صالح الرزوقزينب ساطع عباس من الأسماء الواعدة في مجال القصة القصيرة. ولكن هذا لا يعني أنها تكتب قصة بالمعنى المعروف الكلمة، إنما هي تقتحم دائرة طالما انتشرت في الستينيات من القرن الماضي، وأبرز معالمها غياب الشخصية الواضحة، اختصار الأحداث والفعل الجمالي، تكثيف اللغة واعتمادها على المجاز، وزيادة جرعة القلق دون موضوع محدد ومباشر.

تأتي زينب ساطع كجزء لا يتجزأ من معنى القصة النسوية. فهي تمتلئ بالعاطفة وتنظر بعينيها إلى داخل شخصية افتراضية نادرا ما يكون لها اسم أو صفات. ودائما تكون في حالة مخاض وشك إما بالذات أو الموضوع.

وهنا يطيب لي تقديم مداخلة عابرة.

الذات في هذه القصص هي مجاز أو إحالة، لأنها تدل على فكرة أكثر مما تدل على موضع نفس شخصي من الوجود. بمعنى أنها لا تعكس موضع القاصة من مجتمعها ولا معنى هذا الوجود كما تراه وتعايشه وإنما تركز على المحرضات والدوافع. مثلا لماذا يرفض الرجل المرأة المطلقة في قصة (قراران). ولماذا تهرب بطلة (شمعدانات من رسائل) من شريك حياتها وهكذا..

وهي تؤجل الشرح والتبرير إلى النهاية لتلعب بمثابة:

١- خاتمة مباغتة، و ٢- فلاش باك يذكرنا بأسلوب بداية الحكاية، و٣- نقطة تنوير توضح و تنقل العقدة أو الحبكة إلى معنى إدراك.

بوجيز العبارة إنها تبني قصصها بشكل معكوس مثل كل الأساليب الحديثة. تضع العقدة أولا، ثم المقدمة، لتبرير ضرورة الحدث، ودور كل شخصية من الشخصيات، ثم تنتهي بنقطة تنوير.

أما الموضوع فهو أشبه بخيال، لأن الواقع عند زينب ساطع إدراك وليس تصورات أو محاكاة. وإذا كانت هناك سطوح عاكسة فهي مجرد عدسة موجهة للداخل، لمتابعة الهياج النفسي والمعاناة مع الوجدان، وليس لرؤية الظاهر فقط (كما في قصة عدسة الأمل). إن الموضوع في المجموعة هو أي شيء يتحرك بحرية ونعتقد أنه موجود بذاته وبشكل مستقل عن إرادتنا، وكمثال على ذلك البيت والأب ورموز وعلامات المجتمع الميتافيزيقي أو القهري.

وتحمل زينب ساطع كل بصمات دستويفسكي في معالجة الموضوعات والعقدة. فهي تنفصل عن واقعها الخارجي وتوفر لنفسها عزلة نسبية من شروط الحياة والواقع، وتدخل إلى داخل شرنقة حياتها الخاصة.

ولذلك تكتمل شروط بناء الشخصية من خلال مونولوج فردي، ويعلو صوت النفس المفكرة وانعكاسات تلك الأفكار على الحواس. وهذا أسلوب متبع ومعروف عند النساء أكثر من الرجال.

وفي أدبنا الحديث مجموعة نماذج من هذا النوع. وإذا كانت البداية من غادة السمان وليلى بعلبكي وكوليت خوري (فلسفة الأظافر الطويلة التي تعادي المجتمع وتعلي من شأن الذات وألمها وصراعها ضد الواقع) فإن هناك نماذج منضبطة وأليفة تعيش لحظة الفاجع من خلال تنمية ورعاية الأسباب. فالمرأة تحمل صخرة سيزيف لأنها أنقى

وعليها فروض تستوجب الطاعة، وليس لأنها إنسان مكتوب عليه الاستسلام لمصيره وأقداره.

وهذا يضاعف من عذابها.

من رموز النمط الثاني أليس إلياس القاصة الشابة التي لم يمهلها القدر لتقديم سوى تجربة يتيمة صدرت في دمشق، وقمر كيلاني مؤلفة (اعترافات امرأة صغيرة) و(امرأة من خزف) وسوى ذلك. وفي هذه القصص لا نرى أي نوع من الاحتجاج أو التمرد، ولكن ما يشبه سلوك تضميد الجراح والتعايش مع المحنة وانتظار اللحظة المناسبة لإلغاء الأثر. لا توجد هنا أطافر طويلة ولا سياسة تكسير واحتجاج، ولكن عتاب صامت فقط.

وأعتقد أن زينب ساطع من هذا النوع أيضا مع جماليات أخلاقية شفافة فرضها فهمها لمعنى اللغة والمرأة وفن القصة.

وربما هي على أبواب تقديم أفضل خلاصة ممكنة لهذا النوع من الكتابة.

 

صالح الرزوق

 

عدنان حسين احمدمن روايات "القائمة القصيرة" لجائزة "بوكر" العربية

تحاول الروائية السورية شهلا العجيلي أن تلعب على الشكل في روايتها الرابعة "صيف مع العدوّ" الصادرة عن منشورات "ضفاف ومجاز والاختلاف" فتبدأ الرواية من حيث انتهت الأحداث لتعيد سردها بضمير المتكلم، الذي تراه "مخاتلاً وحميميًا". أما المضمون في هذه الرواية فقد تنوّع ليشمل عِلم الفَلك، وعالَم الخيل، والموسيقى الكلاسيكية، والتنقيب الأثري، والاعتقالات السياسية، والرحلات الفضائية، والحروب التي امتدت على مدى قرن من الزمان بدءًا من حرب القرم في القرن التاسع عشر، وانتهاءً بسيطرة داعش على مدينة الرقّة التي اتخذها التنظيم الإرهابي عاصمة لدولته الإسلامية المزعومة.

تحتشد الرواية بالكثير من الأحداث التي تدور في مدن عدّة مثل دانزيغ، وبراغ، وبيت لحم، والقاهرة، وبيروت، وكولونيا، وهايدلبرج، والرقّة وغيرها من المدن والحواضر العربية والعالمية. وعلى الرغم من تعدد الشخصيات، وكثافة الأحداث، وتنوّع الأمكنة، وامتداد المدة الزمنية إلى قرنٍ أو يزيد إلاّ أنّ العمود الفقري للرواية يعتمد على ثلاث شخصيات نسوية وهي الجدة كرمة، والبنت نجوى، والحفيدة لميس أو "لولو" كما يُطلقون عليها تحبّبًا، أما الشخصيات الرجالية فتحضر لتؤثث النص السردي، وتُكمل سير الأحداث بالدرجة الثانية، وكأنّ الروائية تتعمّد إزاحتها من المتن إلى الهامش، فما إن تومض الشخصية الرجالية حتى لو كانت مهمة مثل نجيب أو عبّود أو نيكولاس لكنها سرعان ما تنطفئ أو تغيب متلاشية خلف الشخصيات النسوية الثلاث اللواتي يهيمنَّ على مساحة كبيرة من المتن السردي للرواية.

تتألف الرواية من سبعة فصول يتعانق فيها الشكل مع المضمون، إذ تنحو الأحداث منحىً بوليسيًا منذ الفصل الأول الذي الذي عنونتهُ الروائية بـ "جريمة صامتة" لن تتكشّف حقيقتها إلاّ في الفصل السابع والأخير "بيغ بانغ" بينما تغيب تمامًا على مدار الفصول الخمس الباقية "سجل عائلي"، "رائحة الهجر"، "ليالي المقطورة الأخيرة"، "يوم التفّاحة"، و "رجال كارمن الثلاثة".

تُعيدنا استذكارات لميس وعبّود في مدينة كولونيا إلى الرقّة التي شكّل فيها الرجال الذين ذهبوا إلى أوروبا الشرقية للدراسة "كومونة" تختلف عن بقية الوحدات السكنية في المدينة، وأنجبوا أولادًا وسيمين مُهجّنين أسموهم أولاد الأجنبيات الذين يقطّرون الفودكا في منازلهم، ويستمعون إلى الموسيقى الكلاسيكية، وقد منحت هذه العائلات المتنوّرة مدينة الرقّة أجنحة تحلّق بها في فضاء الحرية الذي لا تسمح به منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية في سبعينات القرن المنصرم. لم ينسجم أسعد مع زوجته التشيكية "آنا" التي أنجبت له ولدها الوحيد عبّود، وحين تزوّج عليها عادت إلى براغ على أمل أن يعود لها ابنها ذات يوم.

تنجح شهلا العجيلي في تشيّيد البنية المعمارية للرواية حين تمنحها طابعًا بوليسيًا حيث يرتدي عبّود، بالاتفاق مع لميس، جوربًا أسودَ في رأسه ويعتلي شبّاك الجدة ليخيفها فتموت من الرعب لكن الحفيدة تشعر بالإثم وتأنيب الضمير على مدى خمس وعشرين سنة وتتعطّل فيها صداقاتها، ومشاريعها، وأحلامها الرومانسية. وبما أنّ أحداث الرواية واسعة ومتشعّبة ولا يمكن الإحاطة بها جميعًا لذا سنتوقف عند أبرز المحطات الرئيسة فيها. فالجدة التي ماتت من "الرعب" كانت راقصة في صباها مع فرقة بديعة مصابني الشهيرة التي تتنقل بين القسطنطينية، وبيت لحم، والقاهرة، وبيروت حتى تتعرّف على الآغا إبراهيم الذي ينتشلها بسيارته البونتياك الزرقاء ويأتي بها إلى الرقّة لكن ماضيها يظل يطارد أفراد الأسرة برمتها ويقف حائلاً أمام تحقيق بعض الأمنيات التي تدور أذهانهم، ومع ذلك تُنجب كرمة "نجوى ونجيب" حيث تضطر نجوى للزواج بعامر بينما كانت تحب شقيقه فارس الذي يعتقد أن رجولته معطّلة، لكن أحد الأصدقاء نصحه بالذهاب إلى الماخور، وهناك صادف امرأة استطاعت أن تُطلق رجولته فتزوجها، وسافر معها إلى اليونان، ولم يعد من غربته الاختيارية. أما شقيقه عامر فكان يمارس خياناته المتكررة كلما سافرت الأسرة إلى الخارج، لكن الجرة لن تسلم دائمًا فقد أخرجته نجوى ذات يوم من غرفة "أحلام" وقد أُصيب بالجلطة في أثناء اللقاء الحميمي، فلم تعد هي إلى البيت، وسوف يلتحق عامر بأخيه في اليونان لتُصبح امرأة مهجورة من قِبل رجلين شقيقين فتفوح منها رائحة الهجر الواخزة. وحين يأتي نيكولاس، العالِم الفلكي الذي يعمل أستاذًا في جامعة ميونخ يصبح رجلهما المشترك، فتتعقد شخصية لميس حين تراه يداعب أمها، ويحنو عليها، وقد شعرت في تلك اللحظة أن شيئًا ما قد تهاوى في داخلها لذلك ستنقطع هي إلى عالَم الخيل، بينما تنْشدّ الأم إلى عالم الكواكب والمجرّات. تتفاقم معاناة لميس بسبب الغياب، فلقد غاب عبّود حين ذهب إلى براغ ومنها إلى كولونيا، وغاب الأب في اليونان، وثمة احتمال لغياب الأم التي تعلّقت بهذا العالِم الألماني وتماهت معه في قصة حب لم تعد خافية على أحد. في عالَم الخيل نتعرّف على أبي ليلى وزوجاته الأربع وما تعرّض له أولاده الثلاثة الذين اشتركوا في المظاهرات المناوئة للنظام حيث يتهمهم الوالد بالتخريب والخيانة، فيما يتهمونه بالعبودية للسلطة. لقد قضت لميس صيفًا كاملاً مع عدوها نيكولاس الغارق في خرائط الحب، وأطالس السماء مُذكرًا إيانا بالعالِم الفكلي البتّاني الذي صحّح العديد من أوهام بطليموس عن الأبراج والنجوم وحركة الأرض. يعود نيكولاس إلى ألمانيا فتعاني الأم وابنتها من الفراغ القاتل، فتدخل الأم في سن اليأس لتودّع مباهج الروح والجسد إلى الأبد بعد رحيل نيكولاس.

تندلع المعارك بين قسد وداعش فينزح الأهالي عن الرقّة، فتموت الأم ميتة بشعة إذ تنبتر ساقيها بينما تصل لميس إلى كولونيا لتلتقي عبّود وتصارحه بالجريمة المشتركة التي ارتكباها معًا حين وافقته على إفزاع جدتها وبعد نقاشات طويلة متوترة نكتشف أنّ الجدة قد وقعت في المطبخ وماتت بالجلطة، ولم تكن في سرير نومها. تلتقي لميس بكارمن التي تعود بنا إلى زوجها بسّام الفلسطيني- السوري الذي لم يقدّر استثنائيتها فخانها مع امرأة أخرى لذلك نسفت الجسور كلها مع الشريك الخائن. تتشعب قصص كارمن مع الطبيب النفساني غونتر، والمهندس الإنشائي الثري دانييل لكنها لا تستطيع أن تحظى بهم جميعًا "مثلما لا نستطيع أن نحظى بوجوه النرد كلها في رمية واحدة". تتردد لميس بين اللجوء إلى عبّود أو نيكولاس لكنها تحسم أمرها وتذهب إلى نيكولاس الذي أطفأ شرارة الحب في قلبها، ومضت نحو عدوّها القديم بساقيّ أمها المقطوعتين.

ثمة حكايات أخرى تشبه الأضلاع المحنية المتصلة بالعمود الفقري مثل قصة كارمن، وأمها الشاعرة البولندية التي سوف تكتشف بعد أكثر من خمسين عامًا أن زوجها هو الذي قصف منزلها وقتل أفراد عائلتها. وهناك قصة نجيب، شقيق نجوى الذي انتمى للحزب الشيوعي المعارض للنظام فأعتقلوه ومات في المعتقل. ولعل قصة محمد فارس، رائد الفضاء السوري هي الأكثر رمزية ودلالة لأنها تذهب بنا إلى الفضاء وتحررنا من مدار الأرض لكن حتى هذا الرائد قد انشقّ عن النظام وهرب مع عائلته إلى إستانبول ليكشف عن بشاعة النظام القعمي الذي شتّت السوريين في مختلف أرجاء العالم، ومن خلال هذا الشتات ترصد الروائية التحولات الكبرى في سوريا والعالم العربي.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

749 هياكل(إننا الروائيين سوف نكون أشباه الآلهة) فرنسوا مورياك الروائي وشخوصه – ترجمة علا شطنان التميمي ص78. دار المأمون ط1.

قول في التصنيف والتعريف:

هذه الرواية أو كما عرفها المؤلف بنص سردي، فمن المعروف أن كل رواية أو قصة هي نص سردي، ولكن ليس كل نص سردي رواية، لكن السؤال ماذا أراد المؤلف من وراء هذا التوصيف لمؤلفه هذا ولغيره كما درج عليه مهدي علي ازبين، هل يريد أن يؤكد مقولة تداخل الأجناس الأدبية وذوبان أو ميوعة وتداخل الحدود فيما بينها؟؟

أو أن الكاتب أراد أن يترك للقارئ والناقد عملية التصنيف والتعريف بمنجزه الإبداعي دون أن يفرضه عليه أو يقيده بحدود توصيفه كونه قصة أو رواية أو خاطرة... الخ

أرى أن التفسير الأخير لدلالة المؤلف وتعريفه لمنجزه، فهو لا شك نص إبداعي سردي يفيض بالجمال ومشبع بالدلالة وعمق المعنى والفرادة والتميز في اختيار الراوي العليم (الكلب) في الرواية العراقية، ولكن هل هو رواية ؟

(إن الرواية تعبير إنساني، وجد منذ القدم، واغتنى بإضافات عديدة من لدن مبدعين ينتمون إلى ثقافات وحضارات متباينة، من ثم يصعب القول بوجود شكل روائي فرنسي أو أمريكي أو روسي أو عربي، بل هناك شكل مفتوح، مستوعب لمختلف الإضافات، يتوفر على مكونات نصية وجمالية تتعدى (الأصل) الاثني أو الثقافي لأنها مكونات تعتمد السرد والتخييل والحبكة وتعدد اللغات والأصوات، وهي جميعها عناصر مشتركة في التراث الروائي الإنساني المتفاعل باستمرار) ص49 الرواية العربية ورهان التجديد د. محمد برادة مايو 2011

تعريف جان غوستاف لوكليزيو للرواية (تقوم الرواية على اللايقين والتساؤلات وإعادة النظر أنها نظرية من لا اكتمال الحياة. الرواية جنس تعبيري للحاضر، إنها وصف لحالة العالم والمجتمع والذات، وبهذا المعنى فهي تلائم تمامًا عصرنا الذي هو عصر شك وعدم تيقن من المستقبل) ص40 الرواية العربية ورهان التجديد .

(الرواية كلا ظاهرة متعددة في أساليبها متنوعة في أنماطها الكلامية، متباينة في أصواتها... الرواية تنوع كلامي (وأحيانا لغوي، اجتماعي منظم فنيًا وتباين أصوات فردية) ص9-11 الكلمة في الرواية – ميخائيل باختين – ترجمة يوسف حلاق ط1 دمشق 1988.

فلو راجعنا مختلف تعريفات وتوصيفات الرواية التي اعتمدت من قبل كبار الروائيين والنقاد لوجدنا أن (هياكل خط الزوال) رواية بدون شك.

فهي بالأساس فن سردي يقص حكايات بصورة نثرية سواء من الواقع المعاش أو من بنات مخيلة المؤلف والذي غالبًا تمتد جذوره في أرض الواقع مهما كانت درجة عجائبيته وغرائبيته، ولكنه مشروط بعد استنساخ الواقع بل تخليقه وتصنيعه فنيًا وأدبيًا فلا يكون سردًا تاريخيًا أو تسجيليًا...

كما أن الرواية هي عملية تذكر غالبًا ما يكون أحداثًا تروى إما بشكل متسلسل زمنيا أو متداخل ينتقل فيه الراوي من زمن إلى آخر قد يكون اللاحق سابقًا ومستهلاً للرواية أو يسير سيرًا تقليديًا متواترًا، كما أن الرواية تتطلب حضورًا للمكان والزمان أثناء عملية السرد وقد تكون شخصيات الرواية بشرية أو تروى على لسان الحيوان كما في روايتنا فالروائي العليم هنا (كلب).

وفق ما تقدم يحق لنا أن نصنف ونجنس (هياكل خط الزوال) برواية لأنها تمتلك كل مقومات الرواية وشروطها الأساسية.

العنوان ودلالته:

عنوان الرواية أو عنوان أي نص أدبي هو من يملك المفتاح السحري لمغاليق العمل الروائي ومصباح إضاءة وإنارة لخبايا وزوايا ودلالات النص الأدبي والروائي على وجه الخصوص...

عنوان رواية (هياكل خط الزوال) في الحقيقية إجابة استباقية على تساؤلات القارئ الناقد حول مكان وزمان الرواية، فخط الزوال هو خط التلاشي والذي تنطلق منه أو تستدل به كل خطوط العرض والطول في الكرة الأرضية، ونقطة تقاطع خطوط العرض والطول هذه تحدد المكان المعين على الأرض، وحينما تكون الرواية هياكل خط الزوال فهي أحداث وصور وأساليب تمارس على كل الأرض دون استثناء ولا تخص دولة بعينها أو أرضًا بعينها دون غيرها، هذا يشير لنا تاريخ البشرية وتاريخ الشعوب ضمن مسيرتها الطويلة ولحين التاريخ، فهو تاريخ حروب وصراعات دموية هوجاء سواء أكانت داخلية بين الشعوب وحكامها أو بين الطبقات الاجتماعية والأديان والطوائف في داخل البلد أو بين الشعوب وحكامها، أو كونها حروبًا خارجية بين دولة وأخرى أو بين عدد من الدول كما في الحرب العالمية الأولى والثانية .

فالكاتب هنا لم يذكر لنا مكان وزمان الرواية؛ وإن كانت تدل حيثياتها وإحداثها أنها حرب نظام مستبد وطاغية على أبناء شعبه وربما يمكننا الاستنتاج أنها مستلة من أحداث إخماد الانتفاضة الشعبية الآذارية عام 1991 ضد نظام الديكتاتور بعد هزيمته في حرب الخليج .

الكلب والإنسان \ الكلب شخصية محورية في الرواية:

تذكر بعض البحوث والدراسات في ما يخص علاقة الإنسان بالحيوان فتشير إلى أن الإنسان روّض الكلب أو الكلب رافق وصادق الإنسان منذ 14000 إلى 150000 ألف سنة خلت، فهو من أقرب الحيوانات إليه، وقد تميز عن العديد من الحيوانات كونه تميز بالوفاء والإخلاص الأعمى لسيده الإنسان ومصاحبته في مختلف الظروف، ربما يشاركه في هذه الصفة الحمام الزاجل حين يعتاد على مكان محدد، فنرى أن البقرة والحمار والفرس حينما تباع أو تساق إلى مالك جديد أو مكان جديد تتأقلم معه وتتعايش مع سيدها الجديد ولكن الكلب يصعب تطويعه وجعله ينسى ويتناسى سيده وصاحب نعمته الأول لذلك كان له ذكر واسع في التراث الأدبي والحكواتي وحتى الديني للإنسان وليس خافية علينا قصة أهل الكهف وخامسهم كلبهم.

كتبت العديد من الروايات والقصص العراقية والعربية والعالمية على لسان الحيوان وخصوصا الكلب ونذكر بعضًا منها على سبيل المثال وليس الإحصاء:

- رواية (حرب الكلب) لإبراهيم صنع الله.

- تحريات كلب – لفرانز كافكا .

- رائحة الكلب- للكاتب الجزائري جيلالي خلاص.

- مذكرات كلب عراقي- للروائي العراقي عبد الهادي سعدون .

- كلب آل باسكرفيل – آرثر كونان .

- الكلب الأبلق الراكض عند حافة البحر - جنكيز ايتماتوف .

- رواية حوار كلب – للروائي الاسباني ميغيل دي ثيربانتس سافيدرا.

- الكلب السائب - للكاتب الإيراني صادق هدايت .

- موت كلب – قصة للكاتبة بثينة الناصري

- (كبرياء كلب وحنان كلب، وغيرة كلب، وبصمة كلب) أربع قصص قصيرة للقاص والروائي حميد الحريزي .

هنا نريد أن نقول إن الكاتب مهدي علي ازبين الأول في كتابة رواية يكون فيها الراوي العليم الكلب ونؤكد كونه أبرز من اجترح هذا الأسلوب من السرد الروائي في العراق خصوصا حسب علمنا.

 

مراحل حياة (كلب) ازبين وتحولاته:

لا يعطينا الكاتب صورة عن شكل ولون ومميزات كلبه الراوي العليم، فهو لم يؤثثه؛ بل وصفه بجرو يتعرض للملاحقة والمطاردة بدفع من قبل السلطات للقضاء عليه وعلى أبناء جنسه كونه مخلوقًا فائضًا سائبًا فائضًا عن حاجة الإنسان في بلد الدكتاتور الذي أراد أن يطوع الإنسان في بلده على العنف والكراهية وتمرينه على القتل دون تساؤل ودون تردد مبتدئًا بالحيوان المسالم البريء، ليعده نفسيًا وسايكلوجيًا وسلوكيًا لمهاجمة وقتل أبناء جلدته من البشر أيضًا دون تردد ودون تساؤل وإنما لإرضاء رغبة الحاكم والنظام القائم وهو ما حدث بعد ذلك ليكون (الجرو) شاهدًا على قتل الإنسان وإذلاله واغتصابه وليأخذ دور حاميه والمدافع عنه والمحافظ على وجوده وكرامته حيًّا أو ميتًا المهدورة من قبل أخيه الإنسان...

فكان الجرو المدافع ضد وجود سيدته ضد من فهم أن خطيبها يريد سلبها منه وخطفها من عائلته فعاجله بعضّة شرسة دامية في إليته حينما كان يتبختر ببدلة عرسه الجديدة...

ولكنه أحس بالجبن والعجز بالدفاع عن سيدته حينما تعرضت للاغتصاب من قبل العسكري حامل المدية الذي اقتحم الدار هو وزمرته واغتصب الابنة الكبرى وربما والدتها، مدعيًا بأن لا حول ولا قوة له بصدّ الجاني المغتصب بينما تصوب إلى جمجمته فوهة سلاح حارس المغتصب. فيردد مع نفسه متهمًا إياها بالتخاذل (ألوم نفسي "متخاذل") ص45.

وهنا إشارة بأن الحيوان الحامي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإنسان في الدفاع عن حريته وصيانة كرامته، فماذا عساه أن يفعل حيوان لا يمتلك سوى أنيابه ومخالبه وسط خضوع وخنوع كل سكان المدينة مغلقة الأبواب خوفًا وهروبًا من بطش العسكر الذي استباح المدينة...

ولكن هذا الجرو الذي أصبح كلبًا ناضجًا كفر عن ذنبه ومهادنته وانهزاميته هذه في الاستبسال حد الموت في منع الكلاب والذئاب والثعالب والقطط من تمزيق جسدي سيديه الأب وابنه الأوسط اللذين وجدهما مقتولين في الأرض الجرداء، وتمكن من صد هذه الحيوانات المتوحشة وتمكن من دفنهما والحفاظ عليهما حتى حضور الأم الزوجة والولد الأكبر والعثور على جثتيهما بدلالة الكلب الوفي الذي ربما فارق الحياة بعد ذلك في المكان نفسه.

نسبية الخير والشر، الإنسانية والتوحش:

وفي الوقت الذي أشار فيه الروائي إلى نسبية نزعة الخير والشر نزعة الإنسانية والتوحش عند البشر كذلك هي موجودة في عالم الحيوان ومنها الكلاب...

فكما كان كلب العائلة متمثلاً بأرقى قيم الإنسانية من حيث الرحمة والإخلاص والوفاء التي تخلّى عنها الكثير من البشر، كذلك هناك كلاب وحيوانات شريرة ومفترسة وشريرة، وقد تعرض أشرسها للهزيمة من قبل كلاب خيرة تمكنت من إصابته بعدد من الجروح وبتر ذيله الذي أصبح لعبة من قبل القطط!!

كذلك هناك تناظر لحالات الخيانة والدونية بين الأعداء في عالم الحيوان وعالم الإنسان حيث يكون الفرد وسيلة للإيقاع بابن جلدته متعاونًا مع عدوه، كما هو حال الكلبة الخائنة المتواطئة مع الثعلب وتمكينه من افتراس دجاج القرية في الوقت الذي يجب أن تكون هي الحامية لها من شر الثعالب.

للتعبير عن موضوعيته في سرد الأحداث وتظهير السلوكيات ذكر لنا الكاتب سلوكيات متباينة من قبل حتى عساكر النظام فربما يكون بعض منهم مغلوبًا على أمره وغير قادر على العصيان والتمرد للانتصار للقيم الإنسانية وقيم الحرية والعدالة ولكنه يحاول إثبات إنسانيته متى توفرت له الفرصة الممكنة غير القاتلة، مثال ذلك الضابط العسكري فارع الطول وبالغ الهيبة الذي أخذ الطفل الجريح وتطبيبه في الطبابة العسكرية وإعادته إلى أمه سيدة المنزل وهو طافح بالحنان والرقة والإنسانية، بالضد من العسكري حامل المدية وهي إشارة وتلميح ربما لقادة فدائي صدام وجلاوزة عدي أو بعض أفراد الحرس الجمهوري الخاص الذي كان بالغ العنف والشر والذي اغتصب النساء في المنزل دون رحمة، وعجز الجندي المتعاطف مع الضحية وكانت دموعه تسيل على خديه ألمًا وغضبًا لما جرى من عملية انتهاك واغتصاب لعفة وعذرية الفتاة الشابة في المنزل.

كذلك أشار لنا الروائي إلى وجود حالة من التضامن والمحبة بين الناس بعضهم البعض رغم كل أساليب السلطات على قتل هذه الروح ومحاولة تفكيك المجتمع وتجريف كل قيمه الايجابية النبيلة، كان هذا الموقف ممثلا من مجازفة ومغامرة الجارة على إيصال المرهم الشافي والضمادات للبنت التي أصيبت بالحرق في قدمها جراء انسكاب الزيت المقلي عليه، متحدية الرصاص والخوف متسلقة الجدار البيني بين المنزليين تمتلكها روح التضامن والدعابة لتخفف من الأم الجارة رغم المخاطر ولعلعة الرصاص.

الحبكة الروائية وأسلوب السرد:

الرواية يمكن عدّها من الروايات المدورة حيث تبدأ من حيث تنتهي، كما الرواية تنحو منحًا غرائبيًا عجائبيًا حينما تجعل كلبًا راويًا عليمًا وليس أحد الشخصيات الروائية كما في العديد من الروايات التي أشرنا إليها سابقًا، وتجعله يصارع الكثير من الكلاب وغير الكلاب من الحيوانات المفترسة، بأشكال وهيئات مختلفة، ينطقها ويجعلها تحاور بعضها، وتجري في دواخلها منولوغًا حواريًا داخليًا، وكأنه يقوم بمتابعة وتظهير مشاعر الكلاب وتصوراته واسترجاعاته في أوقات مختلفة محاولاً قدر الإمكان أن يكون مستترًا خلف الكلب المأنسن بعد تكالب الإنسان المدجن من قبل السلطات ولم يحِد الروائي الكاتب عن هذه الحالة إلا في مداخلته وتساؤله حول سلوك الكلب وقيامه بحماية الجثتين لسيديه الأب وابنه الأوسط (ميتان منذ صباح الأمس، ملقيان على الأرض.. والعجيب هذا الكلب لا يفارقهما، يتنقل بين الرجل والفتى. هل يحرسهما؟؟) ص59.

نرى أنه إيضاح فائض عن الحاجة أكيد القارئ سيصل إلى هذه النتيجة وهو يتابع معاناة الكلب وإصراره على حفظ جثتيهما وحمايتهما من الحيوانات كي لا تنهش جسديهما، وقيامه بعملية دفنهما وتوسد قبريهما إلى حين حضور الزوجة والبنت والابن الأكبر، وكأنه يسلمهما الأمانة وليسلم روحه معهما بعد أن تعرض لأذى كبير وجروح خطيرة أثناء عراكه مع الكلاب والثعالب والقطط .

كان الكاتب فطنًا وذكيًا ومتابعًا لحركات وسكنات الكلب منذ دخوله لاجئًا إلى بيت الأسرة التي رعته وحتى هلاكه وهو يحرس الجثتين..

كما أنه كان دقيقًا في توصيف الضحايا وهم ناس مسالمين لم يحملوا السلاح ضد السلطة، فمثلا الأب طلب تزويده بعصا ليهشّ بها الكلاب الذي قد تعترض طريقه ولم يحمل سلاحًا ناريًا ولا سلاحًا جارحًا، وهي إشارة إلى مدى وحشية النظام وقذارته واستهدافه للناس العزل من كل سلاح وهذا بالفعل ما حصل للكثيرين أثناء أحداث انتفاضة آذار عام 1991.

رغم ذلك نرى أن هناك صعوبة في إقناع القارئ أن الكلب ذو حاسة الشم القوية جدا يقدم على شرب النفط متوهمًا كونه ماءًا، وكذلك صعوبة إقناع القارئ بأن الكلب قادر على الإمساك بقنينة الخمر ودلق محتوياتها في جوفه فيسكر، ناهيك أن شارب الخمر لا يمكن أن يرمي قنينة الخمر إلا بعد إفراغها تمامًا.. لا نرى أن للمؤلف حاجة في ذكر هذين المشهدين ولو من أجل تلطيف جو السرد وإدخال نوع من الطرافة في الرواية المشحون بالألم والمشاهد المؤلمة والحزينة، كنا نأمل أن يكتفي بطرافة عضّ الكلب لخطيب البنت، وبوصية الكلب الثري بأملاكه للناس من موظفين من دون ذكر القاضي الذي جعل من الكلب المذموم إنسانا مرحومًا طمعًا بحصوله على جزء من ثروته (ألم يوصي المرحوم بشيء آخر) ص62.

وتوصيف كلابنا للأجنبي محاولاً إقناعه بأن كلابنا أكثر ذكاءً من كلاب الغربيين، فهناك كلب يقوم بدور الشرطة السرية، والكلب الوسخ الملطخ بدهن السيارات (إنه يصلح السيارات)، والكلب الغاطس في بركة قذرة (إنه كلب عاطفي وحساس لقد سمع للتو بنبأ وفاة حبيبته) ص68

و(هل أصبحت محلتكم كلها كلابًا) ص69

من خلال سرد وعبارة رشيقة وجملة محكمة شدنا الروائي إلى متابعة حركات أفراد العائلة من كونها عائلة سعيدة ومنسجمة وهانئة ومحبة للخير وللحيوان، إلى عائلة مكلومة منكسرة فقدت الأب والابن الأوسط ، وعفة وشرف الأم والبنت الكبرى، ولكنه يبدو غير مقنع من الناحية المنطقية للأحداث وخطورة الوضع القائم أن يجعل الأم تقرر العودة ثانية إلى المدينة بدعوى تفقد الدار بعد أن تركتها مجبرة تحت تهديد السلاح وطلب العسكر إخلاء المدينة بأسرع وقت، مما عرضهما لمهاجمة العسكر والتعرض للاغتصاب خصوصًا وأن الزوجة تعلن موقفها حين تقول (خسارة الأموال يمكن تعويضها، أما خسارة الإنسان لذاته فلا تعوض) ص57 بمعنى أنها تفضل الحفاظ على النفس على المال كمبدأ حياتي لها فما الذي يدفعها للعودة للدار وتفقدها صبيحة اليوم الثاني رغم جسامة المخاطر؟ وكأنه لم يجد وسيلة لاغتصابهما إلا بعودتهما، في حين كان الأمر ممكن الحدوث قبل مجيئهما للواحة في المرة الأولى، كما أنه صنع هذه العودة ليبرر حالة عدم التقاء رب الأسرة وولده الأوسط للزوجة والبنت الكبرى ومن ثم البحث عنهما ومقتلهما في الطريق صوب المدينة.

نرى هنا خلل في الحبكة ويمكن اختزال الحدث واعتماد الحدث الأول لتصنيع وهندسة مشهد الاغتصاب ومقتل الأب وولده..

نرى أن الروائي تطرف في عملية الاختزال والتكثيف للمشاهد والصور التي يفترضها الحدث محملاً القارئ عملية تصنيع المشهد المفترض كما في توصيفه لعملية الاغتصاب وما يفترض أن يرافقها من صراخ ومقاومة وتمزيق ملابس الضحية ومصاحبة دماء النزف للضحية العذراء ضمن عملية الاغتصاب الوحشية من قبل العسكري المتوحش.

كما أن الروائي لم يؤثث شخصيات الرواية فهي مجرد تسميات أب وأم وطفل وبنت كبرى وولد أكبر والوسط وخطيب، دون ذكر أي توصيفات لأشكالهم وأطوالهم ولون العيون والحركة المميزة لكل منهم، لترتسم في ذاكرة القارئ صورة للشخصية تعايشه بعد الانتهاء من قراءة الرواية، كما فعل مثلا في توصيف ولو مختصر جدا للضابط الملازم أول الذي احتضن الطفل وتطبيبه في الطبابة العسكرية كونه شابًا فارع الطول ذا كبرياء وشموخ، وقسماته التي تدل على الحزن وعدم الرضا عما يحدث. في حين لم يصف المجرم المغتصب بما يتناسب مع شخصيته المتوحشة الشريرة.

كما أننا لم نستمع إلى الحوار الداخلي لأغلب هذه الشخصيات: البنت المغتصبة، والأم المكلومة، والأب الملهوف لرؤية ولقاء زوجته وابنته العزيزة وما اعتراهما في طريقهما للمدينة وتوصيف اللحظات الأخيرة لهما قبل الموت قتلا برصاص العسكر، بل حصر هذه الحوارية بالكلب فقط .

كذلك الحال بالنسبة للمكان فليس هناك توصيف للمكان: البيت، الحي، الواحة، فهي ليست أكثر من دوال الحضور بدون أية سمات وأشكال ومواصفات، ربما يرتبط هذه برغبة الروائي عدم الإفصاح عن مكان وزمن الحدث بالضبط كما أسلفنا عند الحديث حول عنوان الرواية.

لا شك أن الروائي أدهشنا في سعة خياله واجتراحه لهذا الراوي العليم غير المسبوق في الرواية العراقية على الأقل، وكما يقول أحدهم (لو اكتمل الشيء مات) فليس هناك عمل روائي مكتمل .

رواية (هياكل خط الزوال) عمل سردي مميز ومتفرد من حيث الثيمة وأسلوب السرد تحتسب للروائي المبدع مهدي علي ازبين .

 

بقلم: حميد الحريزي

 

جمعة عبد اللهمعالم المهارة الشعرية وتقنياتها، واضحة المعالم. في ثنايا القصيدة القصيرة، التي تعتمد في مقوماتها، على الايجاز والتركيز والتكثيف. من اجل ابراز معالم الومضة في الصورة الشعرية، ومنصاتها في الايحاء والمغزى الدال . تملك هذه القصائد القصيرة، البناء الشعري المتين، في الصياغة والتعبيري. الذي يمتلك الفعل الايقاعي في ديناميكيته وحركته وتنقلاته، داخل التعبير الشعري الدال . الذي يجسد التجليات والتداعيات ضوئية الحب في عمق رؤيته، في الهواجس والمشاعر الذات الداخلية، التي تصبو وتهفو الى الحب بكل جوانحها المحترقة، في لذة الشوق والاشتياق . في لذة وطعم قبلة الحب، وتذوق عسلها اللذيذ بشهوة الرغبة والاشتهاء الجامح . في شهوة الحلم المشتهى والمبتغى، لكي يقطف ثماره .ولكي يسلك الحب في الدروب التي تعطيه، هواء ونسائم وقوة تدفعه، في عدة اتجاهات، مهما كانت التضاريس والطقوس، سواء كانت في الحلو أو في المرارة . سواء كان حاضراً أم غائباً . او كان في حالة الخفوت، او حالة السخونة . ولكن المشتهى المنتظر يبقى الحلم المبتغى اليه، في التولد والانبعاث في ولادته الجديدة، لكي يسلكان الطريق معاً، على نبض وخفقات الروح المتيممة بضوء الحب . مهما كانت احزانه وعذاباته، ومهما كانت العواصف التي تجتاحه، فيبقى الحب هو الرغبة المشتهاة، بالاشواق الحارة المتلهفة، يبقى المرام الى قطف وتذوق عسله، بالقبلات التي تتذوق طعم عسل الشفاه . هذا الحلم الاثير في حواس الوجدان والروح . أشتغلت عليه قصائد الديوان الشعري: أسميك (الضوء) . لندخل في ثنايا هذا الضوء العشقي في الحب . الذي يحمل زهرة حمراء، لكي يبعد الوحشة والخوف عن بستان الحب . لذلك صدحت الشاعرة (فرح دوسكي) . في اشتعال اشواق الروح والقلب . في نار الاشتياق المرهف والساخن . فقد قسمت الديوان الشعري، الى أربعة ابواب . لندخل بوابات الحب الاربع:

1 - الباب الاول:

 الحب الصالح للموت:

حين تتصدع جدران القلب، ويواجه المتاعب والاهوال، وتحزن اطيافه التي تنطبق على الروح بالشجن . يكفي اشعال شمعة لكي يهتدي الحب الى طريقه . ويهمس في رجفة: (أحبك) فأنها تفتح باب ريح للانبعاث بعد المغيب

قبل أن يمسك يدي قال: أحبكِ

اوقد شمعة

زرعها في قلبي

فتح باب الريح بعد المغيب ...

ولكي يتبدد الصقيع في الحب، لكي لا يصبح زهرة متعبة، لا احد يعشقها . فهي مملوكة لعاشقها الواحد . لتبصح هي وهو، واحد . تنام على صدره، وتبدد الصقيع بالقبلات الساخنة .

قالت: أنا زهرة متعبة لا أحد يعشقني

سأتقدم بهدوء وأنام على صدرك

قال: تعالي إليَّ لنلغم صقيعها بالقبلات

فأنتِ وحيدة، وأنا وحيد ...

...................

أنا التي لم أنمْ ... الضائعة في عقارب الساعة

حتى ولو كذباً، قل: أحبكِ

لو مرة ً (سأجعلها حقيقة طيلة عام) ..

2 - الباب الثاني:

(أمطرته عشقاً):

علمها الحب ان تكون فراشة او عصفورة والعاشق عصفور . عصفوران يتذوقان طعم عسل القبلات . حتى تصبح قرين لروحهما . فأن ابتعد العصفور عن ثغر عصفورته، تموت .

كيف علمتني كل هذا الحب

رغم أنك عصفور !

 نعم .. أموت .... إذا ابتعدت ثغرك عني .....

مطر الحب الذي يفيض بالروح، يجعل كل كيانه يهتز بالشق والاشتياق . هذا المطر الذي يبلل اويغسل الروح، يلهم القلب بالمزيد من المطر .

وادلهمت حين أمسكت بها

أمطرت .. كل حبكَ ... من كياني ...

.................

لاني في حبك متبلل

اللهمَّ ألهمني مزيداً من هذا المطر ! ...

وكر الحب المشتعل بالشوق المرهف والمتلهف الى بناء عشه وكراً للحب، حتى تنام عميقاً في سماوات الحب حثيما تشاء .

وأنا مشتعلة بالشوق

احتاج ان أبني بين يديك لعشي وكراً

وأنام عميقاً في سماوت عينيك وتنام حيث أشاء ..

3 - الباب الثالث:

(متاهة انثى):

هدأة الحب لابد ان يكف ان يجوب مسالك الدروب المتعبة معاً . لابد للقلب ان يهدأ ويستكين . حتى يطلق اجنحة الحلم في الليل . حتى تجيء العاشقة في الحلم .حتى يعرف الناس . انهما عاشقان، رغم الدمعة التي تسيل على الخد .

قال: كي لا نجوب الدروب معاً

لابد للقلب من هدأة

سأجيء الليلة في الحلم

ليعرف الناس بأننا عاشقان

أومضت بعينها دمعة مالت على الخد

 اي وحشة القلب، حين يغيب الحبيب ويترك قلب الحبيبة وحيداً، يرتجف بوحشة وخوف،، لذلك يأخذها الحنين والشوق، الى مناداة الحبيب، لكي يطمئن قلبها من الخوف والوحدة في الليل، لذلك تمسد حلم اللقاء، بمنادة الحبيب . حبيبتي لا تخافي .

أي ليل هذا الذي تركتني أنا فيه ؟!

من دون عينيك موحش جداً

عد وناديني: حبيبتي لا تخافي

أنا امسد حلم اللقاء

 كيف يتجبر الحب بالصبر بلا ارق، وهي ممتلئة بالقهر، لذلك تحاول ان تلملم انكسار الحب .

 من أين أستدين صبراً بلا ارقٍ

وأنام ممتلئة بالقهر كي ألملم انكساري ! . .

...................

اجمل ما في الحياة إنك فتحت لي طريقاً اليها

لذا سأبتعد عنك وعنها

لن تتسلقني بعد اليوم ! .....

4 - الباب الرابع: (وطن)

بغداد لن تركع، وهيهات ان يصلوا اليها لكسرها . وفيها الشعر والنساء والابطال .يصولون في حب بغداد، ينمو في قلبوبهم، زهوراً وعبيراً .

هيهات يا بغداد أن يصلوا

وفيكِ الشعر نساء والابطال تصول ....

روحكِ فينا حدائق وزهوركِ للعواصم عبير . .

والعراق هنا لا يموت، وانما ينتظر ولادة جديدة اً، ليملي الفراغ طفلاً ينعم بولادته . لا يمكن ان يموت، فهو ينتظر مخاض الولادة بعد العسر غدا .

لا يموت بعد الفقس !

صار يخبرها

أنا العراق

 (هنا)

وهذا رأسي

لا واقفاً كان ولا قاعدا

بغداد

نبغي الولادة غدا

ليحبو في مدار الفراغ طفل ..

هيا اركضي حافية

لان البيت القصيد هو خنق العراق بالقيود والاصفاد، هم الحمقى، اللص والحاكم

كل شيءٍ عن كل شيءٍ تخلى

قيدونا، وقلدوها وساما

حمقى ..... اللص والحاكم

لذلك بتنا خراف لنكرة الاعياد، ياليت كنا بشراً بلا أضحيات

بتنا خرافا نكرة الاعياد

يا ليتنا كنا بشرا بلا أضحيات

لذلك توظف الاسطورة في الاستنجاد بها، في شكوى مريرة لحال بغداد المزري، في قيد الوفاة، لذلك تشكو الى امنا السومرية (عشتار)

يا أمنا عشتار

أهذه بغداد ؟

نارا وارقاًماً في قيد وفاة !

لا أحد ... يسألني

فألف حاكم ما اجابوا !

حتى (حمد) لا يشعر بمحطة الفراق، وهو يروم الوصول الى سكة العراق ولا ينسى قصيدته .

حمد شاعر والمحطة فراق

السكة وصول والمنصة عراق

لا تنسى قصيديتك إصلها معك !

 

- المجموعة الشعرية: أسمك (الضوء)

- المؤلف: الشاعرة: فرح دوسكي

- تاريخ الاصدار: الطبعة الاولى عام 2018 / أور للطباعة والنشر

عدد الصفحات: 288 صفحة

 

 

جمعة عبدالله

 

 

محمد المسعوديقراءة في ثلاث تجارب قصصية جديدة

تختلف انشغالات القصة المغربية الجديدة باختلاف البيئة التي نشأ فيها كتابها، وباختلاف مشاربهم الثقافية والمعرفية، وباختلاف تجارب حياتهم وطبيعة هذه التجارب، كما أن للمقروء الأدبي عامة، وفي القصة خاصة أثر بين في تنوع أشكال اشتغالهم الفني وبناء عوالمهم السردية. وإن الناظر في نصوص الأعمال التي اتخذناها عينة لمقاربة هذا الموضوع يُلفي الاشتغال النصي يتعدد في صيغه ويتنوع في قضاياه وإشكالاته، كما يتنوع في عوالمه من كاتب إلى آخر. وتتكون العينة التي انطلقنا منها لتناول هذا الموضوع من ثلاثة أعمال قصصية، وهي بحسب تواريخ صدورها:

-زقاق الموتى، عبد العزيز الراشدي، منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب، الدار البيضاء، 2004.

-هذه ليلتي، فاطمة بوزيان، منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب، الدار البيضاء، 2006.

-هروب، عبد الواحد استيتو، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط، 2006.

*     *     *    

تبدو بيئة صحراء (زاكورة) بعوائدها ومعاهدها المعمارية التي تنتمي إلى عالم الواحة جلية في قصص عبد العزيز الراشدي في مجموعته "زقاق الموتى". إن أجواء الصحراء بقساوتها وشحها، وما تفرضه من وحشة وعزلة وإحساس بضآلة الإنسان وصغره أمام امتداد مهول للخلاء، وما تعرفه واحات الصحراء من بناء معماري منحصر وسط قصبات وأزقة ضيقة ودروب في شكل متاهات، من أهم انشغالات القصة لدى الراشدي. ومن هنا كان الموت والفقدان والرحيل والعبور إلى المجهول من الثيمات التي تكشف عن صعوبة مواجهة طبيعة القساوة في بيئة القاص ومحيطه. ومن ثم تصبح الكتابة لديه نمطا من أنماط البحث عن دفء إنساني وعن غنى تواصل الإنسان فيما بينه. ولعل هذا ما جعل قصص المجموعة تقطر بالشجن والأسى، وتبدو الذوات فيها تصارع نفسها من جهة، وتصارع العالم الخارجي من جهة أخرى ممثلا في كائنات الطبيعة وظواهرها، والكائنات الغريبة (الجن مثلا)، والآخر. كما تصارع قُوى التلاشي والموت والدمار التي تبدو للإنسان في كل آن وحين وتأتيه من حيث لا يحتسب.

إن قصصا مثل: اللسعة، وزقاق الموتى، وفقدان، ووجع الرمال، وولائم الجنوب، تبني عوالمها الحكائية عبر رصدها لحياة الناس في هذا الجنوب الذي يتميز بسمات خاصة يأبى سارد القصص إلا الوقوف عندها طويلا في حكاياه التي لا تخلو من غرابة وإدهاش. يقول السارد في قصة "عزلة الكائن":

".. القرية تضيف إلى رصيدها من الغرابة كل يوم صورة. النساء دربن على تلقين الحيطة أبناءهن. ستحكي كل واحدة بيقين مضلل كيف تعيش العجوز! ودون أدنى انتباه لتضارب أقوالهن، يبالغن في مط الكلام.. وهن يكسرن حبات العلف، وخطاهن تسوقهن إلى الحقول، وهن ينتظرن اختمار العجين. حتى وقت تمارس إحداهن ارتباكها أمام الظلمة، تدعي بيقين أنها رأت خيال عجوز: كانت أسفل الماء تمسك الدلو بيدها، وكان البئر مظلما. فقيه القرية سيوضح أنها تعاشر "دوك الناس"، يجتمع بالرجال ليتحاكوا أمرها.. لكن، ما سر كل هذا العداء؟ لأنها وحيدة لا سند لها؟ لأن القرية موطن السكون والرتابة و"قلة ما يدار"؟ لأن الناس عادة يحترفون الدهشة، وامتطاء صهوات خيالاتهم؟ ربما لأنها فعلا تمارس شرورا غامضة؟ بما يتناثر سيصوغ الأطفال صورتهم، يحومون حول الشجرة، ويبحثون عن فرصة لاقتحام المكان، هل سيتخطون المدخل المعتم؟؟ (زقاق الموتى، ص.20)

هكذا تسيطر على المشهد عوالم الغرابة، وطقوس الخرافة، وحالات الالتباس والخوف من المجهول: الجن. وبهذه الكيفية اشتغلت القصة بالمتخيل المحلي وجسدته من خلال عالم القرية المغلقة على خيالاتها الجمعية الخرافية الطابع. وبهذه الشاكلة نرى القصة تصنع عوالمها المتخيلة انطلاقا من إجماع أهل القرية على أن العجوز التي تعيش بين ظهرانيهم تعاشر الجن، وتعيش معهم، بل ذهب الخيال ببعض النساء إلى أنها من تمسك بالدلو في قعر البئر... وغيرها من الشائعات التي لم يتورع حتى فقيه القرية عن تأكيدها وتردادها. وبهذه الكيفية نرى السارد يؤثث متخيله من أفق بيئة قروية منحصرة في حيز جغرافي –على الرغم من متاهته وشساعته- ضيق يفسح مجالا محدودا للتفاعل مع المحيط ومعرفة الحياة. ومن هنا نرى عقلية الخرافة وعوالم الماوراء في بعدها السلبي تطغى على هذا المتخيل. غير أن الاشتغال الفني لدى الكاتب يتميز بالقدرة على اقتناص هذه الخصوصية المحلية وتقديمها في سياق سردي متزن محكم القواعد مشرق العبارة. ونظرا إلى أن العالم الذي يقدمه السارد يتميز بنوع من الغموض والالتباس واللامعقول، فإن القصة بمداورتها، وبنقلاتها المتنوعة استطاعت أن تنقل أجواء الأحداث إلى المتلقي، ومن ثم تجعله يتقاسم مع ساردها ومع الأطفال الإحساس بالغرابة والدهشة مما يروى لهم. ويتميز سرد الراشدي في هذه المجموعة القصصية بغنى إمكاناته الفنية وخصوبة الأشكال الفنية التي تتخذها القصة وتقدم من خلالها رؤاها عن الواقع، وعن تمثلات السارد عن الحياة وما يجري من حوله.

أما قصص فاطمة بوزيان فتنتقل بنا إلى عالم بعض مدن شمال المغرب (الناظور) التي لا تسلم بدورها من انغلاق وانعزال من نوع آخر تجسده عدد من الطابوهات والعوائد التي تجعل الحياة متاهة أخرى ومعاناة لا تقل عما صوره الراشدي قساوة ووحشة وعزلة وبرودة في التواصل وفي ضخ دماء البعد والقطيعة بين بني البشر. غير أن المتخيل، هنا، لا يظل لصيقا بالخرافي وعوالم الغرابة المتصلة بحكايات شعبية جمعية تؤمن بالجن والأرواح والأشباح وما شابه ذلك من عوالم. إن المتخيل القصصي في نصوص الكاتبة فاطمة بوزيان تنفتح على آفاق أخرى لكسر عزلة الكائن وطابوهات المجتمع المنغلق. وهكذا نجد عددا من النصوص تحكي عن بطلات ارتبطن بعالم التواصل الرقمي، أو ارتبطن بالكتابة، واتخذن منهما وسيلة للانعتاق من ربقة الخوف والوحدة والعزلة، وللتحرر من رقابة الأسرة والمجتمع، كما نجد في قصص: أسرار- بريد إلكتروني- عادي- الازدحامولوجي- محاولة للتذكر.. محاولة للنسيان- الطرز القاسي. تقول الساردة في قصة "أسرار":

"-سارة كبرت، هل انتبهت؟ هل تبدو لك عادية؟ أخاف عليها.. أخاف أن يكون ذلك الحلم تحذيرا.. كنت بين النوم واليقظة، كنت صليت الفجر، وبعد على وضوء.. كانت البنت ترقص في حانة ثم رافقت أحدهم وضاعت.. كنتَ صامتا ومحايدا وكنت أهزك، أصرخ وأبكي.. ماذا نفعل يا رجل؟

-الضغط يولد الانفجار، من هنا انفجار البرجين، انفجار السيارات، انفجار الانتحاري..

-أنا أتحدث عن البنت، لينفجر العالم، لينفجر الكون.. أنا أتحدث عن سارة ابنتنا، لماذا تعمم؟ تعوم الأمور هكذا وترتاح في حيادك؟ هذا يوجعني الآن أكثر من أي وقت مضى.

-أنت تتوهمين، البنت عادية، ربما قرأت ما قادك إلى ذلك الحلم. فكري، ربما سمعت شيئا عن البنات وانحرافهن، ولهذا تدفق لاشعورك بذلك الكابوس.

-لا، لم أقرأ ولم أسمع، كان تحذيرا قلت لك، تحذيرا.. انتبه معي يا رجل أو لتظل في حيادك، ما عدت أهتم..

ماذا بوسعي أن أفعل؟ الهاتف الصغير يظل لصق كفها، وحين تنام يحرس الكود خفاياه، علبها الإلكترونية أيضا محروسة بكلمة السر، أجرب اسمي، اسمها، مرتبا، مبعثرا، مقلوبا، اسم عطرها، تاريخ ميلادها، اسم الشارع، اسم المدرسة، لعبتها المفضلة.. تصر العلبة على خطأ كلمة السر اللعينة.. أكره مكتوب، أكره ياهو، أكره الهوتمايل، أكره الأوتمايل، أكره الإيميل، أكره كلمة السر، أكره الأسرار، تجعلني هذه الكلمة وسط ركام من أشياء غامضة، تستثير حزني وتحفزي، تهز جذع ذاكرتي فينثال منها..." (هذه ليلتي، ص.14-15)

يكشف هذا المقطع عن خوف الساردة الأم على ابنتها سارة. وهذا الخوف ناجم كما يبدو من سياق المنطوق عن غياب التواصل بين الأم وابنتها المراهقة، وعن عدم الثقة المتبادلة بينهما. ومن ثم نجد القصة تشتغل على نمط آخر من العزلة والوحدة، بحيث لا يملأ فراغ الفتاة المراهقة سارة ، ولا يشعرها بالدفء الإنساني، وانفصالها الوجداني سوى الآلة التي صارت موطن "أسرار" بالنسبة إليها. ولعل خشية الساردة الأم -في القصة- كان الدافع إليها حكايتها مع حبيبها خوليو، واسترجاعها لمعارضة الأب ووقوفه في وجه حبها المراهق، وهذه المعطيات تجعلها تتطلع إلى معرفة خبايا ابنتها بعدما رأت كابوسا يتعلق بفرار الإبنة واختفائها.

وبهذه الكيفية تشتغل القصة على هواجس إنسان يحيا في بيئة مدينية لها مشاكلها الخاصة وعوالمها المتميزة عن عوالم القرية. وبهذه الشاكلة اشتغلت القصة على وقوف المجتمع في وجه الحب البريء، وعدم الاعتراف بالآخر المختلف عقديا (حالة الأب ووقوفه ضد خوليو وحؤوله دون استمرار علاقته بابنته: الساردة الأم في قصة "أسرار"). وبهذه الشاكلة تجلي القصة عزلة الفتاة وانفرادها في عالمها الافتراضي الخاص من جهة، وتجلي عدم قدرة الأم على التواصل معها من جهة ثانية، وخوفها من تكرار ابنتها تجربة انكسارها هي وحرمانها الذي عانت منه، أو ارتكابها حماقة الفرار مع مجهول من جهة ثالثة.

وبذلك كانت المحلية، هنا، منفتحة على مستجدات الحياة وعلى العوالم الافتراضية التي صارت تشكل جزءا من حياة الإنسان المعاصر. وانطلاقا من تراوحها بين الحاضر ومستجداته الخطيرة، وبين الماضي المتمثل في قصة الأم وخوليو، تصنع القصة عوالمها المتخيلة وتبني رؤيتها لما يجري في واقعنا المعاصر متمثلة نظرتها إلى الحياة في أفق سردي يضع نصب عينيه الارتباط بالبيئة والانطلاق منها لتشكيل نص قصصي يحمل هموما إنسانية لا ترتبط ضرورة ببيئة الكاتبة، وإنما نجد لها امتدادا في بيئات أخرى. وقد تميزت الكتابة القصصية لدى فاطمة بوزيان بتنوع أشكال صياغتها السردية، وتعدد الإهاب التي تلبسه القصة ما بين سرد خالص، وتوظيف للرسالة، وأشكال الرسائل الإلكترونية القصيرة، والبرقية، والومضة، مع امتداد النفس السردي، وجمال العبارة وحيويتها.

ومن الأفق الإنساني الشامل وارتباطا بالآخر وثقافته تشتغل قصص عبد الواحد استيتو على الرغم من انطلاقها، بدورها، من متخيل لصيق ببيئة الكاتب وما تعرفه من حالات وتحولات. وفي جل القصص تهيمن توجسات الشخصيات من الحياة والواقع، ومن حالات العزلة والوحدة، مع الرغبة الملحاحة إلى الهروب بعيدا عما ينغص الوجود الإنساني السوي في موطن السارد ومدينته (طنجة). وهذا ما نلمسه في عدد من قصص "هروب" مثل: فرجينيا- امرأة في الأربعين– رهان خاسر– اغتراب –فراق –هروب.

ونتخذ قصة "فرجينيا" نموذجا ننطلق منه لكشف انشغالات القصة لدى عبد الواحد استيتو واشتغالاتها الفنية. يقول السارد في المشهد الأخير من القصة:

".. وينتهي الأسبوعان اللذان قررتِ أن تمضيهما معي، تعبرين عن إعجابك بكل لحظة قضيتها هنا وتقولين أنك لن تنسي هاته الأيام. وأقول أنا كلاما عن أشياء لا أدركها.. مجرد همهمة بفرنسية رديئة.

وها أنذا أوصلك إلى المطار، مدركا كل الإدراك بأنك محبطة. أنت لم تجدي ما كنت تتوقعينه وأنا لم أعدك بشيء. رغم ذلك أحس بتأنيب الضمير، رغم أنني أديت واجب الضيافة كما يجب.

-اسمعي (فرجينيا).. أنت تعيشين في عالم متفتح إلى أبعد الحدود، ويمنعني الحياء أن أقول أنه منحل. الناس هناك –مثلا- لن يلتفتوا إليك إذا ما رأوا رجلا يدخل بيتك. أشياء كثيرة تختلف بين مجتمعينا أتمنى أن تكون قد أدركتها بفطنتك. لكنني أعدك أن تكون الأمور أفضل في الزيارة القادمة.

أعرف أن لا زيارة قادمة هناك. هذا واضح من ملامحك. أنت كنت تتوقعين مراقص وملاه ليلية وأشياء من هذا القبيل. لكنني –وبإرادة استغربت لها أنا نفسي- عارضت كل اقتراحاتك تلك.

وها أنت تلوحين لي بكفك الصغيرة دون أن أنجح في رؤية عينيك اللتين ألححت على إخفائهما خلف نظارة قاتمة. هل كنت تبكين؟ لن أستطيع الجزم بذلك. لكنني متأكد أنني –عندما رأيت طائرتك تحلق مبتعدة- أحسست بدمعة ساخنة تنحدر فوق وجنتي، وأنا أجر قدمي مبتعدا" (هروب، ص. 14)

بهذا الحكي القائم على البوح والاعتراف بالشجن والشجى، وبالأسف والأسى يكشف هذا المقطع الختامي من قصة (فرجينيا) عن تحكم الطابوهات الاجتماعية في علاقات الأفراد، وعن تمكنها من كسر أفق المحبة وإمكانات القربى حتى في بيئة تدعي الانفتاح، وتتميز فضاءاتها بالتنوع: حانات ومراقص وملاهي ومقاهي تعرف إقبالا ملحوظا للأجانب وغير الأجانب. وهكذا نلاحظ أن القصة تصور حالة إحباط مزدوج لدى بطل القصة أو شخصيتها المحورية، ولدى صديقته الفرنسية التي زارته في مدينته، وكانت تتطلع إلى ما هو أبعد من الصداقة، إلى الحب هربا من خواء حضارتها، وغياب دفء الأواصر الإنسانية، لكنها وجدت في صديقها: راوي القصة تزمتا ومحافظة جعلتها تشعر بخيبة الأمل، لتمضي آسفة دامعة العين نحو بيئتها. بهذه الشاكلة اشتغلت قصة عبد الواحد استيتو على خداع الواقع ومفارقته، فبينما توهم مدينة طنجة بالانفتاح الحضاري، وبإمكان الحرية، وتقبل ثقافة الآخر بقدر ما تختزن تحكما خفيا لطابوهات المجتمع وتمكنها من الفرد إلى درجة الحؤول بينه وبين محبوبه. وبهذه الكيفية كان اشتغال قصة "فرجينيا" لعبد الواحد استيتو قريبا من اشتغال قصة "أسرار" لفاطمة بوزيان. وهما قصتان كشفتا عن تحكم "أسرار" من نمط خاص في حياة إنسان المدينة الذي يصبو إلى المحبة والحرية، وهي عبارة عن ممنوعات اجتماعية تتزيى في لبوس ديني، بينما كشفت قصة "عزلة الكائن" عن سيطرة "أسرار" أخرى في حياة إنسان القرية، أسرار ما ورائية منسوبة إلى كائنات خرافية.

وكما تميزت القصة لدى الراشدي وبوزيان بتنوع الأساليب وتعدد أشكال الصياغة نجد قصة استيتو توظف أشكالا فنية متنوعة، وتخرج في لبوسات أسلوبية مشرقة قادرة على تمثل ما يجري في الحياة من حوله، وما يعرفه الواقع الإنساني من تبدلات.

انطلاقا من كل ما سبق نصل إلى نتائج استخلصناها من قراءتنا لكل نصوص المجاميع التي اشتغلنا بها، نجملها في العناصر التالية:

1- اشتغال نصوص المجموعات الثلاث باليومي واحتفائها بالمواقف الساخرة والمفارقة، من جهة، وبالمأساوي والتراجيدي من جهة ثانية.

2- قدرة هذه القصص على الغوص في تحليل تناقضات الشخصيات وحالاتها النفسية المختلفة عبر السرد ودون سقوط في فذلكات وصفية وترهات كلامية بحيث إن الأحداث تكشف عن المراد وتكشف حقائق الشخصيات المتخيلة.

3- تميز الكتب الثلاثة بانتماء نصوصها إلى حساسيات قصصية متنوعة من حيث أشكال الصياغة والكتابة، ومن حيث الأساليب التي يوظفها كتابها لتجسيد رؤيتهم إلى الوجود والحياة من حولهم.

4- قصص ممتدة طويلة النفس عند الراشدي وفاطمة بوزيان، مكثفة سريعة الإيقاع عند استيتو.

5- لغة سردية تميل إلى الشعرية عبر الانزياح وتوظيف التكرار والتوازي والتقطيع عند استيتو، بينما تتميز لغة الراشدي وبوزيان بالميل إلى الجمل السردية الخالصة وإلى توظيف الوصف والإغراق في التفاصيل.

6- استناد قصص كثيرة على الحوار بنوعيه، وخاصة المونولوج لكشف دواخل الشخصيات وحالات عزلتها وانفرادها، ولكشف توزعها بين تلبية رغبات الذات والخضوع لطابوهات المجتمع وتأثيراته.

 

د. محمد المسعودي

 

رحيم الغرباويفي قصيدتها: قديسة الكرستال من أعمالها الشعرية (لاترثى قامات الكرستال).

لعل الشاعر حينما يعيش واقعاً مريراً لما حوله، يجعله يعبر عن المعاناة التي يراها، فيحاول المقارنة بين عالمين: الأول عالم الصفاء الذي يمثله الغاطس من الذكريات الجمعية في أصل كل إنسان، وهو عالم النور والأسطورة الأزلي، والآخر: العالم الفاحش الذي يراه في الواقع ممثَّلاً بعالم الظلمة والخداع والدنس ويبدو أنَّ مرسيا إلياد هو " خير من بحثَ في العود الأبدي وعلاقته بالأسطورة، وخير من فرَّق بين الزمن الأبدي والزمن التاريخي، فهو يرى أنَّ الزمان والمكان والأشياء يمكن أنْ تُصنَّف إلى نوعين أحدهما مقدس أبدي، والآخر مدنس تاريخي، والمنظومة المقدسة هي من صنع الآلهة ( أو الإله الواحد )، أما المدنسة فهي مرتبطة بالإنسان " (1)، ولايمكن الوصول للمنطقة الأولى داخل الذات إلا بفلسفة الشعر الذي يمكن للشاعر أنْ يرسي سفينة إبحاره في موانئها الصافية الأمواه بوصف الشعر جمالاً يخلقه الإنسان؛ ليعبِّر عن السيرورة الأولى أمام منغصات الواقع، ولعل الفن والفلسفة شكلان من أشكال الوعي الإنساني الذي يمد جذوره عميقاً في الذاكرة بوصف الفلسفة هي " التفسير العقلي للظواهر، وغاية الفن هي استبطان الشعور الحي وتجسيمه والمشاركة الحيوية التي هي ضرب من التماس الوجدان والتفاعل مع الصورة الحيوية " (2) وعلى الرغم من أنَّ أحكام الشعر مشتقة من العواطف والحواس، وأنَّ أحكام الفلسفة قائمة على التفكير إلا أنَّ القصيدة الحداثية، قد كسرت المفهوم القديم ومازجت بين الشعور والفلسفة فكليهما خُلِقا توأماً في رحم الوجود الإبداعي، وكليهما يحاول أنْ يظفر بحركة الأشياء وأبعاد الزمن الكلي، ويبدو أنَّ فلسفة الشعر مرتبطة بالدين، فيرى أدونيس " أنَّ كلَّ ما يفعله الشعر موجَّه من خلال الدين، فيحول دون أنْ يكون الشعر موضوعاً يؤدي البحث فيه إلى الشك في المعرفة الدينية، أو المروق إلى الزندقة، كل هذا أثَّر على مفاهيم كثيرة مثل الجميل والقبيح، والحق والخير والشر، فالشعر ليس ما يراه الشعر جميلاً، بل ما يراه الدين " (3)

والشاعرة وفاء عبد الرزاق في أعمالها الشعرية (لا ترثى قامات الكرستال) التي تحمل فيها أوجاع الواقع أمام ذاتها الناصرة لكل ما هو مقدس بوصفها قامة من قامات الكريستال التي لاتصدأ، بل تظل مزهوة بجمال الروح التي تؤسس الفعل الجميل من أجل المقدس الروحي، وهي تواسي أبناء شعبها العراقي؛ كونهم يعيشون محنة الاستلاب والفقر والفاقة؛ لتجسد في أشعارها رحلتها بين الميتافيزيقيا والواقع، ومن خلالهما تترجم فلسفتها للحياة شعراً؛ فنراها تمازج بين المتخيل والحقيقي؛ لتدس الشروط التي بها نشعر بالجميل، الذي وضع له الفلاسفة المثاليون شروطاً معرفية " يتناغم فيها الحس مع مطلب كلي ألا وهو الفكر، فالفن لايتنكر إلى طبيعة الذات العارفة التي تشترط الاستمتاع والتذوق والحكم التي لها وقع خاص على المتلقي يجعلنا نصفها بالجمال، إذ يتفق العقل والحس؛ لتحقيق وجودهما الفعلي وقيمتهما بما ينسجم والحاجات الاجتماعية التي تدفعه فيما بعد لإصدار الحكم عليها، إذ هو اتساق داخلي نسحبه على مضمون خارجي؛ ليكوِّن معه وحدة فنية مرهونة فهماً واستيعاباً بالخبرة " (4)؛ ذلك هو الشعر الجديد الذي يتعامل مع الأفكار والأحاسيس بأساليب فنية تتعالق مع حقيقة الذات وما تلفَّعت به مما يحيطها من غوائل؛ لتعود إلى حقيقتها الروحية، فتسكبها بذوق فكري يترجم حقيقة الوعي في ضوء المقدس الماكث بأعماق الذات .

ولعل الشاعرة في قصيدتها

(قديسة الكرستال) تمهر لنا شجنها للواقع الذي يعيشه أبناء بلدها، فنراها تقول:

أقدِّس الحزن؛ لأنه ابن أمي .

أقدِّس تدفق الحليب في دعائها

أقدِّس العراء

أبا الفقراء

وملاذ أطفال

يمسحون الأحذية

أقدس روحاً عفَّفتها الحاجةُ

وصارت قنديلاً

بعضَ سُحبٍ وأعناب

أقدِّسُ رحمَ الأرض

فقد أنجبَ رغم الشكِ

أركانَ الخضرةِ .

وقال اسجدوا للسدر

سفينة العابرين .

فقد أشاعت الشاعرة القداسة في النص الشعري؛ بوصفه إدراك لمعاني العالم، وإعادة تعريفه بصوره مثالية، فالمقدس لدى الشاعرة هو تكوين أصيل يولد مع ولادة الإنسان، ويكون المقدس جوهراً له ... اسمه الشعور الديني الذي هو بنية أصيلة في الإنسان والمجتمع، لم تكن ممارسة الطقوس والاعتقاد بالأساطير إلا مرحلة من مراحلها " (5)، فالحزن الذي دهم نبي الله يونس صار مقدساً، ولعل الحليب حين يتدفق مع دعاء الأم منحها القداسة؛ بوصفها المعينة والمغذية والراعية لديمومة الحياة، كما أنَّ العراء هو أبو الأطفال مثلما الأنبياء والولاة الذين طالما اهتموا بالفقراء والطمأنينة على أحوالهم، فهو يمثل الحنو والدفء؛ بوصفه الراعي لهم؛ ليمنحهم الصبر والقوة والتجلد على تحملهم له، كما أنها تقدس الأطفال وهم يمسحون الأحذية؛ كي تعيش أسرهم كريمة متعففة، مقارنةً باللصوص الذين باتوا ينهبون خيرات بلادهم أولئك الذين لايحترمون القانون الأخلاقي عن عمد . كما أنها تقدس الروح التي عففتها الحاجة من دون النظر إلى ما في أيدي الآخرين، فأصبحت قنديلاً وبعض سحب وأعناب؛ إشارة إلى خلودها بفعلها الاستثنائي الذي يحولها من التاريخ القابل للنسيان والاندثار إلى الأسطورة الخالدة، ملمِّحةً إلى الجشع والطمع والتهالك على الغنائم التي تسود بلادها من قبل المتصارعين من أطراف شتى، وجشعهم في أخذ مابيد الآخر ولو تطلب سفك الدماء، ثم هي تقدس رحم الأرض التي تنجب أركان الخضرةِ، فهي السومرية التي تعتقد " عمليات البذار وكأنها طقوس دفن الحبوب في الأرض المعبرة عن موت الإله (ديموزي) أملاً في نهوضه في الربيع القادم " (6)، فالأرض هي البطن التي تنجب الخضرة؛ لذلك نرى شاعرتنا تمنح الأرض والنبات القداسة بوصف الأرض الأم التي تبذر في أحشائها الحياة، بينما الخضرة ممثَّلةً بالنباتات بوصفها تتمثل بالشفاء والطيبة، وهي المانحة للخلود والقوة . ولعل السدرة إلى يومنا هذا نراها تُنحر لها القرابين عند اقتلاعها، لما ورد بوصفها الشجرة الفارعة بجانب العرش وهي من تولد من أحشاء الأرض ولعل إله الخضرة (آبو) أو ديموزي كان يجري الاحتفال بزفافه من إنانا سيدة الطبيعة والخصب (7)، لذا فالسدرة رمز الخصب التي يمكن السجود تحت ظلالها؛ لتكون سفينة لهم؛ كي يعبروا إلى بر الأمان في إشارة إلى من لا يعمر الأرض بل يسعى في خرابها ذلك هو من يظل أسيف التأريخ .

ثم تقول:

أقدِّسُ المزيد المزيد

من العشاق

وأقدِّسني لأنِّي تلوتُ صلاتي

بطريقتي

ومددتُ يديَّ

طليقةً بقبضةِ الماء

لا فضلَ لأحدٍ عليها

من ذا الذي يشهدُ الآن

بأنَّني في هذا الشهد

الذي قدَّستهُ

أقربُ من ألفِ عِمَّةٍ

وألفِ عِمَّة إلى الله . ص23 – 24

ثم هي تقدس المزيد من العشاق ممن أنصفوا أنفسهم وحقيقتهم المتجذرة، لا ممن هم مراؤون، أو لا يعنيهم شأن سوى أنفسهم، كما أنَّها تقدس ذاتها؛ لأنها أيقنت أنَّ فكرة وجود الحق ناضبة في كل ضمير حي يستشعر آلآم الآخرين ويقدسها من خلال الحنو والعطف والوقوف أمامها باحترام لا بسخرية أو نفاق، ولعل طريقتها بتأدية صلاتها مع العمل بدواعي الإنسانية هي أنصع بكثير من طرق المضللين والمرائين الذين ما فتئوا يتلاعبون في مصائر البرايا من طريق إضفاء المقدس على أنفسهم؛ ليستغلوا الناس الجهلاء بتلك المظاهر المقنعة التي تفشَّت في عصرنا الحاضر، بينما تشير إلى الماء الذي يمثل أصل الأشياء كما يمثل يعدُّ رمز التطهير؛ لذلك أشارت له أنه حالٌّ في قبضتها، فمن ذا يكون بهذا الشهد ؟ والشهد رمز الحلاوة والطعم الذي لا يدانيه في التذوق أيُّ طعم؛ كونها اقتربت من المقدس رمز الإنسانية، وذلك أقرب ما يكون إلى الله وليس مظهر القداسة هو ما ينمُّ عن المقدس، إنما العمل الصالح والضمير الحي الذي يرقى به الإنسان حينما يلامس المقدس روح الجماعة من فقراء وكادحين وعشاق بصدق النوايا ونقاء الضمير .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

...................................

(1) العود الأبدي، د. خزعل الماجدي، الدار العربية للموسوعات،

بيروت – لبنان، ط1، 2011 م: 17 .

(2) فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة، د. محمد علي ابو ريان الدار القومية

للطباعة والنشر، الإسكندرية، مصر ط1، 1964: 9 .

(3) محاضرات الإسكندرية، أدونيس، دار التكوين، لبنان، ط1، 2008م: 75

(4) الوعي الجمالي بين فلسفة العلم والراجماتية، د. هيلا شهيد، منشورات الرافدين، بيروت، ط1، 2017 م: 229

(5) العود الأبدي: 52

(6) المصدر نفسه: 36

(7) ينظر: المصدر نفسة والصفحة نفسها .

 

ثائر العذارينشرت ثقافية (المدى) الغراء في عددها الصادر في ٣/٢/٢٠١٩ مقالا للناقدة د.نادية هناوي ردا على مقالي المنشور في الجريدة نفسها يوم ١٥/١/٢٠١٩ الذي حاولت فيه توضيح اللبس الذي سبب الخلاف العلمي بيني وبين الزميلة التي أحمل لها كل التقدير، لكني تفاجأت بإصرارها على الخلط بين مصطلحات لا يربط بينها رابط  واستعمال اللغة الاستفزازية ذاتها في المقال وتوظيف كلمات مثل التساجل والتمحل النقدي والمعاندة والأغراض الجانبية والمنفعة الذاتية وتموسوعاته وغير ذلك كثير مما يعطيني الحق في معاتبة الدكتورة هناوي لأن هذا تهجم شخصي لا يمت للعلم بصلة. وفي هذا المقال أحاول إعادة صياغة المفاهيم من غير أن أدخل القراء الكرام في متاهات قوائم الأسماء الغربية والمصطلحات المتشابكة.

ثمة إشارت أرى أنها ضرورية قبل الدخول في المفاهيم والتعريفات:

فأما الأولى فهي أني لم استعمل في أي مقال كتبته في الموضوع مصطلح المتوالية السردية الذي تصر د.هناوي نسبته إلي لأني أعي تماما أن هذا المصطلح التودوروفي إنما هو وصف لتقنية الكتابة السردية كما رآها تودوروف في استعماله مصطلح fiction sequence   الذي يقصد به تراتب الصفات والأفعال في نص واحد، وتبعه نقاد آخرون منهم روبرت شولز الذي سببت ترجمة كتابه هذا الخلط، فهذا من مبادئ الدرس السردي.

وأما الثانية فهي أني لم أنكر في أي مقال استعمال الأستاذ جاسم عاصي للمصطلح، لكني لا أرى أنه كان يقصد المتوالية القصصية مدار النقاش ولم يكن عمله متوالية قصصية مستوفية شرائطها كما سأبين لاحقا في هذا المقال، وهذا لا يقلل من أهمية تجربة الأستاذ عاصي خاصة إذا ما وضعت في سياقها التاريخي، فلا شك في أنها تجربة جريئة ومتقدمة في وقتها.

وأما الثالثة فإن اعتماد الدكتورة نادية هناوي على ترجمة الغانمي لكتاب شولز ليس تخمينا مني ولا اتهاما فهذا ما دلت عليه د.هناوي نفسها في المقال حيث اقتبست النص: "إن هذه قصة لأنها متوالية من القضايا التي تتضمن الموضوع نفسه....." ووضعت في آخر الاقتباس رقم الصفحة (١٥٢) مدفوعة بأمانتها العلمية والنص موجود فعلا في هذه الصفحة من ترجمة الغانمي، أما في النسخة الانكليزية وهي غير متوفرة على النت ولا في المكتبات العراقية، فالنص الذي سبب اللبس يرد في الصفحة ٨٩ كما سبقت الإشارة في مقالي السابق، وقد أرفقت مع المقال صورة للصفحة لم يتسن للجريدة نشرها، ولا أرى أن من العيب الرجوع إلى الترجمة لكن ينبغي التأني في التعامل مع المصطلحات.

وأما الرابعة فهي الإشارة المهمة التي وردت في مقال الدكتورة هناوي حول حيرة النقاد الغربيين أمام تجنيس المتوالية القصصية، ولا أدري لمَ تستكثر الناقدة القديرة على دارس عربي أن يكون له هو الآخر موقف نقدي، على أن حيرة النقاد انتهت منذ عام ١٩٧١ حين أصدر فورست انجرام كتابه.

وأما الخامسة والأخيرة فهي قول د.هناوي أني لم أدل على المضان التي تشير إلى أن المتوالية القصصية جنس أدبي، فالواقع أني كنت أرسل صورا مع كل مقال إلا أن  ظروف النشر كما يبدو تحول دون نشرها كلها وأنا أدعو القارئ إلى البحث عن كتاب انجرام Representative Short Story Cycles of the Twentieth Century, Studies in a literary genre,   أو في الأقل تأمل عنوانه والتركيز على  أداة التنكير a   في العنوان الثانوي. وهذا أول كتاب عد المتوالية القصصية جنسا أدبيا بينما كان كتاب جنيفر سميث هو الكتاب الأخير في سلسلة من الكتب والدراسات، وأرجو القارئ الاطلاع على الفصل الأخير من كتاب The American short story cycle   الذي عنونته جنيفر سميث Atomic genre  وناقشت فيه متوالية قصصية للقاصة الأمريكية جنيفر إيغان لتبين عبرها ملامح التجنيس. ومن المهم الإشارة إلى بحث لوشار المتوالية القصصية كتاب مفتوح في الكتاب الذي حررته سوزان لوهافر وكان عنوانه نظرية القصة القصيرة في مفترق الطرق وأطروحة جنيفر سميث للدكتورا المعنونة (الواحد والمتعدد) حيث أحصت فيها كما كبيرا من الدراسات التي عدت المتوالية القصصية جنسا أدبيا، وربما تشبهها أطروحة كو لويفن للدكتورا المعنونة The Short Story  Cycle  in Ireland:   From  Jane Barlow to  Donal  Ryan فهي تضم إحالات لدراسات أخرى غير تلك التي كتبت في أمريكا. ومن المهم أيضا الإشارة إلى أن بعض الجامعات تجعل دراسة المتوالية القصصية فصلا دراسيا للدراسات العليا ومثال هذا ما تدرسه البروفيسورة ميرسيدس جارثيا في جامعة سلامانكا الأسبانية التي تقول في تلخيصها للفصل أنها تهدف إلى بيان التعقيد الذي يتسم به هذا الجنس الأدبي منذ مطلع القرن العشرين.

بعد هذا يمكنني الدخول في صلب الخلاف ولأبدأ بمفهوم المتوالية القصصية، فهذا الاسم هو الذي استعمله الكتاب العرب لتجنيس أعمالهم في مقابل short story sequence   عند الانكليز و short story cycle  عند الأمريكان، وهذه التسميات الثلاثة تدل على مسمى واحد هو ما سنعرفه الآن.

المتوالية القصصية هي كتاب يضم مجموعة من القصص القصيرة ترتبط ببعضها بروابط  يحددها الكاتب، فمثلا يمكن أن تحدث القصص جميعا في مكان واحد، أو تتمحور القصص كلها حول شخصية واحدة، أو تشترك القصص جميعا بثيمة محددة....الخ. وكلما ازدادت الروابط بين القصص  أصبح الكتاب أكثر اقترابا من كونه مشروعا قصصيا واحدا، ولهذا تقع المتوالية القصصية بين الرواية والقصة القصيرة شأنها في ذلك شأن القصة الطويلة والرواية القصيرة أو النوفيلا، وفي الانكليزية يستعمل بعض النقاد مصطلح (sub genre  الجنس الفرعي) لوصف هذه الأجناس السردية.

ولكي يكون العمل متوالية قصصية ينبغي أن تتوفر فيه شروط عدة هي:

- أن تكون المتواية القصصية كتابا يتضمن مجموعة قصص تكون نظاما مغلقا له بداية ونهاية. ولهذا لا يمكن أن نعد عمل الاستاذ جاسم عاصي المهم متوالية قصصية بالمعنى الحالي. فالمتوالية ليست قصتين تنشر في مجلة أو صحيفة تباعا.

- لابد أن تشترك القصص بثلاث سمات أسلوبية توسعت في دراستها جنيفر سميث بطريقة تطبيقية، وهي النغمة التي يقصد بها السمات اللغوية للقصة، كأن تكون لغة ساخرة أو بسيطة أو معقدة أو حزينة أو غير هذا مما يشبهه. والثانية هي الشكل القصصي من حيث التعامل مع الزمن وطريقة الاستهلال والنهاية. والثالثة هي المنظور أو الموقف من العالم والوجود، الذي يجب أن يكون واحدا في كل القصص.

- لابد أن تكون الروابط بين القصص واضحة ومقصودة لكنها لا تخل بكون كل قصة وحدة نصية مستقلة، على أن تؤدي قراءة الكتاب كاملا إلى أثر يختلف عن الأثر الذي تتركه كل قصة منفردة.

تنطبق هذه الشروط  على كتاب القاص العراقي محمد الأحمد (زمن ما كان لي) الصادر عن دار الشؤون الثقافية عام ٢٠٠٧، فهو مكتوب بوعي واضح بفكرة التوالي، وسنكتب عنه دراسة مستقلة في مقال آخر.

في عام ١٩١٤ جاء شاب إيرلندي طموح إلى أحد الناشرين يحمل مجموعة تتألف من ١٥ عشر قصة، وبعد أن قرأها الناشر قال له هذه ليست مجموعة قصص بل هي كتاب، ويعرف المختصون أن كلمة كتاب بالانكليزية في ذلك الوقت كان من أحد معانيها رواية، ذلك الشاب هو جيمس جويس وتلك المجموعة هي Dubliners  التي ترجمت إلى العربية بعنوان أهالي دبلن، ومنذ ذلك الوقت أثارت المجموعة مشكلة التجنيس حتى أن معظم طبعاتها أغفلت وضع المشير التجنيسي على الغلاف. ومن الطريف أن الطبعة العربية التي ترجمها أسامة منزلجي كتب على غلافها كلمة رواية، بينما تعامل معها النقد وقتها على أنها مجموعة قصصية.

إن ما أتحدث عنه ليس وهما ولا تمحلا كما تتهمني بذلك الناقدة الكبيرة د.نادية هناوي، فعملية (جوجلة) بسيطة عن short story cycle   ستظهر للقارئ الكريم مئات النتائج التي تقرن بين هذا الاسم وبين كلمة genre  التي تعني جنسا أدبيا.

 

د. ثائر العذاري

 

نجوى السودةكلاريس ليسبكتور

1920 – 1977

بقلم: نيلسون إتش

ترجمة: نجوى السودة

"لا يمكنني أن أقتضب نفسي لأن من أصعب الأمور أن تضع كرسيا مع تفاحتين . إنني كرسي وتفاحتان . وأنا لا أضيف، "كلمات أقرتها الأنثى في رواية كلاريس لسيبكتور (مجرى الحياة) في تتبع سردي محاولة البحث عن ذاتها حتى تدرك أن هويتها هي مجموعة من الأشياء لا يمكن أن تعبر كلمات عن حقيقة ما تشعر به . إذا ماكانت التفاحة ترمز إلى المعرفة فإن الكرسي هو عنصر الألفة، هذا الصوت يؤكد في كل حين أنها أعظم من جنسها . على الرغم من النضال المستميت بالكلمات، إلا أن بطلات ليبسكتور النسائية رغم كل شئ ينفجرن، يُحْدثن شررا من الظهور غير المتوقع لكائنات لها قدسيتها يصحبها وعي بما يدور في ذاتهم والتعبير عنه في حدود اللغة ومن خلال المواقف التي تُحاصرهم . تلك البطلات التي تروي على لسانها الأحداث يظهرن أيضا تجارب النزوح والإختلاف الذي بدلا من أن يُوقِظ أحاسيس الغربة، يوسع دائرة المعرفة بالذات، كما جسدتها أنثى أخرى بالرواية، وهي جي إتش إذ تقول:" من يعش حياته بطولها وعرضها، يعيشها له وللآخرين . "

يتسم أسلوب ليسبكتور النثري أيضا بأنه ينقل القارئ معه نحو الأحاسيس الروحانية المثيرة للذكريات فائقة الوصف، طلاقة في التعبير تشكل من خلالها للمتلقي أسلوب لغوي غامض، لغة تتجاوز بها شكل الكلمة الصحيح تُمكن شخصياتها و قرائها من أن يمارسوا نغما حسيا عالي الرفاهية، الإحساس الذي "تعجز عنه الكلمات ,"والذي عرفه المثقف واللاهوتي آبراهام جوشوا هيشل، في "الإنسان ليس وحيدا (1951)"، يعرفه بأنه"الجذر الذي يساعد الإنسان على ممارسة الأنشطة الإبداعية في الفن، والفكر، وفي الحياة الكريمة . "

744 كلاريسوُلِدت كلاريس ليسبكتور في10، ديسمبر، 192في شيشيلنك، أوكرانيا (روسيا) لأبوين من اليهود المُهاجرين، ماريتا (1889-1930)وبيدرو (بنخاس) ليسبكتور(1885-1940)، الذين فروا من المذابح ومعهما إبنتيهما، إليسا وتانيا . سافروا على مركب، ووصلوا البرازيل في عام1921 التي كانت تحت خط التنمية وتقع في الشمال الشرقي، حيث كانت كلاريس تبلغ من العمر شهرين فقط . بعد أن تقدم بها العمر، كانت ليسبكتور تشير إليها بأن وُلِدَت في"الفرار "وكيف أن تلك التجربة قد أثرت على إحساسها في عدم الإنتماء إنتماءا كاملا، خاصة إنتمائها لنفسها .

في عام1925 إنتقلت العائلة إلى مدينة ريصيف المدينة الرئيسية التي تقع على الساحل الشمالي الشرقي . ماريتا، والأم، ومدبرة البيت، وهي إمرأة مريضة، ماتت في عام 1930حينما كانت كلاريس في التاسعة من عمرها . في عام1933، إنتقل بيدرو وبناته الثلاثة إلى ريو دي جانيرو، حيث ماتزال الإبنة الثانية، تانيا ليسبكتور تقطن . أما الإبنة الأكبر إيليسا ليسبكتور (1911-1989)، التي صارت كاتبة وطنية معروفة بالأدب القصصي الذي يتناول النفس البشرية وبروايتها شبه-السيرة الذاتية "في المنفى" (1948) عن عائلة يهودية ليست كعائلة ليسبكتور . على الرغم من أن اللغة التي إستخدمت بالبيت هي لغة يهود أوروبا، إلا أن كلاريس وهي الأصغر سنا، كانت تتكلم اللغة البرتغالية لغة البرازيل، ولغتها الأولى، على الرغم من أنها تحمل الجنسية الروسية التي تخلت عنها حينما صارت مواطنة برازيلية في عام 1943. في الفترة من عام 1930-1931إلتحقت بالمدرسة البرازيلية العبرية التي تدرس لغة يهود أوروبا في ريصيف، حيث أبلت بلاءا حسنا، ونفس الحذو فعلته في كل المدارس التي إلتحقت بها . كان والدها رجلا ذكيا يقرأ التوراة بانتظام ويعشق الكتب والموسيقى، عمل في بداية حياته تاجرا قطاعيا (عميلا) ومن ثم تاجرا إضطرته الظروف أن يدعم عائلته وأن يتخلى عن عشقه للدراسة . وكما أشارت إلى ذلك إبنته تانيا كوفمان أن، بدرو ليسبكتور كان رجلا متحضرا كان في جعبته الكثير عن ثقافة التوارة، أجاد اللغة التي يتحدث بها يهود أوروبا إجادة تامة وكان يطلع على جريدة نيويورك التي تصدر بلغة يهود أوروبا بصورة منتظمة. وتبعا لذلك فإن عائلة ليسبكتور عاشت" عيشة يهود أوروبا"أثناء طفولتها، حتى ماتت أمها . شجع بدروالذي مات في عام 1940، بناته وحثهم على النجاح إلا أن القدر لم يمهله حتى يرى ثمار إنجازاتهم :صرن الثلاثة كاتبات، إثنان تخصصتا في الأدب القصصي والثالثة في الكتب الفنية . تعيد كلاريس لذاكرتها الشدائد الإقتصادية التي تعرضت لها الأسرة في بداياتها في الساحل الشمالي الشرقي، عبرت عنها من خلال وجدانها وتعاطفها مع جموع الفقراء في البرازيل.

تعرضت كلاريس للكثير من النقد لتكتمها على موروثها اليهودي والذي إنبثق من إستيعابها السريع لثقافة البرازيل وغياب مرجعيتها للثقافة اليهودية في معظم أعمالها.

بينما كانت الروح الوطنية متأججة في البرازيل في الفترة من عام 1930حتى 1940ومُناخ مُعاداة السامية والفاشية وكُره الأجانب ربما يكون قد أسهم في أنها أخفت جذورها ولم تظهرها علنا، تكشف التوجهات الثقافية الحديثة أن أعمال كلاريس ليسبكتور بها نزعة يهودية قوية، على الرغم أن هذا يتناقض مع السرد الذي يتسم بالعرقية الصريحة لدى الكتاب المهاجرين . لم يكن أدب كلاريس القصصي عرقيا ولا ملتزما بالمذهب الطبيعي . قاومت كلاريس في كتاباتها التصنيف وكما أنها نبذت فكرة التسمية بالأنثوي، على الرغم من إستحواذ الشخصيات النسائية في أدبها القصصي . إنها كلاريس ليسبكتور، علامة من علامات الأدب لكاتبات جيلها من النساء في البرازيل وأمريكا اللاتينية، كانت كلاريس تكتب بوحي من وجدانها، وكانت تُوظِف اللغة تبعا لأصولها والغوص في أعماقها بحثا م عن معضلات ومشاكل الذات البشرية والموضوعية بالإضافة إلى أوجه الإختلاف في الهوية، والظروف النفسية والروحية التي تًصاحب المنفي . مارست كلاريس أيضا الأشكال المختلفة للرواية والمونولوجات الداخلية بعيدة المدى وتكنيكات السرد مثل تيار اللاوعي مما أدى إلى مقارنتها بمثيليها من المحدثين من أمثال فرجيينيا وولف وجيمس جويس .

Clarice Lispector.

Courtesy of Anat Falbel.

بدأت كلاريس ليسبكتور كتابة القصص وهي في سن المراهقة . درست القانون الجنائي في مدرسة الحقوق القومية في ريو دي جانيرو في الفترة من 1940حتى 1943، عملت أثناءها كمحررة وبعدئذ صحفية في جرائد مختلفة في كاريوكا بالإضافة إلى جريدة الطالب بالجامعة، والتي نشرت بها بعضا من قصصها . حصلت كلاريس على البكالريوس في الحقوق، لكنها لم تُمارس مهنة المحاماة أبدا . كتبت كلاريس في حمية شديدة روايتها الأولى في غضون عشرة شهور بدأتها من عام 1942، "على مقربة من القلب غير المستأنس، والتي نُشرت في عام 1943، نفس العام الذي تزوجت فيه من أحد زملائها بكلية الحقوق، موري جورجل فالنتي، الذي صار دبلوماسيا برازيليا في عام 1944. غادر الزوجان في ذلك العام ريو لمدة ستة أشهر حيث تم تعيينه في شمال البرازيل، وتبع ذلك سلسلة من الوظائف الدولية أبعدتهم عن البرازيل في الفترة ما بين 1944حتى1959، باستثناء زيارات سنوية قصيرة .

حصلت على جائزة جراسا أرانها القومية رفيعة المستوى في عام 1944، عن روايتها الأولى، والتي تبدو في جزء منها مثل السيرة الذاتية، وهي الرواية التي أثنى عليها الناقد البرازيلي المعروف أنتونيو كانديدو واعتبرها "محاولة تترك أثرها في النفس تأخذنا من حرجنا في إسلوبنا اللغوي لتنطلق بنا إلى آفاق نكاد بالكاد نستكشفها، وترغمنا على أن نتبنى طريقة ما في التفكير مليئة بالغموض . " تلك الطريقة في التفكير وضعتها فيما بعد أولجا دي سا تحت عنوان "إشكالية الأنطولوجي، "نجدها بالفعل متواجدة في بحث لدى أولى بطلاتها الأنثوية لروايتها، جوانا، التي إندمجتا شخصيتها وبحثهامع عملية السرد نفسها، وبهذا يُطرح التساؤل حول العلاقة ما بين الحقيقة والخيال/اللغة أم الوجود والوعي، كما تمثل في الكلمات التي جاءت على لسان من نطقت به، جي إتش :"إن العيش ليس هو الشجاعة، بل أن معرفتك أنك تعيش في كل ثانية ودقيقة، تلك هي الشجاعة. " في أثناء الفترة التي عاشت فيها في إيطاليا، سويسرا، إنجلترا، ورحلات لفرنسا وأسبانيا، قامت فيها ليسبكتور بدورها على أكمل وجه كزوجة دبلوماسي لكنها لم تكن تنعم بالسعادة بهذا الدور ؛حيث أقرت بذلك واحدة من صديقاتها في فترة وفاتها :"كانت ضد الدبلوماسية . . والمظاهر البراقة . ولا النافخة الكدابة . كانت عاجزة عن ذلك لأنها شخصية تميل إلى العُرف والتقاليد . "وُلِد إبنها الأول، بيدرو في بيرن في عام1948وولدها الثاني، باولو، عام 1953في واشنطون، بمقاطعة في الجزء الشرقي من الولايات المتحدة، حيث كانت تقطن العائلة في الفترة من 1953حتى 1959.

بعد أن لاقت نجاحا أكبر في مهنتها، تعرضت حياتها الزوجية للمشاكل مما إضطرها إلى أن تعود مع ولديها إلى ريوعام1959وأدى هذا الإنتقال إلى الإنفصال بين الزوجين قانونيا عام 1968. في هذه الأثناء في أوروبا كتبت كلاريسونشرت روايتين،

الشمعدان (1946) والمدينة المحاصرة (1949)، , (1946) والتي تتناول تباعا حول إمرأة شابة ومحاولتها"التنوير الذاتي"، ووعي إمرأة ودوافعها .

لا تعرض هذه الروايات مرجعيات صريحة لليهود ولارد فعلها حول الهولوكست . في الوقت الذي يتعجب فيه المرء من الحالة التي ينبغي أن تكون عليها إمرأة يهودية تعيش بأوروبا مع نهاية الحرب العالمية الثانية، نجد في المدينة المحاصرة وحدها سرد إستعاري مكني يصور بقوة في مُناخ شوفيني حالة الهلع التي يعيشها النازي .

عملت كلاريس فيما بعد، خلال إقامتها بواشنطن، على مجموعة قصتها القصيرة الشهيرة "روابط عائلية التي ترسم الروابط الإجتماعية والعائلية التي غالبا مايقيدها ويكبح صوت النساء، خاصة الطبقة المتوسطة من الزوجات والأمهات . كما أكملت أيضا مسودات روايتها الأنطولوجية الطويلة، تفاحة في الظلام . كلا من هذه الأعمال الأدبيةنُشِرت في عام1960 وعام 1961 على التوالي، ونالت جوائز أدبية رفيعة المستوى . كانت فترة الستينات والسبعينيات فترة مثمرة لدى ليسبكتور –ستة روايات، سبع مجموعات من القصص وأربعة كتب للأطفال . أرغمت الظروف الإقتصادية كلاريس على العمل كصحفية، فكانت تكتب بالعمود الأسبوعي للجريدة الومية اليومية، صحفة البرازيل، في الفترة بين أغسطس 1967وديسمبر1973.

هذه الأعمال الأدبية المتعارف عليها ب(تأريخ )، هي قطع أدبية تتضمن أحيانا شذرات وبعضا من رواياتها وقصصها . تلك الشذرات التي أسمتها "محادثات السبت، "، قامت بتدوينها في مجلد حوالي 781صفحة، نُشرت "إكتشاف العالم في عام 1984، قصص مقتضبة، تأريخات منتقاة، في عام 1996.

قامت لبيسبكتور بعدد من الرحلات السياحية القصيرة وزيارة عودة للمدينة التي أمضت بها طفولتها في الساحل الشمالي الشرقي قبل وفاتها بعام، جعلت ليسبكتور من ريو دي جانير وطنها حتى ماتت بعد إصابتها بمرض السرطان في9من ديسمبر، 1977. إنبثق عالم ليسبكتور الإستطرادي في جزء منه من أحاسيسها كيهودية، حيث تنسج باستعاراتها المكنية وأفكارها نسيجا مبهما يعكس تجاربها مع التوراة اليهودية وفترة النفي التي تعرض لها اليهود عام 538قبل الميلاد .

في الهيام كما تراه جي إتش، جعلت كلاريس مُحاورتها تعاني من ثقافة وأنطولوجي الآخر بأن إعتمدت على الصحراءمجازيا يعبر عن العزل ليثير النضال غير الديني من أجل الخلاص والهيام الروحاني .

الفقرة التالية من هذه الرواية يبرهن على جهاد السير في الصحراء من خلال الأسلوب الإستعاري والتهكم في سبيل العثور على صندوق المجوهرات دون أن يكون هناك نجم تستدل به على الطريق :" وفي صندوق المجوهرات، بريق المجد، والسر الخفي . (...) لقد عجزت عن أن أعثر على إجابة للمعضلة . لكن الأكثر من ذلك، يا الأكثر من ذك :لقد عثرت على المعضلة نفسها . " لذا تسافر جي إتش في" رحلة ضمنية "رحلة سوف تُجردها من هويتها المنعزلة /ذات بنت نفسها وركزت على الأنا بمحدودية في الموضوعية مما أودى بها إلى مستويات بنائية عميقة وممتدة من الحياة . على على ذلك، فإن جي إتش التي أكلت صرصارا " نجسا "يشير إلى تحدي ليسبكتور للتلمود المقدس وفي جزء منه فهي تتماشى في ذلك مع" المسخ "لكافكا، لأن البطلة تكابد من أجل "التغيير " الشديد في الوعي وإن كان لحظيا . نجد ليسبكتور هنا "تقضم كافكا حرفيا لتصور المسخ بطريقة مسرحية تجسد فيها وجهة نظرها عن الوجود الإنساني وتعبر عنه بالكتابة . أصابت مجموعتها القصصية "محطات الجسد "صدمة النقاد والعديد من القراء، التي تتسم باستخدامها القليل من الوجدان ولجوءها للأسلوب الحاد ويرجع ذلك إلى إستخدامها إشارات علنية وشهوانية عن الجسد، والتي على الفور تثير تساؤلا حول واجبات الأمومة والكبت الجنسي عند كل النساء، الصغيرات منهن والكبيرات.

نُشرت أقصوصة ليسبكتور وكتابها الأخير، "ساعة النجم "بل وفاتها بشهر، وقدمت للجمهور "إتجاها جديدا"، يتناول موضوعات إجتماعية من خلال الهر الإقتصادي والإجتماعي الذي تعيشه الشخصية النسائية غير الملحمية، ماكابيا التي تعاني فقرا، والتعليم غير الجيد، والتي أطلق عليها هذا الإسم بعد الشخصية الملحمية ماكابيس . عن طريق اللعب بالألفاظ، أبدعت كلاريس في خلق سردا مُركبا يخرج منه صوتا رجوليا متهكما، لكنه صوت يتعاطف وجدانيا مع الأنثى ليصور الأحداث تصويرا دراميا ليس فقط بطريركيا وقهرا إجتماعيا-إقتصاديا، لكنه أيضا يظهر مدى مقاومة الشخصية غير البطلة ماكابيا ومجابهتها لكل الغرائب، حتى الموت، لتمثل ذلك"البريق"من الحياة، ذلك الشئ الذي يعاني إهمالا من وقت لآخر، وينتهك عرضه من ساسة الدنيا . إنه هذا البريق الذي يميز كلاريس ليسبكتور كمؤلفة روحها روح إمرأة .

 

نجوى السودة

كاتبة ومترجمة مصرية

 

وجدان عبدالعزيزيبقى الانسان يبحث عن ذاته في كل ساحات حياته، فتقدير الذات واحترامها يعبّران عن شعور الفرد بقيمته وقدراته، التي تُعدّ أساسيّةً لهويته،ولكن هذه الذات لايمكن ان تكون الا بوجود الاخر، فنأخذ ديكارت، الذي شك في كل شيء و"مسح الطاولة" حسب تعبيره (طاولة فكره)، مسحا ولم يبق لديه أي شيء آخر غير كونه يفكر: ومن هنا جاءت قولته الشهيرة: "أنا أفكر إذن أنا موجود". وهذا يقتضي أن وجود "الأنا" سابق ومستقل عن وجود العالم وعن أي وجود آخر، فكان كل وجود غير وجود  "الأنا"، هو "آخر" بالنسبة لها، وبالتالي فعلاقة التغاير هي علاقة بين الأنا والآخر ابتداء: سواء كان هذا الآخر، هو الأشياء المادية المحسوسة، التي يتوقف وجودها على يقينه بوجودها، أو كان الشيطان، الذي افترض أنه قد يكون، هو الذي ضلله فصار يشك في كل شيء، أو كان، هو الله الذي اطمأن هذا الفيلسوف  إليه أخيرا، باعتبار أنه لا يمكن أن يضلله -لكون فكرة الله في ذهنه تشير إلى كائن منزه من الخداع والتضليل-  ومن ثم جعله ضامنا ليقينه ذاك الخ. هذا الصراع نقلته لنا الشاعرة ليلى غبرا من خلال قصيدتها (فنجان قهوة بيننا)، بحيث وجدنا مفهوم الاخر عندها لاينشأ بمعزل عن ذاتها، سواء كان فرد، او جماعة، والمعبر بالفرد انت، والمعبر عن الجماعة بالنحن، وجعلت الفنجان هو المعادل الموضوعي لهذه العلاقة من خلال قولها:

(فنجان قهوتنا ...

إبحار على نبضاتٍ شقية

قصيدة تتنفس دون رئة

أغنية تغّنى بلا حنجرة

ومن وهج فنجاني

سيقرأ عمر أحلامي)

فكانت جلسة السمر وفنجان القهوة، هي التي خلقت قصيدة خالدة تتنفس ابدا، اي انها بدون رئة، ومن الفنجان تنعرف سنين عمر حلمها السرمدي، كونها تعيش اجواء الحب والرومانسية، فكانت لحظات اللقاء، هي سنين بحالها، حتى تحولت الى قصيدة خالدة، نثرت حروفها على شروقات الشمس، ذات الضياء السرمدي..

***

2ـ قصيدة (عهد)،

والحب الروحي..!

وجدان عبدالعزيز

الشعر فضاءات مفتوحة، ورغم انفتاحه وانفلاته، الا انه من الصعب ان يكون الاناء الوحيد لاستعياب مشاعر الانسان، واحتياجاته الحياتية المتعددة، وقصيدة (عهد) للشاعرة ليلى غبرا، حاولت ان تستوعب مشاعر ليلى غبرا وهواجسها، ولكنها بقيت في اجواء الامل، فالأمل هو مجموعة تتكون من قوّة الدافع وقوّة الإرادة، التي يمتلكهما الإنسان من أجل أن يبلُغ أهدافه، فأهداف الإنسان هي الخبرة أو النتائج التي يرغب في تحقيقها، فيتكون الأمل من ثلاثة مكوّنات هي: قوة الإرادة، والطاقة الذهنية، فهي الدافع المُحرِك للأهداف التي يطمح الإنسان من أجل الوصول إليها، وخلق المسارات، وهي قدرة الإنسان على إيجاد تلك المسارات من أجل أن تعكس الخطط الذهنية، وكأني بقصيدة الشاعرة ليلى غبرا، تقول: كل الأشياء التي من حولنا ليست سيئة وليست جيدة، وليست إيجابية ولا سلبية، لكن نحن الذين نصبغها بهذه الصبغة، ونشكل لون حياتنا وطعمها بحلوها ومرها، فلا تلقي اللوم على الحياة فيما تشكو منهُ. وإذا كان الأمس قد ضاع من بين يديك، فلكَ اليوم، وإذا كان اليوم سيجمع أوراقهُ ونسماتهِ ويرحل، فلديك الغد! فلا تحزن على أمس ذهب لأنهُ لن يعود، ولا تتأسف على اليوم لأنهُ راحل، ولكن أحلم وأسعد بنور مُشرق في غدٍ بهي وجميل. وكن مُتفائلا، ولا تستسلم مهما كانت مُحاولاتك فاشلة للوصول إلى هدفك وآمالك، الذي تجلب لك الآلام قبل الفرح كجزء من مُتطلبات الحياة، لذا تقول الشاعرة:( عهدٌ علي  عهد/أن أكون له البوح والسند/يوم اللقاء المنتظر).. اذن تبقى الشاعرة في امل اللقاء المنتظر، لماذا؟ لان (حب الفؤاد إليك دائما/ حبُ الأبد)، وتعني بهذا الحب، الحب الساكن في الاعماق يغذيه الصدق الروحي، ليس بالضرورة الحب الحسي المقترن بالحب الروحي، انما تكتفي الشاعرة بالحب الروحي هنا ..

***

3ـ قصيدة (ثورة عش)، وعملية الايض الرومانسي..!

وجدان عبدالعزيز

الحياةُ في اللغةً نقيض الموت، حيث تعتبر حالة تميّز جميع الكائنات الحيّة على اختلافها – حتى الكائنات الدقيقة – عن غير الأحياء من كائناتٍ ميتة، ويتميّز الكائن الحي بمقدرته على العيش والنمو عن طريق التكاثر والاستقلاب لضمان استمراريّة نوعه الحيوي، ومن هذا المنطلق تتحوّل الفيروسات إلى نوعٍ من المظاهر الحيويّة عند استضافة كائن حي لها، بحيث يسمح لها بالتكاثر على الرغم من كونها لاخلويّة ولاتقوم بأي نوع من الاستقلاب، بمعنى ان الحياة معناها مرتبط بالاخر، أي وجود زوجية حياتية، هذا التمهيد يكشف لنا خبايا قصيدة (ثورة عشق) للشاعرة السورية ليلى غبرا، كون العشق يطلق عليه اسم إيروس نسبةً إلى الإله اليوناني الذي يرمز للخصوبة، وهو أول ما يخطر على الذهن عند التفكير في الحب والرومانسية، ويساعد هذا النوع من الحب على إشعال شرارة بداية الحب والعلاقة، ونلاحظ ان الشاعرة عبرت عن حالات العشق من خلال اللغة، فاللغة هي نسق من الرموز والإشارات التي يستخدمها الإنسان بهدف التواصل مع البشر، والتعبير عن مشاعره، واكتساب المعرفة، وتعدّ اللغة إحدى وسائل التفاهم بين الناس داخل المجتمع، ولكل مجتمع لغة خاصّة به، ولماذا اختارت الشاعرة ليلى اللغة الشعرية للتعبير عن دواخلها؟، كونها أكثر من وعاء لحمل المعاني،وأكثر من وسيلة للتعبير عن الأفكار، فهي المعنى نفسه، بحيث تتحول إلى مقصد أساسي في الخطاب الشعري، وإلى هدف مركزي في العملية الإبداعية، تقول الشاعرة ليلى غبرا:

(سكبت عطر الشوق في

حروفي

كأن نصفي يروي بالهوى

نصفي

أضيء كشمعة ذابت حنيناً)

اذن هي تذوب وتسكب الشوق بالحروف، كي تُروى هي، ويُروى هو الذي يمثل نصفها، وحينما تحدث عملية الارواء، تُضيءُ هي كشمعة ذابت حنيناً، وهنا تشكلت لدينا معادلة هي + هو = حياة، وبهذا شكلت الشاعرة من خلال اللغة الشعرية الحياة بشرط وجود الاخر، الحامل لجينات العشق والتمسك بعملية النمو، وهنا تبين لنا الشاعرة تمتلك الثقافة والمرجعيات الفكرية وكل العوامل الذاتية والموضوعية، التي تساهم في تجاربها الشعرية، طبعا مع التأثر بالعوامل الاجتماعية والقيم الاخلاقية لتكون وفيّة لبيئتها، تقول :

(قايضني هواك ..!!

وخذ عمراً مرسوماً في

كفي

أخذت كل الورق ومزجت

فيها ألواني

فكنت أنت فرحي وبهجة

أعيادي

أبادلك العشق في صباحي

ومسائي)

فاستعملت فعل الامر (قايضني)، لماذا؟ لان الحياة لاتتكون الا بالتقرب والتزلف الرومانسي، لتحدث عملية الايض في المشاعر، مثلما تحدث عملية الايض الغذائي، لذا تقول الشاعرة ليلى: (أبادلك العشق في صباحي/ ومسائي)، فالحب كما الغذاء يتحرك باستمرار ليحدث نمو العلاقات الكائنة بين الانثى والذكر، أي ايض غذائي وايض رومانسي، لتشكيل الحياة بالنمو في الاول، واستمرار العلاقة بالتكاثر في الثاني، وتؤسس الشاعرة بتكوين هذه العلاقة والتعبير عنها من خلال قولها :

(ويبقى حبي لك

ثورة عشق على

حروفي

وأبياتي)

فحبها ثورة عشق تحملها جينان الشعر من خلال الحرف والكلمة بمعنى اللغة، وهكذا فان الشاعرة ليلى غبرا تحمل الكثير من المعاني في اشعارها..

 

وجدان عبد العزيز

 

 

رحيم زاير الغانمتُعدُ الرواية القصيرة، رواية جريئة لاعتمادها على تقنيات سردية محددة من شأنها جذب المتلقي إلى متنها الحكائي، وتتحقق نجاعة العمل الأدبي في ضوء إستراتيجية سردية خاصة بهذا النوع الأدبي، وهذا بالضبط ما لمسناه في رواية ( يوسف لا يعرف الحب) للروائي واثق الجلبي، الذي قدم لنا متنا حكائيا راعى فيه استحضار إستراتجية غير تقليدية، يمكننا تلخيصها باستئثار الراوي العليم للسرد بشكل عام تقريبا، حتى أنه استأثر في روي المنلوج العائد إلى بطلي الرواية ، (يوسف وسماء)، أو الشخصيات الأخرى، في تقويض بيِّن، مما سرع  بدوره في وتيرة الحدث وتناميه تناميا متصاعدا، وهذا ما هيأ إلى غياب تام للفلاش باك/ الاسترجاع، الذي ألقى بضلاله على الحوار فانحسر هو الآخر.

قد يرى البعض استئثار الراوي العليم بالسرد، من أساليب الروي التي عفا عنها الزمن، باعتبار ان الرواية الحديثة تعتمد توزيع الأدوار من اجل الخلاص من دكتاتورية الراوي العليم، كونه ضمير ووجدان المؤلف، إلا ان في الرواية القصيرة قد تستدعي هكذا تقنيات سردية، خصوصا إذا ما لمسنا تسرب الأسلوب الشعري المتعالي والخطاب الهادئ للمتن الحكائي، اللذان أضافا مسحة جمالية للنص المسرود، في نأيٍ عن الملل والحشو والترهل الذي نشهده في العديد من النتاجات الأدبية في مجال السرد،  تحديدا الروايات الطويلة التي استدعت عزوف القراء.

في رواية (يوسف لا يعرف الحب)، ذات، (75 صفحة)، تظهر شخصيتين رئيسيتين هما شخصية (يوسف وسماء)، مع ظهور شخصية ( أميرة/ أخت سماء) وشخصيتا، (رامي و سعد) صديقا يوسف، في الثلث الأخير من الرواية، لكنهن شخصيات  هامشية، ليس لها تأثير في مجمل الأحداث.

اعتمدت الرواية على حدث رئيسي، ممثلا بقصة حب بين شابين، (يوسف وسماء) دامت لخمس سنوات ملؤها الرومانسية والوصال الشفيف، علاقة شبه مثالية، لكنها ترتطم بالواقع الاجتماعي، وما يثار من أسئلة حول نهاية العلاقة، بلسان (أميرة)، كون (يوسف) لم يتقدم بخطوة واحدة للجم ألسنة الآخرين للاقتران ب(سماء)، معتبرا من جري العمر حتى، علما أن (سماء) تكبر يوسف بالعمر، وقد بان الشيب عليها، يوسف الفتى الذي أنهى دراسته حديثا، ألتحق لتأدية الخدمة الإلزامية بعدها تقف الظروف حائلا بينهما كعدم توفر العمل لكساد البلد بشكل عام، صحا (يوسف) على حب (سماء) والشعر والرسم، المغلف بالبطالة، التي استشرت في العقد التسعيني إبان الحصار الاقتصادي، لتحيل الظروف القاسية وقتها الحب إلى أزمة وعنت دامت لسنتين مضافة للسنوات الخمسة العذبة، تنتهي بالفراق،  وهذا ما صرحت به (سماء)، (يوسف لقد تعبت صدقني. سالت دموع سماء على خديها لكن يوسف لم يستطع تقديم منديلا واحدا)ص40، وفي هذا المشهد إيذان لنهاية قصة حب دامت سبعة أعوام، وبفقدها قد، (مرت عليه الأيام كأسنان الليث على جسد غزال لم يبلغ الحلم...)41، وقد أظهر يوسف خنوعه للظروف بتبرير غير مقنع، كونه من نوع العشاق الذين يطلبون الخلود للحب، وهو بالضبط ما يقع فيه الرجل الرومانسي، هروبا من واقع أليم حيث الفقر والفاقة التي لا تؤهله لتوفير بيت للسكن ملائم أو إمكانية إنجاب الأطفال وتوفير العيش الكريم لهم، كما توفر لصديقه (رامي) آنف الذكر، وهذا كله يمكننا عده في خانة القص العادي، وهو محور حكائي أول يمكننا التنبؤ به حتى في ظل قساوة العقد التسعيني، والذي يعد منطلقا للمحور الثاني في الرواية لما يثيره، (يوسف) من تساؤلات عن الوجود والإنسان والحياة بطرح جدلية الحب والخلود لتأخذ آفاقا أبعد، في استحضار الصورة النهائية لكل هذا الفعل الجمالي، ان الحب الذي ينتج خلودا، لا يجده في الزواج، إذ عد الجنس، قتلا له، (قرر يوسف أن ينهي لعبة الجسد ليبقى حبه خالداً) ص55، هل أن الجنس/ الزواج،  بعد قصة حب ناجحة لا خلود فيه، أم أن اليأس والفقر والفاقة صورتا الحقيقة معكوسة، وقد نجد عند غيره موقفا مخالفاً عن الجنس/ الزواج عند المتصوفة مثلا، وهذا ما تحقق لابن عربي عندما تزوج بمريم بنت محمد الباجية، (أتاح له الزواج خوض تجارب نادرة امتزجت فيها النشوة بالانجذاب الصوفي، ليتكشف له الحب الصادق الذي تصحبه رغبة ملحة، يعد سبيلا إلى تحقيق التكامل الإنساني والانسجام الكوني...)ص100 من كتاب (الفناء في الإنسان): هالة العوري، إذا الجنس بعد الزواج، يأخذ أبعادا أسمى تصل إلى الانسجام الكوني، التي يمكننا معادلتها في ضوء موقف يوسف من خلود الحب بإضفاء العذرية عليه، فما الأجدى مواصلة الحب والعيش بكنف حبيبة أم التشرذم والضياع وهذا ما أقر به الراوي العليم معبرا عن خلجات (يوسف) البطل، ( ربما كذبه الخلود وخدعته الأحلام فكان قميصه عرضة للتآكل؟! ربما أحب سماع الأصوات المسكوبة على خنصره ببهاء الخيبات المتلاحقة؟! ) ص74.

تتجه البوصلة القرائية إلى المحور الثالث الذي لا يقل شأنا عن سابقيهِ، رمزيتي (يوسف) و(زئبقية القميص) في المتن الحكائي من ناحية تحولات المعنى،  بحسب الحال أو الظرف الذي يمر به البطل (يوسف) وبحسب الأجواء النفسية أو الانتقال من مكان إلى آخر، وهنا يذهب بنا القول إلى ما تطرحه الرواية من تناص مع قصة يوسف النبي (ع)، فالقميص الذي تسوقه الرواية، (القميص العاري، القميص البلوري، قميص ذاته، القميص السارد،  القميص الكاتب القميص الرابت، قميص واحد، أقاصي القميص، القميص الأبيض...... الخ)

إذن يجب التنبه ان التناص لم يأخذ أبعاد المضمون، بل اكتفى باللفظ/ الشكل، يعني لم يقدم يوسف الذي أُسقط بالبئر، بل الذي أسقط نفسه بعد اليأس، (يوسف لا يحب الحزن ولهذا سقط في بئره بصورة غير واقعية) ص51، وهو خلاف قصة يوسف (ع) لقوله تعالى، (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجبت....) آية10سورة يوسف، إذن في الأول اختيار للمصير وفي الثاني إجبار،  هذه من مفارقات السرد التي تحسب للرواية، وكذلك رمزية القميص التي يتغير معناها بحسب مقتضى الحال، فهو حين يسرد لنا عن أيام العسكرية يضيف لفظة المُذنب، (القميص المُذنب)، وكما نعرف في لفظة المذنب إشارة لرصاصة التنوير، ليعرف المتلقي أنه على الساتر في فترة تطوعه للجيش، وهي أول ردة فعل بعد فراقه ل(سماء)، ، أو (لحد القميص الغارق بتوافه الأزرار وألوانها) ص52، وفي هذا ترميز عالٍ، أن خلفَ الأزرارِ مباهج تافهة وصفها باللحد، وهنا يجد تحقق الموت في الأشياء المادية، على العكس من الأشياء غير المحسوسة تنعم بالخلود والسمو الدائم، وهذا ما يتوافق مع المتصوفة، وهو بالضد من القميص الذي بعثه نبي الله يوسف (ع) بعدما ابيضت عينا أبيه، نبي الله يعقوب (ع) بعدما تلقيه خبر سرقة ولده صواع الملك وتم حبسه، لقوله تعالى، (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيراً....)آية 93 سورة يوسف، فهو يحمل  ريح يوسف (ع).

وبهذا نؤشر إلى مغايرة أخرى واستقلالية للمعنى عن المعنى الذي ذهبت إليه الآية القرآنية في سورة يوسف، وإنتاج معانٍ عدة، إذ إننا في كل مقطع من مقاطع الرواية (الخمسة عشرة) نجد الرواية تطرح معنى يتحلى بالجدة والمغايرة عن ذات قميص يوسف بطل الرواية حتى أنه يذهب به إلى كونه سكنا، وهنا يتشظى المعنى من السكن الروحي/ الحب، إلى السكن المادي/ البيت، وما رمزية الأزرار السبع بمدة علاقة الحب التي ربطت، (يوسف وسماء) إلا دعوة لاقتفاء المعنى المتجدد بالرواية.

لا يمكننا بعد ما تقدم إغفال استئثار آخر مُثِلَ في شخصية الرجل الشرقي الذي بيده مقاليد كل شيء حتى الحب والغرام، هو من يقرر إعلان الحب وهو من يحدد نوع الحب، عذري أم حسي، من النوع الفاني أم الخالد، فان توافق مع ظروفه أراده حسيا، وان لم يأتِ بحسبها انصرف إلى العذري، معللا الخلود سبيلا له، أو الفناء نهاية له، بل أن ذاكرة المحبوبة حتى في ليلة زواجها من شخص آخر تشتره وتستحضر ذكراه، لينهي عنت بكارتها المتضخم بأناته الغائبة الحاضرة.

 

رحيم زاير الغانم

 

ثائر العذارينشرت جريدة طريق الشعب في ٤/٢/٢٠١٩ مقالا بعنوان (التجنيس في القصة القصيرة بين المتوالية sequence والدورة cycle) للناقدة د. نادية هناوي وهو واحد من مجموعة مقلات نشرتها في صحف متعددة يعرف القارئ المتابع أنها ترد عبرها على ما أكتبه أنا في الموضوع. وهذا رابط مقالها بعد أعادت نشره في موقع الناقد العراقي

https://www.alnaked-aliraqi.net/article/60996.php

ومع أن الرد حقي قانونا وأخلاقا فقد رفضت الجريدة نشره بحجة أن فيه قسوة، بينما لم أكتب فيه إلا الحجج التي يستطيع القارئ التأكد منها وإنه لغريب أن يكون هذا موقف طريق الشعب آخر قلاع الالتزام.

في البداية أود القول أن الكتابة والنشر مسؤولية وأمانة، فنحن مسؤولون عن كل كلمة نكتبها، وحين يبدو لنا أننا كنا مخطئين في تصور ما كنا قد كتبناه فلا مناص من الاعتراف للقراء بالخطأ والاعتذار، أما العزة بالإثم فهي قصيرة العمر وسرعان ما تعود على صاحبها بالحرج، فقراء جريدة مثل طريق الشعب لا ينبغي الاستخفاف بهم وكلهم من خيرة مثقفي البلد. وانطلاقا من هذه المسؤولية وجدت أن علي الكتابة وبيان الأوهام والتناقضات التي حفل بها مقال د.هناوي.

في هذا المقال كما في مقالات سابقة تخصص الكاتبة أكثر من نصفه لتنصيب نفسها الكاهنة العظمى لمعبد النقد فتسمح وتطرد وتهب وتمنع وتوزع التهم والانتقاص يمينا وشمالا، فترى أن غيرها مدع ضبابي الرؤية وأنها وحدها تمتلك الحقيقة، ومن يقرأ المقالات التي كتبتها في الموضوع كلها سيكتشف بسهولة تناقضاتها وضبابية رؤيتها وجهلها بالموضوع من أساسه، وهكذا ينطبق عليها المثل العربي (رمتني بدائها وانسلت)، وسأركز على المغالطات والأوهام التي انطوى عليها هذا المقال الذي لا يتعدى طوله الصفحتين.

قرأت المقال بتأن ثلاث مرات ولم أفهم إن كان اعتراض د.هناوي الذي يشير إليه العنوان، فهل تعترض على تجنيس المتوالية القصصية أم على تسميتها؟ ولذلك سأرد على الاحتمالين مبينا الخلل في رؤيتها وأسبابه.

أما قضية التجنيس فلطالما كررت د. نادية اتهامي بالتلميح مرة كما في هذا المقال وبالتصريح أخرى بأنني أخترع تجنيسا أدبيا، وأنا لا أدري ما أساس هذا الاتهام، ولم يسبق لي أن ادعيت هذا، غير أني كتبت أن المتوالية القصصية جنس أدبي، لكن هذا ليس اختراعا ولا تقليعة كما قالت، فهذا الضرب من الكتابة السردية يشار إليه منذ ثلاثينيات القرن الماضي بأنه جنس أدبي والغريب أن الدكتورة لا تنتبه أن كل الدرسات التي تذكرها والتي كنت قد ذكرتها في مقالات سابقة لي تقر ابتداء من العنوان بأن المتوالية القصصية جنس أدبي مستقل على أن أذكر القارئ الكريم أن كلمتي نوع وجنس باللغة العربية تستعملان بمعنى واحد مقابل كلمة genre الإنكليزية، إذ لا يشار إلى الأجناس الأدبية بغيرها في تلك اللغة. فضلا عن أن د. هناوي تخطئ في الترجمة فتخرج بنتائج لا علاقة لها بالمقاصد الحقيقية.

أما قضية التسمية ففيها وهم كبير وقعت فيه الكاتبة بسبب عدم معرفتها المفهوم الحقيقي للمتوالية القصصية ولذلك وقعت في تناقض وتخبط، ففي البداية كانت تدافع عن مصطلح المتوالية القصصية وتدعي أنه مصطلح عراقي اخترعه الأستاذ جاسم عاصي، ثم أصبحت تسميها في مقالات أخرى المتوالية السردية وكتبتها بالانكليزية narrative sequence وفي هذا المقال تقول إن من يسميها بهذا الاسم مخطئ، والحقيقة أنها هي الوحيدة التي استعملت هذا المصطلح، أما الاسم الذي استعمله في كتاباتي فهو short story sequence أي متوالية قصصية ولم استعمل أبدا مصطلح المتوالية السردية لأنه مصطلح وضعه تودوروف يخص بنية الجملة في القصة ولا علاقة له بموضوعنا.

إن (المتوالية القصصية) هو واحد من الأسماء التي يستعملها النقد الغربي للإشارة إلى هذا الجنس الأدبي وهناك أسماء أخرى كثيرة منها حلقة القصة القصيرة (وليست دورة كما ترجمتها د. هناوي) وأفضل استعماله لأن كتابا عربا وعراقيين استعملوه لوصف أعمالهم، وعندما يشيع مصطلح ما فلا جدوى من الاعتراض عليه ما دام الاتفاق على دلالته قائما، ولدينا في العربية عشرات المصطلحات الأدبية التي لا تمت دالاتها المعجمية بصلة إلى معناها الاصطلاحي، ولعل المثل الأبرز هنا هو كلمة التداولية التي وضعت مقابل كلمة pragmatic الإنكليزية التي تعني النفعية.

يعد كتاب فورست انجرام ( Representative Short Story Cycles of the Twentieth Century: Studies in a Literary Genre) الذي ذكرته الكاتبة في مقالها كتابا مؤسسا في دراسة المتوالية القصصية، ولو أنها قرأته لعلمت أنه كتاب فني صرف لا علاقة له بالثيمات. وأبين هنا الأخطاء الجسيمة التي وقعت بها في تعاطيها مع الكتاب لأنها كما أظن استمدت معلوماتها من مراجعة للكتاب لا الكتاب نفسه لأنه نادر وغير متاح على الانترنت.

من العنوان يتضح أن انجرام يدرس المتوالية على أنها جنس أدبي مستقل ويبدأ كتابه بتعريف المتوالية القصصية (التي يفضل هو تسميتها حلقة القصة القصيرة) في أول سطرين فيقول:

"A story cycle is a set of stories so linked to one another that the reader's experience of each one is modified by his experience of the others."

وتمتاز لغة انجرام بسهولتها الكبيرة بحيث لا يحتاج القارئ إلى خبرة كبيرة باللغة الإنكليزية لفهمها، فكيف لمن يخطئ في فهم انجرام أن يفهم أساليب معقدة مثل أسلوب تودوروف. واقتبس هنا ترجمة د.نادية للتعريف:

"وقد قنن انجرام في هذا الكتاب فاعلية ( دورة القصة القصيرة) بوصفها مجموعة من القصص المرتبطة بعضها ببعض، يوزعها المؤلف بطريقة متوازنة ضمن وحدة معينة، في شكل مجموعات أو سلاسل، ولكل قارئ أن يقوم بتعديل تجربة ما من تجارب الآخرين."

هذه ترجمة مشوهة معتمدة على استخراج المعاني من القاموس فحرفت التعريف عن مراده الحقيقي، وكما يرى القارئ الكريم فالتعريف هو (حلقة القص هي مجموعة من القصص المترابطة جدا بعضها ببعض بحيث تتعدل التجربة القرائية لإحداها بالتجربة القرائية للقصص الأخرى.)

وأضع هنا صورة للصفحة الثانية من فهرس الكتاب لأشير إلى خطئين جسيمين آخرين:

738 ثائر العذاري

أما الأول فهو قولها أن انجرام ناقش في الكتاب التكنيكات المشتركة مثل الراوي والشخصية المركزية، ونظرة سريعة إلى الفهرس تكشف أن انجرام لم يكن يدرس هذه التكنيكات على أنها مشتركة بل لأنها مما يميز عمل شيروود أندرسون في كتابه Wisenburg,Ohio الذي يعده انجرام وغيره أول متوالية قصصية ناضجة منذ صدورها عام ١٩١٩. فهذه مباحث فرعية من الفصل الخامس الذي قصره المؤلف على دراسة هذا الكتاب واستغرق فيه أكثر من ربع حجم كتابه فهو يبدأ من صفحة ١٤٣ وينتهي بصفحة ٢٠٠ وهي نهاية الكتاب كله أيضا.

تقول الكاتبة ان انجرام ختم كتابه بدورانية التطوير النفسي التي درسها في ثلاثة مباحث هي النار والريح وايماءة والضبط. وأنا أرجو القارئ الكريم أن ينظر إلى القسم الرابع من الفصل الخامس نفسه الخاص بكتاب أندرسون لنكتشف بسهولة أن الدكتورة هناوي لا قرأت كتاب أندرسون ولا كتاب انجرام ولا حتى فهرسه. فعنوان المبحث هو تطوير الرموز في المتوالية وهو يدرس هنا تكنيكات اندرسون في الترميز واختار منها الريح النار اللتين تظهران في الفقرة الأولى من القصة الأولى حيث يستدعي جورج ويلارد نجارا ليجعل سريره بمستوى النافذةبينما كانت الريح الباردة تعصف في الخارج والنار في الموقد. أما ما ترجمته الكاتبة ايماءة فهو كما يتضح في الصورة التلويح باليد، لأن اندسون استعمل هذا الرمز في القصص كلها.

أما الخطأ البالغ فهو في الثالثة التي ترجمتها د.هناوي الضبط، وهذا يكشف عدم اعتيادها على قراءة الدراسات السردية بالانكليزية لان هذه الكلمة من مبادئ المصطلح السردي الإنكليزي، فهي لا تعرف ان النقاد يستعملون كلمة setting مقابل مصطلح (الزمان والمكان) في العربية وهذا ما كان يدرسه انجرام في هذا المبحث، فهذه الكلمة في السرد لا تعني ضبط كما هي ترجمتها في أجهزة الموبايل.

ثمة خطأ مركب تقع فيه الكاتبة في آخر المقال حين تذكر كتاب ( Short Story Cycle: the Ethnic Resonance of Genre) وتنسبه لسوزان فيرجسون والحقيقة أنه لجيمس ناجيل James Nagel ، فضلا عن ترجمتها الخاطئة للعنوان التي بنت عليها نتيجة خاطئة أيضا، فقد ترجمته صدى التشظي في النوع، والحقيقة أني لا أعرف ما أقول، فلا أظن هناك أحدا لا يعرف معنى كلمة Ethnic فهي بفضل الله من أكثر الكلمات التي تتكرر في العراق ومعناها الإثنية أو العرقية وعنوان الكتاب هو أثر الإثنية في الجنس الأدبي. وهو الكتاب الذي اعتمدت عليه جنيفر سميث في تطويرها لفكرة العلاقة بين التنوع العرقي في المجتمع الأمريكي وظهور المتوالية القصصية أواخر القرن التاسع عشر، فهي ترى أن شكل المتوالية القصصية يحاكي شكل عرقيات متنوعة كانت تسعى للاندماج لتكون أمة واحدة هي الأمة الأمريكية وهذا المعنى لا علاقة له بقضايا أخلاقية مثل الحضانة والاجهاض والطلاق كما رأت د.نادية.

ترى الكاتبة في المقال أن هذا جنس يمتاز بالميوعة وهذا يحول دون تجنيسه، وهذا فهم واهم لفكرة السيولة والميوعة، فجنس أدبي كتب فيه جيمس جويس وشيروود أندرسون وهمنجوي وكافكا وفيرجينيا وولف لحري بأن يدرس مستقلا. أما الميوعة والسيولة فهذه سمة من سمات القصة القصيرة لا المتوالية القصصية فالقصة جنس أدبي لا يستقر على شكل واذا سايرنا رأي د.هناوي فيجب أن نلغي مصطلح قصة قصيرة من قاموسنا لانها جنس مائع. على أن سوزان لوهافر التي تعد أشهر المتخصصين بالقصة في عصرنا عدت هذا الشكل المراوغ للقصة القصيرة واحدة من أهم السمات الفنية للجنس وبنت عليه كتابها الشهير Coming to terms with the short story الذي أتمنى أن يقرأه كل مهتم بالقصة القصيرة.

 

ا. د. ثائر العذاري

 

رحيم زاير الغانممجموعة (الحب في زمن الطنطل) اختيارا

ان الأنواع الأدبية بمختلف أشكالها وأساليبها تمتلك القدرة على زجّ السخرية في مفصل من مفاصل النص ولكن قد تتفرد القصة القصيرة بالقيام بإنشاء نص سردي بمعمار ساخر معولا على القصر الذي تتسم به، مع تقبل المتلقي إلى هكذا خطاب حكائي، الذي قد لا نجد له مقبولية في الرواية الطويلة أو المتوسطة، وبذا تحقق القصة القصيرة أهدافها، لمبررات تطور الأشكال الأدبية، بشكل لافت، ومما لا شك فيه يمكننا عدّ هذا التطور دليل عافية في كافة مجالات الأدب.

لذا بمقدورنا عدّ القصة القصيرة من الأنواع الأدبية الخطرة لتماهيها ومتطلبات العصر، لما تتسم به من أحادية أو ثنائية ساندة من حيث الحدث والشخصية والمكان والزمن، وما قد تضفيه الموضوعة اليومية من ملامسة حياة شخصيات مغمورة وعدهم أبطالا من شأنها خلق الدهشة لدى المتلقي، فعندما تحرص القصة على تبني المهمل والذي يمكننا تصنيفه، على اعتبار انه مهمل لنسق اجتماعي معتاد، لا تعتبر إعادته إلى الواجهة ذا قيمة عند المتلقي العادي، لذا نجد القصة القصيرة تراعي هكذا موضوعات، بطريقة ساخرة، والسخرية ليست من باب التسطيح، بقدر كونها وعيا لموضوعات تلامس وجدان المتلقي الخبير الذي يراقب  تطلعات ومشاعر الإنسان التي تهدر لأدنى الأسباب، وهذا ما سيتم معاينته في أقصوصة، (دَين- الحب في زمن الطنطل- سجائر)، من مجموعة، (الحب في زمن الطنطل)، للقاص ضاري الغضبان.

1- القصة الأولى (دَين):

تعتمد قصة، (دَين) في معمارها السردي على حدث ولادة طفل بالدَين، الذي يتشظى إلى إحداث تدور في فلك واحد، الرابط الرئيس بينها موضوعة الدَين على اعتبار أنها موضوعة يومية، لارتباطها بالفقر والفاقة، إذ أضحت مديونية العائلة تتفاقم منذ زمن الولادة، تحديدا من أجرة القابلة، والاعتياد على اقتراض المئونة من الجيران، وتسرب العدوى لبطل القصة الطفل، في استدانة كرة القدم التي لا تعاد لأصحابها إلا بعد ثقبها، أو بشراء ملابس المدرسة بالأجل التي لا رغبة له في ارتيادها ليتركها سريعا، كي يتربى في حجر أبيه السائق، ك(سكن)، ليفقه أصول المهنة على أصولها ليس كسائق، بل أبن لمقترض حريف في عدم التسديد، في إشارة هامة لتعطيل دور الأسرة، المؤسسة الأم، نواة المجتمع وبذرته الأولى، في تقديم تربية صالحة، إذ إننا كمتلقين في مواجهة خطاب سردي صارم احتاج منا الوقوف في منتصف الحكاية، لنسأل من يا ترى المتسبب في التعطيل هنا المحيط المجتمعي وتشكيلاته الشعبية أم المؤسسة الرسمية، كي نحقق للمتلقي متعة الحياد أو لوعة الشراكة مع منظومة اجتماعية جعلت لمؤسسة السلطة اليد العليا في إشاعة الفوضى، وما لسكوتها إلا فعل العصا التي تتوكأ عليها لبسط خذلانها مرة وللاسترخاء من اللاجدوى في مرات عدة.

ويستمر القص بإهمال الوالد للحافلة وتراكم مبلغ إيجار البيت الذي لا يدفع، ثمَّ موته، وذهاب إلام إلى دار المسنين، إلا البطل/ الطفل، فأنه صار أكثر سعادة في دار سكنه الجديدة، حافلة والده بعدما صارت خردة، وبفضل عمال البلدية الذين سحبوها لطرف المدينة، غير مأسوف عليها، بيت سكن للوريث الوحيد، ومن سخريات القدر ان الطفل تقبل كلبة وجرائها من دون ان يطالبها بإيجار، كونه أكثر رأفة من البشر، فمهما عمدوا إلى هدم بنيانه داخليا، إلا انه أبى على إنسانيته ان تنصاع لحكم الغاب، ليحيا سعيدا في مكانه الجديد ومع رفقة أكثر وفاء.

2- القصة الثانية، (الحب في زمن الطنطل):

السرد في هذه الأقصوصة يبدو اخذ منحى مختلفا حيث أننا إزاء ثيمة الحب والفراق في ان واحد بزمن ممتد لأكثر من ثلاثين عاما الذي مهد لتعدد الأمكنة والأحداث، إذ تبدأ القصة بعودة، (سيماء) وأهلها من غربتهم، ثمَّ يبدأ الراوي العليم باسترجاع ما مضى/ الفلاش باك، كان حاضرا وبقوة في هذه القصة، مع تعدد الأشخاص، وتنامي الحوار ونشاطه في مشاهد دون غيرها، كل ما تقدم أعطى للقاص إمكانية توظيف أحداث الماضي وسحبها إلى منطقة الحدث الرئيسي، كونها أحداثا لا تقل شأنا عنه، مثل حدث ارتباطه ب(سيماء)عاطفيا وهو بسن قريبة من عقد العشرين من عمره، أو حدث التحاقه بالجيش، وما حدث اعتقال  والدها وعمها الذي اضطرهم للهجرة بحدث عادٍ، إلا أننا نرجح كفة عودة محبوبته سيماء كونه حدثا رئيسيا هاما يشتغل على الزمن الحاضر، فهو حدث تتشظى عنه أحداثا على الرغم مما تداخلت معها من مشاهد تبدو اعتباطية، إلا انه أفرز لنا كمتلقين مشهدا أخيرا استثنائيا وأخص جلوس، (غلوب) ابنة (سيماء) بقربه وهو يقود السيارة، الذي استنهض في داخله ما أهملته (سيماء) و(تماضر)، الفتى العشريني، الذي أحب فتاة عشرينية بعمر (غلوب) وجد فيها تقبلا لذاك الشاب العاشق الوله، موقظة ما أهمله ممن حوله من قبل ثلاثين عاما من أول بيت (أبوذية) لم يكتمل على يد سيماء، أو بعد الرجوع باهت المذاق،إهمال عانى منه أبا سامي، الذي يدرك تماما أن (غلوب) ليست اقل شأنا من والدتها في النكران، لكنه أحب ان يعيش اللحظة بقتل مؤقت لثرثرة سيماء وتماضر والطنطل.

3- القصة الثالثة (سجائر):

ان قصة (سجائر)، تقدم حدثا رئيسيا تدور في فلكه أحداثا فرعية لكنها جميعا في أفق سردي بخطاب أنساني واحد عن مرض البطل أستاذ هشام ومنع الطبيب إياه من التدخين، هذا الموضوع اليومي الذي يثير شجون وآلام من اكتوى بنار السيجار ولم تطاوعه نفسه من الإقلاع عنه، لكن البطل هنا تم له ما أراد لما أبداه صديقه، وزوجته/ أي زوجة أستاذ هشام، من توفير دعم لوجستي له، وفي تبادل للأدوار لم يعرفا قيامهما به إلا في لحظة مكاشفة لم تكتمل هي الأخرى،  في ترميم ما انكسر من ثقة بطل القصة في العودة للحياة عبر إرشادات الطبيب المتأخرة لترك أنيس عُمره، قد يبدو أقدم من أنس صديق وزوجة، فرغبته في مواصلة التدخين لم تنهه من تعجيل نهاية عمر لا بقية فيه، بمواصلة تعاطيه إياه.

نعم قد نهمل مثل هذا التعايش بين الإنسان وقاتله/ السيجار، جراء ما قد يبتلي به الجسد من أمراض، على تحمل نتيجة ارتشافة إضافية من سحبة واحدة لا علبة سيجار حتى، لكن بحسب ما نستشف ان الوصل ليس بسيحار بل بمحبوبة ورفيقة لوعة وفرح، أو لحظات تماهيهما و (استكان الشاي) أو (فنجان القهوة)، قدسية حري به الوفاء من أجل ديمومة طقوسها، بالعمر الذي يدرك أيامه المعدودات، قد يَهمل هكذا لحظات من استساغ أوامر الطبيب وجانب لحظات السمر بحرقة عقب سيجار يتكرر لفافات من رماد يسوقها الريح إلى مثوى رجل حكيم آثر الوفاء لأنيس الصبا والشباب والكهولة بعدما استشعر انه سيودع الحياة إلى مثواه الأخير وبرفقته ذكرى صديق وزوجة بعدما خبر أنهما من يحفظ الحب.

 

*رحيم زاير الغانم

 

رحيم الغرباويقراءة في مضامين ومضات ميرال يونس .

يبدو أنَّ الشعر يصور ما للعيان بظاهره، وكأن العبارات الشعرية  تنقل الواقع كما هو إلا أنَّ في الحقيقة كثيراً من الشعر يستبطن معاني مودعة في شعور صاحبه فيمثل الالتفاتات والطرافات التي يعقدها في شعره، لإيصال المتخفي الذي يمكن للقارئ الحاذق تأويل متجلياته وهذا مايستدعي ارتباطه بالرؤية الكشفية على وفق (رونيه شار) الذي يرى أن الشعر يمثل عنده عالماً يظل في حاجة إلى الكشف (1)، مما يحمِّل الناقد مسؤولية كشف المعاني المغيبة التي يتقصدها الشاعر، ليعبِّر بها عما ينوء بعواطفه وفكره، ليوصلها إلى متلقيه بتعبير جمالي محققاً المتعة فيه.

ولعل كل شيء يقف إلا القلب الإنساني المبدع الذي هو مصدر الأحاسيس والمشاعر الماكثة فيها الحقائق كما يرى هوسرل، والحقيقة الخالدة فيه " تقوم في ألَّا يستقر القلب في مستقر، ولايعني عدم الاستقرار سوى ديمومة الحركة وتوقفها، استمرارها وانقطاعها، مما تعطي لكلٍّ منها معناه " (2) ذلك أنَّ الحقائق مودعة في الشعور التي مصدرها القلب الذي يضمر في خابيته لوحات متعددة من المعاني التي يمكن أن يستنطقها المتلقي حين يترجم الشعور المتجلي في كلمات الشعر، لكن هناك فلسفات اهتمت فقط بالاستطيقا (الجمال) ولاسيما الشكلانيين الروس إذ كانت نزعتهم الفلسفية للفن " تبين أنَّ الصورة المثلى والدالة للعمل الفني إنما تتبدى فقط في قيمته الفنية والشكلية " (3) بوصف الفنان الحقيقي هو " الإنسان الذي يلمس بعينه، ويرى بيده ويفكر بأصبعه، إنه الذي يحتك بالعالم احتكاكاً مباشراً لا أثر فيه للمنفعة أو الفائدة العلمية، ومن ثم فأنه يملك ضرباً من العيان الجمالي للكون " (4)، لكن الذي نراه أن تحقيق المتعة الجمالية هي ليست في الأسلوب إنما في " رؤاه بدرجة أصيلة من درجات التناسق والتوافق والتوازن والذروة التي يستطيع أن يستقبلها المتلقي بوصف النص مشروعاً مشتركاً بين المبدع والمتلقي، فيكون المتلقي صاحب القرار الأخير في الحكم على جمالية النص " (5)

ولما كان الشعر هو من يعيِّن " لنا لحظة البدء بالتفاعل مع معطيات الوجود، ليحيلها إلى جمال مطلق "(6)، لذا فلابد من نظرة إلى الشعر هي ليست لشكلانيته فحسب، إنما أبسط ما يقال من أنَّ الشعر هو إحساس صادر من الذات الانسانية وعلى المتلقي أن يعي أنَّ الشعر هو ترجمان الشعور الذي تمكث فيه الحقائق، إذ  لايمكن أن يجتلبها الشاعر مباشرة كونها لا تعطي المعاني صورتها المباشرة، إلا في المراوغة معها لاستحصال دلالاتها بعد عرضها على الوعي .

ولعل الشاعرة السورية ميرال يونس قد نطقت بأحاسيسها عن كل ما يعتريها فترجمته بكلمات نثرية على شكل ومضات، بيد أنَّ صياغاتها تومئ بسمو الاحساس المزدحم بقناديل مشاعرها المتوهجة، إذ نراها تخاطب الحبيب الذي غدا بعيدا عن واحة واقعها، فصار يمثل لديها احتراقات شوق وغابات أشواك وهي تناديه بحلمها اليقظ، مؤسسةً به واقعاً شعرياً ينوء بظلال خفيفة من الرؤى لايمكن استنطاقها الا بالقراءة الفاحصة، ومن ذلك قولها:

أنا ووحدتي نتراقص ليلاً على أنغام الذكريات

نبكي تارةً

ونضحك تارةً،

أصحو منها بعينين مرمدتين بعد ليلٍ طويل

هو مضى، ولم تمضِ معه،

مضتْ من عالمه سُحباً

لكنها أبتْ أن تزول مني عبثاً  .

وكأنها تخاطب حبيبها وهي تعيش في دهماء الذكريات، تبكي تارة وتضحك من فجيعتها به تارةً أخرى، يدل ذلك عيناها المرمدتان، مشيرةً إلى أنَّ ذكرياته مضتْ كالسحب، والسحب حين تمضي لا يمكنها أن تمطر بإشارة إلى الرحيل من دون ترك أثر به منها، بينما الذكريات معها أبتْ أنْ تزول عبثاً، بل تركت أثرها وهي تتجرع آلآمها . ويبدو أن ميرال يونس تحاكي محنة الوطن الذي غابت منه الأماني والذكريات  الجميلة، بسبب ما تداخلت فيه الصراعات الإقليمية والاحتراب الداخلي، مما جعلها تعيش محنة الحزن عليه بدموع سخينة، بينما هي تضحك ساخرة من نزول القوى الكبرى بحججهم الواهية التي تبحث من مصادرة كل ماهو عريق في بلادها الكريمة المعطاء . ولعل تحليلنا لايبتعد عن حقيقة ما يبدو في شعورنا حين نعرض النص على وعينا، ونقطع كل ماهو قبْلي من فلسفة وأحاسيس  مع إبعاد صاحب النص ونحن نقرأ نتاجه، فالأشياء ذاتها لاتعرب عن ذاتها إلا كما يضعها الوعي، وهي تعرض عليه في أفعاله الواعية بذلك تصبح الأشياء ظاهرات فيه، أو ظاهرات تتقوَّم فيه ... فتصبح موضوعات الوعي معطيات من عطائه ذاته، ليعطيها في أنحاء محددة هي في الأساس أنحاء وعيه لها  (7) .

ويبدو أنَّ الوطن ليس وحده همّها، إنما أبناؤه النازحون عنه إلى بلدان الغربة أثر الحرب الدامية، فنراها تقول:

إنَّ لحظة الوداع تكسرُ القلبَ

وتطّوي جناحْ الأملْ

تسحقْ شيئاً في الأعماق ...

وتترك مجالًا رحباً لحنينٍ دائمْ

يظلّلهُ سؤالٌ ...

متى تعودْ ؟

فالصورة الأولية للنص على الرغم من  الصور التي رسمتها من خلال الاستعارات المكنية: (تكسر القلب، تطوي جناح الأمل، تسحق شيئاً في الاعماق، تترك مجالاً ... لحنين، يظلله سؤال)، مما يمنح النص سر جماليته لكن رؤيا الشاعرة تلوح إلى بعيد، وهي رحلة الأخوة والأحبة من أبناء البلد، وهم يبحثون عن ملاذٍ آمن، فنراها تطرح همومها التي مازالت لاتجد من يضمدها لاسيما ممن  تنتظره، لكنها تدعو الراحلين أن يعودوا وما غير الوطن يُعَدُّ موئلاً لأبنائه، فهو الحاضنة الكبرى للجميع، تقول:

أعلمُ أنَّك مرهقٌ ....

قد أتعبتْكَ الحياةُ،

لكن لديك ميناء سلام ...

تغفو به وكأنَّك وُلِدتَ خُدَّجاً .

فهي تخاطبهم خطاب الحبيبة للحبيب، فتبعث رسائلها لهم، كونهم قد تعبوا وسئموا الحياة، لكنَّها تستدرك أنَّ كلَّ منهم لديه ميناء سلام هو الوطن، فحين العودة سيشعر كلُّ واحدٍ منهم كأنه وُلِدَ خُدَّجاً، كناية عن بداية حياة جديدة يعمها الأمن ويستقر بها السلام .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

...........................

(1) ينظر: معارج المعنى، عبد القادر فيدوح: 121

(2) حكمة الروح، د. ميثم الجنابي: 274

(3) الفلسفة الغربية المعاصرة، مجموعة من الأكاديميين العرب: 1173

(4) دراسات في الشعر والفلسفة، د. سلام الأوسي: 54

(5) المرجع نفسه والصفحة نفسها .

(6) الرؤى الفلسفية  في الشعر العراقي الحر، بشير عريعر: 251

(7) ينظر: مدخل إلى الفلسفة الظاهراتية:67 .

 

معراج احمد الندويإن الرواية التاريخية هي الرواية التي تنطق من أحداث وذوات حقيقية مختلفة وتشكل جزءا من تاريخنا وماضينا. فالرواية التاريخية تقوم على بنية زمنية تاريخية تتشخص في فضاء تاريخي يمتد من الماضي وحتى اللحظة الراهنة أو القادمة. تثير الرواية التاريخية الحاضر وترتبطه بالماضي الخالد في رؤية فنية شاملة اعتمادا على الفن روعة الخيال وصدق الحقيقة. يحاول الأديب في نسيج الفن ويعتمد على كل من ما يدور في خلده ووجدانه ويندفع للترجمة عن مشاعره والتعبير عن أحاسيسه ثم يصوره تقنية مما يجعل إنتاجه صورة صادقة عن نفسه وفكره وعواطفه ويتحول العنصر التاريخي إلى العنصر الأدبي.

ظهر في العصر الحاضر عدد كبير من الأدباء و الشعراء لهم اسهامات في مجال الشعر والقصة والرواية والمسرحية ومنهم علي أحمد باكثير الذي هو الأديب الأروع والشاعر المبدع. تميز أدبه وشعره بالخصائ الفنية والعقلية والنفسية كما تتميز بوضوح تام في الأسلوب والموضوع. تأثر هذا الأديب البارع والشاعر المطبوع في كتاباته بالتصور الإسلامي فجعل الفكر الإسلامي فلسفة لأدبه ومنهجا لحياته. استطاع أن يبرز من خلالها الفكرة الإسلامية والقيم الخلقية في أدبه في صورة فنية ممتعة. تدل آثاره من الشعر والقصة والرواية والمسرحية على سعة ثقافته وكثرة اطلاعه واتساع أفقه ورحابة فكره بالجد والمثابرة بحيث يعتبر من أكبر كتاب الرواية التاريخية من منظور إسلامي في الأدب العربي المعاصر.

مولده ونشاته:

ولد هذا العبقري في اندونسيا في مدينة سورابا عام1910م لأبوين يمنيين من حضر موت في أسرة محافظة ملتزمة. ولما بلغ العاشرة من عمره ارسله أبوه إلى موطنه الأصلي حضر موت. تعلم هناك العلوم الشرعية في المعاهد الدينية ونشأ نشأة إسلامية على أيدي المؤدبين العرب الذين يلقونه حب العربية ويسقونه عشق الإسلام. درس الإسلام من ينابيع الأصلية دراسة عميقة. فكان يطمع أن يكون فقيها في اوائل عمره ولكن سرعان مالت رغبته إلى الأدب وظهرت مواهبه الأدبية مبكرا فبدأ يقرض الشعر وهو في الثالثة عشر من عمره.[i] وفي عام1934م سافر إلى مصر والتحق في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الأداب في جامعة فؤاد وتخرج فيها عام1939 ثم دخل معهد التربية للمعلمين وحصل على شهادة الدبلوم في التربية والتعليم عام1940م.[ii] وفي نفس السنة تم تعيينه كمدرس في مدرسة الرشاد بالمنصورة وهكذا بدأ حياته المهنية بالتدريس. استمر هذه الوظيفة حوالى أربعة عشر عاما بالمنصورة وسبعة أعوام بالقاهرة. ثم انتقل إلى مصلحة الفنون قسم الرقابة على المصنفات الفنية في وزارة الثقافة.[iii] قضى باكثير ردحا من الزمن مؤظفا وزارة الثقافة ثم أصبح مدير المكتب الفني للرقابة على المصنغات الفنية. تزوج من عائلة مصرية محافظة. قامت صلته برجال الفكر والأدب فيها أمثال: العقاد والمازني و شكري ومحب الدين الخطيب ونجيب محفوظ وصالح جودت. وفي ذلك الأثناء هبت ريح الإيمان بظهور حركة دعوة الإصلاح في العالم العربي على أيدي مصلحين كبيرين جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده. تأثر علي أحمد باكثير من أفكار هذين المصلحين وكرس حياته أن يخدم الإسلام والأمة الإسلامية من خلال فكره وأدبه. وجد أن في حضر موت لم يتيح له الجو المناسب لتحقيق طموحاته فبدأ يفكر إلى مكان آخر من هنا يرتفع صوته وإيصاله في كل ناحية من العالم العربي والإسلامي، إذ توفيت زوجتها التي كان يحبها حبا جما كأن القدر كان يهيئ له الظروف فغادر حضر موت إلى عدن حيث أقام في عدن [iv] لعام وزار الصومال والحبشة حيث أنشد وخطب وكتب عن خلجات قلبه والتقى برجال الفكر والدعوة، ثم قصد لزيارة الحرمين الشريفين فسافر من عدن إلى جدة عن طريق البحر الذي استغرق عاما. وعندما وصل في المملكة العربية السعودية نشرت جريدة "صوت الحجاز" خبر وصوله في عدد الأثنين1932م في الصفحة الأولى بعنوان" وصول شاعر حضر موت الأكبر". قامت صلاته مع سعود وفيصل الملكين فيما بعد ثم وغادر الحجاز بحرا عبر ميناء ينبوع على الباخرة في عام 1934م، وفي هذه المرحلة أخرج تراثا أدبيا من أهمه ديوان شعري بعنوان "صبا نجد وأنفاس الحجاز" ومحاضرات مذكرات ومراسلات مع الأدباء. تكرمت المملكة العربية السعودية وتقدمت له التقدير والإعجاب.[v] توفي باكثير في مصر في العاشر من نوفمبر عام 1969م إثر أزمة قلبية ودفن بمدفن الإمام الشافعي. خلف هذا العبقري بحرا من الأفكار الرائعة والخواطر البديعة الذي ضمنها دواوينه الشعرية ورواياته التاريخية ومسرحياته الشعرية ومسرحياته النثرية كما ترك لنا هذا الشاعر العظيم والأديب الكبير ست روايات وتسع مسرحيات شعرية وحوالي خمس وأربعين مسرحية نثرية.

من آثاره الخالدة:

تنوعت مواهب باكثير الفنية وتعددت إنتاجاته الأدبية والفكرية بين شعر والقصة والرواية والمسرحية. وهذا التنوع يؤكد أنه قدم في أدبه ألوانا متعددة وأنماطا مختلفة من أشكال التعبير الأدبي من شعر غنائ ورواية تاريخية ومسرحية شعرية ومسرحية نثرية. وكلها تختلف في المضمون والشكل وتميز عن الآخر في الأسلوب والبيان. ومن أهم رواياته: سلامة القس، وا إسلاماه، ليلة النهر، الثائر الأحمر، سيرة شجاع، الفارس الجميل،

صبّ علي أحمد باكثير اهتمامَه على التاريخ الإسلامي في أوطانه المتعدِّدة بما احتوى من صِراعات سياسيَّة واجتماعيَّة.واتَّصف باكثير بعدَّة صِفات جعلَتْ منه رائدًا للرواية التاريخيَّة الإسلاميَّة فهو مُتعدِّد المواهب، غزير الإنتاج، صاحب رسالة.كان ملتزمًا بالقِيَم والمبادئ الإسلاميَّة مع المحافظة على النواحي الفنيَّة فقد جمَع بين الالتِزام والفن في مزيجٍ جميل بديع حتى أصبح رائدًا للاتِّجاه الإسلامي في الرواية التاريخيَّة العربيَّة.

"سلامة القس" أصدر هذه الرواية في عام 1944م. وهي رواية تاريخية تحكي قصة حب عذري بين عبد الرحمن القس والمغنية سلامة. ويدور الصراع فيها بين التقوى والهوى وأخيرا تغلب التقوى على الهوى. فلا عجب أت يختار باكثير من التاريخ الإسلامي هذا الموضوع يمثل فيه الحب العذري العفيف في قصة سلامة. ينتقل محور الصراع بأحداث من المثالية الرومانسية إلى الواقعية الإسلامية. ولعل هذه المعالجة الواقعية للقصة الرومانسية في هذه الرواية كانت وراء اختيار إخلراجها للسنيما في فيلم غنائ يحمل عنوانها طار به شهرته . ولا يزال فيلم " سلامة يعرض إلى اليوم.

"واإسلاماه" أصدر هذه الرواية عام 1944م. وهي رواية تاريخية تناول الكاتب فيها فترة حساسة من التاريخ الإسلامي تعرض فيها العالم الإسلامي لهجمة شرسة من التتار القادمين من الشرق والصلبيين القادمين من الغرب. تبين الرواية شر الكفار عن هذه البلاد الإسلامية، وتلك العزيمة الراسخة للنضال التي كامنة في قلوب المسلمين المخلصين. تقف الرواية على سيرة البطل المسلم سيف الدين قطز قاهر التتار وتقص قصة خاده كأروع ما تكون سيرة المجاهدين. إن الرواية تجلو صفحة رائعة من صفحات التاريخ الإسلامي كما تقدم نموذجا مشرقا للعالم العامل في الشيخ العز بن عبد السلام الذي نهض بمسؤولياته كقيادة روحية للأمة الإسلامية . فصانت الامة وعصمت تراث الإسلامي . 

"ليلة النهر" أخرج باكثير هذه الرواية عام 1946م. وهي رواية خيالية تناول فيها حياة الموسيقار المصري المعروف فؤاد حلمي. صور فيها علاقة الحب بين بطل الرواية فؤاد حلمي وأحسان ولكنه لا يسمح بطله بالاستهتار واحتساء الخمر. تدور أحداثها عن قصة حب نقي رعاه الصباء بطهره وبراءته. ونما الشباب باندفاعه وطموحه الوثاب،حب تفجر في قلب شاعر موسيقي شاب، فأجاد بشعر رقيق رائع، ولكن الشباب يصطدم بعقبة طأدء تحول بينه وبين الزواج من حبيبته. تتلخص قصة ليلة نهر هي أن فؤاد حلمي بطل الرواية فقد أباه وهو كان طفلا صغيرا فرعاه أمه. كان يسكن في بيت صغير في حي المنيل حيث تعرف على فتاة اسمها إحسان التي فقدت أباها أيضا وكانت تسكن مع خالها ضياء الدين، وهناك وقع الحب بينهما ولكن سرعان انتقل خالها إلى مكان آخر فانتقلت معها. ولكن يتبادل الحب بينهما. وكان فؤاد حلمي يحلم بها حتى جاء الخبر الذي انكسر أمله وهو أن خالها فضل عليع شابا آخر ليس له من المؤهلات إلا أنه ابن أحد أصحاب الثراء . فحزن فؤاد حلمي حزنا شديجا حتى مات من أجلها.

"الثائر الأحمر" أصدر هذه الرواية عام 1948م. وهي رواية تاريخية تحكي قصة الصراع بين الرأسمالية والشيوعية وانتصار العدل الإسلامي عن طريق ثورة القرامطة. يقسم علي أحمد باكثير هذه الرواية إلى أدوار أربعة. ولكل دور في الرواراية طبيعة خاصة في بنائها من سرد الأحداث والوقائع. وفي بداية كل دور من الأدوار الرواية يحاول الكاتب أن يثبت آية قرآنية بكل وضوح وصراحة على مقتضى الموضوع مما يجعل النص القرآني ذا صلة وثيقة بالبناء الروائي على سبيل المثال قد وضع على الضفحة الرئيسية الأية القرانية "و إذا أردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيا ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا"[vi] والجدير بالذكر أنه يبدأ كل دور هذه الرواية بالآيات القرآنية.

"سيرة شجاع" أخرجها في عام 1056م. وهي رواية تاريخية تدور أحدثها حوا آخر أيام الحكم الفاطمي وبداية الحكم الأيوبي في مصر. تكشف الرواية بشكل درامى شخصية ضرغام التى كانت غامضة لدى عامة الشعب رغم وفائة و إخلاصة الشديدين حتى أن شجاع فى نهاية المطاف يتمنى أن يكون إبن ضرغام الذى يراه الناس خائن وقاس ولا يكن إبن شاور الذى بإسلوبة العذب و كلامة الملتف يكسب تأييدهم .

"الفارس الجميل" وهي رواية تاريخية أصدرها عام 1965م. تحكي هذه الرواية عن الصراع بين العاطفة والواجب في نفس مصعب بن زبير. يرسم باكثير في هذه الرواية صورة أخرى للصراع من أجل المصالح الشخصية والتوسيع في السلطة على حساب وحدة الأمة ومصلحتها الحقيقية. اختار موقف من تاريخ الصراع بين بني أمية وبني هاشم، وبين خلفاء معاوية بن أبي سفيان ومثلهم عبد الملك بن مروان، وخلفاء علي بن أبي طالب ومثلهم عبد الله الزبير وأخوه الفارس الجميل مصعب بن الزبير الذي هو بطل الرواية. أظهر على أحمد باكثير براعة في السرد والتخيل والتحليل لشخصية البطل، ورغم ذلك لا أستطيع تصنيفها بالقصة التاريخية حتى وإن اعتمدت في مادتها الأساسية على هذا الحدث التاريخي الضخم، لأن الهدف منها ليس قص لأحداث تاريخية بقدر ما هو تخيل لحورارات وصراعات البطل الداخلية على عدة مستويات اجتماعية وسياسية ونفسية.

 نتيجة البحث: إن اعتماد الرواية التاريخية على الحدث التاريخي لا يعني أنها تعيد كتابة التاريخ بطريقة روائية فحسب، بل ترتبط صلتها بالتاريخ للتعبير عما لا يقول عنها التاريخ. وهي نتيجة امتزاج التاريخ بالأدب الحاضر، يصوغ فيها الكاتب صياغة جديدة لا أن ينقلها كما حدث في التاريخ، وإنما يستمد من التاريخ مادة للرواية عملا مشروعا.[vii] قد فعلت روايات باكثير بعناصر إبداعية متنوعة وعالجت قضايا مهمة تتعلق بالفرد والجماعة. تظهر في رواياته جرأته الفنية في تطوير الشكل والمضمون وفي تقديم صياغة جديدة لم تعهد روايات من قبله ولم يسبق إليه أحد من الكتاب. لقد حاول علي أحمد باكثير من خلال هذه الروايات التاريخية لإفهام التاريخ الإسلامي والتبصر فيه والاتعاظ به والاستفادة منه إحياء التراث الإسلامي وإعادة القيم الخلقية والمثل العليا التي ازدهرت في ظل الإسلام. قد أبدى رؤيته مستلهما من أحداث التاريخ الإسلامي وأبطاله مشيرا إلى أحداث الواقع وشخصياته البارزة.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية- كولكاتا- الهند

....................

 الهوامش:

[i] عبد الله الخطيب: روايات علي أحمد باكثير في الروئية والتشكيل، ص 17

[ii] علي أحمد باكثير في حضر موت: محمد أبو بكر حميد، مجلة الأدب الإسلامي ص 14-21

[iii] Omotos, Ali Ahmad Bakathir, a contemporary conservative Arab writer- An appraisal of his main plays and novels , P 28

[iv] السومحي، علي أحمد باكثير: حياته و شعره الوطني والإسلامي، ص 34

[v] المصدر السابق: ص 40

[vi] سورة الإسراء رقم الآية 16

[vii] عبد الفتاح الحجمري: هل لدينا رواية تاريخية، مجلة فصول،ج، 2، ‘ 16 ص، 62 عام 1995

 

كريم مرزة الاسديبيتٌ من الآدابِ أصبح نصفهُ***خرباً وباقي نصفه فسيخربُ

ماتَ المبردُُ وانقضتْ أيامهُ** ومع المبردِ سوف يذهب ثعلبُ

وأرى لكم أن تكتبوا ألفاظـــهُ*** إذ كانت الألفاظ فيمــا تكتبُ

لا نريد الخوض في المسائل النحوية، والخلاف الدقيق بين المدرستين، وإبداء وجهة نظرنا الخاصة فيما دهبوا إليه أصحابهما، وفلسفة التوجهات الخلافية والتوافقية بينهما تركناها لكتابي ( نشأة النحو العربي ومسيرته الكوفية / مقارنة بين النحو البصري والنحو الكوفي) مع وجهة نظرنا ورأينا والترجيح المأمول ما في عقلنا حول العقول؛ وإنما الآن كعادتنا في بقية الحلقات نروم إلقاء نظرة على جهود عباقرة العرب وأفذاذهم وتفانيهم في سبيل إعلاء رفعة لغتنا الجميلة، لأن اللغة هي وجه الأمة المعبر عن حضارتها وثقافتها وشموخها! فالموضوع ثقافي بنفحات علمية نحوية لكي لا يتجشم العناء القارئ الكريم، وبتصرف غير قليل .

لما عاد المازني شيخ البصريين بعد أن سأله الخليفة الواثق عن سرِّ(رجلاً) في غناء جاريته، ظهر شيخ الكوفيين أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الملقب (ابن السكيت)، كان معلماً للصبيان في قرية (دورق) بخوزستان، ويرجح بروكلمان أنه آرامي الأصل، والرجل درس على الفرّاء، وأبي عمرو الشيباني، وابن الأعرابي من الكوفيين، كما أخذ عن الأصمعي وابن عبيد الأترم من البصريي، وألتقط اللغة من أفواه الأعراب (1). وكانت مصنفاته الكثيرة مضرب المثل في الجودة والإتقان والثقة، وقيل ما عبر على جسر بغداد كتاب في اللغة مثل (إصلاح المنطق)، وعرف عنه إمام بنحو الكوفيين، وعلم القرآن واللغة والشعر، راوية ثقة ، وقد عدو علم الكوفيين منتهياً إليه وإلى ثعلب(2)، وقال عنه ثعلب:

" أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الإعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت " (3)، وكان المتوكل قد ألزمه تأديب ولده المعتز بالله، وبعد تأديب هذا غدر به المتوكل وقتله على سبب لا يعقله عاقل، وتناقله المؤرخون؛ إذ أمره " بشتم رجل من قريش، فلم يفعل، وأمر القرشي أن ينال منه، فنال منه، وأجابه يعقوب.

فلما أجابه، قال له المتوكل: أمرتك أن تفعل، فلم تفعل؛ فلما شتمك فعلت، وأمر بضربه، فحمل من عنده صريعاً مقتولاً (244 هـ / 858 م)، ووجه المتوكل من الغد إلى بني يعقوب عشرة آلاف درهم ديته"(4)، هذا هو قضاء وقدر ابن السكيت أمام المتوكل.

لماذا يشتم رجلاً لم يشتمه؟!

وما الحكمة في هذا الشتم المبتذل ؟! لولا الأمر دّبر بليل - إن صحت رواية ابن الأنباري الكبير! - ولما نال هذا القرشي منه، من المروءة أن يرد عليه؛ بل يرد الصاع صاعين، لإمتناع ابن السكيت عن سبّه أولاً، ولرد الشتيمة بالمثل ثانياً، فما بال المتوكل يقتله صريعاً، وهو الذي أمره بتأديب (معتزه)، وأين... وما جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! وعلم ذلك وحسابه عند ربك، وهنالك رواية أخرى ينقلها (السيوطي) في (بغية وعاته)(5)، عكفنا عن نقلها لما تتضمن من دوافع طائفية، لا تصلح في هذا العصر المفترض أن نكون أكثر وعياً وإنسانية - إن صحت الرواية أيضاً - .

والحقيقة منذ عهد الواثق وقدوم المازني إلى بغداد كما ذكرنا، أحدث تحولاً هاماً في تاريخ المدرستين من حيث التنافس على بغداد وقصورها، وتحقيق الأمتيازات، فقد بدأت الكفة تميل الآن إلى جهة البصريين، وأصبحت ثقة بغداد تزداد بهم على حساب الكوفيين، وخصوصاً بعد وفاة ابن الإعرابي (231 هـ / 846م)، ومقتل ابن السكيت؛ إذ أخذ الخلفاء يستدعون البصريين للتحكيم في المسائل النحوية واللغوية، وممن استدعي (المبرد) البصري إلى (سر من رأى) سامراء حيث مقر الخلافة حين ذاك، ثم إلى بغداد من قبل صاحب شرطتها، ولكن اقتراب المازني في أرائه من الكوفيين، واقتربَ الكوفيون أيضاَ منه لكثرة مادار من مناظرات جعلت كلّ فريقٍ يتمعن ويتبصر ويعيد النظر في آراء الفريق الآخر (6) .

............

والمبرد هوأبو العباس محمد بن يزيد ينتهي نسبه إلى الأزد من ثمالة (211 هـ - 285 هـ / 826 - 898م )، إمام البصريين في عصره، تلميذ أبي عثمان المازني وأخذ عن أبي عثمان الجاحظ،، وأبي حاتم السجستاني، وحضر مجالسه.

ونهل من علمه كبار علماء النحو واللغة والأدب، أمثال الزجاج والصولي ونفطويه وابن السراج والأخفش الأصغر وأبي الطيب الوشاء وابن المعتز العباسي وغيرهم.

تنافس هو وثعلب إمام الكوفيين الآتي ذكره في عصرهما، وقد سئل النحوي الشهير (أبو بكر بن السراج)، صاحب كتاب (الأصول في النحو)، أيهما أعلم المبرد أم ثعلب؟ فأجاب: " ما أقول في رجلين العالم بينهما ." (7)

وللمبرد عدة مؤلفات أشهرها: (الكامل في اللغة والأدب)، وهو من أشهر كتب أدب العرب على مدى تاريخهم، عدد مجلداته وصلت ثمانية في بعض الطبعات، مدحه ابن الرومي بقصيدة طويلة (98) بيتاً:

أضحت الأزد وأضحى بينها *** جبلاً وهي رعانٌ وريود

ويميناً إنك المرء الذي *** *حبه عندي سواء والسجود

والبحتري الأشهر في عصره والمتنفذ - وهو طبعاً من معاصريهما - داعيا لأخذ العلم منه، فهوالكوكب المسعود:

نال ما نال الأميرُ محمد *** إلا بيُمن محمـد بـــــن يزيــدِ

وبنو ثمالةَ أنجمٌ مسعودة** فعليك ضوءُ الكوكب المسعودِ

واضح (محمد بن يزيد)، وهو من ثمالة، يعني به المبرد، ولابد أنه كان يدرّس الكثير من أبناء الملوك.

وأكرر مرة أخرى هذا المبرد الكبير هو الذي قبل يد دعبل، ونقل عنه رواية رائعة، باعتراف ابن المعتز العباسي؛ وهو أيضاٍ ابن خليفة وشاعر وناقد كبير عاصرهما .

....................

وكان (ثعلب) الكوفي موازياً للمبرد في العلم والشهرة والمكانة، ثعلب أيضاً كنيته أبو العباس، وهو أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني إمام الكوفيين في النحو واللغة ( 200 هـ - 291هـ /815م - 903م)، ولد في بغداد ونشأ وتوفي فيها إبان خلافة المكتفي؛ ولكن مدرسته النحوية كوفية خالصة، والدكتور المخزومي يقول: "أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب ثالث ثلاثة قامت على أعمالم مدرسة الكوفة النحوية، وهو بغدادي المولد والمنشأ، وكان شيبانياً بالولاء " (8)، أما الآخران فهما الكسائي والفراء، وأخذ ثعلب عن محمد بن زياد الإعرابي، وعلي بن المغيرة الأثرم، ومسلمة بن عاصم، ومحمد بن سلام الجمحي وغيرهم.

وأخذ عنه أبو الحسن علي بن سليمان (الأخفش الأصغر)، وابن عرفة وابن الأنباري، وكان ثعلب ثقة ديناً مشهوراً بصدق اللهجة والمعرفة بالغريب، ورواية الشعر، قال عنه المبرد "أعلم الكوفيين ثعلب " (9)، مقدماً على الشيوخ وهو حدث، وعلى ما يبدو مما ذكر تستشف، إنه غير ميال للمناقشة والتحاور والمجادلة مع المبرد؛ ولكنه خطيب في المحاضرات بشكل عجيب، ربما بديهته، وكثرة معلوماته، لا تساعدانه على الرد السريع؛ ولكنه سريع الحفظ ، خطيب من الطراز الأول، فهو يصلح للمحاضرات، لا الأخذ والرد السريع - والله أعلم- .

ةيحدث التاريخ: إنّ أبا جعفر أحمد ابن إسحاق البهلولي القاضي الأنباري وأخاه البهلول " دخلا مدينة السلام في سنة خمس وخمسين ومائتين، فدارا على الخلق يوم الجمعة، فوقفا على حلقة فيها رجل يتلهب ذكاءً، ويجيب على كلّ ما يسأل عنه من مسائل القرآن والنحو والغريب وابيات المعاني، فقلنا من هذا ؟ فقالوا: أحمد بن يحيى ثعلب ." (10)

إذاً كان ثعلب يتلهب ذكاءً؛ ولما مات المبرد، وقد أوردنا سنة وفاته قبل ثعلب، وقف رجل في حلقة ثعلب وأنشد:

بيتٌ من الآدابِ أصبح نصفهُ***خرباً وباقي نصفه فسيخربُ

ماتَ المبردُ وانقضتْ أيامهُ** ومع المبردِ سوف يذهب ثعلبُ

وأرى لكم أن تكتبوا ألفاظهُ*** إذ كانت الألفاظ فيمــا تكتبُ (11)

يتبين مدى أهمية اللغة إبان تطور الحضارة العربية، وعندما تزدهر الأمة تزدهر في جميع أتجاهاتها، ثم ركز على عجز البيت الثاني والتمييز بين الكلام المكتوب ولفظ الكلام المنطوق حيث يتجسد غفى هيئة نبرات وموجات وترددات وتعبيرات وإشارات وانفعالات، فالحق مع الشاعر؛ إذ يقول (إذ كانت الألفاظ فيما تكتب).

بالرغم من قوة حفظه المشهور - وأقصد ثعلباً- كان يأخذ الكلام على عدة وجوه، بارعاً في التعليل يذكر بلسانه:" كنت أصير إلى الرياشي لأسمع منه، فقال لي يوماً، وقد قـُرئ عليه:

ما تنقمُ الحربُ العوان مني***بازلُ عامين صغيرٌ سنـّي

كيف تقول: بازلُ أو بازلَ ؟ فقلتُ: أتقول لي هذا قي العربية؟ إنما أقصدك لغير هذا، يروى بالرفع على الآستئناف، والنصب على الحال، والخفض على الأتباع فأستحيا وأمسك " (12) .

وهذه الحادثة التي وقعت بين ثعلب الكوفي مدرسة، والرياشي البصري سبقت سنة (259 هـ / 871م)؛ لأن أبا القضل عباس الرياش، وكان أسود قتل في ثورة الزنج في السنة المذكورة سابقاً، وهو من جذام ، له (كتاب الخيل) و(كتاب الأبل)، وهذا (ثعلب) كان مقتراً على نفسه، فجمع ثروة، وله عدة مؤلفات: المصون في النحو، معاني القرآن، اختلاف النحويين، معاني الشعر... نكتفي بهذا القدر الذي يعفيك من الضجر، ويريحني من السهر، ولله من قبل ومن بعد الأمر !!

 

كريم مرزة الأسدي

.....................

المراجع والمصادر بلا أرقام الصفحات.

(1) راجع (نزهة الألباء ..): ص، و(مراتب النحويين): ص، و(وفيات الأعيان): ج2 ص (بولاق )، (الدراسات اللغوية...) د. محمد حسين آل ياسين ( مكتبة الحياة - 1980م - بيروت) كلها م . س من كتابنا (نشأة النحو العربي ومسيرته الكوفية / مقارنة بين النحو البصري والنحو الكوفي) .

(2) راجع (آل ياسين): المصدر السابق.

(3) (مراتب النحويين): المصدر السابق.

(4) ( نزهة الألباء): ص م , س .

(5) (بغية الوعاة ): السيوطي عبد الرحمن مطبعة عيسى الحلبي 1965م - القاهرة .

(6)(المدرسة البغدادية ): ص م . س.

(7) ( إنباه الرواة)ج1 ص م . م .

(8) (مدرسة الكوفة ..): د. مهدي المخزومي ط2 - 1958 - ط 2 - مصر.

(9) (نزهة الألباء): ص م. س .

(10) (طبقات النحويين واللغويين): ص م. س . ترجمة محمد بن قادم.

(11) (إنباه الرواة): ج 1 ص م . س.

(12) (بغية الوعاة): ج 1 م. س.

 

عدنان حسين احمدمن روايات "القائمة القصيرة" لجائزة "بوكر" العربية

تتعالق رواية "شمس بيضاء باردة" لكفى الزعبي الصادرة عن "دار الآداب" ببيروت مع "ملحمة جلجامش" وتستحضرها كنصٍ دراميّ موازٍ بثيماته وشخصياته الرئيسة، كما تتلاقح مع كتب أخرى يعرفها القارئ المتابع مثل "تاريخ الجنون" لميشيل فوكو، و"أسطورة سيزيف" لألبير كامو، و"الجريمة والعقاب" لدستويفسكي وغيرها من الكتب الأدبية والفكرية التي تركت بصمتها الواضحة على القرّاء والمتلقّين في مختلف أرجاء العالم، لكن هذه التعالقات الأسطورية، والتلاقحات الفكرية برمتها لم تمنع من تدفق النص السردي الذي اجترحته الروائية كفى الزعبي من الواقع الأردني الذي لا يختلف كثيرًا عن واقع الدول العربية الأخرى التي تفتقر إلى الحرية، والمواطنة، وحق العيش الكريم.

حين صدرت هذه الرواية عام 2018 منعتها الرقابة الأردنية لكنها سرعان ما تداركت الأمر وسمحت بنزولها إلى المكتبات لأنها تعرف جيدًا أنّ وسائل التواصل الاجتماعي كفيلة بإيصالها إلى كل القرّاء الذين يتحرّقون شوقًا لقراءة الكتب والروايات المحظورة التي تحجبها الدولة وتمنع تداولها في الأسواق.

قبل الولوج في تضاعيف هذا النص السردي الجريء لابدّ من الإشارة إلى أنّ كفى الزعبي قد أصدرت خمس روايات ناقشت فيها ثيمات حسّاسة، ففي رواية "سقف من طين" تعود إلى سيرتها الذاتية لتنهل من سنوات الطفولة والصبا والشباب أفكارًا لما تزل تتردد في حياتها. وفي رواية "عُد إلى البيت يا خليل" تُحيطنا علمًا بمعاناة الإنسان الفلسطيني الذي يرزح تحت ظل الاحتلال الإسرائيلي، أما في رواية "ليلى والثلج ولودميلا" فقد تناولت فيها الأنا العربية والآخر الروسي، بينما ركّزت في "ابن الحرام" على السلطة الأبوية والسياسية، فيما تمحورت رواية "س" على الصورة النمطية للمرأة التي يرى فيها المجتمع العربي كائنًا هشًّا، وضعيفًا، وناقصًا لا يكتمل إلاّ بوجود الرجل.

لم تبتعد الرواية السادسة التي نحن بصدد دراستها وتحليل خطابها السردي عن مجمل الثيمات والمفاهيم والأفكار التي وردت في رواياتها السابقة لكنها ركزت على البطل السلبي، المأزوم الذي تُفضي به حياته السوداوية إلى الجنون، كما يدفع الفقر، واليأس، وشظف العيش بصديقه أحمد إلى الانتحار بطريقة مروّعة حين ينحر نفسه بسكين حادة يقطع فيها رقبته من الوريد إلى الوريد.

لم تتبّع الروائية نسقًا تصاعديًا في السرد وإنما تبدأ من نهاية الحكاية تقريبًا، إذ تقدِّم لنا بطلها الإشكالي بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى، فهو قروي من أصول بدوية يسكن في قرية لم تُسمّها الكاتبة كي توسّع دلالتها إلى كل القرى الأردنية، ولديه أسرة تتألف من أمه وأبيه اللذين لم تُسمّهما أيضًا، وشقيقه الأكبر فهد، وأخته نوال. لو تتبعنا البطل "راعي" لوجدناه يحب القراءة، ويقتني الكثير من الكتب التي أفسدته لأنها جعلته "مُلحدًا وزنديقًا وفاشلاً" كما يعتقد الوالد، وأكثر من ذلك فقد جعلته معزولاً ومتوحدًا لا يشبه الناس الآخرين فهو يعتقد إنه ولِد من أجل تحقيق غايات عظيمة كما تصوِّر له مخيلته المجنّحة لكنه في واقع الحال ليس أكثر من متشرّد، بائس، يقترض النقود من أصدقائه القليلين، ويعاقر الخمرة، ويبحث عن أجوبة شافية لأسئلته الوجودية لكنه لم يعثر عليها في الكتب الأدبية والفلسفية التي يقرأها.

لعل أولى تعالقات هذه الرواية تحدث مع ملحمة جلجامش، فـ "راعي" يتقمص شخصية "أنكيدو"، و"عائشة" الفتاة المسكينة البلهاء تمثّل دور "البغي المقدسة"، وزوجة صديقه أحمد تلعب دور "عشتار"، وصاحبة الحانة تُحيلنا إلى "سيدوري"، أما الأب المستبد فهو مهموم بنهب ممتلكات الآخرين والسيطرة عليها خلافًا لمنظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية التي تربّى عليها في القرية أو استمدها من البادية. وعلى الرغم من التناقض الصارخ بين الابن وأبيه إلاّ أن كليهما يقترف أخطاءً جسيمة حين تزورهما عائشة وأمها التي تذهب ضحية حادث سير وتترك ابنتها البلهاء نهبًا للأقدار، وبينما ينهمك الأب في سرقة مصاغها الذهبي، والاستيلاء على حقها الشرعي في البيت والأرض الزراعية، يستجيب "راعي" لإغراءاتها الجنسية فيزرع جنينه فيها ليضع العائلة أمام محنة لا منجاة منها إلاّ بإسقاط الجنين أو التخلّص من عائشة، فيُوسعها الأب المتوحش ضربًا مبرحًا حتى يموت الجنين في بطنها فتفارق الحياة.

تتفاقم الأحداث حين يبدأ "راعي" بارتياد المكتبة العامة في جبل عمّان ويقع في حُب امرأة جميلة وسوف يكتشف لاحقًا أنها زوجة صديقه أحمد الذي انتحر لأنه لم يعد قادرًا على تلبية احتياجات الأسرة ودفع إيجار المنزل لضيق ذات اليد فيضع حدًا لحياته تاركًا زوجته الجميلة في مواجهة عبث الأقدار في مجتمع لا يوفّر فرص العمل لأبنائه الخُلّص الذين يملؤون المقاهي والحانات.

يُنقَل "راعي" من عمّان إلى مدرسة أخرى في محافظة الزرقاء القابعة على حافة الصحراء، ويستأجر بمساعدة صديقه أحمد غرفة في شقة المهندس مازن فتتشظى الأحداث وتأخذ أبعادًا فلسفية جديدة بفضل هذا البدوي السُريالي المثقف الذي يثير تعاطف صاحبة الحانة، ويستميل بعض المشرّدين الذين يربضون أمام الحانات المتوارية في الأحياء الشعبية بعد أن خسروا في المعركة الدائرة بين الأرض والسماء منذ الأزل. لم تُسفر اللقاءات المتكررة بين "راعي" وزوجة أحمد عن شيء مهم سوى الاتهامات التي كان يوجهها إليها وكأنها كانت السبب الأول والأخير في انتحاره الأمر الذي يدفعها للانتقال إلى مكان مجهول. وحين يعجز "راعي" عن الوصول إليها مُجددًا يسقط في دوّامة الجنون التي كان يقف عند حافتها سابقًا. تتمحور الرواية برمتها على سؤال جوهري مفاده: مَنْ أنا؟ أو ما الإنسان؟ ولم يجد جوابه في معظم الكتب التي قرأها لكن حين تُدهمه مجموعة أشخاص وهو يهذي في غرفته المتعفِّنة والخالية من النوافذ ويسألونه نفس السؤال الذي أرّقه طويلاً: "أتعرف منْ أنت؟" فيجيب من فوره: "أنا كاتب عظيم وخالد، وأن اسمي سيحظى بقدسية حتى أبد الدهر".

لا يمكن قراءة "شمس بيضاء باردة" قراءة واقعية فقط، لأن هدفها الأساسي يكمن في القراءة المجازية التي تبتغيها الروائية كفى الزعبي، فهي لا تجد ضيرًا في أن تكتب نصًا جريئًا قد يعرّضها للمساءلة القانونية لأن الثيمات الرئيسة والفرعية في هذا النص المشاكس تتجاوز حدود تشريح البنية الأسرية والمجتمعية وتتعداهما إلى مقاصصة السلطة السياسية التي تناصب اليسار المحلي والعالمي عداءً مُستحكمًا يفضي بأصحابه ورموزه في معظم الأحيان إلى النبذ أو السجن أو الجنون.

تضع كفى الزعبي في هذه الرواية المحبوكة اصبعها على الجرح وتلمّح إلى العلل الأساسية التي يعاني منها المجتمع الأردني خاصة والعربي بشكل عام، ورغم أن مهمتها الأساسية كروائية هي إثارة الأسئلة، لا تقديم الإجابات إلاّ أن القارئ الحصيف سوف يُدرك بأنها تشير إلى ضرورة الإصلاح السياسي في البلد، وتتمنى لبلدها أن ينعتق من ربقة التبعية الاقتصادية كي يصبح حُرًا شرط أن تبدأ هذه الحرية بالإنسان قبل أن تمرّ بمفاصل الدولة والمجتمع لأن الحرية بمعناها الأوسع هي المفتاح السحري للمشاكل والمحن المستديمة التي يعاني منها الإنسان العربي مذ أفَلَت عن حياته شمس العدالة الاجتماعية الدافئة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

جمعة عبد اللهتشق طريقها الشعري، بأمكانية متمكنة في ادواتها الابداعية وتنوع اساليبها . في الصياغة الفنية والتعبير الدال بالمعنى والمغزى، يشعر القارئ من خلال نغمات الحزن ومكابدة الالم، في الالفة في الصور الشعرية، ويتفاعل معها بالشحن المؤثر في احساسه الداخلي . ويدخل في مناخات القصائد واجوائها المتوترة والساخنة، ويشعر بوجع وحزن الشاعرة. في محنتها مع الواقع المر والمرير (قديماً وحديثاً)، بالتوجس العميق الذي ينعي الوطن المرمي في أتون الحروب المتواصلة، مما تثقل معاناة كاهل الغربة والاغتراب باحمال ثقيلة . وقصائد الديوان الشعري تقتحم موضوعات الواقع، في اصعب وادق ازماته الحساسة وقضاياه الملتهبة . في مكوناتها البارزة، في هوس الحروب وجنونها المزمن، بأن تجعل الحب، يكتوي على جمرة النيران والحرائق المشتعلة. تجعل الحب في دروب مجهولة، يعاني الجفاف واليباس في سحب الغيوم بالدخان الكثيفة، التي تطحن الواقع بالحزن والمعاناة . انها مواجهة حامية الوطيس بين الحب والحرب، رغم ان الاختلاف اللغوي يقتصر على حرف الراء، لكنه يرسم المحنة المأساوية الكاملة . في الدلالات التعبيرية العميقة، فالاول (الحب) يمثل الحياة، والثاني (الحرب) يمثل الموت . اي ان الشاعرة تضعنا في معادلة صعبة بين الاثنين . بين الحياة المفعمة بالامل . وبين الحياة المفعمة بالحزن والسواد . بين الحلم الذي يعزف على قيثارته العذبة، وبين صراخ الانين الذي يعزف على الآهات القهر والحسرات المؤلمة لفواجع الحرب، التي تخطف الاحبة فجأة دون سابق أنذار، في حياة تكون عبارة عن (بسطال) يركض ويهرول من حرب الى حرب اخرى . لتكون الحياة عنواناً عريضاً يقرضها، الفزع والرعب والموت . وتكون الروح مفجوعة، لانها تحولها الى توابيت ومقابر . هذه العلة المؤلمة والقاسية، ان يسلب الحب من ممتلكاته، عندما يحشر عنوة حرف الراء، بين الحاء والباء . ويكسر ظهر الحب . هذه المكاشفة الجريئة في قصائد الديوان . فقد استطاعت الصور الشعرية، ان تتلامس بالعمق مناخات الواقع، الذي يرزخ تحت جحيم الحروب المتواصلة، في حرائقها المشتعلة . حتى (يوسف) الجميل افتراضاً، لم يعد جميلاً ومرغوباً فيه، وانما تتحاشاه النساء، لانه اصبح مطرود من اي مكان يتجه اليه . حاملاً حبه المكسور بالاهات والحزن، يسألونه عن هويته وينكر صلته بالطين، فلم يعد عزيزاً ومحبوباً في اي مكان يلتجئ اليه، بل يتجول كالغريب المتشرد والطريد، يبحث عن مكاناً يقبل حبه كلاجئ حتى يأوى اليه من عنفوان جفاف الحياة .ويحشر اسمه مع الحفاة العاطلين عن الحب، يلوكون الاكاذيب، بينما (زليخة) تنتشئ في انتصارها، تجلس في شرفة دافئة متباهية بالكبرياء منتشية بكأس لبن وقضمة تفاح، وتراقب زهور البنفسج وأشجار البلوط .

لم يكن عزيزاً في مصر ولا غيرها

أينما وجه وجهتهٌ

يسألونه عن هوية شاحبة

فينكر صلته بالطين

يوسف الجميل أفتراضاً

تتحاشاه النساء

ويخاط اسمه مع اقداح شاي الحفاة،

العاطلين عن الحب

المهووسين بارتجال الاكاذيب،

ولد بثياب مقطعة

يهش الكلاب بعصاه

ويسعد حين غيابه عن الصف

زليخة منتشية بكأس لبن وقضمة تفاح

تجلس الآن على شرفة دافئة

 تراقب زهور البنفسج

أشجار البلوط (ص11)

تغفو الحياة على معاناة سوداء، فقد فقدت زينتها ونضارتها، واصبحت شاهدة لعاشق صلب حباً ومات مغنياً، تتشح المدينة بالسواد، يمتزج بنعيق الغربان، لتصبغ الحياة بلون السواد على صباحاتها، وتنام الشوارع باكراً كالدجاج . والنساء خلعت حسنهن بجفاف الحياة، ويتجرعن بالمرارة، حتى الشفاه جفت ويبست، فلم تعد حقائبهن يحملن لو بقايا (قلم الحمرة)

تغفو شاهدة لعاشق صلب حباً ومات مغنيا ً

***

هذا قبل أن تتشح المدينة بالسواد حتى أخمص نهريها

ويمتزج نعيق الغربان ولون الدم فوق صباحاتنا

وتنام شوارعنا باكراً جداً كما الدجاج (المكرك)

خلعت النساء حسنهن

ذيقت أرواحهن بالمرارة

وتيبست الشفاه

فلن تجد في حقائبهن حتى لو بقايا (لقلم حمرة) (ص16)

***

 هذا التبدل في الواقع الذي في أتون حربين، هو سبب الخلاف والعلة الخلاف في الحب الذي يفقد طريقه، وتنقلب الحياة على نفسها، حين توسط حرف الراء، بين حاء وباء، وتبدل الحب الى الحرب

ولسنا اختلفنا

إلا على الراء

حين تريد التوسط

بين حاء وباء (ص 34)

سقطت كل الازمنة وانهزمت . سوى التاريخ يسجل انتصاراً لتاريخ الدم . وحدهم التتار (واحفادهم) يكتبون صفحات التاريخ بالدم . وحدهم يتناسلون بالتوراث وتوالد، لكي يصبغوا الواقع والحياة بالدم . وحدهم يكتبون عفونتهم، الملطخة بالسواد والحزن وسفك الدماء، التي اصبحت انهاراً جارية . فلا نحلف بعد الآن بدجلة فقد جف وتقلص عمره، وتيبس الفرات وفاض بالجثث . فمن يستطيع ان يكتب قصيدة خوفاً من لعنة التتار، فلا تكتبون اسم شاعرتها، لانها ليس قصيدة . وانما تكشف عري التتار الملطخين بالدماء . من يستطيع ان يترك الاطفال ينظفون انفسهم من اردان الحروب، صاروا التتار يختارون لنا اسماء جديدة، هذا زمن المهزلة

التتار وحدهم صنعوا تاريخاً يتوالد الى الآن

أحمر - قان

لا تحلفوا بعد الآن بدجلة

فقد تناقص عمره

وفاض فراتنا يباساً

وجثثاً

مزقوا هذه الصفحة أن شئتم

فقد أتعرض لسباب حد ينتمي للتاريخ اكثر مني !

أو ...............

لا تكتبوا اسمي عليها فقد لا تكون هذه قصيدة

فقط

اتركوا أطفالنا ينظفون انفسهم من اردان الحروب ويختارون لنا

أسماء جديدة ! (ص 78)

بالوعة اسمها الحرب حين فتحت ابوابها، خلع الاب شبابه، ودخلها عارياً من العودة . فقد تحولت الحياة الى (بسطال) ينتقل من حرب حرب، وضاع العمر في ضجيج الحروب . وعاشرت الام الدموع والآهات والخيبات .

بمجرد ان فتحوا أبواب الحرب

خلع أبي شبابه

ودخلها عارياً من العودة

استقلت أمي على سرير الدمع

وتغطت بآهاتها

أنا الوحيدة التي صرت أراقب ساعة الصمت المعلقة على الحائط

ببلاهة

واعد دقاتها

خيبة

خيبة (ص111)

الذكريات العالقة بالحنين التي تشتعل في دواخل الوجدان، وتنهال في يوم عادي في مسامرة اقداح الشاي، ذكريات الام، التي كابدت معاناة سنوات العجاف في الحروب التي خنقت الحياة، وكانت تذرف دموعها حزناً على غياب الاب في الحروب، فكانت تعلعل بذرف دموعها بحجة رائحة البصل . هذه الذكريات الاليمة تنهال عنوة على دروب الغربة والاغتراب .

تجلس ايامي بكل هذه الخيبة

تعد لحظاتها الهاربة دون أن تمل العدَّ

وأنا في يومي العادي هذا

أتذكر أمي

وكيف كانت

تتحجج برائحة البصل

تذرف دموعها في المطبخ لغياب أبي

الذي تسلق حياته حرب على حرب  (ص 137)

 

- ديوان الشعر (وأنا أشرب الشاي في نيوجرسي)

- الشاعرة: فليحة حسن

- تاريخ الاصدر: الطبعة الاولى 2018

عدد الصفحات: 151 صفحة

-  اصدر: الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق

 

جمعة عبدالله

 

 

 

 

731 سعد سعيدالكاتب العراقي "سعد سعيد" من مواليد ١٩٥٧ – خانقين، له تسع روايات مطبوعة "صوت خافت جداً" التي سنتناولها آخر رواياته.

فضاء الرواية

لو تعمقنا في فضاء الرواية وتفاصيلها سنلاحظ أن القصة الرئيسة هي قصة العلاقة التي ولدت ما بين "سفانة" و"الدكتور فارس"، تطورت هذه العلاقة بعد اللقاءات المتكررة إلى أن عملت "سفانة" كسكرتيرة في عيادته وأحبت الشخصية الشاذة "فارس"، لكن القدر لم يكن لطيفاً مع هذا الحب إلى أن هاجرت "سفانة" بلدها، ومع ذلك لم تفقد الأمل بالعودة إلى وطنيها كما تقول في رسالتها "فأنت الشخص الوحيد في العالم الذي يمكنه أن يعيدني إلى العراق بإشارة واحدة منه.. لأنني مازلتُ أحبك يا فارس"، فلو كان العراق وطنها الأول، قلب "فارس" وطنها الآخر فالعودة إلى الوطن مرتبطة بقلب المحب، أي بينهما علاقة تكاملية.

أما القصص الخارجية فتتعلق بواقع العراق، أي لقصة "سفانة" والدكتور إطار قصصي أكبر يتعلق بالواقع العراقي قصصٌ تصور معاناة الشارع العراقي من القلق والخوف والفقر والقتل والحالة غير المستقرة للبلاد بشكل عام، نستطيع أن نقول فضاء الرواية قصة داخل قصص كثيرة، ومن تلك القصص الواقعية: "ألا ترين حال العراقيين، فهم يرون في الحزن جمالاً باهراً! (ولچ حتى عيدهم يبدي بالمقابر!).. هل سمعت يوماً بشيء كهذا؟.. أعياد تبدأ من البكاء على القبور؟!" ١٤٣، تصوير حالة شائعة للعراقيين بحيث يبدؤون عيدهم بالبكاء على القبور، ففي كل بيت فقيد وشهيد بسبب الأوضاع السائدة في البلاد، غير أن العراقي لو أراد التعبير عن أفراحه الكبيرة ستكون لغة ذلك التعبير البكاء فرحاً، أي في الأحزان والأفراح يبكي! وقد جاء في مثال آخر حيث يصور لنا نفسية فارس "ما إن رأى ذلك الحشد الهائل الموزع في حدائق ذلك المبنى التأريخي، حتى أضاف.. ستكون كارثة إن حدث هنا عمل إرهابي.. عادت به الذاكرة إلى عام ٢٠٠٧ حين وقف عند آثار التفجير الذي تعرض له الشارع وخلّف عشرات الضحايا، فقال لنفسه مرة أخرى.. ستكون الكارثة أكبر بكثير الآن نظراً لهذا العدد الهائل من البشر نسبة إلى ذلك الوقت" ١٠٩، أي حتى في الأوقات التي يعمّ السكون أرجاء الوطن يتوقع الفرد العراقي وقوع الكوارث، وفي مثال آخر، الحوار الخارجي الذي دار بين النقيب وفارس قال "تتظاهرون ضد الحكومة"٤٤، وكأن التظاهر ضد الحكومة جريمة ما بعدها جريمة يُحاسب عليها الإنسان بسبب طلب أولى احتياجاته البسيطة!

مدلول عام للعنوان

صوتها خافت جداً، لأن حينما تُحَدّث "سفانةُ" "فضيلة" فكأنها تحدث نفسها فقط برغم ثرثرتها الدائمة لــ"فضيلة"، لكن هي تبقى شخصية غائبة عن حياتها، وصوتها عالٍ جدا، فهي عندما تُحَدّث "فضيلة" فكأنها تحدث العالم أجمع.

تبدأ الرواية بــ"صوت خافت جدا"ً، صوت الحروف لا المكالمات، حيث تبدأ "سفانة" بكتابة رسالة طويلة لفارس بعد سفرها، كان بإمكانها أن تكلمه لكنها لم تفعل ليكون حقاً الصوت خافتا جداً.

مدلول خاص للعنوان

في الرواية نُلاحظ في أكثر من موضع مجيء العنوان أو ما يوحي له بدلالات مختلفة كما في هذه الأمثلة: "حينها رفعت يدها الممسكة بالنقود وصاحت: - نئيييييييم"، ولمعرفة معناها نستمر في الحوار إلى أن نجدها عند الدكتور: - طبعا.. هو الصوت الضعيف الخفي.. وهو كالأنين قالت حينها وهي تكاد تبكي بسبب ضغط الذكريات التي انتابتها: - على كل حال، حياتنا كانت أنيناً متواصلاً" ١٠٤، "كركرت بصوت خافت، ثم قال: -أصدقك تماماً، فأنت تختلف عنهم" ١٣٦، في العيادة.. "كتبت سفانا اسمها ورقم موبايلها على قصاصة ورق وهَبّت إلى حيث كانت بشرى جالسة، لتقول لها بصوت خافت لا يسمعه غيرها" ١٤٨، وفي كلام الدكتور "لا بأس يا سفانة.. كنتِ غاضبة وحين الغضب يخفت صوت العقل" ٢٣٢، نلاحظ أحياناً هندسة توازنية ما بين الأصوات، فلو كان صوتاً عالياً يردّ الآخر بصوت خافت والعكس صحيح، ولنا مثال في الرواية: "فصاحت: ولكن مستحيل أن أقبل، فردّ بهدوء وتصميم: -أخبرتك.. ليس من حقك أن ترفضي.. ألا تريدين إنقاذ سلواك؟"٢٤٥.

 نسق الرواية والراوي

تبدأ الرواية بالنسق الدائري حيث تبدأ من خاتمة الأحداث في رسالة "سفانة" للدكتور بعد سفرها، حيث كتبت فيها اعتذار عن غيابها وأخبارها بصوت خافت، ثم تعود بنا الأحداث إلى الوراء من نقطة بداية سرد الأحداث، وهذه الطريقة لم تقتل الإثارة والتشويق لدى القارئ بل حثّته على متابعة الأحداث، ولأنه لا يأتي النسق الدائري غالباً وحده في الروايات بل يتشارك مع أنساق أخرى بعكس بعض الأنساق الأخرى التي قد ترد وحدها، فشاركه نسق التتابع لمتابعة الأحداث جزءاً بعد جزء إلى أن وصل لخاتمة الأحداث.

 في الرواية نلاحظ الراوي بشكلين:

1- الراوي العليم: أو كما سماه الناقد "جون بويون" الرؤية من الخلف (إذ يكون الراوي هنا كلّي العلم بالأحداث ودواخل الشخصيات والانفعالات، لا يغيب عنه أصغر الأمور والتفاصيل) كما في المثال: "بدت شوارع بغداد فجأة كأنها شوارع مدينة منكوبة هبّ سكانها للفرار، فاختنقت شوارعها"٣٠.

2- الرؤية مع أو المصاحبة: شخصية تنوب عن الراوي وتقوم بسرد الأحداث من منظورها الخاص والاستعانة بضمير المتكلم الأنا كما نلاحظ في جزء كبير من الرواية ترويه "سفانة" وذلك عن طريق حواراتها مع الشخصية الحاضرة الغائبة "فضيلة" التي كان لها حيز كبير في اهتمام سعد سعيد، فلو أردنا تعليل عامية أغلب هذا الجزء فنقول: (أقرب لغة لذات الإنسان لغته الطبيعية، ما يولد وينطق بها، أي اللغة العادية، فالإنسان لا يُكَلِّم نفسه بلغة فصيحة معقدة)، ربما هذا السبب وراء اختيار اللغة العامية الدارجة لشخصية "سفانة" وكلامها الموجّه لــ"فضيلة"، فهي حينما تكلم فضيلة لا تكلم إلا نفسها، على سبيل المثال حينما يقترح الدكتور على "سفانة" لقاء فهي لا تجيبه فوراً، بل توجّه رسالة لفضيلة وكأنها حاضرة وتراها "سمعتي فضيلة؟ يريد لقاءً، هل أرفض؟.. وهل أجرؤ؟!"٥٣، فسفانة تارة تنقل لفضيلة أدقّ التفاصيل، وتارة تفضفض لها، وتارة تطلب مساعدتها حتى في الأمور التي لا تخصّ حياتها كما في المثال "لچ فضولة، شلون شسوي؟ كيف أتصرف وكأن الأمر لا يعنيني، هي سمعة امرأة على المحك.. نعم أعرف بأن الأمر قد يسبب لي مشاكل، ولكنني لا أستطيع إلا أن أتصرف.. أرجوك ساعديني في اتخاذ القرار.. ولكن حتى إن قررت، فما بوسعي أن أفعل وزوجها معها؟!"١٤٨.

سعد سعيد برغم أنه عمل على تعدد الأبعاد في روايته كالبعد التاريخي والاجتماعي والسياسي، لكنه ركز تركيزاً كبيراً على البعد الثقافي من بداية الرواية حتى نهايتها، بدأت لقاءات "سفانة" و"فارس" لقاءات ثقافية حيث جمعهما شارع المتنبي ونقاشات حول الكتب، غير أنه طرح بعض المشاكل التي يعاني منها الشارع العراقي الثقافي بطريقة غير مباشرة كما في كلام "سفانة" لــ"فضيلة" :"ما عرفتي يا فضيلة، مو قررت أألف كتاب.. نعم حبيبتي، سأؤلف كتاباً عن حبيبي.. آه لا.. لا تهتمي لهذا، فقد تغير الزمان وأصبح كل المطلوب الآن هو أن تمتلكي مبلغ الطبع لتنشري ما تشائين.. الموهبة أصبحت فكرة قديمة تنتمي لزمن آخر، الآن جيبي فلوس وحمّلي كتب"١٢١.

برغم أن صوت "سفانة" لـــ"فضيلة" كان خافتاً جداً لدرجة لم يصلها، لكن الصوت وصل لقرّاء الرواية أعلى ما يكون بتقنيات "سعد سعيد" المتنوعة وطريقته المشوقة.

 

آشتي كمال

 

732 اوراق المجهولهذه السطور هي قراءة لعتبات النص بعد أن تم كتابة رواية (أوراق المجهول) من قبلي، وطبعها ونشرها. وهي لأول مرة تحدث في النقد حسب علمي وقراءاتي المتواضعة، إذ يكتب راوي عن روايته نقداً نصياً كما أفعل أنا .

عتبات النص:

(عتبات النص بنيات لغوية وأيقونية تتقدم االمتون وتعقبها لتنتج خطابات واصفة لها تعرف بمضامينها وأشكالها وأجناسها، وتقنع القراء باقتنائها، ومن أبرز مشمولاتها: إسم المؤلف، والعنوان، والأيقونة، ودار النشر، والإهداء والمقتبسة، والمقدمة... وهي بحكم موقعها الاستهلالي - الموازي للنص والملازم لمتنه تحكمها بنيات ووظائف مغايرة له تركيبيا وأسلوبيا ومتفاعلة معه دلاليا وإيحائيا، فتلوح بمعناه دون أن تفصح عنه، وتظل مرتبطة به ارتباطا وثيقا على الرغم من التباعد الظاهري الذي قد يبدو بينهما أحيانا) . ص21 – عتبات النص في التراث العربي والخطاب النقدي المعاصر – يوسف الادريسي – الدار العربية للعلوم ناشرون – ط1 – 2015 .

إذن، العتبات هي مفتاح النص لفهمه وإدراكه، وهي: اسم المؤلف، والعنوان، والأيقونة، ودار النشر، والإهداء، والكلام المقتبس، والمقدمة . ونحن إذ سنتحدث عن كل هذا في أحدى الروايات العربية المنشورة فإن هذه الرواية العينة هي رواية لي كتبتها أنا بقلمي الذي سطر كلماتها اعتماداً على ما إختزنته ذاكرتي وذائقتي من أحداث . وربما يجد البعض من القرّاء أو المهتمين بالكتابة الأدبية والرواية خاصة في هذه السطور أمراً غريباً لم يألفوه من قبل، أن يتحدث كاتب عن كتابه من وجهة نظر نقدية، إلّا اني أقول ما دامت الرواية مكتوبة بقلمي ومن فكري وذاكرتي، فلا بأس أن أتحدث عنها نقدياً من باب الوصف ودراسة النص من داخله، وليس من باب التقويم و التقييم فهو أمر يعود لغيري .

1 – اسم المؤلف:

هو المحدد الرئيسي للنص (الرواية). وهو أنا . داود سلمان الشويلي.

كَتَبْتُ ونشرتُ أول قصة قصيرة لي وأنا في سن السادسة عشرة. ثم بعدها نشرت مجموعة من الأشعار العامية. وبعد ذلك نشرت نقداً عن الشعر العامي (لي كتاب مخطوط في ذلك). وكذلك عن فنون الأدب الأخرى . وكتبت القصة القصيرة (لي مجموعة قصصية منشورة وأخرى مخطوطة). والرواية (لي ثلاث روايات منشورة، وثلاث مخطوطة). ونقد للسرديات (لي أكثر من كتاب في ذلك منشور ومخطوط ). ولي كتابات فكرية منشورة في الصحف والمواقع الالكترونية. إذاً أنا كاتب معروف ليس في العراق فحسب بل في الوطن العربي أيضاً، ويتبيّن ذلك من نشري لكتبي ودراساتي في الصحف والدوريات العربية، فضلاً عن نشر كنبي .

كتبتُ هذه الرواية ووضعت اسمي عليها للتأكيد على أن عائديتها لي. أي أنا مؤلفها، من الغلاف الى الغلاف. تحمل أفكاري وما أعتقد وأؤمن به، فهي نص صادر عن مؤلف معروف ومشهور بكتابة هذا الفن، ومعترف بقيمته الأدبية وسلطته الرمزية، فبالتالي أصبحت لهذا النص هوية معروفة بهوية مؤلفه، ولما كان كذلك، فجودة وأتقان العمل أورداءته تعود الى المؤلف نفسه وهو المسؤول عنها .

الاسم على الغلاف كتب بالخط العريض وباللون الأسود لإبرازه أمام المشاهدين للكتاب، والشخص الذي يعرفني، وهو مهتم بالرواية حتما سيقتنيها .

وضع الإسم في وسط الغلاف تحت العنوان الرئيسي للرواية وذلك لأن إهتمام الكاتب الأول هو عنوان الرواية، ومن بعده اسم مؤلفها .

2 – العنوان:

من ضمن إشتراطات إختيار عنوان أي كتاب ما هو إختياره الدال على ما في متنه من مادة. والعنوان مركب من لفظتين. وهو محدود الدلالة واسع المعني . فهو محدد بدلالة المجهولية والأوراق، إلّا انه واسع المعاني التي نحصل عليها من تركيب " أوراق " و"المجهول " . فالأوراق هذه ذات أعداد وأشكال مختلفة ومتنوعة، ويمكن أن تكون أوراقاً رسمية ثبوتية، أو أوراق كتابة، أو أوراق أشجار، وهكذا . أما المجهولية فهي غير عائدة للأوراق وإنما عائديتها للشخص .

ولما كان كذلك، فإن عنوان روايتنا "أوراق المجهول " يؤكد على أن الرواية هذه تتكون من أوراق عديدة ومختلفة الشكل والمضمون، لهذا نجد أن متن الرواية يتألف من ثمانية عشر ورقة مذكورة بتسلسل اعدادها ـ إضافة لورقتين خارجيتين أحداهما أولى تسبق ألأوراق الثمانية عشر، والأخرى وضعت في نهاية الرواية .

أما لفظة المجهول، فإن ما في الأوراق هذه يتحدث عن شخص مجهول غير معلوم، ويمكن ان يكون موجوداً، أو لا يكون موجوداً، وهو غير موجود أصلاً بلحاظ انه قد أطلق عليه لفظة " مجهول " ولم تطلق عليه لفظة " غائب "، لأن الغياب يختلف عن المجهولية، فيمكن أن يكون هذا الشخص غائباً إلّا أنه معروف للآخرين، ولكن شخصيتنا قد أنقسم حوله ناس القبيلة، فمنهم من صدق وجوده إلّا أنه لم يره، ومنهم من انكر وجوده فتحول من غائب الى مجهول، مع العلم أن الصنف الأول من الناس صدق وجوده إلّا انه لم يره، إذاً أصبح كالمجهول عنده .

وضع العنوان بخط عريض أسود اللون ليبرز كثيراً للرائي، فيصدمه، عندها يقرر أن يقرأ الرواية التي سميت هكذا.

وقد تم إختيار العنوان بعد الانتهاء من كتابة الرواية كما عنونة كتبي كافة، إذ أضع العنوان بعد الانتهاء من كتابة النص، أو على الأقل كتابته الأولى، لأن النص عندي يخضع للكتابة مرة وأخرى وثالثة وربما أكثر من ذلك .

ومن ملحقات العنوان لفظة " رواية " وقد وضعت فوق العنوان واسم المؤلف، لأن القاريء يجب أن يعرف ماذا سيقرأ ليقرر ان كان سيختار الكتاب أم لا، حسب ذائقته القرائية.

إذن، أول ما يقرأ لفظة رواية، ثم يقرأ بعدها عبارة "الطبعة الأولى" ليعرف أن ما يراه جديداً في النشر وكذلك على ذائقته القرائية، ثم من بعدها يقرأ العنوان واسم المؤلف .

3 – الأيقونة:

من أصعب الأمور على الكاتب حين طبع كتابه هو إختيار لوحة الغلاف، أما أنا فقد تم في كتبي السبعة الماضية إختيار اللوحة من قبل المصمم، إلّا في كتابين منهما هما (الذئب والخراف المهضومة – دراسات في التناص الابداعي ) و(رواية طريق الشمس) إذ اخترت لهما لوحتين تشكيليتين من انتاج الفنان التشكيلي كامل الموسوي، أما بقية كتبي فقد كان مصمم الدار اذي طبع فيها هو الذي يضع التصميم.

في روايتي هذه ـ وهو الكتاب الثامن لي - صمم الغلاف ابني ذو الفقار داود الشويلي بعد أن عرف مضمون الرواية، وعما تتحدث عنه .

يتكون التصميم من وحدات تصميمية ثلاثة،هي :

- الوحدة التصميمية الاولى : زخرفة على شكل سهم رأسه الى الأسفل تشكل الأسكفة العلوية لباب المضيف، وفي داخلها مجموعة من الأوراق المتطايرة التي تشبه الطيور في طيرانها، والأوراق هذه بلون أبيض لأن خلفتيها بلون أسود وهو يدل على المجهولية لتطاير الأوراق في فضاء غير معلوم .

- الوحدة التصميمية الثانية : رأس السهم في الوحدة التصميمية الأولى يؤشر الى مدخل المضيف "الشكل الأصفر" الذي يشبه باب المضيف الذي كتب عنه في الورقة الاولى، وقد لون بلون أصفر فاقع ليؤشر الى أن من في داخله يختلفون في المشارب والاتجاهات، وكذلك فإنهم منفصلون عن المضيف وصاحبه الشيخ المحتضر، وعن الذين خارجه .

- الوحدة التصميمية الثالثة: وهي جانبي الشكل الكلي، فقد صبغت بلون القصب و " البواري " وهو اللون الأصفر الداكن، هذا اللون الذي يؤشر الى عمر بناء المضيف الطويل وكثرة المصائب والمحن التي مرت به . وهذا القصب والبواري هي مادة البناء لأي مضيف يبنى في جنوب العراق .

إذن، اللوحة ستنطق بما احتوت عليه الرواية من أفكار وأحداث وشخصيات تدل على "أوراق المجهول " .

4 – دار النشر:

لدار النشر أهمية كبيرة في التعريف بالكتاب، وقد وضعت دار النشر الشعار "لوغا" الخاص بها في الغلاف الأول وفي الغلاف الثاني وقد كتبت تحت هذا الشعار في الغلاف الثاني عبارة "نشر وتوزيع دار المتن " .

وضعت الدار أيضاً رقم الايداع في المكتبة الوطنية لحفظ الكتب والوثائق العراقية، مع سنة ذلك الرقم على الغلاف الثاني .

والشعار "اللوغا" ورقم الايداع هما لحماية المطبوع من أن يطبع طباعة تجارية في دار أخرى. أما رقم الإيداع فهو رقم ايداع الكتاب في المكتبة الوطنية لحفظ الكتب والوثائق العراقية، وهذا مهم للكتاب خشية السرقة والادعاء الكاذب بملكيته .

5 – ورقة العنوان:

أ – وجه الورقة:

وهي أول ورقة في الرواية وقد كتب عليها اسم الرواية الذي وضع في مكانين:

- المكان الأول الركن الأيسر من أعلى الورقة وقد كتب بخط رفيع .

- المكان الثاني وسط الورقة وقد كتب بخط عريض ولون أسود داكن.

ب – ظهر الورقة الأولى:

كتبت فيها معلومات عن الرواية،اسمها، الجنس الادبي، رقم الطبعة، وسنة الطبع، وقياس الورقة، وعدد النسخ المطبوعة، واسم المصمم، ومعلومات كاملة عن دار النشر ومصمم طباعة الرواية، ورقم الايداع في المكتبة الوطنية، ومعلومات أخرى باللغة الانكليزية .

هذه المعلومات تفيد المكتبة الوطنية للكتب والوثائق، وتفيد المفهرس، وكذلك الدارس لها كرواية أو ككتاب، فضلاً عن انها تكون شهادة أمام الغير لحفظ نفسها أمام القرصنة .

وقد وضع في الورقة نفسها شعار الدار.

6 – الورقة الثانية:

كتب عليها المعلومات التالية:

- عنوان الرواية في الجهة الشمالية العليا من الورقة بخط صغير .

- اسم المؤلف بخط كبير أسود اللون وداكن.

- كتب حرف الجر "في " في وسط الصفحة .

- تحته كتب بخط عريض عنوان الرواية .

0 كتبت تحت العنوان وبخط أصغر من خط العنوان كلمة "رواية" مع سنة الطبع .

- في وسط من الأسفل كتب رقم الطبعة وسنة الطبع بخط وسط بين خط العنوان واسم المؤلف وبين خط عنوانها في الركن العلوي الشمالي .

7 – الإقتباس:

للاقتباس دور كبير في وضع النص الروائي في مكانه الفكري (المعنوي والدلالي) عند القراء، حيث انه يعد من الأمور التي ترمز لأحداث الرواية بصورة عامة. وقد اقتبس المؤلف قولين من رواية " شفرة دافنشي " وضع الأول في مقدمة متن الرواية، ووضع الثاني في نهاية متنها .

- الاقتباس الاول :

(كثيرون هم الذين اتخذوا من الأوهام والمعجزات الزائفة وخداع البشر تجارة لهم).

- الإقتباس الثاني:

(الجهل يعمي أبصارنا ويضللنا ... أيها البشر الفانون افتحوا عيونكم).

هاتان العبارتان ترمزان بصورة عامة الى ما في مضمون الرواية من أفكار أرادها الكاتب ان تصل معانيها ودلالاتها الى القاريء .

انهما يشيران الى كثرة الأوهام والمعجزات الزائفة وخداع البشر بها والتي أصابت أبناء الشعب فتحذرهم من ذلك، لأن الجهل يعمي أبصارنا وبصيرتنا ويضللنا كذلك، فتطالبهم بأن يفتحوا عيونهم لكي لا يخدعوا بما يسمعون أو يرون من سلوك أعوج يمارس ضدهم في العلن والخفاء تحت أسماء ولافتات وعناوين كثيرة .

8 – معجم ما استعجم:

هذا العنوان غير موجود في الكثير من الكتب إلّا ان المؤلف أراد منه أن يكون مثل المعجم للألفاظ و الكلمات والعبارات والأمثال التي وردت في المتن وفيها صعوبة في ادراك وفهم معانيها من قبل البعض لأنها تستخدم في لهجة منطقة من جنوب العراق فقط .

9 – ورقة المؤلف:

ثبت فيها الكتب التي كتبها المؤلف، المطبوعة وغير المطبوعة، وهي ورقة خاصة للتعريف بنتاجات المؤلف من قبل قراء الرواية لكي تكون دافعاً لهم لقراءتها .

10 – الفهرست:

وهي تضم ما احتوته أوراق الرواية من عناوين .

11 – الغلاف الثاني:

وهو واجهة الكتاب الثانية. ويكتسي أهمية كبيرة بعد الغلاف الأول لأنه يقوم بفعالية الاغراء للقراء في اقتناء الكتاب أو الكتب الأخرى للمؤلف، وتضم:

- صورة المؤلف .

- اصدارات المؤلف السابقة والتي ستصدر لاحقاً، وقد وضعت هذه المؤلفات ضمن مريع، خطوط أركانه ملونة بلون أخضر .

- شعار دار النشر، ورقم الايداع في المكتبة الوطنية لحفظ الكتب والوثائق .

- الجزء المكمل لايقونة الكتاب وهو ركن واجهة المضيف .

***

تسهم هذه العتبات في سعة تداولية الكتاب " الرواية "، وفهم معانيها ودلالاتها وما توحي بها من رموز مخبوءة بين سطور وعبارات متن الرواية .

 

قراءة: داود سلمان الشويلي

 

فالح الحجيةالشعر ديوان العرب، مقولة قديمة نجدها في كل كتاب أو حديث عن الشعر او الأدب العربي وهذه المقولة تعبر عن ذلك الموقع الاستثنائي الفريد الذي حظي به هذا النوع من الأجناس الأدبية داخل الثقافة العربية. وقد لحق شعرنا العربي مثل غيره من ظواهر الفكر والحياة في مجال تطوير او تبديل كبير في صيغه المختلفة وطرائقه وموضوعاته. والتطور والتبدل ليسا بظاهرة تستوجب الاندهاش والاستغراب، بل الذي ينبغي أن يثير استغرابنا هو ما يلحق الفكر والوجدان من جمود، وصيغ التعبير مقابل تغير المحيط وتبدل سياقات العيش وعوائد الاجتماع.

ولكن إذا كان هذا التطور والتغير والتبدل حالة حدسية مركزة او ثابتة في مختلف أ مور الحياة، فإن من البديهي ان هذه الظاهرة لا تعني أن كل تطور هو بالضرورة امر إيجابي وأن معارضة التغيير والتقويم النقدي لمنتجاته فعل سلبي صادر عن جمود في الاحساس ونقص في الوجدان، ووقوف ساذج أمام مسيرة الحياة وحركاتها المستمرة. فكثيراً ما تطرح الحياة في سياق تطورها مستجدات ربما تكون في بعضها سلبية، فلا بد من معارضتها ومواجهتها. وان كانت قد تجاوزت السوسيولوجيا ذلك التصور الذي ساد الفكر السوسيولوجي الوضعي، وأعني به التصور المعتقد بوجود خط تقدمي في تصاعد دوما، وأخذين بالاعتبار النظر إلى الظواهر الاجتماعية بصفتها لا تشهد دائما تسريعا في تقدمها وديمومة حركتها نحو المستقبل .

ومن بين الظواهر السلبية التي أعتقد أنها أصابت الحركة الثقافية في امتنا في الصميم، هذا الشعور الفوضوي الذي سيطر على الذائقة الشعرية، ابتداء من شعر التفعيلة، فانكشفت ازاء ذلك لنا في كل لحظة حالة مضطربة او مهزوزة. و قد يقول البعض: إن الشعر العربي الآن كثيف الإنتاج، جريء في تجربته، ولم يثبت او يستوي لحد الان على سياق معلوم، ولا حتى على سياقات معلومة مضبوطة، لذا اصبح التجريب والإكثار من تنوع الشكلية والمضمون والمحاولة الجادة حالة مطلوبة ومرجوة لتطوير فكر الإنسان العربي وثقافته، ولكن ينبغي ان لا نصدر الأحكام على نتاج لم يتحقق اكتماله واستواؤه على سوقه . فانا أعتقد أنه ينبغي التقويم والحكم، ليس فقط لأن حركة التجريب في تراكيب وأساليب وأشكال الشعر العربي الحديث في تجربته التى امضى عليها اكثر من نصف قرن لأن مختلف نقاد الشعر وحتى الشعراء أنفسهم يتحدثون عن وجود أزمة في نمطية الشعر العربي حيث أن النقد فعل مطلوب حتى في اللحظات الأولى للتجربة إذ لا بد للنقد أن يرافق العمل الإبداعي ويسايره في مختلف لحظات تطوره، وحتى في بداياته لتقويمه لأنه في كثير من الأحيان ربما يكون صمام الأمان للحركة الإبداعية في نتاجاتها مهما كانت غثة او سمينة وحافزا لها في مسار تطورها وارتقائها او سموها باتجاه الافضل .

 وإذا كان الوجه الذي تقمصه الحس والذوق الشعري مع قصيدة شاعر ما كان ثوبا عبا سيا أصلا من حيث اللفظة وانتقاء الكلمة وطريقة نظمها باعتبار حركة التجديد بدأت في العصرالعباسي فإن حركة البعث او التجديد تشهد تجديدا ملحوظا في اغلب مضامين وموضوعات الشعر العربي حيث ستتناول حتما قضايا اجتماعية وسياسية معبرة عن اراء و آمال وطموحات الشعب العربي . وسيستمر هذا النهج مستقبلا سائرا نحو الافضل بطموح وقد استطاع الشعر العربي في هذه المرحلة من التفاعل مع اللغة الشعرية وأنماط التعبير خلال ما سمي بعصر الانحطاط، وذاك في تقديري تجديد مهم.

ولست أقصد بهذ ه الحالة التجربة الشعرية المعاصرة فحركة التجديد الشعري لم يكن لها أي فضل لكنها جاءت كسياق تطور مستمر بل إن الناظر في واقع الشعر العربي في القرن التاسع عشر، سيرى أن الملكة الشعرية أصابها جفاف او ركود في الشعور و تجمد و تكلس في أساليب التعبير، وكان لا بد من نهضة قوية في الشعر تدفعه الى حدوث التغيير ولنا في حركة البعث والإحياء التي برزت ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر مع البارودي اسوة حسنة، والتي ستلتمع فضل بين لا ينكر.

وإذا كان الثوب الذي ارتداه الشعر والذوق الشعري مع قصيدة البارودي ثوبا عباسيا أساسا او اشبه به، من حيث مواده اللفظية، وطرائق نسجه، فإن حركة البعث شهد ت تجديدا ملحوظا في مضامين وموضوعات الشعر العربي، حيث تناولت قضايا اجتماعية وسياسية معبرة عن آمال وطموحات جماعة الشعب العربي وقد استطاع الشعر العربي في هذه المرحلة المسماة ب(الكلاسيكية) حلحلة حالة التكلس الذي أصاب اللغة الشعرية او دفعها نحو الافضل وأنماط التعبير خلال عصر الانحطاط او الركود وذاك في تقديري تجديد مهم .ومن ثم استمر الشعر العربي مع الحركة (الرومانسية) متأثرا بشروط وعوامل مهمة جديدة و عديدة، من أهمها ما يتصل بالمثاقفة او التزاوج الثقافي والتواصل بين الأدب العربي والآداب الغربية . فكانت نتاجات الرومانسية الغربية تشكل عند شعراء الرومانسية العربية نماذج للاقتداء بها والحذو على نهجها في بناء النظرية الشعرية ونظم القصيدة الشعرية العربية . وقد تبين ان الشعر العربي قد تغيرت تعبيريته من النظرة الجماعية إلى النظرة الانفرادية، حيث ا ستثمر الشاعر الرومانسي جانبه العاطفي والوجداني في الذات الشخصية إضافة إلى استحضار روح الشعور الطبيعي. حيث لم يكن التجديد في القصيدة الرومانسية مجرد تجديد في موضوعات الشعر العربي فقط بل مس أيضا اللفظ التعبيري الشعري ذاته، فغابت عن القصيدة الرومانسية الألفاظ الوحشية او الالفاظ الصعبة التي كانت حركة البعث والإحياء تستعملها كثيرا .

 

فالرومانسية مارست التجديد ليس في الموضوع فقط كما هو شائع، او استحضار ذات الشاعر والطبيعة الموجودة، بل إن التجديد المهم هو تجديد في اللغة الشعرية، حيث تبنت لغة سهلة رائقة نابضة بالحياة . لذا يمكن ان نقول إن أهم عناصر تجديد للثقافة الشعرية العربية بعد الكلاسيكية والرومانسية هو اللغة الشعرية.

فحركة الشعر العربي شهد ت فيما بعد نقلة استثنائية، حيث طال التغيير البنية العروضية للقصيدة العربية، مع حركة الشعر الحر أو شعر التفعيلة ويعتبر الشعر الحر الثورة الثانية على العروض الشعرية الفراهيدية شهدها تاريخ الأدب العربي اذا اعتبرنا ان الثورة العروضية الاولى تمثلت في الموشحات الأندلسية. والازجال وقد التمعت أسماء جديدة في فضاء الشعر العربي في منتصف القرن العشرين، بشكل قصيدي جديد، مثل نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وعبدالوهاب البياتي، ويوسف الخال، وأدونيس. وصلاح عبد الصبور وامثالهم لكن إذا كانت القصيدة الإحيائية، وكذلك الرومانسية كانتا حريصتين على التوصيل فان حركة الشعر الحر او شعر التفعيلة ستحرص على تكسير هذا التقليد الموجود بتفاعل من إن الشعر خطاب إيحائي وترميز يتميز بكل دلائل الانزياح وكثافة المعنى وتعدد هذه الأبعاد . وإذا كان شعر التفعيلة في بدايته اقتصد او قلل في كثافة الترميز فإن تطوراته اللاحقة سرعان ما أدخلته في سماء ضيقة عندما استقر في الثقافة الشعرية العربية مفهوم خاص عن الشعر يجرده من كل معنى فيه ورسالة له .وربما جاء ذلك بعد سلسلة من التأملات البديهية في ظل النكسات السياسية التي عاشتها الامة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث ولّد حالة من اليأس النفسي الثقافي والاجتماعي.

ورغم وجود الحركة التي مست القصيدة العربية في لغتها أو صياغتها – يحق للباحث أن يبحث في حركة التطور التي شهدها الشعر العربي المعاصر عن مصداقية شعار التجديد بسبب ظاهرة تبعيتها وكذ لك التقليد الذي ميز صلة الشاعر العربي بصلة التجربة الشعرية الغربية.. فإذا كان الشاعر الرومانسي العربي ولج من حيث الموضوع من خلال التجربة الرومانسية الغربية فأن شعر التفعيلة لا يعني الدعوة إلى الجمود على عروض الخليل الفراهيدي بل هو يمثل ثورة – كما اسلفت – عليها فالتجديد شمل كل الأساليب الشعرية والأشكال والمضامين، .بالنظر إلى ايجاد تغيير في واقع الثقافة ومحيط الاجتماع فان النهج الذي سار فيه الشعر المعاصر اغرقه في الغموض وكذلك افتعال استخدام الأسطورة، وتقليد سريالية الشعور الأوروبي من دون إدراك الأسباب الحضارية والخلفيات الفلسفية التي جعلت الشعر – والثقافة الغربية ككل - ينساق في هذا المسار ثم انهيار قاعدة بناء قصيدة الشعر الحر ذاتها مع ما يسمى بـ ( قصيدة النثر ) او قصيدة النثر المعاصرة التي اوغلت حتى العظم في الغموض والابهام في بداياتها فيؤكد أن هذا السياق الذي سار فيه الشعر العربي في أمسّ الحاجة إلى وقفة ادبية ونقدية تكشف زيف شعار التجديد وتؤكد ضرورة الإبداع الذاتي الأصيل وتحجيم الغموض في كل من شعر التفعلية وقصيدة النثر .

وفي نظرة سريعة الى ما ينشر حاليا في مواقع النشر الورقية والالكترونية نلاحظ آلاف القصائد او ما يسمونها قصائد لشعراء كثيرين ( جدد ) في قصيدة النثر . انها مجرد كلمات نضدت او كلمات ألبسوها اثوابا مختلفة من الغموض والابهام ووسموها بانها (قصائد معاصرة) .

 

امير البيــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العــــراق - ديـــالى - بلــــد روز