فاطمة واياوصدرت  رواية مروج جهنم للكاتب العراقي حازم كمال الدين عن دار فضاءات للنشر والتوزيع بالأردن، صدرت الرواية في الحجم الصغير كما دأب الكاتب مع نصوصه الروائية السابقة، وهو أمر  يستقصده  الكاتب لأنه يؤمن بأن العلاقة بين النص السردي والمتلقي يجب أن لا تكون علاقة تعذيب وضجر.

في البدء كانت جهنم حيث تتكرر جهنم في العديد من السرديات العربية، ما الحمولة التي تحبل  بها هذه الكلمة لتكون عناوين موحدة لسرد الواقع المعاش حقيقة او متخيلا؟ ربما أن الواقع العربي لا يعادله في بشاعته سوى جهنم بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني التعذيب والقهر والخلود أيضا. تتقاطع جهنم في نص حازم كمال الدين مع مروج، وهي علاقة ملتبسة ومتناقضة، توحي بأن الرواية تذهب بعيدا في غرائبية الوصف لواقع اشد غرابة وشذوذا.

تستهل الرواية بالإعلان عن هدف الكاتب والنص معا والمتمثل في الخروج عن القوالب الجاهزة فنيا ومضمونا، فمنذ الاستهلال يعلن حازم كمال الدين عن مسلكه الوعر الجديد: "الصراط المستقيم نحو الحرية". إنه إعلان عن التحرر من كل أشكال القوالب الجاهزة بدءا بتقنيات الكتابة، وانتهاءا بالانفلات من الموت مرورا بهتك الأسرار الإيروتيكية للعلاقة الجنسية بين العقيد والبطلة.

من يطلع على بعض شذرات من حياة المسرحي والروائي العراقي حازم كمال الدين المقيم ببلجيكا، يتملكه شعور بأن سوادا وغموضا يلف حياته وإبداعاته  على حد سواء، فحازم كمال الدين يتقاطع مع المعري ودانتي في كل من رسالة الغفران والكوميديا الإلهية وهو ما لمسناه في أعمال كمال الدين الروائية السابقة –كبارهيت، ومياه متصحرة، غير أننا في مروج جهنم سنجد أنفسنا إزاء مسرح مغاير وأحداث مختلفة تدور هذه المرة حول فعل الولادة وليس الموت، والذي يمكن القول بأنه هنا  أيضا  أصبح رديفا للموت، هكذا يدفع الكاتب بفعلي الموت والولادة إلى قمة التراجيديا، بل إنه هنا يسائل فعل الوجود والعدم. وهي تيمة إبداعية يمكن القول أنها تغيب أو تظهر بشكل سريع وباهت في السرديات العربية، سواء منها السرديات النسائية أو الرجالية إن صح التعبير. وهي مشاهد توفق الروائي حازم كمال الدين في وصفها وسردها على لسان الراوية / البطلة داليا رشدي، بشكل مفصل ودقيق.

 مع ذلك يمكن ان نتساءل كيف استطاع الروائي حازم كمال الدين وعلى لسان البطلة داليا رشدي  أن يحكي بكل دقة عملية الولادة، ؟

الربط الذكي بين عملية الولادة وفعل القتل في الرواية، وكأنهما فعلان يفضيان لنفس المصير، إنهما نتاج الحرب المستعرة، ونتاج فانتازيا السياسة المتبعة.  سواء أراد الكاتب الحديث عن عراقه المفتقد بعد منفاه القسري، أو عن العالم القديم سنة 1833 فهو يحيلنا على أن الإنسانية رغم عقود من القضاء على عبودية الإنسان الأسود إلا أنها ما تزال تعاني من الرق هذه المرة متمثلا في نضال النكاح العقائدي كما جاء على لسان الراوية/ البطلة داليا رشدي.

فإذا كان الروائي حازم كمال الدين يستشرف المستقبل في رواية كباريهت والذي يحدده في سنة 2030 فإنه في نصه الجديد يفاجئنا في نهاية الرواية بتاريخ يعود بنا بعيدا في الماضي حتى سنة 1833، وهي تقنية تتماشى مع خطه الغرائبي ولكن الرمزي في نفس الآن. فلربما مازال الطريق طويلا أمام الإنساينة لتحقيق الحرية والعدالة.

لعل الروائي حازم كمال الدين يسائل على لسان داليا رشدي الراوية والبطلة واقع المجتمعات الذكورية حيث الرجل حاكما ومحكوما عبيد نرجسيته الجنسية وأهواءه الشاذة. هكذا يضعنا سرد مروج جهنم أمام مشاهد صراع ومعارك رملية وفراشية، تلتقي لتجعلنا أمام رواية رمزية بامتياز ساخرة من المعارك المفتعلة التي لا تبقي على شيء سوى الدمار. مثلما هي معارك العقيد على فراش البطلة التي لاتنتج ولادة بل سوى موتا مؤجلا.  هكذا تصبح الحروب مصيرا محتوما بفعل التمويه الإعلامي واللعب بعقول الشعب لتقبل ضراوة المعارك والخسائر البشرية والمادية.

مروج جهنم  نص يضعنا أما تقنيات عالية في الكتابة تلغي الحدود بين السرد الروائي والركح المسرحي  وفانتازيا الحكواتي، وهو أمر ليس بغريب عن كاتب هو بالأساس رجل مسرح يتقن جيدا تقنيات الإخراج المسرحي. فحازم كمال الدين يشتغل على تقنيات المسرح منذ أكثر من ثلاثين سنة حيث حاز جوائز هامة تشهد له بمستواه الرفيع في مجال المسرح على المستوى العالمي.

استخدم الكاتب أيضا تقنية التناص وهي تقنية تستدعي نصا يتميز بكونه كما تقول الناقدة جوليا كريستيفا: " فضاء متداخل نصيا، وانه مجال لتداخل عدة شفرات، تجد نفسها في علاقة متبادلة وامتصاص لنصوص متعددة ومن تم هدمها"1. وهو ما يتراءى لنا في  رواية مروج جهنم حيث ما فتئت تتكرر عملية التناص عبر مقاطع هامة من نص الرواية، خاصة ما تعلق منها باقتباس من القرآن،  فالنص الماثل أمامنا ما هو إلا نتاج لتداخل نصوص عديدة في ذاكرة الراوية / البطلة .داليا رشدي، وهو ما يوحي بعبقرية خفية استطاع من خلالها الروائي حازم كمال الدين أن يوظف عملية التناص في حبكته الروائية. فهو يستدعي في مقاطع عديدة تعابير قرآنية: "أثناء ذلك رمت الطائرات متراسا بحجارة من سجيل فأحالته عصفا مأكولا وحلقت من جديد بمحاذاة سقف الغرفة"2 .

تختزن ذاكرة حازم كمال الدين صورا متعددة عن الحروب والدمار والقتل والإغتصابات السياسية والجسدية والفكرية التي عانى وما يزال يعاني منها العراق وطن الكاتب المختزن بالذاكرة حيث يعيش منفاه الاضطراري منذ أكثر من ثلاثين سنة. وفي روايته مروج جهنم يتراء لنا هذا الواقع المؤلم بشكل غرائبي وفانتازي من خلال وصف عملية الولادة وما يتبعها من وأد للفتيات المولودات حديثا وهي رمزية عالية من الروائي توحي بأن الثورات تجهض في مهدها. وفي المقابل يدفع العقيد وجنوده بالأطفال الذكور إلى جبهات القتال منذ ولادتهم. وأد المولودات يوحي أيضا إلى أن واقع حقوق المرأة العربية مجهضة منذ انبثاقها، فهي ما تزال تحت رحمة العقلية الذكورية في شتى المجالات الأدبية، الفكرية والاجتماعية والسياسية بل والوجودية أيضا.

ولعل اعتماد الروائي على الحكي على لسان السارد الأنثوي ينم على مجاراة ما أصبح يعرف بالكتابة الأنثوية أو رد الاعتبار لأول ساردة في التاريخ الأدبي النسائي شهرزاد، وهو أيضا التفاتة ذكية من الكاتب لرد الاعتبار للسرد الأنثوي ضمن السرديات العربية.  هكذا يصر الروائي حازم كمال الدين على منح داليا رشدي في كباريهت وداليا رشدي في مروج جهنم، صوتا مسموعا ومحوريا في السردين انسجاما مع رؤيته المستقبلية التي ربما تأتي بمستقبل مغاير على يد المرأة.

من التيمات الجديدة التي وظفها الكاتب حازم كمال الدين كما هو دأبه  البحث عن التقنيات الجديدة والمواضيع الآنية، يتعلق الأمر بظاهرة جهاد النكاح حيث تضعنا الرواية وعلى لسان البطلة والراوية داليا رشدي.

في مروج جهنم ينفتح النص على أحداث غرائبية ويطرح أسئلة تستعصي على كل الإجابات الممكنة والمستحيلة، فالكاتب لا يرنو إلى البحث عن الحلول والتفسيرات الجاهزة، بل يروم إشراك القارئ في عملية الحكي من خلال إعمال فكره من اجل البدائل الممكنة لأنها ليست من مهام المبدع الكاتب.

مروج جهنم أخيرا هو نص غني بإشارات ذكية لكل ما يمت للواقع المعاش في القرن 21 رغم تمويه من الكاتب في نهاية النص بذكر سنة 1833 ، فإضافة لجهاد النكاح، هناك النفاق السياسي المستشري في العديد من الأنظمة الديكتاتورية:" "كلمة الاشتراكي" العقائدية اخترت لها هذا المعنى: " دحرج كذبة صغيرة وكررها حتى يصدقها الناس""  . فإذا كان حازم كمال الدين في روايته كباريهت قد كفر بالشرق والغرب معا باعتبارهما وجهان لعملة واحدة ألا وهي الاستبداد، فإنه هنا وعلى لسان الراوية داليا رشدي يدين الواقع المعاش ويحيلنا بأنه لا يختلف عن واقع العبودية في زمن مضى ولم ينته  رغم صدور  قانون يمنع الرق في ابريطانيا  سنة 1833.

 

د. فاطمة واياو

ادنبرة 10 فبراير 2019

........................

  علم النص جوليا كريستيفا، ترجمة فريد الزاهي دار تبقال / المغرب 1991 ص 78 ، 79

  حازم كمال الدين رواية مروج جهنم، ص 55

 

 

 

 

رحيم زاير الغانمحين يشرع القارئ في تأويل نص ما، فأن عليه الكشف عن شفرات في العالم/ النص الحقيقي، ليتمكن من تفسيره، فلا نص خيالي من دون نص حقيقي، يضاهيه في الأهمية ويزيد عليه في سعة الدلالة على اعتبار ان النصين يسبحان في فلك الخيال والطبيعة، وما من نص خيالي بلا شفرات يمكن للقارئ ملاحقتها كي يصل إلى تأويل للمعنى، وإلا كيف يمكننا من إنتاج معنى جديد، يحاكي الواقع، وهذا لا يمنع من ان (يكون النص عالما مفتوحا حين يستطيع المؤول اكتشاف ما لا يحصى من الترابطات) بحسب امبرتو ايكو/ (التأويل والتأويل المفرط)، وقد يذهب الكثيرون من إمكانية اقتناص المعنى، متخذين من الإفراط في تأويل النص ذريعة من تحقيق الفهم المطابق للمعنى الذي أراده الناص، وقد ينشغل البعض كثيرا في قراءة النص  كي يصل إلى تأويل ما، وقد يصطدم  ان ليس هناك تأويلا نهائيا مادامت السطور تشي بالكثير من التأويلات، فمن يدرك ما جاشت به الصدور، ولم تحقق ما ذهبت إليه، فالشاعر قد يشرع بإنشاء نص، بحسب ثيمة اعد لها العدة لكن في لحظات الإبداع الشعري تنحرف بوصلته الخيال إلى إنشاء نص مغاير لما أراد، فما بالك بتأويل القارئ، هل يمكنه أدراك تأثير هكذا تعرجات وزحافات الثيم لصالح أخرى، لذا من الضروري الإقبال على النص الشعري من دون حكم قبلي، متخذين من الشفرات والعلامات الدالة في العالم الحقيقي متكأ، من اجل إنتاج معنى يتطابق إلى حد كبير مع المعنى الذي قصده الباث، لذا سنعمد في هذه الدراسة المقتضبة إلى تناول مجموعة الشاعر عمر السراي( دراجة هوائية)، في ضوء ثيمة السواد وما ينتج عنها من رفض وإدانة لواقع معاش، وفي هذا فرز حقيقي للقسوة التي يفرضها العالم على النص.

(تعالي.. لأكتب لك على السبورة حكمة اليوم بالطباشير.. أجل..

بالطباشير فهو آخر ما تبقى من حلم زمن أبيض..)

ان تأويل النص الشعري لا يتحقق إلا  بالوصول إلى فك شفرات تنتمي إلى العالم الكبير على اعتبار ان النص الشعري هو العالم الصغير، إذا اعتبرنا ان النص (يتأسس على تشخيص علاقات التعاطف التي تصل الكون الصغير بالكون الكبير) ايكو، هذا من جانب ومن جانب آخر، يجب على القارئ ان ينفذ لفهم المعنى الذي قصده الشاعر وان قصرت الرؤية عن الوصول إليه تذهب إلى إنتاج معنى جديد فالنص الشعري وعبر سطوره يشي بتأويلات لا حصر لها، وهذا بالضبط ما نجده في المقطع الانف، إذ نلمح ترابط النص بالعالم عبر الكتابة والقراءة فالنص عالم صغير مكتوب ومقروء والعالم الحقيقي كذلك، عبر أحداثه المختلفة، الأحداث السوداء التي أغلقت آفاق المعرفة والتفاؤل والأمل، حتى ضاق بنا الأفق  لنركن إلى بياض الطباشير، قبالة كل هذا السواد الذي اتسخت به أيامنا، يا ترى ماذا سنكتب، غير كلمات تُمسح في الدرس القادم بعد أول فرصة للراحة من هذا العناء، وان أتى الدرس الذي يليه هل نكتب عن واقعنا درسا ابيض؟، أو لنقل دروسا بيضاء، هل تفي لمواجهة سواد عالم حالك؟!

(مدينتنا. . التي يوِّزع فيها وكيل التموين كل شهر طمغةً سوداء

على جبهات رجالها.. /مدينتا.. التي تقطع الشارع كل وفاة أحدهم.. وكل موكب ..

/أو حسب المزاج.. )

لا نحتاج إلى الإفراط في التأويل مادام قد تحقق لنا كشفا للمعنى الذي ذهب إليه النص، والذي قد ينتج عنه تطابقا بين المعنيين، إلا انه سينتج معان عدة، فالنص لا يقف عند معنى ما، وما ثيمة السواد، الطاغية على المدينة إلا علامة دالة على الجوع والحزن والكمد مثل وكيل التمويل، إيقونة الشبع المتخيل، الذي لايرعوي عن ترك بصمة السواد التي لا تفارق جبهات الرجال (طمغة سوداء)، وشوارع سوداء كذلك، فهي لا تفتح يوما إلا وتقطع لأيام عدة،  لكثرة النافقين من الجوع، ولا خلاف على المواكب المرفهة التي تواصل تقطيع أوصال المدينة أو حسب المزاج وفي هذا تكريس للسخط الذي يقف أمامه الشاعر موقف الرفض والإدانة لواقع مرير، واقع المدينة والإنسان في أيامنا وفي هذا الالتصاق بالواقع، كشف لقسوة عالمنا الكبير، إذ لم يبالغ العالم الصغير/ النص/ المدون، فهو مرآة عاكسة للواقع المرّ.

(بأني وان صليت خمسا../ سأحافظ على تقليدي الأوسط../ بأن أئدك متى ما أشاء../ فلا تسألي../ بأي ذنب قتلت..!)

على القارئ إلا يعتمد قراءة أولى وثانية فحسب بل يجب ان يحسن قراءة النص الزاخر بالمعنى، فهكذا نصوص تحقق له حسن الوقوف على الكلم الدال، فكلما أعاد القراءة كلما اثري بالفهم، ولا يتحقق له ذلك، ما لم يوسع أفق التوقع ليتم له كشف الترابطات العظيمة بين النص والعالم (ومن يدعي اكتشاف المعنى المزعوم يكون على يقين من أنه ليس المعنى الحقيقي حيث يكون ذلك الأخير هو الأبعد) ايكو، في قراءة فاحصة للنص، نجد الموقف من حكم ألما قبل حاضرا وبقوة بعدما كان اليقين بأنه ولى لغير رجعة في كسر لجمود التوقع، نعم هو إنتاج لمعنى جديد أسس بأثر جاهلي، أنتج لنا سوادا بأثر فكري رسخته عادات و تقاليد متأصلة في البنية المجتمعية، وما شعارات حقوق الإنسان التي صدّعت رأس العالم، إلا مواء قط صغير، لم يرتقِ إلى مستوى الافتراس الحاصل عبر سواد التجهيل، وفي هذا إدانة ورفض جليين للواقع المعاش.

 

رحيم زاير الغانم

 

685 حسين السكاففي “المصهر” الخاص بوزارة الثقافة، في بلدٍ لم يعلن عنه الكاتب صراحة، تمّت صناعة التمثال الزائف، بخليط من إكسسوارات رمزية، من بقايا آثار عدد كبير من ضحايا الجريمة المنظمة، يتم سكب المواد التي جرى صهرها على المجسم الطيني للتمثال المنشود، ليصنع التمثال الحقيقي- الزائف، للرجل الذي نفّذ أبشع عمليات القتل، بأسلحة وأدوات مختلفة. وبعد ذلك يُقام احتفال مهيب أمام أهمّ المباني الحكومية في العاصمة، لتثبيت التمثال، بعد أن يقوم رئيس الجمهورية شخصيًا برفع الستار عنه، الذي يعود للبطل “مرهون عيسى الصاحب” الذي قام، حسب الرواية الرسمية للسلطة، بالتضحية بحياته، ليفدي بها أرواح عشرات الأطفال من “إرهابيّ” كان يستعد لتفجير نفسه، وسط حشد من الأطفال لحظة خروجهم من المدرسة، وهي رواية ملفقة لأن “مرهون” صانع الجرائم، وصاحب التمثال، رحل إلى بلد أوروبي مجهول، متمتعًا بثروات هائلة في البنوك العالمية.

في روايته "وجوه لتمثال زائف" يأخذنا الروائي العراقي حسين السكاف، في السرد الذي أتى على أحداث دراماتيكية، لبلدٍ حولته التطورات السياسية إلى خراب، ليس للعمران فحسب، بل للنفوس أيضًا؛ ليطلعنا، بسرد مخطط له بجدارة فنية عالية، على كيفية إنتاج الجريمة في بلدٍ طاوله الخراب العميم. فالشخصية الرئيسية للرواية واحدة من تلك النماذج الآدمية التي غمرها الخراب الاجتماعي والنفسي، فأصبحت حياتها رهنًا لشبكة سرية معقدة ومخيفة، تخطط وتأمر بالقتل والتفجير والاختطاف. واسم “مرهون” تتكثف فيه الدلالات العميقة لآليات إنتاج البشر كأدوات، مرتهنة بيد السلطة، يستخدمونها كيف يشاؤون.

ترك المؤلف الفضاء المكاني للأحداث الروائية، البلد-الدولة، أسماء المدن، واسم عاصمة البلد، دون تحديد معلن ومباشر، وهذا ما يجعل قارئ الرواية يتخيل مقاربة أخرى للمكان الذي جرت فيه الكوارث والجرائم الوحشية. فهناك أكثر من بلد عربي تعرض للدمار والخراب، ومعهما التضليل والكذب، الذي تمارسه السلطات المسؤولة، لإخفاء الفاعل الحقيقي وراء الجريمة والكارثة.

في سرده للأحداث، نجح السكاف في تفكيك بنية الجريمة السياسية، ومكامن رجالاتها الحقيقيين الذين استسهلوا إخفاء ارتكاباتهم الوحشية المروعة، بإلقاء المسؤولية عنها، دائمًا، على ما يُدعى “الإرهاب” والمنظمات “الإرهابية”، ليكتشف القارئ أن المصدر الأول والأخطر للجرائم الإرهابية، على اختلاف أساليبها وأدواتها، يوجد هناك: حيث يختبئ “الكبار” خلف صفاتهم الرسمية ومراتبهم العسكرية والأمنية العليا.

لم يصعد هؤلاء الكبار إلى رتبهم “العسكرية العليا” بشكل طبيعي، ووفق أنظمة أو قوانين تعتمدها جيوش الدول. فهذا يصبح لواءً وذاك عقيدًا، ليكونا أداة طيعة بيد صاحب القرار، ومؤهلاتهم هي الاستعداد لتنفيذ الجرائم التي يكلفهم بها صاحب القرار في “الدولة العميقة”. فـ مرهون نفسه، الذي “أبدع” في دقة تنفيذ عدد كبير من عمليات الاغتيال والتفجير والاختطاف، وقع بين مخالب عصابة “الدولة العميقة” مقابل الحفاظ على حياته، وذلك بتبرئته من عدد من السرقات وعمليات القتل، الثابتة عليه، ليصبح قاتلًا ناجحًا وبارعًا، بوظيفة ضابط برتبة لواء، يعمل خلف ستار مؤسسة رسمية، لا علاقة لها بالجيش ومراتبه المتسلسلة.

المفارقة التي تُطلعنا عليها الرواية أن يطلق على الجهة التي تُدار خلف ستارها عمليات الإرهاب، اسم: “المؤسسة العامة للثقافة والنشر”، ولا علاقة لها على الإطلاق بوزارة الثقافة، ولم تقدم أي إنتاج ثقافي، ومديرها المباشر هو “مرهون”، أما تابعيتها السرية فتعود لوكيل وزارة الداخلية، لكنه أهم من وزير الداخلية، الذي لم نرَ له أي دور في أحداث الرواية.

شبكة معقدة ومترابطة، من دون أن يعرف العاملون بإمرة الكبار فيها شيئًا عن حقيقتها، فقط مرهون هو الذي يعرف أسرار تلك الشبكة، ورجالاتها، فتحت إمرتها أطباء ينفذون عمليات الاتجار بأعضاء جثث الضحايا، بعد قتلهم بالسم أو بالرصاص أو بعبوة ناسفة. وتحت تصرفه خلايا متعددة تنفذ الأوامر بالقتل والتفجير، وتعمل كل على حدة، يربط كل واحدة منها خيط سري دقيق مع مرهون ومعاونيه. وفوق كل ذلك، ينجح مرهون، بعد أخذ موافقة “الوكيل- الوزير”، بشراء ورشات تقوم بتحضير السيارات المفخخة، وتحويلها، مع عدد من العاملين فيها، إلى أدوات بيده، وبإشراف مرهون “البطل الإرهابي” الذي يتمتع بذكاء خارق في تنفيذ مخططات الاغتيال والقتل والتفخيخ والتفجير. أما الورشات التي فشلوا في شرائها، لتعمل لحسابهم، فقد قاموا بتدميرها والقضاء عليها.

بعد كل تفجير أو جريمة قتل، كما هي حالة الشبكات السرية في “الدولة العميقة”، تقوم المؤسسة الإعلامية الرسمية بإذاعة الخبر وشجبه وإدانة مرتكبيه، وإلقاء المسؤولية فيه على “الجماعات الإرهابية”، مع نعي للضحايا، ومشاركة مسؤولين في الدولة في عملية تشييعهم.

وأظن أن كل قارئ للرواية، وهو يتنقل بين صفحاتها المزدحمة بالأحداث الرهيبة، يحيل أحداثها إلى ما تعرضت له سورية خلال الثماني سنوات الماضية، ذات الأحداث وبأدوات متشابهة ونتائج واحدة، تعرضت لها الجغرافيا السورية، فكانت أبشع عمليات البطش والإرهاب، ومن داخل “الدولة العميقة” تدار ويخطط لها. ولا يغير من هذا الاستنتاج بعض الإشارات داخل الرواية، إلى أن الفضاء المكاني الواسع للرواية –البلد- الدولة، هو العراق بعد 2003، إثر سقوط سلطة الدكتاتور.

في هذه الرواية يعمد المؤلف إلى تحرير القارئ من أوهامه، كما هي العادة التي تؤسسها الدعايات الاستخبارية، بإبقاء شخصية “الرئيس” بمنأى عن أي اتهام في الارتكابات والجرائم التي تجري في البلاد، فيقدم لنا “الرئيس” شخصيًا في قفص الاتهام، وبإدانة موصوفة. فهو “الرئيس” يطلب من “الوكيل- الوزير” رجلًا موثوقًا وجديرًا لعمل ما لمصلحته شخصيًا، ويتم ترشيح “مرهون” لذلك العمل، الذي هو اغتيال صديق قديم للرئيس، يقوم بكتابة مذكراته، وإحضار تلك المذكرات ليد الرئيس شخصيًا، وينفذ مرهون عملية القتل بنجاح، ويستولي على المذكرات ويرسلها إلى الرئيس، بعد أن يمحي أي أثر لها في جهاز الكمبيوتر الخاص بالضحية، وينضد على الكمبيوتر الخاص بالضحية بيان انتحار الضحية، وتعلنه الجهات الرسمية. الضحية الهدف التي أمر بقتلها الرئيس، يصفها مرهون بالصدق والوعي والبحث عن الحقيقة.

على الرغم من التوتر الذي يصيب القارئ من فظاعة الأحداث الدراماتيكية، المؤلمة والقاسية، فإن الكاتب استطاع، بتماسك السرد في الرواية، أن ينتزع رغبة القارئ في المتابعة، مدفوعًا بفضول معرفة الحقائق الكاملة لعالم الرواية الصاخب والمؤثر، وبعد الانتهاء منها سيجد نفسه مضطرًا إلى إعادة النظر في الأحداث العملية الواقعية التي جرت وتجري في البلاد. وربما يعيد النظر في المتهمين، ليكتشف الفاعلين الحقيقيين للفظائع الوحشية التي أغرقت البلاد بالدم والخراب.

 

بقلم: مصطفى الولي – كاتب وناقد فلسطيني مقيم في ألمانيا

 

رحيم زاير الغانممجموعة جدارية النهرين أنموذجا.. مقاربة تأويلية

يُؤسس شلايرماخر الهيرمينوطيقا على قاعدة أخرى مناقضة للأولى : أننا (لا نفهم أي شيء ما دمنا لم نمسك بمعناه أو لم ندرك أهميته بعد. وحسب القاعدة الثانية فأن التأويل يغدو مهمة غير منتهية)*، لذا يجب إدراك أنَّ فهم النص الشعري لا يقف عند معنى محدد بل هو مفتوح على عديد التأويلات، وهذا يتجلى بحسب فهم المؤول، ففي التأويل يخضع النص الشعري لقراءة واعية يوجهها الفهم وصولا  لتطابق الرؤى ما بين القارئ والمؤلف ومعطيات النص ذاته، لذا يجدر بنا وضع المجس النقدي على النص الإبداعي، اخذين بنظر الاعتبار ما اكتنفه من تأثيرات خارجية أو داخلية أحاطت بالمبدع، فلا خوض في التجربة الشعرية لشاعر ما من دون التنبه إلى تلك التأثيرات التي تشكل بمجملها مع الموهبة الشعرية نصا إبداعيا، معتمدين (مبدأ سوء الفهم) أي تجنب الأحكام القبلية التي يتم إطلاقها على النص الشعري ابتداءً، مهما كان نوعها والجدير بنا محاكمة النص نفسه، لذا يعدُّ سوء الفهم هو الواعز الحقيقي للوصول إلى  فهم النص وصولا للمعنى الذي أراده الشاعر، فهما في محايثة دائمة، وأن حدث وتجلّى كشفا جديدا للمعنى فلا ضير لو تم تبديل الحكم القبلي الذي سبقه، متداركين الترهل الذي قد يلقيه التفسير الحرفي، الذي قد يقصي بدوره  الكثير من المعطيات عن دائرة الفهم للنص، لكي لا يُلقي بضلاله على إيهام المتلقي/البسيط، فمن المفيد أن نجرد النص من الرموز التي يحدثها النقل الحرفي للنص الشعري، عبر فكِّ هذه الرموز وتخليصه مما قد يعلق في ذهنه لكي لا يحول بينه وبين الفهم الحقيقي، وهذه مهمة القارئ الخبير، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن التأويل وحسب شلايرماخر مهمة غير منتهية، وهذا مثار خلاف بيِّن مع دريدا/ التفكيكية، الذي لايسع المجال للخوض فيه، لذا سيتم تناول مجموعة (جدارية النهرين)* للشاعر كاظم الحجاج، بحسب ما سبق من الرؤى، مشددين على المعطى الدلالي لثيمتي الحرب والموت، وما يتشظى عنهما من ثيم،  كاشفين عن تقلب صورتيهما في اغتيال الحياة سواء أكان من خلال آلة الموت/الحرب أو التسلط/ الإقصاء.

لكي تعرف المدينة، أنظرْ في وجهيها معاً، وجهها

الذي كانَ، ووجهها الآن. وأنت لن تعرف المدينة إلا

من أهلها: زوجتي وأنا!. ص221

من خلال نظرة متأملة للنص، قد يبدو التأويل مهمة غير منتهية ولذا يجب علينا إيجاد تأويلا/ فهما، مطابقا لما ذهب إليه النص والمؤلف في آن واحد، فالنص يشي بانفتاح على المعني/ المواطن/ المنتمي وغير المعني/ الوافد/ الغريب على حدٍ سواء، وعلى تقلبات المدينة من خلال تعرضها للتغيير الذي لم ينصب في صالحها بحسب معطى التغيير، فالمدينة وقعت تحت طائلين، الأول: التغيير البشري/ الديمغرافي، والثاني تقدمها بالسن، فكل ما حول الرائي في هرم، فالموت، لما يبدو عليه أهلها(زوجتي وأنا)، وهذا بحد ذاته علامة شاخصة لشيخوخة المدينة، فلن ترفدَنا بمواليد لتديم الحياة، أو على أقل تقدير هي في انحسار فالمدينة في إجهاض مستمر، وبهذا تترك فرصة لاستحواذ الآخر/ غير المنتمي، مع عجزها التام للمبادرة لِتُحيل دون تقويضها، وهذا بحد ذاته انعكاس حقيقي لما تشهده المدن في وقتنا الحاضر، والأمر شائع حتى أنَّ يده طالت كبريات المدن .

أتركوا توبة الناس للناس، لا تقتلوا الخاطئين!

كانت (رابعة العدوية) راقصةً... أو أكثر!

لكنْ: لم يقتلها أحدٌ، حتى امتد بها العمرُ.

فصارت.. (عذراء البصرة!).. ص222

أنَّ الخوض في هذا النص الشعري، يفرض علينا ترك مساحة واسعة للتدبر وإبداء الاستغراق العالي لفهم مقاصده النبيلة، مستفيدين من جملة المعطيات التي تم بثها، لما فيه من الدعوة للتسامح وفسح المجال للآخر، من أجل استثمار فرص التلاقي، فالجميع يعيش في كنف المدينة / الوطن، إذا هي دعوة لتجنب القتل الغير مبرر، الذي جلب تدهور وانحطاط المدن/ الأوطان، وهذه دلالة واضحة عن الذي ملك مفاتيح اللعبة ولم يدحرج كرة المحبة في ملعبها الفسيح، وما افرزه من تسلط عقول بليدة لا تميز بين ماهية الخلق أو حكمة السماء، فنحن لا نسكن في مدن فاضلة، أو تحت حكم رشيد، أو على أقل تقدير نحن لسنا في مدينة/ وطن، تتمتع بمزاج وتوجه فكري بلون واحد، كي يُقصى الآخر أو تعلق له أعواد المشانق/ الموت، على عجالة، كإطلاق الأحكام جزافا، فرابعة العدوية كانت راقصة، وقيل عنها الكثير، ( لكنْ: لم يقتلها أحدٌ، حتى امتد بها العمرُ)، فالحياة أم واهبة صبورة تهبُ الكثير، ولا تسترد عطاياها جملة واحدة، تتحلى بالصفح لمن خرق المألوف من شرائعها، حبلُها طويل، لكنَّها لم تشده يوما، ولم تُرخيه ليتوتر على رقاب أبنائها الطرية.

قد ينطفئ العراقيون هنا يوماً:

في سومرَ وبابلَ وآشورَ و..البصرة..

وقد لا يجدون مصباح (أديسون).

لكنَنهم يُضيئون، مثل الشمسِ، هناك..في المنافي! ص236

لا يمكننا فهم النص الشعري ما لم نمسك بالمعنى، ولذا نجد أنفسنا مُلزمين على تأمل النص وهو يفتح نافذة على تنوع السكان القاطنين في الوطن، فالتنوع يشمل المدن جميعها، لكن هذا التنوع لم يشفع لوحدة أبنائه، فلم يبصرْ نور عقولهم، ولو بمصباح، فالغرباء ظلاميون طاردون  للنور بامتياز، أنَّ الإقصاء الأعمى الذي حال والبصيرة أهدر الطاقات، فالانطفاء للعراقيين، وأن حقق هدفه في إفشاء  ثقافة القنوط/ الكسل، لكنه يبدو سمة وقتية يتحقق زوالها، بتحقق المنافي/ البيئة الآمنة للإبداع بشتى أنواعه عموما، والإبداعي العلمي النوعي خاصة، وهذا بحد ذاته أزمة، فالمنافي هنا حققت موت الوطن، في مقابل إنارة العقول بوطن بديل.

ليست الجسور معابرنا فوق الأنهارِ

أقولُ لأولادي القناطر والجسورُ كرامةُ الماء،

كي لا تدوسَهُ الأرجل! ص238

من خلال معطيات النص الشعري نجد لزاما علينا الكشف عن مكنوناته العميقة، ويتحققُ ذلك بالقراءة الفاحصة، من أجل الولوج إلى معناه وصولا للفهم الحقيقي لرؤى الشاعر التي تمَّ بثها فيه، وهذا يأتي من القدسية التي أحيطت بالنص، فالمدينة التي قد تعرضت للتقويض من جهة، والأبناء الذين علقُوا في هامشها من جهة أخرى، مازال يُضفى عليها قداسة من نوع خاص، قداسة الماء، رمز النماء والطهر والتجدد والأمل، فهو المعول عليه، لذا يكون حريّاً بأبنائه الحؤول دون تدنيسه، من الأرجل التي أريد لها إلا تدوس/ تدنس الماء، وهي طرف فاعل ضمن منظومة المُستبيح الذي علَّقت يده أعواد المشانق/ الموت، أما أرجل الأبناء هي أطراف من صنع الماء ذاته/ الامتداد الطبيعي لتتمة دورة الحياة، منه ارتوت ومنه تدبُّ فيها الحياة، فلا حراجة ان يُلامس الماءَ بعضُهُ بعضاً .

أرض السواد:

الأمهات على السواتر، ينتظرنَ إجازة الأبناء،

من يأتي .. ومن (يُؤتى به!)

أرضُ السواد.

في الحروب: الجنين تكيفه الأم خوفا عليه،

ليخرج.. أنثى! ص240

أن إخضاع النص الشعري لقراءة فاحصة، يُعدّ من ضرورات الفهم الذي يوصلنا إلى ادراك المعنى الذي أنشئ لأجله النص الشعري، فالقصدية حاضرة من خلال قصدية  المؤلف و النص ذاته في وقت واحد، لذا يتوجب على القارئ الخبير فهم المعنى المراد تأويله، أنَّ فرز معطى انقراض النوع، وهذا يبدو جليا من خلال ثيمتي (الحرب/ السواتر) و (الخوف/ الموت)، نجد انحراف المعطى الدلالي لبنية، (أرض السواد)، من كونها معطى متعين إلى انحراف دلالتها، لتشكل معطى غير متعين، فلم نجد دلالة الوفرة و فيوض الخيرات، بل انصرفت إلى دلالة اللون الأسود تحديدا، دلالة الشؤم المشوب بالفناء/ الموت، للموجودات، -وكما نعلم أنَّ ارض السواد سمة لخيرات أرض العراق ممثلة بكثافة حقولها وبساتينها، التي كانت ممتدة من البصرة إلى بغداد، إلا إننا نجدها اليوم لا ترتقي إلى أكثر من كونها أرضا للسواتر، وترقب لأنباء الموت وانقراض النوع، فالأمهات تحرص على تكييف الذكور من أبنائها وهي أجنة لكي يخرج المولود أنثى، وهذا بحد ذاته خسران مجاني يهبه الخوف/ الموت/ الحرب للآخر بقسميه في تشاكل مريب، الغرباء/ غير المنتمين، والأعداء/ المحتلين.

رغم أنف السواد:

تغسلُ الفاتنات الخدودْ

كي يصيرَ الصباح نظيفاً..

والعمر قصيرٌ.. ص243

أن نظرة للنص الشعري تفتح افقأ لفهم واعٍ للفجيعة التي حلَّت على الرؤوس وان بدا  التحدي بيّن لإدانة الحرب، وما التفريط بطرف فاعل للديمومة/الذكر إلا دليل جلي لذلك (رغم أنف السواد:/ تغسلُ الفاتنات الخدودْ)، فالموت والنكبات; سواد قابع على الأرض/ المباني والبشر/ الزَّي، فالسواد/ الموت،حقيقة ماثلة لا تقبل الشك، ونهاية حتمية، لقصر العمر الذي يعدُّ علامة الشروع لختام، أريد له أن يكون نظيفاً نوعا ما، في إحكام لقبضة السواد/ الموت الذي طال بأذرعه المدن/ الوطن، وفي هذا توافق للموت الذي يعدُّ هنا مجانيا هذه المرة، فالمدن/ الوطن خالية من الذكور والإناث/ الفاتنات، بعمرٍ قصير، وبهذا يضحى الوطنُ خالياً تماما من عناصر الديمومة والبقاء وما استهداف النوع البشري بجنسيه إلا علامة شاخصة لذلك الاستهداف.

في الحروب بأرض السوادْ:

تدفن الأمهاتُ بنينهنَّ

والجدُّ يرثي الحفيد. ص243

أنَّ القراءة المتأملة والفاحصة للنص الشعري تكشف لنا الفهم الحقيقي للمعنى الذي تم بثَّه من خلال ُبنى متجاورة بنية (الحرب/ السواد/ الموت، وبنية (الرثاء/ الفقد)، اللواتي أهلنَ المدن/ الوطن، إلى النهاية الحتمية له وللقاطنين في هذه المدن/ الوطن، فالحرب جعلت من المدن ساحة  مفتوحة للموت، بلاعبينَ لا يعيرون لها أي اعتبار أصول/ انتماء/ تاريخي، أو كوجود/ حاضر، فالأول غريب-وهنا يتجسد شعوره بالغربة فيها، لعدم إدراكه ماهية المدن- فهو صاحب مشروع التغيير الديمغرافي، والثاني، عدو/ محتل غاشم، والحرب هذه المرة كانت سخية كعادتها فلم تترك من البشر الأحياء إلا أمَّاً ثكلى أو جَدا يرثي الحفيد، والشبيبة تحت الثرى، ليأتي معطى موت البنين هنا متجاورا مع معطى قصر عمر الفاتنات، في نص سبق ذكره في ص243، (والعمر قصيرٌ..)، في إطباق كامل على صفحة الحياة تحت ظلّ الحرب الدائرة في المدن غير مكترثة لما مما تحمله هذه المدن من قدسية ساكنيها، أو قدسية الفاعلية والإقبال على الحياة.

لا مجد للخفاش إلا في الظلام

والنوارس تخسرُ ألوانها

إذ تَحوّم  حول الشراع ص244

ان للنص إستراتيجيته الخاصة به في الكشف عن مضامين ومعطيات عدة، فالنص يوجه خطابه للغرباء/ الهوامش، الذين طرأوا في غفلة من الزمن على المدينة/ الوطن، عندما صارت تشتكي العتمة- البيئة المناسبة لممارسة رغباتهم المريضة-، وما دلالة حوم النوارس حول الأشرعة إلا دلالة واضحة لهجرة الأبناء الأصليين من مدنهم/ الأوطان، وهي فرصة سانحة للاستحواذ عليها وضمها في أتون الظلمة/السواد، لأجل ممارسة الفعل الاقصائي، وما خسارة النوارس لألوانها إلا إشارة دالة على تغيير ملامح نقاء المدن وشفافيتها ونضارتها، فالنوارس كما المدن، في مركب الخسران/ النأي، بدلالة حوم النوارس/ الأبناء، حول الشراع/ المنفى  .

نحنُ لم نشتكِ البرد والحرّا

نحن لم ندخل الحربَ بعدُ

ولسنا الذين هُزمنا.. الخليفة فرّا! ص245

أن اعتماد القراءة الواعية لاشتغال النص الشعري تجعلنا في مرحلة فهم المعنى من خلال العمل ( بمبدأ سوء الفهم) وهذا ما جرى العمل به مع النصوص السالفة، فهو قطعا ليس محايدة النص وإنما تجنب الحكم القبلي مع الانحياز الدائم لرأي القارئ، في معادلة محكمة لتجنب الوقوع في اللبس، من خلال الوقوف على مدركات الوهن بين المدينة/ الوطن، والأبناء/ المنفيون، وهنا في هذا النص الأخير تحديدا نجد البون بدا شاسعا، فوشائج الانتماء قد أفلت واضمحلت، إلى الحد الذي أحدث شرخا في صف الانتماء/ المواطنة، حتى من أبنائها الأصليين، فالمدن التي احتلت من الغرباء وصار مقاليد حكمها بأيديهم، وما ما مورس في حقِّهم من إقصاء، حال دون تواصل الأبناء/ المواطنين معها، وحال كذلك دون رؤية الخطر الداهم، لذا نجد عدم الدخول باتون الحرب إشارة واضحة لفكِّ عَقْدِ الانتماء، (نحن لم ندخل الحربَ بعدُ)، وهذا خير دليل على التوجه الجديد الذي أنتجه الشعور بالإقصاء/ العزل، حتى في مواجهة الفناء/ الموت الذي يترتب على الموقف،  كما يمكننا عّده إدانة صريحة للسلطة، متماهيا مع ما سبق من إدانة للحرب، ان إلقاء تهمة الانهزام تقع على عاتق الآخر/ الخليفة / المهيمن، علما أن المهيمن قد يُخوّن من غادر السواتر، إلى المنافي، وقد يأتي المنفي/ المهمش، مُحملا بأفكار غير متوقعة هذه المرة، وكأن الحرب تقع على أرض لا تمت للسكان الأصليين بصلة، أهل المدن/ الوطن، (ولسنا الذين هُزمنا.. الخليفة فرّا! )، أعلنوا الهزيمة هكذا في غفلةٍ عما يدور على ارض الواقع، غير مكترثين عن كون الجميع في مركب الخسران، أنْ استمر هذا الحال، شاءوا أم أبوا.

 

رحيم زاير الغانم

........................

الهوامش:

* من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة، عبد الكريم شرفي منشورات الاختلاف-الجزائر،ط1 ص26

* الأعمال الشعرية، كاظم الحجاج، دار سطور-بغداد،ط1

 

جمعة عبد اللهالشاعر غني عن التعريف في ابداعاته السردية والشعرية، في أمتلاك ناصية الابداع القديرة والمتمكنة في فعلها ومنجزها الابداعي في الجانبين، ويتميز بالسليقة الشعرية، المنسابة بكل تدفق، كاطائر الحبيس حين يفتح باب قفصه، فيطير مجنحناً بفرح حريته، لذا يشعر الشاعر بأنه تنفس الصعداء، من الهم والمعاناة الداخلية ووجدت طريقها الى البوح والكشف، بفعل وخزات الوجع ألالم ووجع المتتراكمة في غليانها في داخل الوجدان ولروح، لذلك وجدت المنفذ والطريق لخروجها، من النار الداخلية الحارقة في الضلوع . انه يمتلك البراعة النافذة في الصياغة والتركيب والتكوين الصورة الشعرية، بعمق التعبير بالمعنى والمضمون، فيتنازعه ويورقه الحب والعشق الصوفي للوطن، وينطلق بجناحيه الشعرية بأسم الوطن، التي تمتلك بفيض من الطوفان لهذا العشق، ينساب في رونقة الشعر الجميل والفخم، في الاداء الشعري، في مكوناته المتألقة، في اللغة والايقاع والنغمة الموسيقة في جرسها الرنان الهادر، التي تتلائم مع الحدث الشعري ورؤيته الفكرية، من اعماق الاحاسيس الصاخبة والمتذمرة من الحالة الوطن المأساوية، من العواصف الصفراء التي بعثرت حبات وخرز الوطن نحو التفتت والخراب، في احتراق حقوله وبيادره . لكنه يشير الاصابع الاتهام الى الذين اجرموا بحق الوطن . انه يتخذ مكونات الواقع مواده الخامية في تعابيره الشعرية، التي تكشف حالة التأزم، التي يعيشها الوطن المفجوع، بالحزن والاسى . وينطلق من عنفوان حبه الجارف للوطن، الذي مازال جراحه تنزف بدون انقطاع . لهذا ينطلق من هذه الدلالات العميقة، في الشكل والمضمون . فهو يمتلك الخيال الشعري الخصب والديناميكي، بالفعل والنطق الشعري، في خلق الصور الشعرية، التي هي انعكاس حقيقي لحالة الوطن المزرية . يصوغها دون كلف وتصنع وتجميل، وانما يضعنا امام حالة حقيقية للوطن، المطعون بالجراح والمعاناة . انه عاشق الوطن بامتياز . لذلك يكشف عن المخالب والانياب التي تنهش جسد الوطن، لتجعله شبح هيكل عظمي جاف ومتيبس . وخطابه الشعري، يحاول ان يوقد شمعة وسط الظلام القاتم . انه يحاول ان يواسي العشاق، بأن يحافظوا على أمانة حبهم للوطن، كما يحافظون على حدقات عيونهم . وبالوطن يكبر الحلم والحب والعشق، مهما كانت جراحه النازفة، يشمخ الحب والعشق به وبغيره يموت ويج، لذا يقف بالمرصاد لمن ساهموا في اغتيال قلب الوطن وبعثرته، ليكون جسداً بلا روح، وهو يدرك ان العشق والحب اقوى من الموت، اقوى من الطغاة والمتاجرين بدم الوطن، اقوى من الاوغاد الذين وضعوا الوطن في سوق المزايدات الدولية للرقيق بسعر زهيد . يكشف ان هؤلاء الاغوال، راهنوا على حرق الوطن وتحويله الى رماد، ليقول لهم بأعلى صوته المدوي .لا خسأتم ايها الطغاة الاوغاد بما فعلتم بالوطن . في تقطيع اوصاله في مسلخكم، مسلخ العهر والتجارة والسمسرة . بكل الصلافة والاستهتار والاستخفاف، فاذا توهموا هؤلاء الكلاب بأنها لبست فروة الاسود، اصبحت اسود، فهو مهزلة المهازل، ماهم إلا ذيول مأجورة . ومهما حاولوا تحويل العراق الى مطحنة الاحزان والنوائب والنحيب بالقهر الاجتماعي والمعاناة . فأن عشق الوطن لم ولن يموت، لابد ان يمزق حجاب الصمت والخنوع والاستسلام . هكذا برعت قصائد الديوان الشعري في مضمونها التعبيري العميق . وهو يوجه خطابه الشعري الى عشاق الوطن ويناديهم ويشد على اياديهم في مواصلة الطريق حتى النهاية، ان يمزقوا ثوب الحزن والدغش والاحتيال . بهذه القوة الشعرية الملتهبة، في معاني دلالاتها العميقة، بالصياغة بطوفان من الاحاسيس والمشاعر، التي فاضت، في تفاعلها الروحي العميق، تجد صداها عند القارئ والمتلقي . لكي يحفزه على الاثارة والفعل، بالشحن العميق بالدفاع عن الوطن المنكوب، بذود عنه من الجراد الوحشي، الذي اهلك البلاد والعباد . ان الديوان الشعري (تباريح الطائر) زاخر بهذا الكم المدهش، في جوانب العشق للوطن، قصائد باذخة بالجمال الشعري . الديون الشعري اشتمل على 42 قصيدة من الشعر العمودي، خرجت من تنور النار العشقي . لنحاول ان نقتطف ثمار بعض القصائد .

1 - قصيدة (مقام العاشق):

حين يبحر العاشق وهو يحمل في جوانح روحه عشقه، المعاناة التي خلقها الزمن والدهر الاسود واللعين، في الوجد والنوى والجوى، ليغلي بناره الحارقه، ليذود عنه بالعشق الصوفي اعماق الروح، لكنه يتلقى الضربات الموجعة من الطعنات التي تشكك في عشقه كما يتذرع به الشامتون، بأنه يؤدي دور المهرج، وان حبه صلف،وقلبه خزف لانهم لم يعرفوا معنى الحب الحقيقي للوطن في حياتهم، وانما تعلموا على المتاجرة بالعواطف، وزيف المواقف وعلى التلون وتغيير الجلود كالحرباء . لا يعرفون معى الوجد ولوعة الالم، والدموع التي تتحجر في الجفون، لذلك يضعون العوائق والعراقيل، في درب الحب للفتى العاشق .

قد تغنى فهاج فيه جوى

واكتوى منه القلب الدنف

عقت الجفن دمعة فجرت

فاذا العاذلون قد عرفوا

ما لهم ينكرون دمعته

ويقولون أنه صلفٌ

عجباً كيف يحكمون إذن

واذا مر ذكره ٌ وجفوا

لحمة كان قلبه ودماً

أيظنون أنه خزف

2 - قصيدة (كل الذين احبهم):

ما اصعب واقسى فراق وبعد الاحبة، وهم يخوضون مغامرة الرحيل الى المجهول، والى (اللاأين) كأنهم اقتلعوا قلبه واخذوه معهم، لذلك يتحرق شوقاً وحنيناً، في عودتهم ورجوعهم، ينتظرهم على عتبة الباب بصبر نافذ، ينتظر طلوع قمرهم في العودة . لذلك يداري جراح الروح بالاغاني، وويواسيها بالمواويل، الحزينة في الوجد وريح الجوى، والسحب والغيوم تتجمع عليه، لتمطر بمطر الحنين في الآهات . انهم يرقدون في جوانح القلب، ويزورونه في الاحلام، لكنه يريد هذه الاحلام ان تتحول الى حقيقة، ان يطلون عليه في عتبة الباب .

كل الذين أحبهم عبروا

وبقيت عند الباب انتظر

عبروا الى اللاأين وابتعدوا

ذهبوا فلا أثر ولا خبر

بيني وبينهمو النوى نزلت

فإذا بنا شطرين تنشطر

آه فتلك الباب معضلة

غلقت إلى أن يأذن السفر

3 - قصيدة (تباريح اطائر):

عسر الشدة لطائر الحب، في المصائب التي تتوالى وتتهالك عليه، في خضم الشدائد التي تفتت وتقطع نياط القلوب والروح، وتضعه في متاهات الحزن والوجع، في آهات تزفر بحريقها الموجع، هكذا جعله العشق صريع الهموم والمعاناة والقهر، الذي ينزف بجراحه . وما اقسى هذه الاحمال الثقلية لطائر الحب الغرير، الذي اتخذ من العشق، حلم وحياة، يتنفس من خلالهما . يحمل كل اسرار الوجع في اعماق روحه، ويتشطر قلبه بعشقه، كالشظايا، التي تتفتت على قارعة الطريق . فهو لا يملك من الدنيا إلا حبه، وهو يساوي الجنة بكاملها . يترنم ويرقص لها بفرح الجريح . اضنانه التعب والارهاق .

رأيت قلوب العاشقين وقد غدت

نثاراً على طول الطريق وعرضه

فلا هو معني بما ودَّ عاشق

ولا عاشق قد هم يوماً ببغضه

فقلت لقلبي لا تزد وساوسي

وحاذر من القوسين لحظة غمضه

تمرس في صيد المجانين بالهوى

فراش غوى والورد رق بروضه

4 - قصيدة (يكفيك ياوطن النوح):

حقاً ان مأساة العراق ليس نهاية، بل تغور في اعماق المعاناة الشجية بالشجون . فما زالت تنزف الجراح الطرية، مع كل هبة عاصفة هوجاء . فما زالت تراجيدية الحزن والآهات تكبر وتتضخم، وتتفقس بيوضها بالافاعي السامة، فما زال الوطن ينحر كالشاة، منذ ان وطئت الاغوال والاوغاد ارض الوطن، وتحول الى وطن الفجيعة والآهات . منذ ان احطت اقدامها الاخطبوطية والسرطانية، والعراق يعيش سرطان الدم والحياة . منذ ان تكالبت على خناقه الحثالات، والوطن يباع في مزادات الدول كالرقيق، بسعر بخيس . منذ ان تسلقت السماسرة التجار والوطن ينزف بالدماء، التي صارت كالانهار الجارية، عبثاً وجنوناً . منذ ان هجم الجراد الوحشي وسرق السلطة والعرش والنفوذ، وليل العراق يغور في أعماق الظلام . وتحول العراق الى ليلٍ دون نهار، يسلخ ويذبح من الوريد الى الوريد . ولكن الى متى تستمر هذه المأساة وهذا الحزن، وهذا جريان الدماء ؟ هل من نهاية ؟ . ألا يكفي النوائب والاحزان ؟ ألا يكفي هذا الخراب وهذا النواح ؟ متى تنهض العزائم، متى ينهض عشاق الوطن، ليرفعوا صخرة سيزيف عن ظهر العراق .

يكفيك يا وطني النواح على الطلل

لا يأبه الغرقان يوماً البلل

مذ حطت الاغوال في أنحائنا

صرنا رقيقاً في مزادات الدول

الغول عرس بيننا فتجشأت

موتاً مقابرنا وبرحنا الوجل

واستل من ضوء النهار خيوطه

وتوطن الديجور فينا وانسدل

فمتى سترجل العزائم ثائراً

يا أيها الوطن المخبأ في المقل

5 - قصيدة (ساكن القلب):

تداعيات القصيدة كأنها انشودة غنانية بالحماس الوطني الشفاف والملتهب، المنفلت اعماق الروح والقلب، الغارق بالهوى والعشق . الذي يملئ القلب ويجعله اغنية في حضرة الوطن الساكن في القلب، ليصدح بصوت الوطن بكل بهاء، فهو الحلم والامل، رغم الزمن الاسود والقدر اللعين، الذي جلب النفايات العفنة، ليغزوا العراق، ليجعلوه ساحة حرب ودم للابرياء . لتفقأ عيون الطغاة . لتفقأ عيون سلاطين علي بابا والف حرامي . فما هم إلا ألف (شمر) ظاغي ومتعجرف، ما هم إلا ألف (يزيد) سفاح وقاتل، ولكن لنا ألف (حسين) يصرخ في وجوههم التي طبعت فيها الغدر والخيانة (هيهات منا المذلة) . فلابد ان تأتي زغرودة الحلم والامل، لابد ان ينبثق فجر العراق الابي .

لا يريد السلاطين شعباً كريماً

بل يريدون ملة من العبيد

ألف طف لنا وألف (حسين)

ألف (شمرٍ) طغا وألف (يزيد)

فا علموا يا طغاة إنا جبلنا

من دم نازف وضيم مديد

سل عن الهور من (تمعدن) فيه

سومري سليل شعب عنيد

من ضفاف الانهار وهي تغني

أغنيات الرواء في في حلم بيد

6 - قصيدة (يا ساقي الليل):

انه زمن الزيف والاحتيال في بدعه الهزيلة والسخفة، في بهرجة التغيير . ولكنهم جاءوا ليعيدوا من جديد، الماضي البغيض، والسيء الصيت، هذه السعالي المدربة حشدت غولاً وتنيناً، على غدر والخيانة والفرهدة، ليمزقوا صرح الوطن ويقطعوا اوصاله، وان يمرغوا الوطن والمواطن في الوحل والطين، والدوس على الاكباد البريئة، لجعل الشعب كالقطيع الخرفان، عبيد وخدم . في همجيتهم على الاستحواذ على مقدرات العراق . ولكن مهما فعلوا، بضمائرهم التي باعوها في سوق النخاسة، فأن الوطن باقٍ لن يموت . ولابد ان تنتهي يوماً تراجيدية المحنة الحزن والعذاب .

واحذر من الريح إذ تأتي مبرقعة

موتورة حشدت غولاً وتنينا

تأتي على ظهر سعلاة مدربة

عجلى تزيد الاوجاع تمكينا

جاءت تدوس الاكباد موغلة

بلحمنا الحي تقطيعاً وتوهينا

نرى الجراح ونغضي عن نوازفها

وتزجي اللحم كي نرضى السكاكينا

وما علينا إذا بيعت ضمائرها

ومرغ الطين قبل الخد عرنينا

***

- ديوان الشعر: تباريح الطائر

- الشاعر: عبدالفتاح المطلبي

- تاريخ الاصدار: عام 2018

- عدد الصفحات: 215 صفحة

جمعة عبدالله

 

 

عقيل هاشم"هانحن الان امام اللوحة (لماذا تكرهين ريمارك) ذلك الاسم المستفهم الذي تشكل في الايام الاولى لتواصلنا معا في المرسم حينما حدثتني يوما عن (ريمارك) بكراهية تتساقط ككرات من ضوء حولها وهي تواصل حديثها عن كراهيتها للحرب ـ فانبثق اسم اللوحة التي تحيلني الى صور وكوابيس الايام التي كنت محاصرا بها ...الخ" كمن يزيح التراب عن تفاصيل لوحة ثمينة بحثا عن المهمل من جمالياتها وأملا في العثور على ملامح عوالم غاربة يجمع الروائي محمد علوان في روايته “لماذا تكرهين ريمارك” نتفا من الوجع الإنساني لتضفي قدرا من الحساسية على خزين عذابات الامكنة . « لماذا تكرهين ريمارك » هذا العنوان هو جزء من اشتغالات الكاتب في احداث- تناصا مع رواية الألماني إريك ريمارك " للحب وقت وللموت وقت" اما من ارشده للعنوان فهو (برهان) حين قال له: إنه عنوانا مناسبا. إن أول ما يستوقفك، وأنت تقرأ هذه الرواية ”، وهو عنوان مثير عنوانها المثير للجدل، وسنفهم فيما بعد أنه عنوان يستحق هذه الرواية رواية (الحب والحرب)، ولأنه يربط جميع الأحداث التي شكلت بنية السرد. الرواية عبارة عن قراءة في شهادة (ماهر) الذي هرب من وطنه العراق الى بيروت لأنه مطلوب للسلطة، ويصل بيروت مكاناً للإقامة فيها، وعمل مصمماً في جريدة، يبدأ ماهر حكايته مثقلاً بذاكرة مدينته (مدينة الثورة) اسما ومسمى ماقبل 2003 وعلاقته بأخته «ثريا» واكرم وذكريات الطفولة ومن خلال سرد مكثف ومتداخل الاصوات نطلع على عالم واسع من الهموم والأحلام والخبرات الذاتية، مشغولة بالتماس مع تجربة إنسانية، ثرية بطبيعتها، لكنها لا تأخذ حيز التسجيل المحض، بل يتجادل فيها الفني مع الوقائعي في بنية متجانسة تقنياً ودلاليا.ًقائمة على جدل الحكايات الفرعية المتشظية والحكاية الأم، فثمة خط رئيس للسرد يبدأ من الراوي- البطلة (باجي ثريا) اللقب المحبب البغدادي وفي لحظة فارقة من حياتها، تتبدد فيها الأشياء، ضمن حركية (الفقدان) - الموت والحياة/الحب الحرب - ،هذا السرد الذي اسهم في ما يسهم مزيدا من الإيهام بواقعية الحدث الروائي، في عمل يجدل بين التخييل والسيرة الذاتية، بحيويةِ كاتبٍ ينظر إلى العالم بتأمل، معتمداً على جماليات الصدق الفني. هنا نجد ثمة إشارات سياسية متناثرة يسائل فيها الراوي القارئ عبر المواقف السردية وليس عبر الصخب الأيديولوجي تصواراته الفنية في السرد. تدور أحداث هذه الرواية في مدينة (الثورة) وكما ارادها كاتبها، وتقوم كلها على حوارات متعددة ومتداخلة، هناك دائماً نص أو نصوص مرئية وأخرى مضمرة، بطلها الوحيد هو المكان والذي يلقي بظلاله على الشخصيات المختلفة، ويعبر عن نفسه في لغة صحفية موحية وجذابة . الرواية مقسمة إلى 18 قسم والسرد عبارة عن استرجاعات للماضي اعتمادا على ذاكرة الشخصيات، تتداخل الرواية مع مايسمى رواية داخل الرواية الام "أكرم" كتب سيناريو بعنوان -القطاف المر-اذن هناك عالمان من (الحب والحرب) يبتعدان وبقتربان كلما تقدم بنا السرد ،هذا الكشف والرصد يعلن عن التحول وماحدث مابعد 2003 بعد دخول المحتل الامريكي المتوحش وفعل القسوة مع شعب العراق، حتى أن (برهان) حين عاد إلى بغداد لم يجدها كما غادرها وماوجده من مايسمى بالمليشات المسلحة والقتل المجاني والعنف الغير مبرر. الرواية تحوي الحكاية الرئيسية، التي تبدأ من مايسمى سرد عين الكاميرا –مدينة الثورة وصولا الى بيروت ..سرد دقائق اشياء تلك الشخصية المراة –باجي ثريا/ بغداد - ، وصولاً إلى مجموعة من الحكايات الفرعية التي تتصل بها وتنفصل عنها في آن. ويتمثل الرابط الرئيس هنا في ذلك السارد الذي يقدم هذا المقطع الطولي لتك العوالم من منظور عين الكاميرا التي تنقل ما يدور من وجهة نظر صاحبها. السارد هنا مارس لعباً تقنياً ودلالياً، فتتعدد الطاقة الإيحائية للروايتين، وظل يسهم حضور الثنائية بخاصة في تنمية المتخيّل (السيناريو). الكاتب هنا يؤثث عالمه الروائي بدقة من جماليات التهكم ،فثمة عالم مدهش في تدوينه وكشف تفاصيله للحوادث ، يقدمه الينا بشهية . اذن هي رواية حاول الكاتب أن يترك لنا رسالة مفادها أن الآخرين هم الجحيم .بينما استطاع هو فعلا أن يحول رداءة الواقع المعيش، في عمله الإبداعي الأدبي، إلى جمال، كما يفعل الفنان التشكيلي عندما يحول منظرا قبيحا في الواقع إلى جميل في العمل الفني، أو كما يفعل السينمائي الذي يجعل من الحرب التي ترمز في الواقع إلى العنف والدمار، موضوعا للفرجة والتشويق بقوة ملكته الإبداعية أن يفعل الشيء نفسه.

 

قراءة عقيل هاشم الزبيدي

 

ارتفعت أصوات الباحثين المسرحيين منذ القرن العشرين منادية بإعادة قراءة التراث، وإحيائه صونا للهوية والخصوصية الثقافية والحضارية، إذ أصبحت الضرورة تلح، أكثر من أيّ وقت مضى، على أن من الواجب على "أدبائنا أن يتزودوا بعناصر الثقافة الشعبية التي تزخر بها بلادنا، إذ هي الوحيدة التي ستمكّنهم من استلهام ينابيعها التقليدية ومعطيات المسرح العالمي لخلق تراث وطني"1 . وهذا ما نصح به جون فيلار الطيب الصديقي وهو عائد إلى المغرب، وكذلك هو الأمر بين سيرو وسعد الله ونوس، غير أن هذا التوجه الذي تزامن مع خروج المستعمر من البلاد العربية، وارتفاع الدعوات للحفاظ على الهوية، تحتكم إلى سياق سياسي وتاريخي استوجب ذلك، حيث يتم اللجوء إلى التراث لمراوغة السلطة وتمويهها، ونقد الواقع بأساليب ضمنية بعيدة عن المباشَرة.

لكن هذا السياق الذي أفرز هذه التجربة، سيتغير في بداية الألفية الثالثة، خصوصا بعد اتساع هامش الحرية والتعبير في الوطن العربي، حيث أصبح انتقاد السلطة أو الواقع يتم بشكل مباشر، دون الحاجة إلى الأساليب الكلاسيكية، فزالت قداسة انتقاد الأنظمة والتراث معا، ولا سيما بعد الربيع العربي سنة 2011، حيث عرفت المجتمعات العربية هزات عنيفة أدت للإطاحة، في مجموعة من البلدان العربية، بحكامها، إنها انتفاضات شعبية عمت أرجاء الوطن العربي، وهكذا تغير السياق السوسيوثقافي والسوسيوسياسي، فكان لابد أن تتغير علاقة التشابك بين المسرح والموروث الثقافي في ظل النسق التاريخي الجديد، لذلك تراجع الاهتمام بالتراث مسرحيا، وخفَّ وهجُ النظريات المسرحية التأصيلية2 ، غير أن هذا لا يعني التخلص منه بشكل نهائيّ، بل عرفت هذه الجدلية التي نتحدث عنها، أبعادا أخرى، وتجددا في التطرق إليها في ظل هذه الدينامية، وفي ظل التغيرات الحديثة، ما أدى إلى رؤية حداثية متجددة، تتأسس على حوار الحضارات وتعطّل صراعها، وبذلك "نتصور أن المسرح قادر على أداء وظيفة هامة تتجلى في خدمة قضايا إنسانية ذات بعد كوني من قبيل: إرساء السلام والمحبة والتعاون، ومن ثم زرع القيم الأخلاقية في عالم سادت فيه الحروب والفرقة والانقسام"3  إنه مسرح جديد يلغي جدلية الصراع بين الأنا والآخر، والتقوقع في التراث، دعوات تسعى لبناء مسرح منفتح يرتكز على المفاهيم التالية:

- الحرية: لقد اتسع هامش الحرية مع بداية الألفية الثالثة، ولاسيما بعد الانتفاضات العربية، وهو ما أدى إلى تغيرات دستورية تمنح الإنسان العربي قدرا كبيرا من حرية التعبير، وما كان يمرر بشكل ضمني في الأعمال المسرحية، أصبح يعبر عنه بشكل صريح، وهنا كانت الانعطافة في الاشتباك بين المسرح والموروث الثقافي.

- الهوية: أدرك المثقف العربيّ، أن الهوية تتسم بالتحول والاستمرارية، فالحاضر امتداد للماضي، ومنه كان انعطاف المسرحيين الجدد في التعامل مع التراث، التراث وحده ليس هوية، ولكن تتكشف في طريقة التعامل معه، إنه اكتشاف جديد لتطورها وسيرورتها التاريخية، وهو ما يمنحنا نصا غائبا ظل المبدعون المسرحيون يلهثون خلفه، هوية محاورة لهويات أخرى، تتجاوز الرؤية السلفية.

- التمسرح: التمسرح هو ضالة المسرحيّ، عنصر غير قابل للملاحظة، ضمنيّ وجوهريّ في العمل المسرحي، وهو لا يرتبط بالشكل أو المضمون، بل بعناصر قيام الفرجة المسرحية في كليتها، وقد ادعى أنطوان أرطو أن المسرح الغربي يفتقر إليه، لذلك بُحث عنه في الفرجات الشعبية، ومن خلاله تتحقق الفرجة المسرحية الفعلية.

- الجمالية: لقد أصبحت علاقة المسرح بالموروث الثقافيّ، في الألفية الثالثة، تركز على البعد الجماليّ، وهو ما يتحقق من خلال التفاعل بين النص المسرحي والنص الفرجوي، اللذين تحكمهما آليات مختلفة، منها ما يتعلق بالنص المسرحي، ومنها ما يتعلق بالعرض والمشاهد، إنها شعرية مسرحية جديدة، تستحضر تجارب المسرح المعاصر.

إن هذه المفاهيم التي توقفنا عندها الآن، تحدد كيفية تعاطي المسرح المعاصر مع التراث، إنه توظيف ذو بعد جمالي بالأساس، لا يقوم فقط على استثمار المضمون التراثي، بل يستلهم التراث، أيضا، من خلال الديكور، الذي يخلق شعرية مسرحية ركحية تمتح من الماضي، أو السينوغرافيا باعتبارها فنا لتزيين الخشبة المسرحية، وهكذا انتقلنا في الألفية الثالثة، إلى استحضار التراث من خلال خصوصية الفرجة المعتمدة على المشاهدة والمعاينة المباشرة، غير أن التراث هنا، بمثابة مكون من مكونات المسرحية، فلا ينظر إليه باعتباره جزءا مستقلا في العملية المسرحية، بل جزء يكوّن الكل المتناغم والمنسجم في ظل التيارات المسرحية الحديثة.

وهيمنة البعد الجمالي في توظيف التراث، يحتكم إلى التغيرات التي وقعت في المجتمعات العربية، فأصبح التراث يحضر من خلال الفرجة باعتباره امتدادا للماضي في المستقبل، ويتجلى من خلال الأمثال الشعبية التي تشكل ذاكرة المجتمع الأخلاقية، فضلا عن حضور الشخصيات التاريخية والتراثية التي يسعى من خلالها كل من المؤلف الدرامي والمخرج المسرحي للتعبير عن رؤيته الفنية للحدث الذي تعالجه المسرحية، فالأحداث التراثية، في المسرح العربي المعاصر، ترتبط بشكل ضمني، بالواقع والرؤية الجمالية، وعلى إثرهما تتشكل الهوية/النص الغائب للمسرح العربي، كما ساعد الانفتاح على تحرير الجسد من رؤية جديدة للتراث، حيث ظهر الجسد التراثي الراقص والاحتفالي، الذي يوظف التراث الشعبي بشكل أدائي.

نخلص إلى أن علاقة المسرح بالموروث الثقافي في الألفية الثالثة علاقة ترتكز أساسا على البعد الجمالي وتقليص البعد الإيديولوجي، ذلك أن المجتمعات التي كانت تدافع عن الخصوصية، والهوية الحضارية والثقافية، أثرت فيها عوامل العولمة، فأصبحنا نتجه من تعدد الهويات إلى تشكل هوية إنسانية عامة بفعل وسائل التواصل الحديثة، والتطورات التيكنولوجية الهائلة، وهو ما أدى إلى تراجع خطاب الثنائيات الضدية، مقابل ازدهار خطاب جديد يدعو إلى قيم التسامح والتعايش والحوار ونبذ العنف بين الحضارات والأمم.  

وتبقى حيرة السؤال دائما، إلى أي حد نجح المسرحيون الجدد في توظيف التراث؟

 

عبيد لبروزيين

............

1-  حسن المنيعي، أبحاث في المسرح المغربي، منشورات الزمن، الطبعة الثانية، ص: 192.

2- وللتعمق أكثر في النظريات المسرحية التأصيلية يمكن العودة إلى ما كتبه محمد مديوني في كتابه: إشكاليات تأصيل المسرح العربي

3- هشام بن الهاشمي، التراث في المسرح العربي بين تعظيم الهوية وحتمية الانفتاح، مجلة رؤى فكرية، العدد الثالث، 2016، ص: 49.

 

جمعة عبد اللهيحتل المبدع الروائي الكبير مكانة مرموقة في الابداع الروائي العراقي الحديث. ان يملك براعة صياغة النص ومنصات وتقنيات متنوعة في طرحه وتكوينه. ان يصوغها في جمالية المنهجية في اسلوبية المتعددة الجوانب والاشكال داخل الفضاء الروائي، يمتلك رؤى ورؤية فكرية ناضجة وثاقبة من أشياء الواقع وتجلياتها، ان تكون المضمون التعبيري العميق والبليغ، في مهارة التناول والتنوع في الاشكال التعبيرية التي هي من صلب الواقع اجتماعي، في اسلوبه الواقعي دن مسحات تجميلية مزيفة وانما على حقيقته المكشوفة، بأن المتن الروائي يخرج من مختبر التجريب والابتكار في اشكال الطرح. في براعه واعيه وناضجة، تملك مقوماتها من تداعيات الواقع الاجتماعي، والغوص في تفاصيله الدقيقة. اي ان العمل الروائي، يأتي من الجهد المثابر والحثيث في صبغة ابداعية، تحمل آثار وبصمات الروائي في الشكل والمضمون، الذي يتمدد في هذه الرواية على خريطة الواقع الاجتماعي، من خلال تناول حقبة اجتماعية معينة ومحددة في زمنيتها، في كشف مظاهرها ومفرداتها. التي تميزت بالقهر الاجتماعي والمعاناة، لواقع يرزح تحت السلطة الابوية المتسلطة على منافذ الحياة والعيش، في روحية الامتلاك والاستحواذ والانتهاك، في بروز هالة (الانا) الجشعة المضخمة باللامعقول، وتخرج من صوابيتها المنطقية، لكي تخلق آثار سلبية، التي تترك البثور والجروح والقروح على المكشوف. ان تضع الانسان داخل حلبة الملاكمة، يتلقى الضرابات المميتة، دون ان يستطيع ان يحمي ويدافع عن نفسه، سوى الوقوع متهلكاً في ازمته النفسية المتأزمة والمأزومة بالاحباطات، حتى يعلن انهزامه الكلي و يتجرع طعم الفاجعة والمحنة والمأساة. مثلما نجد في المتن الروائي لرواية (موت الاب). التي جاءت ثمرة جهد ابداعي مكثف ومتواصل استغرق حوالي خمس سنوات (اكتملت كتابتها في عام 1995). لقد ابرزت معالم تلك الحقبة الاجتماعية بعينها وبجوانبها المتعددة، التي ترزح تحت وطئة، القبضة السلطة الابوية الشمولبة. وما صورة (الاب) في العائلة الصغيرة في الرواية، إلا صورة مصغرة من الصورة الكبيرة (للاب الكبير). وقد كشفت معالم التسلط بلوثة الامتلاك والاستحواذ والعسف، كأنه وحده يملك الحق والسيد المطلق، وحده يملك العالم، بلا منازع، الكل تحت أمرته وسطوته، ومنْ يجروء على المعارضة والمعاندة، فأنه يطرد ويجني على نفسه الويلات. مثل هذا الاب مالك الدار (المكون من اربعة غرف، كل غرفة تسكنها عائلة) يفرض سيطرته على سكنة الدار، وهم يحاولون ارضائه واستعطافه بالخشوع الى امره وتعليماته، رجالاً ونساءاً. ولكل يتجنبه بالحذر الشديد منه. هذه الخطوط الفكرية العامة للمتن السردي. تتوالى هذه الاحداث في ذاكرة الطفل في خزين (فلاش باك)، عاش محنتها ومأساتها، في التسلط الابوي، الارعن والماجن بالحماقات المتهورة المتتالية، بالتصرفات الخشنة في التعامل مع عائلته ومع سكنة الدار. وسلوب التعبير السردي، يختلط فيه الماضي والحاضر بصورة متشابكة، مثلما يقول. أرسنت همنغواي (لا يمكن لاي كاتب الفرار من طفولته) لذلك وضعنا الروائي، في صلب الواقع الاجتماعي في تلك الحقبة المعينة. في اسلوبه التعبيري الشفاف، بلغته الرشيقة والبسيطة في وضوحها السلس، لكنها عميقة المحتوى. وفي ابراز هذه السلوكية المتسلطة وفي جوانبها الخطيرة، في تصرفات الاب القاسية مع عائلته المكونة (من اربعة افراد، الاب الام، الابن الصغير والكبير) وهو مثال للشخصية الابوية في تصرفاتها الرعناء والطائشة والماجنة، في مجونها الخليع في الشبق الجنسي، بالسطو على نساء الدار، في استغلال غياب زوج (سارة حفافة وجوه النساء) وهو يعمل حارس ليلي، ليحل محله في الفرش الزوجية في اختلاسات الليل. ولكن عندما بدأت تراوده الشكوك المريبة تجاه أبنه (اسماعيل) بأنه ايضاً يزاحمه يزاحمه في الاستحواذ الماجن على (سارة حفافة وجوه النساء)، هدده وطرده نهائياً من البيت، لانه اعتبرها خيانة بالتطاول على املاكه ومشاركته بحصة منها، طرده ثم ضاعت اخبار (أسماعيل)، مما ترك جرح بليغ الى امه، التي تجرعت الحزن والبكاء على ضياع ابنها المنكود. ان سلوك الاب الارعن والماجن، جلب على عائلته فاجعة المحنة المأساوية، وان جبروته المتسلط والمتغطرس اخذ يتصاعد اكثر خطورة، حتى حلت المأساة للعائلة، في استمرارية حالة التصادم والقسوة والعسف، فطرد زوجته، أم اولاده، بعدما ان غاب عن البيت ثلاثة أيام، ليعود ومعه زوجة جديدة تصغره عشرين عاماً، ثم ارسل ورقة الطلاق الى زوجته الاولى. انه مثال الذئب الذي يحمي الدار. ولكنه بنفس الوقت يفترس سكنة الدار، يقوده هذا التسلط الاعمى والمغرور والماجن، الى الانحدار الى درك الجريمة. فقد ارتكب عملية قتل بالحقد الاعمى لشقيقه (نوح) المثقف الواعي والرصين في تصرفاته. وعملية القتل تمثل، انتصار الرعونة الوحشية المتغطرسة، على الثقافة والفكر الواعي والناضج. لكن هذه العقلية المتهورة، تقود نفسها الى الهلاك والموت والخراب، مهما بلغ جبروت سطوته الغاشمة. هذه الاشارات الملغزة بشفرتها بالايحاء والمغزى، وهي تشير الى نهاية الى أدانة السلطة الابوية. لذا فأن المتن السردي، يتناول هذه الخطوط بحذر وفطنة وتأني، بوعي مدرك العواقب المترتبة، لذلك يعرف اختيار الجمل والعبارات الملغزة بمهارة محترف ناضج. والرواية تتحدث عن ثلاثة شخصيات محورية في المتن الروائي (التاجر. الصحفي. الرسام)، يتفقون في جلساتهم وخلواتهم على تأليف رواية مشتركة بينهم، يكتبون فصولها. بما يحمل كلاً منهم سيرة حياتية تخصه. في عناوينها البارزة، في القهر والاحباط والانهزام. ولكن هذه الشخصيات الثلاثة، في حصيلتها النهائية، بأنها تشكل شخصية واحدة مركبة على فصول سيرتهم الحياتية، وتشترك في مشتركات واحدة. من التأزم المأزوم، في الاضطراب النفسي والقلق الحياتي الذي يجتاحهم، بالخوف من القاد م، والخشية من التفكك والاندثار. ومهما كان نتاجهم التأليفي كامل او ناقص. المهم تحقق رغباتهم المشتركة، في كتابة فصول حياتهم، ويقوم بمهمة كتابة الرواية من قبل الصحفي (اذ ليس الاخرون إلا الكتابة التي لا مناص منها، حكاياتهم ومسراتهم واحزانهم موضوعات جاهزة للمؤلفين من امثالي، متسقطي اخبار الاخرين وافعالهم، أليس غريباً أن يكون ميلنا (نحن المؤلفين) الى تسجيل كل افعال الصراع المليئة بالاخطار، ومرتكبيها من جناة وبغاة متأملين سقطات هؤلاء وهفوات أولئك، ايكون الماضي باحداثه وما صارت اليه ايامه مآوى الجميع ؟) ص278. مثلاً الناجي الوحيد من عائلة الاب المتسلط، كان يتجرع عذاب المحنة من موت أمه، فقدان شقيقه (اسماعيل) التي ضاعت اخبار مصيره. فهو الشاهد والسارد مع الاخرين مأساة حياته وحياتهم. فقد يصف ابيه الذي استخدام سلاح التسلط والقهر الاجتماعي، ان يصبح قاتل ومجرم. يقول عن ابيه في جلستهم (- ان يقوم باي فعل، لا يتورع أبي عن ارتكابه، حتى بمزيد من الحماقات).

(- ألم تفتر عليه في بعض احاديثك ؟)

(- هيهات. لقد عشت معه زمناً يليق بالحيوانات)

هذه الرعونة المتهورة وصلت الى مصيرها المحتم والمحتوم، وهو الموت.

×× بعض الاشارات الملغزة بالرمز التعبيري، التي تصوب سهامها بشكل غير مباشرة، الى الادانة السلطة الابوية الغاشمة، في شد الخناق على العائلة والمجتمع. في طبيعة جبروتها المتلسط بالعسف والقهر، هذه الاشارات الملغزة في تعابيرها، لا يغفل عنها القارئ الفطن والنبيه، في مراميها الموجهة الى رأس النظام نفسه، في اقحام البلاد في حروب عبثية اضافة الى التسلط الشمولي، لذلك اختار هذه الاشارات الملغزة بما يخص احرب، وهي ادانة صريحة لمشعلي الحروب ومروجيها ومرتكبيها، وهي تؤدي الى الموت والهلاك والدمار. لذا اشير اليها بالنص الحرفي في هذه المقتطفات الى هذا الجانب.

 1 - (الآن، ليس كواليس الحرب من الماضي وحده، الحرب غيرت الكثير من احلامنا.

(الحرب. الحرب يالتعاسة هذه الكلمة.

(الحرب. ليس بالضرورة تعني الموت وحده) ص28.

2 - (لقد سمعت عن مفقودين وضائعين حكايات اغرب من الخيال، ووضعت يدي على نواح امهات فقدن ابناءهن واباء بكوا ضياع اولادهم، ولكن بدافع من سبب ملموس لهم، كانت الحرب احد اسباب الضياع وفقدان الاثر) ص51.

3 - (فقد فاجأتنا الحرب وما جرته وراءها من ويلات وجوع وعذاب، كان العوز قد شمل الجميع وألم بهم من كل صوب وحدب) ص52.

4 - (تأملت المجلة الاجنبية بهدوء، رأيت عدداً لا يحصى من الجنود قتلوا في ميدان الحرب وبقيت جثثهم متروكة في العراء بعضها عافتها الدواب والوحوش الكاسرة، وبعضها تجمعت حولها مئات الحشرات، وبعدها نهشتها الطيور الجارحة، جنود تائهون في صحراء مترامية، خوذ وبنادق وثياب ممزقة)ص69.

5 - (من منا على صواب. الذين غادروا أم الذين فضلوا البقاء هناء؟.

(- ليس بعيداً ان تذبل وتموت هنا.) ص118.

 (- أترى الحال هنا افضل ؟

(- عفواً. انا لا اعرفك.

(لكني اعرفك. لماذا لا تغادر خارج البلد لتعيش بعيداً عن المحنة) ص129.

6 - (- من جاء على ذكر حرق الكتب.

(- أنت اشرت في روايتك الكتب المحترقة في احتلال بغداد) ص201. وهي عبارة صريحة في توقع حدسها ونبوءتها، بسقوط النظام ومجيء زمن الاحتلال.

- رواية: موت الاب

- المؤلف: احمد خلف

- عدد الصفحات: 289 صفحة

- تاريخ كتابة الرواية. عام 1995

- تاريخ الاصدار: عام 2002

 جمعة عبدالله

 

 

أولى الشعراء والشاعريين مسألة التداخل النصي عناية كبيرة طوال تاريخ النقد العربي، حيث عرفوا الظاهرة مبكرا، وخاضوا فها دراسة وتحليلا، وإن كان بوضوح أقل، وتحت تسميات عدة ، مثل السرقات الشعرية ،الموازنات ، التضمين... ومنذ الجاهلية ، أحس الشعراء بسلطة النصوص الأخرى على النص الشخصي، نفهم ذلك مما قاله عنترة في معلقته:

هل غادر الشعراء من متردم **** أم هل عرفت الدار بعد توهم

هو سؤال استنكاري حول أن الشعراء لم يتركوا شيئا يصاغ فيه الشعر، إلا وصاغوه، أي أن السلف لم يترك للخلف شيئا.

ويشير حازم القرطاجني في مصنفه، "منهاج البلغاء وسراج الأدباء"، إلى نوع من تعامل الكاتب مع النصوص السابقة، إذ يدخلها في نصوصه بنوع من التصرف، أو يورد  معناه في عبارة أخرى على جهة قلب أو نقل(86)[1]).

شيء عادي أن يستفيد اللاحق من السابق،حيث لا يمكن أن يستغني الأخير عن الاستعارة من الأول، فقد كان العرب ينصحون المبتدئ من الشعراء بقراءة آلاف الأبيات وحفظها والتمعن فيها حتى تعلق بفهمه ، بعد ذلك عليه أن ينساها.

إذن ، تنبه النقاد العرب القدماء إلى ظاهرة التداخلات بين النصوص، وبخاصة في الخطاب الشعري، حيث ظهرت مجموعة من المصطلحات تعالج جزئيات الظاهرة، وهو مؤشر على تعرف العرب على ظاهرة التناص، وإن لم يسموها بهذا الوصف، فقد ظهرت مصطلحات عديدة تقترب من معنى التناص مثل التضمين، وهو استعارتك لإنصاف الأبيات من غيرك. أما الاقتباس؛ فهو أخذ بيت بلفظه ومحتواه ،وهو عند البلاغيين مرتبط بالقرآن الكريم.

كان هذا في الجانب البلاغي، أما في الجانب النقدي، فقد عرف التناص تحت مسميات أخرى، كالنقائض والمعارضات،وقول الجاحظ بأن المعاني مطروحة في الطريق ، هي من الشيوع بين الناس لا يمكن نسبتها إلى أحد بعينه.

ويمكن أن ندرج في هذا الإطار قصة استئذان أبي نواس خلفا الأحمر في نظم الشعر، واشتراط هنا حفظ الشاعر آلفا من الأراجيز والقصائد ثم نسيانها.(87)[2]

تجاوزا لهذه النزعة السجالية،فإن مفهوم التناص في النقد العربي الحديث- مع الإبدالات المعرفية التي شملت تصور النص ونظريته- قد حقق قلبا في المقاربات النصية بما فجره من تساؤلات امتدت إلى هوية النص ذاته، علما أن الخطاب النقدي العربي لم يتعرف على  المفهوم إلا أواخر السبعينيات من القرن الماضي،ولعل محمد بنيس أول من اشتغل على هذا المفهوم في كتابه " ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب1979"، حيث سعى لضبط العلاقات النصية، والتقعيد لها منهجيا داخل حقل مفاهيمي، حيث استعمل المفهوم كأداة للقراءة الخارجية،وذلك باستناده إلى تود وف وكريستيفا، بعد ذلك وفي إطار مسعاه التنظيري حول تقعيد العلاقات النصية، سيهتدي بنيس إلى مفهوم النص الغائب الذي سيثريه بمفهوم هجرة النص(88)[3]).

كان هذا منطلقا أوليا لتأمل ظاهرة التداخل النصي، التي حظيت باهتمام كبير، حتى أصبحت من المفاهيم المركزية داخل الخطاب المعاصر، لتظهر بذلك دراسات كثيرة، كان أبرزها دراسات محمد مفتاح الذي أولى الموضوع اهتماما ملحوظا في جل كتبه.

إن التداخل النصي التداخل النصي خصيصة بنائية للنص ولدلا ليته، بما يتيحه من تعالق وانفتاح على نصوص قديمة أو معاصرة، تسهم في بناء الموضوع من خلال تفاعلها مع عناصر أخرى داخل النسيج النصي(9[4]).

هكذا فالنص الشعري، نسق انصهرت في بوتقته نصوص شعرية أخرى وغير شعرية لتشكل في عناصرها ذلك البناء الذي يخفي علاقات ويستدعي الخارج ليحدد مصير النصوص الغائبة(0[5]).

إن النص الشعري، أكان قديما أم حديثا، يخضع للتداخل النصي ،وهذا التوضيح النظري، يحتاج إلى حقل موسع حتى تتبين إمكاناته.

ليس هذا هو مسعانا الراهن، لكننا سوف نكتفي بنصوص محددة داخل المتن وخارجه، نحاول من خلالها لمس خصيصة التداخل النصي في شعر عبد الكريم الطبال، الذي بدوره استقى مكونات متونه اللغوية الفنية من مفهوم التداخل النصي ،حيث استفاد من خلفيات هذا المفهوم المنهجي في صياغة نصوصه الإبداعية،وتقف القصيدة الآتية شاهدا حيا وملموسا على ما يمكن أن نسميه تناصا من القرآن الكريم.

يقول عبد الكريم الطبال:

منكبة على الأصابع

المصفرة

على هزيم الحبر

وعويل الروح

ترصد ما يصعد

من ضفاف البئر

في هبوب دلو

أو جناح ماء

لاتخفى عليها نأمة

في جهة الحواس

أو في جهة الخيال

وأنا على حواف الوقت

أشهد العصا

وحاجبي المغني

يبغيان

يفتحان قلعة

الصداقة القديمة(91)[6])

القصيدة معنونة بـ " هي عصاي"، وهي مثال ينسجم مع النص القرآني الوارد في سورة "طه"، تتضمن قصة موسى عليه السلام، ومعجزة العصا، يقول الله تعالى: ((وما تلك بيمينك ياموسى ، قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مئارب أخرى ، قال ألقها يا موسى، فالقاها فإذا هي حية تسعى))(92)[7]).

لعل هذا التقاطع الجميل، كان المؤشر الحاسم على معاناة الشاعر من وضعية اجتماعية متأزمة يسودها القنوط والترقب، ويكتنفها الإحساس بالعجز، وعدم القدرة على مواجهة وتجاوز المرحلة العصيبة حيث يظل الانتظار والترقب الملاذ الأوحد، وانتظار المعجزة الإلهية القادرة على تغيير الساكن وزرع حياة جديدة.

لقد أحسن الطبال تحوير قصة موسى عليه السلام،ودمجها في بناء النص الدلالي دون عناء، مما أدى بالمتلقي إلى السفر داخل تخوم الذاكرة التراثية والاستفادة من الموروث الديني، والانغماس في ثنايا اللحظة الشعرية، وكأنها لحظة منفلتة من شقوق الماضي، منفتحة على الراهن والآتي، من أجل تأسيس زمن شعري جديد يكون القصص القرآني أحد ركائزه.

لم يكتف الطبال بالنهل من معين النص القرآني، ليمتح منه نصوصه الغائبة، بل ارتمى في أحضان شيوخ التصوف الإسلامي، أمثال ابن عربي، والنفري، وجلال الدين الرومي والبسطامي...ليستلهم منهم تجربتهم الشعرية المعقدة التي تقتضي الصبر على العذاب، لأن الكتابة فرح ومعاناة في آن واحد ، عذاب وسعادة ، لأن الخلق كما يقول ادونيس ((حدس، وهم، ورؤية))(93)[8]).

هذا الكلام يقودنا للحديث عن حضور الخطاب الصوفي في أعمال عبد الكريم الطبال، ونشير هنا إلى أن هذه التجربة لم تنتشر إلا في السبعينيات من القرن المنصرم، مع أعمال أدونيس، وعبد الوهاب البياتي، وبدر شارك  السياب...لكن هذا التأثر لم يقتصر على الشعر الجديد، بل نلمسه في بعض شعر الستينيات الذي كان بمثابة صدى لتلك التجربة، فقصيدة "الغائب"* لعبد الكريم الطبال ضمن الأشياء المنكسرة، ذات دلالة عميقة فيما يخص هذا الموضوع، لذا نقتطف منها المقطع التالي:

 

منذ زمان وأنا احضر في الفجر

افتح شوقي للأشياء

افتح أحداق القلب

من أجل أن أحضر بالفعل

لكني لا أحضر بالفعل

تتملكني الخيبة في بدء الحضرة

ويقول:

كم أخشى أن ترحل مني الشهوة للكشف

لأني أخشى أن أرحل قبل الكشف(94)[9])

قدم الشاعر لقصيدته (الشيء نفسه يقال بالنسبة لمجموعة من القصائد) بهذه القولة المشهورة لابن عربي: (كل حضور لايتعين في كل شيء لايعول عليه).

في هذه الأبيات القليلة التي اخترناها ،يتردد فعل " أحضر" ثلاث مرات،ويرد الاسم المشتق منه ( حضرة) مرة واحدة علامة للتأكيد .  فتحقيقا للحضور الذي يرغب فيه بكل قوة، يركز انتباهه على الأشياء وينفتح عليها بكل قلبه، أو يوحى له بأنه (شاهد) عليها بلغة الصوفية.

 

بلال الدواح استاذ من مدينة العرائش شمال المغرب

.....................

(86)- حازم القرطاجني، منهاج البغاء، م س ص 39.

(87)– أورده محمد بنيس في الشعر المعاصر، م س.، 2001، هامش ص 190، كما أورده عبد الفتاح كليطو في الكتابة والتناسخ،مفهوم المؤلف من الثقافة العربية، ترجمة عبد السلام بن عبد العالي دار التنوير بيروت، ط1، 1985 ص 21.

(88)- محمد بنيس، الشعر العربي الحديث-الشعر المعاصر، م س،ص 180.

(89) - خالد بلقاسم ،أدونيس والخطاب الصوفي، دار توبقال للنشر، ط1 2000 ، ص: 24.

(90) - يوسف ناوري، الشعر الحديث في المغرب العربي، ج الثاني، دار توبقال، ط1، 2006 ص: 113.

(91)- عبد الكريم الطبال، الأعمال الكاملة، م س ، ص218.

(92)-القرآن الكريم، سورة طه ، الآية 16-17-18. وهناك قصيدة أخرى بعنوان : في الموقد ص 49 من الأعمال الكاملة ، جاءت مصدرة بآية قرآنية:" إني آنست نارا لعلي اتيكم منها بقبس"

(93)- أدونيس، مقدمة الشعر العربي، م س ، ص118.

*  رغم أنها غير مصنفة ضمن قصائد المتن المدروس، فهي مثالا واضحا على مدى تأثر الطبال بالنص الصوفي وخاصة نصوص ابن عربي

(94)- عبد  الكريم الطبال، الأعمال الكاملة، ج1، م.س ص 96-95.

 

 

عامر عبدزيد الوائليما زال سحر الأسطورة يشدنا إلى الماضي لما يمثله من ثقل راسب في أعماق نفوسنا ويمثل الوسيط بين الحدث الطبيعي والنص القدسي والفلسفي، فإذا كانت (الأسطورة أداة نفسية لملء فراغات لم تكن اللغة مهيأة لملئها بمفرداتها في صقل المشاعر الإنسانية)، فأنها أيضا قد شكلت محاولة لإيجاد حل للمشاكل التي واجهها الإنسان وتركت، تأثيرا في طرق تفكيره ونظرته إلى الوجود، وعلاقته به من خلال الأسطورة (التي هي عملية تأمل من اجل الإجابة عن اسئلة مبعثها الاهتمام الروحي بموضوع ما). من هنا كانت الأسطورة سدا لحاجة وتأملاً من حيث الطبيعة وكانت الأسطورة بالنسبة للإنسان المبكر مركز تأملاته، وحكمته وأرادته في التفسير والتعليل . ومن هنا تشكل أثار وادي الرافدين منذ العصر الحجري الحديث وحتى مطلع العصور التاريخية أكثر الآثار خصبا وتنوعا في الشرق الأدنى القديم. إذ تعد النصوص المسمارية الأدبية على جانب كبير من الأهمية كونها مرآة صادقة تعكس الكثير من الأفكار والمعتقدات الدينية. وهكذا جاء الأدب بوصفه مرآةً عاكسة لمتطلبات الحياة وحاجاتها لهذا جاءت الأسطورة بوصفها كلمة أو هي مجموعة من الكلمات التي تظهر على شكل رسالة ؛ لكن هذه الكلمات التي تحمل رسالة، إنما هي مرتبطة بتلك الحاجات للحياة لهذا كانت الأسطورة تستمد شخوصها وأزاحتها وأمكنتها من التاريخ وتتحول هذه الشخوص وتلك الإزاحة والأمكنة بالتدرج من شخوص محدودة زمانا ومكانا إلى أزمنة وأمكنة غير محددة.وهكذا جاءت تلك الفترة التاريخية الممتدة من الإلف التاسع إلى الإلف الرابع قبل الميلاد في العراق القديم هي ليست بالفترة البسيطة. وهنا لعرض دراسة الأدب وإبعاده التي تؤكد بواكير الفكر الفلسفي في العراق القديم تناولنا الأدب العراقي القديم بعده يمثل الأثر النصي الذي يقدم تصور لما كان .

فالأدب في العراق القديم ينقسم إلى نوعين كبيرين هما: الأدب الديني، وهو أدب الكهنة الذي يرددون الأناشيد الدينية .و الأدب الدنيوي، القابع في القصر، ويندرج تحت كل منها مجموعة من فنون ذلك الأدب

أولا- الأدب الديني:

إذا كانت الكلمة هي حبر الوجود فان تدوينها هو المعجزة التي أثمرت أدبا وتاريخا وعلما . فجاء الأدب متداخل الإغراض يصعب فض الاشتباك بين أنواعه الدينية والدنيوية وهو تصنيف وظائفي لم يكن مفكراً به لدى العراقي القديم إلا إننا يمكن إن نحدد هذه الوظيفة والمكان الذي كانت تقام فيه في المعبد لغرض التعبد الديني وفي القصر لغرض دنيوي، إلا إن الوظيفة المدينية كانت هي السابقة في العراق القديم حيث كانت النصوص الدينية قد تطورت وشاعت وترعرعت بين الكهنة وداخل المعبد وكان لها السبق على النصوص الأدبية ذات الوظيفة الدنيوية فقد شاعت في المدرسة وأشاعها المعنيون المرتبطون بالموسيقى الدنيوية في القصر وبين الناس .فالأدب الدنيوي (لم يكتب لغايات دينية يغلب عليه الطابع الذاتي أو الانفعالي) . أن الأدب الديني (فيشمل النصوص المرتبطة بغايات عملية طقسية أو تلك المرتبطة بالآلهة (الأساطير) أو الخوارق الدينية ويغلب عليها الطابع الموضوعي والميتافيزيقي والأسطوري والسحري).ومن هنا جاء الأدب الديني، فإذا كان الدين يتضمن:أولا، مبدأ الخارجية، أي القول بان المجتمع يستمد قوانينه من خارج لا من ذاته . وثانيا مبدأ (المغايرة) أي القول بان البشر مدينون بمعنى وجودهم إلى غيرهم وليس إلى بشر مثلهم، ويتضمن ثالثا، مبدأ (الاتصال) أي القول بوجود فارق أو مسافة بين المجتمع ومصدره بين الجماعة والمبدأ المؤسس والمشروع لها .() .

فجاء الأدب الديني بتوجيه من هذا الأصل الديني بجميع مكوناته الرئيسية (العقيدة، الأسطورة، الطقوس) ومن ثم فهو يجتمع على نواة المقدس الديني وتكون غايته ووظيفته ذات طابع روحي تهدف بالأساس إلى ترسيخ الدين وجعله شغلا شاغلا لحياة الفرد أو الجماعة، والأداة هي اللغة القادرة بمصطلحات مستعارة من ميدان طبيعي وهذا ما يحصل عبر اللغة وقدراتها المجازية (فالمجاز هو جمع عدة وحدات معقدة في صورة واحدة قوية، انه تعبير عن فكرة معقدة .. بالإدراك المفاجىء لعلاقة موضوعية تحويل الصور الموضوعية إلى صور جديدة لذا فانه اختراعنا) . فهذا الاختراع لصورة عن القوى الغيبية نابع من قياس الغائب على الشاهد وتشكيل صورة متخيلة قدسية منفصلة عن الصورة الدنيوية فيظهر الفضاء الأسطوري حيث ألاماكن تشكل دورا ثانويا ؛ لان الأسطورة لا تستند إلى المكان بل إلى العلاقات مع التخيل وعلى هذا ظهرت تلك النصوص التي تعكس سلطة دينية ومجتمعة تداعب الرغبات الفردية الساعية إلى الحياة ومقاومة الموت عبر فعالية لغوية ؛ إذا كانت الأسطورة يغلب عليها التفسير فهي تهدف إلى (تعيين الأسباب والعلل الأولى للأشياء والإحداث الجارية وليس ثمة ظاهرة طبيعية او ظاهرة من ظواهر الحياة الإنسانية تأتي تفسيرا أسطوريا أولياً تستدعي مثل ذلك التفسير . وكل المحاولات التي بذلتها مذاهب الميتولوجيا لتوحيد الأفكار الأسطورية أو ردها إلى أنموذج موحد قدر لها إن تنتهي إلى الاخفاق السريع)، وهكذا فأن الأساطير تحدرت من القدسي فهي (حكاية مقدسة أو تاريخ مقدس) فان القيمة لهذه الأساطير العراقية القديمة تستخلص من خلال الأسلوب الأسطوري الشعري الذي يظهر من خلال مظهرين هما:الاول (الايقاع الشعري) الذي يظهر واضحا بشكل خاص في الأساطير البابلية أو المكتوبة باللغة الاكدية، حيث تظهر الأساطير موقعة بأوزان شعرية . واضحة يمكن مقارنتها بالأوزان الشعرية العربية المألوفة . والثاني (التقنيات الشعرية) مثل التكرار والمقابلة والوصف، والتشبيه ويرى (خزعل الماجدي) إن الأساطير الرافدينية تنقسم إلى:

(1) أساطير الخليقة (التكوين) (Myths of gensis) وتشمل أساطير خلق الكون وأساطير خلق الآلهة وأساطير خلق البشر حيث أسطورة الخليقة البابلية (اينوما اليش:عندما في العلى) .

(2) أساطير البناء (Myths of coustion) وهي الأساطير التي يقوم فيها الآلهة بخلق وبناء التفاصيل العالم وتأسيس الموت ومنح الإنسان أدوات العمل(كالفاس) وأدوات الحكم والسلطة وإنزال الملكية من السماء وغيرها، وتسيطر على هذه الأساطير المدائح الإلهية ومدائح المدن التي بناها الآلهة وقصائد البناء، وتشكل أساطير البناء وتجملها ما يشبه الكوميديا الإلهية المليئة بالأفراح والمسرات والمدائح .

(3) أساطير الحب المقدس (Myths of cacred love) وهي أساطير الحب الإلهي وكانت عند السومريين تمثلها أساطير الحب والزواج المقدس للآلهة انانا (عشتار) والإله (موزي (تموز) وهي تحتوي على نوعين من الأساطير الاول منها (النوع البنائي)، وهي أساطير وقصائد الحب والزواج المقدس .و الثاني (النوع التدميري)، وهي أساطير أنزول الآلهة العاشقين إلى العالم الأسفل وما يتبع ذلك من مرأى الحب . وان هذا النوع من الأساطير مرتبط بالمكان الذي ظهر فيه وبإشكالية فكرية معينة (ان الحديث عن الخصب وعقائده يستدعي أولا الإشارة إلى تشكيل هذا المعتقد في العراق القديم لان الحضارة العراقية صاغت هذا المعتقد وأسست له مجموعة مهمة من المفردات والطقوس والنصوص الأسطورية).

(4) أساطير التدمير (Mythos of deconstruclion....) وهي الأساطير التي تبدأ فيها قوى العالم الأسفل بالظهور والصراع مع قوى العالم الأرضي أو الأعلى وتمثلها أساطير قوى التدمير الإلهية للمدن وأساطير صراع آلهة العالم الأسفل مع الآلهة الكونية. وتسيطر على هذا النوع من الأساطير المراثي الإلهية ومراثي المدن وقصائد البكاء وظهور رموز الشر . ومن الأساطير السومرية في هذا المجال: أساطير كور، ومن البابلية: أساطير أيراء .

5) أساطير الموت (Myths of death) وهي أساطير نهاية الكون والآلهة والإنسان في ملحمة تدميرية واحدة وتمثلها في الأدب العراقي القديم (أسطورة الطوفان).

6) النصوص الطقسية (Pitual Texts (Liturgy) وهي النصوص الدينية التي كانت تكتب بهدف توضيح وتطبيق مراحل طقس دين معين . وتمتاز بثباتها الزمني وممارساتها المتكررة .وهذه تشتمل على: الأول النصوص الروحية (الصلوات والتراتيل)(Spirtual Textes Prayers and Hynms) يمكننا من حيث المبدأ تصنيف النصوص الروحية بحسب تركيبها وطبيعتها إلى أربعة أنواع هي الصلوات (Prayers) التراتيل (Hymns) والأدعية (Calls) والأناشيد الدينية (Chantsanthems) وأقوال الآلهة (God Calls) .والثاني النصوص السحرية (Magic Texts) . يمثل السحر أكثر إشكال الدين بدائية قدما ؛ مثل: (كالفتيشية والازواحية، والطموطمية).

ثانيا – الأدب الدنيوي:

القسم الأول في الأدب الدنيوي (الملاحم Epics): الأدب الملحمي هو الأدب الدنيوي المقابل للأساطير الدينية فإذا كانت الأساطير تضع الإله محورا لقصصها المقدسة فان الملاحم تضع الإنسان البطل محورا لقصتها البطولية وتنقسم الملاحم إلى: الملاحم الكبرى: ولعل من أهمها (ملحمة جلجامش) أقدم ملحمة انسانية مدونة . والنصوص والحكايات السومرية مثل: جلجامش وقصص آدابا ... الخ . ونصوص السيرة مثل: سيرة سرجون الاكدي . ويمكن التفصيل:

أ – الملاحم الكبرى: ولعل من أهمها (ملحمة جلجامش) أقدم ملحمة إنسانية مدونة يمكن أن نجمل ابرز مميزات الملاحم الكبرى فيما، التكرار والإعادة ويعود هذا المبدأ إلى الأصل السمفوني للملاحم، ولكن لا يمكن النظر إليها على أنها خاصية شفاهية فقط أو لتأكيد الأسباب الممهدة للسرد الروائي أو لاندفاع البطل نحو غاية محددة، بل ينبغي النظر إليها على أنها تتصل اتصالا وثيقا ببنية الخلق ...وهكذا يمكننا أن نعلم إن أول ما يميز صاحب هذا المنطق البدائي انه،ليس له إلا أسلوب واحد في التفكير والتعبير والكلام وهو الأسلوب الشخصي .و إنه يعرض، لا يحلل ولا يستنتج، واٍنه لا يصل بين نفسه أو إدراكه الذهني من جهة والظواهر الطبيعية من جهة أخرى إن إعادة خلق الأسطورة مثل إعادة الكلام نفسه في رواية ثانية مثل إعادة الإنسان إلى الحياة من عالم الموت مثل إعادة تنظيم الكون . واستباق الإحداث: وهو التنويه في مقدمة الملحمة عما سيتحقق في الملحمة. والشحنة الأسطورية فهي تنطلق دائما من موضوعات الآلهة دون إن تفرق في التبيان، بل لكي يزداد تألقها الروحي .

القسم الثاني من الأدب الدنيوي: (الأدب الحواري Dialoge):انه ذلك الأدب الذي يقوم على أساس الحوار بين اثنين وليس على أساس السرد أو الوصف. الأدب الحواري يتضمن ثلاثة أنواع مختلفة من الحوار الذي نراه مختلطا بأجناس أدبية أخرى وهي

1- نمط حواري للمناظرة وهو الذي كان يكتبه الكتاب من محض خيالهم لإبراز طبقات عنصرين متناظرين مثل (النخلة والأثل، النسر، الحية) .

2- "البلبال"نمط حوار خفيف سومري الأصل ويؤدى بمرافقة الموسيقى مثل حوار "دموزي وانانا ".

3- "أدمندوكا" حواريات الجدل بين نقيضين وهي القطع الأدبية التي تمثلها على أحسن وجه حوارية السيد والعبد . وهذا الضرب من الأدب يعتمد أساسا الحوار المتناظر والتنازع بين شخصين يقابل احدهما الأخر ويحاول كل طرف منهما إظهار أفضليته على خصمه والنيل منه .

القسم الثالث من الأدب الدنيوي: (الأدب الغنائي Lyric): ذلك الأدب الذي ينبع من الذات والوجدان بغض النظر عن غرضه، ويشكل الشعر جوهر هذا الأدب بل يمكن ان نسمى هذا الأدب (الشعرpoetry،verse) وكان الشعر في اللغة السومرية يسمى (سر Sir) ما يقابله بالعربية شعر . وقد امتاز الشعر السومري بالتكرار والمقابلة والوصف والتشبيه. وينقسم الأدب الغنائي إلى:

1- الشعر الوجداني (Sentime htal sympathetic poetry)، حيث يغوص الشاعر في وجدانه ويقدم لنا ما يشبه المناجاة الداخلية الذي يفصح فيها عن أسارير نفسه وخبرته وتوتره .

لقد تركني اٍلهي واختفى إلى الأبد

وخذلتني آلهتي، وابتعدت عني .

عني انفصل الروح الخير الذي كان يرافقني .

وهرب ملاكي الحامي يبحث عن اًحد .

2- المديح (أدب) (Laadatory commendatory)، كان العراقيون القدماء يطلقون كلمة (أدب) على المدائح الشعرية التي غالبا ما كانت تؤدى على آلات موسيقية .

3- الرثاء (تبكي) (elegy poetry،eleglac)، وهو أدب الندب والبكاء والعويل في رثاء الملوك والأمراء والمدن وكان الرثاء يؤدى عادة على آلة موسيقية كانت لغة الرثاء في الغالب لغة اطلاقية تربط الموت بالطبيعة والنبات والمصائر وهي بالطبع لغة أدب مبالغ ونلمح من خلالها طريقة التعبير عن الحزن العميق .

4- الفخر (تارو) (Proudor Boast Poetry)، وهو نوع من الأدب أو الشعر الذي كان يكتبه الملوك والأمراء على لسان الشعراء لمديح ذواتهم وإعمالهم .

5- الهجاء (Satric poetry) وهو أدب يهاجم فيه الشاعر عدوا له .

6- الغزل ( Love، Erotic Poetry) فاذا كان الأدب الديني "كالا"قد قدم لنا أدب الغزل الإلهي بين تموز وعشتار فان الأدب الدنيوي سيقدم هذا النوع من الغزل على لسان الملوك والكاهنات في طقس الزواج المقدس.

7- الأدب الأخلاقي (Ethical Literature)، وهو الأدب المكرس لبناء الأخلاق الإنسانية عبر وسائل أدبية عديدة ويحوي مجموعة من الأنواع هي:

(1) الأمثال (Proverbs or Aphorisms)

- ارم كسرة إلى كلب فيهز ذيله لك

- المال، مثل الطير، لا يعرف موطنا ثابتا .

- إذا خرجت تصطاد الطيور، بدون شبكة فلن تصيد شيئا .

- من تحبه عليك إن تحمل ثقل نيره .

- انه محفوظ في كل شيء طالما يلبس، حلة جديدة .

- الزوجة المبذرة في البيت اشد ضررا من جميع الشياطين .

2- نصوص السخرية (texts of irony):وهي النصوص على شكل قصص ذات مغزى أخلاقي معين وأطول نص ساخر وصل إلينا هو قصة (جميل نتورتا)

3 - حكايات الحيوان الرمزية ذات المغزى الأخلاقي (Parables) تذكرنا حكايات الحيوان الرمزية ذات المغزى الأخلاقي في الأدب البابلي بقصص (ايسوب) الإغريقي أو قصص كليلة ودمنة الهندية الأصل، ولابد إن نتذكر إن القصص البابلية هي الأقدم والأشد عراقة في هذا المجال مثل (الثعلب والبحر) ويرد منها الالتماعة الحكيمة الساخرة (بان الثعلب مرّ في البحر فنظر إليه متعجبا ومتباهيا وقال: أكل هذا البحر من بولي (.

4- الوصايا (Commandments):

- لا تفتري بل قل كلمات صالحة .

- لا تتداول بأمور شريرة، ولا يكن لك سوى كلمات طيبة .

- فالذي يفتري، ويقول كلمات شريرة

- سينتظر عبثا مكافأة شمش .

- حتى إذا كنت وحدك، لا تبح بأفكارك الخفية .

- فما تكون قد قلته مرة ستلقاه بعدئذ ..

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

 

بكر السباتين"ملح هذا البحر" فلم فلسطيني يناقش الهوية الفلسطينية في ظل الاحتلال

طرح عميق للقضية الفلسطينية.. صفق له طويلاً في مهرجان كان السينمائي.. يافا وقرية الدوايمة كانتا حاضرتين..

"ملح هذا البحر" فلم فلسطيني للمخرجة الأمريكية من أصل فلسطيني (آن ماري جاسر) هو انحياز للحياة في فلسطين السليبة واستعادة رمزية لها عبر اعمال تدل على امكانية استعادة الحق وتقول ان الحرية تنتزع انتزاعا بقوة الحجة وبقوة الانتماء الى المكان.

الذاكرة كانت حاضرة بقوة من خلال معالم يافا المتبقية وقرية الدوايمة قضاء الخليل تذكيراً بمذبحتها المدوية. عرض الفيلم الفلسطيني "ملح هذا البحر " للمخرجة آن ماري جاسر في اطار قسم "نظرة خاصة" الذي يتضمن فيلما عربيا اخر وهو فليم لبناني يتنافس مع "ملح هذا البحر" على جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان الدولي للسينما في دورته الـ61 عام 2008.

الفلم يعبر عن رؤية إنسانية عميقة لتداعيان الرغبة الملحة للعودة إلى الديار الفلسطينية السليبة وكيف تتبدل الرؤية الشخصية للبطلة ما بين التفاؤل في تفهم الوضع الفلسطيني الراهن والصدمة من الواقع الإحتلالي المخيف. أحد منتجي الفيلم الممثل والمنتج الاميركي "داني غلوفر" القى كلمة قال فيها ان "الفيلم قصة عاطفية وحكاية عن الذاكرة وانا فخور بأني كنت من بين منتجي هذا الفيلم".

وانتج الفيلم بأموال سويسرية وبلجيكية واسبانية وبريطانية وهولندية اضافة الى اموال اميركية وفلسطينية بينما تكفلت شركة "بيراميد" الفرنسية بعملية التوزيع. المخرجة آن ماري جاسر خلال تقديم فيلمها في عرضه الاول عالميا قالت" انها فخورة بان يعرض الفيلم في مهرجان كان وتحديدا في الوقت الذي احيا فيه الفلسطينيون ذكرى مرور ستين عاما على النكبة". القاعة تأججت بتفاصيل الذاكرة الفلسطينية من خلال عرض صور قديمة عن يافا وبحرها الأسير الذي رحل جد بطلة الفيلم منه على مراكب صيد صغيرة ليواجه الأقدار في رحلة اللجوء الفلسطيني وحياة الشقاء في المنافي، من خلال استعادة تفاصيل النكبة بمصاحبة موسيقى اغنية "يا بحرية" لمارسيل خليفة.

ويحكي الفيلم قصة الشابة الفلسطينية ثريا (سهير حماد) التي ولدت في بروكلين بنيويورك وقررت العودة للاقامة في بلدها الاصلي فلسطين. لكن بمجرد وصولها الى المطار حاملةً جوازاً اميركياً تكتشف معنى الحواجز والإغلاق ومعنى ان تكون فلسطينيا تعصف به الأزمات في عالم يتناساه على هامش الأحداث. والمفارقة أنها جاءت بدافع الإستقرار لتلتقي بالشاب عماد (صالح بكري) الذي يحلم بالحصول على تأشيرة للرحيل الى كندا. ويطرح الفلم أزمة الهوية الفلسطينية باقتدار في حسبة لا يتخاطفها الطرح السياسي نحو التشرذم على حساب الرؤية الإنسانية الحقوقية الشرعية.. هذا ما تقوله ثريا للجندي على الحاجز "انا من هنا".

الرمزية في الفلم وعبق الأماكن بعيداً عن التسجيلية الطاغية وظفت للرؤية الواقعية للفلم.. والتلازم بين مسارات الفلم كثف من تداعيات الأحداث وتماسكها.. فالبحر كأنه يحاور العائد فيلتقي مع ثريا بحميمية تلمسناها من خلال عومها الحالم في بحر يافا المملوء بالشوق الجارف، كأنه مكبل بقيود الأسر.. تشاطئه البطلة العائدة ثريا حيناً وتأخذه بالأحضان حيناً آخر. واللحظة الصادمة التي أججت في رأسها التداعيات كانت حين ذهبت ثريا لزيارة بيت جدها في يافا الذي تسكنه اسرائيلية محتلة، والذي بقي كما هو.. تقول ثريا في سياق الفلم" انها مستعدة للتخلي عن هذا البيت للاسرائيلية لكنها تريد اعترافاً بانه كان لها ولأهلها فيما سلب منها عنوة وعلى رؤوس الأشهاد.

ربما في ذلك تعبير عن قابلية الفلسطيني في الإعتراف بالكيان الإسرائيلي اذا ما اعترف هو بحقهم المسلوب؛ وأن يتوقف عن الكذب الدؤوب على الاجيال المقبلة في الدولة العبرية؛ هذا على المستوى السياسي المتماهي مع الفكرة دون طغيان. والصراع على الهوية يدفع ثريا نحو التحدي والثبات عليها معتبرة بأن الوثائق الورقية لا تعني شيئاً إزاء حقها الشرعي بالهوية الفلسطينية النابع من إيمانها بذلك. ويتجلى ذلك من خلال ذهاب ثريا لاستعادة حق جدها من الاموال التي كان يودعها في "المصرف الفلسطيني البريطاني" يقول لها الجميع حينئذْ متسائلين: " لماذا عدتِ!؟" لكنها تجيب باستمرار في أنها من هنا وإن الاوراق الرسمية لا تصنع هوية. وعندما تفشل في استعادة حق جدها الذي تحفَّظ المصرفُ على اموالِهِ بعدَ النكبةِ؛ تسطو معَ رفاقِها على المِصرفِ وتستعيد فقط المبلغَ الذي تم التحفظ عليه وبعضَ الاموالِ الأخرى "كفائدة".

المتابع لمجريات الأحداث التي يفترض في بعض تفاصيلها العنف ورائحة الدم لارتباط الموضوع بقضية مسكونة بهاجس الاحتلال والقتل اليومي ونزف الدم البريء؛ خلت المشاهد من العنف حتى عملية السطو تمت دون إراقة دماء. الذاكرة كانت حاضرة في الفلم بحكم الرابط الذي يجمع اللاجئ بالمكان.. فجدة صديقها خرجت من قرية الدوايمة عام 48 التي حدثت فيها أكبر مذبحة في فلسطين, ثم تعود بعماد في لقائهما الأول إلى ذاكرة يافا المكانية فتعيد على مسامعه اسماء الحواري والشوارع والمقاهي والاسواق في يافا التي هرب منها جدها عبر ذلك البحر المالح.

وفي كل مرة كانت ثريا تجد نفسها في مواجهة جندي يسألها عن أصلها لترد على السؤال بآخر: : انت في الاصل من اين؟. وحين تقرر ثريا ورفاقها سرقة المصرف يقررون ايضا الذهاب للعيش في القدس من دون تصاريح. وكما تغيرت هوية الاشخاص على اوراقهم في فلسطين فان هوية واسماء القرى التي هدم منها نحو 500 بعد النكبة تغيرت وبينها قرية "الدوايمة" التي هدمت كليا ووقعت فيها مجزرة والتي يقرران المجيء اليها فتطوف الكميرا المحمولة في معالم قرية الدوايمة بلغة تجمع بين الرمزية والتسجيل. الفلسطينية آن ماري جاسر وقعت هنا اول عمل روائي طويل لها لتصبح اول امراة فلسطينية تنجز فيلما روائيا طويلا.

وسبق للمخرجة ان وقعت افلاما قصيرة ووثائقية كان آخرها فيلم "كأننا عشرون مستحيل" الذي اجيز في الدورة الماضية من بيانالي السينما العربية في باريس. والفلم في محصلة الأمر نجح في كثير من رهاناته رغم الوهن الذي طغى على آخره نتيجة استخدام ممثلين غير محترفين واتساع مساحة الحوار على حساب السيناريو؛ وهذا لم يؤثر سلبياً على رؤية الفلم وتماسكه.. الفلم طموح وحظي بمكانة رفيعة المستوى على مستوى العال

 

بقلم بكر السباتين

 

محمد المسعوديفي: وليمة الكلام لحسن إغلان

ماذا نقصد بلَعبة التداعي؟ وما تجلياتها في نصوص "وليمة الكلام"؟ وكيف يوظفها الكاتب لتشكيل متخيله السردي؟ وهل تُسهم هذه الخاصية الفنية في بناء دلالة النص وأبعاده الرمزية؟

مما لا شك فيه أن هذه بعض أسئلة أثارتها قراءتنا لوليمة كلام المبدع والباحث حسن إغلان السردية، وهي وليمة تُغري بأطاييبها، وتَلَون أصنافها، ولهذا تقتضي الاستجابة إلى دعوة المبدع حسن إغلان، والشكرِ العميق له على دعوته الكريمة إلى التمتع بما احتوته هذه الوليمة الباذخة فنا وجمالا، والتي تثير أسئلة كثيرة وإشكالات شتى تتعلق بالمحتوى وبالشكل الفني على السواء، غير أننا آثرنا أن ننظر إلى نصوص هذه المجموعة من زاوية النظر التي حددناها في العنوان أعلاه، وانطلاقا من الأسئلة المتصلة بهذه الزاوية.

إن من يتأمل نصوص "وليمة الكلام" يَلفي لَعبة التداعي مكونا جوهريا في تشكيل المتخيل السردي وبناء العوالم الحكائية في كل نص منها. وعبر هذه الإمكانية الفنية يبني الكاتب نصوصه، ويشكل أحداثها، ويطرز حبكاتها السردية، ويؤثث عوالمها الحكائية المتميزة.

في النص الأول من المجموعة الذي يحمل عنوان "رغبة عاشور" نجد فعل الذاكرة وأثر الاسترجاع عنصران جوهريان في تشكل عوالم النص وإمكاناته السردية. تتداعى على ذاكرة عاشور وذاكرة الراوي مشاهد وذكريات عديدة. ويربط السارد هذه المعطيات السردية عبر الاسترسال الحر والتداعي وتصادي الصور والرؤى حتى ليظن القارئ أنه أمام وقائع لا واصل بينها، غير أن تدبر البناء الفني للنص، وتتبع تفاصيله يكشف أن لَعبة التداعي فيه قائمة على عناصر متصلة محبوكة: إن المدار في هذا التشكيل الفني لا يخرج عن تطلعات عاشور ورغباته وإحباطاته، ولا ينفصل عن أحاسيس شخصية "رغبة" ومشاعرها. وعن رؤى الراوي وتأملاته، وبهذا الجمع بين تداعيات الشخصيات الثلاث نرى أن النص القصصي يعرض حكايته في نسق سردي، بقدر ما يبدو، متشظيا موزعا، بقدر ما تجعل منه لَعبة التداعي نصا محكما وفق منطق جديد لا يخضع بالضرورة إلى الشكل القصصي المعهود. ومن هنا تؤدي اللغة، وتصادي المفردات، وانبثاق الصور الذهنية، والمشاهد الحسية دورا فعالا في تشكل المتخيل القصصي. لنأخذ مقطعا من هذه القصة قصد تجلية مدى تمكن لَعبة التداعي من بناء فنية الكتابة في النص وتشكيل دلالاته. يقول السارد:

"... وأنتِ أيتها النجمة لا مرفأ لك غير قلبي كفلقتي رمان تحدثيني عن شجرة رأس السنة التي لها عشرة غصون، ولك غصنُ لعنةٍ وكل لعنة شهادة وكل شهادة عذاب وكل عذاب في القلب، تدخلين مسافة قلبي. تبصرين بحمرته طفلة كحيلة العينين، تعيدين له نشاطه العادي، وتنقلبين كالزئبق في مدارات الحقد الطبقي، تتنوعين بتنوع الرؤيا تكملين الماء في قلعة لم تفارق دفترها الوحيد المخبأ بين نهديها. تخرجه كما أحمر وخربشات قلم مرسومة عليه، قلبا يكون قمرا مشتتا على أعمدة الأمل الصعب، وأنت ترتبطين به تقرئين دون توقف، ترددين أسماء الأصدقاء الهاربين من ظلمة الليل القاتلة، أخرجك من دائرتك ودائرتك وكتفي، تُسقطين أسوار الانعتاق المجهول حيث عاشور يردد كلماته، والأشجار تبحث عن ظلالها الهاربة مع الريح. والناس المساكين عراة يحملون الهموم في قلوبهم... ينتظرون وصول آخر قطار ليلي، ويغنون: صامدون... صامدون... صامدون.."(وليمة الكلام، ص.10)

هكذا، ونحن نقرأ هذا المقتطف السردي من نص "رغبة عاشور" نلمح مدى تلاعب السارد ببعض الكلمات وتردادها، وتركيبها في سياق صور سردية تتوالد وتتصادى. ومن خلال هذه اللَعبة الفنية تتشكل في ذهن القارئ دلالات، ويمسك برؤى يصنعها متخيل هذا النص. وبهذه الكيفية يدرك المتلقي أنه أمام نص يسرد حالة إحباط عاشور وانكسارِه، ويعرض حلمه بإمكانية تغيير واقع مظلم، وهو يستحضر "رغبة" تلك النجمة التي لا مرفأ لها سوى قلبه المعنَّى. وعبر تداعي الصور والدلالات نرى تطلع عاشور يختلط بتطلعات الناس الذين يحملون مثله عذابهم ومعاناتهم وينتظرون وصول قطار ليلي قد يذهب بهم نحو انبلاج الفجر وتحقيق الأمل الصعب، وهم يصرون على ترداد شعار الصمود والتحدي.

بهذه الشاكلة كان هذا المقطع السردي، على الرغم من توظيفه الرمز والمجاز والاستعارة والتكرار والتنغيم الصوتي وغيرها من الأدوات الفنية التي نجدها في النصوص الشعرية عادة، مقطعا سرديا خالصا يغوص في أعماق الراوي، وفي كنه شخصية عاشور ليجلي لنا رغبة جلية في تحقيق الحرية والأمل المتطلع إليهما. وهما مدارُ هذه القصة ومحورُها، وهي "رغبة عاشور" الحقة، قبل "رغبته" في المرأة "رغبة" وبعدَها.

وبالانتقال إلى نص "مزهرية فارغة" نعثر على أدوات فنية أخرى يتوسل بها السارد ليشكل لَعبة التداعي، ويبني عوالمه المتخيلة. إننا هنا أمام تشكل النص من خلال حوار مضمر بين السارد الذي يحكي بضمير المتكلم وأنثى لم يسمِّها، أو يسمها بوسم مخصوص، ولكن قرائن النص ومعطياته تنبئ القارئ عن استحضار سيدة الحكي بلا منازع في التراث الإنساني: شهرزاد، ومن خلال هذا الاستدعاء تتداعى الصور وتنبني رؤيا السارد لذاته ولما يجري من حوله؛ هذا من جهة؛ ومن جهة ثانية من خلال المنولوج تتشكل بعض قسمات هذا النص القصصي الفنية، وتتضح أبعاده الدلالية والرمزية؛ ومن جهة ثالثة تُسهم مخاطبة الراوي للشخصية، ومخاطبة الشخصية للراوي في بلورة جوانب أخرى من قلق شخصيات النص وتوترها، وانغماسها في مأدبة الكلام الباذخة التي لا تكاد تنتهي أعاجيبها. وبهذه الشاكلة يجعل النص من الكلام ومن الكتابة محورا جوهريا في عملية السرد. ولعل التداعي القصصي في هذا النص بما تضمنه من إمكانات فنية يبين أن مدار الكتابة السردية في "وليمة الكلام" هي الكتابةُ ذاتُها، باعتبار أنها تجل واضح لرغبات الذات الساردة، وهي تتفاعل مع العالم، ومع الذات ذاتِها. وباعتبار الكتابة أداة فعالة لقتل كوابيس هذه الذات كي تحلم أحلاما مشرقة أكثر، وكي تتحرر من ثقل العالم ووطأة عفنه وظلامه. وقد كان البناء الحواري للنص بتشكلاته الثلاثة المشار إليها أداة فعالة في تحقيق تماسك النص القصصي وتلاحم عناصره، على الرغم مما يبدو عليه من تشظ وتبعثر. وقد اختار الكاتب هذا النمط من الصياغة الفنية ليوصل رؤياه القصصية، ويصورَ ما يقع لشخصياته وما تستبطنه من مشاعر وأحاسيس ورؤى بلغة سردية ملائمة. وكما توسل السارد في نص "رغبة عاشور" بتصادي الكلمات، والصور، والمشاهد، نلفي في نص "مزهرية فارغة" نفس الأدوات الفنية، تنضاف إليها السخرية التي كانت أداة فعالة في تشكيل دلالات هذا النص وصنع فنيته، وقد اقترنت هذه الأداة الفنية بالحوار الداخلي (المنولوج) الذي يعد عنصرا من عناصر بناء لعبة التداعي وتشكل النص القصصي. يقول السارد في مشهد سردي طريف:

" جلست وسرحت في تخيلات أخرى حتى توقفت عند الراوي: هذا النمام الذي يريد نشر ليلتي في كراسته جاعلا مني وليمة للكلام والقراءة والسمع والرؤية. "خنزرت" فيه وقلت ابتعد عني فأنا لا أملك في هذه الليلة إلا ظلالَها. مد لي سيجارة أشعلها برقة وانسحب. وفي انسحابه قال سأدعك أسير كوابيسك وأحلامك حتى تستريح، وقلت: ما شأنك بي؟ أشعل الضوء وانسحب". (وليمة الكلام، ص.61)

هكذا تتحول علاقة الشخصية المحورية في النص بالراوي، وهو مضاعف للشخصية ومرآة لها، إلى علاقة توتر وصدام. ويتبدى في المشهد الحس الساخر، والتهكم الواضح من دور الراوي الذي يُنعت بالنمام الساعي إلى نشر أسرار الشخصية وفضحها، ويكشف هذا الحضور البين للسخرية عن رفض الشخصية وتمردها من جهة، كما يبين طبيعة البناء الفني القائم على لعبة التداعي التي تجعل من هذه الإمكانية أفقا للسرد وتشكيل متخيل النص، من جهة ثانية.

وهذه الخصيصة نلقاها في نصوص أخرى عديدة في هذه الإضمامة الحكائية. غير أننا سنقف عند نص "هنا المرقص والدعوة عامة" لنجلي دور السخرية في تشكيل لَعبة التداعي وبناء المتخيل القصصي. في هذا النص الطريف يجد القارئ نفسه منخرطا في عالم لا يخلو من غرابة وفنتازية تجعله يقبل على ما تصنعه الكلمات، وما تقدمه له "وليمة الكلام" من وجبات خفيفة طريفة سريعة الإيقاع، لكنها من حيث الدلالة عميقة ثقيلة الوقع. يقول السارد في مشهد دال من مشاهد هذا النص القصصي:

".. تركز نظري على المدينة، وأنا أحوم حول فراغها الصاخب إذ بطفلة (..) تحمل شارة فتوتها وإغرائها من بيت قصديري، واضعة جاكيتة جلدية بين دراعيها حاملة "صاكا" صغيرا بني اللون، سألتْها أمُّها كما سمعتُ إلى أين..؟ قالت: للعمل، قالت: أي عمل أيتها الممسوخة.. قالت: المرقص يا أماه بينما الأخ الكبير الملتحي في الجهة الأخرى يقلقل سكونه ويدعو السترة من الرحمان. تابعتُ طريقها إلى طريقِها بلهفة المنجذب، ساعيا للمعرفة، أوقفتُها فقالت: إيه يا شيخ.. قلت: عفوا أنا الآخر ابن البلد، نعم أنا صحفي من مجلة "خربوشة" ابتسمت وقالت: (ودوخة ابتسامتها كادت تقطر ماء الحياة) كيف جيتك؟ قلت: جميلة كالمرقص.. قالت: خذ صورة وانشرها في مجلتكم سأدفع ما دفعته ابنة المعطي أنت تعرف هذا، كل شيء بثمنه.. فأنا مغنية، ولكن الحظ عاكسني فلم أجد إلا باب المرقص.. أخذت صورة كما طلَبَت، ثم دققت النظر في جسدها، وجدته زهرة جميلة تحمل تعبا بدويا خاصا، وهنا رأيت المدينة كرة ثلجية تذوب بين نهديها، لمست النهدين للتيقن مما رأيت، إذ بعينيها الكحيلتين تنزلان على اليد الممدودة على النهدين. أزالت اليد.. وهي تقول: لم نصل بعد إلى هذا، لكن انشر الصورة وسأعطيك.. قلت متجاهلا: ماذا؟ قالت: ألا تعرف؟

فاندفعتْ بقوة إلى الرصيف اللامع، هناك لم أستطع ملاحقتها، واكتفيت بقراءة لافتات الإعلان عن افتتاح المرقص حتى حفظت بعضها مثل:

- المرقص رمز الوحدة العربية

- المرقص رمز النماء

- باستعمالكم أدوات المرقص ستحلمون أكثر

- مرقص ألف ليلة وليلة يهديكم ليلة بالمجان.

خرجت من هذا الفراغ الباذخ وتهت ثانية مع الكرة الثلجية التي ضيعت المدينة.." (وليمة الكلام، ص.19-20)

استشهدنا بهذا المقطع الطويل من القصة قصد الوقوف عند المشهد كاملا، وبغاية تجلية مدى حضور السخرية في النص القصصي ككل، وكيفية انبنائها من خلال لَعبة التداعي، والاسترسال في تشكيل العوالم الحكائية، ويناء المتخيل انطلاقا من هذه الخاصية الفنية. وهكذا لاحظنا خفة وسرعة إيقاع السرد في هذه الصورة السردية، وهي تحكي بسخرية لاذعة تحولات الواقع وتبدلات المجتمع وسقوطه في مستنقع الابتذال والمسخ والزيف والنفاق... وغيرها من السمات السلبية. وهكذا يجد القارئ نفسه أمام نص قصصي يحكي عن أشياء كثيرة في سياق سردي حكائي يحتكم إلى بلاغة التلميح والتكثيف مع توظيف إشارات ترميزية دالة إلى واقع سياسي/اجتماعي عفن، وإلى زيف قيمي وأخلاقي/ديني لا يمكن إغفاله، عبر لَعبة التداعي، وعن طريق سخرية شفيفة، وتهكم لاذع.

ولا يخفى التوظيف الذكي للحوار بين الصحفي/الراوي والفتاة البدوية/ المدينية التي عاكسها الحظ، ولم تجد سوى الرقص سبيلا للعيش. وبهذا التضافر بين الحوار والسرد في سياق تداع مسترسل تتشكل قسمات النص وعوالمه الحكائية الطريفة، وعن طريق هذه الإمكانات جميعا تنبني السخرية في بعدها السردي الذي يكشف علل المجتمع واضطرابه.

انطلاقا من كل ما سبق نؤكد أن نصوص "وليمة الكلام" كانت فعلا وليمة فنية باذخة بإمكاناتها الأسلوبية والبلاغية، وبأبعادها الدلالية والرمزية التي وظفها حسن إغلان بحرفية إبداعية لا يصيبها شك من قريب أو بعيد. وقد تمثلت هذه الحرفية الإبداعية العالية في تمكنه من توظيف لَعبة التداعي وجعلها أساس تشكيل نصوصه فنيا ودلاليا، وفي جعل الأدوات الفنية الأخرى التي يستعملها في كتابته السردية عناصر فعالة ضمن هذه اللَعبة الإبداعية المتقنة.

 

محمد المسعودي

.....................

- حسن إغلان، وليمة الكلام، JMK Print، الدار البيضاء، 2000.

- شاركت بهذه القراءة في ملتقى الصويرة للقصة القصيرة الذي نظمته جمعية أيام 14-15-16 دجنبر 2018.

 

 

الكبير الداديسيإذا كانت مهمة النقد غربلة ما يقدم للمتلقي وتمييز الغث من السمين والتعريف بالأعمال الجادة القادر ة على تنمية الوعي والذوق الجماعي فإن مسؤولية ناقد القصة القصيرة جدا تبدو أعظم، لأنه يتعامل مع ننوع أدبي مستحدث، زئبقي، مكثف حي لا زال ينمو ويتفاعل مع محيطه مما يحتم عليه البحث عن جهاز مفاهيمي وعن مصطلح نقدي وفق منهج يتناسب والحالة الطارئة في عصر يسعى لتسليع كل شيء، وما كان لي أن أكتب عن القصة القصيرة جدا إلا بعد قراءة عدد لا ببأس من المجموعات سمحت لي ببداية بلورة تصور حول هذا "النوع" الذي غدا يفرض نفسه تدريجيا على القارئ العربي...

لا خلاف حول كون "القصة القصيرة جدا" من أكثر الأنواع الأدبية حداثة في أدنا العربي، ورغم حداثتها فإن ما تراكمه من نتاج يحتم ضرورة مواكبة مستجدات هذه الكتابة المجهرية الزئبقية المنفلتة من المعيارية المدرسية والتي يكاد يكون الاتفاق حول ما يفردها من خصائص تتلخص في قصر الحجم، والإيحاء، التكثيف، وحضور سردية موجزة، تنبني على الرمزية و اعتماد التلميح بدل التصريح و السعي إلى تجريب قول كل في شيء جمل قصيرة موسومة بحركية غايتها توتير المواقف وتأزيم الأحداث في كتابة مبنية على الحذف والاختزال عبر بلاغة الانزياح والخرق الجمالي. وهو ما يجعل منها كتابة نعرفها ولا نستطيع أن نعرّفها، بل لا زلنا نختلف حول تسميتها وتجنيسها.

و" القصة القصيرة جدا " من الناحية التركيبية مكونة من ثلاث كلمات: الأولى تتضمن معيارا نوعيا يحدد النوع الأدبي (قصة) فيما الكلمتان الثانية والثالثة تتضمننا حكما بمعيار كمي يحدد الحجم (قصيرة جدا) ومن تمة فالتركيب لا يحيل على شكل أو نوع جديد وإنما يحدد حجما لشكل كان موجودا هو (القصة القصيرة)، ولو كان الأمر يرتبط بنوع جديد لاختير له مصطلح يناسبه، والك يعلم أن معظم النقاش الذي يثار في السنوات الأخير يدور حول كلمة " جدا" ما دام مصطلح "القصة القصيرة" متداول ولم يعد يثير ناقدا . أما "جدا" تلك فليست سوى خصيصة وسمة خارجية لا علاقة لها بالخصائص البنيوية، والسمات المميزة الداخلية للنوع، وقلما وجدنا في تاريخنا الأدبي تحديدا لنوع / شكل أدبي باعتماد معيار خارجي وحيد يتمثل في الحيز الجغرافي الطباعي الذي ينشر عليه النص...

أما من الناحية الدلالية الكل متفق على أن القصة القصيرة جدا هي كتابة أشبه ما تكون بهايكو سردي، فرضه زمن السرعة، ليتماشى وزمن السندويش وال SMS  ويقدم للقارئ وجبة سريعة قد تكون مكونة من جملة سردية واحدة، وقصة أحيانا أقصر من عنوانها فنجد عنوانا مشحونا بالدلالات والإيحائات التي لا تنتهي وتحته قصة قزمية مكونة من جملة، أو جملتين... صغر الحجم يحيل اللغة سهاما مصوبة نحو الهدف، ويجعلها شكلا تعبيريا منزاحا عن الأشكال التقليدية وهو ما يفرض على النقاد تغيير أدوات القراءة التقليدية، والبحث عن بدائل في مقاربة هذه الكبسولة المكثفة، والمادة زئبقية التي تنفلت من قارئها قبل الإمساك بها، تحدث به زلزلة في ما يشبه "اللذغ على عجل" تتلاشى ذبذباتها سريعا كما السفينة ترج مياه البحر لتعود المياه لهدوئها بمجرد مرور السفينة...

وعلى الرغم من مضي سنوات على تداول هذا النوع من الكتابة في ثقافتنا المعاصرة فإنه - ككل شيء جديد يكون له أنصار مؤيدون يدافعون عنه، و معارضون رافضون يتصدون له- فإنه لا زال يطرح عددا من الإشكالات أمام القارئ من أهمها: 

إشكال التسمية: صحيح أن تسمية "القصة القصيرة جدا" تكاد تكون التسمية الأكثر تداولا، لكن من حين لآخر تطالعنا تسميات يقترحها نقاد يتابعنا تطورات هذه الكتابة منها " القصة البرقية" بحسب يوسف سامي اليوسف، وأطلق عليها الكاتب السوري رياض عصمت (القصة الصرعة)، وسماها القاص الفرنسي فيليكس فينون (قصص السطور الثلاثة)[1] وهناك من يسميها الشطية، الومضة، الأقصوصة، ومن يطلق عليها أيضا اللوحة،، المشهد، الخاطرة، المقطع، الشذرة... ونحن نرة أن الوقت قد حان لحسم التسمية لأن تعدد الأسماء ليس سوى مدعاة للبلبة والتشكيك.

إشكال الأصل : لا زال المتتبعون حائرين في أصل القصة القصيرة جدا، بين يراها نوعا سرديا متطورا عن القصة القصيرة لما تتوفر عليه من سرد، حكاية، أحداث،شخصيات، لحظة الاكتشاف، المفاجأة والخاتمة... وبين من يعتبرها متطورة عن قصيدة النثر، لما تشتمل عليه من لغة شعرية، هيمنة الغنائية، واستعمال لغة مرسلة توظف أدوات الشعر من مجاز وانزياح وصورة فنية ... ومن يرجعها إلى الشعر الحر لاعتمادها نظام الأسطر والمقاطع، وحسن توظيف البياض مع الإفراط في توظيف البديع التوريات، الطباق والجاس والاعتناء بالجانب الصوتي... لكن يبدو هذا النقاش مجانيا ما دام هذا النوع قد اختار تصنفه بالانحياز إلى القصة القصيرة واكتفى بإضافة "جدا" ليميز نفسه.

إشكال التجنيس: إذا كان التجنيس يبدو مرتبطا بإشكال التسمية، فإن سؤالا من قبيل: مصطلح نسم به القصة القصيرة جدا يبقى مشروعا. فهل هذه الكتابة تشكل نوعا أدبيا قائما بذاته أم هل هي مجرد صنف من جنس كان متداولا خاصة أمام تعدد المصطلحات المستخدمة في نظرية النوع والتي تشير إلى اختلافات حول مفهوم النوع نفسه "وان مصطلحات من قبيل نوع Genre، وصيغة Mode, ونمط Type، وصنف Class تشير إلى سمات نوعية متباينة يتكون منها مفهوم النوع الأدبي وكلها يمكن أن تستخدم على نحو يجعل منها مصطلحات مترادفة أحيانا ومتباينة أحيانا أخرى"([2])، خاصة إذا أضيفت إليها مصطلحات أخرى من قبيل الطريقة، الشكل والجنس الأدبي، أمام وجود تيار جارف اليوم ينحى إلى اعتبار (الأعراف والمواضعات هي التي تحدد جنس/ نوع الخطاب المعاصر لأنه ليس له خصائص مميزة ملازمة أي أن المتلقي هو الذي يمنح الهوية)[3] مما يطرح سؤالا شائكا: من يحدد النوع أهو الكاتب، المتلقي أم السمات المميزة للنوع؟

وللخروج من هذه الحلقة المفرغة سنحاول التعامل مع "القصة القصيرة جدا" انطلاقا من التسمية كصنف من أصناف، أو صيغة من صيغ القصة وكفى النقاد شر النقاش المجاني. 

 إشكال الأصالة : هناك خلاف كبير حول مدى أصالة هذا الصنف بين من يعتبره شكلا تعبيريا دخيلا على الثقافة العربية كانت بدايته بأمريكا اللاثينية، ومن تمة فهو ليس إلا شكلا تعبيرا مستوردا جرفته إلينا عولمة الثقافة التي حطمت الحدود وسمحت بتسلل عدد من الأشكال والوسائط التعبيرية إلى ثقافتنا العربية، وبين ن يعتبره جنسا أصيلا وتطورا طبيعيا لأشكال تعبيرية كانت متداولة لدينا منها المحدث كالقصة القصيرة ومنها القديم المتمثل في الأشكال الحكائية الشعبية الموروثة كالنكتة، والناذرة...[4] 

 ومهما يكن فالقصة القصيرة اليوم في العالم العربي صارت نوعا أدبيا من تجليات ما بعد الحداثة، وشكلا يسعى ل (يُحرز بأقل حجم من الكلام أكبر حجم من المعنى) ولأول مرة يكون للعرب شكل تعبيري يُؤجرئ القول المأثور (خير الكلام ما قل ودل) و قول أبي العتاهية

وخير الكلام قليل الحروف    كثير القطوف بليغ الأثر

على الرغم من الهجوم العنيف الذي شنه بعض المعارضين على هذه التجربة التي وصفوها بالمسخ الذي لا يعرف أصله، وحمار الكتاب، والكتابة غير الناضجة التي لا يلتجئ إليها إلا الضعاف البُغاث الذين لا يقوون على التحليق في الأجواء العليا للكتابة، مما يجعلها تفتقر إلى رؤية دقيقة تتماشى والواقع وهي أشبه بالحركة الدادية (Le Dadaisme) لا تعني شيئا ولا تحمل أي محتوى وكل همها هز الممارسات التقليدية وتكسير القيم السائدة والسعي إلى صفة " العمل الفني" على كل تافه، وأنها تكرس الكسل وتشجع العزوف عن القراءة في مجتمع لا يقرأ أصلا.

وعلى الرغم من تعدد الإشكالات التي تعترض دارس القصة القصيرة جدا فلا يسعنا إلا دعم التجربة ورعايتها ومصاحبتها بالنقد - حتى لا تظل مجرد نزوة وموضة عابرة يجذب بريقها كل من هب وذب بحجة خرق المألوف- لقناعتنا بأنه لن تستطيع أن تقف على رجليها و تفرض نفسها، وتحدد الاتساق والانسجام بين خصائصها التي تفردها وتميزها عن غيرها من الأجناس، ما لم يصاحبها تراكم نقدي يساهم في بلورة وتطوير النوع، حتى يجد هذا النوع الأدبي تجاوبا من المتلقين فلا استمرار لي جنس أو نوع لا يقبل عليه أحد، عسى يكون لهذا النوع أثر في الذوق العام مادام يتوفر على قدر من الأدبية تؤهله ليوصف بنوع أدبي، وإلا سنضيع على ناشئتنا فرصة التفاعل مع هذه الأشكال التعبيرية القصيرة التي أنتجها عصر السرعة والتي تجمل في طياتها بذورا هجينة تجمع الأصيل بالمستورد، والقديم بالجديد... لأنه مهما تغيرت ملامح النوع فـإنه (يستمر في الحياة كصنف عن طريق الربط المعتاد للأعمال الجديدة بالأنواع الموجودة سلفا، وقد يتعرض النوع لتطور وأحيانا لثورة مفاجئة، مع ذلك وبسبب الربط المعتاد للعمل الأدبي إلى الأنواع المحددة سلفا يحتفظ النوع باسمه على الرغم من حدوث تبدل جذري في بناء الأعمال التي تنتمي إليه) [5]

ومن بين خصائص القصة القصيرة حدا، قدرتها – رغم فزمتيتها - على الجمع بين الشعرية والحكائية، لكن رغم حضور الشعرية فالسرد أو الحكائية تبقى السمة المهيمنة فيها. فمهما حاول كاتب القصة القصيرة جدا التخلص من الشخصية القصصية التقليدية، والاقتصاد في الأوصاف، أسماء العلم، الأفعال الكلامية، الأدوار المواقف ومن التسلسل والتراتبية، ومنطق الأحداث وزمنية القص... فإنه ما يزال يجد صعوبة في تدمير الحكاية[6] . لتتمكن القصة القصيرة جدا من كتابة شهادة وفاة البناء الموباساني الثلاثي (مقدمة عقدة، نهاية/حل) لتحيل القصة إلى تجربة نفسية في جمل سردية شعرية مكثفة بسيطة ينتفي فيها الوصف، الشرح، والتفسير. تقوم على ثنائيات ضدية تضع في اعتبارها ثقافة القارئ حتى تؤدي رسالتها، لقيامها على انزياح اللفظ والمعنى في بنية هلامية تنفتح على النكتة، الطرفة، الخرافة، الفلكلور،المقالة، الشعر والقصة القصيرة... فتكون بذلك أهم خصائصها استهداف تقنيات الجملة بدل تقنيات النص، وتقدم للقارئ كبسولة سمتها التكثيف اللغوي، اختزال المضمون، المفاجأة و تخييب أفق انتظار المتلقي....

 صحيح أن القصة القصيرة جدا فيها جل خصائص القصة القصيرة من شخصية، زمان، مكان، حوار والسرد... لكن كل هذه الخصائص تستحيل أطيافا فقط ... فلا خلاف حول كونها نصا حكائيا، وكل حكي لابد أن يتضمن وجود حكاية (حدث) وطريقة للحكي (سرد) لكن الحدث فيها لا يخضع للنمو والتسلسل والدرامية، بل إن الحدث ما يكاد يبتدئ حتى تكون نهايته ليضرب عرض الحائط كل تلك التقنيات التي نظر لها علماء السرد حول  أنواع البناء السردي (تصاعدي تنازلي، دائري، التضمين، التناوب،الاسترجاع ...) وحول الرؤية السردية كما حددها منظروها أمثال جيرار جينيت، تزفتان تودوروف وبول بويليون (من خلف، من خارج، مصاحبة) وطرق مقاربة أنواع وأدوار الشخصيات (الشخصية النامية، البسيطة، مفهوم البطل، والشخصية الرئيسية ...) وما نظر له هنري جيمس وبرسي لوبوك في السرد بين: الأسلوب "البانورامي" والأسلوب "المشهدي" ناهيك عن ومقاربة الأبعاد النفسية الاجتماعية الثقافية للشخصيات بذلك تقف القصة القصيرة جدا عصية ترفض الخضوع لنظرية العوامل، والخطاطة السردية، رافضة قبول دراسة مفاهيم الزمن ( زمن النص، زمن الخطاب، زمن القصة،، الاستباق، الاسترجاعي، الخلاصة، واستحالة مقاربة المكان (المفتوح أو المغلق) بالطريقة التقليدية التي تبحث في أبعاد الأمكنة الجمالية، الجغرافية، الحضارية الطبيعية،السياسية الاجتماعية، و .... لأن لا شيئ لكل هذه العناصر وغيرها في القصة القصيرة جدا، وإن وجدت فمجرد تلميح أو شبح يصعب الإمساك به وجعله موضوع دراسة علمية دقيقة. فلا مجال في الق ق ج يتسع لكل تلك التقنيات التقليدية لذلك كان التكثيف خاصيتها الأساس، تكثيف يتجاوز الإيجاز بمعناه البلاغي، التي التكثيف المنفتح على التناص بالإحالة على نصوص غائبة في لغة موحية رمزية مشحونة بإحالات أسطورية، لغة منزاحة كثيفة ومكثفة بإيقاع يجعل من أسطر قليلة دلالات تضيق عنها الصفحات إذا بحثنا لها عن تفصيلات... لتصبح القصة القصيرة جدا (فسيفساء من نصوص أخرى أدمجت فيه بتقنيات مختلفة) [7]  ويفتح التناص باتساعه في هذا النص المكثف كوة وفضاء رحبا لا حدود له، لما يتيحه من انفتاح على نصوص كبرى في القرآن الشعر الأسطورة الخرافة .... فيصبح التناص عامل إخصاب للق ق ج ومولد للمعاني ... وهو ما يغري بمتابعة تجربة القصة القصيرة جدا حتى وإن كانت لا زالت تعتمد على التجريب بحثا عن فرادتها / تتنصل تدريجيا من معيارية العناصر التقليدية للقصة القصيرة بركوب المغامرة،

يستنتج إذن أن الفترة المعاصرة كتابة أدبية حديثة قد يكون الكاتب فيها ملتزما لكنها بالتأكيد غير ملتزمة، لهيمنة الذاتية والغنائية فيها ـ ولأن لا التزام للنص أصلا، خاصة أمام تحطيم الحدود الذاتية الفردانية نقل الصراع من الواقع إلى أعماق الذات وركوب الانزياح، الأسطورة والتناص والاكتفاء بالتلميح مع خصوصية مستهلك الأدب في الفترة المعاصرة، وطبيعة القصاص الذي غدا يكتب عن أوضاعه النفسية أكثر من كتابته عن أوضاعه الاجتماعية، ليجعل هدفه إشباع حاجة خاصة أكثر من إشباع حاجات المجتمع، ذلك القصاص الذي لا يقرأ للمبدعين أمثاله بقدر ما يراقبهم ويترقب هفواتهم، كتاب يشتكون فقرا في التنظير ويسعون بكل الوسائل إلى إثبات أنفسهم ككتاب عبر وسائط متلهفة لملء برامجها بكل من يدعي الكتابة في زمن إخراج كتابة القصة القصيرة جدا من جبة الأكاديمي

 

 ذ. الكبير الداديسي

......................

[1] - عن كتاب مدخل لدراسة القصة القصيرة جدا في العراق حمدي مخلف الحديثي ص 22

 ([2] ) - تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة: 35.

[3]  - محمد مفتاح دينامية النص المركز الثقافي العربي ط2 الدار البيضاء 1990 ص 157

[4] - خيري دومة : تداخل الأنواع في الق المصرية القصيرة ص 251 

[5]- نظرية المنهج الشكلي: 214.

[6] - طالع كتاب أفق التجريب في القص المحدث

[7] مفهوم التناص بشير القمري تحديدات نظرية مجلة شؤون أدبية عدد 11 سنة 1990

 

ابراهيم رحيم"الشّعر يكون، حيث العالم، في مثل حياء الحجرِ وصمتِه، جاهزٌ، كل لحظة، لكي ينغلق على نفسه، أو يتغطى. العالم الشّعري الحقيقي هو العالم شبه الصّامت، المكشوف المحجوب في آن"  (الأديب والشّاعر السّوري أدونيس).

الهايكو، قالب ياباني قصير، مكوّن من 17 مقطعاً صوتياً  (في لغته الأصليّة) موزَّعاً على ثلاثة أسطر  (5 / 7 / 5). له تاريخ طويل وتاريخياً في القرن الرابع عشر قد انشق من قالب آخر هو التان - كا أو الوا - كا وفي أواسط القرن الثامن عشر كان قد بلغ شعراً مستقلاً تماماً له ضوابطه الخاصّة. ليس للهايكو أي قافية أو ايقاع، كل ما فيه أنّه يصوّر لنا صورة قصيرة ذات بعدٍ حسيٍ كثيف، موجزاً بمفردات قليلة وبشروطٍ فنيّةٍ ضيّقة.

الهايكو روح الشيء وباطنها، ذات شعريّة طلقة ناريّة ناعمة لذيذة، تكون ساريّة بحرارة النّقر الدّمويّ في شرايين القلب، نفاذّة في زجاجة الروح دونما جراح وموضع طيرانٍ حرٍ للخيال الصّامت، عَقب معان حسيّة مستخدمة في هذا النّمط الشّعري؛ أساليب توظيف الحواس مثلاً ودونما فعاليات ذهنيّة معقدّة أو بعبارة أخرى أن تخف في صياغته، حدّة العمليّة العقليّة تلقاء الواقع وأمام خضم الأحاسيس المجردّة وأن يتمرّد فيه، التّدفق الشّعوريّ المنساب انسياب الدّمع، على فن التخييل!

 - من هذا الجانب، الهايكو ليس بشعرٍ فقط بل هو طريقٌ للحياة أو الحياة عينها، بجمالها النّاقص طوراً والكامل طوراً آخراً، ضمن تجربتنا الشّهودية الحسيّة ومن هذا المنظار هو فن بصري يوصَفُ بالكتابة عن طريق النّظر في الأشياء وإطالة البصر وعلى المتلقي العالمي أن يستحضر الشّعريّة التأمليّة هذه، بطء رفرفة الخيال؛ تلو قائله الّذي قد كتبه إثر تأمل عميق وفكر أصيل ومراقبة حادّة في الطّبيعة والذّات (مكتب الزِّن) !

بهذه البساطة يوجّهنا الهايكو نحو كتابةٍ مباشرةٍ، بل يدفعنا لتناقل جماليّات بصريّة عاريّة الشكل، بطريقته الأدبيّة المحاكاتيّة دون تكلّف في مجاراة الواقع وتشويهه أو تمويهه بعناصر اللّاواقع المفسدة لوضوح مرآة الواقع المنعكس في نص الهايكو، حيث يجعل الشيء المحجوب مكشوفاً والظّاهرَ الخفيَ، ظاهراً جليّاً، ذات روحانيّة دافئة بعدما كان جامداً بارداً لا روح له ولا صفاء!

الأهوازي توفيق النّصّاري، نشر للأسواق مجموعته الهايكويّة الأولى تحت عنوان رائحة الطّلع عن دار هرمنوطيقيا للتوزيع والنّشر بعبادان  (كانون الثاني / يناير 2019) وتمّ ما بدأ، من محاولتا توجيه وتوسيع، لهذا النّمط الشّعري من بوابة النّشر الرّحبة، على قدمٍ وساق.

لا غرو، إذ بات إسمه متداعٍ لهذا القالب الياباني ذي الجذور العميقة وهو يحاول منذ سنوات أن ينفخ في أجواء الأهواز الشّعريّة، روحها النّاعمة النّقية، بنعومة الموطن الشّعريّ الأصلي لها؛ فتراه يجعل من البيئة الأهوازية حقلاً خصباً لبذورها المثمرة وموضع سقيٍ لمطيّته الشّعرية نفسها وذلك لاشتباك شعريّة الهايكو بالبيئة والعالم الطّبيعي من حولها وتواشجها الأصيل واستمراريتها في باطن الإنسان وتوحيده بها كذلك، كيف لا وإذ البيئة كلمة مهذبّة نستوحي منها أصدق وأنبل مشاعرنا، فهي الأصل والجذع ونحن الفروع.

في صياغة الهايكو نحن أمام صمت كلامي وسيع ودفقة شعوريّة بطيئة الإنتفاض، حين تصل لذروتها تتمخّض منها أصدق المشاعر كالعشق والفرح والحزن والكآبة إلخ.

هكذا يعبرّ النّصّاري عن هذه الدُّفقة الشّعوريّة بكلمات موجزة:

يا له من حزن!

في النّهر

لا يتدفّق القمر  (ص 6)

فالقمر كان منذ الأزل صديق المياه والنّهر مرآته الأجمل ولكن ما أعطى هذا الهايكو منزلة شعريّة رقيقة ذات رؤية جديدة، جفاف النهر، إذ لم يعُد ممتلئاً مثلما كان والشّاعر لم يعُد يرى إنعكاسه الجميل، مثلما تعوّده فيما مضى من الزّمن؛ فيحزن ويحكي بإقتصاد عمّ يراه؛ بهذا يُحسّس المتلقّي خير تحسيس، بما كان وما حلّ بمصير النّهر تلو هذه الدُّفقة الحسيّة المتعاليّة من أحاسيس الحزن.

 

الهايكو هو الشّعر النّاعم أي يستضيف عناصر الطّبيعة ورموزها بين أطرافه ويستعبدها ويصفها كما تراها العين دون اجتهادات خياليّة ودونما أي مبالغة في التّنقيح والسّعي وراء الفنون البلاغيّة البيانيّة من كناية وإستعارة وإلخ، أي إعادة تصوير الحياة وإيجادها دون بناءها، مستفيداً بالعواطف الجياشّة لنقل الصّورة بتعبير مباشر ذات جرعة شعريّة ثقيلة:

نقطة التّفتيش...

يمرُّ بلا قلقٍ

سنونو الرّبيع  (ص 25)

و هل لنا نحن المصابون بداء الخوف من الفتك دونما أي ذنب، أن نعبر من سيطرات الشّرطة دون قلقٍ ما! فها - هنا الشّاعر يبرز نقطة التّفتيش أمامنا ثم بتكبير الصّورة للسنونو وحدها يجرحنا بواقعٍ لطالما تحاشيناه وأمنيّة لا نعرف متى تتحقّق في بلدان الخوف؛ علّ طير الحريّة أتانا بربيعٍ أزال الخوف والقلق القارّان في دواخلنا وأنقذنا من شتاء السّيطرات...

المحاكاة ونقل الصورة بحياد هما أهمّا ميزتان مرتبطتان بهذا القالب الشّعري، فالشّاعر الهايكوي يرسم على الورق ما يباشره بالنّظر العذري ويسمع في القلب رنينه الفطري، حتّى تومض في سماءه الشّعريّة نيزك الصّورة السّاطعة، فيرسمها هو بدوره كما شاهدها وببراعة المشهد الأصلي دونما أي تصرف آخر:

توقّفَ المطر...

النّخلةُ

لا تزال تقطُر  (ص 18)

أوَلاْ يحدث أن نحدّق لبرهة زمنية في شيء ولا نراه! أو تغاضينا عن بعض تفاصيله إثر الإنشغال ببعضٍ أُخَرٍ. السّماء أفرغت فيما جوفها من أمطار! فنبدأ بتعقيب السّحب أو نشم رائحة التّراب أو تجرفنا الذكريات لأحضانها القديمة، هذا ومن ثمّ نسمع رنيناً كأنّه المطرَ، مستمرٌ، كأنّ غيمةً غفوت على نخلةٍ والقطرات تلو قطرات. هنا الحياد المشهدي، جوهر النّقل الشّعري والمحاكاة، فن لإبراز الجديد من القديم المألوف!

الزمنيّة الآنيّة أو آنيّة اللّحظة الشّعريّة البصريّة تلو أحداث متسلسلة مرتبطة ببعضها البعض، تتحكّم في البدء بقرع الجرس الزماني رويداً رويداً لإندفاع الحواس الرّاقدة حتّى اللّحظة الحاسمة والإتيان الحركي البطيء، بمشاعرٍ كانت مخبوءةً في وادي النّسيان حتّى بلوغ الذّروة الشّعريّة و- الإنسياب السّريع وراء كلمات توصف المشهد بتعابير صادقة، ونستخلص من هذا الأمر أنّ الهايكو يجاري زمن الحال ويهتم به فقط، دون الولوج بالماضي أو الإهتمامِ بتكهناتٍ مستقبليّة أخّر. يقول توفيق:

ما إن تلاشت

السّيّارة في البعيد

حتّى بدأ الحنين  (ص 60)

بهذا الهايكو الّذي لم يضع له أي علامةَ ترقيمٍ تنوب عن الخَرجة أو القاطعة  (كَيري_جي، الصّمت الكلامي) يدخلنا النّصّاري عالمه البصريَ المرتكزَ على سيّارة تبتعد حتّى تتوارى عن الأنظار ويكشف لنا في النّهايّة أن هناك غليان داخلي بدأ بالفعل لينتفض أو عالم جديد في النّص الشّعري قد بدأ يظهر، ليملئ فراغ الوجهة بمصداقية الحواس؛ هكذا الهايكو ببساطة يدفع نفسه إلى الأمام، قول لحظةٍ بلحظةٍ في زمان ومكان محددين، كما أن هذه الحالة تُعتبر بياناً معبِّراً وصادقاً عن الحياة، السّريعة الزّوال؛ المتغيرّة الحال!

توظيف الحواس والحالات البيانيّة الوجدانيّة بهدف إثارة العواطف الإنسانية تجاه الطّبيعة إحدى مبتغيات الهايكو ومبادئه السّاميّة في كتابة النّصوص الشعريّة وهذا يرفع من شأن الشّعر والشّاعر سوياً وكما قلنا، في هذا النّمط البياني، يقِلّ تبجّح الخيال وتزداد وتيرة الواقع المشهدي دونما تصرف أو توضيح إضافي، من جانب قائل الهايكو:

باعة الجُمّار

آه " .. النّخلة أرض

عربيّة"  (ص 85)

بتوظيف حاستي البصر والصّوت الوجداني وتضمين  (النّخلة أرض عربيّة) من الشّاعر العراقي مظفّر النّواب، كرسالة واضحة الوجهة والمصدر، ينهي ببراعةٍ، نصّه الشّعري وعقب هذا الإرتباط العاطفي بينه وبين الطّبيعة الأم والوطن؛ يجرف المتلقي نحو التّيقّظ والتّنبّه تلو رموزه الشّعريّة المأخوذة بحيادٍ تام من مشهدٍ واقعي.

قد يُستخدم  (كيجو) واضح الملامح والصدى التعبيري في الهايكو أي إدراج لونٍ، فصلٍ أو موسمٍ خاص من مواسم السّنة أو عنصراً مرتبطاً به ويرشدنا الهايكوي به، نحو ضرب من الإشارات لمواسم، تختص بمنطقة جغرافيّة وترتبط بتلكم المواسم السّنويّة، ليزيد من حيويّة الشّعر بصبغة البيئة الزّاهية وطراوتها، يُعتبر كذلك مفتاحاً أو نقطةَ ولوجٍ لفهم الهايكو وإدراك كُنه ما يقوله الشّاعر الهايكوي:

نهاية الحصاد...

لم يبقَ من الفزّاعة

إلّا صليب مائل  (ص 22)

نهاية الحصاد، كيجو صيفي، يرشدنا لفترة زمنية أو يُمثّل أمامنا كافة عناصر ذلك الموسم وما فيه من إظهار صورة حيّة متماسكة أمامنا فمنه نستنتج وندرك ما يلي في الشّعر، من سببيّة عري الفزّاعة، مثلما اصبحت الأرض عارية من قبلها أي لم يبقّ هناك أي جدوى لبقاء الفزّاعة وحان الوقت الطّبيعي للتخلي عنها بعد خاتمة غاية وجودها وسببيّتها المتمثّلة بهذا الكيجو، أمّا بشأن الصليب المائل المنتوج من تفكك الفزّاعة فقد يرمز هذا التفكّك لشروخ أخرى تحدث كل حين في علاقات إجتماعيّة ولا يبقى منها إلّا صدى مكثفاً من اليأس والإحباط!

لا شك أنّ التّناغم فيما - بين أجزاء الطّبيعة في الهايكو، يكاد أن يكون فاضح الوضوح بصورة مكثّفة ومن أُسُسِه الكتابيّة، تبسيط الرؤية وإجتناب التفسير أو الشرح المُرهق وقد لا يكون فيه، مجال لإعطاء أي روح خارجية أو أنسنة الصّورة بفن التّشخيص أو غيره من فنون الخيال العميقّة؛ مع هذا، تأويل الهايكو أو شرحه قد يكون عميقاً ووقعه على مشاعر المتلقي نافذاً تماماً:

حقلُ الألغام...

فراشات الرّبيع

تحطّ وتطير  (ص 39)

ليس هناك مجال في الوِفق فيما بين عنصر خارجي منقلباً على الطّبيعة والطّبيعة نفسها  (بكافة عناصرها)، كما أن الشّاعر لا يحبذ أن يرَ أي إمتداد له خارج هذه القاعدة ومن هنا الوفاء إذ من المستحيل أن تسكن الفراشة فيما بين حقلٍ لا يمتّ لها بصلة ويسجنها بسياجه الملغّم ومن هنا الحريّة الشّاعريّة والطّيران تلو ربيع حقيقي.

قد يكون الهايكو ذا مضمون إجتماعي اعتراضي بلغة السّخرية، الإستهزاء والهزل وفي هذه الحالة يطلق على نصها، السِن ريو، على إسم كاتبها الأول كاراي سِن ريو  (Karai senryū 1718-1790)، في هذا النمط من الهايكو، قد لا يكون هناك أثر من  (الكيغو والكَي ريجي)؛ قد نتداول مواضيع شتى عن العالم الإنساني أمثال الفضائل، الرّذائل أو الأخلاق بصورة عامة، الأفكار والأحاسيس بَغِيّة إفشاء الكذب أو السلوك الإجتماعي غير المناسب وجلب إنتباه القارئ لمواضيع، يصوغها الهايكوي خير صياغة لمطلب ما:

بُعيدَ الإنتخابات،

ظهور اللّافتاتِ

أسمطةٌ للفقراء  (ص 69)

من الأساليب المتقنة في الكتابة هي إضفاء مساحة مشتركة فيما بين النّص والقارئ وذلك بغرض التّوفيق فيما يكتب الشّاعر وتجربة المتلقي نفسها وهذا ما نراه فيما كتبه توفيق في النّص أعلاه وهو يسخر من وعود النّاخبين وأسمطة الفقراء الّتي باتت تحمل خواء ظهورهم المخادع!

رغم بساطته الشّعريّة ونعومته، يعتبر الهايكو شعرية التّأمل العميق والمحايدّة الأعمق  (أن يكون على مسافة قريبة ومتباعدة سوياً  (حياديّة الصّورة)) وأن يربط ما فيه من عناصر ببعضها البعض بنعومةٍ كما قلنا؛ هذا ما يؤهل الهايكو أن يكون شعراً نسوياً بإمتياز إذ يكثر فيه الكلام الأنثوي الواضح الفارغ من مشقّة الصّور الغامضة والنّاعم بنعومة الأنيما المكنونة في العنصر الرّجالي:

القصب...

يكبُرن بصمتٍ

فتيات القبيلة!  (ص 23)

الصّورة هنا، بروز ونمو القصب بصمت، كما لو لا أحد كان ينتبه له وربطها بفتيات القبيلة وهذه محاولة ساميّة من الشّاعر للإعتراض على كبت المرأة وتقييدها كما لو كانت قصبة جامدة ليس لها قوةً إلّا لتبلغ موضع مواتها في المكان ذاته دونما أي إعتراض وبصمت القصب الجاف!! فهنا يقف الشّاعر بمسافة قريبة وبعيدة في آنٍ واحد ويتحدث دون مُحاجّة أو تصويب رأي نحو جهة ما؛ ما أكثر الكلام بعد هذا الهايكو الموجَز!

كثافة المعنى والإيجاز أي مراعاة فن الإختصار والحفاظ على جوهريّة الكلام فيما يقوله الهايكوي والإبتعاد من الوقوع في شَرَك الإسهاب الممّل الّذي سوف يبعِد النّص من أحد شروط الهايكو المصيريّة أي الإيجاز كما يعبّر عنه في الهايكو التّالي:

أذان الفجر،

إمرأة تركعُ في

حاوية القمامة  (ص 88)

............

نبذة مقتضبة عن توفيق النّصّاري:

- مواليد مدينة الفلاحية، إحدى مدن الأهواز، عام 1990.

-  يدرس مجستير أدب عربي في جامعة بوشهر.

- كان يدير مجلة المداد المعنيّة بالأدب.

- نشَرَ العديد من المقالات في مواقع داخل وخارج البلاد.

- لغوي بارع، صدر له في هذا المجال كتابين، هما الفصيح الرّاسب في اللّهجة الأهوازية  (2015) ولسان العرب في السّاحل والجزر (2017).

- ومترجم، له كتابان في مجال التّرجمة أيضا، مختارات من الهايكو الفارسي (2017) وثلاث درجات إلى الشّمس (نصوص هايكو)  (2019).

 

إبراهيم رحيم - الأهواز

...................

المراجع:

- ريو يوتسويا، سعيد بوكرامي. تاريخ الهايكو الياباني، المجلة العربية، الرّياض، السّعودية - العدد - 175  (https://www.goodreads.com/book/show/11848669)

- أدونيس. مقدمة للشعر العربي. ط 3. بيروت، لبنان. دار العودة، 1979

- أحمد شاملو، ع پاشايی. هايكو شعر ژاپنی از آغاز تا امروز. ط 9. طهران، إيران. نشر چشمه، 1393 شمسي.

- ألِن كامينگز، رضى هيرمندي. هايكوهاى عاشقانه. ط 1. طهران، إيران. نشر چشمه، 1396 شمسي.

- ع پاشايی، كيميه مائه دا. لاكِ پوکِ زنجره، ط 1. طهران، إيران. نشر چشمه، 1394 شمسي

- عبدالقادر الجموسي. مختارات من شعر هايكو الياباني، ط 1. دار كتابات جديدة للنشر - الإلكتروني، - نوفمبر - - 2015  (https://www.goodreads.com/book/show/34664319)

- توفيق النّصّاري. رائحة الطّلع. ط 1. عبادان، إيران. دار هرمنوطيقيا، 2019

 

رحيم زاير الغانمفي تأويل النص الشعري يجب علينا أن نميز بين التفسير والفهم  بحسب ما ذهب إليه وليام دلتاي، (باعتبار أن التفسير هو المنهج العلمي الذي تتميز به المدارس والعلوم الوضعية)*، فالعالم الطبيعي يُفسر مادته، لذا (يشكل الفهم أو التأويل "المنهج العلمي" المناسب لحقل الفكر والعلوم الإنسانية)*، وبهذا يُستدعى من القارئ في منهج التأويل الكشف عن سيرورة النص الشعري وما يطرحه، من أفكار ورؤى، وعلامات نصية، وأنساق مضمرة، أخذين بنظر الاعتبار عدم اللجوء للأحكام القبلية وإسقاطها على النص الشعري، والركون إلى الفهم الحقيقي للنص من أجل الوصول إلى المطابقة بين فهم القارئ  ورؤى الشاعر، من خلال سبر غور النص الشعري بقراءة واعية وصولا للمطابقة بين الفهم الحقيقي للنص وما ذهبت إليه رؤيا الشاعر، محققين تصورا كاملا عنه، وما لهذا الالتقاء من ضرورة في إنتاج الدلالة والمطابقة بين قصديّة الشاعر في بثّ معطيات دالة، ليتحقق فهم القارئ للخطاب الموجه للنص، مع قطعية ألّا يغيب عنها تأثير الواقع/ السلطة/ المجتمع/ التأثير الخارجي، بشتى مؤثراته، والنظر بعين الجدة إلى ذات الشاعر/ التأثير الداخلي، اللذين يشكلان السياق الذي بني عليه النص الشعري وكوّن وحدة متسقة من الأنساق، الذي بدوره يرشدنا لوضع مجسات لكشف تأثير هذه المعطيات على الجانب النفسي للشاعر، هذا كلّه سيتم تناوله في مجموعة (نخلة الله)*، للشاعر حسب الشيخ جعفر.

(يا أيها النهر الذي يلمع

تسمع نجواي ولا تسمع .

قرّب وقرّب من شفاهي الماء

أغرق صحارى عطشي الحراء

وقل لأطفالك أن يسرعوا

مثقلة أكفهم  بالماء.)  ص14

في هذا النص نجد طلب الارتواء حاضرا مع إشارة ضمنية يمكن جسها من تمنع النهر، على الرغم من لمعان النهر المتحقق من الرؤية البصرية، من خلال انقطاع التواصل بينهما عدم السمع/ ولا تسمع، للنجوى مع كونه قادراً على السمع، وتعطيل فعل النهر وما يحمله من علامة الإرواء والفيض/ النهر الذي يلمع / لانعكاس أشعة الشمس عليه، علامة امتلاء النهر، إلا أن الشاعر أراد منه، أن يحقق معنى دلالي / أيديولوجي (قرّب قرّب من شفاهي الماء)، وفي هذا الخطاب الأيديولوجي نجد تفجر المعنى دلاليا)، بمثابة التهيؤ للثورة جليا، (أغرق صحارى عطشي  الحراء)،  فالأرض/ صحارى وما قيمة النهر أن لم يردم الهوة ما بين / الحراء والشفاه المتيبسة من العطش، ليأتي النسق الايديولوجي المضمر/ الدعوة للتغيير، (وقل لأطفالك أن يسرعوا)، نجد الإذن  لإعلان ساعة الصفر/ الثورة/ التغيير بدعوة صريحة وما يشكله تأثير الواقع المعاش/ الفقر/الإقصاء، من دور فاعل في استحضار المعنى الثوري، (مثقلة أكفهم بالماء)، لما فيه من استدعاء الثوار/ الأطفال/ المستقبل، لأجل التغيير، نتيجة طبيعية للخوف الذي استشرى من تصحر حقولهم، هذا خطاب موجه للقرويين أنفسهم قبل غيرهم/ أبناء الوطن، بقرع جرس إنذار التصحر،  لممارسة ضغط السلطة بترك ارض الأجداد،/ جرس التفرد بالقرار، وهذا بحد ذاته إجراء  يدعو للقلق، وهذا ما قد تحقق فعلا في اغلب قرى وأرياف الوطن/ أنموذجا لتسلط قادم اكبر، ليبرز الباعث الأيديولوجي الذي شكلته السلطة، من خلال رسائلها التي لم تكن مشفرة، بل كانت واضحة الدلالة والمعنى.

(وشممت ثوبك في غبار الريح رايه

يا وردة البستان، يا طفلي المدّلل،

لو اضمّك في ضلوعي

وأشد اذيال النهاية، وهي تفلت، بالبداية

وتعود طفلا، تاجك الاشواك تزهر في دموعي) ص21

من معاينة النص بقراءة فاحصة نجد الحنين إلى الطفولة جليا/ (شممت ثوبك، وردة البستان، تعود طفلا)، فهي علامات تمثل رسائل مشحونة بوجدان الشاعر وما علق بذهنه من بيئة الريف، وما يعانيه الآن  من وضع نفسي ضاغط، ألجأه الحنين إلى حضن أرض ميلاده، كي يبث شكواه من قسوة الحياة، وعلى الرغم من ذلك نجد النسق الأيديولوجي فاعلا وبقوة هذه المرة متخذا من الجانب العاطفي، منبرا لبث أفكاره ورؤياه، (وتعود طفلا، تاجك الأشواك تزهر في دموعي)، مفردة الطفل وما تمثله من رمزية النقاء بشكله المباشر، وما تضمر هنا من علامة البداية بمضمونها العميق في تشظٍّ للمعنى، إذ تاجها الأشواك، أي أنه يعلن عن ثورة / محصنة أيديولوجيا، تحمل صفة المنعة والحفاظ على المنجز/ التغيير/ ان تحقق، وما يبرر نمو هذا النهج الجديد كون هذه الثورة سُقيت من دموع، وهي علامة المكابدة والصبر والأناة في تحمل الضيم، وإنتاج رؤية فيها تفكر لحياة جديدة، يترتب عليها فهما خاصا لمرحلة جديدة، بشقيها الايديولوجي والنفسي، وهذا واضحا من خلال الأماني التي يطلقها النص بـ (لو) /حرف امتناع لوجود، امتناع الضم، لوجود المانع/ السلطة، (لو اضمّك في ضلوعي)، وهنا يبرز خطاب دينامي متعدد الرؤى، متخذا من نير الاغتراب الذى تجلى في النص ببعد آخر حافل بالبوح عن الواقع المأزوم وما يعيشه الفرد من معاناة باذخة الألم، حتى بدا الحنق واضحا في عدم تقبل الواقع والسعي لطي  صفحته بما تحمل من مرارة، وأن لم تتحقق، (وأشد اذيال النهاية، وهي تفلت، بالبداية)،لتعود الكرةُ ثانية .

(عائدا تخفق اطمارك، مهزوما وحيدا

تحتمي بالظل، محموما طريدا

قمر السعف المندى،

عاد في الكأس التي تشرب طينا.) ص67

نجد ملامح  الاغتراب جلية في النص الشعري، (عائدا تخفق اطمارك)، وهذا الاغتراب كأي اغتراب صاحبه يبدو مهزوما وحيدا، وما لنسق الوحدة المضمر من تعميق دلالة الشعور بالانهزامية، التي من علاماتها البارزة الاحتماء بالظل، وهذا بحد ذاته يشكل علامة إخفاء الأصل وإقصاءه من خلال اللجوء إلى البديل/ النسخة المستعارة/ المزيفة للدور الحقيقي المرجو، وتتعمق دلالة الوهن وصولا إلى تسويق ثقافة الهروب/ الاغتراب كحل سريع للحفاظ على النوع المقاوم، مخافة الوقوع فريسة لحمى السلطة/ محموما طريداً، لقد أضفى نسق الاغتراب جوا من اليأس والقنوط على النسق الأيديولوجي الذي كان فاعلا في فترة الستينات، وأبدله انكسارا، وحتى لا يمكن تتبعه لا يظهر بأفق مفتوح بل الاحتماء من السلطة بسعف (مندى)، فلا يكفي التواري عن الآخر/ السلطة، بل اختيار الزمن المناسب للتخفي والمراوغة لتجنب عيون الوشاة/ السلطة، فيظهر في أوقات محددة وما الندى إلا دليل على وقت السحر، أو على نزول مطر نثيث، وما لهذا الواقع المضغوط من تأثير/نفسي سلبي، على ممارسة الدور الريادي في إيصال الصوت الحر/الشعب للطرف الحاكم، أنَّ الشعور المتصاعد في تكرار الهزيمة بات واضحا في النص، فهو يشي، بعمق المأساة المتكررة/ المعاشة، (عاد في الكأس التي تشرب طينا)، والطين بما يحمل من شوائب المراحل الفائتة والمعاشة، وان تعددت نسخها، لكنها تشتر بعضها البعض.

(الشفاه كالورد  تذبل

والوهج في العيون.. يخبو مثلما النجوم تأفلُ

وفي الضلوع يزحف الشتاء بالجليد والنواح .) ص47

نجد في النص تسابق للذبول والخبو والأفول، مشكلا علامة دالة على الحالة النفسية الحرجة من خلال جملة المعطيات آنفة الذكر، فالوردة/ الإنسان، صارت تنمو في حقل جليدي مبتعدة عن النهر والهواء والتربة/ الأرض، مما أفقدها الهوية/ البريق، فالشفاه التي لا ترتشف من نهر الوطن مصيرها الذبول، والنجوم تخبو كخبو الوهج في العيون في أفول يتركها تعاني مأساة الاحتضار البطيء، ليأتي نسق العزلة جليا كمحصل طبيعي ففي الضلوع زحف للشتاء، لما في هذه العزلة الصقيعية، من علامة تقويض للفعل الأيديولوجي/ السياسي/ الثوري، وفي هذا إشارة نسقية مضمرة تعد الأفول نتيجة متوقعة لمن يعد العدة  للهروب وترك الحقل خاليا من غرسه/ الثورة / الجيل القادم، إجراء غير محمود النتائج، مادام النواح زاحفا مع الشتاء في الضلوع، فليس من طباع الثوريين النواح، بل المقاومة والمطاولة في الفعل النضالي، لينتج هنا نسق القنوط التام.

(وأنا وحيد مثل جذعك، ظلَّ منك؟ سوى الرماد

في كوخنا المهجور، والريح الصفيقة في الوهاد

تلهو بأوراقي . أكانت كل اشواقي هباء؟) ص59

في النص نجد الاغتراب جليا/ أنا وحيد، وازداد ترسخه من خلال الحنين إلى الجذر الضاربة عروقه في الأرض ليتلون بلون  سحنتها التي جاءت رمادية، فثيمة الوحدة وما تخلفه من رماد في النفوس/ الإنسان الجذع/ الأوراق، أضحى رمادا بفعل حريق الوحدة،منتجة تشكيلا/خلقا جديدا من رماد من خلال التشبَّة بالجذع، لتأتي معطيات أخرى تزيد من الركون للوحدة (الكوخ المهجور، الريح الصفيقة) كلُّها إشارات دلت على خلو الأمكنة من ساكنيها، ليضحى الرماد والهجير والريح، علامات موحية على ذلك، فعلت فعلتها بوجدان الشاعر/ تلهو بأوراقي، ممثلة بأشواقه التي كانت حبيسة صدره الملتهب حنينا وأملا بلقاء الأحبة، ليأتي الخطاب هنا موجها للشاعر نفسه،(أكانت كل اشواقي هباء؟)، في مواجهة مباشرة مع النفس، بدت صادمة من خلال الاستفهام عن الأشواق الذي بدا في النص على الرغم من الوعي لكلِّ مجريات لعبة الإغواء التي مارسها الشعور بالوحدة/ الاغتراب الذاتي، وما تقاطع معها ايديولوجيا، لتأتي النتائج مخيبة للآمال كسابقاتها .

(شتاء

يا دثاراً كان من برد يغطيني

حننت اليك، قلت : اشاه، والاموات ان جاعوا وان عطشوا

فما من عابر يدري سوى الاشباح والطين .)ص71

من خلال قراءة النص نجد نسق الحنين المضمر في مفارقة تشي بنزوح عاطفي نحو المغايرة، فالشاعر هنا يستدعي الشتاء/ الوطن، ليكون دثارا يغطيه من برد الاغتراب، حين استدعى مفردة (أشاه) هذه اللفظة الشعبية، العراقية بامتياز، فمع كونه استدعى الطبيعة استدعى اللغة / الدارجة شعبيا، وكأنه يستدعي دفء القرية/ الأهل/ الطفولة، بل انُّه ذهب إلى ابعد من ذلك ليوجه الخطاب إلى الموتى معتبرا إياهم العابر الوحيد الذي (يدري) بفلسفة الكون والوجود، وهذا سرٌّ من أسرار البناء ألقيمي للفرد العراقي في تخليده للأموات وعدّهم خارقين للعادة/ القانون الطبيعي للحياة، (فما من عابر يدري سوى الأشباح والطين)، أن هذه المعطيات تعتبر مرجعيات موجهة للنسق الأيديولوجي/ الثقافي/ الشعبي، في وقت واحد، غير مكترثين لتلميع البعض للاغتراب بجعله ممارسة لا شعور، وقد لا يشعرون فبقدر تذوق المرَّ كان بمقدورنا ممارسة الفعل الدينامي ضمن منظومة مجتمعية يتحقق فيها الفعل الأيديولوجي والثقافي على الرغم من التضييق والحراجة التي تمارسها مؤسسة السلطة في تقويض حرية الفرد، فلا طائل للخلاص إلا الثبات على المبدأ/ على ارض الواقع، فلا فصل بين النظرية/ الفكر/ الايديولوجيا، والممارسة / الفعل الثورية/ التغيير، التي يفرضها الواقع المعاش/ داخليا/ الاغتراب، لكي لا تأخذ الأيديولوجيا سمة التنظير الفجّ.

 

رحيم زاير الغانم

......................

* من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة، عبد الكريم شرفي، منشورات الاختلاف، ص18، ط1، 2007م

* المصدر نفسه ص18

* الأعمال الشعرية الكاملة 1965-1975، حسب الشيخ جعفر، دار الشؤون الثقافية، ط1، 1985

 

 

660 شكري بلعيدشَاربٌ كثيفٌ أسودُ وبجانبه على اليمين شامةٌ سوداءُ على بياض ,ذلك ما تراه على غلاف ديوان الشّهيد شكري بلعيد وما الشّارب والشّامة إلا سِمتان تمتاز بهما ملامح الشهيد الذي ـ ولئن عُرف مناضلا وطنيا بارزا ـ فهو لم يُعرف شاعرًا بين الأدباء والشّعراء خاصة لكنّني عندما قرأت ديوانه - أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة - تبيّن لي أنّ النصوص الشعرية الواردة ضمنه تمثّل شاعرا من الطّراز الرّفيع فهي تؤكّد أنّها صادرةٌ من لَدُن مُهجةٍ كثيفةِ الشّجون ومُعبِّرةٍ عن مُعاناةٍ صادقةِ التجربة وهي قصائد لُحمتُها وسَداها من نَسْج ثقافةٍ عميقة وشاملة جعلت تلك القصائدَ ذاتَ أبعاد وآفاق مشحونةٍ بشواهدَ ودَلالاتٍ ذاتية واِجتماعية وتاريخية ناهيكَ عن قيمتها الأدبية فنقرأ مثل :

وجهك والريح في ما تقول الفصول

وجهك خيل المرايا

وامرأة عابرة

وجهك الآن ما خلفته الخبول

وما تركه الفاتحون على الأرض من دعوات

ومن أمنيات

وما شكلته الخفايا

إذن سوف تمضي وحيدا

إلى راية قاتلة ـ ص 58

أو كقوله أيضا :

إنّي الحلاج

هاكي الجبة فاللّه هنا يسكن فانوس الروح بأتعابي

هاكي الجبة واحتضني مسكن أيامي وعذابي

إني الحلاج

صبحي أقبل

يا امرأة من نيروز ومن شبق الذكرى

من خلجات المطلق حبن نساء الأرض تخون

فأنا المجنون

يا امرأة يخرجها الله من ضلعي أتيهُ بها في ليل الغربة

وأنادي

يا امرأة الطير ، هنا حُلّي في جسدي المسجون

وانفجري كالكلمات الحبلى

بنشيجي المخزون -ص54

-2-

كان من المنتظر أن نقرأ شِعرا معناه في ظاهر لفظه ويغلب فيه الخطاب الإديولوجي ويطفُو عليه المنحى السياسي المِنبري على النواحي الفنية الجمالية فالشاعر مناضل عتيد وملتزم إلى النخاع بالقضايا الوطنية التونسية والقومية العربية في أبعادها الإنسانية ولكن ما نكاد نمضي في القراءة قصيدا تلو قصيد حتى ترتسم لدينا ملامح شاعر مُقتدر يمتلك ناصية القول الشعري فيرسل المعاني صُورا صورا فإذا المجازات والتضمينات والإلماحات تتوالى في إيقاعات متنوعة حتى تستحيل شعرا بديعا بما فيه من وهج الصدق والمعاناة وبما في أبعاده من انتصار لقيم المحبة والبذل فيبدو الكون الشعري لدى شكري بلعيد كونا قَدَّهُ من ملكوت شعريّ ذي بصمات خاصة قد اكتسبها ولا شك من اطلاعه على  مدونات القدامى الشعرية ونتلمّس في بعض نصوصه صدى معاصريه من الشّعراء ولا عجب في ذلك فالإضافة لا تأتي من فراغ والإبداع لا يتسنّى إلا لمن كان مُطلعا على منجزات معاصريه.

-3-

من الخصائص الدالة على القيمة الفنية لقصائد شكري بلعيد ذلك الانصهار الذي تمكّن به من المزاوجة بين الشّجن الذاتي الحميمي وبين الهاجس الاجتماعي العام كقوله:

حين أنهض في غيبتي

أرسم عمري على راحتيك

وأمضي قليلا

لقطف الندى

ثم أكتب سيرة عشقي

على نهدك

والعيون مدى

وأشد إلي البلاد وأصرخ

يا طير

يا بحر

يا نهر

يا حجر الموج يا فتنة الفجر

يا لون زهر المنافي

ويا كبرياء الأنوثة -ص55

وهو حتى عندما يعبر عن مواقفه النضالية فإنه لا يصرّح بها بإفصاح صارخ كما تُكتب الخُطب والبيانات وإنما يجعلها في صياغة فنية وبأسلوب فيه الكثير من الإيحاء كقوله :

رفاقي نشيدي الأخير

جنون حبهم للبلاد التي وزعوا نارها بينهم

ثم مالوا على جفنها.واستباحوا بريق عيونهم

وردة لانبلاج الصباح

نسجوا من الدم المتوحد

أغنية الرفض والعاشقين

ملء هذي الأرض نحن

ملء هذا العمر نحن

ملء كل الحب

شحذنا الروح من أزل

وقلنا وحدنا الباقون -ص147

ـ 4 ـ

إن قصائد مثل - القرمطي ـ اِنبلاج الجسد الفلسطيني ـ للحبّ طقوس فلترحل هذه الدنيا - أعتبرها منجزات إبداعية تمكّن فيها الشاعر من الموازنة بين المنحَى الفكري والسياسي وبين الوشائج الذاتية العميقة وما كان ليصل إلى هذا المستوى من القدرة لولا تمكنّه من تجاوز الكثير من الاِختلافات الفكرية وجعلها منسجمةً في أطروحة جديدة جعَلها كسنفونية لا يمكن عزفها إلا باِنسجام عديد الآلات الموسيقية المتنوعة...تلك هي القناعة التي توصّل إليها وعيُ الثلث الأخير من القرن العشرين والمتمثّلة في ضرورة تجاوز مقولات الإديولوجيات الجاهزة لأن الممارسة والتجارب أثبتت فشلها في شتّى نواحي العالم وليس أمام البلدان العربية خاصة إلا أن تجد الحلقة المفقودة بين تراثها وواقعها من ناحية وبين تحديات العصر وآفاق المستقبل من ناحية أخرى وإنّ قصائد مثل ـ رسائل بغداد ـ أو ـ نشيد الخيول ـ أو ـ القرمطي ـ تؤكّد أنّ شكري بلعيد شاعر اِكتسب أسلوبا خاصا به يتميّز بقاموس جَزْل المفردات أي التي فيها قوّة ووضوح وبنصاعة المعاني في غير مباشرتيّة عارية وبمعمار قائم على إيقاعات متنوّعة وثمّة قصائد أخرى مثل ـ حلم ـ  أو  ـ لوحة ـ أو  ـ طاولة المقهى ـ أو ـ وحدي ـ أو ـ إليّ ـ  نلاحظ فيها محاولات البحث والتجديد في مواضيع التفاصيل الصغيرة كما ترسم بعض الظلال من سيرته الشخصية فحضور بغداد مثلا واضح المعالم وهي قصائد وردت في شجن عميق  وبأشكال فنيّة قائمة على مخالفة النّمطية وبنهايات مفاجئة فشكري بلعيد شاعر واع بمسارات القصيدة العربية الحديثة ولا شكّ ,وقد كانت قصائده شاهدة أيضا على قناعاته فقد سار على منهاجها في حياته التي كانت ثمنًا لنضاله من أجلها فهو من هذه الناحية أحد الشّعراء الذين لا يجود بهم التاريخ إلا نادرًا وإنّ شاعريته الفيّاضة بمحبة الأوطان والقيم الخالدة للإنسان تلك الشّاعرية من رقّتها ولطفها وشفافيتها لامست أحيانا تخوم حالة من التصوّف في مقولة وحدة الوجود وذلك في قصيدة ـ إله ـ

واقفٌ في مَخرج الرّوح

لم يعتلّني القديم

يا رياحَ البنفسج لا تَنسيْني

بلّغي مُهرة الرّوح كلّ الجنون

سمّيني عندها بالفتى

والمدى

والحنين

ولِدِيني ثانيةً

كي يستطيع النّهارُ اِبلاع صدايْ

أنا واحدٌ في رؤايْ

عَدّدتني المراحل ثمّ هوتْ

فتَشكّلَ ثانيةً من دمايْ

ولدٌ ملأ البحر في كفّه

ومضى يُنشد انْ

لا إلهَ سِوايْ ـ ص 16

ثمّة كلمةٌ كثيرا ما تتواتر في قصائد شكري بلعيد وفي سياقات مختلفة ألا وهي ـ الدّم ـ باِعتبارها الرّمز للتضحية والفداء ولقد تحقّق له ما خطّه من نبوءته ذات صباح كأنه كان معها على موعد حيث ورد في قصيد ـ نشيد الخيول ـ  مثلا

فلتترجّلْ كل الوُعول التي أعلنت موتنا ذات فجر

فالخيول

في اِشتباك الفصول أخرجت لونها

واِحتفت بضجيج الصباح

هذا وجه الرّقفيق الأبيّ

هذا دمع الصبيّة حين يفارقها العاشقون

هذه أمّنا المتعبة تلوّح بالفجر بين يديها

وتعلن للذاهبين

دم للمرايا

دم للزوايا

دم للجسد

اِستعدْ

يا رفيق الكفاح اِستعدْ

والبلاد على دَمِنا أجمعت عشقها

ـ 5 ـ

ختامًا لابدّ من إسداء الشّكر الجزيل للجهود التي أخرجت لنا هذه المدوّنة الشعرية فهي مرجع ينير جوانب أخرى من مسيرة الشّهيد شكري بلعيد بما في بعض القصائد من شواهد وإحالات وغيرها من الإشارات وإنّ هذه المدوّنة الشعريّة ذات قيمة إبداعية كبيرة فهي إضافة متميّزة للشّعر التونسي والعربي لذلك يجب اِعتيار شكري بلعيد ـ أيضا ـ ضمن الشّعراء التونسيين والعرب المعاصرين الكبار وقصائده البديعة شاهدة على ذلك .

غير أنّه كان من الأحسن لو أنّ الدّيوان ضمّ  النصوص الشّعرية كلّها  متواليةً حسب تاريخها قدر الإمكان وخاصة من دون حَجب البعض منها و رقابةٍ عليها بِتِعِلّةٍ أو لأخرى وبدون إضافة عناوين للقصائد التي ليس لها عناوين في الأصل وبدون جعلها في أقسام ثلاثة ذات عناوين ليست من اِختيار الشّاعر وبذلك يتسنّى لنا قراءتُها مثلما تركها صاحبُها بلا زيادة ولا نُقصان ولعلّ الطبعة الثانية يمكن أن تضمّ ما بقي من القصائد وتتلافى ما أشرنا إليه فالشّكر لأُولِي العزم مُسْبقًا.

إنّ ما دفعني إلى تسجيل هذه الملاحظة هو ما وقع لديوان الشّابي ـ أغاني الحياة ـ الذي لم يصدر ـ إلى اليوم ـ مثلما اِختار الشابي قصائده ورتّبها وعَنونها ففي كل مرة يصدر بإضافةٍ أو نقصان وكان من الأجدر أن يصدر الدّيوان كما أراده صاحبه ثم يُضاف إليه في مُلحق خاص القصائد الأخرى وللقارئ والدارس أن ينظر وأن يُمحّص النظر بعد ذلك من دون وكيل أو رقيب أو حسيب وعسى أن يكون لنا في ذلك عبرة .

 

سُوف عبيد -  برادس

......................

* شكري بلعيد مناضل وطنيّ تونسيّ اُغتيل غدرا أمام منزله صباح يوم 6 فيقري 2013

 

658 خليل الجيزاوي"رفعـت رأسـي لأرى أمـامي ِ فتـاة لیـست بالنحیلـة، دقیقـة الملامـح، بیـضاء البـشرة مـع صـفاء فیهـا، عیناهـا واسـعتان، وكأنهمـا اللؤلـؤ حـین تتحـرك، وابتـسامة كأنهـا تختصر كل جمال العالم."هكذا يأخذنا الكاتب والروائي "سليمان عوض" في روايته "أمينة " الصادرة عن دار سندباد  في 140 صفحة حيث يأخذنا في بداية روايته إلي إشكالية من الإشكاليات الاجتماعية  الواقعية وهي شغف الحب الأول في حياة الإنسان  ومدي تمسكه بهذا الحب والذي تغيرت معالمه في وقتنا الحاضر ما بين تعدد التجارب بالنسبة للشاب أو للفتاة في ظل المتغيرات الاجتماعية والثقافية  التي تهدم كل ما هو ثابت من قيم ومثل عليا في ظل عولمة جائرة لا ترحم أي معتقدات مثالية أو حتى أخلاقية  في زمن تحللت فيه الثوابت القيمية  علي أعتاب تلك المتغيرات الوافدة علي المجتمعات العربية وهنا  نتذكر علي الفور تلك الكلمات للكاتبة الروائية "سماح الجمال "( إلى كلِّ امرأة تحلمُ بالحبِّ في مجتمعٍ غير جديرٍ به وغير مؤهلِّ له، كوني قطعةَ شوكولاتة لذيذةً، طريةً، تذوبُ عشقًا، ولكن لا تخلو من حباتِ اللوز القاسي...كوني قويةً كوني أنتِ) ومن هنا نجد الكاتب قد برع في اختيار تلك العتبة الأولي للانطلاق نحو مسرح الحدث وهي اللقاء مابين البطل والبطلة من خلال هذا الوصف السردي الدقيق لديكور الحدث في مشهد سينمائي دقيق ليخلق حالة الانبهار العاطفي الذي تولد من تلك النظرة وتلك الكلمات وينطلق بنا الكاتب في خلق حالة من حالات الصراع الطبقي والفكري ما بين الشخصيات الرئيسية في روايته او الأبطال الرئيسية  من خلال استخدام أسلوب روائي بسيط ومشوق للمتابعة ،حيث خلق حالة من الجدلية مابين شخصيات غير متجانسة ثقافية  او اجتماعيا  ليمرر للقارئ التمسك بتلك الثوابت  الاجتماعية رغم الرفض الطبقي الذي سيطر علي الكثير من الأبطال وعند تناول الحوار الأول بين البطل والبطلة تطل علينا عبقرية الكاتب في الإمساك بالكلمات والحروف  ليرسم لنا لوحات حوارية دقيقة المعاني والدلالات من رسم جيد لمسرح الحدث وتجلت براعة الكاتب في تحريك الشخصيات في حوار  درامي وفلسفي بطريقة خاصة أظهرت براعته في تدفق الإحداث في ترابط  وتداخل دون الإخلال بالبناء الفني في الرواية ففي البداية تأخذنا الي تلك العادات والتقاليد المصرية في تناول درامي وصور حياتية من خلال تلك المفردات التي استخدمها حيث نجده في ص 12حيث الحوار التالي (بس؟ طیب.. أنت اسمك أیه یا دكتور. - سامي. - طیب یا دكتور سامي أنت عایز سكن الأطباء لیه؟ - قال لي عمى محمود استنى الأستاذ عبد السلام في سكن الأطباء - یخصى علیه محمود طیب مش یقولك استنى في الاستقبال! سـرح ذهنـي مـع هـذه الحوریـة التـي لـم أر مثلهـا مـن قبـل، وتـساءلت  فـي نفـسي  هل ولدت من رحم أم كأمهاتنا، أم أنها قـد هبطـت للتـو مـن الـسماء لتبـدد  وحـشتي في هذا المكان المقفر؛ من عساها تكون؟! - أیه یا دكتور أنت سرحت ف إیه؟ لعلمك ده هیكون مكانك علي طـول؛ كـل دكاترة الامتیاز ده المكان اللي بیبقوا فیه أغلب الأوقات. ثم غمزت بعین واحدة. - وده مكاني - إن شاء االله بس. - بس أیه یا دكتور  نت؟ - هوا إ - أنــا تلمیــذة بمدرســة التمــریض؛ وهنــا أتــدرب؛ هــوا أنــت مكــسوف ولا أیــه یــا دكتور سامي؟ الآن أنا أسمعها دكتور سامي ومن فم كأن كل بلابل الأرض ترددها. - یــا دكتــور ســامي أنــت الــدكتور وأنــا مــشروع ممرضــة! بكــره هتاخــد علینــا ً وتأمرنا؛ وتوبخنا أحیانا؛ بس وحیاتك تبقى حنین علیا . عاودت الغمز مرة أخرى وهي تقول: حنین علیا أنا بس)

- وتلك الرواية تتميز بتدفق الحدث حتي نصل الي قمة الإثارة الدرامية في هذا اللقاء الحميم مابين البطل والبطلة في منزل حسنيه  في الفصل الخامس في ص 81 حيث يقول "أبلغت أمنیة بسعادتي أن دمـى قـد اخـتلط بـدمها فـي عـروق المریـضة وقـد كـان ســببا لحیاتهــا، فقامــت بــضمي إلیهــا بعنــف وقبلتنــي ًــ تقبــیلا عنیف ا، لــم أدرى متــى تجردنـا مـن ملابــسنا وكیـف أخـذتنا النــشوة وكأننـا أبـدلنا بشخــصین آخـرین، حتــى وجدت دمها یبكى علي أفخاذي حتى قدمي. وكأن بكاء دمها قد استحث دموعي التي انهمرت من ندم علـي مـا حـدث، وقـد أفقدتها أغلي ما تملك في لحظة غیاب عن الوعي. بـدل أن تبكـى أمنیـة وكنـت أرى أنهـا أولـي بالبكـاء فـإذا بهـا تهـدئ مـن روعـي، وهي تفتعل الضحك، ثم انقلبت للهجة جادة عنـدما أخبرتهـا أنهـا خـسرت أغلـي مـا تملك " ومن هنا تأخذ الرواية منحيات أخري مابين الشد والجذب بين الشخصيات الرئيسية والثانوية  وينتقل القارئ مابين الواقع والخيال في تناول الحدث الدرامي فيها إلا أننا من خلال تناول الدراسة لتلك الرواية  نجدها تدور هو عدة محاور أساسية هي :-

1- المحور البيئي

- حين نجح الكاتب في رسم بيئة الحدث رسما دقيقا من الوصف المرحلي  للمكان مستخدما تلك المفردات البسيطة في تناول الوصف ليخلق حالة من التصور الذهني عن تلك البيئة وكان محور الفصل الأول هو تناول مفردات تلك البيئة الحاضنة لإحداث الرواية في فصولها المختلفة  متخذا من عناصرها المكانية والبشرية عنوان لمجتمع بيئي متفاعل  بما يملك من ثقافات مختلفة وعناصر متابية  حيث نجده في الفصل الأول ص 7 يقول (. هنـا فـي هـذا المبنـى العتیـق سـأكون الـدكتور سـامي، ولـیس الأسـتاذ سـامي كمـا تعود أهل قریتنا علي مناداتى. فقـد كـان مـن عـادة أهـل القریـة أن ینـادوا مـن یلـبس البیجامـة بالأسـتاذ، تمییـزا عـن معظـم أهــل القریـة، الــذین یلبـسون الجلبـاب، فكــان الـزى الرســمي لمـن سـلك طریـــق المـــدارس أن یجـــوب البلـــدة لابـــسا بیجامـــة ، أمـــا القمــیص والبنطلــون فهـــو للمدرسة أو الجامعة فقط. 9 وقفـت أمـام البـاب الكبیـر وقـد وضـع أعـلاه لافتـة كبیـرة؛ ولكنهـا باهتـة بقـدر مـا مر علیها من زمن، لا تكاد تقرأ مكتوب فیها المستشفى العام. َ كانــت البوابــة الحدیدیــة الكبیــرة مثبتــة فــي سـور یكــاد لــم یبـق منـه غیـر هــذین العمـودین، المثبـت بهمــا البـاب وهـدم بــاقي الـسور، حتـى لــم یبـق للأبـواب أهمیــة َ تذكر، تستطیع أن تدخل من أي مكان في السور، ولكنى لابـد أن أدخـل مـن هـذا الباب، وتحت هذه اللافتة. حینها تمنیت لو كان معي صدیقي مجدي، بما یملك من آلة التصویر، لیلتقط  فـي الـصورة، والواقـع لي صورة تحت هذه اللافتة، ولكن اللافتة باهتة قـد لا تظهـر أن صــدیقي مجــدي لــیس معــي، فــلا داعـي للتمنــي، تقــدمت بخطــى خجولــة مــن خلال الباب أنظر یمینا ویسارا ماذا أنا فاعل؟ ! تقدمت إلي مبنى عتیق ذي أبواب خشبیة عالیة. ماذا عساي أن أفعل والي أین أذهب؟! إذن فلأدخل ولیكن ما یكون! بضع خطوات في دهلیز ضیق لم یكن یكفي لأن یسیر فیـه شخـصان ممتلئـان متجاوران. لا أحد هنا وقفت حائرا أنظر للحجرات المغلقة ! أخیرا وجدتها حجرة المدیر، نعم لابد أن یكون هو المقصد، فلا أحد هنـا ولكـن قد یكون المدیر بالداخل. تقدمت خائفا وجلا، وطرقت الباب عدة مرات، ولا من مجیب . تسمرت مكاني لمـدة لا أظنهـا بالقـصیرة، حتـى ظهـر أمـامي رجـل أسـود، یلـبس ً ً جلبابا متسخا، وكأنه جاء لتوه من حقله، أو من حظیـرة مواشـیه، فقـد كنـت معتـادا  علي هذا في قریتي. - فیه إیه یا أستاذ؛؟ أنت واقف عندك لیه؟ وقبـل أن أنطـق كـان قـد أردف، آسـف یـا دكتـور بـاین مـن البـالطو أنـك دكتـور) تلك هي الصورة التي صدرها لنا الكاتب معبرا عن مسرح الأحداث التالية في الرواية ساردا لنا العناصر البشرية ابتداء من عم محمود العامل إلي صف الممرضات وصولا إلي الأطباء كل بدورة وتفاعله في أحداث الرواية حتي منزل حسنية الذي شهد قمة الإثارة في الرواية تم توظيفه بشكل جيد لخدمة الحدث صعودا وهبوطا حتي نصل إلي النهايات المنطقية التي خدمت البناء الدرامي

2- المحور البشري

- برع الكاتب في خلق حالة من الجدلية والصراع داخل روايته من خلال تلك العناصر البشرية التي اختارها بعناية وتم تقسيم هذا المحور الي عدة شرائح اجتماعية وبشرية تحتفظ كل منها بعادات وثقافات مختلفة ونجح في الربط الدرامي بين تلك الاختلافات  والثقافات من خلال تفاعل دينامكي وسيكولوجي بين تلك العناصر فنجد حالة التفاعل المكاني بين "الأطباء والإدارة " " الأطباء والممرضات " "الأطباء بعضهم البعض " وصولا إلي الصراع المزعوم بين عائلة سامي وعائلة "أمينة التي تمثل المحور الرئيسي للرواية ابتدأ من الصفحات الأولي حتي السطر الأخير بما تحمله من ثقافات غيرت مجري الحدث الدرامي  وتنهي حالة من الصراع الطبقي الذي دعمه بعض العناصر البشرية الاخري من الأطباء من أصحاب الأفكار المتطرفة  وان كان الكاتب قد حمل تلك الشخصية الكثير من وقائع وأحداث الرواية  علي حساب شخصيات أخري بها حث نجده في ص 87 يقول (ردت أمـي وكأنهـا تـزیح صـخرة ثقیلـة مـن فـوق صـدرها: شـوف یـا بنـى إحنـا لا بتــوع حــب ولا كــلام فــارغ، ولا إحنــا قــد ولاد البنــدر، تیجــى بنــت بتلعــب بالبیــضة والحجر، تضحك علیك وتورطك في جوازة مش لك، تندم علیها طول العمر؟ - بنت أیه وجوازة أیه؟ - البنــت اللــي أنـــت ماشــى معاهــا الـــصایعة دى اللــي أهلهــا رد ســـجون؛ ولاد الحلال جولنا وقالولنا علي اللي أنت بتعمله، كتر خیرهم خایفین علیك. - طیب مین ولاد الحلال دول؟! - مش مهم مین؟!. - طیــب مــدام الموضــوع كــده، أنــا كــده كــده كنــت جــاي عــشان أفــاتحكم فــي الموضوع ده، لأنها بنت كویسة جدا، وأبوها مش رد سجون، أبوها مدرس محترم، وأمها ست محترمة جدا . - ملنـاش دعـوه؛ كفایـة أنهـا هتبقـى ممرضـة، یعنـى صـایعة، تقبـل إزاى علـي نفــسك تتجــوز ممرضــة؟ تــسیبك فــي البیــت وتنــام هیــا فــي المستــشفى، إحنــا مــا فرحنـاش بأنـك بقیـت دكتـور عـشان تـروح تجیـب لنـا ممرضـة؛ یـادى الخیبـة اللـي مش علي حد! - یا ستي عموما أنا مش هقابلهـا، ولا هـشوفها بـس یـا ریـت تـسألوا عنهـا وعـن أهلها، وأنا مش ممكن أزعلكم رد والدي: بس أنت لازم تسیب المستشفى. عبثــا حاولــت معرفــة مــن هــو أو هــي أو هــم، مــن أبلغهــم؟! وأوشــى لهــم هــذه الوشاية) ونجح الكاتب في خلق حالة من التشابك الفكري والاجتماعي  سرد ادبي بديع  مع الحفاظ علي التطور الزمني والمكاني للرواية

3- المحور المهني

- كان الكاتب بحكم مهنته كا طبيب  حريص علي نقل تلك السرائر التي تسود تلك المهنة التي كانت لها قدسيتها في الماضي وكيف تدهورت علي ايد أصحابها رغم وجود بعض النماذج التي مازالت تحتفظ بتلك القيم المثالية لهذه المهنة وان عناك من يسيء لها من خلال استغلال أوجاع المرضي في تحقيق مكاسب مادية او من استغلال تلك المنشات الصحية خاصة في الأرياف والمناطق النائية في نشر الفكر المتطرف للجماعات الدينية   مما يهدد السلام والأمن الاجتماعي في تلك المناطق وان هناك صراع خفي بين أفراد تلك المهنة منها ما هو ايجابي ومنها ما هو سلبي وحرص الكاتب علي رصد هذا الواقع بكل تفاصيله من خلال نماذج ومواقف متباينة ومردود تلك المواقف  علي الجماهير رغم المستوي الثقافي المتدني حيث رصد في ص  25 (الدكتور شـكري ودودا، طیـب الخلـق ولكنـه كـان كـسولا، على النقـیض مـن الدكتور سلام. كــان الــدكتور شــكري دائمــا  یوصــیني بحــسن الخلــق مــع المرضــى، وأن أحــس المهـم؛ لـم یكـن یغـادر سـكن الأطبـاء إلا للعملیـات صـباحا؛ لـم ألحـظ أن الـدكتور  شـكري مـسیحیا، إلا مـن زوبعـة أثارهـا الـدكتور عـ امر، حـین طلـب مـن عایـدة أن یكــون ســریره فــي حجــرة غیــر الحجــرة التــي ینــام فیهــا الــدكتور شــكري، وألا تقــدم الطعام له مع الدكتور شكري، فترد عایدة علیه: - إمتى هتمـشى مـن هنـا دانـت بتاكـل أكـل الـدكاترة كلهـم، وبتخبـي البـیض فـي دولابك لحد مـا یمـشش، انـزل یـا راجـل روح العملیـات، ولا الاسـتقبال، اتعلـم حاجـة أنت قارفني طول الیوم. لم تكن عایدة تنادیه إلا یا راجل أنت، ولم یكن ینادیها إلا یا ولیه. أمـا الــدمرداش فكــان لا یــأتي إلا قلــیلا، وكانــت وجباتــه الثلاثــة یــستحوذ علیهـا عامر. أما الدكتور سلام فكـان یكـاد أن لا یـستقر فـي الـسكن، وكـان یحـتفظ بمجموعـة من الكتب الدینیة ولا یفارقه مصحفه إن جاء أو راح. كنت أراه دائما ما یتدارس ما  في كتبه مع الكثیر، ولكن أكثر أوقاته كانـت مـع الممرضة ماجدة، ممرضة العملیات).

- وفي زاوية أخري أشار الي بعض المواقف السلبية  التي يقوم بها بعض الأطباء خاصة  الذين تمرسوا علي الاستغلال كما جاء في ص64 (الــدكتور عبـد العــال بترحــاب زائـد، ومــرح لـم أره منــه فــي المستشفى، وأصر علي أن أتناول معه الغداء. تعللت بأني فعلا قد تناولت الغداء في المستشفى. مستــشفي أیــه یـا واد هــوا أكــل عایــدة ده أكــل؟ أنــت هتاكــل معایــا أُمــال أنــا طلبتك لیه. بــرغم ازدحــام عیــادة الــدكتور عبــد العــال، كــان حریــصا  علــي التحــدث معــي، والتفكـه واسـتعراض الـذكریات، وشـقاوة فتـرة الامتیـاز، ومـن قـابلهم، ومـن صـاحبهم مـشغول دائمـا ً ًـ ذهنـي مـن الممرضـات، وأنـا أنـصت أحیانـا، وأضـحك أحیانا، ولكـن  بحوریتي التي أدمنت لقاءها والنظر إلیها وسماع صوتها الساحر، وحـین اسـتأذنته بالانصراف قال: عاوزك یكون مكانك هنا عندي بدل الجلوس في الاستقبال. هنا هتتعلم أكتر أنا شایف إنك ولد شاطر وعاوز تتعلم. ثم ضحك وقال: یا سیدي ولو هتوحشك البنت أمنیة، مفیش مانع إنـك تجیبهـا معاك. جرت الحرارة في وجهـي، ولـم أعـرف مـاذا أقـول؟! حتـى الـدكتور عبـد العـال قـد علـم بـشغفي بأمنیـة، شـكرته وأسـرعت الخطـى إلـي المستـشفى، علـي ألحـق بأمنیـة قبل أن تغادر).

4- المحور السياسي

-حرص الكاتب علي ان  سرد بعض الوقائع السياسية التي سيطرت علي بعض طلاب الجامعة في تلك الفترة خاصة  انتشار أفكار الجماعات الإسلامية "الاخوانية او السلفية " وتربعت تلك الأفكار الضالة مع هؤلاء الطلاب حتي في الوظائف التي تنصبوا فيها  وكانت تلك الجماعات المتطرفة حريصة كل الحرس علي نشر أفكارها بين طلاب كليات القمة بصفة عامة والطب بصفة خاصة لما لها من تأثير كبير في المجتمع مستقبلا وهذا ما رصده كاتبنا في أفكار الدكتور (" -  لـم أكـن أحـب رفقـة الـدكتور عـامر، حتـى ولـو كـان فـي الـصلاة، وذلـك منـذ أن طلبنـي بعـد صـلاة الفجـر، حـین كنـا نقـیم فـي المدینـة الجامعیـة، ووجدتـه یعـرض علي، طرد اثنین من طلبة كلیة الهندسة، شركائي بالغرفة لأنهم مسیحیین. - إحنا لازم نطردهم من الدور كله، ویا ریت من المدینة كلها. - لیه یا عامر! دول ناس كویسین، وطیبین، وعشرتهم ممتازة. رد عامر: إذن فلنفرض علیهم الجزیة. انسحبت من أمام عامر، وأصبحت أتخلف عن أي صلاة، یكون فیها عامر. أدار الدكتور عامر وجهه نحو الخارج.") وكانت الصدمة ألكبري التي اكتشفها في نهاية الرواية انه سيطر علي أفكار عبد السلام الموظف بالمستشفي وتزوج ابنته الطفلة صغيرة السن وتنكر لها عندما حملت وخوف ذالك الموظف عن الإفصاح عن زوجها تلك الأفكار التي سيطرت علي عقول هؤلاء الأطباء في مجتمع كان ينظر الي هؤلاء بأنهم دعاة فكر مستنير وأصحاب رسالة

5- المحور الثقافي

-كان الكاتب حريص علي إبراز هذا الجانب الاجتماعي المهم وهو الثقافة العامة التي لا تعرف الدرجات العلمية او الشهادات الجامعية ويمكن لأي إنسان أن ينهل من منابعها كلما سنحت له الفرصة وكان علية أن يوظف تلك الفكرة توظيفا دقيقا ليحقق المنطقية في الحوار والسرد بين إبطال الرواية وكان عليه ان يمحوا بعض الأفكار الاجتماعية التي تنظر إلي فيئه الممرضات بأنهم مجرد أشخاص لا يعرفون أي شيء من مناحي الثقافة العامة وبالنظر الي هذا الحوار بين الدكتور سامي وحبيبته الممرضة أمينة نجدا أنها نالت قسط كبير من الثقافة من خلال تشجيع أبيها لها علي القراءة مما خلق حالة من حالات الإعجاب الذاتي والأيدلوجي بينهما وهو عامل القراءة والثقافة  ونري هذا الحوار بينهما في ص 30 بين البطل والبطلة :-

- (طیب أنت قریتي لمین؟ - كــل قــصص نجیــب محفــوظ، ویوســف إدریــس، والمنفلــوطي، ومحمــد عبــد الحلیم عبد االله، ویوسف جوهر، وقریت للمازني، والعقاد ومحمود تیمور. - قریتي شعر یا أمنیة؟ ً - طبعا ممكن أكون أحفظ الـشوقیات ومبهـورة، بإحـساس نـاجى، وممكـن أكـون ا أحفظ رباعیات الخیام من دیوان رمي. وأیه اللي عجبك أكتر با أمنیه؟ - فیه شاعر عراقي اسمه السیاب تعرفه؟ ً - طبعا ! - ایه اللي عجبك في السیاب؟ - ٕ جملته وإحساسه العالي مایتوصفش! - مین أكتر واحد عجبك؟ ً - هقولك طه حسین، وخصوصا كتابه في الشعر الجاهلي. - وبتقرى أیه آخر حاجة؟ - قصة اسمها رجال االله لكاتبة أمریكیة اسمها بیرل باك. - كم أنت رائعة یا أمنیه؟ أخاف أن أجادلك فتغلبیني. قطعت تفكیري. -عندي لك قصة یا ریت تقراها!)ونجح الكاتب في رسم صورة وجدانية عميقة لمشاعر الحب الاول حين وصف تلك اللحظة العاشقة بينهما حيث يقول ( حین سرقت منى یدي إرادتي، وتحركت لتلمس  ید أمنیة، سـرت فـي بـدني نـشوة لم أعهدها. لم تمانع أمنیة، وتركت یدها في یدي، أتحسسها وكأني أحصى كل خلایاها. لفنـــا الـــصمت طــویلا وأنـــا أتحـــسس أناملهــا الرقیقــة، واقتربـــت عینانــا، حتـــى أحســست بــدفء أنفاســها، وكــادت تــسرقني شــفتاي إلــي شــفتاها، حــین أطلــق فــي عیني ضوء كریه، من مسئول المقاعد في السینما وهو یقول: فیه إیه یا أستاذ؟! مـا أن انـصرف الرجـل، حتـى طلبـت منـى أمنیـة أن نكتفـي بهـذا القـدر)

البناء الفني للرواية

- هذه الرواية تحتوي علي ما يميزها عن غيرها من الروايات من حيث الانتماءات الواقعية والاجتماعية والنفسية ، وتتميز بقوة بنائها الفني ونجح الكاتب "سليمان عوض" في الإمساء ببراعة بعناصرها الفنية سواء المكانية أو الرمانية ، واحتوت علي عنصر التشويق بشكل دائم ومستمر و ظهور الشخصيات بشكل مرحلي حافظ علي البناء الدرامي للرواية دون أخلال وان الكاتب سار علي نفس النهج الأدبي المتدرج والرابط بين عنصري الإبداع ألابتكاري في القصة العمق الفلسفي  ونجح "سليمان عوض "" في توظيف الشخصيات في خدمة الصراع الدرامي المتصاعد حيث عرض كل الأنماط البشرية بتوازن، مما أضاف متعة للقارئ من خلال تلك الجمل السردية السهلة والبسيطة وتلك العقد وتصاعدها وحلها في حالة من حالات الابتكار والإبداع الأدبي تلك الرواية  تحتوي على العديد من القصص كلها معزوفة على وتريات الرجل والمرأة في علاقات متعددة تختلف باختلاف الزمن ومرور العلاقة بينهما، وتطورها سواء بالشكل السلبي أو الإيجابي، إلا انه كان حريص كل الحرص على إظهار هذه العلاقات في شكلها المرضي لها ولثقافتها الدينية والقانونية، حيث يقر  بان اللذة والألم وجهان لعملة واحدة، تربط بينهما نهايات  لا تفرق بين هذا الشعور وذاك، حين يصل أيهما إلى ذلك العمق، فيمتزج الشعوران  ليصنعا معا تلك النشوة باللذة أو النشوة بالألم، ولذلك علينا ان نؤكد ان د سليمان عوض "يمتلك أدوات كتابته من هذا الموروث الثقافي والبناء الأيدلوجي له  ونجح في بناء حبكته الدرامية في تلك الرواية  رغم هذا التدفق الهائل للمشاعر الوجدانية والعاطفية إلا أننا مازلنا  ننتظر منه الكثير في مشواره الإبداعي.

 

بقلم /السيد الزرقاني

 

 

رحيم زاير الغانميرى غادامير(كل مراجعة لتذّهن المعنى واستحضاره المسبق يمكنها ان تتصور استحضارا جديدا لمعنى جديد. قد تهيأ عدة تصورات متنافسة إلى أن تؤسس وحدة المعنى بصورة واضحة)1، ان الرصد الذي يقوم به القارئ العارف يأتي عن خلفية معرفية متنامية من خلال استيعابه للمنهج التأويلي واشتراطاته التي من شأنها الحيلولة دون الوقوع في فخاخ الحكم المسبق/ القبلي، وهذا يأتي بعد قراءة مستفيضة للنص، تبرز من خلالها تصورات عدة، باتجاه المعنى الذي أنتجه النص أو استحضارا جديدا للمعنى أو مخالفة تامة لكل ما رشح آنفا، لذا على القارئ الخبير متابعة هذا الخيط السري الذي يربط جميع التصورات التي لم تأتِ عن فراغ قطعا لكنها وبحسب، هيدغر، إذ (يؤكد موضوعه العلمي انطلاقا من الأشياء نفسها بتشكيل المكتسب والمدرك والمتصور المسبقين)2، فإنتاج المعنى يأتي من عدة مرجعيات معرفية سواء أكانت مكتسبة/ خارجية، أو مدركة/ ذاتية / داخلية، أو متصورة/ رؤى/ أفكار، ممكن ان يستمدها القارئ البارع من الخبرة التي يتحلى بها، وهي تتويج للمكتسب والمدرك، الذي تم تبيانه فيما سبق ذكره، فأننا نجد للقارئ فهما مسبقا للأشياء، ولمَّا يتناول نصا شعريا يحمل ذات التصور للمعنى/ الحكم القبلي، وهذا بحد ذاته لا يشكلُ خلافا للان، كما يرى هيدغر (أن الفهم يتحدد باستمرار بحركة التصور للفهم المسبق)3، أنما لو تحقق معنى جديدا خلاف المعنى الذي تم تصوره، ولم يتغير الحكم المسبق، فهنا يعدُّ مثلبة على القارئ، مع الأخذ بنظر الاعتبار انَّه يتحلى بالحياد تجاه النص، فللنص قصديته ، نعم قد نؤول معنى أو عدة معان من خلال فهمنا للنص، متكئين على نوايا النص، أو ذهن الكاتب نفسه، لكنه لا يسوغ لنا الإبقاء على الفهم الذي يتقاطع وقصدية النص، لذا لا يمكننا ان نبتعد أكثر، كما يرى دريدا، (إذ ليس هناك  شيء خارج النص)4، وأن نفسح مجالاً لتأويل المسكوت عنه كلما اقتضت الضرورة، بإشارة أو إجراء مباشر، لذا وبعد استعراض هذه الرؤى حول تأويل النص الشعري،  سنتناول مجموعة (أعمل الآن ..قرب مقبرة )5 للشاعر منذر عبد الحر، إجراء تطبيقي، لبيان إشكالية الحكم القبلي.

جندي فقد ذراعا في حرب ما

يستوقفني:

اعطني حقي منك!

أنت بكامل أعضائك

وأنا بكامل عطبي

أركض خلف سراب وطن لا يعرفني

أن القراءة الفاحصة للنص الشعري تمكننا من الوصول إلى جوانية الانتظار الدقيقة،  لأجل استحضار المعنى، بعد أن فارقنا سطحه بقراءة أولى فاحصة، غادرنا فيها الفهم المباشر، وشرعنا في أول خطوة لاستحضار المعنى الشعري العميق، أن دلالة الجندي الذي فقد ذراعه تشي بمفارقة لكونها واقعا معاشا لوطن الحروب التي جرت الويلات على أبنائه، فمن فقد أحد أعضائه وعاش رهين العاهة والمطالبة  باسترداد ما فقد، ان هو مواطن/ جندي بجزء ميت، و الأشد إيلاما  أنه دفع التضحيات إلى وطن سراب، (أركض خلف سراب وطن لا يعرفني)، وهذه مأساتنا وطن لا يعرف من أبنائه غير الأصحاء منهم،  نجد هنا المفارقة، فالوطن على الرغم من كل الحروب التي مرت يبدو بكامل عافيته، أما أبنائه أما قتلى أو مشوهين، ندرك أنه ممزق من الداخل، لكنه معافى من الخارج/ الظاهر، لذا لا نخلي مسؤوليته عما يجري حتى لو كان بعافية ظاهرية.

ألست في أرض حرام ؟

انظر هناك حقل ألغام

هذه ليست مدينة

هذا قناص

تلك دورية

هؤلاء جرحى

لقد حملنا الحرب معنا من طفولتنا ص23

أن تأويل النص الشعري لا يعطي للقارئ الحرية المطلقة في اصدار الاحكام المسبقة عند بروز معنى ما، فتأويل النص الشعري  يفضي لمعان عدة، وعليه يجب  ان يكون هناك تطابق بين معنى النص والمعنى الجديد الذي تمَّ استحضاره في فهم القارئ، فالمدينة هنا لا تفضي الى ذاكرة البراءة المصحوبة بالسلام، فهي مدن تعيش حالة انقطاع مع أبنائها، فما بالك لو أنَّها لم تبتعدَ عن ساحة حرب ، أرض حرام / حقل الغام/ قناص/ دورية حراسة/ جرحى، فمعالم المدينة غائبة، وكيف بنا ونحن  نستدعي الطفولة، الطفولة التي سفكتْ براءتها الحرب، (لقد حملنا الحرب معنا من طفولتنا )، نفهم من خلال جملة المعطيات التي زخر بها النص، أننا في مقبرة ولسنا في مدينة، فمن مقومات المدن الحفاظ على مدنيَّتها، ووقوفها بالضد من عسكرة المجتمع المدني الأمن، ان دلالة العسكرة هذه أنتجت معنى جديدا كونها مقبرة.

....ها أنذا ..

اشرب الماء من بئر راكد

رميت فيه الأنقاض والجثث ص33

أن إدراك معنى النص الشعري من خلال القراءة الواعية التي تحقق انتاج معنى جديدا، مُتأتٍ من خلال تطابق فهم  القارئ العارف لمعنى النص، فنحن لا نحاكم النص معتمدين عما يدور في ذهن المؤلف، بقدر محاكمة النص من دون الالتفات للحكم القبلي، البئر وما يشكله من علامة الارتواء، هو الآخر لم يسلم من فوضى الحرب التي طالت يدها المدن/ المباني/ الإنسان/ الأرض، فالخراب/ الحرب له فعل السحر في فناء الاشياء، بل انّه بلغ سعة وامتدادا منقطع النظير، وبنظرة فاحصة للنص نجد المدينة تعاني انقراض النوع بدلالة (ها أنذا) ، ، لذا تبرز مفارقة تبادل المهام فالبئر كالمدينة مارس فعل المقبرة، بمعطى دلالي أنتج معنى جديدا يحمل الفرادة هنا، فالمقابر/ الموتى، تنتظر الزائرين علَّها تبلغ رشفة ماء تروي عطش رمال القبر الساخن، إلا أنَّنا نجد البئر/ القبر، هو من يهبّ الماء للزائرين والأموات في ارتواء دائم.

كيف أعيد لهفتي

وأنا أرى السواد فوق كل شيء34

لأجل استحضار المعنى، يجب الأخذ بنظر الاعتبار المعاني التي تنتج عن الفهم للنص الشعري، مع التزام الحياد في استحضار جديدٍ للمعنى، من دون الركون الى الحكم القبلي، لذا لزاما علينا مراعاة تطابق المعنى المستحضر مع المعنى الذي أراده النص، فأن لم تتطابق لا يمكننا أن ننحاز للمعنى الذي تم تأويله، بل يجب علينا الكد وإعادة قراءة النص الشعري، فحين نتناول بنية السواد التي تشكل علامة للحزن/ الموت، تبرز دهشة القارئ، وهي ترى السواد يلف الأشياء في إعادة حساب للهفة التي حملته للوطن، إبصار السوّاد، وقف حائلا دون تحقيق الفرحة، السواد هنا لم يدثر جزءاً محددا، فهو لم يكن دثار، و أنما سواد قدم ليغطي الأشياء/ عموم الوطن، السواد/ الحزن/ الموت، فوق كل شيء، نجد هنا استحضار معنى السواد، الذي جاء مصاحبا لمعنى الموت/الحرب/ المقابر.

أراك تغتسل بمطر النار

أفزعت الطائرات أطفالك

وهرب عشاقك الى البراري

والمدن البعيدة

مضى أبناؤك إلى الكهوف ص35

عند معاينة النص الشعري يجب مراعاة المعنى الذي ذهب إليه النص،  بقراءة متدبرة كي يتسنى لنا مطابقته والفهم الذي ينتج معنى متوافقا مع المعنى الذي قصده النص، فالمدينة والأبناء متساوين في تلقي مآسي الحروب التي تدور رحاها لتقضم المدينة وساكنيها، المدينة التي تغتسل بماء النار/ الرصاص، ويستفيق أطفالها على صوت أزيز الطائرات، هي مدن الخوف المجاني، وان أرادت ان تتنفس متناسية الضجيج هذا تصطدم بهروب عشاقها إلى البراري والمدن البعيدة، لتشكل علامة شاخصة للمنافي، أما الأبناء إلى الكهوف، وما تشكله من دلالة للعزلة، لم يبقَ إلا شبح أسمه الحرب تحوم على الوطن / المقبرة، فمن صفات المقابر/ المدن، هروب الجميع منها بالأخص لو كانت مرتعا للدمار.

هل أنت أدرد حقا ؟

هل بلغت شاطئ اليأس

وأنت تنظر جثث أبنائك الغرقى

بين السفن التائهة

والصواري العوانس ص36

عندما نشرع في تأويل نص شعري باذخ الرؤى يجب علينا فتح أكثر من نافذة لأجل استحضار جديد للمعنى وصولا لتطابق الرؤى، حتى أننا نفتح نافذة لتأويل المسكوت عنه في إعادة لفهم النص وفق هذا الاستحضار الجديد الذي يجعلنا نعيد الإحكام التي اطلقناها مسبقا، لفتح أفقٍ جديدٍ للنص، فخطاب الأبناء هنا وجه بشكل مباشر للوطن، خطاب تداخلت فيه الجرأة، فالجندي الجسور و الابن الذي خذله الأب/ الوطن، لم يكن الخطاب مجانيا هذه المرة بل أتى عن تراكم للنكبات، فالدهشة تلف السؤال، قبل السائل، كأنهما في حيرة من معرفة وعدم معرفة سابقة في هكذا وطن، ما كل هذا السكون، هل يبدو الدرد، حالة مُخجلة، في فترة الهرم/ سن اليأس، (هل أنت أدرد حقا ؟/هل بلغت شاطئ اليأس)، أم أنه أدعاء للدرد المبكر، وما ادعاء العاهة قصور في الرؤية والتدبر، عاهة لا يطال الأبناء منها غير الخذلان  ، الأبناء غرقى في حاضر دامٍ ومستقبل مجهول، وما تشكله السفن التائهة ، عن المراسي/ الأرض، من علامة لضياع الأبناء، فهي من غير ربان، كما الصواري العوانس التي أضاعت الفنار/ الوطن.

في الارض التي لا تؤوي أحدا

ثمة أحلام

ثمة قرى هربت من الخرائط

ومنسيون أججوا خصبهم

وهم يقضون نهاراتهم بالرحيل

ولياليهم بالتعلق بالنجوم ص61

من خلال قراءة متأنية للنص الشعري نكون قد اقتربنا من الفهم/ التأويل،  الذي يتماها مع المعنى الذي أنتجه، فعبر سياق النص يبرز شعور عالٍ بالتيه، فالوطن انتماء، وما المنافي القسرية إلا مِشرط الجراح الذي فرق بين الجنين/ الأبناء والرحم/ الأرض/ الوطن، فتراه يصرخ لا لشيء يؤذيه وإنما ألفته للأمان في ذلك الرحم، مالها هذه الأرض/ الأوطان لا تؤوي أحدا/ الأبناء، حتى القرى هربت من الخرائط/ الوطن، والقرى هنا علامة شكلت للأبناء التي تسكنها، الخرائط لم تنتمِ يوما لأبنائها المنسيين في المنافي، حتى أنها لا تدرك الأرض التي وطأتها أقدامهم، فهم يقضون نهارهم بالرحيل، ولياليهم متعلقة بالنجوم، أي انفصال هذا عن تراب الوطن/ الرحم، وأي تربة هذه التي لا تؤدي إلى العيش أو الموت الكريم حتى داخل رحمها، أم أن هذهِ التربة غير منتمية أصلا لهذه الخرائط/ الأوطان، أم ان الخرائط مجت هذا الضجيج/ المنفى/ الموت المتكرر، ورفضت كونها خرائط لمقبرة.

الغرباء الذين جاءوا

طوقوا الشجيرة

أطلقوا الرصاص عليها

وداسوا على جثتها بمجنزراتهم

لم تبك

أنا بكيت من قبوي ص68

في استحضار جديد للمعنى وبعيدا عن الحكم القبلي الذي يسير بخطى متجاورة مع النص، ليحفظ الحيادية من خلال فهم يفضي  إلى مع مراعاة عدم التحيِّز في إصدار الإحكام القبلية ليتسنى لنا الوصول إلى جوهر النص الشعري، فالوطن/ الخرائط الذي لم يبقَ منه إلا شجرة، كعلامة للأمل، بعد تكرار الحروب والدمار والمنافي، صار وطننا مطوقا بالغرباء، الغرباء الذين أطلقوا على خضرته الرصاص، فأضحى الوطن / الأرض، مقبرة طالت يدها الأمل/ الشجيرة، التي مثل علامة للديمومة، حتى أنهم  مثلوا بجثة القتيل/ الشجيرة (وداسوا على جثتها بمجنزراتهم)، أو لوطن لم يرفعْ صوته بالرفض حتى،  الى هكذا إيغال في القسوة وقتل للأمل الأخير في ان يؤسس لحياة فوق الارض/الوطن/ المقبرة ،وما بكاء  المنفي/ الابناء، إلا علامة  لرفض استقبال جثة جديدة، ما أقسى أن يشيع الشجر كجثة إلى مقبرة، لتتشكل علامة الفصل بين الوطن والأبناء، فالوطن اراد أن يبقى خريطة فحسب فلم يبادر ليكون رحماً للحياة، بقدر كونه رحم للحروب والموت، كان رحما بسعة مقبرة.

نشدو للوطن

هذا الغراب المنسوج من شغافنا

هو الأم الجالسة في باب الفجيعة

بانتظار أبنائها العائدين ص126

إنَّ محاكمة النص الشعري وفق الحكم القبلي الذي يبديه القارئ مسبقا يقف حائلا والوصول إلى المعنى الذي أنتجه النص، لذا علينا إخضاع هذه الإحكام والرؤى إلى الاستبدال في حالة اكتشاف المعنى الذي قصده النص في مخالفة لما تم فهمه،  فالوطن/ الغراب، الغراب المصرِّح الأول في إنشاء مقبرة، (هابيل) لم يسلم من القتل ولم تعصمه الاقدار ان يدفن بإيماءة من غراب، هذا الوطن/ الغراب، الذي أن نعق، نشد للحرب والدمار والموت، وأن صرَّح، فتصريح لفتح عشرات المقابر، هذا الوطن/ الغراب، الذي نسج من شغاف الأبناء المنفيين، هو تلك إلام التي تجلس عند باب الفجيعة، الأم/ الرحم النافق/ الأرض/ المقابر ، التي تنتظر جثث الأبناء بعدما عصرتهم منافي الجوع والمسير عبر خرائط الأوطان الأخرى، لتلف بالأعلام تحت سلطة نشيد، نعيق الغراب.

في يوم ما ....

سيعرف القادم الى متحفنا

أننا عزل

محرومون

بلادنا شوارع مهجورة ص146

أنَّ استحضار المعنى في النص الشعري، يوجب على القارئ التحرر من قيد  تشظي الرؤية، لأجل  إدراك المعنى الذي أريد بثه في النص الشعري، كي يجعله ضمن فضاءه، وبهذا يكون قد اقترب من ساحل المعنى ليحقق تلاقيا مع مرساه، فالحكم القبلي لا يعد مبتغى القارئ الخبير، فالمبتغى الحقيقي هنا إدراك وحدة المعنى من خلال التأويل/ فهم النص الشعري، وصولا إلى تطابق الرؤى بين القارئ والنص، فالمتحف وما يشكله من علامة لتخليد تاريخ وطن مضى بأهله، لم يبقَ من الوطن سوى متحف/ تاريخ، تحت سلطة الخرائط، فالقادم أن تنبه وسأل لِمَ كل هذا الحرب/الدمار/ الموت، ما هذه المومياوات المحنطة / الأبناء ؟، إنهم بأصابع بيضاء لم يلوثها البارود ولم يخفِ نقائها القتل، بعدما سلبها التحنيط سمة الحياة، ما هذا الهزال، العيون تروي فجائع الجوع والخوف والموت والنفي، المتحف هنا شكل مع القادم/ الوافد/ الزائر، علامة للبوح بالفناء، كون المدينة ذات الشوارع المهجورة، ما هي إلا مقبرة، والقادم أتى ليلقي التحية، فالقيت على أموات/ الأبناء، جمعتهم مقبرة كبيرة/ متحف، فالزائر كان يتجول بالمدينة/ متحفهم الكبير، في إنتاج  لمعنى الأوطان/ الخرائط،  التي لا تعدو أكثر من كونها مقبرة، نعم قد يتم الكشف عن معنى جديد لم يدركه الشاعر نفسه، فيتم استحضار جديد للمعنى برؤى جديدة،  تؤسس للتأويل/ للفهم في ضوء ما سبق وفي ضوء الكشف عن المسكوت عنه في النص الشعري، بمدرك خارج سلطة وعي الشاعر لكن لا يمكن لنا الخروج عن سلطة النص ذاته، أن النص قد يفصح عن رؤى تقع تحت طائلة  تأثيرات خارجية بمدرك داخلي/ باطني/ اللاوعي، سواء أغاب المعنى أم حضر في ذهن الشاعر لحظة إنشاء النص،  لكنه لم يخرج عن سلطة النص(لا شيء خارج النص)، فلا يمكن لنا أن ننسب للقارئ، ما قد يقع تحت مصطلح تطور المفردة أو تنامي الفكرة أو النوع الشعري، فالأمر خاضع لتطور المرحلة الكتابية في أي شكل شعري قديما كان أم حديثا، وما قد يتم كشفه في نص شعري ما، فأننا عند فحص عينات أخرى نجد شعراء آخرين قد بلغوا ما وصل إليه الشاعر منذر عبد الحر، لكن بقي أمر الفرادة أو السبق في تطور الثيمة وتنامي النص، الذي يحب له، هذا كلُّه من مهام النقد، مع مراعاة الشكل الشعري الذي أبدع فيه.

 

رحيم زاير الغانم

....................

الاحالات

1- فلسفة الـتأويل، هانس غيورغ غادامير،منشورات الاختلاف الجزائر.ط2- 2006،ص12

2- المصدر نفسه، ص125

3- المصدر نفسه، ص126

4- النقد الثقافي، عبد الله الغذامي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-  المغرب،  ط3، 2005، ص35

5- أعمل الآن.. قرب مقبرة، منذر عبد الحر، وزارة الثقافة- العراق- بغداد، ط1-  2013

 

توارد الخواطر فى روايتى (ربيكا) (وموسم الهجرة الى الشمال)

) she was so lovely , so cultivated , so amusing) Repecca

(ولكنها مفرطة فى الذكاء، مفرطة فى الظرف حين تشاء) موسم الهجرة الى الشمال

هذه مقاربة بين روايتين ليس بينهما رابط لا فى الزمان ولا فى المكان، ومع ذلك فان لهما من القواسم المشتركة ما يجعلنا نمسك بالقلم ونسجل مجى الدهشة التى اصابتنا واعتقد انها ستصيب القراء – ايضا- من ذلك التشابه الغريب بين الروايتين ليس فى بناء الشخصيات بل فى اللغة التى يعبر بها تلك الشخصيات ايضا .

هذه مقاربة –اذن- من النوع الذى كان يجيده الاديب الراحل عبد الهادى الصديق الذى ما ذالت كلماته التى خطها عن التجانى يوسف بشير وتشايكوفسكى ما ذالت ررن فى اسماعنا حتى الان

فالى اى مدى كان توارد الخواطر بين (دافن دى مارى) و(الطيب صالح) فى روايتى (ربيكا) و(وموسم الهجرة الى الشمال)

تدور الفكرة الرئيسية – فيما نرى – فى رواية (ربيكا) حول تسلط المرأة،،ربيكا،،على زوجها "ماكسيم دى ونتر" الى الحد الذى يصل فيه ذلك التسلط الى مرحلة القهر والاذلال، تماما كما تدور احداث رواية موسم الهجرة الى الشمال فى كثير من جوانبها حول الاغتيال المعنوى لبطل الرواية " مصطفى سعيد" من زوجته المتسلطة "جين مورس" ومحو شخصيته من الوجود

" ربيكا" هى الزوجة الثانية لرجل يدعى " ماكسيم دى ونتر" كانت تسكن معه فى قصره الكبير " ماندرلى"، وقد يعنينا الآن ان كل احداث رواية (ربيكا) كانت تدور حول تلك المرأة فى صورة استرجاع للاحداث منذ لحظة الزواج وحتى لحظة الموت، وفى سياق تلك الاحداث نعرف كل شىء عن تلك المرأة الانموذج، ولعل بناء شخصية "" ربيكا " قصد منه ابراز لدور آخر للمرأة فى حياة الرجل وهو دور غير محبوب من معظم النساء ولكنه مثير ولذيذ لبعضهن .

لم تكن " بيكا" فى مجمل حياتها غير امرأة ماجنة وفاجرة لا تتورع عن فعل اى شىء، حياتها عبارة عن اسفار ومغامرات يكتنفها الغموض، وحديثها فيه نزق وفجور وتحد .... حياتها غامضة وماضيها مخيف ومستقبلها محفوف بالمخاطر، ولعلنى اساءل – هنا- كما اعتقد انه قد تساءل غيرى ما يجمع بين "ربيكا" السالفة الذكر مع "جين مورس" التى ابدع بناءها الطيب صالح فى رواية (موسم الهجرة الى الشمال)، " فجين مورس" هى الزوجة الاولى " لمصطفى سعيد" بطل الرواية مصطفى سعيد، امرأة جميلة وماجنة وكاذبة، استطاعت ان تلعب نفس الدور الذى لعبته "ربيكا"من قبلها ... دور المرأة التى تذل الرجل وتهزمه فى اعماق نفسه، لا لشىء الا لاشباع غرور المرأة الجامح، فمن هى "بيكا" كما تظهر فى الرواية الى حملت اسمها ؟ وما هو دورها فى حياة بطل الرواية ؟ وما هى تركبيتها النفسية التى جعلتها محور احداث الرواية ؟ لا احد يستطيع ان يجيب على هذه الاسئلة غير زوجها بطل الرواية " ماكسيم دى ونتر" لانه هو الشخص الوحيد الذى عرف حقيقة امرها تحت سقف المنزل الذى كانا يعيشان تحته

(You thought I loved Rebecca? I hated her , I tell you our marriage was a lie from the very first , she was wicked , rotten wicked ,we never loved each other)

هذه هى ربيكا كما وصفها زوجها والذى عرفهااكثر من اى انسان آخر , فالى اى مدى تطابقت صفات ربيكا التى ذكرنا مع مع صفات جين مورس فى رواية موسم الهجرة الى الشمال

(... لم تكن تعمل عملا ، ولا اعلم كيف تعيش،م اهلها من ليدز، لم اقابلهم حتى بعدزواجى بها، كان ابوها تاجرا لا اعلم فى اى بضاعة، كانت تكذب حتى فى ابسط الاشياء، تعود الى البيت بقصص غريبة عنه اشياء حدثت لها واناس قابلتهم لا يمكن ان يصدقها العقل ...... ولكنها مفرطة الذكاء مفرطة الظرف حين تشاء ...)

هكذا تحدثمصطفى سعيد بطل روايةموسم الهجرة الى الشمال عن زوجته جين مورس، وبرغم منانجد انفسنا امام زوجين يتحدثان عن زوجتيهما بنبرات هى للآسى اقرب منها الى اى شىء آخر، وبرغم منا - ايضا – نجد انه لابد ان نبحث عن دوافع تلك الكلمات لانها جاءت على لسان رجلين لا يجمع بينهما سوى انهما شخصيتان وهميتان فى روايتين كتبت احداهما فى ثلاثينيات القرن الماضى بينما كتبت الاخرى فى التسعينات منه .

نموذج المرأة الجميلة شديدة التأثير على الرجال بصفة عامة وعلى المجتمع من حولها على وجه الخصوص، والذى تميزت به بطلتى الروايتين، هو نموذج متداول بين الروائيين على مختلف جنسياتهم، فما اكثر النساء الائى امسكن بزمام الامور، وتسلطن على الرجال حتى صرن ذوات ذكر فى التاريخ عظيم.

برجوعنا للروايتين موضوع هذا المقال نجد ان ذلك النموذج قد اتخذ كتبرير لتضاريس العاطفة الذكورية حينما تتأرج بين القوة والضعف، فكثير من الرجال الذين تبدو عليهم دلائل القوة الظاهرة، يتم سحقهم من الداخل بفعل امرأة تعرف اين تكمن نقطةالضعف فيهم .

كان "ماكسيم دى ونتر" يعيش مع زوجته " ربيكا" فى قصرهما المهيب " ماندرلى" وكانت الحياة تسير بهم – فيما يبدو- عبر تعرجات عنيفة منذ اليوم الاول لزواجهما، ولكن يبدو – ايضا – ان الزوجة " ربيكا" قد تمكنت بسبب قدراتها الغير عادية من وضع انطباع عام لدى كل من يحيط بهم بانهم يعيشون فى سعادة كبيرة، وهكذا امسكت ربيكا بزمام الامور وقادت حياتها مع زوجها فى الطريق الذى تريد،وهكذا اصبح الزوج "ماكسيم" زوج الهانم التى تجرعه المرارت فى الخفاء وتظهره كأسعد انسان فى العلن. لقد تمكنت "ربيكا" من ان تجعل حياة زوجها اكذوبة يعيش فيها على كره منه .... اكذوبة كبيرة بين الناس الذين يرون فيها الحياة المثلى لكل زوجين علىوجه الارض . وها هى تتحدث عن تلك الاكذوبة باستمتاع كبير واستهتار اكبر

(…. And people will visit us, and talk about us , they will say .. we are the happiest best looking pair in England…. What a jock Max ?..... what a wonderful jock. )

لم يكن مصطفى سعيد فى رواية(موسم الهجرة الى الشمال) الا انعكاسا لطيف بعيد من ماكسيم دىونتر فى رواية

(ربيكا)، ولم تكن "جين مورس" الا صورة من"ربيكا"فى جمالها وذكائها ومجونها وفجورها وقوتها الانثوية التى ادت الى نهاية مصطفى سعيد الذى جاءها غازيا فى عقر دارها، ولم يكن لقاءه الاول بها الا بداية لسلسلة مريرة من الآلام .. تجرعها لحظة بلحظة ولم ينقذه منها الا موتها مقتوله بيده على فراشها فى غرفة نومهما معا . وهاهو يتحدث بلسانه ويقول:

(كنت اجدها فى كل مكان اذهب اليه ... كانت تتعمد ان تكون حيث اكون لتهيننى .... اردت ان اراقصها مرة فقالت لى لا ارقص معك ولو كنت الرجل الوحيد فى العالم .. صفعتها على خدها فركلتنى بساقها) (.... لبثت اطارها ثلاث سنوات .. وذات يوم قالت لى تزوجنى ... ولما انتهى العقد اجهشت بالبكاء وظلت تبكى الى ان خرجنا من مكتب التسجيل، وفجأة انقلب بكاءها الى ضحك وقالت وهى تقهقه بالضحك: يــــــــــــــا لها من مهزلة ...) ، هكذا كانت حياة مصطفى سعيد بعد لقاءه الاول بجين مورس ... جراحات ومرارت وهزائم لانه هو كما يقول هو (...أنا الغازى الذى جاء من الجنوب وهذا هو ميدان المعركة الذى لن اعود منه ناجيا) .

لابد ان يلح علينا احساسا قويا بعد هذا بان هنالك شيئا يجمع بين ماكسيم دى ونتر وربيكا من جهة وبين مصطفى سعيد وجين مورس من جهة اخرى، وسنحاول من بين ثنايا هذا الاحساس معرفة القواسم المشتركة بين شخصيات الوايتينفى بعض المواقف التى تخيرناها .

اولما يلفت النظر ان كل من ماكسيم ديونتر بطل رواية ربيكا ومصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة الى الشمال ظلا يجأران بالشكوى من الخيانة الزوجية التى كانت تتراءى لهما صريحة حينا وخافية احيانااخرى، وبالرغم من انهما كاناعلى يقين من ذلك الامرالا انهما لم يستطيعا الا ان يتجرعا تلك الاهانة القاسية على كره منهما .

(…Then she began to ask her friend dawn here- she would have them in the pay … I told her she could her friends in London. but Manderly was mine , she smiled but said nothing… she used this fellow “ Vavell” down to the cottage , she would tell servants she is going to sail and would not to be pack before the morning – then she would spend the night dawn there with him. )

هكذا تحدث ماكسيم ديونتر بطل رواية (ربيكا) عن زجته،مبديا شكه الواضح فى خيانتها له دون ان يكون فى وسعه ما يفعله تجاه هذه الخيانة، وهذا عين ما فعله مصطفى سعيد فى رواية (موسم الهجرة الى الشمال) حينما تحدث عن زوجته "جين مورس" حيث قال: (... كنت اعلم انها تخوننى .. كان البيت كله يفوح برائحة الخيانة، وجدت مرة منديل رجل لم يكن منديلى سألتها فقالت: انه منديلك، قلت لها ليس منديلى، قالت:هبه ليس منديلك ماذا انت فاعل, ومرة وجدت علبة سجاير، ومرة قلم حبر، صرخت فى وجهها:اقسم اننى سأقتلك، ابتسمت وقالت: انت فقط تقول هذا .. ما الذى يمنعك من قتلى ..) موسم الهجرة الى الشمال

هذا موقفان اشترك فيهما كل من ماكسيم دى ونتر ومصطفى سعيد فعبرا معا بكلمات تكاد تكون متطابقة فى المعانى ان لم تكن فى الالفاظ،تماما كما تطابق فيه الاحساس الذى تحمله كل من ربيكا زوجة ماكسيم وجين مورس زوجة مصطفى سعيد نحو زوجيهما بالرغم من تباين الزمان والمكان، فهل كانت جين مورس هى الصورة وربيكا هى الاصل ؟ ام ان اللحظة التى اوحت الى دافن دى مارى ابتداع "ربيكا" هى ذاتها التى قدحت فى خاطر الطيب صالح تلك العنقاء التى افترست الغول(جين مورس) .

لم يكن ذلك الموقف هو الوحيد الذى تطابقت فيه المشاعر كما تطابق فيه التعبير عنها فى الروايتين ،فقد كانت لحظة الزواج الهزلية لكل من ماكسيم دىونتر وربيكا من جهة ومصطفى سعيد وجين مورس من جهة اخرى علامة كبيرة على صدق تساءلنا الكبير حول توارد الخواطر بين كل من "دافن دى مارى " "والطيب صالح "

)……. People will visit us, and talk about us , they will say we are the happiest luckiest best looking pair in England … what joke Max …. What wonderful joke….(

هذا هو حديث ربيكا مع زوجها ماكسيم دىونتر، حديث فيه كبرياء واستهزاء ويأس، حديث فيه مجاهرة ومحاورة ومداورة، ... ولكننا يجب ان نذهب الى الجهة الثانية سريعا لنرى ماذا قالت جين مورس لزوجها مصطفى سعيد فى لحظة الزواج (.... وذات يوم قالت لى: انت ثور متوحش لا يكل عن الطراد واننى تعبت من مطارتك لى ومن جرى امامك .. فتزوجنى) (.... وفجأة اجهشت بالبكاء، اخذت تبكى بحرقة .. دهشت لهذه العاطفة منها.. ولما انتهى العقد اجهشت بالبكاء مرة اخرى وظلت تبكى الى ان خرجنا من مكتب التسجيل،وفجأة انقلب بكائها الى ضحك،وقالت وهى تقهه بالضحك: يا لها من مهزلة)،

لا احد يستطيع نبرة الاستهزاء والكبرياء واليأس فى هذا الحديث، ولا احد يستطيع ان ينكر تطابق الاحساس والتعبير بين كل من ربيكا وجين مورس فى هذا الموقف، ولكن لا احد يتسطيع ان يفسر لنا وصف كل من ربيكا وجين مورس لهذا الزواج بتعبير واحد بالرغم من ان لكل منهما لغة تتحدث بها فى الرواية فعبرت ربيكا عنه بكلمة (Joke) بينما عبرت عن جين مورس بكلمة (مهزلة) وهما كلمتان متطابقتان فى المعنى..

تبقى لنا الاشارة الى اكثر ما يثير الدهشة فى ذلك الشبه الغريب بين ابطال روايتى ربيكاوموسم الهجرة الى الشمال، حيث تنقلنا تلك الاشارة الى نهاية البطلتين " ربيكا" " وجيم مورس" والى الاسلوب الذى اختاره كل من مارى ديونتر والطيب صالح لانهاء حياتيهما .

قتلت ربيكا فى خيمتها بيد زوجها ماكسيم بنما قتلت جين مورس فى غرفة نومها على يد زوجها مصطفى سعيد،وقد قام كل من الزوجين بذلك الفعل الشنيع تحت ضغط هائل من الهزائم والانكسارات لازمتهما ليل نهار منذ لحظة الزواج الاولى،ومثل ما قال ماكسيم فى رواية ربيكا:

)… I knew I could not stand that life of lie any longer..(

قال ايضا مصطفى سعيد فى رواية موسم الهجرة الى الشمال:

(ذات مساء داكن من شهر فبراير ... درجة الحرارة عشر درجات تحت الصفر، المساء مثل الصباح مثل الليل، داكن ومكفهر، لم تشرق الشمس طيلة اثنين وعشرين يوما .. فى هذه الليلة تحدث الامور الجسيمة، هذه ليلة الحساب ...)

كيف توافق دافن دى مارى والطيب صالح فى الاسلوب الذى انهيا به حياة بطلتيهما ؟ كيف تطابقت الدوافع لدى كل من ماكسيم ديونتر ومصطفى سعيد فى اقدامهم على ارتكاب تلك الجريمة بهذا النسق ؟ كيف تشابهت الوسائل الانثوية فى تحطيم الرجال لدى كل من ربيكا وجين مورس ؟ وكيف – اخيرا- تخير الكاتبان الزمان والمكان والجو النفسى التى ارتكبت فىه الجريمتان ؟

لعل آخر ما نشير اليه ونحن نقوم بهذه المقاربة بين روايتى ربيكا وموسم الهجرة الى الشمال هو تلك السطوة الانثوية الجبارة التى عمد اليها الكاتبان لتحطيم الصنم المتمثل فى ماكسيم ديونتر ومصطفى سعيد، فقد كان آخر عهد ماكسيم بجمال الحياة فى اليوم الذى تزوج فيه ربيكا،تماما كما كما لم يشعر مصطفى سعيد بلحظة سعادة حقيقية منذ زواجه الهزلى من جين مورس وحتى لحظة موتها الاخيرة فى مخدعهما معا

(... وقفت فوقها ذات ليلة والسكين فى يدى، قلت لها: سأقتلك، نظرت الى السكين نظرة بدت لى كأن بها لهفة، وقالت: ها هو صدرى مكشوف امامك فاغرس السكين فيه.. جلست على حافة السرير بذلة،وضعت يدها على خدى وقالت بلهجة لا تخلومن رقة: انت يا حلى ليس من طينة الرجال الذين يقتلون، اسست بذلة الوحدة والضياع)

لا يساورنى شك بعد الذى قدمنا ان بين "ربيكا" و" جين مورس" شىءمن شبه، وان بين "ماكسيم دى ونتر "

و "مصطفى سعيد" شىء من ارتباط، وان بين حياة كل من الزوجين شىء من توافق اكدته المواقف المشتركة ليس فى الاحساس فقط انما فى التعابير والالفاظ فى بعض الاحيان، كما لا يساورنى شك – ايضا- بان شيئا من توارد الخواطر قد جمع بين دافن دى مارى والطيب صالح رغم ما يفصل بينهما من مسافة وزمن ... الى اى مدى – يا ترى – تطابقت رؤى المؤلفين فى اجتراحهما لنموذج المرأة المتسلطة على الرجال بسحر جمالها وقوة شخصيتها ؟ والى اى مدى نحجا فى ابراز تلك الرؤى فى روايتى (ربيكا) و(موسم الهجرة الى الشمال ؟).

 

بقلم\ ناجى احمد الصديق المحامى

 

 

جمعة عبد اللهان ظاهرة الشابندر الشعرية، تبدو غير مألوفة ومطروقة في المنجز الشعري العراقي بشكل عام . ان يتربع على الابداع الشعري، شاعر بالفطرة، وان يخلق بصورة مدهشة الصور الشعرية، في آلية التصوير الفذ بالومضة الشعرية المدهشة الى حد الابهار. ان يملك براعة شعرية في تكوين الصورة وتركيبها وتوليدها وابتكارها وخلقها، ان يحملها بالصياغات الرمزية بالايحاء والمغزى، وفي اسلوبية الانتقاد والسخرية المتولدة من عمق الصورة الشعرية، التي تغوص في دواخل اعماق الانسان وتفرز همومه ومعاناته، لتخرجها الى الخارج العام، هذه الاسلوبية الشعرية في انطلاقة اتجاهاتها الرمزية في التعبير البليغ، ان يجعل المفردات المتولدة من رحم الواقع، قاموسه الشعري، العملي والفعلي في الابتكار والتولد بصياغة جديدة، في حمم في شفرات التعبير الرمزي . ان يخوض اعماق غمار الاسئلة الجدل،المتكونة من اعماق الذات الانسانية، ويفجرها الى الظاهر المكشوف، من اجل احداث تصدع في الجدار الخارجي . من كوة الصراع والتناقض في العالم الوجودي . ان يحرث عميقاً في باطن الارض القاحلة، ليخرج منها ثمرة الصبار التي اقترنت بالصبر العراقي الايوبي (نسبة الى ايوب)، ان يقتحم القضايا الحساسة والجوهرية من ذات الواقع، فهو الباحث عن مفردات الواقع في ادق تفاصيلها، لينطقها بالحواس المرئية وغير المرئية، ان يعكسها في مرآة الجدل في السؤال ورمزية تعابيره . يملك براعة في الجدل السقراطي (نسبة الى سقراط) في فحوى السؤال وتكوين ولادته المتولدة من الرحم الحياة العامة، ليدفعه الى المجابهة الحادة، الى حد كسر العظم والرقبة والظهر، هذه الرؤيا الفكرية في اتجاهاتها العامة، في مجموعته الشعرية، في الصورة جدلية السؤال الذي يطرق بمطرقته جدلية الواقع. من رحم الحزن والاسى، وانعكاساتها على ارهاصات الواقع، ان يمزق هذا الجدل السقراطي، جدار الصمت، في ضجة جدل السؤال، في ثنايا التعبير الرمزي، ليشق جدار الحصار في القضايا الحساسة الاولى في الحياة والواقع، التي تخلق من ينابع الهموم والوجع في طرح السؤال (الى اين؟ وكيف؟ ومتى؟ وماهو؟ لماذا؟ أجل ... لا !!) . ان الديوان الشعري (في زنزانة السؤال) خطاب شعري موجه من نزلاء زنزنة السؤال، الى العالم الخارجي العام، الى دهاليزه المظلمة، ورؤيته الكثيفة .بالضباب السريالي، الذي يفقد الرؤية وصوابية المنطق . ان قصائد الديوان تحاول الامساك بخيوط الجدل في اطار الفعل الرمز التعبيري . اذ انها ليس تهويشات الخيال عائمة بدون ضفاف . وانما تملك ارضية من ملوحة الارض وصباره ومعاناته

 للفقد ملح دم الصبار،

فاه الصبر :

شتاء النازحين،

يا عراق.. (اهداء الى الشهيد عمار غالب الشابندر . الذي خطفه الموت العبثي، في تفجير ارهابي في مقهى شعبي في بغداد) في عراق الحطب وصبار والجدب وشتاء النازحين .

 اي ان احداث العراق هي عينة من فيلم سينمائي (أكشن) حتى لا تتحمله الرئة السابعة او الروح السابعة، الذي ينزح الى التراجيدية السيزيفية (نسبة الى صخرة سيزيف) في وجع نزلاء زنزانة السؤال، وعسر الاجوبة التي تعزف في حضرة السيد الفراغ . هذا الوجع يأخذ الاطار الجمعي

من عسر الاجوبة

جبلاً أصعد

 * كسار حجر لعله *

الفأس أخطأت الرسم

واجترح الاسف

واخرج من الاسف الى تراجيدية السخرية والتهكم لكن هل تستطيع القصيدة اطلاق سراحه، في الغبار الضبابي، في عالم مزاجي يعزف على العواصف السريالية الغرائبية، الى حد اللعنة في التناقضات، المبكية والمضحكة في آن واحد، لتلعب على عذابات الانسان في كوميدية الموت المجاني . ان تلعب الحرب بنا ونحن دمى في لعبة الموت المجاني، مع التحيات

الى الحرب :

مع التحيات

ماتت .....

ماتت، زهرة البراري !

 انه يغوص في السيد الفراغ الكبير المسيطر على خناق الواقع، ليخرجه من قشور اللامعقول، الذي يسير في الوسواس والقلق، في لوثات المختبئة والظاهرة، ان ينشد الخلاص، لكنه مقيد في حبال الواقع تمنعه من الحركة والحرية والتصرف، انه يعيش في مأساة حياتية في سريرها العاري والصارخ، لم تبقى له وسيلة او كوة، سوى الصراخ بالحب، حتى يمزق أكفان النسيان

من جمرٍ،

أصرخ

الاسرار كتمتها، زهرة جمر لا يغيبها النسيان ...

أحبك أنتِ .

***

أغمضي عينيكِ

تريني

***

آية عن ظهر قلب : أحبكِ ..

ستون نافذة مشرعة لمرويات الريح ...

 تنادت : أحبك

وعلى سواه البحر يتفرج .

العري بوصفه اختبارا، اتخذت من الدمع سربا لها ..

***

أضاع زهرة، بلا العقل ....

هي

اجمل منك !

***

على كتفي،

أنتِ ظل الوردة .

وأنا : دهشة السؤال !

 

عالم يتعامل بالاستعارة حتى يدركه الخريف، حتى يكون متلبساً بالتشويش، حتى تضيع القضية من نزلاء زنزانة السؤال، في الصراصير المحتشدة حولهم، تكتب بضخب، تتكلم بصخب، انفاسها تلهث بصخب، لتقاوم هياج لوثة الفراغ، حتى تطل برأسها لهاوية الاندحار، تلك هي القضية

بلا لهو .....

لكنه اندحار؟!

هي كذلك،

أية هي؟

القضية

أية قضية؟

بلا

لكي يستفزنا دهاليز السؤال في عالم مقلوب على رأسه، في لوعة السؤال الصارخة في تراجيدية الكوميدية، في صمت الفنتازيا، ان تقود الى المهزلة، من ان نرى العالم من خلال ثقب الحذاء، الى ان يكون القط يرتجف خوفاً ورعباً من الفأر، هذه هي سخرية القدر، في زمن الفئران والجرذان المتحكمة بخناق الواقع

 إلا هاوية ..

لا أحد يكترث لك،

إلا من يعبيء صمتك

أيغيبني الفأر؟

ولكن الادهى من ذلك والانكى، ان تلعب بنا وبأعصابنا الصدفة، في غفلة من الزمن الارعن، ان تغزونا الصدفة، فتعثر علينا او نتعثر بها . في خلوة محرمة ومجرمة، تخلق لنا الصدفة ألهة واصنام جدد، في جبة القدسية الساخر بالمضحكات، او في سخرية سريالية، حتى تقودنا الى هاوية الجحيم . ان تصمم الدولة على مقاس هذه الصدفة ان ترتب الادوار، في الحظ العظيم . ان تفرز العالم الواقعي الى آلهة مقدسة (الزعيم والدولة أنا)، ونحن عبيد اذلاء نقشر البصل بدموعنا

في خلوة محرمة،

أكتب مثلما أتهدم وهما ..

وهم يشبهنا،

نتناساهٌ قصداً ...

بغفلة المتعثر بالمتراكم،

عثرت علينا الصدفة ......

***

ولم نقر أن الصدفة

ترتب الادوار.

زعيم أنا ...

أرباب الآن،

يقشرون البصلة،

البصلة المكتومة بالدمع .

× رسائل الى صديقات نزلاء زنزانة السؤال، من السجن المحاصر، الى المخاطبة والتواصل مع العالم الخارجي، حتى لا ينقطع حبل وصلهم، في ايقاظ في الحلم، في مخاطبة بالحب والتفجع بهمومهم، الى صديقاتهم، حتى يورق الامل بالحب، كأنها رسائل السجين الى احبته

الشمس بجلالها الضاحك،

وعريها الثمل،

دونك بيقينها

كم (ما أحوجني للطباشير)

لاكتب،

على سبورة المدى :

أحبك !

***

هل بيننا سؤال لا نعرفه؟

لمستك .

***

من، يفهمكِ الليلة

***

عيونك ..

الاستماع سراً !

***

حلمتٌ : أصبح عندي سر َ!

***

أغمضي عينيك،

تريني

***

سألتها موعدا، فانتشر عطر الغواية .

صديقتي : أنثى الندى،

تسألني ..

صاغت الضوء أساور

***

على كتفي،

أنتِ ظل الوردة .

وأنا : دهشة السؤال !

 

جمعة عبدالله