صالح الرزوقلا يبتعد صالح البياتي كثيرا في روايته (بيت الأم)* عن قصصه، فهو يقدم لنا لوحات لأشخاص وأمكنة. المكان هو أي علامة يمكن التعبير عنها برمز. والشخص هو أي إنسان يمكنه تداول تلك الرموز وتحويلها من أثر إلى إشارة.  ولكن إذا كانت الشخصيات كثيرة العدد ومتباينة، وتتراوح في انتماءاتها بين الأحمق والعراف وحتى المثقف والعالم، فالمكان له إطار محدود، وهو لا يزيد عن عدة كيلو مترات تفصل ميسان عن الأرياف القريبة منها. بمعنى آخر إذا كانت الشخصيات موزعة بين إدراك معنى الهوية وبين الوجود المجرد، أو ما هو بحكمه (مثل أي حادث يقع بالصدفة) فإن المكان متكرر ومتشابه. ومن هذه الملاحظة نستطيع أن نؤكد أن رواية (بيت الأم) هي عن سلوك ومواقف نماذج بشرية. وهذا يعني أنها رواية أزمة، أو الأدق تأزيم. فكل إنسان ينظر لحياته وكأنها خطأ أو مشكلة، حتى أن الراوي ينفر من اسمه ويبدله في السطور الأولى من الرواية.

وهذا يفسر لماذا اختار البياتي لروايته موضوعا واحدا هو "الحرب". فقد وضعنا بمواجهة سلسلة لامتناهية من المعارك، كانت أولاها هي السفر برلك، وآخرها حرب الخليج الثانية. وبينهما عدة حروب وانقلابات. ولا سيما انقلاب قاسم، وما تبعه من كساد أو جمود في المجتمع وفوضى في السياسة. وعن ذلك يقول على لسان الراوي: إنه تحول سياسي. ثم يضيف: إنه أجنحة الخوف الكئيب الأسود، قبل أن يقرر أنه ندبة في "تلافيف العقل الباطن". 

وبوجيز العبارة نحن في الرواية إزاء مكان محدد وهوية متبدلة. وهذا يفسر سبب استعمال عدة مستويات في السرد.

- الأول هو المحاكاة. ومع أن الراوي لجأ لضمير المتكلم، فقد كان يتكلم بالإنابة. بمعنى أنه ليس متحدا مع ذاته، وهناك مسافة تفصل الفضاء النفسي عن محتوى الذاكرة. لقد كان الراوي يقدم أحداث الماضي وكأنه يتكلم عن أمنية أو كأنه يعيشها في هذه اللحظة. والتعايش بطريق التذكر لا يفترض الاستعادة ولكن التماهي. وقد استعمل  علي بدر نفس الأسلوب في (حارس التبغ). فالشخصية المركزية كانت مجزأة وموزعة بين واقع ورغبة وضرورة لا بد منها. والعكس بالعكس. كان الراوي ينظر للحاضر من فوق كأنه يتابعه بواسطة منظار أو من خلف جدار شفاف. وترتب على ذلك اتباع أسلوب تداخل المرويات لا تفريعها. والفرق بين الأسلوبين هو مثل الفرق بين الحكاية الغريبة والحكاية العجائبية، إذا استعملنا مفردات تودوروف. فالتداخل ينطوي على وجهة نظر واحدة لعدة مستويات من التفكير، في حين أن التفريع يعني عدة وجهات نظر لنفس الطور أو أسلوب الحياة. وأعتقد أن أفضل مثال على ذلك هو التجاور بين محور الطفل ومحور الأم. كانت حكايات أمه تنبع من ذهن خرافي لا يتورع عن استعمال السحر لحل المشاكل، في حين أن حكاية الطفل لم تكن تزيد على مشاهدات بريئة لما حوله. وتجاور المنطقي مع الفانتازي قلب كل المعادلة. فهو يعيد توزيع أساليب الوعي بشكل معاكس. الخرافة للكبار والواقع للصغار. وبلغة كولن ولسون: اللامعقول للماضي المألوف، والمعقول لحاضر تسلبه الحداثة من إدراكه لنفسه. وهذا، إن شئت الحقيقة، يضع فكرة الرواية في سياقها الطبيعي. فهي وجهة نظر شرقية عن مكان مؤنث. لقد كان للمذكرأولوية على المؤنث، حتى لو أنه في مرحلة مبكرة، وهذا يفسر تفشي روح القتل والسلوك العدواني والسادي الذي يغلب على حبكة الرواية، كما في مشهد سحل جثة مشوهة بلا رأس ولا أطراف (انظر فصل: الطريق إلى بغداد). وفي ذهني رواية مشابهة، وهي (قصة عائلة) لقصي الشيخ عسكر. فهي تهتم ببروز شوارب الولد الصغير، وبهروبه المتكرر من المدرسة للعمل في السر وإعالة أسرته.

وأعتقد أن الرواية العربية متخصصة بهذا السلوك، أو باختبار قدرات الصغار قبل أن يبلغوا سن الحلم. إن أدب العالم الثالث، بشكل عام، يعزو للمخاطرة الجنسية أهمية كبيرة. بينما في أوروبا تكون المخاطرة بالمعنى الاجتماعي للغريزة. وتنفرد الرواية العربية وحدها بالمراوحة في مساحة من خارج السرد. وهي مساحة لمشروع الطبقة المتوسطة بما عرف عنها من تردد، وعدم قدرة على الجزم. وتلبك يقود لمفاجآت أو ردود فعل عنيفة. وبلغة جون ماكوري: لتقبل الموضوعات و ليس لخلقها**.

وبعيدا عن هذا التأويل الاجتماعي لمشكلة الطبقات، وعلاقته السببية بالحروب، وقبلها بالفتن والانقلابات، أعتقد أن رواية (بيت الأم) كانت تبحث عن مخرج من تهمتين.

1- عقدة الخصاء التي سببها لنا الاستعمار، وذلك ببناء ذاكرة غير استعمارية أو ذاكرة وطنية تجد في الأطفال رمزا لرجولة مقموعة ومكبوتة.

2- وعقدة الجمود أو النكوص، وذلك بالالتفاف من حولها بالسفر واستعمال أدوات الحركة وتسلسل الأفعال،

مع تعميم معنى المهد أو بيت الطفولة، ليدل على شيء أشمل وأغنى، كأن يكون الوطن أو ربما العالم. وأول من وظف هذا الأسلوب هو شاعر الهند طاغور بروايته المعروفة (البيت والعالم). فقد حول الجدل بين الخاص والعام إلى تكامل بين الكل مع الجزء. ولم يخرج البياتي عن ذلك. فقد أسقط بيوتات المدينة على المدينة، حتى أصبحت العلاقة بين الطرفين هي علاقة الأثر بالأثر. فالمدينة هي شكل المجتمع وبيوتاتها هي مضمونه. وعن ذلك يقول على لسان التاجر موسى الكيال: لتعرف أحوال المدينة يجب أن تعرف أولا وضع بيوتاتها وعشائرها. بمعنى أسرها. فالمكان يدين بمعناه للإنسان، أو كما قال الراوي بضمير المتكلم: هوية المدينة تتغير بتغير أهلها وقاطنيها.

- الثاني. هو موقف الرواية المتردد أو فلسفتها المحتارة وغير الجازمة تجاه المواقف والذكريات. فهي منحازة قليلا ولكنها ليست منتمية. ويمكن أن تجد ذلك في اتباعها للأسلوب الواقعي الطبيعي المنقلب والمتحول. فقد تخللتها عناصر أوديبية منها الرغبة بالأم، والروح الدموية والعنيفة التي تحمل بصمات جريمة قتل الأب، أو أقله النية بتصفيته. فقد كان غائبا من مجرى الأحداث ولكن ترك صورا باهتة على جدار الذاكرة. وهذا يفسر لماذا اختار البياتي عنوان (بيت الأم) لعمل يدور كله تقريبا حول الموت لأسباب غير طبيعية. ناهيك عن التبديل بين الضمائر، من استعمال أنا المتكلم في معظم الفصول، وحقنه بضمير المخاطب في بعض الأحيان.

- المستوى الثالث والأخير هو رمزية الأم والحرب. فالرواية لا تدق طبول الحرب، وتهجو مر الهجاء الأعمال العسكرية وفوضى أحداث الفرهود. ويبدو أن البياتي كان يرفع العلم الأبيض منذ البداية، إذا قارنته بكاتب آخر مثل جبرا. فشخصيات جبرا لديها نوستالجيا لأرض مفقودة، بينما شخصيات البياتي تنظر بعين الشفقة للإنسان وهو يصارع قدره. إن صور الحرب في رواية البياتي تدل على مشكلة إنسانية مع القدر بشكل عام، وبالأخص مع مسألة حضارية شغلت فكر أبناء الرافدين وهي مشكلة الموت المحتوم. ولا توجد أية إشارة تحمل الشعارات المعروفة في النضال أو التحرير. ويبدو لي أن هدف الرواية الأساسي هو هدف درامي. فهي تبذل جهدها لتنظيف الروح البشرية من أي رغبة بالخطيئة أو بالغلط. وهي بعكس أطروحة عمل من نوع (الخطايا الشائعة) لفاتن المر على سبيل المثال. إن شخصيات المر سياسية بامتياز، ومن الشباب، والأنتلجنسيا. وهي ترتكب الأخطاء الشائنة لأن دورة التاريخ تدور باتجاه معاكس لدورة المنطق أو الحكمة الإنسانية. في حين أن شخصيات البياتي مفصّلة لتدرك حجمها في الوجود. بتعبير آخر إنها لا تفهم الوجود إذا كان خارج دائرة نشاط الأفراد. وباختصار هي رواية نظيفة ومعقمة من الرغبات، وتضع عنايتها في إفشاء روح المتابعة الطاهرة والنقية لعاطفة الشفقة نحو الطبيعة، وعاطفة الرهبة نحو الماضي، مع شيء غير قليل من الاحترام للبيت كبديل عن الأرض.

 

د. صالح الرزوق

................

* منشورة في صحيفة المثقف الالكترونية مسلسلة على حلقات.

** الوجودية. ترجمة إمام عبدالفتاح إمام. عالم المعرفة. ص 279.

كانون الأول 2019

 

603 اطفئيني بناركما وجدته في الشاعر السماوي حينما قرأت مجموعته الشعرية (أطفئيني بنارك):

الصورة الواقعية والخيال الذي يمتطي صهوة اللغة الأدبية الرفيعة المستوى ..

البلاغة في اللغة ركيزة للخيال الذي لاتلمّه حدود ..

الأصالة في الشعر ..

قدرته على أن يكني، ويجيز، ويشبه، في مقاييس واعتبارات النسيج الشعري للقصيدة .

قراءة فنية :

المجموعة الشعرية (أطفئيني بنارك) للأستاذ الشاعر الكبير يحيى السماوي

توقفت كثيرا لمعرفة كيفية بناء الصورة الشعرية في الحب والعشق والجمال الآخاذ، هنا انعكست انطباعاتي عن هذه المجموعة التي شعرت بها كأنها تنّور شعر دافئ غمرني بدفئه وحبه وعشقه !

أهديك ماكتبت ..

اليك أيها المعلم الجليل .. صديقي الغالي الرائع الأستاذ المناضل يحيى السماوي ..

أحييك بأجمل المحبة ..

أستميحك عذراً صديقي الشاعر، لأن المفاجأة كانت كبيرة وجميلة حينما استلمت بصندوق البريد هديتي الكبرى مع بداية حلول العام الجديد، والذي بدأ عليّ فعلا بخير وبركة ومحبة، هدية منك شاعرنا الكبير وأنت المقيم في استراليا عن استلام مجموعتكم الشعرية الموقرة (أطفئيني بنارك) ! قلبت الصفحة الاولى وجدتك و الأهداء كأنما أغنية للمناضلين الشرفاء ..

ثم رحت منصرفا للولوج لعالم (الحريق أم الإشتعال) الذي أبهرني في حرائقه الوجدانية التي تفوح عشقا ومحبة وغنجا ودلالا للحبيبة والمعشوقة وشوقا وهياما من (تنوره الشعري وما احتطب من براري الأبجدية وواحاتها)، الذي شممت دفء حروفه ورائحته العطرة وتدثرت بلغته الأكثر جمالا ..

كانت حزمات الحطب لهذا الدفء من (عبير شعره وعبير عشقه الضوئي) !

أطفئيني بنارك ..

إسم المجموعة التي تدل على أن كل القصائد فيها حرائق واشتعالات من نوع خاص:صورة من فاتحة المجموعة:

هاجرتُ وحدي

حاملاً بعضي معي ..

وتركتُ بعضي في ملاذكِ لائِذاً

خوفاً عليّ

من احتمالِ اللارجوعِ

إلى ظِلالكِ ..ِ

فالطريقُ معبَّدُ بالجمرِ

ترقبُهُ الضُباعُ

وما تبقّى من سلالةِ "أخوةِ الصّديّقِ يوسفَ "

والذئابُ الغادرة ْ

وجدت المجموعة هذه مسكونة بالعناوين والأسرار ولغات الشعر السكرى المليئة بالعشق والحب والوجدان في كل الأوقات عند الفجر والمساء وما بينهما ..

في هدأة الليل في السحرعند الغسق حتى ظننت بان شاعري الكبير لايعرف النوم !

إنه عاشق أبدي هواجسه في عشقه هذا نجد القلق والسهر والغيرة والعذاب ...

وهنا يتجلى لنا الإبداع في موسيقا الشعر،وارتباط أنغام القصيدة ببعضها البعض الى اخر القفلة نشعر وكأن جوهر الحرف أو الكلمة او تشكيل الصورة هو نغم بحد ذاته يرتبط بالصورة الاخرى المكملة للكلام فتسمع رنيناً خاصاً وايقاعاً جميلاً وتفاعلاً يطرب الروح، قصائد فيها معانٍ معطرة:

كذّبتُ صدقي كي اصدقّ كذبها

فأتيتُها مُسْتأذناً شَرَفَ الدّخول ْ

*

في بيتِ طاعتِها ..

أبَشّرُ بالفسيلِ النخلَ ..

والتنورَ بالمحراثِ ..

والصحراءَ بالأنعامِ والمطرِ الهَطول ْ ..

*

وازفُ للكاس الحرامِ

بشارةَ الخمرِ الحلالِ بزِقّ مائدةِ الذّهولْ

من قصيدة الى اخرى مسافات تدعونا للدهشة القادمة ! بماذا يفكر شاعرنا حينما يدخل على مخدع القصيدة الاخرى ؟ فهو من يرسم لنا الأدب او اللون من هذا الشعر عبر تفجير اللغة وانتاج استعارات جديدة لم نألفها سابقا .

وكما قالوا (الشعر شراب لذيذ لانعرف من اين يتكون وماهي عناصره)!

فالشاعر لابد وان يحتاج الى هدوء وسكون امام اسراره ومشاعره واعترافاته الخاصة ! لأن الشعر كما هو معروف يسكنه الغموض تبعا لما يفكر به الشاعر .

قصائد شعر مثيرة، وعناوين كبيرة:

عيناي نائمتان لكن النوافذ ساهرة، البشيرة، شمس عمري، أنجديني، هيام، رغيف من الشبق على مائدة من العفاف، افتضاح،أربع خرزات من طين القلب، كل وماجبل عليه .. الى آخر باقة نبض وتفاحة !!

شاعر يمتلك القدرة على رؤية الأشياء وتوظيفها للقارئ كصورة بصرية وسمعية، كما يوصلها أيضا لوحة تشكيلية تتالف من عناصر اللون واللغة والإيحاء فيشكل صوراً مكملة للكلام .

وأنا أتفحص بتمعن قصائد شاعرنا الجليل وما خطه فكره وعقله مع قلق نبضات القلب يتسلل حبه ويتوغل في محراب القارئ فيجعله خاشعا متعبدا زاهدا في درجات الحب ليصنع منه عاشقا يحب الحياة حتى يثمله من شرب دعاء الحب والشوق ويلامس شغاف قلبه: صورة من البشيرة يقول:

الهوى منْ دُبُرٍ قَدّ سفيني ..

والدُّجى من قُبُلٍ قَدَّ شراعي ..

فاصْطفاكِ اللهُ لي طوقَ نجاةِ !

شاعر شفيف الروح ..

قصائده ندية كالورد، صوتها ينعم بهديل الحمائم .

شخصية متمردة على القيم المألوفة وعلى ماهو تقليدي بصريا.

شخصية شاعرية فذة تعتمد الإبداع في التعامل مع اللامرئي وتفعِّله بكل ابجديات الحياة .. شخصية تعيش في فضاءات المحبة والعشق الدائم الذي لايتوقف لحظة في هذا الزمن الذي نثر غباره الكثيف على نوافذ الحياة . نراه يهدم عوالم قد الفناها سابقا في ذاكرتنا وفي حواسنا، ومن ثم يعيد بناءها من جديد، فمن الحدس والتخيل للنزعة الجمالية من خلال الإنفعالات العاطفية والحياتية التي تتمثل بأجمل معاني تقلبات حالات الحب يتغنى شاعرنا بالعشق والصبا والغرام للحبيبة والشغف والوجد والود والسهر واللوعة لكيانه و الصبابتي و الهوى المخبول و الهيام عن عمق مشاعره وحبه، كل هذه الدلالات تشير و تؤكد على اعلان بيان للحب الدائم في قلب و عقل و افكار مبدعنا العاشق، اللهف، الوله في حبه هذا لحبيبته وبخط أحمر بأن اللوعة مازالت فيه، وان جذوة الحب مازالت مشتعلة، وأنه عاشق أبدي .

لذلك حينما نتتبعه نجده يحاول إلقاء القبض على لحظات الجمال من خلال العشق والحب المتطرف الذي يقوده الى المغامرة الشعرية البصرية التي لم نجدها إلا في قلبٍ ثائٍر وفيه من الهيجان للمحبوب ورقة شوق في آن واحد .

صورة من شمس عمري يقول فيها:

تائِباً جئتكَ من أمسي ..

أسيفاً ..

تائها ً أبحثُ عني ..

مَنْ لطفلِ .. جاوَزَ الستينَ

يحبو

مُطفأ الفانوسِ والجفنِ

وأنا أتابع وأقرأ جمال القصائد باحثا منقبا أحاول أن أفهم،أفسر وأحلل تلك الصور الجمالية والعبارات القصدية باستخلاص خصائص جميلة جديدة فنية خطيرة عند شاعرنا، حتى جعلني أعيش القلق وأنا اقوم بعملية استكشاف ومتابعة دقيقة لخبايا النصوص في متن القصيدة وفضاءاتها، أبحث أيضا عن الذائقة الفنية الجمالية، أي العلاقة بين القصيدة ومحتواها وبيني أنا القارئ الناقد، وما هو تأثيرها علي ّ!

أتابع فن القول للسماوي في قصائده بشكل نقدي، كيف يوجه رسائله الشعرية بصورة العشق والحب الى الآخر، فكلنا عشاق !

كيف تنطبق أفكار وعواطف القارئ التي تدخل أجواءه وتؤثر على مزاجه، فهو يرسم أيضا خارطة طريق بافكاره للعشاق .

الأستاذ السماوي شاعر يقدم لنا هدية عشق وحب في منجزه الإبداعي الكبير، هدية عبر بها عن ذاته الشعرية المحبة، العاشقة، يعلّم القارئ في كل المراحل العمرية كيف نحب ؟؟

إذن هو مدرسة حب ..

أدركت أن ماكتبه شاعرنا في هذه المجموعة أنما هو يتعلق بعالم خاص من العلاقات الجميلة تستقر على الواقع، علاقات متجددة آتية من خزين الذاكرة الإنفعالية والصورية لإنسان عاش اللغة روحا ونفسا بل أقول رئتين له، ضمن مناخات متعددة وغربة وانتقالات من وداع وفقدان ولقاءات من مكان الى آخر كان فيها مناضلا متجددا في رؤيته التي تذهب بنا الى تاريخ الشعر كله ليومنا هذا حاملا معه ذاته الشعرية وماتحمل من جمال وطيبة ورقة وإنسانية ..

صورة من هيام:

حاولتُ

ألآ التقيكِ على دروب ِ

الذاكرة ْ

*

أطعمتُ للنيرانِ اوراقي القديمة َ

واعتكفت عن الهوى

فاغْتاظ َ قلبي ..لم أكن ْ أدري بأنكِ تُنْبضِين بهِ الرفيفَ

وأنّ حربي ضدَّ أمسي دون يومكِ

خاسرة ْ

أراه محلقا بمديات خارجة عن حدوده التخيلية، وبالنسبة لي هذا هو:

جوهر الإبداع الحقيقي في هذه الشخصية حينما يترك العنان للمخيلة والخيال الذهاب والتحليق الى أبعد مدى، فيطل علينا بقصيدة غرام وحب أخرى أكثر جمالا وتألقا مليئة بالصور الجمالية الحديثة المتجددة، حينها نرى شخصيته الخيالية التي تمتطي صهوة اللغة الأدبية الرفيعة المستوى،لأن كل مايأتي في هذه القصائد أساسه البلاغة في اللغة وهي ركيزة للخيال الذي لاتلمه حدود فهو، يكني، ويجيز، ويشبه، في مقاييس واعتبارات النسيج الشعري للقصيدة .

 

نعمة يوسف

بغداد— هولندا

 

الكبير الداديسيونحن نواصل الإبحار بين جمل هذه الكتابة الزئبقية المسماة قصة قصيرة جدا، نتوصل من حين لآخر ببعض المجموعات القصصية لكتاب من المغرب وخارجه تغري بمواصلة الرحلة، غير عابئين بصراع المواقف في تعليقات القراء بين رافض يتهم هذه الكتابة بإفساد الذوق وإشاعة الكسل لا يرى فيها إلا حمار الكُتابِ يركبه  الكتاب البغاث الذين لا يقوون على التحليق في الخيال لمسافات كتابية طويلة، وأنها وأنها جنس لقيط ومسخ لا يعرف أصله هل تطور عن الشعر أم عن السرد، لتبقى كتابة نيئة غير ناضجة تعكس فشل البعض في تمثل تقنيات التخييل السردي وعجزهم عن الإلمام بكل تفاصيل الصورة... وبين مدافع يعتبر القصة القصيرة جدا الشكل التعبيري الأنسب لعصر السرعة، وأن ملكة التكثيف وتصوير ذبذبات وتناقضات الواقع الممتد في شكل أدبي مجهري ليست متاحة للجميع، وأنه رغم تغني العرب منذ القدم بالإيجاز فلأول مرة يتحقق القول المأثور (خير الكلام ما قل ودل) وقول أبي العتاهية

وخير الكلام قليل الحروف    كثير القطوف بليغ الأثر

... ونحن لا نرى في كل ذلك سوى مظهرا من مظاهر الصراع بين القديم والجديد الذي عادة ما ينشب في ثقافتنا العربية عند ظهور أية حركة تجديدية، فرأينا مظاهر له عند نشأة حركة البديع، ومع ظهور الموشحات، وعند بروز الشعر الحر... وها هو الصراع يتجدد اليوم بظهور القصة القصيرة جدا... وخير ما نساهم به في حركية هذا الصراع هو مواصلة تقديم بعض الأعمال الجادة في الميدان، لنقف اليوم على مجموعة (البلح المر) للكاتبة والشاعرة المغربية دامي عمر (فاطمة جحا) .

مجموعة "البلح المر" هي باكورة الكاتبة، تضم 107 قصة قصيرة جدا، صادرة في طبعتها الأولى عن دار الوطن سنة 2013 في 154 صفحة من الحجم الصغير افتتحتها الكاتبة بقولها (أنكتب بغير"ال" التعريف ... كي لا أموت من ضيق المساحات. أنا كل ما لم أكتبه بعد) وكأنها تستعيض عن ضيق المساحات في الواقع بضيق الجمل في جنس أدبي أكثر ضيقا وتركيزا... حظيت المجموعة بقراءات ودراسات متعددة ركزت في معظمها على بعض التيمات والقضايا التي قاربتها المجموعة، وحتى لا يقع الحافر على الحافر، سأنزاح عن تحليل المضمون وعن سؤال ماذا؟ للوقوف على نقطة صغيرة في الكيف، خاصة وأن إشكالية القصة القصيرة جدا إشكالية شكل ومبنى أكثر ما هي إشكالية محتوى ومعنى، وإن كنا لا نؤمن البتة بفصل الشكل عن المحتوى ولنا عودة في مقالات أخرى للتفصيل في هذا الشكل الجديد... على أن نقتصر في مقاربة مجموعة "البلح المر" على ملامسة خاصية شكلية وحيدة تتعلق بالصورة والتصوير والمجموعة هي ما فرضت علينا ذلك، و الكاتبة شاعرة ومهتمة بالشعر. لنتساءل جميعا عن خصوصية التصوير في القصة القصيرة جدا؟ وعن شعرية هذه الكتابة المجهرية من خلال المجموعة؟

قبل الغوص في مناوشة التصوير لابد - في البداية- من الإشارة إلى أن هذه المجموعة تسير على هدي معظم المجموعات التي وقفنا عليها لحد الساعة، من حيث النزعة التشاؤمية التي ركبها معظم كتاب القصة القصيرة جدا، سواء في اختيار أغلفة بألوان داكنة، وعناوين تختزل مرارة الحياة وشقاء الإنسان المعاصر او بمضامين تكثر من الشكوى والرفض، ولو وقفنا نؤول عتبات المجموعة وننبش في دلالات عناوين قصصها لفشلت أي مقالة ودراسة عن احتواء التفاصيل... خاصة وأن عناوين القصص ال107 حبلى بالقضايا، المحلية الوطنية والإنسانية، السياسية، الاجتماعية والثقافية، توغل في أعماق الذات لتنفتح على كل الآفاق الواسعة، تصور الواقع وتطوح بالقارئ في حدود الحلم، ليعلن استسلامه منذ البداية، وعجزه عن تسييج كل المساحات التي تنفتح عليها المجموعة في مقالة واحدة مهما كان حجمها...

وإذا أضيف إلى كل ذلك رمزية العنوان وشعرية صورة الغلاف وكون عدد من القصص كتبت على شكل أسطر شعرية ناهيك عن توظيف القصاصة لمجموع الأدوات والآليات المرتبطة بالصورة والتصوير سواء تعلق الأمر بالصورة المرئية وما يرتبط بها من ألوان وإشارة إلى أسماء تشكيليين كبار وتوظيف لوحات مشهورة إلى الانفتاح على التشكيل بمعناه العام والاستلهام من العمارة والنحت وتوظيف الألوان في العناوين كما في قصة (ألوان) و (لون لمزاحه) قصة (تبييض)... والتماثيل في متن القصص كقصة اغتراب التي تصور بطلا في روما (كان غريبا يتكئ على تمثال) ص 114 و في العناوين أيضا مثل قصة "الحمامة والتمثال" ص 109... أو تعلق الأمر بالصورة اللغوية القائمة على استعمال اللغة الشعرية والصورة الفنية، المتمثلة في التشابيه، التعابير المجازية والاستعمالات الاستعارية وسيلة للتعبير.... سيعرف القارئ سبب تركيزنا على "شعرية الق. ق. ج" وسيسوغ سبب اقتصارنا على مقاربة الصورة دون غيرها من تلك التيمات التي عالجتها مجموعة "البلح المر" ودون غيرها من الخصائص الشكلية التي تميز ق ق ج ...

إن هلامية التصوير في المجموعة فرض علينا التعامل مع الصورة الفنية بمعناها العام متجاوزين المفهوم المتداول عند جان مولينو و جويل تامين في كتاب (مدخل التحليل اللساني للشعر) الذي يقصر الصورة في المشابهة، إلى المعنى العام المتداول عند فرانسوا مورو في كتابة(الصورة الأدبية) لأن مفهوم الصورة عند هذا الأخير يشمل كل الأنماط البيانية القائمة على المشابهة والمجاورة، خاصة وأن كاتبة (البلح المر) هي من رسم لنا معالم طريق هذا الاختيار عندما تعمدت في قصة "حلم" أن تنحى بالصورة هذا المنحى العام عندما قالت: (أتذكر كلبا ينبح (استعارة) ونورسة تغادر موجة (رمز) وأتذكر موجا بشريا يغشاني وأنا طفلة (حقيقة) ألتصق بامرأة مالحة الخد (كناية) أذكر ما تلا ذلك من صمت يشبه المراكب (مقارنة))ص47 لتزداد هلامية التصوير بانفتاحها على التشكيل،الرسم،الرسامين ومختلف الفنون التعبيرية وتقدم صورا فنية تتداخل فيها العناصر المحسوسة بالمجردة فتشكل صورة معبرة تثير استغراب المتلقي بتجاوزها محاكاة الواقع والنقل الحرفي إلى إعادة تشكيل هذا الواقع عبر مخيال مكرو- سردي، فكانت الصورة عندها ضربا من الكشف عن رؤية أعمق للعالم تسبح بالقارئ في عوالم غرائبية ترسمها الشخصيات كما فعلت بطلة قصة ألوان التي لا تنفك تقطف أقلاما ملونة من شجرة الألوان لترسم الورود، وفي الحلم لا ترى سوى وردة واحدة نبتت في السقف العاري (زهرة نزيف القلب) ص 104 هكذا تُقدم "البلح المر" صورا مأساوية تقطر فنية، يفوح منها عبق التشكيل والرسم؛ فهنا قصة (مسافة) تبتدئ وقد (وقف الرسام بجانب لوحته، لؤلؤة، معرض ضرب رقما قياسيا في عدد الزوار) ص115، وهناك قصة (غرنيكا) ولوحة بابلو بيكاسو تقف ساخرة من واقعنا المغربي ص 103، وهنالك كل من الفنان سالفادور دالي وزوجته غالا في قصة (اتصال ذاكرة) ص 108 يحاكيان معاناة الإنسان المعاصر وشعوره بالوحدة...

وعندما تخلط الكاتبة مكونات الصورة وألوانها تهدم العالم لتبني وتشكل عالمها الخاص: عالم انقلبت فيه القيم، وانحطت فيه الإنسانية وأصبح الإنسان يحلم بأن يكون حيوانا، انظر لهذا العاشق كيف غدا يتمنى لو يكون كلبا لما رأى عشيقته تداعب كلبها ف (ابتلع غصته تمدد مكان الكلب وهو يلعن آدميته) ص95...

  بالصورة اللغوية إذن يمكن جمع كل المتناقضات، واختزال الأزمنة والمسافات وتحويل الكائنات لتشكيل عالم متحول مركب يدور في حلقة مفرغة بطريقة غريبة عبرت عنها قصة "ميتامورفوز" في صورة أغرب (كان مجرد جبنة وضعتها امرأة بعد مخاض بارد... كان فأرا جميلا ووديعا إلى أن أكل قط نصف ذيله فتحول إلى قط شقي طاردته الكلاب... تحول كلبا فظا فانفضت الكلاب من حوله... صار رجلا ليعي فظاظة أن يغدو وليمة للديدان مثل جبنة فاسدة) ص.99... هي صورة موغلة في الخيال لا يمكن حدوثها في الواقع بل يصعب على العقل تصورها... و تتناسل الصورة الغرائبية في تصوير ذبذبات واقع معيش فقد قيمه، واقع يعيش هلوسة وتناقضا غريبا تمرد على الثوابت فصورته قصة " أفكار مهلوسة" بهذه الطريقة: (كلب لا ينبح في وجه القط، قط لا يأكل الفأر، فأر ينام في حضن امرأة، امرأة تضع كلبا، كلب ينبح في وجه قط، قط أخرق يهدي الكلب طبق فئران محمصة) ص.93.. هذا هو واقعنا العصي على الفهم استطاعت القصة القصيرة جدا تكثيفه في لوحات دالة، واقع مسخ تتحول فيه الأبطال إلى كائنات غريبة دون سبب معلن ففي قصة "مسخ" وبينما البطل في الفراش انتابه إحساس أنه تحول إلى وحش كفكاوي (وجد نفسه قد تحول إلى حشرة هائلة الحجم) ولما هرع إلى النافذة (رأى الناس جميعا وقد تحولوا إلى سحالي تأكل رؤوس بعضها. عاد إلى جحره سعيدا بكونه "غريرا" محترما) ص77...

إن الواقع الجديد التي تحاول القصة القصيرة جدا تقديمه للقارئ، واقع مأساوي، المرأة ضحيته الأولى (امرأة تستنجد.. يتلاشى صوتها تحت ذوي القذائف وصراخ الأطفال وأبواب السيارات) والرجل واقف يتفرج على المشهد (يشاهد أشلاء آدمية، كاميرا، رجل بلا رأس، رأس تحت الركام ..) ص 68 وعند النبش في طريقة تشكيل هذه الصور ألفينا الكاتبة قد اعتمدت طرقا متعددة في رسم أبعادها ونكتفي بالتلميح لبعض طرق التصوير من خلال أمثلة قليلة ومنها :

1 – التصوير بالرسم : اعتمدت كاتبة "البلح المر" كثيرا على الألوان في مجموعتها لدرجة تستحق الألوان دراسة خاصة، ودفعت بعض الأبطال إلى رسم لوحات معبرة حاولت من خلالها تمرير رسائلها عبر التصوير، كما وقع في قصة "كابوس" لما أتاحت الفرصة لأحد الأبطال ليرسم الواقع في الصورة التالية: (أخذ الفرشاة ورسم على الحائط، الذي كان يسند ظهره، حدود ملكه. وسط اللوحة رسم عرشا وفكر في إلقاء خطاب البيعة رسم رؤوسا مطأطئة بدون أفواه ولا آذان حين انتهى الحفل شعر بالملل، ففكر في العقاب! رسم قضبانا ومقصلة. قطع رأسين فضجت بقية الرؤوس وشقت أفواهها نشر باقي القضبان على اللوحة. انتبه أن ملكه صار سجنا كبيرا أخذ طلاء أسود وصبغ اللوحة كلها تنفس عميقا وهو يتذكر أنه مجرد "شمكار حاكم") ص50 ... مهما استفضنا في شرح وتحليل هذه الصورة فالصورة تعبر عن نفسها خير من أي تأويل وتحليل... وتعتمد المجموعة الوسيلة ذاتها في قصة "لوحة" حيث رجل (يخرج من جيبه طبشورا ويرسم إطارا. وداخل الإطار يرسم كنبة و تلفازا، منضدة، خبزا وكأسا فائرا. يجلس على الكنبة تقفز القطة إلى حجره... يضغط زر التلفاز ويرتشف حسوة من كأسه. ضجرا يطفئ التلفاز يرسم على الحائط عيني امرأة. يدير ظهره للحائط وينام محتضنا قطته) ص 82 هذه مجرد أمثلة تبين كيف ركبت القاصة التشكيل وسيلة لتصوير الواقع... والتساؤل عن جدوى اعتماد هذه الوسيلة، وكيف خدم هذا الشكل من التصوير مقصدية المبدعة ؟ بحث خاص لن ينتهي...

2 - التصوير باللغة الشعرية : وهي الطريقة الأكثر حضورا في متن المجموعة لدرجة لا تكاد تخلو قصة في المجموعة من تشبيه، مجاز، استعارة أو كناية حاولت فيها الكاتبة لَيَ أعناق المتناقضات والخروج عن السنن المألوفة و النهج المعروف في استعمال اللغة: فإذا كان تشبيه القطار بأفعى يبدو تشبيها عاديا فإن الصورة تغدو غرائبية عند تمثيل القطار بأفعى تبتلع فيلا تمشي على سكة مكمشة (يهتز كثيرا يتقيأ ركابه .. يتقيأ الركاب أمعاءهم يلعنون القطار جميعهم ولا أحد يلعن السكة) 112... لتستمر هذه الغرائبية حتى في أبسط علاقة يمكن أن تجمع رجلا بامرأة لا تبادله نفس الشعور فتقدم قصة صورة تتداخل فيها المشابهة والرمزية لتصور البطل (رجلا بسيطا تعلق قلبه بها وهي نجمة. قلب عار متعلق بنجمة يبدأ بالسقوط محاولا عبثا أن يتمسك بخيط نور رفيع، فيسقط بين فكي سمكة قرش كانت تتنفس الهواء في الظلام) ص 86 ... وقد تتجاوز الصورة علاقة المشابهة إلى المجاورة لتنفتح على المجاز المرسل والكناية، فتختار القاصة جمل تكني بها عما تقصده كما في تصوير نهاية هذا الرجل المزواج الذي تخلت عنه نساؤه بعد إفلاسه و (مات وهو يضم ورقة يانصيب خاسرة) 87، بواسطة اللغة إذن تبني المجموعة عالما غرائبيا قائما على خرق منطقية الإسناد، فجعل ل(الموجة لسان يتذوق طعم حلم...)ص 105 ويمسي الذين لا يقدرون الحب (دائما طافحين على سطح الأشياء كنخالة) ص 46... وتستحيل كثرة العشاق نقمة (عشاقك يسدون عين الشمس لذلك فشمسك دائما عمياء) 36... والأفكار العظيمة كارثة عندما (تسقط على رؤوس أصحابها حين لا يتوقعونها يصدر عنهم أنين مصدوم يشبه صراخ سنبلة في وجه منجل أو صراخ نملة تحت قبقاب خشبي) والأبطال حربائيين يتلونون مع هذا الواقع المسخ هذا الواقع المتغير فتختار الساردة إنهاء مجموعتها القصصية بقصة أقنعة وكيف استحال عليها معرفة رفيق دربها الذي (لم تعرفه أبدا مفردا) لأنه كان في كل مناسبة يظهر لها بقناع (أقنعة لبسها لمناسبات كثيرة حمار، حمامة، ثعلب، أسد...) ص 130 فلا غرابة إذن أن تسود في مجتمع هذه صفاته قيم النفاق والانتقام لدرجة أن أحد أبطال المجموعة أقام وليمة لمسؤولين نافذين وأطعمهم شواء لحم حمار فكانت النتيجة أن أصيبوا جميعا بداء النهاق ص 29

 بالصورة الفنية يتحقق المستحيل، وباللغة الشعرية أضحت الساردة تسمع أنين الجماد وتتخيل حجم أنين البحر (أستطيع أن أتخيل أنين البحر حين تموت حيتانه على الرمل الجاف وأقدر هذا الألم) ص 42 على هذا النحو سارت الصورة الشعرية تبني تفاصيل عوالم (البلح المر)...

 التصوير عبر النهل من الأسطورة : بالإضافة إلى التشبيه الاستعارة والمجاز يدرك قارئ "البلح المر" مدى اعتماد المجموعة على توظيف الأسطورة، لكنها تمكنت من تخليص تلك الأساطير من الخوارق والغرائبية وربطها بالواقع لخلق مساحات أوسع، وفضاءات تعج بالتناقض داخل نص مجهري مما يدفعنا للحديث عن قصة قصيرة أسطورة وليس عن الأسطورة في ال ق ق ج... 

كثيرة هي الأساطير الموظفة في (البلح المر) خدمة للصورة المأساوية التي ترسمها المجموعة، منها ما هو محلي وما هو إنساني، فمتحت من الأسطورة البابلية عندما وظفت أسطورة (ليليث) شيطانة العواصف التي تُرافق الريح، تحمل المرض والموت، ونهلت من أسطورة أطلس و الكاهنة الأمازيغية (ديهيا) في قصة "ولائم الجوع"، واعترفت من الأسطورة الرومانية ولما وظفت كيوبيد الطفل الملاك بسهم الحب لتؤسطره وتحيله عجوزا في قصة (ترنيمة كيوبيد) (بعد سنين قرر كل منهما أن يبوح لصاحبه بما كان. فتحا فميهما فعلت همسهما ترانيم كيوبيد العجوز ينصبهما كأجمل عاشقين) ص 66 . وعلى نفس النهج حاولت المجموعة أسطرة بعض الشخصيات الإنسانية بمنحتها قوة خارقة تسمح لها بالتحول أو القيام بأعمال يعجز عنها الجن

3 - التصوير عبر النهل من القصص الإنسانية والدينية: وكما استفادت المجموعة من توظيف الأسطورة فإنها انفتحت على عدد من القصص الإنسانية إما بالإحالة عليها من خلال العناوين مثل توظيف (الطفل والبحر) في إحالة على قصة (العجوز والبحر) لإرنيست همنغواي ص 105 أو توظيف أبطال من أعمال أدبية مشهورة كشخصية لوليتا التي استوحتها من رواية للكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف، أو استحضار عبارات دالة كما في قصة "عنف" إذ ابتدأت القصة بعبارة (كلما دخل عليها ..) في إحالة لغوية واضحة لقصة مريم (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً)، بل ألفينا بعض القصص تنبني في معماريتها على اقتباس من قصة خلق الإنسان في القرآن كما في قصة (حلم) التي ورد فيها: (نطفة ... فعلقة ... فمضغة ...فعظاما ... فكسوناه حزنا) ص 127 بالإضافة إلى الاستشهاد بشخصيات إنسانية في التاريخ والفكر المحلي الأمازيغي كقصة الملك جوبا في قصة "رأس جوبا" ص 67، أو شخصيات أدبية من الفكر العالمي مثل شخصية فاوست من الثقافة الألمانية...

ما يستفاد من التصوير في "البلح المر" هو أن المجموعة كانت صورة وصوتا نسائيا حاول تقديم صورة عن الواقع المعيش نيابة عن كل النساء (قد نكون واحدة.. نتمتم فتحمل همهماتنا الريح لقاحا لزهور الألم) ص 85، وأن رصد تفاصيل تلك الصورة لم يكن سهلا ويتطلب نفسا طويلا لم تستطع المجموعة الحفاظ على نفس النفس، فكانت بداية المجوعة بقصص طويلة والانتهاء بقصص قصيرة، وأن الصور في معظمها كانت مشحونة بشحنات سالبة، تنقل واقعا مريرا يعيش أزمة قيم حادة جعلت الإنسان يتساوى مع الحيوان وأحيانا يلعن آدميته ويتمنى لو كان حيوانا، فكان توظيف الحيوانات المحيلة على الخسة والنذالة سمة بارزة في الصور التي رسمتها القصص بل تعمدت نزع الصفات الموجبة عن قصد، فتجاهلت وفاء الكلب لتركز على ما في الذاكرة الشعبية من معان سلبية مرتبطة بهذا الحيوان، كما في قصة (كلب) (أيها الكلب حتى لو لعقت حذائي فلن أسامحك ظل الكلب هادئا في حضن صاحبه بينما راح هذا الأخير يصب جام غضبه على رجل يكاد يقعي) ص 102، وفي صورة أكثر تركبيا، وأعمق دلالة تستنجد قصة (لقطة) بعدد من الحيوان لتقدم مشهدا بانوراميا  يكاد يختزل صورة الواقع: (الحطاب يتكئ على جذع الشجرة، السنجاب في أعلى الشجرة يراقب الحطاب، الأفعى التي تسكن الجحر في الأسفل تأكل أبناء السنجاب، الأوراق الصفراء في الربيع العاري لا تستر شيئا... المنشار يشحذ أنيابه) ص 107

وحتى وإن كانت بعض الصورة مسالمة ناعمة بنزعة خبرية تقريرية يفتر فيها التعبير الفني فإن اعتماد مفاجأة القارئ وسيلة لتخييب أفق انتظاره أثرى فنيتها وأدبيتها فقد بنيت قصة (شك ناسف) بناء تقليديا حيث شاب يشك في خيانة الزوجة الشابة لأبيه، ويتضايق من إخوته الصغار الذين لا يرى فيهم إلا مزاحمين له في مال أبيه ويشك في كونهم إخوته... لتأتي المفاجأة  في النهاية عندما يكتشف أن والده كان عاقرا ص70. وبيد أن السارد اختار ضمير المخاطب لسرد قصة (واجهات) فقد كانت القصة وبناء الشخصية بسيطا شخص يرى نفسه في واجهة زجاجية ويعتقد أن أحدا يتقدم نحوه (يرتطم جسده بجسدك كجذع نخلة، تسقط لا يهتم بك أحد ... تدرك فجأة أنك ارتطمت بخيالك في واجهة زجاجية لمتجر كبير) ص.79

إن الصورة في "البلح المر" مستويات عدة فهي تارة صورة توثيقية ناقلة تصور عالما مألوفا لا يختلف أبطاله في أقوالهم مواقفهم وأفعالهم عما نعيشه في واقعنا، وتارة صورة تخييلية قائمة على غرائبية العلاقة بين الموظف في الصورة والمقصود منها، لتخلق مفاجأة مخيبة لأفق انتظار القارئ، وتارة رمزية لتغدو الق. ق. ج بكل عناصرها رمزا دالا تلتقي فيه الآلام والآمال تمتح من الماضي لتستشرف المستقبل، فتحيل الرمز من قالب جاهز متداول إلى معنى يولد مع معاناة التجربة ويفرض على المتلقي ضرورة ركوب قطار التأويل للوصول إلى بعض ما تتغياه الصورة، التي تتحول من مجرد أداة لنقل المضمون إلى غاية في حد ذاتها، لما تتضمنه من خلق وإبداع ما دامت كل عناصرها متلاحمة وليس هناك عنصر أكثر فعالية من الآخر في معمارية هذه الكبسولة الفنية التي اختزلت الصراع ونقلته من الفضاءات والأكوان إلى عمق الذات الإنسانية متجاوزة المواضيع التقليدية المرتبطة بالاستعمار والقضايا الاجتماعية المستهلكة، ومتجاهلة الأشكال الموروثة بصيغها المسكوكة لتكون عدسة عالية الجودة قادرة على التسلل عبر المسام لقياس نبضات وانفعالات الذات وتفاعلها وتفاعل الآخر معها.... وتصبح الرمزية تشكيلا وبناء للمعنى عبر استدعاء أعلام وأماكن للتعبير عن موقف ذاتي أو جماعي من خلال رموز دينية تاريخية طبيعية أدبية للتخلص من ربقة التقريرية والتعبير المباشر لتنسج أمام القارئ عالما متخيلا يحتل في الرمز مكانة وسطى بين صوت الأنا المبدعة وصوت الشخصية أو الشيء الرمز، فيغدو مختلفا عنهما وإن انطلق من الأنا هكذا تجعل الرمزية من المرأة في المجموعة شخصية نمطية يمكن أن تنسحب على أي امرأة أينما وجدت بعدما أحالتها إلى تجربة شعورية وصورة لفسيفساء في مرايا مهشمة كل قطعة فيه تنوء بما تحمله من مأساوية تلخص كل المعاني السالبة التي يمكن تصورها عن المرأة في الوطن العربي من صورة المرأة العقيم، المفعول بها، العانس، الهاربة، لهبيلة، ظل الرجل، المرأة التي لا قلب لها تعيش في واقع يختزل كل الأمراض العقد المرتبطة بالوصولية والانتهازية والانهزامية والاستسلام والنصب والاحتيال تاريخه سلسلة من الخيبات والهزائم والنكسات... لذلك لا غرو أن يقوم هذا المجتمع على التنكر لقيمه. ومن لا زال يحمل ذرة أنفة ما عليه سوى الهروب من هذا الواقع الموبوء إلى الصفاء حيث عالم الكتابة والإبداع فكان أبطال المجموعة في معظمهم رسامين ومخرجي مسرح وكتاب رواية أو قصة أو دراما، شعراء محبطين، يائسين لا قدرة لهم على التأثير في محيطهم أو إحداث التغيير في واقعهم، لا يملكون سوى الجلوس قانعين بفشلهم يدخنون حشيش الأفكار وأقصى ما يستطيعون فعله هو الهروب إلى الحلم وانتظار نهاياتهم المأساوية (السجن الموت والجنون) ليقف القارئ مشدوها لهذه الكتابة الزئبقية كيف استطاعت أن تختزل كل هذه التناقضات في نصوص مكثفة إلى حد الانفجار تسبح في مجراتها صور، رموز و وأساطير محلية، عربية وعالمية كل رمز فيها يستحق كتابا خاصا

 

ذ. الكبير الداديسي

 

عبير خالد يحيىحول موضوع علمية النظرية الذرائعية أفيدكم ببعض من العلوم التي طوّف بها المنظر العراقي ضفة العلم على ضفة الفلسفة على جانبَي نهر الأدب:

إن الذرائعية تأخذ النص الأدبي:

- لغويًّا مستوى لساني مدعّم بجمال بلاغي متلبِّس بعلم الجمال من نواحي الأسلوب والشاعرية.

- يدعم هذا المستوى مستوى نفسي، باعتبار الأدب نوع من السلوك الإنساني ( مدخل سلوكي) الذي يفرز بين طياته محفزات واستجابات، وتلك المحفزات والاستجابات يستطيع الناقد الذكي تحويلها إلى تساؤلات يبْحث عن إجاباتها عند الأديب، أو يجيب عليها الناقد بمقتضى الاستجابة، ويحافظ على استمراريتها عن طريق العنصر الثالث (المتلقي) كعطايا سلوكية.

- لا يكتفي الناقد الذرائعي بذلك، بل يصل إلى المستوى العميق للنص عن طريق نظرية التقمّص النفسي (المدخل التقمّصي أو الاستنباطي)، والجري حدّ اللهاث وراء جميع الأفكار المخبوءة بين طيات النص، والتي لم تكن بذهن الكاتب أو المتلقي، فالناقد الذرائعي لا يلاحق الأعمدة الظاهرة للعيان إلا بالإشارة إليها فقط، وما يهمّه هو المخبوء المخفي بين  السطور، والتي يذهب وراءها عميقًا بالتحليل والرصد لإخراجها وعرضها لآلئ ثمينة مستخرجة من محاراتها القابعة في أعماق النص.   

 - ومن منطلق أن الأدب مظهر متوازٍ مع الحياة، طبقًا لما تراه الرؤية الذرائعية بأننا في عصر لم يبقَ فيه شيء لم يُقل أو حدث لم يحدث، إذن نحتاج تجارب الحياة لنعكسها على الأدب عن طريق العلاقة الثلاثية بين الحياة والأحداث التي تحدث لنا أو للناس، وهذا التناص (المدخل العقلاني)  هو جوهر غني في الأدب السردي وفي التجربة الشعرية،  اعتمدته الذرائعية من نظرية تشومسكي العقلانية التي تعتمد على عنصرين مهمين هما المنافسة المعرفية (compentence) المعارف المكتسبة في ذهن المتلقي التي تعلمها بقصد أو عرضيًّا، والعرض التنفيذي(performance) بوابة العقل التي تعرض المعلومات التي جمعها الناقد وأغناها بما لديه من أفكار بالخروج خارج النص من بوابة التناص الواسعة نحو أفق المتوازيات، فتكون تلك العناصلر الفكرية عونًا للناقد لتبليغ رسالته النقدية بشكل صحيح لا خطأ فيه ولاشك.

 لذلك نقول "إن الأدب عرّاب المجتمع، والنقد عرّاب الأدب".

 والشكل التالي لمقارنة أحداث الحياة مع الأحداث الافتراضية والتناص فيما بينها:

 

 

- ولم تكتفِ الذرائعية بهذا الكم من المد العلمي في التحليل، بل تلجأ نحو تكميم جميع الدلالات بأرقام رياضية لتحويل التحليل الاستقرائي نحو تحليل موضوعي رياضي إحصائي (المدخل الرقمي الساند) يثبت الحقائق التحليلية للنص بميل ذرائعي يذكر فيه أدبيّة الكاتب أو شاعريّة الشاعر.

- لذلك يعتمد الناقد الذرائعي على تجاوز التحليل لدلالات النص بالمدلولات، لأن المدلولات تقف عند الحد المنطقي السيمانتيكي، فتعتبر درجتها الدلالية عبارة عن متوازيات مترادفة لمعنى الدلالة، حتى يبلغ هذا التجاوز حدّ الركون عند المفهوم لإدراك (المعاني المؤجلة) عند المعنى الذرائعي الذي يختزن (اللغة الساندة) التي تنتج عنها التأويلات المتعلقة بالخيال والرمز، والتي تكون درجة تأجيلها إلى ما لا نهاية، وهنا تختلف درجة الأدباء من واحد لآخر بعملية التكنيك بالكتابة، الذي ينتج توقيعًا مشخصًا بدرجة الأديب الإبداعية في مساهمته بتحريك سلسلة المعاني المؤجلة، وهزّ الغصن المترع والمثقل بالمفاهيم، لتسقط منها ما تجود به شجرة المعنى من خير ذرائعي، فالمعاني المؤجلة ليست - كما يتصور البعض- مرادفات أو متعاكسات مفرداتية ، بل هي حالات اجتماعية يعبّر عنها بمفاهيم متعلقة بالأحداث والمشاهد التي تحدث في الحياة، ويعكسها الأديب على الأوراق. 

- الفرق بين التحليل اللساني  والتحليل النقدي الذرائعي، اللساني يأخذ المعنى في السياق، بينما الذرائعي فيأخذ المعنى في التواصل، والتواصل قد يكون مقروء أو منطوق، أما اللساني فقط منطوق، داريدا يقول هناك تتبّع وتأجيل في المعنى اللساني وليس المقروء. لقد مَرْكَزَ داريدا نظريته على الإله (اللاغوس) الذي يموت بالحضور، وفق نظريته الحضور والغياب، التي طبّل لها النقاد العرب طويلًا،  بينما المعاني المؤجلة بالذرائعية تحيا وتتناسل بالتواصل الإنساني إلى ما لانهاية.

- ثبتت الرؤية الذرائعية اللغة باعتبارها علم (linguistic) يهتم بدراسة الحقائق اللغوية تنتهي علميتها عند السيمانتيك، الذي ينتهي عند حدّ معنى قاموسيًّا واحدًا، وحرّكت الأدب باعتباره براغماتيك في المعنى ، ويحمل بين جنبيه الرمزية والخيال.

يقول المنظر العراقي في الكتاب الأول من الموسوعة الذرائعية والمعنون ب(الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي):

(لقد برزت إلى الساحة النقدية واللغوية علوم جديدة حلّلت اللغة إلى أدق العناصر، وانعكس هذا التحليل على الساحة العملية النقدية والبحثية، ومن خلال ذلك أدركت المهملات من تلك الدراسات وحدّدت أهميتها وكينونتها، ومن تلك المهملات بالتحديد (المفهوم)، الذي يحيط بالمعنى المدلول ويحصره في سور لا يستطيع تجاوزه إلا ويكون في حظيرة أخرى خارجة عن مفهومه الأصلي، وقد أدركت أن المفهوم من خلال الدلالة التي تشير نحو مدلول، والمدلول يشير نحو معنى، والمعنى يشير نحو مفهوم، إذًا المفهوم يستقرّ في نهاية المطاف، وهو الذي يحدّد استقرار المعنى بجينات لغوية ثابتة لا يخرج عنها، أما اللسانيات فتقف عند حدّ اللفظ، أما الدلالة فتقف عند حدّ المدلول، والمدلول يقف عند حدّ المفهوم، الذي ينطلق بعدة مفاهيم بشكل أوسع، خصوصًا في النصوص الأدبية المحتوية على الخيال والرمز والإيحاء، لكون الخيال لا تستطيعه اللسانيات في التحليل إلّا بمفاهيم واسعة ليستقرّ فيه، أي في الذاكرة كمدخلات فسّرها العقل وصارت معلومات مدركة ومعروفة ذهنيًّا لا يتغيّر معناها ولا تحتاج لعمليات أخرى لتفسيرها، بل اكتسبت حدّ القطعية في عملية الثبات والخزن في الذاكرة، وبعد الانتهاء من عملية التفسير تحوّلت المفردة نحو المخرجات الصادرة، بعد أن يُختزن مفهومها في العقل البشري لتصبح معلومة معروفة ومفهومة لديه للقادمات...

المفهوم: هو المعنى النهائي (المخزون أو المخبوء) الجاهز والمدرك من قبل العقل بشكل مسبق، لكونه مرّ بجميع العمليات الإدراكية فصار مفهومًا من جميع خلايا المخ، وصار مخزنًا وسورًا للمعنى الذي يغوص فيه الناقد بشكل عميق، وقد يكون هذا العمق في الأدب أكثر من اللسانيات، لكون تحليل اللسانيات تعمل بالدّال والمدلول والعمق اللساني الشفوي، و يعمل الأدب بالدّال والمفهوم، و بشكل أخف وطأة في المنفعة التي اتهمت فيها مفردة البراغماتية بترجمتها إلى (الذرائعية)،  فالذرائعية اللغوية أو الذرائعية الجديدة هي أهم علم تواصلي تحليلي في البلاغة العربية، يهتمّ بحالات المعاني المؤجلة المستلّة من الخيال والرمز في العمق الأدبي والبنية اللغوية العميقة، وهذا دليل قوي لعظمة اللغة العربية ومكانتها بين اللغات الأخرى، وقد كشف الفلاسفة الغربيّون الذرائعية اللغوية عند أوائل السبعينات من القرن المنصرم، وقد شكّلت أسس البنيوية والتوليدية في استهلالها النظري، وقد تتناول ظواهر اللغة وتحلّلها، وتشارك في مواجهة المشاكل وحلّها، فهي  مجال رحب يستمدّ موارده من مصادر مختلفة، بالنفاذ في مسالك التواصل، وقد ترجم هذا الاصطلاح بالتداولية بشكل خاطئ، ودخل لسانيات الاستعمال، وهو بالأصل حالة بلاغية عربية معروفة في الاستعارات البلاغية، و يبدو أن بعض باحثينا أهدوها للغربين انبهارًا بإنجازاتهم العلمية تحت اعتقادهم الراسخ من إن كل علم يظهر في الحياة مصدره الغرب، حتى وصل بنا الأمر أن نأخذ شهاداتنا العليا في لغتنا منهم....) .

و بتفهّم عميق، وبإدراك مذهل لما بين السطور، استطاعت الناقدة الجزائرية عقيلة مراجي إخراج الجوهر، فكتبت مقالتها الرائعة هذه:

كتبت الناقدة الجزائرية عقيلة مراجي :

 الإله يموت....

من طريف ما حدث في المشهد النقدي الأدبي العربي، ذلك السعي خلف كل المنجزات الغربية على سفاهة بعضها وجرأة البعض الآخر، وملابسات بعض الأفكار الهدامة والتي تضرب بعرض الحائط كل مبدأ عقائدي ...ونحن كالأعمى الذي يتبع رائحة الأتان ليصل إلى البيت، إلا أن الأتان تأخذه إلى اصطبل الأحمرة (أكرمكم الله)...

فمنذ أن اتصل النقد العربي بالنقد الغربي اتصالا مبنيا على الانبهار والتكريس لمبدأ الإله فإن النص العربي لم يعد عرابا للمجتمع ولم يعد مرآة ولم يعد رسالة بل أصبح تطريزا لكلمة الغرب، كذلك لم يعد النقد عرابا للأدب على حد قول منظر النظرية الدكتور عبد الرزاق عودة الغالبي، بل أضحى في غالب أحيانه رصفا للمصطلحات الغربية التي تشكل أزمة للنقد وفرض المنهج على النص، طبعا هذا لا ينطبق على كل النصوص بل نحن نعالج الأمور بوصفها ظاهرة مهيمنة،

لكن قد بدأ يتضح في الآونة الأخيرة أن هناك سعي حثيث لتجاوز هذه الأزمة، وانطلقت أصوات واعية تعلن أن "الإله يموت" ولنضرب على سبيل المثال جهود الدكتور عبد الرزاق الغالبي مع الذرائعية، والتي أقل ما يمكن أن يقال عنها مبدئيا أنها تتصف بالوعي ، الوعي بطبيعة النص الأدبي من حيث الجنس واللغة، والوعي بطبيعة النقد ووظيفته، وما قدمه الباحث التاريخي منير الكلداني في نظريته النقدية التي تستهدف تلقي النص العربي بالنقد الشمولي، ولعل الرابط بين النظريتين هو الشمولية والسعي لعلمنة النقد..وتخليصه من الانطباعية والذاتية..وأنها تنطلق من خصوصية النص العربي لغة وتشكيلا ومرجعية..وهذا ما أسقطه أولئك الذين لهثوا خلف النظريات النقدية السابقة من البنيوية حتى مناهج ما بعد الحداثة ...

هذه الجهود تبشر فعلا بمستقبل للنقد الأدبي العربي، لأنها على الأقل تنطلق من الوعي بما تقدمه...سواء من الناحية الاصطلاحية أم المرتكزات التي تتكئ عليها...

وما يؤكد فعلا على أن النظريتين على درجة من العلمية انطلاقهما من نظرية الأدب التي سعت لوضع حدود للأدب وللنص، وانطلقت من ذلك التعدد والتباين في تعريف الأدب والنص الأدبي لتبرهن في النهاية أن تلك التعددات تشكل في مجملها تكاملًا وليس تعارضًا ..ومن هنا نجد أن النظريتين لا تهملان الكاتب بوصفه منتجا ولا المرجع بوصفه مصدرًا ومؤثرا ولا النص بوصفه رسالة وجمالية ولا القارئ بوصفه مستهلكًا منتجًا ...

كما أن كلا النظريتين لا تعلنان القطيعة والعدائية مع المناهج النقدية السابقة، بل تنظر إليها من حيث أنها تراكم معرفي يؤسس بطريقة أو بأخرى للمشروع النقدي الجديد ويؤصل له

وقد يكون هناك بعض الأصوات التي لم تكشف عن نفسها بعد...لكن في الأحوال كلها "الإله يموت" وهذا في حد ذاته منجزًا ، حيث يؤكد الكثير من الباحثين أن مراحل التي يمر بها الأدب أو النقد هي مرحلة الانبهار ثم التقليد ثم التكرار ثم التشبع ثم التحول، وفكرة الإله يموت تمثل مرحل التحول في النقد الأدبي العربي.

* استيعاب المرحلة مفتاح تجاوز المحنة:

- يشعر الكثير من العرب بالدونية فيسرعون إلى إعلان عدائية مع كل جهد عربي أصيل ويرجع هذا الأمر إلى تخوف العربي من أفول نجمه إذا ما ابتعد عن المنجز الغربي، وهذا طبيعي في البداية وليس بالأمر المنكر، لكن يجدر بنا بذل جهد لتقبل الأنا كما نتقبل الآخر، وأن نؤمن بأن الأنا العربية تملك من العبقرية ومن الشياطين ما يؤهلها للإنجاز العلمي والمبني على الموضوعية، والإبداعي المبني على الخصوصية العربية...

- الجديد لا يخيف إلا من حيث أنه انفتاح على الإخفاق والسقوط..، لكن لو أننا نؤمن أن كل النظريات الغربية سقطت سقوطا حرًا وأخفقت إخفاقا على رأسها البنيوية ومع ذلك قدمت لنا إرثًا معرفيًّا كان سببا في ولادة الكثير من النظريات النقدية التي قدمت للأدب الكثير ... لتجاوزنا مخاوفنا، فالإخفاق لا يجب أن يكون كابوسًا..فلنؤمن بالإخفاق كما نؤمن بالنجاح ، الأمر لا يختلف عن الموت والحياة...فالموت هو دائما بداية حياة جديدة...

- من هذا المنبر أدعو أولئك الذين ينقبرون في برجهم العاجي أن يحطموا قوقعتهم ويخرجوا إلى الواقع، وأن يقبلوا على دراسة التجارب الجديدة قصد التطوير والتعديل..

والذي لا يؤمن بما أقوله فلينظر إلى ما يتبناه من نظريات وليبدأ في تعداد سلبياتها .....

أعتذر على الإطالة، وللحديث بقية.

 

د. عبير خالد يحيي

 

ليث الصندوقثمة شفراتٍ أو نظاماُ فكريّاً مشتركاً يتقاسمها النص في رواية ناطق خلوصي (بستان الياسمين) مع القاريء – العراقي تحديداً – تجعل من الأحداث قريبة وأليفة إليه، بل ربما يجد القاريء فيها نفسه طواعية قد وقع ضحية تلك الأحداث المؤسفة وتبادل مع أبطالها الأدوار ليكمل مسيرتهم من النقطة التي توقفوا عندها مستسلماً مهمة السرد الإفتراضي البراني – حسب سنن الرواية - من الراوي المفارق أو من الكاتب الذي لم يكن في حسبانه أنه سيمكّن قارئه من التمرّد عليه وتجاوزه ومن ثمّ عزله وتولي مهمته . والسرد الإفتراضي – ما وراء اللغوي – هو المتعة الحقيقية التي يتوخى كل أديب أن يوفرها لقرائه، ففيه يتحول النص إلى حياة، وتتحول الكتابة إلى مشروع قابل للتحقق والتنفيذ ضمن أفق توقعاته، وبه أيضاً يتحول القاري إلى مؤلف، أو - أن شئت - إلى مؤلف مشارك يتقاسم مع المؤلف الأول نصاً واحداً ورؤية مفتوحة للتأويل باتساع خيالين . والشفرة المشتركة التي يتقاسمها القاريء والنص معاً جاءت من سياق مرجعي واحد يمثله واقع العراق الدامي في مرحلة الإحتلال الأمريكي وما بعده، وما نجم عنه من ظواهر بعضها غريب عن طبيعة النسيج الإجتماعي، وبعضها الآخر ليس بغريب ولكنه نادر ومحتجب، ثمّ جاء الإحتلال ليرفع – تحت شعارات ملتبسة - عنه الاحتجاب فيستفحل وينتشر ويتحول من إطار الندرة إلى إطار الظاهرة .

هذه الظواهر / الشفرات يتناولها الكاتب بشكل ينأى بها عن المباشرة الفجّة من خلال مرشحة ناقدة بحساسية مفرطة يمثلها الشاعر مسعود مسعود . ومرور الأحداث من خلال هذه المرشحة أو الشخصية المثقفة ليس بجديد على ناطق خلوصي، بل هو أحد مميزاته التي ربما لا تخلو منها إحدى رواياته . ولعله بهذا النوع من الشخصيات المشعّة اجتماعياً وثقافياً يجسّد رؤيته للأدب باعتباره رسالة ذات هدف إجتماعي يتبوّأ فيه المثقف الدور الذي يستحقه في تشخيص وإدانة الظواهر السلبية وقيادة المجتمع بما يساهم في الحفاظ على الضمير والروح من التلوث والفساد .

أما بستان الياسمين فهو اليوتوبيا التي يحلم بها المثقف للتحرر من أسر الخوف تحت سلطة الإحتلال أو ما خلفه من فوضى ومن قوة غير منضبطة وفساد . ومن الواضح أن المقابلة ما بين الوطن والبستان تظل قائمة دائماً، فما مشروع الشاعر مسعود مسعود – وهو الشخصية المحورية - في إقامة بستان الياسمين سوى محاولة استعارية لتعويض الوطن المحترق بآخر مزدهر، وما دور مسعود كشاعر في بناء الوطن البديل سوى إحالة رمزية إلى حلم المثقفين بذلك الوطن، وطموحهم في بنائه . وتستقيم تلك الإحالة في كون البيت الجديد في بستان الياسمين / ألوطن البديل هو نسخة مماثلة من البيت القديم، وعبر هذا التماثل تنتقل روح الوطن الأول إلى هيكل الوطن الجديد المزدهر / اليوتوبيا لتبقى الروح هي الروح على سجيتها الأولى دون تغيير في النسختين .

هذه القراءة لن تتطرق إلى قناعات الكاتب العقائدية، ولا إلى الظواهر التي التقطها من خلال مرشحته الناقدة، ولكنها ستحاول النفاذ إلى الآلية التي استوعبت تلك القناعات وتلك الظواهر وقدمتها للقاريء على شكل لوحة فنية منزهة من أحكام القيمة ومن مفردات اللغة الأيدلوجية الصاخبة والإدانات العقائدية المباشرة لتحولها إلى نص ذي شعرية هادئة وأسلوبية سلسة . والآلية التي أعنيها تتمثل في بناء النص الواحد من مستويين، ينفصلان أحياناً، ويتداخلان أحياناً أخرى من دون أن يفقد أي منهما خصائصه النوعية جراء ذلك التداخل . وربما يكون هذان المستويان هما اللذان عناهما الأستاذ حسب الله يحيى في تقريضه الوجيز على الغلاف الأخير من الرواية دون أن يتيح له الحيز الضيق فرصة أن يتطرق إلى طبيعة ومواصفات المستويين، ورصد أبعادهما الزمنية، وتوزيع المقاطع النصية ما بينهما، والدوافع الموضوعية التي كانت وراءهما، وهذا ما تطمح إليه هذه القراءة .

الصفتان النوعيتان اللتان تميزان كل مستوى عن الآخر هما الزمان والشخصيات، فالزمن في المستوى الأول هو زمن الحدث الذي هو في الوقت ذاته زمن الخطاب، ويمكن أن نفترض أنه زمن الحاضر تمييزاً له عن زمن المستوى الثاني (الذي سنأتي عليه لاحقاً) . وتزمين هذا المستوى يبدأ مع السطر الأول من الرواية برنة الجرس ودخول طالبة الماجستير الشابة سالي إلى بيت الشاعر مسعود مسعود للحصول على معلومات تفيدها في إعداد بحثها الأكاديمي لمرحلة الماجستير عن تجربته الإبداعية . ومن الواضح مما سبق أن الشخصيتين المحوريتين الفاعلتين في بداية هذا المستوى هما الشاعر مسعود والطالبة سالي، ولكن الأمر يختلف فيما بعد إذ مع توالي المقاطع النصية تنزاح سالي إلى ما وراء شخصيات أخرى تمثل دائرة علاقات مسعود الأسرية القريبة، والبعيدة أحياناً مثل ربيعة صديقته في بيروت . وإن كان الزمن في المستوى الأول – وكما بينا أنفاً – هو الحاضر، وسيبقى كذلك دون ارتداد إلى الوراء، إلا أن سير الزمن في المستوى الثاني يبدأ من الوراء باتجاه الحاضر ولذلك تتوالى أحداث هذا المستوى على شكل مونولوجات تسترجعها الشخصية المحورية / مسعود . ومع توالي الأحداث في هذا المستوى وتسارعها وهي تتعاقب زمنياً باتجاه الحاضر، في مقابل تباطؤ وخفوت إيقاع الأحداث وبقائها أسيرة الحاضر في المستوى الأول، تتراجع ظاهرة التعاقب ما بين المستويين وتحل محلها ظاهرة التزامن، ولم يعد لاسترجاع الماضي من ضرورة، وبذلك يهيمن على الرواية مستوى زمني واحد هو مستوى الحاضر الذي يمكن اعتباره ضمن المستوى الأول بدءاً من منتصفها وحتى نهايتها مع استثناءات قليلة لا تتعدى بضع سطور كاسترجاع مسعود ذكرى زواجه وهو يستلقي على السرير في أعقاب زواج إبنه نائل كما في المقطع النصي الخامس والعشرين، حيث يعبر عن شحة المسترجع بعبارة تجمع ما بين شحة خزين الذاكرة وشحة الخطاب (لم يبق من تلكم الليالي والأيام سوى صفحات شاحبة من الذكريات . ص / 159) . أما من حيث الشخصيات فإن ما يميز المستوى الثاني أن أحداثه تدور بكاملها حول واحدة فقط من الشخصيتين المحوريتين، وأعني بها شخصية الشاعر مسعود وفي فلكها تدور كل الشخصيات الثانوية المقربة منه أسرياً، أي باستثناء سالي ودائرة علاقاتها الخاصة . ولهذا الإستثناء دلالاته ودواعيه وذلك لأن بداية زمن المستوى الأول – كما بينا آنفاً - جاءت مع قرع سالي الجرس في بيت مسعود، وتلك آلية غير مباشرة لتزمين المستويين باعتبار أن القرع محدث، بينما البيت / المكان قائم وسابق عليه لذلك من البداهة أن تكون مرحلة ما قبل القرع / المستوى الثاني خالية من القارع / سالي، ومن دائرة علاقاتها بالكامل بالرغم من أن بعض عناصر تلك الدائرة على معرفة سابقة بمسعود مثل ألمشرف على رسالة سالي الدكتور أشرف شاهين .

ولعل الضرورة التي أملت أن تتشكل بنية الرواية من مستويين هو البحث في ماضي المستوى الثاني عن الدوافع السلبية التي أطاحت بتماسك عائلة مسعود وفتتتها إلى قسمين، قسم ما زال يلتمّ حوله في بغداد، وقسم هاجر للعيش في بريطانيا (إبنه وزوجة إبنه وحفيده) . وقد جاء ذلك التفتيت كنتيجة حتمية للفوضى السياسية والأمنية التي أعقبت تشكل السلطة في مرحلة ما بعد الإحتلال . بيد أن البحث في ماضي المستوى الثاني لا يتوقف عند هذا الحد بل يخترق المستوى الأول للكشف عن القوى الإجتماعية الجديدة التي فقست عنها بيوض الإحتلال والتي استفادت من الفوضى وشكلت قوتها السياسية والإقتصادية الهائلة، لنتبين في النتيجة من تلك المقابلة ما بين الزمنين او بالأحرى ما بين المستويين أن الخسائر التي كابدتها عائلة مسعود - وهي كناية للطبقة المثقفة والواعية والمستقرة تاريخياً وأخلاقياً - ما هي إلا نتيجة من نتائج صعود الطبقة التي تنتمي إليها سالي وعائلتها، وهي على العكس من العائلة الأولى كناية للعوائل الطارئة وحديثة النعم والمنحطة ثقافياً وقيمياً التي جاء بها الإحتلال ومكنها من الصعود .

ينساب نهر الرواية عبر دفق من الأمواج / المقاطع النصية غير المرقمة أو المعلمة، والمفصولة عن بعضها بسلسلة ثلاثية من النجوم . ويبلغ عدد المقاطع النصية أربع وأربعون مقطعاً تتباين عن بعضها في الأطوال، فما بين مقطع لا يتجاوز طوله نصف الصفحة إلى آخر يتجاوز الثلاثين صفحة كما في المقطع النصي السابع والعشرين المحصور ما بين الصفحتين (134 – 162) . وتتوزع المقاطع النصية على المستويين كالتالي :

- المقاطع النصية المنتمية للمستوى الأول / 38 مقطعاً نصياً

- المقاع النصية المركبة من المستويين / 6 مقاطع نصية

ويلاحظ عدم تخصيص أي مقطع نصي بالكامل للمستوى الثاني لأن استرجاعاته جاءت أصلاً ضمن سياق أحداث المستوى الأول . وإن كان تخصيص المقاطع النصية بالكامل لمستوى واحد ليس بحاجة إلى تسويغ، إلا أن أغلب المقاطع النصية المركبة جاءت ضمن سياقات محددة وبدوافع ومسوغات سنتطرق إليها لاحقاً .

اما التبئير في الرواية، فعادة ما يتم في المستويين من خلال الراوي المفارق الذي يُبقي رؤيته من الخارج، ويبلغ السرد البراني ذروته حين يحجم الراوي المفارق حتى عن رصد الظاهر ويلجأ إلى توريط المروي له في ذلك باستخدام (لو) الشرطية كأداة امتناع لامتناع مما يعني مسبقاً أن باب الرصد والتوصيف لم يكن مغلقاً أمام الراوي فحسب بل هو كذلك أمام القاريء أيضاً (هاتف سالي وقال لها أنه مشغول هذه الأيام بمشاغل عائلية يتعذر عليه معها أن يستقبلها في مكتبته، ففوجئت بما قال، ولو كان أحد إلى جوارها تلك اللحظة لانتبه إلى أن الشحوب لوّن وجهها باصفرار فاقع . ص / 134) ومع ذلك فالشخصية الهلامية المفترضة المعبر عنها بمفردة (أحد) والتي أراد الراوي إشراكها معه في تبئير المشهد لم تنجز المهمة لأنها غائبة أصلاً، ولكن الراوي أوهمها بقدرتها على ذلك فيما لو كانت تلك اللحظة حاضرة إلى جوار سالي .

، أو قد يتم التبئير من خلال متحسسات مسعود التي تلتقط على غرار الراوي الإنطباعات المقابلة من دون ان تتجاوز الظاهر او أن تدعي العلم بأكثر مما تعرفه الشخصيات، ولذلك تظل الحيرة وعدم التقدير الدقيق والوقوف عند حدود المعلن وعدم إحراج الآخر بكشف كامل أوراقه هي سمات مسعود التبئيرية والتي عادة ما يعبر عنها بصيغة تساؤل داخلي أو يبقيها ضمن حدود الاعتقاد الذي ربما يعني الشكّ (فساوره شيء من الشكّ حول سرّ هذه الإبتسامة الماكرة المتبادلة . ص / 93) أو (فانتهزت الأمّ وإبنتها فرصة غيابه في المطبخ وصارتا تتهامسان حتى إذا عاد قطعتا ذلك الهمس فصار في اعتقاده أنهما تعدان شراكاً خفياً ربما للإيقاع به . ص / 93) بل أنه حتى حين يخمن الاحتمال المرجح يحتفظ به لنفسه ولا يكشف عنه للراوي المفارق الذي ربما سيسارع لكشفه للمروي له / القاريء، وهذا ما يرشح من حديثه المقطوع مع أم سالي وهي تشكو إليه عجز زوجها الذي من الواضح أنه عجز جنسيّ :

- أنا حزينة على زوجي العزيز

- لماذا لا سمح الله ؟

- إنه عاجز . أتعرف ماذا يعني ذلك ؟

فأدرك ما تقصد فلم يردّ على سؤالها .

ص / 96)

بيد أن هذه السمة التبئيرية المخصوصة بمسعود لا يعبر عنها بصوته، بل هي تنتقل إلى الراوي وتجيّر له، ليعبر عنها بصوته ما دام هو الصوت الوحيد (المقروء) :

- سأل نفسه، هل كان ضرورياً ان يتيح لها فرصة رؤية مشهد الإلتحام الجسدي . ص / 48

- نظر إليها حائراً . ص / 51

- تمعن بها جيداً، هل هذه نسرين التي كان قد قد التقاها قبل سنوات ؟ خانته الذاكرة في أن يسترجع صورتها الماضية التي لا يعرف عنها شيئاً، ولم يُتح لصورة الحاضر التي هي عليها الآن أن تمنحه انطباعاً جيداً عنها . ص / 77

- لا يعرف حتى الآن سبباً لإلحاح سهير في التعبير عن رغبتها في المجيء إلى بغداد . ص / 83

- لم يسألها عن السر الحقيقي وراء ذلك لأنه لم يشأ إحراجها . ص / 87

وأحياناً يُدرك مسعود ما وراء الظاهر، لكنه يصرّ على أن يبقى على السطح تاركاً للآخر الذي يشترك معه في ذات المشهد ان يكشف له ما يستبطن (لم يصعب عليه ان يفهم ما تقصد لكنه تظاهر بأنه لا يعرف ما تقصد . قال :

- ماذا تقصدين ؟

- ضحكت ساخرة :

- غشيم المسكين

ص / 81)

وفي محاولة لتفكيك بنية المقاطع النصية المركبة من المستويين نختار ألمقطع النصي العاشر كنموذج نوعي، وهو من المقاطع الطويلة ويمتد عبر المسافة ما بين الصفحتين (46 – 77) وفي هذا المقطع سنجد أنّ التمييز ما بين المستويين يتعدى عنصري الزمن والشخصيات إلى المظهر الطباعي بالحروف السود الفاتحة للمستوى الأول والبارزة للمستوى الثاني – حسب تعبير الأستاذ حسب الله يحيى - وبالحصر ما بين قوسي الابتداء والختام للمستوى الأخير . والملاحظ على هذا المستوى (الثاني) في هذا المقطع النصي أنه يتوافق زمنياً مع المستوى الأول، ولكنه يختلف عنه بتخصيصه بالكامل لمسعود وسهير زوج إبنه .

إن انسلال سالي ومرويتها من هذا المستوى بالكامل وحضور سهير الموهوبة من دون ادعاء ولا طموح هو حضور تعويضي عن الموقع الجديد الذي تحاول سالي المدعية فرضه على مسعود . ويلاحظ أن التداخل ما بين المستويين قد دفعت إليه ظروف موضوعية وليست فنية فحسب، فانقطاع التواصل السردي ما بين سالي ومسعود بعد إكمالها الفصل الأول من دراستها من جهة، ومن جهة أخرى اضطرار مسعود إلى المكوث في البيت تلافياً لمفاجآت الاضطراب الأمني وعدم الاستقرار في الشارع جعلا مستوى مسعود / الثاني قابلاً للانفتاح على شخصية تعويضية من ضمن دائرة علاقاته الأسرية يكمل معها جزءاً من مستواه السردي الخاص، وهذه الشخصية هي سهير .

يتعاقب المستويان في هذا المقطع النصي على سبع مراحل وكالتالي :

ألمرحلة الأولى : مكونة من بضع سطور من مروية المستوى الأول إمتدت على جزء من الصفحة (46) .

ألمرحلة الثانية : مع انتهاء المرحلة الأولى، ومع بداية سطر جديد، إنفتح عند منتصف الصفحة 46 - وبعد علامة تنصيص ممثلة بقوس إبتدائي – فضاء المستوى الثاني، لينتهي مع غلق القوس عند منتصف الصفحة 51 .

ألمرحلة الثالثة : تنتمي إلى المستوى الأول وتبدأ من منتصف الصفحة 51 بمكالمة هاتفية ما بين مسعود والمشرف على رسالة سالي الدكتور أشرف (والأسم هنا له دلالة معاكسة ومتوافقة في وقت واحد، فهي معاكسة لأن الرجل يفتقد سلوكياً للنزاهة الأخلاقية والشرف الأكاديمي، وهي متوافقة مهنياً مع الرجل لأنه المشرف على رسالة سالي للماجستير) . وتنتهي هذه المرحلة عند الثلث الأخير من الصفحة 55 .

ألمرحلة الرابعة : وتنتمي إلى المستوى الثاني، وتبدأ من الثلث الأخير من الصفحة 55، وتنتهي مع السطور الأخيرة من الصفحة 71 .

ألمرحلة الخامسة : وهي ضمن المستوى الأول، وتمتد بدءاً من نهاية الصفحة 71 وحتى منتصف الصفحة 73 حيث يتداخل المستويان الأول والثاني عبر رسالة استلمها مسعود من زوجة إبنه المهاجر سهير تعلن له فيها ولادة شخصية سردية جديدة هي مسعود الحفيد التي لن تكون لها فعالية سردية بينة، لكن لوجودها سيكون أثر على فعاليات الشخصيات القريبة منها (الجد / الأم / الأب) كما أن وجودها الهامشي شبه المعطل سيكون سبباً في استنبات وتفعيل شخصية أخرى هي الفتى وسام الذي يُعنى به ويدفع عربته، مما يعني أنه بإمكان الشخصيات الهامشية أيضاً أن تستبطن طاقة سردية مؤثرة على فعاليات الشخصيات المحورية .

ألمرحلة السادسة : إن استلام مسعود للرسالة ضمن أحداث المستوى الأول – كما ورد في المرحلة الخامسة آنفاً - أحدث حالة استرجاع ردته إلى زمن سابق حُصر ما بين قوسين ضمن أحداث المستوى الثاني بدءاً من منتصف الصفحة 73 وحتى نهايتها .

ألمرحلة السابعة : وهذه المرحلة تنتمي للمستوى الأول، وتبدأ بالسطر الأخير من الصفحة 73 من دون أن تكون هناك علامات تنصيص، فالمستوى يكشف عن نفسه من خلال تخصيصه لشخصيتي مسعود وسالي . وتنتهي هذه المرحلة مع انتهاء المقطع النصي في الصفحة 77 .

وفي حين تصبح المقاربة ما بين موقع سالي أمام سهير لدى مسعود أقرب إلى المقارنة غير المتكافئة التي تميل فيها الأرجحية نحو الثانية، تبرز مقاربة أخرى هي أقرب إلى المقارنة المتكافئة، ولكنها هذه المرة مقصودة بتعمد ما بين رؤيتين في موضوعة إشكالية واحدة لشخصيتين أولاهما حاضرة، بالرغم من أنها شخصية تخييلية، والثانية غائبة، بالرغم من أنها تاريخية . ألرؤية الأولى تنتمي إلى سهير، والرؤية الثانية هي رؤية الكاتب ذاته (ناطق خلوصي) الذي – بالرغم من تعمد إغفال إسمه - حضر من خلال التذكير برواية سابقة له هي (تفاحة حواء) بيد أن حضوره هذا ضمن فضاء تخييلي كان محاولة لإيهام القاريء - الذي لم يطّلع على أعمال الكاتب السابقة - بأن تلك الرواية هي أيضاً عمل تخييلي لكاتب مفترض . أما الموضوعة الإشكالية فتتمثل بتجاوز المحددات العرفية للحب . وفي هذه المقاربة تتوافق وتتكافأ الرؤيتان بالرغم من أن سهير لم تؤكد ذلك خطابياً، بل أكدته سلوكياً .

وقد يطرأ ثمة انحراف عن مواصفات المستوى الأول مع بقاء مواصفاته الأخرى دون أن يتسبب ذلك في إحالته أو ضمّه تلقائياً إلى المستوى الثاني، ولعل أبرز تلك الانحرافات خلو هذا المستوى من إية إشارة عن سالي كما في المقطع النصي الثالث عشر (ص / 83) ولكن الحالة ستتكرر فيما بعد حتى لتوشك المقاطع النصية أن تخلو تماماً من فعل لها أو ذكر، حيث تبدأ الشخصيات بالانتقال من المستوى الثاني إلى الأول، وبانتقالها يتوحد زمنا المستويين وتتلاشى آلية الإسترجاع ويهيمن المستوى الأول على كامل بنية الرواية بدءاً من ثلثها الثاني حتى نهايتها . وبغياب سالي ظلت الملامح الأخرى للمستوى الأول مستقرة وتشير إليه، فأحداثه تدور بالفعل في الحاضر ولا تُسترجع من الذاكرة كما هي حال أحداث المستوى الثاني بالرغم من الشخصيات المشاركة لمسعود في هذا المقطع جاءت معه من الماضي مثل سهير ووائل، وهاتان الشخصيتان لم تنبتا فجأة من الحاضر كما نبتت شخصية سالي في مروية مسعود . وقد ورد المقطع النصي الثالث عشر بحروف سود فاتحة تمييزاً له عن المستوى الثاني ذي الحروف السود الغامقة وتأكيداً لانتمائه إلى المستوى الأول الذي أشرنا إليه . واللافت أن ما يميز هذا المقطع النصي عن سواه أنه يتضمن قصيدة من الشعر الحر (قصيدة تفعيلة) من (مخبون المتدارك) للشاعر مسعود وما إدراج القصيدة سوى تأكيد لصفته كشاعر . وفي القصيدة إحالة إلى (بستان الياسمين) الذي تحول إلى (بستان الورد) نزولاً عند ضرورات الوزن الشعري . ولعل ملامح يوتوبيا المثقف الذي حلم بها مسعود تتجلى في هذه القصيدة من خلال عكس مواصفات الإنسان / الشاعر على البستان / اليوتوبيا، والمكان / اليوتوبيا على الشاعر فكلاهما صورة للآخر، وكلاهما يعيش داخل الآخر، بينما تقف المرأة / سيدة بستان الورد بينهما متنعمة بما يغدقه عليها كلاهما من ألفة وحب . ولأن الشاعر أحد أطراف ثلاثية (اليتوبيا / المرأة / الشاعر) أذن لا بدّ من حضور طرف رابع معه لم يفارقه منذ أن جهر أول بلبل بالغناء وهو شيطان الشعر، ولكن حضور هذا الطرف في بستان الياسمين لم يكن من أجل الإنضمام إلى الشاعر أو من أجل أن يكون – كما عُعِد عنه – أداته الطيعة المنفذة لمؤامراته اللغوية، ولكنه جاء ليخضع لإرادة المرأة ويستسلم لإغوائها (أيليق بسيدة أن تسهو وتغازل شيطان الشعر . ص / 85)

ينفتح المقطع النصي العشرون على شخصية ملتبسة هي ربيعة العراقية التي تدير بيتاً للدعارة في بيروت، والتي التقاها هي وإبنتها ميس - بعد غياب سنوات طوال - خلال سفرة له إلى لبنان لتنفيذ مشروع ثقافي . وبالرغم من ان مهنة ربيعة تتعارض مع قوانين البلد الذي لجأت إليه، إلا أن مسعود لم يجرأ – بالرغم من مبدئيته – أن يتوافق مع القانون ويصفها بما يتعارض مع عواطفه وغرائزه الإنسانية، وظل يتعامل معها بحميمية وألفة . لقد خرجت هذه الشخصية الديناميكية بالحدث من الإطار الذي رسمته علاقات مسعود، إلى إطار آخر كشف خلاله عن جانبه العاطفي الخفي الذي ظل يواريه عن القاريء، بل يتخذ منه مصدات في مواجهة اندفاعة سالي أو أمها أو نسرين . بيد أن يقظة ضمير ميس التي تعمل مومساً في ماخور أمها ما لبثت أن غطت على الجانب الذي كشفه مسعود من شخصيته، وأوقفت اندفاعه الغريزي والعاطفي وأعادته من جديد إلى مبدئيته القيمية والأخلاقية وذلك بإثارتها معه قضية لم يكن يحسب لها حساباً، أنها قضية التطهر من رجس الواقع الذي تعيشة والمهنة التي أجبرت عليها . بيد أن المباشرة التي انطوى عليها طرح ميس أخفت في طياتها المزيد من الإيحاءات الرمزية، فقد ربطت موضوعة التطهر بالعودة إلى الوطن، وبذلك، ومن حيث لا تدري صار الوطن بالنسبة إليها هو المطهر . ولعلّ الإلحاح على التطهر / العودة سيكون أكثر صدقاً عندما يكون المَطهر / الوطن هو في الحقيقة جحيم يهرب منه أبناؤه / المطهرون ومنهم إبن مسعود الكبير وائل الطبيب الجراح . أما مسعود الذي جاء من مطهره في بغداد متلبساً مسوح القديس ليلقي نفسه في أتون الخطيئة في بيروت، فقد وجد نفسه يعود إلى دوره الأول من جديد ليؤدي دور القديس وليلبس مسوحه الذي خلعه، أي صار لزاماً عليه أن يسند رغبة المخطيء / ميس بالتوبة / العودة إلى الوطن، وبذلك وجد أن توافقه مع أمها تحول إلى تضاد وصِدام أنتهيا بإصراره على تحكيم قيمه ومبادئه في حل الإشكال من خلال احترام رغبة ميس من جهة، ومن جهة أخرى من خلال موافقته على الإعتراف بأبوته للجنين الذي تحمله ميس في أحشائها إذا ما أثبتت التحاليل أنه من صلبه . وقضية ارتباط فكرة التطهر بالعودة إلى الوطن تقابلها فكرة أخرى معاكسة هي ارتباط الخطيئة بمغادرة الوطن . وإن كانت الفكرة الأولى قد أثارتها رغبة ميس بالعودة، إلا أن الفكرة الثانية المعاكسة هي ما يمكن أن يرشح عن تمحيص قضية أمها . فقد كانت في وطنها سيدة محترمة (تجمع بين الفتنة والفطنة والجرأة وحسن التدبر . ص / 106) إضافة إلى أنها (أرملة ضابط استشهد في الحرب . ص / 106) ولكنها بمغادرة فضاء المطهر / الوطن غادرتها طهارته أيضاً فتحولت إلى شخصية أخرى مغايرة .

وكما ورد آنفاً، فارواية بدأت بفعلين يرتبط أحدهما بالآخر ويكمله (قرع / الجرس) و (فتح / الباب) الفعل الأول ارتبط بسالي، والفعل الثاني بمسعود . والفعلان لهما دلالات إيجابية في الفولكلور العراقي والذاكرة الشعبية، فكلاهما يختزنان معاني البشارة، أو المفاجآت السارة، إلا أن صيرورة الأحداث لم تؤكد إيجابية تلك المعاني دائماً، وذلك لسلبية الحافز الدافع لفعل الطرق من قبل الطرف الأول، فقد تبين أن سالي لم تكن سوى الوجه الجميل والمخادع للفساد، على عكس مؤدي الفعل الثاني الذي احتفظ بإيجابية فعله الأول حتى النهاية ليشهد في الختام انتصار إيجابيته ممثلة بنجاحه في إنشاء يوتوبياه / بستان الياسمين والإصرار على المحافظة عليها، وعدم التخلي عنها للطارئين . وهذا الموقف الصلب والمتماسك ترميز لإصرار المثقفين الحقيقيين على عدم التخلي عن مواقع الريادة – لمن لا يستحقها – في اليوتوبيا التي يحلمون بها . وبينما كان مسعود يشهد انتصار إيجابيته، فهو على الضفة الأخرى سيشهد اندحار ثلاثي السلبية الممثل لكل أشكال الفساد من خلال :

- إحالة والد سالي للتحقيق بتهمة سرقة المال العام، وإصابته بالشلل قبل مثوله أمام المحققين، وهذا المآل لهذه الشخصية الإشكالية هو ترميز مركب لاندحار كل أشكال الفساد في المؤسسة الرسمية (المالي والإداري بل والسياسي أيضاً) .

- هروب المشرف على رسالة سالي للماجستير إلى جهة مجهولة، وهروبه هو رمز لاندحار الفساد في المؤسسة الأكاديمية .

- فشل سالي في مناقشة رسالة الماجستير، وهي الرمز الجامع لكل أشكال الفساد التي يمثلها أبوها والمشرف على رسالتها معاً .

وعلى عكس البداية التي شهدت حضور سالي وفرضها وجودها المزيف على الواقع الثقافي ممثلاً ببيت مسعود بتوسط من شخصية مزيفة وطارئة هي نسرين، تشهد الخاتمة انسحاب سالي التام من حياة مسعود الثقافية والإبداعية لتبقى يوتوبياه خالصة له، ولصفته الحقيقية المقرونة به / ألثقافة .

 

ليث الصندوق

.....................

(*) رواية (بستان الياسمين) ل - ناطق خلوصي – دار ميزوبوتاميا للنشر والتوزيع - 2018

 

كاظم نعمة اللاميمقالة نقدية للعرض المسرحي (مازال فك الحمار محمولا)

مقدمة: العرض المسرحي عموما وهذا العرض الذي نحن بصدد تحليله ما هو الا حدث ثقافي متعدد الثمار يتجاوز اطار الخشبة دائما لتحط رحاله بين كراسي النظارة لما حوته من دروس قيمية معرفية غايتها بث الكمال في المتلقي ونيل الخلود مع تجاوزها حدود هذه البناية المسماة المسرح الى الواقع المرئي المعاش كثقافة عامة لها القدرة على احداث التغيير المنهجي والسلوكي والفكري.. هكذا عروض قبل كل شيء غايتها الاولى خلق جمهور متحضر انيق التلقي يهتم بالتوعية الاجتماعية والسياسية متعلما الرفض لقوى الظلام المحلي والعالمي بأسلوب مقارب لمسرح القسوة في تجلياته الفكرية ومحايثاته التطبيقية.

النبش في المومياء حرام الا في الآداب والفنون.. فهو نبش في المسكوت عنه، وهو طريق لكشف الحقائق بمتعة رائدها ونجمها الاوحد هو التلقي المعرفي. وهذا ما درج عليه العميدي مسرحيا بتناوله شخصيات اسطورية، او تاريخية برمزية مشعة بالدلالات. مستثمرا هذا الجواز باستنهاض تلك الشخصيات الفاعلة من سباتها، ودعوتها لمشاركتنا حياةً واقعية نعيش فصولها كل حين، مع تمريره لثيمات متعددة هي تلخيص لما يعتمل صدره.. بل هو موقفه الصريح من ما يجري مسطرا اياه على خشبة المسرح بكل شجاعة ومسؤولية. وتحقيق ذلك يتأتى من خلال استنطاق الماضي وكأن العميدي يجري لقاءً صحفيا مع اساطيره بسؤاله الجوهري ما رأيكم بما نمر به.. او استنطاق تحقيقي وسط محكمة لا تهادن.. تراجع مواقف تلك الاساطير بطريقة الترشيح والتقطير .. لننتهي بصورة مكعبة تحمل عدة صور، عدة علامات، عدة رؤى، عدة مواقف تجمعها المتعة والجمال. معلنا عن نفسه اي العميدي مؤلفا ومخرجا يشار له بالبنان فهو المستحوذ الطقسي الغنائي الساحر.. ووفقا لمغامراته المحفوفة المخاطر فهو يبدو ضاربا بعرض الحائط اي محاكمة انفعالية استفزازية له من ورثة الفكر والنسب لتلك الشخصيات باتهامه الواضح بجريمة نبش المومياوات وتجريدها من اكفانها وتهميش قدسيتها لأنه مؤمن بكشف الحقائق واسقاطها على الواقع بعملية جراحية مشرطها الاحتراف والمهنية والانصاف.. وهذا امر طبيعي تماشى مع عقيدته وهيئته الراسخة بأن لا سلطة تعلو فوق سلطة المسرح.

العنوان

بدءً ننطلق من العتبة الأولى التي ينفذ منها المتلقِ الى اجواء العمل والغوص في احداثها ألا وهي عتبة العنوان. فهو اي العنوان جزء لا يتجزأ من العمل برمته.. حتى ان البعض عده ملكية فكرية لا يجوز تجاوزها او التجاوز عليها بتوأمة او ما شابه في اعمال اخرى والا اتهم بالسرقة وليس بالتناص. كما انه يأتي تلميحا دلاليا يشي بنوع استخباراتي منتج من عملية ارسالية بتسريب المعلومات المقننة لغايات سيميائية هدفها تفكيكي يخدم المتلقي في نيله المعرفة بنفسه واين يضع قدمه المكتشِفة في هذه الرحلة الغامضة من عمر العرض.

يقول (امبرتو ايكو) العنوان قاعدة .. عليها ان ترن دائما وتخلخل الافكار لدى المتلقي حسب معرفته وثقافته ، حيث يتباين افق التوقع من انسان لآخر.

((مازالَ فك الحمارِ محمولاً))

في هذا العنوان الغامض للوهلة الاولى هناك الكثير من الاضاءات الانثربولوجية والميثولوجية والسيسيولوجية نجدها ماكثة في طياته والتي تساعد المتلقي في فهم العرض وتحليل مبانيه وكشف بؤره وغاياته ما إن نغوص عميقا في تلقي الاحداث وخاصة عندما يرد اسم هابيل فيحيلنا العرض على موقعة تاريخية انسانية شارحا كيفية قتْلِ قابيلٍ لهابيلٍ بفك حمار نافق.. ووفقا للنقل التاريخي المقروء لنا او ما نقلته لنا الإحفوريات القديمة المتوارثة نجد ان اللغط والمواربة والغموض يكمن في تحديد حقيقة مرجعية فك الحمار ومن هنا يتكشف لنا البعد الميثيولوجي والانثربولوجي في طبيعة العنوان وتفكيك غاياته بتأصيل هوية العرض شرط ان يكون المتلقي واعيا عارفا فاهما قصة هابيل وقابيل وملما بحيثيات الجريمة .. اما البعد السيسيولوجي وكما نعتقد ونرى وجدناه يكمن في حقيقة عاشها الجميع وعرف طبيعتها بخصوص فك الحمار او فك الخراف التي تلبست البعض ممن يريد ان يمارس دورا شريرا في الحياة بتبني صورة وهمية من حمله سلاحا فتاكا. ففك الحمار او الخروف يشبه بشكل او بأخر التشكيل الهندسي للمسدس والذي يعطي الانطباع بالعدوانية والرغبة في الحرب كما لمسناه في طفولتنا وشبابنا بمحاولة البعض لإثارة الرعب في الاخرين بوضع فك الخروف او الحمار تحت طيات ثيابهم ليبدو كمسدس يرهب الناس به وهي من عادات عديمي الثقة بأنفسهم وهم فعلا مازالوا يسودون بكثرة مع تغير الحكام والسياسات فتراهم يتوالدون بتناسخ عجيب.. وهذا الفك الموبوء يقارب طبيعة فك الحمار المستخدم في قتل هابيل حيث نتلمس في كلتا الصورتين تحذيرا من ان الشر مازال سائدا نتيجة لسيادة قوى الظلام، كما ان حامله قد يكون جبانا رعديدا وهو كذلك بالفعل لان غاياته لا تناسب الشجاع الشريف فهوية هذا الفك وتأريخه تشي بالانحدار الاخلاقي المقيت .. كما ان لفظ الحمل للفك هو تبيان الاستعداد الكامل لصاحب الفك واستمراءه واستمراره بفعل الشر وبالتالي هي رسالة من قبل العميدي ورفاقه من خلال العنوان كما قلنا بسيادة قوى الظلام الظالمة الجبانة المحرضة قبلا وبعدا على تبني استمرارية الحمل للسلاح الجبان للنيل من الكيانات المستقيمة.

ثيمة العرض الفكرية

مع فتح الستارة اطل علينا رجل عربي محلي انتصب في وسط مقدمة المسرح وانتزع عباءته وفرشها امام الجمهور بإيحاء رمزي مهم بان ما ستشاهدونه عراقي خالص المعاني سأقصه عليكم بطريقتي الخاصة هذا من جهة مع اشارة الى ان هذا العرض هو حكاية سأسردها عليكم ربما مرت عليكم كحكاية من الماضي او انها حكاية توقعات مستقبلية ستفاجئكم نهايتها. ثم في الختام عاد الرجل نفسه فارتدى عباءته من جديد وخرج مما يعني ان الحكاية ستنتهي هناك عند يقظة كلكامش ومبادئه.

انطلق الصراع الكلاسيكي المعتاد بين معسكري الوجود الانساني معسكر ألف ومعسكر باء الماشيان بسرعة قطار باتجاه شهوة الحياة بتفعيل الثنائيات المتضادة .. الخير والشر، القوة والضعف، الحرب والسلام، الخلود والعدم، الرجاء واليأس، النصر والهزيمة بمقتربات رمزية لها سطوة في الذاكرة الجمعية التاريخية اجتمعت فيها كل هذه الثنائيات حيث تبنى كلكامش الاسطوري الموغل بالقدم بمعية كل رموز الحق والخير والايجابية المعسكر الف.. وتبنى ومثّل الغريب الحقيقي الواقعي الموشى بالغموض الواضح فكرا وسلوكا الماكث بقوة في حيثيات الحياة المعاشة المعسكر باء. لذلك اطلت علينا بيئة العمل بوجود شخصيات تحيلنا لزمن معين قرأنا احداثه على صفحات الورق تمثل بكلكامش الرمز العلوي السماوي الذي كما اسلفنا تبنى الخير سيرة بمواجهة رمز متسافل واطيء تبنى الشر سيرة تمثل بشخصية حداثوية بل ما بعد الحداثوية شخصية معاصرة ترتدي البدلة الحديثة كزي مفجر لعلامات قصدية.. فقد قرأنا عنها وعشنا تفصيلات تسافلها وهي اشارة الى الشيطان الاكبر والقوى الاستعمارية الممتهنة سيرة القمل في امتصاص دماء الشعوب. وقد احسن الكاتب في ادارة هذا الصراع من خلال قفزة اتت كقوة تحويل استثنائية انتجت تشنجا هدفه ايقاظ الجمهور مفاد هذه القفزة ان هناك من ينفخ في الرماد وهو تحرير وايقاظ الغريب لمومياوات قوى الشر والضلالة التي تصدرت واجهتها شخصيات انتحلتها شخصيات اسطورية اخرى تناسب فعلها الموغل في الانتهاك الا وهي شخصيتا (قابيل) و(خمبابة) اللتان اصبحتا بحركة بسيطة لكنها حذرة من قبل الرجل الغريب ادوات طيعة بيده في محاولة الاستئثار بعشبة الخلود التي فقدها كلكامش على يد الافعى رمز الشر الذي يترحم الناس على زمنها الاقل شرا من زمن الغريب الذي سرق تلك العشبة منها وهي اشارة الى زمنين عاشهما العراقيون زمن الطغيان الصدامي وزمن قادة ما بعد 2003الذين احرقوا الاخضر واليابس فجميعهم اي الازمان الاربعة متهم بالسرقة والاستطالة الطاغية مع اشارة خفية من قبل الكاتب بسذاجة الخير والحق المتمثل بكلكامش بتهاونه مع الافعى سلفا .. مع تأطير هذه الشخصية التي تنعقد عليها الآمال بالخلاص من الغريب بالسبات المطلق الذي اكده اطلاق حرية عناصر الشر قابيل وخمبابة دون ضجة او معوقات من كلكامش ورفاقه.. وكما ورد في المثل الشعبي المصري .. "قال يا فرعون إيه اللى فرعنك؟ قال ملقتش حد يلمنى" . لكن حقيقة الاشياء تقول غير ذلك من خلال انفجار خطوط الصراع الذي اداره المخرج معلنا عن مسرح تشكيلي اعتمد على قدرة السحر والميتافيزيقيا باستخدام ادوات تمثلت بالهدوء المرافق لكلكامش هدوء الواثق المعتد بنفسه وقدراته، بالعكس من التشنج الراسخ في الفعل لدى الغريب.. مع تلازم ثنائية العلو والانخفاض في مواقع المركزين.. وكذلك باستدراج الشخصيات الاسطورية لإفراغ ما بداخلها من هواجس تعكس التضاد الذي انبثقت منه كل المواقف الحادثة بعد تحرير قابيل وخمبابة، فضلا عن العربة المزودة بالسلالم والالواح الخشبية التي اججت الصراع بجمالية كبيرة مع وسائل الهجوم والدفاع اليدوي التي امتلكها الجميع ، حيث تأكد ما سبق بتنشيط المنشأ الحركي للأجساد بتثوير الملكات الفيزيقية الجسدية للممثلين....بمخيلـة فاعلة تفسيرية وتأويلة لجميع الصور الكامنة والجلية للعرض وقد اثرى الصراع العام والدفع به نحو الذروة بشكل متسلسل انسيابي هو تلك الوسائل الحوارية المشعة بفلسفة وان بدت كامنة الا انها اتت اكلها بدعم العرض من خلال المكونات السيميائية للصورة المسرحية عامة على مستوى البنية والدلالة والوظيفة مع ايقاظ للمتلقي تأكد من خلال التفاعل داخل صالة العرض.

الغريب: (العشبةُ لي/بحثت عن الأفعى ولاعبتُـــها وسرقــتُ العشــبةَ منهــــا/ وها أنا ذا أبدلُ جلدي من يومها/ إذْ ليس هنــاك مــنْ هــو أحـــقُّ مني بالخلـــود (باستهزاء) كلكامش/ كلماتٌ سُطِّرت على لوحاتٍ طينيةٍ زائلة). وعند محاججة كلكامش بانه ورفاقه يبحثون عن السلام رد عليه بإدانة ربما تكون مقبولة من جهة احتجاجية وتحسب للغريب.

الغريب: أيُّ حكمــةٍ وأيُّ ســلام؟ أتقتــلُ خمبابـا الحارسَ الأمين وتدَّعي الســـلام؟ أتلومُ قابيـلَ الرقيق.. وتدَّعي الحكمةَ والسلام؟ أتقتلُ الثورَ السماويَّ الذي خلقته الآلهة وتدَّعي الإيمان؟

كلكامش: لا عودةَ لطريق الصواب، فطريقُ الحقدِ والحسدِ تمَّتْ برمجتها ثانيةً.

هنا اشارة واضحة لحصر ابجديات الغريب بأمريكا والقوى الاستعمارية في أوربا حيث وردت كلمة برمجة بقصدية وغائية واضحة وهي كلمة حديثة ملازمة للتطور التكنلوجي في هذه الدول المعروفة بإدارتها الازمات في العالم وهو اعلان واضح من قبل كلكامش بان ما يجري من عولمة بخلق سيناريوهات القلق العالمي مبرمج لها وفق قاعدة تكنلوجية دقيقة متقدمة تعكس جهد الاف السنين. وفي هذا الحوار ما يؤكد ما ذهبنا اليه...

قابيل:  وأنا سأنفذُ ما تأمرني به على أنْ يشفى غليلي.

الغريب:  برمجتُك ستعطيك ما تريد. اجمع فكـوكَ الحمير/ فقد آن أوانُـها.

هذا هو اتجاه البرمجة القاضي بتفعيل الحمل للفكوك وملء العالم ظلما وصخبا واحترابا. ومن هذه البرمجيات القصدية التي تحول الحق باطلا والباطل حقا هو الترويج الاعلامي والبكائيات ذات الغايات المنحرفة لتحويل انظار الرأي العالمي باتجاه معين كما في هذا الديالكتيك لخمبابا وهو يقول..

خمبابا: اليوم سأحققُ ثأري.. وأنتقم ممن قتلني ظلماً.

خمبابا يدعي انه قتل ظلما اذن هو شهيد وفي العرف العام للشهيد بأنه قابل للرجعة للانتقام ممن قتله وهكذا هو منهج قوى الضلالة التي تريد النيل من قوى السلام بطريقة قلب الحقائق... لكن انكيدو المتهم بقتل خمبابا رد عليه بنفس منهجه الاعلامي

أنكيدو: كنت تستحقُ القتل لأنك تدافعُ عن منطقة أشجارٍ خضراء تسكنُها آلهةٌ مزيفة.

ومن هنا افصح انكيدو عن حقيقة مفادها ان القدسية التي يدعيها الغريب والتي تترجم في ايامنها هذه السلطة الغاشمة للشرطي العالمي المتمثل بأمريكا بانها قدسية الالهة المزيفة وهذا ما يريد كشفه العميدي رغم اكتشافه سلفا للعامة لكنه نوع من التثوير لشعوره بان السبات نال من الجميع. ووفقا لهذه الجدلية التي اطلقها انكيدو تشجع كلكامش ليكشف عن حقيقة الغريب بشيء من الوضوح.

كلكامش: الآلهةُ المزيفةُ تلبس ثوباً جديداً في كلِّ زمان.

خمبابا: إذا كانت الآلهةُ مزيفة؟ لمَ لمْ تقتلْها بدلاً من قطعِ الأشجارِ التي أحرسُها؟

أنكيدو: لم يكن هدفنا قتلُك/ لكنك تعترضُ طريقنا.

كلكامش: في كلِّ زمان يظهر خمبابا مدافعاً عن الآلهةِ المزيفة.

هنا يرتفع بنا العميدي لتأكيد حقيقة محترمة رائدها الانسان الذي لا يجيد الا التصفيق.. الانسان الجاهل الذي لا يعي ما يدور حوله الانسان المستنسخ بولادات مشوهة فتلبس روح خمبابا للدفاع عن الرموز السلبية بوصفها الهة مزيفة وهي حالة نعيش فصولها بواقعية مؤكدة وخاصة في ايامنا هذه فثقافة القطيع تعلن عن نفسها بقوة.

خمبابا: رأيتُكم تقطعون الأشجارَ فمنعتُكم.

يعود خمبابا لدوره الاعلامي في تسقيط الاخر بطريقة فجة لتحويل الانظار لمظلوميته المزعومة.

أنكيدو: مازلت تتلبسُ الخدعةَ لتظهرَ بمظهر المسكين، كنت تعرف جيداً هدفَنا لكنَّ غرورَك دفعَك لقتالِنا.

اعتمد كلكامش على خاسرين اثنين وهما هابيل وانكيدو فبدا معسكره يعاني الضعف مما دعاه للاستمرار كعادة الثوار الخاسرين بترجيح لغة العزف على الروح المعنوية دون امارات حقيقية هذا من جهة.

كلكامش: (لانكيدو وهابيل) لايغرنَّكم ضجيجُهم ونباحُ طبولِهم/ فالقوةُ في الشجاعةِ لا بالعدد.

ومن جهة اخرى محاولا بحنكة القائد استثمار هذه الروح في احداث الفارق .. اي نعم هو يتحدث مسرحيا الى انكيدو وهابيل لكن واقعيا يتحدث الى المواطن الذي اهتزت ثقته بنفسه نتيجة التغييرات بمحاولات اعادة تأثيث الفراغ لديه وهذا ما تأكد بالرجل الذي مثله حسن الغبيني والمرأة التي مثلتها يسرى جبار بخروجهم النهائي بتفعيل ايقاظ القيم والمبادئ والشجاعة والشرف وكل الخصال الحميدة من خلال ندائهم بنهضة كلكامش التي عنت تحجيم الشر والخلاص منه ونهاية الرجل الابيض وتابعيه. وما دار ويدور هو تمثيل للعالم الخارجي والواقع المرئي ذهنيا و بصريا الذي اتسم من جهة بالتكثيف والاختزال والاختصار برمزية عالية من جهة هابيل وكلكامش ومن جهة أخرى بالتضخيم والتهويل بما يخص الغريب والرجل العربي والواقع العراقي لما له اقتران واضح في مخيلة المتلقي.

الاخراج

استطاع المخرج ان يؤثث الفراغات والاماكن بتجميل واجهة المسرح وتأسيس علاقة مكانية وبصرية بين ما قدم من ابداع وبين المتلقي معتمدا على الإسقاطات السياسية مزينا العرض الذى كان يجمع بين القصة والأغنية والاستعراض الراقص موغلا في ابجديات الجسد كلغة مهمة في هكذا عروض حيث تميز العميدي بمدرسته الإخراجية السردية التنظيرية التي ابتكرهـا مجتهدا لذا اهلته للامساك بتفاحتين في يد واحدة فهنا يطوع الكلمات وهناك يطوع الممثل والفضاء بميزانسين شعري منتظم اعطى نقطة شروع جمالية لكل الفريق ان يقول كلمته ابداعيا. ثنائية التأليف والاخراج منطقة خطرة محفوفة بالسقوط الكامل او الارتقاء الكامل استطاع العميدي هضمها حيث واجه في اطار هذه الجزئية سدا عاليا من الممانعات تجاوزه برشاقة القطط ذات المهنة الهندسية المعمارية العارفة بالمسافات الحقيقية والتأويلية للقفز والارتقاء فبدا مجتهدا في تفسير النص من خلال رؤيته الفنية الجمالية الإدراكية الاستقرائية الاستنباطية المتوهجة المتواشجة مع الواقع المعاش في جزئياته التثويرية فهو اي المخرج ثوري حد النخاع انقلابي حد المهنة بمواجهة النص.. كيف والنص نتاج انامله الذهبية .. وهنا يجب ان لا انسى قول الكاتب الرحل قاسم مطرود .. حينما يصف اشتغاله الاخراجي على احد نصوصه بقوله اهدم من الاساس وابني بناءً اخر.. معلنا عن هيمنة المخرج الذي هو اقرب الى الدراماتورجية وهو اقتراب من وجهة نظر المسرح المتطورة . وهنا يكمن الصراع داخل انا العميدي فهو المتسيد والمُفعل الأساس للصورة المرئية.. كما انه الباحث في طوايا وخفايا نصه عن رؤية خفية مستترة عن مجمـــوع الأحـداث وعبــر كل الصور المتحركـة حيث وظّفها لتكون رغبة جماعية بالاستنجاد بكلكامش بل قل بمباديء كلكامش بما يكتنزه الانسان من جمال من روح من ضمير من ذاكرة جمعية مقترنة بالسلم والسلام لنفض الغبار وكشف الغمة عن هذا الوطن الجريح وهو القول الفصل في الكشف والتوضيح للمنطقة الغامضة اللامرئية داخل فلسفته ككاتب لننتهي بالقول (اصعب شيء هو ان تفسر نفسك).

يحسب للمخرج ادارته مجموع الممثلين بطريقة ممتعة انسيابية مستثمرا امكاناتهم في الالقاء والحركة والايماءة والشعور والاحساس بما حولهم من سينوغرافيا كما تفنن في استثمار قطع الديكور والتعامل معها وتماهيها مع جسد الممثل لتفعيل التفسير والتأويل لدى المتلقي كما يحسب له اي للعميدي توقيتاته الزمنية للمشهد بما ينسجم وتنشيط ذهنية المشاهد للمتابعة وعدم تسرب الملل لأوصاله فبدا العمل كمسلسل تلفزيوني من ثلاثين حلقة تحرص على مشاهدته في جلسة واحدة.

التمثيل

ان مهمة المسرح تتمثل في اعادة صياغة الحياة بشكل جديد وهذا ما تحقق فعلا في العرض حيث استطاع مجموع الممثلين ان يعيدوا الحياة بصدق ملموس لعديد الشخصيات الاسطورية بإداء مذهل محترف كإلقاء وكمحورية فاعلة لانساق التعبير الجسدي متموسقا مع تحولات الفضاء، وتحولات الإيقاعات، وتحولات التفاصيل التي تغني الدلالات وكما يقال في الموروث المسرحي.. اداء الممثل على خشبة المسرح يأتي كهذيان معد كالطاعون .اما ان ينتهي بالموت او بأقصى انواع التطهير وهذا ما حصل بالنسبة لمجموع الممثلين تسيدهم ثائر جبارة الذي بعث برسائل خشنة جعلتنا نكرهه بشدة لتقنيته الجسدية واللفظية وتعابير وجهه ذات الدلالات الواعية باتجاه الشر وهنا يكمن النجاح لدى الممثل بان يتخذ المتفرج موقفا نفسيا شعوريا بالضد اتجاه هذا الممثل الناجح.. كما تميز الممثل بدور كلكامش باداء رصين عكس قدسية وثقل الاسطورة كلكامش مع نجاح بقية الشخصيات بنسب متفاوتة.. الا ان هناك ملاحظة بخصوص دور الفنان حسن الغبيني الذي كان متناقضا مع الامكانيات الكبيرة التي يتمتع بها حيث لم يكن كامل التوهج بما يجعلنا نتذكر دوره في المستقبل لكن حضوره الانيق الرشيق كممثل محترف متمكن من ادواته كان موجودا شئنا ام ابينا وهذا الامر ينسحب على الممثلة التي اتى دورها ليس بقوة بقية الممثلين ربما لقصره وعدم تمتعه بمساحات المونودراما للبوح والتعبير الجسدي واللفظي والايمائي الذي يمثل حقيقتها كممثلة مهمة. عموما يعتبر التمثيل من اساسيات نجاح العرض بشهادة محايدة جدا لكن ما يعيب على هذا الاداء هو عمليات الصراع بملامسة الاخر اي الصراعات الحركية الثنائية بين خمبابا وانكيدو او هابيل وقابيل وغيرهم حيث افتقرت الى الجمالية والمرونة المطلوبة وهي صفة عامة نعانيها في مسرحنا العراقي اكلت من جرف الابداع الشيء الكثير.

الازياء

نجحت مصممة الازياء والمكاياج عدوية فائق بالمزاوجة بين الماضي والحاضر والاسطورة والحقيقة من خلال ازياء واضحة الدلالات اتصفت بالدقة والجمالية والاناقة مناصفة مع عموم انساق المظهر الخارجي للمثل ومنها المكياج.

الاضاءة والمؤثرات الصورية

من اجل عرض ناجح يجب البحث عن طرق جديدة تغني العرض جماليا كإطار موضوعي وتثري المشهد كلغة لها مقوماتها السيميائية بدلالات مهمة ممكن لها ان تمنح المتفرج فرصة لاقتناص الافكار وما اتحدث به هو تطوير الذات تقنيا باستثمار التطور التكنلوجي الحاصل في العالم مع ترويض الذات مهاريا باكتشاف الجمال في المادة الجامدة الصامتة وتحويلها الى لغة واضحة المعالم تدفع بالعروض للنجاح والرسوخ في الذاكرة وهذا يتحقق بالبحث والاكتشاف بإيجاد انواع خاصة من الالوان تتباين من خلال عناصر الدقة والكثافة والسمك والتي يستقي منها المتفرج طبيعة المشهد مع ترجمة لما يجول في ذهن الشخصية وما يعتمل في صدرها. وقد نجح مصمما الاضاءة والمؤثرات الصورية بالنجاح الكبير الاضاءة خضر السلطاني مخلد ناهض في ترسيخ المفهوم العلاماتي السيميائي الذي اعطى للعمل دفقا حيويا مهما ساعد المنظومة الجمالية للعرض بالتصريح عن نفسها بقوة.

ومن هذه الجزئيات المهمة في الاضاءة والمؤثرات الصورية الحيل التكنلوجية لخضر السلطاني وخاصة في لحظة نهوض كلكلماش في اخر المسرحية .. كما ان هناك مثابات كبيرة لهذا الرجل في اضفاء المتعة على العمل بخروج شلال ماء في لحظات معينة كصورة جميلة جدا تذكرنا بطوفان كلكامش.. وكذلك من الصور الجميلة هي الخلفية الناطقة للبحر بكل جميل وممتع.

الديكور

انساق المكان الحركي والثابت انبرى لها المبدع الديكور هادي كاظم فقد كانت قدراته واضحة وصادقة بالكشف عن بيئة العرض يعاضدها في ذلك قطع الديكور ومستوياتها في العلو والانخفاض مع طبيعتها الميكانيكية ان تغني العرض بالجماليات من جهة وبتفعيل الصراع بانفتاح مدياته من جهة اخرى وقد اعجبتني العربة ذات السلمين ففضلا عن دراميتها والاكشن الذي تلونت به اعطت بما هي عربة خاصة للغريب بعدا فلسفيا غائما حيث اخذ السلمين عدة مرات اشكالا قريبة من الاجنحة ومع هذا الانفراج اضحت صورة مهمة تؤكد استطالة الغريب وتفوق قواه وامكانياته بالشكل الذي يأخذ صورة مستنسخة عن الثور المجنح وخمود تلك الاجنحة لحظة نهوض كلكامش في نهاية العرض دليل على نهاية الغريب وفريقه.

السينوغرافيا بعمومها في هذا العرض استطاعت ان تركب بتداخل مميز بين الامكنة والازمنة المتعددة بتناسق مستقل للمتغير الصوري الدرامي للفضاء المسرحي وفقا لتعاضد الرؤى بين الكاتب والمخرج وبقية الفنيين حيث توصلنا الى عرضين مسرحيين في عرض واحد الاول قاده المخرج والممثلون والاخر قاده المخرج والفنيون.

في النهاية سجل العرض المسرحي المهم (مازال فك الحمار محمولا) نفسه كعرض شرس وسط بحر المسرح العراقي الراكد مع قدرته الفائقة ببث عديد الرسائل الجمالية من خلال عناصر العرض المسرحي العامة.

 

بقلم الكاتب كاظم نعمة اللامي

 

من طريف ما حدث في المشهد النقدي الأدبي العربي، ذلك السعي خلف كل المنجزات الغربية على سفاهة بعضها وجرأة البعض الآخر، وملابسات بعض الأفكار الهدامة والتي تضرب بعرض الحائط كل مبدأ عقائدي ...ونحن كالأعمى الذي يتبع رائحة الأتان ليصل إلى البيت، إلا أن الأتان تأخذه إلى اصطبل الأحمرة (أكرمكم الله)...

فمنذ أن اتصل النقد العربي بالنقد الغربي اتصالا مبنيا على الانبهار والتكريس لمبدأ الإله فإن النص العربي لم يعد عرابا للمجتمع ولم يعد مرآة ولم يعد رسالة بل أصبح تطريزا لكلمة الغرب، كذلك لم يعد النقد عرابا للأدب على حد قول منظر النظرية الدكتور عبد الرزاق عودة الغالبي، بل أضحى في غالب أحيانه رصفا للمصطلحات الغربية التي تشكل أزمة للنقد وفرض المنهج على النص، طبعا هذا لا ينطبق على كل النصوص بل نحن نعالج الأمور بوصفها ظاهرة مهيمنة،

لكن قد بدأ يتضح في الآونة الأخيرة أن هناك سعي حثيث لتجاوز هذه الأزمة، وانطلقت أصوات واعية تعلن أن "الإله يموت" ولنضرب على سبيل المثال جهود الدكتور عبد الرزاق الغالبي مع الذرائعية، والتي أقل ما يمكن أن يقال عنها مبدئيا أنها تتصف بالوعي ، الوعي بطبيعة النص الأدبي من حيث الجنس واللغة، والوعي بطبيعة النقد ووظيفته، وما قدمه الباحث التاريخي منير الكلداني في نظريته النقدية التي تستهدف تلقي النص العربي بالنقد الشمولي، ولعل الرابط بين النظريتين هو الشمولية والسعي لعلمنة النقد..وتخليصه من الانطباعية والذاتية.. وأنها تنطلق من خصوصية النص العربي لغة وتشكيلا ومرجعية.. وهذا ما أسقطه أولئك الذين لهثوا خلف النظريات النقدية السابقة من البنيوية حتى مناهج ما بعد الحداثة ...

هذه الجهود تبشر فعلا بمستقبل للنقد الأدبي العربي، لأنها على الأقل تنطلق من الوعي بما تقدمه... سواء من الناحية الاصطلاحية أم المرتكزات التي تتكئ عليها...

وما يؤكد فعلا على أن النظريتين على درجة من العلمية انطلاقهما من نظرية الأدب التي سعت لوضع حدود للأدب وللنص، وانطلقت من ذلك التعدد والتباين في تعريف الأدب والنص الأدبي لتبرهن في النهاية أن تلك التعددات تشكل في مجملها تكاملا وليس تعارضا ..ومن هنا نجد أن النظريتين لا تهملان الكاتب بوصفه منتجا ولا المرجع بوصفه مصدرا ومؤثرا ولا النص بوصفه رسالة وجمالية ولا القارئ بوصفه مستهلكا منتجا ...

كما أن كلا النظريتين لا تعلنان القطيعة والعدائية مع المناهج النقدية السابقة بل تنظر إليها من حيث أنها تراكم معرفي يؤسس بطريقة أو بأخرى للمشروع النقدي الجديد ويؤصل له

وقد يكون هناك بعض الأصوات التي لم تكشف عن نفسها بعد... لكن في الأحوال كلها "الإله يموت" وهذا في حد ذاته منجزا ، حيث يؤكد الكثير من الباحثين أن مراحل التي يمر بها الأدب أو النقد هي مرحلة الانبهار ثم التقليد ثم التكرار ثم التشبع ثم التحول، وفكرة الإله يموت تمثل مرحل التحول في النقد الأدبي العربي.

*استوعاب المرحلة مفتاح تجاوز المحنة:

- يشعر الكثير من العرب بالدونية فيسرعون إلى إعلان عدائية مع كل جهد عربي أصيل ويرجع هذا الأمر إلى تخوف العربي من أفول نجمه إذا ما ابتعد عن المنجز الغربي، وهذا طبيعي في البداية وليس بالأمر المنكر، لكن يجدر بنا بذل جهد لتقبل الأنا كما نتقبل الآخر، وأن نؤمن بأن الأنا العربية تملك من العبقرية ومن الشياطين ما يؤهلها للإنجاز العلمي والمبني على الموضوعية، والإبداعي المبني على الخصوصية العربية...

- الجديد لا يخيف إلا من حيث أنه انفتاح على الإخفاق والسقوط..، لكن لو أننا نؤمن أن كل النظريات الغربية سقطت سقوطا حرا وأخفقت إخفاقا على رأسها البنيوية ومع ذلك قدمت لنا إرثا معرفيا كان سببا في ولادة الكثير من النظريات النقدية التي قدمت للأدب الكثير ... لتجاوزنا مخاوفنا،فالإخفاق لا يجب أن يكون كابوسا..فلنؤمن بالإخفاق كما نؤمن بالنجاح ، الأمر لا يختلف عن الموت والحياة...فالموت هو دائما بداية حياة جديدة...

- من هذا المنبر أدعو أولئك الذين ينقبرون في برجهم العاجي أن يحطموا قوقعتهم ويخرجوا إلى الواقع، وأن يقبلوا على دراسة التجارب الجديدة قصد التطوير والتعديل..

والذي لا يؤمن بما أقوله فلينظر إلى ما يتبناه من نظريات وليبدأ في تعداد سلبياتها .....

أعتذر على الإطالة، وللحديث بقية

تحياتي للقارئ الواعي

 

عقيلة مراجي

 

قصي الشيخ عسكرحديثي عن هذه الرواية التي سأنشرها حلقاتٍ في المثقف يستدعي منّي أن أشير إلى مجمل أمور وقضايا أهمها:

أولا حين افتتحت المثقف باب التعليقات قرأت أول تعليق للشاعر حيى السماوي قال فيه هذا الباب الذي نبدؤه يمكن أن يكون موضوعا عنوانه" أدب المساجلات" بغض النظر عمّن يتعمدون الإساءة وهم قلة والحمد لله، فالمهم أن نكتشف مطارحات الأدباء ونعرف أدباء جدد.

ثانيا: أنا شخصيا ذاكرتي لا تنشط إلا بالتحريض، على سبيل نشرت في المثقف قصيدة قبل أكثر من سبع سنوات عنوانها نهر" شط العرب" وفي باب التعليقات أو المساجلات كتب الشاعر جمال مصطفبى أدعو أدباء البصرة إلى الكتابة عن نهر "شط العرب"، وقد حرضت ذاكرتي هذه المقولة بعد القصيدة فكرت أن أكتب رواية يصبح النهر نفسه بطلها مع كوني لم أغفل عن النهر في بعض رواياتي السابقة.

ثالثا: مثلما حث أو حرّض ذاكرتي الشاعر جمال مصطفى في المساجلات حرض ذاكرتي الأديب صالح الرزوق حين قال لماذا لا تكتب رواية عن نوتنغهام فكتبت رواية أيضا.

رابعا: حين أتممت رواية "النهر يلقي إليك بحجر"أرسلتها إلى شيخ النقاد في مصر الدكتور يوسف نوفل ولكونه كتب مقدمة لروايتي "رسالة" فقد اقترحت عليه أن يجد سيدة لتكتب عنها من باب اعتزازي واحترامي بالمرأة ودورها لا سيما أن سيدتين ثلاث سيدات كتبتا عن شعري ورواياتي هن: د هدى صحناوي، غادة السمان، ولميعة عباس عمارة، فأجابني الدكتور نوفل سأحاول بشرط أن تكون ناقدة قديرة.بقيت الرواية مع أستاذنا نوفل سنة تقريبا وقبل بدء العاام الحالي وصلت منه ملاحظ موجزة "تحياتي لرائعتكم النهر وسأنتهي من الكتابة عنها قريبا" ويبدو أنني كنت أحلم فقد انتهى عصر سهير القلماوي ونازك الملائكة وعاتكة الخزرجي وغيرهن. المهم أني ربحت مقالة الدكتور نوفل فجعلتها مقدمة لروايتي هذه.  

***

قصي عسكر وزمكانيّة السّرد في الآلام والأحلام

د.يوسف نوفل

 يكتمل البناء السرديّ باكتمال عنصرين ممتزجين غير منفصلين، هما الزمان والمكان، وفي العمل الفنّيّ الذي بين أيدينا نلتقي بالزمان والمكان ممتزجين، بطلا، ليتمثلا أمامنا في موقع البطولة، ثمّ نلتقي بهما ملتحمين مع السارد الراوي العليم سباحةً في فضاءات الآلام والأحلام.الواقع.أو ما فوق الواقع.إذ من البدهي أنه لا يوجد زمان دون مكان، وبالمثل لا يوجد المكان بمعزل عن الزمان، بذلك يشهد الواقع الحياتي المعيشي، وعلى ذلك استقرّ" علم الفيزياء"ونطقت نظريّة "النسبيّة"في أولى سطورها، وتشكَّلتْ، من ثمَ، الأعمال الفنيّة على عمودي الزمان والمكان بأنواعها المتعددة، ومنها فن السرد، ومنه ما بين أيدينا: ( النهر يُلْقي إليك بحجر ).

"لا حفريات ولاتاريخ كأنْ لم أعلق القديم ولا شغفْت به"

 هكذا انداحت شخصيّة السارد في المكان والزمان، والتحما بهما، ذلك المكان بعبقريته، وتراتيّته، وحضارته العتيقة، حيث العصر الذهبيّ العربي والإسلامي، فيما مضى من الزمان، في مقابل الحاضر الحزين المهزوم، أيْ الواقع الأليم لتتصارع الآمال والأحلام بين ماضٍ وحاضر، بل توقع حزين لآتٍ قاتم في مسنقبل مظلم.وهذا الزمان بمأساويته المعاصرة الحاضرة في مقابل أمجاده العتيقة الغابرة، المتغير ما بين لحظة وأخرى : "كان هناك معنى أوسع من الزمن وفوق كل التوقعات ..أسبوع واحد حال بيني وبين الحرب"

المكان:

"الأرض تستعيد عافيتها منذ العهد العثماني، والولاة على البصرة غرباء منذ الحرب الأولى"تتجلى عبقرية المكان إزاء بطل شغف بالآثار ودراسة التاريخ، فيراقب الماضي والحاضر، يحاول أن يتمسك بالحاضر، ويتشبث بالماضي، دون جدوى، أمام سيل المفاجئات، والمكان هنا هبة من دجلة والفرات بمفرداته:

الحجر: عندما يعبِّر الجزء عن الكلّ يكون الحجر رمزا، ومعه مفردات المكان، من النهر: ذلك الطفل المدلل ولدته أمه"الفرات"من أبيه" دجلة"، ههذا النهر الذي تغيّر فيه كلّ شئ، فالماء الفرات صار ملحا أجاجا!!...تغيّر النهر، كما تغيّر كلّ شئ، كل شئ تغيّر بالحصار والحرب لا الشطّ، وللأنهار مكانتهاالنفسيّة والاجتماعيّة والرّمزيّة.حوت كبير طارد سفينة محمّلة بالخراف، ثم جنح إلى الشطّ، وماهو إلا الرمز للاستعمار الجديد //اللاهث خلف الثروة في نهم.

 وهكذا تعددتْ مفردات المكان، وعلى رأسها المدينة:

 التي تغيّرت وتبدلت، غزاها الغرباء، حتى بدا أهلها كأنّهم غرباء عنها، حتى أصبحت المدينة أشبه بخيط مطاط، والشارع، هكذا كانت وجوه المكان: البصرة، وقريتي التنّومة، الدعيجي، البوارين، تمثال السيّاب، ليتحدث المكان بلغته الخاصة تحسرا على الماضي، وتألما من الحاضر، وحلما بالمستقبل الزمان الذي تغير وتبدل أيضا، كما حدث للمكان، هذا الزمان الغامض، الزمان الذي سعينا إليه ملهوفين...وأصبح أخرس، والذي تضخّم وصار مخيفا، كأنه قرون من الجحيم، ذلك أنه انصهر في أتون (الحرب)، الحرب التي لا تبقي ولا تذر، الحرب أفق الزمان والمكان وفضاؤهما، الحرب المستعرة عند البوابة الشرقيّة، والتي تعددت وتنوّعت بين: الحرب مع إيران، والحرب الأولى والثانية، حرب الكويت، والمندلعة بين عشية وضحاها في زمن بلغ ثماني سنوات، ولكل منها طعم ولون، حيث السقوط سقوط نهرجاسم، وسقوط كل شيء وحيث الخراب، الذي لا يأتي من الشمال، بلاؤنا يأتي من الجنوب، حيث الانفجارات الهائلة، والموت"أتخيّل الموت يحاصرني في كلّ مكان"."والحصار، والنهب، والموت، والاغتيالات"أتخيل الموت يتجول في كل مكان. 

 الفوضى العارمة والنهب والسلب، وفقد كلّ شيء تماما، والناس مشغولون "بتصريحات الصحّاف، ثمّ انقطع البثّ، وانتهت الحكاية، اكتشفت أن كلّ شئ كذب ومبالغة"وبدأ التحسّر على أيّام عبد الكريم قاسم، ومهابة الدولة والزّعماء.والهجرةوالشتات، والسقوط: سقوط المدن، وعلى رأسها بغداد، وهنا في السَّرد، البصرة، وسقوط نهرجاسم.

الحلم/ الغيبوبة

وفيما قابل ثنائيّة العمى والإبصار، البصر والبصيرة، عمىالعيون في مقابل عمى القلوب نلتقي بثنائيّة الواقع والمأمول، واختلاط الوهم بالحقيقة، الواقع بالخيال: "أشبه بهجمة همجية، نصفها حلم، ونصفها الآخر حال عيان"، أو الفرار من الواقع، والحلم بالتغيير، وهذا الحلم المرافق منذ الطفولة: "حلمنا في طفولتنا أنّ وحوشا غريبة الأشكال تخرج من ماء النهر تحت جنح الظلام فتقضم أرجلنا"لتتكرر صور الحلم أكثر من ستّ مرات، بين: "حلم غريب يرى البصرة العملاقة تسيل بمصابيحها على الماء إلى بستاننا في ضفة شط العرب"."وحلم على ععواء ذئب في حقول الألغام""وحلم بسماع صوت انفجار""لم أكن أحلم وإن عشت الحقيقة والحلم بوقت واحد" وأحلام الغيبوبة في فصلٍ عنوانه"غيبوبة".يعوي كالذئب.

أحلم أن السندباد هبط في رحبة فسيحة تعجّ بالألماس والأحجارالكريمة، وددت لو كان معي "شوال"..ولتصبح الخرافة واقعا، ولم يعد هناك شيء يفرِّق بين الصحو وأضغاث الأحلام.

بلاغة العنوان

 كان العنوان الأمّ (النهر يلقي إليك بحجر)

وتلته العناوين الفرعية للفصول: جار الله الأعمى، وانتظار، والحرب، والطيور، والقفص، والصداع، وعواء، (مرتين)وانفجار، والبرّ، وكلها بمثابة النصوص المصاحبة، والموزاية، والمفسرة لزمكانيّة السّرد في ثنائية التضاد بين الآلام والأحلام، وكلّ عنوان منها لها دلاته الرمزية والإيحائيّة.

السرد بين البداية والنهاية:

من ضمير المتكلِّم نحو الخارج إلى المنولوج الداخلي نحو الباطن:

كان القالب السّرديّ الملائم لذلك كلِّه هو السّرد الذاتيّ، فكأنَّ السّاردَ يحكي سيرة غيرية للمكان والزّمان، وفي الوقت نفسه، يحكي سيرة ذاتية باعتباره جزءاً من ذلك الزمان والمكان، من هنا ساد السّرد بضمير المتكلّم، بما في ذلك من تأكيد التحام الراوي العليم، أوالسّارد بزمكانيّة السّرد، وقد بدأ السّرد بالتحام المعنى المصرّح به مع المعنى المستنتج، بما تعنيه بلاغة اسم الإشارة للبعيد في أوّل جملة سردية:

"ذلك ماحدث بعد سنين من جموح حوت كبير"

وانتهى السرد بالمونولوج الداخلي في آخر جملة سردية:

"أما زلت بعد كلّ ماجرى من تعبٍ بسبب الحجارة تبحث عن حجر؟.

لم أجب.قلت في نفسي إنّه حجر الماء الذي كان علامة على سلامتي، ثمّ خطوت باحثا عن ذلك الأخضر المزرق.رحت أبحث وأبحث في كلّ مكان..على يقينٍ أنّي سأجده ذات يوم"

"مسمار غليظ تدقه مطرقة إلى هامتي"

ليس هذا هو المونولوج الواحد، فقد تكرر المونولوج، أداة الاستبطان، عالم الراوي العليم بأسرار السّرد ومراميه، وتعدد المونولوج يساعد في تفسير الرّموز.

والرمز واضح يتمثّل في البحث عن الأرض المفقودة، والضّاّلة المنشودة، والحبيبة الغائبة، العراق، فإذا كان دالّ"الحجر"قد أكّد عراقة تراثيّة حضاريّة تاريخية ماثلة في آثار الفراعنة، واليونان، والرومان، والآشوريين، والبابليين، والصينيين، وأمثالهم، وإذا كان قد اكتسب دلالاتٍ هامشيّةً، ثريّةً منذ ثورة فتيان الحجارة، وظهرت تجلياته في الشِّعر كثيرا، ومنه رائعة"ليت الفتى حجر"للفلسطيني محمود درويش..فإن الحجر، هنا، يتعدى دلالته المعجمية، .فهو جزء من كلّ، جانب من كيان كبير، هو الوطن، الذي تمزّق إربا إربا بسبب من فساد وخيانة وتآمر وتهور وخنوع وتشرذم، بعد تسلط وقهر وسلطة غاشمة.

رمز الطير، ورمز الحوت، ورمز العمى:

 من السهل استنطاق الرموز واستدرار دلالاتها، ومن ذلك ما سبقت الإشارة إليه فيما سبق من: النهر، والماء، والحجر، والقفص، والتاريخ، ويقف رمز الطير، أو الطيور، دالاً مهمّاً يحتمِل الكثير من وجوه التأويل الفنّي، الطيور التي هاجرت، وغادرت أماكنها بعد الحربالأولى، وطير يضرب رأسه بجدار القفص المحبوس فيه، فهل أزرع الأرض فخاخا؟، وهذا رمز الهدهد، بدلالته التراثية والدينية، حتى ليراه بعضهم"بَرَكة في البيت".وهل لأن الهدهد قادر على أن يأتي بالأخبار والأسرار، ليفكّ طلاسِمَ التآمر الاستعماريّ على العراق، كما أتى، من قَبْلُ، سليمان بأخبار بلقيس؟، هاهو السّارد ينتبه على سرب طيور غريبة، ويحار هل يقبض على مافي الماء.أم اما في السّماء؟.هل الطيور هنا هم أصحاب الرأي والمباديء، أولئك الذين فرّوا من بطش صدام ودكتاتوريته؟هل هم الأحرار في مواجهة التآمر الاستعماري على الوطن العربيّ بغيَةَ تمزيقه؟

وهل الحوت رمز لما جرى وما وقع؟

وهل من الرمزالإنسان: الأعمى والبصير، معا: جار الله الأعمى، الذي يرى مالا يراه المبصرون، بل يعجزون عن رؤيته..يرى أعماق النهر، ومحتويات الطين، ونحن لانرى الظاهر والمعلوم!!...ثم قُتِلَ...لم يُكمل النبوءة، وهو ما يثير كثيراً من أوجه التأويل الفني عن فقد الإنسان هويته، بل فقده كيانه كله في عالمنا المعاصر. 

 

عقيل هاشمنصوص مازومة من (العبث الكاموي).

"في الحال اخذت معولا وخرجت ابحث عن قطعة ارض رخوة كي انفذ من خلالها الى العالم السفلي...وسريعا اهتديت..الخ".

تأخذنا المجموعة القصصية (قبل نهاية العالم بدقيقة) للقاص "باسم القطراني" إلى لعبة سردية متقنة لاستعادة الذاكرة بوصفها قراءة في المتحرر من عنف المأساة من الحروب والفقدان والتي يقترح لها المؤلف السردي (قبل نهاية العالم بدقيقة) قصصا يتداخل –السيرذاتي (التسجيلي /المتخيل) عبر أقنعه متعددة لرصد ورسم مصائر تتوزع بين المحو والاستدعاء للذاكرة ،يحاول القاص هنا سبر جملة من القضايا الإنسانية والغوص في تلافيف وسمات شخصيات كثيرة، ليكشف لنا خبايا مهمة بصيغ أدبية متقنة يضيء لنا فيها عن حالات النفس البشرية في شتى المواقف، وما يمكن أن نواجهه في مساراتنا الحياتية...

اقتباس:

"قبل نهاية العالم بدقيقة"

(لم اكن لاكترث لنبوءات نهاية العالم من قبل .فقد كنت اهزء بها كثيرا،بل افند حتى تلك الاخبار التي تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي نقلا عن وكالة ناسا للفضاء التي تتحدث عن بقع سود ستلتهم مجرات الكون بشراهة يوما ما .هكذا انا قبل يصعقني خبر بثته محطات العالم اجمع عن نيزك هائل سيصطدم بجسم الارض ليحولها الى كتلة جامدة ويسلبها الحياة والوجود...ص76

إذن اننا امام نصوص تجترح فكرتها بوصفها تعري لمكنونات (الشخصية/الامكنة)، وأنّ محنة هذه الشخصيات تستبطن فاعلية السارد ومن خلال التعرّف على محنة الواقع والذات، إذ تعيش عبره استلابات اجتماعية وتشوهات سياسية، (قبل نهاية العالم بدقيقة) حيرة البحث عن المصير، ومواجهة غير عقلانية مع الاخر. تلك اسئلة و هنا لا يدّعي القاص امتلاكه للأجوبة، قدر ما يحاول، بمبضع السخريّة فضحها..

اقتباس

"ترينمة الطائر الاعمى"

(اتذكرجيدا ايها الاعمى اعرف انك حانق عليّ،تملك قلب طائر ولي قلب بين قلبين ،كنت يومها في الثانية عشرةمن عمري حين انفرط عقد شقاواتي وبرااتي اللذيذة عندما شاء ابي ان يرتحل بالعائلة الى محلة اخرى فقد وعت دائرة الامن علامة على عائلتنا كونها لاتسير على خط الحزب والثورة بعد ان اعدم شقيقي الاوسط واودع الاكبر سجن ابي غريب ...ص7)

هنا اختار القاص تصوص مرسومة باتقان كي يضع قارئه أمام لعبة سردية توظيف تمثلات الخاص للذات وكشف هواجسها وتحولات وعيها والتي تواجه محنة وجودها إزاء رهابات القمع والإقصاء التي تفرضها سلطة ما بوصفها عتبة الخلاص..ففي نصوص المجموعة الاخرى نجد كذلك إن شخوص المجموعة تحمل قيود الوطن الذي فرت النصوص منه إلى الاحلام ، فهوالبطل المشدودة إلى الماضي رغم قسوته ومن صلب حالة الانشداد الأقرب إلى النوستالجيا تناسلت عوالم معظم قصص المجموعة.. والتي لا يبدد ساردها من اعتياد العزلة أزمة الهوية والغربة عن الذات التي تتضح في بعض جوانبها بعجز العالم الافتراضي عن فهم عذابات ساردها ليأخذ الخيال والحلم شكل منحى فضيلة التحرر من آثام الواقع..

اقتباس:

"ثقوب في ذاكرة البرحي"

(ثماني سنين عجاف سحقت كل مااتت عليه من ضمائر الناس والاشياء ،مرغت كبرياء الجباه واعلنت ان لامناص من خجل التواريخ وعهر الارقام ،حدث ذلك والدروب تاخذ بالتائهين جيئة وذهابا وتدور بالرؤوس يميناً وشمالا ًكلما صهل الزمن من بعيد...ص45)

هذه الصور المأزومة في هذه القصص تقترح عددا من الصور اليومية حيوات (العبث الكاموي).والذي يصطنع القاص لها وعبر تقانة الأقنعة أصواتا متعددة ، هذه الصور مدونات الذات الداخلي المازومة والتي تعني في جوهرها مدونة المؤلف ذاتها، فعبر تقانة قصصية يتشكل المبنى الإطاري لغرض تتبع الحكاية والحفر في عوالمها، ومعرفة خفاياها وأسرار تحولاتها النفسية والثقافية ،تلك الأزمات النفسية، والتي تضطرب فيها الهويات وهي تعاني اغترابها وهواجس نكوصاتها وإحباطاتها في التعبير عن وجودها ..

اقتباس:

"هلوسات الراوي العليم"

(يروي بالنيابة عنا دائما .مرة يحكي عن قصص وشخصيات يتغلل في اعماقها السحيقة واخرى يمر عليها مرور الكرام فيصف على عجل احداثا ومثابات لايريد ان بنشر غسيلها على الحبال لايخشى النقد فقد ولد حرا يطير باجنحة خارقة وبلمحة عين ينتقل من مشارف الارض الى مغاربها وبسرعة لايمكن لاحد ان يتصورها .دخل حرولا ومفازات .راى فيها كل شيء وفي كل مرة كان يخرج سليما معافى من قلب العاصفة...ص65)

بالنظر إلى تنوع القصص وكثافة الأحداث التي تحاكي الواقع بلغة رمزية جميلة، يحاول القاص تلطيف رداءة الوضع الإنساني وجعله وضعا قابلا للعيش رغم كل المعاناة التي يخلقها للكائن البشري،والباحث عن واقع أفضل

اقتباس:

"مكياج سريالي"

(تتفحص المدينة وجهها في مراة عملاقة اكبر بكثير من توقعاتنا ااحس الندوب الهائلة والجروح العميقة التي تبدو مثل مكياج سيء المدينة الكئيبةلاتتكلمبل تعبر عن مزاجها غير الرائق من خلال نظرات باهتة عبر المراة المثبته فوق الابعاد الافتراية من خلال زاوية هي الاوصح والانقى...ص69

يأخذ الزمن “الماضي /الحاضر/المستقبل في السرد الحكائي للمجموعة القصصية مكانة متميزة، لكن رغم ذلك، يجد القارئ نفسه، وهو يطالع هذه المجموعة، أمام زمن واحد ! لأنه لا شيء تغير؛ نفس الوجوه، العادات، القيم، ونفس المكان… فكل شيء رديء، حتى الأحلام التي نرغب في تحقيقها مستقبلا، يتزاوج في القصص الوطن المحرم والهمس القادم من الذكرى ليوصل حالة الارتباك الداخلي إلى اقصاها الذي تتكشف معه خسارة المواجهة بين ” الخوف في الوطن ” و” الهروب منه ”

اقول إننا إذن أمام مجموعة قصصية غنية بالدلالات والإيحاءات والإيقاعات، وحبلى بالشفرات، مما يعني أن الكاتب ينخرط بشكل قوي في تفجير الأفكار التي تريد أن تقولها القصص.

اقتباس:

"روبوت"

(يحدث ان ينزع عقله ليضعه في جيبه حين يخرج ليتنزه او ليتمشى قليلا ،وفي احدى المرات يسمع دوي انفجار قريب يرك مع اسراب المتدافعين ليشبع فضوله الذي يلح عليه دائما يقف متفرجا وهو يرمق الاجساد المتفحمة بفعل مفخخة مجنونة .يطيل النظر غير مندهش او متاثر لما حصل ...ص92

كمن يزيح التراب عن تفاصيل لوحة فسيفسائية بحثا عن المهمل من جمالياتها وأملا في العثور على ملامح عوالم غاربة تجمتع في تصوص المجموعة ” نتفا من الوجع الإنساني لتضفي قدرا من الحساسية على خزين العذابات الانسانية ..اما هذا التناوب في السرد بين التسجيلي والغرائبي هو البحث عن المتعة والسخرية معا وهروبا من الضجر الذي يخلفه الواقع وتناقضاته يلجا الكاتب لهذا النوع من السرد الغرائبي في معظم نصوصه ؛ والذي تتطلبه بنية السرد الحكائي في القصص. اقول هي مجموعة قصصية متكاملة ومحكمة من حيث اللغة السردية، أو ألمثن الحكائي، أو الخيال الرمزي الذي يضعك أمام الواقع بطريقة مثيرة وبلغة شعرية سريالية مشوقة ممايحيل قصصه الى لوحات تشكيلية مفعمه بالجمال والحزن معا...

 

قراءة"عقيل هاشم الزبيدي

 

خالد جودة احمدكلنا يعرف الشاعر الكبير "نزار قباني"، ولكنه لم يشتهر بنثره كما اشتهر بشعره، والحقيقة أن نثرة في غاية الروعة والجمال ويحمل طاقات شعرية وفكرية هائلة، ويحتفظ بنفس خصائصه من حيث السهولة والصعبة علي موهبة أخري غير موهبة نزار، انتقيت لكم عبارات من أقواله أرجو أن تنال رضاكم، وتكون حافزا نحو مطالعتكم لسفر هذا الناثر الكبير

وقراءات في كتاب ” الأعمال النثرية الكاملة نزار قباني ” المجلد الثامن ص 1 يناير 1993 م – بيروت:

ص 286 :

”لماذا لا يكون الشعر شجرة يأكل منها الجميع.. ثوبا يلبسونه … ولغة مشتركة يتكلمونها ..

العالم العربي، أيها الأصدقاء، بحاجة إلي جرعة شعر بعد أن جف فمه .. وتخشب قلبه ..

إن الشعراء أيها الأصدقاء، مدعوون لغرس السنابل الخضراء في كل زاوية من زوايا الوطن العربي ”

ص 275

” كنت أحلم بديمقراطية شعرية لا فرق فيها بين من يملكون، ومن لا يملكون، وبين من يحكمون ولا يحكمون  ”

ص 230

“قد تكون الرحلة متعبة، وقد تحرمكم النوم والطمأنينة، ولكن من قال إن وظيفة الشعر هي ان يحمل لأجفانكم النوم، ولقلوبكم الطمأنينة … إن وظيفة الشعر هي ان يغتال الطمأنينة .. ”

ص 192 : 193

” مهمة الشاعر أن يكون جهاز الرصد الذي يلتقط كل الذبذبات، والإهتزازات والإنفجارات التي تحدث في داخل الأرض، وفي داخل الإنسان إن جهازه العصبي يجب ان يظل 24 ساعة في ا24 ساعة في حالة استنفار ورقابة، بحيث يستوعب كل حركة تحدث تحت أرض التاريخ كما تتحسس الخيول بقرب سقوط المطر قبل سقوطه .وهوائيات الشاعر هذه، تسمح له بأن يسمع أسرع من غيره، وأقوي من غيره، وبهذا المعني يأخذ الشعر مدلول النبؤة .

إن الشاعر ليس منجما ولا ساحرا، وليس عنده مفتاح الغيوب، ولكن أهميته في أن يسبق الآخرين بثانية، أو بجزء من أجزاء الثانية في اكتشاف الحقيقة، ويقدمها لهم علي طبق من الدهشة ”

ص 191

” إن التجديد يحدث يوميا دون ان نراه، ويجري في أعماقنا دون أن نلاحظه .. ودون أن نستعجله، كما يأخذ الشتاء وقته لتحضير الأرض، ويأخذ الصيف وقته لإنضاج الثمر .. ويأخذ الربيع وقته لإنجاز الديكورات الجميلة التي وعد بها الأرض إن الفصول لا تزاحم بعضها ولا تتقاتل ”

ص 177

“وفي سؤال أصبح اسمك مقترنا بالقصيدة الأزمة، فكل كلمة تنشرها تحدث ردود فعل بين مؤيد ومعارض، لماذا أنت وحدك دون سائر الشعراء تقف علي حد الخنجر؟

منذ عام 1944 أنا أقيم بين أسنان التنين إرنست همنجواي كان يقول إن الكاتب الحقيقي هو الذي يقف علي الحد الفاصل بين الحياة والموت  ”حين تريد أن تؤسس عالما جديدا علي أنقاض عالم قديم .. فإن كل حجر يصرخ في وجهك وكل الأشجار المقتلعة تقف في طريقك ”

ص 179

“إنني لا أشعر أنني علي قيد الحياة إلا حين تتساقط الحجارة علي زجاج نافذتي في هذه اللحظة أشعر أن جرعة الشعر التي أعطيتها للناس بدأت تتفاعل في دورتهم الدموية .. وأن الزلزال الذي كنت أحتفظ به في داخلي قد أنتقل إليهم.

عندما أنشر قصيدة ولا يرجمونني بسببها .. أشعر أنني مريض وتبدأ حرارتي بالإرتفاع ”

ص 172

” الكتابة هي فتح واختراق ومغامرة والشاعر الذي يخاطب الأمة العربية في هذه المرحلة الحارقة من تاريخنا بالفوازير والكلمات المتقاطعة وبلغة مسمارية لا يمكن تفكيكيها هو شاعر هارب من الجندية ويستحق الحبس ”

 

خالد جودة أحمد

 

رحيم الغرباويلعل الشاعر في كثير من قضاياه يمتلك الرغبة في مجافاة الواقع المضطرب بالأسى والألم من فداحة ما يُرتكب بحق الإنسانية من ظلم وجور؛ فيضفي على نصوصه معاناته؛ ليصوغها معاني، يبتعد بها عن الذاتية؛ ليمنح نصه عمقاً دلالياً بمقدار ألمه بل يضاعفه أنيناً على أنينه، أي أنَّ المعاني التي يصوغها الشاعر لنصوصه لاتكون " مجرد بناء لغوي، بل هو وعي متعالٍ أو ذات متعالية بمصطلح هوسرل بوصفها عملاً إجرائياً يتم الاستعانة بها؛ لتفادي الوقوع في فخ الذاتية المغالية كما أنَّ الوعي بحسب الفلسفة الظاهراتية ... هو وعي بشيء تقصده الذات أو ما يعرف بالعودة إلى الأشياء ذاتها " (1) ولعل الرؤيا هي من تسود النص؛ لتشع على الإنسانية رؤى الخلاص من الظلم والاستبداد الذي ما زال يفدح بالنفوس.

ولعل شاعرتنا ميرفت عودة استطاعت أن تجسد معاناتها وما يعتملها من صراع نفسي حاورت به الواقع الراهن الذي أساءت له كثيراً أيادي الغياب وهي تفرض سطوتها على واقعنا المعاصر؛ ليعيش العالم الفوضى الناجمة جراء زرع القلق لتشعر أنَّ إنساننا اليوم يواجه المصير المجهول، فنراها كأنها تخاطب رجلاً مغادراً يعيش في بحبوحة الأمان لكنها هي تعيش ويلات الأسى واختناقات الضرر الكبير الذي اجتاح حياتها اليومية فتقول:

(أنا هنا

أهيم بين الدروب

مُتعِب مابين الضلوع

أسيرة بين الشك واليقين

أين مَن كان السند ؟؟ دواوين وحكايات، تُصارع الأنفاس المهزومة، تجمدت معها الأطراف، تسربلت الجوارح خوفاً، صاغت مفردات سوداء، تنهمر معها العيون، بكل أنواع المطر ..!!)

فهي الهائمة في الدروب؛ لأنها تعاني حالةً القلق بسبب ما ينتابها من صراع داخلي، ولكون هواجسها متعبة وأفكارها مشوشة، فنراها تعيش مابين الشك واليقين باحثة عن السند ودواوين الشعر وحكايات التاريخ اللتين ترمزان الى القوة والسند اللذين تتوكأ عليهما، فنراها تستعمل الاستعارات والمجازات؛ لتضفي على معاناتها معاني أكثر بوحاً ومنها: (الأنفاس المهزومة، تسربلت الجوارح خوفاً، تنهمر معها العيون) فحينما تتجمد الأطراف هلعاً ستشعر جميع الجوارح بالخوف كون القلب هو من ينبض لجميعها، ويشير لها بما يعتريه ... أليس القلب هو مصدر الاحساس والمعرفة ؟ ولعل النبض المتوجع هو من يثير الأنفاس ويهزمها بينما الدموع تنهمر من فرط الحزن الذي يحتاش القلب من ذلك التوجع والأسى، ولعل وصف الشاعرة بهذه الدقة تومئ إلى فداحة الخراب الكوني للنفوس؛ لوقع المؤثرات الخارجية عليها .

ثم تقول:

إنطلق الآذان

تكبيرة هزهزت المفاصل

يشارك القلب إرتجافها

هلعاً من لعنة القدر

عيون الظلام

أرخت حبالها

ماعاد الليل ونيسا

توقيت الخامسة انتهى

لحن الغيوم تكاثف

مع فؤاد تعرى من الأمل

و الآذان الذي قصدته الشاعرة ليس آذان الصلاة الذي يدفع إلى السكينة والطمأنينة إنما قصدت المنادي الذي يسوق النفوس الضالة إلى الجحيم، وفيما يبدو أنها لاتتحدث إلا عن واقعها المقفل بالآهات، ولعلنا حين نؤوِّل من أجل كشف الغموض الذي يتلبس النص، ومن ثم بناء مفهوم جديد لاينفك عن مفهوم النص الذي بناه صاحبه؛ لكنه يبغي مقاسات جديدة ومعاني تُبنى على معاني النص التي عبرت عنها صاحبة النص نلاحظ تقارب الرؤيا بين المعنيين لكن القراءة تحلل وتوضح المضمرات التي يخفيها النص، إذ نجد إشارتها للقدر وكأنها تشرك القدر في الأحداث الجسام؛ وذلك من طريق الاستعارات:(عيون الظلام، لحن الغيوم، فؤاد تعرى من الأمل)؛ فقد صار الليل لديها موحشاً بظلامة؛ مما جعل فؤادها يتعرَّى من الأمل .

ثم تقول:

(الغائب يغفو بهدوء، دون خوف من التاريخ، نبضات تدق مصرع الذات، تُحدث الظلال الشاهدة، الجراح تموء بهدوء، تستجدي الضوء الصَّعود من غرة القمر ..!

غائب دون أعذار، يعد النجوم، وجرح أمراة يسيل، يغتالها حصاد، رصفه تشرين وآخر، تشتاق ذات القدر ..!!)

فالغائب يغفو ولايبالي من التاريخ الذي سيصرح يوماً بكل الأفعال الهامَّة، ومنها الجريمة التي لها بصمة الظلال، بينما الجراح تموء كمواء القطط، وهي تتوسل الضوء من القمر ويبدو العبارة مكثفة فـ (التاريخ والظلال والجراح والقمر) جميعها شواهد على جريمة الغائب مهما تخفى ومهما طال أمد غياب الحق، فأنه لابدَّ آتٍ ، أما دلالة أنه (غائب دون أعذار، ويعد النجوم) إشارة إلى أنَّه غير مبالٍ بجريمته النكراء التي منه ينزف قلب ضحيته تضوراً ووجعاً، بينما تشرين هو شهر خريفي يدلُّ على الذبول، و القدر هو ما يتحكم بسير الأحداث كما ترى الشاعرة، وكثيراً ما يقترن اسمه بالأذى والموت .

فشاعرتنا ميرفت تدرك بإحساسها المفعم بالحدوس، وهي ترقى بروحها الطيبة مبصرةً بواطن الأشياء ومستبطنة مكنوناتها؛ لذلك نراها تحدس بما يحيط الواقع من تناقض لما ترومه؛ كون الذات المبدعة تظل " نقيضاً دائماً ملازما لواقعها بما هو واقع مرئي ثابت لايتغير ما ضاعف لديها الشعور بالقصور وضيق الرؤية وهذا أفضى بها إلى البحث عن ملاذ روحي تعوض به إحباطاتها وانهزاماتها وإخفاقها " (2)؛ إذ نجدها تبثت لومها على القدر الذي جعل نهاية مطافها تعيش الأسى من غادرٍ غائب عن أنظارها فأشركت أسباب تعاستها منه ومن القدر .

 

د. رحيم الغرباوي

.....................

(1) الهرمنيوطيقا والفلسفة، د. عبد الغني باره: 342

(2) معارج المعنى في الشعر العربي الحديث: 120 .

 

أنتظمت الكثير من النتاجات الأبداعية على استقطاب الرمزوالأسطورة وغيرهما من التناصات النقدية، بغية بناء نتاجات ابداعية جديد.

ولعل أول الأشياء التي تتبادر إِلى الذهن من قراءة أشعار السياب، القدرة على استثمار(توظيف) الرمز والاسطورة، وهذهِ القدرة هي محاولة تأتي للتأكيد على قدرته (ذائقته الشعرية) في تجسيد الحضور المتجدد للتشكيل الشعري.

وسعى السياب الى توظيف الرمز اللغوي-عن طريق استنطاق الرمز والاسطورة البابلية بلغة شعرية متقنة- وبين الصورة التي تشير اليها الأسطورة، ونضجت هذه الموهبة الفذة لديه، وانتجت جملة من النتاجات الشعرية الرابطة بين (الرمز والأسطورة).

يقول:

عشتار على ساق الشجرة

صلبوا دقوا مسماراً

عشتار بحفصة مستترة

تدعى لتسويق الأمطار

تموز تجسد مسماراً

من حفصة يخرج والشجرة

يتعرض الشاعر في نصه هذا لرمزية /أسطورة (عشتار)، ويتخذها وسيلة وأداة ليسرد لنا نصه عن طريق هذهِ الرمزية، وبهذا يعود مَنْ جديد ليطرق باب التأريخ بالمعنى المفهوم، لكن عند التمعن في قصائد السياب،  نجده يذهب ليصور لنا التأريخ بأنَّه باب مفتوح يبعث بالتاريخ/تراثه الحضاري ورموزه المضيئة التي تمنح افكاراً لذائقته الشعرية من دون مقابل.

فالسياب يستغرق في نصه هذا بالذكريات، وهذهِ الذكريات ارتسمت بريشة الحزن لأضمحلال التراث الحضاري للبلاد، ويعلل نفسه بحوادث ماضيه، ليستدعي رمزية (عشتار)، وبتوظيفه هذا يتناص تناصاً مباشراً مع رمزية/ أسطورة (عشتار) فكما هي إلهة الجنس والحب والجمال والتضحية في الحرب عند البابليين، فكذلك (عشتار) لديه رمزاً معلناً لـ (حفصة) التي عد صلبها فداء وتضحية يستلزم أقامة طقوس المطر، وهي صورة موازية للطقوس البابلية التي تستعد لرمزية نزول المطر، إلا أننا نلتمس أن المفارقة هنا جاءت بصورة قسرية ؛ لأنه صور المسمار وطريقة تجسده كـ (تموز) مسماراً يخرج من حفصة والشجرة-وتموز الأسطورة جعل منها صورة موازية للمثل الشعبي المعروف عن شدة حر وارهاق شهر تموز القمري لدى العراقيين أغلبهم-.

إِنَّ القراءة الدقيقة والفاحصة للنص، نخرج منها إِلى مفهوم خاص لا يتوقف عند معاناة الشاعر لذاته فقط، بل تذهب معاناته لتحاكي المجتمع ككل، إذ يصور النص معاناة الشاعر بصورة جديدة تنفتح على دلالة حضارية لترصد لنا علاقة الماضي بالحاضر .

لتبدأ لغة النص هنا ككفتيّ ميزان تتسرب داخل النص بحذر، بغية عدم ارتفاع إحدى الكفتين لتهبط الكفة الثانية، إذ يجعل من (على ساق الشجرة) دلالة للموازنة بين معنى قديم (عشتار)، ومعنى حديث-للشاعر- (حفصة)، وكليهما دلالة على الرمزية المعلنة/ المكشوفة، وأَنَّ أَختلفت المسميات وتطورت بتطور العصر، فـ عشتار = حفصة، وهي صورة ماضي وحاضر ومستقبل.

(صلبوا دقوا مسماراً) هنا لغة مطاردة محملة بشحنة من الشجن ؛لأنه أكد الكلام بصيغة الجمع (صلبوا دقوا) والضمير الغائب المعلن (هم)، لكنه يستقر عند رمزية (المسمار)، ليبحث عن (تموز) وهو رمز الأسطورة البابلية، ويجعل من سلسلة هذهِ الأحداث السريعة سرداً لذاته، ثم وظف الأستمرارية في التأكيد (تسويق) .

وتأتي معادلة رياضية سريعة موظفة داخل طاقة الحزن هذهِ وهي، على النحو الآتي :

عشتار = حفصة = تموز

ولا يكتفي بهذا التوظيف، بل يذهب ليوظف لنا مقارنة داخل نصه الشعري هذا، بتقدمه سؤالاً (عشتار بحفصة مستترة) هذا السؤال لم يرتم خلف علامة الاستفهام والتعجب، بل وظف الجواب بطريقة المقارنة الشعرية المسبقة للسؤال :

في بيت الميلاد ـــــــ الرحم .

تعادلها/ تموز تجسد ـــــــــ مسماراً .

تموز تجسد مسماراً ـــــــــ  دلالة تشبه الدلالة الأولى بالمعنى (بيت الميلاد)، وتعادلها من حفصة يخرج والشجرة  هذهِ ايضاً دلالة تشبه الدلالة السابقة (بيت الميلاد) .

في بيت الميلاد .. الرحم = تموز تجسد .. مسماراً .

أخيراً، ماصدر من نتاجات أبداعية للسياب وغيره من الشعراء، يتشابه في فكرة استثمار الرمزأو الأسطورة، لكن المحكم الوحيد لها يبقى في معيار السلامة واصالة وتقانة الأبداع في التوظيف، والتي أن حق لي الجزم يتزعمها (السياب)؛ لأنه أصدق الكلام عندما ابدع اتقان وسلاسة استيراد الرمز والأسطورة في بناء نسيج شعره.

 

بقلم: د. وسن مرشد

 

محمد فاتييحفل كل خطاب إبداعي بمجموعة من الصيغ التخييلية والأساليب التعبيرية المساهمة في بناء عوالم النص الجمالية، وإذا كان النص الإبداعي يناقض المحاكاة المباشرة للواقع ويعمل على رسم معالم فنية وجمالية لهذا الواقع في بناء جديد يستلهم مختلف الخصوصيات التعبيرية، فإن المجاز من أهم هذه الخصوصيات التعبيرية التي تلجأ إليها مختلف المجالات الإبداعية، وعلى رأسها الرواية والسينما. فما هي أهم خصوصيات المجاز في الخطابين؟ وهل طرق التبليغ البلاغي متطابقة بينهما أم مختلفة؟ وما هي أهم الوسائل التي يرتكز عليها كل خطاب في بناء عوالمه المجازية؟

المجاز وسيلة تلجأ إليها النصوص الإبداعية، لترجمة التمثلاث الخارجية من خلال طرق غير مباشرة، تقوم على التشبيه أو الاستعارة أو الكناية...حيث يسعى كل خطاب إلى عكس صورة الواقع والمواضيع المرتبطة به بأساليب فنية تتجاوز النقل المباشر، والرصد التقريري، والنسخ المماثل، إلى أساليب وصيغ بلاغية تعمد إلى تجميل الأسلوب وتزيين التعبير وتلميع صورة المنقول، والهدف من كل هذا هو إشراك المتلقي في عملية الكشف عن عوالم الجمال والخيال في النص الإبداعي من خلال تنشيط ذاكرته وفكره وتصوره.

والمجاز من الأدواة اللصيقة بمجال الأدب، خاصة الشعر الذي تشكل جوهره وأساسه، بل إنها النواة الأساسية في لغته. طالما أن الشعر يجنح إلى الخيال والإيحاء بأساليب بلاغية تقوم على التشبيه والاستعارة والكناية...كذلك تعتمد الرواية هي الأخرى على المجاز اللغوي، باعتباره " وسيلة الرواية الخاصة في ترجمة الصدمة الناجمة عن التشابه بين الأشياء"[1]، ولا تكمن قيمة المجاز الروائي في بعده الرمزي فقط، بل في " قدرته على الارتباط بالمعاني المقصودة بغير إحداث أي خلل بالنسبة للمعنى الأصلي"[2].

وتستند الرواية في طاقتها التخييلية والمجازية على منظومة لغوية، مستقاة من طبيعة الجنس الأدبي القائم على بنيان أسلوبي ـ لغوي، وبهذا فإن أركان الرواية تتشيد من خلال مختلف الوسائل التعبيرية التي يعتمدها السارد في تلوين روايته أسلوبيا وبلاغيا. وبينما يرى العديدون أن منطق الحكي في الرواية يقتضي نقل أحداث وسردها بواسطة لغة محاكية وقريبة من تلكم الأحداث الواقعية، وبالتالي فإن حكمهم على أسلوب الرواية هو حكم يقربها من الطابع التقريري الذي تغيب فيه سمة المجاز والتخييل على عكس أسلوب الشعر . فإن البعض الآخر لا ينظر إلى لغة الرواية في تجلياتها الظاهرية، وأحداثها السطحية الموهمة بالواقعية، بل باعتبارها لحمة وتركيبة تتداخل فيها مجموعة من النوازع: الذاتية والموضوعية، التخييلية والواقعية، الحقيقية والمجازية...ولهذا فهي تجمع في نسجها بين مادة قد تكون واقعية وحقيقية وبين أساليب تنأى عن التعبير المباشر وترتقي إلى البوح بلغة جمالية تستمد قوتها من مختلف الطاقات التعبيرية التي تزخر بها الرواية كفن تعبيري جمالي.

والرواية هي جنس أدبي حكائي يستند على مجموعة من المكونات والسمات والخصائص كالأحداث والشخصيات والزمان والمكان....، وهي خصائص تشترك فيها مع مجموعة من الأجناس الحكائية، ولهذا فإن المجاز الروائي يجب أن يراعي تنوع المكونات الروائية وخصوصيات كل مكون، مع ضرورة الوعي بالسياقات المختلفة التي تحيط بالعمل الروائي. وكما أن الشعر يعبر في لغته بالتشبيه والاستعارة وغيرها من التعابير المجازية، فإن الرواية هي الأخرى ستوظف هذه التلوينات البلاغية في تركيبتها ونسقها الحكائي، بشكل ينسجم مع طبيعة وسياق الجنس النثري الذي يتفادى المبالغة والتكثيف الإيحائي والبلاغي.

أما المجاز السينمائي، فإنه يتشكل انطلاقا من مختلف العلاقات التركيبية التي يقيمها مخرج الفيلم بين عديد التقنيات والوسائل لإنتاج صورة معبرة وموحية. وأول هذه التقنيات المونتاج الذي يخلق الوهم السينمائي باتصال الأحداث وترابطها أحيانا، وانفصالها وتجزأها أحيانا أخرى، ومن ثم " تصبح طريقة ربط أشرطة الفيلم في التعبير السينمائي ذات وظيفة بنائية أساسية"[3]. فالفيلم هو كيان متشكل من مجموعة من اللقطات والمشاهد المتصلة، والتي تساهم في بناء المعنى وخلق الإيهام وتشكيل الدلالات الرمزية والإيحائية، وكل صورة سينمائية "تكتسب معنى، علاوة على دلالتها، بسبب وجودها في سياق يضم الصور الأخرى"[4]. وإذا قمنا بتجزيئ الفيلم إلى وحدات مستقلة ولقطات فردية سينعدم المعنى وتغيب الرؤية الفنية . لهذا فالمونتاج يساهم في هذا التركيب الجمالي والدلالي للفيلم من خلال منطق اللعب باللقطات والمشاهد، أحيانا بالاتصال المعنوي وأحيانا أخرى بالانفصال الدلالي حينما تغيب الوحدة الحدثية وتتكسر خطية التعاقب والتسلسل بين اللقطات. وهكذا " نستطيع بواسطة الاختيار والربط، وبواسطة المقارنة والمثابلة، أن نجد ما يسمح لصانع الفيلم من خلال الصورة السينمائية، بتحقيق معادل سينمائي فريد للمجاز الأدبي"[5].

إن المجاز السينمائي هو نتاج لتداخل مجموعة من الوسائل التي بواسطتها تتولد المعاني وتفيض الأفكار والأحاسيس، هذه الوسائل التي تندمج فيما بينها من أجل تكوين بنية من الرموز والأيقونات، بهدف تجسيد بلاغة بصرية تتفاعل فيها الحركة مع الأشكال والألوان والأجساد والأصوات، وتقوم على " التناغم الأخاذ بين الصور والموسيقى، مع رؤية خاصة يتداخل فيها الزمن والمكان والسرد والذاكرة والواقع الشخصي والتاريخ ..."[6]. إذا فالخطاب الفيلمي هو بناء إبداعي مزدوج الاوجه: فهو تواصل بصري قائم على تجانس مجموعة من الوسائل والتقنيات، وهو تواصل فني تطغى عليه الحمولة الرمزية والشاعرية التي يتيحها المجاز السينمائي، حيث تتحد الوسائل السينماتوغرافية مع الوسائل النصية، بهدف ترسيخ البعد المجازي للحدث، من خلال تقنيات عدة ك : الموسيقى، المونتاج، سلم اللقطات، حركات الكاميرا، الإنارة، الألوان، الحركة، الأشكال...هذه التقنيات التي تؤلف بين الواقعي والمتخيل بشكل يصعب التفريق بينهما، وهذا ما يتيح للفيلم طابعه المجازي والإيحائي المعبر عن الحدث والتجربة والواقع.

وتتشكل البلاغة السينمائية من خلال التنسيق والتنظيم الذي يميز كافة العناصر السينمائية المختارة من طرف المخرج بدقة وعناية وتفكير، انسجاما مع رؤيته الفنية والإبداعية والتي يسعى من خلالها إلى التعبير عن العالم بأساليب مجازية تستثمر المنجز البصري والتقنية الحديثة، عكس البلاغة الروائية التي تتعامل مع النصوص واللغة والأساليب من خلال عدة منهجية ترتكز على الأدوات النحوية والتركيبية والبلاغية...فالصور السينمائية " تكتسب معنى من خلال وضعها في نسق من المعاني الضمنية مضبوطة بعناية، الأمر الذي يعني أن مغزى الصور السينمائية يعتمد على البراعة الفنية في التنسيق أكثر من اعتماده على قواعد شكلية خاصة بالبناء الصارم للجمل، أي تعتمد على بلاغة نامية أكثر من اعتمادها على نحو راسخ"[7].

والمجاز مفهوم نشأ وترعرع في تربة لغوية أسلوبية، عكس الفيلم الذي يعمل بنظام مغاير ومختلف عن اللغة. فإذا كانت الكلمات في النظام اللغوي تحاك بمنهجية اعتباطية، لا اشتراك أو تماهي فيها يربطها بموضوعاتها، فإن الصور تبنى بكيفية منظمة ومنتقاة، تشترك فيها مع موضوعاتها في الدلالة، وتتشابه معها في المعنى والفكرة، وإن بكيفية جزئية مقطعية لا شاملة مستنسخة (كما أشرنا إلى ذلك في الفصل السابق). إذا فإن دلالة الصورة السينمائية " تشمل كلا من معناها المحددdenotation  وكذلك ظلال المعاني الخاصة بها"[8]، وهذا ما يكسب الفيلم بعده المجازي والإيحائي والاستعاري، عكس الصورة الأدبية التي تتأسس من خلال مختلف العلاقات النحوية والدلالية والتركيبية للجملة، وما يطبع هذه الأخيرة من لمحات بلاغية وبيانية وحلل بديعية وتزيينية.

وللمجاز حضور بارز في الأعمال السينمائية، شأنها شأن الأعمال الأدبية، ويتخذ في هذا الحضور أشكالا متعددة وصيغا متنوعة أهمها:

ـ الإيجاز:

والإيجاز في البلاغة هو "جمع المعاني المتكاثرة تحت اللفظ القليل مع الإبانة والإفصاح"[9]، وفي موضع آخر نجد "الإيجاز هو حشد المعنى الكثير في المعنى القليل، وعكسه الإطناب"[10]، وهدف الإيجاز هو إيصال الدلالة والمعنى بطريق مختصر ينأى عن الإطناب والتفصيل والإكثار. وفي السينما يلعب الإيجاز دورا مهما في البنية الحدثية للفيلم، حيث  يوظف في انتقاء الأحداث المركزية والتفاصيل الجوهرية ذات المعنى ، دون الاهتمام بالأحداث الثانوية الغير مهمة والتي يمكن استيعابها بشكل ضمني غير مصرح. ويستثمر المخرج في ذلك المونتاج السينمائي وما تتيحه هذه التقنية من تحكم في إيقاع الفيلم واستبعاد للمشاهد الثانوية، وتقطيع للتفاصيل الجزئية التي يستوعبها المتلقي من خلال مشاركته الذهنية في تمطيط مسار الحدث تخييليا.

وللإيجاز قوة تأثيرية قوية على أحاسيس المتلقي، وذلك من خلال حثه على التفاعل الذهني والعاطفي مع أحداث الفيلم وتشويقه لمسار الحبكة الفيلمية، وذلك بالتركيز على الأحداث المهمة المؤثرة واستبعاد الأزمنة التي لا تستحق المتابعة. وأحيانا يتم استبعاد أحداث مهمة وأساسية في الفيلم نظرا لدواعي فنية أو رقابية أو دينية أو أخلاقية مع الإيحاء والتدليل على مضمونه بإشارة أو رمز أو شكل وبالتالي تفعيل دور المتلقي في قراءة المضمن وتحليل المشفر واستكشاف المضمر من الخطاب. ويمكن أن نميز في الإيجاز السينمائي بين نوعين :[11]

1ـ الإيجاز الفني: ويقصد به ذلك النوع من الإيجاز القائم على الطبيعة العامة للغة السينمائية. ويجري من خلاله اختيار أهم التفاصيل والأزمنة القوية، مع حذف الأزمنة الضعيفة.

2ـ الإيجاز الدرامي: ويقصد به ذلك النوع من الإيجاز الذي تتطلبه دواعي البناء الروائي من تأثيرات درامية تتمثل في إيجاد التأكيد والتشويق والمفاجأة والإثارة والقلق والتوتر....ويعتمد الإيجاز الدرامي على إخفاء، أو حذف تفاصيل، أو أجزاء منها، تكون مهمة في حد ذاتها ـ عكس الإيجاز الفني ـ لكن هذا الحذف أو الإخفاء، هو الذي يضفي عليها قوة تأثيرية، يكون تأثيرها الكبير على المشاهد.

ـ الرمز:

الرمز في اللغة : الإشارة والإيماء، وهو في الاصطلاح الأدبي: " علامة تعتبر ممثلة لشيء آخر ودالة عليه، فتمثله وتحل محله"[12]، وفي مقام آخر الرمز يحيل إلى ثلاث عناصر:" 1ـ الرمز مصطلح متعدد السمات، غير مستقر...2ـ علامة تحيل إلى موضوع، وتسجله طبقا لقانون ما. 3ـ وسيط تجريدي للإشارة إلى عالم الأشياء"[13].

وللرمز قيمة بارزة سواء في المجالات الإبداعية، حيث يوظف للتعبير عن مواضيع من خلال قناع أسلوبي يرتكز على الإيحاء والتضمين والإخفاء والحذف، وذلك لفتح المجال أمام المتلقي من أجل استكشاف عوالم النص ودلالاته البعيدة، واستنطاق أسراره وحمولاته العميقة. ولا يمكن استيعاب هذه الدلالات بدون دراية وإلمام كامل وشامل بالنص الإبداعي وسياقه وخلفياته وظروف إنتاجه وعلاقاته الداخلية الفنية والجمالية.

لكن في السينما يخالف الرمز المعنى المتداول المؤسس على ثنائية الغياب والحضور، والذكر والحذف، لأن الصورة في طبيعتها العامة تبرز وتجلي وتظهر، ولا تخفي أو تضمر إلا ما يتطلبه السياق الفيلمي من حمولات وأبعاد ذهنية وفكرية وثقافية...لهذا فالرمز السينمائي يستمد قيمته من الصورة الظاهرة المكشوفة في العرض السينمائي. وفكرة الرمز في الصورة السينمائية ،بهذا المعنى " تقوم على قدرة الصورة في احتوائها على مضمونين في آن واحد، أحدهما ظاهر ومباشر، بينما الآخر مستتر أو غير مباشر، بحيث يشعر المشاهد بوجود آفاق أخرى وراءها غير ظاهرة"[14].

هكذا يقوم الرمز السينمائي على عرض ثنائي الدلالة : دلالة مباشرة قريبة مستمدة من طبيعة المشهد وموقعه في أحداث الفيلم، ودلالة غير مباشرة وعميقة، مؤولة ومستنبطة من السياق العام للفيلم وما يضمره من خلفيات ثقافية وفكرية ومعرفية وواقعية...وهذا التوظيف الفني والجمالي للرمز السينمائي يتطلب مشاركة ذهنية من طرف المشاهد، الذي يستبطن شفرات الرمز ويحلل أبعاده ومعانيه الإيحائية انطلاقا من تكوينه الشخصي وانطلاقا من مجموعة من العوامل التي تؤثر في تركيبته الإستيعابية لحمولة الرمز ودلالته، ومنها : " درجة الحساسية، أو الذكاء، أو التصور لديه ـ البيئة الاجتماعية أو القومية ـ المستوى الثقافي ـ الأيديولوجية والمعتقدات ـ خبرات الحياة وتجاربها..."[15].

ـ الاستعارة:

الاستعارة " من المجاز اللغوي، وهي تشبيه حذف أحد طرفيه، فعلاقتها المشابهة دائما"[16]. وهي في المجال السينمائي " عملية استكشاف المجهول بمساعدة المعلوم"[17]، وذلك بالاستناد إلى عملية المونتاج التي تساعد المتلقي على عقد مقارنات وتشبيهات بين الصورة المعروضة وما تحمله في الذهن من تأويلات ومرجعيات ودلالات غائبة، كون الاستعارة السينمائية هي في الأصل "نوع من النص المضمر الخفي، الذي يتوارى وراء النص الظاهر"[18]. فالمخرج لا يصور المشاهد واللقطات اعتباطا، بل يسعى إلى خلق إنتاج فني جمالي من خلال مشاهد مرصودة بشكل مباشر توحي إلى مغزى ومعاني أعمق وأشمل. ويستفيد في ذلك من حجم الإمكانيات الهائلة المتاحة بواسطة التقنيات السينمائية المتعددة، والتي تجعل من "الاستعارة مغلفة داخل الصورة السينمائية ذاتها"[19]. وهذا ما يجعل المتلقي في عملية دائمة لقراءة وتحليل وظيفة كل هذه التقنيات التي تمنح الفيلم استعارات متعددة، منها ما هو مرتبط بالموضوع، ومنها ما هو مرتبط بالصورة، أو الصوت، أو اللون، أو الديكور، أو الموسيقى... ويستند المتفرج في عملية تأويله لدلالة الصور السينمائية على عوامل متعددة : "تجاورها مع صور أخرى، ودورها في تطور الفكرة أو السرد في الفيلم، وعلاقتها بتقاليد الفن السينمائي أو الفنون الأخرى، وموقعها في المعتقدات والعادات الاجتماعية، بل ووضعها الثقافي والتاريخي"[20]، كما أن تحليل الاستعارة السينمائية هو تحليل لماهية الصورة وما تحمله الصورة من صور ذهنية رابطة، لأن قاعدة الاستعارة في السينما تقوم على "التماثل البصري، والقراءة من داخل نفس السنن"[21] البصري، لا الاعتماد على أدوات ووسائل أخرى خارجة عن النطاق البصري.

ولا يمكن قصر الاستعارة على فنون القول واللغة فقط، بل إن كل المجالات الإبداعية تحمل في طياتها دلالات مباشرة ودلالات عميقة وإيحاء ومجاز وتشبيه وحذف، الفرق الوحيد بينها هو  أن كل مجال يقوم على وسيط معين يساهم في إيصال رؤية المخرج ودلالة الحدث وأبعاد الموضوع. فالمبدع لا يستطيع إيصال رسالته الإبداعية ومغزاه الفني إلا من خلال وسيط معين، سواء كان هذا الوسيط كلمات أو ألوانا أو صورا مرئية أو أصواتا...وبالتالي يشترط في متلقي العمل الإبداعي أن يكون على دراية  مسبقة بسياق الموضوع، وأن يكون ملما بخصوصيات المجال الإبداعي الذي تنتمي إليه الاستعارة. إذا فلا يمكن حصر الاستعارة في الأدب " كما لو كانت مسألة لفظية، أي نقلا وإحلالا للكلمات، في حين أنها استعارة بين الأفكار واتصال بينها وتبادل بين السياقات"[22]، وهذا ما يجعلها تنفتح على مختلف الأجناس الإبداعية التي تتخذ من الأفكار والخيال مادتها، ومن الأراء والمواقف طرحها، ومن الواقع والحياة منبعها، وهذا ما يتيح لنا الانتقال من طور الحديث عن صورة الكلمة، إلى طور الحديث عن صورة الصورة.

وتتخذ الاستعارة، في السينما، أشكالا متعددة منها :[23]

ـ الاستعارة التشكيلية: هي تلك التي تقوم على تشابه أو تناقض بين اللقطتين موضوع الاستعارة، وذلك من حيث الشكل الخاص بكل منهما....

ـ الاستعارة الدرامية: هي استعارة تؤدي دورا تفسيريا في الدراما، وهو دور يتجاوز التشبيه أو التناقض الشكلي فقط بين شيئين أو عنصرين..

ـ الاستعارة الأيديولوجية : تمثل نوعا أعمق من الاستعارة الدرامية، حيث تحمل، غالبا، وجهة نظر فلسفية أو فكرية، تتجاوز مضمون الدراما نفسها، لتوحي بمعان رمزية تتعلق بالحياة، أو الإنسان عموما، أو معتقدات معينة ....

ـ الكناية:

الكناية في اللغة هي " لفظ أطلق وأريد به لازم معناه مع جواز إرادة ذلك المعنى"[24]، وهي في الآداب الغربية " صورة بلاغية تتلخص في استعمال اسم شيء بدلا من اسم شيء آخر متصل به اتصالا تاما"[25]. وتقوم الكناية أساسا على التلميح والتعريض والإشارة لفكرة أو موضوع انطلاقا من مبدأ يتجنب التصريح المباشر به. ويكون هذا التلميح من خلال استعاضة المتكلم عن القول المباشر من خلال الإشارة إلى أحد جزئياته أو صفاته أو خصوصياته التي تدل عليه.

والكناية في السينما هي أسلوب يعتمد عليه المخرج السينمائي من أجل أيصال المعنى للمتلقي بطرق تلميحية تستلزم التكثيف والاختزال من خلال حذف التفاصيل والعموميات في المشاهد واللقطات السينمائية والإشارة إليها بشيء منها ومن مستلزماتها، "و نظرا لأن عملية صناعة الفيلم نفسها، مثل انتقاء زوايا التصوير، وتحديد البؤرة والكادر، تستلزم اختيار أشياء واستبعاد أشياء، فإن الفيلم يرتبط ارتباطا لا ينفصم بالكناية.."[26]. ويمكن تقسيم الكناية في المجال السينمائي إلى نوعين:[27]

أـ الكناية المعطاة: حيث يخلق السير الفعلي للأمور رابطة بين المفردة (اللقطة) المنتقاة وبين المشبه، وهي الطريقة نفسها التي ترتبط فيها الأشياء في العالم الذي نعيش فيه. إنها كناية اعتباطية عامة تنشأ من خلال ترابط الأحداث وتماسك الوقائع ودينامية الحكاية الفيلمية.

بـ الكناية السياقية: وتتعين الكناية السياقية من خلال سياق الفيلم، ومن خلال الاختيار الفني والجمالي للمخرج الذي يسعى إلى خلق رابطة معللة بين اللقطة المختارة وما تلمح إليه في السياق العام للفيلم.

ـ المجاز المرسل:

وهو في تعريفه اللغوي " كلمة استعملت في غير معناها الأصلي لعلاقة غير المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي"[28]. أما في المجال السينمائي، فينطبق الكثير مما قيل عن الكناية على المجاز المرسل، فهو " يتضمن التكثيف من خلال الحذف، والمعاني البلاغية التي يولدها مستمدة من لا منطقية الحذف كما أن نظرتنا للكل تكون مشروطة بالقيمة التي نضيفها على الجزء المرتبط"[29]. إذا فالمجال المرسل في السينما يتأسس على الرابطة الوثيقة التي تربط الكل بالجزء، حيث يحل هذا الأخير محل الكل من خلال لقطات ومشاهد جزئية وبسيطة في شكلها الفردي، لكنها توحي إلى مضامين أشمل ودلالات أعم مرتبطة بسياق الفيلم الجامع.

يبقى أن نشير في الختام إلى أن البلاغة البصرية هي بلاغة غنية بالوسائل والأدوات المجازية الأخرى المقاربة لمجاز الأدب (كالتشبيه والإحالة والإضمار والمقارنة والقطع ...)، لكننا اقتصرنا على هذه الأدوات التي استعرضنا تعريفاتها باعتبارها أهم الملامح الحاضرة بكثافة في الأفلام السينمائية، ولكونها وسائل تساهم في نقل المشاهد من عالم العرض المباشر والدلالة التصريحية إلى واقع المشهد الرمزي والمعنى المجازي، وهذا ما يتطلب جهدا فكريا كبيرا من طرف المتلقي حتى يتمكن من مشاهدة الفيلم وقراءة أفكاره ثم تحليل أبعاده البعيدة.

 

محمد فاتي - أستاذ باحث في مجال الصورة

تطوان

..........................

قائمة المصادر والمراجع:

ـ ـ أندري كودرو، الاستعارة في السينما: مجاز أم خدعة بصرية، ترجمة : محمد عبد الفتاح حسان، المجلة المغربية للأبحاث السينمائية، العدد 7 ـ فبراير 2018، تصدر من طرف الجمعية المغربية لنقاد السينما

ـ ترايفور وايتوك، الاستعارة في لغة السينما، ترجمة : إيمان عبد العزيز، مراجعة : سمير فريد، منشورات المشروع القومي للترجمة ـ القاهرة ـ ع: 747، ط1ـ2005

ـ سعيد علوش ، معجم المصطلحات  الأدبية المعاصرة، دار الكتاب اللبناني ـ بيروت، سوشبريس ـ الدار البيضاء،ط1 ـ 1985

ـ علي الجارم و مصطفى أمين، البلاغة الواضحة، دار المعارف ـ لبنان

ـ مجدي وهبة ـ كامل المهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان ناشرون، ط2ـ 1984

ـ محمد التونجي، المعجم المفصل في الأدب، دار الكتب العلمية ، ط2 ـ 1999

ـ محمد صبري، بيداغوجيا الدرس البلاغي البصري، قراءة في الفيلم القصير"مولود بدون زلاجتين" لنور الدين الخماري، "الدرس البلاغي : قضايا معرفية ومقاربات نصية"، أعمال الندوة الدولية الأولى، 25ـ26 مارس 2015، منشورات: مختبر البحث في البلاغة واللسانيات: كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ الجديدة ـ2016

ـ محمد عزام، المصطلح النقدي في التراث الأدبي العربي، دار الشروق العربي ـ بيروت

ـ هاشم النحاس، نجيب محفوظ على الشاشة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ـ 1985

 الهوامش

[1] ـ هاشم النحاس، نجيب محفوظ على الشاشة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ـ 1985، ص: 67

[2] ـ المرجع نفسه، ص: 67

[3] ـ المرجع نفسه، ص: 69

[4] ـ ترايفور وايتوك، الاستعارة في لغة السينما، ترجمة : إيمان عبد العزيز، مراجعة : سمير فريد، منشورات المشروع القومي للترجمة ـ القاهرة ـ ع: 747، ط1ـ2005، ص: 57

[5] ـ المرجع نفسه، ص: 71

[6] ـ محمد صبري، بيداغوجيا الدرس البلاغي البصري، قراءة في الفيلم القصير"مولود بدون زلاجتين" لنور الدين الخماري، "الدرس البلاغي : قضايا معرفية ومقاربات نصية"، أعمال الندوة الدولية الأولى، 25ـ26 مارس 2015، منشورات: مختبر البحث في البلاغة واللسانيات: كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ الجديدة ـ2016، ص: 64

[7] ـ  تريفور وايتوك، الاستعارة في لغة السينما، مرجع سابق، ص: 59

[8] ـ المرجع السابق، ص: 55

[9] ـ علي الجارم و مصطفى أمين، البلاغة الواضحة، دار المعارف ـ لبنان،  ص:242

[10] ـ محمد عزام، المصطلح النقدي في التراث الأدبي العربي، دار الشروق العربي ـ بيروت، ص: 60

[11] ـ محمد صبري، مرجع سابق، ص:66

[12] ـ محمد التونجي، المعجم المفصل في الأدب، دار الكتب العلمية ، ط2 ـ 1999، ص: 488

[13] ـ سعيد علوش ، معجم المصطلحات  الأدبية المعاصرة، دار الكتاب اللبناني ـ بيروت، سوشبريس ـ الدار البيضاء،ط1 ـ 1985، ص: 101ـ102

[14] ـ محمد صبري، مرجع سابق، ص: 68

[15] ـ المرجع نفسه، ص: 69

[16] ـ علي الجارم ومصطفى أمين، مرجع سابق، ص: 72

[17] ـ محمد صبري، ص: 72

[18] ـ أندري كودرو، الاستعارة في السينما: مجاز أم خدعة بصرية، ترجمة : محمد عبد الفتاح حسان، المجلة المغربية للأبحاث السينمائية، العدد 7 ـ فبراير 2018، تصدر من طرف الجمعية المغربية لنقاد السينما، ص: 67

[19] ـ تريفور وايتوك، الاستعارة في لغة السينما، مرجع سابق، ص: 53

[20] ـ المرجع نفسه، ص: 72

[21] ـ أندري كودرو، المرجع السابق، ص: 72، بتصرف.

[22] ـ المرجع نفسه، ص: 47

[23] ـ محمد صبري، ص: 73

[24] ـ علي الجارم ومصطفى أمين، مرجع سابق، ص: 125

[25] ـ مجدي وهبة ـ كامل المهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان ناشرون، ط2ـ 1984 ص: 311

[26] ـ تريفور وايتوك، ص: 105

[27] ـ المرجع نفسه، ص: 106، بتصرف.

[28] ـ علي الجارم ومصطفى أمين، ص: 110

[29] ـ تريفور وايتك، ص: 107

 

جاسم العايف(مجيد الموسوي) الشاعر متخم بالأسئلة، أسئلة غارقة في الوجدان، وهو المفتون بكل شيء يعيشه ويراه، ومنه مدينته، وعبر بعض قصائده يتفرس في بقايا الأمكنة المحلية وخصوصيتها التي كلما ننأى عنها، نعود لاستعادتها، بوسائل وطرائق وصيغ شتى، ونسقط على الكثير من بعض مظاهر الحياة المادية فيها، حاجتنا المتواصلة للإحساس بالحماية والأمن اللذين يمكن، في لحظة ما،أن يتوفرا لنا. ولا يفتر الموسوي عن ترديد(بَصّرته)، كأنما خلق لها، وغمس في تيارها واستنشقها:

" البصرة/ عين الأرض الأولى: الاهوار/ البردي/ القصب/ الصفصاف/ طيور الماء/ السمك البنيّ/النخل/ الطين الحريّ/ النبق/ العشبُ/ الشجرُ/ العشار".

"البصرةُ

لمعٌ في ذاكرة البرقِ

وسيدة لا تنسى حين تغادر:

تترك بعض أنوثتها

النفنوفَ المبتلّ الخفينِ

ودغدغةَ الآه!.

البصرة

آخر ما نملك في الأرض

وأول

ما يرفعه الله".

 انه ذلك الوجد المتسرب لروح  الشاعر،التي لا تعرف استقراراً ولا تهدأ عن الهيمان. الموسوي يغريه الخوف من حيرة الجواب عن السؤال، فيواجهه  بسؤال آخر، وهذا ما يميز شعره في "مخاطبات العشب"، و"يقظة متأخرة"، وكذلك مجموعته "دموع الأرض". ثمة ضجيج الأسئلة المتواصل إذ تتكرر مفردة" لماذا" كثيراً وهو سؤال ينبع من المجهول الذي نلمسه في الوجود عامة وفي الحياة الخاصة:

" لماذا تركتِ يدي ومضيتِ

لماذا تركتِ قميصي المدّمى ببيتي

لماذا، وقد بح صوتكِ من وحشةٍ،

بحّ صوتي

لماذا وقد قمت

من جدثي عارياً

بعد  أن صلبوني عانقتني

وبكيتِ !".

*

الأستاذ (محمد خضير) ذهب عبر كلمة له نشرت في خاتمة مجموعة (الموسوي )الشعرية "لتأخذني أقدامي هناك" : إلى أن البنية القصيرة لقصائد المجموعة ساعدت على إحداث آثار من نوع الآثار السردية في القصائد،فالنواة السردية- المصورة في هيأة اثر شرقي، كالقباب والأوثان والسفن أو المشبعة برؤى شخصيات استثنائية كابن سيرين وابن زريق - تسبح في وسط رنيني، استرجاعي يملأ المساحة بين حاضر ثقيل العوام وماضٍ شفيف الكثافة - ص 168 . ويرى الأستاذ (خضير) لابد من تشذيب رحلة السرد الشعرية البعيدة المدى من شوائب السرد النثري القصصي وتهاويل المفردات المعيبة للانسياب الشعري ودقة الوصف الشاعري، فقد يقع الشاعر في غفلة استعمال المفردة اللغوية كما يقع البحار في مصائد البحر. كما وذهب الناقد (مقداد مسعود) في  قراءته المعنونة "نزهة في حدائق الشاعر مجيد الموسوي" إلى  أن "المخاطبات" فيها هي مخاطبات "الموسوي" لا "النفري" والعشب عشبه لا عشب الشاعر "والت ويتمان"، في إشارة إلى ديوان الموسوي "مخاطبات العشب"، وهذا لا يعني انه يتقاطع مع المخاطبات الأصل، المقصود، مخاطبات (النفري)، فهو قد توقف طويلاً عندها وتحرى فيها ليصل بعدها إلى مخاطباته "هو" لا مخاطبات "سواه "، والموسوي وبحسب الناقد (مسعود) استروح طويلاً عشب (ويتمان)، في إشارة إلى ديوان "والت ويتمان" المعروف بـ"أوراق العشب"، ويؤكد (مسعود)، على إنه  يستريح قربه ويسقي أعشابه (هو) لا أعشاب (ويتمان) . نلاحظ في مجموعة"مراثي الأزهار البرية" ان (الموسوي) حاول الإغفاءة قليلاً، لم يحلم بـ"كلكامش" بل تراءت أمامه  أزمات وكوابيس (انكيدو)، لتزيده الأسئلة إرهاقاً.. الأسئلة التي لا يزال باحثو الوعي الإنساني يحفرون في طبقاته الشقية، وهو لا يجد من شفاء لروحه إلا بالتوجه نحو العالم الأرضي :                                                       

" وأخيراً

توجهت للبحر

تجاوزت كل الصخور الأنيقة

والكتب المستريبة

والنوم

غادرت مملكة الارتخاء

وراء الزجاج الملون

غادرت منزلنا

وتوجهت للبحر.

.................

.................

-:اشعر إن الموت ينقر بابي".

   انه يتوقع المباغتة دائماً، والموت مهيمنة متكررة في شعره، الموت ليس كمحاولة لإلغاء الذات، بل الخوف على الذات من الانقراض الأشد قسوة، والتصدي الذي يعمد إليه هو استعارات الغائبين، والأمكنة النائية، وعبرها يعقد علاقة تضاد بين رقة المتخيل والواقع الفظ والذي لم يتصالح معه نهائياً. وفي استعاداته للغائبين في ديوانه (دموع الأرض) ما يمكن أن يمنحه الشاعر من اهتمام وحنو تجاه الكثير من أصدقائه ومعارفه والأمكنة . ثمة بريق خاص في ما نفتقده من كائنات إنسانية كانت تشاركنا حياتنا، بكل ما فيها من بهجة نادرة، وذكريات لا يمكن نسيانها، لكن (ذئب) الموت انقض عليها، لذا يكتب عن: حديقة الأب، وقبر الجدة، وعبد الخالق محمود، ومهدي جبر، وعبد المنعم البارودي، ومحمد طالب محمد، ورشدي العامل، ومصطفى عبد الله، وجبار صبري العطية، ومحمود البريكان، ويعرب السعيدي، ومحمود عبد الوهاب،، وسلام الناصر، وحسين عبد اللطيف، وموسى كريدي، وشقيقه حسون الذي غيبته الحروب ، وصديق طفولته احمد الذي أجهزت عليه الأمراض، في سنوات الحصار،  وأمه، ووالده، وخاله، وجده، وليلى العطار، وذلك الشاعر المجهول، ونازك الملائكة، و" الأمير السومري المتسول- الشاعر كزار حنتوش":                                                       

سأتنحى قليلاً

عن خطوتهِ الندية، المرتجفة

كي يمرَّ إلى مثواه

فلا يليق بالشاعر

غير

تاج الأبدية.

و"مهدي محمد علي"، صديق الصِبا والشباب، بعد ارتحاله عن البصرة والعراق مجبراً،برفقة عبد الكريم كاصد،منتصف عام 1978، وتنقله المتواصل بين البلدان المتعددة، وبعد وفاته في المنفى، يوجه له قصيدته (موت المغني) :

باردةٌ

وموحشةٌ

تلك الغرفةُ النائية

التي كانت عامرة

بالدفء والطبول

أيتها المزاميرُ

كفي عن الغناء

فقد انتهى الحفل!.

*

وقد آن لي

أن أقول

وداعاً، إذن

يا أميري الجميل..!

أهذا، إذن، آخرُ المنتأى،

آخرُ الأرض،  

   آخرُ

      هذا

         الطواف

              . الطويلْ ؟

أهذا،إذن، آخر الحلم:

شاهدةٌ نصفُ مائلةٍ

وترابٌ نديٌ

تسفسفهُ

الريحُ

تـأتي وتمضي..

وتأتي وتمضي..

وكفاكَ مسبلتانِ

وعيناكَ مطبقتان

ليلٌ يطوق قبركَ

ليلُ ثقيل..؟

أهذا إذن آخر العمرِ؟.

يا للزمانِ البخيلْ..!.

مراثي " الموسوي" للراحلين ومخاطباته للآخر، وللأشياء الزائلة التي مسكها شعرياً، هي توجه،لاشك فيه، لإملاء النقص الحاصل في الوجود اليومي، ومحاولة للقبض على تلك اللحظات التي تتبدد، ومعها تتسرب الحياة .            

* ولد "مجيد الموسوي" شتاء 1945، وتخرج في جامعة بغداد - كلية التربية قسم اللغة العربية - 1967، وعمل في التدريس، ثم رافق الشاعر (محمود البريكان)، 10 سنوات وأكثر، في "معهد إعداد المعلمين بالبصرة"، وغادر عالمنا الراهن ولحظاته الساخنة المريرة صباح27 - 1 - 2018، وأصدر المجاميع الشعرية التالية : "مخاطبات العشب" اتحاد الأدباء في العراق - بغداد ، "يقظة متأخرة"، و" كوابيس انكيدو"،و"مراثي الأزهار البرية" دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد، و" دموع الأرض" - دار ضفاف 2013، و" نجم آخر هناك " - 2015 اتحاد أدباء وكتاب البصرة ، وأصدر، بطريقة الاستنساخ، قصائد نثر مطولة، كرسها لأستاذنا الراحل "محمود عبد الوهاب"، وأخرى بعنوان "كتابة على ضريح "خص بها الشاعر المغدور "محمود البريكان"، وجمعها بعد ذلك في مجموعة شعرية واحدة تحت عنوان " لتأخذني أقدامي حيث تشاء" صدرت عام 2017 عن اتحاد أدباء وكتاب البصرة . بعد صدور جريدة "طريق الشعب" عام 1973، ساهم الموسوي مع عدد من الأدباء والكتاب والفنانين والصحفيين، بمسؤولية وتواصل، عبر اللجان التطوعية - المتعددة التي تبنى تأسيسها المكتب الصحفي لجريدة (طريق الشعب) في البصرة لتفعيل المشهد الاجتماعي - الثقافي -  الفني -  البصري - العراقي، ودأب على نشر قصائده في (ثقافية - طريق الشعب) وصحف أخرى. لم يتوقف النشاط الإبداعي للموسوي على كتابة الشعر فقط، بل نشر بعض القراءات - المتميزة لعدد من المجموعات الشعرية، في بعض الصحف والمجلات العراقية، ومنها قراءته، أواسط 1975، لـ " التسول في ارتفاع النهار" المجموعة الأولى للشاعر المغدور" محمد طالب محمد"، ونشرها في ثقافية " طريق الشعب" . وبعد سقوط النظام نشر في صحيفة "المنارة" نصف الأسبوعية، والتي صدرت في البصرة، عن(مؤسسة الجنوب للطباعة والنشر والإعلان) وتوزع في كل انحاء العراق وبعض دول الخليج العربي، وكذلك جريدة (الأخبار) الأسبوعية التي كانت تصدر عن شبكة الإعلام العراقية في المنطقة الجنوبية عدداً من القصائد والموضوعات الثقافية ومنها قراءات جادة لبعض المجاميع الشعرية العراقية - العربية، وله الكثير من القصائد والقراءات في بعض المجاميع الشعرية، والتي لم يمهله الزمن لضمها إلى مجموعة شعرية، أو كتاب خاص. عام 2013 أجازت كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة البصرة، رسالة ماجستير، بعنوان: " شعر مجيد الموسوي .. دراسة في المضامين والبنى الجمالية " تقدم بها الطالب هيثم كاظم صالح، بإشراف د. صدام فهد طاهر .

 

جاسم العايف

 

يواجه البحث عن التأريخ العربي في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام صعوبة بالغة ترجع لسببين، هما عدم اعتماد العرب على تدوين الكتب حيث أن أوّل كتاب عربي دون هو القران الكريم، والثاني يتمثل في أن العقلية العربية بعد الرسالة المحمدية كانت تنظر لتراث ما قبل الإسلام على أنّه تراث جاهلية، فشحّت الأقلام عن تناوله، وكانت النافذة الوحيدة لفهم العقلية العربية هي من خلال الشعر العربي الذي هو بحق كما يقولون (ديوان العرب).

والذي كان يمثل قنوات الإعلام والصحافة في ذلك العصر والتي تعكس ثقافته وقيمة وسلوكه.

عندما يفتح الباحث هذه النافذة سوف تتراءى ملامح تلك الشخصية التي تمتاز بقوة المشاهدة ودقتها بحيث كان خيال الشخصية العربية خيال تصوري ولم يكن خيال تركيبي وأعني بالخيال التصوري أنه يسترجع في صُورِهِ الذهنية تلك الصور من مجسمات حقيقية، عكس الخيال التركيبي الذي يركب صور جديدة غير حقيقية من صور حقيقية كأن يتصور جسم ثور برأس أسد.

 فالأدب العربي ليس فيه سوى الخيال التصوري الرائع فعندما نفتح المعلقات والشعر الجاهلي نجد الشاعر يصف الفرس، السيف، الجمال، الحرب والصحراء ولا نجد هناك خيال مزجي (تركيبي) مثل أبطال اليونان في (الإلياذة)

وأبطال الفرس في (الشاهنامه) وأبطال الهند في (المها بهاراتا)، وهذا يرجع لطبيعة البيئة الصحراوية وما تعكسه في نفسه، وهنا لا أعني جميع العرب وإنما عرب شبة الجزيرة لأن الشعر العربي الحالي انحدر من تلك البيئة، بينما السامية العربية في بابل عاشوا حياة مدنية فيها عنصر الحضارة يلوّن الأدب بمخيلة تركيبية تزدهر فيها لغة الإبداع (التركيب).

لا اقصد الأساءة للغة العربية، فهي لغة حضارة وواقع ومنطق، لأنّها لغة معربة (متحركة مع النص) وليست جامدة . فمثلا يُرفع الفاعل في اللغة العربية، لأنّه من يقوم بالفعل والفعل يمثل الخلق والابتكار وكسر الجمود، فكأّن اللغة ترفع شأن الحركة والحيوية والخلق والتجديد والتي هي من عناصر حركة الرقي الحضاري، التي فيها مفهوم الرفعة والعلو.

ومن جانب أخر هي تنصب المفعول بهِ أي من وقع علية الفعل فكأّنّها تريد أن تبيين أنّ النصب (التعب) يكون نصيب من لا يصنع الأحداث ويؤثر بها ويُسيرها وليست هي من تؤثر به، فيكون واقع تحت سطوتها.

و في هذا القالب يدخل مفهوم التعريف والتنكير للأسماء .... إلخ أي أن ّ هذه اللغة تجسد الواقع، وهنا نجد صورة التطابق في أنّها لغة القران الكريم، التشريع الشامل والأمثل لمسيرة الأنسان نحو بناء ذاتهُ وحضارته.

وشخصية العربي واقعية، بعيدة عن الخيال والاسطورة، فكانت اللغة نتاج تلك الطبيعة، فمثلا بعض اللغات طبيعتها (تركيبية) في خلق المعاني، وخير مثال على ذلك هو اللغة الفارسية، فمثلا اسم الفرس السريع في الفارسية (بادبا) فباد تعني الريح وبا تعني قدم ومن المزج بين الاسمين يولد اسم جديد .

وهنا استبعد في بحثي هذا الاسطورة، فلم تكن هناك أساطير في العقلية العربية، وإن تسربت بعض الأساطير الدينية من اليهودية إلى التراث الإسلامي، إلا أنها لم تكن من نتاج العقل العربي.

وإنما كان هناك قدر يسير من الخرافات والخرافة تختلف عن الاسطورة، لأنّ الخرافة قصة تحكي قدرة فائقة لأ شخاص عادين ولا تظفي طابع القدسية

بينما الاسطورة كانت وليدة تساؤل يفسر الظواهر الطبيعية المبهمة وتظفي عليها صبغة القداسة في ربطها بعنصر مقدس هو ال (الإله).

 وكان هناك ترابط بين الدين والاسطورة في مرّ العصور وكانت لغة الاسطورة في الغالب توضع بشكل تراتيل.

وفيها بعد إيحائي ليس كلاما مباشرا وربما هذا ما جعل الخلط يقع بينه وبين الشعر، ووقع فيه كتّاب كبار مثل الدكتور علي الوردي بكتابة (اسطورة الشعر العربي) فالشعر العربي كان خالي من الاسطورة.

فالاسطورة تولد من رحم بيئة تمتلك ابعاد مقومات الدولة في الغالب، لأنّها كانت تمثل دين الدولة بينما العرب لم يشكلوا دولة في البادية .

ومن الظريف أن افلاطون في كتاب المدينة الفاضلة دعا الى نبذ الشعر، لأنه اعتبره نافذة لدخول الاسطورة، فالتاريخ الشعري في جميع الحضارات هو وليد الاسطورة

لأن الاسطورة كلام ايحائي منمق ......

حينما نضجت الاسطورة وتكاملت خرج من شرنقتها الشعر والمسرح، حيث كان البابليون يقيمون في الاحتفالات الدينية مسرحا يجسد فيه اشخاصا أدوار الآلهه . كما في اسطورة التكوين البابلية والتي كانت تروي قصة نشوء الكون.  

فالتأريخ الشعري العربي غير معروف بالضبط متى نشأ وكيف نشأ ولكن سبب نشأته هي دقة التصور السمعي عند الشخصية العربية، فقد طبقت التصور السمعي على تغريدة الطيور، حسب الأوزان، نظرا لصعودها ونزولها، والدليل على أنّ العرب تأخذ الأوزان وتُطبقها على أصوات الطيور هو المثل الذي يقول (أكذب من فاختة)، لأنّهم كانوا يقولون بأنّ الفاختة تقول (هذا أوان الرطب) والنخل لم يظهر الطلع بعد، ولم تكن هناك مدارس تُعلم أوزان الشعر وإنما صفاء الذهنية ودقة التصور السمعي والمخيلة التصورية هي كونت المقاييس التي لا تقبل الخطأ . ولعل قصة نزار المعروفة في التراث العربي تكون شاهد على ذلك والتي هي (لما حضرت نزار الوفاة دعا أبنائه الأربعة وهم أياد، وأنمار، وربيعة، ومضر.. فقال لهم اذهبوا إلى القلمس ابن عمرو والأفعى الجرهمي وكان ملك نجران فهما حكماء العرب

فلما مات نزار ركبوا رواحلهم قاصدين الأفعى الجرهمي تنفيذا لوصية أباهم .. فلما كانوا من نجران على مسافة قريبة رأوا أثر بعير، فقال أياد أنه أعور، وقال أنمار أنه أبتر (مقطوع الذيل)، وقال ربيعة أنه لأزور (أعرج)، وقال مضر أنه شرود.

طبعا كانت هذه أوصاف البعير الذي لم يروا إلا أثاره على الأرض .. فبينما هم كذلك مر بهم رجل يسألهم عن بعير له فقده فقال له أياد هل هو أعور، فقال الرجل نعم، وقال له أنمار هل بعيرك أبتر؟ فقال الرجل أنه كذلك، فقال له ربيعة هل بعيرك أزور؟ فرد الرجل : نعم، وقال مضر: هل هو شرود؟ فقال الرجل: هذه أوصاف بعيري فأين هو؟ فقالوا له لم نره

فجن الرجل من جوابهم وقال لهم أنتم تكذبون، سرقتم بعيري ووصفتموه وها أنتم تنكرون ذلك .. أنني لن أترككم حتى تردوا لي بعيري أو أشكوكم للملك الأفعى الجرهمي .. ولم يتركهم الرجل إلا عند الأفعى الجرهمي الذي سمع قصة صاحب البعير

والذي بدوره سأل أبناء نزار عن العبير، فأجابوه بأنهم لم يروه .. فتعجب منهم وقال: إذاً كيف عرفتم أوصافه ولم تروه

فقال أياد رأيته يأكل العشب من جهة واحدة فقط فعرفت أنه أعور .. وقال أنمار: رأيت بعره متجمعاً في مكان واحد فعرفت أنه أبتر ولو كان له ذيل لمصع به (أي فرق بعره)، وقال ربيعة: عرفت أنه أزور (أعرج) بأن هناك خف غير واضح على الأرض دون الثلاث الأخريات فعرفت أنه أزور .. وقال مضر: رأيته يترك المكان الوفير بالعشب ويذهب لمكان قليل العشب فعرفت أنه شرود

فقال الأفعى: صدقتم! وليسوا بأصحابك فالتمس بعيرك .

وكذلك كان العرب يتميزون بعلم العرافة وعلم القيافة، فالعرافة لا أعني بها الكهانة وإنّما علم خاص كانت بداياته الطيرة، والتشاؤم، والتفاؤل وهو أقرب ما يكون للحاسة السادسة (أو ما يسمى حاليا بالعين الثالثة) وكان لهُ قواعد تستدل بالعلامات فمثلا يروى، أن الإسكندر دخل على امرأه كانت تخيط في بداية فتوحاته وكانت تقيس الطول والعرض بقطعة قماش فقالت للإسكندر: أيّها الملك أعطيت ملكا عرضا وطول، ثم دخل عليها والي المدينة وكانت تمسك بقطعة قماش في يدها فقالت له: سيعزلك الإسكندر، فغضب فقالت له

:لا تغضب إن النفوس تعلم أمورا بعلامات فعندما دخل الإسكندر كنت أقيس الثوب طوله وعرضه، وعندما دخلت عليّ كنت أنْهيت القياس وأردت قطعه. وهنا لا أريد أن أتوسع بتفاصيل ذلك العلم وتحليله بقدر ما أردت أبين العقلية التي أنتجت الشعر. ودعني أشير لعلم القيافة عند العرب

والتي تميزت بهِ بعض القبائل حيث كان الرجل يرى الأثر فيعرف إن كان لمرأة أم رجل ومن أي قبيلة وإن كان الأثر لامرأة يعرف هل هي متزوجة أم غير متزوجة أو إن كانت بكر أو ثيب.

ومما سبق عرفنا طبيعة الشخصية العربية وقوة مخيلتها البصرية والسمعية ودقة المشاهدة وصفاءها وارتباطها بالطبيعة المادية دون البعد الروحي في الغالب

فكانت الشخصية العربية شخصية جدلية دهرية أي لا تولي البعد الروحي الكثير، حيث أنّ العامل الرئيسي في الحياة هو الزمن (الدهر) حيث قال الله تعالى في محكم كتابة العزيز على لسانهم (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ) وهذا ما تردد في أشعارهم فهم ينسبون المرض والفقر والكبر ....الخ إلى متقلبات الدهر حتى أنهم جعلوا صنمي (مناة) و(عوض) رمزا للدهر وعبدوهما، لذلك العقلية العربية تعشق الخلود ولا تكاد قصيدة تخلو من كلمة الدهر والخلود.

 ولعل قصة قصيدة (عيون المها بين الرصافـة والجسـر) خير شاهد على ما ذكرت حيث قدم علي بن الجهم على المتوكل - وكان بدويًّا جافياً - فأنشده قصيدة قال فيها

أنت كالكلب في حفاظـك للـود وكالتيس في قراع الخطوب

أنت كالدلو لا عدمنـاك دلـواً من كبار الدلا كثيـر الذنـوب

فعرف المتوكل قوته، ورقّة مقصده وخشونة لفظه، وذ لك لأنه وصف كما رأى ولعدم المخالطة وملازمة البادية . فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة فيها بستان يتخلله نسيم لطيف والجسر قريب منه، فأقام ستتة اشهر على ذلك ثم استدعاه الخليفة لينشد، فقال :

عيون المها بين الرصافـة والجسـر **جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

خليلـي مـا أحلـى الهـوى وأمـره ** أعرفنـي بالحلـو منـه وبالـمـرَّ !

كفى بالهوى شغلاً وبالشيـب زاجـراً ** لو أن الهوى ممـا ينهنـه بالزجـر

بما بيننا مـن حرمـة هـل علمتمـا ** أرق من الشكوى وأقسى من الهجر؟

..............الخ

فقال المتوكل: أوقفوه، فأنا أخشى أن يذوب رقة ولطافة

من هنا أريد أبين أن الشعر العربي حينما نشأة الحياة الحضرية والتمدن، بدأ يأخذ باللطافة وخَلق صور فيها ألوان جديدة فيها الكثير من التجديد، إلا أنه بقي داخل تلك الأطر، ووفق معطى حضاري ظهر حركات التجديد في الشعر ومنها الشعر الحر واستمرت حركة التجديد وسوف تستمر لأن تلك الحركات هي وليدة واقع وضرورة حضارية تفرض نفسها على الذهنية العربية، لأنَ البيئة تغيّرت والنمطية في الحياة والتفكير تغير، ولذلك نجد أن شعراء المهجر هم من غيروا في منهجية بناء معاني القصيدة واسلوبها في تناول الموضوعات، لأنّهم امتزجوا بمزاج أخر ونظرة أخرى للحياة، لذلك فالدعوة للسلفية الشعرية هي دعوة للجمود والتجرد عن المخيلة الخصبة والأفق الإبداعي في اللغة والتي هي من أروع اللغات وأوسعها أفق.

 

 بقلم أحمد مانع الركابي

 

احمد عواد الخزاعيارتبطت معظم روايات أنعام كجه جي بالوعي العام لمفهوم الغربة والحنين إلى العراق،  وتداعيات هذا الشعور وانعكاساته على الإنسان والمجتمع، فشكلت الغربة هاجسا لاحق أبطال نصوصها وكانت البوصلة التي توجه دفة حياتهم الآنية، وموقفهم من الحياة والآخر، لذلك نجد إن البنية الدلالية  لنصوصها تنطلق من هذا المفهوم، نحو فضاءات اشمل وأوسع تغطي الوجع العراقي المزمن، وهذا ما عبر عنه غولدمان بقوله (إن البنية الدلالية لأي نص أدبي مرتبطة بشكل وثيق مع بنى اكبر وأوسع، تمثل نظرتنا لما حولنا كالبنى الذهنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي تنتجها حقبة تاريخية معينة).

في رواية (سواقي القلوب) الصادرة سنة 2005 وهي باكورة  الأعمال الروائية لأنعام كجه جي.. نجدها اشتغلت على التأسيس ومن ثم التأصيل لما يمكن أن نطلق عليه (العرقنة) أي التجذر بعراقيتها، من خلال التأكيد على هذا المنهج السردي في أكثر من نص لها فيما بعد، وقد أوغلت في نصها هذا على ترسيخ عرقنة النص من العتبة الأولى له، وهو العنوان الذي أضفت عليه حميمية مفرطة باستلهامه من مثل شعبي عراقي ( القلوب سواقي)، أي إنها تلتقي وتتواصل بالفطرة، يدفعها الحب والحنين والانتماء، هذه العتبة السردية الهادئة والدافئة، ماهي الا مفتاح ومدخل لنص غلب عليه، الحب والزجل والاشتياق، ونهايات مأساوية وأحداث دراماتيكية، مر بها أبطاله عبر علائق ايجابية نامية، ساهمت الغربة في ربط وشائجها وتعميقها، فكان كل من (السارد الضمني المحوري وصديقه زمزم وعشيقته سراب وصديقته العجوز الخاتون وساري) ماهم إلا أدوات مطواعة للكاتبة لإبراز ثيمة النص، وصاريته، وهي (الغربة)، فقد استطاعت بخبرتها الأدبية  من خلق شخصيات تميزت بتفردها، بدء من الماضي الذي انطلقت منه، والظروف الصعبة التي مرت بها ، وصقلتها، وساهمت في بلورتها وتحديد مساراتها النفسية والسلوكية، فقد وضع هؤلاء الأبطال في إطار سردي محكم، جمعتهم رابطة الغربة كثيمة رئيسية، توحدت عليها رؤاهم ومعاناتهم وهمومهم، لكنهم في نفس الوقت لم يكون أبطالا بالمعنى السينمائي أو الأسطوري، فقد غلب على إيقاع حركتهم داخل النص، الهدوء، وعدم الاكتراث بالأحداث المحيطة بهم، وتميزوا بنوع من النرجسية السلبية، والتمرد على الواقع، كإفراز طبيعي لتأثير الغربة على صناعة مثل هكذا أبطال  إشكاليين، فكان البطل السارد، يساري هرب من العراق نهاية سبعينيات القرن الماضي، بعد انهيار الجبهة التقدمية، ولجأ إلى فرنسا، يعيش ثورة من الحنين والتشتت والهذيان الفكري، وسراب فتاة يسارية هي الأخرى كانت ضحية لعمليات تعذيب واغتصاب، مورست بحقها من قبل الأجهزة الأمنية لنظام البعث الحاكم آنذاك، كانت تعيش على هاجس إخفاء شخصيتها، كي يتسنى لها نسيان وتجاوز هذه الجزئية الحزينة والمؤلمة من حياتها، لينتهي بها المطاف ميتة بمرض السرطان في إحدى مستشفيات باريس، ساري الشاب العراقي، الذي عانى عقدة انتماء مزدوجة، الأولى شخصية، تمس كينونته ووجوده وصورته التي حاول أن يواجه بها الحياة، كونه (خنثى)، وعاش على أمل أن يواجهها بنصفه الأنثوي لا ألذكوري، وعقدة الانتماء الثانية التي كان يعانيها، هي انتماءه القسري لوطنه ولمجتمعه، الذي أحس ومنذ طفولته بأنه غريب عنهما، بسبب ميله الأنثوي في مجتمع شرقي ملتزم، لم يألف مثل هكذا ظواهر اجتماعية.. هذا الرسم الدقيق للشخصيات جعل من النص بانوراما سردية ، تمظهرت فيها كل إرهاصات وإشكاليات الإنسان المعاصر، إنسان ما بعد الحداثة  وهي (الانتماء ،الهوية، الوطنية، المعتقد....) وهذا ما أشار إليه لوكاش بقوله (إن البطولة ليست للأفعال الخارقة، بل للشخصيات التي تعطي لنفسها التفرد الشخصي المتميز).. كانت (سواقي القلوب) اقرب إلى مجموعة من السير الذاتية، تحكى على لسان حكواتي سارد ضمني، مثله البطل الرئيسي للرواية، وأخرى تروى على لسان الأبطال، استخدمت فيها انعام جه جي تقنية (السرد الممسرح الظاهري) وهي أن تقوم شخصيات الرواية بسرد الأحداث لشخص آخر داخل متن النص، كما فعلت كاشانية خاتون، العجوز الارمنية العراقية، حين قصت جزء مهم من حياتها وتاريخ العراق الحديث إلى صديقها الطالب العراقي (زمزم) .

تبدأ الرواية بمشهد السارد مع الخاتون، وهما يصطحبان جثمان (ساري) الفتى الذي حاول أن يتحول إلى فتاة بمساعدة الحكومة العراقية آنذاك، فقضى مقتولا في إحدى حدائق باريس، بعد أن تحول فعلا إلى فتاة، ورفض التعاون مع المخابرات العراقية.. هؤلاء الثلاثة الذين جمعتهم الغربة في باريس، جعلتهم عراقيتهم يقفون على بوابة طريبيل ينتظرون الإذن لدخولهم ارض الوطن، القابع تحت وطأة الدكتاتورية، كلا منهم يبحث عن ضالته هنا .. البطل السارد جازف بالعودة من اجل أن يرى أم ساري الذي كانت تربطه معها علاقة حب، قبل أن يهاجر إلى فرنسا، في محاولة تعويضية منه للملمة شتات نفسه، والتقليل من خسائره.. كاشانية خاتون العجوز المسيحية الارمنية، التي تربت في بيت مسلم، في إحدى محلات الموصل القديمة، لتصبح بعدها زوجة لمستشرق فرنسي، عادت إلى العراق مصطحبة رفات زوجها، لتحقق رغبته، والذي تمنى أن يصبح عراقيا ويدفن في تربة العراق، وأما ساري او سارة، فدخوله بهذه الطريقة إلى ارض الوطن هو إشارة إلى انتماء قسري حاول التملص منه والانسلاخ عنه بشتى الطرق، إلا إن عراقيته حتمت عليه أن يوارى في تربته، وتحت سمائه .. (دخلت إلى الوطن ذات ضحى نيساني ساخن، في سيارة أجرة تنقل ثلاثة ركاب، جالسا إلى جوار سائقها، وفي المقعد الخلفي تكومت كاشانية خاتون على نفسها .....ثلاثة أحياء في الداخل وفوق رؤوسهم يقبع على سقف السيارة تابوت ...) هذا المدخل السردي المشوق والذي استخدمت فيه الروائية تقنية (الاستباق) أي أن يبدأ النص بمشهد يمثل خاتمته.. يدخلنا في نص مثل مجموعة من الأنساق الحكائية المتداخلة ، التي ترتد فيها الأحداث نحو الماضي القريب وتتشابك مع الحاضر وإسقاطاته، عبر تداعيات حرة يمر بها أبطال النص نتيجة تفاعلهم مع الحاضر الآني، استعانت فيه الكاتبة بتقنيات (الاستذكار والاسترجاع  والارتداد) فكان نصها ديناميكيا متفاعلا مع نفسه ومع عنصري الزمان والمكان، تناول بعضا من التاريخ، فقد وفقت أنعام جه جي في تسليط الضوء على جزء من تاريخ العراق السياسي والحضاري والاجتماعي المعاصر، عبر بوابة كاشانية خاتون فكانت أيقونة عراقية محضة، بذكرياتها، ولغتها، وتركيبتها النفسية والاجتماعية، كما فعلت لاحقا في رواية طشاري، حين أشارت إلى العلامات المضيئة في تاريخ العراق الحديث، عبر بوابة الدكتورة وردية ..منطلقة من السرد نحو التاريخ وليس العكس.

تميز هذا النص بقدرة الروائية على السيطرة على أبطالها وإحكام قبضتها عليهم، حيث لم تتح لهم حرية الاختيار، أو المناورة داخل السياق الحكائي للنص، وبالتحديد فيما يخص عراقيتهم وانتماءهم  المادي والوجداني وحنينهم إليه، باستثناء ساري أو سارة، الذي حاول الإفلات من هذه السطوة وتمرد على هذا المنهج الفكري والوجداني، والحيز الذي رسمته لأبطالها ليتحركوا فيه، فعاقبته أنعام كجه جي على انسلاخه المشين هذا، وذلك بموته، وعودته رغم انفه إلى ارض الوطن ليدفن فيها.. هذه السطوة التي مارستها الكاتبة على أبطالها كانت أداة لخدمة محورية النص، وقصديته، ولتأصيل منهج سردي جديد لديها، المشبع بحب العراق والحنين إليه، ورفض الغربة بكل إغراءاتها ومعطياتها.. تميزت لغة النص بكونها لغة ذكية نابعة من عراقيته، متماهية مع المزاج العام لأبطاله وثقافتهم والبيئة التي انطلقوا منها، إضافة إلى كونها لغة سهلة سلسة، اعتمدت المفردة الموحية واللفظة الشعبية في بعض محطاتها، كمنحى سردي يخلق جو حميميا، من خلال استخدام مفردات تعود لمراحل تاريخية معينة، لا يعرف مغزاها إلا من عاش إحدى هذه المراحل، أو سمع عنها، وهي وسيلة استخدمتها الكاتبة لحفظ هذا التراث اللغوي الشعبي ومسمياته، وسأذكر بعض الأمثلة على هذا المنحى اللغوي (تابوت ملفوف ببطانية بالية من معامل فتاح باشا بمربعات بنية وزرقا)..(هلة بيهة الجمهورية اَاَاَه الشعبية الوطنية اَاَاَه).

تَعد سواقي القلوب من الروايات اللاحقة، حسب تصنيف جيرار جينت أي إنها كتبت بعد الحدث الرئيسي، لكن الزمن الفاصل بينهما غير محدد، لذا فهي تعد موقفا إيديولوجيا من الكاتبة اتجاه ثوابت أمنت بها، وسعت إلى تجسيدها، عبر مجموعة من الأحداث والحكايات والأنساق السردية المحبوكة، كما عبر عن ذلك الناقد محمود أمين بقوله (إيديولوجيا الخطاب الروائي، لا تتمثل في الخطاب الروائي السياسي والاجتماعي فحسب، بل قد تتمظهر بشكل آخر، من خلال قصة حب أو حكاية شعبية أو أسطورة).

 

احمد عواد الخزاعي