حسين سرمك حسنقصة (في الهواء رنين أجراس) أنموذجا

في ذكرى رحيل المبدع الكبير مهدي عيسى الصقر:

«الغريب إن نطق.. نطق حزنان متقطعاً، وإن سكت.. سكت حيران مرتدعاً.. وإن قرب.. قرب خاضعـاً.. وإن بَعُد.. بعد خاشعاً.. إن أصبح.. أصبح حائل اللّون من وساوس الفِكرْ.. وإن أمسى.. أمسى مُنتهبَ السرّ من هواتك السِّتر.. مصّه الذبول.. وحالفه النحول».

«أبو حيان التوحيدي»

كتاب «الإشارات الإلهية»

من الحالات النادرة في تاريخ الأدب العراقي القصصي، أن يمنحنا كاتب ما فرصة التعرّف على سيرته الإبداعية، وبشكل خاص الاعتراف بمصادره الواقعية، والكيفية التي يتحول فيها الواقع إلى نصّ، إلى ورقة كتابة، إلى مخيّلة، لأنّ من المعروف، أنّ الكاتب العراقي لا يعطي قيمة لسيرته بل يخجل منها أحياناً ويصاب بالحرج في حـلة إعلانه عن طقوس إبداعه «وخفايا» آلياته الإبداعية. وقد يكون المبدع العراقي الكبير «مهدي عيسى الصقر» هو أولّ من حاول القيام بذلك بصورة منهجية ومدروسة ومقصودة من خلال كتابه «رجع الكتابة» الذي يقول فيه: «طرحت إحدى المجلات سؤالاً على عدد من الأدباء «العراقيين»، حول سبب إحجام الكثير منهم عن كتابة مذكراتهم الشخصية. قال أحدهم: إنه لا يرى نفسه شخصاً مهماً إلى درجة تجعله يسجّل تفاصيل حياته، ليقرأها الآخرون، وإن كانت حياته مليئة بالأحداث».. «وجع الكتابة ص62».

ويعلق «الصقر» على هذا الخلل السلوكي الإبداعي لدى الكتّاب العراقيين بالقول: «في تقديري إنّ كتابة المذكرات بحاجة إلى جرأة كبيرة، واستعداد لتحّمل العواقب، فالمذكرات ليست قصّة، أو رواية، يتخّفى فيها الكاتب أحياناً، وراء شخوصه الوهميين، ليلامس جراحه الخاصّة، في تردّد وحذر، بل هي نبش مباشر يفترض فيه أن يكون صادقاً، وأمينا يكشف، بلا مواربة، عمّا يدور في أعماق النفس، من نوازع «ربما كانت شريرة» وما دار حقّاً، في حياة الكاتب، وفي المحيط، الذي عاش فيه. وكتابة المذكرات تغدو أكثر صعوبة، لمن يريد أن يتحدث، عمّا دار في حياتنا، من أحداث تجاوزت كلّ ما هو خرافي. أمّا عذابات النفس، وخيباتها، فإننا نحاول أن نتناساها، قدر المستطاع، من أجل أن نقدر على مواجهة مصاعب حياتنا اليومية، لابسين قناع التفاؤل فوق وجوهنا الحزينة».. «وجع الكتابة ص62».

1341 مهدي عيسى الصقرأي أنّ «الصقر» يقرّ بأن كتابة المذكرات أو السيرة الذاتية هي «كشف» يتطلب جرأة وروحاً تعرّضية، وقد قدّم هذا المبدع – وفق هذا التصوّر – سيرة ذاتية «منضبطة» همّها الأساسي تقديم الحوادث والوقائع واليوميات ذات الصلة بالعملية الإبداعية، مبتعداً عن الطريقة الفضائحية الصادمة التي اتبعها بعض المبدعين الذين سطّروا سيرهم الذاتية في الأدب العالمي والعربي، تلك الطريقة التي حققت لمذكراتهم انتشاراً واسعاً بين القرّاء الذين يستولى عليهم الفضول الشديد للتعرف على خفايا  «النصف الأسفل» من حياة المبدع السرّية وبشكل خاص الجوانب الجنسيّة المثيرة. ولعلّ أهمّ ما قدّمه «الصقر» في مذكراته، بالإضافة إلى عرض طقوسه وعاداته الإبداعية وهو أمر قليل الحصول في الأدب العراقي، هو تصوير الكيفية التي يلتقط بها موضوعاته من أرض الواقع ليعيد تشكيلها، عبر المخيلة، في سماء النصّ، أي أنّه يقدم لنا درساً هاماً في الإجابة عن تساؤل هام هو: كيف تكتب قصّة؟ وكيف يتحول ما هو واقعي ومادّي إلى إبداعي لغوي؟ وما الذي يحققه القاص أو يضيفه إلى الحدث؟ ثم، وهذا هو الأهم، ما هو المقدار الذي تلعبه دوافع المبدع اللاّشعورية في تشكيل النتاج القصصي النهائي؟

لقد قدمنا دراسة حول هذا الأمر؛ كيفية نقل الواقع إلى النصّ، من خلال متابعة مراحل خلق «الصقر» لقصته القصيرة: «زوجة محارب» ركزّنا فيها على فعل لاشعور المبدع وتجاربه المختزنة في تحديد مسارات تشكّل التجربة النصيّة، وأقدّم هنا دراسة ثانية عن قصة: «في الهواء رنين أجراس» التي ضمتها مجموعته القصصية «أجراس».

كيف «التقط» القاص موضوع قصّته من بين الكم الهائل من الحوادث الذي يحفل به الواقع والتي تواجهه في حياته اليومية؟

يقول «الصقر»: «قبل نحو عشرين سنة، وأنا في سفر، خارج العراق، التقيت رجلاً كهلاً، من اسكوتلندة، كان مسافراً هو أيضاً. ومثل أي غريبين، بعيدين عن الوطن، ينشدان الرفقة، والتواصل مع الآخرين، رحنا نتحدث، قال: إنه في طريقة لزيارة صديق ألماني مقيم في مدينة «ميونيخ»، تعرّف عليه أيام الحرب. نظرت إليه في دهشة:

«تقول: أيام الحرب؟»

«نعم، أيام الحرب».

«ولكن كيف، وأنتما من بلدين، كان في حالة صراع؟»

ابتسم الكهل: «لن تندهش إذا عرفت الحكاية، أو لعلك تندهش قليلاً، ولكن لسبب آخر». وراح الرجل يروي لي حكايته، بكلماته الهادئة البطيئة وبلهجته الاسكوتلندية التي يتندّر عليها الإنجليز أحياناً: «في الحقيقة أنا كنت أسيراً في ألمانيا، وكان صديقي هذا – الذي أذهب لزيارته الآن – واحداً من حرس المعسكـر، الذي كنت فيه. ونظر الكهل في وجهي: «أتدخن أنت؟».

«لا».

«حسناً تفعل، فهذه النـزوات التافهة، التي نعتاد عليها، في حياتنا، تجعلنا نتعرّض لكثير من المهانة أحياناً». «في الماضي كنت أدخن كثيراً، أنت لا تستطيع أن تتصوّر كم كنّا نكرههم، هؤلاء الحرس، لقد جعل «هتلر» من رجاله وحوشاً، لا يتورعون أن يأكلوك، وأنت حي. كانوا يستمتعون بتعذيبنا، نحن الأسرى، كنّا نعمل، في العراء، نستخرج لهم البطاطس، والأرض تغطيها طبقة من الثلج، ونحن شبه عراة، وهم بملابسهم الدافئة وأحذيتهم الثقيلة، يتجولون بيننا، يحملون مسدساتهم وعصيهم ويدخنون باسترخاء. وكان الواحد منهم، إذا انتهى من تدخين سيجارته، رمى بالعقب جانباً، حتى إذا لمح يد واحدٍ من الأسرى، تمتد لالتقاطه، من على الأرض، أقبل كالنمر، وسحق بجزمته اليد، والعقب، بالتراب، فترتفع عندئذٍ، ضحكاتهم المتشفية. كانت تلك واحدة من اللعب التي يتّسلون بها، يومها أقسمت أن أترك التدخين، ولكن، في ذلك الوقت كان الدخان سلوتنا الوحيدة».

ورأيت الكهل يمد يده إلى جيبه، كأنه يبحث عن شيء. إلاّ أنه أخرجها فارغة، بعد قليل.

«في أحد الأيام جلست أستريح قليلاً فشعرت بكعب حذاء واحد منهم ينـزل، بين أكتافي، وصوت غاضب يصرخ بي: «أربايته.. دوشفاين» «اعمل أيها الخنـزير». سقطت على وجهي، ثم جلست أنفض عني الثلج المعفّر بالتراب، وتابعت العمل. لم أرفع رأسي. شعرت، بعد ذلك، بالأقدام تبتعد، مرّت لحظة، ثم لمحت ساقين، وحذاءين ضخمين، يقتربان منّي ، انكمشت على نفسي. هل عاد هذا المتوحش ليضربني؟ بقيت خائفاً. سمعت صوتاً يقول: «حاول أن تكون أكثر حذراً لكي لا تُضرب». كان ذلك صوت رجل آخر. فوجئت. لم تفاجئني الكلمات. فنحن كنّا معتادين على التهديد. إنّما فاجأتني النبرة التي لفظ فيها الحارس كلماته. أحسسـت كـأن الرجل ينصحني. رفعت وجهي إليه، فرأيت ما يشبه العطف، في عينيه، أحقيقة ما أسمع وما أرى. لم يقل الحارس شيئاً آخر، ومضى يبتعد عنّي. كنّا نرتاب في نواياهم، ونخشى أي اتصال بهم. قلت لنفسي: لعلّي أتخيل أشياء لا وجود لها. أحياناً، في ساعات المحنة، يتمنى الإنسان أشياء مستحيلة فيصوّر له خياله حدوثها. بقيت حائراً، مرتبكاً، ولكن في اليوم التالي، وهو يمر بجواري يتفقد العمل، ترك سيجارة تسقط، من بين أصابعه، في حفرة صغيرة أمامي، كأن ذلك حدث سهوا . " سيجارة كاملة ، تصور !! " . ولمعت عينا الكهل وهو يستعيد ذكرى ما جرى. «ثمة أشياء لا نكترث لها كثيراً، في حياتنا اليومية الاعتيادية، تغدو كأنها أكسير الحياة، في مواقف معينة. سيجارة كاملة، تقع في يدي، ونحن نحلم بالعثور على عقب واحد غفل عنه الحارس».

قلت له: «إنني أستطيع أن أتصور مشاعره ساعتها».

«ربّما.. ربّما.. ولكن ما لم تعش التجربة، أنت بنفسك، فإنك.. على أية حال أنا تركت التدخين، بعد خروجي من المعتقل. أمّا في ذلك الوقت. «وأغمض الكهل عينيه لحظة».

«في الأيام التالية أخذ هذا الرجل يحدثني عن نفسه. ليس علناً طبعاً، ذلك مستحيل. كان يأتي ليقف فوق رأسي، ويصيح بي معنفاً، ثم يهمس بكلمات قليلة، عبارة، أو عبارتين، ويمضي. وبدأت أطمئن إليه، ورحت أرد عليه، وأنا مطرق، مواصلاً عملي، عرفت أنه كان مدرّساً للموسيقى، قبل الحرب، وأنه متزوج، وله بنت واحدة اسمها «مارتا»، وإنه يمقت العمل الذي يقوم به، في المعسكر. ومع الأيام نمت بيننا – في ذلك المكان المرعب – صداقة حذرة، متكتمة، محفوفة بالأخطار، ساعدتني كثيراً، على تحمل ما تبقى من سنوات الأسر، وسط ذلك الجحيم.

«وأنت تذهب الآن لزيارته».

«وإلى أين تذهب أنت؟»

قلت له: «إني أعود إلى بغداد.. ثم افترقنا». «وجع الكتابة ص142 – 146».

ثم يتحدث «الصقر» عن الكيفية التي أثّرت تلك الحكاية في وجدانه وكيف اختمرت فكرتها ثم بزغت ناضجة كموضوع قصّة قصيرة تدخل في تشذيبها الخيال، فيقول: «... وقد هزتني تجربة هذا الكهل، مع أنّ علاقات الصداقة، والحب أحياناً، التي تنمو – مثلما تنمو الزهور البّرية، في وسط مستنقع – بين أناس من فريقين متحاربين، هي ممارسة إنسانية قديمة تناولها الأدباء والشعراء في قصصهم، وقصائدهم، وهي تكشف لنا  أنّ الإرهاب والخوف، وليده الشرعي، لا يستطيعان أن يتغلبا، على الخصال النبيلة، في القلوب الحرّة، والشجاعة. وبقيت حكاية الرجل الأسكوتلندي، وصداقته، مع حارس المعسكر النازي أيام الحرب، ترقد في رأسي، لعدد من السنين، بين حشد الذكريات والانطباعات، التي عدت بها من السفر، حتى جاء يوم وجدتها تخرج إلى السطح فوضعتها، عندئذٍ، في أقصوصة أسميتها: «في الهواء رنين أجراس»؛ غير أنّ الخيال كان قد أضاف إليهـا، وحذف منها، كالعادة طبقاً للضرورات الفنية. إلاّ أنّ الجوهر يبقى كما هو – موقف الإنسان، الذي يرفض أن يتخلّى عن شروط إنسانيته، في مواجهة القوى، التي تسعى إلى مسخه، وسلبه حرّية الاختيار». «ص 147».

لقد نقلنا هذا النصّ الطويل لأنّه في غاية الأهميّة، فهو «النصّ» المرجعي الذي سوف نقيس النصّ الإبداعي/القصّة عليه لنرى ما الذي فعله «الصقر» به حين استخدمه مادة أولية شكّل منها ما أنجزه من أنموذج فنّي، وينبغي أن ننتبه أولاً إلى أنّ الكاتب قد اختزن هذه الحادثة لأكثر من عشرين سنة، ثم «طفت» الفكرة إلى السطح ذات يوم، أي أنها اختمرت لمدة طويلة جداً، وكان «انبثاقها» وفق حالة أشبه بالإلهام، إذ لا يستطيع المبدع القول أين كانت هذه التجربة مختبئة طول هذه السنين، ولماذا انبثقت في تلك اللحظة بالذات، وكأن قوة «سحرية» مدّت لها «حبلاً» وسحبتها من بئر الذاكرة المظلمة. وقد يكون المحفز لتحريك الفكرة المخزونة حادثة خارجية بسيطة كقراءة خبر في صحيفة أو رؤية مشهد في التلفاز مثلاً. إلخ.. وقد يكون المثير مرتبطاً بمتغيرات الواقع الاجتماعي الذي يعيشه المبدع الذي يتفاعل مع أحوال مجتمع بضمير حيّ واستجابات ساخنة. وإذا أعدنا إلى ذهن القارئ أن الكاتب قد كتب قصته في «تموز 1988»، أي  بعد شهر واحد على نهاية الحرب بين العراق وإيران، والتي أكلت «الأخضر واليابس» في حياة البلدين ، فإنّ هذه القصّة هي استجابة خلاّقة تشجب العدوان وتراهن على الدوافع الإنسانية لدى الإنسان في كل مكان، وأنّ الطريق الوحيدة للقضاء على غولة الحرب تكمن في المراهنة على الأخوة البشرية التي تتجاوز حدود اللون والعرق واللغة والقوميّة، لقد حاول الكاتب تقديم حلّ لحالة العدوان المدّمرة للمجتمع البشري من خلال الفنّ، ومن خلال حادثة ظلت «نائمة» أكثر من عشرين سنة.

ومرحلة كمون الفكرة أو الواقعة هو ما يسميّه المختصون بـ«مرحلة الحضانة أو  الاختمار – incubation» حيث يرون أنّ «العملية التي يتم بها الإبداع الملهم تجتاز أربع مراحل:

1- مرحلة الإعداد التحضير: Preparation:

وفيها تحدّد المشكلة وتفحص من جميع النواحي وتجمع المعلومات وتهضم جيّداً، ثم يقوم المبدع بمحاولات للحل يستبعد بعضها ويستبقي البعض الآخر لكن يصعب الحل وتبقى المشكلة قائمة، وقد قال «جوته» في وصف هذه المرحلة: «كل ما تستطيعه هو أن نجمع الحطب ونتركه حتى يجف، وستدب النار فيه في الوقت المناسب».

2- مرحلة الحضانة أو الاختمار:

وهي مرحلة تريّث وانتظار لا ينتبه فيها المبدع إلى المشكلة انتباهاً جدّياً، غير أنها ليست فترة خمود بل فترة كمون، فيها يتحرّر العقل من كثير من الشوائب والمواد التي لا صلة لها بالمشكلة، وفيها تطفو الفكرة بين آن وآخر على سطح الشعور.. وقد تطول هذه المرحلة لعدة سنين وتكون المشكلة إبان هذه الفترة تحت تأثير عمليات لا شعورية مختلفة لتلك العمليات الهامة الخافية التي تحدث في البيضة أثناء مرحلة الحضانة.

3- مرحلة الإلهام أو الإشراق:

فيها يثب الحل إلى الذهن ويتضح على حين فجأة.. مثل من ينظر في صورة من تلك الصور الملغزة يحاول أن يكشف فيها عن رسم غزال مختبئ، أو صيّاد متربّص أو طائر على شجرة.

4- مرحلة إعادة النظر أو التحقّق: Verification:

«قد يكون الإلهام الخطوة الأخيرة في التفكير الإبداعي أحياناً، غير أنه في أغلب الأحيان يتعيّن على المبدع أن يختبر الفكرة المبتدعة ويعيد النظر فيها ليرى هل هي فكرة صحيحة أم تتطلب شيئاً من الصقل والتهذيب». «أصول علم النفس – أحمد عزت راجح – ص361 – 364».

ولكن ما الذي حصل لدى «الصقر» وهو يبدع قصّته هذه؟ وكيف سنفهم تسلسل هذه المراحل الإبداعية ارتباطاً بتجربته؟

لم يخطط «الصقر» أولاً لاختيار موضوعه، لقد التقى بـ«مصدره» مصادفة أثناء سفره خارج العراق واختزن الفكرة لعشرين سنة ثم بدأ بالتخطيط لوضعها في صورة قصّة قصيرة في يوم معيّن، أي أنّ تسلسل مراحل الإلهام الإبداعي بالسنبة لهو هو: الاختمار  الإعداد والإنجاز  التحقّق. ولم تبزغ الفكرة بصورة إشراقية ولم يأتِ موقفه معتمداً على «الحدس». كان هناك مثير حفز الفكرة المختزنة والكامنة فصعدت إلى سطح الشعور لتتلقفها أنامل المبدع البارعة. أي أن تسلسلاً آخر موازياً للتسلسل الأولى يمكن أن يرسم مراحل الفعل الإبداعي وهو:

تجربة (حادثة، لقاء..إلخ)  فكرة   اختمار   محفز   عودة الفكرة «وفي أحشائها تفاصيل التجربة القديمة   إعداد وإنجاز   تحقق . وأعتقد أنّ الكثير جوانب الخلق الفني لدى المبدعين تقوم على أساس اختزان التجارب اليومية من علاقات وتجاذبات وحوادث وصدمات واختزانها في هيئة أفكار، وصور تختمر لأوقات قد تطول أو تقصر منتظرة مثيراً ما – خارجياً أو داخلياً – يحفزها ويحرّكها. وقد تتحفز الفكرة أو الصورة لأكثر من مرّة لكنها لا تدفع المبدع إلى العمل بسبب انتظار «المموّل» الداخلي الذي يمنحها الطاقة النفسية الكافية . وهذا الممّول يكون في العادة رغبة لاشعورية تبغي الإشباع أو صراع لاشعوري يطلب الحل أو دافع لاشعوري هو الذي يموّل إخراج الفكرة الكامنة إبداعياً لمصلحته. وإذا راجعنا دراستنا الموسّعة حول «قلق الموت لدى المبدعي مهدي عيسى الصقر» سنكتشف حافزاً مضافاً جعل الذكرى النائمة تصحو وتطرق أبواب شعوره ليستلهمها في قصته، وهذا الحافز هو قلق الموت الذي تأصل في لاشعوره منذ طولته وتحديداً منذ أن واجـه تلك التجربة الفاجعة المتمثلة في حضوره – صغيرا ووحيداً- احتضار والدته، وقد تجلّى هذا القلق – كما بينّا في دراستنا تلك – في مجمل نشاطه الإبداعي، رواية وقصّة وسيرة، ومن الواضح أن تقدّم «الصقر» في العمر لأكثر من عشرين عاماً قد رفع من حدّة هذا القلق وجعله يستعيد التجارب التي يستطيع توظيفها بطريقة تخفف من حدة مخاوفه وتحافظ على تماسكه النفسي وتمنحه الإحساس بالديمومة ومقارعة الفناء. ومن بين هذه التجارب لقاء «المصادفة» الذي حصل مع ذلك العجوز الأسكوتلندي الذاهب إلى رؤية «جلاّده» السابق في معسكر الأسر خلال الحرب العالمية الثانية. فالحادثة التي «قصّها» العجوز هي واقعة مواجهة مع الموت لأنها حصلت في أتون الحرب، والحرب هي الغولة التي يبعثها الموت كي «تلحس» لا أقدام وجودنا فحـسب، بـل أرواحنا موتى وأحياء؛ فحتى الناجين من مخالبها الباشطة يعودون وقد ركبهم الشعور بالذنب؛ ذنب النجاة.. «لماذا عاشوا في الوقت الذي مات فيه زملاؤهم؟ لماذا لم يفعلوا شيئاً لإنقاذ الآخرين؟ هل انتهزوا الفرصة على حساب غيرهم؟ هل ضحّى الآخرون بأرواحهم من أجل إنقاذهم؟..».. ثم هناك ذنب القتل وخطف روح آخر شبيه بهم من حيث تعلّقهم بالحياة وبعائلاتهم.. العائدون من الحرب يعودون بغيلان صغيرة سوداء تعشش في زوايا أرواحهم وتنشط في أحلامهم وتجعل حياة يقظتهم جحيماً لأنّها تقفز من أماكنها بصورة شيطانية مع أي محفّز – مهما كان بسيطاً – يعيد ذكريات الموت بصورة إشراطية «قد يجفل محارب سابق بعد الحرب عند سماعه صوت تكسّر قدح زجاجي أو زعقة منبّه سيارة.. إلخ» وقد عاد العجوز الأسكوتلندي من معسكرات الأسر الألمانية الرهيبة التي كان يديرها وحوش فعليون كما وصفهم في حديثه للصقر، قلّة قليلة كانت تعود إلى ديارها على قيد الحياة من تلك المعسكرات.. (إنّ أي شك حول التأثيرات الرهيبة لعمليات الأسر على الإنسان يمكن طرحها جانباً من خلال مراجعة الإحصائيات التي أوردها المختصون حـول الأسـر خـلال الحرب العالمية الثانية حيث وصلت معدلات الوفيات بين أسرى الحرب إلى مستويات لا تصدق قدرت بين «6 – 10» ملايين، فمن بين جميع الأسرى البريطانيين والأمريكيين مات (11%) تقريباً خلال فترة الأسر، وأغلبهم بسبب سوء التغذية أو الإهمال، و(45%) من الأسرى الألمان في معسكرات السوفييت و(60%) من الأسرى السوفييت في معسكرات الألمان لم يعودوا إلى بلدانهم بعد الحرب حيث ماتوا خلال «الأسر».

في الواقع حدّث العجوز الصقر عن المعاملة اللاإنسانية والشرسة التي كان يقوم بها الحرس «استخراج البطاطا من تحت طبقة الثلج بأصابع عارية، العمل في الصقيع شبه عراة، محاربة الأسرى المدخنين بأعقاب السجائر، بالأحذية، والشتائم».

لكن في القصّة، أضاف «الصقر» طريقة تعذيب لا أعلم أين اطلّع عليها حيث يقول: «كانوا ينـزعون عن الأسير ثيابه، ويسكبون ماءً بارداً على جسده العاري، ويتركونه ساعات طويلة في العراء تحت الثلج المتساقط في ليالي الشتاء.. ثم يأتون به إلى حجرة دافئة، جسداً متصلباً.. ويجيئون بامرأتين عاريتين، ويجعلون كل واحدة منهما تنام على جانب من الجسد المتجمّد وتعملان معاً على بعث الحياة فيه من جديد، بحرارة لحمهما العاري. وفي الغالب يكون الأسير الذي يؤتى به من العراء قد فارق الحياة منذ بعض الوقت. وتكتشف الامرأتان بعد وهلة، أنهما كانتا تلهثان على جثة هامدة. ولكن كان يحدث أحياناً أن يستعيد الأسير وعيه شيئاً فشيئاً، وينتعش الجسد البارد، وفي بعض الحالات يطبق الرجل المستثار على إحدى الامرأتين فيضاجعها وسط ضحكات المشرفين على التجربة..» «أجراس، ص 20 – 21».

أنا، شخصياً، اطلّعت خلال القراءة المستفيضة، على الكثير من أساليب تعذيب الأسرى في معسكرات النازي، ولم أطلّع على مثل هذه الطريقة رغم أنّها ممكنة الحصول، لكن السؤال الهام الذي يثور في ذهن المتلقي هو ما الذي دفع بالكاتب إلى اختيار تجربة يمتزج فيها التعذيب الجسدي بالجانب الجنسي الإستثاري؟

إنّ السبب الذي يطرحه الكاتب لتبرير هذه التجربة الغريبة هو أنّ الجلادين كان يهمهم أن يعرفوا إلى أيّ مدى يستطيع الإنسان أن يصمد أمام البرد القارس، وما هي أنجع سبل العلاج لجندي موشك على الهلاك برداً، لكي يوفروا أسباب السلامة للجندي الألماني الذي يقضي فترات طويلة في الخنادق، وهو عامل متهافت علميـاً، لكن العبارة الكاشفة هي التي يقول فيها «الصقر» من أنّ الجلادين كانوا يدهشون للقدرة السحرية التي يمتلكها جسد الأنثى على إعادة الحياة إلى رجل هالك، ثم الصعود به إلى ذورة النشاط الجنسي. فهذه التجربة الجنسية في مضمونها رغم غطائها العلمي تشبع الدوافع التبصصّية والاستعرائية الممزوجة بالسادية لدى الجلادين.. والمبدع حين يبني مشاهد نصّه يسترق ويتبصّص ويفرغ دوافعه السادية أيضاً. ومن ناحية ثانية، من الضروري الإشارة إلى أنّ هناك عوامل كبيرة تتحكم في الكيفية التي يبني بها الكاتب نصّه وبشكل خاص تسلسل حوادثه من بين أهمها الإشراط النفسي اللاّشعوري. وبقدر تعلق الأمر بتجربة «التعذيب» التي أشار إليها «الصقر» فإنها من الناحية الفنية والنفسيّة تضعف حدّة وحشية أساليب التعذيب الأخرى التي أخبره بها العجـوز والـتي سطّرها في قصته أيضاً لأنّ الوقع النفسي لتعذيب ينتهي بالجماع الجنسي والمغازلات المهيّجة لا يولّد الانطباع المأساوي الذي تخلقه الطرق الوحشية الأخرى. فلماذا ذكرها الكاتب؟ ولمَ لمْ ينتبه إلى المفارقة التي يخلقها هذا النوع من «التعذيب» مع المسار الدموي والشرس المعروف عن الأنواع الأخرى؟

لقد جعل القاص بطله العجوز «توم تبلر» في القصّة – يتشارك في مقصورة واحدة من القطار الذي أقلّه إلى «ميونيخ» لملاقاة جلاّده/ صديقه السابق، مع زوجين: أفريقي أسود وألمانية شقراء. وعند منتصف الليل توسد حقيبته وغطى نفسه بالمعطف. لم يستطع النوم بعمق بسبب حركة القطار. ثم أطفئ الضوء داخل المقصورة. سمـع همسـاً وتنهـدات فبقـي سـاكـنـاً، لم يشـأ أن يقطـع علـى الأفريقـي وزوجته ماكانا فيه... انفلتت ضحكة صغيرة من فم الامرأة النشوى على المقعد المقابل، وسمع الأفريقي يهمس محذراً: «إ شـ شـ ش..». «ص20».

إنّ من المؤكّد أنّ المغازلة بين الزوجين قد أثارت قواه المتهالكة وأشاعت التهيّج في أوصاله، ومن الطبيعي أن «يسحب» هذا المشهد، بعملية إشراط لاشعوري وليس بالإشراط «البافلوفي»، ذكرى ذات طابع جنسي من مخزون ذاكرة العجوز «بتلر» تتلّبس بأغطية العذاب من تجربته المريرة التي يصوغها القاص الذي «تماهى» مع بطله وانسجمت دوافعه الخاصة، ككاتب تقدم به ا لعمر مثل «بتلر»، مع الاستثارة الحسيّة التي ولّدتها خلوة الزوجين في ظلمة المقصورة. ولهذا استدعى الكاتب تلك التجربة، تجربة «تعذيب» الأسير واستثارته بامرأتين عاريتين، ليضرب عصفورين بحجر لا شعوري واحد.



عندما نقل القاص الواقعة الفعلية إلى عالم النصّ، قام بتحويرها وتطويرها وتطويع تفصيلاتها لمتطلبات الفن القصصي فعرض حكاية العجوز في ثلاثة أقسام، هي:

1- الفتى الصغير.

2- الأفريقي وزوجته.

3- رنين الأجراس.

1- في القسم الأول عرض لنا حالة بطله «توم بتلر»، العجوز الأسكوتلندي، وهو يبحر بعبّارة من ميناء «دوفر» البريطاني إلى «أوستند» في بلحيكا، فهو متهالك القوى لا يقوى على الصعود والنـزول على السلالم الحديدية ليرى البحر بكل سعته وامتداده من سطح السفينة مثل الآخرين، ولكنه كان يشعر بالبهجة، كما لو كان يجلس وسط نادٍ كبير، أو يشارك في مهرجان، ويقدم القاص لنا ملاحظة عرضية هامة عن شعوره بالسعادة فيقول: «لأول مرّة – منذ زمن طويل – يشعر بالبهجة لوجوده بين الناس»، أي أنّ «بتلر»، قد أمضى العقود السابقة من حياته بعد خلاصه من الأسر، منعزلاً عن الآخرين ولا يشعر بالارتياح حين يكون بينهم، وهذه من علامات الخراب النفسي الذي سبّبته الفاجعة التي تعرّض لها. فالعائدون من تلك الفاجعة يشعرون بدرجة كبيرة من الاغتراب عن ذواتهم وعن الآخرين، وقد يصل الأمر حدّ تحطم أواصر حياتهم العائلية. وفي استهلال القصة يبين لنا الكاتب أنّ «بتلر» قد خرج من إسار عزلته بفعل إلحاح زوجته عليه بالسفر.

خلال الرحلة يجلس أمامه شاب صغير «يبتسم طوال الوقت، وكانت خصلة من شعره الأشقر تسقط على جبينه كلما تحرك، فينفضها إلى الوراء بحركة سريعة من رأسه كما تفعل فتاة في مقتبل العمر» «ص9».. وعندما يبدأ «بتلر» بالحديث مع الشاب الجميل يقدم لنا القاص ملاحظة أخرى هامة يقول فيها: «الحديث مع الناس يجعل المخاوف تبدو أقل حدّة»، وبعد أسطر قليلة ينقل إلينا جانباً من مشاعر «بتلر» بعد أسئلة وأجوبة مع الشاب فيقول: «لم يرد على الفتى بشيء ، راح يحدق إلى البحر ساهماً.. من وراء الزجاج السميك.. الحديث مع الناس يفتح – أحياناً – الجراح القديمة..» «ص10».

المخاوف والجراح القديمة نامت بعين واحدة كما يقال توقظها المثيرات البسيطة فترفع رؤوسها السود ويكون ثمن هذه اليقظة باهظاً. هذه اليقظة غير مباركة، تثير القلق والخوف القديم في نفس «بتلر» وتحفزّ غيلان التجربة الكريهة، تبذل الضحية الناجية من الفاجعة جهوداً مستميتة للابتعاد عن مسرح التجربة الكارثية القديمة، ولهذا نجده يؤجّل زيارة صديقه و«جلاّده» السابق في ألمانيا من سنة إلى أخرى. «زمن طويل مرّ وهو يؤجل هذه الزيارة من سنة إلى أخرى. كان يتذرع بأعذار مختلفة أمام زوجته الحائرة، ولكنه لم يذكر لها أبداً السبب الحقيقي الذي كان يجعله يتردّد في الذهاب، خشية أن تظنه جباناً، أو مصاباً بمرض نفسي، وتقترح عليه الذهاب إلى طبيب. كانت تنتابه المخاوف عند التفكير برؤية ألمانيا مرّة أخرى.. مخاوف غامضة.. مدّت جذورها في أعماق نفسه خلال تلك السنين السوداء». «ص11».

إن هذه الجذور الأفعوانية تغوص في تربة روح الضحية حتى بعد انتهاء الفاجعة زمنياً ومكانياً. وقد تكاثرت في أعماق «بتلر» مثل رؤوس الميدوزا خلال الأربعين سنة التي تلت إطلاق سراحه، ولهذا نجده لا يشعر بالخوف والتوتر من مجرد فكرة العودة إلى ألمانيا فحسب بل يحاول تجنّب أيّ مثير يذكره بها أيضاً. بالنسبة له يعمل (الرمز) عمل الوحش الأصلي تماماً، بل قد يفوقه أحياناً، فالأصل كان محدداً ويطلق سهامه المدمّرة نحو الضحية من الخارج، أمّا الرمز فإنه يشعل التهديد من الداخل، وأنّ أكثر أنواع المعارك دماراً هي التي تكون ساحة عملياتها نفوسنا الممزّقة. إن أفظع حالات التهديد تحصل حين يكون عدوّك رابضاً في داخلك ويشكّل جزءاً من واقعك النفسي. والأشد بشاعة أيضاً، هو عندما يثخن هذا العدو نفوسنا بالجراح العميقة دون أن يكون لدينا حول أو قوّة لردعه أو لجم عدوانه. فوق ذلك فإن تأثير المحفزات التي تنشط همّة هذا الخصم الشرس يتم «آلياً» و«اقتحامياً» فيجعل حياتنا جحيماً في اليقظة والمنام على حدّ سواء، إن بإمكانه، هذا العدو الداخلي، أن يخرّب علينا فرصة للبهجة والاندماج التلقائي في الحياة البشرية الدافئة. وهذا ما حصل لـ«بتلر»، فعندما سأل الشاب الصغير الجميل عن وجهته وقال له إنه عائد إلى وحدته العسكرية في ألمانيا وعلم أنه جندي متطوع في قوات حلف الناتو، «أراد أن يقول له: أوَلمْ تجد حرفة أخرى؟» «ص10».

لقد انزعج لأن ذكرى الجندية نهضت في ذهنه بكل مآسيها وعذاباتها والفاجعة الشخصية التي تضمنتها. حصل هذا الانزعاج رغم أنّ الشاب كان يرتدي ثياباً مدنية، بالإضافة إلى ذلك فإن رحلة الشاب من بريطانيا إلى ألمانيا تذكره برحلته القديمة نفسها. لقد خرّبت الجندية حياته وضيّعت أجمل سنوات عمره بسبب الحرب الطويلة. سمع الفتى يسأله وهو ينهض من مكانه: «أنا ذاهب إلى حانوت السفينة.. هل آتيك بشيء؟ بيرة؟ سجائر»؟!

قال له: «لا.. شكراً».

غريب كيف ماتت رغبته في التدخين دفعة واحدة..»

إنّ عرض الخدمة الذي قدمه له الشاب أزعجه أيضاً. وهو يبّرر موت رغبته في التدخين بأن إدمانه على التدخين هـو الـذي جعله يعرّض نفسه إلى المهانة. وهذا تبرير مراوغ يقلب الحقائق ويوقف الأمور على رأسها، فمن المفترض أنّ خلاصه من الأسر يمثل فرصة للتعويض عن الحرمان الذي عانى منه، حيث يستطيع في ظلّ عودته إلى الحريّة والحياة المدنية أن يدخن بالكيفية التي يريدها، لقد ترك واحدة من أهمّ المتع في حياته حين تيّسرت له الفرصة لممارستها، وكان شغوفاً بها حدّ تحمل المهانة والأذى حين كانت ممنوعة عليه وهو في معسكر الاعتقال، فأيّ المكانين وأي الزمانين هو الملائم لإشباع رغبته؟ لقد ترك عادة التدخين إلى الأبد بعد أن أصبح حراً، لكنه في الواقع لم يستعد حريته النفسية الكاملة، لقد أكره على التخلي عن رغباته ومنها التدخين. أصبحت السيجارة مصدر تهديد لأنها صارت من مسبّبات يقظة شياطين الداخل. وحتى على المستوى السلوكي العام نجده يشير إلى معلومات تشير إلى «نكوصه» النفسي واعتماديته الشديدة: «منذ أن عاد من الأسر قبل أكثر من أربعين عاماً وزوجته تعامله كما لو كان طفلاً مريضاً. وكان ينتبه إليها أحياناً وهي ترنو إليه في أسى.. عندما تراه يجلس صامتاً.. ساهماً.. ساعات طويلة». «ص12». يختم القاص القسم الأول من قصّته بالقول: «كانت الحركة على ظهر السفينة قد هدأت، وخفّ اللغط، بعدما استنفذ المسافرون ما لديهم من كلام، وظهر التعب على الأطفال.. وكان هو يشعر بشيء من الحزن وهو يتأمل الفتى النائم» «ص13». كان يتمنى لو بقي هذا الشاب الصغير في وطنه ولم ينخرط في سلك الجندية التي لا تعني بالنسبة له سوى الموت والخراب المؤبّد. في هذا القسم استخدم القاص ما يمكن أن نسميّه بـ«مرتكزات الإسقاط الانفعالية» وهي أشياء حيّة أو جامدة يوظفها الكاتب في قصّته من أجل أن يسقط عليها جوانب من الحالة  النفسية الانفعالية لشخوصه أو لتعكس جوانب من الموقف النفسي الكلي في القصة «صراعاتها، تجاذبات علاقاتها ومكبوتاتها..إلخ». وقد كان طائر النورس، في هذا القسم، هو مرتكز الإسقاط الانفعالي في هذا القسم، فمع بداية رحلة «بتلر» وبهجته النسبيّة يقول القاص: «العبّارة تشق صفحة البحر في هدوء.. يرافقها سرب من النوارس يخفق بأجنحته البيضاء في الشمس.. فوقها وعلى جانبها». «ص9». تعكس النوارس السكينة العامّة في أجواء القصّة وكشارة سلامة للرحلة المقبلة، ولكن عندما تبدأ المخاوف تستولي على نفس «بتلر» وينـزعج من ذكرى الجندية من خلال إجابة الشاب الصغير/الجندي ويحدق إلى البحر ساهماً ويشعر أن حديثه مع الشاب قد فتح جراحه القديمة، يقول القاص: «كانت النوارس قد اختفت.. عادت إلى اليابسة، غير نورس وحيد ظل يحوم حول السفينة في إلحاح».. «ص10». وحركة النورس الوحيد هي تعبير عن وحدة «بتلر» وعزلته المضنية، أمّا عندما «تنضج» آلام «بتلر» وتعود الذكرى الفاجعة التي طالما تهرّب منها، يقول القاص: «أصبح البحر امتداداً لا حدود له، وكانت السماء لا تزال صافية تقريباً ولم يعد طائر النورس الذي كان يلاحق السفينة وحده، لعلّه حط على ظهرها ليستريح بعد أن أجهده التعب». «ص12». وهي حركة عكست فرصة لالتقاط الأنفاس وهدوء الانفعال، والشاب يحتسي البيرة وهو يتناول طعامه وشرابه. وفي هذا القسم أيضاً بدأ القاص بمحاولات تمهيدية لترميم الواقع النفسي المتداعي لبطله من خلال إشارات ومواقف تعزّز في داخله الأمل وتشيع مسحة من التفاؤل في نظرته إلى الحياة والعالم وصولاً إلى المراهنة على إنسانية الإنسان، هذه المراهنة التي ستنسيه وحشة جلاّديه السابقين الذين ذاق الأمرّين على أيديهم. هناك ركاب السفينة من رجال ونساء وهم يتحدثون ويضحكون ويشربون وكأنهم في مهرجان، وهناك الشاب الصغير الجميل الذي يعرض عليه خدماته وهو يبتسم دائماً ويلاحق الفتيات بنظراته ثم يغفو مثل طفل صغير، ولكن الأهم هو الموقف الذي صمّمه لمد الجسور بين «بتلر» وجلاّده/ صديقه السابق، فقد أشار إلى أنّ هذا الصديق هو الذي كان يلحّ على «بتلر» لزيارة ألمانيا وتحقيق لقاء بينهما، كما أنّ هذا الصديق قام بإرسال ابنته «مارتا» لتقيم مع «بتلر» وزوجته أكثر من ستة أشهر لتتعلم اللغة في بريطانيا، وقد رعتها زوجته وأحبتها كما لو كانت ابنتها الوحيدة وعندما تركتهما وعادت إلى أهلها شعرا بفراغ كبير، لكنها ظلت تتراسل مع زوجته. وعن طريق ذلك يحاول القاص تمتين وشائج الأخوة الإنسانية بين «بتلر» وصديقه والتأكيد على أنّ التصالح بين الضحية والجلاد ممكن بعد الخراب العاصف.

2- في القسم الثاني الذي حمل عنوان «الأفريقي وزوجته» يصعّد الكاتب من جهوده البنائية التي تحاول تجميل صورة العالم أمـام عيـني «بتلـر» اللتـين لم تعدا تريان غير  الجانب المظلم من هذا العالم. ترك القاص، بقصدية ودراية، امتداداً من القسم الأول يعزّز الأواصر السردية بين القسمين: الأول والثاني، تمثل هذا الامتداد في تأخر «بتلر» عن قطاره في المرحلة الثانية في رحلته، لأنّه أضاع بعض الدقائق في محاولة إيقاظ الفتى الثمل.. «ولكنه اضطر في النهاية إلى تركه في مكانه يتمطى ويتثاءب وينظر حوله في ذهول.. كان يداخله شيء من القلق عليه، ولكن ماذا كان بمستطاعه أن يفعل، كان عليه أن يلحق بقطاره».. «ص13».

في القطار، جعل القاص بطله يتشارك في المقصورة مع زوجين: أفريقي أسود وألمانية بيضاء شقراء. كان «بتلر» يعتبر مثل هذه الزيجة عجيبة من عجائب الدنيا. «كان قيام رجل غير ألماني بمضاجعة امرأة ألمانية يعد عملاً شائناً. أما أن يضاجعها أفريقي أسود فتلك كان جريمة بشعة. ولكنهم كان يجيئون بالنساء قسراً، من البلدان المحتلة، من أجل متعة الضباط الألمان». «ص20». والأكثر إثارة للدهشة في نفس «بتلر» هو أنّ الأفريقي أخبره بأنهما – هو وزوجته – ذاهبان لزيارة أهل زوجته. وقد تعمد القاص أن يظهر الزوجين «المتناقضين» وهما في غاية الانسجام والرضا والسعادة. وهذا دليل شكّله القاص ليثبت «لبتلر» - ولنا أيضاً – أن العالم مازال بخير وأنّ الفوارق التي أسستها السياسات والأيديولوجيات بين البشر على أساس أعراقهم وألوانهم يمكن أن تزول، وبالتالي – وهذا هو القصد النهائي للقاص. فمن الممكن أن تلتقي الضحية بجلادها مادام الاثنان هما ضحية تلك السياسات والأيديولوجيات نفسها. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ العالم الآن لا تسوده الأحقاد وروح العداء بل الألفة والمسالمة. الكل يساعد بعضه البعض الآخر. لقد أبدى له الزوجان الكثير من ألوان المساعدة وكانا حريصان على راحته، حتى أنهما خرجا يدخنان في الممر حين عرفا أنه قد ترك التدخين منذ زمن بعيد.. وقد صمّم القاص مشاهد هذا القسم بذكاء بحيث جعل المواقف الإيجابية المحملة بالروح الإنسانية التي تجري في حاضر القصة تستدعي وتوازي الممارسات السلبية التي تبزغ في ذاكرة «بتلر» الجريحة. فالزوجان يدخنان بحرّية ويعرضان عليه علبة السجائر في الوقت الذي يتذكر فيه حرمانه من التدخين في معسكر الأسر، والمهانة التي يتعرض لها الأسرى حين يلتقطون أعقاب السجائر التي يتعمد الجلادون رميها ثم سحق يد الأسير التي تمتد نحوها خلسة بكعاب الأحذية الثقيلة، وفي هذه اللحظة يسترجع موقف صديقه/  جلاده الذي منحه القاص اسم «هانز هوفمان» الذي كلمه بنبرة صديقة لا تُصدق وألقى له بسيجارة كاملة في بادرة إنسانية لا يمكن توقعها وسط أجواء العذاب والعدوان. لكن قبضة الخراب الخانقة لم ترتخِ تماماً وظلّت شياطين الفجيعة تتقافز كلما سنحت لها الفرصة وتوفّر لها المثير المناسب. فمشهد الزوجين وهما يدخنان وعرض التدخين الذي قدّماه له أهاج جروحه القديمة وأعاد إليه الذكريات المؤلمة. ومازال كيان «بتلر» هشّاً أمام «الرموز» المهددة. فعندما يُطرق باب المقصورة ويدخل المفتش بقي «بتلر» مضجعاً لا بحب أن يرى رجال بثياب دكناء. هذه الثياب تذكره بملابس الحرس النازي وتستدعي، بالتالي، سلوكهم الوحشي. وفي موقف آخر: «.. دخل المقصورة رجل آخر.. سمعه يكلّم الأفريقي باللغة الألمانية. ولمح ساقيه تنتصبان على مقربة، فانقبض قلبه».. «ص22». لقد أمضى سنوات اعتقاله مطأطأ الرأس ومنحنياً وكلما همّ برفع بصره اصطدمت عيناه بمشهد ساقي الحارس الضخمتين تنتصبان بجانبه وتكادان تلامسانه. وعندما شاهد الزوجين الشابين يضحكان بانطلاق: «فكر مع نفسه وهو يتأملهما.. ما أروع زمن الشباب وما أقصره، أما هو فقد أضاعوه عليه»، لم يكن قادراً على نسيان أنّ من عذّبوه كانوا وحوشاً، وكان الصوت يضج في أعماقه: «وحوش.. وحوش.. سمع عجلات القطار تردّد وراءه في ضربات رتيبة متواصلة.. وحوش.. وحوش.. وحوش». «ص16» ناسياً أنّ منقذه الحارس كان يلبس الثياب نفسها، ويحمل مسدساً كبيراً وعصا سوداء مثل الحراس الآخرين، ولكنه كان إنساناً فريداً، كان تعرّفه على الحارس «هانز هوفمان» هو الذي ساعده على العيش والتّحمل.

3- في القسم الثالث والأخير الذي حمل عنوان: «رنين الأجراس»، ففيه لحظة الذروة، لحظة لقاء «بتلر» بصديقه/جلاده القديم «هانز هوفمان». وفي بداية هذا القسم يستمر القاص في توكيد وحدة قصته ويثبت أنّ المبدع المقتدر هو الذي يمتلك انتباهة حادّة ونظرة شمولية تجعله لا «ينسى» أيّاً من شخوص قصته الأساسيين.

ها هو العجوز «بتلر» ينـزل من القطار وقتياً ليشاهد جندي «الناتو» الصغير بخصلة الشعر الساقطة على جنبيه، كان مثل طفل يلهو فتمنى «بتلر» لو أنّ هذا الفتى بقي في وطنه معبّراً عن سأمه من حرفة هدفها الأساسي هو احتراف فن مواجهة الموت. ولكن هذا جانب من الهدف الأكبر والأسمى للكاتب، هدفه المتمثل في رسالة الأديب الإنسانية المقدّسة والتي تتجسد في المراهنة على إنسانية الإنسان ونبله، وإثبات أن هناك بذرة للنماء وسط أشد ظروف العدوان قساوة. في المحطة راح «بتلر» يتأمل بناءها الضخم ويفكر «كم يبدو الناس صغاراً تحت هذا السقف المهيمن!» هو يتساءل: «يعرفون كيف يبنون إذا أرادوا»، الناس في حركة عمل ونشاط هائلين، «لمح بناءً ضخماً تعلوه رقعة كبيرة كتبت عليها كلمة واحدة «مرسيدس». لقد قام الإنسان بإعمار ما خرّبه من منجزاته بفعل قسوته وساديّته. ها هي المراعي الخضراء تمتد أمام عينيه، وها هو – وهنا بيت قصيد الكاتب - «بتلر» يجد نفسه من جديد في ساحة جحيم معاناته السابقة. «داخله شعور بأنّ تلك المخاوف الغامضة، التي شلّته دهراً هي ليست سوى عرض مرضي من بقايا سنوات الأسر الطويلة». «ص25». وهو محق في ذلك وإن كان وصوله إلى هذه الحقيقة قد تأخر لعقود طويلة – أكثر من أربعين عاماً – وكان ثمن هذا التأخير المزيد من المعاناة والألم والوحشة. ينظر من خلل نافذة القطار المندفع بجنون فيشاهد أبقاراً سمنية، بضروع ملأى وهي ترعى مطمئنة وفي عنق كلّ واحدة منها جرس كبير. «وكان لرنين أجراسها وقع غريب على الأذن، وهي تفرّ مذعورة على غير هدى، بين هدير الطائرات المغيرة، ودوي انفجارات القنابل، ووسط كل ذلك.. الخراب». «ص25». ورغم هدير القطار المجنون، لا تفزع ولا تجفل. ملعون عدوان الإنسان فقد كان قادراً على بث الرعب في نفوس حتى الحيوانات المسكينة، فكيف الحال بالإنسان نفسه؟ إذا كانت الأبقار تفرّ مذعورة ويتصاعد رنين الأجراس المعلّقة في أعناقها كشارة للموت والخراب، فـإن ما حصل «لبتلر» وباقي رفاقه الذين عاشوا فاجعة الأسر هو أنّ الحرب قد علّقت الأجراس، السوداء المدوية في أعناق أرواحهم المذعورة المتلفتة أبداً فصارت تدق وتزعق ليل نهار محطمة وجودهم ومخربة حيواتهم. لكن «تغيرت كثيراً هذه الأبقار! كل شيء تغير.. ولم يتبق من آثار ذلك الزمان غير ندوب قديمة في نفوس الشيوخ أمثاله، و – أحياناً – في أجسادهم.. وحشد من الذكريات ما عادوا يرغبون الحديث فيها. هذه الأبقار التي ترعى على بعد قليل من سكة القطار، ترى كيف يبدو رنين أجراسها الآن ؟ كم يحب أن يسمعه». «ص25» وهنا تتجلى «فلسفة» عنوان القصّة: في الهواء رنين أجراس، لم يكن في هواء «القصة» أي رنين للأجراس، وكان العجوز «بتلر» يتمنى أن يسمع رنين الأجراس المعلّقة في أعناق الأبقار، ومن المؤكد أن هذا الرنين سيكون هادئاً ولطيف الوقع لأنه يصدر عن حركة أبقار مطمئنة في مرعاها في مرحلة  السلام بدلاً من ذلك الرنين الغريب لأجراس الأبقار المذعورة في مرحلة الحرب. وبالتالي فإن هذا العنوان سيكون مضلّلاً ومورّطاً إذا أخذنا معناه المباشر على طريقة «ثريا النص» الجامعة المانعة، إن المعنى الكامن والعميق لهذا العنوان، وبعد أن قطعنا هذا الشوط الطويل في تحليل وقائع القصّة – يشير الى رنين أجراس الرعب والعذاب المعلقة في أعناق أرواح ضحايا الفاجعة كما قلنا، وهو رنين مُنفر ومقلق يخنق «هواء» أجواء النفس البشرية للناجين الذين لم يستطيعوا النسيان وظلّت مخاوف الشدّة الفاجعة تتطفل على عقولهم كما يمتص العلق دم ضحيته، لكن لابدّ من النسيان، وأن نكافح من أجل النسيان كمنفذ وحيد للخلاص، ويجب أن نتعاون جميعاً من أجل النسيان وطيّ صفحة العذاب، وهذا هو الدرس الإنساني الهائل الذي يقدّمه «الصقر» لنا وهو يختم قصّته الرائعة، ولكنه يضعنا أمام معضلة خطيرة جديدة ليس هنا مجال بحثها ومفادها أنّ النسيان يبدو أكثر يسراً على الجلاّد منه على الضحيّة. يصف «الصقر» لحظة لقاء «بتلر» بصديقه في المحطة في نهاية القصة قائلاً: «كان «بتلر» يقف حائراً عندما لمح كهلاً مقبلاً من بعيد، وهو يجهد ليجعل خطواته أسرع قليلاً، وكان يحمل رقعة في يده، لعله هو، انتظره حتى دنا ، كان الاسم واضحاً، ولكنه تعرف عليه من نظرة عينيه، هو نفسه، صديقه القديم «هانز هوفمان» فالزمن مهما عبث بملامح وجهه فإنه لن يستطيع أن يغيّر من تلك النظرة التي عرفها هو جيداً في تلك الأيام. انبسط وجهه ومشى يلتقيه، طوى «هانز» الرقعة ودسها في جيبه، ثم بسط له ذراعه:

- وأخيراً جئت!

وتعانقا

- ولكن أين بقية أمتعتك؟

أراه الحقيبة والكيس

- هذا كل شيء.. فما عاد للمقتنيات الكثيرة من معنى.. منذ أن..

لكن حارسه القديم قاطعه وهو يمسك بذراعه في مودة:

- حاول أن تعود إلى العالم يا صديقي.. وأن تنسى.. حاول أن تنسى..

ثم قاده برفق،وخرج به من المحطة.

ملاحظة بسيطة: في أثناء وصف القاص لمعاناة بطله وكيف ضربه الرقيب الجلاد بالسوط وقال له: «أربايته.. دوشفاين»، لم يفسر لنا معنى هذه الجملة الألمانية في حين كان قد فسّرها في كتابه «وجع الذاكرة» وهو يشرح الواقعة الفعلية، ومعنى هذه الجملة هو: «اعمل أيها الخنـزير».

 

الدكتور حسين سرمك حسن

......................

المصادر:

1- وجع الكتابة، مذكرات ويوميّات - «مهدي عيسى الصقر» بغداد - دار الشؤون الثقافية – 2001.

2- أجراس، أعمال قصصية (1950 – 1988) «مهدي عيسى الصقر»- بغداد – دار الشؤون الثقافية 1991.

3- أصول علم النفس – أحمد عزت راجح – من دون تاريخ .

 

 

مادونا عسكركلّ ما نعرفه عن شخصنا ما هو إلّا القشرة الخارجيّة الّتي يجتمع فيها الظّاهر المرئي أو الظّاهر الواعي. ولا تتعدّى هذه المعرفة  كونها معرفة بسيطة جدّاً أمام حجم العالم الّذي يحيا وينمو في داخلنا. وإذ نستخدم لفظ "الأنا"، فلا يعني بالضّرورة أنّنا على يقين تامّ بها، وإنّما هذا اللّفظ يتحدّد في ظاهرنا الحسّيّ لا الباطنيّ العميق أو الحميم. فقول "أنا موجود" يعكس إدراكنا للوجود الحسّيّ الحياتيّ اليوميّ، أي حركتنا اليوميّة، ونشاطنا الجسديّ والفكريّ والرّوحيّ. بيد أنّ قول "أنا موجود" تفترض وعياً خاصّاً وعميقاً لمعنى الوجود، ووعياً أعمق لكينونتنا الإنسانيّة (الأنا) الّتي تنمو وتتدرّج من أسفل إلى علو ضمن الذّات الإنسانيّة، إلى أن تتخطّى الّذات وتصبح أنا كونيّة. "أنا موجود"، يشمل الأنا الكلّيّة أي الدّائرة الإنسانيّة الجامعة للغرائز والرّغبات والنّزعات والشّوائب في أسفلها، والجمال والفنّ والانجذاب إلى الأنوار في علوّها.

لعلّ الشّاعر فراس حج محمد في ديوان "ما يشبه الرّثاء" (طباق، فلسطين، 2019)، تحقّق من (الأنا) أو لامس خيوطها السّفليّة والعلويّة. وأعاد تفكيكها والتّأمّل بها، وكتابة سيرتها الوجوديّة، إن جاز التّعبير. ولقد سبق وذكرت في قراءة نقديّة سابقة للديوان، أنّ الشّاعر استخدم لفظ "أنا" ستاً وأربعين مرّة. فأتى لفظ (الأنا) كمفتاح للدّيوان ومحوره وسببه وغايته. فالشّاعر أغلق ذاته على ذاته بل توحّد معها، ولعلّه بلغ ما بلغه من اتّحاد الذّوات الإنسانيّة عندما أدرك الأنا أناه في الذّات الشّعريّة. بمعنى أدقّ، تباعد الشّاعر عن أناه ليبلغ عمقها الحقيقيّ. فكأنّه خرج من (الأنا) ليعود ويبلغها  أقرب ما يمكن إلى تمام معناها.

ولئن كانت (الأنا)، أنا الشّاعر، مفتاح الدّيوان ومحوره وسببه وغايته، بدا الدّيوان حركة تأمّليّة تعيد قراءة (الأنا) على ضوء (الأنا) الظّاهرة للآخر من جهة، ومن جهة أخرى على ضوء (الأنا) الغائبة الغريبة عن العالم. ولقد برز هذا المعنى جليّاً في الظّهور الأوّل لأنا الشّاعر في قصيدة (أنا) (ص 29):

أنا

أنتم، وأنتنَّ، وأنتِ، وأنتما ....

وهما، وهنَّ، وهم، وأفرادهما....

كلّها ضمائر شاهدهْ:

متكلمهْ،

متخاطبهْ،

إلا "أنا"

و"أنا" ضمير غائبٌ.

في هذه القصيدة يظهر مفهوم الأنا المنفصلة عن الآخر (أنتم، وأنتنَّ، وأنتِ، وأنتما ..../ وهما، وهنَّ، وهم، وأفرادهما). وهدف الانفصال تأمّليّ يعبّر عن رؤية الشّاعر الخاصّة في أناه وفي أنا الآخر. (أنا ضمير غائب). فالمتكلّم هنا، أنا الشّاعر، الأنا الإنسانيّة العميقة. وهي غائبة بحكم تخطّي الأنا المتكلّمة. فجميع الضّمائر (أنتم، وأنتنَّ، وأنتِ، وأنتما، وهما، وهنَّ، وهم) الّتي ترمز إلى الآخر، أو إلى حركة الوجود الظّاهريّ منفصلة عن أنا الشّاعر (إلّا أنا). وهي ضمير غائب وحاضر في آن. غائب عن الأنا المتكلّمة لتتجلّى الأنا العميقة ، وحاضر في صلب الأنا الوجوديّة لتبرز هشاشة الأنا الظّاهريّة من جهة، وربّما وهم الأنا. ومن جهة أخرى لتكشف علوّ الأنا الغريبة عن هذا العالم بعد اختباره. وفي استخدام لفظ (كلّها) انفصال حتميّ عن ضجيج العالم وولوج في صمت العالم الدّاخليّ (الأنا). غاب الإنسان فكتب الشّاعر واغترب ثمّ عاد ليقول. والأنا المراد الإشارة إليها في الدّيوان هي الأنا الشّاملة جسديّاً ونفسيّاً وروحيّاً. لقد عبّر الشّاعر عن أناه بأدقّ تفاصيلها أمام أناه أوّلاً كفعل اغتسال داخليّ يؤسّس لانفتاح أعمق على الحالة الشّعريّة. فالشّاعر ينقل للقارئ هذه الحالة بعد فعل اغتسال الأنا ليكون الشّعر في أبلغ مقام. وإذ يستخدم الشّاعر لفظ (الغريب) سبع مرّات فليؤكّد على تمام غربته أو غربة الأنا تحديداً فتتبيّن رؤية الشّاعر المختلفة للعالم وللاختبار الوجوديّ.

في الظّهور الثّاني للفظ (أنا) في قصيدة "خرخشتي الموحشة" (ص34)، يبدو للقارئ إدراك الشّاعر للأنا الظّاهرة:

الشّعر لا يشفع لي

لأكون حبيبا علنيّا

فهْيَ تريدني افتراضيّا وأزرقْ

كيف سأظهر معها

وأنا أعاني ما أعاني

من عرج ونحول وشيبْ

وعروق وجهي الصّابئةْ

وصوتي اليشغب خرخشة موحشةْ

لفظ (أنا) في هذه القصيدة إدراك للأنا الظّاهريّة المترادفة والإدراك الضّعيف للأنا الشّخص. وهي متلازمة و(أنا) في قصيدة خلايا الحزن (ص41) الّتي ما تزال عند حافّة الأنا الفعليّة العميقة:

فأنا منذ تفتّحت

وداعبت صبايا

لم أرتّل غير أحزاني

لا ريب في أنّه من الضّروريّ الانطلاق من الأنا الظّاهريّة لبلوغ الأنا العميقة. وتكمن أهمّيّة هذا الانطلاق في كون الشّاعر متصالح مع ذاته ومع واقعه على الرغم من كلّ الاختبارات الحزينة والمؤلمة الّتي مرّ بها. وفي هذا التّصالح قوّة تدفع الشّاعر لسبر أغوار نفسه العميقة وملاحظة تفاصيلها بوضوح تام ليتمكّن من التّخلّص من شوائبها وتخطي ذاته لبلوغ الأنا الشّخص. فلا بدّ من تحرّر من قيود الأنا الظّاهريّة لبلوغ حرّيّة الأنا العميقة، لتنكشف ظلال هذا التّحرّر في قصيدة "سراب" (ص 43) حيث يتطلّع الشّاعر إلى جرحه كمعلّم ومرشد يكشف له أناه. (أنا إن نسيت الجرح علَّم في خواطري/ الجريحة).

الوعي بحقيقة الأنا صعب وأشدّ إيلاماً من جهلها. فالوعي بها لا يعني بالضّرورة امتلاك فهمها بشكل كلّي، بل هو دخول في دائرة أخرى، تبدّل الرّؤية، والفكر، وكيفيّة الفهم. ولعلّها أشدّ إيلاماً لأنّ المعرفة والوعي في عالم يجنح إلى الغوغائيّة والتّفاهة يؤلمان بعنف من بلغ معرفة أناه. وإن دلّ عنوان القصيدة (سراب) على شيء فهو يدلّ على رؤية الشّاعر أو إدراكه لخدعة العالم، وخدعة مفهوم الأنا الظّاهريّة.

يبدو للقارئ في أبيات هذه القصيدة كأنّ الشّاعر يخطو كطفل نحو اكتشاف أناه. (أنا ما أكنّ من الهوى/ خافٍ عليّ مساره). فالشّاعر يتلمّس أو يكتشف ملامح أناه الّتي يشعر بحقيقتها ضمناً (أنا ما أكنّ من الهوى). وكأنّي به يخطو نظريّاً نحوها، أو يبدو اكتشافه للأنا اكتشافاً بالقوّة حتّى يبلغه بالفعل:

هذا أنا

من قبضة اللاشيء أحيا

هو ذا أنا

ليل بلا قمرٍ، بلا رؤيا، بلا حلْمٍ، بلا فلك يعاوده المدارْ

لا حلم لي حتى أكون كما أنا

هو ذا أنا أعلنت موت الشارة الأولى

 لتبدأ محنة أخرى بشكل الدائرة

لقد تجرّد الشّاعر من هيئة الأنا الظّاهريّة ليتمكّن من رؤية الأنا بوضوح ونقاء تامّين. وبفعل هذا التّجرّد يتحوّل إلى ضدٍّ اجتمعت فيه الأضداد في قصيدة "ضدّ عليك" (ص 59). فهو ضدّ الزيف والخداع والضّلال والانحراف ووهم الاستقامة، إلّا أنّه لا يدخل في دور الواعظ لأنّه عمليّاً يعيد قراءة أناه. وإن بدا يتطلّع إلى الآخر من خلال القصيدة، إلّا أنّه يتطلّع نحو أناه ولعلّه يدخل في حوار معها:

كالمجد كن

حرفين كن، لغتين كن...

فهو يعي تماماً بشريّته المتناقضة والضّعيفة وبذات المستوى من الإدراك ارتقى عن خدعة العالم. والانتقال من (أنا) إلى (كن) انتقال مبدئيّ لإدراك الأنا. وأمّا الانتقال الفعليّ فيتجلّى مع الفعل (صرت) في قصيدة "يا غوايات المقلّ" (ص 99) (صرت كلّي يا أنا). وهنا اتّحاد ضمنيّ بين الأنا الظّاهريّة والأنا العميقة لتتجلّى الأنا/ الشّخص. وفي قصيدة "السّندباد" (ص 110) (فكان "صوفيا" توحّد بالأنا). وهنا يظهر المفهوم الآخر أو الحقيقي للتصوّف من ناحية الارتقاء بالذّات إلى الدّائرة الأعلى للإنسانيّة. وفي الاتّحاد بهذا المفهوم إدراك عميق وحميم للأنا خرج به عن مفهوم الزّمن في قصيدة "الوقت مشبع بالثّرثرة" (ص 138) وفي قصيدة "حبّة من شعر" (ص 147) "أنا فقير مريض ويقال: "شاعر) أشار بالفقر والمرض إلى الدّائرة المؤلمة الّتي دخلها، دائرة الوعي الحقيقيّ والمعرفة الحقيقيّة. إلّا أنّ هذه المعرفة تخصّ الشّاعر وحده، يدور في فلكها ويحتمل شقاءها.

"وجع السّؤال... تعب الحقيقة"، كذا يقول الشّاعر، وكذا يعبّر عن همّ  المعرفة المرتبط بوهم المعرفة. فكلّما تقدّم نحوها أدرك وهمها، لذلك فهو في تعب مستمرّ، لأنّ في تلمّس المعرفة مزيد من البحث عنها، وفي البحث عنها مزيد من التّعب. ويظنّ العارف أنّه يعرف وهو لم يعرف إلّا القليل القليل.

أقلت أنا؟

لعلّني أنا هو

غارق في الوهم حتّى العظم

بل وهمٌ وراءه وهْم وهَمّ.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

اعادتني قصيدة " أموت غريبة " للشاعرة سمية العبيدي الى زمن كان قد مضى ولم يبق الا شيء قليل مما علق في الذاكرة وما كان له ان يزول ففي المعقل  وفي مجلة الموانئ العراقية خرج بدر شاكر السياب حيث كان يعمل وكان الجو ماطرا الا انه لم يلبث الا ان عاد الى مكان العمل ثم خرج بعدما يزيد على خمس عشرة دقيقة بقليل وفي جيبه قصيدة – مدينة بلا مطر- التي ما كان للسياب الا ان ينفثها بعد طول حصر في العقل وفي الوجدان فكانت بصورها وأفكارها ورؤاها واحدة من القصائد التي يضن بها الزمان في شعرنا الحديث .

وهكذا كان الأمر مع قصيدة " أموت غريبة " ففي اقل من عشر دقائق كانت هذه القصيدة قد انبثقت من مكامن الأسرار لتقول الشاعرة العبيدي من الشعر ما تشاء وتهوى حين تقفل الى النفس بتاريخها وتراثها بنخيلها ونهرها ومن ثم الإنغراس بطمي العراق حيث يتشكل الوجود بحضور إيجابي لا سلبي.. لذا فان الشاعرة تشبثت بهذا كله مزيحة عنها صورة السياب ونازك الملائكة لانها إرتأت الا تكون مثلهما كيلا تموت كما ماتا غريبين عن العراق.

ما كنت نازكة

ولا أشبهت بدرا

- ومثلهما أموت غريبة -

وما ذاك الا لانشدادها وإنغراسها في ملاعب صباها ومواطن أحلامها حيث تتكور وتنمو الحياة فتغدو تاريخا حاضرا لا انفصام عنه بل مداومة فيه وانغراس رغم الغضب ورغم الحزن والألم الذي يلفنا ويحتوينا .

قدماي عالقتان في طمي العراق

وملء أنفي عطره

ورغم معاناتها الذاتية التي لم تفصح عنها مباشرة الا اننا نستشف ذلك من الصورة الكبيرة التي تعرضها وما ذاك الا شعورها باللامبالاة فهي ملفوظة مثل التمرة التي يلوكها آكلها ثم يقذف بها غير آبه لما فعل لكنها تظل قائمة لا تزحزح عن الأرض التي عرفت وأحبت مع ظنها بقرب خطوات الإنطفاء منها.

كنواة تمر ... مجها

فمه الجهول

وأنا المسافر لا حقائب لا وداع

قيد الافول

وهنا تبدا رحلة الإنعكاف الى الذات أي العودة الى منبع الأطياف والأحلام لقولبة الذي نعرف ولا نعرف فإذا بها تكتشف ان الربيع لا يأتي من الخارج بل هو كامن هنا فينا في هذه الأرض التي نعيش حيث يتشكل الوجود هنا لا في بلاد لا نعرف ولا ندري.

سافرت نحو سريرتي

فإذا الربيع

أُكذوبة الغرباء

تحفل بالخداع

لكن السعي الى المستغرب لم يتأت عبثا او رغبة فيه لولا الهمجية التي تغلغلت في النفوس فجففت سواقي الفراتين وأيبست سعفاته وأقامت الموت في جوانبه وحوافيه دونما أي التفات الى الموتى الذين يتساقطون مثل " خلال الطوش " وما يعقب ذلك من أيامى ومن يتامى ومن ثكالى فالموت في ازدياد والجوعى في ازدياد وكأن سواقي الفراتين لا تشبع ولا تغني من جوع .

وإذا الرعاع

شنوا بها حربا على حرب

وموتا فوق موت

ليضاعفوا عدد اليتامى

والأيامى

والجياع

ولا تنسى الشاعرة أن تشير الى النهازين والى الذين يتقنون لعبة القرود فكلهم في ساحاتنا يرقصون ولكن أي رقص هذا الذي يرقصونه انه رقص الأغبياء الذين لا يفقهون الفعل الذي يفعلون وإنما هم اليها يسعون لان فيها الجمار والخبز ولأن فيها الرغد الذي لا تزغب فيها الحواصل و البطون دونما التفات منهم الى الطريقة أو السبيل .

تعثو بها الحرباء والرعناء

في رقص غبي

أيٌّ تفوز بها

وتلبس تاجها المصنوع من طلح

ومن جمارها المسكي من

نارنجها المشحون فخرا

من مائها والخبز من

فوح الفطائر في المساء

وعلى الفراتين تنثر الشاعرة رؤاها وكذا معهما الزاب والغراف وما ذاك الا رمز واشارة الى ان العراق واحد كلي لايصيبه انفطار او تمزق وابناؤه ينجذبون اليه لانه لهم جميعا دون ان يفقه الرعاع انه للجميع يسبغ عليهم خيره ويظلهم بخيمته .

ومن الرؤى

عطفات ظل ساحر

نحو الفرات ودجلته

والزاب والغراف وال .....

سمك يطرز بالحنين

امل يقبل بالجبين

وما تلبث القصيدة الا ان تنحو نحو بغداد لان فيها الاحلام وفيها الذكريات وفيها التاريخ الذي يهمي بحضارته وفيها يتم الالتصاق بالطمي والنخيل حيث تشرق صورة بغداد كأحلى ما تكون وأجمل ما يرى لا تحجبها ستائر الزيف ولا عواء الذئاب فهي مليحة المليحات وعروس هذا الشرق .

بغداد اغنيتي وحبي

إن زيفوا من وجهك العربي.. لا

انت المليحة في فؤادي

وعروس شرقي

.. ان الشاعرة كما بدأت قصيدتها فانها تنهيها بالتفاتها الى شاعرين رمزين هما السياب والملائكة بهدهدة لا يمكن ان تكون الا هكذا..

يابدر نم رغدا

ونازك هللي

مازلت انت أثيرة ... فيها

وان بعد المراح

وهذه القصيدة من القصائد الي لا يعتورها غموض ولا تدخل في دياجير الأسرار ولا تحتاج معها الى من يفتح لك باب الطلسم فهي تلقي نفسها بين يدي المتلقي بسهولة ويسر مع ميل قليل الى استخدام المجاز مما اعطى القصيدة طابعا إنسيابيا لا عثرة فيه. وأعطتنا الشاعرة فهما ان بغداد ليست اسمنتا او آجرا وليست حديدا وقيرا إنما بغداد هي الحياة التي تنمو وتترعرع في عروق الشاعرة وفي عروقنا فلا مليحة سواها ولا اغنية الا هي وما ذاك الا بسبب هذا الهوس الذي يتخطى حالة العشق الى حالة الذوبان فيه باستدامة..

 

علي حسن

........................

* قصيدة (أموت غريبة) هي قصيدة للشاعرة سمية العبيدي

كانت قد نشرتها صحيفة (المشرق) على صفحتها الثقافية بتاريخ 22 / 6 / 2.14

ونشرتها صحيفة المثقف في 5/9/2.18

 

حميد الحريزيرواية المهمشين والسؤال المشاكس، القاء حجر في بركة آسنة

العنوان

يقول الكاتب (ان التعريف أنا وضعتها للشارع لكنه حسب علمي يرفض ويكره الحروف التي تفيد التعريف، شارع وليس الشارع) ص222

هذا عنوان الرواية (شارع الكتروني) شارع غير معرف بأل التعريف، هذا اللامعرف الذي يترفع على كل تعريف تحاول أن تسرق مجهوليته وتواضعه وانتمائه للمهمشين، كلنا يعرف دلالته ومعنى ان يقال لتوصيف أحدهم للنيل منه بانه (ابن شارع).

تضاف الى هذه المجهولية كونه ليس شارعا من شوارعنا المتعارف عليها وانما هو شارع الكتروني لايحده حد ولايعرف توصيف، فهو حيز مفتوح لايُطالب ساكنه أو سالكه بأية وثائق أو مستمسكات أنه شارع العولمة القريب البعيد الواسع الضيق الصادق الكاذب النظيف المنير المظلم، وهو الموصوف بالعشوائية واللانظام (النظام جيب مثقوب يبتلع ولايمتليء ياسيادتكم) ص221.شارع فيه كل (الناس اصبحوا الكترونيين) ص205.

يوصف ب (الشارع الجميل، نعم الجميل لأنه ورشة الحماقات،البسطاء والمسحوقيين، ولامكان فيه لأحد مصاب بمرض السمو) ص222.

(شارعنا أرحام عاهرات وفي خياله ذكر وفي جبينه نهر...)ص141.

هذا هو شارع الروائي صالح مهدي ياصديقي (واقع)عليك تفهم ذلك ان أردت أن ترافقني في هذه الرحلة للتعرف على سكنة هذا الشارع ومعتقداتهم علماً بأن الرواية منقوعة في القول الفلسفي وتجاوز الواقع والتقليدالقائم والروائي لايبخل علينا باجاباته حول علامات الاستفهام وعلامات التعجب التي تستحوذ علينا وتصدمنا في مقولاتنا وكسر تابواتنا وما اعتدنا عليه من قيم وسلوكيات وتكسير أصنامنا بفأس التفكر والتساؤل والتحدي الفلسفي من قبل شخصيات الشارع(الحي الميت الذي لايغيب) ص131، وماعلينا الا أن نكون صبورين ونحن نشاهد عرض الروائي لشخصيات شارعه، ؟أن يحتمل كشفه لخفايانا، وفضح مستورنا، وهو يهشم سلسلة قيودنا والعبودية للاعراف والتقاليد التي اعتدناها، أن نحتمل جرأة السؤال وغرابة المقال، وأن لا تأخنا العزة بالاثم حينما يكشف لنا عمى بصرنا وبصيرتنا عما يدور حولنا، ولا أن نصرخ بوجهه حينما يكشف لنا قبح قولنا و فعلنا،ويقدلنا الدليل حول خوفنا وجبننا فلانجزع حينما يرينا من(قتل ابيه ليتزوج أمه) ص 152 .

لاتجفل حينما ترى فؤاد عضلة عاريا وهو يصرخ(أنا عاريا بمعنى انا لست كاذبا) ص149، مابالك ياواقع انه تعبير مجازي هل تظن اننا يجب ان نخلع ملابسنا التي تخفي قبحنا ووساختنا عبر هندام انيق ونظيف وبراق ؟؟

الا ترى ان هذه حقيقة فكم من سارق ومحتال ودنيء ومجرم يتبختر بأبهى الحلل ليظهر جمال جسده مخفيا قذارة قلبه وفعله وروحه ؟؟

ولكن واقع فغر فاه عجبا واستنكارا حينما سمع دلال المرأة القحبة (ان اول من قام بفض بكارتي هو شخص معمم) ص107 فلا تغرنك العمامة فقد تكون وسيلة ستر وتستر،وحينماتسمع ان من تقدسه وتمنحه التبجيل والتقدير انما هو أحقر خلق الله فهاهي القحبة دلال التي خبرة تصرفات الرجال من هو الشريف والوضيع فتعلن تجربتها (اهل الشرعيات، فهم من أنجس وأحقر الرجال الذين شاهدتهم في حياتي) 105

وتدرك عظمة وصدق مقولة الامام علي عليه السلام (لو كان الفقر رجلا لقتلته)، فها هي دلال امامك تصرح (أجبرتني حياتي الفقيرة على أن اكون قحبة) ص106.

عليك ان تفهم لماذا يرفع جدك فتات الخبز من على الطريق يقبله ثم يضعه في مكان يبعد الى مكان بحيث لاتدوسه اقدام المشاة حينما تستمع لقصة دلال مخاطبة ولدها صديق

(ياصديق ان دلال أمك كانت دمية مشت قليلا ثم تعبت من البكاء، رآها ملك من ملوك الفضيلة . ضحك عليها بسلطته وخرافاتها ثم قام بفض بكارة ثوبها الوردي . تحولت انسانة، اتهمت بالعهر من قبل جميع سفلة المدينة، من قبل الحركة والجماد، ثم مشت جائعة، قال لها الرغيف :- كوني قحبة وستشبعين مني، وقفت ملبية لنداء الرغيف ثم مشت بعدما صارت قحبة، بفقيت قحبة الى كفرت برب الرغيف) ص113

عليك ياواقع ان تعرف تماما أنَّ الذين يسبون ويلعنون القحبة يمارسون الجنس معها غير مدركين ان السبب الاساسي لامتهانها الدعارة وبيع جسدها هو الفقر والجوع والحاجة، فها هي تقول لودها صديق

(انت فكرة سببها متاعب أمك دلال، الانسانة التي كانت دمية التي صارت وتحولت قحبة بسبب فقرها وحقارة الناس) ص113.

التفت واقع صوبي قائلا ضمن هذا الوصف اذن اغلبنا حقراء ونحن نصنع العاهرات !!

نعم ياواقع هذا هو واقع الحال ياواقع هذا ما نحن عليه فعلا .

في شارع صالح الالكتروني سيد شعواط وعربانته هذا الذي يمشي حافيا دافعا عربانته ليعيش وفيه الآنسة مياسة التي تجر عربانتها التي تحمل الأنابيب التي تدخل من الخلف لتتأوه وتستمتع

فشتان بين عربانة سيد شعواط وعربانة مياسة، فهل تلوم من يرفع شعار التهكم (العربانة لسيد شعواط والوطن لكم) ص116.

ولاشك انك تعلم ان الشعواط توصيف للألم والمعاناة ولا شك انك سمعت امك تقول (يمه ولك لا تشعوطني) حينما تعبث وتؤذي ولا تلتزم بوصاياها .

حبيبي واقع لاتصدمك كذب وزيف ورياء الأثرياء وصدق ونبل وطيبة الفقراء (الفقير لايكذب والقبيح لايكذب ياصديق، لايكذب من عجينته الايام بكفوفها طينا حرا، لايقول المبررات، الكذب غناء المترفين) ص107

اضبط أعصابك حينما تسمع دلال تقول (لاتقل أبن ابي، لأن الأب فاعل غبي، قل ابن امي لأن الام كون المحتوى) ص106 .

حينما تسمع دلال تقول (أنا زوجة كل الرجال وام لولدي فقط) ص104

اكيد سنزمجر ونرعد ونربد بوجهها وقد نفعها ونطردها حينما نسمعها تنصح ولدها قائلة له (لاتكن ولدا مثل الأولاد التي انجبتهم الشرعيات أنا ضحية الاكاذيب الشرعية لولا أهل الشرعيات لم أكن في هذه الصورة ياصديق، هم السبب في خدش انوثتي وعفافي وهم سبب ضياعي وعذابي) ص106

فماذا سنفعل ونحن في طريقنا لتسليم الحقوق (الشرعية) لأصحاب الشرعيات من المعممين؟؟!!ليخدشوا نوثة دلال والعشرات من أمثال دلال . في الوقت الذي نطرد دلال ونزجرها حيما تطلب منا المساعدة لكي تعيش !!

نعم لقد اطلنا المقام عند دلال ولكن عذرنا في ذلك ياواقع انها صورة صارخة لامتهان الانسان وفقدانه كرامته وشرفه مما يضطره لبيع جسده مقال رغيف خبز ونحن نرى الكثيرات من مثيلات دلال ان لم نكن احد ازواجها الكثر ونحن ضمن شاتميها ونابذيها .

يأخذنا الرواي الى صدمةكبرى تكاد تفجر رؤوسنا الآسنة حينما يحاول ان يثبت لنا ان ديننا سببا لوحشتنا، ولولا ما نشاهده وما عشناه من سلوكيات وافعال داعش وأخواتها بأسم الدين من وحشية وهمجية بأسم الدين ويفعلون فعلهم في القبح والسبي والقتل مكبرين باسم الله واسم نبيه وما نشهده منأدعياء الدين في حكم العراق من سراق وقتلة لحللنا دم القائل (منظومة اخلاق اسلامية + مجموعة من الناس= مجتمع يعتقد أن الاخلاق صحيحة هنا، غير صحيحة ناك وهذا يعني الانغلاق، الانغلاق يعني التوحش والنتيجة لا اخلاق) 108

وكذا امر بالنسبة لليهودية التي ولدت بالتخادم مع الرأسمالية الصهيونية العالمية، وهم شعب الله المتار وغيرم دونهم وحتى لايستحق الحياة

وتاريخ المسيحية يعج بالاحداث الاجرامية والوحشية على يد محاكم التفتيش والكل يعرف يعرف أيضا مجازر الحملة الصليبية .؟؟!!!

يبدو اني اخطأت في مرافقتك، ولكنك لاتستطيع مهما حاولت ا تقدم لي من الصور والبراهين والأدلة على فسادي وتخلفي ولا عقلانيتي كواقع لاتتمكن من اقتلاع جذور ما تدعيه بالظلم والتخلف والحقارة والتعسف المتجذرة في عقول اغلب الناس المقفلة الغير متسائلة، لذلك ترى ان اعدى اعدائي هي الفلسفة هذه المشاكسة المتسائلة المشككة في كل شيء ...

وانت تتعمد ان تسبب لي المزيد من الاستفزاز حيما تثبت لي ان الانسان هو المتطفل على حياة الكلاب السائبة (الانسان اول متطفل عى الارض) ص159، وقد وصف الكلب باسائب بعد أن تطفل على عالم الكلاب والحيوانات عموما (عندما تمدن الانسان في عالم الكلب، اصبح الكلب سائبا ودخيلا، اذا كيف يكون الهراء ايها الانسان . كيف) ص159 وان (الانسان وحش يتظاهر بثقافة السلم والسلام، الحضرةكذبة) ص159 !!!

(هناك حالات حيوانية أنبأ من المتنبئين وأشعر من الشعراء وافهم من العلماء) ص156

نعم ياواقع اننا نندهش لبلاهتنا وتصالحنا مع الواقع، دعي التحضر والتمدن والعالم يعيش اكثر الحروب وحشية، في العالم 180 مليون عاطل العمل، صراعات دموية حتى اثناء لعبة كرة القدم في اكثر بلدان العالم تمدنا وتطورا، جياع ومشردين وجرائم ودعارة علنية وتسول في اكثر بلدان العالم ثروة وتطورا وتقدم كامريكا وفرنسا وبريطانيا ووو

نفتح افواهنا استغرابا عند سماع مقولة (الحب لغير الذات مذلة) ص198.

فأين اصبحت مفاهيم الاديان ولأفكار العقائدية التي تغلب حب الله والأنبياء والأئمة والزعماء على حب الذات ؟؟

ماذا تقول حول اتهامنا كرجال بالغباء (الرجال أغبياء الجنس سبب تنازلهم للمرأة) ص196. هل أنا وانت ايها الواقع من هؤلاء الأغبياء؟

هل نمتلك الجرأة للاقرار بهذه الميزة الهامة للمرأة؟

هنا الكثير من المقولات التي يستفزنا نحن الناس ممن لم نتفكر في الكثير من السلوكيات والافعال والعادات والممارسات التي نعيشها ولم نفكر بتجاوزها وتحديها وحتى مسائلتها؟

يكاد الروائي يصدمنا بما ذهب اليه حول المثلية الجنسية بين البشر ولا يعتبره شذوذا

(يكون شذوذا عندما نشاهد الشخص المتهم بالشذوذ يمارس الجنس مع عمود كهرباء أو أي شيء ليس من جنسه) ص218.

فماذا تقول يا استاذ واقع؟

نعم كما انه يرى أن السحاق ومثلية الذكور اللواط ليس شذوذا، ولاشك اننا نقر بوجود هذه الممارسة بين البشر منذ زمن سحيق ولنا في قوم لوط مثلا معروفا، وما نرصده في واقعنا المحيط حتى في اكثر التجمعات تدينا ومحافظة وتزمتا اخلاقيا، ولكن أرى ان الشذوذ لايمارسه سوى الانسان من الجنسين وغير موجود في عالم الحيوان وهو المعلم الاول للانسان (أول من علم ألأنسان الحيوان) ص156 .

فالجنس الغاية منه ادامة النوع وليس اللذة الجنسية أكثر من خديعة للطبيعة وحافز للكائن الحي ومنها الانسان لممارسة الجنس بين أنثى وذكر لأدامة النوع ... لذلك نرى أن الحيوان يتوقف عن الممارسة الجنسية فيما يتم التلقيح واستكمال مستلزمات تكوين الجنين، فالانسان وحده هو الحيوان العاقل الوحيد الشاذ عن قانون الطبيعة ومتطلباتها واسرف في استغلال حافز الطبيعة في ممارسة الجنس حتى بعد تلقيح البيضة، او ممارسة الجنس اللامنتج عبر المثلية الجنسية وقد تم شرعنة هذا الفعل في الكثير من بلدان الغرب الرأسمالي للاسباب عديدة لسنا في صدد التعرض لها .

استمعت بأنتباه كبير لما قاله واقع مقتنعا بما ذهب اليه من حكم يؤكد شذوذ المثلية الجنسية .

وقد لفت واقع انتباهي الى مقولة تومض باللون الاحمر من بين الكثير من النقاط الحمراء ضمن متن الرواية وهذه المقولة هي (الفن أصل الأنحطاط) ص123

حكم صادم فالكل يعرف ان الفن هو غنى وثراء وجمال الحياة ورفعة السلوك والشاعر وسمو الانسان وليس العكس .

وقد كان (عظيم) المتسول، فنانا وممثلا ناجحا بأمتياز في استكمالة واستغلال عواطف الناس لكسب المال .

(حلم كبير السن لكن حلمه كحلم اطفال الشارع، لاتربطه صلة بما يشغل تفكير الكبار) ص135.

أنا وانت ياواقع كم نتمنى ونحلم أن نعيش كالاطفال، ونعوض حرمان أغلبنا بحكم الظروف المادية والفقر أو تحت موانع الاعراف والتقاليد، هل يمكن أن نتصرف كما تصرف حليم ؟

(المسخ كان عملا غبيا للغاية) ص141.

يصدمنا بقوة ويصدم الكثيرين حين يرى أن المسخ عملا غبيا وهو اهم اعمال وابداعات كافكا الروائية وما زال النقاد والأدباء وأهل الثقافة يكبرونه لحد الآنز

يمتص دهشتنا حينما يقول محمد بركات العامل في الحمام)انا اعمل في الحمام لأعيد الانسان انسانا وكافكا يكتب ليخرب ما اعمله يوميا) ص141

يستعرض لنا الروائي شخصيات شارعه الالكتروني (رياح) بائع ثياب الموتى (الدفان الذي يدفن الموتى ويذهب للملهى !!

يستعرض لنا الحياة والموت، الضحك والبكاء، الطيبة والبساطة والثعلبة والتعقيد، البرد والدفء وما بينهما القطة العالمة (القطة تعرف السر مثلما تعرف السماء سر الارض) ص155.

الحبكة والاسلوب السردي:

تميزت رواية (شارع الكتروني) بحبكة واسلوب سرد جديد على الساحة السردية الروائية النجفية وان لم يكن الاول في الفضاء السرد العراقي، يبدو بان الروائي مشبعا بأسلوب الرواية الغربية الحديثة وعلى وجه الخصوص الرواية الفرنسية والرواية مشبعة بالسؤال والتفكر الفلسفي ...

فليس هناك بطل مميز في الرواية ربما الشارع هو البطل حاضن ابطالا او شخصيات ثانوية مشاركة بصورة فاعلة ومباشرة في تصنيع وتخليق المشهد الحكائي السردي للرواية ...

اختيار شارعا الكترونيا افتراضيا بالنسبة للروائي اختيار ذكي وناجح ليمتلك القدرة على احتواء كل الشخصيات التي تحدث عنها واغلبها ان لم تكن جميعها من المهمشين والكادحين والفقراء الحالمين من نساء ورجال، حياتهم المريرة في ظل مجتمع الهيمنة للاثرياء والمرفهين .

الروائي يمتلك خزينا لغويا ثريا، متمكنا من السرد بعبارة متماسكة رشيقة معبرة بوضوح عن مبناها ومعناها .

تمكن الروائي من الغور بعيدا في نفسية الانسان العراقي المهمش الفقير، المتسول، العاهرة، المثقف، الداعية، تمكن من تخليق شخصيات تبقى عالقة في ذاكرة المتلقي وخيال القاريء

كما ان الرواية تحمل تساؤلات ومقولات وتحديات فلسفية تمتلك الجرأة والعمق وأثارة السؤال وتعمق الوعي المتسائل وتثير المسكوت عنه في واقع يهيمن عليه العقل الجمعي وغياب أو تهميش الذات الواعية ذات الفرد الفاعل المتسائل المتفكر .(رأيت ايضا ذاتي العريقة، التي بحثت عنها كثيرا بين الرؤوس والاحذية) ص153.

كما ان الروائي تجاوز المألوف في ذكر وتوصيف مفردات يتجنبها اغلب الكتاب العراقين وكل الكتاب النجفيين مث (كس، طيز، خصاوي...) بالاضافة الى ماسبق ذكره

نرى ان (رواية شارع الكتروني) اضافة نوعية للرواية النجفية واضافة مهمة للرواية العراقية الحديثة .

 

بقلم:  حميد الحريزي

 

جمعة عبد اللهالشعر والثورة عملية متلازمة في الاندماج في الصياغة التعبيرية، هذا ما يروم اليه الشاعر حميد الحريزي ان يقدمه في منصاته الابداعية في هذا الديوان (لا يعني) ان يحرك النص الى ذروة الفعل والحركة والعنفوان الثوري الدال، في مواجهة القضايا الحساسة التي تخنق مفاصل الوطن، وتدفعه الى الازمة الحياتية بكل تداعياتها وتجلياتها . ان يسلط الضوئية الدالة في ثيمات التكالب على السلطة واللصوصية والفساد، في الجشع والاستيلاء والاسحواذ . هذه منصات القصيدة النثرية في قصائد الديوان . لكي يضيء الفهم والادراك والوعي . ان يحرك موجات وامواج الشارع الشعبي والسياسي، في التحدي والرفض والتمرد . لان الشاعر ينطلق من مبادئ الالتزام لقضايا الشعب والوطن، في مواقف المثقف الملتزم بهويته الوطنية والسياسية . في زمن القحط واليباس، في زمن الارتداد بعيداً الى الوراء . من اجل ان يحمل فانوس عراقي ينير درب الظلام الداكن، أن ينقله الى مصاف النور . من عملية اغتصاب الوطن وخنق مفاصله المتحركة والفاعلة ، من افعال السراق واللصوص، الذين استحوذوا على عرش السلطان. ان يضيء القصائد بالاشعاع الثوري من اجل ان يخلق حالة النهوض الجماهيري المنتظر . بهذا الشكل انسابت قصائد الديوان (لا يعني) في تدفقها الغزير نحو كل صوب واتجاه،وكذلك حرث في الرومانس الثوري، من اجل ان يبرز مديات الحلم والطموح في مشاعر الوجدان الداخلي، لكي يظهرها على المكشوف . من اجل تسليط الضوء على المحنة والفاجعة والدماء ، التي اطلقت ثعابينها في كل أتجاه . مما يفزز القلق والتوجس الانساني لثيمات الواقع التي لاتعد ولا تحصى، في زمن الارتداد الاسود والزيف الممجوج الى الذين لبسوا جبة الشيطان . من هذا المنطلق فأن القصائده النثرية تملك قوة العبارة والحجة التعبيرية، قوة المجابهة على الواقع المأجور، بهذا الفهم فأن الحرف الشعري، يتجاوز الذاتية الى العام الاجتماعي، في القهر والمعاناة . وهذا روعة الابداع الخلاق في القصيدة النثرية . لو نأخذ على سبيل المثال من أبرز شعراء القصيدة النثرية (محمد الماغوط) الذي يوظف ممتلكات القصيدة . في الانتقاد اللاذع والساخن الى الظلم الاجتماعي في القهر والمعاناة على الواقع، منطلقاً من معاناته الذاتية، ليصب جام غضبه الى عدة جهات تتحكم بالشأن الاجتماعي ،لانه عانى وذاق من العذاب في العيش، وفي قسوة السجون والحرمان الحياتي، لذلك يكون احتجاجه وتمرده منطلقاً من الذات الى العام، بينما الشاعر حميد الحريزي يتخطى ويتجاوز الحدود الذاتية، وانما يوجه صوته الشعري الى الذات العام أو المعاناة الجماعية، ويحدد بالضبط الجهة المسؤولة عن الظلم والقهر الاجتماعي والحرمان وتفتيت الحياة وتجفيفها من كل جمال حياتي . انه يوجه احتجاجه وتمرده نحو الطغمة الحاكمة بالتحديد، اي أنه يوجه سهامه بالتصويب بشكل مباشر، الى عش الظلم والفساد سواء كانوا من (المدنيين او الدينيين) في هرم السلطة . لكي يوجه رسالة واضحة الى القارئ في خطابه الشعري الثوري . الى مسبب الخراب والاحزان والتمزق والشقاق . اي ان الشاعر يمسك بالضبط نبض المشكلة والعلة والازمة، عن واقع الحال البائس والمزري، الذي لبس السواد والارتداد الى الوراء، ووقع الوطن تحت حوافر هذه الطغمة الحاكمة . والقصائد الديوان (لا يعني) بأنها تعني الكثير والكثير، وكذلك لغته استلهمت محسنات علم البديع في اشكالها المتنوعة في (الجناس والطباق والمقابلة والاستعارة) من اجل اعطى الزخم التعبيري الدال، في ضوئيته الكاشفة في غزارة المعنى البليغ .

× الشاعر الملتزم :

أن

تكتب الشعر

لا تعني

 أنك تُحسنُ تسطير الكلماتِ

أن

تكون شاعراً

يعني

أنك ثائر سلاحه الجمال

× تسليط الارهاب بتعليق صورة الصنم المقدس، او قائد الضرورة في البيوت

أكوام

القمامة

تقتحم بيوتنا دون أستئذانٍ

لا يعني

أن بيوتنا بلا أسيجةٍ

بل

القمامة تحمل صورة السلطان

× صديق الشدة والضيق :

أنْ

تكون صديقي

لا يعني

أن تحفظ رقم هاتفي

يعني

أن تكون معي وقت المحنة

× ماهية الحاكم :

أنْ

تكون حاكماً

لا يعني

أنك أمتلكت رقاب الناس

أن

تكون حاكماً

أنك ملكت رقبتك

لمحكوميكَ

× مفهوم المبادئ الحسينية :

أنْ

تلبس السواد

لا يعني

أنكَ حُسينٌّ

أن

 تكون حسينياً

أن يلبس قلبك

البياض

× الخداع الديني :

أن

تقيم الولائم

لا يعني

أنك انتصرت للحسين

أن

تنتصر للحسين

يعني

أن تنتمي لثورة

الجياع

× جشع السعالي :

أيتها (السعالي)

متى تشبعين

من دماء أبناء شعبي

الذي

أسرتهُ الخرافة ؟؟؟

× انتصار للحق :

أن

تنتصر للحق

لا يعني

أنك تضحي

فمن ينتصر للحرية

يولد من

جديد

× في الحب الرومانسي الذي يفرش قلبه للحب :

لماذا

كلما فرشت لكَ قلبي

بساطاً

من زهور

جعلتَ طريقي حقلاً

من

مسامير ؟؟

× مسخرة حكام العراق المسخرة :

كانت

ولم تزل المسخرة في بلدي

تنحسرُ

الحياة وتتسعُ

المقبرة !!!

الى متى

العالم يسير الى الامام

ونحنُ نعود

القهقرى !!

كل العالم يشهدُ

هذه المسخرة

في عاصمتنا

المدورة

× خداع العمائم الشيطانية :

أيها

الشقيُ

المخدوع بعمائم

الملالي

الساهرون كنزاًلاموالِ

المغفلين

هل

مازلت

تظنهم قابعين يتلونَ

آيات الكتاب

المبين ؟؟

× الاعلان الاخير :

أعلن النفير

الى ميدان التحرير

عمال ونساء

رضعوا الحب والوفاءَ

فلبوا النداء

لتقرير المصيرْ

فكان

النفير

تنادت الحناجر

أستجابت الجموع

يرحلُ الطغاة يحررُ الاباة

من دون هذا لا رجوعْ

فلابد للسلطانِ أن يستجيب

× كواتم الصوت

في (دم) قراطية مسلحةٍ

كاتم الصوت

لا يحب الكلام

كاتم اصوت

(جندي من عسل)

سكين تعشق رؤوس

**

أذاً

سجلوا الفاعل مجهولاً

وأختموا أفواه

حكايات

كتموهُ بكاتم اعمى . لا كُرهاً لدوي

الطلقات

**

× عنوان الكتاب : لا يعني

× أسم المؤلف : حميد الحريزي

× الطبعة الاولى : عام 2019

× عدد الصفحات : 399 صفحة

***

جمعة عبدالله

 

 

 

1333 سعداعتمد شاعرنا العراقي، شاعر الأرض والوطن والهوية الدكتور سعد ياسين يوسف الأشجار رمزاً و(ثيمة) في مجموعته الشعرية (أشجار لاهثة في العراء) كما في سابقاتها، وهنا لابد أنْ يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري لماذا الأشجار؟

يقول ابن عربي: "الشجرة: هي الإنسان الكامل" (ابن عربي معجم اصطلاحات الصوفية ج12/130-131) من هنا كانت الشجرة عند شاعرنا سعد ياسين يوسف تعني الانسان كله، تعني وجوده، ونهر مرجعيته الثقافية الذي ينهل منه وهو ما يُصدم القارئ اعجاباً وهو يقرأ العنوان في أول وهلة حيث يتجلى ذلك التفكيك في ثنائية رائعة بين (الثبات / اللاثبات)، ثبات الأرض والوطن يقابله تشتت الانسان وضياعه وهو اللاثبات..، وفي نظري هذا ما يطلق عليه فوكو بالحفر المعرفي وهذه هي المنطقة التي حاول فوكو اقتحامها بتحليلاته الأثرية الاركيولوجية: الاشتغال على الخطابات بالحفر في طبقاتها وتفكيك بنياتها أو بتعرية بداهاتها وكشف طيّاتها،

من هنا يتبادر للقارئ ومنذ اللحظة الأولى معاناة شاعرنا التي هي معاناة الوطن المتنقل بين صروف الدهر بلا مرسى لسفينته الحائرة، يقول في (عشبة السماء) وهي أول قصيدة في ديوان (أشجار لاهثة في العراء) موضوع البحث:

(قبل أنْ يختفي

تحت سحابة البرق

أومأ إلى الجسور التي

أحنى ظهرها انتظارٌ عتيق

وهي تتفقدُ كلّ يوم

سلالَ زهورها البيضاء) ص7

يلتمس هنا مرحلة الأمل الذي نأى عن الشاعر فقد (اختفى تحت سحابة البرق) وهي رسالة للأجيال وهو (انتظار عميق) من غير أن يرتاح في دنيا خُلق فيها من أجل تعب مستمر كلّ يوم ولكنْ (على امتداد خيط الدخان)، في رمزية واضحة لما يجري في عراق الحضارة من تفجيرات ومآسٍ تمرُّ على الوطن الجريح...

ويستمر العناء في هذه الدنيا التي رمز اليها الشاعر ب(العراء) وكيف لا وهو القائل:

(بالصّرخاتِ المضرّجة ِباختناقِ الحروفِ

قبلَّ أنْ يعبر جسر الأمنياتِ

لتضجّ فوق ظهره

خطى العابرين المثقلين بلا وجوه

وهم يسرقون فضاءات الضياء) ص8

ونحن هنا نتفق مع من يرى في أنّ المخيلة الابداعية عند سعد ياسين يوسف تفكك العالم وتعيد بناؤه وتنظيمه وخلقه على شكل عالم جديد بقوانين تنبعث من أعماق الذات الإنسانية، أي بناء عالم غير واقعي بسبب الحاجة للهروب من الواقع الضيّق عكس ما موجود من نسخ للواقع كما هو وبما يشبه التصوير الفوتغرافي ."

وتشكل العنونة عند سعد ياسين يوسف إضافة نوعية للنصوص بوصفها عتبة الديوان، فهو يخطّ من الخيال خيالا ليُحاكي بصوره المتراكمة ذات البعد الإنساني في تصوير تلك المعانات بعمق وتحليل دقيق، ارتباط الإنسان بالوطن وهذا ما نلمسه في ديوانه السابق الصادر 2017(الأشجار لا تغادر أعشاشها) ليستمر بتصوير معاناة الانسان ومأساتهِ في هذه الأرض التي جاءت قصيدة (عيون الصبار) محملة بشحنة عالية من الدلالات الضاجة بالألم إنَّها أسطورة (الألم والأمل) الألم في مرارة ذلك النبات والأمل بالصبر على هذا الوجع والألم:

(فوق نافورةٍ من دم

توضأ بالبراءة

فالموت بجناحيه المهولين

تسحّرَ بالكرادة ِ

وأفطر جثثاً متفحمةً) ص9

كيف لا يكون هذا الصبار رمز الخلود، ولكن عذراً يا كلكامش ليس رمزاً لخلودِ الحياة، بل لخلود الموت الذي بات عند الشاعر مشهداً مألوفاً وهو يرى تلك الجثث، وصور الموت في كلّ مكان، لقد أعاد شاعرنا سعد ياسين يوسف كتابة التاريخ بصورته الرمزية كما يراها هو لا كما يراها الآخرون وعلى طريقة (فوكو) الذي يقترح كتابة تاريخ يضفي صفة الحياة على الفهم الاعتيادي للأحداث التاريخية، ولعل هذا العراء (الموت القاتل) يجعل الشاعر أمام النهايات المأساوية لصورة الأجساد التي تحولت إلى أشباح، ولكن تبقى القلوب ترتبط بالأرض ... بالتراب وتبقى تستمطر الرحمة من الخالق لعلّها تُبقي شيئًا للأجيال القادمة:

(قلوبٌ غادرها النبض ُ

تتلو آياتك ...

تحتَ ركام ِالنزواتِ

تستمطرُك الرحمة

والرحمةُ شجرة ...) ص10

 

إنَّها آهات الأنا التي تتشبث بالأمل بعد أن غادرت الحياة، ليعود الشاعر بعد طول هذه الرحلة مع الشجرة موظفاً تقنية التناص بتداخل دراماتيكي مع التراث وأسطورة الطوفان، في مشهد تراجيدي وهو يصور مأساة الفرد العراقي في بلاد الرافدين، ولعل ذلك المشهد المأساوي يتكرر ونحن نقرأ قصيدة (شجرة العروج) التي أكملت ذلك المشهد الاستعاري الذي يبدأ بالصعود إلى السماء:

(عفوكَ ربّي

قامتْ قيامتُهم

سيأتونك عندَ سدرةِ المنتهى

ولكنْ كما رسَمَتْهم النيرانُ) ص11

هذا ليس بالغريب ولا سيما نحن نرى من خلال سعد ياسين يوسف الدمار الذي قتل الروح قبل الجسد لتسير نصوصه بانسيابية وخط زمني متراتب مع الحزن، ليصور تلك الشجرة / الانسان، وهي تتجسد في الطفولة المفجوعة بالقتل ومواكب الأطفال الشهداء كأسراب الملائكة وهي تعرج من الأرض إلى السماء:

(أطفال بلا عيون

تشرقُ شمسُ الكركراتِ

من محاجرِهم

يحملونَ ملابسَ بيضاء

بلونِ الفرح القتيلِ لم تُلبس بعد

ودمىً مبتسمةً) ص11-12

يصور الشاعر فاجعة الكرادة التي أحرقت السنابل اليافعة أطفال العراق، وأزهقت أرواح العوائل البريئة ... إنَّها كرادة الوميض المتأتي من النار المحترقة بأجسادهم (الشجر/ أجساد) داعيا لهم بالرحمة مترجيًا لهم الشفاعة:

(رحماك ....

فلا تردَّهم

ولا تردَّ هداياهُم

لانَّهم ومع تراتيلِ ليلةٍ

أسميتَها القدر

أتوكَ من مكانٍ بعيد ٍ

وقريبٍ جداً أتوكَ ...

من الكرادة) ص13

وهنا نسجل وقفتين، الأولى: الرؤية الشمولية لدى الشاعر وهو يتحدث عن الوطن ، ثم الوقفة الثانية هي تلك النهايات المفتوحة التي يتركنا فيها الشاعر معبراً بقوة الصمت عن المسكوت عنه من ألم،تلك النقاط ولا سيما مع فاجعة الكرادة وسط مشهد سياسي معقد وأنا هنا ساترك النقاط مفتوحة لأنني لا أعلم إلى أين نتجه ......

هكذا هو شاعرنا سعد ياسين يوسف ينتقل بأغصان شجرته من غصن إلى آخر من قصيدة إلى أخرى، انطلق من (اللاهو) ليضعنا أمام غريزة القتل الغائرة في أعماق التاريخ الإنساني منذ هابيل وقابيل واقتراف الجريمة الأولى رافضا أنْ يشرب الأنسان دم أخيه الإنسان، ومستنكراً وحشيته حين تتلبسه ليصير كائناً آخر تشحب ملامحه وتفقد كلّ أفقها الإنساني وليتحول هذا العالم الفسيح إلى عالم موحش،وهذه هي الصورة المخيفة التي تؤرق الشاعر وتقلقه وتخيفه مما سيؤول إليه العالم إذا ما استمر الإنسان على وحشيته هذه :

(سنواتُه ُ

تجاوزتِ الكهوفَ .....

والتواريخَ المسحوبةَ بالسُّرفات

وما يزالُ ....) ص15

ما يزالُ يا شاعرنا ؟ ما يزال القتل والدمار والنوم على أرصفة الشوارع حيث الإنسان هو القيمة المهمشة في وطنه،نعم قد يكون ذلك لكنْ الشاعر يتنبأ بأن الأرض ستلفظ كلَّ أولئك الذين فقدوا إنسانيتهم وأوغلوا في أذى الإنسان والشجر وسيشحبون وينبذهم التاريخ لأنهم لا يملكون من الصفات الإنسانية شيئاً:

(ستفزعُ منكَ يداكَ السّادرتانِ

وتنكِرُكَ الأرضُ وتلوذُ

بعباءةِ وحشتِها

راثيةً أنَّك انسان) ص18

وفي قصيدته (أشجار لاهثة في العراء) وهي ما توشحت به مجموعته الشعرية التي تجسد مصير الانسان الذي وبفعل الظلام وجد نفسه في عراءٍ قاتل بعد أنْ أخرج قسراً من الدفء، من بيته ومدينته إلى الصحراء طلبا للنجاة من الموت والقتل وعلى شفتيه تموت الأسئلة المتلاحقة بلا إجابة  ..

ليبدأ قصيدته متعمقاً في المعنى عمق جذور أشجاره قائلا:

(الدمعُ صفيرُ الريحِ

ونشيجُ الرّملِ

إذ ينهمرُ على جدارِ لحمنا الحيّ

عارياً تحت غيمة ٍ

تُمزقُها أنيابُ الظهيرةِ) ص19

هذه اللوحة الدرامية هي (متلازمة الحزن) (دمٌ، قميصُ دمٍ، رمال سفتها الرّيح) بل هي تجسيد لدمارٍ للشجرة وللإنسان:

(وقمصان دم ٍ

قُدّتْ من جهاتٍ أربع

حتى استحالَ الدّمُ نهرًا

من رمالٍ سفتها الريحُ) ص20

وبطبيعة الحال ستنتهي تلك الشجرة كما انتهى الانسان ولو أن الشاعر يرى في أنَّ شجرة القيم السماوية والقيم النبيلة ستظل تكابد لتبقى في العراق وهذا هو شاعرنا سعد ياسين يوسف لايعدم الحياة حتى وسط ركام الموت فهو يرى ثمة أمل:

(وتدافعتْ بحثًا عن نفسٍ من خُضرةٍ

لما تبقى من شجرةِ الأنبياء.)

ويستمر المشهد في قصائده الأخرى التي هي امتداد لصورة تلك الشجرة المكابدة لعصف الريح، رديف ذلك الإنسان الذي لا يبحث إلاَّ عن ميناء ليُرسي في شواطئه بأمان (قلاع مخلعة الأبواب، عصافير ميتة، حادث دهس ليلي...) وتطول القائمة لينتهي بقصيدة تحت عنوان (مكابدات خيمة) وهي تصور مكابدات من فُرض عليهم واقع مؤلم لم يكن بحسبانهم في يومٍ ما على الإطلاق .

(تعال بعريكَ

موسوماً بنقوش الرملِ،

بصرخةِ شمسِ الهاجرةِ

في جوفِ جبينِكَ

علَّكَ تدركُ هلعَ الخيمةِ

حين تكابدُ عبثَ الرّيحِ...) ص123

المكابدة والضياع هنا تحت ظلال الخيمة، والخيمة وطن فكيف بوطن الحضارات وهو يتمزق، لقد أثقلت الآلام التي يكابدها العراق سفن شاعرنا الذي أوجعه ما أوجع الوطن وأحزنه أن تذبل شجرته فجاءت قصائده برؤية ثاقبة وصوره بعمق دلالي وقّاد نسجها الشاعر لوحة حزن أسطورية لايمكن أن نفكَّ نسيج خيوطها في هذا الوقت القصير.

حاول الشاعر أن يخفي الجروح وأن لا يتكلم بما هو في عُتمته بيد أن شخصيته الطموحة والمفردات العميقة وقفت ندًّا وعنادًا لما أراد أن يخفيه والتي انمازت بجمال فني؛ إذ استطاعت مفرداته أنْ تصوّر لنا مرحلة مهمة من مراحل العراق وهذا يدلّ على شخصيته المقدّرة للمسؤولية تجاه شعبه ووطنه، فكانت شخصيته فعّالة ومؤثّرة في المشهد الثقافي والوطني فهو يدرك أنَّ الثقافة هي الطريق لحياة أجمل، وهذا ما لمسناه من خلال قراءة الديوان الذي هزّ أعماقنا وجعلنا نتفاعل ايجابيا مع قصائده .

 

ا. د. أيسر الهاشمي

أستاذ النقد الأدبي الحديث

كلية الآداب – جامعة الأنبار

.............................

* نص القراءة النقدية التي قدمها الدكتور أيسر الهاشمي خلال الاحتفاء بالشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف من قبل اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين في العاصمة عمان في 19-8- 2019

 

1331 رجاء الربيعيعندما يفرغ المرء من قراءة مجموعة (وجوه ملونة)(1) للقاصة رجاء الربيعي، تصبح لديه قناعة قارة، بأن هذه المجموعة القصصية ذات شجن ومعاناة حادة، تعيشها الذات الأنثى وخصوصية علاقتها مع الآخر.. هذه الخصوصية أدت في مضمونها إلى إدانة للمجتمع أو إدانة للعصر،  من خلال هيمنة العلاقات الإنسانية على التجربة المعاشة في المجتمع العراقي... وبعد: فإن هذا المقال يحاول استغوار المَشاهد المكثفة المتلاحقة التي تتحرك فيها... إن المشهد كما يرى ليون برميليان (عبارة عن فعل محدد حدث مفرد، يحدث في زمان ومكان محددين، ويستغرق من الوقت الذي لا يكون فيه أي تغيير في المكان أو قطع في استمرارية الزمن)(2) وعلى هذا الأساس ؛ يكون المشهد (هو كل ما يعرض ليسترعي النظر ولاسيما إذا كان مثيرا غير اعتيادي)(3) من خلال اللحظات المكثفة والعلاقات الحميمية التي تنماز بتقريب اللقطة ؛ فتثير المتلقي وتحفز قابلياته التخييلية، فالمشهد يتكون إجمالاً من عناصر عدة (شخصيات وحوار وحركة داخل المكان الموصوف) وإن هذه العناصر كما أزعم، تخلق لدى المتلقي نوعاً معرفياً للوعي... إن هذه المجموعة القصصية تضم بين دفتيها (24) قصة قصيرة تتبعها (8) قصص قصيرة جداً صيغت بلغة سلسة لا إسفاف فيها ولا تقعر أو هذيان، انصهرت فيها - القصص - قضايا اجتماعية، تجسدت فيها حقائق الحياة ومفارقاتها... توظف القاصة المشهد في إبراز تلك القضايا، من ذلك ما جاء في قصة (آذار) (عادت لغرفة الأضابير، وأخرجت من إحدى المجرات سكيناً حادة، بعد أن فتحت النافذة القريبة إلى أرضية الغرفة، وفي الحال مزقت بقوة المشبك الحديدي المانع لدخول الحشرات، عملت شقاً ليمر كلاهما تباعاً، فيما تحاول التهدئة من روعه، وهي تمازحه، حاذر كي لا تتعثر ! سارا خلف البناية، وولجا بناية أخرى كشفت عن ساحة كبيرة لشاحنات متخصصة لنقل المواد الغذائية.... أماكن لم يعهدها قبل، فيما استغرب لمثل هذه الفتاة كيف تعرف مسالك تلكم الأزقة والطرقات ؟!) ص 28 إن ما يثير الانتباه في هذا المشهد، الحركية التي تضيء لحظة التوتر والقلق والخوف من رجل الأمن ؛ كون بطلة القصة خاتلته ومكرت به ؛ كي تهرب زميلها في العمل.. أما في قصة (وجوه ملونة) فتتجلى نقاوة الروح، وتماهيها (أخرجت مظلتي الصغيرة، ذات وجوه الأطفال الملونة.. شرعت أرقص على إيقاع القطرات النازلة على أوراق الأشجار، فاح عطر النارنج والليمون وبدا يداعب أنفي بقوة... لمحتني أمي بقلق، فصاحت تطلب مني أن أدخل البيت مسرعة خوفاً من نزلة برد.. لم أنتبه إلى ملابسي التي تبللت، أحسست بأني أكثر جمالا ونقاء وخفة، حاولت الهرب منها إلى بيت الجيران، فأنا أحب اللعب مع الأطفال في الزقاق) ص 56 إذ نرى في هذا المشهد بنية التفصيل باستعمال الجمل الفعلية المتتابعة التي جسدت لنا مشهداً لفعالية اجتماعية عراقية مألوفة ؛ لتكون أكثر حرارة وحميمية وتأثيراً في تركيز المتلقي الذي ينتظر بلهفة ما سيحدث وراء هذا المشهد. في قصة (حلم بطعم الحياة) نجد المشهد الحزين ضمن فضاء الفقدان (لم تجد منه شيئا إثر الانفجار الذي صادف تواجده في شارع مزدحم، ذهب لشراء زهور جديدة ؛ لأن زهورها ذبلت.. ترجل من سيارته ومعه أجمل باقة تناثرت فوق جسده المتفحم، فقط بقيت الزهور هنا وبقي هو فيها ؛ لأنها تحمل منه صبياً كان ينتظر وصوله بلهفة الأب الحنون) ص 62 إن الحزن قد فرض حضوره في هذا المشهد بأدوات سردية، ذات مرتسمات لغوية، منحت لكل كلمة عدستها اللاقطة ؛ نظراً لحدة الموقف الذي يحكي قصة ألاف الشهداء والأرامل في العراق... وإذ نعطف على قصة (حلم ذات نهار) نجد المشهد ينساب في عيون الساردة ؛ لغرض إبراز علاقتها بالمكان المقدس (مع ارتفاع الأذان وتوجه السابلة إلى ذلك المرقد ذي القبة المذهبة، هلعت روحي وهي تسبح في أزقة وشوارع غريبة عني لا أعرفها، كيف سأوحي لنفسي أنني أعرف الطرق وهي تعرفها سرا وأقدامي تعاجل تلك السيارات القادمة من بلاد الفرات والنخيل، تلك البلاد التي ودعت فيها أنفاسي، وحبست فيها دموعي، وخرجت إلى ما لا نهاية، ولا قرار معلوم) ص 68 إذ حرصت القاصة هنا على نقل هذا المشهد إلينا ؛ لأجل استيعاب العين بما تمر به في حالة السفر إلى بلاد أخرى، من خلال الحوار التعبيري للموقف أو التوصيفي له، أما في المضمون، فتطرح القاصة شدة الشوق الأنثوي للأم... إن المشهد في هذه المجموعة يعد بؤرة الإثارة في بنية هذه القصص، ولاسيما أن الجسد يتمظهر شاخصاً في غالبيتها ؛ لدوره في تدعيم الحدث وتحريكه، فضلا عما يعنيه من عاطفة ؛ ولذلك يرى دي سي لويس في المشهد بأنه (رسم قوامه الكلمات المشحونة بالإحساس والعاطفة)(4)  وتأسيساً على هذا، نجد أن المشهد في هذه المجموعة جاء عن طريق تقانة التجسيد أو التشخيص أو التصوير أو تبادل الحواس ؛ لأن طبيعة النصوص السردية تتنوع بتنوع الأحداث التي غالباً ما تستعين بالمشهد بوصفه مسرحاً يستمد مادته من الحواس...

 

د. مثنى كاظم صادق

...........................

الهوامش:

1- وجوه ملونة / مجموعة قصصية / رجاء الربيعي / دار ميزوبوتاميا ط1 2018م.

2- بناء المشهد الروائي / ليون برميليان / ترجمة فاضل ثامر / مجلة الثقافة الأجنبية ع 3 / 1978 ص 78.

3- معجم المصطلحات الأدبية / إعداد إبراهيم فتحي / الموسوعة العربية للناشرين المتحدين / تونس ص 330.

4- الصورة الشعرية / دي سي لويس ترجمة أحمد نصيف الجنابي مراجعة عناد غزوان / منشورات وزارة الثقافة والاعلام / دار الرشيد للنشر 1981 ص 23.

 

محمد فتحي عبدالعالستظل قضية فلسطين هي القضية المحورية للعرب المسلمين في الماضي والحاضر والمستقبل ولقد قدم الكاتب الجزائري واسيني الأعرج في روايته سوناتا لاشباح القدس والتي صدرت عن دار الآداب عام ٢٠٠٩ عملا فنيا من طراز فريد محركا ببراعة للزمن الروائي تقديماً وتأخيراً ومعبرا عن شخصيات قصته بلغة شاعرية تجمع بين الموسيقى والفن وقد أجاد في رسم ملامح شخصياته بتفاصيل شيقة وغنية ومعبرة وموحية في الوقت ذاته واللغة في الرواية جاءت مزيجا بين الفصحى والعامية فكانت اللغة الحوارية العامية بلهجات تحاكى بيئة الشخصيات وأماكن الأحداث وتنوعها فاستخدم اللهجة الفلسطينية في بعض مواضع الرواية واللهجة اللبنانية أحيانا أخرى أما اللغة السردية الحاضرة بكثافة في أسلوب الأعرج فكانت بالفصحى بحكم كونه اكاديميا يشغل منصب أستاذ كرسي في جامعة الجزائر المركزية وجامعة السوربون في باريس مما يعكس ثقافة الكاتب واسلوبه المتميز. كما أضفي لونا شعريا وموسيقيا على روايته باختياره سوناتا عنوانا وهي مأخوذة من كلمة إيطالية بمعنى اصدار الموسيقى والغناء

القصة باختصار:

تحكي الرواية عن الفنانة التشكيلية الفلسطينية مي والتي غادرت مدينة القدس عام ١٩٤٨ في سن مبكرة بعدما اغتيلت والدتها وأهلها إلى بيروت ثم إلى أمريكا حيث العالم الحر وفي الوقت ذاته كانت رائحة المنفى التي تشبه رماد حرائق الأشجار والعجائن القديمة والورق الأصفر المنقوع بالماء تزكم أنفها وتنجح مي في أن تجمع شتات نفسها وتنتصر على النفي بالتمرد لتتحول إلى فنانة تشكيلية من الطراز الأول ولقد كان الاسم الذي اختاره لها خالها غسان بالاتفاق مع ابيها صافو تيمنا بسوفو نيسبي رمز التمرد ضد الاحتلال الروماني... تمضي السنوات بمي أو صافو اسمها الجديد الا انه لا تغيب ابدا عن مخيلتها ذكريات القدس لون طفولتها المسروقة والتي عاشتها ولم تغادر مخيلتها وعبرت عنها عبر لوحاتها التي منحتها الاستمرارية والحياة فقد ابتدعت لونا جديدا أسمته فراشات القدس ذلك اللون الذي أضحى رفيقها في غربتها ولا يزال يأتيها أصوات ذكرياتها من القدس مع صوت أبو نجيب وهو يمدح سندوتشات الفلافل التي يصنعها : (يا الله يا فلافل! طعم الغني والفقير، الصغير والكبير) إضافة لحرصها على قراءة الإصحاح الرابع والعشرين من الكتاب المقدس حيث ذكر جبل الزيتون وتظل أمانيها معلقة بالقدس فتقول (أتمنى أن أرحل ولو بروحي وآخذ حفنة من تراب القدس وأشمها ثم أزرعها على الفراش وأتوسدها كأي درويش مأخوذ بسحر المبهم) ومع نهاية حياتها بسرطان الرئة توصي ابنها يوبا العاشق للموسيقى والرسم أن يحرق جسمانها ويذر رمادها فوق نهر الأردن وفي حارات القدس وان تدفن عظامها في أمريكا ليكون لها قبرا يزوره ابنها كل ثلاثاء

مناقشة الرواية:

تتحدث الرواية عن حق الفلسطينين في العودة إلى وطنهم فالغربة بحسب مي هي (أكبر محرقة يعيشها المرء هي أن تسرق منه أرضه ويرمي على حواف المبهم) وتبدو نهاية المناضل والباحث الفلسطيني إدوارد سعيد حاضرة وبقوة في ذهن الأعرج وهو يكتب سوناتا فقد مات ادوارد في إحدى مستشفيات نيويورك عام ٢٠٠٣ وكان أمنيته الاخيرة أن يدفن في القدس فرفضت إسرائيل ذلك فأوصى بحرق جثته ونثر ودفن رمادها في لبنان وهو ما تم فعلا... لكن الكاتب يضفي على الرواية رؤيته التشاؤمية بشأن تحرير القدس يوما من قبضة الاحتلال الصهيوني البغيض مستبعدا هذا الخيار تماما على لسان مي فتقول: (تعبت، وأندم كثيرا على أني لم أبق هناك، لا لتحرير الأرض، فهذه مسألة لم تعد واردة، على الاقل بالنسبة لي، ولكن للموت فقط، والتمزق عند بوابات القدس) وعلى لسان الخالة دنيا وهي تقول لمى : (أرأيت المفتاح الخشن المعلق عند مدخل البيت؟ هل تعتقدين أنه سيفتح شيئا يوما ما؟ لا أعتقد. الأحياء تسرق واحدا بعد الاخر، بعد سنوات قليلة لن يصبح لهذا المفتاح أي معنى، باستثناء التذكر والألم).. كما تبدي الرواية تعاطفا مع الموروثات الصهيونية فجدة مي بكت اليهودي الذي اقتيد إلى حمامات الموت والهولوكوست. كما تقول مى لابيها المولع بايفا موهلر الألمانية :(لقد أحرق أصدقاؤك النازيون، وأحباب إيفا موهلر، يهودا أبرياء، وأبادوا الملايين فقط لأنهم يهود؟ هل تتصور هول الفاجعة).

كما يعرض الكاتب رؤيته على لسان بطلته بشأن الحوادث المبكرة على أرض فلسطين وظروف نشأة الدولة الصهيونية هناك فهو يرى أن التسامح منذ البداية كان هو الأمر المفقود فمي مثلا تستهجن مشاركة والدها في اقتحام جريدة بالستاين بوست والتي كانت تبث دعاية عدائية ضد العرب فتقول مي :( لم أصدق أذني عندما سمعت أن والدي الطيب والمتسامح، يحكي عن العملية التي شارك فيها باقتحام جريدة بالستاين بوست بانتشاء) وهنا يظهر التناقض فالضحية في الرواية عليه أن يكون أكثر تسامحا تجاه الجانى الذي قتل والدة مي وهي الطيبة المحبة للموسيقى والرسم والتي لم تكن تحمل لديها سكينا ولا بارودا ولا حتى سكينا للمطبخ.

الرواية وحقائق التاريخ:

إن الهدف من أي عمل روائي ليس فقط التشويق والإثارة فنشر الوعي وكشف الحقيقة دون مواربة يضيف إلى أعمارنا الحقيقة أعمارا افتراضية جديدة فضلا عن أن دراسة التاريخ بعناية بغية الاستفادة من تجارب الماضي هو هدف أسمى يقينا الفتن والانشقاق والتمزق والكاتب خالف ذلك حينما اعتبر الهولوكوست حقيقة مسلم بها والهولوكوست مصطلح يشير إلى الإبادة الجماعية التي تعرض لها اليهود على أيدي الألمان النازيين في معسكراتهم إبان الحرب العالمية الثانية واسفرت عن قتل ستة ملايين يهودي بحسب التقديرات اليهودية والهولوكوست مصطلح يوناني يعني القربان ويقابله في العبريه كلمة شواه بمعنى المحرقة.... ولقد ظلت هذه الإبادة المزعومة وسيلة الصهاينة لابتزاز الرأي العام العالمي اخلاقيا وجلب الأموال الطائلة كتعويضات ويشير تقرير لوشتر الخبير الأمريكي الشهير حول معسكرات أوشفيتز وبركاناو وميدانك والمفترض ان المحترق بحق اليهود كانت بها والتي زارها الخبير ميدانيا وأخذ عينات من جدرانها وارضيتها وسقوفها وحللت في مختبرات ألفا ببوسطن وقد خرج تقريره بنتيجة مفاداها عدم وجود إمكانية هندسية وكيميائية لهذة المعسكرات لقتل هذه الملايين الست كما أن غاز السيانيد لا يوجد بالنسب المرتفعة التي يمكنها قتل أحد وتوالت الأبحاث بعد ذلك لتشير أن غرف الغاز كانت في حقيقتها تستخدم لتطهير الملابس وحرق جثث الموتى خشية انتشار الأوبئة وعن رقم الستة ملايين ففي كتاب دوجلاس ريد الشهير الصادر بالولايات المتحدة عام ١٩٤٧ والذي أورد مقارنة هامة بين عدد اليهود قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية حسب إحصاء عصبة الأمم وعددهم بعد الحرب بحسب إحصاء الأمم المتحدة أي الفترة من ١٩٣٨ إلى ١٩٤٥ مثبتا أن عدد اليهود قبل وبعد الحرب بقى كما هو..

الأمر الاخر في الرواية هو تسطيح حقائق التاريخ وعدم الإشارة إلى الجانى الحقيقي في هذا الصراع وهو العدو الصهيوني الذي مارس تطهيرا عرقيا لا مثيل له في التاريخ في سبيل اجلاء الفلسطينين عن أراضيهم ويكفي أن نسوق في هذا الصدد ما اعترف به مناحم بيجين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق في كتابه الثورة : (لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل) وهي المجزرة التي نفذتها عصابات الصهيونية ضد المدنيين العزل في دير ياسين عام ١٩٤٨ والقت الرعب في نفوس الفلسطينين ليبدأ النزوح من الوطن ورحلة الغربة داخل الديار الفلسطينية وخارجها... وحينما نتحدث عن حلم العودة لمى بطلة القصة نجد الكاتب يقع في تناقض عجيب فالبطلة تزور الأندلس لكنها تعزف عن زيارة القدس وهي بالقرب منها عند الأردن وتقول: (لا... قلتها ببرودة كبيرة، لا أحد لي هناك إلا القبور، ولا أريد أن ارجع لكي أزور القبور فقط ثم أنزوي مع أشباحي وأبكي)... وبين القدس والاندلس صفات مشتركه فكليهما إرث الأجداد الذين رحلوا ولم يعد من ذكراهم سوي القبور!!..

يبقى القول أن الرواية نجحت فنيا لكن من الناحية الايدلوجية من الصعب أن تكون محايدا في صراع طويل وممتد والجميع على دراية من الجانى؟ ومن الضحية؟

 

د. محمد فتحي عبد العال

 

جمعة عبد اللهللكاتب فيصل عبدالحسن

الكاتب متميز في براعته الاسلوبية في عالم السرد (قصة ورواية) في التناول والصياغة مشبعة في الاتجاه الواقعي بكل مساراته المتنوعة من مفردات واشياء الواقع الفعلية، يصوغها بمهارة محترف في صناعة فن السرد بتمكن في جمع مكونات الواقع، والمتخيل الفني في بوتقة واحدة، في عالم السرد الواقعي بكل اشكاله التعبيرية التي تخوض في تداعيات الواقع وتفرزها على الملأ، يسكبها في الصياغة الفنية الحديثة . لذلك يحمل النص او الحدث السردي بالاشباع الحياتي والواقعي وفي السرد الفني، وفي اللغة السردية المشوقة التي تشد القارئ برهافة حميمية . ان عالمه السردي متنوع العطاء والتجلي لمفردات الواقع وتداعياته المختلفة، في الرؤية والرؤى في الاتجاه النقد والانتقاد اللاذع، في اتجاه السخرية الساخرة بالكوميدية التراجيدية . في حالتها التي تفضي الى الانتهاك الاجتماعي في القهر والمعاناة . لذلك ان النص السردي يحمل حالات انسانية مظلومة ومحرومة في معاناتها الاجتماعي. في مشاعرها الملتهبة في الوجع الحياتي في هواجسها الوجدانية الداخلية والخارجية . لذلك نجد ان شخصية الحدث أو (البطل) السرد يخوض معاناة قاهرة في الواقع والحياة المتجمدة في العذاب والتعذيب الروحي والاجتماعي، أن يكون مشبعاً بالهواجس والهموم، في الفقر والعوز الحياتي، في الحالات النفسية الجريحة ومؤلمة في الوجع من سكاكين الواقع الجارحة، ليخوض غمارالانكسار والاحباط والانهزام، في كل مفردات الحياة بما فيها الحب، وكذلك يواجه الغطرسة والتعالي والفساد والنفاق المسلط على الشرائح المظلومة في المجتمع . وكذلك امام المواجهة الحدية والصارمة في بشاعة قسوتها من الارهاب السلطوي المرعب . يواجه الطموحات الانسانية التي تنقلب الى وهم وسراب . لتدفعه ان يكون غريقاً بالحزن والالم، في جراحات تحرث في الخيبة والاحباط، في وهم الاحلام التي يتصورها قريبة المنال، ولكنها في حقيقتها بعيدة المنال . ان الحبكة السردية في ثنايا احداثها السردية المتنوعة . تمثل بانوراما الحياتية بكل مرادفاتها المتناقضة التي حملتها المجموعة القصصية (بستان العاشقين) للاديب فيصل عبدالحسن . وهو يكون عجينة تشكيلية يخلقها من صلب الواقع ويرسمها بعدة لوحات سردية مشبعة في الدلالات العميقة في التعبير والمغزى الدال في ايقاعاتها المختلفة، في العالم السردي المتمكن من ادواته وتقنياته الحديثة . التي تحرث في الوطن والمنفى والحب والمعاناة الاجتماعية . والمجموعة القصصية ضمت 21 قصة قصيرة، نقتطف بعضها بأيجاز شديد:

1 - قصة الطعام الاسود: الاهداء (الى ولدي محمد) وهي اشارة بليغة بتذكير الابناء الى المعاناة القاسية التي تجرعها الاباء وحملوها على ظهورهم كصخرة سيزيف في المشقة والعناء .

وحدث القصة تدور حول أب لعائلة يحاول ان يجد فرصة عمل للعيش هو وعائلته، حتى يتهرب من ذل السؤال من الدائنين، لذلك يتهرب منهم لعوزه المادي والمعيشي في دفع ديونه المرتبة عليه، ويبحث عن فرصة عمل مهما كانت مشقتها وخطورتها، واخيراً بعد بحث مضني ومتعب، وجد فرصة العمل في حديقة الحيوانات لاطعام الاسود والنمور . رغم تحذير مدير الحديقة في اختبار مدى تحمله بالتحذير الموجه له (ربما سنطلب منك يوماً تنظيف أسنان الاسود بالفرشاة ومعجون الاسنان) لكي يخيفه ويتنصل عن العمل، لكنه اصر على تحمل كل المخاطر . وبدأ يمارس الصمود البطولي الكاذب امام المدير، لكي يقنعه بالقبول بالعمل في الحديقة الحيوانات، وعرف ان عمله يقتصر على تقديم شرائح اللحوم المستوردة والمجمدة الى الاسود صباحاً ومساءاً اقتنع بعمله، وهويدغدغ هواجسه بأنه سيقتطع قطعة من اللحم الى عائلته المحرومة من اللحم والى جيرانه، الذين قدموا الدعم والمساعدة في فقره وعوزه . لكن في النتيجة العملية تبخرت هذه الرغبات . حين عرف بأن اللحم الذي يصل بالسيارات المبردة للحوم، يتقاسمها المدير والموظفين . وحصة الاسود والنمور، هو تقديم طعام خليط من الفول والرز وفتات الخبز والامعاء وفضلات اللحوم، لذلك ان الاسود والنمور في حالة شحوب وضعف، كأنها على وشك السقوط والاغماء في كل حظة .

2 - قصة ردني الى بلادي: يهزه الشوق والحنين الى بلاده بعد سقوط النظام الدكتاتوري، ويصر الى العودة الى احضان الاهل والاحبة . التي تتحرك ذكرياته بحزن وشوق . رغم مخالفة زوجته التي تشعر بالحزن والقهر والآهات والدموع، خوفاً عليه لان الوضع في بلاده مخيف بالارهاب والتفجيرات اليومية، وخوفاً ان يصيبه مكروه ويتيم اطفاله، رغم انه يعيش مع زوجته في بحبوحة الحياة في حب ولوئام، لذلك تحرص على حياته من هذه السفرة المخيفة عير مطمئنة نتائجها . ولكن الشوق الى الوطن اكبر من حزن زوجته ودموعها، وحالات الحرجة بعدم انتظار عودة اطفاله من المدرسة، خشية ان يضعف امامهم ويبطل عن الرحيل . ومع اعتراض زوجته ودموعها الباكية، يصر على الذهاب الى الوطن مهما كانت العواقب .

3 - قصة قص الشريط: قرر الرئيس ان يفتح داراً جديدة للامتاع والمؤانسة، وهي الدور التي تطلق لدور التعذيب الوحشي لدائرة المخابرات والامن ضد المعارضين السياسيين، يوزعون على اقسام هذه الدور الجهنمية في الرعب والفزع في اساليب التعذيب والبطش بالسجناء السياسيين، فهناك دور مخصصة في وضع السجناء المعارضين في الحوامض التيزاب لذابتهم . وهناك دور لقلع العيون والاعضاء الجنسية وقلع الاظافر، وهناك دور تستخدم الكهرباء في تعذيب الجسد . وهناك دور تمارس البطش الوحشي لابناء السجناء حتى يعترفوا الاباء ويسقطوا . هذه بركات الحكم الدكتاتوري .

4 - قصة يوم الكلب: دخل كلب ضخم على الجدة وهي عارية في غرفتها تتهيء الى الاستحمام في الماء الساخن . وهي تخاف من رؤية الكلاب والقطط . فقد افزعها بالرعب، ومن ارتباكها سقط الماء الساخن، ومن خوفها حملت سيف حديدي، وبدات تتصايح بهلع وخوف، تجمهر حولها عائلتها والجيران وغطوا جسمها العاري بالبطانية، ولكن المصيبة الكلب حشر نفسه في زوية ولم يستسلم لصيحات والتهديدات، فأقترح احدهم في اعطائه شرائح اللحوم . وبالفعل جلبوا شرائح اللحوم فلم يقترب الكلب اليها، ادعوا بأنها مجمدة والكلب يريد لحوم طازجة وبالفعل جلبوا اللحوم الطازجة لكن دون فائدة، فأستعانوا بتاجر المخدرات والحشيشة وكان شاباً مفتول العضلات فأقترب من الكلب واخرجه خارج الغرفة، في استسلام دون ممانعة .

5 - قصة المخطوفة: استدرجت عصابة خطف الاطفال، طفلة صغيرة في خداعها بالحلوى ولعب الاطفال، ولكن من اجل تبديل اعضاء جسمها بجسم الصبي المريض، الراقد على سرير المرض في المستشفى . فسلموا الطفلة الى الطبيب ليقوم بالفحوص والتحليلات اللازمة قبل عملية تغيير الاعضاء . وسلموا المال الى المختطف، واستعدوا الى اجرى العملية الجراحية، شعرت الطفلة الصغيرة بالخوف والمكيدة التي وقعت فيها، واستعدت للهروب، وسنحت لها الفرصة في التغافل . واندست بين الناس المراجعين في ازدحامهم الشديد على المستشفى ووصلت الى الشاع والخوف يأكل قلبها .

6 - قصة وحمدت الله لاني فقير: تشير الى مضامين الجشع الذي لم يتوقف في الاستحواذ غير المشروع . وهي تحكي بأن فقير جائع رث الملابس يعزف على الربابة بصوته الشجي، فرق لحاله صاحب الدكان واجلسه على دكة الدكان وراح يعزف ويغني على الربابة . ولكن غنائه يتجه الى صوب اخر الى التنبوء والحدس الى صعود اسعار البضائع او نزولها في الاسواق . وكل تنبواءته كانت صحيحة ومضبوطة يسير عليها صاحب الدكان، فحين يعلن بصعود اسعار الفصولياء والعدس بأنها سيرتفع ثمنها، تشحن الهمة بصاحب الدكان ويبيع بما يملك، حتى باع اثاث بيته ليشتري الفصولياء والعدس، وحين اختفت من الاسواق، عرضها في السوق وربح بها ربحاً مضافاً عدة مرات . وحين تنبأ بصعود اسعار السكائر، هب بما يملك ليخزن صناديق السكائر، وبالفعل حين ختفت في الاسواق، عرضها للبيع ليربح بها ربحاً كبيراً . وكذلك الحال للسكر وغيره من البضائع، حتى اصبح اغنى الاغنياء، واشترى افخم السيارات والفلل وتزوج مرة ثانية وثالثة حتى اصبح امبراطور المال . ولكن في احدى الليالي داهمه حلم مرعب، بأن صاحب الربابة يحمل مسدس لقتله، اذا لم يسجل كل امواله وعقاراته بأسمه، وقبل بالعرض حتى لا يموت، لكن صاحب الربابة طلق عليه الرصاص الغزير، ليفز من النوم مرعوباً من الكابوس . لكن وجد نفسه ذلك الفقير الحال، فقد كان حلماً مرعباً في كابوسه .

7 - قصة بستان العاشقين: جلست أمرأة شابة في العمر الخامسة والعشرين تغطي ملامح وجهها الحزن والالم، وقد سمعت حكايات عن هذا المقهى المشبوه السيء السمعة، في اختلاط النساء والرجال بموعد فيه، كأنه بستان العشاق يلتقون فيه، ومن ضمنهم زوجها وهي تشك بأنه لديه عشيقة يتواجدون في هذا المقهى، فطلبت الشاي وحاولت استدراج النادل، ان تستفسر هل زوجها من رواد المقهى، بعدما اعطت اوصافه، حاول النادل بتفادي الحرج بحرف الموضوع، لكنها اصرت بالجواب، واخرجت من محفظتها الجلدية، قنينة دواء مليئة بالحبوب السامة، وهي توجه كلامها الى النادل، بأنها لا يمكن ان تتصور وتتخيل بأن أمرأة تخطف زوجها منها، وهي تحبه حباً شديداً، عرف النادل بأنها مقبلة على الانتحار بلا محالة، فأخترع قصة وهمية، فأخذ النادل قنينة السم وقال هذا الدواء بعينه دمر حياتي الى الجحيم ("نعم.. نعم.. إنه ذات الدواء، الذي ابتلعت منه كمية كبيرة، بعد ان فشلت في امتحان البكالوريا للمرة الثالثة، وقررت أن أضع حدا لحياتي …") قالت متسائلة: ("يبدو أنه لم يقتلك.. تنهد النادل، ونظر بعينين حزينتين إلى المرأة الشابة: - لو مت في ذلك الوقت لكان ذلك أفضل لي مائة مرة !!.. لقد مزقت هذه الحبوب معدتي، وبقيت تحت رحمة الاطباء، ومشارطهم وخيوطهم يعيدون رتق معدتي، في كل مرة أسقط وأنا بين الموت والحياة، وفي النتيجة النهائية توصلوا إلى منعي عن الأكل طيلة حياتي الباقية .. أتصدقين يا سيدتي إني منذ سنوات مراهقتي أعيش على خمسة ألتار من الحليب يوميا !! " تساءلت المرأة خائفة: "تعيش على الحليب وحده؟ !!") ص104 . فارتجفت بخوف وقلق وخرجت من المقهى ورمت قنينة السم في اقرب مكب للنفايات

 

جمعة عبدالله

 

مادونا عسكرقراءة في نصّ للشّاعر التّونسي يوسف الهمامي

أثمرتني شجرة

في ركن أصفى

من السّماء

..

وضعني الغيم

في يد الفاتحة

يد الفاتحة أفاضتني

..

الأرض مادتْ

عباءة الكون تجلّدَتْ

الرّحم أحاط

- القراءة:

يدور هذا النّصّ في العوالم العلويّة إذ يستهلّ الشّاعر نصّه بعنصرين أساسيّين يوجّهان النّصّ إلى ما قبل الخلق، أو بمعنى أصحّ يكشفان عن تأمّل الشّاعر الشّخصيّ في مصدر وجوده، (شجرة/ السّماء). لذلك ينبغي أن يتنبّه القارئ إلى رمزيّة الشّجرة الرّوحيّة في هذا النّصّ الّتي تتّخذ معنى أعمق وأبعد من الدّلالة اللّفظيّة. فالشّاعر جعل الشّجرة في ركن أصفى من السّماء. وبذلك يكون قد تخطّى دلالة السّماء بالمعنى الكتابيّ المراد به ما بعد الموت، أو الحالة الّتي سيؤول إليها المؤمنين إلى ما هو أصفى من السّماء التّي هي صافية. ولا ريب أنّ الشّاعر أراد بالقول (أصفى من السّماء) قلب الله أو الدّائرة الإلهيّة المطلقة.

ولئن اتّخذت الشّجرة رمزيّة روحيّة، استخدمها الشّاعر بصيغة النّكرة من باب المطلق للإشارة إلى شجرة فريدة متفرّدة Unique لا مثيل لها، أو لا يشبهها شيء في العالم الحسّيّ. ولعلّ استخدام الفعل (أثمر) في صيغة الماضي دلّ على تجدّد الشّاعر نفسه. فكأنّه يشير إلى تجدّد الخلق وتجدّد ذاته الحاضرة في قلب الله.

(أثمرتني شجرة/ في ركن أصفى من السّماء) حالة خارجة عن الزّمان والمكان، حاضرة قبل الوجود، لكنّها حاضرة كذلك في ذهن الشّاعر وفي عمقه الإنسانيّ. وكأنّي بالفعل (أثمر) يستعيد ذهنيّاً وروحيّاً هذه الحالة المتمدّدة في الوجود بأسره. فوجوده وكينونته امتداد لهذه الشّجرة الّتي أثمرته وما زالت تثمره في ركن أصفى من السّماء. 

الشّجرة تخرج من الأرض، لكنّ شجرة الشّاعر في ركن أصفى من السّماء، فهي خارجة من ذلك الرّكن الأصفى إن جاز التّعبير، وبالتّالي فالشّاعر خارج من الشّجرة كما هي خارجة من السّماء. وإذ اعتمد الشّاعر الفعل (أثمر) فللدّلالة على انبثاق كانبثاق النّور من النّور الأعظم. فيحيلنا إلى الآية 35 في سورة النّور "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لّا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ". وفي هذه الآية السّماويّة النّورانيّة يتجلّى فعل النّور الإلهيّ وتفاعله مع المنجذب إلى هذا النّور، الإنسان. فالله يوقد من شجرة مباركة زيتونة يكاد زيتها يضيء. وما الزّيتونة إلّا بعد من أبعاد النّور الإلهيّ الّتي يكاد يضيئ زيتها وذلك بحكم المتفاعل مع هذا النّور. فبقدر ما يتفاعل الإنسان مع النّور يقترب ويبصر. وما الشّجرة المباركة إلّا عنصر من عناصر النّور الإلهيّ. ولعلّ الشّاعر في قوله (أثمرتني شجرة في ركن أصفى من الصّفاء) أراد أن يشير بشكل أو بآخر إلى عنصر النّور الّذي أثمره، أو أوجده. وقد يمكننا القول إنّ الشّاعر يدرك بدرجة ما في عمق ذاته بعضاً من تجليّات النّور الّذي يملأ الوجود. فالله نور السّماوات والأرض متغلغل في الوجود وما بعده، وتلمّس نوره فيض يتجلّى في نفس الإنسان، كلّ بحسب قدرته.

عنصران آخران في القسم الثّاني من النّصّ يحدّدان أكثر عمق المعنى السّماويّ للنّصّ (الغيم/ الفاتحة). في غالب الظّنّ يرمز الغيم إلى الحضور الإلهيّ الّذي تقف أمام نوره نفس الشّاعر. والفاتحة الّتي كنيت بأمّ الكتاب والرّكن الأعظم من أركان الصّلاة أفاضت الشّاعر. وما هذا المعنى إلّا بعد إيمانيّ  اختباريّ خاصّ وحميميّ لدى الشّاعر يعبّر عن تلمّس حقيقة ما تعيد تفسير الخلق في فكر الشّاعر وروحه انطلاقاً من تأمّل فلسفيّ وإيمانيّ على حدّ سواء. ما أغرق الشّاعر في عمق النّور الإلهيّ المشار إليه في القسم الأخير من النّصّ (الرّحم أحاط)

الأرض مادتْ

عباءة الكون تجلّدَتْ

الرّحم أحاط

الأرض التّي يتحدّث عنها الشّاعر أرض جديدة، أو سماويّة، لا علاقة لها بالعالم الأرضيّ. ولبس الكون عباءة الحضور الإلهيّ النّور. الأرض أرض الله والكون كونه، وما الرّحم الّذي أحاط الشّاعر وكونه إلّا هذا الحضور النّور الّذي يجذب إليه الله من يشاء.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

محمدـحسينـ الداغستانيتوق التغيير في مجابهة تحديات المكان

يشكل هاجس الاغتراب دافعاً مهماً للتغيير لدى شعراء العرب قديماً وحديثا ً، فالواقع المشحون  بالإحباط والفساد والإقصاء وما يجري حول الشاعر من أحداث يعمّق فيه الاحساس بالغربة والقلق وكان ولا يزال يحثه الى التطلع للبديل المثالي الذي يوفر له البيئة الضامنة للتعبير عن معاناته وبحثه المشروع عن الامان والسكينة .

وفي الغور في إنثاليات الإرث الشعري الحافل بمعطيات الحزن والعزلة والوحشة وبالمعاناة والرغبة العارمة في التغيير بل وفي كثير من الأحيان لتلبية حاجة نفسية تمور في اللاوعي، كانت تجليات ثيمة الرحيل بوصفها قيمة إنسانية تتبلور في الكثير من نماذج شعر المتنبي و مالك بن الريب التميمي وابن زريق البغدادي والبحتري والبارودي وفي اندلسيات احمد شوقي. وصولا الى بدر شاكر السياب و أدونيس والعشرات غيرهم الذين كانت قصائدهم تعزز هذه الرؤية 

ونتيجة الكوارث و المحن والويلات التي تعصف بإنساننا، فقد شكل الاغتراب في الشعرالعراقي المعاصر ولدى شعراء كركوك أيضاً والشباب منهم على وجه التحديد محطة فارقة في نتاجهم الشعري الذي ضجّ بالرغبة في الانعتاق من استبداد المكان وبؤسه وآلامه، ولم يكن الشاعر هشام القيسي استثناءً من هذا التوصيف فتوق السفر نحو المجهول بحثاً عن الخلاص بات سمة بارزة تبصم نصوص مجموعته الشعرية الموسومة ( ثمة ما يجري دائماً):

أوقات دائمة التنقل

تدعوني الى العزف

كي يهطل الضوء

وفي مهد السفر

أحدق في المرآة

من أجل ليلة تشهد نفسها

بوثيقة الشعر

هناك أطل على أقاصي الحكمة

هناك أستيقظ ثانية، وأغني !

ولا شك أن الإنتقال المادي الفردي من المكان بمعناه التقليدي والمألوف لم يكن مبعث هذه التداعيات في تركيبة البناء الشعري للمجموعة، وإنما شكل حافزاً معنوياً حاداَ لمغادرة السكون والبحث عن السعادة المفقودة لكل من في حوله، لهذا فإن متواليات مفردات اللغة عززت هي الاخرى شحن الفكرة، فكان (الآخر) الذي إستعان الشاعر بأسماء الإشارة للتدليل على حضوره في سويداء الحدث، فمثلما سبق له ووظف (هناك) للتأكيد على المكان / الحلم فإنه يكررإستخدام (هذا) لتصعيد وتيرة الفعل بتناسق مبهر للفظ بقصد إضفاء إيقاع شعري يكون بديلاً عن القافية والوزن في مسعى لتعميق تجربته والتأثير في المتلقي بأسلوب يتجاوز تحدي المكان الى حيث الاسفار الطويلة:

أصعد في هذا المكان

أهبط في هذا المكان

تحت كل أسطوانة

جذور في طريقها

إلى كلمة مفتوحة

والى شرارة

طيلة الوقت

والى أسفار طويلة . 

ويبدو واضحاً إسراف الشاعر بوعي في المضي بإستنباط أسلوب التكرار، فهو يعمل على تطويع إسم الإشارة (هذا) مرة تلو الأخرى في خلق نمط غنائي يؤلف بين علاقاته عن طريق التكرار مع النسق الصوتي النابع عن فضاءات إسلوبه اللغوي المباشر والمضي قدماً لمغادرة تجربة مرارة المكان والزمان معاً، ليتفاعل مع دفقه الإنساني ورغبته الدفينة في رؤوية الصباح لكن بعد أن تغسل الايام محنة الفراق الموجوع:

هذا الشاعر لا يتوقف عن الحديث ..

هذه الكؤوس لا تنس المدينة ..

وهذا البستان لا تختفي أوراقه ..

وعندما تغسل الأيام فراقها

يتذكر الصباح ينابيعه

وبلغة شعرية طرية مترعة بالنداوة يؤدي الخيال الابتكاري لدى القيسي إضافة نوعية لتشكيل الرؤية المستقبلية في تطلعاته، فالبناء الشعري الذي أسسه بمفرادته منح البيئة السايكولوجية لإصرار فارسه على نيل فرصة السفر الى مدن جديدة بُعداً آسراً تنبض بالفرح، وهي معادلة منصفة ذلك لأن الأسفارالموحية بالإنجاز تستحق من الشاعر أن يقايضها بما تبقى من العمر:

انت الآن تكتب أسفار المدن الجديدة

وأنت الفرح الذي يجدد بناء البيت

أغنياتي إليك

وفي موجك

أمنحك أنفاسي الأخيرة . 

ويتناغم هاجس السفر والبعد الروحي مع الصورة الشعرية التي يرسمها القيسي بكلماته الموحية، ويتشظى المعنى على أديم النص لخلق الدلالة النفسية في القارئ وهي إحدى مكونات النص الاساسية في نصوص مجموعته، فيغدو التشبيه في (تدمع الجهات..) ترجمة لما يقوله الجاحظ على وصفه للشعر (بأنه فن تصويري يقوم جانب كبير من جماله على الصورة الشعرية وحسن التعبير) فالصورة فجرت الطاقة الفنية للمفردة وزاد في اندفاعاتها الدلالية:

في كل مساء

فيما تدمع الجهات

وحيثما تشهر قلقاً

يقدم الأحياء

تذاكر المحطات البعيدة !

وفي مسعاه لإضفاء الغموض على بعض مضامين نصوصه والذي هو من أبرز سمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر، فقد أثار القيسي صوراً وعناصر متنافرة لا رابط لها في الواقع ودون أي توضيح ليلهب بذلك خيال القارئ تاركاً له المجال واسعاً للتحليق في المعاني بعد أن حقن الصور التي ابتدعها بطاقة لغوية أعانته على التعبيرعن مقاصده المبهمة في غربته ورحلته الطويلة وبشكل يخالف الصيغ المألوفة والتقليدية للقصيدة، لذلك فإنه عمل على تفكيك الألفاظ والتراكيب من مدلولاتها وأعطاها معان ٍجديدة للتفسير والتحليل:

إنه إبتداءٌ ... إنه رغبة

إنه وصول الى رحلة هاوية

يدخن في كل الساعات المتأخرة !

 

ولا يكتف القيسي بالتدخين في ساعات الليل المتأخرة مخترقاً ضباب وحدة الروح وغربتها فهو حريص أيضاً على الإطلالة من خلال النوافذ البعيدة، يدعو الغربة تنهل من نبع مبارك وهدنة مع المسافات الممتدة على مدى البصر لكن اليأس ينتابه من ومضة ٍ لقادم يجيد الصمت ويتآلف مع العتمة ..

كلم الأيام الى النوافذ البعيدة

ودع السفر الطويل يبارك البئر

فلم يعد حكم الهمس

يومض في الطرقات .

هكذا إذاً يدرك القيسي إن الرحيل الى المجهول له وجهه الآخر فيمضي في سعيه المحموم بلغته الغامضة ليطرح الواقع الاليم الذي يطفح بالاحساس بالقلق والإختناق إلا أن المعضلة تكمن في النهار الذي يشبث بالموجودات من حوله والذي لا يمضي باليسر المرتقب:

مرة أخرى

ليس الهواء أبداً

لم يعد يصلح الآن للإقامة

إنه لا يغادر ظله

حتى يسعل النهار

آخر مديحه !

إن الإحساس بوطئة التفرد والانقطاع عما يجري خارج الذات من مرارة وبؤس وخلل إجتماعي بيّن، يحث الشاعر على الرفض وإعلاء صوته وإعلان مشاركته الوجدانية والنفسية مع من يعاني من الحنين فينغمس في شواهد إستدعاءاته ويلوذ برمزية عناصر الطبيعة لكي يجسد طموحه الدؤوب نحو حل معضلة إغترابه الروحي وتجفيف وطأته:

وها أنا الباقي

أرفع صوتي شموعاَ

تطلع منها علاماتي

وتطلع مائدة بين المحطات

ترسل أشجان الكأس

إلى من يشكو الحنين

والى حلم.. والى أغنيات

لم أزل، أيتها الحديقة الفواحة

لا يلزمني غير غيمة وأمل.

لقد بدا واضحاً أن الشاعر تصدى لمعاناة الإنسان في مجتمعه وهو يجابه تحديات الواقع وأزمة الهوية وما يجري من حوله دائماً، وأدرك تماماً أن عليه إنتهاج فعل إرادي لتحقيق الحلم الآسر والتوق الى غدٍ يمور بالأمل وغيمة تبشر بيُمن وفير .

 

محمد حسين الداغستاني - كركوك

 

فالح الحجيةلم يسر الامويون على السياسة التي انتهجها الاسلام في القران الكريم (ان اكرمكم عند الله اتقاكم) وما سار الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم او الخلفاء الراشدون من بعده في تسيير دفة الحكم وامور الدولة .

فقد انتهجت الدولة الاموية سياسة التعريب وتفضيل العنصر العربي على غيره من اتباع الدولة الاسلامية التي اصبح في داخلها ومن رعاياها الفارسي والرومي والهندي والافريقي والاوربي والتركي ومن كل العناصر الانسانية الاخرى فكانوا يسمون غير العرب (الموالي) ويعتمدون العنصر العربي في كل مفاصل الدولة ويفضلونهم على غيرهم من الاقوام أي ان الدولة الاموية دولة قومية عربية فيقدمونهم على الموالي الذين ينظرون اليهم نظرة فيها نوع من ريبة وخشية ومذلة ولا يستخدموهم في شؤون الدولة الا النزر القليل منهم والذي لا يجدون عنه بديلا عربيا . لذا عزف الموالي عن وظائف الدولة وتحولوا للعمل في الحرف و الصناعا ت البسيطة كل بمعرفته لتلك الحرف التي كان يأنف منها العربي او يستهجنها ويعتبر العمل فيها عيبا .

ومن المعلوم انه نبغ في العصر الاموي او قال الشعر فيه عدد من الشعراء كثير . فقد ذكر ان عدد شعراء هذا العصر او من قال الشعر فيه قد تجاوز عددهم مائتي وخمسين شاعرا منهم المخضرمون الذين عاشوا في عصر صدر الاسلام والعصر الاموي وقالوا الشعر في كل منهما . وقد انتقيت في هذا الكتاب كما في العصر الجاهلي والاسلامي كوكبة من الشعراء فترجمت لحياتهم وقد شمل هذا الاختيار كل مناحي الحياة في هذا العصر وكذلك كل الفنون الشعرية وجئت بالافضل والاسمى في الاختيار فيما يخص الاشخاص والقصائد المقالة والاغراض الشعرية وانواعها .

وقد ادى هذا التصرف الخلافي الى ظهور التباغض والتناحر والكراهية بين العرب وبين العناصر الاخرى من المسلمين الاعاجم وخاصة الفرس , وقد ظهر هذا جليا في الشعر اذ ظهر شعراء من الموالي تعصبوا لقومياتهم وافتخروا بها ثم كانوا وبالا على العربية ومستقبلها كالشاعر الفارسي اسماعيل بن سيار الذي راح يفتخر بالفرس ويفضلهم على العرب .

وعلى العموم اتسعت افاق الشعر في كل مدارج الحياة في هذا العصر بعد ركودها في عصر صدر الاسلام الاول ويمكن ان نقول ان الشعر في العصر الاموي كان في بداية ثورته وبداية شدة غليانه .

وكان من الطبيعي ان تتوسع وتزداد الفنون الشعرية في هذا العصر بعد الانكماش الذي لحقها في العصر الذي قبله فقد طرق الشعراء في هذا العصر ابوابا فنية كثيرة في الشعر منها ما كانت موجودة في الجاهلية والاسلام فوسعوها واكثروا فيها . ومنها ما هو محدث وجديد ابتكروه تبعا لظروف الحياة وسعتها ومتطلباتها ومنها ما كان له اثر في الجاهلية و الاسلام فا ضا فوا فيه حتى جعلوه غرضا مستقلا قائما بذاته فمن الفنون التي اتسعت في هذا العصر:

الفخر والمدح : فقد توسعت فنون شعر الفخر في هذا العصر كثيرا لوجود التحزب واشتداد المنافسة بين الاحزاب من جهة وبين التعصب القبلي من جهة اخرى ايضا فتفاخر الشعراء كل بقبيلته او حزبه او مذهبه كما تفاخروا في الشجاعة والكرم وكثرة الاموال والاولاد ويتميز الفخر هذه المرة بطابعه الاجتماعي الجماعي وسلوكه جماعية الفخر وابتعاده عن الفردية ومن اشهر شعراء الفخر :

 

جرير والفرزدق والاخطل وقيس الرقيات ومن شعر الاخير هذه الابيات: 

خلق من بني كنانة حولي

بفلسطين يسرعون الركوبا

 

من رجال تفنى الرجال وخيل

رجم بالقنا تسد ا لغيوبا

 

وان قوم الفتى هم الكنز في

دنياه والحال تسرع التقليبا

 

اما في المدح فقد بالغ الشعراء متأثرين بالتيارات السياسية والتحزب و التعصب القبلي او الطمع والتكسب في الشعر لدى بعض الشعراء وخاصة شعراء خاصة الخلفاء وامراء الولايات الجديدة. 

والمديح اما حزبيا فيعبر عن رأي و عاطفة الشاعر بصدق اتجاه ما يحمل من افكار ومفاهيم او قبليا مدافعة عن عصبيته وقبيلته وفي كل تنبع العاطفة فيه صادقة تعبر عما يجيش في نفس الشاعر اتجاه الممدوح او من احب ومن ذلك قول الشاعر الكميت الاسدي في

مدح بني هاشم يقول:

بني هاشم رهط النبي فانني

بهم ولهم ارضى مرارا واغضب

 

فمالي الا ال احمد شيعة

ومالي الا مذهب الحق مذهب

وربما كان المدح عن طمع وتكسب فيكون الكذب والمخاتلة الشعرية واضحة فيه وغير معبر عن عاطفة صادقة خالصة ويكون التكلف ظاهرا فيه ومنه قول الفرزدق البصري مادحا الخليفة عبد الملك بن مروان:

ارى الثقلين الجن والانس اصبحا

يمدان اعناقا اليك تقرب

 

وما منهما الا يرجى كرامة

بكفيك او يخشى العقاب فيهرب

 

وما دون كفيك انتهاء لراغب

ولا لمناه من ورائك مذهب

اما الهجاء فهو ايضا فن توسع كثيرا في هذا العصر وقد تشعب عدة شعب او فنون ترفد كل فن روافد اخرى فكان الهجاء السياسي والهجاء المذهبي و الهجاء الفرقي الطائفي والهجاء التعصبي القبلي ومن الهجاء قول الاخطل التغلبي النصراني في هجاء الانصار:

ذهبت قريش بالمكارم والعلى

واللؤم تحت عمائم الانصار

 

فذروا المعالي لستموا من اهلها

وخذوا مساحيكم بني النجار

ومنه الصراع القبلي الذي ادى الى انقسام العرب الى يمانية وعدنانية وفيه يقول الشاعر الطرماح بن الحكيم في هجاء قبائل تميم:

تميم بطرق اللؤم اهدى من القطا

ولو سلكت سبل المكارم ضلت

 

ولو ان برغوثا على ظهر نملة

يكر على صفي تميم لولت

ومنه الهجاء الفردي الذي يظهر فيه العداء الشخصي للشاعر او المنافسة بينهم وقد ظهر لدى فحول الشعراء مثل الفرزدق وجرير و الاخطل ويتميز بتجاوزه حدود الهجاء التي كانت معروفة من قبل وربما تجاوز الاداب الاجتماعية التي كانت سائدة حيث يهجو الشاعر غريمه باقذع الكلمات واخسها مما لم تألفه العرب من ذي قبل وبذلك ظهر فن جديد سمي (النقائض) . من ذلك هجاء جرير للفرزدق:

خلق الفرزدق سوءة في مالك

ولخلف ضبة كان شر غلام

 

مهلا فرزدق ان قومك فيهموا

خورالقلوب وخفة الاحلام

 

كان العنان على ابيك محرما

والكير كان عليه غير حرام

 

مازلت تسعى في خيالك سادرا

حتى التبست بعرتي وعرامي

 

واما الرثاء بقي على ما هو عليه في الجاهلية والاسلام غير موسع الا انه ظهر فيه فن يكاد يكون جديدا هو رثاء الخلفاء والامراء والقادة واؤلي الشأن ولم يكن صادق العاطفة بل في اكثر الاحيان كان تقليدا طمعا في التكسب والمال الا ان بعضه ذو عاطفة صادقة فياضة ,عندما يكون المرثي ذا علاقة بالشاعر كالقرابة والصداقة فتشعر بحراة نفسه المتاثرة او المحزونة على فقد المرثي .

ومن اشهر شعراء الرثاء: الاخطل وجرير وليلى الاخيلية التي تقول في رثاء حبيبها المتوفي:

لعمرك ما الموت عار على الفتى

اذا لم تصبه في الحياة المعاير

 

وما احد حي وان عاش سالما

باخلد ممن غيبته المقابر 

والوصف رغم حدوث تطور كبير في كل مجالات الحياة فقد ظل الشاعر الاموي يصف ما وصفه شعراء الجاهلية مثل وصف الناقة والضعن والاطلال ومجالس الخمر ولم يأتوا بجديد الا انه وجدت ومضات وصفية جميلة لدى بعض الشعراء ومن الشعراء الذين اشتهروا بالوصف: ذو الرمة والاخطل يقول الاخطل في وصف الخمرة:

فصبوا عقارا في اناء كأنها

اذا لمحوها جذوة تتآكل

 

تدب د بيبا في العظام كانه

دبيب نمال من نقى يتهيل

ووجدت اغراض او فنون مبتكرة او لها اثر جاهلي فتوسع الشعراء فيها بحيث ا صبحت ا غراضا جديد ة منها الغزل .

يتبـــــــــع

 

امير البيــــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلـــــد روز

 

نجيب طلالمُنعرج التحْريم: لنحَوِّل منعَرج السياق ونتساءل من أين جاءت فكرة تكفير المسرحي الجزائري كاتب ياسين؟ نعم بسبب مسرحية «محمد خذ حقيبتك» حينما استنهضت همَّة بعض الإسلاميين المتطرّفون بتنظيم حملة شرسة ضدّه وضد حريات الإبداع . بحيث: ظهر اسم عبد اللطيف سلطاني (1902- 1984) وكان من المنتسبين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، ذا نزعة سلفية . ومن المتأثرين بسيد قطب(....). كرّس خطبه وكتاباته، في «الطعن» في النتاج الأدبي في البلد. واتخذ من كاتب ياسين (1929- 1989)، الذي كان يعتبر أيقونة الأدب الجزائري آنذاك خصماً له ، راح يوجه له انتقادات شخصية ، ويقلل من قيمته الأدبية، من منطلق أن كتاباته لا تلتزم بمناهج الإسلام...(14) إذ عملية التأويل والتحوير (العنوان) وتوظيفيه كمنطلق معادي للدين وحجية دامغة؛ ليتمَّ استغلال حملات التكفير ضد الإبداع . مادام التيار الديني رسَّخ مسألة التحريم في ذهنية الغوغائيين والرعاع ... بحكم سلطة الفقيه التي تمارس الحرب المقدسة التي تظل ممتدة حتى بعد وفاة من تم [ تكفيره] بمعنى: فبعيد إعلان وفاة كاتب ياسين، سارع الشيخ محمد الغزالي (1917- 1996) الذي كان آنذاك يشغل منصب رئيس المجلس العلمي في الجامعة الإسلامية بقسنطينة، إلى كتابة مقال، صدر في مجلة «الإرشاد» يقول فيه أن «كاتب ياسين لا يستحق أن يُدفن في أرض الجزائر، وروايته «محمد خذ حقيبتك» كانت تدعو إلى التخلص من الإسلام، وطرد المسلمين من الجزائر إلى الجزيرة العربية» مع العلم أن «محمد خذ حقيبتك» هي مسرحية، ليست رواية، ولم تنشر قط في كتاب، ما يؤكد أن الشيخ الغزالي كان يقود حملة تكفير ضد كاتب ياسين ومن ورائه كتاب آخرون بدون أن يقرأ له (15) وبالتالي فبحكم الوضع الجغرافي لصاحب [ إقامة الدليل] موطنا (طنجة) أو تحصيلا للعلم (الأزهري) إقامة (مصر) فله أيادي في ذلك؛ لأنه: اشتهر بذلك بين علماء مصر بسبب مؤلفاته التي طبعها؛ فجعل العديد من العلماء يسألونه عن صحة أحاديث عديدة؛ وألقى عدة دروس حديثية ....وأخذ يعلن أفكاره وهي ترك التقليد الأعمى وإتباع المذاهب...لذلك فقد ألف العديد من مؤلفاته في الرد على فقهاء المغرب الذين عارضوه في أفكاره هذه ورأوا فيها هَدما للمذهب المالكي (16) وبناء عليه نجد شهادة هي في الأصل رد على مؤلفاته و(إقامة الدليل) ليس خارج السياق بالقول:...لكي لا يغتر به مغتر ولا ينخدع به منخدع .... فإلى أذناب خافض...المحترقين بالتعصب له أهدي هذا الكتاب آملا أن يكون سببا في زوال تلك الغشاوة الغمارية التي حجبت أبصارهم وصموا؛ فيعودوا من غيهم ويؤوبوا من تعصبهم وغلوهم في شيْخِهم (17) فهذا الرد / شهادة. كاشف لمدى حضوره في المشهد العام. ويذكي انوجاد معارضين له ومناصريه. حتى أن أحد العلماء من العائلة - الصديقية – [أخوه الأصغر] يهاجم فرقة محمد حداد(طنجة / المنطقة الدولية) أنذاك على خلفية عرضها لمسرحية (أهل الكهف) سنة 1925: هناك رهط في طنجة - رهط تعطلوا من جميع الأعمال وتعلقوا بفارغ الآمال، ضعاف العقول، سفهاء الأحلام (...) فكر أولئك الرهط أن يقوموا برواية تمثيلية تدل على رقيهم وتقدمهم؛ ونسوا أنه ليس أدل على الرقي والتقدم من سمو الأخلاق وحصافة الرأي..... ومَا دَروا أن إتقان اللعِب والغناء على خشبة المسرح إن دل على شيء فإنما يدل على أن اللاعب على المسرح خلع الحياء والوقار؛ قبل أن يقف ذلك الموقف الشائن، وأنه خلع مع حيائه ووقاره؛ إيمانه الذي به عزته وشرفه....(18) وهنا لنتذكر جيدا أن العلماء والفقهاء كانوا في المرتبة الثانية بعْد – المخزن- مما كان لهم نفوذ قوي وسلطة على العامة وكذا الخاصة من القوم؛ لأنهم كانوا يتكلمون باسم الدين ويعبرون عن مشاعر عامة الناس وكم من فتاوي غيرت مجرى تفكير العامة وأثرت بشكل كبير في تغيير وتحويل رؤية المجتمع عكس ما كان يراه. هنا لا ننسى بأن محمد الزمزمي بن الصديق الغماري فقيه وداعية؛ فكان له أتباع كثيرون بطنجة وغيرها حينما أسس جماعة " أنصار السنة" وبالتالي فذهنية التحريم أساسا هي منهجية . ليست ضد المسرح وحْده؛ بل ضد كل أنواع الفنون الأدائية والإبداعية. متحاملة عليها ومتشددة الغلو نحوها حتى أنها تنتهج هذه الذهنية واقعية الإرهاب الفكري مع المخالف؛ وهنا فأغلبية المسرحيين العرب لم ينتبهوا لوجود كتاب آخر بعد إقامة الدليل في حرمة التمثيل عنوانه [التنكيل أو التقتيل لمن أباح التمثيل ] (19) فالعنوان في حد ذاته يحمل فتوى تشرعِن الإرهاب: إما التنكيل (أو) القتل؟ تقابله فتوى أخرى غريبة جدا: فالحكم في هؤلاء أن يضربوا على قذالهم بالنعال، ويصفوا على أقفيتهم بأكف الرجال، ولا تأخذ أحد بهم رأفة ولا رحمة، حتى يكونوا نكالا لمن على شاكلتهم وموعظة للمتقين (20) وهذا في حد ذاته يكشف عن الهجمة الشرسة التي انتهجها السلفيون أو القوى الظلامية ضد المسرح وممارسوه بحيث: تواصل قوى الظلام جهادها ضد العقل والمدافعين عنه؛ فتحرق الكتب وتعْدم كل من كتب كتابا لا يعجبها؛ تبيح دَمَ كل مثقف عرف المسؤولية؛ تاركة الجهل يأخذ مداه الكامل(.....) لأن القوى الظلامية تنصب ذاتها وكيلا عن الله، وتستثمر هذا التنصيب إلى حدوده العليا؛ فتدمر العقل والثقافة والإنسان.إنها لا تدافع عن الله والتعاليم السماوية ، بل تستثمر الله في بنوك الجهل من أجل الدفاع عن مواقعها الخاصة . وعن المصالح الإجتماعية التي ترى في استمرار الوهم والتفكك العقلي أساسا لبقائها (21) وبهذا المعنى يستخلص - محمد أركون - بالقول بأن ذهنية التحريم وظيفتها سياسية . هنا يثار سؤال حول تحريم التمثيل الذي جاهد في حقة ابن الصديق وأخويه وعديد من العلماء والفقهاء والشيوخ هل مصدره ديني أم سياسي بالأساس؟

ذهنِية التحْريم:

بداهة فمسألة التحريم / التكفير لا تقتصر على المسرح وحْده وفي حد ذاته؛ بل سعينا أن نحصره فيه (فقط) لأسباب منهجية ورؤيوية في نفس الوقت ، لأنه يعتبر من أهم الوسائل المباشرة بالجماهيروأخطرها في نشر أي فكرة أو رسالة أو مفهوم كيفما كان نوعه ولونه.

وتأسيا على ذلك؛ فالتحريم كمفهوم عام شمل كل الفنون وكذا الفكر الخلاق والمبدع؛ وهو ليس جديدا ولا قديما؛ ولكنه موغل في القدم قبل بروز الدين كظاهرة اجتماعية؛ وخاصة ديانات الوحي ، التي أعطت نكهة خاصة للدين كمعطى للتوحيد. وبالتالي فالتحريم بشكل أو آخركان في العهد الوثني . مثل قضية – سقراط – التي هي نار على علم في رحاب الفكر الفلسفي والمسرحي والسياسي. والذي اتهمه – أنيتوس- بإفساد أخلاق وعقلية ابنه؛ فكانت مدخلا للقضاء عليه؛ نتيجة العداوة التي نشأت بينه وبين السياسيين وحكام اليونان وقتئذ. مما كان صك اتهامه في سنة (339، ق، م) "إن سقراط مذنب عام لأنه لا يعترف بالآلهة التي تعترف بها الدولة، بل يدخل فيها كائنات شيطانية" "وأنه مذنب كذلك لأنه أفسد الشباب" وإن كانت الإثباتات التاريخية؛ تذكي بأن سقراط لم يكتب شيئا، بينما كل ما كتبه أفلاطون نسبه إلى سقراط في المحاورات. أومثل محاكمة - بروتاغوراس- بالإعْدام، بعدما اتهم بالإلحاد؛ حينما أشار في كتابه (الحقيقة) بأن: الإنسان مقياس كل الأشياء جميعا. وزكاها في محاورته مع أفلاطون. لكنه هرب من أثينا . أليس طرد الشعراء / المسرحيين من المدينة الفاضلة؛ باعتبارهم خصوم وأعداء لمشروع الجمهورية. ينم عن روح التحريم الضمني المبطن سياسيا في الفكر الأفلاطوني؟ اتهم الفيلسوف – أنكساغوراس – بالإلحاد؛ في القرن (5/ قبل الميلاد) حينما أنكر الطبيعة الألوهية للأجرام السماوية . وفي هذا السياق: ففي القرن السابع عشر أعلن جليلو انحيازه لنظرية كوبرنيكس.. فاتهم جاليليو بالخروج عن الدين لانحيازه لنظرية منافية للكتاب المقدس وحوكم من قبل محاكم التفتيش؛ أو بالأدق من قبل ملآك الحقيقة المطلقة (22) فالحقيقة المطلقة غير منوجدة أساسا؛ بناء على النسبية . لكن الذي يعارضها أو بالأحرى يعارض المصالح المطلقة الكامنة في - الدِّين- ويجادلها أو يؤجج القوم من خلال كشف حقائق معينة . تشهر في وجهه قضية التكفير/التحريم /الهرطقة / ونحن أمام تحريم شبيه بالذي حصل في القرن الرابع، بعد اعتناق الإمبراطورية الرومانية للمسيحية، عندما أقدم آباء الكنيسة على إدانة [المسرح الذي يعجّ بالفحش ويحتفل بآلهة وثنيّين] إدانة أسفرت عن منعه كلّياً. وخاصة: أثناء حكم تيودوس لروما علامة فارقة فى العلاقة الحدية بين الكنيسة والمسرح . وتم تحريم المسرح . وأصدرت الكنائس الغربية ومجامعها دعوات بحرمان الممثلين والممثلات المسيحيين من مزاولة الطقوس الدينية .وطردهم من الكنيسة. وتحالف مع الكنيسة الملوك والأباطرة فى تحريم مهنة التمثيل وظل هذا الوضع حتى القرن السادس(....) إذا كان رجال الدين سبباً رئيسياً فى إقصاء المسرح من اﻟﻤﺠتمع . فإنهم كانوا فيما بعْد أحد أسباب رجوع المسرح مرة أخرى إلى الحياة (23) وذلك بناء على الحاجة الملحة للتعبير عن قضايا وأفكار مستجدة في حياة المسيحيين؛ أعيد اكتشاف المسرح واسترجاعه من جديد كما رأته الكنيسة من منظورها الديني .هنا نجد قوة الكاتدرائيات التي كانت المفسر الوحيد للاهوت؛ الذي يخضع له الجميع بما فيهم الأباطرة والملوك؛ رغم السلطة المطلقة التي كانت لديهم مثل القوطيين الذين كانوا: يستأثرون بمزايا الغلبة والسيادة، وينعمون بإحراز الإقطاعات والضياع الواسعة؛ ومنهم وحدهم والحكام والسادة والأشراف . يليهم طبقة رجال الدين ، حيث كانوا يتمتعون بأعظم قسط من السلطان والنفوذ.... وقد تمتع الأحبار والرهبان بمركز مرموق لدى الحكام . مما جعَل لهم تأثيرا مكنهم من توجيه القوانين والنظم ، وصياغة الحياة العقلية والإجتماعية . وفقا لاتجاه الكنيسة وغاياتها (24) فرغم تعاقب الأزمنة وتعدد الجغرافيات ، تبقى ذهنية التحريم قوة راسخة كمنظوم سياسي للتدين وصانعة الطقوسية الناظمة لعلاقة الانسان بإلهه . انطلاقا من الحقيقة المطلقة. التي لها دور أساس حتى في تغييرأو تعْديل الدين بما يشكله من تأثير على المجتمع يتداخل فيها الزمني بالروحي، دونما إحساس الجماعة بذلك تطبع علاقة الاجتماعي بالديني؛ وهذا كان حتى في العهد الإغريقي/ الروماني. الذي اتخذ كتعلة ومنطلقا للعَديد من الفقهاء المسلمين لتحريم المسرح بقولهم: أن التمثيل تشبُّه بالكفار. وتقليد لهم؛ وذلك أن التمثيل في نشأته عبادة وثنية يونانية . والتشبه بهم حرام لا يجوز(25) ولكن لماذا قفزوا عن القول المأثور: ناقل الكفر ليس بكافر؟ بكل بساطة ليتم ترسيخ التحريم / التكفير/ مطلقا للمسرح بحجية أن نواته من شعائر العبادات الوثنية لدى اليونان والرومان. رغم أن هنالك حقيقة لا مراء فيها أن المسرح خرج من عباءة الدين ومن حضن طقوسه اﻟﻤﺨتلفة وبالتالي:-- يشترك كل من الدين والمسرح فى غاية محددة ، وهى التوجه نحو اﻟﻤﺠتمع ورسم طريق للإنسان للحضور فى العالم. فإذا كان الدين يزود الإنسان بالمعرفة الدينية وما تحملها من أبعاد روحية وأخلاقية لتحقيق اﻟﻤﺠتمع المثالي. فإن المسرح يهتم بالكشف عن الابعاد الإنسانية فى اﻟﻤﺠتمع ومراجعة الأفكارالتى تدور فيه لتحقيق اﻟﻤﺠتمع. لذا فالدين والمسرح لهما هدف واحد هو تحديد مصائر الإنسان وإن اختلفت السبل والوسائل (26) فأمام هاته المقاربة التي تحتاج للكثير من التوضيح لتقديم نقاط التقاطع؛ نكتفي بأن نشير بأن نشأة الدراما الإغريقية مرتبطة بأنواع الشعر الديني الغنائي الراقص الذي كان ينظمه الشعراء؛ وبالتالي جعلوا المسرح إطارا للصراع الذي يدور حول محور القضاء والقدر. والذي ينتهي بتحديد مصائر أبطال المسرحية (بشَراً) بعْد صراع بين الآلهة الكبرى والصغرى. علما أن العرب وقتئذ كانوا يعيشون في شرنقة الوثنية؛ ولكنها كانت وثنية بدائية من الصعب أن تنتج طقوسا ومراسم متطورة كَوثنية اليونانيين أو الرومانيين المتمثلة في المعابد ودور العبادة . صحيح أن الإسلام سعى للقضاء على الوثنية. لتحقيق ماهية التوحيد؛ ولكن لم يقض على ما كانت عليه الأمم الأخرى من وثنية: وكانت المسيحية مليئة بالأمثال والحكايات التصويرية والأقرب إلى فن الدراما لذا وجدت الدراما مكانها المتقدم داخل الكنيسة فى العصور الوسطى حيث كانت تقدم مسرحيات الالام. وتحولت بعض الطقوس الكنسية إلى ما يشبه الدراما . ثم خرج المسرح مطرودا من الكنيسة وانتشرت فى كل اﻟﻤﺠتمعات متأثرا ومؤثرا ومتفاعلا مع كل التطورات والاكتشافات العلمية والأدبية والفلسفية والفنية (27) ففي هذا السياق فالقرآن الكريم مليء وزاخر بالقصص والأمثال والحكايات والتشبيهات والعِبر ذات الطابع الدرامي. كقصة إبراهيم المناهض للوثنية وهدم أربابها أوقصة موسي وفِرعون أو قصة نوح وإنشاء السفينة (مثلا) ولاسيما أن الدين الإسلامي؛ دين يسر وسماحة. وليس دين تشدٌّدٍ وعُسر. رسالته صافية نقية؛ هدفها إخراج الناس من الظلمات إلى النور وهدايتهم للحق سبحانه؛ في هذا السياق كانت أمم أخرى:في الفترة الزمنية التي كانت الحضارة الإسلامية تُكمل انتشارها، كان العمل جارياً في الهند لتحويل ملحمَتي «المهابراتا» و«الراميانا» إلى شكل من الرتب الموسيقية والكوريغرافية . فيما كان يُعمل في الصين، على تطوير رقص البلاطات الملكية (...) حتّى في الجنوب، على مساحة القارّة السوداء، كانت هناك مجتمعات وثنيّة توقّر الظواهر الطبيعية المعروفة بالمذاهب الحياتية Animistes فتؤبد طقوساً احتفالية تَضيع جذورها السحريّة في الزمن(28) ولا ننسى في اليابان كان "النو" وإن كانت نشأته في (القرن 13) وكذا" الكابوكي" في (القرن 16) وهذا الأخير تعرض للمنع سنة1629 اعتقادا أن الممثلات في هذا المسرح يمارسن الفواحش منحطات أخلاقيا. وتم منع ثاني في 1653 حينما اكتشفت الحكومة أن الصبيان الذين يمثلون الأدوار النسائية يمكن لهم هم أيضا أن تصيبهم عدوى الانحطاط الأخلاقي. فالمنع هنا بمثابة التحريم؛ إذا تمعنا بدقة أن للنوعين من المسرح لمسات دينية تخضع للديانة [البوذية] وممارسة الوعظ بواسطتها.وبالتالي: كان الإسلام محاطاً، من كل جانب، بثقافات تمارس المشهدية كوسيلة مقاربة للواقع، وتطهير له ، ولم يكن ليجهل هذه الأنماط التعبيرية، بحكم الاتصالات والتبادلات (29) ولنا في الحديث: "اطلبوا العلم ولو في الصين" إثبات مادي . رغم أن جمهور العلماء اعتبروه حديثا ضعيفا من جميع طرقه. واعتبره الحافظ ابن حبان صاحب الصحيح أنه باطل. فمن أين انزلقت مفردة (الصين) حتى تكون في سياق حديث وإن كان ضعيفا؟ والقوافل التجارية إلى أين كانت تتجه هل للغرب أم للشرق أم للجنوب؟ ألم تظهر في المدينة طبقة من التجار المَكيين الكبار: منهم أبو بكر الصديق وولداه عبد الرحمن وعبد الله، وأبان بن سعيد بن العاص، وحاطب بن أبي بلتعة، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله التميمي، وعمر بن حريث، والمسور بن مخرمة بن نوفل، ولقيط أبو العاص ابن الربيع بن عبد شمس، وزيد بن حارثة، وعمر بن الخطاب وأولاده عبد الله وعبيد الله وعاصم، جميعهم عاشوا بين مطلع الهجرة وأواخر القرن الأول الهجري؟ ويكفي أن نشير بالقول: بأن موقع الحجاز الجغرافي القريب من بلاد الشام؛ حيث كانت هناك الإمبراطورية البيزنطية ذات التراث المادي المعْروف في الشمال، وَحيث كانت هناك الإمبراطورية الفارسية في الشمال الشرقي ذات التراث المادي والأخلاقي معا. كل هذا مكن مكة (ق.س) من أن تتصل بهاتين الحضارتين وتتعلم منهما؛ وترتقي بالتجارة ارتقاء كبيرا(30)لأننا لن ندخل في مناقشة هذا الأمر؛ لسبب بسيط. مفاده أنه سيجرنا لسياقات بعيدة عن السياق الذي نهدف إليه.

وبناء على هَذا فتحريم المسرح يحمل طابعا عالميا / كونيا؛ بحيث اخترق كل الثقافات والمعتقدات؛ مساهما في توهج الجدل وازدياد لهيب الصراع الفكري والعقائدي بين الفرقاء والجماعات.....

يتبع

 

نجيب طلال

......................

الإحالات:

14) كرونولوجيا «تكفير الأدب» في الجزائربقلم سعيد خطيبي في القدس العربي بتاريخ17/11/2017

15) نفسها

16) فقه الحافظ أحمد بن الصديق الغماري لأبو محمد الحسن الكتاني الأثري ص55 دار الكتب العلمية ط2/2005 لبنان

17) تنبيه القارئ إلى فضائح أحمد بن الصديق الغماري: ص 9 (المطبعة مجهولة)

18) إزالة الالتباس عما أخطا فيه كثير من الناس لأبي الفضل عبد الله محمد الصديق الغماري ص37/38 ط - 3/2004 الناشر مكتبة القاهرة - علي يوسف سليمان

19) التنكيل أو التقتيل لمن أباح التمثيل للحافظ أبي الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الغماري دراسة

وتحقيق لأبي عبدالله محمد الأنجري منشورات علي بيضون لنشركتب الجماعة والسنة

20) إزالة الالتباس عما أخطا فيه كثير من الناس – ص41

21) ذهنية التحريم لصادق جلال العظم ص301/302 - ط2/ 2004 دار المدى للثقافة والنشر

22) الأصولية والعلمانية لمراد وهبة سلسلة قضايا العصر (1) – ص 17- دار الثقافة / ط 1 /1995

23) تاريخية العلاقة بين المسرح والكنيسة الغربية في العصور الوسطى- ص26

24) بين الإسلام والمسيحية لأبي عبيدة الخزرجي حققه وقدمه محمد شامة - ص 12- مكتبة وهبة

/القاهرة /1979

25) قول أهل التحريم مطلقا كالشيخ عبد العزيز بن باز/ صالح الفوزان /عبد الله الغماري/ حمود

التويجري/ بكر أبو زيد/ أحمد الغماري /الألباني/..../

26) تاريخية العلاقة بين المسرح والكنيسة الغربية في العصور الوسطى: لمحمد سمير الخطيب – ص

26 في مجلة مسرحنا ع 223 / بتاريخ 24/10/2011

27) المسرح الكنسي تجاوز الوعظ لفادي فوكيه – ص24 - في مجلة مسرحنا ع 223 / بتاريخ

24/10/2011

28) الإسلام والمسرح بين التحريم وسوق الفهم لجلال خوري- صحيفة الأخبار بتاريخ/ 05/ 01/ 2013

29) نفسها

30) المال والهلال الموانع والدوافع الاقتصادية لظهور الإسلام لشاكر النابلسي ص121 دار الساقي

/2002

 

 

 

 

جمعة عبد اللهالكاتب أحمد خلف

لابد ان نقيم عطاءات البدايات رواد القصة والرواية العراقية، الذين حملوا راية التحديث والتطوير في اساليب السرد وتقنياته الفنية الحديثة. ومنهم بامتياز المبدع الكبير أحمد خلف. من اهم الاسماء البارزة التي تركت بصماتها الابداعية الواضحة في الابداعي السردي والخروج من عباءة التقليدية القديمة نحو الحداثة . وما زال هذا المبدع في عنفوان عطائه في قمة الرواية والقصة الحديثة. في اسلوبيته المتميزة بالخصائص الابداعية، وصهر المدارس والاتجاهات في عالم السرد في بوتقة واحدة، مثلاً هذه المجموعة القصصية، تمزج السريالية بالواقعية، تمزج الميتاسردية (النص وما وراء النص اي خلفية النص) بالتداعي الحر، اي يترك هواجس الوجدان النفسية او السايكولوجية، تطلق عنانها في الحوار الداخلي والخارجي، وفرض وجوده في الوسط الثقافي والنقدي بالاشادة الابداعية، بما يمتلك من مواصفات في عالم السرد، في القيمة الجمالية الفنية، والقيمة الانسانية في مشاعرها المرهفة، منذ قصته الشهيرة (خوذة لرجل نصف ميت) التي نشرها نهاية الستينيات القرن الماضي، واثار الاهتمام النقدي بولادة مبدع حقيقي في الابداع السردي، في اساليب تقنياته وتكتيكاته الحديثة، في بعدها الانساني، في ابراز المعاناة والمحنة الانسانية في اساليب متعددة في السرد الابداعي وحبكته المتمكنة، في التوغل في اعماق المحنة الانسانية، وما تتركه من بثور في الظلم والقهر الحياتي، التي تنزف في الخيبة واليأس والاحباط والانكسار. وفي الوقت ذاته تخلق حالة التمرد والرفض في الازمة النفسية. لذلك نجد في هذه المجموعة القصصية الاولى للمبدع الكبير احمد خلف. كشفت المعاناة الاجمماعية والسياسية والنفسية وحتى الجنسية، مما تخلق في دلالاتها الاحباط والهزيمة الحياتية والاجتماعية. انها تغوص في الواقع الاجتماعي ومحنته، وخاصة الاجواء المشحونة بالاحباط والهزيم والانكسار النفسي، بعد هزيمة الخامس من حزيران عام 1967، والقصص انتجت بعد الهزيمة مباشرة، وخاصة ان هناك ثلاث قصص من مجموع ثماني قصص من المجموعة، تتناول آثار الهزيمة في اجوائها السلبية وانعكاساتها النفسية. ولكن حالة الاحباط الشديد تخلق الرفض والتمرد. لان اجواء الحروب تعكس بتشويهاتها في الروح والبدن. وتجعل الحياة في حالة اختناق ومطاردة ومحاصرة، في آثارها النفسية المدمرة. على الواقع الاجتماعي والفردي الذاتي، مما تخلق المحنة الحياتية والنفسية. لاشك ان المبدع يملك شجاعة في الطرح عن المعاناة الذاتية والاجتماعية العامة. في عملية ابداعية متناسقة في الطرح السايكولوجية النفسية، والميثولوجية الشعبية من الموروثات التي تخلق آثارها على الواقع الاجتماعي، في عملية ربط وامتزاج، لتعطي اجواء ومناخات البعد الانساني المتولد والخلاق. ضمن الظروف المشحونة بالانهزام والانكسار من آثار هزيمة حزيران. وهناك ثلاث قصص مشحونة في هذه الطقوس المحبطة، ونأخذ قصة واحدة من هذه القصص الثلاث، التي هي في انعكاساتها السلبية والنفسة على الفرد والمجتمع، وهي: 1 - قصة خوذة لرجل نصف ميت. 2 - قصة المغارة. 3 - قصة هجرة في وقت غير مناسب.

 1 - قصة خوذة لرجل نصف ميت:

شاب في الخامسة والعشرين يجند ويزج في الحرب، ويترك أمه وزوجته  التي هي لم تتجاوز عشرون عاماً، كان خلال ايام الحرب (الفلسطينية / الاسرائيلية) يفكر في مشكلته النفسية والاجتماعية، ويرجع من الحرب مقعد مشوه الوجه من حروق قنابل النابالم، ينتابه الرعب الحياتي، بأنه لا يصلح للحياة والبقاء وهو نصف ميت، ولم يتمكن على التغلب على كوابيس الحرب ومعاناتهه النفسية، وحالته النفسية بالجزع والتذمر، وانه متزوج من فتاة صغيرة لايستطيع ان يؤدي دور الزوج بشكل كامل. يمتلكه الجزع الحياتي من الاحباط الذي خلقته الحرب، بأنها اخرجته معطل تماما. لذلك تواجهه زوجته الصغيرة بالحقيقية المرة، بأنه فقد دور الزوج الذي كانت تنتظره بشغف وقوة، وانها غير مستعدة لهذه الحياة الجديدة، وافضل حل هو الطلاق وتوجه كلامها بتذمر المرير (- أني في عشرين من عمري وكنت عارية تماماً

- وتريدني ان ابقى زوجة

- ركضت وراءك بقوة رجل مدفعي

- أني لا اطيق ذلك أبداً

- وصحت بك أنت طالق. طالق. طالق.) ص19.

هذا الجزع الحياتي الذي جعله يتمرد على الحياة ويطلق ثلاث رصاصات على الساعة الجدارية، الذي يزعجه طنين رقاصها الذي يتحرك يميناً وشمالاً، لتصيب هذه الرصاصات الثلاث زجاج الساعة، ليوقف الزمن الذي يرفضه، لانه ليس بحاجة اليه، يعلن اللعنة على الزمن الذي شوه حياته ووجهه. وانتهى الى نصف ميت، ليعلن احتجاجه على الحروب التي تشوه الناس وترميهم الى المزابل .

2 - قصة المحطة:

اعتاد (سلمان) منذ مدة ليس بالقصيرة في الذهاب الى محطات القطار، ويظل هناك حتى اخر الليل، يتابع حركة القطارات والناس الداخلة والخارجة. كأنه ينتظر شخصاً ما، لا يأتي ابداً، او ينتظر غودوا الذي لا يأتي بداً، لكن هواجس الروح تنتظر، ليعود متعب مثقل بالهموم والتعب في اخر الليل دون جدوى، يعاني من ازمة نفسية وحياتية يفرغها في انتظار غودو الذي لا يجيء، في الجلوس ساعات طويلة في محطات القطار، ليعود في الليل وسط الشوارع المهجورة من الناس والحركة، وسط الظلام الدامس يهزه القلق الحياتي من الوحدة والوحشة، بأن غودو لن يأتي. ولكن تطلع وسط الظلام شاهد امرأة تأتي زغرد قلبه بالفرح بأن غودو الذي ينتظره جاء اخيراً. هب واقفاً وبحلق بها، كأنه يعرفها من زمن بعيد، قد يكون منذ ولادتها، وتبعها لكنها ضاعت في الظلام خسرها تماماً، لكن خرج عليه شاب مفتول العضلات، اندفع اليه بعنف ويمسك بخناقه (ماذا تريد منها ؟ شاهدتك تتبعها) ص64، حاول (سلمان) ان يتخلص منه، لكنه عالجه بضربات قوية اوقعته على الارض يترنح من الضربات الموجعة. جاء حارس المحطة وساعده على على النهوض، وسار وسط الظلام يندب حظه العاثر، ويندب غودو الذي يخلق له ازمة ومشكلة حياتية.

3 - قصة (نزهة في شهوارع مهجورة):

تمثل روح وتداعيات التشتت الحياة في الضياع، في حياة تحرث في المجهول والتخبط وعدم الثبات، سوى انها تقود الى الآهات والتيه والضياع. جنازة محمولة على اكتاف  مجموعة من الناس، في تشيعها الى القبر . وفي مراسيم التشييع، تظهر فتاة. مما جعل مجموعة المشيعين يتركون الجنازة الى المجهول، والتطلع بالاغراء والغواية الى المرأة القادمة. ولكنها تحاول ان تميل الى احدهم الذي يكشف معاناته الحياتية وتتعاطف معه وتميل اليه بالشفقة العاطفية، مما اثار حنق الاخرين عليهما بعداوة وكره. ويحاولون الايقاع بالمرأة والشاب الذي تعاطفت معه، وينسون مسألة الجنازة والتشييع، الى تقرير مصير الشاب والشابة ماذا يحكمون عليهما (صوت مذعور يعوي. ماذا تريدنا ان نفعل به ؟

صوت (2) يقتل أم يسجن ؟

صوت (3) نحرق جثمانهما معاً) ص 77.

احاطت جمهرة من المشعين بالشاب، ودفعوه الى المقبرة بعنف وانهالت الضربات عليه من كل مكان حتى كسروا عظامه، وسحبه نحو سور المقبرة وعلقوه على حبل مطاطي. وجعلوه يتأرجح في الهواء، كما صرخ احدهم بأن هذا الحكم بأسم العدالة، وختفوا في الشوارع المهجورة، وبعد ذلك تأتي فنتازية بوليس السلطات، بأن تعتبر المقتول هو القاتل، وتفتش في جيوبه فلم تعثر على شيء يدلل على هوية الشخص، مما يعلن البوليس بأن القاتل مجهول الهوية. هذا العبث الحياتي، في الفوضى والتيه وغياب المعايير.

كما ان المجموعة احتوت على خمس قصص قصيرة، نأخذ منها قصة (قرارات جديدة) :

الحدث السردي يعتمد على التناص على حكاية او مسرحية (هاملت) ولكن بشكل مقلوب. مخالف بما سطره المؤلف. ليس كما هو المتعارف عليه، هاملت يقتل ابيه ويتزوج من أمه. وانما هاملت يرغب بالزواج من طبقة اخرى غير طبقة الامراء، من طبقة فقيرة. ان تكون خادمته هي الاميرة، وهو الخادم. بهذا الشكل يتمرد على المؤلف. منصات الرمزية الدالة من القصة القصيرة، بأن القدر والموروثات يمكن رفضها والتمرد عليها. حتى لا يقع في محنة حياتية، ليس هناك شيء ثابت عير متغير في المعادلة الحياتية. لذلك يحتج المؤلف على المتغيرات الواقع (ان المرأة التي تبحث عنها لا تخدمنا ياعزيزي هاملت...

أية أمرأة كانت اوافق عليها شرط إلا تكون أميرة

 - هل تريد الزواج من فتاة فقيرة ؟؟

- هذا ما أريده بالضبط ألا تجدها ملائمة لي أكثر من الاميرات

ضحك المؤلف : الاميرات لهن تقاليدهن في الطاعة

- سوف اتزوج من خدامتي) ص141.

 

× الكتاب : المجموعة القصصية : نزهة في شوارع مهجورة

× المؤلف : أحمد خلف

× اصدار : عام 1974

 

جمعة عبدالله

 

 

زكية خيرهمالرواية نمط أدبي تعكس الواقع، وبما ان الروائي في المغرب الكبير والعالم الشرقي تتكاثر فيه الهموم وتندلق على طول الساحة من قهر وضيق في الرزق والسكن واستبداد الأنظمة والأعراف البالية معشعشة من الماضي السحيق، ولا تزال تجد طريقها إلى عصرنا. وهو ما تقترحه علينا رواية "وادي الدموع" للكاتب المبدع محمد مكي والصادرة طبعتها عن مطبعة وراقة بلال فاس.

إن عنوان الرواية مفتاحا اجرائيا، يُدخل القارئ الى عالم الحكاية وكشف أسرارها وتكوين فكرة عن ماهيتها، وعن الحدث الذي تدور حوله الرواية. " وادي الدموع" عمل سردي يصف تجارب انسانية حميمة، تتسم بالقلق وتصف العلاقات الدقيقة المتداخلة للانسان، باستخدام الخيال النوعي والخيال الشعبي. تطرّق الكاتب محمد مكي إلى مواضيع مهمة في المجتمع المغربي المليء بتناقضات اجتماعية بسرد أدبي  جميل وبوح وتفاصيل واضحة عن واقع ذاتي وموضوعي واجتماعي، وعن خبرة وتجربة حياتية معيشة. تُبرز الرواية  هموم ومعاناة المعلمين والأساتذة في المغرب والقهر الذي يتعرضون اليه بكل اشكاله: قهر اجتماعي واقتصادي وسياسي. يسترسل الروائي محمد مكي في احداث متنامية متصاعدة ونماذج دالة بطريقة ابداعية تشدّ المتلقي بقوة، أثراها سرد الرواية القائم على الاستطراد. حيث يُخرجنا من حديث الى آخر بمناسبة بينهما، ثم يرجع ليتمم الحكاية. من بداية الصفحة الرواية تشد القارئ فارضة نفسها بقوة الواقع ومرارة الحياة الصعبة التي يعيشها المعلم في حياته المهنية في قرى نائية بعيدة عن التمدن وعن الحياة الحضرية، حيث قساوة الظروف الطبيعية وغياب اساسيات الحياة اليومية. وحيث يتحول المعلّم من استاذ يدرس التلامذة إلى ممرض وخطيب في المسجد ليساعد السكان ويسد الحاجة. واقع يعيشه القارئ على طول جسد الرواية وامتداد صفحاتها. يقرأها بنهم وبدون كلل. " سنوات من العمل الجاد والدؤوب قضاها المعلم "الطيب" بطل الرواية في الفيافي وأقاصي الجبال من قرية الى قرية ومن بادية الى أخرى. يقول:  " ..... عرفته صخورها الصمّاء، وكلّمته فيها قممه الشاهقة ، اعتلى صهوات جيادها ، وامتطى زهور آتانها وجرّب شتى وسائل النقل لقضاء حاجاته ومآربه المعيشية والوظيفية .."

" سأله يوما زميله عبد العاطي قائلا: اريد ان اعرف سر حب الناس لك من دوني. حينما تسافر وتتركني لوحدي لا احد يسال عني ولا احد يتذكرني حتى بكسرة خبز.

" الناس هنا يا صديقي مرآة لامعة. تنعكس عليها طريقة تعاملنا معهم .....الناس ينتظرون منا النزول الى مستواهم، نعاملهم بلطف نتفهم ونتقبل جهلهم دون خدش او تهكم. " الكاتب محمد مكي يختار الزاوية التي ينظر منها إلى كيف يرى الواقع وكيف يعبر عن وجهة نظره، متأثرا بما يراه، يُحسّه داخل المجتمع والطبقة التي ينتمي اليها حيث ان الواقع الاجتماعي هو الذي يحدد حياة الكاتب، طريقة تفكيره واحساسه. " وما هي الا لحظات حتى سمع  صوت صديقه يستغيث، ويصيح ويتألم من وقع لذعة عقرب أصفر، صغير الحجم، سريع الحركة،  يطلق عليه السكان "تفيغرا" 

" .... كانت يداه ترتعشان، وهو يبصر زميله يتنفس بعمق، أخذ المشرط وعمد الى مكان اللدغة، جرحها بخفة وبدأ يمتص الدم بفمه، ويبصق على الأرض، مكررا العملية مرات. حزم زميله على ظهره وانطلق به نحو الفيلاج." شخصية شديدة في الحب للناس، في الوفاء، شديد الثورة على الاوضاع المتردية، شديد الرغبة في التحول، وهذا دائما نهج الفن الانساني العظيم. 

" هاهما على مشارف الضاحية يقتربان ببطء نحو مستوصف متهالك، بحجرة واحدة، يعود تاريخ تاسيسه الى فترة الستينيات من القرن الماضي. عرف نشاطا منقطع النظير آنذاك، حيث كانت تداوم فيه ممرضة أجنبية، وهبت نفسها لانقاذ المرضى، على أهبة واستعداد لتقديم خدماتها لكل قادم من القرى والأرياف المحيطة البعيدة بالقرية. " مَسُّور" هكذا كانوا ينادونها مرتادو المستشفى .. فرنسية في الستين من العمر، اندمجت في حياة هؤلاء البدو، أحبتهم وأحبوها ، ولو وقفوا على دمها لما بخلت به على واحد منهم. حينما ماتت عمّ الحزن كبيرهم وصغيرهم وأكثر من ذلك غسلوها وصلوا عليها صلاة الجنازة ودفنوها في مقابرهم بالرعم من اختلافها معهم في الملة والعقيدة."

" ...... بعد نصف ساعة هاهو الممرض سعيد يحضر متجها غاضبا : ماذا هناك؟ الا تتركون الواحد يرشف كاس شاي بحريته!؟

ماذا تقول يا رجل.. نحن استاذان، وهذا زميلي يشرف على الموت."

 مفارقة الموقف في سياق النص، تُكوّن للقارئ صورة في الذهن ثم في الحياة والواقع. رواية وادي الدموع، لوحة أدبية مكتوبة بأسلوب سلس، تغور عميقا في منافي القهر، والأمية والجهل والاستيلاب لمناطق جغرافية لا تزال حتى الآن محرومة من أبسط الحقوق الانسانية. إنهاررواية الكشف من خلال تطويع المكان لغاية الراوي الفكرية  والنفسية. إن رواية وادي الدموع لوحة أدبية مكتوبة بأسلوب سلس. تغور عميقا في منافي القهر والأمية والجهل والاستيلاب في مناطق جغرافية لا تزال حتى الآن نائية محرومة من أبسط الحقوق الإنسانية . إنها رواية الكشف من خلال تطويع المكان لغاية الراوي الفكرية والنفسية. رواية عن الحب والآمال والنظال وعن طاعة الوالدين وعن التضحية، عن السحر والجن وعن العنصرية. رواية وادي الدموع من أخلص الروايات وأكثرها وفاء عن معاناة الاستاذ والمعلم في الوطن دون زعيق أو قرع طبول. إنها تصور الواقع المرير كما هو، وتبلغنا رسالة من أقرب سبيل. رواية خفيفة الوقع ثقيلة في آن تجذبنا اليها جذب حلو فنمضي نتابع أحداثها، فإذا نحن أمام نهاية حزينة مليئة بالمفارقات. وفي غمرة ألمنا نود لو كانت النهاية أقل قسوة وايلاما، ولكننا نعلم أن القدر لا يستأذن عواطفنا. إن النهاية الفاجعة التي تنتهي بها " وادي الدموع" تحوي المعنى الأعمق والأكثر احتجاجا على واقع محزن ينبغي أن ينتهي.

 

زكية خيرهم

 

عبد الرضا عليشكَّلَتْ موهبةُ الفنَّانِ المرحومِ عزيز عليّ (1911 ـ 1995) الموسيقيَّةُ، والشعريَّةُ، واللحنيَّةُ، والغنائيَّة ظاهرةً فريدةً من نوعِها في العراقِ لم تتكرَّرْ حتّى هذه الساعة، فضلاً عمَّا كان في صوتِهِ من ميزةٍ مؤثِّرة في الأداءِ الذي يؤسرُ السامع جرساً، ويبهرهُ تلويناً، ويشدُّهُ تموّجاً.

وكانت جميعُ مونولوجاتهِ موضعَ تقديرٍ، وإشادة، وإعجاب، فضلاً عن كونِها كانت تجمعُ العوائلَ، والأسر العراقيَّة (منذُ تأسيس الإذاعة العراقيّة في سنة 1936م، حتّى قيام ثورة الرابع عشرَ من تموز سنة 1958ِ) مساء كلِّ يومِ أربعاء حول جهاز المذياع (الراديو)، لكونها كانت تذاعُ عبر الأثير يوم لم يكن جهاز التلفاز قد تمَّ اختراعه، أمَّا ما نشاهدُهُ اليوم من تسجيلاتٍ لبعضِ مونولوجاته [فيديويّاً]، فالفضلُ فيها يعود لتلفزيون الكويت الذي استضافه، وسجَّل له بعضها، وباعها، (أوأهداها) لتلفزيون بغداد بعد حينٍ من الزّمن.

***

الوحدة الإيقاعيّةُ لهذا المونولوج هي وحدة المتدارك، والخبب، فما جاء على (فاعلُنْ) فهو المتدارك، حتى إن إصيبتِ التفعيلةُ بـ(القبض = فاعِلُ)، وما جاء على المتدارك المخبون الذي هو(فَعِـلُـنْ) بكسر العين، أو على المتدارك المخبون المضمر (فَـعْـلُـنْ) بتسكين العين، فهو على الخبب¹، فضلاً عن أنَّ الشاعر جعل وحدة التفعيلة الخبَبيّة مُذيَّلة أحياناً (فَـعْـلانْ)، و مرفَّلة في أخرى (فَـعْـلاتُـنْ)، لكنَّه غيّرَ هذه الوحدةَ الموسيقيَّة من الخبب إلى الرجز (مُسْـتَـفْـعِـلُنْ) حين جعلَ الكلام على لسان الجوقة:

اسكت لتحچي تبتلي... خل يلعبون الشومه لي

مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ ... مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ

 

ثمَّ عاد ثانيةً إلى الخبب ليمهِّد للمقطع الثاني من المونولوج، وهكذا في بقيّةِ المقاطع.

ثمَّةَ ملاحظة جديرةٌ بالإيراد هنا تتعلَّق بتقطيعِ الشعر الشعبي يمكن تلخيصها بالآتي:

 اللهجاتُ الشعبيّةُ بُنيت على السواكن أكثر ممّا بُنيت على المتحرِّكات، لهذا تحولُ هذه السواكن دون إمكانيَّةِ تسهيل التقطيع كما في الشعر الرسمي، فكلمة (نـظِـلْ) الشعبيّة ابتدأت بنون هي أقرب صوتيّاً إلى السكون منها إلى الحركة، لذلك ينبغي التخلّص من هذا السكون بإضافة الهمزة لتسويغ النطق بالحرف الساكن فنكتبها (انظلْ) وهذه مشكلة ينبغي ملاحظتها، كما أنَّ التقطيع في الشعبي يلزم دمج حرفين معاً أحياناً، أو حذف حرفٍ من الكلمة الواحدة في أحيانٍ أخرى، وفي هذا المونولوج تمَّ حذف واو العطف مراراً كي يُستساغ التقطيع كما في: (وكل واحد) و(ويِضرُبْلَكْ)، و (وياهو)، (وشايف نفسه)، (ولِلّي) وغيرذلك، كما أنَّ كلمة (يبتلي) ينبغي دمج حرفي اللام بالياء فنكتبها (يبتل) كما ينبغي دمج حرفي النون بالظاء في كلمة (نظل) فنكتبها (ظل).

 إنَّ بعضاً ممّن لا يُدركُ إشكاليَّة التقطيع الصوتي أكرر التقطيع الصوتي في الشعبي لا الكتابي يظنُّ كلَّ الظنِّ أنَّ ثمة أخطاء في في التقطيع، لأنَّ قياسه كتابيٌّ فقط، دون مراعاة ما ينبغي إدراكه في ميزان الأذنِ قبل القلمِ في الشعبي، وليس الحال كذلك في الرسمي، لأنَّ المعيار فيه (أقصد الرسمي) على الحركات والسكنات كتابةً.

وإليكم التقطيع أولاً :

الرُكَعَه زْغيْره... والشَگ چبيرْ

فَعْلُنْ فَعْلاتُنْ... فَعْلُنْ فَعْلانْ

 

يَا نَاس إلابرةْ... مَا تِحْفُر بِيْـرْ

فَعْلُنْ فَعْلاتُنْ... فَعْلُنْ فَعْلانْ

 

واليحجـي يِبتَلْ عَله عُمْرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَاعِلُ فَعْلُنْ

 

والساكِتْ خَانِگـته العَبْرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

والطايحْ رايِحْ حَشه گـدْرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَاعِلُ فَعْلُنْ

 

والعَايشْ عَـايِشْ بِالقُدْرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

مِنْ زاخو لِحْـدُود البَصْرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

ومِن(نُگرَة سَلْمانْ) لْـبَدْرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

والله واحِدنا خِلَصْ صَـبْره

فَعْلُنْ فَعْـلُنْ فَعِـلُنْ فَعْلُنْ

 

شيسَـوّي وشيدَبِّرْ أَمْـرَه

فَعْلـُنْ فَعْلُنْ فَعْـلُنْ فَعْلُنْ

 

وإلمَنْ يحچي ويِفْضَحْ سِرَّه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

ومِنْهو اليِسْمَعْ منهو اليِقْرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

شِنْ هلْعِيشَه الكَدْرَه المُرَّه؟

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

اسكت لتحچي تبتلي... خل يلعبون الشومه لي

مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ ... مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ

 

إن شرِّگتْ وان غَرِّبت... خوجه علي ملا علي

مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ ... مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ

 

 

گول الدنيا ربـيع وگمُرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

***

الواحِد صَبْرَه... مو صَبْرَ أيّوبْ

فَعْلُنْ فَعْلاتُنْ... فَعْلُنْ فَعْلانْ

 

يِصْبُر چم مَرَّه... يصْبُرْ چَم دُوبْ

فَعْلُنْ فَعْلاتُنْ... فَعْلُنْ فَعْلانْ

 

كل يوم مْغَيْمَه وْمْغَبرَّه... ومظلمَه الدنيا وْمِصفَرَّه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ ... فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

دَتْعَجِج وتْزُخْها بْمَطْره...وتْخَلِّي الوادِمْ مِتْحَيْره

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ ... فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

كُل واحِد غرگان بْبَحْرَه... يِضرُبْلَكْ چَف يِمنَه ويِسرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ ... فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

كُل واحِد سَكْرانْ بْخَمْرَه... يْعَربِد ويْهَـدِّد بِالثـوْرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ ... فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

ذَاكْ المن ذَاك اللي نْقَدْرَه.. لِمْضحِّي بْمَصْلَحتَه لْقُطرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ ... فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

صَاحِبْ مَبْدَأ يِحْمِلْ فِكْرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

***

مِنْ زَاخو لعَقْرَه....لِحْدُود الفَاوْ

فَعْلُنْ فَعْلاتُنْ... فَعْلُنْ فَعْلانْ

 

كُلمَنْ مِنْ كُتْره....ضَارُبْلَه كلاوْ

فَعْلُنْ فَعْلاتُنْ... فَعْلُنْ فَعْلانْ

 

يَاهُو تْلِزمَهْ مْطَلِع صدْرَه... شايِفْ نَفْسَه الحَاكِم بَمْرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ ... فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

كُلْها تْدَوِّر سُلْطه وإمْرَه... بْرَاسي ورَاسَكْ إحْنَا الفُقْرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ ... فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

حَتّى موظَّفْنا الهَلْ كُبْرَه... نَافُخْ نَفْسه ويحچي بنتْرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ ... فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

لَوْ راجَعْتَه يگلَّكْ بُكْرَه... چلمه ولُخْرَه إطْلَع بَرَّه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ ... فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

الله يْعِينَه ولله دَرَّه... للحافي وبْطَركَ الْوزرَه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ ... فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

للّـي مَحَّـدْ لازِمْ ظَهْـره

فَعْـلُنْ فَعْلُنْ فَعْـلُنْ فَعْلُنْ

***

مِنْ بَعْدِالعُسـْره ... لابُد تيْـسيرْ

فَعْلُنْ فَعْـلاتُنْ.... فَعْلُنْ فَعْـلانْ

يِرْدِلْهَا القُدْرَه ... كُلْ شيْ بْتَدْبِير

فَعْلُنْ فَعْـلاتُنْ.... فَعْلُنْ فَعْـلانْ

 

ناگوط الحِبْ گطْرَه وگطْرَه... والإصلاح يْتِم فَدْ مَرَّه

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْـلُنْ فَعْـلُنْ ... فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

الشَجَر اليَابِِـس لاتْزَبْرَه... إشلَعَه مِنْ عِرْگه وْمِنْ جَذْرَه

فاعِلُ فَعْلُنْ فَعْـلُنْ فَعْـلُنْ... فاعِلُ فَعْلُنْ فَعْـلُنْ فَعْـلُنْ

 

عُضْوِ الفَاسِـد لوْمانْبِتْرَه ... ظَلْ نِتأَلَّمْ وِنْجُـرْ حَسـرَه

فَعْـلُنْ فَعْلُنْ فَعْـلُنْ فَعْـلُنْ... فَعْـلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

لوْ ظَلَّت عله هذا المَجْرَه... نِتْواجَه بالـدارِ الأُخْرَه

فَعْلُنْ فاعِلُ فَعْـلُنْ فَعْـلُنْ... فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

لكنْ بَلْچَنْ نِطْفُرْ طَفْرَه... نْصبُّحْ لَنْها رِبيعْ وگمْره

فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ... فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ

 

لا بُـدْ بَعْـدِ العُـسْرِ اليُـسْرَه

فَعْـلُنْ فَعْـلُنْ فَعْـلُنْ فَعْـلُنْ

***

عبد الرضـا عليّ

.........................

 أُذيع هذا المونولوج عبر الأثير لأول مرّة على وفق ما ذكره المفكّر حسن العلوي في سنة 1953م، لكنه يصلح لحياتنا السياسيّة، والإجتماعيّة الآن، ولعلّه يصلح للمستقبل كذلك، ولا نشكُّ أنَّ من سيستمع إليه، سيجده يواسي وجدانه في هذه الحقبة الحزينة التي يمرُّ بها العراق الآن، وبعد التقطيع التطبيقي التوضيحي تجدون صوت العبقريّ الراحل الذي ليس لموهبتهِ نظير على الرابط الآتي: https://www.youtube.com/watch?v=bMXkwfz2bMQ

 (1) سمّى العروضيّون ما جاء مخبوناً في كلِّ أجزائه بـ(الخبب) لشبههِ بخبب الخيل، وما جاء مخبوناً مضمراً بـ (دق الناقوس) و(قطر الميزاب) لأنه يشبه وقع القطرات من الميزاب بعد انقطاع المطر........ ينظر: معروف الرصافي (الأدب الرفيع في ميزان الشعر وقوافيه) ص:87....................

 

 

احمد الشيخاويريم الخش نموذجا (1)

مقدمة: لا يمكن فصل الأدب عموما، عن سياقات تاريخية معينة، كون الأوطان والشعوب، إن في رقيها أو انحطاطها، إنما تقاس بمنسوب ازدهار الأدب وتدهوره.

وإذا ركّزنا على جنس الشعر، بعدّه ديوان العرب، مثلما هو شائع، أمكننا القول أنه، أي هذا الجنس التعبيري، في انتسابه إلى عصر ما، لن نجني من غائيته، ما قد يصب في مقاصد بحثنا، ما لم نحاول محاصرته بشتى أغراضه، في منصات واقعيته ومدى ملامسته لصميم إنسانيتنا، وكذلك طاقة الذات المبدعة في إسقاط ما ينبغي عليه، سواء من دوال المعرفة أو الجمال، زخم المفردات التي باستطاعتها عكس معاناتنا الحقيقية، والنهل من عمقها وصدقها .

إن أقصى ما كانت تحتاج إليه القبيلة آنذاك، الكائن المدجج بفروسيته، والتي ـ حتما ـ لن يصوغ ملامحها سوى السيف أو اللسان، وفي أحايين كثيرة يتمّ تقديم اللسان لخطورته وحجم جدواه.

وبعدها المجتمع المدني، وإن اتخذت المنظومة المفاهيمية المرتبطة بجدلية السيف واللسان، معان مغايرة وأكثر نضجا وموسوعية، ربما تساير التطورات العقلية والسيكولوجية .

ولأن ما نعيشه اليوم، يعتبر نسخا تكاد تكون شبه مكرورة، تجتر سير الماضي وتنبض بصفحات تاريخانيته، بخاصة في جوانب الجنائزية و الإنكسارات ولغة الموت وعولمة الخراب، أستحضر العصر المملوكي، باقتضاب، مع الإشارة إلى بعض الثغرات التي سهّلت غزو جزءا من بلاد العرب، من قبل القوى الغازية التترية الهمجية والمتوحشة:

ـ الفردانية الإيديولوجية السلبية

وهي ميزة جعلت كل دولة تتقوقع على مصالحها، فضربت بذلك الإفراط في الأنانيات والنفعيات الضيقة، صلب الثقافة والروح العربية، التي أثبت التاريخ أنها كلما احترمت وتمّت تغذيتها، استعصت الخارطة العربية على الطامعين من فرس وروم، وقتئذ.

ـ التراجع الثقافي

وحين نقول ثقافي، نعني به ذلك الكل المركب، مما راكمته الأجيال العربية في تعاقبها، من أدب ومعرفة وفلسفة وفكر وفن إلخ...

لقد تركت بغداد عورة، كما يقال، مع أنه يقال أن الدفاع خير وسيلة للهجوم في الإستراتيجيات الحربية، ما أدى إلى استعمار كامل العراق بسهولة كبيرة، ومن بعدها سورية، لتكون حرب التصدي لهذا الغازي المتعطش لدماء العرب وثرواتهم، أكثر شراسة وحكمة من قبل ثلة من المماليك، قبل المحطة الثالثة في ذلك المخطط التتري الدموي، مصر العروبة والكنانة.

غير أن الطفرة بين الأمس واليوم، إنما تسجلها مثل هذه المفارقة العجيبة والتي تدمي القلوب، من عدو خارجي، إلى داخلي، وقصة اندلاع الثورات العربية منذ 2010.

الثورة التونسية (والتي تعرف أيضا بثورة الحرية والكرامة أو ثورة17ديسمبر أو ثورة 14جانفي) هي ثورة شعبية اندلعت أحداتها في 17ديسمبر 2010تضامنا مع الشاب محمد البوعزيزي الذي قام بإضرام النار في جسده في نفس اليوم تعبيرا عن غضبه على بطالته ومصادرة العربة التي يبيع عليها من قبل الشرطية فادية حمدي(وقد توفي البوعزيزي يوم الثلاثاء الموافق 4يناير2011في مستشفى بن عروس بسبب حروقه البالغة (1).

من هنا التفتت أسماء في المشهد الإبداعي العربي، إلى ضرورة أن يكتب مثل هذا التاريخ، بدم، فظهرت تيارات جديدة، مثل ميليشيا الثقافة في العراق، ولقدت نزفت الأقلام المهجرية بالموجع مما آلت إليه أوطانها، كذلك، وفي شتى مناحي الإبداع من شعر وسرد وتشكيل.

نعتبر الشاعرة السورية المغتربة من أبرز الأسماء التي ذادت عن هذه القناعة، وكرّست لتجليات هذا الحسّ، في مجمل مجاميعها الشعرية التي أصدرتها، حتى الآن.

وهو انتقال من عداوة خارجية إلى داخلية كما أوردنا، أنتج مثل هذا التاريخ المصطبغة صفحاته بكامل هذه الفوضوية الدموية والإضطرابات، يضعه الشعر في قفص الاتهام، والمحاكمة .

بحسها المتوهج بعقيدة الإنتماء، ترنّمت ريم، مدشّنة أبدية الإخلاص إلى الكتابة العروضية، مجدّدة في المعجم والصورة والدال الشعري.

تقول شاعرتنا:

ويسألني غلاميَ ما البطولة

وما معنى الكرامة والبطولة

وها صارت أساطيرا وصرنا

ذكورا طامحين إلى الفحولة (2)

من هذه الخلفية التي تجسدها مطالب المواطن العربي المضطهد والمحاصر والمقهور: الحرية، الكرامة، الخبر. نرى هذه الشعرية تنبثق، كي تمارس أضربا من خطاب النضال والتمرد بصوت النعومة الخفيضة، والمناورة بإيقاعات الزلزلة.

إنه عصر تبدل المفاهيم، بامتياز، أين فحولة اليوم المزيفة، من مروءة الجاهلي، حتّى؟

إن نداء الاستغاثة الذي أطلقته سيدة اعتدي عليها في عهد المعتصم، صاغ قيامة للنخوة العربية، وفجر ينابيع المروءة والفحولة، على نحو صهل معه العرض العربي.

ترتقي الرمزية في كتابة الشاعر ريم الخش، إلى مستويات أبلغ، في استحضار نظير هذه الصفحات الأكثر إشراقا في الفكر والعقلية العربية.

من خلال عوالم، شعرها الموازية، نلفيها، استطاعت صناعة ثقافة لا تسجننا في التراث والذاكرة، بقد ما تحفّزنا على الخلق والابتكار، في حدود أنساق الإنتساب إلى الجذر.

نيوكلاسيكية خطاب رصد واقع المنفى

مما لا شك فيه، أن الكثير من الأسماء المحسوبة على الحداثة الشعرية، هي أقل من أن يُنظر إلى نتاجها المرتجل، قياسا إلى نخبة مخلصة للإبداع، وليس تصوغه من سوى أصوله وينابيعه الدالة عن وعي عميق بالواقع، واستشعار مسؤولية الكتابة، في أفق أكثر انفتاحا على الرداءة والغوغاء.

كون التعاطي مع الممارسة الشعرية، خاصة في مستويين، العروضي والنثري، يتمّ في الغالب، خاضعا لمثلبين، النظم والاستسهال، ما يفقد الكتابة قيمتها ومصداقيتها ويجعلها مجرد هراء.

بحيث نجد النظم يُفسد الإبداع العروضي، من قبل كثيرين، يتقيدون بقواعد خليلية، علما أنهم يفتقرون إلى الثراء اللغوي، والرصيد المعرفي الذي قد يمكنهم من الخلق والابتكار، في ديوان العرب، كما توارثته وتناقلته الأجيال.

في المقابل، نلفي السرب الذي اختار ركوب موجة الحداثة، والانتشاء من تياراتها، يغرق في استسهال قصيدة النثر، والإبداع الحداثي إجمالا، ما يضطره إلى تقديم فقاعات ما تنفكّ تزول ويمّحي أثرها.

كون التناسل المهول للمنابر الإعلامية التي تفرخ مثل هذه الأفكار، وتنتج كهذه هيمنة، رسمية إلى أقصى الحدود، جار كثيرا على لغة الضاد، وإمكانات تحديث قواميسها وتطوير هويتها.

هكذا، نفخت مثل هذه المنبرية اللامسؤولة، في أسماء من الغزارة، بشكل مقزز وباعث على الوجع، ورثاء مشهدنا الإبداعي العربي، في غالبية انشغالاته.

لذا، قلّما تطفو على السطح، أسماء جديرة بالإهتمام، وثمة نماذج في أجناس إبداعية متنوعة تلون الأدب العربي، وتبصم بكماء من ذهب، في مختلف حقول الثقافة إجمالا.

صحيح أن الكتابة لا تحوز حظوظها، وشرعيتها، من غير الوفاء للإبداع والإخلاص الشديد له، والمؤكد أن ذلك ليس يتم إلا عبر مكابدات حقيقة ومعاناة صادقة، تبلورها الذات المبدع إلى بوح فسيفسائي، يشكل مرآة صقيلة لكل الأجيال، ويخلد في السجلات العصية على الاندثار والزوال والنسيان.

إن ما جذبني إلى تجارب من هذا الطراز، وهي قليلة على كل حال، هو فلسفة العطاء من أجل العطاء، كون الزاوية الوحيدة المتبقية لبعث الأمل في أجيالنا القادمة، هي زاوية الثقافة، واحتمالات حدود المراهنة عليها، والاستثمار في سائر عناصرها.

من هنا، أقول أن ما راكمته الشاعرة السورية المهجرية، ريم سليمان الخش، لا يزيغ أبدا عن هذا المنطلق، الذي يعتبر الشعر أسلوبا حياتيا، بل وأكثر، إذ يضع هذا الجنس التعبيري، فوق مستوى الحياة، بحد ذاتها، كي يسجّل انتسابا إلى الإنسانية الرّحبة على اختلاف مفاهيمها، فهو يذوب في نبضها، بالتالي، ويتماهى مع إرهاصاتها.

إنها شاعرة تحاول أن تتبوأ منزلة المابين، بالرجوع إلى الخطاب الشعري الذي تتنفس إيقاعاته، تجربتها الفريدة والمتميزة .

فقد فطنت باكرا إلى أن الركوب على القضية مهما كان نوعها، إيديولوجية أم قومية أم وطنية، أضحى مسالة متجاوزة ومكشوفة، لا تستطيع إنقاذ صاحبها والمتغني بها، من ورطة اسمها خيانة القناعات والمبادئ.

فالركوب على القضية الوطنية مثلا، لا يقل سوءا ومسبّة، عن عار الاصطباغ بالأخطاء السياسية التي قد تذبح الأوطان، وتخلّف مجازر في الشعوب، لا حدود لها.

قناع القضية، لم يعد مغريا، وثمّة فضاءات جاذبة أخرى، تناسب مغامرات ريم، الشعرية، والتي هي، ذلك الإنتماء لكتابة شاملة، ترصّعها الرؤى الموسوعية، على الرغم من صور التشبث بشعرية التمرد الذي تمليه أبجديات الحنين إلى الجذر.

هذا الصوت المهجري، ما يلبث يضرب بقوة ناعمة، مناهضة لاستعباد واضطهاد الشعوب العربية، عبر خارطة اصطبغت بكامل هذه الجنائزية والفوضى والدمار.

سنسوق عارضتين هاهنا، ونحن نضع في دائرة الضوء، كهذه شاعرة مهجرية، اضطرت إلى ترك وطنها، كي تستقر في عاصمة أوربية، تغذي بتجاوزات الثقافة الغربية وإكراهاتها، اغترابها وعزلتها، وتمنحها طابع التركيبية والتعقيد.

1 ـ الشكل

منطقي أن تناضل شاعرتنا، من خلفية إنسانية، تنرسم لها ملامح الثورة الخفيضة الهادئة، المنتصفة للكائن المسحوق المطعون في كرامته وانتمائه وجميع حقوقه المشروعة، باعتماد خارطة شعرية، للإنخراط في الشكل الخليلي، علما أن مثل هذا الإلتزام يفرض جهدا إضافيا، بمعزل عن الاعتباطية أو الإستسهال، الذي قد يفقد القصيدة قيمتها ومعياريتها الحداثية، فيفرغها من شعريتها، كي تظل أخيرا مجرد قالبا قشيبا، تعوزه الرؤى والمعاني والملمح الإستطيقي والدلالات.

خلافا لذلك، هي ممارسة رصينة، ترعى تجليات التكثيف والانزياحات وتلوين الرؤى الاستشرافية القادرة على الارتقاء بشعرية النص، حتى في غمرة خوض مغامرات الكتابة العامودية.

يجيء ذلك من منهج الإكتفاء بشعر القطعة، كمعمارية ضاغطة باتجاه احترام بعض القواعد التي تصب في خانة ما هدفنا إليه.

تقول في هذه " النتفة " واقتصارا على بيتين شعريين:

ستترك للخليقة إرث غيم

له في كلّ جارحة رياض

قصائدَ كالنجوم مشعشعات

على الدنيا وليس لها انقراض (3).

إن تأمل هذه اللوحة المستفزّة بصور الخلود الإبداعي، إنما تُقاس بما وراء ألون السطرين، واستكناه ماهيتها تنقيبا على معاني النرجسية والحياة والوجود المغلف بهوية إنسانية.

تركيز كبير، منح هذا الحيز الضيق، امتدادا للتأويل، ومساءلة الحالة الإنسانية المعطوبة، الناهضة على مفارقة وجودية، يدشنها تجاذب الأضداد، أو متلازمة نظامين: خلود وفناء.

إنه شكل هامس بالنفس الصوفي الدال، على قيامة مشتعلة تأكل وطنا كاملا، شكل يختزل رسالة إنسانية سامية، تنبّه إلى أبعاد الكتابة التوعوية التنويرية التي فيها خلاص الكائن والعالم.

وقولها أيضا:

لاشيءَ في شرع الهوى معقول

كــلّ به نتغرّم مقتول

من أين نؤتى بالعقول وكل من

ذاق الهوى من طعمه مخبول (4).

هو تعبير عن الراهن كثمرة لإيديولوجية مريضة تلغ فيها توجهات هذا الهوى القاتل، وقد أبطل العقل وحجّره، على نحو أفرز اضربا من الحماقات التي حاصرت كاريزما الزعامات، وأتقنت اللعبة ببيادق ودمى والسياسة، فجنت أوطانا، موتا غير الذي شهدته في غابر أزمانها، ومنيت خرابا مستمرا مفتوحا على مؤشرات الإنقراض الكلي الوشيك.

وإن كان لهذا العبور الشعري، ظل محتف ببراءة القلب، وضرائب العشق في أوسع مفاهيمه، وابعد تجلياته.

إذا العالم في أمس الحاجة اليوم، إلى ثقافة إنسانية عالمية، تصوغها الثرثرة القلبية البريئة، والمكفّنة بغوايات طفولة الكائن، البعيدة جدا.

ثم تجريبية الإنتقال إلى شعر " القطعة "، وهو مظهر آخر للإختزال المفتي بمعطيات تجويد القول الشعري هنا، تفاديا لمتاهات المطول المشوش على الحضور الشعري صورا ومعان.

نطالع لها قولها، كذلك:

دثروها فإنها تتشظى

خانها الجهل مفقّئ العين فظّا

ثورة الروح خالتي مثل صقر

عانق الشمس عاشقا فتلظى

جنة القلب أشتهيك حياة

لعبة الغدر شاءت الموت حظا

موسم القحط موغل في عروقي

وفــؤادي مصدّع يتشظى

بائع النفس سالك لك دربا

يا جراحي.'.' متى بفجرك أحظى

سوف أبقى معانق الضوء دوما

أشعل الروح منك لفظا ومعنى (5).

تلكم، كتابة تستنزف الروح في خفيض ثورتها، تصور لنا أقاصي الوجع الفائض عن كونيته، وهي تفجر سؤالا جوهريا كبيرا، يكمل ذاتية القلق والتشكيك، كي يعرّي رغبة جامحة في حيازة الأفضل،

(5)"دثروها فإنها تتشظى"، صفحة 66، ديوان"الراحمون ملاذ آخر شهقة "، السكرية، طبعة 2019.

ويبرز مناحي العطس الروحي، لفجر يجب تاريخانية هذه المذابح التي شرّدت شعوبا ونسفت

أوطانا، جراء جنون سياسي جارف، استطاع الطغاة من خلاله، خلط الأوراق، وإضفاء طقوس الرمادية، على مناخات الحدود مابين حطابين، الأجدر أن يقبعا متوازيين متكاملين، تماما مثلما ولدا، العقل والقلب، الشيء الذي راكم هذه الأضرب من الإنهزامية لدي المواطن المخمور بتحديات وتجاوزات العالم، وأمعن في نظير هذا السادية والدوغمائية والجبروت، عند سدنة الساسة المتكالبين على النفعيات الضيقة والأنانيات المريضة، فهم ينحرون أمجاد الأمة، بسيوف الجهل والهمجية والشيطنة، في أبشع ظواهر الاسترقاق البشري.

بذلك، نقرأ محنة وطن، في مرايا ذات، أثرت مقوماتها الإبداعية، التجربة المهجرية، ونهلت من واقع الإغتراب.

تقول:

وجهتُ قلبيَ شطره قبَله

حـتى تنال شفاهه قبله

أو يستوي للجمع في عجل؟

أم انه متسوّك قبله

ثغري الذي لم ينس سنّته

كنوافل بالشوق مبتلّه.'

بدأ السلام بزفرة وعلى

إيقاعها الشّهقات معتلّه.'

هذا الذي بالنسك منهمك

من ذا الذي شطر الهوى ذلّه؟.'

حتّى يزيد مقام عاشقه

وفّى ديون العشق بالجمـله.' (6).

السنة والتي هي بمعنى ما، أحد أوجه إدمان الكتابة الوفية للجذر.

ثغر لا يكفّ عن رثاء مشهدية أمة طالها ما طالها من هوان، رضخت وخنعت طويلا، لإملاءات الآخر، وحتّى من منظور العاشق لثقافة التعايش والتسامح والسلام، تتسرب لغة الوجع الكوني، ويُنثر شررا مفرداتها المنذورة لشعرية استنطاق راهن منفلت عن الهوية والتاريخ العربي المأمول والإرث الشامخ والأمجاد.

إنه عشق المتصوفة، تطّرد دواله مع عمق جراحات الأمة، وحجم ضياعها وانكسارها، ومنسوب هزائمها.

يتألفُ البيتُ الشعريّ من مجموعةِ كلمات صحيحة التركيب، وموزونة حسْبَ بحورِ الشعر العربيّ، والتي تُكوِّنُ في حد ذاتها لوحةً موسيقية تقابلُها تفعيلاتٌ معينة، وقد سمّي البيتُ بهذا الاسم تشبيهاً له ببيت الشَّعر؛ لأنّه يشملُ ويضمّ الكلام كما يضم البيتُ أهلَه؛ لذلك فقد سمَّى علماء اللغة مقاطعَهُ أسباباً وأوتاداً؛ تشبيهاً لها بأوتادِ البيوت، والجمع منه هو أبيات. عُرف للبيت الشعري العربي العديدُ من الألقاب منها: اليتيم: وهو البيت الذي ينظمُه الشاعر مفرداً وحيداً، والنُّتْفَة: وهو البيتان ينظمُهما شاعر؛ والقطعة: من بيتيْن إلى ستّةِ أبيات من الشعر، والقصيدة: مجموعة من الأبيات، بحيثُ تكون من سبعة أبيات فأكثر (7).

نقرأ لها، ودائما، في حدود القطعة الشعرية، أي ما دون سقف القصيدة، المحددة بسبعة أبيات فما فوق، كما هو متعارف عليه:

أتحضنني وفي الأحشاء طفل

وتدعو لي القيامة بالسلامةْ؟

وطفلي حشدُ أوجاعٍ بدهرٍ

يكسّر ُ بالحشا نزفا عظامه.'

وطفلي غارق في يمّ طين

أزال البؤس في عصفٍ خيامه

بقلبي يا حبيب جياعُ أهلي

وأوجاع التغرّب والنّدامــــه

تطلّ بوجهك القمحي خبزا

تقمّرَ بالمحبّة والوسامـــــه

ولكنّي وهبت الخبز أهلي

فهل لي في المجاعة ملامـــه؟ (8).

ذروة الوجع أن يصير الكائن وقودا لحرب طاحنة دائرة، وأن يتم تصوير تفاصيل ذلك فنيا، باعتماد أسلوب تراجيدي موغل في المرثاة، يراعي على الرغم من ذلك، صنوف الإحتفاء بألوان الحياة، ضدا في جنون العالم ووحشية تعاليمه، أن يتمّ ذلك في رحم الكتابة العروضية، وداخل دائرة القطعة الشعرية، كما أسلفنا، لهو مما ينم عن حنكة وتمكنّ وتطويع للغة، باتجاه آفاق أوسع للجدة والابتكار، لجب جملة من الثغرات، التي قد ترتبط بالكتابة المكرورة، واستنساخ الذات والتراث والمعاجم اللغوية.

من تمّ كامل هذا الثراء الذي تشهده شعرية ملتزمة بقوالب التقليدانية، لكن روحها جديدة وحداثية ومتمردة ومزدانة بمحطات الخلق والإستحداث.

إن رمزية الطفل، في هذا السياق، تعبر عن مصير جيل، عصفت به حروب ما بعد ثورات ما يسمى " الربيع العربي"، كون الوعي بعواقب ومآلات ذلك، بدأ ناقصا مفتقرا إلى النضج الكافي القادر على اجتثاث السرطان السلطوي التعسفي العربي، من جذوره.

تسرّع، ربما، أجهض حلما عربيا كبيرا، دفعت ثمنه باهضا العديد من دول الثورة، ولم تزل.

وكأن الرسالة تكمن في ترع فراغات النضال الميداني، عبر تمرّد ثقافي مرتّب، لتوسل علياء الإنسانية والخلاص .

ثورة القلم لا تريق دما، والكتابة مخرج إنساني حضاري، ممكّن من زرع منظومة القيم والنبل والجمال، وهو بذلك يؤدي وظيفة تعميرية تنقد الإنسان والعالم من مزالق السلبية والنقصان.

أما بخصوص القصيدة، أو ما تفرضه النصوص المطولة بعض الشيء، فهناك قضايا أرخت بثقلها في خارطة الكتابة الشعرية، لدى ريم، مثل القضية الفلسطينية، باعتبارها همّا إنسانيا كبيرا، ولا يقتصر على المنبت العروبي فقط، لحساسيتها ودرجة خطورتها وانشداد العالم إلى مركزيتها.

وفي اعتقادي أن ما يشهده العالم الآن من دمار ممنهج، الإستئساد فيه للحضور الصهيو/ أمريكي، فضلا عن المصالح الغربية في تلك المعادلة التي يعتبر العنصر العربي، الأكثر تضررا منها ودفعا لضرائبها، إنما هو ناجم عن التفريط في هذه القضية المقدسة، والمماطلة في تقديم حلول جذرية لها، ومعالجتها، على نحو أكثر جدية وحيادا وإنسانية، بوسعه صنع استقرارا عالميا تتفشى فيه ثقافة تعايش وتسامح الأعراق والأديان.

تقول الشاعرة ريم الخش:

يا غزّة الروح يا قلب الملايين

لن يرفعَ الضيقَ إلاّ ربّ ذي النون

جراحك الملح في الأعماق

وأبحر الدمع خطّت سفْر تـــكويني

قمصانك الخضر أكفان لنخوتنا

مذ صاحب الذئب قطعان القرابين.'

من يدعي السلم لم يعرفه في لغة

تحرّق الحرث تدمي غصن زيتون

لا عهد للوحش لا ميثاق يُلزمه

أن يترك الظبي في روض الرياحين

من أقنع السرب أن الضبع

إذ نابه الغدر تهوي كالسكاكين

من صدّق اللغو؟ من بالبئر

من أطفأ النور عن أهلي وعن ديني؟

لن يوقف العار إلا الموت في

لا خيرَ في رمق بالذل مطعــــــون

لا لست أضحية للسلخ يرسلني

جهل الولاة فــــــداء للفراعين

يا عزّة الروح شدّي الجرح

وحسبك الله سلطان السلاطين (9)

توغل الشاعر في رصد الواقع العربي الذي يطبعه الذل والهوان، تلتزم بتراتبية وصفية، تسخر لها إمكانات كافية، في التصوير واللغة، وتنعت ما سبق وذكرته، عن الثورات المرتجلة التي ينقصها الوعي والنضج، في القصيدة، بشعرية كبيرة، تلخص وتختزل مفهوم عقلية القطيع، التي ورثت كامل هذه الجنائزية والمأساة..

إذ هناك موالاة عمياء، وتبعية جاهلة، أسهمت في رسم ملامح الأزمة الإنسانية والهوياتية، في كامل بلاد العرب.

هناك انقياد تام لفراعنة الزعامة وسدنة السياسة.

2 ــ المضمون

في مجمل مجاميعها الشعرية، نلفي الشاعرة السورية المغتربة، ريم سليمان الخش، تتشبع بالخطاب الصوفي، وتنهل من المعجم الحكمي، قدرا يجعل شعريتها بهذه القوة، وهذا التكامل مابين بعدين بارزين في تجربتها: الرومانسية والعرفانية، على حدّ سواء.

ترنيمة بحجم كآبة جيل لدرجة تبييض المآقي، و كأنكى ما يكون الخطاب الحماسي مشبوبا بفوح الحكمة وخيار التريّث في معالجات اللحظة، واجتراح حلمية مصطبغة بشطحات المخيال تبعا لصوت خفيض تعاود من خلاله الذات ترتيب أزمتها التي هي جزء من تبعات المساس بهوية وطن وجراحات تطال كاريزما جيل وتنفش في قداسة انتماء.

حلمية سانحة باسترداد النفس بعد ذبحات قلبية متناوبة على الأنوثة في جوانبها الهشة المكابرة والمحمولة أيضا على أنوية لا تقلّ فحولة عمّا قد يناطحه الجنس أو النوع الذكوري الموازي، فيما يرتبط بتقاسم أعباء الوجع العروبي والغبن الإنساني إجمالا.

ذلك وفي ضوء عتبة النص ذات الوسوم" أراقص الموت"، نلفي الذات فضلا عن ميكانيزمات القول الشعري الأخرى، تلتفّ على الغيبيات واللايقين ممزوجا بروح متشائلة تتوسل عبر إقحام الرّمز الديني، مناخ الفوقية والعلوية وتدخّل يد للغيب بما هي طاقات فوق القدرة البشرية وحدّ الإعجاز وتحقيق الكرامات والخوارق في سبيل التمنّي، وقلب الصورة من إلى ما تشتهيه ذات الانكسار والانحسار العاصف ذبولا و موتا واغترابا وزلزلة روحية رهيبة واشية بانقراض وشيك.

إنها ريم، شاعرة الوشايات الأنيقة بامتياز، حتّى وإن أنهكها التحليق على جناح، وأضجرها الارتحال على ساق واحدة فقط، في عالم الحطام والتخّبط والفوضى والهذيان، فإنها لن تتوب عن بوحها الشجي المقفّى الآخذ منسوب غوايته ومرارته في التنامي وترع كؤوسنا نحن الأسراب الظامئة لأحجية متزمّلة بعنفوان مباغتة راهن الموت والنار، قصد إطفاء البعض من لظاه بنورانية وعذوبة الحرف، إذ يزهد في الأقنعة، كي يعرّي لنا بالتمام، جهات السلبية والنّقص وسائر ما يغلّف المرحلة بما هو نقيض لإنسانيتنا وفطرتنا السّليمة، طعنا ونكاية في نواميس استقرار وازدهار الكائن والكون. (10).

نقرأ لها:

وقبضت من سرّ الحبيب لأقتفي

سرا يُترجم للثرى أحزانه .'

فرأيت أوجاع الحسين بصدره

ومجازرا قد أثقلت أشجانه

ورأيت مائدة المسيح وثلة

يتقاسمون لجوعهم جثمانه .'

لم يبق للحب إلا قلّة

والأكثرون له محوا عنوانه.'

يمضي فترسمه الذئاب فريسة

فيها تؤول حلمه هذيانــه

تلقاه طعما للقنابل إذ هوت

حيث الجدود تقمّصت إنسانه

لا خوف من وجه بدون هوية

لا ضير إن عشق الهوى أوثانـه](11).

مع أن بعض المعاني في هذه الشعرية، تبدو غريبة، وكأنها فلتت للذات الشاعرة، إلاّ أن تأولها في سياق خاص، يقرّبنا من الكثير من الأغراض التي تتحقق من خلال هذه التجربة الباذخة، والتي لم تقيّدها معايير الكتابة الخليلية، أو ترغمها على التخييم في مضارب النظم، بل حلّقت بعيدا، في فضاءات مزدهرة بالتصوير الفني، ثرية بقاموس التجديد والإبتكار في اللغة والرؤى.

تقول كذلك:

لاء لكل حمامة ذبحت

في خنجر الأحقاد والبغض

لاء لسوط الظلم دافعة

أنفاسيَ الحرّى على الفيض

لاء بوجه الزيف ممثّل

بحقوق أهل العهر في عرضي.'

لاء بوجه الريح عاصفة

فغبارها ينزاح بالغمــض

لاء لناب الجوع ينهشني

وكرامتي لم تُفن بالــعض

سأميت فيها الجوع منصرفا

لطعامها من منبتي المحض

للشنفرى آوي بلا وجل

أستفُّ ترب الأرض في رفضي

لاء لثوب الذل يلبسني

ليواريَ السوءات في الخفض (12).

من هنا هذا الإنتساب في الكتابة إلى الصعلكة النبيلة، يتمثل في الإقحام الذكي للرموز، والإغتراف قدر الإمكان من الموروث.

هذا الكمّ من اللاءات، يفيد معنى الصعلة النبيلة، ورفض واقع الذل والخنوع والهوان.

هي ثورة خفيضة، تشف عنها مثل هذه الكتابة الإنقلابية، توبخ الإيديولوجية العربية المدججة بلغة الجلد والآلة القمعية، والكيل بمكيالين، أو ما قد يسمى النفاق السياسي، واجهة يحصل تلميعها لتتماشى والاشتراطات الحضارية، القائلة بحقوق الإنسان دمقرطة أجهزة الدولة وكل ما يصب في الرهانات الحداثوية، وكواليس مبطّنة بلعنة القمع وأضرب المخزنية وانتهاكات كرامة وحقوق الشعوب والتحكم في مصائرها.

إنها ازدواجية قاتلة جنت على الشعوب العربية، طويلا.

شعرية تزدان بلبوس الدّيني، كذلك، إمعانا في الجوانب الإنسانية للرسائل، وتشفيرمضمونها بدوال الأوبة، في كل مرّة إلى شجرة الإنساني ومعادلاته الصعبة.

قد تنسحب النعوت التي يمكن أن تُطلق على الشاعرة السورية المغتربة د.ريم سليمان الخش، وتنطبق على نزر ضئيل من شواعر أخريات على مرمى خارطة عالمنا العربي، منذ اندلاع الشرارات الأولى لتبديل جلد القصيدة مع تحفّظ شديد على الرّوح الذائبة في وشايات الأنوثة المثقلة بهواجس الموت والدّمار الشامل وتشويه السّحنة الطفولية للأوطان.

نوتة ساخطة تسجّل استقواء الرؤى الضبابية على امتداد مسيرة إبداعية طافحة بتجديد قوانين اللعبة الكلامية، ونبرة دامية بانكسار وانحسار الحال.

تحرز ريم الخش تقدّما ملموسا مع كل قصيدة تنسجها قريحتها المنذورة للذود المجاني عمّا تبقّى من ملامح وطن مطعون، في بيئة عربية غير قارة، حتّى لتلوح وكأنها تؤدي طقوسيات رقصة أخيرة على بساط من الجمر.

شعرية فاضحة تنعي لنا صورة العربي، تدقّ ناقوس الخطر المتفاقم والمتمادي في قطف الأرواح البريئة جدا، والمؤذن بمزيد من الضياع والانهيار. (3).

إن هذا الخطاب الحماسي في تماهيه مع النزعة الإنسانية، يرسم صورة عن الذات المنكسرة والمتشظية، ضمن دوائر الوجع الكوني، ما يمنح التجربة سمة الاستثناء، ويعطي هذه الشعرية هوية الالتزام بالقضايا الإنسانية الكبرى.

إذ ليس من السهل، الجمع بين الكتابة العروضية وسائر هذه الأغراض، دون الإنزلاق إلى متاهات اللوثة الجمالية أو الثغرة اللغوية، وهو ما انتبهت له الشاعرة السورية الجميلة ريم سليمان الخش منذ البدء، بحيث حصرت معظم تجربتها في إدمان النص الشعري القصير جدا والقصير وهو فوق القصيدة، دون الوصول إلى سقف المطولات التي تتعب وكثيرا ما تتم على حساب المعنى والصور.

فيحدث تشويش يفسد مضمون القول الشعري، ويغدو النص مجرد نظم لا يمتّ للشعر بصلة.

نقرأ لها:

يا سيدي جفّت مرابعنا

صار المدى من قمحنا خِلْوا

ومــنابع النعماء مقفرة

يـــا ليتني في بئرها الدّلوا

يا سيدي يا خير من عطفوا

إني أروم لــذنبنا المحوا

فاشفع لنا ما كان مـن جُرُم

سأبثُّ في ميلادك الشّكْوى (14).

لعلها القصيدة التي تعكس روح الديوان، كاملا، فهي تعزف على أوتار العقدي، وتدفع بخيارات الاقتداء بنموذج إنساني، لا يتكرر، وقدوة ما أحوج عالم اليوم إليها، لترتيب أوراقه، وكسب استقراره وتوازنه من جديد.

المُرسل رحمة للعالمين، سيدنا محمد، صلوات الله عليه، في أخلاقه وإنسانيته وشتى صنوف النبل والخيرية والجمال.

لعتبة الديوان " الراحمون ملاذ آخر شهقة"، أكثر من دلالة، تتقاطع مع هذا الطرح

العقدي، وترمي إلى مغزى إنساني شمولي، يجد ران تتأسس عليه العديد من الألوية، لفض خلافات تفتي بها سياسة الأنانية والجنون، وقد عصفت بكائن التقنية التكنولوجيا والتقنية، حدا استعباد الإنسان ونخر رمزية وجوده.

تستمر مثل هذه الفلسفة في شعرية ريم، عبر مجاميعها، التي عرفت تطورا ملموسا في اللغة والتيمات.

نطالع لها كذلك، قولها:

كشمس مشى في الروح سبعة زلفى

أضاءت شعاب الغيب يرنوا لها كشفا

فـــسالت ينابيع الضياء جلية

وصارت عناقيد القصيد لـه صرفا

يبوح شــذا ورد بعنق غواية

وتسبيح أقمار تراءت به طيفا

عـلى كل مخزون أطلّت كبلسم

فلو ضاحكت يشدو ولو لامست يُشفى

وكم تصدأ الأرواح في قعر بركة

إلى توأم تهفو .. تصير بـه الأوفى

يكون لها العينين طير خميلة

وترنيمة جذلى إلى لحنه لهفــى (15).

سيل من الأسئلة المستفزّة بمشهد الجنائزية والنكوصية، بكل المقاييس.

قرأت الفصاحة في دمعاتها، وأكاد أزعم أن هذه القصيدة التي سوف أدرجها فيما بعد، اختزلت حياة شاعرتنا، واستنفذت أبرز المحطات في مرحلة الهزيمة العربية على طراز كارثي يصوّره تاريخ إجهاض ثورات العرب في جنينيتها وقبيل اكتسابها مقوّمات اشتعالها، ثأرا للحقوق المهضومة والكرامة والعدالة المفقودتين والإنسانية المهدورة.

لنا أن نتملّى ملء جرح يعاند أفق الاندمال، ويشرع بصيرتنا على الصديد والقيح الذي نتقزّز حتّى لمجرّد نقر آذاننا بسيرته الجاثمة كلعنة وبصمة عار تلطّخ واقع جيل بأمله.

وهكذا تستفزّنا أسئلة من قبيل: أيّ مسار هذا الذي ورّطنا به الناشئة والفلذات المسافرة في مستقبل نكوصي وجنائزي بكلّ المقاييس.

عبر هذا النص، وكأنّي بشاعرتنا، أدركت سقف الحياة المفتوح على هوة للمنسيين، خطوة انتحارية وتوغّل في المستنقع الذاتي أنأى ما يكون، حدّ نقاط ابتلاع وجودنا واجتثاثنا وطمرنا في حفر وحدود اللاعودة.

مشهد شعري يزاوج ما بين الغرابة وفصول الرّعب المتراخية خيوطه لتخنق الأوطان العربية تباعا.](16).

إن مثل هذه الإيقاعات العروضية المحتفية بإنسانية الكائن، والمجدفة بعيدا عن خندق الهموم الفردانية أو الحالات الخاصة، لتنم عن حس اشتراكي أو مجتمعي بمعنى ما، يذود عن خطاب العالمية المنتصرة لملائكية الكائن.

تحرص الشاعر ريم الخش، على تقديم معجم نيوكلاسيكي، يعكس هموم الإنسان المعاصر وقد حاصره عالمه بما نستشعره ونلمسه من تجاوزات، ضاعفت من عزلته واغترابه الروحي، وعمّقت انكساره وتشظيه.

 

احمد الشيخاوي

.........................

مراجع:

(1)attounissia.com.tn

24نوفمبر على موقع واي باك مشين.

(2)" ما الرجولة؟"، ديوان " الراحمون ملاذ آخر شهقة "، صفحة 5، السكرية، طبعة2019.

(3) " إرث غيم "، صفحة 6، ديوان " الراحمون ملاذ آخر شهقة"، السكرية، طبعة 2019.

(4) "لاشيء في شرع الهوى معقول"، صفحة 38، ديوان الراحمون ملاذ آخر شهقة، السكرية، طبعة 2019.

(6) "ما تيسر من مقام العاشقين "، صفحة 126، ديوان " الراحمون ملاذ آخر شهقة، السكرية، طبعة2019.

(7) موقع "موضوع"، مفهوم البيت الشعري، عدد 19يونيو2018.

(8) "أهل لي في المجاعة ملامة؟ "، ديوان "الراحمون ملاذ آخر الشهقة"، صفحة 142، السكري، طبعة 2019

(9) قصيدة "غزة ...وحسبك الله سلطان السلاطين"، صفحة47/48، ديوان " الراحمون ملاذ آخر شهقة"، السكرية، طبعة2019.

(10) مقالة " السورية ريم الخش: شاعرة الوشايات الأنيقة "، احمد الشيخاوي، صحيفة المثقف عدد4114

(10) مقتطف من قصيدة " فترد للشرق الأصيل حصانه "، صفحة6 /7، ديوان "حلاج بعشق مذبّح " .

(11) مقتطف من قصيدة " بدمي على اللاءات إذ أمضي "، صفحة50، ديوان " الراحمون آخر ملاذ الشهقة "، السكري، طبعة 2019.

(13) مقالة " السورية ريم الخش: شاعرة الوشايات الأنيقة "، احمد الشيخاوي، صحيفة القدس العربي، عدد4114.

(14) مقتطف من القصيدة الطويلة "في يوم مولد سيدي محمد(ص) "، صفحة54، ديوان " الراحمون آخر شهقة"، السكري، طبعة 2019.

(15) مقتطف من قصيدة "وكانت له قطفا "، صفحة4/5، ديوان " حلاج بعشق مذبّح.

(16) مقتطف من مقالة " السورية ريم الخش: شاعرة الوشايات الأنيقة"، احمد الشيخاوي، صحيفة المثقف الأسترالية.

 

فالح الحجيةجاء الاسلام وانزل الله تعالى كتابه (القرآن الكريم) من السماء الى حبيبه محمد الصطفى صلى الله عليه وسلم ببيانه المعجز واسلوبه الشيق وبلاغته الرصينة التي ا بهرت عقول وقلوب اهل الفصاحة والحصافة من العرب فاحتل المكانة الأولي في نفوس العرب والمسلمين .

شعر صدر الاسلام تنحصر فترته ما بين حكم النبي محمد صلى

الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وما بين العصر الاموي ا و من مبعث النبي محمد صلى الله وسلم الى قيام خلافة بني اميـة ويعرف هذا العصر (عصر صدر الاسلام) وأدب تلك الفترة هو أدب صدر الإسلام بقسميه الشعري والنثر ي .

ولو امعنا النظر في الثقافة العر بية قبل الإسلام نلاحظ أن الشعر مسيطر او له الكلمة الطولى على الحياة الثقافية . ومما لاشك فيه أن الشعر العربي كان السجل الحافل للحياة العربية في جزيرة العرب . ثم ظهر الإسلام وانتشر في هذه الجزيرة وما حولها فاصطدم العرب برسالة جديدة وثقافة لم يألفوها وبكتاب بليغ لم يستطيعوا مجاراته او الايتاء بآية من آياته او قول مثل قوله ا ســـلوبا وبلاغة وبيانا

و تحداهم علانية :

(وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين * فأن لم تفعلوا – ولن تفعلوا- فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين *) البقرة \ 23 و24

و(قل لئن اجتمعت الانس والجن على ان ياتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا *)

الاسراء\ 89 .

فافحمت وخرست الألسن وتراجعت اهمية الشعر ومكانة والشعراء الا انه بعد دخول الشعراء الإسلام حاول هؤلاء الشعراء توظيف شعرهم لخدمة الاسلام و محاكاة الدين الإسلامي شعراً متسربلين بعباءة الجاهلية فخرج الشعر في معظمه جاهلياً محاكاة وبناءاً واسلوبا وإن استمد بعضهم من المعاني الإسلامية كلمات ومرادافات .

اعتقد اغلب الناس أن ما جاء في القر ان الكريم حول الشعراء مقصود به ذ م الشعراء والنيل منهم وخاصة الشعراء المشركين الذين كانوا يهجون النبي محمد صلى الله عليه وسلم وينالون من المسلمين والحقيقة ان المقصود به في الآيات الكريمة الواردة في سورة الشعراء:

قال الله تعالى:

(وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلا الذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلِواْ الصَالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ*)

الشعراء \ 224 -227

هي طريقة الشعراء ليس الشعراء أنفسهم فجاء ذكرهم أنهم يتبعهم الفاسدون او الغاوون وأنهم يقولون ما لا يفعلون من هجاء الناس أو مدح الزيف أو وصف الخمرة أو غيرها من الأغراض التي تتعارض ودعوة الإسلام ، خاصة الهجاء الفاحش الذي كان يقوله شعراء قريش في هجاء المسلمين وتشكيكهم في الدعوة الاسلامية وقد تأكد ذلك في الاستثناء الذي ورد في هذه الايات المباركة حيث استثنى القرآن الكريم الشعراء المسلمين :

(إِلا الذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلِواْ الصَالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وسيعلم ا لذين ظلموا اي منقلب ينقلبونْ *)

الشعراء \ 227

وهم الذين اعتبرهم القرآن الكريم هم الذين امنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا للمسلمين بأ لسنتهم فيما قالوه من شعر بحق الكفار والمشركين وبما فخروا به في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم و انتصار المجاهدين من المسلمين وشهداء الاسلام . كما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم انه قال:

(ان من الشعر لحكمة)

او قوله للشاعر حسان بن ثابت يحرضه على هجاء شعراء قريش الذين بقوا مشركين وكفارهم :

(هاجهم وجبريل معك)

ومما يخطر على الذهن هنا قول لبيد العامري الشاعر الجاهلي

بعد اسلامه :

الحمد لله الذي لم يأتني اجلي

حتى كساني من الاسلام سربالا

او قوله :

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

وكل نعيم لا محالة زائل

فموقف القرآن الكريم من الشعر والشعراء كان واضحا وهو موقف الاسلام فهو يعتمد تسخير الشعر لخدمة الدعوة الاسلامية ومحاربة من يقف ازاءها من الشعراء الذين قال عنهم:

(وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون)

ثم ان النظرة الشاملة او العامة للاسلام (الكتاب والسنة) هو ان يكون توجه المرء الى القرآن الكريم والابتعاد عما سواه وشد المسلمين اليه دراسة وتعلما وحفـظا وتفقـها وفي كل مجالات الحياة وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال :

(لأن يمتليء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتليء شعراً)

وفي هذا امر بالابتعاد عن الشعر وهجره الى ما هو افضل وهو القرآن الكريم . وقد ورد عن الشاعر لبيد انه قال:

(الحمد لله الذي أ بدلني بالشعر سورة البقرة)

اي انه حفظها وهجر الشعر لذا فأن تصدر القرآن الكريم والسنة النبوية كان له الاهتمام الغالب للإنسان المسلم حيث ان غلبة الشعر على الفرد ربما ينسيه ذكر الله تعالى والعودة الى الجاهلية ولبعض أخلاقها المذمومة وعاداتها السيئة و التي أعلن الإسلام محاربتها لذلك كان الصدى القوي الذي يرنَّ في أسماع الناس صوت الرسالة المحمدية الجديدة وفلسفتها . وكان جديرا بهذا الامر بأن يوقف كل أساليب القول والتفكير إلا في هذه الرسالة نفسها .

حرص الخلفاء الراشدون على تعليم الناس القرآن الكريم وحفظه فهو خير من قول الشعر وحفظه ومع كل هذا لم ينته الشعر و لم يهمل وبقيت له مكانة في القلوب والنفوس وقد ازدادت الحاجة اليه لما عمدوا إلى تفسير القرآن الكريم وخاصة في معرفة غريب الألفاظ أو بعض المعاني فقد قيل انه روي لأبي بكر الصديق قصيدة في الحماسة وروي لعمر بن الخطاب أبياتا في الحكمة وكذلك لعثمان بن عفان . أما علي بن ابي طالب فقد كان شاعرا وروى الناس من شعره كثير و قيل ان بعضه قاله في معركة صفين وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون اي كلهم قالوا الشعر الا انهم كانوا يمنعون الشعراء من هجاء المسلمين ا و هجو الإسلام .

كل هذه الامور جعلت تيار الشعر العام في هذا العصر يضعف ويخبو أواره وتتوارى بلاغته وبيانه في بداية هذا العصر وخاصة في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وخليفتيه ابي بكر الصديق وعمر بن الخطاب لاهتمامهم بالقرآن الكريم فقط الا انه ظل مزدهرا على شكل ومنهج الشعر الجاهلي وامتدادا له الا انه عامة قد ضعف وأن غالبية الأغراض قد قل القول فيها إن لم تكن ندرت ,عدا بعض الأغراض التي أملتها ظروف الدولة الجديدة في هذا العصر كشعر الفتوحات الاسلامية وشعر التهاجي بين المسلمين والمشركين وشعر الدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وشعر رثاء المسلمين ممن استشهد في ساحات الوغى والقتال في سبيل نصرة الاسلام .

وكان من أهم أسباب هذا الضعف عدم سهولة التكيف على تعاليم الإسلام الجديدة سلوكا واسلوبا . لذا ظل الشعراء ينتهجون الأسلوب الجاهلي تصورا وأخيلة مع إدخال بعض الألفاظ الإسلامية في بداية عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم . لذا جاء شعرا ممزوجا بين أسلوب الجاهلية والمعاني الإسلامية ولم يستطع شعر صدر الاسلام ان يتحرر من قيود الشعر الجاهلي ابدا . ومن ذلك قول الشاعر بجير بن زهير بن ابي سلمى وكان قد اسلم :

إلى الله - لا إلى العزى ولا اللات – وخذه

فتنجوه إذا كان النجاء وتسلمُ

لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت

من النار إلا طاهر القلب مسلمُ

وفي لامية اخيه كعب بن زهير في مدح الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم تظهر الصياغة الجاهلية واضحة كالشمس مهما حاول اكساءها بثوب اسلامي :

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ

                       متيم أثرها لم يفد مكبولُ

...إن الرسول لنور يستضاء به

                  مهند من سيوف الله مسلولُ

في عصبة من قريش قال قائلهم

                ببطن مكة لما أسلموا زولوا

زالوا فما زال أنكاس ولا كشف

                 عند اللقاء ولا ميل معازيلُ

فالشعر في هذه الفترة مهما كان مكتسيا ثوب الإيمان ملتزما بالمعاني الإسلامية ... الا انه ظل جانحا إلى أسلوب الشعر الجاهلي اخذا منه سائرا على انماطه وهذا ليس عيبا في الشعراء وإنما هم كانوا يحاولون صياغة أشعارهم على النمط الإسلامي إلى أقصى مدى ممكن لهم , الا ان الفترة الزمنية للرسالة المحمدية في زمن صدر الاسلام كانت قصيرة وهي تعد اقصر العصور في التاريخ العربي والاسلامي بالإضافة إلى عدم إسلام الشعراء جميعهم في بداية الرسالة فكان من أهم الأسباب التي أدت إلى بطيء تطور الشعر في هذا العصر .

ومن خلال دراستي لشعر الشعراء في هذا العصر تبين لي هناك تأثره بدعوة الإسلام إلى درجة عالية عند حسان بن ثابت واقتباس بعض الألفاظ عند كعب بن زهير الا انه بقي مشدودا الى الشعر الجاهلي فكان شعره جاهليا في الإسلام – نسبة إلى اسلوب الشعر - .

يرجع ذلك التفاوت إلى الأسبقية في الإسلام والموهبة الشعرية المختلفة والاستعداد لتقبل الدعوة الجديدة طبقا لظروف الشاعر في الجاهلية فالحطيئة مثلا كان معروفا بالهجاء في الجاهلية لم يستطع أن يتخلص بصورة نهائية من الهجاء حتى حبسه الخليفة عمر بن الخطاب بعض الوقت ولم يقل فيه ثم اطلقه فعاد اليه . وكعب بن زهير اقتبس بعض شعره في الإسلام من الايمان الإسلامي فكان قليلا ومن الأسلوب الجاهلي كثيرا وهكذا بقية الشعراء حيث كان اغلبهم مخضرمين فأ ثر فيهم اسلوب وطبيعة الشعر الجاهلي ولم يتمكنوا من التخلص منه فنسجوا على منواله .

ومن هنا يتبين ان الشاعرالفطحل حسان بن ثابت (شاعرالرسول) انت قص الاسلامية تصب في عصره لقربه من الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وقرابته منه حيث انه كان عديله فاهتم به كثيرا وان عمره الطويل عركه فكانت قصائده في مدح الحبيب المصطفى وفي شهداء المسلمين كثيرة فهو بحق امير الشعر واميرالشعراء في عصر صدر الاسلام حيث انه هو الافضل في شعره وافضل الشعراء فيما قالواه في هذا العصر واقربهم اليه مقالة .

 

امير البيــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العرق - ديالى - بلــــــد روز

 

 

جمعة عبد الله من الخصائص الروائي (محمود سعيد) ان يبحث في ابداعه الروائي عن منصات غير مطروقة في الحدث المتن الروائي، بشكل غير مسبوق، رغم الكم الهائل من الروايات، التي انتجت واصدرت بعد الغزو الامريكي للعراق عام 2003، يبحث عن رؤية وروى لم تطرق في هذا الكم الروائي، وهذا الكم يتحدث بشكل مسهب عن وحشية المحتل واستهتاره بالعراق والعراقيين، في مخالبه الدموية المتغطرسة في تدمير العراق، الذي جلب ذيوله، الذين جاءوا على الدبابة الامريكية وسلمهم مقدرات العراق والحكم والسلطة والنفوذ، ليعم الخراب والانفلات في الفوضى والاضطراب، بحيث تكون الحياة عبارة عن معاناة جحيمية، بالارهاب والتفجيرات الدموية . التي اصبحت ظاهرة روتينية في ظل الاحزاب الدينية الطائفية، التي فتحت شهيتها الجشعة على مغارة (علي بابا) وحملت الذهب والياقوت والدولار . وكذلك هذه الروايات التي صدرت بعد الغزو تحدثت عن الارهاب اليومي في الحرب الاهلية الطائفية، في التخندق الطائفي وسفك الدماء، واصبح القتل ظاهرة يومية روتينية، القتل على الاسم، هذا الرعب اليومي، الى جانب عمليات النهب واللصوصية والفرهود وعمليات الحواسم . هذه المظاهر الجديدة التي جاء بها المحتل الامريكي، وهو يبشر بولادة الديموقراطية، التي تحاولت الى الدم / قراطية، الذي انحدر اليها العراق . وهذه الرواية (الشاحنة) تطرقت في شكل اخر في تناول تداعيات النص الروائي . تتناول مسألة مهمة وحيوية في الاحداث السردية، انها تغوص بالعمق في الطبيعة السايكولوجية لهذه الطغمة الحاكمة الجديدة، تغوص في وجدانها الداخلي، وتشرحها في المبضع الروائي، بما تحمل في دواخلها الكامنة، هو راقد في داخلها وحش متعطش الى الدماء والقتل والارهاب، يغوص في اعماق عقليتها الطائفية المنغلقة، تغوص في اعماق نفسيتها المشبعة بالغرور والغطرسة وعدم احترامها القيمة الانسانية، في طبيعتها الارهابية، قبل سقوط النظام الدكتاتوري، والتي رفعت لواء معارضة النظام، في استخدام كل الوسائل الشرعية واللاشرعية، في سبيل الوصول الى غايتها المنشودة، في هذا التعطش الجشع في الاستيلاء والاستحواذ على الارض والبشر وتطويعهم بسوط الارهاب والاجرام . لذلك يسكن في دواخلها الف وحشي كاسر متعطش الى الدماء، والفرهود المالي، تستخدم وسيلة العنف لكي تصل ما ترمي اليه من غايات خبيثة وشيطانية . قبل سقوط النظام وزادت اكثر وحشية بعد سقوط النظام الدكتاتوري، هذا ما يكتشفه النص الروائي، في تحليل طبيعة هذه المخلوقات المسخة والهجينة . وبالتالي ان المتن الروائي، يجعل القارئ، يستنتج من حصيلة الافعال هذه العصابات، بأن فصيلة دمها، معجون بطينة الارهاب والاجرام، وايقاع الاخرين في الفخ،مثل ما وقع (حسين) في شباكهم في الاستدارج المغري بالمال، وبذلك لم يستطع او يتمكن ان يتخلص من فخهم، لا يمكن ان يبتعد عنهم، بعد ما اشركوه في افعالهم، بأن اصبح مهرب لهم في الشاحنة، في تهريب عناصرهم من العراق الى اسطنبول وبالعكس . هذه الاشارات الواضحة في دلالتها التعبيرية . والتي يشير اليها المتن الروائي والحبكة السردية. اذا كان يحكم في العراق سابقاً دكتاتور واحد وحشي، مجنون بحب العظمة، وهؤلاء العصابات يوجد في كل عصابة يرقد في دواخها وحش كاسر متوحش . مجنون بحب المال وحب الارهاب والاجرام . جاءوا ليمزقوا العراق ارباً أربا . هذه خلاصات التحليل التشريحي السايكولوجي لهؤلاء الشراذم في طبيعتها وروحيتها الداخلية والخارجية، في سلوكها وتصرفها. ان رؤية المتن السردي متناسق في اتجاهاته التعبيرية، وهو يغرف من الواقع الحقيقي والفعلي، دخل مختبر الخيال الفني الروائي، في توظيف الاتجاه الواقعي، في الواقعية الانتقادية الساخرة في التهكم والتندر على نفسية هؤلاء الشراذم، بأنها نفسيات مهزوزة وضعيفة ومنبوذة من المجتمع . براعة لغة السرد في توظيف الفعل الدرامي المتصاعد لشد القارئ . وكذلك روعة الغوص والتصوير الروائي، وهو يلاحق الاحداث . في افعال هذه المخلوقات المسخة  والارهابية . نجد التواضع والبساطة والحلم في الحياة الهادئة .في نفسية (حسين) الطيبة لم تستطع ان تتلوث بالمغريات، رغم تعامله معهم، فظل محافظاً على طيبته حتى اخر الشوط . رغم انه وقع في في فخهم، لكن لم يبع حبه ووفائه الى زوجته (نبع) ولم تهزه وتزعزعه الاغراء والغواية بتوفر الجنس في المتعة، فظل محافظاً على رباطة جأشه حتى النهاية . لكنه في النهاية دفع الضريبة الباهظة بمقتل زوجته برصاص الغدر، ولم يفلح في النهاية سوى في انقاذ طفلته، والرحيل الى شتات الغربة . لذلك ان الطيب يبقى طيباً رغم كل المغريات، وبالمقابل التصرف والسلوك الارهابي مع الزمن يتصاعد اكثر، فكيف الحال لو كان يمتلك السلطة والنفوذ، بكل كل تأكيد يزداد اكثر وحشية واجراماً .

أحداث المتن السردي:

× مشهد رومانسي جميل على ساحل البحر عناق شاب وشابة، استفز روحه المكلومة بلوعة الفراق، وهو يعيد شريط الذاكرة في استرجاع الزمن الماضي (فلاش باك) نعرف انه (حسين) ولد عام 1980 في بغداد، لكن يحمل أسم اخر . جواز آخر . وطن آخر . ولد ولم يرَ والده الاستاذ في الجامعة، الذي وقع اسيراً في الحرب العراقية الايرانية . وانه مات في الاسر . بينما خاله (شريف) ايضا وقع في الاسر واطلق سراحه بواسطة الصليب الاحمر، عاد نحيفاً يمشي على عكاز، او عاد شبه هيكل عظمي . من الظروف الصعبة في الاسر، التي مات فيها والده بسبب التعذيب الوحشي ضد الاسرى، وقد مات الكثير منهم نتيجة الظروف الوحشية، مات اباه بسبب الاسهال الدموي نتيجة شرب مياه المراحيض (أجبروا مئات الاسرى على شرب مياه المراحيض، مياه المراحيض؟ أكل الديدان (الخرأ)،تقزز امتلأ قلبه كراهية . اللعنة . كيف يجبرون أنساناً مثلهم على شرب مياه المراحيض ؟ أتعس من ذلك وضع السجن، زنزانات انفرادية . لا ضوء . مطلقاً . يدفعون الماء والطعام من خلال فتحة الباب . المرافق حفرة يجب ان تبحث عنها في صدر الزنزانة . لا فراش . لا بطانية . السجن في شتاء الشمال درجة الحرارة عشرون تحت الصفر . هناك ينغلق المرء على برده وامراضه) ص7 . (حسين) ترك المدرسة وتعلم لعبة الكارتيه، ثم بعد ذلك تعلم مهنة ميكانيك السيارات، حتى اصبح ميكانيكي ماهر في الصنعة . وخلال الحصار الدولي على العراق . كان يسمع عن سواق الشاحنات، الذين يحملون البضائع من الدول الجوار (الاردن . سوريا . تركيا) يعيشون في بحبوحة العيش رغم الظروف الصعبة . لذلك اراد ان يكون سائق شاحنة حتى يوفر المال ويتزوج وتستقر حياته، فأشترى شاحنة قديمة (سكراب) وقام باصلاحها وتبديل قطع الغيار بجديدة . حتى اصبحت بحلة جديدة وجيدة، واشتغال عليها على الاردن وسوريا، وساعد الاطباء في جلب الادوية المفقودة في العراق نتيجة الحصار، يعطونه قائمة المشتريات من الادوية ويجلبها اليهم . كان يتمثل بالخلق والاداب والصدق والامانة، وكذلك الشجاعة والجرأة . لذلك استدرجوه في العمل والتعاون مع المعارضة الاسلامية في عدائها مع النظام الدكتاتوري، في المساعدة في تهريب عناصرهم المطلوبة وتهريبها الى خارج العراق، او بالعكس العناصر التي يهربها من خارج العراق الى الداخل . مقابل دفع مالي محترم، واستمر يتعاون معهم، رغم الهواجس المريبة حول اعمالهم، التي تتخذ صفة الارهاب والاجرام، حاول ان يتخلص منهم ويقطع علاقته معهم، لكنه خشي من الوشاية به، ويكون مصيره الموت المحقق . وكان يجد سلوكهم يتخذ صفة الارهاب والاجرام، ولا يدل على السلوك السوي للمعارض السياسي . كان يضع الشخص المهرب في صندوق خلف السائق مصمم على شكل مخبأ سري . وفي احدى المرات حمل شخصاً من داخل العراق، عرف اسمه فيما بعد (موسى الامغر) شخص مريب، تدور حوله الشكوك، ولكنه مجبر على ذلك، لذلك فكر أنه لو انكشف أمره في العراق والقيء القبض عليه سيكون مصيره الاعدام، أو اذا القيء القبض في سوريا، سيتعفن بالسجن حتى الموت . وراردته الشكوك حين حذروه بعدم توجيه السؤال والاستفسار عن اسمه وعائلته وسكنه، غير مسموح بطرح السؤال عليه . عرف انه وقع في براثن عصابة ارهابية واجرامية، تحت ذريعة معارضة النظام الدكتاتوري . اخذ الشخص المهرب ووضعه في المخبأ السري، وقبل الوصول الى نقطة الحدود العراقية / السورية، ادخله في احدى المطاعم على الطريق الدولي . وانفتحت شهيته الجشعة على الطعام واختار مختلف الطلبيات المتعددة من انواع الاكل . وعند نقطة الحدود العراقية مر بسلام بعدما دفع الرشوة، ولكن قبل الوصول الى نقطة الحدود السورية، هاجت معدته من الطعام الثقيل، واخذ ينفض الهواء الفاسد . واثناء دخول المفتش كانت السيارة مليئة بالهواء الفاسد، حتى زجره المفتش بالغضب والاستهجان موجه كلامه الى (حسين) (ألا تخجل تضرط وانا قربك؟. انحنى حسين عليه . عانقه خجلاً وتوسل : أرجوك سامحني أنا مصاب بزحار، حين أنفعل يفاجئني) ص73 . ولكنه تكررت الغازات الفاسدة اكثر من السابق . تخبط (حسين) في ارتباكه، وقال بتوسل (والله عمي ليس بيدي) وبعد مداولات بالشد والجر والتهديد بأنه حامل مخدرات او شيء ثمين لهذا يرتبك و (يضرط) بالهواء الفاسد، اثار الشكوك حول بضاعته وما يحمله، واخيراً سلم رشوة خمسمئة دولار . ولكنه حذره في المرة اللاحقة سيكون مصيره السجن . ولكن هذا المسخ الذي يحمله تغوط على نفسه، وملىء جسمه وملابسه بالغائط، وحار في امره، واصبحت الرائحة العفنة لا تطاق . تذكر هذا المسخ حين تولى منصب رئيس الوزراء ورئيس عصابة وحزب، وعرف بأنه طبيب من كربلاء المقدسة، واراد ان يتزوج من (سامية) لكن رفضته، لانه معروف في كربلاء المقدسة بأنه منبوذ من الناس، بما يحمل من عقلية طائفية متزمتة ومقيتة . وقد استشاط والد (سامية) من هذا المنبوذ الذي يطلب يد ابنته، اشبعه ضرباً واسقطه على الارض . ولكن (سامية) انتابها القلق والخوف الشديد من الانتقام منها ومن زوجها الدكتور (صبحي) ومن عائلتها بعدما اصبح الحاكم الاول في العراق، رغم ان (موسى الامغر) وعدهم بالسماح والغفران ونسيان الماضي، ولا يود لهم إلا الخير في حياتهم . وان الانتقام ليس وارد وليس من اخلاقه . لكنه انتقم من كل العائلة في الاغتيال داخل بيتهم، ولم ينجو من الاغتيال إلا طفلة صغيرة . لان هذا الوحش الكاسر رئيس عصابة اجرامية تمارس ابشع وسائل الموت المروع، لدواعي طائفية ومذهبية مدمرة في حق الناس الابرياء (جثث مقطعة . اعين مفقوءة . بطون مفتوحة . أطفال مقطوعة الرؤوس . نساء عاريات مشدودات من القوائم الاربع، ورجال يمارسون الجنس معهن . ذكور بمختلف الاعمار مقطوعة اعضائهم الجنسية . شباب مربوطة ركبهم الى صدورهم واخرون يمارسون الجنس معهم . رجال . نساء . اطفال جالسون على عصي حديد مثبتة على الارض واعينهم تدلق معاناة لا توصف) ص143 . هذه الصور التصويرية، لما خلقوه من رعب وحشي في العراق . وجعلوا الحياة تعيش رعب حقيقي . اما السرقات والفرهود فحدث بلا حرج . في تهريب المليارات الدولارية الى البنوك الخارجية . وفي الاخير دارت النوائب على عنق (حسين) في هجوم غادر على بيته في الفجر بالرصاص والقنابل التفجيرية في الانتقام منه ومن عائلته، ولكنه استطاع ان يبادلهم اطلاق الرصاص ويهرب مع عائلته بسيارته، لكن اطلاق النار لم يتوقف، فأخترقت الرصاصات جسد زوجته (نبع) فسقطت قتيلة، واستطاع ان ينقذ نفسه وطفلته الصغيرة، ويشد الرحال الى الغربة، خوفاً من الانتقام القادم .

 

 جمعة عبدالله

 

 

صالح الرزوقبقلم: جين إينيس

ترجمة صالح الرزوق


 

يقول كامو في “أسطورة سيزيف” إن أهم مشكلة يواجهها الكائن الإنساني هي مشكلة اختيار الانتهاء منها. ويكرر شكسبير أيضا هذا الموقف في هامليت حين يقول:”أن نكون أو لا نكون”. وربما كانت بلاث، التي أنهت حياتها بيدها، هي نتيجة لحقبة اختارت الجزء الثاني من سؤال هاملت: أن لا نكون.

بطريقة ما، نحن، القراء، علينا أن نحكم ليس على اختيار بلاث لأفعالها، ولكن على كل التقاليد الأدبية والثقافية التي تطورت منها. أولا، لدينا “أرض الخراب”، ثم تبعها عدة عقود خيم عليها بأفضل الأحوال الكآبة المتناهية في الحياة والوضع الإنساني. وذلك منذ بروفروك إلى نورمان ميلر وشخصيات روايته “حلم أمريكي” وهي حكاية رجل لا يتورع عن طعن زوجته. ولا شك أن طلبة الأدب الأمريكي الحديث يتساءلون غالبا:”متى سنقرأ شيئا أكثر بهجة؟”. واقترنت مع هذه الفكرة الفلسفية ظاهرة تيار الوعي في السرد، وهي تقنية ابتدعها جيمس جويس وفرجينيا وولف وأفرط باستعمالها وليام فوكنر. وهؤلاء ثلاثة من أهم الكتاب في عصرهم. وليس صدفة أن بلاث كانت تدرس “القرين” في أعمال جويس، وهو جزء من برنامج الدراسة في كلية سميث. فقد ذكرت جويس عدة مرات في مفكرتها وفي كتاباتها.

 لفهم كل التقاليد الأدبية - منذ إليوت وما بعد - ولإجراء مناقشة جادة حول مشكلة الانتحار، من المهم أن نسأل أنفسنا السؤال التالي: لماذا كان العديد من الشخصيات الذكية والشابة أتباع المدرسة الكلاسيكية بالتفكير هم أكثر اهتماما بجويس وإليوت وليس وولف وفوكنر. وهذا هو مكان بلاث الحقيقي، لأنها بكل تأكيد، حتى لو أنها لم تذكر إليوت، كانت صورة جرسها الزجاجي نتاجا مباشرا لأرضه الخراب. إنه لو وضعنا بالذهن عالمنا المعاصر الملوث، لن نشاهد هواء طاهرا ونظيفا إلا داخل قبة هذا الجرس.

في أعمال وولف وفوكنر، يمكن للقارئ الحساس، أن يجد أسباب الحياة مع الأسباب الموجبة للموت. ولنتذكر (انتحار) سيبتيموس سميث في “السيدة دالواي” وانتحار كوينتين كومبسون في “الصخب والعنف”، ولكن أيضا لنتذكر (عشاق الحياة) سالي سيتون والسيدة رامزي عند وولف، و(عشاق الحياة) ديلسي وديوي ديل، وأدي بوندرين ولينا غروف وإسحاق عند فوكنر. وبالنتيجة يمكننا أن نقول: إما أن بلاث لم ترغب أن تسمع، ولسبب ما، الأصوات التي تقول:”عش حياتك، عش حياتك!”. أو أنها لم تسمع فعل.

ولكن هناك عبارة وردت في مفكرة بلاث عن أيام بوسطن (1958-1959) وهي:”خذوا درسا من تيد. إنه يعمل بلا انقطاع. ينقح ويكافح ويفقد نفسه. علي أن أجتهد أيضا لأحقق الاستقلال. وأجعله يفتخر بي. وأن احتفظ بيأسي وأسفي لنفسي. أن أعمل باستمرار لتحقيق احترام الذات. أن أدرس للغة، وأقرأ باهتمام. أن أنغمس بالعمل”. مع أنها كانت ترغب بالتعلم من كاتب آخر، وأن تقتدي بأديب ناجح، فقد أعاق جهودها عقدة بلا حل، أنها اقترنت بتيد هيوز، وهو شاعر مختلف.  لقد رغبت بالاستقلال واحترام الذات، وهذا شيء تستحقه. ولكن هذه الرغبة رافقتها رغبة أكبر وهي أن يكون زوجها فخورا بها. وعليه كانت لديها إملاءات أو فروض فاعلة - البحث عن موافقة شخص آخر. ففي هذه العبارة الوحيدة، يمكننا أن نرى كائنا بشريا مدفوعا وضائعا في مشكلته المعقدة. كانت بلاث تبحث عن نظام لحياتها ولكن في الكتب والعمل فقط. فهل فكرت أنه بوسعها أن تعيش، وأن توجد، وأن تتجول على طول طريق الحياة مثل لينا غروف في رواية فوكنر “ضوء في آب”؟.

ولا غرابة أن طريق العديد من الكتاب الموهوبين في تلك الفترة قاد إلى مصحة عقلية. ويجب أن نلاحظ هنا أن كلا من رواية كيسي “أحدهم طار فوق عش الوقواق” ورواية هانا غرين (وهو اسم مستعار لجوان غرينبيرغ) “لم أعدك بوردة الحديقة”، نشرتا عام 1963، وهو عام صدور “الجرس الزجاجي” - ولكن من بين الثلاثة، لم تنتحر غير بلاث.  ويبدو لنا أن أولى حركات تحرير المرأة في الولايات المتحدة انطلقت من رواية بلاث ونهايتها الدرامية. لقد قاد ذلك إلى زيادة ملحوظة في عدد النساء الكاتبات، وهذه حقيقة تقودنا بالضرورة إلى التفكير بطبيعة تلك الحقبة وإلى النشاط الذهني الذي سبق “الحريات” الجديدة الممنوحة للنساء. ولو تعلمنا من تاريخ تلك الفترة يمكننا أن نتجنب حقبة أخرى من  التراجيديات التي قد تكرر في المستقبل مصير سيلفيا بلاث.  بما يخص هذا الموضوع، من المناسب أن ننظر إلى أخلاقيات الانتحار. ربما هذا هو الوقت لقراءة ثانية لما كتبه الأكويني عن “خطيئة الانتحار”. هنا علينا أن نسأل أنفسنا: هل بلاث “أخطأت” أم لا حينما وضعت حدا لحياتها وتركت طفلين صغيرين وراءها في العالم دون أم. ألم تكن مفارقة ساخرة أن تضر بلاث ولديها من خلال ما فعلته بحياتها الشخصية - فقدان أحد الأبوين بعمر بالغ الحساسية؟. وفي النهاية، كيف يمكننا أن نحكم على امرأة كانت قد انتقدت بحنق أمها وألّهت والدها، ثم اختارت طريق أبيها في تدمير الذات (مع أن أوتو بلاث لم ينتحر، فقد تسبب بالتأكيد بموته المبكر كما يتضح من كل التفاصيل، حيث أنه امتنع عن علاج مرضه، و هو السكر، حين كان في مراحله الأولى). ويبدو أن ذلك شجعها على أن تفعل بزوجها، ما فعله الأب بأمها. ولا شك أنها مفارقة تدعو للسخرية أن قصيدة بلاث “والدي” قد خيمت بجوها على الطريقة التي ستنهي بها حياتها. في هذه القصيدة تعريف بوالدها، فهي ترسمه بشكل شخصية نازية لكنها تعرّف بنفسها كيهودية. تقول بالإشارة لوالدها:”حسبت أن كل ألماني هو أنت”. ثم تتابع لتصف قطارا “يجأر” وينقلها مثل يهودية إلى داشو، وأوشفيتز، ثم بيلسين. ثم بحدة تعلن في العبارة التالية “ربما أنا يهودية قليلا”. وهنا يحين الوقت لنتذكر كيف ماتت بلاث: لقد خنقت نفسها بالغاز.  وكأنه لم يكن بوسعها أن تهرب من الاستسلام للقبة. وهذا في الواقع نوع من الانحراف العكوس، والعدالة “الشعرية” العدائية. ويمكننا أن نصل بالنتيجة، حتى رغم تعاطفنا مع بلاث، لنقرر أنها كانت مخطئة، وهذا يعني أنه لا يكفي أن نقول إننا غير مرتاحين لانتحارها، أو أننا نشعر بالحزن فقط. إنه يمكننا أن نثني على كتاباتها. ويمكن أن نقول نعم، إنها كاتبة متفوقة، ولكن علينا أن نتألم وتصيبنا اللوعة من شخصياتها المعقدة والمثيرة للتساؤل. (لقد كان لديها صوتها الخاص، كما نوه تيد هيوز في مقدمته لمفكرتها). ولنا أن نواصل قراءة كتاباتها ونفكر بها أيضا. إنما لا بد أن ننتقد تصرفها الأخير، حتى لو كانت لديها “الأسباب الموجبة”.

إن انتقاد أخلاقيات بلاث، يسهل علينا أن نتذكر “فن الانتحار” لجويس كارول أوتس. تتكلم أوتس عن “الانتحار الذي يحمله المجاز”. وهذه الفكرة تنطبق على بلاث، التي يبدو غالبا أنها تجعل رؤاها وأفكارها الشعرية متداخلة مع مشكلات حياتها الحقيقية. هل كان جانب من مشكلة بلاث هو في مشاعرها عن مدى جودة شعريتها؟. من الملاحظ، أنها تعاني من القليل من الدونية. لقد اعتقدت أنه عليها أن لا تكون مضطرة، مثل بقية الكائنات الإنسانية ، لتنظيف الأطفال. ولكن هل ضاعت تماما في شعرية تيار الشعور لدرجة أنها لم تكن قادرة على العودة للواقع كي تتعامل مع الهموم الأرضية؟.  إن تصوفية الإبداع مجال يعاني به الإنسان، بطريقة ما، من التشتت، مثل أستاذ مشغول الذهن. ولكن في نفس الوقت، إن إبداعية شخص تكون واضحة ومركزة. وهذا العالم غير - الإبداعي لا يمكن لبلاث أن تتعامل معه، ولا سيما بعد فترة مكثفة من الكتابة، وهي الفترات التي شغلتها في نهايات عمرها، كما حصل معها بعد فترة من النجاح وقبيل محاولة الانتحار. ويبدو لنا كأن بلاث تعاني من كآبة “بعد الإنجاب” حالما تنتهي من كتابة أي عمل، أو كما لو أنها لا تستطيع التعامل مع خمول الحياة بعد فورة الإبداع.

تقول أوتس:”الانتحار الذي يفرض نفسه... يرفض ظرف النهاية البشرية.. والإضرار بالذات عبارة عن إنكار، بمعنى من المعاني،  لما يمكن أن يعنيه أن تكون إنسانا”.  الانتحار نفي للغز الحياة، ورفض للمستقبل، مهما كانت وعوده. بغض النظر عما هو أمامنا تحمل الكئنات البشرية واجبا هو المحافظة على الحياة، وأن تؤكد على قيمة الإنسانية جمعاء. وعلينا، كما هو سيزيف كامو، أن نهبط من سفح الجبل بسرور ونتابع واجبنا وكفاحنا. ويبدو أن الانتحار مثل التحرر من المصير المكتوب، مع أن هذا غير ممكن. وكما تضيف أوتس: الانتحار ينتهي بـ “الموت”، وهو ليس نوعا من أنواع الخلق أبدا. وقصيدة بلاث الأخيرة ليست قصيدة شعرية على الإطلاق. وواحدة من إنجازات بلاث التي بقيت متاحة لنا هو عبارتها “السلبية” الأخيرة. 

ومثل بطل كامو العبثي، على بلاث أن تستوعب أن الحياة هي توازن بين الأمل واليأس، بين الحرية والقدر. وكل من دافع عن انتحار بلاث بقوله إنها لم تتعمد أن تقتل نفسها لأنه كان المفروض أن تصل ممرضة في الوقت الحاسم وتنقذها، هو أيضا يدافع عن عجز بلاث عن امتلاك فلسفة واضحة ومتماسكة. كان جانب من حياتها مندفعا للسيطرة التامة على الذات كما يقتضي أصلها الألماني. وجانب آخر من حياتها كان استسلاما تاما للقدر. هل كانت بلاث في مخاض يظلله وهم كانتي، حيث أن الأخلاق واحد من اثنين: إما أبيض أو أسود؟. وما هو القانون المطلق الذي يؤكد أنه على الروح المبدعة لتعيش، أن تضمن لها الأقدار ذلك؟. لم تفهم بلاث ما هي حدود مسؤولياتها في السيطرة والتحكم، ولكن على كل إنسان أن يعلم أنه يوجد شيء هو خلف قدرته على السيطرة. علينا أن نأسف لبلاث، ولكن ليس علينا أن نقبل وجهة نظرها. إن الحياة، كما يقول “الرجل الخفي” في رواية رالف إليسون، هي ما يجب أن نعيشه، وليس ما نسيطر عليه. وطبعا الحياة تعني بعض التحكم في معظم الأحيان. ورغم انتظام بلاث في حياتها الأكاديمية وكتاباتها، إنها لم تكن منتظمة في حياتها. أو ربما كانت غير راغبة، أو غير ناضجة، بما يتعلق بفن الحياة.

لو أن آخر كلمة وجهتها بلاث لنا كانت سوداء جدا، فقد تبدلت الظروف. وبعد ذلك بدأت النساء بالتعبير عن أشياء إيجابية تماما. وعلينا أن نتمنى نحن أنفسنا أن بلاث نفسها موجودة هنا لتعلق على أعمال روائية ممتازة وراقية كتبها أدباء مثل أوتس، ماري غوردون، غايل غودوين، جوان غرينبيرغ، أليس ووكير، وجيل آخر كامل من النساء لا زلن تنتجن حتى الآن. إن “الجرس الزجاجي”، من الأعمال البسيطة، بعد مرور كل تلك الفترة عليها، وبعد ظهور كتابات خرجت من معطفها ولكن اختارت لنفسها طريقا آخر. إنها الآن هي قطرات الماء المتبقية. أما انتحار بلاث التراجيدي فربما هو الأرض الخراب الذي حررت المرأة المعاصرة نفسها منه. 

بالنتيجة، علينا أن نتابع إلى الأمام. ودون فرصة العودة - إلى “والدي” أو للطرق الصبيانية، ما يشبه حالة “هاملت” أو الحلم الأمريكي - وكل أشكال التدخل النخبوي الذي لا يمكننا استيعابه في العالم الذري المعاصر. نتيجة هذه الحركة نحو الأمام، باتجاه أهداف شخصية موجبة واجتماعية، على النساء أن تلعبن دورا هاما. ويبقى علينا أن نرى إن كان عمل النساء الإبداعي أكثر ضرورة للتطور وأكثر التصاقا بالحياة. فهو يناسب دورهن البيولوجي.  كذلك علينا أن نرى أيضا إن كانت بلاث ستبقى في الذاكرة كامرأة مزقتها فلسفة المذكر النيتشوية المتشائمة، أو كامرأة لم تتطور شخصيتها المؤنثة بالكامل. والسؤال الآن: من وجهة نظر التقاليد العريقة منذ أيام سافو وحتى سيمون دو بوفوار والفنانات المعاصرات المتحررات هل إن صفة التدمير عند بلاث دون دافع، قد ارتد عليها بواسطة المرض، هل هو فعل إنكار؟..

وأخيرا. حول أخلاق الانتحار، يمكن أن نقول: إنه عمل، عمل محدد له عواقب جازمة.  وعلينا أن ننظر لهذا الفعل بشكل مختلف عن الموضوعات الأخرى المتعلقة بالمفهوم الحديث للحريات.  أو بالأفكار المحددة لحق الموت بكرامة.  وبالمثل إن توقيت الموت هو تأكيد على سيرورة الحياة.  وهذه هي المحددات التي يجب على كل المخلوقات البشرية والقابلة للنمو أن تقدمها. وإذا لم تكن الحياة صحيحة أو خاطئة، سوداء أو بيضاء، يمكنها أن تكون سيرورة من الاختيارات الفكرية التي تؤكد على الكرامة وحق التعاطف الممكن عند البشر. ونأمل أن القارئ قد تعلم من فن وحياة بلاث، وبالاستطراد، من مأساتها، أن أحزان أي شخص هي البوابة لخلاص غيره.

 

..........................

المصدر:

Jeanne Inness. CliffsNotes on The Bell Jar. 22 jan 2020