع المثال إلى الأسطورة المرتبطة بـ دموزي أو تموز، وهو إله الخصب او اللون الأسود في إحالته النصية ترميز إلى شعار دولة الخلافة الإسلامية في بلاد الشام والعراق التي عُرِفتْ باختصار: (داعش) وهو ما حوّل مصير الدول التي وقعت تحت سيطرتها في تلك المدة من التاريخ، وجعلها تعيش واقعاً يُمثّل أسوأ حقبة في تاريخها ربّما ــ رغم أنَّ الخلافة الداعشية الزائلة لم تختلف كثيراً عن الخلافة الداعشية اللاحقة لها إلا بالتسمية، والتوصيف، واكتسابها شرعنة؛ فالخلافة التالية لخلافة الداعشية لم تختلفْ عنها بالممارسة الأدائية إلا من حيث المظهر، إذ استبدلت العمامة والعباءة والكوفية بالبنطال والقبعة الأجنبية، وعلى ما تأسَّس نجد القصيدة التي كُتبتْ عام 2016 م إنما كانت بوصلةً حدَّدت سمت رؤية ورؤيا الواقع من خلال الحقيقة والرغبات، ولذلك بدا الواقع مُتشظّياً بين واقعين يُجسّدان: واقع الحال البشري ، وواقع الخيال الشعري .

للاطلاع على القصيدة في المثقف

يتهادى حُلماً / ماجد الغرباوي

 

د. وليد العرفي

  ............................

هوامش

[1] ــ ديوان:علي بن الجهم، تح: خليل مردم بك، دار صادر، بيروت، ط 3، 1996 م  .

[2] ــ يُنظَر: موسوعة المورد: منير البعلبكي،  دار العلم للملايين، بيروت، 2005 م، ص 167.

[3] ــ الأعمال الشعرية الكاملة: أحمد علي سعيد إسبر (أدونيس)،ج 2، ديوان أغاني مهيار الدمشقي، دار العودة، بيروت، 1988، ص  331.

[4] ــ يُنظَر: لغة الشعر  ــ قراءة في الشعر العربي الحديث ــ : رجاء عيد، منشأة المعارف، 1998 م، ص 229.

[5] ــ يُنظر: اتّجاهات الشعر العربي المعاصر: إحسان عباس، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، مايو / 1978 م،   ص 65.

[6] ــ  المجموعة الكاملة: بدر شاكر السيَّاب، دار العودة، بيروت، 1971 م،  1/ 328 .

 

 

حسين فاعور الساعديترجمة الأديب الشاعر نزار سرطاوي

في هذه القصيدة تخاطب الشاعرة والدها مباشرة دون لف أو دوران.  وتعبر عما جاش في صدرها قبل وبعد أن غادر البيت. هل هي الجرأة أم الوقاحة؟ أظن أنها الجرأة حتى لو كانت وقاحة. فما أحوجنا لجيل يواجه ويفكر. ما أحوجنا لأبناء لا يعبدون آباءهم وأمهاتهم ويوافقونهم على كل شيء. ما أحوجنا لفتيات لا يقلدن أمهاتهن في كل شيء.

الشاعر نزار سرطاوي في ترجمته لهذه القصيدة كان يكتبها من جديد بلغة عربية أنيقة وهو عمل لا يقدر عليه إلا المبدعون. فأن تكون مترجماً لا يكفي أن تجيد اللغة. يجب بالإضافة إلى ذلك أن تكون مبدعاً أيضاً لأن عملية الترجمة هي عملية خلق في قالب حُدّد لك مسبقاً حجمه وشكله.

شارون أولدز شاعرة أمريكية. في كل كتاباتها لا تتناول إلا طفولتها، تجاربها الجنسية، زواجها وأولادها. من خلالهم تطل على العالم من حولها. في كتابها الأول "الشيطان يقول" ركزت على حياتها الجنسية وحياة عائلتها. وفي كتابها "وثبة الظبي" تحكي عن طلاقها من زوجها بعد ثلاثين عاماً من زواجهما. رأت العالم الخارجي من خلال عالمها الخاص. وهي شاعرة متمردة (ككل شاعر حقيقي) لها مواقف خاصة ومميزة كما حدث معها عندما رفضت دعوة لورا بوش زوجة جورج بوش الابن عندما رفضت دعوتها للمشاركة في أحد المعارض لأن زوجها شن حرباً على العراق دون قرار ديمقراطي.

إن اختيار الشاعر نزار سرطاوي لقصيدة "الضحايا" وترجمتها جاء موفقاً وفي أوانه. فكل أطفالنا في عالمنا العربي الواسع هم ضحايا. إما ضحايا الإهمال وإما ضحايا الصراعات الزوجية العلنية وغير العلنية، وإما ضحايا تسلط الأهل، أنانيتهم وتحكمهم، وإما ضحايا الفكر السلفي المتحجر، وإما ضحايا الأسلحة الحديثة التي يجربونها في أجسادهم الغضة. هؤلاء الأطفال لديهم الكثير الذي يريدون قوله لآبائهم وأمهاتهم ومن حولهم. لكن ثقافتنا وأعرافنا وعاداتنا وتقاليدنا لا تسمح لهم حتى بالنظر في وجوه آبائهم وأمهاتهم وتوجيه الأسئلة لهم حتى عندما يكونون مجرمين بحقهم. لأننا نربي أطفالنا على مسح شخصيتهم وتقديس حتى غير المقدس.

في قصيدة "الضحايا" لم يكن من السهل على الشاعرة أولدز مواصلة توبيخ والدها ووصف مشاعرها السلبية اتجاهه بعد مغادرته للبيت فلجأت  إلى آلية الإسقاط  projection. وهي آلية حماية ذاتية معروفة في علم النفس يلجأ إليها الفرد في حال شعوره بالضيق أو بالحياء مما هو فيه أو مما يفعله. هذا الإسقاط جاء بعد البيت الرابع من القصيدة وبعد أن وصفت الشاعرة كم كانت سعادتهم عندما طردته أمهم من البيت.

الوالد يظل والداً حتى لو كان سكيراً أو متعاطياً للمخدرات. فالولد يحتاج لصورة الأب كما يحتاج لصورة الأم، مهما كانت هذه الصورة، وهو ما لا يعيه الكثير من الآباء والأمهات في صراعاتهم فيما بينهم وفي حروبهم الضارية لكسب ثقة الطفل وتجريم الطرف الآخر وتشويه صورته. ليتنا نجنب أطفالنا هذه الصراعات ونفهم أن الطفل بحاجة لأم وأب مهما كانت صورتهما سوداء. ليتنا نفهم أن خلافاتنا الزوجية لا علاقة لأطفالنا بها ولا يجب إقحامهم فيها.

الشاعرة أولدز لم يهن عليها هذا الفرح الذي شعرت به هي وأخوتها بمغادرة والدها للبيت فأسقطت هذا الفرح على فرح كل الناس في أمريكا عندما غادر نيكسون البيت الأبيض.

هذا الإسقاط الذي جاء في البيت الخامس جعل نيكسون، الرئيس الأمريكي بعظمه وشحمه ولحمه يأخذ مكان والدها السكير، لتبدأ الحديث عنه:

" ثم طردت وابتسمنا

في أعماقنا، كما ابتسم الناس حين

أقلعت مروحية نيكسون من الساحة

الجنوبية للبيت الأبيض للمرة الأخيرة"

ثم تواصل التساؤل والتشفي بما حدث لنيكسون وكيف جردوه من سكرتيراته وبدلاته وأحذيته وأقلام الرصاص ورزم الأوراق وحتى وجبات غداءه وكاسات مشروبه. هل هو الحقد الطبقي؟

هذا الوصف لرحيل نيكسون عن البيت الأبيض والخلط بينه وبين رحيل والدها بعد أن طلقته والدتها يخفف من معاناتها ومن شعورها بالدون. فها هو نيكسون أيضاً يطرد وليس والدها لوحده. أي أن هنالك في هذا العالم من هو سيء كوالدها. وهذا يخفف من شعورها السيئ  وعذابها الداخلي.

الإسقاط هو آلية معروفة وشائعة يلجأ إليها الإنسان في ضائقة ليخفف من مصابه فحتى "الموت بين الناس نعاس".

أولدز لم تكتف بالرئيس الأمريكي الذي أصابه ما أصاب والدها وإنما انتقلت إلى وصف المعاناة الظاهرة في عيون كل الناس الذين مرت بشققهم ورأت عذاباتهم. ومن يعرف أمريكا أو عاش فيها يعرف حجم المتناقضات في هذا المجتمع.

الشاعرة تعبر بصدق عما مرت به وعاشته:

" لقد علَّمَتْنا أن نصبر، أن نكرهك ونصبر

إلى أن انتصبنا واقفين معها من أجل

القضاء عليك يا أبي"

القضاء عليك يا أبي!! بكل هذه البساطة تتحدث عن والدها وهي قمة المأساة التي تعيشها الشاعرة.

في هذه الأبيات تبلغ الشاعرة قمة الصدق. ويظهر لنا مدى المعاناة التي عاشتها. الأم علمت أطفالها الصبر وهو أمر جيد بحد ذاته ولكنه سيء جداً عندما يكون في سبيل مصلحتها في مواصلة العلاقة مع زوجها لأن الأولاد في هذه الحالة تحولوا إلى أدوات لخدمة أهداف الزوجة التي علمتهم الصبر ليس في سبيل ثقافة الصبر وإنما في سبيل أن تلقنهم كراهية والدهم لتكسبهم إلى صفها فيما بعد عندما تقرر الاستغناء عن خدماته. وفي رأيي هذه قمة الأنانية عند الأم.

لذلك قالت الشاعرة "نكرهك ونصبر" فكره الأب ليس بالأمر الهين حتى لو كان سكيراً.

الشاعرة وصفت بكل بساطة وشفافية دور الأم في الزج بأطفالها في أتون المعركة بينها وبين زوجها والهدف كسبهم إلى صفها. وهذا ما يحدث لكثير من الآباء والأمهات حتى المثقفين والمتعلمين.

قليلون هم ألآباء والأمهات الذين يبقون أولادهم خارج الصراع الزوجي عندما يبدأ. لان كل طرف يريد أن يأخذ الأولاد إلى صفه كبرهان أنه هو المحق والطرف الآخر هو المفتري.

هذه القصيدة تظهر حجم المعاناة التي يعيشها الطفل وهو يرى الصراع الدائر بين والديه. وتظهر كذلك أن الحياة الشخصية إنما هي صورة مصغرة للعالم الواسع.

لقد أحسن الأديب نزار سرطاوي الاختيار عندما ترجم هذه القصيدة إلى العربية لأنه يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد: فما أحوجنا للالتفات إلى ما يمر به أطفالنا من معاناة وجرائم تقترف بحقهم يندى لها جبين الإنسانية وإعطائهم حقهم في كتاباتنا ومؤلفاتنا. وما أحوجنا للالتفات إلى ذاتنا والكتابة بشفافية عن معاناتنا دون خجل. حتى لو استعلمنا آلية الإسقاط كآلية للدفاع أو لحماية ذاتنا. وما أحوجنا كذلك للحفاظ على الكثير من الأشياء الجميلة التي تملكها الأسرة العربية ولا يملكها الغرب المتحضر.

شكراً للأديب الشاعر نزار سرطاوي على الاختيار اللائق وعلى الترجمة الرشيدة.

***

حسين فاعور الساعدي

...............

للاطلاع على القصيدة المترجمة في المثقف

الضحايا / بقلم: شارون أولدز / ترجمة نزار سرطاوي

 

 

قاسم ماضيتفتش في ثنايا مفرداتها حتى يخرج فكرها من المنغلق، منطلقة من فلسفة التصادم جزرا ومدا، هذا القلق المحّير هو الذي قادها إلى هكذا قصائد. حتى ترفع الكتابة الشعرية في مجمل قصائدها إلى مستوى فكري يتحسسه الآخر

" ام انك الفت طعم الاحزان ! "

كي ترسم قصائدها على الورق الأبيض منطلقة من قراءات معمقة كأنها تريد أن تقول للقارئ أن لغة الشعر هي ليست لغة تقريرية وبهذا تجدها منسجمة مع من سبقوها من المبدعين في هذا الإطار الشعري .

يقال " القراءة هي خميرة الكتابة "

وأي قراءة تقصد " بزي " في زمن الهلوسة والضياع الذي تبناه معظم الفارين من صعلكة المفردة والدخول في عواملها التي تأجج المعذبين والمقهورين والمظلومين  .

ولهذا اصّرت على التقاط صورها الشعرية التي انطلقت منها لتقول للجميع " حين يكون الشعر الهاجس الكياني الأول عند الشاعر، وحين يكون قاعدة النظر، والضوء الذي ينيره في مقاربته الأشياء والعالم .

في قصيدة " عيد في زمن كورونا "

عن أعين النهار قصيا

ها انت تدقُ أبوابنا بإصرار.

حين يتحول الشعر إلى ما يشبه التحفيز والغوص في مديات اللحظات التي نعيشها، ويغمرُ حياة الناس بالبراءة والطهر، القصائد اليومية تنعش الذاكرة ونسيجها الحياتي لهذا كرست يومياتها على شكل فهرست مبرمج وفق تراتيل الروح التي تسكن فيها عذابات الآخرين.

" وعلى قاب قوسين أو أدنى

تصطبغُ السماء بألوانها القاتمة

دونت هذا الباعث الروحي وبصوتها المسموع وهي تتطلع من عمق خفي أي كأنه يطلع من غربة بطول الليالي التي قضتها في استعار هذا الحزن الكامن في صدرها المرتبط جوهريا بروحها العالية.

" كأنما تنذر بإعصار وفناء ..

حائرة هي النفوس لا تدري

أي أرض تواري خوفها

فذرات الوباء

يقول ادونيس " وفي هذا ما يوضح الفرق بين أفق المعرفة الشعرية، وافق المعرفة الدينية والفلسفية، فهذه ترى أن المعنى يجب أن يُعَبر عنه باللفظ الدال على الحقيقة، وفي هذا نُدركُ كيف أن اللغة العربية في بنيتها المجازية، أي في بنيتها الشعرية، أي المجازية، فيكون على العكس منفتحا بلا نهاية لأنه احتمال ويكون بحثا واكتشافا دائمين .

" لملم أنات الثكالى ودموع الحزانى

واجمعها

وحين تنوي الرحيل

ضع عليها عنوان " الوطن القضية "

وهي راكزة ضمن سياق مشروعها الشعري الذي تؤسس له، عبر قراءات مختلفة تُنشئ منها تفاعلا لأفكارها التي عملت عليها من خلال تجربتها الشعرية. وهنا اذكرها بمقولة " الجرجاني .

" الشكل   في الشعر كاللفظ لا يراد لنفسه وانا يراد ليجعل دليلا على المعنى أو التجربة، بمصطلحنا الراهن . فإذا انعدمت التجربة سقط الشكل وفقد مسوغه الشعري مهما كانت " تقنية "

القصيدة مرآة روح الشاعر وفلسفته اليومية المعمقة وهي نتاج لوعي مكتسب ومدروس من قبله، ولهذا عج التاريخ بأسماء مهمة لا تزال حاضرة في ذهنية القارئ، عسى أن تتوج شاعرة من شاعرات الاغتراب في حياتنا الحالية بالحضور اليومي وتكون قريبة إلى روح القارئ العربي . والذي يذهب بعيدا بعد التمعن لهكذا قصائد يجد أنها تخوض تجربة شعرية اخذت على عاتقها مفهوم الشعر الذي لا يتطابق مع الأفكار اليقظة الشغوفة بالمجهول والمنفتحة أساسا على الصيرورة وهذا ما تؤكده الفلسفة الشعرية التي عاشتها الكاتبة " بزي " نتيجة البحث والقراءات المكثفة والعميقة التي اتخذتها منذ انطلاقتها الأولى. وكما يقال.

" فليس   هناك من شعر إلا حيث يكون ثمة خلق وإبداع مطلق . وحتى يكون الشعر في أروقة المرأة ومنهن " بزي " التي تخلق الدهشة في عالمها الذي شكل لها انزياح ومغايرة انطلاقا من الشعر فهو الجمال بعينه

يلف الأرض بحمى الجاهلية

ناشرا بينها شرور الهمجية

منطلقة " بزي " من محاولة اكتشاف جمالية القصيدة وعبقريتها الخاصة من خلال التكثيف الصوري المرسوم في ثنايا روحها المشبعة من خلال موقفها من تراثها الديني، وهل يمكن أن يعيش شاعر في عصره ويعبر في الوقت نفسه عن عصر آخر !1

وهل فرشت باحة الأقصى الأسير فجرا عاطرا

سجادة للمصلين ؟

تنقل أيها الزائر ما شئت في بلادنا العربية

وهذا التدرج الفكري الذي اتبعته شاعرتنا وهي تعاني الأمرين في وقتنا الحالي، حتى تقيم لنفسها فلسفة جديدة ترتكز على الذات، وكما يطلق عليها من بعض النقاد هي فلسفة "الباطن " .

وهي على الأقل لها مشروع بعد إصدارها ديوانين شعريين وضعت كل شاردة وواردة في الصفحات البيض لتقول لنا لي رؤيا خاصة بي.

وهي محاولة كشف لاتحدد آفاقها ولا تنتهي أبعادها .حيث حاجة الشاعر المعاصر إلى بدائل آخرى تلغي التناسب بين الأشياء على أساس الإيضاح المعلقن بإقامة فجوة بين اللغة والأشياء .

أم أنك ألفت طعم الأحزان مثلنا

واخترتَ ركنا ً

وهي بالتالي تعمل ومن خلال قصائدها على بث روح التفاؤل والإيجابية والأمل لدى متابعيها لمساعدتهم على تجاوز ما يمر به العالم من أزمات ومشكلات .ويبدو أنها توقفت كثيرا عند عدد كبير من الشعراء المعاصرين أو غيرهم لتنطلق من مقولة الشاعر الكبير وهذا حسب قراءتي لما تكتبه من مخيالها الشعري التي  أرادت منه أن يكون مصباحا في دروب الظلام .يقول الشاعر العربي التونسي "ابوالقاسم الشابي " قد انتهى بي البحث في الأدب العربي وتتبع روحه في أهم نواحيه إلى فكرة شائعة فيه شيوع النور في الفضاء لا يشذ عنها قسم من أقسامه ولا ناحية من نواحيه "

وهذا ظل يلاصقُ قصيدةَ الشاعرة "بزي " عبر نظرة موضوعية معمقة ومثقفة في قضاياها التي شكلت لها طودا في عنقها حتى تغني تراثها عبر اشكال التعبير التي هي استخدمتها في مجمل قصائدها التنويرية الهادفة محاولة بذلك إيصال لغتها وبناء قصيدتها إلى الآخر.

 

قاسم ماضي  -  ديترويت

 

 

 

توفيق الشيخ حسينقراءة في ديوان: هواجس الزمن المفجوع، للشاعر عبدالزهرة لازم شباري

حزن ينخر قلب الزمن مع بكاء ً يحرق القلب والروح، يرتعش كالنخل عندما تجرفه الأمواج بعيدا ً، وتبكيه طيور البحر عندما تسلبه أرادة الحياة مجدها، وتعطيه القوة التي لا يضاهيها الكلمات، يمد يده الى سلة الحياة لتنفرج على وسعها الأبواب عندما تعانق حروفه في صمت ويقتحم بكل صخب أفكاره مع هواجس أنتثرت في نفسه فمزقت هدوءها ولامست شغاف الروح المفعمة بالحنين الذي لا يفارق ذاكرته .

الأرض تمتد في الخلود

وتحكي قصة الوفاء

ونحن ياسيدي نرنو الى الشمس

ونبكي ضحى الدماء

مددت يدي الى الشفق الأعلى

لأروم صرح عرشك وهو يعلو

الى جنان العرش

يسمو يا شهيد

في أعالي الكون

1543  نوح

الآم صادقة عندما تتعطر الأرض بروح طائر أخضر في مواجهة الموت، لوطن ٍ غال ٍ يبقى شامخا ً كقنديل مضيء في ظلمة الحياة، ويكتب بدمه أعظم كلمات الوفاء، عندها تغيب الشمس خجلا ً وتشتاق الأرض للسماء فتبعث لها عبقا ً من ريح التراب أمام ظمأ الروح الذي يستهوي القلوب رغم عتمة الزمن، ليشرق لنا الأفق أزرقا ً صافيا ً صفاء الروح، وتزهر الأرض بلون العطاء الذي تنشره يداه لأنه الأمان في وحشة الطريق ولأنه الأمل عندما يشرق من بعيد ..

عن دار كيوان للطباعة والنشر / سوريا، صدر للشاعر "عبدالزهرة لازم شباري " المجموعة الشعرية " هواجس الزمن المفجوع " وتضم (30) قصيدة، يعالج فيها الشاعر هواجسه عندما يرحل مع أسراب الطيور نحو دفء القلب عبر مرايا الروح التي تعزف أنغاما ً تبدد هالة الصمت، ويحمل قلبه على هدب الرؤى لينثر شعرا ً عبر شواطىء مجهولة، تبحر فيها جزر تخرج من قوقعة موج غطى كل فيافي الكون، يعيش العمر مع أحلام ذابت في همسات الظلام من جوع وقهر ومرارات على درب الشقاء ويجلس محتسيا ً خوفه ويدخن من قبضات الزمن المفجوع ..

عندما تتوغلين في جسدي

يلد الشعر في باكورة دمي

وتتوهج ثريات أيامي

تقاسمني سنى العجاف،

ويكبر الحب في قلبي،

ينفجر كبركان هائج،

وتولد الكلمات فراقدا

في سماء مملكتي

بقايا من عشق سرمدي يهصر قلبه، وتشرئب عروقه النازفة من فيض الجراح، وتشد ّه الرياح الى ألق الصواري وموج البحار بلا أشرعة، عندما يرسم تأريخا ً فوق تموجات البحر من وجعه التي حبلت بالدموع، تطارده أحلام الأمس التي راحت تحاكي الأزمنة التي تصرخ من حوله أوجاعا ً وحنينا ً في شاطىء مجهول، يقتله ألم الوطن المذبوح ويعصر قلبه الحزن مع وجع السنين .

حلم

في عيوني

ارهاصات الزمن المفجوع،

تسبح في ذاتي

المجهول،

تنسج من أوردتي النازفة

قميصا أبتل من دماء

لونت أصابع الوجع

في مخادع نومي

يفتح عينيه على أرق الطريق، وهو يرسم الآلام من وجع السنين عبر صوته الدامي، يردد يا عراق، يا عراق !! يفتتح القصيدة فوق أكتناز الشعر في رحم المرؤة والاباء، مع أسراب طيور النوارس الراحلة خلف قرص الشمس، وتحوم عالية بقلق مزمن، تبحث عن ذاكرة مفقودة في جدار الزمن المنسي، موحشة تلك الأيام التي تحتضن أناشيدها الحزينة وتذيب ما تبقى من فؤاد فوق أردية السماء .

قرب نصب السياب بدر،

وعلى مشارف شط العرب،

تتأرجح النوارس في الطيران

والركون سابحة في الماء ..

والتيار الصاعد نحو الشمال،

هنا في هذه البقعة بالذات :

تشتد صيحات الطيور

وهي تمتهن الجوع والضياع

تتكور قطرات الندى في متاهات العيون، تبحث عن مأوى في شفق الليل المظلم، فوق مواجع الزمن، يخفق القلب وتشد ّه الرياح مع شظايا الطفولة التي تسري في واد من الأحزان، يلم الشعر فيضا ًمن بقايا الروح عندما يبوح الحب في قلبه التي ترتوي منها قناديل الحياة، وتدخل في مسارات تغرق بماء الأمواج التي تمضي به الى زفرات عمق الأحبة .

عندما أقول أقول

تتكسر الكلمات في فمي

ويلفظني الزمن في متاهات الدروب،

حيث أتكأ عللا أرصفة

الشواطىء الظليلة

وأنام بين هياكل المحار،

وانا عار من الحب !!

هكذا عشنا مع الشاعر في قلق وحزن وهو الواقف وحده، يجمع قصائده التي حبلت بالدموع فوهبته وترا ً لانغامه كالطير في فنن الحياة حين يسمع رنين الأرض وهي تعانق أنفاس الأنين التي تخفق خلف أستار الليالي التي تغفو على شفتي الحنين، في خلوة النفس تتداعى الهواجس وتتضافر الرغبات في البحث عن رحلة تأخذه للبعيد ولأوقات مضت .

 

بقلم: توفيق الشيخ حسين

 

 

بكر السباتين

حاولت جاهداً في هذه الدراسة القصيرة المعمقة تسليط الضوء على الرؤيا التاريخية لحقبة احتلال مصر الفرعونية لبلاد كنعان من خلال قصة حب جمعت بين إخناتون الفرعوني ونفرتيتي الكنعانية.. ” في سياق رواية صبحي فحماوي التي استلهمت التاريخ ولم تستنسخه.. وقد خالطت في مضمونها الحقائق مع الخيال في إطار رواية أدبية بكل المقاييس الفنية.. إنها رواية “إخناتون ونفرتيتي الكنعانية” الحادية عشرة التي صدرت في فبراير 2020 عن الدار الأهلية للطباعة والنشر- بيروت- عمّان- وهي قصة حب شهيرة للأمير إخناتون، ابن الإمبراطور المصري أمنحتب الثالث، والأميرة الكنعانية إلهام- نيفرتيتي، ابنة رفائيل ملك مملكة مجدو.. ولكنهما عند التقائهما وجهاً لوجه، على أبواب معركة مجدو الشهيرة، يتوصلان إلى عقد اتفاق يقول لها فيه:

” نيفرتيتي… ستكونين الزوجة الملكية.. الملكة العظمى. ولن يكون حب كبير كحب كل منا للآخر.. وستبقين جميلة وسعيدة إلى الأبد.”..

هذا النهر الذي يعيد إلينا بينابيع الحياة الكنعانية بتفاصيلها المدهشة وتفاعلها مع الآلهة التي ما لبثت لها بصماتها في بعض عاداتنا.. حيث تجري أحداث هذه الرواية بين طيبة عاصمة مصر الفرعونية، وممالك بلاد كنعان الممتدة من البحر الكنعاني إلى بابل، مروراً ب عجلون وعمون وموآب، وصولاً إلى صيدا وبيروت وجبيل، وأوغاريت.. وقد زودت الروافد نهر الرواية الهادر الجاري، بمعطيات الحياة الحافلة بالتنوع والحكايات المسرودة بنكهة التاريخ والأساطير التي ساهمت في تشكيل الوعي الذي حدد ملامح الشخصية الكنعانية.. وفي هذه الرواية، يتعايش القارئ مع قصة حب عظيمة وملهبة للمشاعر، حيث الصعود إلى ذروة الحدث ثم الهبوط.. وتداعيات المؤلمة.. نحن نتحدث عن رواية تكشف لنا الكثير من خبايا التاريخ السحيق حينما احتل المصريون الفراعون بلاد كنعان، فاشتبكت السيوف والقلوب وخرجت الملاحم التي خالطتها الأساطير وأنعشت تفاصيلها قصة الحب التي جمعت بين إخناتون ونفرتيتي.. رغم النهاية غير المتوقعة لمسارات القلوب التي خالفت مسارات العقول ومآربها. في سياق إنساني منفتح على الخيال داخل إطار تاريخي محسوس وليس منسوخاً بحذافيره.. أي أن الرواية تنقل عبر النهر الدفاق نبض الحياة في تلك الحقبة الكنعانية بتفاصيلها الإنسانية بعيداً عن السرد التاريخي، لذلك فقد وظف الكاتب كما سنرى الصور الفنية الجميلة لتقريب المشهد إلى قلوب القراء قبل عقولهم.. حتى يراها العقل الباطن فتتحول لديه إلى مسلمات.

* التلسكوب الصيني ومصيدة الضوء

1544يعرفنا الراوي” العالِم” بالتلسكوب الصيني الذي سمح له باستخدامه لاسترجاع الماضي من قلب الفضاء بصرياً. وهذا ينسجم مع فيزياء الكم لو أمعن القارئ التفكير.. فحدقة التلسكوب الصيني تتبع افتراضياً ما تلاشى من انعكاسات الضوء للأحداث عبر الكون اللانهائي الامتداد.. وكأنه يذكرنا بنظرية الحسن ابن الهيثم في أن الأجسام تعكس الضوء الذي يسقط في عيوننا فنستطيع رؤيتها.. ووفق الكون الأحدب والبعد الزمني في نسبية أينشتاين، ومبدأ عدم اليقين في فيزياء الكم، فإن الأجسام ومنها النجوم، لا ترى بالعين المجردة عبر السنوات الضوئية، إلا بعد أن تلتقي الأشعة العاكسة للحدث بعيوننا فتتبلور الصورة.. لذلك ففي الكون الأحدب توجد بعض النجوم المولودة التي لا نراها لأن أشعتها العاكسة لم تصافح عيوننا بعد، والعكس صحيح إذ توجد نجوم تلاشت بعد أن استنفدت طاقتها لكننا نراها لأن الشعاع الذي انقطع عن الحدث ما زال في حالة تواصل مع عيوننا فنراها قائمة.. هذا يترجم لنا مبدأ عدم اليقين.. من هنا فالروائي صبحي فحماوي استغل هذه الحالة الفيزيائية ليأتي لنا بالدليل البصري على أن أحداث روايته حدثت كما وصفها الراوي.. فالتلسكوب الصيني استطاع ملاحقة الأشعة الكونية من خلال المرايا لرصد تفاصيل الأحداث عن كثب.. وقد كتبها فحماوي وفق الشروط الموضوعية للرواية بدءاً من الشخوص الرئيسة والثانوية المساندة، والحوار المتنقل ما بين المباشر وتيار الشعور، مروراً بالحدث فالذروة والمكان وصولاً إلى الزمن الذي استعادته المرايا بدقة بالغة.

* الولوج إلى عالم الرواية

يقول الراوي المثقف في سياق عملية الولوج من المستقبل إلى الماضي، مروراً بتداعيات الحاضر الذي سادت مفرداته عقله الواعي:

” قال لي العالِم الصيني المسؤول؛ إنني بصفتي روائياً معلوماتياً عربياً، أستطيع بهذا المنظار أن أشاهد ما أريد من أحداث الماضي” إلى أن قال:

“ولتأكيد أنني في علم ولست في حلم، ثبّتَ العالِمُ سماعتين على أذنيّ، فكانتا تُسمعاني قرقعة الأسلحة، وأصوات حوافر الخيول المطاردة في ذلك التاريخ السحيق، والصرخات، والآهات، وأحاديث الحب والغرام، وحتى الأحاديث المترجمة بنظام الترجمة الفورية من الكنعانية والهيروغليفية إلى العربية الحديثة…هكذا أفهمنى منظار الزمن، الذي لم أتوقع بأي حال من الأحوال أن أنتقل برمشة عين إلى ذلك العصر الكنعاني الفرعوني المجيد”

ومن هنا تبدأ الأحداث تتوالى في سياق قصة عاطفية إنسانية مستلهمة من تاريخ منهوب، في ظل سياسة تضليلية من قبل المؤرخين المعاصرين المجيرين لصالح الرواية الصهيونية المزورة، التي دأب أصحابها بكل ما لديهم من قوة على نفي الآخر، وانتحال تاريخه الكنعاني المجيد وتراثه الفلسطيني الأصيل.

وهنا يتحول الراوي السارد إلى إحدى “شخصيات الرواية المستقبلية” في زمن يكون باستطاعة الإنسان  فيه استرجاع تفاصيل الماضي بالتلسكوب الصيني، حيث أسقطت هذه الشخصية وعيَها الذي يتجاوز الزمن على تفاصيل “الماضي”، في الوقت الذي استعاد فيه الراوي التاريخ الكنعاني المنتهك، من خلال استلهامه في إطار حكاية مروية، وإسقاط ذلك التاريخ على الحاضر بكل تجلياته ومفرداته.. فالتاريخ الممتد عبر الزمن التراكمي يتكرر في تفاصيله الإنسانية، حيث يتجلى ذلك في الثنائيات التي أتخمت بها رواية فحماوي، وكان أهمها ثنائيات: “ما بين مركز الفعل والهامش”، الخير والشر، الحب والكراهية، "سطوة الدين ومؤسسات الدولة واتباع سياسة القطيع ومن ثم تجيير المواقف، مقابل المواجهة المباشرة والحوار لحسم الواقف".. ليخرج القارئ الحصيف من خلال هذه الثنائيات بخلاصة تمثل الحقيقة المليئة بالتقاطعات والثنائيات المتنافرة على أرضية فسيفسائية تمثل واقع الحال آنذاك.. وتتكرر اليوم وربما مستقبلاً حيث يقف الراوي أمام التلسكوب ليستعيد الماضي التليد والمحجوب عن الأنظار.

وقد جمّل فحماوي روايته بالخيال المجنح على متن لغة سردية مثقفة، رزينة ومستقرة، مفعمة بالصور الفنية واللوحات الجميلة من خلال الوصف الجميل لتفاصيل المكان البيئي حيث بين الكاتب ملامح تلك الحقبة من التاريخ الفرعوني الكنعاني المشترك.. إنها الرواية التي لفتت انتباه المبدعين العرب، حيث جاء السياق التاريخي فيها وفق المصادر التاريخية المنصفة.. وقد تفاعلت الشخصيات النامية والثابتة، الرئيسة والثانوية، على صعيد إنساني منذ بداية الأحداث ونمو الصراع فيها فالذروة حتى الخاتمة القاسية التي أقيمت على تناقض النفس البشرية ونزعاتها الشهوانية والسلطوية وصعود الأنا إلى الذروة.. في تداعيات عاطفية إنسانية تخللتها صراعات عززت من عنصر التشويق في الرواية، من خلال وصف حياة الكنعانيين المتحضرة التي كانت تتمتع بالتنوع والازدهار، واستلهام روح وثقافة المجتمع.. حيث تمازج الأدب الرفيع والفن الراقي وديانة ايل الكنعانية، إذ تعلقت قلوب المؤمنين وفق قناعاتهم آنذاك بالإله الموحد المنير الكنعاني إيل مقابل عبادة الإله الفرعوني “أمون” حيث كان الكهنة يقيمون شعائر عبادته في معبد الكرنك بعاصمة مملكة مصر “طيبة”، أولئك الكهنة الذين تحالفوا مع السلطة في سبيل الاغتنام غير المشروع من المواطنين.. الذين أرهقتهم الضرائب.. سواء في بلادهم أو في الممالك الكنعانية التي كانت خاضعة لسيطرة ملك مصر أمنحتب الثالث.

وسوف يتنفس القارئ الصعداء وهو يعيد قراءة هذه الرواية من جديد بعين السائل المتأمل.

* ملخص السردية

تمكن الحب من الجمع بين الأميرة إلهام التي أصبح اسمها فيما بعد “نفرتيتي” ابنة ملك مجدو الكنعاني، رفائيل، والامير امنحتب الذي سمي فيما بعد ب(إخناتون) ولي عهد مملكة مصر الفرعونية.. وذلك قبل معركة مجدو بثلاث سنوات حينما التقيا على هامش اللقاء الودي الذي جمع بين ملوك الكنعانيين المتذمرين من سلطة مصر وجبروتها ومصادرتها لهيبة ممالكهم وثرواتها، مع ملك مصر امنحتب الثالث، حيث تم تصوير نمذج لذلك في مملكة الخليل الكنعانية .

فبينما كان الملك الكنعاني رفائيل يتفاوض مع ملك مصر العظيم أمنحتب الثالث، حول تفاصيل العلاقة المتأزمة بين مصر والممالك الكنعانية، كان الأمير امنحتب - ولم يكن اسمه (إخناتون) بعد- في موقف حالم جمع بينه وبين معشوقته الملهمة التي ظفر بها بالصدفة العجيبة المدهشة، وذلك أثناء محاولته إنقاذ فتاة جميلة من عمق البحيرة العذبة، ليتبين فيما بعد أنها الأميرة الكنعانية الهام (نفرتيتي فيما بعد زواجها).. رغم أنها لم تكن بحاجة لشهامة الأمير كونها سباحة ماهرة، لكنه القدر الذي جمع بينهما.

وخلال الحديث الطويل الذي تجاذبا أطرافه بشغف وانسجام، اجتمع الطرفان على حب الشعر وتطرقا في حوارهما الثقافي العميق إلى الأديان من خلال إله التوحيد الكنعاني وشمل الحديث الإله الفرعوني “أمون” وإله أمنحتب، “أتون” اله الشمس الموحد الذي كان في مفهوم اخناتون لا شريك له وذو النور الذي يفيد جميع الكائنات الحية من إنسان وحيوان ونبات، ممثلاً بقرص الشمس، وأشعتها التي تمنح الحياة والرخاء لكل الكائنات الحية.. إنه إله الشمس والريح والخصوبة؛ ومعنى اسمه “الخفي”.. وانتقد أمنحتب عملية سطو كهنة معبد الكرنك على مقدّرات مصر والممالك الكنعانية، بالتحالف مع السلطات الفاسدة من خلال جباية الضرائب، بالإضافة لما يدفعه الناس من قرابين لآلهة آمون المتجبرة بكهنتها الظالمين..

كانت الأميرة إلهام جريئة معه إذ سألته عدة أسئلة متتابعة:

” بِمَ تفكر عادة، وما هي تطلعاتك المستقبلية، وما دينك، ولمن تصلي”؟

فقال لها: “إنا لا أصلي لأحد. بل أجدني مثلك، أتأمل الشمس التي تحملينها في يدك، وتحلمين بها لتحقق آمالك، وأفكر في رع، الإله المصري الذي يعبدونه، إذ يرونه في أشعة الشمس.. الطاقة المسيطرة على الوجود.. وأنا شاب مسالم، لا أحب الحروب، ولا أحب قتل الحيوانات الآمنة”.

وبالمقابل يذهل أمنحتب برأيها المطابق لرأيه، ولقدرتها على الحوار، والتعبير عن النفس، وما تزال صغيرة في السابعة عشرة من عمرها..فينسجم معها، وتصير بينهما مواءمة يستطيعان أن يتحادثا بها، إذ قالت:

“علاقة الملك الإله برجال الدين، تشبه علاقة المغني بفريق الموسيقا. هذا يغني وأولئك يعزفون”.

وقالت:

“ما دمنا نفكر بهذه الإنسانية الخيالية، والمحبة المتبادلة، وما دمت أنت ولي عهد ملك مصر، فلماذا هذه المشاحنات بين شعبينا، ولماذا تزداد قسوة الفراعنة على أبناء شعبنا في هذه السنوات العجاف، وذلك بابتزازهم واستغلال طاقاتهم، التي اتفقنا على أن مصدرها هو إلهنا الواحد أتون-الشمس الذي يعطي الطاقة للجميع بلا تمييز.. لماذ نجد عندكم التمييز بين حاكم ومحكوم.. بين سيد ومسود.. وبين فرعوني وكنعاني؟

ثم افترقا وقد جمعهما حب “أتون” قلب رع الإله الفرعوني، وارتبطا بعهد على حلّ النزاع بين ممالكهم سلمياً درءاً لنشوب حرب مدمرة لا تبقي ولا تذر.

وبعد ثلاثة أعوام من هذا اللقاء، اشتد تمرد الممالك الكنعانية على مملكة مصر الفرعونية، وبينما الملك امنحوتب الثالث يتلهى بالصيد في البراري مع حاشيته، كانت زوجته الملكة “تيي” تحرض ابنها الأمير أمنحتب ( إخناتون- لاحقاً) على مواجهة الممالك المتمردة في مجدو الكنعانية، وتمهيداً لذلك قامت بتعيين أحد أقوى رجال جيشها (حور محب) قائداً للجيش.. وأرسلته على رأس حملة يقودها ولي العهد امنحتب (إخناتون- لاحقاً) لمواجهة تلك الممالك الكنعانية التي استعدت لمواجهتهم بقيادة ملك (مجدو) الكنعاني، رفائيل حيث تزعم جيوش الحلفاء، من أمراء الممالك الكنعانية في بلاد الشام والذين سعوا إلى التحرر من ضغوطات المملكة الفرعونية، لإبعاد هيمنتها عليهم.

وفي ساحة المعركة وقبل أن يتقابل الجيشان، انتدب الملك رفائيل ابنته الأميرة الهام لتتقدم الصفوف من أجل ملاقاة خصمها أمنحتب والتفاوض معه إن تيسر لها الأمر كما اتفقا مسبقاً، بالمقابل كان الأمير امنحتب قد تقدم في منطقة النزال إلى مقدمة جيشه، مذهولاً من سوء الحظ الذي وضعه في مواجهة مع حبيبة قلبه وملهمته الأميرة إلهام.. من هنا أخذهما حوار القلب قبل حوار العقل.. وسارا حسب إيمانهما بالاله المصري “أتون، والإله الكنعاني الواحد الأحد إيل”.. وهكذا انتهت الحرب على وفاق واتفاق قبل أن يتلاحم الجيشان فتعاهدا على المحبة والسلام. وكانت الخاتمة سارة، إذ عقد الأمير امنحتب قرانه على الأميرة الكنعانية إلهام (نفرتيتي). فلحقته الأميرة إلهام بوفد عرس بهيج على ظهر باخرة فرعونية عملاقة كانت قد صنعت في جبيل الكنعانية، لتكون زوجته الفاتنة ووصلت إلى(طيبة).. عاصمة مملكة مصر الفرعونية، وهناك تقبلت الملكة الفرعونية الأم ”تيي” الأمر بكل بهجة وفرح.. وكان قد أعلن عن وفاة الملك امنحتب الثالث أثناء غياب ولده الأمير أمنحتب في المعركة ، فنصب على إثر ذلك ولياً العهد أمنحتب ملكا على البلاد.. واصبح اسمه امنحتب الرابع لكنه فور تعيينه، نودي باسمه الملكي ليكون “إخناتون” وعليه فقد نصّب زوجته الكنعانية وملهمته إلهام، ملكة على مصر، ونوديت باسم “نفرتيتي” اي الجميلة أتت.

كان لدى نفرتيتي مشروعٌ ثقافيٌ على أساس ديانة التوحيد الكنعانية (إيل) التي اتفقت بها مع إخناتون على أن يتماثل الدينان التوحيديا "إيل وأتون"، ليكون الإله الحقيقي هو الشمس وقلبها أتون، فسعت وزوجها لتحويل الناس من عبادة “أمون” إلى اله التوحيد “أتون”. واسترعى الأمر منهما تهميش سلطة كهنة معبد الكرنك الذي تلقى دعماً معنوياً من قائد الجيش حور محب والملكة الأم “تيي” لذلك آثر إخناتون الابتعاد عن الصراعات العائلية في طيبة، فقام لأجل ذلك بإنشاء عاصمة جديدة وأطلق عليها اسم “أخت أتون” وأنشأ فيها معابد خاصة بآلهة التوحيد التي سميت العاصمة الجديدة باسمها.. وعمم فيها عملة مصرية جديدة ، أسوة بالعملة الكنعانية (الشاقل) موطداً علاقة مصر بالممالك الكنعانية على قاعدة الاحترام المتبادل.

من هنا دب الصراع غير المعلن بين اتباع “أمون” في العاصمة طيبة يقوده كهنة الكرنك من جهة، واتباع وكهنة أتون في العاصمة الجديدة “أخت أتون” بقيادة الملك إخناتون وزوجته وملهمته الكنعانية “نفرتيتي”.

واستمر الحال طويلاً لتنساب المياه من تحت قدمي الملكة المغبونة نفرتيتي فتوجه لها المفاجآت ضربتها الموجعة فتخرب مسيرة حياتها، وذلك بزواج الملك إخناتون من ابنتهما الأميرة “ميريت أتون”، وكان الزواج في دائرة الأقارب الضيقة مسموحاً به.. والأنكى أن الملك إخناتون الذي خان عهده بحبيبة قلبه نفرتيتي قد انغمس في حياته الشخصية مع زوجته الجديدة وعمد إلى حياة اللهو والترف على حساب قلبها المكلوم، ومصالح مملكته الممتدة التي عمّت فيها الفوضى ليتلظى المُلْك تحت قدميه.. وخاصة حينما ضربت في كبريائها الملكي بإعلان ابنتهما وزوجته الجديدة”الزوجة الملكية العظمى” فتكون نفرتيتي بذلك قد خرجت من مركز الفعل إلى هامش الضياع.. حيث عانت “نيفرتيتي”.. وأصيبت من جراء ذلك “بلوثة عقلية لم ينجُ منها دماغُها، مما اضطرها للخروج من قصرها، بعد العام الثاني عشر لزواجها، من دون تجميل ولا ملابس ملكية، ولم تأخذ معها أي شيء.. خرجت من قصرها المنيف، حافية بثوب قديم مهترىء، كي لا يعرفها أحد.. وسارت في الطرقات على غير هدى، بلا صديق أو رفيق، واستمرت في سيرها إلى المدى غير المنظور.. حتى اختفت عن الأنظار.. ولم تظهر بعد ذلك الخروج الأخير”.

ونظراً لعدم التفات إخناتون إلى متطلبات الحكم، فلقد سمح لأخيه الأصغر “سمنخ كا رع” الذي ما أن أصبح له في ردهات قصر أمه شعور بكونه ملكاً، حتى دخل كهنة آمون في دماغه، فأعلنوه ملكاً على البلاد منقلباً على أخيه الملك “إخناتون”، وتم الاحتفال بتتويجه تحت ضغط الكهنة الذين كانوا لا يزالون يقاومون لاستعادة سيطرة عقيدة الإله “أمون” على البلاد كافة، فعينوه ملكاً على مصر كلها، حسب العقيدة الأمونية.

وبخروج نيفرتيتي من قصرها، ومسيرتها المجنونة، هائمة على وجهها، وهي تغادر القصر الملكي، واختفائها في عالم الغيب، بقيت أربع من بناتها، إضافة إلى أخيهن الأمير الصغير توت عنخ أتون، الذي تخلت عنه وعن زوجها إخناتون نفسه، بعد زواجه من ابنته ميريت أتون، وطلبت من الملك إرسال ابنها إلى حيث تعيش أخواته، ليتربى بينهن، مع وصيفات نيفرتيتي وخادماتها.

وهذا جعل أخاه سنمخ كا رع يعيد الهيبة إلى طيبة، من باب السماح بالتعددية الدينية في مصر.. فيعود رجال الإقطاع ليتربع كل منهم على مذهب أو دين يعبده، فيجمع حوله أعداداً هائلة من المريدين، ليدفعوا لبيوت العبادة، التي تدرّ ذهباً على كهنتها وإقطاعييها.

كما أن القائد حور محب صار يتصرف ضمن مساحة تتجاوز صلاحياته وخاصة أنه أصبح عديل الملك إخناتون بزواجه منذ البداية بشقيقة نفرتيتي الكنعانية ميت نجمت، فيساعد على إضعاف العاصمة الجديدة في خطوة متقدمة لإنهاء عصر (أخت أتون) ذي الطابع الفرعوني الكنعاني المتمازج، ومن ثم تدمير هذه المدينة العظيمة ومحو آثارها عن خارطة الوجود.

لقد تم كل ذلك بناء على أوامره العسكرية في عهد الملك الجديد سنمخ كا رع ، فهدم كهنة طيبة وسدنة معبد الكرنك آثار إخناتون ومدينته أخت أتون ومحوا اسمه من عليها، فهجرها الناس.. تاركين فيها إخناتون وحيداً مستسلماً لقدره، والذي تم هجره هو أيضاً، مما جعل استعادة الممارسة الدينية الأمونية وتعود إلى أوج عهدها وتترسخ.. إنه حكم دهاء الكهنة ودمغتهم في إطار البقاء للأدهى.

وبعد بضعة أعوام اجتمع ذوو إخناتون، الذين كانوا مختلفين على حقوقهم لخلافة الأسرة الثامنة عشرة، فأسسوا أسرة جديدة، وأسَاؤوا لسمْعَة إخناتون وخلفائه، مشيرين إليه في السجلات الأرشيفية، بلقب “العدو” .

“مات الملك إخناتون مُحطم القلب.. بعد أن أدرك أنه لم يعد مقبولًا لدى شعبه، وأن شعبه غير جدير به. مات واندثر بلا مراسم جنازة تليق بمقامه، ولا حتى أغاني جنائزية من أشعاره التي هزت الفكر الكوني، وأوصلت السماء بالأرض. مات فعادت مصر إلى الممارسة الدينية الأصولية الأمونية المستبدة تدريجيًا.. حتى أنه بعد عدة أعوام، لم يكن حكام الأسرة الثامنة عشرة متفقين على حقوق واضحة للخلافة، فأسسوا أسرة جديدة، وأسَاؤوا لسمْعَة إخناتون وخلفائه” من جديد وسعو لطمس آثاره .

* الخاتمة

هذه هي سردية إخناتون العاشق. وها هي حبيبة قلبه وملهمته، الكنعانية الأصل نفرتيتي.

كانت تداعيات الرواية منطقية وفق أحكام التاريخ في تفاصيله الدقيقة؛ ليدخلها الكاتب في أجواء خيالية خدمة للقصة التاريخية المحورية. وهذا دارج في القصص المستلهمة من التاريخ.. وقد سبق فحماوي الروائيُّ الكبيرُ نجيب محفوظ الذي كتب الثلاثية التاريخية:

(عبث الأقدار 1939، رابوديس 1943، كفاح طيبة 1944) بالإضافة لرواية “العائش في الحقيقة” (1985) التي تحدثت جميعاً عن إخناتون. وهي ذات الفترة التي غطتها رواية فحماوي”إخناتون ونفرتيتي الكنعانية”.

وفي الختام أوصي بتحويل هذه الرواية إلى مشروع سينمائي جاد، نظراً لقيمتها الفنية والتاريخية في وقت يتعرض فيها الموروث الفلسطيني إلى نهب وتغييب من قبل المؤسسات التي تدور في فلك الصهيونية.

وصبحي فحماوي كاتب أردني من أصل فلسطيني، عضو رابطة الكتاب الأردنيين واتحاد الكتاب العرب وهيئات أخرى كثيرة، ولاقت أعماله اهتماماً في مؤتمرات من قبل الجامعات والنقاد العرب، حيث صدرت له في مجال الرواية:

-“عذبة”، دار الفارابي.. بيروت، 2005

– الحب في زمن العولمة”، روايات الهلال .. القاهرة، 2006. (ترجمت إلى اللغة الإسبانية)

- حرمتان ومحرم”، روايات الهلال .. القاهرة،2007

- قصة عشق كنعانية”، دار الفارابي.. بيروت .. 2009..

- الإسكندرية 2050″، دار الفارابي، 2009

- الأرملة السوداء”، روايات الهلال، 2011.

– على باب الهوى”، دار الفارابي،  2014-

- سروال بلقيس” من مكتبة كل شيء الحيفاوية، 2014

- ورواية صديقتي اليهودية”، بيروت .. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2015.إضافة إلى هذه الرواية "اخناتون ونيفرتيتي الكنعانية" 2-2020 الصادرة عن دار الأهلية للطباعة والنشر..

ولنترككم في رحلة متفردة ومدهشة، عبر قطار الماضي إلى تلك الحقبة المترفة بالحياة وتفاصيلها الإنسانية وفق أحداث استلهمها روائي مقتدر ذو رؤية “فكرية” موضوعية منصفة، وضعته في مقدمة المدافعين عن التراث الكنعاني الفلسطيني بكل أبعاده.. وقد وفق في ذلك.

 

بكر السباتين

عمان- الأردن3-6-2020.

 

 

وليد العرفي قصيدة: (أسئلة الشعراء) للشاعر: سعد جاسم أنموذجاً

يبني الشاعر: سعد جاسم قصائده الوامضة على تقنية الأسئلة المفتوحة التي لا تسعى إلى تحقيق إجابة بقدر ما تفتح الأفق؛لاستثارة مزيد من الأسئلة، إنها محاولة أسئلة برق وغيم يستمطر ما بعده على فضاءات احتمال أكثر تعددية واستمطاراً ، يقول في البداية:

هل الشعراءُ

حُرّاسُ بيوتِ الكينونة؟

أَمْ هُمْ أُمراءُ الكلام؟

تبدو طبيعة السؤال الاستفسارية مرتبطة بطبيعة تعامل الشاعر مع اللغة، ومدى مطاوعة الكلمات لهم، ومقدرتهم على تطويعها وفق تعابيرهم، ومشاعرهم التي يُعبّرون من خلالها عنها .

وقد شكّل السؤال / الأسئلة مقولة النص المحورية التي انسجمت في وحدة عضوية ارتبطت بعلائق متينة من عتبة العنوان حتى القفلة، ويُمكن توضيح علاقات تلك الصلة من خلال التقنيات الأسلوبية، وتكنيكات اللغة التي استثمر الشاعر طاقاتها؛ لتحقيق تلك الوحدة التي تجلَّت من خلال:

التكرار والتكرار من ضروارت الشعر ومستلزماته؛ فقد رأى لوتمن "أن البنية الشعرية ذات طبيعة تكرارية حين تنتظم في نسق لغوي"

بواعث التكرار

تتجلى ظاهرة التكرار في الشعر العربي بوضوح؛ فهي سمة متفردة من سماته الفارقة التي تميزه على اختلاف أنماطه، والعصور التي مرَّ بها في مراحل تطوره، ومن أهم بواعث التكرار في لغة الشعر

أولاً ـ الطبيعة البشرية:

لقد وجد الكائن البشري منذ وجوده أنَّه محاط بنظام كوني يقوم على مبدأ التكرار والإعادة، وما تعاقب الليل والنهار، ودورة الفصول إلا تكرارات وجد فيها الإنسان نفسه أنه مقيد في إطار تكرارها وفق نظام كوني متكرر ولا محيد له عنها

ثانياً ـ اللغة

ولعل في طبيعة اللغة نفسها ما يجعل التكرار أمرا واردا، ذلك أن مدى المعاني متسع في اللغة أكثر من الألفاظ، وهو ما يستدعي إعادة الألفاظ على أوجه مختلفة من الهيئات والدلالات، وقد وعى العرب القدماء تلك الحقيقة فعدوا التكرار من سنن العرب في كلامهم، وأن ليس لأحد مهما علا كعبه في فصاحة اللسان، وبلاغة القول أن يجاوزها

ثالثاً ـ طبيعة الشعر

فالشعر نفسه إنما هو نمط من أنماط التكرار في الحرف والموسيقى والمعنى، والبناء الهندسي للقصيدة العربية إنما يرتد إلى نمط من أنماط التكرار، والوقفة الطللية تُمثّل أحد أشكال تكرار الشاعر لاستهلال القصيدة التي كانت سُنَّة الشعراء في الاستهلال بها ، وقد عبَّر عنترة عن هذا المعنى في معلقته:

هل غادرَ الشُّعراءُ منْ مُتردّمِ   أمْ هلْ عرفْتَ الدَّارَ بعدَ توهّمِ ؟ !

كما أشار إليه شاعر العربية المتنبي: الشعر ميدان خيل وقد يأتي الحافر على الحافر، وفي هذا ما يُعبّر عن وعي الشعراء لظاهرة التكرار التي تبدَّتْ في نمطية القصيدة التي اتخذت لها شكلا يعتمد التكرار أسلوبا لها

رابعاً ـ الأثر النفسي

تولع النفس البشرية بما يثير فيها السرور فتتعلق به وتعيده، ولعل في شعر المديح والرثاء وما يكرر فيهما من اسم الممدوح أو المرثي ما يكشف عن الباعث النفسي وراء التكرار وحقيقة التي تفيد بتلذّذ ذكر الاسم المرغوب، وفي تكرار أسماء حبيبات الشعراء ما يُشير إلى تلك الدلالة .

خامسا ـ القصد ويكون بأن يتعمد الشاعر ذلك التكرار وهو يسعى إلى تحقيق هدف محدد؛ فالتكرار يكون مشحونا بحمولة دلالية كبيرة تحقق التكثيف المطلوب والقصد في التكرار يستدعي وعيا كاملا،ويتطلَّب قدرة لغوية فائقة وذاكرة شعرية فذَّة .

ويبدأ التكرار من الحرف، فالكلمة وصولا إلى الجملة، وتُشير نازك الملائكة إلى هذه الظاهرة في الشعر العربي، إذ بينتْ أن التكرار في ذاته ليس جمالاً يُضاف إلى القصيدة ، وإنما هو كسائر الأساليب في كونه يحتاج إلى أن يجيء في مكانه من القصيدة ، وأن تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات؛ لأنه يمتلك طبيعة خادعة ، فهو على سهولته وقدرته في إحداث موسيقي يستطيع أن يضلل الشاعر، ويُوقعه في مزلق تعبيري؛ فهو يحتوي على إمكانيات تعبيرية تغني المعنى إذا استطاع الشاعر أن يسيطر عليه ويستخدمه في موضعه ، وإلا فإنَّه يتحوَّل إلى مجرد تكرارات لفظية مبتذلة . كما أشارت إلى أنواع التكرار وحصرتها في تكرار الحرف والكلمة والعبارة والمقطع، ولا يكون التكرار الهدف بحدّ ذاته ، وإنما جمالية التكرار تتأتّى من أسلوبه .

وقد أشار بالي إلى أهمية هذا الجانب في اللغة عندما فهم الأسلوبية على أنها علم الوسائل اللغوية من زاوية نظر وظيفتها الانفعالية والتأثيرية. وسنبدأ من الحرف لأنه يُمثّلُ: (أبسط أنواع التكرار أو أقلها أهمية في الدلالة)

وسننظر في أنماط التكرار في هذه الأسئلة التي تبدأ بالتكرار الحرفي، والحرف هو الصوت الذي لا معنى له، فهو: (المادة الخام التي يُبنى منها الكلمات أو العبارات)

و(الصوت ظاهرة طبيعية ندرك أثرها دون أن ندرك كنهها)، وهذا الأثر الذي يحدثه الصوت في المستمع، إنما يعود إلى: (فعالية الأصوات في قدرتها على إضافة طبقة دلالية من خلال الطبقة الصوتية )، والصوت هو العامل المؤثر في التعبير الموحي عبر ما يتردد عنه من إشارات رامزة خافية؛ فنبرة الصوت تستطيع أن تؤدي دلالة ما، وعلى الرغم من قلة أهمية التكرار الصوتي إلا أنه يشكّل: (صيغة خطابية رامية إلى تلوين الرسالة الشعرية بمميزات صوتية مثيرة هدفها إشراك الآخر المتلقي في عملية التواصل الفني، ولذلك يُعدُّ التلازم الحرفي من أعم خصائص الخطاب الشعري في البنيات التشاكلية؛ فهو وفق هذا التصور يعمل على: (تهيئة السامع للدخول في أعماق الكلمة الشعرية)،

تكرار (أم) التي جاءت حرف عطف يجمع بين المقدمة والخاتمة في كل سؤال، وغاية هذا العطف تحقيق الترابط بين مستويي السؤال المنفتح على الاحتمالية، والتوقّع الذي يشغل الشاعر به نصه التساؤلي:

هل الشعراءُ

عُشّاقُ الأُنوثةِ والجمال؟

أَمْ أَطفالُ الابدية؟

هل الشعراءُ

أَنبياءُ الوهم؟

أَمْ مُهرّجو البلاطاتِ والمجالس؟

تكرار التركيب: وهو ما تجلَّى بالأسلوب الإنشائي الذي جاء بصيغة الاستفهام (هل الشعراء) في استهلال كل تركيب جديد، وومضة لاحقة لأخرى سابقة، وقد شكَّلت تلك المتواليات بؤراً إشارية منفتحة على مزيد من الانفتاح على التأمل، والتوقعات اللامتناهية .

تكنيك التركيب الإضافي: وهو من التراكيب اللغوية التي تُحقّق بفعل انزياحاتها اللغوية، ومصاحباتها اللغوية غير المألوفة حالة إدهاش، وبؤر توتّر تتخلّق بالفجوات التي يُحدثها فعل المصاحبة اللغوية غير المتوقعة بين الدال والمدلول؛ فيما يبدو أنه فعل ممارسة إغواء يتفنَّن الشاعر في تلوينها بالحركة والصوت واللون:

هل الشعراءُ

صاغةُ ذهبِ المعنى؟

أَمْ أنَّهم رعاةُ الكلمات؟

هل الشعراءُ

صيادو جواهرِ الخيال؟

أَم فرسانُ عرائسِ البحار؟

هل الشعراءُ

بستانيو فواكهِ الأَمل؟

أَمْ حكماءُ منافي الأَلم؟

هل الشعراءُ

عازفو ناياتِ الشَجَن؟

أَمْ هُمْ الذينَ

يُموْسقونَ قصائدَ الحنين؟

التضاد: وهو ما يُسمّى في الموروث البلاغي العربي بالطباق، ومن خلاله يتم تأكيد المعنى وتوضيحه وجلاء صورته، وكما قال الشاعر قديماً الضدُّ يُظهر حسنه الضدُّ، وهو ما نجده في قوله: هل الشعراءُ

صعاليكُ الأَحلام؟

أَمْ مجانينُ الحقيقة؟

فالتضاد هنا بين: الحلم ـــ الحقيقة

هل الشعراءُ

شياطينُ الأَرض؟

أَمْ ملائكةُ السماء؟

وهنا بين: الشياطين ــ الملائكة

والأرض ـــ السماء

هل الشعراءُ

ملوكُ الرؤى والطقوسِ؟

أَمْ انهم الغاوونَ

والمطرودونَ دائماً

من المدائنِ الفاضلة؟

وأخيرا التضاد بين: ملوك ــ مطرودون

وهكذا تبدو تلك التقنيات الأسلوبية قد أسهمت بشكل فاعل في مدّ تلك الومضات بمزيدٍ من الشعرية، وأضفت عليها الحيوية والتجدد، ومنحتها مزيداً من الدهشة والانبهار .

 

د. وليد العرفي

......................

للاطلاع على القصيدة في صحيفة  المثقف

أَسئلة الشـعراء / سعد جاسم

 

 

مالكة عسالمقدمة: استهلال لابد منه

هو الشاعر بن يونس ماجن، المقيم في لندن منذ السبعينات، أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في مسقط رأسه ليكمل دراسته الجامعية بلندن، حاصل على شهادة الماجستر في الترجمة من جامعة وستمنستر -  لندن، يكتب باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية .نشرت مواده في الصحف والمجلات الغربية، له عدة إصدارات باللغة العربية والفرنسية: من ضمنها : مجموعة الشعر التي بين أيدينا المعنونة ب" حتى يهدأ الغبار"الموزعة على 108 صفحة، وقد شاء الشاعر وبوعي منه أن يخلي الكتاب من المقدمة والإهداء والفهرس وحتى عناوين القصائد، والاكتفاء فقط بترقيمها حيث حصر عددها في رقم 70، بالإضافة إلى إهدائه لبعض النصوص، الشيء الذي لم نألفه لدى غيره من الشعراء.

1ــ  الظروف الواقعية/أوضاع بلاده:

المتصفح لهذه المجموعة يكتشف بصورة أو بأخرى، معاناة الشاعر وصراعه القوي مع الأشياء،مع المحيط،بل مع الكون كله، فالشاعر يمرر عدسته من الأقصى إلى الأدنى، بنظرة تأملية تحليلية لما يلحق الإنسان بصفة كلية، وما يصادفه من خبث وقهر، يفرغ الأشياء من محتوياتها حتى غدت تبدو له ليست كما هي ..تكتنفه سبل ومسالك ملتوية لا تؤدي إلا إلى فراغ :واقع مزر تحت نيره ترزح شرائح عريضة من البشر: المتسولون،والمشردون،والعاطلون والقاطنون بمدن الصفيح:

والمشردين   

والعاطلين عن العمل

ص:42

رغم أنه مرّ رَدْح من الزمن فالشاعر يرى الواقع مازال راكضا،لايسير إلى الأحسن..

والرياح كعادتها

توقظ الغبار الناعس

ص:73

-  الأحلام التي يغتالها الزمن القاسي:

فحين يعاسرنا تحقيق ما نصبو إليه من أهداف مرسومة في الواقع،يبقى الحلم آخر وسيلة نتنفس في رحمه بواعث الأمل،ولو أنه يغتال هو الآخر :

وأحلامكم زفت إلى مقصلة الزمن القاسي

ص:74

فالشاعر حالم بطبعه، لمّا يصده جدار عن تحقيق حلمه في الواقع، يرحل في فضاء الخيال ليحققه في القصيدة…

- المرأة نصف المجتمع :

كما يشد الشاعر بالإضافة إلى الواقع، وضعُ المرأة المجردة من كينونتها كإنسان،حيث مازالت صريعة الأفكار الذكورية،التي تهضم حقوقها،وتسلب حريتها،وهذه قمة وعي الشاعر بالإقصاء الاجتماعي للمرأة، حتى غدت قضيتها مهيمنة على جزء مهم من شعره،

المرأة كالمسبحة الخشبية

في يد شيخ متعبد

في دير مهجور

ص:44

- الهجرة

و مدى التصاق الشاعر بالهموم الإنسانية، التي يفرخها الواقع المزري جعله لا يقصي نفسه من الصورة،حيث خصّها هي الأخرى بقسط وفير من الشعر، طارقا باب الهجرة والغربة وما يكابده شاعرنا واصفا الوضعية بالتفصيل :

ثمة شاعر يطل برأسه من مرايا الإلهام

يصيغ قصائد نثرية بلون الضباب اللندني

ص:48

والهجرة لم تكن باختيار الشاعر، بل أرغم عليها،كما توحي لنا بعض النصوص، وهي الهجرة السرية، وقد خلفت أثرا بالغا في نفسية الشاعر، حيث نجده يطرق في نصوصه بوابتها بأدق التفاصيل، واصفا أشلاء المركب المحطم،وجثث الضحايا المهاجرين السريين:

غرقى ومفقودون على الساحل الجنوبي

موجات مد غاضبة

وأشرعة بلا مجدفين

وقوارب محطمة

ص:66

-  الغربة

يحس الشاعر بفظاعة الغربة في بلاد المهجر إلى درجة الشك في وجوده،فتنطرح عليه أسئلة محيرة،يحاول جاهدا الإجابة عنها لإثبات كينونته،وهذه قمة غربة الشاعر في ذاته نحو عالم مبهم، وتواجده في إحدى زواياه ..

لابد أنني موجود في مكان ما ..

في فضاء ما..

في دائرة ما..

في بلد ما..

ورغم ذلك أحس أني جسد غريب

ص:67

نفسية الشاعر متعبة وممزقة بين التنصل من القهر، والاشتياق إلى الوطن،وشمسه الدافئة، يتقاسم المرارة مع نفسه في بلاد الغربة،خاصة وأنه مازال يحمل معه في جرابه ذكريات الطفولة المتعبة، وقساوة العيش في بلاده، وهذه نفحة من سيرته الذاتية التي حظيت وحدها من بين نصوصه بالعنوان..

أحلم بشمس بلادي

أتدفأ بأخبار طقسها المشتعل

ص:91

- الذكريات

للشاعر ماض موشوم بلغة القهر في ذاكرة الطفولة/ وذاكرة والشباب وجرابهما الممتلئ  بالأحلام،التي تهشمت على أول صخرة،وهذه طبيعة كل مبدع حين يراوده الحنين إلى إحيائه.

أقف على حافة الوقت الضائع

لم أتسكع في وشم الذكريات

ص:47

2ـــ القومية والغيرة على الأمة العربية

وككل مبدع حقيقي يتنفس الشاعر في عروق الأمة العربية، وتجتاحه غيرة حارقة تجاه ما يلحق بها، فيصرخ محتجا على عاصمة أمريكا للعراق،الشبيهة بالتسونامي..

إنه التسونامي الأمريكي

الذي اجتاح شط العرب

ص:51

-  العراق معدن الثقافة والحضارة

طارقا أبواب الإنسان في مختلف قضاياه، ليضع رحله في العراق، مشخصا بعين مجهرية ما يستفحل فيها من خراب وتدمير من طرف الجنود الأمريكيين،حيث أتلفوا التراث الإنساني الخالد منذ آلاف السنين..

يقتفي الجندي الأمريكي أثر المتارس

في متحف بابل

ص:54

كما يقف واصفا ما يلحق الشعب العراقي من تشتيت وقتل وفتكن شاجبا بشدة مخططات أمريكا..

سمع عن وحوش سادية

تفترس الجسد العراقي

ص:99

- فلسطين / القضية الكبرى

وغيرة الشاعر على الأمة العربية تبلغ به أقصاه، فينعطف نحو بلد فلسطين ليطلعنا على أوضاعها بصورة أعمق، يشجب فيها التنكيل والتعذيب الذي يمارسهما الصهاينة على الشعب الفلسطيني الأعزل..

خفافيش إسرائيل تنهش جثة آدم

وترتع في أوجاع الإنسان العربي

ص:56

-  العولمة الذابحة للديموقراطية

ولا يقف الشاعر عند النظر قرب القدم،بل يجس النبض بنظرة تأملية في بعدها الإنساني، وخطر العولمة المفروضة على الإنسان،ووقعها على الدول الفقيرة، وماستلحقه بها من ضرر وخطر..

نلعب على الحبال المحبوكة في سيرك العولمة /الهيمنة

مهرجون بلا أقنعة

مقص الرقيب مرّ من هنا

ص:72

-  الكون وما يلحقه من شرور إنسانية

وأبعد من هذا يرحل الشاعر في فضاء الكون بأسره مجسدا ما يخدش جماليته من شرور إنسانية .

رياح متواطئة

مع دخان المصانع

فتتناثر شرايين الماء

ص:85

كما يقف متأملا الكوارث الطبيعية المتلاحقة

وهي تتمايس كصخرة يتيمة

تغتسل في مياه تسونامي الدامية

ص:85

3ــ الشاعر وهوسه بالإبداع الشعري :

يسكن الشاعر هوس الشعر وجنونه،ويحب بكل افتخار أن يتقاسم معنا اللحظات الاستثنائية التي فيها يهيمن عليه شيطان الشعر،كأي شاعر عانقه إحساس بالظرف الزمنكاني لتوليد اللغة، وإنطاقها بما لم تقله بصفة مألوفة وعادية، فالشعر ملاذه الفاتن الذي يرحل في أعماقه حتى الجذور،حيث تزحف إليه القصائد،  تحمل ذاكرة وأشياء خفية بين سطورها، ليفجر فيها رصاصه، وعلى ضفافها يدفق بوحَه المطرد..

هو الشعر الذي يجرنا بيده

نحو سور المدينة البعيدة

ص:33

ولا ينسى الشاعر أن يقحمنا في جو الكتابة، لنتقاسم معه النشوة العميقة التي تبلغ ذروتها لحظتها،حين تلفه القصيدة بجدائلها المخملة.

وتلفني بجدائلها المخملة

ثم أدفنها

في كراسة مليئة

بضفائر شاردة

ص:87

وجنون الشعر جعله يستعرض لنا بدقة كيفية كتابة القصيدة،وأهم المراحل التي يمر منها لإخراجها إلى النور،فهناك القصيدة التي تطارده ولا يرتاح منها إلا بعد تجسيدها في الورق،والقصيدة التي تفر من بين كفيه لتسقط في البحر وتتركه في مستنقع راكض؛

والقصيدة التي

لا تظهر إلا في ملامح باهتة .

وأحيانا أمشي إلى وخز قصيدة

ولا أملك غير سحنتها الشاحبة

ص:88

فالغرض مما تقدم، هو التوضيح أن القصيدة لا تأتي على طبق من ذهب، بقدر ماهي عصارة قلق مطرد، وانفعال مطنب قبل ولادتها،وكتابتها هي نتاج مجهود عسير ومحنة بالغة، مفصحا بجلاء :أنه ليس كل من حمل قلما وكتب قصيدة يسمى شاعرا،بل الشاعر الحقيقي هو من يبحث عن قصيدة لم يكتبها بعد،وإذا أثبت أنه وجدها فعليه أن يخرج من زمرة الشعراء.

فخرجت من زمرة الشعراء

ودخلت البحر

ويقول :

ودفنت مفتاح الشعر

تحت وسادتي الطحلبية

ص:107

4ــ تطعيم الشعر بالسرد القصصي

ينعطف الشاعر بن يونس ماجن عن درب الشعر، ليندس رغما عنه في سياق القصة،بكل خصائص القص الفنية، وربما طبيعة الموضوع هو الذي أحاله على ذلك،حيث يشخص الأحداث في نفحة سيرة ذاتية، بضمير المتكلم كشخص من شخوص القصة، وسارد عالم بكل شيء، يتابع مجرى الأحداث بأدق التفاصيل، في سرد قصصي متين، ونلمس هذا بالمباشر في النص رقم41.

وكانت الهجرة قد سكنت مخيلتي منذ نعومة أظافري …كنت أتوهم في أحلامي اليومية أنني أتعلق بالأرض الأخرى ذات الاخضرار المستمر..

ص:57

 5ــ المعجم  والتنوع اللغوي

لقد شقت اللغة عند بن يونس ماجن درب السهل الممتنع،غير أنها محملة بمعجم مثقل استلهمه الشاعر من ظروفه المحيطة به، مما ولد لديه لغة متنوعة، تضطرب بين المباشرة والغموض؛ يوشّيها أحيانا بمصطلحات غريبة وغربية، يتلاعب بألفاظها، فغدت ذات تنويع مكثف،وربما طبيعة المواضيع هي التي فرضت عليه سلوك هذا المنهج ونرى ذلك في ما يلي :

- الفعل المضارع والتأسيس للمستقبل: 

ينطبع على بعض قصائد الشاعر الفعل المضارع،وهذه الخاصية جابت المجموعة بكاملها تقريبا،وهي إشارة بارزة إلى أن الشاعر يواجه الوقت الحاضر الذي يؤسس للمقبل، مسدلا الستار على الماضي، الذي كان هو رأس الحربة للحاضر، الشيء الذي تسبب في محن مازال يجر في أذيالها جراحَه الغائرة المتعبة.. .

ليشرب حتى الثمالة

يجر أذياله خلف جحافل الليل

ويسير إلى قعر اليم

ص:36

- الجمل الإسمية وتنوعها:

كما تكتنف الجمل الإسمية نصوص الشاعر تارة مبتدئة بالأسماء.

شلال من الألم

وجوه في صور ذاتية

ص:31

وأخرى بالضمائر المنفصلة.

هو الشعر ..لن يفقأ عيون سيده

وهو الشعر الذي يجرنا بيده

ص:33

وأحيانا يصوغ القصيدة، حيث تبتدئ أشطرها بالأسماء من بدايتها حتى نهايتها.

كما في النص رقم 48

غرقى ومفقودون على الساحل الجنوبي

موجات مد غاضبة ص:66

-  حرف الواو كأداة ربط:

يميل الشاعر بكثرة إلى الربط بين أبيات القصيدة ومقاطعها بحرف الواو كأداة رابطة، للَمّ شتاتها بتجاسر جملها للحفاظ على عضويتها.

ماذا لو افترش صفيحا ساخنا

وأسبل سوالفه الطويلة على غابة وحشية

ص:38

حتى غدت الواو أساسية في بعض النصوص كما نرى في الصفحتين: 106و107.

6ــ هيمنة المعجم الحيواني على بعض النصوص

المتصفح لمجموعة الشاعر بن يونس ماجن، قد يتلمس خاصية بارزة انتشرت بشكل طاغ، تتلخص في المعجم الحيواني، الذي ساد كل النصوص حد الغلو :الحشرات والخفافيش والذباب والضفادع والكلاب، والجراد والعناكب، والديكة، والغربان وما شابه ذلك.

خفافيش إسرائيلية تنهش جثة دم

ص:56

ويقول:

صياح الديك

يندلق في زمن الصمت

ص:79

كما يلتجئ إلى تفريغ البشر من الأنسنة  مُضفيا عليه صفات حيوانية، ويقصد بالضبط الإنسان الذي يتسبب في خراب الواقع، ونشر أساليب القهر والفتك بالإنسانية وإلحاق الضرر بها.

ونقيق ضفادع الوديان

وهيجان الجرذان

إنما هو إلا جعجعات وهذيان

ص:41

7ـــ الأمثال الشعبية لتطريز اللغة

يتقمص الشاعر بعض الأمثال الشعبية، ويصوغها في متن شعري موظفا مصطلحات العصر، الشيء الذي لم نألفه لدى غيره من الشعراء، محولا إياها بذات المعنى، ويتجلى ذلك في النص الشعري الذي ينطبق بحذافيره على المثل الشعبي القائل :"المزوق من برا آش خبارك من الداخل".

النص رقم52 ص:71.

8-  الجانب الفني

- خلو النصوص من العناوين

أول شيء يسترعي الانتباه في هذه المجموعة،هو غياب العناوين على غير عادة الشعراء،ويكتفي الشاعر بن يونس ماجن بترقيم النصوص، تنتهي حدود كل منها بالرقم الموالي، ولم يأت هذا دون وعي،بل نتاج نوايا  في نفس يعقوب، قد تكون من ضمنها ترك فسحة للقارئ يستنبط بنفسه العناوين.

- السخرية والمباشرة

يمور الشاعر بين التعبير الجدي والسخرية، مما يفرض عليه الانعطاف أحيانا نحو المباشرة،خاصة لما تبلغ به ذروة السخرية بالعرب، حد الاستهزاء ببعض عاداتهم التي أغرقتهم في التخلف بشكل قوي، وجعلت منهم مجرد أتباع للحضارة الغربية.

ويتخلى الشعراء عن بكاء أطلالهم

ويقلع العرب عن صيد الفهود وصيد الغزلان .. في ملاهي لندن ..

ص:70

-  الصور الشعرية وتعميق الدلالة

وكما تمثل الشاعر المباشرة سار بنفس الخطى في درب الرمز والانزياح،حد عسر القارئ على القبض على مفتاح النص، مؤثثا نصوصه بصور شعرية تتراقص كأسراب الطير، تخفي بين ثناياها دلالات قوية وشاسعة.. لاحظوا معي هذه الصور الجميلة .

ورودا في حديقة الشعر

كالحوريات النائمة في أدراج البحر

ص:40

وتتلاحق الصور أحيانا بشكل لا منقطع،تدحرج  على زجاجها عمق مشاعر الشاعر، تجاه مجريات الكون ووقائع الأحداث، التي تتوالد باستمرار.

هذا الوطن الذي ظهر فجأة في حلمنا

لايزال يذبح على منصات الانكسارات

ص:24

وتجوب القصائد فنون الشعر من انزياح ورمز وتعابير مجازية وتشبيه حد الإبهام، حتى تصبح الأشطر عرضة للتفكك والالتباس .

تتوسد الأتربة زهرة الصبار

ويدغدغ خواتمها الرذاذ

دون أن تتحول إلى غيمة

التي تدبرها الرياح القوية

ص:35

ــ كلمات دخيلة

ويقحم الشاعر في النصوص بعض الكلمات الغريبة، ربما لأنه يفتقد مرادفاتها في اللغة العربية، أو لأنه يريد تجسيد مشاعره بنفس الألفاظ الدخيلة،ثقة منه  فيها أنها الأنسب لتأدية وظيفتها، أو مجرد رغبة ملحة، تدلت من مجاز عال للتلاعب بالألفاظ..

ــ خلاصة

من خلال ما تقدم يتبين لنا أن أي شاعر مهما احترس في كتاباته، إلا وينبثق من بين السطور الجو العام الذي كان يعيشه، فتفتح نافذة خاصة نطل منها على ما بين أدغال النصوص، فنستطيع التجول بين تضاريسها بسهولة واقتحام مطاويها دون عسر، ومجموعة بن يونس ماجن بسطت لنا حضنها على متسعه، لنلج غابتها دون خوف ودون أي سلاح يذكر، لنفك شرنقة نصوصها بسهولة حيث خرجنا بشيئين اثنين :الانغلاق حد المعاسرة وخلق الدهشة والحيرة …ثم اللين والوضوح حد وقوفنا وجها لوجه أمام التهام معانيها بكل بساطة، وبين ذا ذاك متعة جمالية حققتها حركته الشعرية الساخرة،التي استطاع الشاعر توظيفها بحذلقته وتلوين سرد الشعر والنثر الشعري مما يجعل القارئ يقبل عليها دون ملل..

 

مالكة عسال

بتاريخ 15/05/2007

 

 

نجيب طلالصورة مكشوفة: حتى نضع القارئ والمهتم المفترض ضمن صورة مكشوفة . لا تأويل لها؛ فتجزئ هذا الموضوع ليس نشوة في الكتابة من أجل الكتابة؛ أو لا شغل لنا إلا هذا الموضوع. بالعكس فهو الذي فرض نفسه بشكل تلقائي عليَّ وعلى الكتابة، ارتباطا بعدة روافد أمست بديلة تحيط الدراما العربية؛ وفاعلة في شرايين نبض وجودها؛ لكي تستحوذ على شريحة واسعة من جمهور المشاهدين، الذي يعيش بشكل أوآخرعلى واقع ومنتوج هائل وغزيرمن الصور والمعلومات، التي ترسلها القنوات الإقليمية والفضائيات المفتوحة؛ وأمام تحديات العصر والمنافسات الشرسة بين الشركات والمنتجين؛ يختلط الإبداع بالأموال. لتصبح الدراما في أبعْد تقدير تجارة يتمظهر فيها البيع والشراء؛ مما يصبح الفنان/ التقني/ المخرج/ مجرد سلعة تتحكم فيه شركة الإنتاج/ رأسمال. طبعا أي إنتاج يحتاج لسيولة واعتمادات مالية؛ لكن في مجال الإبداع لامناص أن يكون المال وسيلة لإنتاج رسالة فنية؛ جادة وذات جودة في تركيبتها وإنتاجيتها ولها أبعاد مقبولة مجتمعيا وتخيليا؛ فحتميا سيكون لديها جمهورها الذي يساهم في ترويج المنتوج؛ لكن إشكالية الدراما العربية مع بعض الاستثناءات (طبعا) تتخبط في الارتجالية والعشوائية ! والإسفاف الفكري ! وغياب الحِس الفني ! فالعَديد من الأعمال الدرامية: موسيقاها لاعلاقة لها بالمشاهد؛ وموسيقى تشويقية suspense لاعلاقة لها بالتشويق/ الإثارة؟ أما الملابس فلم تتغير على جلد الشخصية / الممثل/ الممثلة (أي) بنفس الملابس من الحلقة الأولى إلى أخرها؟ أما تكرار الحوارات بشكل فظيع وممل فلا تسأل عن ذلك؟

والسؤال الجوهري لماذا كانت الدراما العربية إلى حَد ما قوية في أواخر السبعينيات وعقد الثمانيات من (ق.م) وهنا لا نقصد مصر بالذات بل كذلك لبنان/ العراق/ سوريا /…/ القضية بكل بساطة؛ ليست نتيجة انوجاد محطة تلفزية (وحيدة) أنذاك . بل الأمر يعود لصدق العطاء؛ والإيمان بقضية الإبداع . والبحث الجدي والابتكار من لا شيء، مع احترام الفنان لوضعه الاعتباري. بخلاف الآن فالإمكانيات متوفرة مع تعدد الشركات و المحطات. مما يفرض هذا تنافسية نحو الجودة وكسب ثقة المشاهد؛ لكن الرياح أمست جنوبية؛ تنتج هواء جافا؛ خانقا؛ في إنتاج [دراما] يغلب عليها طابع الاستعجال والارتجال وعدم التركيز؛ مما يتم إنتاج أخطاء مهنية وثقافية جد فادحة مثلا في مسلسل (سوق الحرير/ سوري)[... وقع طاقم العمل في خطأ كبير، حيث بدأ المسلسل بعبارة "دمشق صيف 1945" مع ظهور بوستر فيلم "فاطمة" لأم كلثوم، والذي تمّ عرضه في 15 ديسمبر عام 1947](1) أو في مسلسل (محمد علي رود/ كويتي) [عندما ظهرت إحدى ممثلاته في أحد المشاهد وهي تدعو الله قائلة: "يا من أنْجيت يوسف من بطن الحوت هذا الخطأ كشف جهل القائمين على العمل بأمور تبدو "معلومة بالضرورة" لمن يقرؤون أبجديات دينهم، وهوما أثار موجة استياء على مواقع التواصل.] (2) أليست هاته الأخطاء الفادحة وغيرها كثير والتي أثارت حفيظة المشاهدين. تعتبر مهزلة المهازل للدراما العربية؛ والأفظع أن تلفزيون الكويتي قدّم اعتذاره للمتتبعين عن هذا الخطأ، وأحال المسؤولين عن مراجعة العمل قبل عرضه إلى التحقيق.

إذن فهذا الانحدار والانحطاط الدرامي؛ طبيعي أن يحدث أمام التهافت والركض وراء الغنيمة بطرق ملتوية؛ هنا: فمسألة الاستقطاب لا يدخل فيها الموضوع المطروح فحسب، بل والصورة والأداء والفكرة والطرافة والموسيقى.... إنه عمل فريق كامل بداية من السيناريست وكاتب الحوار إلى الموسيقيين والتقنيين والمصورين والممثلين وصولا إلى المخرج، ثم المنتجين وطرق تسويقهم للعمل(3) كيف سيحقق كل هذا والمنتجين يعتمدون ويركزون (الآن) على وجوه رخيصة الثمن وسيناريوهات من لدن أسماء لا دربة له ولا دراية بماهية مفهوم الدراما؛ فكيف لا يمكن أن نرى مسلسلا متهلهلا دراميا؛ لامعنى له و فائدة مرجوة من الفكرة / القصة؛ وصاحبته ممثلة مبتدئة تطاولت على كتابة سيناريو وشخصت فيه وأخرجته كذلك؟ أومن لدن كاتب (سيناريو) اسمه هنا وفكرته هناك وممثل في مسلسل ومدير إنتاج في آخر... وهناك جماعة تقوف خمسة أفراد كتبوا سيناريو لمسلسل؟ مشاركة بعض الممثلين في أكثر من مسلسل؟ وهكذا دواليك في إنتاج الدراما العربية،مما يتبين ليس هنالك قوانين ضابطة وزجرية أمام خلل (ما) يشوب تنظيم المهنة سواء من لدن النقابات المهنية ولا من الغرف المهنية ومن المجالس العليا للسمعي البصري؛ بقدرما تفتح طلبات العروض الإنتاجية؛ وتظل المساومات والمفاوضات الكولسية سائرة المفعول؛ عكس التنافسية التي يرسخها وينظمها [اقتصاد السوق] حتى أن بعض الشركات الإنتاج سلكت منظور الدعاية القبلية لمنتوجها قبل الموافقة عليه، وبالتالي فلماذا تم توظيف الإشهار لدن بعض المخرجين / المنتجين/ الممثلين/ الريجيسورات/التقنيين/ بشكل الهستيري هنا وهناك؟

المشهد الثاني:

2 // ارتباطا بالمشهد الأول هل تلك التعليقات والتغريدات عبر وسائل التواصل الإجتماعي؛ تعتبر نقدا بديلا للدراما؟ من البدهي سيكون التضاد والتعارض حول مفهوم النقد؛ وعلاقته بأليات ومنهجية تفكيك الدراما. لكن إذا تفحصنا لأغلب النقود العربية على الدراما العربية؛ كثير منها يصنف بالنقد الوصفي/ الانطباعي/ السطحي/.../ مثلا [أشاد الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، ببعض الأعمال الفنية التي تعرض في موسم رمضان 2020 وأكد أن موسم هذا العام يشهد تنوعا كبيرا في الأعمال الدرامية..... إن الكثير من الفنانين شهدوا نقلة نوعية وتغيرات في توجههم ..مثل الفنانة نيللي كريم التي انتقلت إلى الكوميديا مع عمل (ب 100 وش) يحتل المرتبة الثالثة من بين مسلسلات رمضان لهذا العام.أما المرتبة الثانية ...فقد ذهبت لمسلسل "ونجيب تاني ليه"، والذي رأى فيه أن الفنانة ياسمين عبد العزيز تقوم بدور مهم في قضية اجتماعية تحتاج لجرأة خاصة. وفي المرتبة الأولى.. مسلسل "الاختيار". حيث قال: "التوثيق كان رائعا في مسلسل يحمل تاريخا بطوليا جميعنا عشنا تفاصيله".(4) أساسا فهذا الأخير لم ينته بعد حتى نحكم عليه؛ ولكن مثل هؤلاء لازالوا في الساحة النقدية . وإن كان البعض يقرصن ويتلصص على ما يدونه المدونون والمغردون في الوسائط الاتصالية؛ لينتجوه كخطاب معرفي/ نقدي؛ صادر من قدراتهم وطاقتهم النقدية؛ ولاسيما أن الصحف و المجلات شكلت في السابق محركا فعالا في نقد الأعمال الدرامية . إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي الآن أخذت الصدارة بكل جرأة وبوضوح أكثر؛ مساهمة في دينامية الترويج و التقييم الأشمل للنقد بين النشطاء وكل منهم ينظر لزاوية أو فكرة معينة من كل عمل؛ رغم اختلاف رؤيتهم من ناشط عادي/ خبير/ مشاهد/ مهتم/ وهذا التنوع والاختلاف في الرؤية والنشاط، لم يحلل أو يناقش بعد. ولكن من الممكن أن يكون أحَد الأسباب لنقاد أعلنوا انسحابهم؛ أو ربما خفوت صوتهم النقدي في المشهدي الثقافي/ الإعلامي . بحيث [يؤكد الناقد السينمائي حمادي كيروم على مواصلته مقاطعة مشاهدة التلفزيون العمومي، ويرى ألا جدوى في الحديث عن إنتاج تلفزي في الوقت الراهن، لأن كل ما يقدم ما هو في نظره إلا "إلهاء"(....) من جانبه، يقول الناقد السينمائي محمد بنعزيز إنه كتب عن الكوميديا الرمضانية مقالات كثيرة منذ 2008 وأن ليس لديه ما يضيفه بصدد الإنتاجات الرمضانية لأن الملاحظات لا تؤخذ أصلا بعين الاعتبار....(5) ولكن لماذا الآن تلك الملاحظات والانتقادات التي قام ويقوم بها نشطاء منصات التواصل الإجتماعي؛ تؤخذ بعين الاعتبار؛ ولقد حمى ويُحمى حولها وطيس من الردود والتبريرات؟ بكل تلقائية فتلك الوسائط وفرت أليات وأدوات جديدة و التي يستخدمها الآن (الجيل العنكبوتي) تعتبر بدون تخريجات أو سفطسة زائده؛هي النقد البديل؛ كنسق يدفع عمليا لقطيعة إبستيمولوجية، لأن العالم الافتراضي ما هو إلا امتداد للعالم الواقعي/ الاجتماعي؛ وبالتالي من ساهم في إحداث سياقات جديدة؛ وتشكيل الرأي العام .في الربيع العربي سنة2011؟ أليست تفاعلية الوسائط الإجتماعية بين النشطاء والمدونين والشباب بخرجاتهم المثيرة والمؤثرة؟

المشهد الثالث:

إذن: شبكات التواصل الاجتماعي؛ أمست (الآن) سلطة خامسة؛ متجاوزة السلطة الرابعة:. فتجلّت كنظام بإمكانه الاستجابة لاختراق دوائر الصّمت ومنح الأفراد الاجتماعيين حضورا فكريّا وسوسيولوجيّا، حضور حجبته لوقت طويل أنظمة الإعلام الجماهيري الخطيّة. لكن الجدير بالنّظر في الظاهرة، هوّ أنّ كل الذي يحدث من تفاعل وتذاوت عبر هذه الشبكات، إنّما يجري بواسطة اللّغة، وهي التي يولّدها واقع الأفراد الاجتماعيين في جدليتهم التواصليّة مع الواقع الذي يعيشونه (6) وبالتالي فتداخل اللغة بالصورة تعطي قوة بليغة للخلل الذي ورد في مسلسل(ما) مما تتجاوزأي نقد مُحتمل إدراجه في فضاء الإعلام العمومي/ التقليدي. وخاصة (المكتوب) فعلى سبيل المثال الضجة التي وقعت لمسلسل (النهاية / مصري) وممكن أن تصبح أزمة ديبلوماسية بين (مصر/ إسرائيل) بحيث - أفيخاي أدرعي - يهاجم مسلسل "النهاية" وناشطون يردون عليه بعدما: انتقد المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، عبر حسابه على تويتر المسلسل المصري "النهاية" ...مسلسل النهاية لا يستحق التعليق. يتحدثون ويعملون مسلسلات خيالية ونحن نصنع المعجزات يومًا بعد يوم. شاء من شاء وأبى من أبى ستبقى إسرائيل لأبد الآبدين". (7) علما أن هذا التعليق لقد أنجزه بعد أيام من بيان أصدرته وزارة الخارجية الإسرائيلية، اعترضت فيه على تنبؤ الحلقة الأولى من العمل ب"زوال إسرائيل". والمثير جدا رغم تصريح الطرف (الإسرائيلي) فأغلبية المشاهدين لم يتجاوبوا مع المسلسل لكثرة أخطائه؛ وكذلك لم يتفاعلوا مع مسلسل(أم هارون/ الكويت) وحتى قبيل عرض الحلقة الأولى منه قوبل بجدل على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لكن اشادت به (إسرائيل) وعلق المتحدث بلسان جيش الاحتلال الإسرائيلي قائلا:": الذي يَغضب من مسلسل أم هارون على سبيل المثال ويخاف من كلمة تطبيع فهو فاقد البوصلة ضعيف الإرادة. بؤساء أنتم والله.(8) في المقابل كما اشرت: لقي المسلسل هجوماً منقطع النظير من المتابعين الذين طالبوا بملاحقة ومحاسبة من أنتج، ومن أخرج، ومن بث ومن مثل فيه، ولم يجرؤ أحد على مدح او الدفاع عن المسلسل، ليأتي الدعم فقط من "إسرائيل" التي وصف المتحدث باسم جيشها المهاجمين للمسلسل ب "المفسدين... (9) هنا نلاحظ بأن منصات التواصل الإجتماعي؛ بحكم التطور التكنولوجي وثورة الاتصالات أمست بقوة حضورها سلطة تتحرك في الفضاء الإعلامي؛ ولها كلمتها:مما أطلق عليها: السلطة الخامسة هيّ حينئذ حضور مضاعف لإرادة اجتماعيّة تعمل في فلك المدوّنات والمواقع الاجتماعيّة على إنتاج المعنى وتحقيق التذاوت على نحو متحرّر من الضوابط القانونيّة والأخلاقيّة (...) والسّلطة الخامسة، في نهاية الأمرإنما هيّ أسلوب جديد لبناء الواقع الاجتماعي. خارج القوالب الميدياتيكيّة المهيمنة والضوابط المعتمدة في صناعة المعنى(...) من خلال إعادة إنتاج الإيديولوجيا السّائدة في المجتمع، وهي التي كانت تروّج لها الوسائل التقليديّة للإعلام الجماهيري (10)                                ربما سيثير قارئ (ما) بأن الوسائل التقليديّة للإعلام حاضرة لازالت بقوة في المشهد الثقافي/ الدرامي/ الإعلامي/رغم منصات التواصل الإجتماعي .

مظهريا أكيد ولا خلاف؛ ولكن الاختلاف سيتحدد في حضورها المحتشم الآن؛ وفي تبعيتها المطلقة (الآن) للأنظمة العربية؛ فحتى التي تعلن أنها (مستقلة / حرة/ خاصة) انكشف قناعها أنها تابعة لجهة

ما أو طابور خامس كما (يُقال). ولكن المتمعن في القراءة والمتتبع لمحمول تلك الصحف والمواقع؛بكل بساطة سيكتشف أن حمولتها الإعلامية مأخوذة من مواقع التواصل الاجتماعي. التي هي أساسا متعددة؛ حتى أن بعض المواقع تبث فيديوهات لنشطاء تمارس شغبها النقدي/ الساخر حول الدراما العربية؛ والبعض يترجمها كتابة؛ هي ليست سرقة أو انتحالا؛ بل القضية تندرج في التفاعل التلقائي بين النشطاء.: وجد الصحفي والسياسي والمواطن نفسه أمام مشهد إعلامي غير معدل او حتى مقنن. أصبح الصحفي ورجل الأعمال ورجل السياسة لاعبون رئيسيون جدد في تحديد ملامح البيئة الجديدة للاتصال(...)مجسدا في صحافة شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام التفاعلي.لإحراج كبرى التلفزيونات والإذاعات والصحف والمجلات ذات التاريخ العريق أو ذات المال الوفير (11)                                  إذن؛ وبالعودة للمسلسل الذي يشير لأول مرة إلى وجود اليهود بالخليج، نلاحظ هاته التغريدة لباسم نعيم القيادي في حركة حماس- الذي: اعتبر أن مسلسل "أم هارون" ليس فناً تطبيعياً، بل هو جريمة تاريخية، وغسيل أفكار وقيم يحاول الإسرائيليون تمريرها منذ عقود" واصفاً المسلسل بالعدوان الثقافي (10) منشورة في عدة صحف ومواقع إلكترونية؛ بمعنى أن التغريدات والتعاليق التدوينات مستباحة كفعل إعلامي بديل؛ والتي تعبر عن ظاهرة إنسانية غير مشروط بالتعويضات المالية؛ ولا بالهوية الإنتمائية (طائفيا/ حزبيا/ عشائريا / قطريا) ولا بحقوق الملكية الفكرية للمدون/ المغرد/ المؤلف . وإن كنا نلاحظ أن السلطات العربية؛في الآونة الأخيرة تحاول خنقه أو إسكاته وتكميم أفواه وأنامل النشطاء .بطرق يتداخل فيها القانوني بالعرفي والعرفي بالتحايل؛ بناء أن: الإعلام الجديد ساهم في إعادة تشكيل الأنماط التواصلية التقليدية القديمة القائمة على احتكار النخب السياسية والثقافية لوسائط الإعلام وباقي وسائل التعبير في الفضاء العام واعتماد هرمية انتقال المعلومات من النخب إلى العامة.فلم يعد عالمنا المعاصر منقسما إلى كتلتين متصارعتين من الدول وإنما أصبح بصدد»التسلسل الهرمي « منه إلى فكرة »Net work الشبكة «....والتي عززت من قوة الأفراد والجماعات، بينما قلصت من السلطة التقليدية للدولة (12) وبالتالي فقوة النشطاء فرضت نفسها في السنة الماضية؛ ولكن هاته السنة اكتسحت المشهد العربي؛ وخلقت جدلا خارج الدراما؛ جدلا تنظيميا/ سياسيا/ فكريا/ تقنيا/ والنموذج الأكثر إثارة ويحتاج لدراسة مفصلة؛ ومفادها قضية الدراما العراقية؛ و الجدل المثير حول عملين (أحلام السنين/ بنج عام) والتي نشره موقع (روسيا اليوم) وتبنته جل الصحف والمواقع العربية: بحيث بعد عرض مسلسلين (أحلام السنين/ بنج عام) في حلقاتها الأولى: استنكرت عشائر عراقية في محافظة البصرة مسلسلا عرض على قناة MBC عراق، تناول الحياة في أهوار جنوب العراق.... وهدد ناشطون إيزيديون بمقاضاة كادر مسلسل (بنج عام) بسبب ماعدوه "تشويها للقضية الإيزيدية"، على خلفية استخدام الممثل الذي يلعب دور عنصر في داعش، ألفاظا جارحة ضد الإيزيديين.... وفي سياق متصل، استنكرت النائب عن المكون الإيزيدي- فيان دخيل- مشاهد من مسلسل "بنج عام" العراقي... "المسلسل استخدم المأساة الإيزيدية بكل استهتار واستخفاف وعدم شعورٍ بالمسؤولية من أجل تسويق العمل على حساب أرواح وأعراض آلاف الضحايا الايزيديين ومئات الآلاف من أبناء جلدتهم (13) والذي ازداد في حمي الوطيس انضمام - النقابة الفنانين العراقيين - إلى الجدل ودخولها على الخط؛ بالرد على العشائر والنشطاء الذين تهجموا على المسلسلين بحيث وجهت: انتقادات شديدة لسياسيين وشيوخ عشائر هاجموا أعمالا فنية عراقية عرضت في شهر رمضان، واعتبرت أن مهاجمة تلك الأعمال تمثل تحريضا على الفنانين.... وأضاف بيان النقابة "حين تخرجُ أصوات نشاز، لتحرّض على فريق عمل مسلسل (بنج عام) والحلقة المتعلّقة بالجريمة التي تعرّض لها أهلنا الإيزيديون، هؤلاء يدوسون على جراح الضحايا، ولا يفهمون أنّ إبراز قبح الجلاّد هو تثبيتُ حقّ الضحيّة في التاريخ"(14) وبهذا الجدل نلاحظ أن هنالك نشاطا قويا وغريبا في آن لنشطاء التواصل الإجتماعي؛ وردود غير متوقعة من طرف من وجهت له أسهم الفضاء الأزرق والأحمر والأبيض وعدسات الفيديوهات...والمسألة في عمقها الأساس لا تعدو مبادرة فردية كما يُعتقد؛ بل هي جماعية (des groupes) مما تتم بسرعة البرق انتشارأي خبر أو فكرة؛ وتتبلور في سياقات متعددة. فعلى سبيل الذكر: على الرغم من الإشادة الواسعة التي حظي بها مسلسل "أولاد آدم" إلا أن الممثل قيس الشيخ نجيب تعرض لانتقادات واسعة، على خلفية تغطيته عينه على طريقة القراصنة. وتساءل كثيرون، هل لا تزال تغطية العين بهذه الطريقة مقبولة في العام 2020؟(15) فهاته الملاحظة؛ كانت كالنارعلى الهشيم عربيا؛ منتجة تعليقات متقاربة وتأويلات ساخرة ولاذعة. لأن مواقع التواصل يتبين أن لها قاعدة مستخدمين عريضة وبشكل لا يمكن تصوره، كما تضم النقيض والأضداد من ضمن الفعل الجمعوي. وهذا نقاش آخر؟

 

نجـيب طــلال

......................

إحالات:

1) أخطاء فادحة في الحلقات الأولى من مسلسلات رمضان 2020 سيدتي نيت: دبي - معتز الشافعي

في- 01-05-2020

2) أخطاء فادحة وضعت مسلسلات رمضان في مرمى الانتقادات .بقلم أشرف كمال- الخليج أونلاين -

05 -05-2020

3) على صنّاع الدراما أن يفهموا: انتهى زمن الجمهور الصامت بقلم محمد ناصر في صحيفة العرب

يوم 2020/04/28

4) ناقد مصري يسمي أفضل 3 مسلسلات رمضانية لهذا العام: صحيفة شروق المصرية في 28/4/2020

5) الإنتاجات الرمضانية .العادة القديمة: متابعة - لعبدالرحيم سموكني: ص/20/21 في مجلة - تيلكيل عربي- ع

52 - من 15 إلى 21 ماي 2020

6) الميديا الاجتماعيّة- الأدوات البلاغيّة الجديدة للسلطة الخامسة مدخلة:عبدالله الزين الحيدري/ قطر ص 97

المجلة العربية الأوروبية لعلوم الإعلام والاتصال - عدد خاص/2015

7) مصر وإسرائيل عن مواقع التواصل للجزيرة مباشر في- 3 مايو 2020

8) نفسها

9) هجوم جماهيري شرس على مسلسل التطبيع "أم هارون" والمديح يأتي من إسرائيل! صحيفة إضاءات- في –

25-04-2020

10) نفسها

11) الإعلام الجديد والربيع العربي:مراجعات بحثية: مداخلة جمال الزرن/ جامعة قطر ص12المجلة العربية

الأوروبية لعلوم الإعلام والاتصال - عدد خاص/2015

12) دور مواقع التواصل الاجتماعي في تعزيز ديمقراطية الاتصال في اليمن - مداخلة صباح الخيشني / صنعاء،

اليمن ص110 - المجلة العربية الأوروبية لعلوم الإعلام والاتصال - عدد خاص/2015

13) جدل في العراق بسبب أعمال رمضانية ونقابة الفنانين تُدافع – عن موقع روسيا اليوم (RT) في           02 /05/2020

14) دراما رمضانية تثير الجدل في العراق.. نقابة الفنانين تدافع وإيزيديون يهددون باللجوء إلى القضاء – عن: موقع الحرة / خاص – واشنطن في 02 مايو 2020

15) أخطاء فادحة في الحلقات الأولى من مسلسلات رمضان 2020 دبي - معتز الشافعي مجلة سيدتي نيت في

01-05-2020

 

 

وليد العرفي للشاعر العراقي: سامي العامري أنموذجاً

تمهيد: تقوم فكرة القصيدة على بُعدٍ اجتماعي، وهو يتمرأى علاقة الذات بنظيراتها سواءٌ مَنْ كانوا مُختارين بانتقائية، وعنْ حريّة إرادة، أمْ ممَّنْ تفترض الحياة التعامل معهم، وأياً تكن الأسباب والدوافع الكامنة وراء نشوء هذه العلاقات يبقى السلوك الإنساني في التعامل هو معيار استمرار تلك العلاقات أو انقطاعها، كما يعكس جانبي الرضى عنها، أو النفور منها، وعلى هذا المنحى يبدأ الشاعر في طرح رؤيته .

العنوان وفعل المجاوزة والانغلاق

بدايةً أودُّ التوقف عند العنوان، والعنوان في النص الأدبي مفتاح دخول القارىء إلى عالم النص، لأنه: "  رسالة لغوية تُعرّف بهويّة النص، وتُحدّد مضمونه، وتجذب القارئ إليه وتغويه به "  ، مثلما يُشكّل قناة الاتَّصال الأولية مع القارىء غير أنَّ العلاقة تبدو مخاتلة في مقصدية العنوان هنا، وهو ما يُثير التساؤل عن ماهية العلاقة بين العنوان والنص، يتألف حدّ العنوان من تكرار يقوم على الأسماء، يداً بيدٍ مع اللازورد، وهو أقرب ما يُشير إلى عنوان شعاراتي ؛ فما وجه الالتقاء بين هذه المكونات:  اليد عضو في الكائن الحي يرمز إلى القوة، اللازورد من الأحجار الكريمة، وهو ما يدخل عادةً في صناعة الزخارف والمنحوتات ذات الطبيعة التاريخية، وبناءً على هذه الرمزية يبدو ثمَّة انغلاق يُحجّر على ذهن المتلقي فهم مرمى النص، وأنا أعي رغبة  الشاعر العامري  في تغلغله في تلك المساقات غير أن المجاوزة والغموض شيء، والانغلاق على المعنى شيء آخر.

البنية الإيقاعية ومستوياتها

ينطلق الشاعر: سامي العامري  في هذه القصيدة على راحلة البحر الخفيف، وهو من البحور ذات الطبيعة المركبة، كما قسمها الفارابي ذلك أن ما تألف من تكرار تفعيلة واحدة كالمتقارب بُسمَّى بسيطاً، وما  اختلفت في تأليفه التفعيلات يُسمى مركباً  ومنه الطويل والخفيف الذي اعتمده الشاعر، وهو يقوم على بنية فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن  وسأتوقف عند:

أولاً -  حدّ الأنساق القافوية

حدَّد العروضيون أنواع القافية بناء على معيارين هما:

- المعيار الكمي الذي يعني التزام القافية في القصيدة كلها بوحدة تامة- .

- المعيار الكيفي الذي يعنى بظواهر تكرار الحروف  والحركات، وبهذين المعيارين تمت عملية ضبط القافية، وما يعتريها من خرق أو خروج فيما يسمى بعيوب القافية، وقد أضاف حازم القرطاجني (الوقف)، وهي ترتبط بمسألة النهاية في البيت فهو مهم للتنغيم  لما للشعر من ارتباط بالغناء الذي يقتضي طبيعة تقفية مطلقة لا مقيدة  فالحرف الساكن حين يقع في نهاية الكلمة وثم يراد الوقف على كلمته قد يتعرض ذلك الحرف إلى الغموض أو الإبهام فيقل وضوحه في السمع أو قد يسقط في النطق،ولا سيما حين يكون من الحروف المهموسة الشديدة كالتاء والقاف ؛ فلا يكاد يتضح في الأذن، ولا يكاد السامع يدري حقيقة أمره ولا يحس بموسيقاه  ، فكيف تعامل شاعرنا العامري مع هذه المسألة من حيث اختيار القافية وطبيعتها، وتشكيل الأنساق القافوية على المستويين الأفقي والعامودي ؟  لقد اختيار شاعرنا العامري نمط القافية المتواتر، وفيه تتناوب الحركة والسكون بشكل ثنائي / 5/5

أ - الأنساق القافوية على المستوى الأفقي: *على مستوى الحرف تؤدي المواضع التقطيعية دوراً مهماً في تأليف نسق  القافية على المستوى ؛ لأنها  تظهر الإمكانيات المتسقة مع نصف الشطر تشطير التصريع، ونهاية القرينة غير المركبة تسميط الشطر ونهاية القرينة الترصيعية المركبة من أكثر من كلمة تسميط البيت، ونهاية الشطر حيث يقسم البيت إلى شطرين ومنه:

1- التصريع، وهو ما يُسهم عبر المواضع الأفقية في خلق تشكيلات من ألوان البديع المرتبطة بهذا النمط  ومما أورده العامري في هذه القصيدة التصريع، وهو أن يكون آخر حرف المصراع الأول على شاكلة حرف المصراع الثاني في البيت   أو ما كانت عروض البيت فيه تابعة لضربه تنقص بنقصة وتزيد بزيادته، وهو ما يغلب في مطالع القصيدة،  إذ يكون له في أوائل القصائد طلاوة ووقع في النفس لاستدلالها على قافية القصيدة   يقول العامري في مطلع القصيدة ؛ فقد توافقت آخر كلمة في المصراع الأول آخر كلمة في المصراع الثاني من حيث الوزن والتقطيع الصرفي وحرف الروي

 شَغلتْهُ الكؤوسُ عمَّا يليقُ         بفتىً مثلهِ  وطـــــــالَ النقيقُ!

2- التسميط : وهو أن يجمع عدة سلوك في ياقوتة أو خرزة ما ثم تنظم كل سلك منها على حدته يسيراً ثم تجمع السلوك كلها في زبرجد أو شبهها أو نحو ذلك ثم تنظم أيضاً كل سلك على حدته وتصنع به كما صنعت أولاً إلى أن يتم السمط، ومنه قول العامري:

دَبَّ في نهره الشجا فاشتهى الموتَ       فنادى كما روى لــــــــــــيْ غريقُ

 فثمة توقفات في البيت عند حرف الألف اللينة في كلمات الشجا، أشتهى، نادى، روى، وهو ما أسهم بزيادة النغمة الموسيقية  داخل البيت وقوت من الترابط بين أجزائه .

** أما على مستوى الكلمة ومن أنماطه رد العجز على الصدر،  ويلجأ الشاعر فيه إلى أن يمهد للقافية بلفظ مجانس لها في أحد مواقع البيت السابقة في صدر البيت أو الحشو أو الختام، وقد حددت نوع القافية بالتكرار أو بالمتجانسة أو قريبة منها أما مواقعه ؛ فيلزم الثبات في آخر البيت، ويتغير في صدر المصراع الأول وحشوه وآخره وصدر المصراع الثاني وحشوه، ومما لجأ إليه شاعرنا:  العامري هو صدر المصراع الثاني في قوله:

 فجموعٌ شـــطَّتْ، وغالتْ جموعٌ     وفــــــريقٌ صلّى، وعابَ فــريقُ

 أما الدلالي وهو على نوعين:

الترشيح: ويعني أن يأتي لفظ في البيت يدل على القافية، وذلك بأن يستدعي المذكور الغائب إلى الذهن لوجود رابطة دالة، وهو ارتباط يتخذ أشكال معنوية من مثل ارتباط السبب بالنتيجة أو ما بين فعلين متلازمين  ومن هذا القبيل والتلازم:

أنــــــــــتِ أبهى وإنْ تريدي فإنّا    نُكمِل البعـــــــضَ والزفيرُ شهيقُ

 فالزفير تستدعي إلى الذهن مرافقتها الشهيق ؛ لارتباطهما في عملية واحدة تقوم على التناوب، وهو ما يقتضي  وجودهما معاً،  وقد يكون الاستدعاء على لزوم الصفة للموصوف كما في قوله:

ما خـــــــــــلا ظلَّه البهيَّ وأنّى      يطأ الأضـــــــلعَ النسيمُ الطليقُ؟

إن ذكر الشاعر لفظ  النسيم  يستدعي الصفة الملازمة له، وهي الطليق   على سبيل التلازم ما بين النسيم وصفته الطليق

وفي قوله:

قالتِ الشمسُ قد تذيب مســـامي         قلتُ كـــلا، فذاك عصرٌ سحيقُ

فالحوار القائم على توقع أمر، ثمَّ نفيه من قبل الشاعر استدعى إلى الذهن صفة سحيق ؛ لتنسجم مع دلالات المعنى المراد إيصاله، والهدف الذي يرمي الشاعر إلى تحقيقه وقد يكون الاستدعاء قائماً على تلازم بين شيئين يرتبطان ببعضهما ارتباطاً يقوم على اشتراكهما في النوع من مثل قوله:

ولتفجير كـــــلِّ أوكارِ  ضَيمي          ليــس يكفي البارودُ والمنجنيقُ!

فالبارود المادة الدالة على فعل الموت تستدعي المنجنيق ؛ لارتباطهما بالغاية ذاتها .

وتتبدّى الموسيقى الداخلية بجمالية انتقاء الأصوات التي يبدو أنَّ الشاعر انتقاها بعناية لافتة ؛ لما فيها من الهمس، والمقاربة في مخارج الحروف، كما في مقاربته بين حرفي الصاد والسين والميم والتكرار الذي لم يخلُ منه بيت من أبيات القصيدة :

وقد بلغ التكرار ذروته في هذا البيت إذ تكرر حرف الميم 3 ثلاث مرات في كلمة واحدة هي (مسمّى)، كما تكرر حرف  السين بالتجاور  بين اسم، ومسمى، وكذلك تجانس حرف الصاد والسين لتقارب المخارج والصفة فيهما:

يا صِحاباً، إسماً علـــى لا مُسمّى

 أتُرى لا يَلْوح منكم شـــــــــفيقُ؟

ومن تجاور حرف الصاد في كلمتين ما نجده في:

الفعل: يصح ــــــــــــــــــــــــ   و الاسم: صديق

  ومن تجاور الفاء

الفعل دفعتم ــــــــــــــــــــ والاسم فاتورة

في قوله:

كم دفعتمْ فاتورةً عـــــــــن تحايا        ونقاءٍ ولم يصحَّ صــــــــــــديقُ

  كما يؤدي تماثل التركيب إلى إضفاء الموسيقى الداخلية ومن ذلك تماثل أشباه الجمل في البيت التالي: في دمعتيه، في وجنتيه، في وساداته، في خفايا،

 دَبَّ في دمعتيهِ، فــــــــي وجنتيهِ            في وســـــــــــاداته التي لا تفيقُ

ومن تكرار الفاء والميم والسين ما نجده في قوله:

 في خفايا خــــــــفائه اللاّ مُسمّى           كإلهٍ أنساهُ سُـــــــــكْرٌ عميقُ

وقد عمد إلى إعادة اللفظ الذي يرتبط بإكمال المعنى من مثل قوله:

 ليـــس غيرَ الندوب في القلب خِلٌّ      عنده اليومَ، والفراغُ شـــــــقيقُ

فقد جعل من الظرف نقطة فصل وانتهاء في البيت، ثم ابتدأ به لاتّصال المعنى الذي يريد إكمال فكرته والتعبير عنها بتوسيع الدلالة .

 غير أنَّ التكرار إذا لم يكنْ مُنضبطاً قدْ يُثقل على السمع، ومن ذلك ما نجده في تكرار حرف الشين 4 أربع مرات  في هذا البيت:

 عندَهُ مِــــنْ مآزقِ الفكرِ ما لوْ      عشْتُموهُ عَشَّشَ فيكمْ حــــــــــريقُ!

ناهيك على أنَّ العلاقة تبدو مغلقةً عصيةً على الفهم في تسويغ  الجمع بين القافية الحريق التي يبدو أنها طُوّعتْ لموافقتها القافية في إسنادها إلى فعل عشَّش ؟ !

  وسيلحظ المتابع تكرار غير حرف ما بين الصدر والعجز في بقية النص فحرف العين تكرر بين: العوم ــــــــــــــــــــــــــــ يعيق

  بُغيتي العَومُ كالضـــــياء ولكنْ    بَشَراً كونيَ اقتضــــــــــى ما يُعيقُ

 وتكرر حرف الراء  بين الأفعال: رأيت، يخرج، والاسمين: ركب، ريح  في قوله:

ورأيتُ الســـحابَ يخرج من نايٍ      وعصْــــــــفاً بركبِ ريـحٍ يَحيقُ

وبين الأسماء: الريح، وراء، دوران  البحار، والدوري: بصيغتيه الاسمية والفعلية في قوله :

  قلت للريح ما وراءك؟ قـالت:      دون لَفٍّ أو دورانٍ، عشــــــــيقُ!

 قلتُ لفِّي حـــول البحار ودُوري        وغـــــــناءُ الدُوريِّ فيك لصيقُ

كما يتكرر حرف القاف الذي أسَّس عليه حرف الروي في قفلة القصيدة إذ تكرر بين:

الحقد، قلت، حقدي، رشيق:

 ثُـــــم عادت فاستدركتْ بسؤالٍ       هل كبا الحقدُ؟ قلتُ حقدي رشيقُ

كذلك حرف الكاف والحاء والفاء والجيم: وهو بلا شك تكرر لا يُخفي انتباه الشاعر إلى محاولته تحقيق قدرٍ كبير من الموسيقى عبر انسجام الأصوات، وتقاربها، وهمسيتها . 

 كحنوٍّ علـــــــــى الحياة وأدري       كــــــان قد جفَّ مثلما جفَّ ريقُ

  التسبيغ أو تشابه الأطراف وفيه يعمد الشاعر إلى إعادة لفظ القافية في أول البيت الذي يليه، ويُسهم هذا النمط في تماسك وحدة البيت ويمنحه بُعداً دلاليَّاً عبر التكرار للفظ نفسه ومنه:

عبثاً وعيُنا انتهى مــــثلَ خُرْجٍ       بثقوبٍ ينثالُ مـــــــنها الدقيقُ؟

لا دقيقاً نرى وســـاءت موازيــــ....  ــنَ وفكراً كدرب نملٍ يضـــــيقُ

فتعاقب دقيقاً التالي لدقيق في قافية البيت السابق شكلت لحمة على المستوى الدلالي فحولت البيتين إلى بيت بنية لغوية معبرة عن معنى واحد ودلالة محددة، وهو ما ينفي عن النص انفراد البيت واستقلاليته، ويُكسبه نوعاً من الوحدة العضوية ذات الدلالة الواحدة .

ليتَ حُبَّ الجميعِ صــــافٍ وعارٍ

عن ثآليلِ مَـــــــن مضوا وحليقُ

 

كتماســــــــــيحَ قد علاها فَراشٌ

فاســـــتكانت والجلدُ بضٌّ رقيقُ !

الأنساق القافوية العمودية

تُشكّل القافية الوحدة البانية للقصيدة على المستويين الصوتي والدلالي، وقد جاءت القافية مطلقة،  وهذ النوع من القوافي يؤدي دوره الموسيقي الفاعل بسبب انفتاحها على حروف المد الناتجة عن إشباع الحركات، وهو ما يمنح هذه الحروف  أمداء أوسع في الاتساع والامتداد الصوتي، وهو ما يبدو قد لفت عناية الشاعر إليه في اختياره والتزامه غير الملزم بحرف الياء السابق للروي وهذا الالتزام أكسب القصيدة طاقة موسيقية مضافة، ومما أسهم في دعم تلك النغمة الموسيقية تناوب الحركة والسكون في القافية ما يؤدي إلى إطلاق الصوت واتساع مدى نبرته،  وهو ما حققته القافية المتواترة التي اعتمد الشاعر عليها في بناء القصيدة التي جاءت ركيزتها المعمارية على إيقاع البحر الخفيف في تأكيد من الشاعر أنه يغوص في أي بحر طالما أنه يتقن مهارة فن العوم .

وبعدُ فإنَّ هذا ما أمكنني رؤيته، واستكناه مرامي دلالاته التي كانت ضبابية في بعض جوانبها، وقد يرى سوايَ ما لم أره، وهو حقُّ اختلاف، فكلُّ إضافة على استبطان المُضمَر إنما هي إنجاز لثالوث الإبداع:  النصَّ، والمبدع والناقد . 

 

د. وليد العرفي

.....................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في المثقف

 

يداً بيد مع اللازَوَرْد / سامي العامري

 

نعثر في رواية (خاتم) للروائية السعودية رجاء عالم على شفرات متداخلة متقاطعة: ثقافية – سوسيولوجية- جنسية، وهي تشكل الجسد المزدوج (البطل) وتصنع المعنى، وبغياب الجسد يغيب المعنى برمته في السرد، باعتباره (أي الجسد) نقطة التقاء وتنظيم لهذه الشفرات المندمجة، والمحتوي على المعنى الكلي، وفي الوقت ذاته تكون بنى الشفرات هنا مشتركة في صناعة بنية النص وبنية الجسد، وبتداخلهما تتحقق الشعرية- الجمالية للسرد الروائي، فالسرد لدى الروائية رجاء عالم يختلف عن السرد الذي يحمل الطابع الذكوري، من حيث الرؤية، والتجربة، والمخيلة، فهي تهدف الى تكسير النموذج السردي الذكوري بتفتيت الوحدات السردية وتعرية عجزها... تحطم نموذج الحبكة الذكورية لتترك النص هشيما، كما يقول الناقد عبد الله الغذامي، وعليه تتحقق هنا أسبقية الجسد على النص، بمعنى ان النص يخرج من جسد لا هو بالأنثى ولا بالذكر، وهذه الرؤية تقع ضمن الشفرة الرمزية التي تعتمد على الجسد الإنساني بوصفه كلية النص، وبهذه العملية ينتج النص المشفر.

ومن خلال الجدلية – الجنسية، تتكشف لنا العلاقة المتناقضة داخل الجسد، وتميزه عن الآخرين، وتوحده مع العالم، وغربته مع الواقع، ويتحكم بهذه العلاقة الوعي الذي تمتلكه خاتم، وعي يتصف بالكثافة، يعمل على تعميق الإحساس بالانقسام داخل جسدها، واختلافه، ففي هذه الحالة يكون هنالك جسد مزدوج ووعي متداخل، غير متناقض، منسجم، ومنهما نستخرج المستويين التكويني والدلالي لشخصية خاتم، والتغلغل الى أعماقها غير المستقرة، القلقة، التي تصبو الى الوحدة والتكامل، بعيدا عن هذه الازدواجية، والتمزق بين اتجاهين مختلفين، لكن هذه الازدواجية تتوقف تجاه الخارج، لتمارس وضعها الحقيقي المفروض عليها بيولوجيا والمحكومة به اجتماعيا.

ان رجاء عالم تتجاوز النظرة التي ترى في الأنثى الجانب السلبي الضعيف للكائن الإنساني الخاضع للرجل، وفي الذكر الجانب الايجابي القوي المخضع للأنثى،ونلمس ذلك في خاتم الشخصية الإنسانية المركبة، التي صورتها الروائية بقصدية عالية ودقة عميقة، ولتفسر الاجتماعي بالفردي، وان الموجود الإنساني ليس هو الخنثى، وانما الإنسان : الأنثى والذكر، الإنسان الذي فيه الطبيعتان الذكورية والأنثوية، فأنهما الحياة وجوهرها الإنساني.

منذ بداية الرواية نحس بأن هنالك شيئا مفقودا أو غائبا عن القارئ: (انشق غشاء الخضرة وبان ما بين ساقي الوليد، بإصبع مرتعد أشارت سكينة لما بان، وجاوبها اصطكاك أسنان الشيخ نصيب – ص7)، انها الشفرة الغائبة التي يبنى النص عليها، انها الشفرة التي تعمدت الروائية ان تخفيها، انها حقيقة خاتم، وهذه الحقيقة لا تكشف من قبل الأخوات والجواري، الا بلحظات قبل مقتلها في نهاية الرواية، فتكون حقيقة مطعمة بالمرارة والخديعة لديهم، فلقد ارتسمت على وجوههم المذهولة (نظرة هي مزيد من دهشة على ذعر وغيظ وغدر ذاك الاكتشاف- ص31) لقد رأوا السر- الحقيقة أخيرا، بينما القارئ يعلم به مسبقا دون ان يراه، لانه كان قد فك رمز هذه الشفرة أثناء القراءة المتوارية في الكلمات، فالرؤية والمعرفة انحصرت بالأم سكينة، والأب الشيخ نصيب فقط، وان القراءة العميقة للرواية تستدعي ميدانا دلاليا من الكلمات، فالقارئ – الناقد ينتقل عبر الشفرات من النص الى لا تناهي الشفرات ليكشف المعنى(1)، وهذا يدفع بالقارئ لكي يتجاوز السر السؤال الذي يقول: ما هو؟

والموقف هذا يتشابه مع موقف سارازين بطل رواية سارازين لبلزاك، حيث يكتشف الخديعة التي وقع فيها، وحقيقة المرأة التي أحبها زامبنيلا كونها (كونه) لا امرأة ولا رجل، فإنها (حقيقة مريعة الى نفسه)(2)، فالقارئ هنا لا يكتشف تلك الحقيقة- السر، الا مع سارازين قبل مقتله في نهاية الرواية على يد رجال الكاردينال سيكونيارا، عشيق زامينيلا، فقد كانا يعتقدان بانها (المرأة، بكل مخاوفها المفاجئة، وكل نزواتها الطائشة، واضطراباتها الغريزية، واجتراحاتها من غير سبب، وتبجحاتها، ورقة مشاعرها) (3)، بينما هي إمراة زائفة، وولد مزيف في خاتم، وفي كلتا الروايتين سارازين وخاتم، تكون شفريتهما الرمزية : التشوه، الذي هو المحور الرئيسي لهما، أي لا طبيعية الجسد .

من هي / هو خاتم؟ تقول زرياب لرفيقاته في المبغى:

بنت في ثوب ولد، مثلما خطفونا من أهلنا خطفوه من جسده، نقلوه لجسد، لا هو بالذكر ولا بالأنثى، في الأفراح والولائم أنثى، وفي الصلوات ذكر، أي لغة يمكن لجسد هذا الإنسان ان يتكلم؟ لو استراح للغنج واسترسل فمن أين يجئ بالرجولة لحمل ثوب؟ جسد محبوس في لغتين، صار للشك في الوجهين لا هو يستريح للأنثى ولا للذكر- ص22.

ان تأويل (أي جانب من جوانب النص يعد تأويلا لواحدة من الشفرات " القوة الغائبة " التي تعمل بصمت في عوالم المعنى المضطربة ضمن إطار " شبكة اللغة المتاخمة" التي تشكل انسيابية النص) (4)، بمعنى انتقال الدراسة الباحثة عن المعاني على مسار واحدة من الشفرات، الواقعة خارج نطاق النص، وفي استطاعتنا القول بان عملية تفكيك الشفرات تعطي المجال لإنتاج نص آخر.

وكما قلنا فان النص محصور في الجسد، المهيمن عليه هيمنة مطلقة، والذي يكون حاضرا في جميع ثناياه، وصوره المختلفة، بتناغم وانسجام، والخاضع لدلالات تأويلية لا تخفي على القارئ: الجسد – المطر، الجسد – الآذان، الجسد- العود، الجسد- الغناء، الجسد- الحجارة،الجسد- الرؤية، الجسد- النور. الهواء . الصوت .

الجسد يخلق الجسد، من الجسد ينبعث جسد، وذلك باتحاد المرأة والرجل، اما في رواية خاتم، فالجسد معطل، ولا يستطيع القيام بفعلا الأنوثة والذكورة، فهو معطل عن خلق الحياة (لماذا لا يطاوع جسدي فيستسلم لهذه الرغبة الحارقة لاحتواء جنين بجسدي، ولا يستسلم للرغبة في الانصباب لجسد؟! . ص27)، رغبة خاتم اللا محدودة في إعطاء الجسد هوية مستقلة مختلفة عن الآخر، لكن هذه الرغبة تبقى واقعة في ميتافيزيقيا الحضور، ويبقى الصراع محتد داخل الجسد، وفي حالة ألم، اما تجاه الخارج فيتوحد، ليتوجه في محاولة بناء علاقة متوازنة معه، تتسم بالمثالية، متمثلة في اتحاد الجسد بالأشياء، لتكون البديل عن الآخر الطبيعي، (العود جسدي، هذا الكون الذي يعنيني. ص24) . رغم ان مركز الكون : الجسد، وفي موضع آخر من الرواية، يكون العود/ الموسيقى هو الجسد الآخر بالنسبة لخاتم، لتعاشره معاشرة جنسية مثالية (خاتم لم تكف تهرب وتعاشر العود عند زرياب الحلبية. ص22)، انها معاشرة مبتورة، غير طبيعية، فليس من الممكن ابدا، ان تعاشر الانا – الانا بل الانا – الانت، ومن هذا يتشكل عندنا معنى سوسيولوجي ودلالة جنسية، مفهومة في هذه العملية التي تحدث، من خلال منظور معقد، ينتج عنه بنية دلالية، تصب في انزياحات الجسد، وإحالاته المتعددة (زرياب تقودها للتخاطب مع جسدها دون رجل- ص20)، ليس هذا فحسب، بل أنشئت زرياب طقوس طوطمية أثناء حصول هذه العملية، حيث تقوم بنزع ثياب خاتم (مفترشة الأرض العارية- ص19) عارية، فمفردة الفراش تحلينا من خلال المفهوم اللغوي الإيحائي الى العملية الجنسية، هنا خاتم والأرض عاريان والعود محتضن، هذا المشهد سوف يعطينا تأويلات مختلفة، وتفسيرات تنتمي الى الشفرات: الرمزية، الدلالية، الإيحائية، تدفعنا للتفتيش في النص، للحفر فيه، من اجل العثور على الصور السلبية، الملحقة بالصور السردية، والتوصل مع زرياب الحلبية الى الأسرار الخفية عن جسد خاتم، التي تعرف (ما لا يعرف، وكتمت حتى عن نفسها ما تعرف- ص22).

ان غياب الهوية الجنسية في الجسد، تعمل على نشوء ممارسة سوسيولوجية مزدوجة، منقسمة، متناقضة، ففي الصلاة يوم الجمعة : غلام، وفي الأعراس: صبية، لكن (في اللحظة التي يتقابل فيها شيئان متعارضان فان من الممكن توقع التحامهما)(5)، وتعبر خاتم عن ذلك الوضع بدقة حينما تقول :

انا لا أطيق البقاء مع أخواتي في المبيتات ووراء البرقع، أحب نظر الناس في عيني ونظري في عيون الناس على الطريق، لا أطيق خروج الحمارة دون ان أكون على ظهرها، أحب الاختباء وراء أستار الشقدوف، لأنصت لأخفاف الجمل على صخر الجبل، أريد ان أرى وأريد للأشياء ان تراني، أحب النقلة بين الشيء وما بعده وقبله او وراءه او نقيضه، أحب مراقبة النساء، الدخول في مجالسهن، وأسرارهن لكن لا أريد ان أكون سرا محبوسا هناك، لا أريد ان أختبئ وفي الوقت نفسه لا أريد ان انكشف- ص12- 13.

ترفض الاختباء، ترفض الانكشاف، لعبة مزدوجة خطيرة بالنسبة لها، وهذا ما يبدو لنا في الظاهر، لكن ما تريده، وما ترغب به، وما تصبو اليه، أعمق من هذه اللعبة، انه حلم الإنسان، الذي يشترك فيه المرأة والرجل، انه الذي يحولها، الى النور/ الهواء / الصوت، انها : الحرية، (فالحرية في الإنسان لا تتجزأ وإذا منحت المرأة الحرية لتتكلم، فسوف تقود حرية الكلام الى حرية التفكير وحرية الفعل)(6)، حرية يقودها الوعي، فالوعي بالآخر، بالعالم، يعمق الوعي بالذات، فليس في مقدرة الوعي الانفصال عن الجسد الذي يحمله، وعليه لا يمكن اختزال الوعي والجسد ببعضهما، الا انهما دائمي الارتباط، لكن ما وظيفة الوعي في هكذا جسد؟ وما هو موقفه تجاهه؟ اذا عرفنا ان الوعي الجسدي- الجنسي يوجد في خاتم في صفة تعارض وتعاكس، على ان هذا التعارض ليس تناقضا انه جدلي- حواري، فان وجود الجسد بهذه الوضعية، يحدد وظيفة الوعي في الصراع من اجل السيطرة على الجسد، فلقد قام الوعي بترويض جسدها – بالاشتراك مع مجهولية الجسد للآخرين- وتكيفه مع الظروف الاجتماعية كما شاهدنا ذلك، وان معرفة خاتم بذاتها، تعمل تغييرا موضوعيا، بنيويا .

فالشخصية الروائية خاتم، لا يمكن فصلها عن العوامل الاجتماعية الموضوعية، والتعامل معها على انها فرد فقط، فلقد ابتعدت رجاء عالم عن النظرة (او الرؤية) الزائفة اللاعقلانية للشخصية، في وسط مغلق، بل كانت خاتم شخصية عامة، متفتحة، غير مفصولة عن المجتمع، ولم تجرد من صفاتها الإنسانية، ولم تكن تكتفي بذاتها وتستقل به، فهذه الشخصية لا تتطور بمعزل عن الواقع الموضوعي، بل كانت مركزا لبؤرة المعاني المشفرة، والتناقض المرعب بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي، ويلخص باختين هذه الرؤية على النحو التالي( كل عمل ادبي اجتماعي بالضرورة، وان تلك الاجتماعية داخلية بالنسبة للعمل ومحفورة بعمق فيه)(7)، والرواية تنبع من هدف واحد: تصوير كلية الحياة الاجتماعية ذات البطل الإشكالي، هكذا اذا (ففهم اثر أدبي ما، يعني توضيح علاقته برؤية العالم ضمن البنية السوسيولوجية الشاملة)(8).

ان السرد يتضمن ثلاث قصص هي : قصة خاتم الخنثى- خاتم العواد، قصة خاتم – هلال، وقصة خاتم- سند، وان كل واحدة من القصص الثلاث تمتلك محورها الخاص بها، الا أنها تنتمي الى المحور الرئيسي الا وهو جسد خاتم، وفي نفس الوقت تتجاوزه الى فضاءات شاسعة تحت جناح الرمزية- التأويلية، ولهذا (ينبغي ان نعد أي سرد له ثيمة، سردا رمزيا لا واقعيا)(9)، وليس هذا فحسب، فالشفرة الرمزية تتسيد الرواية، تبدأ الرواية بانبعاث سند، خاتم، هلال الى الحياة وتنتهي بغيابهم ثلاثتهم سوية، ففي الموت ينتهي الجسد : الألم، الوعي، العالم.

ونلاحظ ظهور الدلالة الطبقية بجلاء، عندما تتعمد رجاء العالم بوضع الفوارق الطبقية الحادة بين الشخصيات الثلاث، فخاتم ابنه ثري من أثرياء المجتمع المكي، وهلال ابن مهاجر من خارج الجزيرة، وسند ابن عبد، وتمتد هذه الفوارق الاجتماعية – الاقتصادية، لتشمل الدار الكبيرة المؤلفة من ثمانية طوابق، والفناء من خلفها يتألف من المقاعد السفلية للمهاجرين، والأقبية للعبيد، والإسطبلات للحيوانات، والدار تقع في الجانب المسمى النعيم، المقابل للجانب الآخر الحميم او الجحيم، يفصل بينهما مسجد مهجور لا باب له، والعالم المحظور يتشكل من بوابات(ازقة) : السراق، والبغايا، والبائسين، والتنابلة، وجميعهم يعيشون على هامش النعيم، أناس سحقتهم الحياة، الى حد انهم محصورون في عالمهم الذي حكم عليهم، بأنهم شاذون ومختلفون ومتخلفون، ولكن في هذا المنفى تعثر خاتم على جسدها في شهقة المومس زرياب الحلبية، وتكتشف مجاهله، وتحس بالألم فيه لأول مرة.

وتستخدم رجاء عالم الأفكار الحوارية، وأفكار الشخصية كمرآة، كمتاهة، كلغز، في استجلاء المعنى، وليكون مفتاح الشفرة الخفية (حذرت خاتم قلبها: " لا تعبر الجسر، هو جسر سراق، من يعبره بنصك قلبه للأبد ويذوب المفتاح، جسر قام ليخطف المفتاح- ص9)، انها شفرات احالة: الجسر، المفتاح، وشفرة رمزية : الجسر/ المحظور، والمفتاح/ الحرية، وهذا نتوصل اليه من خلال الخطاب الروائي، وكذلك نتوصل الى شفرة الباب السرية، حيث يجعل السارد حكاية خاتم موازية لحكاية الباب، ونعثر على دلالة الباب التأويلية في الفقرات التالية:

- حكاية البيت انطلقت، ربما من باب قام من زمن متأخر بآخر الدهليز، لم يكن الباب موجودا في جسد البيت الأصلي، لكنه ظل موصدا بلا مفتاح لزمن، حتى شمله النسيان فانفتح دون ان يعتني بانفتاحه احد – ص5.

- باب الدهليز لم يكن له وجود يوم دخل سند نسل نصيب، ولا حتى حين حملت سكينة يوم البرد ووضعت طفلها الذي لم تطلع عليه قابلة، ليلتها لم تقم في الدار أبواب داخلية- ص6.

- على لحمة الباب انتصب جسد منقوش بضربات سكين، خط ودائرة الرأس مضروبة بعنفوان شفرة، إنسان مجرد أشبه بمفتاح تركته يد طفل محبوس وراء ذلك الباب- ص11.

- حين مست اليد خاتم توقف قلب الشيخ نصيب، ببياض عينه يجحظ لا على خاتم وانما للباب الدخيل يصفق بآخر الدهليز، لأول مرة أدرك ان خيالا كان منقوشا هناك وزال الآن – ص31.

حكاية الباب تنتهي بهذه الجملة الإخبارية الكلية ( ان خيالا كان منقوشا وزال الآن)، هنا نستطيع من خلال الخطاب السردي، العثور على رمزية الباب في شفرته الاحالية، وترابطيته بالجسد، فالجملة (على لحمة الباب انتصب جسد منقوش)، احالة واضحة وصريحة لجسد خاتم، والفقرات تلك تبين مدى التداخل السردي، والترابط المعنوي، والالتحام الصوري بين جسدي خاتم والباب.

فالجسد يعثر على حريته في انفتاحه على الآخر، بلا قمع او قسر، ويحقق هويته في العملية الفسيولوجية الصميمية، ولكن في وضعية خاتم ذات الجسد المثالي، فالعملية تصبح مثالية ايضا، والعلاقة مع الأشياء تكون غير مرئية، وأحاسيسها المرهفة الرقيقة لا احد يشعر بها باستثنائها:

وجاء همس الريح في حجارة المحراب:

" صلوا على ابينا نوح، صلوا على أبينا آدم.. " أسندت شفتيها لحجارة المحراب وهمست:

" صلوا على أمنا حواء.." – ص14.

فهي وحدها تتناغم مع العالم المحيط بها بانسجام وتجانس صوفي، فالجسد يصبح محور وجودها، محور عالمها، فعبره تتحاور مع الأشياء، مع الوجود، مع العالم، خاتم عبرت عن ذاتها بكل صدق وشجاعة، بكل حرية، لأنها اكتشفت السر الذي ظل غائبا عن الجميع بمن فيهم : سكينة- الشيخ نصيب- الشيخ مستور- سفر ياقوت- الشيخة تحفة، فقط كانت زرياب الحلبية تعرفه، وقادتها اليه بشهقتها السحرية، انه سر الحياة، ديمومة الوجود الانساني، والفناء فيه، لا يهم نوع الجنس، أنثى او ذكر او الاثنين معا، هذا السر تعطيه رجاء عالم بعدا أسطوريا لا يحس به القارئ لأول وهلة، وبما ان الواقع الروائي جزء من هذا السر، عليه أصبح الواقع الروائي بكل تناقضاته وأضداده ومفارقاته، واقعا أسطوريا مشبعا بالمعاني، وخاتم تعي واقعها بكل وضوح، فلقد اكتوت بنار التجربة، وبألم التجربة، وبرؤية التجربة، تجربة تشبه تجربة سدهارتا بطل هرمان هيسه، تختلف في التفاصيل وتتشابه في صورته الإنسانية للعالم، انهما شخصية الإنسان الباحث عن نفسه بين الناس وبين ذاته، لذا لا بد من ألم التجربة الإنسانية، التي تقودنا للمعرفة، فـ(العالم ايضا معرفة)(10)، وهذه المعرفة أعمق من (الصوت والجسد القابلين للتحريف بثياب انثى او ذكر- ص21)، لانها تخضع لسلطة الوجود، السلطة التي تمثل علاقة قوى، ولان كل علاقة قوى هي علاقة سلطة مؤسسة لمعرفة، فالجسد يصبح علاقة قوى وجودية في السلطة- المعرفة، (يرى ويُرى- ص26)، فالجسد- البؤرة، يرى ويتكلم ويكتشف، ضوء ولغة ومعرفة.

تقول ناتالي ساروت: اذا أراد القارئ ان يحدد ماهية الشخصيات فعليه، بالتعرف عليها من الداخل. ولنلاحظ ان لعنوان هذه الرواية (واسم الشخصية الرئيسة)، خاتم معنى رمزيا ودلالة، مع قصدية التسمية لإعطاء مدلول معرفي، فالمصدر الثلاثي للاسم (ختم) يدل على وضع إشارة ما على شيء ما – جسد، جلد، قماش، حديد، خشب، ورق...الخ، بمعنى انه يترك في عمليته هذه : وشم، حفر، نقش، وفي بعض البلدان العربية يأتي اسم خاتم مرادفا لـ(المحبس)، وجميعها تكون على شكل دائري، وتاتي الدائرة عند الحلاج في الطواسين، مغلقة على الحقيقة: النقطة في وسط الدائرة، والدائرة ما لها باب، والدائرة في أساطير العراقيين القدماء، تمثل الكون، المتكون من ذكر وأنثى معا، تمثل الكمال الانساني، والمحبس مشتق من الحبس/ السجن، هنا تتحكم ثنائية العبودية – الحرية، الجسد المستبعد، والجسد الحر، وفي الأخير يتضمن لدى رجاء عالم اكتشافا للجسد كحيز انقلاب وتغير، وسيكون خ، ت، م، خارج تاريخ الموت، ويتضح المعنى الأساسي ونفهم ان الخاتم اكتمال الرواية اكتمالا فعالا، وانها الشفرة البوصلة.

تتسيد ميتافيزيقيا الحضور/ الغياب، ثنائية الجسد، حضور الذكر وغياب الأنثى، أو غياب الذكر وحضور الأنثى، في تبادل المواقع، في تبادل الأحاسيس، في تبادل وجهات النظر، في الرؤية للعالم، ازدواجية مخيفة ينشأ عنها ألم فظيع، ووحشة،ووحدة عميقة مسكونة بالانقطاع، وجسد يتقاسمه قلبا واحدا، ولسانا واحدا، وشعورا حادا بالانقسام، باللاتكامل، انها حالة إنسانية مصابة بالتمزق والمعاناة.

أتريد رجاء عالم ان تصرخ مع هاملت من خلال شخصية خاتم؟ (ما أعجب الإنسان من كائن، ما أسمى ذكاءه، وما أبرع عقله وحصافته! ما أشبهه بالملك في عمله الطيب، وما أشبهه في إدراكه ببعض الآلهة! انه أجمل شيء في الكون)، رغم تشوهه الجنسي، فان روح الانسان مهما كان جنسه، لاتقهر، لا تحبط، وبتغلغل وعيه السوسيولوجي الى اعماق جوهر علاقاته الإنسانية، غير المشوهة، غير المتناقضة، ولكنها في المستوى الجنسي تكون غير متكاملة، كما في رواية خاتم، لان الفعل الإنساني – الجنسي مفقود، مما يسبب لـ(خاتم) انحرافات في صميمية العلاقة، وانزياحات في سايكولوجيتها الاجتماعية، هذا إعطائها ان تمارس حياتها اليومية بازدواجية متقنة تكاد تكون بالنسبة للآخر طبيعية، لا تثير الشك، ولا تثير الفضول لديه، لان هكذا نوع جنس نادر.

أدركت خاتم بتجربتها الحسية المكتملة على يد زرياب الحلبية، في بيت البغايا- لاحظ ان خاتم قد اكتشفت جسدها، وعثرت على البديل في الحجرة الضيقة لزرياب المُنتهكة، فلقد علمتها زرياب العزف على جسدها وعلى العود – باللا توافق الجسدي مع الآخر، فالإحساس بالتوافق أمر فردي يتأثر بالعوامل الجنسية- السوسيولوجية- الثقافية، لذا لجاءت خاتم في بداية أمرها، يقودها لا وعيها للنقاقير، للتعبير عما يجيش في نفسها من حزن، وألم، وغضب، بدون كلام، ثم يتحول هذا الأمر بالعود الى المثالية الجنسية- التسامي بالمفهوم الفرويدي – والاتحاد بالعالم عن طريقه لتشكيل هارمونية كونية، ليصبح بعدها العود هو الكون، فعبر هذه العملية تتوزع الشفرات السرية في سردية النص:

حين علا نغم الزير شعرت خاتم بعصارات جسدها تجيش، يصحو في جسدها صيف حراق، يتصبب العرق على نحرها، وتشعر به يسري بجسدها فيبسطه على قبة البروج الجهنمية من السرطان مرورا بالأسد للسنبلة، في جسدها سماء من ذروتها حتى مغربها، ويقبض جسدها على شباب مشحون بقواه الجذابة، كل من يعبر من طير ونور ينجذب لعريها المنطوي على العود- ص19.

يتمثل لنا في هذا الشكل الشفرات المختلفة في تجانس، وتداخل مع بعضها البعض بقوة الموسيقى الهارمونية الكونية، فالشفرة ( نسق من العلامات يتحكم في انتاج رسائل يتحدد مدلولها بالرجوع الى النسق نفسه، واذا كان إنتاج الرسالة هي نوع من " التشفير" فان تلقي هذه الرسالة وتحويلها الى المدول هو نوع من " فك الشفرة" عن طريق العودة بالرسالة الى إطارها المرجعي في النسق الأساسي)(11) ومنها نستدل على قبة البروج الجهنمية، ونكتشف موقعها في جسد خاتم.

عند قراءتنا للنص الروائي(خاتم)، لا يمكننا الا الوقوف عند اللغة التي تكاد تشكل لرجاء العالم المادة الأساسية، فاللغة عندها، لها أسرارها، وخباياها، وعوالمها، وأفلاكها، لانها لغة قوية، متماسكة، مبهرة، مدهشة، ممتنعة، انها لغة خاصة لرجاء عالم، كالقلعة الحصينة بأبوابها المختلفة، وطرقها المتنوعة، لا نتمكن من الدخول والوصول اليها الا عبر ممراتها السرية، بعد قراءة مرهقة، وجهد مضاعف، انها تهشم اللغة من اجل إعادة تشكيلها في أفق الميتالغة، مخترقة بها فضاءات السردية الذكورية وحتى النسائية، بدمجها للسردية اللسانية والدلالية بأعمق المستويات، ولتأسيس جدلية المعنى، فاللغة أساس المعنى/ الشفرة، حيث تجعل (النص، والإبداع هو الأصل الذي يلتقي عنده المؤلف والقارئ)(12)، كما يقول د. عبد الله الغذامي.

ومن خلال القدرة المشفرة لهذه اللغة تتعمق شخصية خاتم المأساوية، وتتحد العلاقة التبادلية بين القارئ والشخصية، وبين الراوي والشخصية، وبين القارئ والمؤلف، وفي هذه العلاقة يتفكك الاتساق، ويتم الاكتمال الرمزي/ الجسدي للشخصية، ومنها تبرز سيطرة اللغة التامة على البنية النصية، بالإضافة الى ذلك، تعمل هذه اللغة (على تعرية الرواية، من خلال إظهار مادية اللغة، بحروفها وكلماتها وجملها- سونيا ميشار)، وتعمل ايضا على تحويل مرجعية النص التاريخية – السوسيولوجية الى إيحائية دلالية، ولكن تبقى هذه المرجعية مرتبطة بها بالخفاء ومنها تكون رواية خاتم، رواية جسد : يرى ويتكلم ويكتشف، ورواية ضوء ولغة ومعرفة.

 

أسامة غانم

....................

الهوامش والإحالات

1- س. رافيندران، البنيوية والتفكيكية: تطورات النقد الأدبي، ت: خالدة حامد، ص83، دار الشؤون الثقافية، بغداد 2002.

2- بلزاك، سارازين، ت: محمد معتصم، مجلة الثقافة الأجنبية، العدد، 1/ 1991، بغداد (كتاب العدد).

3- رولان بارت، نقد وحقيقة، ت: د. منذر عياشي، ص15، مركز الإنماء الحضاري، حلب، بلا تاريخ.

لم اخذ هذا المقطع المستل من قصة (سارازين) من النص المترجم من قبل محمد معتصم بل اعتمدت على المقطع المترجم من قبل الدكتور منذر عياشي المتضمن في مقالة موت المؤلف لبارت، المنشور مع كتاب (نقد وحقيقة).

4- البنيوية والتفكيكية، ص96.

5- تزفتيان تودوروف،المبدأ الحواري : دراسة في فكر ميخائيل باختين، ت فخري صالح، ص132، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1992.

6- نوال السعداوي، الأنثى هي الأصل، ص150، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1974.

7- المبدأ الحواري، ص15.

8- جاك لينهارت، قراءة سياسية لرواية الغيرة، ترجمة وعرض : إبراهيم الخطيب، ص129 ضمن كتاب (البنيوية التكوينية والنقد الأدبي) مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1984.

9- البنيوية والتفكيكية، ص78.

10- جيل دولوز، المعرفة والسلطة: مدخل لقراءة فوكو، ت : سالم يفوت، ص131، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء- المغرب 1987.

11- اديث كيرزويل، عصر البنيوية، ت: جابر عصفور، ص266، دار آفاق عربية، بغداد، 1985.

12- نقد وحقيقة، ص11 (المقدمة) .

* رجاء عالم، خاتم (رواية)، كتاب في جريدة رقم 56 (السنة الخامسة)، 5/ 6/ 2002، مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية- مؤسسة الحريري، يصدر بالتعاون مع وزارة الثقافة، بيروت – لبنان – وهي النسخة التي اعتمدت عليها في دراستي، وليس على نسخة الرواية التي صدرت عام 2001 عن منشورات المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المملكة المغربية.

 

حسين فاعور الساعديعرفته من على صفحات المثقف الغراء فأحببته لما في شعره من مشاعر جياشة صادقة. مشاعر صادقة مفعمة بالشوق والحنين لوطن حر أبي لا يعرف القيود. هذه المشاعر والعاطفة الجياشة أعطت شعره لوناً خاصاً وطعماً مميزاً جعلته يخترق القلب ليستقر عميقاً في النفس. فالصدق هو لغة القلوب.

الغربة صعبة وقاتلة أحياناً، خصوصاً عندما يكون المغترب شاعراً يذوب حباً وشوقاً ولوعة على وطنه. إلا أن كريم رغم الغربة ظل شامخاً أبياً إلى أقصى ما يمكن أن يكون الإباء: 

وأنتَ وحيدٌ أرى كوكباتٍ

يضجُ بها الكونُ تهفو اليكَ

تسامرُ صمتكَ كي لا تكونً الوحيدْ.

وأنتَ وحيدٌ أرى جبلاً هائلاً شاهقاً

من حديدٍ يسيلُ فراتاً ويأتي اليكَ ..

يقولونَ: كيفَ استحالَ إلى رافدٍ عذبٍ سائلٍ جبلٌ من حديد ؟!

هذا الشموخ، هذه الكبرياء، وهذا العنفوان جعل المجرّات الضخمة تأتي إلى الشاعر لتسامره وتخفف من وحدته. هذا الإباء جعل الجبال الشاهقة تنصهر وتذوب وتنساب إليه أنهاراً صافية رقراقة لتؤنس وحشته. إنه الإيمان المطلق والثقة التي لا تهزها الظروف والمصاعب. كل هذا وهو في الغربة وحيداً. فكيف لو كان في وطن يحتضنه ويرعاه؟

كريم الأسدي صامد لا تلين له قناة. لكن عتبه على العراق كبير، وعشمه عليه اكبر، لأنه ترك أبناءه الشرفاء للظلم وغدر الغادرين:

  لله قلْ لـــــــــي يا سليلَ مَسَلَةٍ

  كيفَ انغشيتَ  ففاتَكَ الأِبصارُ

 وتركتَ فتيتَكَ الورودَ لظلمةٍ

 يختالُ فيها قاتلٌ غـــــدّارُ؟!!

العتب كبير على الوطن، والظلم قاسٍ وفظيع. لكن إيمان الشاعر بوطنه لم يتزعزع وحبه له لم يفتر. فالوطن هو كل شيء ولا شيء يسد مكانه. الوطن هو الوطن لا يحول ولا يزول حتى لو تعامى وتجاهل أبناءه الطيبين. فمن يظلم ويُفسد ويخرب هم العاقون من أبنائه الذين سقطوا في أحضان الغريب وتنكروا لأهلهم وذويهم:

ويُدهشُ الآخرَ العلّامَ طــــــــالبُهُ

في العِلمِ والفهمِ والاضفاءِ والشيمِ

حتى يعود الى أهلٍ فينكـــــــرُهُ

بيتُ الأقاربِ والأترابِ والحلمِ

أنا الغريبُ ولكنْ قاسماَ بدمـــي

بأنَّ ما سالَ في بغدادَ كانَ دمي

أنا البعيدُ ولكنْ قاسماً بدمـــــــــي

بأنَّ ما سالَ في ذي قار كانَ دمي

الشاعر رغم الغربة ورغم تنكر العاقين من أبناء الوطن يظل مخلصاً صادقاً وفياً لأن ما يسيل في بغداد من دم هو دمه ليس الآن فقط بل في كل معارك الشرف التي خاضها ويخوضها العراق.

عزة كريم الأسدي وكبرياؤه وصدقه لا تنبع من منطلقات شوفينية أو عنصرية أو مذهبية وإنما من انتمائه الإنساني الراقي الباحث عن الحب والعدل والمساواة: 

تُرى أينَ غابَ المسيحْ؟!

منذُ ألفيتين وعشرين عاماً

فالمسيح هو رمز المحبة ورمز الإخاء والإنسانية والتسامح. وغيابه يعني غياب هذه الأشياء. المحب لا يكره، والعاشق لا يحقد مهما ظُلم ومهما قست عليه الظروف. يظل شامخاً كبيراً بعشقه وحبه وصدقه وسعة قلبه:     

صدِّقْ، فوهجُ الشمسِ بعضُ ملامحي

              وجنانُ دجلةَ والفراتِ جنوني

والبدرُ بدري كاملاً أو ناقصاً

                   والبارقاتُ تجلياتُ جبيني

ليس أجمل ولا أرقى من هذا الشموخ، ومن هذا البوح الصادق الصافي صفاء روح الشاعر. إنها عزة النفس البدوية النقية الطاهرة كرمال الصحراء وكواحات نخيل العراق. إنه الحب الصوفي لحدائق دجلة والفرات والكبرياء التي لا ترضى إلا بالحق كاملاً غير منقوص.

"البدر بدري كاملاً أو ناقصاً"

صرخة تخترق القلب وتستقر فيه لأنها من القلب ولأنها تعبير عن الحب المطلق غير المرتبط بظرف أو بحالة. إنها البساطة والصدق حتى النخاع. وفي هذه البساطة والعفوية سر سحرها وعظمة وقعها. 

كريم الأسدي شاعر المواقف الصادقة والانتماء.لا يحب الوطن فقط وإنما يحب كل من يحبه وينتمي لكل من يضحي في سبيله بالإخلاص لأبنائه والتضحية في سبيل إسعادهم:

يا مَن مشيتَ دروبَ الليلِ منفرداً

حتى تعودَ مريضاً مسَّهُ الوجـــعُ

 

يا قاسمَ الراتبِ الشخصيِّ تحملُهُ

في جيبِ بَدلةِ جنديٍ به ولَــــــعُ

 عبد الكريم قاسم رئيس جمهورية العراق في الستينيات من القرن الماضي مَثَلُهُ الأعلى في هذا الزمن الرديء. يستذكره عندما كان ينزل ليلاً إلى شوارع بغداد متخفياً في ثياب جندي عادي ويوزع معاشه الشهري على الفقراء والمحتاجين ولا يبقي في جيبه إلا جنيهات قليلة. يستذكر هذا الرئيس الشهم وهو يرى شذاذ الآفاق من أبناء قومه ينهشون لحم الوطن بعد أن سلموه للغزاة. الكبرياء لا تتجزأ والعزة لا تُكتسب بالمال تماماً كما أن كثرة المال لا تجلب الكبرياء والعزة للجبناء. فهاهم أصحاب المليارات يشتمهم ترامب ويبتزهم في عقر دارهم.

من يعشق عبد الكريم قاسم لا يمكن إلا أن يكون شامخاً شموخ المجرات:

 روحي مدى الأكوانِ في أفلاكِها

هلّا دريتِ بأيِّ بُعْدٍ روحـــــــي

 هذا الشموخ هو شموخ العراق وهذه العزة هي عزة الرافدين قبل أن يلوثهما الغزاة وعملاؤهم.

في كل قصائد كريم الأسدي التي استطعت الوصول إليها والاقتباس منها تبدو هذه الروح جلية وواضحة في كل بيت وفي كل كلمة. هذه الروح الثائرة المحلقة في مدى الأكوان وفي كل الأبعاد، غير آبهة بالسفلة والعملاء الذين يحاولون تعقبها والثأر منها. لأن صاحب هذه الروح هو الوطن بحد ذاته يحمله في قلبه ويصونه كبؤبؤ عينه:

تعقَّبني الرذيلُ يريدُ ثارا

وأعقبهُ العميلُ يزيدُ نارا

أنا وطنٌ أُصوِّرُهُ ديارا

 أُقدِّرُهُ المنازلَ والمدارا

إذا كان الوطن لا يتسع لكريم وإخوانه من الشرفاء فإن قلب كريم يتسع لهذا الوطن بما فيه من واحات ونخيل وجبال ووديان:

نخيلُهُ معـــــــــــــهُ أَنّى مضى ولَهُ

قربَ (الشواطيءِ) بيتٌ أمرُهُ عَجَبُ

هذا هو قدر الأحرار الشرفاء الذين يؤمنون بأوطانهم ويريدونها حضناً دافئاً للجميع. فمن يحب لا يكره ومن يحب لا يحقد. كبرياؤه لا تسمح بذلك: 

الحبُ بَحرُهُ فيما كارهوهُ لَهمْ

مس تنقعُ الغِلِّ مغلولٌ ومكتئبُ

 الأحقاد والضغائن من شيم الصغار الذين لا يعرفون الشموخ والكبرياء. وهي السبب في كل هذه الصراعات العبثية التي دمرت الأوطان وجلبت الغزاة.

"ونامَ الجميعُ، ومزمورُهُ يقظٌ وعتيدٌ ومُنوجدٌ قبلَ خلقِ المزاميرِ في غيهبِ الغيبِ في أبدِ الابتداءْ"

العراق شامخ بتاريخه العريق الذي يسبق التاريخ. من هذا الشموخ جاء شموخ الشاعر ابن هذا الوطن أبي الحضارات ومنبع الثقافات. وسيظل شامخاً مهما تداعت عليه النوائب والمحن:

 يكبو فنحملُهُ على الأعنـــــــاقِ

هذا عراقُك يا صديقُ، عراقي

هؤلاء هم الأبناء البررة لا يعرفون إلا العطاء ولا يرتاحون إلا عندما يحملون الوطن وهمومه في أعناقهم. الوطن بالنسبة لهم هو عطاء وليس بقرة حلوب. "هذا عراقك يا صديق، عراقي" قمة العفوية ومنتهى البساطة التي تأسر النفوس وتشعل المشاعر. عندما يكبو يُحمل على الأعناق وليس فقط عندما يزدهر. من هنا جاء الشموخ. من ترابه الخصب ومن مياهه الثرة النقية.

تحية لهذا الشاعر الكبير كبر العراق والشامخ شموخ نخيله وجباله:

يا هاتفاً "عيني" إذا خاطبته     ومردداً "روحي" أوان تلاقي

قمة العفوية النابعة من قلب كبير لا يعرف غير العشق ولا ينبض إلا بالحب الصادق النقي. تحياتي لهذا الشاعر المجبول بالصدق والشموخ.

 

حسين فاعور الساعدي

 

 

ماهر عبد المحسنتتميز أعمال نجيب محفوظ بتعدد مستويات القراءة ومستويات الفهم. فيمكن الدخول إلى عالم محفوظ من البوابة السياسية أو الاجتماعية أو النفسية. كما يمكن مقاربة هذه الأعمال باستخدام أكثر من منهج، لأنها تستفز فى القارئ النشط ملكاته النقدية ومخزونه المعرفى والمنهجى، سواء أكان بنيوياً أو تفكيكياً أو فينومينولوجياً تأويلياً. باﻹضافة إلى قابلية النصوص المحفوظية إلى القراءة الجمالية الخالصة أو تلك المحملة بأبعاد أيديولوجية لخدمة أغراض أخرى غير فنية.

وفى كل الأحوال يمكننا أن نقول إن أعمال محفوظ الروائية تحتوى على طاقة تعبيرية وفكرية هائلة بحيث يمكنها الاستمرار فى الزمان والمكان دون أن تفقد ألقها أو ينفد مخزونها السحرى الجذاب.

من هذا المنطلق سنحاول فى هذه المقالة أن ندلف إلى عالم محفوظ من المدخل الثقافى، مستفيدين من المنجز الفكرى الكبير الذى تحقق فى حقل “الدراسات الثقافية” فى السنوات الأخيرة. وهو مجال معرفى جديد، ينتمى إلى التيار ما بعد الحداثى، وينطوى على طبيعة ذات مرونه خاصة مكنته من اقتحام مناطق شديدة الوعورة والحساسية من قبيل قضايا العرق والجنوسة والنسوية والثقافة الشعبية، مستندا فى ذلك إلى الأدوات المنهجية التى قدمتها علوم النفس والاجتماع والأنثربولوجيا والفلسفة والتاريخ.

وبالرغم من خصوبة أعمال محفوظ ومرونة حقل الدراسات الثقافية، إلا أن التساؤل عن مدى إمكانية إخضاع رواية ذات أبعاد فلسفية عميقة مثل ”الشحاذ” لأبجديات الدراسات الثقافية يظل مطروحاً. ويمكننا أن ندرك مدى الصعوبة التى يمكن أن تكتنف مثل هذه المحاولات عندما نتعرض لطبيعة العلاقة بين النظرية الأدبية والدراسات الثقافية، فهذه الأخيرة قد أخذت على عاتقها تجاوز البعد الجمالى فى الأعمال الإبداعية على نحو ما كانت فى النظرية النقدية التقليدية، والعمل على إزاحة النقاب عن العلاقات المتشابكة التى تحيط بالعمل وتؤثر فيه أو تتأثر به كمنتج ثقافى. وبهذا المعنى يكون التركيز على علاقة العمل بدور النشر والدعاية واستجابات القراء على اختلاف مشاربهم.

والإشكالية التى تكمن هنا إنما تتعلق بالمضمون الجمالى والفكرى الذى يتم إهداره لصالح إبراز عناصر أخرى لا تدخل فى صلب العمل أو العملية الإبداعية. وفى هذا السياق اختلف المنظّرون حول هذه الإشكالية، فقال البعض بجواز تطبيق الدراسات الثقافية على الأعمال الروائية، بينما استبعد البعض الأخر هذا الاقتران على اعتبار أن الدراسات الثقافية لا تنطبق إلا على الظواهر الثقافية الواقعية لا الخيالية.

والحقيقة أن الحل فى نظرنا إنما يكون بانتقاء بعض المصطلحات ذات الدلالة الثقافية، ومحاولة قراءة الرواية وفقا للمعانى والدلالات التى منحتها الدراسات الثقافية لهذه المصطلحات. وهنا يمكننا أن نعيد اكتشاف العمل فى ضوء المفاهيم الثقافية الجديدة. وبهذا المعنى يمكننا أن نقرأ فى ”الشحاذ” ما يتجاوز أبعادها الفلسفية الصريحة والمباشرة، لنكتشف رؤية محفوظ لمفاهيم أكثر معاصرة مثل الهوية، والتعددية الثقافية، والجنسانية والجنوسة، والعلاقة بين الفنون البرجوازية والفنون الشعبية، خاصة أن الرواية سبق قراءتها فلسفياً من قبل مفكرين كبيرين: د.زكى نجيب محمود ود.حسين على أستاذ المنطق بجامعة عين شمس، ومازالت تحتمل المزيد من القراءات والتأويل.

ومن الأمور التى لا يفوتنا الإشارة إليها أننا سنعتمد فى قراءتنا للرواية على التمييز الذى وضعه الدكتور عبد الله الغذامى بين مؤلف ضمنى ومؤلف صريح. فالمؤلف الصريح هو ذلك الذى يكتب النص بوعى، وهو لا يقصد سوى المعانى المباشرة التى يمكن أن يستخلصها القارئ العادى من النص. أما المؤلف الضمنى فهو ذلك الجانب اللاواعى فى شخصية المؤلف، والذى يعبّر عن ثقافة العصر الذى يوجد فيه، ومن خلاله تأتى الأفكار المضمرة التى تتجاوز المعنى المباشر، وتحمل من الدلالات ما قد يتعارض مع قناعات المؤلف الواقعى الذى يكتب بكامل وعيه.

وبهذا المعنى يمكننا أن نقول إن الآراء التى سوف نستخلصها من رواية ”الشحاذ” لا تنسب إلى محفوظ نوبل الذى نعرفه تمام المعرفة بقدر ما تنسب إلى العصر الذى عاش فيه وكتب روايته المشار إليها.

وفى هذا السياق يمكننا أن نقول إن الرواية تزخر بالعديد من الإشكاليات الثقافية التى تحتاج إلى التأمل والدراسة. ولعل أبرز هذه الإشكاليات هو مسألة ”الهوية” فعمر الحمزاوى، الشخصية الرئيسية فى الرواية، كان شاعراً ثم مناضلاً سياسياً قبل أن يهجر الشعر والسياسة ويصير محامياً كبيراً. وفى هذا المعنى يحدثه طبيبه المعالج، الذى كان زميلاً له فى الدراسة، قائلاً: ”وكنت تظهر لنا بأكثر من وجه، الاشتراكى المتطرف، المحامى الكبير. ولكن وجهاً منك رسخ فى ذاكرتك أقوى من أى شئ سواه. هو عمر الشاعر” (نجيب محفوظ، الشحاذ، مكتبة مصر، القاهرة، دون سنة نشر، ص١٣).

والحقيقة أن ”عمر الشاعر” كان يمثل مرحلة الحلم، والبراءة الأولى، التى يبدو أنها لم تصمد كثيراً أمام الواقع السياسى والاجتماعى الخشن. ربما يشعر تجاهها بشئ من الحنين بعد أن هجرها إلى غير رجعة، لكنه الحنين الملىء بالشجن، كأى شئ جميل يتحول إلى ذكرى. وفى حوار ذى دلالة بين الحمزاوى وابنته الشابة ”بثينة” ندرك حقيقة علاقة الحمزاوى بالشعر، وعلاقة هذا الأخير بالهوية:

“وتساءلت فى مرح:

- متى تعود إلى الشعر؟

- ادعى الله أن أعود لمكتبى أولا!

- إنى أعجب، كيف هان عليك أن تهجره؟  فقال وهو يدارى ابتسامة حياء:

- كان لهواً ليس إلا..

- والديوان يا بابا؟

- توهمت يوماً أننى سأستمر..

- ولكنى أسألك عما أوقفك.

... ودفعته رغبة صريحة إلى الاعتراف، فقال:

- لم يسمع لغنائى أحد.

وسألت ”بثينة”:

- وهل من الضرورى يا بابا أن يستمع لغنائنا أحد؟

فداعب خصلة من شعرها الأسود، وقال:

- ما معنى أن ندعو سر الوجود من الصمت إلى الصمت؟” (الشحاذ، ص ص٣٨-٣٩).

يتضح من هذا الحوار أن الهوية الإبداعية لا يمكن أن تتحقق دون أن تحظى باعتراف الآخرين. والحقيقة أن نفس المعنى يمكن أن ينطبق على ”الهوية” عموماً. فالهوية، فيما يبدو، لها تجليات متعددة بحسب أدوار الإنسان فى الحياة. وفى كل أحوال الذات يحتاج الشخص إلى الاعتراف بفرادة هذه الذات. والحمزواى لم يركن كثيراً إلى موهبته، ولم يقدم للشعر من وقته ومن جهده ما يجعله راضياً عن نفسه كشاعر، لأن الشعر بدوره، لم يحقق له شيئاً مما كان يطمح إليه خلافاً للحلم والتطلع البرئ للإصلاح السياسى والاجتماعى الذى يحقق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجميع. ولعل هذا الشعور بخيبة الأمل من الموهبة ومن الشعر هو ما جعله يصفه فى أكثر من مناسبة بأنه ”لعبة من لعب الطفولة”.

وإذا كان الحمزاوى يصف الشعر بأنه نوع من اللعب، إلا أنه يتحدث بلغة الخبير، المدرك لأصول اللعبة. فاللعبة السياسة واللعبة الاجتماعية لا يناسبهما الشعر، الهائم فى ملكوت الوجود، الرامى إلى فض الأسرار العليا المخفية. فيقول: ”مال الشعر، وهذا الطول والعرض، والتفكير الدائب فى القضايا، وبناء العمارات، والطعام الدسم لحد المرض؟! (ص٣٩).

غير أن الاعتراف بالهوية المبدعة يظل هو الأساس لإثبات الوجود. يترسخ هذا المبدأ لدى صديقيى الحمزاوى المقربين، ”عثمان خليل” المناضل السياسى الذى دفع حريته ثمناً للدفاع عن مبادئه، و"مصطفى المنياوى” الذى تخلى عن مبادئه الفنية من أجل تحقيق الشهرة والثراء المادى. فيقول ”عثمان”:

- اقذف بشعرك فى المعركة تظفر بآلاف المستمعين! (ص٣٩).

ويقول ”مصطفى”:

- لا فائدة من تجاهل الجماهير!(ص٤٠) .

لكن ل"بثينة” رأى آخر، تلخصه فى عبارة دالة، عندما يسألها الحمزواى:

- ألا تودين أن يسمع لغنائك الناس؟

فتقول:

- طبعاً، لكنى سأستمر على أى حال.. (ص٣٩).

ولعل فى تفوق ”بثينة” فى العلوم ما يدعم هذا الموقف الإيجابى المتميز. فالخلفية العلمية لها تجعلها تقف على أرض ثابتة، وتحقق لها رسوخاً فىالشعر. إن ”بثينة” لم تكتب الشعر تعبيراً عن حالة من الجيشان العاطفى العابر، ولم تستهدف بكلماته شخصاً بعينه، لكنها كانت تبحث عن الشئ الغامض، الذى هو ”غاية كل شئ” بتعبيرها، والذى هو ”سر الوجود” بتعبير الحمزاوى.

إن الحوارات الفلسفية العميقة التى يصوغها محفوظ ببراعة، إنما تنطوى على تمييز ثقافى كبير بين المعارف الإنسانية، ومدى قربها أو بعدها من الحقيقة، ومن آمال الإنسان وآلامه. فالعلم هو صاحب اليد العليا فى العصر الحديث، بعد أن ولى زمن الفلسفة والفن. هكذا توصل الحمزاوى، وصديقه ”مصطفى”.. وفى هذا السياق يقول ”مصطفى” : ”... قضى العلم على الفلسفة والفن،  فإلى مسرات التسلية بلا تحفظ، ببراءة الأطفال وذكاء الرجال، إلى القصص الخفيفة، والضحكات المجلجلة والصور الغريبة، ولنتنازل نهائياً عن غرور الكبرياء وعرش العلماء، ولنقنع بالإسم المحبوب والمال الوفير” (ص٤٠).

وبهذا المعنى، ينقل ”مصطفى” الفن من دائرة الجد إلى دائرة الهزل. يقوم بذلك فى محاولة ساخرة لتبرير تحوله من العمل فى المسرح الطليعى إلى العمل فى البرامج التليفزيونية الخفيفة. فالعلماء هم الأجدر بأن تسلط عليهم الأضواء لا الفنانون، العلم ينبغى أن يظل فى المركز بينما ينزاح الفن إلى الأطراف. ليس هذا فحسب، بل إن الفن فى عصر العلم، ليس له من دور سوى التسرية والترويح عن العلماء الذين يمتلكون الحقيقة، ويعملون على تقدم البشرية. الفن الحقيقى ينتمى إلى الماضى السحيق، ولا مكان فى المستقبل إلا إلى العلم. لهذه الأسباب حرص الحمزاوى على أن يطمئن على مستقبل ”بثينة”، فطلب منها أن تحافظ على دراستها العلمية بجانب حبها للشعر، بحيث تضمن فى المستقبل وظيفة علمية، كأن تكون مهندسة مثلاً، وشاعرة فى ذات الوقت. لا يريد ”الحمزاوى” أن يحقق تصالحاً بين العلم والفن، فالمسألة بالنسبة له محسومة منذ البداية، فقط لا يريدها أن تضيع العمر فى الشعر بينما العالم يتحرك سريعاً، وفى اتجاه آخر إلى الأمام، فيقول: ”لا أحب أن تنتبهى يوماً فتجدى نفسك فى العصر الحجرى، على حين يعيش من حولك فى عصر العلم” (ص٤١).

وكما ميّز محفوظ بين العلم والفن، وجعل للعلم اليد العليا، فإنه فى الوقت نفسه كان يميز بين نوعين من الفن.. الفن الراقى، والفن الجماهيرى، وهى تفرقة أقامها المجتمع البرجوازى الذى كان يعيش حياة مخملية ناعمة، يرتاد المعارض الفنية الحديثة، ويستمع إلى سيمفونيات عالمية مفارقة للواقع. يتبدى ذلك بوضوح منذ السطور الأولى للرواية، حيث تصور الحمزاوى جالساً فى غرفة الاستقبال فى عيادة طبيب وهو يتأمل لوحة فنية معلقة على الحائط. فبالرغم من أن محتوى اللوحة كان يتسق والحالة النفسية والذهنية التى كانت مسيطرة على ”الحمزاوى”، إلا أنه لم يجد فيها، من الناحية الجمالية، سوى عمل فنى من النوع الرخيص، فيقول الراوى: ”رجع يتسلى بلوحة المرعى. الطفل والأبقار والأفق. رغم أنها صورة زينة رخيصة القيمة، ولا وزن إلا لإطارها المذهب المزخرف بتهاويل بارزة” (ص٥).

لكن المفارقة التى يطرحها محفوظ لا تتعلق فقط بوجود فن راق وآخر متدنى، وإنما بغياب نوع راق من الفن وحلول نوع آخر أدنى مرتبة محله. فالفن الحقيقى تراجع أمام انتصارات العلم المدهشة، ولم يعد باقيا إلا الفن الجماهيرى الذى ليس له من دور سوى التسلية الرخيصة. عبّر عن ذلك المعنى ”مصطفى المنياوى“ فى أكثر من موضع، فأحياناً يصفه باللب والفشار، وأحياناً أخرى يعتبره حلية نسائية مما يستعمل فى شهر العسل. إلا أن التشبيه الأكثر تعبيراً عن هذه النظرة التمييزية للفن إنما نجده فى عبارة ”المنياوى” عندما قال: ”... وما نظن أنه الفن الحقيقى ليس إلا الضوء القادم من نجم مات منذ ملايين السنين، فعلينا أن نبلغ سن الرشد وأن نولى المهرجين ما يستحقون من احترام!” (ص٤٠).

وبالرغم من أن ”المنياوى” يدرك أهمية الدور الثقافى الذى تلعبه الفنون الجماهيرية خاصة فى الحياة المعاصرة، إلا أنه يظل ناظراً لهذا اللون من الفنون باعتباره فى مرتبة أدنى، حتى أنه يتهكم على القائمين به لكونهم ليسوا أكثر من مهرجين فرضتهم حركة تاريخ تأبى إلا أن تربط بين العلم والنضج، وبين الفن والتسلية.

تمييز ثقافى آخر مهم يمكن أن نعثر عليه لدى محفوظ فى ثنايا رواية ”الشحاذ”، ألا وهو التمييز الجنسى بين الذكورة والأنوثة. فالرواية لها منحى ذكورى واضح منذ البداية وحتى النهاية. فالبطولة رجالية، والأزمة العقلية والروحية التى تتمحور حولها الأحداث يعانيها رجل، والرواية برمتها يتم سردها من وجهة نظر ذكورية بإمتياز. ولا يمكنك أن تعثر على دور حقيقى ومؤثر للمرأة. بل على العكس، تأتى النساء فى الأحداث كمحطات على طريق ”الحمزاوى” فى رحلته الحائرة للوصول إلى الحقيقة، بدءاً من الزوجة التى تزوجها عن حب ثم تحولت إلى كومة من اللحم المترهل،  وانتهاءً بعشيقاته اللائى عرفهن من أجل الخروج من حالة الضجر التى انتابته، والدخول معهن إلى عوالم المتعة واللذات الحسية العابرة.

فبعد سنوات الحب والزواج يختزل ”الحمزاوى” زوجته إلى َمحض جسد طرأت عليه التغيرات البغيضة المنفرة، عدا ابتسامة رقيقة صافية أفلتت من معاول الزمن الذى قضى على كل شئ، ”وتبدى عنق زوجك من طاقة فستانها الأبيض متين الأساس. واكتظت وجنتاها بالدهون، وقفت كتمثال ضخم ملىء بالثقة والمبادئ، وضاعت عيناها الخضراوان تحت ضغط اللحم المطوق لهما، أما ابتسامتها فما زالت تحتفظ ببراءة رائقة ومحبة صافية” (ص١٥).

إن ”زينب” زوجة ”الحمزاوى” لم تعد سوى رمز للملالة والضجر، تلك الحالة التى تعرف ب"الاستقرار” وهو استقرار زائف لأنه لم يحقق للحمزاوى اليقين ولم يجعله يذق طعم الراحة. إن أسئلة ”الحمزاوى” الكبرى تفوق عقلية ”زينب” المشغولة طوال الوقت بأعمال ”الكنافاة”، وترتيب حياة الأسرة، فيقول الحمزاوى:”وها أنا اليوم أكافح للتملص من المواد الدهنية، ولا أرى فى ”زينب” العزيزة إلا تمثالاً لوحدة الأسرة والبناء والعمل”(ص٢٩).

إن استخدام محفوظ للفظة ”تمثال” أكثر من مرة فى أكثر من موضع لوصف مكانة الزوجة فى حياة ”الحمزاوى” إنما يدل على تكلس القيم والمبادئ الراسخة التى تحافظ عليها ”زينب” دون أدنى شعور بالضجر أو القلق على نحو ما حدث للحمزاوى رغم مرور عشرين عاماً على زواجهما. ويعنى ذلك أن المرأة لا تملك حساً فلسفياً، أو روحاً قلقة، أو عقلاً معذباً مثل الرجل.  وأنها تركن إلى وتيرة واحدة من الحياة تختزل فيها كل آمالها وطموحاتها التى هى فى الغالب ”الحب والاستقرار العائلى”.

يتأكد هذا المعنى فى علاقة الحمزاوى بنساء أخريات، ففى هذا الحوار الذى دار بين ”الحمزاوى” وفتاة الليل ”وردة” يتبدى لنا الفارق الكبير بين العقليتين، وكيف أن “الحمزاوى” يعانى مشكلة وجودية ويطرح أسئلة ميتافيزيقية عميقة، بينما ترضى ”وردة” بحياتها كما هى ، ولا تقنع بأكثر من الحب والرقص، والعيش فى كنف رجل مثل ”الحمزاوى” يحقق لها الأمان والحياة الرغيدة، حتى ولو دون زواج :

“- خبرينى يا وردة لماذا تعيشين؟

- وهل لهذا السؤال من معنى؟

- لا.بأس أن نسأله أحياناً.

- إنى أعيش، هذا كل ما هنالك.

- بل إنى أنتظر جواباً أفضل.

- لنقل إنى أحب الرقص، والإعجاب، وأتطلع إلى الحب الحقيقى.

.................

- والله، ما موقفك منه؟

- أؤمن به..

- بيقين؟

- طبعاً.

- من أين جاء اليقين؟

- إنه موجود وكفى..”(ص ص١١٧- ١١٨).

وبالرغم من أن ”بثينة” إبنة ”الحمزاوى” بدت وكأنها النموذج الإيجابى الوحيد فى نساء الرواية، التى كانت تجمع بين العلم والشعر وتحمل بداخلها إصراراً كبيراً على مواصلة الطريق رغم وعورتها، إلا أن أحداث الرواية تكشف لنا فى السطور الأخيرة عن أنها لم تختلف عن بنات جنسها اللائى أوقفن حياتهن على هدف واحد لا يمكن أن يتحقق دون وجود رجل، وهو الحب والزواج والإنجاب، باعتباره الهدف الفطرى الذى يتماشى مع الطبيعة الأنثوية للمرأة، وهى طبيعة تتماهى مع العاطفة والرغبة الدفينة فى الحفاظ على النوع الإنسانى. فقد تزوجت ”بثينة” من ”عثمان خليل” المناضل السياسى الذى يقارب أبيها فى السن وحملت منه، كما حملت أمها من ”الحمزواى” قرب نهاية الرواية، لتصير كل واحدة منهن محطة فى رحلة الرجل المهموم بقضايا فلسفية وسياسية، الحمزواى الباحث عن معنى لحياته وعثمان الباحث عن العدالة لمجتمعه.

وهنا ينبغى أن نتساءل عن السبب فى غياب التجربة الوجودية فى الأدب النسائى، خاصة بعد أن أقصاها الرجل، بنزعته الذكورية، بعيداً عن هذه التجربة فى كتاباته، وحولها إلى مجرد محطة أو مرفأ يركن إليه كلما رغب فى الاستراحة من عناء البحث عن الحقائق العليا. فعلها سارتر فى ”الغثيان”، وكامو فى ”الغريب”، ومحفوظ فى أكثر من عمل.

وقبل أن ننهى مقالنا لا ينبغى أن يفوتنا الإشارة إلى قضية ثقافية هامة مر عليها محفوظ سريعاً دون أن يمنحها الاهتمام الكافى، وهى ”التعددية الثقافية”. ربما تبدو هذه القضية بعيدة تماماً عن السياق العام للرواية، سواء من الناحية الفلسفية أو السياسية، غير أن الإشارات البسيطة التى ضمّنها محفوظ فى الرواية لهذه القضية تحمل من الدلالة ما يجعلنا نتوقف عندها قليلاً.

فزوجة ”الحمزاوى” التى يعرفها الجميع بإسم ”زينب” هى فى الأصل فتاة مسيحية تدعى ”كاميليا فؤاد”، عرفها ”الحمزاوى” منذ عشرين عاماً، وهى خارجة من الكنيسة، مرتدية الأسود حداداً على عمها. وعندما سأله صديقه ”مصطفى” عن مسألة الاختلاف الدينى، أجاب دون تفكير” لم أعد أكترث لهذه العوائق”، وعندما عرّفته بنفسها على استحياء، قال: ”يا عزيزتى، حبنا أقوى من كل شئ، وسوف نتغلب على أى عائق”. والغريب أن محفوظ لم يقف عند مسألة اختلاف الدين طويلاً، بالرغم من حساسيتها المفرطة فى المجتمع المصرى، ولم يعط الموضوع من الاهتمام أكثر من نصف صفحة، لخص فيها مراحل التعرف ومشاكل الارتباط، ولم يذكر صراحة كيف تحولت ”كاميليا” المسيحية إلى ”زينب” المسلمة، حتى أن القارئ غير االمدقق قد يمر على السطور دون أن يلحظ هذه النقلة الكبيرة التى حدثت فى حياة ”كاميليا” وانعكست على حياة ”الحمزاوى”.

وإذا أردنا أنا نرصد تفاصيل هذا التحول عن قرب فينبغى أن نضع بعض العبارات تحت الرؤية الميكروسوبية حتى نضع أيدينا على جوهر القضية الثقافية محل التحليل. وفى هذا السياق يكفى أن نقف عند عبارات ”مصطفى” ذات الدلالة من قبيل: ”إننى أعرفك منذ عهد آدم بحّاثة عن المتاعب، زوبعة فى بيتك وزوبعة أعنف فى بيتها، وأنا حائر بينكما.. ”(ص٤٨). وهى عبارة تكشف عن حقيقة ثقافية وعقائدية هامة تشير إلى صعوبة اقتران إثنين من البشر ينتميان إلى عقيدتين دينيتين مختلفتين فى المجتمع المصرى.

وفى نفس الموضع يقول ”مصطفى”: ” مبارك عليكما، أصبح الماضى فى خبر كان، ولكن تضحيتك لا تقاس بتضحيتها، وللعقائد طغيان حتى على الذين نبذوها، صحتك يا زينب، صحتك يا عمر.. ”. وتميط هذه العبارة اللثام عن الحقيقة الهامة التى لم يصرّح بها محفوظ، ولم تأت على لسان ”الحمزواى” أو ”زينب” فى أى موضع، فى حين أتت على لسان ”مصطفى” وهو فى حالة سكر، وهى مسألة تدعو للتساؤل.

وفى عبارة ثالثة موحية، يقول ”مصطفى” وقد استغرقته حالة السكر تماماً: ”لا تنس الأيام الأليمة، لا تنس الحب أبداً، تذكر أنه لم يعد لها أهل فى هذه الدنيا، مقطوعة من شجرة، ولا أحد لها سواك”. وهنا يحاول ”مصطفى” الصديق الوفى أن يوجد أسباب للتعايش بين الفرقاء، دينياً وثقافياً، مرة عن طريق العاطفة ومرة عن طريق الواجب.

غير أن ”الحمزاوى” لم يكن يعدم أسباباً للتعايش مع ”زينب” المسلمة ذات الخلفية الدينية والثقافية المسيحية، تلك الثقافة التى جعلت منها راهبة فى حياتها العائلية مع ”الحمزاوى” كما كانت راهبة، ذات يوم، فى الدير. فمثل ”الحمزاوى”، المحامى الطموح، لا يرضى بغير راهبة تفنى حياتها فى خدمة أهدافه وطموحاته التى بلغت الآفاق. وفى هذا المعنى يلخص ”الحمزاوى” الدور الهام الذى لعبته ”زينب” فى حياته فى هذه الفقرة المعبّرة: “تزوجت قلباً نابضاً لا حدود لحيويته، وشخصية فاتنة حقاً، تلميذة مثالية للراهبات، مهذبة بكل معنى الكلمة، مدبرة حكيمة كأنما خلقت للتدبير والحكمة، وقوة دافعة للعمل لا تعرف التوانى، ونظرة ثاقبة فى استثمار المال، ارتفعت فى عهدها من غمار العدم إلى التفوق الفريد والثروة الطائلة”(ص٤٨).

وبرغم هذا الاعتراف الصريح من ”الحمزواى” بفضل ”زينب” على حياته إلا أنه يفهم الرهبنة بمعنى خاص، فلا يفهمها بمعناها العقلى والروحى، لكن بالمعنى العاطفى والحسى الذى يختزلها فى خدمة الرجل وتحقيق متعته، وهو فهم يتسق والنزعة الذكورية التى تهيمن على الرواية، فيقول: ”وجدت فى حرارة حبها عزاءً من الفشل والشعر والجهاد الضائع، رمز الجنس والمال والشبع والنجاح، فماذا جرى؟”(نفس الموضع).

وأخيراً، يمكننا أن نقول إن كلمة ”الرهبنة” بالرغم من أنها لم تذكر إلا مرة واحدة، تقريباً، على مدار الرواية، إلا أنها تصلح لأن تكون مفتاحاً لإعادة قراءة الرواية من منظور مختلف، بحيث يصير كل شخص فيها راهباً فى محراب ثقافى خاص به، يتعبد فيه ويقدم له القرابين، سواء أكان العلم أوالفن أو السياسة، وأن الإيمان بعقيدة ما، دينية أو دنيوية، إنما هو الذى يحقق للإنسان الاستقرار وينقذه من الحيرة، لأنه يجعل لحياته معنى، فلا يجد صعوبة في المحافظة على هويته من ناحية والانفتاح على الآخرين من ناحية آخرى، وهذه مسألة تفتح الباب على دراسات أخرى مستقلة يمكن أن تنجز لنفس الرواية.

 

د. ماهر عبد المحسن

 

المصطفى سلامتقديم: يعتبر الكاتب المغربي حسن البقالي من الكتاب الذين مارسوا الكتابة السردية وأسس تقاليد في الكتابة تميزه عن المجايلين له من الكتاب، والذي يؤكد هذا التصور، الوقوف عند منجزه الإبداعي عامة والسردي خاصة. وطبعا، هناك أعمال أخرى، ويستحق هذا المنجز السردي، الذي اختبر فيه الكاتب تقنيات الكتابة السردية على مستوى الرواية والقصة الطويلة ثم المتوسطة وأخيرا القصة القصيرة جدا، الدراسة والتحليل من أجل استجلاء رؤية الكاتب للواقع المغربي خاصة والعربي عامة ثم رصد رؤيته أيضا لقضايا الإبداع المغربي مثل وظيفة الأدب وتطور الاجناس الأدبية والخصوصية المغربية في هذا الإبداع ودرجات التأثر والتأثير التي مارسها هذا الإنتاج الفني سواء في المتلقي العربي أم المغربي. ومثل هذه الدراسات والأعمال تشكل في حد ذاتها اعترافا معنويا بالأديب المغربي بغض النظر عن المجال الإبداعي الذي ينتج فيه وعبره الدلائل ويتناول القضايا ويرصد التحولات.

في هذا السياق، سأقف عند مجموعته القصصية: كالعزف على القيثارة .

تتألف هذه المجموعة القصصية من سبع وسبعين قصة، جاءت معنونة ومختلفة الحجم من حيث المساحة السردية، إذ هناك نصوص شغلت صفحة وأخرى لم تتعد السطرين . كما أن هناك قصة لم تكتب وفق النظام النثري بل اعتمد فيها طريقة مغايرة حيث لدينا جدول يتألف من أربعة أعمدة وعناوين وفي هذا نوع من التجريب لكتابة القصة القصيرة.

-  من الخارج إلى الداخل:

تأسس القراءة الأدبية حداثيا على النظر في الموازيات  للنص أولا ثم النص ثانيا،وذلك لأهميتها في عملية التلقي ككل، حيث لم يعد المعنى يقتصر على النص فقط، بل هناك أثر لهذه العناصر الموازية في تشكيل عالم النص دلاليا وتأسيس افق توقع عند المتلقي:

العنوان المركزي: كالعزف على القيثارة

يمارس العنوان في هذه المجموعة اثره من خلال بنيته النحوية أولا ثم البلاغية ثانيا:

-  من حيث التركيب النحوي، يضمر العنوان جزء من التركيب الإسمي (جملة إسمية)، ولاكتمال المعنى وجب تأويل ما أضمر أو تقديره كأن نقول: العزف على القيثارة رائع أو ممتع أو ممل ....

-  من حيث البناء البلاغي، يخفي العنوان أيضا مكونا أساسيا من مكونات البنية التشبيهية حيث لدينا المشبه به فقط .

بهذه الطريقة في صياغة العنوان يؤسس الكاتب ميثاقا مع القارئ أساسه:

-  الكتابة إضمار وحذف، والمعنى لا يأتي تاما مكتملا .

-  القراءة تأويل واستحضار لما تم حذفه أو إضماره .

العنوان الفرعي: أقراص قصصية

يتألف هذا الجزء من عنصرين:

أقراص وهي جمع قرص . والقرص عبارة عن قطعة مبسوطة مستديرة من المادة اللغوية "قرص" التي تفيد معاني مثل القطع واللدغ والإيلام والإيذاء والتنبيه  ...كما ان للقرص دلالات أخرى حسب السياق الذي ترد فيه مثل الهندسة والرياضة والصيدلة .

قصصية نسبة إلى قصة وهي نوع سردي محدد المقومات والخصائص الفنية والجمالية. فما العلاقة بين الأقراص والقصص؟

يكشف القارئ من خلال اندماجه في لعبة التأويل أي استحضار ما أضمر في الملفوظات قصدا من طرف الكاتب أن هناك تقاطعا بين القرص والقصة:

من حيث المكونات: في مجال الصيدلة، الأقراص خليط من المواد الفعالة في شكل مسحوق وهي مستحضرات قوية مقسمة إلى جرعات متفردة في كتل صغيرة متماسكة ومعدة للتعاطي والتناول .

وفي مجال الأدب، القصة بناء لغوي وأسلوبي ودلالي يتخذ شكلا معينا ويصاغ بغاية القراءة إفادة وإمتاعا.

من حيث الحجم: للأقراص أحجام مختلفة، لكنها في الغالب صغيرة والصغر او القصر سمة من سمات القصة وهو خلاف الطول والاسترسال. كما أن للقصر حدود أدناها جملة أو جملتان، وأقصاها فقرة فما فوق. إن القصة القصيرة جدا اختزال وتكثيف لمكونات جمالية كبرى مثل الوصف والسرد والحوار.

من حيث الصيغة: يخضع القرص في تركيبه إلى تكثيف وضغط، كما تخضع القصة القصيرة إلى نفس الإجراء. وهذا لن يتحقق لجميع الكتاب، فكم  من كاتب طويل هزمته قصة قصيرة .

من حيث التناول: يفيد حجم الأقراص السهولة في التناول، حيث هي مهيأة للتعاطي بالفم عن طريق البلع أو المضغ أو الاستحلاب، كذلك نفس الأمر بالنسبة للقصة القصيرة فهي معدة للتلقي في وقت وجيز.

من حيث المفعول: طبعا ينصح بالأقراص حسب نوعية المرض ويتغير مفعولها وفقا لذلك، فهناك أقراص طويلة المفعول وأخرى متوسطة التأثير، ونفس الأمر فيما يخص تأثير هذا النوع من السرد. فهناك قصص قوية الأثر على القارئ وأخرى ضعيفة أو خفيفة الأثر.

هذا التقاطع بين القصة القصيرة والأقراص يدفعنا إلى إثارة سؤال العلاج بالأدب .فهل ذلك ممكن ؟ وإن كان كذلك فكيف يتم؟

الاستهلال:

استهل الكاتب مجموعته القصصية بما يلي: " مثل جبل صغير لم يتعلم الطيران بعد "

يتأسس هذا القول المستهل به على بنية تشبيهية، شأنه في ذلك شأن العنوان . وقد تم إضمار ركن من بنية التشبيه (المشبه) والتأمل في هذا التعبير المجازي، يجعل القارئ يسال: هل الجبل صغيرا كان أم كبيرا يتعلم ؟ ويطير؟ فهل ما لا يتحلحل يطير؟

يسعى هذا النوع من الاستهلال إلى خلق تشويق عند القارئ، مما يجعل تلقي  هذه النصوص ينبني على الانتباه إلى أهم خاصية فنية وتقنية في بناء القصة القصيرة، إنها المفارقة .حيث يسعى الكاتب  من خلالها إلى مباغتة القارئ وجعله يغير عادة تلقيه وكأن القصة القصيرة تتطلب انتباها ويقظة في التلقي والتناول حتى يدرك بعض أسرارها .

نحو الوعي بالاختلال:

تمتح القصة القصيرة قدرتها على تمثيل الظواهر وتشخيص المواقف الإنسانية المؤثرة من مرجعيات مختلفة مثل الرمز والمثل والخبر والكناية وذلك عبر تقنيات وآليات فنية مثل التكثيف والترميز والسخرية والمفارقة والتلغيز ...

وإذا كانت للرواية قدرتها على تشخص الظواهر الإنسانية في مختلف تجلياتها التاريخية والاجتماعية والسياسية  بشيء من التحليل والتمثيل السردي عبر مقتضيات النظام  السردي أو العمليات السردية ، فإن القصة القصيرة جدا لا تحفل بالتحليل عبر خلق وضعيات سردية مركبة بل تكتفي بفن الالتقاط والتلميح في صيغ فنية محدودة جدا . في هذا السياق سنقف عند بعض نصوص " كالعزف على القيثارة " لرصد المدار الدلالي الذي انتظم المجموعة ككل.

خلال قراءتنا المتأنية لنصوص هذه الأضمومة القصصية، نستنتج انها تنتظم حول ظاهرة الاختلال التي أصبحت تتمظهر في كثير من الأنساق والأنظمة التي تؤطر الحياة الاجتماعية / الإنسانية في شموليتها مثل القيم والأخلاق والعلاقات الإنسانية أو الاجتماعية والهوية والمرجعيات الفكرية والثقافية ... فما نوعية الاختلالات التي رصدتها نصوص المجموعة ككل؟

سنتخذ من بعض نصوص الأضمومة عينات نصية للتمثيل:

في قصة " براءة " ، وعبر آلية السخرية، رصد الكاتب مظهرا من مظاهر الاختلال في المنظومة السياسية العربية، يتعلق الامر بمسالة انتقال السلطة أو توريثها أو احتكارها من خلال آليات تقليدية مع الادعاء بان ذلك من علامات الديمقراطية !!!!

تنبني القصة حدثيا على الجلوس على الكرسي كموقع لممارسة السلطة وإنتاج الخطاب . هذا التموقع يحمل معاني مثل الحكم في مجال السياسة، والاعتراف في مجال القانون، التربية والتهذيب والتعليم في مجال الثقافة والمعرفة، والسلطة المطلقة الميتافيزيقية في مجال الدين (وسع كرسيه السماوات والأرض).. وهنا في القصة يأتي بمعنى الاعتراف أما القاضي: " صدقني يا سيد ترامب ...ليس في الأمر أي استئثار بالحكم ضدا على الأعراف الديمقراطية ..."

وتثير القصة بأسلوبها الخاص سؤال البراءة: هل من يتربع على الكرسي يتصف بالبراءة أم الاتهام ؟ وسؤال البراءة يحمل ضمنيا سؤال الاتهام. ولإثبات عدم براءة الجالس على الكرسي في عالم القصة هو استجابة الحاكم لطلب الكرسي، لا استجابته لمبادئ تدبير السلطة وإجراءات تداولها، حيث تألم الكرسي وأصابته رجفة كبيرة عندما أحس أو شعر بأن غير مؤخرة الحاكم هي من تلامسه، فما كان على الحاكم إلا أن يستجيب لطلب الكرسي  وان يعتبر استجابته فعلا إنسانيا جسورا يؤكد براءته . أمام قاض يسائل المتهم في تهمة البقاء في الحكم عقودا من الزمن: " لا ارضى عن مؤخرتك بديلا. هذا ما قاله الكرسي يا سيد ترامب ...".

في قصة " الصوت "  يرصد الكاتب أيضا خلال ضمن المنظومة السياسية، وخاصة على مستوى العلاقة بين الحكومة والمواطن. وتنبني القصة على لعبة التوازي بين صوتين:

-  صوت المواطن الذي هو خطاب أو كلام أي رأي وموقف ووجهة نظر . ثم هو فعل وإجراء أي ممارسة في الواقع. وبواسطة هذا الصوت تنشأ الحكومة.

-  صوت الحكومة: هو كذلك خطاب أو كلام، كما أنه إجراء وممارسة صادرة عن الحكومة باعتبارها فاعلا معنويا. وإذا كان صوت الحكومة ناتجا عن صوت المواطن، فماذا يتوقع المواطن من صوت الحكومة بعد صوته؟ هناك احتمالان:

- الاعتراف بفضل صوت المواطن وبالتالي شكره على ذلك، من خلال  تأهيل المرافق العمومية وتسهيل الاستجابة لطلبات المواطن وتجويد خدماته .

- إرهاب المواطن من خلال قمعه وتعنيفه بالخطاب أو الفعل. وهذا ما استوعبه المواطن وأدركه في آخر القصة: صوت هو دعوة ملحاح إلى الموت. أو ما هو أفظع . هو هدية الحكومة إلى الشعب بمناسبة عيد عالمي للموسيقى " .

هناك إشارة ذكية في قصة " العمارة "  باعتبارها فضاء حديثا للسكن وشكلا جديدا للاجتماع البشري فرضته التحولات السوسيو اقتصادية، إلى خلل آخر بدأت تظهر آثاره على مستوى العلاقات الاجتماعية في مثل هذه الفضاءات العمرانية . فكيف ذلك ؟

تتأسس القصة حدثيا على تناظر زمني:

-  قبل العمارة، حيث كان الناس في السابق هويات متنوعة ومختلفة .

-  في العمارة، حيث أصبح للناس هوية واحدة . أو شكل وقالب واحد.

لقد انتقل قاطنوا العمارة من بيئات ثقافية مختلفة: لغة وتقاليد وزيا وعادات ...أي من هوياتهم المختلفة إلى هذا الشكل الجديد الموحد أصلا في المساحة والتصميم والمرافق والرؤية . لقد تخلوا تدريجيا عما كان يصنع اختلافهم وتنوعهم واصبحوا متشابهين على نمط واحد . فكأن العمارة إطار صناعي يتضمن منتوجا معلبا.

انبنت قصة "جنون" على منطقين:

-  الواقعي أو السببي: أي أن الوقائع تدرك وفق نظام سببي، أي (سبب – نتيجة)

- اللاواقعي أو اللاسببي: أي حدوث وقائع خارج النظام السببي .

وفق هاتين الآليتين، تأطر الحدث الرئيسي في القصة: فرار أحد عشر مجنونا من المشفى .

ولما كان الحدث في واقعيته ومنطقيته أو معقوليته يخضع للترتيب التالي:

-  الاتفاق والحوار(التفكير في خطة) يقتضي التخطيط أولا ثم التنفيذ تانيا  ثم الهروب أو الفرار ثالثا كنتيجة . وهذا لا يتحقق إلا إذا كان الفواعل يفكرون بطريقة أساسها العقل . أما في حالة غياب العقل وحضور بديله أي الجنون، فسيتغير منطق الحدث:

-  لا اتفاق ولا حوار (ليست هناك خطة) أي ليس هناك تخطيط ولا تنفيذ وبالتالي ليس هناك فرار من طرف مجانين .

إذن من هرب؟ ومن خطط ؟ ومن نفذ؟ الجواب أن من يملك عقلا ويفكر به هو الطبيب أو الطاقم الطبي، إذ فمن هرب في الأصل هم أحد عشر طبيبا من مستشفى الأمراض العقلية . وإذا كان هذا ممكنا، فهو يكشف عن خلل في معيار تقويم الأحداث التي تنقلها الوسائط الإعلامية . ويتأكد الخلل هنا في كون الكذب هو السائد والمستشري في هذا المجال . وهنا توجب على المتلقي أن يعيد ترتيب الأحداث والوقائع وفق منطق سببي وعقلاني . كما يدفعنا هذا الأمر إلى التفكير في سؤال: لماذا يهرب الاطباء؟ ولما ذا يخططون للهرب؟

في قصة " ادفع بالتي هي أحسن" يتابع الكاتب رصد مظاهر الخلل التي استشرت في الواقع الاجتماعي والانساني. يتعلق الأمر هنا بمسالة الأمن كمطلب أساسي للفرد  أو الجماعة، وهو ما يمنح تعادلا وتوازنا للوجود الإنساني . وعندما يغيب الامن او يفتقد لأسباب ذاتية وموضوعية: يهيمن الاضطراب والخوف والقلق والتهديد وبالتالي الموت والعدم . وتعميقا لهذا النقص أو الخلل افترض وجود شخص يطلب إتاوة / ضريبة من السارد مقابل خدمة توفير الأمن له. هذا الوضع يكشف عن خلل ما . فما هي طبيعته؟

-  توفير الأمن يتحقق في الوقت الراهن من طرف الدولة أو الجماعة التي يندرج ضمنها الفرد. وهو أمن مادي ومعنوي، أي منع كل ما من شأنه إلحاق الأذى والضرر بالفرد ومصالحه أو حقوقه المادية والمعنوية. أي ما من شأنه أن يجعل الحياة لدية صعبة ومتعذرة .

-  غياب الأمن يعني تعذر الحياة لدى الفرد وصعوبتها، وبالتالي تهديد وجوده . وهذا يدل على غياب الطرف المسؤول عن ذلك أي الدولة كمؤسسات ومرافق وجهات وظيفتها توفير الأمن للمواطن. وفي هذه الحالة من الغياب أو الفوضى تظهر بعض الجهات أو الأفراد يتولون تقديم هذه الخدمة للمواطن، وبمقابل مادي، تلخصه في القصة عبارة " ادفع بالتي هي أحسن "

وهذا الخلل له ابعاد اجتماعية واقتصادية وإنسانية خطيرة، تتأكد أبعاده في المناطق التي تضعضعت فيها شخصية الدولة إما بسبب فساد أو حروب أو أوبئة أو استعمار أو كوارث طبيعية ...

لقد أصبح الوجود الإنساني في الفترة الراهنة مبنيا على دفع إتاوة تحت الإكراه من أجل حريته وشغله وأمنه وعرضه ...

وتنبني قصة "سعار" على حدث محوري، يتمثل في إصابة شخص بسعار نتيجة عضة كلب مسعور . وهذا الحدث يستوجب الاستشفاء من السعار. وهذا هو المنطقي والطبيعي أو الواقعي. لكن أن يرفض المسعور الاستشفاء فذلك يكشف عن خلل معين . فكيف تجلى ذلك وما هي أبعاده؟

يمكن أن نكشف عن المحاور الأساسية التي انبنت عليها هذه القصة في ما يلي:

-  المحور الأول: الإصابة بالسعار تقتضي العلاج والاستشفاء

-  المحور الثاني: الإصابة بالسعار لا تقتضي علاجا أو استشفاء . ولما كان السعار خطيرا على الحياة ومهددا لها، فلماذا تم رفض المصاب بالسعار العلاج ؟  هنا يكمن الخلل ؟ أي هناك مبرر لذلك الموقف

-  المحور الثالث: المواطنة الحقة تقتضي الاعتراف والتنويه والشكر، أما أن تكون مواطنا حقا وليس من نصيبك غير التهميش والإقصاء والإبعاد والتحقير ...فذلك ربما اهون من السعار أو هو أكثر تأثيرا من السعار .

هكذا تكشف القصة عن نوعية الخلل الذي أصبح يطبع حياة الفرد وفكره وسلوكه الناتج عن تجاهل وطنيته أو اعتبار وطنيته من درجة ثالثة أو رابعة ...لقد أصبح المواطن يحس أن وطنيته وانتماءه  إلى وطنه ليس مفخرة أو علامة قوة ..لهذا أصبح يفضل أن يصيبه سعار الكلاب لا سعار دولته .

في قصة "نجاح مبهر" يزيل الكاتب اللثام عن مظهر آخر من مظاهر الاختلال التي تؤثر سلبا على الوجود الإنساني سواء في علاقاته أو قيمه أو معتقداته . ولكشف نوع الخلل الذي يتمظهر في القصة، نكشف عن منطق الحدث الرئيسي الذي ينتظم القصة ككل:

-  علاج العقم يقوم على معرفة وعلم وخبرة  ثم التزام أخلاقي . ومن توفرت فيه هذه الشروط سيحقق شهرة .

-  علاج العقم يقوم على الجنس أي ممارسة الطبيب الجنس مع من قصدنه لعاج عقمهن. وهذا خرق لمبادئ المهنة وميثاق الثقة بين المريض والطبيب ...و من كان على هذه الشاكلة سيحقق شهرة . والفرق بين الشهرتين أن الأولى امتياز والثانية تشهير وفضيحة .  إذن بين المنطق الأول والثاني يكمن الخلل .

-   النجاح: يقوم على المعرفة والإتقان ثم الإخلاص في العمل وهذا يترتب عنه شهرة  وهي صحيحة وحقيقية .

-  النجاح قد لا يقوم على الإخلاص أو المعرفة بنوع وخصوصية العمل، وهذا تترتب عنه كذلك شهرة لكنها شهرة مزيفة وباطلة سرعان ما يتم  فضحها .

هكذا أشار النص إلى ظاهرة شهرة بعض المعالجين المزيفة والتي أصبحت تغزو حياتنا المعاصرة، خاصة فيما يتعلق ببعض المشاكل العويصة مثل العقم والعنوسة .

في قصة  " انتهازية "   والتي ينتظمها حدث محوري، يمكن صياغته كالتالي:

-  العمل يقتضي أجرا ماديا ومعنويا، بغض النظر عن قيمة وحجم العمل ضمن تراتبيات الأعمال والأفعال الدنيوية والدينية، الفكرية أو العملية .  شريطة أن يكون هذا العمل مشروعا وذا منافع لا أن يجلب مضارا تلحق ضررا بالإنسان أو الطبيعة أوالذات . وقد اختار الكاتب عمل ماسح الأحذية ليشخص ظاهرة تمثل خللا خطيرا أصاب الحياة الاجتماعية والإنسانية، يتعلق الأمر بالانتهازية . وتبعا للقاعدة التي انطلقنا منها، يقتضي هذا النوع من الأعمال التي يمارسها بعض الناس في الحياة العامة وهي غير مهيكلة  أو غير خاضعة لتقنين أو ترتيب إداري، لكنها متداولة بين الناس وتحقق بعض الآثار الإيجابية سواء عند ممارسها باعتبارها موردا ماليا وسواء عند المستفيد منها من خلال كونها تدخل ضمن ما يسمى إيتيكيت اجتماعي عام ـ يتعلق بالمظهر أو الصورة التي نرغب أن نكون عليها في الخارج من حيث تنسيق اللباس وتعطير الجسم وتنظيف أو تلميع الأحذية:

-  عامل ماسح الأحذية: يستوجب أجرا سواء كان ماديا أو معنويا . وهذا هو الطبيعي والمنطقي .

-  عامل ماسح الأحذية: حرمانه أجره المادي أو المعنوي . وهذا يكشف عن خلل ما . يتعلق الأمر بالانتهازية في أبشع صورها وأمقت أشكالها . والانتهازية:

-  أن تستغل شيئا أو شخصا لا يحق لك ذلك .

-  أن تحرم شخصا أجره المادي أو المعنوي .

-  أن تستجيب لرغباتك الذاتية فقط .

-  أن تجفف من ذاتك قيم التضامن والتكافل والتآزر .

-   أن تكون نرجسيتك وأنانيتك  في أقصى حدودهما .

-  أن تضاعف من مآسي الناس  لا أن تجبر كسورهم ...

لقد شخصت القصة ظاهرة الانتهازية من خلال تمثيل لها بموقف أو سلوك متداول ومشهود . وهذا الخلل يهد منظومة القيم ويؤثر على العلاقات الإنسانية كما يؤثر على التماسك الاجتماعي فيجعل التراتبات الاجتماعية تتباين وتتسع الهوة بينها .

في قصة " ببساطة "   تنهض القصة على منطقين:

-  منطق طبيعي أساسه السبب النتيجة، ويتمثل في ما يلي:

-  وجود الإدارة كمرفق عمومي يستوجب تقديم خدمات للمواطن .

-  وجود الإدارة يعمل على تعطيل خدمات المواطن أوعدم الاستجابة لمصالحه كما أطرها القانون . وهذا يكشف عن خلل في هذا المجال لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية أو فنية أو تقنية مثلا، فقد يرجع الأمر إلى نوعية الإجراءات أو التدابير البيروقراطية التي تحكم كثيرا بعض الإدارات . كما يرجع الأمر إلى عدم أهلية الموظف إما معرفيا أو تقنيا أو اجتماعيا على مستوى التواصل الاجتماعي بين الموظف والزبون،وهذا نلمسه من خطاب الإدارة المتداول بين الموظف وطالب الخدمة من تلك الإدارة .

وعندما تستجيب الإدارة للمواطن وتنجز طلباته  المشروعة وفق القانون المنظم لذلك، تستحق تلك الإدارة الشكر والاعتراف والاحترام، وتخلق  الرضى عند المواطن . أما في حالة العكس، أي عندما تتعطل خدمات المواطن فسيترتب عنده الغضب والتذمر والاحتجاج . إذن، فرضى المواطن أوغضبه وحنقه ينتجان ببساطة، وليس الامر صعب الفهم والتفسير .

تتأسس قصة " زاوية نظر "  على بنية عميقة، تتمثل في بنية الوعظ التي تتركب من:

-  واعظ: من له خبرة ودراية في مجال ما . قد يكون إنسانا أو طبيعة أو حدثا ....

-  موعوظ: من تقدم له الموعظة أو من يعظه الواعظ، قد يكون رجلا أو امرأة، يافعا أو كهلا ...

-  موعوظ به: ما يعظ به الواعظ موعوظه.

وفكرة الوعظ اقترنت خطابيا وتداوليا بالمجال الديني، حيث يقدم رجل الدين موعظته للناس عامة أو  لفرد واحد يكون حاكما أو قاضيا أو تاجرا ....و تكون الموعظة بمثابة التذكير بالمصير والنهاية ومآل الإنسان في الآخرة . تتضمن الموعظة نصائح وتصور للموعوظ كيف يجب عليه أن يكون سلوكا واعتقادا وتصرفات وعلاقات مع الناس أو مع أهله وغيره .وغالبا هناك ما يبرر الوعظ أو الموعظة، أي وجود أسباب وحوافز تحفز الواعظ على ذلك، مثل غفلة الناس عن الآخرة، واقترافهم للذنوب والآثام، وتعديهم للحدود وخرقهم للآداب ...و القصة هنا تكشف عن خلل كامن في خطاب الموعظة حيث المفارقة بين مكوناتها صارخة:

-  الواعظ: شيخ أو كاهل أو فقيه له ثقافة دينية .

-  الموعوظ: أطفال، لم يبلغوا رشدهم بعد، ولم  يقترفوا من الذنوب ما يبرر موعظتهم أو أن يكونوا هدف الواعظ. هم في طور يستلزم أن يوجه لهم خطاب آخر، وأن يعاملوا معاملة خاصة، وأن تراعى في ذلك طبيعة وجدانهم  وبنية عاطفتهم. إذ من المفترض، أن يستجاب لمتطلباتهم العاطفية والخيالية مثل اللعب والحركة والمعرفة والإبداع والقصص .

-  الموعوظ به: في النص يقدم الواعظ وعظه للأطفال بالحديث عن الآخرة، ولا سيما الحديث عن صورة العذاب وما يعتمد في ذلك من طرائق مثل الصراط ودقة المرور عبره وتهويل الوقوع في النار وما يترتب عن ذلك من حرق وإيلام .

يتمظهر الخلل هنا في تجليات المفارقة:

1-  ما يقدمه الواعظ أو يعرضه من خبرة ومعرفة لا يناسب المقام، أي أن متطلبات الطفل في هذه المرحلة لا يتناسب وجدانيا مع خطاب الواعظ لا وجدانيا ولا نفسيا ولا خياليا .

2-  الموعوظ به: يفتقد خطاب الواعظ على مستوى الأداة  الموعوظ بها شرط التناسب أوالتلاؤم. إذ المطلوب تنمية قدرات الطفل وطاقاته التعبيرية والإبداعية والخيالية . لا قمع تلك القدرات أو توجيهها توجيها عكسيا .

3-  في النتيجة والمآل: غالبا ما تترتب عن الموعظة نتائج نفسية وآثار معنوية، وذلك حسب قوة خطاب الواعظ من جهة ومدى مناسبته للمقام أو السياق، وكذلك درجة مصداقيته، إضافة إلى حاجة الموعوظ النفسية والفكرية لتلك الموعظة . وهنا في النص، لا أعتقد أن الأطفال في حاجة إلى تلك الموعظة، كما أن شرط المصداقية غير متوفر في الواعظ، إذ كيف للأطفال أن يحكموا على صدق خطابه .

4-  في الغاية من الموعظة: غالبا ما يقدم الواعظ موعظته استجابة للمبدأ الذي يقول: الدين النصيحة . أي أن هناك التزاما معنويا بهذا المبدأ وغيره من المبادئ الدينية من أجل الحفاظ على الدين أولا وتقويته ثانيا وكذلك الاستجابة لمبدأ من رأى منكم منكرا فليغيره ...و بالتالي فالوعظ علامة من علامات الالتزام بالدين ومبادئه . لكن هنا نسأل: ما المنكر الذي صدر عن هؤلاء الأطفال؟ وما مدى خطورته؟ وهنا نرجع إلى العنوان الذي يتضمن تفسيرا لهذه المسألة " زاوية نظر" أي للواعظ هنا وجهة نظر، ترى منكر هؤلاء الأطفال في الغيب، في الآتي من الزمن، لهذا وجب عليه موعظتهم وترهيبهم بالنار والصراط. وطبعا هذه وجهة نظر قاصرة وحاسرة .

على سبيل الختم:

تكشف أغلب نصوص هذه الأضمومة على مسألة الخلل أو ظاهرة الاختلال التي أصبحت تطبع كثيرا حياتنا المعاصرة، سواء في علاقاتنا الإنسانية والاجتماعية أو تلك التي تطبع سلوكنا ومواقفنا من كثير من القضايا والأسئلة ذات الطابع الإشكالي مثل علاقة المواطن بالمؤسسات الوطنية (الإدارة) ومسالة المواطنة التي تنبني على ثنائية الحق والواجب ومسألة الأمن الذاتي والرشوة التي استشرت كالوباء في الجسد الاجتماعي . كما اتخذت هذه الأضمومة  بعض الظواهر كمادة لها مثل الظاهرة الدينية على مستوى خطابها الدعوي وكذا بعض الظواهر التي ذاعت بصورة لافتة مثل الشعوذة والشهرة  ومسألة الهوية والديمقراطية وغياب المصداقية في كثير من الخطابات المتداولة سواء في الخطاب الإعلامي أم السياسي  أم الإبداعي الفني .

وقد ابانت الكتابة القصصية في هذه الأضمومة على قدرتها في الكشف عن بؤر الخلل في الواقع وفي الوعي وكذا في الرؤية . وإن كانت هذه النصوص مختزلة في بنيتها السردية ومادتها اللغوية فهي غنية بكثافتها الدلالية، وهي تسهم في بناء الدلالة وتداولها بخصائصها تلك إضافة إلى تطوير قدرات القارئ وترويضها لتلقي مثل هذا اللون من الميكروتخييل في الثقافة الأدبية المعاصرة .

 

د. المصطفى سلام  

 

وليد العرفي ينشغل  نص الشاعر: غانم العناز الذي بين أيدينا بموضوعة الحب،  وهو من الموضوعات التي طالما انشغل بها الإنسان عموماً والشعراء بوجه خاص ؛ فالحب تلك العاطفة الإنسانية الجميلة السامية هي ميزة الله في مخلوقه الإنسان، وقد تمظهرت تجلياتها في لغة الشعراء الذين تفننوا في التعبير عنها، وسيبقى الحب سمت رؤيا الشاعر، وموجّه بوصلته التي لا تحيد عن جهة القلب، ولا تعرف طريقاً  إلا منه وإليه

يبقى الحب الميدان الأثير للشعراء، وهو ما يبدو إبداعاً مستمراً لا يقف عند حدود عمر محدد، أو حالة اجتماعية، أو منبت  طبقي ؛ ففي الحب يتساوى الناس جميعاً، فكيف عبر شاعرنا : غانم العناز عن هذه العاطفة، وكيف تجلَّتْ لغته في هذه القصيدة؟

يستهل الشاعر قصيدته بالحرف (لو)، وهو ما يُشير إلى مُتمنَّى غير مُحقَّق، وقد جاء استهلالاً موفقاً فيما أراد الشاعر أن يُخبر عنه، ويصل إليه في نهاية القصيدة التي جاءت تأكيداً لطبيعة الحب على اختلاف مذاقه، وتعدد ألوان معاناته غير أنه يظل حالة جميلة، وربما كانت لذَّ ة الحب في تلك المعاناة لدى المحبين الذين غالباً ما يقعون في صراع بين القلب وهواه، والعقل وعصاه، وفي هذا الصراع تبدو خصوصية الحالة وجمالية مكابداتها :

لو كان قلب المرء يرضى سامعاً

               للعقـل حكماً ثم يـبقى طائـعـا

لمـا سـمـعـنا هـائمـاً في عـشـقـه ِ

              يـشقى ولا صباً يداري أدمعا

لكن هيهات للقلب أن يطيع وللعاطفة أن تقبل بالطاعة : فكم أذل الحب عاشقاً وطوع أقوى الفرسان لإرادته؟!  وهو ما عبَّر عنه ابن حزم بقوله : "عندئذ تصبح صحبة المحب استسلاماً؛ فإذا وقعت المحبة تسبَّب عنها طاعة المحب للمحبوب"  

يقول شاعرنا العناز في تأكيد هذه الحقيقة :

ولا شـجـاعـاً قد غـدا مـستـسلماً

              أو عاقـلاً من حـبه قـد روّعـا

وأبعد من ذلك بل إن الحب يرفض الاستسلام، حتى من تعلق قلبه بالتقوى والصلاح ؛ فإنه في محراب الحب سيجد نفسه قد هام وراء طيوفه غير مبال بالرجوع، ألم يقل الشاعر: ربيعة بن عامر الدارمي  المعروف بالمسكين قديماً:

 قلْ للمليحةِ في الخمارِ الأسودِ            ماذا فعلْتِ بناسكٍ مُتعبّدِ

 قدْ كانَ شمَّر للصَّلاةِ ثيابَهُ  لمَّا وقفْتِ لهُ ببابِ المسجدِ

 وفي هذا السياق نجد وصف العناز :

أو نـاسـكاً قـد طـار مـنــه لـبـه ُ

            من نظرة ٍ لا يرتجى أن يرجعا

لـكـنه في الـحب يـبـقـى حاكـمـاً

            قلب الفتى والعقل يبدو ضائعـا

حتى تساوى فى الهوى شيخ وقـو

           رٌ مع غرير ٍ جامح ٍ ما قد وعى

والحب لا يمكن إخفاؤه أو التستر عليه، إذْ طالما كانت عيون المحبين فواتح قلوبهم، ومرايا عاطفتهم:

أهـل الهوى لو حاولوا أن يكـتموا

             سـر الهوى لـبات سـراً ذائـعـا

أهل الهوى لو جاهدوا من حبهـم

            أن يفلـتوا ما أجدى ذاك إصبعا

ويبدو الحب قدراً لا مفر منه؛ فهو سلطان يتملّك العاطفة حتى يطغى على كيان الإنسان كلّه : 

كـم ناصح ٍ أو عـاذل ٍ قـد حـاولـوا

         صدَّ مُحـبّ ٍ عن حـبـيـب ٍ أذرعـا

لكـنه يـجـري الهوى مـستـرسلا ً

         ما كان من طبع الهوى أن يركعا

يبدو في قصيدة شاعرنا العناز، وكأن الزمن هو الزمن منذ العصر الأموي إلى عصرنا الحالي، ولم يتغير إلا الشخوص، وما بين مسكين الدارمي ومسكين العنازي في عصرنا ثمة وشائج عاطفة لا تنقطع، وصلات مشاعر  ما زالت تؤكد حقيقة الحب في أجمل مظاهره، وأسمى تجلياته

في الحب تسمو الـروح في عـليائها

           والنفس قد تصفو صفاءً ناصعـا

الـحـب حـلـوٌ طـعـمـه أو عـلـقـمٌ

           من لم يـذق للحب طعـماً أدقـعـا

وهكذا تبدّت لنا صورة الحب في لوحة الشاعر غانم العناز بألوانها الزاهية، وقد تأطرت بلغة ذات توهّجٍ عالٍ من الخبرة، وتزركشت بريشة شاعر أتقن فنَّ الرسم بالكلمات، وهندسة القصيدة في تشكيلها البنائي عبر تدرج فكر، وتسلسل عبر، إذ جاءت القصيدة بلغة البوح الشفاف الذي خلا من بذاخة الصور، وتعرجات الانزياح في القول؛ لأنَّ الشاعر إنما أراد الصدق في البوح والتعبير، لا الانسياق وراء الانزياح و التصوير.

 

د. وليد العرفي

............

للاطلاع على القصيدة في المثقف

طــبـعُ الـهـوى / غانم العناز

 

الكبير الداديسيظل الاعتقاد سائدا بين المثقفين وطلاب الأدب كون رواية زينب لمحمد حسين هيكل الصادرة سنة 1914 تعد باكورة الرواية العربية، وأن المرأة العربية لم تقتحم الكتابة الروائية إلا في النصف الثاني من القرن العشرين برواية (أروى بنت الخطوب) للأديبة وداد سكاكيني المنشورة عام التي ستكتب بعد سنتين روايتها الثانية «الحب المحرم» (1952).. ولازال هذا الاعتقاد إلى اليوم مكرسا عند الكثير من الطلبة والباحثين كمسلمات لا تقبل النقاش…

لكن أمام تطور النقاش حول الرواية العربية، إثر وفرة الإنتاج و تعدد المسابقات والجوائز الوطنية الجهوية والقومية المخصصة لكتاب الرواية، أصبح النبش في تاريخ الرواية العربية يفرض نفسه، بعدما غدا يحلو للبعض اعتبارها الجنس الأبي الأنسب للظرفية الراهنة، فأطلقوا عليها ديوان العرب المعاصر، وهو يرونها تزيح الشعر وتمتطي صهوة الثقافة العربية المعاصرة، لكن ما لا يعرفه بعض شبابنا هو أن هذا الجنس الطاغي اليوم على ساحة الثقافة العربية، ليس سوى شكلا أدبيا حديث الولادة في ثقافتنا، وأنه لا زال غض العود، فلم تكد تمض إلا سنوات قليلة على ظهوره في عدد من البلدان العربية، بل وعلى الرغم من كل ما تراكم من ونصوصا روائية، فأن عدد الروايات لا زال على رؤوس الأصابع في دول عربية كثيرة، وأن ما يبدو من زخم في التأليف والإصدار اليوم مرتبطة في الغالب بالألفية الثالثة أكثر من أي فترة أخرى، فقد شهدت السنوات العشر الأخيرة نتاجا روائيا دافقا ربما أكثر مما شهده تاريخ الرواية العربية عبر تاريخها؛ ففي بلد مثل المغرب لم يصدر إلى حدود سنة 2010 إلا حوالي 671 رواية أكثر من نصفها (339 رواية) صدر في سنوات العشرة الأخيرة، ولم يكن للنساء فيها إلا 53 رواية صدر منها 34 رواية في عشر سنوات الأولى من الألفية الثالثة.

وقد يكون الوضع متقاربا في باقي البلدان العربية الأخرى، بل من المرجح أن تكون نسبة كتابة الرواية بداية في الألفية الثالثة في بعض الدول أكثر مما هي عليه في المغرب إذا ما علمنا أن معظم الدول العربية لم تعرف جنس الرواية إلا بعد المغرب مع ما أتيح لها من إمكانيات لطبع،نشر وتوزيع الكتب: فإذا كان أول نص روائي في المغرب (طه) لآحمد السكوري يعود إلى سنة 1941، وفي الجزائر (غادة أم القرى. لرضا حوحو) إلى سنة 1947، وكانت رواية (آلام صديق) لفرحان راشد الفرحان فاتحة هذا الجنس بالكويت سنة 1948 .. فإن دولا أخرى انتظرت النصف الثاني من القرن لتشهد بواكير رواياتها فكانت سنة 1956 سنة ظهور أولى الروايات بتونس برواية (زمن الضحايا . لمحمد العروسي المطوي) وبعدها بثلاث سنوات كان نص (ثمن التضحية ) للأديب حامد بن حسين دمنهوري بالسعودية، بل ومن الدول العربية من انتظرت نهاية القرن العشرين لتجود قريحة كتابها، وتفتح عين قرائها على هذا الجنس الذي أصبح اليوم من أهم الأرقام في المعادلة الإبداعية الأدبية العربية ولتعرف أولى تجاربها الروائية. فكانت أول رواية بموريتانيا سنة 1981 (رواية الأسماء المتغيرة للروائي أحمد ولد عبد القادر)، وهي نفس السنة التي صدرت فيها أول رواية بسلطنة عمان (رواية الشراع الكبير) للأديب عبد الله الطائي كمحاولة جنينية، مع أن المحاولات الجادة بهذا البلد لم تر النور إلا سنة 1988 عندما أصدر سيف السعدي روايتين هما رواية (خريف الزمن) ورواية (جراح السنين). يبدو أن كل هذه الدول قد عرفت الرواية بعد تجربة محمد حسين هيكل…

وقد يبدو للبعض أن هذه الإشارات تؤكد ما كان سائدا حول حداثة الرواية عندنا، وأن ولوج المرأة غمار الكتابة الروائية جاء متأخرا بدعوى الوضعية التي كانت عليها المرأة في العالم العربي آنئد، لكنهم أصحاب هذا الرأي قد يفاجَؤون بوجود نساء سبقن حسين هيكل بسنوات لدرجة أن هناك من يعتبر المرأة أول من فجر نبع الرواية عربيا بنصوص مثل (حسن العواقب) لزينب فواز التي صدرت سنة 1898 وبعدها بست سنوات كانت رواية (قلب رجل) للكاتبة لبيبة هاشم الصادرة سنة 1904 وإن كانت (قلب رجل ) أهم ما اشتهر للبيبة هاشم فقد صدر لها روايتان أخريتان هما “حسناء الجسد” سنة 1898 و”شيرين” سنة 1907. وهي أعمال سبقت رواية محمد حسن هيكل ( زيب) التي لم تر النور إلا سنة 1914..

يبدو من خلال هذا العرض الأولي وجود أعمال روائية نسائية قبل رواية (زينب) لكن التعصب لفكرة “المركزية المصرية” التي أرادت تكريس اعتبار مصر قاطرة الثقافة العربية، وأن كل جديد في ثقافة العرب مصدره مصر أبت إلا اعتبار “زينب” الباكورة الأولى، فرددها المصريون وتداولها المفكرون العرب بقصد أو بغير قصد، ولقِّـنت للتلاميذ والطلبة في المدارس والكليات،حتى أصبح اليوم من الصعب إقناع النشء بغير ذلك.. ومن المستبعد يكون الرواد المصريون جاهلين ببواكير الرواية العربية وهي أعمال صدر أغلبها في بلدهم، بل كان لأصحابها دور ثقافي هام في مصر والشام: فزينب الفواز (اللبنانية) استقرت سنينا في مصر ونشرت عدت مقالات في صحف مصرية وصدر لها عدد من الكتب بمصر مثل “الدر المنثور في طبقات ربات الخدور”، الذي أرخت فيه ل456 امرأة من نساء الشرق والغرب. وكتاب الرسائل الزينبية”، وفيها ناصرت قضايا المرأة وحقها في التعليم والعمل قبل أن تظهر دعوة قاسم أمين التي جعلها المصريون أول صيحة من أحل تحرير المرأة العربية، وكتاب “مدراك الكمال في تراجم الرجال”، وكتاب “الجوهر النضيد في مآثر الملك الحميد”،، إضافة إلى ديوان شعري جمعت فيه منظومات لها،، ومسرحية ” لهوى والوفاء ” . وكذلك كانت لبيبة هاشم (اللبنانية): استقرت بمصر وأسست مجلة “فتاة الشرق ” وأصدرت إلى جانب رواية ” قلب رجل ” عددا من الأعمال منها (حسنات الحب) الصادر بالقاهرة 1898، وكتاب (الفوز بعد الموت) القاهرة 1899، ومجموعتها القصصية الأولى “جزاء الخيانة” القاهرة 1903، وبعدها المجموعة الثانية ” جزاء الإحسان” وهو ما يجعل من من رواية ” حسن العواقب ” 1898 من بواكير الرواية العربية، أينعت وقطفت قبل رواية (زينب) للأديب محمد حسين هيكل بأزيد من 15 عاما.

صحيح أن المرأة لم تقتحم الرواية لج الرواية في عدد من البلدان العربية إلا في النصف الثاني من ق.20، إذ كانت (الملكة خناثة قرينة المولى إسماعيل) لآمنة اللوه أول ظهور للرواية النسائية المكتوبة بالعربية في المغرب العربي سنة 1954 وينتظر المغاربة حوالي 14 سنة أخرى ليجود مخيال لنساء برواية ثانية (النار والاختيار) لخناتة بنونة سنة 1968 وتمر السبعينيات عجاف دون أي نص روائي نسائي .. فطيلة ثلاثين سنة في النصف الثاني من ق.20 ( الخمسينيات والستينيات السبعينيات) لم يعرف المغرب إلا نصين روائيين يتيمين من أنامل النساء بينما شهدت الثلاثين سنة الأخيرة 52 نصا روائيا منها 34 في العشرية الأخيرة، أما في الخليج فكانت رواية رواية نسائية (بريق عينيك) لآسية خاشقجي سنة 1959 أول نص يظهر بالسعودية وبمنطقة الخليج عامة، لينتظر الخليجيون إلى سنة 1971 ليظهر أول نص روائي نسوي بالكويت (وجوه في الزحام) للكاتبة فاطمة يوسف العلي، بل انتظرنا سنة 1976 لتشهد الأردن أول كتابة روائية نسائية مع رواية (سلوى) للكاتبة جوليا صوالحة… مع العلم أن من الدول العربية ما لم يعرف الرواية النسائية حتى تسعينيات القرن العشرين يعني إلا قبل حوالي الثلاثين سنة كما حدث في الإمارات بظهور “شجن بنت القدر الحزين” لسارة الكروان الكعبي عام 1992 وهي باكورة الرواية النسوية في دولة الإمارات. لكن كل ذلك لم يمنع من كون المرأة كانت سباقة على محمد حسين هيكل، كما كان الشام سباقا عاى مصر في ولوج عباب الرواية.

وقد يجد المدافعون عن فكرة المركزية المصرية مخرجا ليقولوا أن رواية (زيب) أول رواية عربية من تأليف الرجال، إلى هؤلاء نقول أن العذر أكبر من الزلة إذ كيف يمكن غض الطرف وتجاهل دور بعض الرادة الأوائل في الشام مثل خليل الخوري (1836/1907) صاحب جريدة «حديقة الأخبار» والتي نشر عبرها بعض الروايات المؤلفة والمعرّبة منذ بداية صدور جريدته عام 1858. وكانت أول رواية ُنشرت فيها هي رواية (البرّاق بن روحان) التي لم يذكر اسم مؤلفها. وقد بدأت في الظهور اعتباراً من العدد 40 في السنة الأولى لصدور الجريدة. وبعدها نشر الروايات المعربة مثل (المركيز دي فونتاج) و (الجرجسين)، وهما من تعريب سليم نوفل. لينشر خليل الخوري روايته: «وَيْ. إذن لستُ بإفرنجي» عام 1859 والتي قدمها للقارئ بقوله: (إذا كنت أيها القارئ مللت مطالعة القصص المترجمة، وكنت من ذوي الحذاقة، فبادر إلى مطالعة هذا التأليف الجديد المسمى: «وي اذن لست بإفرنجي) وبعد نشرها بجريدته صدرت الرواية كاملة في كتاب من 162 صفحة سنة 1860. بأزيد من نصف قرن على رواية زينب..

وكان سليم البستاني المتوفي سنة 1884 قد خلّف تسع روايات نُشرت جميعها في «الجنان» بين الأعوام 1870 و1884 وهي (الهيام في جنان الشام)، (وزنوبيا)، و(بدور) (أسماء)، (الهيام في فتوح الشام)، (بنت العصر)، (فاتنة) (سلمى) و(سامية) نشر سليم رواياته قي الوقت الذي كان ينشر فيه دستويفسكي (1821/1881) رواياته…

قد يقول قائل إن هذه الأسماء اللبنانية غير متداولة بقوة وقد تكون غير معروفة للمصريين في مطلع القرن العشرين لذلك اعتبروا رواية (زينب) أول تدشين للرواية العربية، ولنسلم جدلا بذلك، لكن ما ردهم على تجاهل الروائي اللبناني جرجي زيدان الذي يعتبر مؤسس الرواية التاريخية بدون منازع وخلف عشرات المؤلفات منها أزيد من 20 رواية تاريخية وتوفي سنة 1914 أي سنة صدور (زينب)

يستنتج إذن أن ترويج اعتبار رواية زينب باكورة الرواية العربية، تتحكم فيها خلفيات أيديولوجية لا تختلف كثيرا عن نظرية المركزية الأوروبية التي تروج أن مصدر كل الفنون والعلوم هو أوربا القديمة (اليونان/ الإغريق) ضاربة عرض الحائط كل الحضارات القديمة شرقية كانت (هندية، صينية، مصرية، وبابلية ..) أوغربية (حضارة المايا..) وغيرها من الحضارات…

لقد كانت فكرة المركزية المصرية إذن متحكمة في الرادة المصريون الأوائل الذي حملوا على عاتقهم تنوير الرأي العام العربي وغدوا يربطون ظهور كل جديد ب(أم الدنيا)، فكان في نظرهم مولد القصة، والرواية، والأغنية العصرية .. ومختلف الفنون المحدثة في ثقافتنا بمصر دون غيرها، هكذا ربطوا المسرح بجيل يعقوب صنوع وبعده توفيق الحكيم رغم مجهودات الشاميين، كما ربطوا تعريب الرواية بالمنفلوطي، وترجمتها بطه حسين، وربطوا الأغنية العصرية بسيد درويش وأم كلثوم ومحمد عبده.. جاعلين من باقي الدول العربية هامشا يدور حول المركز المصري يمتح وينهل من ينابيعه، وإن حدث واعترف مصري بدور غير المصري فيجعل للتأثير المصري أوالاستقرار في مصر كبير الأثر على حياته وإبداعه. فلم يكن أي مستقبل لمارون النقاش في المسرح، ولا جرجي زيدان، ولا اسمهان وأخيها فريد … لو لم يزوروا مصر.

قد يكون صحيحا أن مصر سبقت الدول العربية إلى الرواية إذا ما قورنت بدول الخليج، أو المغرب العربي، لكنه بالأكيد غير صحيح بالمرة مقارنة مع الشام.. دون أن يكون في هذه المقارنة أي تبخيس أو تقليل من قيمة أولئك الرواد المصريين. وكل ما نأمله من هكذا حكم هو تجنب النظرة القطرية الضيقة، في التعامل مع الأدب العربي، و النظرة إليه في شموليته واعتبار الكل مساهما في ذلك الموروث الذي يجب علينا الحفاظ عليه وتطويره دون عصبية قطرية..

 

الكبير الداديسي