عقيل هاشممرايا الذات، نصوص من شعرية اللاشكل

"تشاكل"

(تمنيت ان اجعل من عينيك سكني: لكني اكتشفت أن -الحواسم -سبقوني)

عتبة تاويلية:

أخذت الكتابة تنهج نهجاً مغايرا في الآونة الاخيرة، وباتت ظاهرة تداخل الاجناس والتكثيف الدلالي والاختزال اللفظي سمة أسلوبية بارزة، مما نتج عنها ظهور العديد من الأجناس الأدبية الجديدة والمتداخلة ، نصوص أدبية متشابكة من الناحية الشكلية والمضمونية وأيضاً المقصدية؛ فهذه النصوص تعتمد على فهم المتلقي، وتفاعله، ومدى إدراكه للنصوص الجمالية ،تلك حساسية جديدة، تنفلت من قواعد المحظور، وتبوح بدوافعها دون حاجز أو قيد ، أسئلة تعبر عن مدى الدهشة والرفض والاستهزاء،وهذا الجنس هو شكل من أشكال الكتابة والتعبير لإثبات الذات عابرة للتقاليد الفنية للكتابة و خلق حالة من الدهشةِ والغرابةِ لدى القارئ الَّذي يطمئنُّ إلى أنَّ الأحداثَ تسيرُ وفق مسارٍ معين..

أقول (النص السردى) هو نص متمرد شكليا مهمته سبر أرض المدونة السردية لسارد مغاير يسرد نصوصه وكشف تحولاتها وتضاريسها وشفراتها النصية بإصغاء متعاطف وبوصفها ظاهرة إبداعية لا تقل تعقيدا عن عصرها، وتنفتح برحابة على الفنون الأخرى، فتسقط الحدود بين الحقيقى والمُتوهم، وتغرم بالتمرد .إذن هذاالخرق الفني هو تجريب احتجاجي يجنح إلى البذاءة والقبح تعبيرا عن الرفض والاستنكار.

اقتباس:

انسداح":"

(احرن به جواد الوقت عند بوابة كبيرة .اخبره الحرس:ان القائد يحلحل الواقع المتشابكة ،بمشاركة كبار الرتيب.ينشتل على لوح الانتظار .يلتمس ابتسامة الامل المحبوسة خلف الابواب .سيعرض ظلامته .ويضع بوصلة حياته على بساط المسؤولين.تتناوس الدقائق في مناخ سياسي خانق وطقس مستعر.لتنسدل على الساعات ..عيناه ملتصقتان على ساج الباب.فجاة .تزكم انفه رائحة طعام شهي يخطف باتجاه الباب فتنزاح ضلفة منه .ينكشف المشهد عن ضابط كبير ينحني على طاولة البليارد يحرك بيده عصا اللعب .تحيطه ثلة من الرتب ,خلفهم لوحة مبهرة .باح جزء منها (وقل اعملوا فسيرى الله...)

عتبة سردية:

"مَسُ من يباب "نصوص سردية ميتاواقعية قراءة في صراع الذات/الموضوع ونقدها ،كشف من ظواهر بنى سايكولوجية وأسئلتِها المعلَّقة على احتمالات مفتوحة بإجابات نجدها منثورة على لسان كاتبها لضحايا لم يكونوا طرفا فيها ، لذلك جاءت عتبة العنوان (مس من يباب) انزياحا للوجه الرمادي لنص شعري (ارض اليباب) هذه المدونة الرمادية هي كشف كوني وهمّا جمعيا متناقضا في ذاته وتوجهاته تحت سلطة الاستبداد،في الخلاصة نصوص اختصرت صورة الحياة اليوم بهذه الماساة .

اقتباس:

"مس من يباب"

(تطرح الموظفة السجل المعبا بعبق الماضي .تتشرح اوراقه الناطقة بلون الموت .يشهق صفارها بوجه الضوء .وتنطق تراسيم حروف واشارات مكبلة بالذكريات .تقاطع السطور السود تعبير حمر بداخلها الاخضر .تشغل الاستدراكات تعابير حمر... ص53)

هذه النصوص في مجملها قد اهتمت بالمضمون الفني لتكشف بصراحة الدلالات والإيحاءات الخفية التي تضمنتها النصوص هي محاولة لتسليط الضوء وفتح باب التأويل في عتمة اللغة بتعدد القراءات والدلالات ،والتي وظف الكاتب رموزها بعناية فائقة في خدمة قضية الوعي واللاوعي ودورها في بناء واكتمال الصورة الفنية التي تخطت تقاليد السرد الفني ببنيتها الإبداعية . هي محاولة جادة في البحث عن عمل إبداعي يستوعب متطلبات الواقع بتناقضاته وانكساراته وهي أيضا محاولة لتفكيك عميق للوعي واللاوعي الجمعي بعدد مستوياته وتعدد شخصياته الهلامية لتسليط الضوء على الأزمة المصيرية التي يواجهها الانسان امام مايجري من تراكمات فوضوية بتراكماتها وانعكاساتها السلبية.

اقتتباس:

"انفلات"

(الديك مات .تبرق عينا البنت .تترقرق ماقيها.يتهستر الانفعال يلحق بصراخ .يخرج نصالا حادة من الضحك :الحمدلله ...ينفتح غشاء جفنه ببطء .ثم ينسدل منطفئا.ليترك عينه نصف مغمضه...ص66)

هذه النصوص المثقلة باليأس والأحزان والخيبات يسيطر عليه اللاوعي واللاشعور إلى حدود الهذيان والجنون في محاولة الوصول إلى تحقيق نزعاته ورغباته المكبوتة ، اذن هي جريئة ومستفزة وشكل من أشكال الرفض ضد سلطة العنف والتعسف ، وترسم خريطة الوعي الممكن لتحقيق كل ما هو جديد ومختلف بحسب القناعات الفكرية والثقافية لساردها.

هذه الفوضى وما ينتج عنها من الشعور بالقلق والتوتر والحزن والنظر إلى البعيد عبر مراجعة الذات والاستفادة من التجارب، رغباتها تتجاوز الحوار الصامت والأنماط الجاهزة إلى الحوار بصوت عال ومباشرة..

وأخيرا ..أقول إن النصوص السردية في (مسُ من يباب ) كتبت باسلوب شعرية اللاشكل مثلما نقلها لنا كاتبها (مهدي عي زبين) إمعانا في توظيف هذه الجنس المتداخل وانعكاس مترجم لمدى السخرية من مرايا الذات، ومرارة التهكم من واقع اجتماعي متداعي، ومن خلال سرده هذا استطاع أن يشقّ لها مسارا مبطّنا بخصوصية التلاعب اللغوي هي نصوص اقول.تاويل هذا الهامشي كمعادل موضوعي للدمار وانحراف السياسة والدين..

اذن هي نصوص سردية فوضوية لاتظهر الا في زمن الفوضى وما ينتج عنها من الشعور بالقلق والتوتر والحزن ، ساردها تجاوز الحوار الصامت والأنماط الجاهزة إلى الحوار بصوت عال ومباشرة.

 

قراءة عقيل هاشم الزبيدي

 

614 متوالية قصصيةنشرت (المدى) في عددها الصادر يوم 22/7/2018 مقالا بعنوان (روبرت شولز والمتوالية السردية) للناقدة د.نادية هناوي، وهو واحد من مجموعة مقالات نشرتها في الآونة الأخيرة كانت تؤكد فيها على خطأ من يعد المتوالية القصصية جنسا أدبيا ووهمه، وكانت في كل المقالات متحاملة بطريقة غريبة حتى وصلت في أحد مقالاتها إلى عد أولئك الدارسين (وأنا منهم) مجرمين وأنهم يرتكبون جناية، وكنت أستغرب هذا التحامل حتى وقعت على هذا المقال مصادفة لاكتشف السبب، فالمشكلة كلها هي الترجمة وفوضى المصطلحات، فالدكتورة هناوي تتحدث عن شيء سمته المتوالية السردية  أحيانا والمتوالية القصصية أحيانا أخرى والاثنين معا في هذا المقال وغيره، بينما كتبت أنا عدة مرات عن شيء آخر هو المتوالية القصصية مختلف تماما عما تعنيه الناقدة، وأحاول هنا بيان هذا اللبس.

في البداية أود أن أعبر عن كل الاحترام والتقدير للدكتورة هناوي التي أحترم عقليتها وإخلاصها لكتابتها، وما سأقوله هنا ليس سوى خلاف علمي، أثق أنها ستتقبله مني.

كشف هذا المقال أن الناقدة تخلط بين مفهومين لا يربط بينهما رابط سوى مشكلة الترجمة الأول الذي تتحدث عنه هي هو تقنية سردية ولا يمكن أن يقول أحد أنه جنس أدبي ومعها الحق في كل ما قالته، والثاني هو شيء آخر، هو جنس أدبي مستقل والواضح أن الدكتورة انشغلت بالفهم الأول ولم تقرأ شيئا عن الثاني ولم يقع في يدها متوالية قصصية لتقرأها وتعرف عن أي شيء نتحدث ولماذا نختلف.

اعتمدت د.هناوي في مقالها على ترجمة الأستاذ سعيد الغانمي لكتاب (السيمياء والتأويل) لروبرت شولز (من غير أن تشير له) ونقلت نصوصا منه، والأستاذ الغانمي مترجم فذ يختلف عن غيره بكونه متخصص بالأدب، لكن مشكلة المصطلح المترجم تعترض حتى المتخصصين مهما توخوا الدقة لانعدام الاتفاق على صيغ موحدة للمصطلحات.

بنت الناقدة مقالها على فصل في كتاب شولز يحلل فيه قصة (إيفلين) لجيمس جويس مستفيدا من منهج سيميائي يجمع بين تودوروف وجينيت وبارت، وما يعنينا هنا هو منهج تودوروف في الديكاميرون الذي ينطلق من مقاربة العمل السردي نحويا، وهو ما وضحته باختصار جميل د.نادية هناوي في مقالها واقتبست من ترجمة الغانمي العبارات التي رأت أنها مهمة، وقد جاء في كتاب شولز المترجم ص 151 هذه العبارة:

"لكن ما القصة؟ يساعدنا تودوروف على الدقة في الإجابة عن هذا السؤال. القصة هي نوع من توالي القضايا. والقضايا القصصية على نوعين: الصفات والأفعال. وأهم متوالية قصصية هي الصفة...."

ويبدو أن هذه العبارة هي التي سببت المشكلة، وهي مشكلة ترجمة، ولو عدنا إلى النسخة الأصلية سنجد عبارة شولز هكذا  في ص89 كما تبين الصورة المرفقة:

But what is a story?Todorou will help us be precise in answering

that question, A story is a certain kind of sequence of propositions

Fictional propositions are of two kinds: attributions and actions.

The most fundamental fictional sequence is attribution,

ووقع الإشكال في العبارة الأخيرة التي قصدنا كتابتها بخط غامق، فتودوروف الذي ينقل عنه شولز لم يكن يتحدث عن متوالية قصصية ولا متوالية سردية، بل يتحدث عن اللغة في قصة أو رواية أو حكاية واحدة، ليقول أن القصة نتاج توالي الصفات والأفعال، والتعبير fictional sequence هو الذي فيه إشكال الترجمة فالأستاذ الغانمي ترجمه متوالية قصصية، وأنا أتصور مكابدته وهو يترجم هذه الجملة، ولو أنه ترجمها السلسلة السردية لكنا تجنبنا الوقوع في هذا الفخ، ففي الإنكليزية كلمتان يترجمهما المترجمون (سردي أو قصصي) وهما (fictional, narrative)، لكنهما مصطلحان مختلفان تماما، فكلمة fictional تصف العمل السردي وقد أصبح جاهزا للتلقي، بينما تصف كلمة narrative عملية السرد داخل العمل، وكلاهما لا علاقة له بالمتوالية ولا بالقصة، وإنما كان الحديث عن توالي الصفات والأفعال.

بعد هذا الحديث تهاجم الناقدة أكاديميين يحملون طلابهم على الكتابة عن جنس أدبي اسمه المتوالية القصصية وتتهمهم بالوهم والجهل، وأنا أوافق على ما ذهبت إليه لو كان المقصود ما فهمته هي، لكن المشكلة أنها تتحدث عن شيء آخر غير الذي نعنيه وهو جنس أدبي دون شك.

تسمى المتوالية القصصية بالانكليزية أسماء عدة أشهرها ثلاثة، ففي أمريكا يسمونها حلقة القصة القصيرة Short story cycle بينما يسمونها في بريطانيا الكتاب القصصي Story book أو المتوالية القصصية Short story sequence، وسأسمح لنفسي أن أسأل سؤالا شبيها بسؤال شولز، فما هي المتوالية القصصية؟ وسيجيبنا على هذا السؤال فورست إنجرام وهو أول من ألف كتابا خاصا بالمتوالية القصصية حيث نشر كتابه (حلقة القصة القصيرة في القرن العشرين – دراسة في الجنس الأدبي) عام 1971، حيث عرفها في ص19 من كتابه بأنها:

"كتاب يضم مجموعة من القصص التي قصد المؤلف أن تكون مترابطة بمستويات متعددة ما يدفع القارئ إلى تعديل تجربته القرائية عند إتمام الكتاب."

فعلى الضد مما هو معتاد عند كتاب القصة من نشر كل قصة يكتبونها منفردة في صحيفة أو مجلة ثم يجمعونها في كتاب يطلقون عليه تسمية مجموعة قصصية، تكون المتوالية القصصية مشروعا واحدا، فيقرر القاص أن يكتب سلسلة من القصص المستقلة عن بعضها، بحيث يمكن قراءة أي قصة منفردة، لكنها تشترك بشيء واحد يربطها، فمثلا يمكن أن يكون بطل القصص جميعا واحد، أو أن القصص كلها تحدث في مكان واحد محدد، أو أن كل القصص تنتهي نهاية متشابهة، أو تتحدث عن ثيمة واحدة، وهكذا سيكون الانطباع النهائي بعد قراءة الكتاب بأكمله مختلفا عن الانطباع المتولد من كل قصة منفردة. فمتوالية القاص الكويتي طالب الرفاعي (الكرسي) مثلا فيها موضوع كل قصة كرسي مختلف، كرسي الحلاق، كرسي رئيس مجلس الإدارة، كرسي التعذيب، ...... .

ويقدم القاص المصري منير عتيبة نمطا مبدعا من المتوالية القصصية المبنية على المكان كتابه (حاوي عروس) فكل القصص تحدث في منطقة (خورشيد) وهي من أطراف الإسكندرية المهملة إلى حد كبير، كل قصة تقدم شخصية من خورشيد وبيتا من بيوتها، وحين نكمل المتوالية نكون قد رسمنا خارطة لهذه المنطقة.

بقي أن أقول أن لا أحد في الكتابات الإنكليزية يناقش فيما إذا كانت المتوالية جنسا أدبيا أم لا، وكل من يكتب عنها يصفها بأنها جنس أدبي كأن القضية مفروغ منها، إلى أن أصدرت جنيفر سميث كتابها (حلقة القصة القصيرة الأمريكية) أوائل العام 2018 مخصصا لبيان سمات هذا الجنس الأدبي وإطاره النظري. والطريف أن إحدى طالباتي أنجزت رسالتها للماجستير بعنوان (المتوالية القصصية جنسا أدبيا) قبل صدور كتاب جنيفر سميث بعامين.

 

د. ثائر العذاري

 

عبد الله الفيفي(الدوبيت): وزنٌ عَروضيٌّ، قيل إنه دخل العربيَّة من الفارسيَّة. ويدلّ اسمه الفارسي على ذلك، وعلى أن الأصل فيه أن يُنظم على بيتين بيتين. منه رباعيٌّ، تكون أشطر بيتَيه الأربعة بقافية واحدة، وأعرج يندّ الشطر الرابع عن قافية الأشطر الثلاثة، ومنه ما يلتزم الوزن ويقفِّي على طريقة القصيدة العربيَّة، دون تنويع. ويسمِّيه (عبدالستار النعيمي) "بحر الميزان"، ذاهبًا إلى أنه "بحر متأصّل بتفاعيله من بحور الشِّعر العربي التي استنبطها (الخليل)، يرحمه لله. عربيّ المنشأ، شأنه شأن الموشَّح؛ لكنه، كما وجدنا أكثر التراث العربي، قد طُلِي بصبغة أعجميَّة صِرفة نتيجة ضياع أو طمس أولياته".

ومهما يكن من أصلٍ، فإن من يسمع هذا الوزن مغنًّى يُدرك موسيقيَّته غير النابية عن الأُذن العربيَّة، غير أنه سيحار في إدراجه في العَروض العربي، وفق بحوره الستة عشر. وهذا ما حَدَثَ لي حيال نشيدٍ أرسله إليّ صديقٌ كويتيّ لإبداء الرأي، ومعرفة معاني بعض الكلمات. وهو عن قصيدة للشاعر اليمني (عبدالله العلوي الحداد)، التي نشرها الشاعر الكويتي (عبدالله الفرج)، وقام بغنائها (عبداللطيف الكويتي)، وغيره، ومنها:

الحمدُ لمَنْ قَدَّرَ خَيرًا وقَبَالا

والشُّكرُ لمَنْ صَوَّرَ حُسْنًا وجَمالا

فَرْدٌ صَمَدٌ عَنِ صِفةِ الخَلْقِ بَرِيْءٌ

رَبٌّ أَزَلَيٌّ خَلَقَ الخَلْقَ كمالا

بالمَجدِ ، وبِالجُوْدِ ، وبالجدِّ تجَلَّى

ما مالَ عَنِ العَدْلِ، ولا نالَ ملالا

ذو القُوَّةِ، ذو الطَّوْلِ، وذو الفَضْلِ، مَلِيْكٌ

ما دَوَّحَتِ الأَرْضُ جَنوبًا وشَمالا

فوزن هذه الأبيات (مستفعلتن/ مفعولُ/ مستفعلتن تن) في الشطرين. ذلك أن أصل وزن الدوبيت (مستفعلتن/ مفعولُ/ مستفعلتن). ومن صُوَره أن يأتي مرفَّل العَروض والضرب، أي بزيادة سببٍ خفيفٍ في آخر التفعيلة الأخيرة، فتصير: (مستفعلتن تن). ويدخل حشوَه الخَبْنُ والطَّيُّ، على التعاقب، أي إذا دخل أحدهما لم يدخل الآخَر. لذلك تُصبح (مفعولُ) تارةً (مَعُوْلُ)، وتارة (مَفْعُلُ).

وبغضّ النظر عن ركاكة الأسلوب في قصيدة العلوي، فما يعنينا هنا أن الدوبيت خيارٌ موسيقيٌّ شِعريٌّ رائق في الذائقة العربيَّة. وغناؤه يكشف عن جمال موسيقيَّته أكثر من قراءته.

ومن المعروف في التراث العربي أن وزن الدوبيت عُرف منذ القرن الثالث الهجري، وازدهر في شِعر القرون المتأخِّرة، من السابع الهجري إلى الثاني عشر. ومنه ما اشتهر في الغناء العربي، كقصيدة (البهاء زهير):

يا مَنْ لَعِبَتْ بهِ شَمُوْلٌ

ما أَلْطَفَ هذهِ الشَّمائلْ

نَشْوَانُ يَهُزُّهُ دَلالٌ

كالغُصْنِ مَعَ النَّسيمِ مائِلْ

لا يُمْكِنهُ الكَلامُ لكنْ

قد حَمَّلَ طَرْفَهُ رَسائِلْ

ما أطْيَبَ وَقتَنا وأَهْنى

والعاذلُ غائبٌ وغافِلْ

وكثيرًا ما نجد وصف هذه الأبيات في الأوساط الغنائيَّة بأنها "موشَّح". وهذا خلط، فليست بموشَّح، بل هي "دوبيت". وقد ذكر محقِّقا ديوان البهاء زهير، (محمَّد أبو الفضل إبراهيم ومحمَّد طاهر الجبلاوي)، أن القصيدة "من بحر السلسلة، وهو مجزوء الدوبيت"! والصواب أنها ليست من مجزوء الدوبيت، بل من تامِّه، مكشوفِ العَروضِ حَذَّائها، مكشوفِ الضربِ حَذَّائه. أي أن تفعيلاته: (مستفعلتن/ مفعولُ/ مستفْ) في المصراعين.

فما أكثر المهمل من تراثنا العربي وما ألطفه، لو أحياه العرب، عِوَض تلقُّف التجارب، غربًا وشرقًا!

 

بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

 

615 علي لفتهجميعنا يعرف  (مثلث الرياضيات) و(مثلث برمودا)، لكن (مثلث الموت) ثيمة جديدة تبعث إلى الشجن والدهشة؛ لأنها ارتبطت بمفهوم (الموت).

من هنا أستثمر الروائي (علي لفته سعيد) تقانة هندسته الفكرية والرمزية في بناء عنونة روايته (مثلث الموت)، والتي صاغ عن طريق متنها السردي واقعية معاشة بأمتياز ابتعدت عن المبالغة والصياغة المفتعلة.

نحن نقرأ نجد ذاتنا تكمل صياغة المشهد ورسم أحداثه؛ لأنه مشهد معاش بأمتياز من الواقع وجذوره الجديدة التي صاغته بإزاء مجانية الموت والخراب المجاني للبلاد.

ولا تبتعد سردية الرواية عن فكرة الطائفية-بل هي الفكرة الرئيسة في بناء عنونة الرواية، وصياغة حبكتها -، لتشكل الهندسة الرياضية حضوراً في بناء اضلاع المثلث، فالمثلث بأضلاعه الثلاثة مثل هرماً رأسه المدبب يرمز للموت الطائفي، وضلعاه القائمان المتصلان بالرأس والقاعدة يمثلان الدين والأحزاب والسياسة، وقاعدته الجماهير المسحوقة الضعيفة الفاقدة لمصيرها ومستقبلها" إنه صراع الموت.. الاحتلال بحاجة المقاومة، والمقاومة بحاجة إلى موت والعنوان هو القفل".

تسرد الرواية صحبة ثلاث شخصيات تعمل في مهنة الصحافة، كانت شخصية (سلام) أقوى من شخصية( أحمد وخضير)، أما (منتظر) فهو زميلهم أيضاً لكنه صحفي متملق، بعكس (سلام، وأحمد، وخضير) فإنهم صحافيون ملتزمون.

تجري أعمالهم في المناطق الساخنة التي تمثل حبكة (مثلث الموت) وهي( اللطيفية، والمحمودية، واليوسفية)، شكلت هذه المناطق أخطر أماكن بغداد بعد(2003) لاسيما في المدة مابين(2006، 2007)،إذ سيطر رجال الدين السياسيين المزيفين على المناطق أغلبها، والجماعات الدينية بأسم المقدس الديني المبطن بالضغط السياسي المفتعل، التي نجحت في فرض السيطرة على مساحة هذه المناطق بالكامل، مما تسبب في حصد عدد كبير من القتلى، فضلاً عن الأقتتال بسلاح الهوية الطائفية المميت.

ويحمل الطابع المرجعي للرواية هماً وجودياً أو قلقاً فكرياً، فالشجن سيطر على بناء السردية أغلبها.

أهتمت السردية بمناقشة قضية" أهمية الدين واستغلاله" ؛لأنه تحول إلى  أستعمالية مجانية .

حصرت الرواية سرديتها ضمن نطاق محدد ينحصر بواقع بغداد أولاً، والعراق ككل ثانياً.

وشخصيات الرواية مثقفة واعية نقلت واقع يومي معاش، ابتعدت عن الخيالية والمبالغة، وانطلقت في رسم فضاء روائي متقن.

أضيف، أن القارىء لرواية (مثلث الموت)، يجد أمكانية متقنة في نقل الواقع بتجلياته جميعها، ولم نجد ذاك الكم السردي الخيالي، فكلما أقترب المتن السردي من القضية الأجتماعية كلما وجد حضوراً تشهد له الساحة الأدبية والنقدية.

 

بقلم: د. وسن مرشد

 

607 ماجد الحسنقراءة في مجموعته الشعرية: أول الفجيعة الرأس

يُعد ماجد الحسن من الشعراء العراقيين القلائل الذين تمكنوا من استيعاب الرؤى الفلسفية والشغف بها وطرحها بصور شعرية، وما يشفع له أنه دارس للفلسفة وقارئ لها.

ماجد الحسن عضو اتحاد الأدباء العراقيين. درس الفلسفة وحصل على البكالوريوس فيها.

من مجاميعه الشعرية:

ـ أول الفجيعة الرأس وـ خيول مُشاكسة...ـ لا مأوى أيتها الغيمة...ـ ولا أُريده صعوداً...ـ أين سيهبط بنا الدُخان.

ومن دراساته النقدية:

ـ البنية المكانية، قراءة في شعر عيسى حسن الياسري...ـ تجليات النص، مسارات في تأملية في سؤال الذات...ـ حياة العلامة، محاولة لادراك الأنساق الثقافية الشعبية.

كونه دارس للفلسفة نجد نصه الشعري مُكتنز المعنى، ففي مجموعته الشعرية الأولى "أول الفجيعة الرأس" نجد دلالة المعنى تغلب على صياغته للصورة الشعرية إن لم نقل أنها تُجهز عليها، فالرأس حامل الوعي والفكر هو مكمن التفكر وهو مناط الحزن الحامل للعاقل دوي الفجيعة.

ماجد الحسن يكتُبُ نصوصاً غير مُعلنة، كما يُصَرح هو، أي أن معانيها مُضمرة، لا يفك مغاليق القول فيها سوى دارس للفلسفة. في إنبهاره بمعطى الشعر تكوثر للمعنى وتطوبع للفظ اليوناني بمقابله العربي.

في نصوص الحسن توظيف لرؤى الفلاسة الطبيعيين وكل تاريخ الفلسفة اليونانية تحولات الفهم لها في الفلسفة العربية.

فمن لم تكن له دراية وخبرة بمفاهيم الفلسفة وقراءة لتاريخها لا قُدرة له لمعرفة مرامي (الحسن) في إحالاته الشعرية.

شهقة العصافير...

نجمة تنام بين الغصون

وعاشق يحفر أصابعه في الجذور البعيدة

وفي نص آخر يقول:

أحياناً...

ننبسط جداً

فنستنشق نحول الأرض

متى تتعافى أيام الخريف

...

النهر يُقطع أوصاله

علَه يلَم شتات الحقول

...

نرتدي أجسادنا على عجلٍ

ونحُث الزمان...

لموت بطيء

تقطيع النهر لأوصاله واستنشاق نحول الأرض وانتظار تعافي الخريف وسعينا لارتداء أجسادنا على عجل بصورة شعرية بهية فيها كل الألم تُحاكي الزمن لا لعتاب للشاعر معه لأنه ملَ العتاب، بل هو في حالة من اليأس يحث الزمان فيها "لموت بطيء"!.

ماجد الحسن يكتب تاريخ الحزن بلغة فلسفية فيها بعض من التعالي عن وعي العامة، ولكنها لغُة مُكتنزة المعنى يستجير بها بالصمت بديلاً عن اللغة:

أيها الصمت،

إليك أستجير...

وبك أُعلق بهائي

الصمت عند (الحسن) لغة الذات حينما يعجز عن الكلام:

عند النوم أتأبط رأسي وأُدثره

لئلا يسرقه الحلمُ

أو يُصاب بقشعريرة

الملوك

وإن لم يكن في سجل تاريخنا من يُخبرنا أن للملوك قشعريرة، لكن الحسن ـ كما أظن ـ يُوردها على سبيل التهكم لا الاستحسان.

فكل ما ذكرته سجلات التاريخ أن الملوك لا تينشغلون سوى بسرقة أحلام الجماهير = (العصافير) التي تهتف يوماً بيعيش الملك وتارة أخرى تهتف بيسقط الملك، زكل شعاراتها بحسب مُتغيرات الحال والأحوال، ولكنها طيبة لها براعة التمثل لهذه المُتغيرات:

تلك هي براعة العصافير

لا تكف من تأبط الأشجار

وحين تطوح بها الرياح..

تندس غير آبهة بارتعاش الغصون

براعة العصافير هي براعة لجماهير، وكما العصافير لا تكف عن تأبط الأشجار نجد الجماهير لا تكف من احتمائها بالأوطان، ولربما يظن القارئ أن الأوطان تأوينا بمعنى "تتأبطنا" أقل له إننا نحن من يتأبط الأوطان ونأويها لا تأوينا، فهذا العراق كم آويناه ولم يأوينا!.

الأوطان ليست أمكنة نسكنها، إنما هي مُخيلة مُستمدة من ذاكرة تسكننا تندس فينا بارتعاش، ولا نندس فيها!!:

أتأبط مصيري...

وأنا في الطريق،

إلى وجع الأوراق

إنه وجع السنين وأوراق العمر التي تساقطت "وركة ابأثر وركة". فالخطوات "ترتجل الشهيق

...

الطريق يمشي لوحده

أتبعه...

فتتبعني عناقيد من الرؤوس

...

إن الليل مصلوبٌ وقدماه في الذاكرة"

يعود الشاعر ليجعل من الصمت لُغةً ناطقة بقوله:

سأقفل باب الكلام...

هكذا أُعلمكِ،

كيف تبوحين بقتلي

الحسن يستحسن الصمت ويجعل من لغته البهية بصور مُفارقة لمألوف القول الشعري لفرط هيمنة الوعي الفلسفي الظاهر في بينيات ومُضمرات قوله الشعري ليجعل من ألفاظ مثل:

الصمت، والهدوء، والنُعاس، ووجع الأوراق، والإصغاء، كُلها ألفاظ دالة على قيمة المعنى الراكس خلف اللفظ، وبنُطقه يستفز المُتلقي للبحث عن معانٍ أُخرى:

من يقول للنهار...

أنت لا تُحسن الاصغاء للشمس؟

في قصيدته (هومش لنصوص مُعلنة) يقول الحسن:

كُلما يستيقظ الليل...

أتذكر الرماد الذي يرفس في أحشاء البيت

...

الشمسُ تُمزق قميص الليل

الليل هو الهدوء، ولكن صخب الحياة والرغبة في العيش خارج السكون وضد كل ألفاظ الصمت بكل ما فيها من قيمة أخلاقية مُعبرة إلَا أن الكلام رؤية وفكرة وتصريح وتعبير عن قبول ورفض، ولا يصح السكوت أو الصمت في زمن:

كُل يوم...

الشمسُ تُمزق قميص الليل

والليل...

بهجوعه يستجير بالنجوم

فبعد كل ليل ينبلج الصبح، وكل ليل لا معنى له من دون أن تستفزه النجوم في أوانه، وكل ليل يتغنى بحياة أخرى في انبلاج النهار واشراقة الشمس بزهو يوم جديد.

ماجد الحسن يصنع عوالماً في الشعر يقترب بها من مرامي الفالسفة في سعيه للكشف عن حقائق كامنة في القول الشعري يستجليها الفيلسوف برؤاه البرهانية، وعلى ما بين الشعر والفلسفة من تباين ملحوظ من جهة تبني الشاعر لرؤاه الذاتية بعيداً عن الدفاع عنها وفق المنطق البرهاني الذي يختلف فيه الفيلسوف عن الشاعر.

ولكن كلا القولين الشعري والفلسفي يشتركان في همَ واحد انشغل به ماجد الحسن في كتاباته الشعرية والنقدية ألا وهو الإنسان الذي انشغلت به الفلسفة ببعدها العقلاني (التقني) أو ببعدها الجمالي المخيالي المُتداخل مع القول الشعري ببعده الفني (الجمالي).

ما يُميز ماجد الحسن أنه قدم من الفلسفة إلى الشعر، وكل أقوايل الفلسفة من قبل كانت أسطورية كُتبت بلغة شعرية لا يُمكن لنا أن ننفي عنها سمة الوعي العقلاني المُضمكر في النص الجمالي الشعري أو الأسطوري.

 

ا. د. علي المرهج

 

 

احمد الشيخاوييشاكس المغربي اصغيري مصطفى حظوظ الشعر والحياة، في مجاورة رمزية للموتى، يصقل الصلة بالمكان والعناصر والكائنات، ويرتقي بالذات إلى حدود الطوباوية، كأنما ينبّه إلى ثغرات وجودية مغيّبة، ليس تترع بسوى ثقافة صوفية، مخلّقة للمهادنات الكفيلة بتيسير عبور آدمي أقلّ تعثرا وتخفّفا من أضرار وتكاليف الحياة.

بهذا المفهوم، يضيف هذا الاسم، ويثري تجربته بالانحياز - إبداعيا - لسرب تمجيد الكتابة في أقصى وأنضج عنايتها بالملمح الفلكلوري، تنفيسا للإزمة ومستويات اختناق الذات بها، يمرّر حتّى رسائل العتاب المهذّب، انطلاقا من ذات تعتقد بمركزيتها وتذود عن صوتها، على نحو لبق ومقبول، متناغم مع هشاشة وهوية الكائن المجبول على باطنية مشتعلة بوصايا البصيرة، وفلسفة القريب جدّا منّا ككائنات، تؤثر على الدوام، ضربا من التوغل الروحي والتخيلي، في ما هو مرتع للعدمية والعبث، باعث على النزعة التدميرية، الهادمة لاحتمالات التصالح والتشاركية والتكاملية في أرقى صورها، انتصار ا للرمزية الوجودية والحياتية الجاعلة منّا ظلالا وامتداد، يعزّز أدوارنا في رحم الغيب.

بمختصر العبارة، هي فلسفة اليقين، إذ تنرسم لها ملامح النّص الزجلي، مرهفا ومثقلا بقطوف السهل الممتنع، الممعن في طعنات أسئلة الموت.

يتصيّد اصغيري مصفى، معاني النص الزجلي، من جملة المقابر التي تسكنه، وتمنحه شخصية المتصوف وعقلية الحكيم، في آن، بحيث لا يجدّف بأحرفه أبعد ممّا تلهمه به يومياته، في تسربلها بغوايات الهامشي والمنسي والمعطّل.

يزهد في سائر ما يضيّع عليه فرص محاصرة الكون، بشتى تفاصيله، بأسلوب مراوغ ومقنّع بالتمام، يلغي كليا لغة العين المجردة، وقصور الخيال، في تحسس مملكة الهشاشة والجمال، وتوسل صورها في كامل العذرية وبراءة البياض، بياض النص والذات والحياة.

نطالع له، في إحدى مناسبات الدندنة، تسامقا نرجسيا متماهيا مع روائح البخور منقوعة به التعويذة، و مبللة به طقوسيات مجاورة الموتى، هذا المقتبس المكتظ برسائله البصرية، موحيا بمتوالية أسرار، في اتصال مدغدغ، مع عوالم طافية على تيمة الاحتفاء بحياة الكائن، داخل جغرافية غيبية ومجهولة، يقول:[ العين تدْمع/ القلب شاعلة فيه النار/الوقت نزْربْ /العام فيه غير نهار/مابقا فالدنيا ما يعجب/ لي تبنى لبارح وتشيّد/اليوم تخرّب/شوف بلاّرج فين بنى عشتو/شد السما غير وحدو/لا من ينافسو/ ولا من يورث معاه](1).

يستثمر، في ما يجعل الانجذاب إلى عوالم خفيضة، ممكنا، وعلى مقاسات تستفزّ تجليات الانفلات من أرض الخطيئة، إشرئبابا ومناطحة للأسمى والأنقى والأطهر، في كل حين، وتحت أي ضغط من رزء يفضح إلمامنا الناقص بفخاخ الحياة.

وفي موضع آخر يقول:[عاشوا فـــ الأوهام/ على نفوسهم جناو/تلاحوا فــــ فم الحية/ بتاريخهم تقصاو/ودعوا الأهل والأحباب/ تسواو بالتراب](2).

ويقارب راهننا المشحون بأوبئة مجتمعية وإيديلوجية، شبت عن الطوق، وتجاوزتنا بخيوط سمومها، لتغرق فينا فتكا وإبادة، على كل حال، فيقول:[ شي عايش بلحب /أو بيخير/شي عايش بلقرقوبي /والتشمكير/شي لابسو الهم/ والتفكير](3).

مثلما ينصرف إلى فوبيا الزعامة، ومغناطيسيتها المميتة، مشيرا إلى كنه المعضلة، في استساغة مرارتها بأنانية وتهافت، يومض بقولته: [حبهم كرسي/ملعود/زايل/ ماهو طايل] (4).

ثم يعرّج على حقيقة مرّة، تكمن في كون الخيار بيد الكائن، في جميع الأحوال، خيار زرع المحبة والسلام والتثاقف والتلاقح في مختلف ربوع الكون، بيد أن النوازع الشيطانية وأنْوية البربرية والتوحش، وبؤر البهيمية، سرعان ما توقدها وتوقظها النفعيات والمصالح الضيقة، ليؤول الحال إلى ما هو عليه، وأكثر، من مشهد للجنائزية والدموية والفوضى والاضطراب، يقول: [ياناس هاد العالم/تحولتوا لوحوش/فين هي الإنسانية/ الخير بالشر بعتوه/ هادي حالة عدوانية](5).

خلاصة القول أن الزجال اصغيري مصطفى، لا يبرز سيرته، وإن أسرف في التقاط القصي والطرفاوي والمعزول، من حيثيات ونثار، في غمرة احتكاكه يوميا بما يشحذ تجربته كإنسان وكمبدع، فهو لايبرز إلاّ من خلال كتابة تسيّجها فلسفة الباطني، وتهيمن على جانبها الرّسالي، تكثيفات خطاب الحكمة والحمولة الحجاجية الإقناعية.

بذلك، فهو، يستشعر نبض الموتى، ليزّف إلى المتلقّى، نصوصه، مغدقة بألوان الاحتفاء بالحياة، بحكم أن العمر هارب، والأولى أن نعيشه ونتنفّس فصوله، على سجيتنا المعتّقة ببراءة السليقة وسلسبيل النواميس والفطرة، قهرا للذات والنص والحياة، ونكاية في راهن يترصّد محطات الإفلاس البشري، وتعرية مكامن الضعف والخور والفاقة، في هوية الكائن الوجودية.

 

احمد الشيخاوي

......................

هامش:

(1) مقتطف من نص"الدردار تطفّل يعطي كلمتو".

(2) من نص" العش المبني بالخش".

(3) من نص "رماد الكانون".

(4) من نص"لا للحرب لا للدمار".

(5) من نص " نقطة نظام".

* شاعر وناقد مغربي

 

محمد فاتيكان لظهور السينما تأثير كبير على حياة الإنسان، خاصة فيما يتعلق بنظرته الجمالية للواقع، وقد شكل هذا الفن محورا إبداعيا حل لينافس كل الأنواع الإبداعية الأخرى التي سادت قرونا طوالا في المخيلة الإنسانية. وإذا كان الأدب قد احتل المكانة الكبرى، قديما وحديثا، باعتباره أسمى الوسائل التعبيرية وأرقاها، فإن السينما قد جاءت لتمد جسرها الإبداعي هي الأخرى في حياتنا، مقارعة كل أجناس الأدب مقارعة ثقافية تغني الفكر وتثري الوعي. ولم تكن هذه المقارعة حاجزا أمام السينما  يمنعها من بسط خيوط التواصل والحوار مع باقي الأجناس المنافسة، بل بالعكس مثلت خط انصهار وامتداد وتفاعل ألقى بظلاله الإيجابية على الذوق الفني للمتلقي، المستفيد الأول من هذا الثراء الإبداعي. وقد أدرك النقاد خصوصية هذه العلاقة التفاعلية بين السينما وباقي الأجناس الأدبية كالمسرح والرواية بالخصوص كونها أقرب الأجناس إلى الفن السابع، لهذا استعان المنتجون السينمائيون بالمخرجين والممثلين المسرحيين، كما اقتبسوا روايات أدبية خالدة وحولوها إلى السينما.

وتخضع الصورة السينمائية مجموعة من الأساليب والخصوصيات التي تميز الفنون الأخرى إلى شروطها ومجالها (وقد أشرنا إلى هذه الفكرة  في فصل سابق)، حيث يشترك السيناريو السينمائي في بعده الحكائي ومكوناته الأساسية  مع الأجناس الأدبية السردية، كما تستفيد الصورة السينمائية من أواليات الفنون التشكيلية وأبعادها التكوينية والفنية : الألوان، الضوء، التأطير، الخطوط..، دون أن ننسى استقاء السينما من فن الموسيقى مجموعة من الخصوصيات الإيقاعية : القطع الموسيقية ـ الأغاني ـ الأصوات ـ المؤثرات الصوتية...ومن فن المسرح تقنيات التمثيل والحوار والتجسيد والتواصل. فالفن السينمائي هو تعبير تشكيلي عن القصص وصورته الأولى هي السيناريو أي الشكل الداخلي للفيلم، والذي تظهره الكاميرا بعد أن يجسده الممثل والمصور ومصمم الديكور، والرسام ومهندس الصوت، والموسيقى، فيدعم تأثيره (الصوري) على المتفرج" .

في نفس السياق، نجد أن السينما هي الأخرى مدت خيوط تأثيرها على الرواية وتقنياتها السردية، خاصة مع التطور التكنولوجي السريع الذي عرفه المجال السمعي البصري، والذي أصبح ممتدا وباسطا لنفوذه الجماهيري في شتى أرجاء العالم، وهذا ما ألزم الرواية والفنون الأدبية بصفة عامة ضرورة مسايرة هذا التطور السريع لأنماط الثقافة الإنسانية المستجدة، ومجاراة هذا التحول الكبير في أشكال الفكر البشري، ومواكبة التغير المستمر في الذوق الفني لمتلقي القرن الواحد والعشرين. لهذا أصبحت الرواية، اليوم، مجبرة على التفاعل النصي مع مختلف الوسائل الجديدة والتقنيات الحديثة التي رافقت هذه الثورة التكنولوجية. وإذا كانت السينما وجها من أوجه هذه الثورة الإعلامية، فإنها، بطبيعة الحال، ستكون أقرب الحقول المعرفية تأثيرا وتأثرا بالأدب والرواية بصفة خاصة، حيث  حاكت هذه الأخيرة طريقة صياغة الصورة السينمائية، وأصبحت مهتمة بالتفاصيل الدقيقة، غارقة في التشخيص والتجسيد، معتنية بالوصف والتصوير، سالكة في ذلك طرقا متنوعة تهدف إلى تتبع الأحداث والوقائع، ورصد المواقف والأفعال، والاقتراب من الإيماءات والإشارات.

يذكر آيليا ايرنبرغ في مذكراته، بأنه تحت تأثير السينما انجذب عدد كبير من الجمهور إلى إنتاجاته الأدبية ، وهذا الانجذاب الجماهيري له تفسير مرتبط بطبيعة الفن السينمائي ذو الشعبية الجماهيرية الهائلة والتي تساهم في التعريف بكثير من الأعمال الأدبية. فالجمهور ميال بالفطرة للصورة وعاشق لما تنتجه الصورة في مختلف مجالات الحياة، نظرا لما تحمله من مغريات حسية وعاطفية وفكرية وثقافية تسهل من عملية التأثير الفني على وعي المتلقي، ضف إلى ذلك أن عصرنا الراهن هو عصر الصورة بامتياز، بحجة طغيان الآليات السمعية والبصرية على مختلف وجوه الحياة، وهذا ما سهل من عملية التلقي  وسرع من وثيرة التفاعل والتواصل. دون أن ننسى، كذلك، الوظيفة التأثيرية للصورة المنبثقة من بنيتها التكوينية الخاضعة لمجموعة من المؤثرات المرئية والصوتية : الضوء، اللون، الصوت، الموسيقى، الديكور، التأطير...والتي تزيد من جاذبيتها ومستوى تقبلها لدى الجمهور.

ولأن الجماهير تفضل أسهل الطرق التفاعلية والتواصلية، وبما أن السينما ترتكز على العرض المباشر المتتالي للصور الواضحة، فإن المتلقي سيتعرف على عديد الأعمال الأدبية من خلال الأفلام السينمائية التي خلدت ذكرى روايات كانت مجهولة في السابق بسبب عزوف القراء عنها، والبرغم من عدم تطابق  النص الفيلمي مع النص السينمائي، " إلا أن العرض السينمائي في معظم الأحيان يشجع المشاهد على الرجوع إلى الأصل للإطلاع عليه....لأنه يلفت انتباه القراء والجمهور العريض إلى أعمال أدبية عظيمة لم ينتبهوا إليها" ، وأبرز مثال على ذلك سلسلة أفلام هاري بوتر والتي بوأت الكاتبة البريطانية المغمورة جوان رولينغ مكانة مميزة في عالم الرواية، من خلال الأرقام القياسية التي حققتها مبيعات الرواية مباشرة بعد عرضها في دور العرض السينمائية. نفس الشيء نجده في فيلم "سارق الدراجة" للمخرج فيتوريو دو سيكا، المقتبس من رواية لويجي برتولوني، والذي لقي نجاحا باهرا حينما عرض سنة 1948، ونجده أيضا في رواية  "عربة اسمها الرغبة streetcar named desire " لتينيسي وليامز (إخراج إليا كازان، بطولة مارلون براندو 1951)، ونلحظه كذلك في رواية "زوربا اليونانيzorba the greek " لنيكوس كازانتزاكيس (إخراج مايكل كاكويانيس وبطولة أنطوني كوين 1964)....

كما أن السينما ساهمت في نشر وإشهار عديد الأعمال الأدبية الخالدة في الساحة الفكرية والثقافية عن طريق أفلام سينمائية حاولت الاقتراب من المتن الروائي بأسلوبها السينمائي وتقنياتها الفنية، والأمثلة على ذلك عديدة : رواية العراب لماريو بوزو والتي تحولت إلى فيلم بنفس العنوان أخرجه فرنسيس فورد كوبولاـ رواية ذهب مع الريح للكاتبة الأمريكية مارغريت ميتشل والتي نسج منها فيلم سينمائي عالمي من إخراج فيكتور فليمنج ـ  رواية "نانا " لإميل زولا التي عرضها جان رنوار سنة 1926 بفرنسا، بالإضافة إلى مجموعة من الأعمال الروائية الأخرى لكتاب عالميين ك جيمس جويس وكابرييل كارسيا ماركيز و كافكا وأمبرتو إيكو و سكوت فيزجيرالد ودوستوفسكي ونجيب محفوظ....

وقد تأثرت الرواية الجديدة كثيرا بالسينما وتقنياتها الحديثة، حيث جاءت محاكية لطرق التنفيذ السينمائية في بناء الحبكة السردية وأساليب التعبيرعنها، من خلال التكثيف في الوصف، والتدقيق في العرض، وتأطير الوقائع، واعتماد المشاهد الروائية، والاهتمام بتصوير الفضاء وخصوصياته، والعناية برصد الأحداث بطريقة مونتاجية مشوقة تستهدف العناية ب " أسلوبيتها، وطريقة بناء تكوينها، وربط مقاطعها، ومادتها المكونة من : التحقيقات، الروح الملحمية، المحور الرئيسي، المدخل..." . ومن الواضح أن الروائي يسعى اليوم ـ من خلال توظيف تقنيات جديدة في السرد ـ إلى محاكاة الأساليب التعبيرية المعتمدة في السينما، ولو قارنا بين طريقة السرد في رواية نجيب محفوظ "الشحاذ" مثلا وأحد رواياته القديمة في المرحلة التاريخية أو المرحلة الاجتماعية نجد أن الفرق بينهما واضح، ولا شك أن طريقة السرد في "الشحاذ" بانتقالاتها الحادة بين الواقع والخيال، أشبه ما تكون بأسلوب الموجة الجديدة في السينما .

ولم يكن هذا التأثر إلا مظهرا من مظاهر التطور والتحول الذي أصاب مختلف الوسائط الإبداعية والفنية والثقافية، في إطار التداخل الثقافي والتلاقح الإبداعي الذي ميز الحقل المعرفي بعد الطفرة العلمية المعاصرة والثورة التكنولجية الحديثة. ولهذا فقد حاولت الرواية مسايرة هذا التجدد ومواكبة هذا التغير من خلال تجديد أدواتها الفنية وتطوير وصفتها الإبداعية التي بدأت تنفتح رويدا رويدا على مجالات فنية أخرى تتميز بانجذاب الجماهير إليها، حتى تستوعب، هي الأخرى، إقبال المتلقي وإعجاب القارئ، الذي مل من البناء التقليدي ومن الوسائل الكلاسيكية في التعبير والتبليغ، وأصبح متطلعا لرواية تواكب وعيه واستيعابه وذوقه الخاضع لتطورات عصر السرعة والتجدد.

وأصبحت ـ بموجب هذا التغيير والتطورـ رواية العصر الحديث مادة مشوقة تستلهم عديد السينمائيين وتفتن كثيرا من المنتجين الفنييين، حيث كثر الاقتباس السينمائي من الأدب وتضاعف اهتمام المتلقي بالرواية، عن طريق السينما التي مثلت جسر تواصل بين الكاتب الروائي والجمهور. ومن أبرز الروايات التي أنجزت بخصوصيات قريبة من فن السينما وتحولت إلى أفلام مميزة، نذكر أساسا: الروايات البوليسية (روايات البريطانية أغاتا كريستي،  روايات الكاتب الأمريكي دان براون)، والروايات الرومانسية (رواية سكوت فيزجيرالد كاتسبي العظيم مثلا)، والروايات الدرامية والملحمية (روايات كابرييل كارسيا ماركيز ـ ماريو بوزو ..)، والروايات الاجتماعية (روايات نجيب محفوظ)....فالعديد من هؤلاء الروائيين تأثروا بالسينما وعاصروا تقنياتها ومدارسها المختلفة، فجاءت أعمالهم الروائية وثائق حية في وقائعها، حركية في أحداثها ومسارها الزمني، تفاعلية ودينامية في مجالها التشخيصي والمكاني. وأصبح الروائي ينظر إلى المسار السردي في سيرورته المثيرة والمشوقة، موظفا بعض التقنيات القريبة من السينما، وكأن قلمه تحول إلى آلة تصوير سينمائية تتبع سلسلة الأحداث مشهدا بمشهد، وتلتقط التفاصيل والجزئيات، وتدقق في أوصاف الشخصيات والأمكنة، وتحكي باعتماد وضعيات متعددة ورؤى متنوعة .

وفي اتجاه معاكس أخذت السينما، هي الأخرى، من الرواية مجموعة من الآليات والخصوصيات المرتبطة بمكونات الحكي وأدواته، فالرواية "تقدم للسينما شخصيات أكثر تعقيدا، وتقترح في العلاقات بين الشكل والمضمون تشديدا وتدقيقا لم تتعود عليهما الشاشة" ، وهنا نشير إلى الموجة الجديدة في السينما أو ما يصطلح عليها بسينما المؤلف والتي تأثرت كثيرا بتقنيات الرواية الجديدة ذات البنية السردية المعقدة والتنظيم الأسلوبي المركب، ونشير كذلك إلى الأفلام التي ترتكز على الراوي الذي يسرد الأحداث، أو الأفلام التي تعتمد وضعيات ورؤى سردية متغيرة، أو الأفلام التي تستعين بأدوات سردية/ زمنية كالاسترجاع والاستباق....وكل هذه التقنيات أدبية النشأة، مرتبطة بمجال الحكي الأدبي، لكنها وتحت وطىء التداخل المعرفي والتمازج الثقافي الذي طرأ في القرن العشرين انتقلت إلى مجالات إبداعية أخرى أبرزها السينما. وقد نتج عن هذا التقاطع والتماهي الذي حدث بين الخطابين، توافق وتكامل في علاقتهما الفنية المزدوجة، بحيث يتبين أن "أهم العناصر السردية والوصفية التي عج بها الأدب قديما، خرافيا وملحميا، يمكن أن تكون صالحة للتوظيف السينمائي، ولاستثمارها في الصناعة التقنية لهذا الفن الذي عد سابعا" .

إن ما شد فيتوريوفياني ـ المخرج الإيطالي ـ إلى إخراج (الشمس حتى في الليل)، اعتمادا على ليون تولستوي مثلا، هو انشداده إلى الأرض. مادام المصدر الأساسي للفيلم هو صورة أو كتاب يعرفنا على ذواتنا، باستلهام الأدوات التي يحتوي عليها الكتاب ، وفي نفس السياق اعترف المخرج الأمريكي "كريفيت" بأن روايات "شارل ديكنز" قد أثرت فيه تأثيرا كبيرا إلى درجة أن مجموعة من التقنيات السينمائية استلهمتها منها، كالاختفاء التدريجي، والتداخل وتكوين الصورة والتجزئة إلى لقطات، والعدسات الخاصة بالتحوير وأهمها مبدأ التقطيع المتوازي . وفي رواية (يوميات راهب في الأرياف)، يعمد المخرج بريسون bresson إلى التعامل في العمل مع فقراته التجريدية، والإبقاء على الفيلم كعمل كتابي، تبرز فيه الصور ككلمات معجم لا سلطة ولا قيمة لها في علاقاتها، مشددا على تصوير صور فارغة  في شاشة فارغة المحتوى، ونقل حكاية معقدة المضمون مبهمة الدلالة، ورصد أحداث مفككة المبنى  فاقدة للاتساق والتعاقب المنطقي، في إطار الانتماء لما يسمى بسينما المؤلف أو السينما الروائية.

وإذا كانت المنظومة السينمائية تختلف ضمنيا عن المنظومة الروائية على مستوى نوعية الخطاب الفني وآلياته البنائية، فإن هذا لا يمكن أن يغطل أو يلغي من عملية التحويل والاقتباس التي تصير بين المجالين، خاصة إذا انطلقنا من فرضية أساسها أن الكلمة والجملة والفقرة في النص الروائي، تقابلها الصورة واللقطة والمشهد في العمل الفيلمي، وهذا ما يسهل من عملية التحويل هاته، مع مراعاة الخصوصيات المرتبطة بكل مجال، والتي تجعل من النقل الحرفي التام شيئا مستحيلا في هذه العملية. فأن ننقل عملا روائيا إلى السينما معناه أننا ننتقل من صيغة الحكي الأدبي إلى صيغة الحكي البصري "الذي تتجاوز فيه الصورة السينمائية نظيرتها الأدبية من حيث قدرتها على نقل المتلقي من مجال الخيال المحض إلى مجال الخيال الذي يتأسس على واقعية فيلمية تقترح شخوصا وأمكنة، وحياة فيلمية ملموسة" ، لهذا فإن المخرج حينما يحول عملا أدبيا فهو غير ملزم بالاستنساخ التام لهذا العمل، بل إنه مطالب ب"إعادة بنائها بواسطة الصورة السينمائية" ، لأن كل وسيط يتفرد بممزاته الخاصة ومكوناته المحددة، قد "تبحث وتجد مقابلا بين الفيلم والرواية، اعتمادا على الصور والديكور والموسيفى ووجوه الممثلين والإضاءة وزوايا التصوير، لكن ليست هذه المعطيات كلها تشكل الجمل الموجودة في الرواية، كما أن الجمل لا تترجم مضمون الصورة السينمائية بقوتها، لسبب بسيط هو أن وسائل التعبير ليست نفسها في المجالين" .

وهدفنا من هذه الدراسة المقارنة، هو محو الحدود الإبداعية التي تفصل كل مجال عن الآخر، وخلق أرضية مناسبة بينهما تسمح بالتفاعل الفني والتداخل المفاهيمي والاشتراك الجمالي، وهذا ما يلزمهما الانفتاح على بعضهما البعض، وتجاوز الرؤى الأحادية الإقصائية ، وخلق آفاق تعددية " تفتح أراضي جديدة تتميز بقدرتها على استضافة لقاءات بين كل ما هو مختلف ساعية كي تكون بوثقة تنصهر فيها العناصر وتتلاقح" . وإذا كانت الدراسات في هذا الصدد قد عرفت تطورا كبيرا واهتماما كبيرا في العالم الغربي، مستثمرة حضور الصورة كمكون أساسي في مناهج الدراسة والمقررات الدراسية، فإن العالم العربي لازال قاصرا في أبحاثه المعرفية التي تخص الصورة والسينما والدراسات الوسائطية المقارنة، وهذا ما يفرض على الدارسين والباحثين الجدد ضرورة الالتفات لهذا المكون المعرفي بأدوات بحثية ومناهج نقدية حديثة بهدف إغناء الحقل الثقافي والمعرفي العربي، والانفتاح على نظريات معرفية معاصرة تواكب التطور الثقافي والعلمي الذي يعرفه العالم. وما الاقتباس الفيلمي من الأدب إلا وسيلة من وسائل التفاعل الفني والثقافي التي تساهم في "جعل الأدب متاحا للجماهير العربية" ، فالعديد من الروائع السينمائية العربية ولدت من رحم الأدب، والأمثلة عديدة ومتنوعة من نجيب محفوظ وغسان كنفاني وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ومحمد شكري وعبد الحميد هدوقة ويوسف إدرس وتوفيق الحكيم وعبد الرحمان الشرقاوي....

لهذا يمكن القول في الختام أن هذه العلاقة الثنائية الوطيدة والشديدة الترابط بين الرواية والسينما، تلعب دورا أساسيا في مد وتوسيع المساحة الجماهيرية المستقبلة للأعمال الفنية المميزة، والرقي بالذوق الثقافي والفكري للمتلقي عن طريق نشر أهم الأعمال الروائية والأدبية وتقريبها من وعيه وثقافته، وبالتالي المساهمة في البناء الثقافي والفكري للأمة العربية، وخلق المتعة الفنية الإيجابية للجماهير، باعتبار أن هذه العلاقة التفاعلية تنتج عملا متناسقا يتميز ب"ارتباط الصورة بالكلمة، والورقة بالشاشة، ورؤية الكاتب بالمخرج، وبين الاثنين تتحول الفكرة الافتراضية إلى واقع يفرضه الضوء وحركة الممثلين إلى لحظة للمتعة اللامتناهية" .

 

محمد فاتي

أستاذ باحث في مجال الصورة

 

(من المؤكد ان هنالك فارقا بين الشاعر الذى يستمد مادته من ذاكرته دون ان يقع اسيرا لها وبين الشاعر الذى يسلم قياده الى هذه الذاكرة او ينظم شعره معتمدا علي ما فيها من محفوظ لاغير) مجلة العربى العدد 458 يناير 1987م ص 80

لذاكرة الشاعر دورا هاما فى استحضار الصور والمفرادات الشعرية وهو يكابد الانتاج فى قصيدته .. ولتلك الذاكرة – ابضا- يعود الفضل فى بناء الشعر الكلاسيكى (الذى يعتمد على المخزون الثقافى اكثر من اعتماده على المعاناة الآنية او التأثير الحالى) د.سهير القلماوى، مجلة المجلة ديسمبر 1968م

من هذه النقطة بالتحديد ندلف مباشرة الى الدور الذى تلعبه الذاكرة فى الشعرالعربى، لان ذلك  الشعر قد يتأثر الى حد بعيد بمخزون تلك الذاكرة بل ان ذلك المخزون كان وما يزال احد المصادر الاساسية فى بناء الشعر العربى , ولأن كان من المسلم به ان مفجر الوحى الشعرى عند كثيرا من الشعراء هو الاساس فى ميلاد القصيدة فان ذلك المفجر يرتد عند بعض الشعراء الى مخزون يماثله فى الذاكرة الواعية لتأتى القصيدة مستوحاة فى بناءها من الاخيلة الموجودة فى ذلك المخزون . اذن فان للذاكرة دورها الكبير فى بناء القصيدة

بالرغم من كل الانتقادات التى تم توجيهها اليهامباشرة باعتبارها تمثل تعبيرا عن الماضى الذى ربما لا يكون معلوما للمتلقى، اكثر من انها تمثل تعبيرا عن الحاضر المعاش .

بعيدا – اذن- عن تلك السهام الناقدة نسلط الضوء على دور الذاكرة فى الشعر العربى ليس لانها واقع مفروض سار عليه كثيرا من الشعراء، ولكنها – ايضا- تمثل فى بعض جوانبها المشرقة نوعا من الابداع الذى يكون باعتماد الشاعر على على الذاكرة دون ان يقع اسيرا لها .

ان النزعة الكلاسيكية فى شعر الاحيائيين بوجه عام هوالاعتماد على مخزون الذاكرة والتمسك به على مستوى الصور الشعرية والمفردات المجردة بل على الواقع الذى يلازم انتاج ذلك المخزون، وذلك هو التقليد الذى رفضه دعاة الحداثة  والذى دارت بسببه حروبا كلامية حامية الوطيس ومثالنا على ذلك الشاعر احمد شوقى الذى كان واحدا من الشعراء التقليديين الذين نالتهم سهام النقد بسبب تلك التقليدية المفرطة فى بعض الاحيان حيث كان فى بعض الاحيان –كما يرى البعض – لا يفعل اكثر من استعادة الاخيلة والالفاظ من مخزون الذاكرة كما  فى قوله

لعلاك المذكرات عبيد

خضع والمؤنثات اماء

والذى هو ترديد لقول ابى العلاء

للمليك المذكرات عبيد

وكذالك المؤنثات اماء

ولم يفعل فى بعض احيان اخرى غير اقتسار الماضى من واقعه بغير ان تكون له صلة بالحاضر المعاش كما فى قوله

يا بنت ذى اللبد المحمى جانبه

القاك فى القاع ام القاك فى الاجم

هذا قول ربما نقبله من امرىء القيس او حتى من الفرزدق وجرير ولكنه لايصدق فى زمن سفرت فيه المرأة وخرجت على الملأ جنب الى جنب مع الرجل

ومثل شوقى كان البارودى الذى قال شعرا استعان عليه بالذاكرة الاسترجاعية عبر ثلاث شعراء قبله تداولو نفس المعنى وربما نفس الالفاظ فأين البارودى الذى قال

وما زاد ماء النيل الا لاننى

وقفت به ابكى فراق الحبايب

من البحترى الذى اورد نفس المعنى فى قوله

وسأستقل لك الدموع صبابة

ولو ان دجلة عليك دموع

بل اين البارودى والبحترى من البهاء المصرىالذى قال

وما طاب ماء النيل الا لانه

يحل محل الريق من ذلك الثغر

هذه – اذن- ذاكرة تقليدية ليس فيها شىء من الاباع تعاطاها كثير من الشعراء الكبار ورفضها كثير من دعاة التجديد واصبحت – كما هى سنة الحياة – موضع تجاذب بين الماضى الذى ولى بغير ما رغبة منه والحاضر الذى يريد ان يفرض نفسه بغير ما حجر عليه.

هنالك نوع آخرمن الذاكرة تميز عن النوع الاول - برغم تمسكه بالماضى – شىء من الابداع وهو ما يستطيع به الشاعر ان يوظف الذاكرة لخدمة افكاره ووالفاظه وصورة المستوحاة من الحاضر، ويستطيع – ايضا- بذلك التوظيف من المزاوجة المفيدة بين ذاكرة الماضى ولحظة الحاضر .

الشاعر احمد شوقى نفسه والذى قال شعرا وصفه بعض النقاد بانه لم يفعل فيه شيئاسوى ترديد اللفظ والمعنى، قام بانتزاع نفسهفى كثير من شعرهمن قبضة الذاكرة واصاغ تجاربه على نحو مستقل افضى به الى الولوج الى افق الحضور الابداعى .... وهو الافق الذى ميزه عن شوقى الذى يسمع باذن السابقيين ويرى بعيونهم

وطنى لو شغلت بالخلد عنه

ناذعتنى اليه فى الخلد نفسى

وهفا بالفؤاد فى سلسبيل

ظما للفؤاد من عين شمس

شهد الله لم يغب عن جفونى

شخصه ولم يخل حسى

نخلص مما سبق دور الذاكرة فى الشعر العرب وهودور تكامل عند كثير من الشعراء الذين اصبحت ذاكرة كثير منهم اليوم ما يشبه المستودع (الذى يختزن فيه الشاعر كل ما يراه ... وكما يقوم المستودع بالحفظ فحسب دون ان يتدخل تدخلا جذريا كذلك ذاكرة الشاعر لا تتدخل فيما يحفظه) . مجلة العربى، العدد يناير 1997م ص 83

للذاكرة الشعرية مهمة اخرى قامت بها وهى المبالغة المفتعلة عند بعض الشعراء والتى قد تؤدى فى بعض الاحيان الى مسخ الشعر وتشهويه، انظر الى قول البارودى

ولكنه الحب الذى لو تعلقت

شرارته بالجمر لاحترق الجمر

على اننى كاتمت صدرى حرقة

من الوجد لا يقوى على مسها صدر

والذى هو صدى للصورة الشعرية التى جاء بها الشاعر ابى فراس الحمدانى حينما قال

تكاد تضىء النار جوانحى

اذا هى اذكتها الصبابة والفكر

فندج فى قول البارودى مبالغة مفتعلة تستعصى على الشعر كما تستعصى على العقلفالشاعر ابى فراس اراد ان يقول ان هبه شديدا وعنيفا كأنما هو النار ولكنه قام باستعمال كلمة اعطت بعدا لطيفا على مجمل المعنى وهىكلمة (تكاد) بعكس ما فعل البارودى من اعطاء اكاما قطعية ادت الى مبالغة غير مستحبة على مجمل معن ابياته .

لم تكن صور التقليد كلها توليدا مباشرا كما فى المثال السابق، فهنالكمما يسميه النقاد بالصور الشعرية الموروثة وهى صور تناولها الشعراء جيلا بعد جيل حتى فقدت طعمها من كثرة الاستعمال وثر المبالغة حتىاصبحتسمة فى شعر المتأخرين

نأخذ على سبيل المثال صورة نضح الدماء التى تناولها كثير منالشعراء عبر الحقب المختلفة

قال الاعشى فىوصف الخخمر

وسبيئة مما تعتق بابل

كدم الذبيح سليلها جريالها

 

ثم اعاد انتاجه السرى الرفا فى قولهوى كأنه

 

يسيل فم الذق الروى كأنه

جراحة زنجى يسيل نجيعها

 

ثم تعاطاه البارودى فى قوله

 

الا عاطينيها بنت كرم تزوجت

على نغمات العود نضح دماء

هذه صورة متولدة من الذاكرة كقاسم مشترك بين شعراء من حقب مختلفة توارثوها بصورتها تلك دون ان تكون تعبيرا عن مشاهدة عيانية للشاعر

للذاكرة اذن دورا بارزا فى انتاج الصور الشعرية  فى الشعر العربى وقل ان تجد شاعرا عربيا لا يستعين على شعره بتلك الذاكرة على مستوى الصور والاخيلة او على مستورى العبارات والالفاظ .

من المهم ان يكون هنالك محافظة على القالب المتوارث للشعر العربى ومن المهم ايضا المحافظة على تقاليد الشعر العربى وقواعده التى بنى عليها، ولكن من المهم ايضا ابتداع صورا للشعر والفاظ ومعان تساعد على التفرد والتميز  بحسب متطلبات العصر وقواعده حتى لا يصبح الشعر العربى ترتدادا بعقبه ترداد.

 

 بقلم الاستاذ\ ناجى احمد الصديق\المحامى

  

 

 

عبير خالد يحيىركزت  الذرائعية على رد الاعتبار للنص العربي الذي أفقدوه جنسيته في الربع الأخير من القرن العشرين، بعد ان تآمروا على الجنس الأدبي بأكذوبة النص، هذا التآمر الذي قاده رولان بارت تحت راية سيادة النص بعيدًا عن جنسه وانتمائه، وبذلك فقد النص هويته الأدبية وعاش في فوضى عارمة أفقدته توازنه، فاختلط فيه الحابل بالنابل، حتى جاءت الذرائعية لتعيد للنص وخصوصًا النص العربي -المنسي من قبل جميع المناهج  النقدية العالمية- هويته العربية الخاصة جدًا بخصوصية اللغة العربية  لغة القرآن الكريم.

يقول المنظر العراقي عبد الرزاق عوده الغالبي في المجلد الثاني من الموسوعة الذرائعية والمعنون ب (الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية): 

يؤكّد الدكتور وليد قصاب في مقدّمة كتابه (مناهج النقد الأدبي الحديث/رؤية إسلامية) بقوله: إنّ () الكلمة شأنها شأن مخلوقات الله جميعًا – لم تخلق عبثًا، ولا تكمن قيمة اللفظ فيه في حدّ ذاته، مهما كان هذا اللفظ جميل الإيقاع، رشيق الجرس، باهرًا مدهشًا، ولكنها تكمن فيه وفي مدلوله أيضًا، والدال والمدلول لا ينفصلان، وقيمة الأدب في مادته وأدائه، في مضمونه وشكله، ولا يجوز التطرف في إيثار أحدهما وإسقاط الآخر، لا عند المبدع ولا عند الناقد....)

 ومع كل ما تقدّم، أجدني أتّفق مع الدكتور وليد القصاب في الكلمة، واختلف معه في توسيع المعنى والاتجاه بهذا المفهوم نحو النص الأدبي حديثًا الذي تطوّر تطوّرًا مهولًا شكلًا ومضمونًا، وقاد حركة التحرر والانسلاخ عن الجنس الأدبي ... أرى النص بمنظاري المتواضع: كائنًا حيًّا، يولد ويموت، يمرض ويشفى ويتحرّك، ويضعف ويسمن كالإنسان، ويمتلك جينات وراثيّة من أمّ أصيلة رؤوم، اللغة العربية، مشيرًا بأصبعي الغليظ  نحو النصّ العربي فقط، فهو مقدّس بقداسة المصحف الكريم، الذي أخذ النصّ العربي بين جنبيه، وأعطاه تلك الصفات الحيويّة والسلطة القويّة، واحتضن اللغة العربيّة بمبدأ القياس والقداسة، وجعل أمّة الإسلام كاملة تنقاد له وتخضع تحت قوته الإلهيّة، فهذا النصّ هو من يأمر وينهي ، وهو من يحدّد القول والفعل والتصرّف لكلّ موحّد على أرض الله، وهو من يفكّر ويحس، وفيه تكمن أيديولوجيات العلماء والمفكّرين وأصحاب العقول، منه انطلقت

المخترعات والأفكار والنظريّات، وهل من مخلوق أقوى من هذا النص....!؟ لذلك تجدني أتفق مع النص، لكني أرفض التحرّر من الجنس، لأن تلك الحريّة ستسقط هويّة النصّ، وتنشر الفوضى في شرعيّته وانتمائه بشكل واسع....

 

طمس الأدب العربي لقرون في بركة الغرب الآسنة، والتمس منهم التقدّم والتحضّر بعد فصل النصّ العربي عن النصّ القرآني، للسعي وراء الحداثة والتبعيّة الغربيّة

والتغريب المعمّد بالتخريب من قبل البعض من أصحاب الحرف المنجرف والمستعجل، ولا يعلم هؤلاء أن أغرب سرقة قد تمّت لعلوم ومبتكرات النصّ العربي ، وجميع المسالك العلمية والنقديّة لعلماء العرب المسلمين مثل دوال ومدلولات الجرجاني والفارابي وغيرهم والتداول البلاغي، وحوّلها العلماء الغربيون أمثال سوسير وبيرس ودريدا ورورتي إلى مصطلحات مرطونة، انشغل وانبهر بها المترجمون والباحثون والكتّاب العرب، حتى صارت التبعيّة الغربيّة قدّاسًا للكثير من المدّعين بالعلم والأدب، وحين سمحت لي الصدفة بمحض عملي في منظومة التعليم مع الأجانب، ودخولي ساحات اللّغات وتدريسها لأربعة عقود خلت، ودخولي

الدورات والندوات والسمنارات العلمية الكثيرة على العلوم اللغويّة الحديثة، واجهت تلك المهزلة عن كثب وأدركت نقديًّا:

- إنّ النصّ العربيّ مهمّش، وكأنّه لا ينتمي إلى لغة تعدّ من أصعب اللّغات في العالم أجمع، ومع صعوبتها تلك، فهي تعدّ- باعتراف الغرب أنفسهم- أجمل وأدق وأعرق وأفصح تلك اللغات قاطبة لفظًا وكتابةً وشكلًا ومضمونًا وسردًا ودقةً في التعبير وموسيقى. 

- إنّ للنصّ العربي بناء فنّيّ كالبيت وبناء جمالي، أحدهما يكمّل الآخر، وهذان البناءان يختلفان تمامًا عنها في اللغات الأخرى.

- للغة العربية خصوصيّة في اللفظ والتعبير والجمال البلاغي، فهي تفوق جميع اللغات الغربيّة في البديع والبيان...

- اللغة بحدّ ذاتها انعكاس للمجتمع، فهي تعبّر عنه وعن سيرته الذاتية، والأمّة العربيّة أمّة مختلفة عن أمم العالم قاطبة، لذلك ليس من المعقول احترام لغتنا العربية على أساس أنّنا أفضل منهم اعتباريًّا، لذلك همّشوها لكون جميع النظريّات الأدبيّة والنقديّة الغربيّة استندت على مظاهر ماديّة لا تلائم أفكار الإنسان العربي ولا الإسلام ...

- للنص العربي حدود هندسيّة وأعمدة وقوائم كالبنيان، لو سقط منها عمود واحد انهار هذا البناء...

- يضاف إلى ذلك التصادم الحضاري والديني بين الأمّة العربيّة والأمم الغربيّة للتفاوت الحضاري والاختلافات الجوهرية بين الحضارة العربية والحضارات الغربية .

- وأدركت أيضًا أهم نقطة وأخطرها، أنّهم سرقوا علومنا اللغوية وأعادوها إلينا مصطلحات غريبة مرطونة، تحت ذريعة أنّ لغتنا العربيّة منغلقة على نفسها، ولا تقبل المفردات الغريبة من اللغات الأخرى، وليس لها شأن في صنع المصطلحات كاللغات الأوربيّة، وأهم تلك السرقات الدّال والمدلول، وعلم السيمياء والتداول اللساني والكيمياء والطب العربي، ثم أعادوه إلينا بمصطلحات جديدة غريبة التبست على كتّابنا ومثقفينا، نسبها فلاسفة الغرب لأنفسهم، ونحن نترجم وننشر فرحين بما ننجز ....

وأول غيث الذرائعية كان دقّ الإسفين الفولاذي (الموسيقا) بين السرد والشعر، وذلك بتأسيس أطلس للأجناس الأدبية، والذي يحمل خرائط ملونة تحدّد حدودًا ثابتة وفارقة بين جنس وآخر. وهذا ما ضمه المجلد الثاني من الموسوعة الذرائعية  (الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية)، وفي هذه الحيثية يقول المنظر العراقي عبد الرزاق عوده الغالبي:

 وما أريد قوله بحقّ النصّ العربي، أنّه بنيان هندسي رصين، يمتلك جنسًا ثابتًا لا يقبل النطفة الحرام، ألّا من ارتباط شرعي  بزواج وعقد إسلامي، لذلك نجد إسفينًا قد  دُقّ بين جنس وآخر، وأكبرهم ما دقّ بين النص الشعري والنص النثري، إسفين الموسيقى، فهو إسفين حديدي، حاول بعض أضداد الجنس مثل رولان بارت خلعه في زمن ما بعد الحداثة ولكنّه فشل....

 وفي رؤيتي الجديدة المنبثقة عن الذرائعية، أرى الجنس الأدبي العربي إقليمًا له حدود وجغرافية وصفات تميّزه عن بقية الأجناس الأخرى، يمتلك جنسية خاصة به،

يذكر فيها اسمه وصفاته وحدوده، ومنها سنتعرّف ببساطة على خارطة كل جنس أدبي والوقوف عند حدوده، فلا يجوز تجاوز تلك الحدود إلّا بشروط وقوانين تفرضها علينا السلطة الأدبية الجنسية ومساحتها وحدودها الرسمية والشرعية،  وذلك نوع من الاحترام والتقدير منّا للجنس العربي الأصيل والأنيق،  المفصّل أدناه:

 .................

كتب الباحث والناقد المصري كريم عرفان عقب اطلاعه على (الذرائعية في التطبيق) مقاله الذي عنونه ب:  

الأدب العربي ..ميلاد جديد

كنت دائمًا أرى أن هناك ما يسمى "خصوصية النص العربي" ؛ وأن اللغة العربية تفرض قوانينها وشروطها الخاصة على النص؛ فلا يرى إلا وفقًا لآلياتها وأساليبها ؛ ولكن للأسف الشديد كان النص العربي يقع فريسة لبعض الذين يكتبون النقد- ولا أقول نقاد - والذين عكفوا على الدراسات النقدية الغربية واتخذوها إمامًا ومرشدًا ..يحاكمون النصوص العربية والمبدعين باللسان العربي وفقًا لما فهموه ودرسوه من بنيوية وما بعد البنيوية وتفكيك ونظريات تتصل بالحداثة وبما بعد الحداثة، وكلها دراسات غربية تفتقر إلى الحس العربي، وكان حكمهم: هو نفى النص العربى من دائرة الأدب العالمي بحجة أن النص العربي لا يصلح ولا يخضع لتلك المقاييس العالمية التي وضعت من قبل أناس غربيين لا يفقهون اللسان العربي ومقاييسه وأسراره. وكنت دائم التساؤل ..ألا يوجد في أمتنا العربية رجل رشيد يصحح هذه الأوضاع ويدعو أمته إلى رؤية النص العربي من زاوية جديدة ..زاوية تحترم اللغة العربية وخصوصيتها وقوانينها ..رجل واحد ..يدعو أمته إلى ما فيه عزة لغتها ورفعة أدبها .. ومرت فترة طويلة وانزوى الأدب العربي جانبًا قانعًا باليسير، وأصبح النقد في عالمنا العربي تابعًا أسيرًا للنظريات الغربية أو للذين يكتبون عن الهوى دون استناد على علم أو اعتماد على تنظير؛ بل حتى لا يفقهون "ماهية النقد "! واستمر هذا الوضع المؤسف حتى ظهر أخيرًا من يجدّد لهذه الأمة أمر أدبها ..وهو الأستاذ والأديب والعالم الجليل الأستاذ عبد الرزاق عودة الغالبي .. الذى جاء من بلاد الرافدين (العراق) يحمل نظريته الجديدة التي من شأنها أن تجدد لهذه الأمة أدبها وتمنحها رؤية نقدية عربية مستقلة، أو إن شئت فقل منهج يؤسس به للنقد العربي، ويحمى به النص العربي ولغته من التشويش الذى لحق به نتيجة تبني بعض كتاب النقد مناهج غربية لا تليق بالنص العربي، فللنص العربي أبوابه ومداخله.. وللغة العربية آلياتها التي لا يُفهَم النص إلا بإلقاء الضوء عليها . فكانت نظريته التي احترمت عروبة النص وآمنت باستقلاليته " النظرية الذرائعية" وعلى عكس مايروّج الكثيرون عن العقلية العربية، أنها تميل إلى العاطفة وتركن إلى الراحة وترفض الإبتكار ولا تهتم بالتأسيس العلمي والعقلي ..جاءت النظرية الذرائعية تمثل " رؤية نقدية ميكانيكية تطبيقية موحدة جديدة" على حسب قول واضعها ومبتكرها أ/ عبد الرزاق عوده الغالبي .وكل نظرية في حاجة إلى تطبيق، والتطبيق في حالة الذرائعية امتحان عسير ومسئولية تاريخية جسيمة، فمن يتصدى له يجب أن يتحلّى بمواهب شتى ..من علم بالأدب وفنونه، ومعرفة بالنقد ومكوناته وعلومه، وأيضًا ثقافة واسعة، بالإضافة إلى إيمان عميق بالنظرية، وولاء كامل للغة العربية، وعليه أن يقف أمام موجات من الغضب النقدي الذى يتمثل في من ارتضى آليات النقد الغربية حكَمًا على الإبداع العربي، وأن يتحمل الهجمات من المخالفين الذين يتربصون بهذا الابتكار الوليد. فكان من تحمل هذه المسئولية التاريخية الجسيمة .. الأديبة والباحثة والناقدة السورية.. د/ عبير خالد يحيى ..التى أخلصت للنظرية الذرائعية ورأت فيها الإنقاذ الوحيد للنص العربي، وأيقنت أنها السبيل الوحيد لتأسيس رؤية نقدية عربية أصيلة نابعة من لغتنا وحضارتنا ومبادئنا الأخلاقية .وعكفت على تطبيق هذه النظرية على النصوص الأدبية التي تناولتها فأبدعت، وجسدت النظرية نقدا مرئيًّا أمام الجميع، وبذلك تم إعلان نجاح النظرية الذرائعية. وبعد هذا التطبيق الباهر من د/ عبير خالد يحيى ..أعلن استقلال النقد العربى ..وميلاد تاريخ جديد للأدب العربي ..والآن أصبح على كل من أراد أن يبدع باللسان العربي، أو من يتحمس للغة العربية وأدبها قارئا أو ناقدا أو متلقيا أن يتخذ من الذرائعية منهجا وطريقا ينير أمامه طريق الأدب والإبداع . ماهى الذرائعية ..النظرية الذرائعية، أو كما أطلق عليها مبتكرها ومؤسسها العلامة/ عبد الرزاق عودة الغالبي  (الذرائعية فى التطبيق فى تحليل النص الأدبى PRAGMATIC IN- ACTION) هى أول نظرية عربية نقدية متكاملة جاءت لتدحض ما قاله مفكرو الغرب وفلاسفته مثل .. وليام غوتليب تنمّان Guillaume Theophile Tennemann ؛ وإرنست رنان  Ernest Renan الذين اعتبروا أن الأمة العربية بعيدة عن إنتاج مذاهب عقلية وفلسفية مستقلة؛ فجاءت تلك النظرية لتوضح أن الأمة العربية بها قامات فلسفية وعلمية  قادرة على صناعة وابتكار مذاهب مستقلة نابعة من لغتها وحضارتها ..تعريف الذرائعية:- يعرف العلامة / عبد الرزاق عودة الغالبي ..الذرائعية بقوله: (الذرائعية: رؤية نقدية ميكانيكية تطبيقية موحدة جديدة) فالذرائعية جوهرها احترام النقد وإضفاء صفة العلمية عليه واعتباره العراب للأدب وهو الذي يضع قوانينه ويضبط مصطلحاته ويحدد منطلقاته ويعرف غاياته ومراميه" فالنقد علم واسع وهو أهم العلوم البحتية التي تحتضن الأدب، والعراب الحنون للأدب " كما يقول العلامة الغالبي ..فالذرائعية ترى النقد علما يصطف مع العلوم الأخرى المنضبطة كالكيمياء والفيزياء والرياضيات ..فهو يستحق أن توضع له القواعد الدقيقة التي تضبط حركاته وسكناته . فالذرائعية تضطلع بأدوار لعل أهمها  التفرقة بين الأدب واللا أدب كما يقول العلامة الغالبي ..فهى نظرية تضع المعايير الدقيقة لاختبار بنية النص الأدبي، وتمنح الأديب أدواته التي يمكنه أن يكتب بها .خصائص الذرائعية:- للذرائعية خصائص وسمات كثيرة أبرزها سبع خصائص وهي:

1-علمية النقد

2-رؤية نقدية ميكانيكية

3-إمكانية التطبيق

4-التجنيس الأدبي

5-الوسيط الحتمي

6-التحليل الأولي

7- الأخلاقية

وهذه هي السمات والخصائص التي تتحلى بها  النظرية الذرائعية، وسنتناولهم فيما يلي:

1 –"علمية النقد " .. نادت الذرائعية بعلمية النقد، فالناظر إلى الكتابات النقدية يراها مجرد كتابات إنشائية لا تستند على علم أو تعتمد على تنظير إنما هي رؤى انطباعية اتخذت من النقد اسما لها ..لذلك جاءت النظرية الذرائعية بالجديد الذي غاب عن النقاد العرب وهو (المنهجية)، فالذى يمارس النقد عبر اتباع النظرية الذرائعية يمارسه بطريقة منهجية منظمة ..ويجب أن يتحلى الطرح النقدى باحترام العلمية والبحثية، وهذا ما يجعل النقد علمًا له أسسه وأركانه وليس مجرد كتابات انطباعية .

2- " رؤية نقدية ميكانيكية " ويبنى على ذلك الأساس العلمي تبنّي الذرائعية آليات ممنهجة تجعل الناقد أو المحلّل يستطيع عبر اتباعه الآليات والقواعد التي وضعتها الذرائعية،  يستطيع معرفة الجمال الذي تتحلى به القشرة الخارجية للنص – والذي تميّز به النص العربي- وأيضًا يستطيع العلم بمخبوءات النص ومراميه، وكشف اللثام عن المعاني الباطنية غير الصريحة . لذلك جاء تعريف العلامة الغالبي لها بأنها: (رؤية نقدية ميكانيكية تطبيقية موحدة) ..

فالقواعد التي وضعتها الذرائعية من شأنها أن تجعل الناقد أو المحلل ينفذ إلى عمق النص ومعرفة تفسيره وإخراج مخبوءاته، وأيضًا مراعاة الشكل الخارجي الجمالي المميز للنص العربي وذلك  بشكل أوتوماتيكي ..

3- "إمكانية التطبيق " وحسب التعريف الذي وضعه العلامة الغالبي – مؤسس النظرية - فالذرائعية " رؤية نقدية ميكانيكية تطبيقية " فهى ممكنة التطبيق وليست مجرد تنظير مجرد لا يمكن تطبيقه وإعماله على النصوص الأدبية العربية ..وقد قامت بتطبيق هذه النظرية وإثبات نجاحها الناقدة والأديبة د/ عبير خالد يحيى ..التى أثبتت نجاح النظرية عبر تطبيقاتها العملية إذ قامت بقراءة النصوص الأدبية التي تناولتها قراءة نقدية ذرائعية وكان النجاح هو حليف النظرية الذرائعية عبر مجهودات الناقدة والاديبة د/ عبير خالد يحيى .

4- " التجنيس الأدبي " يعد التجنيس الأدبي  الركيزة الأساسية في الذرائعية، وقد هاجمت الذرائعية التمرد الشائع على التجنيس واعتبرت ذلك مسلكًا فوضويًا من شأنه أن يقوم بتخريب الشكل المتميز الذى يتحلى به النص العربي،  وقد اعتبرت الذرائعية أن التجنيس وإضفاء الجنس على العمل الأدبي المكتوب هو "المرحلة الأولية "للنقد .

5- " الوسيط الحتمي " ويعد من أبرز خصائص النظرية الذرائعية هو احترامها وتقديرها للغة العربية، فاللغة العربية هى الوسيط الحتمي -كما عرفها العلامة الغالبي – والتي تختلف شكلًا وتعبيرًا وبنيوية عن جميع لغات العالم، وذلك ماقررته الذرائعية، وهو الذى يغيب عن فكر المتلقي العربي، فالنص العربي يختلف عن بقية النصوص التي كتبت باللغات الأخرى؛ والذرائعية هي النظرية التي احترمت خصوصية اللغة العربية، وما تتميز به من آليات وأساليب بيانية وجمالية تفتقدها اللغات الأخرى .

6 – " التحليل الأولي " حافظت الذرائعية على القشرة الجمالية للنص الأدبي وتبنت القيام  بتحليل النص "تحليلًا أوليًّا "على العكس تمامًا من التفكيكية التي تبدأ بتكسير السطح اللامع للنص الأدبي لكي تبلغ أعماقه المعتمة التي لا يبوح بها، وذلك التناول من شأنه أن يهدم الشكل الجميل للنص الأدبي العربي  ...فالذرائعية تعصم المتلقي من التعمق والتكلف في البحث عن تأويلات لا نهاية لها ..وكما تقول د/ عبير خالد يحيى .."فقد أولت الذرائعية القشرة الجمالية للنص الأدبي ما تستحقه من اهتمام، وجعلتها تتماشى بالتوازي مع المضمون، وقد تتقدمه وقد تتخلف عنه بحسب النص المكتوب " فلم تحطم الذرائعية تلك القشرة الجمالية كما فعلت تفكيكية دريدا بل اكتفت بالتحليل الأولي، حتى لا يتكسر النص ويتشظى ويؤدى إلى الوقوع في شرك التناقض والشروخ،  فهى نظرية تحترم الظاهر والباطن للنص معًا؛ فالذرائعية قد نادت بمبدأ " الأفكار المتدرجة "وهى الأفكار المتعاقبة والمكملة لبعضها والتي يعثر عليها الناقد عندما يغوص في النص الأدبي،  والتي لا تفضي إلى التناقض كما يقول دريدا، وهذا ما تقتضيه حتمية الوعي النصي كما قررت الذرائعية . 

7-" الأخلاقية "  وللذرائعية سمة هامة وخصيصة كبرى تتمتع بها، فهى لا تمنح صفة الأدب للنصوص غير الأخلاقية؛ فالذرائعية تعتبر الأدب هو ما يثبت القوائم الأخلاقية للمجتمع؛ وهو ما تفرضه الذرائعية على الأديب من واجب يحتم عليه أن يلتزم بقوائم الأخلاق والمثل الإنسانية العليا ولا يحق له التعرض لمنظومة الأخلاق العامة والأديان والأعراف والقوانين بشكل هدام، فيجب أن يخضع الأديب لمقومات (مذهب التعويض الأدبي doctrine of compensation).. وكما تقرر الذرائعية " فيجب أن يكون النقد هو الحارس الأمين لمنع التجاوزات الأدبية الهدامة التي تخترق بنية الأعراف والقوانين والأخلاق لعالمنا بكل طوائفه وأجناسه.. ولا يعد أديبا من يخترق منظومة الأخلاق والأجناس الطائفية وينشر العداء والفرقة بين الناس.

 

د. عبير خالد يحيي

حركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي

 

 

سلام كاظم فرجمن مآثر ترجمة صباح محسن جاسم لقصائد الشاعر الأميركي المعاصر لورنس فرلنغيتي والتي ضمها كتابه (الشعر بوصفه فنا متمردا ..) والصادر عن دار الرواد المزدهرة./ بغداد... إنه قد نشر تراجم القصائد بمحاذاة النصوص المكتوبة بلغتها الأم.. وهذا مطلب قديم لكل القراء العرب الذين يجيدون القراءة بلغة ثانية..ومن مآثره أيضا  تضمين هوامش صفحاته شرحا وافيا لمدلولات الاسماء والمصطلحات (وهي كثيرة) والتي حفلت بها القصائد..وبعضها احتاج الى تواصل مع الشاعر الذي ناهز التاسعة والتسعين من العمر لفك تشفيرات بعض الإنزياحات والإحالات لكي تكون قريبة ومفهومة بشكل أفضل للمتلقي العربي.. فلورنس فرلنغيتي ورغم شعبيته في بلاده الولايات المتحدة الاميركية كشاعر شعبوي يساري وجماهيري هدفه إيصال رسالته لشرائح واسعة من الناس.. يبقى شاعرا نخبويا لا يمكن فك تشفيرات شعره دون الرجوع الى مجموعة من القواميس وهذا ما اشتغل عليه المترجم بعناية ..

على سبيل المثال..ثمة بيت يقول الشاعر فيه (الشعر يأكل كعك بروست..).. هذا البيت لايمكن فهمه دون معرفة مارسيل بروست   وروايته ذائعة الصيت (البحث عن الزمن الضائع..) والتي تبدأ من لحظة تناول كعكة مغمسة بالشاي أعادته لذكرى جدته التي كانت تقدم له في طفولته الكعك مع الشاي... في إشارة الى ان الشعر قد يكون مزيجا من الوعي و اللاوعي ... ونجد ثمة إحالة الى موضوعة التداعي الحر للأفكار في إشارته إلى بروست الذي يعتبر هو وجويس من أهم روادها في الأدب...

من خلال كلمة المترجم نتعرف على سيرة الشاعر بإعتباره ممثلا لما عرف بجيل الإبتهاج.. او حركة الإنتشاء المتمردة منذ ثلاثينيات القرن الماضي ونتعرف عليه بإعتباره معارضا من الطراز الأول لكل قيم الرأسمالية التي انتجت فاشيات مدمرة خلال رحلتها الطويلة  .. من الصعوبة بمكان تناول أبياتا مميزة من  أشعاره دون الرجوع إلى كامل القصيدة فثمة ترابط عجيب بين أبيات قصائده يجعل من المستحيل فهم ما يريده دون قراءة القصيدة كاملة.. وقد جازف صباح الجاسم وبدراية بترجمة ونشر أفضل ما لديه.

. في قصيدة تبدو كالصرخة يقول فيها الشاعر (إني أومئ إليك خلال النيران...

القطب الشمالي ليس في موقعه المعتاد

 

تدمر الحضارة ذاتيا

آلهة الانتقام تطرق الباب

ماجدوى الشعر؟

العالم يستنجد بالشعر لنجدته

وصوته يستصرخ البراري

لو كنت شاعرا لأوجدت الأعمال القادرة على الاجابة على تحديات الأزمنة..)..

القصائد ملأى بالتراكيب الغريبة وحافلة بالمفردات التي تحتاج شرحا ما.. هي متعبة ولا تمنح نفسها بيسر.. لكنك حالما تتلقف مفاتيحها ستمنحك لذة الاستكشاف..

وقد حرص المترجم والشاعر على عدم الإيغال في الشرح ... و ما قد نراه من هوامش متعددة للمترجم  هي غيض من فيض الإحالات الغريبة لرؤى وأفكار تغور عميقا في بطون كتب التاريخ والفلسفة والفن والآداب العالمية...

ومن غريب ما لاحظته في قصائد فرلنغيتي ان ثمة ابياتا مكتوبة باللغة الاسبانية وأخرى بالفرنسية او الالمانية  لا تجد صداها الممتع في الترجمة وقد نبه المترجم إلى بعضها وقد سأل الشاعر عنها فكان جوابه انها جاءت هكذا !!.. وهنا يمكنني القول ان تأثير إزرا باوند في جمهرة من شعراء عصره ومنهم فرلنغيتي الشاعر المخضرم ما زال فاعلا فالشعر هنا هو الذي يقود الشاعر لا العكس.. وزمام القصائد الجامحة سيفقدها البريق المرتجى إن أخذ بناصيته الشاعر الذي نهل من تمرد باوند على كل الطقوس والعقائد المسبقة في الشعر أو في الفكر أو في السياسة.. قد أكون متطرفا في فكرتي هذه .. لكنها تبقى فكرة قابلة للجدل والنقاش والتدبر....)!

(ايها الشعراء أخرجوا من مقصورتكم

افتحوا نوافذكم .. أفتحوا أبوابكم

لقد حِجبتم طويلا جدا.. في عوالمكم المغلقة

أنزلوا .....أنزلوا !!!

من التلال الروسية

وتلال التلكراف هلز

من تلال بيكون وتلال جابل

من قمة جبل أتالوج وضاحية مونتبارناس

من أسفل تلالكم وجبالكم

خارج خيامكم وقبابكم

الأشجار ما زالت تسقط

ولن تعود للغابات مجددا...حيث  لاوقت للجلوس هناك .(صفحة 154)..)

في هذا النص القصير ثمة كم هائل من الإنزياحات الشعرية نستطيع ان نعرفها إذا ما فهمنا إن (التلال الروسية) هي مقبرة ما .. وإن تلال التلكراف هلز هي تلال معروفة في روسيا تعتبر مرتع للببغاوات!!!

وتلال بيكون هي تلال كغيرها من تلال المعمورة لكن في وسائل الاعلام المحلية ترمز الى السلطة التشريعية والحكومة المحلية..!!

لاشك ان التوريات قد وضحت بعد التعرف على إيضاحات المترجم .. فالشاعر يدعو جمهرة الشعراء الى التغيير الشامل .. في الشعر وفي السياسة وفي النزول الى الجماهير العريضة .. وفي البيت الذي يتحدث فيه عن المقبرة والتلال التي ترتع بها الببغاوات  ثمة تقريع للشعراء الذين لا يأتون بجديد. ولا تحقق قصائدهم الانبهار المؤثر والفاعل والمحرك...

ومثل ذلك كثير في قصائد طويلة ممتعة وغنية بالتوريات المرحة تارة والساخطة تارة...

من الصعوبة بمكان إجتزاء اي نص شعري لتقديمه للقراء دون ان يفقد بريقه وجماله لذلك سأكتفي بما جازفت بتقديمه.. وفي الختام من الطريف نشر الرسالتين اللتين بعث بهما الشاعر للمترجم الأولى شخصية وخاصة بهما.. والثانية عامة بعث بها  بمناسبة انعقاد مهرجان المربد..

في الرسالة التي بعث بها لكل شعراء العراق وكتابه وللمشاركين في مهرجان المربد قال (إلى مهرجان المربد الشعري السادس البصرة ــ العراق..

مرحى لإتحاد الأدباء العراقيين والشعراء سيما نحن في النهاية نبحر جميعنا في ذات المركب المعطوب سواء على الفرات او الهيلوبونت .. الكنج او المسيسبي.. سوية نبحر صوب المجهول الشعري العظيم صوب الجزيرة التي ليست على أية خارطة.. لورنس فرلنغيتي / سان فرانسيسكو الثامن والعشرين من آذار 2009

والرسالة الشخصية بين الشاعر والمترجم :

عزيزي صباح:

إليك مباركتي ولتجد ناشرا على الرغم من إن دار طباعة أضواء المدينة يتعذر عليها نشره من باب عدم تحبيذ النشر لنفسي ذلك ما يسمى (النشر بقصد الزهو..)

أشكر لك هذا الجهد كله بالنيابة عن نفسي مؤكدا إنه سيكون مقامك الجنة بجوقات من حورياتها الفاتنات فيما يطربنك بإناشيد الثناء ومن ثم يمنحنك أرقام هواتفهن...

فرلنغيتي.. سان فرانسيسكو

ولا يخفى ان ثمة مرحا في الرسالة الثانية ومن خلالها تعرفنا على حقيقة انه لا يحبذ ان يقال عنه انه ينشر لنفسه ومن خلال الدار الخاصة به ...

 

سلام كاظم فرج

 

خالد جودة احمديغرق الناس في لجة تدبير احتياجات المعاش دون أن ينتبهوا في طاحونة هذا السعي الحثيث لحاجات أسرهم، من آباء وأمهات، وزوجات وأطفال، وتغذية صلات أرحامهم برفد المودة الكريم. صحيح أن السعي في الرزق يصنف في أعمال البطولة قولًا واحدًا، كتأصيل "سفيان الثوري": "عليك بعمل الأبطال الكسب من الحلال والإنفاق علي العيال"، لكن لا يكون هذا علي حساب رعاية جوانب العاطفة في الأسرة، حيث أن هذا الإلتفات اليسير قد ينقذ الأسرة من جفاف العاطفة، وتهشمها لدي المحنة الداهمة. فابتسامة رقيقة أو كلمة طيبة ومساعي تقدير، وتغافل وتوسيع مساحات في الصدر للإحتواء والقبول، وإحتساء المر، ونفي الخاطر الشيطاني، ليست جميعها أمور صعبة أو مستحيلة التحقق، بل تحتاج للتدريب والإرادة النفسية، رغم قسوة العيش، لذوق حلاوة التغافر والصلات الأسرية الدافئة الحلوة.

وفي نص طريف معنون "بورصة حبي" بقلم "ملاك الغريب" منشورًا علي صفحات منتديات "إبحار بلا مركب" الإلكترونية، جاء فيه: (مشغول هناك في البعيد / يجلس في البورصة / أكثر مما يجلس بين ذراعي / يفهم الأرقام أكثر مما يفهمني / يحب تداول الأسهم / أكثر مما يحب تداول جسدي / يسكن في منتدى الإقتصاد / وأقيم أنا في منتدى الخواطر والأدب / يتعب عيناه بمتابعة تصاعد أسعار الأسهم / على الشاشات في الصالة / ولا يتعبها في متابعة تصاعد أنفاسي / حين يجلس بقربي / متكبر على حبي هو / متواضع في حب أرصدتة في البنوك / حبيبي مشغول هناك في البعيد / يحجني بحجته القويه / وقتي خارج عملي لتحسين دخلي / ولا يقسم لي من وقت فراغه / ما يحسن به دخل عاطفتي / فإليك أيها المتكبر على حبي / المترفع عن الأعتراف بي ولي / خذني رغم مشاغلك / أجعلني شغلك الشاغل / خذني حرفاً.. خذني رقماً / وأقسمني على عدد وساوسي / وأضربني في مئة / وسيكون مجموعي / عدداً عشرياً فقربه نسبياً لقلبك).

أنها قطعة أدبية جميلة، ما شدني فيها الطرافة من خلال المقابلة بين حال الزوج "الحبيب" الغارق في اهتمامه بالمال والبورصة وأحلام الربح الوفير وعناصر هذا السعي العاصف، وبين الحال المثالي المفترض في زوج يراعي الاحتياجات النفسية والعائلية والعاطفية لزوجته وأبنائه.

الأدب قيل أنه طرافة بمعني أن هناك هذا الفارق الشاسع بين نقل الواقع كما هو كما في المذهب الطبيعي "أدب الفوتوغرافيا"، فكأنها حدوتة لا تثير الانتباه كما يمر بنا من آلاف الحواديت، وبين الواقع الفني "الانطباعي" أي نقل هذا الواقع المعيش نقلًا فنيًا باستخدام اللغة والصورة والمشهد، من خلال مرآة الأديب، وانطباع الواقع علي ذاته، فينتج لنا عسلًا شهيًا.

وإذا كرر الأديب نفسه أضاف كمًا لا كيفًا.  و"بورصة حبي" تستحق الإحتفاء ليس فقط لشكل الأداء فيها ولكن أيضا للمضمون الراقي، حيث تصف تبدلات المشاعر بين المادة والعاطفة، وكأنه الصراع الدائر في الحياة بين الشيئية ومنابع الجمال في العاطفة النبيلة.

 

خالد جودة أحمد

 

صالح الرزوقلا يبتعد صالح البياتي كثيرا في روايته (بيت الأم)* عن قصصه، فهو يقدم لنا لوحات لأشخاص وأمكنة. المكان هو أي علامة يمكن التعبير عنها برمز. والشخص هو أي إنسان يمكنه تداول تلك الرموز وتحويلها من أثر إلى إشارة.  ولكن إذا كانت الشخصيات كثيرة العدد ومتباينة، وتتراوح في انتماءاتها بين الأحمق والعراف وحتى المثقف والعالم، فالمكان له إطار محدود، وهو لا يزيد عن عدة كيلو مترات تفصل ميسان عن الأرياف القريبة منها. بمعنى آخر إذا كانت الشخصيات موزعة بين إدراك معنى الهوية وبين الوجود المجرد، أو ما هو بحكمه (مثل أي حادث يقع بالصدفة) فإن المكان متكرر ومتشابه. ومن هذه الملاحظة نستطيع أن نؤكد أن رواية (بيت الأم) هي عن سلوك ومواقف نماذج بشرية. وهذا يعني أنها رواية أزمة، أو الأدق تأزيم. فكل إنسان ينظر لحياته وكأنها خطأ أو مشكلة، حتى أن الراوي ينفر من اسمه ويبدله في السطور الأولى من الرواية.

وهذا يفسر لماذا اختار البياتي لروايته موضوعا واحدا هو "الحرب". فقد وضعنا بمواجهة سلسلة لامتناهية من المعارك، كانت أولاها هي السفر برلك، وآخرها حرب الخليج الثانية. وبينهما عدة حروب وانقلابات. ولا سيما انقلاب قاسم، وما تبعه من كساد أو جمود في المجتمع وفوضى في السياسة. وعن ذلك يقول على لسان الراوي: إنه تحول سياسي. ثم يضيف: إنه أجنحة الخوف الكئيب الأسود، قبل أن يقرر أنه ندبة في "تلافيف العقل الباطن". 

وبوجيز العبارة نحن في الرواية إزاء مكان محدد وهوية متبدلة. وهذا يفسر سبب استعمال عدة مستويات في السرد.

- الأول هو المحاكاة. ومع أن الراوي لجأ لضمير المتكلم، فقد كان يتكلم بالإنابة. بمعنى أنه ليس متحدا مع ذاته، وهناك مسافة تفصل الفضاء النفسي عن محتوى الذاكرة. لقد كان الراوي يقدم أحداث الماضي وكأنه يتكلم عن أمنية أو كأنه يعيشها في هذه اللحظة. والتعايش بطريق التذكر لا يفترض الاستعادة ولكن التماهي. وقد استعمل  علي بدر نفس الأسلوب في (حارس التبغ). فالشخصية المركزية كانت مجزأة وموزعة بين واقع ورغبة وضرورة لا بد منها. والعكس بالعكس. كان الراوي ينظر للحاضر من فوق كأنه يتابعه بواسطة منظار أو من خلف جدار شفاف. وترتب على ذلك اتباع أسلوب تداخل المرويات لا تفريعها. والفرق بين الأسلوبين هو مثل الفرق بين الحكاية الغريبة والحكاية العجائبية، إذا استعملنا مفردات تودوروف. فالتداخل ينطوي على وجهة نظر واحدة لعدة مستويات من التفكير، في حين أن التفريع يعني عدة وجهات نظر لنفس الطور أو أسلوب الحياة. وأعتقد أن أفضل مثال على ذلك هو التجاور بين محور الطفل ومحور الأم. كانت حكايات أمه تنبع من ذهن خرافي لا يتورع عن استعمال السحر لحل المشاكل، في حين أن حكاية الطفل لم تكن تزيد على مشاهدات بريئة لما حوله. وتجاور المنطقي مع الفانتازي قلب كل المعادلة. فهو يعيد توزيع أساليب الوعي بشكل معاكس. الخرافة للكبار والواقع للصغار. وبلغة كولن ولسون: اللامعقول للماضي المألوف، والمعقول لحاضر تسلبه الحداثة من إدراكه لنفسه. وهذا، إن شئت الحقيقة، يضع فكرة الرواية في سياقها الطبيعي. فهي وجهة نظر شرقية عن مكان مؤنث. لقد كان للمذكرأولوية على المؤنث، حتى لو أنه في مرحلة مبكرة، وهذا يفسر تفشي روح القتل والسلوك العدواني والسادي الذي يغلب على حبكة الرواية، كما في مشهد سحل جثة مشوهة بلا رأس ولا أطراف (انظر فصل: الطريق إلى بغداد). وفي ذهني رواية مشابهة، وهي (قصة عائلة) لقصي الشيخ عسكر. فهي تهتم ببروز شوارب الولد الصغير، وبهروبه المتكرر من المدرسة للعمل في السر وإعالة أسرته.

وأعتقد أن الرواية العربية متخصصة بهذا السلوك، أو باختبار قدرات الصغار قبل أن يبلغوا سن الحلم. إن أدب العالم الثالث، بشكل عام، يعزو للمخاطرة الجنسية أهمية كبيرة. بينما في أوروبا تكون المخاطرة بالمعنى الاجتماعي للغريزة. وتنفرد الرواية العربية وحدها بالمراوحة في مساحة من خارج السرد. وهي مساحة لمشروع الطبقة المتوسطة بما عرف عنها من تردد، وعدم قدرة على الجزم. وتلبك يقود لمفاجآت أو ردود فعل عنيفة. وبلغة جون ماكوري: لتقبل الموضوعات و ليس لخلقها**.

وبعيدا عن هذا التأويل الاجتماعي لمشكلة الطبقات، وعلاقته السببية بالحروب، وقبلها بالفتن والانقلابات، أعتقد أن رواية (بيت الأم) كانت تبحث عن مخرج من تهمتين.

1- عقدة الخصاء التي سببها لنا الاستعمار، وذلك ببناء ذاكرة غير استعمارية أو ذاكرة وطنية تجد في الأطفال رمزا لرجولة مقموعة ومكبوتة.

2- وعقدة الجمود أو النكوص، وذلك بالالتفاف من حولها بالسفر واستعمال أدوات الحركة وتسلسل الأفعال،

مع تعميم معنى المهد أو بيت الطفولة، ليدل على شيء أشمل وأغنى، كأن يكون الوطن أو ربما العالم. وأول من وظف هذا الأسلوب هو شاعر الهند طاغور بروايته المعروفة (البيت والعالم). فقد حول الجدل بين الخاص والعام إلى تكامل بين الكل مع الجزء. ولم يخرج البياتي عن ذلك. فقد أسقط بيوتات المدينة على المدينة، حتى أصبحت العلاقة بين الطرفين هي علاقة الأثر بالأثر. فالمدينة هي شكل المجتمع وبيوتاتها هي مضمونه. وعن ذلك يقول على لسان التاجر موسى الكيال: لتعرف أحوال المدينة يجب أن تعرف أولا وضع بيوتاتها وعشائرها. بمعنى أسرها. فالمكان يدين بمعناه للإنسان، أو كما قال الراوي بضمير المتكلم: هوية المدينة تتغير بتغير أهلها وقاطنيها.

- الثاني. هو موقف الرواية المتردد أو فلسفتها المحتارة وغير الجازمة تجاه المواقف والذكريات. فهي منحازة قليلا ولكنها ليست منتمية. ويمكن أن تجد ذلك في اتباعها للأسلوب الواقعي الطبيعي المنقلب والمتحول. فقد تخللتها عناصر أوديبية منها الرغبة بالأم، والروح الدموية والعنيفة التي تحمل بصمات جريمة قتل الأب، أو أقله النية بتصفيته. فقد كان غائبا من مجرى الأحداث ولكن ترك صورا باهتة على جدار الذاكرة. وهذا يفسر لماذا اختار البياتي عنوان (بيت الأم) لعمل يدور كله تقريبا حول الموت لأسباب غير طبيعية. ناهيك عن التبديل بين الضمائر، من استعمال أنا المتكلم في معظم الفصول، وحقنه بضمير المخاطب في بعض الأحيان.

- المستوى الثالث والأخير هو رمزية الأم والحرب. فالرواية لا تدق طبول الحرب، وتهجو مر الهجاء الأعمال العسكرية وفوضى أحداث الفرهود. ويبدو أن البياتي كان يرفع العلم الأبيض منذ البداية، إذا قارنته بكاتب آخر مثل جبرا. فشخصيات جبرا لديها نوستالجيا لأرض مفقودة، بينما شخصيات البياتي تنظر بعين الشفقة للإنسان وهو يصارع قدره. إن صور الحرب في رواية البياتي تدل على مشكلة إنسانية مع القدر بشكل عام، وبالأخص مع مسألة حضارية شغلت فكر أبناء الرافدين وهي مشكلة الموت المحتوم. ولا توجد أية إشارة تحمل الشعارات المعروفة في النضال أو التحرير. ويبدو لي أن هدف الرواية الأساسي هو هدف درامي. فهي تبذل جهدها لتنظيف الروح البشرية من أي رغبة بالخطيئة أو بالغلط. وهي بعكس أطروحة عمل من نوع (الخطايا الشائعة) لفاتن المر على سبيل المثال. إن شخصيات المر سياسية بامتياز، ومن الشباب، والأنتلجنسيا. وهي ترتكب الأخطاء الشائنة لأن دورة التاريخ تدور باتجاه معاكس لدورة المنطق أو الحكمة الإنسانية. في حين أن شخصيات البياتي مفصّلة لتدرك حجمها في الوجود. بتعبير آخر إنها لا تفهم الوجود إذا كان خارج دائرة نشاط الأفراد. وباختصار هي رواية نظيفة ومعقمة من الرغبات، وتضع عنايتها في إفشاء روح المتابعة الطاهرة والنقية لعاطفة الشفقة نحو الطبيعة، وعاطفة الرهبة نحو الماضي، مع شيء غير قليل من الاحترام للبيت كبديل عن الأرض.

 

د. صالح الرزوق

................

* منشورة في صحيفة المثقف الالكترونية مسلسلة على حلقات.

** الوجودية. ترجمة إمام عبدالفتاح إمام. عالم المعرفة. ص 279.

كانون الأول 2019

 

603 اطفئيني بناركما وجدته في الشاعر السماوي حينما قرأت مجموعته الشعرية (أطفئيني بنارك):

الصورة الواقعية والخيال الذي يمتطي صهوة اللغة الأدبية الرفيعة المستوى ..

البلاغة في اللغة ركيزة للخيال الذي لاتلمّه حدود ..

الأصالة في الشعر ..

قدرته على أن يكني، ويجيز، ويشبه، في مقاييس واعتبارات النسيج الشعري للقصيدة .

قراءة فنية :

المجموعة الشعرية (أطفئيني بنارك) للأستاذ الشاعر الكبير يحيى السماوي

توقفت كثيرا لمعرفة كيفية بناء الصورة الشعرية في الحب والعشق والجمال الآخاذ، هنا انعكست انطباعاتي عن هذه المجموعة التي شعرت بها كأنها تنّور شعر دافئ غمرني بدفئه وحبه وعشقه !

أهديك ماكتبت ..

اليك أيها المعلم الجليل .. صديقي الغالي الرائع الأستاذ المناضل يحيى السماوي ..

أحييك بأجمل المحبة ..

أستميحك عذراً صديقي الشاعر، لأن المفاجأة كانت كبيرة وجميلة حينما استلمت بصندوق البريد هديتي الكبرى مع بداية حلول العام الجديد، والذي بدأ عليّ فعلا بخير وبركة ومحبة، هدية منك شاعرنا الكبير وأنت المقيم في استراليا عن استلام مجموعتكم الشعرية الموقرة (أطفئيني بنارك) ! قلبت الصفحة الاولى وجدتك و الأهداء كأنما أغنية للمناضلين الشرفاء ..

ثم رحت منصرفا للولوج لعالم (الحريق أم الإشتعال) الذي أبهرني في حرائقه الوجدانية التي تفوح عشقا ومحبة وغنجا ودلالا للحبيبة والمعشوقة وشوقا وهياما من (تنوره الشعري وما احتطب من براري الأبجدية وواحاتها)، الذي شممت دفء حروفه ورائحته العطرة وتدثرت بلغته الأكثر جمالا ..

كانت حزمات الحطب لهذا الدفء من (عبير شعره وعبير عشقه الضوئي) !

أطفئيني بنارك ..

إسم المجموعة التي تدل على أن كل القصائد فيها حرائق واشتعالات من نوع خاص:صورة من فاتحة المجموعة:

هاجرتُ وحدي

حاملاً بعضي معي ..

وتركتُ بعضي في ملاذكِ لائِذاً

خوفاً عليّ

من احتمالِ اللارجوعِ

إلى ظِلالكِ ..ِ

فالطريقُ معبَّدُ بالجمرِ

ترقبُهُ الضُباعُ

وما تبقّى من سلالةِ "أخوةِ الصّديّقِ يوسفَ "

والذئابُ الغادرة ْ

وجدت المجموعة هذه مسكونة بالعناوين والأسرار ولغات الشعر السكرى المليئة بالعشق والحب والوجدان في كل الأوقات عند الفجر والمساء وما بينهما ..

في هدأة الليل في السحرعند الغسق حتى ظننت بان شاعري الكبير لايعرف النوم !

إنه عاشق أبدي هواجسه في عشقه هذا نجد القلق والسهر والغيرة والعذاب ...

وهنا يتجلى لنا الإبداع في موسيقا الشعر،وارتباط أنغام القصيدة ببعضها البعض الى اخر القفلة نشعر وكأن جوهر الحرف أو الكلمة او تشكيل الصورة هو نغم بحد ذاته يرتبط بالصورة الاخرى المكملة للكلام فتسمع رنيناً خاصاً وايقاعاً جميلاً وتفاعلاً يطرب الروح، قصائد فيها معانٍ معطرة:

كذّبتُ صدقي كي اصدقّ كذبها

فأتيتُها مُسْتأذناً شَرَفَ الدّخول ْ

*

في بيتِ طاعتِها ..

أبَشّرُ بالفسيلِ النخلَ ..

والتنورَ بالمحراثِ ..

والصحراءَ بالأنعامِ والمطرِ الهَطول ْ ..

*

وازفُ للكاس الحرامِ

بشارةَ الخمرِ الحلالِ بزِقّ مائدةِ الذّهولْ

من قصيدة الى اخرى مسافات تدعونا للدهشة القادمة ! بماذا يفكر شاعرنا حينما يدخل على مخدع القصيدة الاخرى ؟ فهو من يرسم لنا الأدب او اللون من هذا الشعر عبر تفجير اللغة وانتاج استعارات جديدة لم نألفها سابقا .

وكما قالوا (الشعر شراب لذيذ لانعرف من اين يتكون وماهي عناصره)!

فالشاعر لابد وان يحتاج الى هدوء وسكون امام اسراره ومشاعره واعترافاته الخاصة ! لأن الشعر كما هو معروف يسكنه الغموض تبعا لما يفكر به الشاعر .

قصائد شعر مثيرة، وعناوين كبيرة:

عيناي نائمتان لكن النوافذ ساهرة، البشيرة، شمس عمري، أنجديني، هيام، رغيف من الشبق على مائدة من العفاف، افتضاح،أربع خرزات من طين القلب، كل وماجبل عليه .. الى آخر باقة نبض وتفاحة !!

شاعر يمتلك القدرة على رؤية الأشياء وتوظيفها للقارئ كصورة بصرية وسمعية، كما يوصلها أيضا لوحة تشكيلية تتالف من عناصر اللون واللغة والإيحاء فيشكل صوراً مكملة للكلام .

وأنا أتفحص بتمعن قصائد شاعرنا الجليل وما خطه فكره وعقله مع قلق نبضات القلب يتسلل حبه ويتوغل في محراب القارئ فيجعله خاشعا متعبدا زاهدا في درجات الحب ليصنع منه عاشقا يحب الحياة حتى يثمله من شرب دعاء الحب والشوق ويلامس شغاف قلبه: صورة من البشيرة يقول:

الهوى منْ دُبُرٍ قَدّ سفيني ..

والدُّجى من قُبُلٍ قَدَّ شراعي ..

فاصْطفاكِ اللهُ لي طوقَ نجاةِ !

شاعر شفيف الروح ..

قصائده ندية كالورد، صوتها ينعم بهديل الحمائم .

شخصية متمردة على القيم المألوفة وعلى ماهو تقليدي بصريا.

شخصية شاعرية فذة تعتمد الإبداع في التعامل مع اللامرئي وتفعِّله بكل ابجديات الحياة .. شخصية تعيش في فضاءات المحبة والعشق الدائم الذي لايتوقف لحظة في هذا الزمن الذي نثر غباره الكثيف على نوافذ الحياة . نراه يهدم عوالم قد الفناها سابقا في ذاكرتنا وفي حواسنا، ومن ثم يعيد بناءها من جديد، فمن الحدس والتخيل للنزعة الجمالية من خلال الإنفعالات العاطفية والحياتية التي تتمثل بأجمل معاني تقلبات حالات الحب يتغنى شاعرنا بالعشق والصبا والغرام للحبيبة والشغف والوجد والود والسهر واللوعة لكيانه و الصبابتي و الهوى المخبول و الهيام عن عمق مشاعره وحبه، كل هذه الدلالات تشير و تؤكد على اعلان بيان للحب الدائم في قلب و عقل و افكار مبدعنا العاشق، اللهف، الوله في حبه هذا لحبيبته وبخط أحمر بأن اللوعة مازالت فيه، وان جذوة الحب مازالت مشتعلة، وأنه عاشق أبدي .

لذلك حينما نتتبعه نجده يحاول إلقاء القبض على لحظات الجمال من خلال العشق والحب المتطرف الذي يقوده الى المغامرة الشعرية البصرية التي لم نجدها إلا في قلبٍ ثائٍر وفيه من الهيجان للمحبوب ورقة شوق في آن واحد .

صورة من شمس عمري يقول فيها:

تائِباً جئتكَ من أمسي ..

أسيفاً ..

تائها ً أبحثُ عني ..

مَنْ لطفلِ .. جاوَزَ الستينَ

يحبو

مُطفأ الفانوسِ والجفنِ

وأنا أتابع وأقرأ جمال القصائد باحثا منقبا أحاول أن أفهم،أفسر وأحلل تلك الصور الجمالية والعبارات القصدية باستخلاص خصائص جميلة جديدة فنية خطيرة عند شاعرنا، حتى جعلني أعيش القلق وأنا اقوم بعملية استكشاف ومتابعة دقيقة لخبايا النصوص في متن القصيدة وفضاءاتها، أبحث أيضا عن الذائقة الفنية الجمالية، أي العلاقة بين القصيدة ومحتواها وبيني أنا القارئ الناقد، وما هو تأثيرها علي ّ!

أتابع فن القول للسماوي في قصائده بشكل نقدي، كيف يوجه رسائله الشعرية بصورة العشق والحب الى الآخر، فكلنا عشاق !

كيف تنطبق أفكار وعواطف القارئ التي تدخل أجواءه وتؤثر على مزاجه، فهو يرسم أيضا خارطة طريق بافكاره للعشاق .

الأستاذ السماوي شاعر يقدم لنا هدية عشق وحب في منجزه الإبداعي الكبير، هدية عبر بها عن ذاته الشعرية المحبة، العاشقة، يعلّم القارئ في كل المراحل العمرية كيف نحب ؟؟

إذن هو مدرسة حب ..

أدركت أن ماكتبه شاعرنا في هذه المجموعة أنما هو يتعلق بعالم خاص من العلاقات الجميلة تستقر على الواقع، علاقات متجددة آتية من خزين الذاكرة الإنفعالية والصورية لإنسان عاش اللغة روحا ونفسا بل أقول رئتين له، ضمن مناخات متعددة وغربة وانتقالات من وداع وفقدان ولقاءات من مكان الى آخر كان فيها مناضلا متجددا في رؤيته التي تذهب بنا الى تاريخ الشعر كله ليومنا هذا حاملا معه ذاته الشعرية وماتحمل من جمال وطيبة ورقة وإنسانية ..

صورة من هيام:

حاولتُ

ألآ التقيكِ على دروب ِ

الذاكرة ْ

*

أطعمتُ للنيرانِ اوراقي القديمة َ

واعتكفت عن الهوى

فاغْتاظ َ قلبي ..لم أكن ْ أدري بأنكِ تُنْبضِين بهِ الرفيفَ

وأنّ حربي ضدَّ أمسي دون يومكِ

خاسرة ْ

أراه محلقا بمديات خارجة عن حدوده التخيلية، وبالنسبة لي هذا هو:

جوهر الإبداع الحقيقي في هذه الشخصية حينما يترك العنان للمخيلة والخيال الذهاب والتحليق الى أبعد مدى، فيطل علينا بقصيدة غرام وحب أخرى أكثر جمالا وتألقا مليئة بالصور الجمالية الحديثة المتجددة، حينها نرى شخصيته الخيالية التي تمتطي صهوة اللغة الأدبية الرفيعة المستوى،لأن كل مايأتي في هذه القصائد أساسه البلاغة في اللغة وهي ركيزة للخيال الذي لاتلمه حدود فهو، يكني، ويجيز، ويشبه، في مقاييس واعتبارات النسيج الشعري للقصيدة .

 

نعمة يوسف

بغداد— هولندا

 

الكبير الداديسيونحن نواصل الإبحار بين جمل هذه الكتابة الزئبقية المسماة قصة قصيرة جدا، نتوصل من حين لآخر ببعض المجموعات القصصية لكتاب من المغرب وخارجه تغري بمواصلة الرحلة، غير عابئين بصراع المواقف في تعليقات القراء بين رافض يتهم هذه الكتابة بإفساد الذوق وإشاعة الكسل لا يرى فيها إلا حمار الكُتابِ يركبه  الكتاب البغاث الذين لا يقوون على التحليق في الخيال لمسافات كتابية طويلة، وأنها وأنها جنس لقيط ومسخ لا يعرف أصله هل تطور عن الشعر أم عن السرد، لتبقى كتابة نيئة غير ناضجة تعكس فشل البعض في تمثل تقنيات التخييل السردي وعجزهم عن الإلمام بكل تفاصيل الصورة... وبين مدافع يعتبر القصة القصيرة جدا الشكل التعبيري الأنسب لعصر السرعة، وأن ملكة التكثيف وتصوير ذبذبات وتناقضات الواقع الممتد في شكل أدبي مجهري ليست متاحة للجميع، وأنه رغم تغني العرب منذ القدم بالإيجاز فلأول مرة يتحقق القول المأثور (خير الكلام ما قل ودل) وقول أبي العتاهية

وخير الكلام قليل الحروف    كثير القطوف بليغ الأثر

... ونحن لا نرى في كل ذلك سوى مظهرا من مظاهر الصراع بين القديم والجديد الذي عادة ما ينشب في ثقافتنا العربية عند ظهور أية حركة تجديدية، فرأينا مظاهر له عند نشأة حركة البديع، ومع ظهور الموشحات، وعند بروز الشعر الحر... وها هو الصراع يتجدد اليوم بظهور القصة القصيرة جدا... وخير ما نساهم به في حركية هذا الصراع هو مواصلة تقديم بعض الأعمال الجادة في الميدان، لنقف اليوم على مجموعة (البلح المر) للكاتبة والشاعرة المغربية دامي عمر (فاطمة جحا) .

مجموعة "البلح المر" هي باكورة الكاتبة، تضم 107 قصة قصيرة جدا، صادرة في طبعتها الأولى عن دار الوطن سنة 2013 في 154 صفحة من الحجم الصغير افتتحتها الكاتبة بقولها (أنكتب بغير"ال" التعريف ... كي لا أموت من ضيق المساحات. أنا كل ما لم أكتبه بعد) وكأنها تستعيض عن ضيق المساحات في الواقع بضيق الجمل في جنس أدبي أكثر ضيقا وتركيزا... حظيت المجموعة بقراءات ودراسات متعددة ركزت في معظمها على بعض التيمات والقضايا التي قاربتها المجموعة، وحتى لا يقع الحافر على الحافر، سأنزاح عن تحليل المضمون وعن سؤال ماذا؟ للوقوف على نقطة صغيرة في الكيف، خاصة وأن إشكالية القصة القصيرة جدا إشكالية شكل ومبنى أكثر ما هي إشكالية محتوى ومعنى، وإن كنا لا نؤمن البتة بفصل الشكل عن المحتوى ولنا عودة في مقالات أخرى للتفصيل في هذا الشكل الجديد... على أن نقتصر في مقاربة مجموعة "البلح المر" على ملامسة خاصية شكلية وحيدة تتعلق بالصورة والتصوير والمجموعة هي ما فرضت علينا ذلك، و الكاتبة شاعرة ومهتمة بالشعر. لنتساءل جميعا عن خصوصية التصوير في القصة القصيرة جدا؟ وعن شعرية هذه الكتابة المجهرية من خلال المجموعة؟

قبل الغوص في مناوشة التصوير لابد - في البداية- من الإشارة إلى أن هذه المجموعة تسير على هدي معظم المجموعات التي وقفنا عليها لحد الساعة، من حيث النزعة التشاؤمية التي ركبها معظم كتاب القصة القصيرة جدا، سواء في اختيار أغلفة بألوان داكنة، وعناوين تختزل مرارة الحياة وشقاء الإنسان المعاصر او بمضامين تكثر من الشكوى والرفض، ولو وقفنا نؤول عتبات المجموعة وننبش في دلالات عناوين قصصها لفشلت أي مقالة ودراسة عن احتواء التفاصيل... خاصة وأن عناوين القصص ال107 حبلى بالقضايا، المحلية الوطنية والإنسانية، السياسية، الاجتماعية والثقافية، توغل في أعماق الذات لتنفتح على كل الآفاق الواسعة، تصور الواقع وتطوح بالقارئ في حدود الحلم، ليعلن استسلامه منذ البداية، وعجزه عن تسييج كل المساحات التي تنفتح عليها المجموعة في مقالة واحدة مهما كان حجمها...

وإذا أضيف إلى كل ذلك رمزية العنوان وشعرية صورة الغلاف وكون عدد من القصص كتبت على شكل أسطر شعرية ناهيك عن توظيف القصاصة لمجموع الأدوات والآليات المرتبطة بالصورة والتصوير سواء تعلق الأمر بالصورة المرئية وما يرتبط بها من ألوان وإشارة إلى أسماء تشكيليين كبار وتوظيف لوحات مشهورة إلى الانفتاح على التشكيل بمعناه العام والاستلهام من العمارة والنحت وتوظيف الألوان في العناوين كما في قصة (ألوان) و (لون لمزاحه) قصة (تبييض)... والتماثيل في متن القصص كقصة اغتراب التي تصور بطلا في روما (كان غريبا يتكئ على تمثال) ص 114 و في العناوين أيضا مثل قصة "الحمامة والتمثال" ص 109... أو تعلق الأمر بالصورة اللغوية القائمة على استعمال اللغة الشعرية والصورة الفنية، المتمثلة في التشابيه، التعابير المجازية والاستعمالات الاستعارية وسيلة للتعبير.... سيعرف القارئ سبب تركيزنا على "شعرية الق. ق. ج" وسيسوغ سبب اقتصارنا على مقاربة الصورة دون غيرها من تلك التيمات التي عالجتها مجموعة "البلح المر" ودون غيرها من الخصائص الشكلية التي تميز ق ق ج ...

إن هلامية التصوير في المجموعة فرض علينا التعامل مع الصورة الفنية بمعناها العام متجاوزين المفهوم المتداول عند جان مولينو و جويل تامين في كتاب (مدخل التحليل اللساني للشعر) الذي يقصر الصورة في المشابهة، إلى المعنى العام المتداول عند فرانسوا مورو في كتابة(الصورة الأدبية) لأن مفهوم الصورة عند هذا الأخير يشمل كل الأنماط البيانية القائمة على المشابهة والمجاورة، خاصة وأن كاتبة (البلح المر) هي من رسم لنا معالم طريق هذا الاختيار عندما تعمدت في قصة "حلم" أن تنحى بالصورة هذا المنحى العام عندما قالت: (أتذكر كلبا ينبح (استعارة) ونورسة تغادر موجة (رمز) وأتذكر موجا بشريا يغشاني وأنا طفلة (حقيقة) ألتصق بامرأة مالحة الخد (كناية) أذكر ما تلا ذلك من صمت يشبه المراكب (مقارنة))ص47 لتزداد هلامية التصوير بانفتاحها على التشكيل،الرسم،الرسامين ومختلف الفنون التعبيرية وتقدم صورا فنية تتداخل فيها العناصر المحسوسة بالمجردة فتشكل صورة معبرة تثير استغراب المتلقي بتجاوزها محاكاة الواقع والنقل الحرفي إلى إعادة تشكيل هذا الواقع عبر مخيال مكرو- سردي، فكانت الصورة عندها ضربا من الكشف عن رؤية أعمق للعالم تسبح بالقارئ في عوالم غرائبية ترسمها الشخصيات كما فعلت بطلة قصة ألوان التي لا تنفك تقطف أقلاما ملونة من شجرة الألوان لترسم الورود، وفي الحلم لا ترى سوى وردة واحدة نبتت في السقف العاري (زهرة نزيف القلب) ص 104 هكذا تُقدم "البلح المر" صورا مأساوية تقطر فنية، يفوح منها عبق التشكيل والرسم؛ فهنا قصة (مسافة) تبتدئ وقد (وقف الرسام بجانب لوحته، لؤلؤة، معرض ضرب رقما قياسيا في عدد الزوار) ص115، وهناك قصة (غرنيكا) ولوحة بابلو بيكاسو تقف ساخرة من واقعنا المغربي ص 103، وهنالك كل من الفنان سالفادور دالي وزوجته غالا في قصة (اتصال ذاكرة) ص 108 يحاكيان معاناة الإنسان المعاصر وشعوره بالوحدة...

وعندما تخلط الكاتبة مكونات الصورة وألوانها تهدم العالم لتبني وتشكل عالمها الخاص: عالم انقلبت فيه القيم، وانحطت فيه الإنسانية وأصبح الإنسان يحلم بأن يكون حيوانا، انظر لهذا العاشق كيف غدا يتمنى لو يكون كلبا لما رأى عشيقته تداعب كلبها ف (ابتلع غصته تمدد مكان الكلب وهو يلعن آدميته) ص95...

  بالصورة اللغوية إذن يمكن جمع كل المتناقضات، واختزال الأزمنة والمسافات وتحويل الكائنات لتشكيل عالم متحول مركب يدور في حلقة مفرغة بطريقة غريبة عبرت عنها قصة "ميتامورفوز" في صورة أغرب (كان مجرد جبنة وضعتها امرأة بعد مخاض بارد... كان فأرا جميلا ووديعا إلى أن أكل قط نصف ذيله فتحول إلى قط شقي طاردته الكلاب... تحول كلبا فظا فانفضت الكلاب من حوله... صار رجلا ليعي فظاظة أن يغدو وليمة للديدان مثل جبنة فاسدة) ص.99... هي صورة موغلة في الخيال لا يمكن حدوثها في الواقع بل يصعب على العقل تصورها... و تتناسل الصورة الغرائبية في تصوير ذبذبات واقع معيش فقد قيمه، واقع يعيش هلوسة وتناقضا غريبا تمرد على الثوابت فصورته قصة " أفكار مهلوسة" بهذه الطريقة: (كلب لا ينبح في وجه القط، قط لا يأكل الفأر، فأر ينام في حضن امرأة، امرأة تضع كلبا، كلب ينبح في وجه قط، قط أخرق يهدي الكلب طبق فئران محمصة) ص.93.. هذا هو واقعنا العصي على الفهم استطاعت القصة القصيرة جدا تكثيفه في لوحات دالة، واقع مسخ تتحول فيه الأبطال إلى كائنات غريبة دون سبب معلن ففي قصة "مسخ" وبينما البطل في الفراش انتابه إحساس أنه تحول إلى وحش كفكاوي (وجد نفسه قد تحول إلى حشرة هائلة الحجم) ولما هرع إلى النافذة (رأى الناس جميعا وقد تحولوا إلى سحالي تأكل رؤوس بعضها. عاد إلى جحره سعيدا بكونه "غريرا" محترما) ص77...

إن الواقع الجديد التي تحاول القصة القصيرة جدا تقديمه للقارئ، واقع مأساوي، المرأة ضحيته الأولى (امرأة تستنجد.. يتلاشى صوتها تحت ذوي القذائف وصراخ الأطفال وأبواب السيارات) والرجل واقف يتفرج على المشهد (يشاهد أشلاء آدمية، كاميرا، رجل بلا رأس، رأس تحت الركام ..) ص 68 وعند النبش في طريقة تشكيل هذه الصور ألفينا الكاتبة قد اعتمدت طرقا متعددة في رسم أبعادها ونكتفي بالتلميح لبعض طرق التصوير من خلال أمثلة قليلة ومنها :

1 – التصوير بالرسم : اعتمدت كاتبة "البلح المر" كثيرا على الألوان في مجموعتها لدرجة تستحق الألوان دراسة خاصة، ودفعت بعض الأبطال إلى رسم لوحات معبرة حاولت من خلالها تمرير رسائلها عبر التصوير، كما وقع في قصة "كابوس" لما أتاحت الفرصة لأحد الأبطال ليرسم الواقع في الصورة التالية: (أخذ الفرشاة ورسم على الحائط، الذي كان يسند ظهره، حدود ملكه. وسط اللوحة رسم عرشا وفكر في إلقاء خطاب البيعة رسم رؤوسا مطأطئة بدون أفواه ولا آذان حين انتهى الحفل شعر بالملل، ففكر في العقاب! رسم قضبانا ومقصلة. قطع رأسين فضجت بقية الرؤوس وشقت أفواهها نشر باقي القضبان على اللوحة. انتبه أن ملكه صار سجنا كبيرا أخذ طلاء أسود وصبغ اللوحة كلها تنفس عميقا وهو يتذكر أنه مجرد "شمكار حاكم") ص50 ... مهما استفضنا في شرح وتحليل هذه الصورة فالصورة تعبر عن نفسها خير من أي تأويل وتحليل... وتعتمد المجموعة الوسيلة ذاتها في قصة "لوحة" حيث رجل (يخرج من جيبه طبشورا ويرسم إطارا. وداخل الإطار يرسم كنبة و تلفازا، منضدة، خبزا وكأسا فائرا. يجلس على الكنبة تقفز القطة إلى حجره... يضغط زر التلفاز ويرتشف حسوة من كأسه. ضجرا يطفئ التلفاز يرسم على الحائط عيني امرأة. يدير ظهره للحائط وينام محتضنا قطته) ص 82 هذه مجرد أمثلة تبين كيف ركبت القاصة التشكيل وسيلة لتصوير الواقع... والتساؤل عن جدوى اعتماد هذه الوسيلة، وكيف خدم هذا الشكل من التصوير مقصدية المبدعة ؟ بحث خاص لن ينتهي...

2 - التصوير باللغة الشعرية : وهي الطريقة الأكثر حضورا في متن المجموعة لدرجة لا تكاد تخلو قصة في المجموعة من تشبيه، مجاز، استعارة أو كناية حاولت فيها الكاتبة لَيَ أعناق المتناقضات والخروج عن السنن المألوفة و النهج المعروف في استعمال اللغة: فإذا كان تشبيه القطار بأفعى يبدو تشبيها عاديا فإن الصورة تغدو غرائبية عند تمثيل القطار بأفعى تبتلع فيلا تمشي على سكة مكمشة (يهتز كثيرا يتقيأ ركابه .. يتقيأ الركاب أمعاءهم يلعنون القطار جميعهم ولا أحد يلعن السكة) 112... لتستمر هذه الغرائبية حتى في أبسط علاقة يمكن أن تجمع رجلا بامرأة لا تبادله نفس الشعور فتقدم قصة صورة تتداخل فيها المشابهة والرمزية لتصور البطل (رجلا بسيطا تعلق قلبه بها وهي نجمة. قلب عار متعلق بنجمة يبدأ بالسقوط محاولا عبثا أن يتمسك بخيط نور رفيع، فيسقط بين فكي سمكة قرش كانت تتنفس الهواء في الظلام) ص 86 ... وقد تتجاوز الصورة علاقة المشابهة إلى المجاورة لتنفتح على المجاز المرسل والكناية، فتختار القاصة جمل تكني بها عما تقصده كما في تصوير نهاية هذا الرجل المزواج الذي تخلت عنه نساؤه بعد إفلاسه و (مات وهو يضم ورقة يانصيب خاسرة) 87، بواسطة اللغة إذن تبني المجموعة عالما غرائبيا قائما على خرق منطقية الإسناد، فجعل ل(الموجة لسان يتذوق طعم حلم...)ص 105 ويمسي الذين لا يقدرون الحب (دائما طافحين على سطح الأشياء كنخالة) ص 46... وتستحيل كثرة العشاق نقمة (عشاقك يسدون عين الشمس لذلك فشمسك دائما عمياء) 36... والأفكار العظيمة كارثة عندما (تسقط على رؤوس أصحابها حين لا يتوقعونها يصدر عنهم أنين مصدوم يشبه صراخ سنبلة في وجه منجل أو صراخ نملة تحت قبقاب خشبي) والأبطال حربائيين يتلونون مع هذا الواقع المسخ هذا الواقع المتغير فتختار الساردة إنهاء مجموعتها القصصية بقصة أقنعة وكيف استحال عليها معرفة رفيق دربها الذي (لم تعرفه أبدا مفردا) لأنه كان في كل مناسبة يظهر لها بقناع (أقنعة لبسها لمناسبات كثيرة حمار، حمامة، ثعلب، أسد...) ص 130 فلا غرابة إذن أن تسود في مجتمع هذه صفاته قيم النفاق والانتقام لدرجة أن أحد أبطال المجموعة أقام وليمة لمسؤولين نافذين وأطعمهم شواء لحم حمار فكانت النتيجة أن أصيبوا جميعا بداء النهاق ص 29

 بالصورة الفنية يتحقق المستحيل، وباللغة الشعرية أضحت الساردة تسمع أنين الجماد وتتخيل حجم أنين البحر (أستطيع أن أتخيل أنين البحر حين تموت حيتانه على الرمل الجاف وأقدر هذا الألم) ص 42 على هذا النحو سارت الصورة الشعرية تبني تفاصيل عوالم (البلح المر)...

 التصوير عبر النهل من الأسطورة : بالإضافة إلى التشبيه الاستعارة والمجاز يدرك قارئ "البلح المر" مدى اعتماد المجموعة على توظيف الأسطورة، لكنها تمكنت من تخليص تلك الأساطير من الخوارق والغرائبية وربطها بالواقع لخلق مساحات أوسع، وفضاءات تعج بالتناقض داخل نص مجهري مما يدفعنا للحديث عن قصة قصيرة أسطورة وليس عن الأسطورة في ال ق ق ج... 

كثيرة هي الأساطير الموظفة في (البلح المر) خدمة للصورة المأساوية التي ترسمها المجموعة، منها ما هو محلي وما هو إنساني، فمتحت من الأسطورة البابلية عندما وظفت أسطورة (ليليث) شيطانة العواصف التي تُرافق الريح، تحمل المرض والموت، ونهلت من أسطورة أطلس و الكاهنة الأمازيغية (ديهيا) في قصة "ولائم الجوع"، واعترفت من الأسطورة الرومانية ولما وظفت كيوبيد الطفل الملاك بسهم الحب لتؤسطره وتحيله عجوزا في قصة (ترنيمة كيوبيد) (بعد سنين قرر كل منهما أن يبوح لصاحبه بما كان. فتحا فميهما فعلت همسهما ترانيم كيوبيد العجوز ينصبهما كأجمل عاشقين) ص 66 . وعلى نفس النهج حاولت المجموعة أسطرة بعض الشخصيات الإنسانية بمنحتها قوة خارقة تسمح لها بالتحول أو القيام بأعمال يعجز عنها الجن

3 - التصوير عبر النهل من القصص الإنسانية والدينية: وكما استفادت المجموعة من توظيف الأسطورة فإنها انفتحت على عدد من القصص الإنسانية إما بالإحالة عليها من خلال العناوين مثل توظيف (الطفل والبحر) في إحالة على قصة (العجوز والبحر) لإرنيست همنغواي ص 105 أو توظيف أبطال من أعمال أدبية مشهورة كشخصية لوليتا التي استوحتها من رواية للكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف، أو استحضار عبارات دالة كما في قصة "عنف" إذ ابتدأت القصة بعبارة (كلما دخل عليها ..) في إحالة لغوية واضحة لقصة مريم (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً)، بل ألفينا بعض القصص تنبني في معماريتها على اقتباس من قصة خلق الإنسان في القرآن كما في قصة (حلم) التي ورد فيها: (نطفة ... فعلقة ... فمضغة ...فعظاما ... فكسوناه حزنا) ص 127 بالإضافة إلى الاستشهاد بشخصيات إنسانية في التاريخ والفكر المحلي الأمازيغي كقصة الملك جوبا في قصة "رأس جوبا" ص 67، أو شخصيات أدبية من الفكر العالمي مثل شخصية فاوست من الثقافة الألمانية...

ما يستفاد من التصوير في "البلح المر" هو أن المجموعة كانت صورة وصوتا نسائيا حاول تقديم صورة عن الواقع المعيش نيابة عن كل النساء (قد نكون واحدة.. نتمتم فتحمل همهماتنا الريح لقاحا لزهور الألم) ص 85، وأن رصد تفاصيل تلك الصورة لم يكن سهلا ويتطلب نفسا طويلا لم تستطع المجموعة الحفاظ على نفس النفس، فكانت بداية المجوعة بقصص طويلة والانتهاء بقصص قصيرة، وأن الصور في معظمها كانت مشحونة بشحنات سالبة، تنقل واقعا مريرا يعيش أزمة قيم حادة جعلت الإنسان يتساوى مع الحيوان وأحيانا يلعن آدميته ويتمنى لو كان حيوانا، فكان توظيف الحيوانات المحيلة على الخسة والنذالة سمة بارزة في الصور التي رسمتها القصص بل تعمدت نزع الصفات الموجبة عن قصد، فتجاهلت وفاء الكلب لتركز على ما في الذاكرة الشعبية من معان سلبية مرتبطة بهذا الحيوان، كما في قصة (كلب) (أيها الكلب حتى لو لعقت حذائي فلن أسامحك ظل الكلب هادئا في حضن صاحبه بينما راح هذا الأخير يصب جام غضبه على رجل يكاد يقعي) ص 102، وفي صورة أكثر تركبيا، وأعمق دلالة تستنجد قصة (لقطة) بعدد من الحيوان لتقدم مشهدا بانوراميا  يكاد يختزل صورة الواقع: (الحطاب يتكئ على جذع الشجرة، السنجاب في أعلى الشجرة يراقب الحطاب، الأفعى التي تسكن الجحر في الأسفل تأكل أبناء السنجاب، الأوراق الصفراء في الربيع العاري لا تستر شيئا... المنشار يشحذ أنيابه) ص 107

وحتى وإن كانت بعض الصورة مسالمة ناعمة بنزعة خبرية تقريرية يفتر فيها التعبير الفني فإن اعتماد مفاجأة القارئ وسيلة لتخييب أفق انتظاره أثرى فنيتها وأدبيتها فقد بنيت قصة (شك ناسف) بناء تقليديا حيث شاب يشك في خيانة الزوجة الشابة لأبيه، ويتضايق من إخوته الصغار الذين لا يرى فيهم إلا مزاحمين له في مال أبيه ويشك في كونهم إخوته... لتأتي المفاجأة  في النهاية عندما يكتشف أن والده كان عاقرا ص70. وبيد أن السارد اختار ضمير المخاطب لسرد قصة (واجهات) فقد كانت القصة وبناء الشخصية بسيطا شخص يرى نفسه في واجهة زجاجية ويعتقد أن أحدا يتقدم نحوه (يرتطم جسده بجسدك كجذع نخلة، تسقط لا يهتم بك أحد ... تدرك فجأة أنك ارتطمت بخيالك في واجهة زجاجية لمتجر كبير) ص.79

إن الصورة في "البلح المر" مستويات عدة فهي تارة صورة توثيقية ناقلة تصور عالما مألوفا لا يختلف أبطاله في أقوالهم مواقفهم وأفعالهم عما نعيشه في واقعنا، وتارة صورة تخييلية قائمة على غرائبية العلاقة بين الموظف في الصورة والمقصود منها، لتخلق مفاجأة مخيبة لأفق انتظار القارئ، وتارة رمزية لتغدو الق. ق. ج بكل عناصرها رمزا دالا تلتقي فيه الآلام والآمال تمتح من الماضي لتستشرف المستقبل، فتحيل الرمز من قالب جاهز متداول إلى معنى يولد مع معاناة التجربة ويفرض على المتلقي ضرورة ركوب قطار التأويل للوصول إلى بعض ما تتغياه الصورة، التي تتحول من مجرد أداة لنقل المضمون إلى غاية في حد ذاتها، لما تتضمنه من خلق وإبداع ما دامت كل عناصرها متلاحمة وليس هناك عنصر أكثر فعالية من الآخر في معمارية هذه الكبسولة الفنية التي اختزلت الصراع ونقلته من الفضاءات والأكوان إلى عمق الذات الإنسانية متجاوزة المواضيع التقليدية المرتبطة بالاستعمار والقضايا الاجتماعية المستهلكة، ومتجاهلة الأشكال الموروثة بصيغها المسكوكة لتكون عدسة عالية الجودة قادرة على التسلل عبر المسام لقياس نبضات وانفعالات الذات وتفاعلها وتفاعل الآخر معها.... وتصبح الرمزية تشكيلا وبناء للمعنى عبر استدعاء أعلام وأماكن للتعبير عن موقف ذاتي أو جماعي من خلال رموز دينية تاريخية طبيعية أدبية للتخلص من ربقة التقريرية والتعبير المباشر لتنسج أمام القارئ عالما متخيلا يحتل في الرمز مكانة وسطى بين صوت الأنا المبدعة وصوت الشخصية أو الشيء الرمز، فيغدو مختلفا عنهما وإن انطلق من الأنا هكذا تجعل الرمزية من المرأة في المجموعة شخصية نمطية يمكن أن تنسحب على أي امرأة أينما وجدت بعدما أحالتها إلى تجربة شعورية وصورة لفسيفساء في مرايا مهشمة كل قطعة فيه تنوء بما تحمله من مأساوية تلخص كل المعاني السالبة التي يمكن تصورها عن المرأة في الوطن العربي من صورة المرأة العقيم، المفعول بها، العانس، الهاربة، لهبيلة، ظل الرجل، المرأة التي لا قلب لها تعيش في واقع يختزل كل الأمراض العقد المرتبطة بالوصولية والانتهازية والانهزامية والاستسلام والنصب والاحتيال تاريخه سلسلة من الخيبات والهزائم والنكسات... لذلك لا غرو أن يقوم هذا المجتمع على التنكر لقيمه. ومن لا زال يحمل ذرة أنفة ما عليه سوى الهروب من هذا الواقع الموبوء إلى الصفاء حيث عالم الكتابة والإبداع فكان أبطال المجموعة في معظمهم رسامين ومخرجي مسرح وكتاب رواية أو قصة أو دراما، شعراء محبطين، يائسين لا قدرة لهم على التأثير في محيطهم أو إحداث التغيير في واقعهم، لا يملكون سوى الجلوس قانعين بفشلهم يدخنون حشيش الأفكار وأقصى ما يستطيعون فعله هو الهروب إلى الحلم وانتظار نهاياتهم المأساوية (السجن الموت والجنون) ليقف القارئ مشدوها لهذه الكتابة الزئبقية كيف استطاعت أن تختزل كل هذه التناقضات في نصوص مكثفة إلى حد الانفجار تسبح في مجراتها صور، رموز و وأساطير محلية، عربية وعالمية كل رمز فيها يستحق كتابا خاصا

 

ذ. الكبير الداديسي

 

عبير خالد يحيىحول موضوع علمية النظرية الذرائعية أفيدكم ببعض من العلوم التي طوّف بها المنظر العراقي ضفة العلم على ضفة الفلسفة على جانبَي نهر الأدب:

إن الذرائعية تأخذ النص الأدبي:

- لغويًّا مستوى لساني مدعّم بجمال بلاغي متلبِّس بعلم الجمال من نواحي الأسلوب والشاعرية.

- يدعم هذا المستوى مستوى نفسي، باعتبار الأدب نوع من السلوك الإنساني ( مدخل سلوكي) الذي يفرز بين طياته محفزات واستجابات، وتلك المحفزات والاستجابات يستطيع الناقد الذكي تحويلها إلى تساؤلات يبْحث عن إجاباتها عند الأديب، أو يجيب عليها الناقد بمقتضى الاستجابة، ويحافظ على استمراريتها عن طريق العنصر الثالث (المتلقي) كعطايا سلوكية.

- لا يكتفي الناقد الذرائعي بذلك، بل يصل إلى المستوى العميق للنص عن طريق نظرية التقمّص النفسي (المدخل التقمّصي أو الاستنباطي)، والجري حدّ اللهاث وراء جميع الأفكار المخبوءة بين طيات النص، والتي لم تكن بذهن الكاتب أو المتلقي، فالناقد الذرائعي لا يلاحق الأعمدة الظاهرة للعيان إلا بالإشارة إليها فقط، وما يهمّه هو المخبوء المخفي بين  السطور، والتي يذهب وراءها عميقًا بالتحليل والرصد لإخراجها وعرضها لآلئ ثمينة مستخرجة من محاراتها القابعة في أعماق النص.   

 - ومن منطلق أن الأدب مظهر متوازٍ مع الحياة، طبقًا لما تراه الرؤية الذرائعية بأننا في عصر لم يبقَ فيه شيء لم يُقل أو حدث لم يحدث، إذن نحتاج تجارب الحياة لنعكسها على الأدب عن طريق العلاقة الثلاثية بين الحياة والأحداث التي تحدث لنا أو للناس، وهذا التناص (المدخل العقلاني)  هو جوهر غني في الأدب السردي وفي التجربة الشعرية،  اعتمدته الذرائعية من نظرية تشومسكي العقلانية التي تعتمد على عنصرين مهمين هما المنافسة المعرفية (compentence) المعارف المكتسبة في ذهن المتلقي التي تعلمها بقصد أو عرضيًّا، والعرض التنفيذي(performance) بوابة العقل التي تعرض المعلومات التي جمعها الناقد وأغناها بما لديه من أفكار بالخروج خارج النص من بوابة التناص الواسعة نحو أفق المتوازيات، فتكون تلك العناصلر الفكرية عونًا للناقد لتبليغ رسالته النقدية بشكل صحيح لا خطأ فيه ولاشك.

 لذلك نقول "إن الأدب عرّاب المجتمع، والنقد عرّاب الأدب".

 والشكل التالي لمقارنة أحداث الحياة مع الأحداث الافتراضية والتناص فيما بينها:

 

 

- ولم تكتفِ الذرائعية بهذا الكم من المد العلمي في التحليل، بل تلجأ نحو تكميم جميع الدلالات بأرقام رياضية لتحويل التحليل الاستقرائي نحو تحليل موضوعي رياضي إحصائي (المدخل الرقمي الساند) يثبت الحقائق التحليلية للنص بميل ذرائعي يذكر فيه أدبيّة الكاتب أو شاعريّة الشاعر.

- لذلك يعتمد الناقد الذرائعي على تجاوز التحليل لدلالات النص بالمدلولات، لأن المدلولات تقف عند الحد المنطقي السيمانتيكي، فتعتبر درجتها الدلالية عبارة عن متوازيات مترادفة لمعنى الدلالة، حتى يبلغ هذا التجاوز حدّ الركون عند المفهوم لإدراك (المعاني المؤجلة) عند المعنى الذرائعي الذي يختزن (اللغة الساندة) التي تنتج عنها التأويلات المتعلقة بالخيال والرمز، والتي تكون درجة تأجيلها إلى ما لا نهاية، وهنا تختلف درجة الأدباء من واحد لآخر بعملية التكنيك بالكتابة، الذي ينتج توقيعًا مشخصًا بدرجة الأديب الإبداعية في مساهمته بتحريك سلسلة المعاني المؤجلة، وهزّ الغصن المترع والمثقل بالمفاهيم، لتسقط منها ما تجود به شجرة المعنى من خير ذرائعي، فالمعاني المؤجلة ليست - كما يتصور البعض- مرادفات أو متعاكسات مفرداتية ، بل هي حالات اجتماعية يعبّر عنها بمفاهيم متعلقة بالأحداث والمشاهد التي تحدث في الحياة، ويعكسها الأديب على الأوراق. 

- الفرق بين التحليل اللساني  والتحليل النقدي الذرائعي، اللساني يأخذ المعنى في السياق، بينما الذرائعي فيأخذ المعنى في التواصل، والتواصل قد يكون مقروء أو منطوق، أما اللساني فقط منطوق، داريدا يقول هناك تتبّع وتأجيل في المعنى اللساني وليس المقروء. لقد مَرْكَزَ داريدا نظريته على الإله (اللاغوس) الذي يموت بالحضور، وفق نظريته الحضور والغياب، التي طبّل لها النقاد العرب طويلًا،  بينما المعاني المؤجلة بالذرائعية تحيا وتتناسل بالتواصل الإنساني إلى ما لانهاية.

- ثبتت الرؤية الذرائعية اللغة باعتبارها علم (linguistic) يهتم بدراسة الحقائق اللغوية تنتهي علميتها عند السيمانتيك، الذي ينتهي عند حدّ معنى قاموسيًّا واحدًا، وحرّكت الأدب باعتباره براغماتيك في المعنى ، ويحمل بين جنبيه الرمزية والخيال.

يقول المنظر العراقي في الكتاب الأول من الموسوعة الذرائعية والمعنون ب(الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي):

(لقد برزت إلى الساحة النقدية واللغوية علوم جديدة حلّلت اللغة إلى أدق العناصر، وانعكس هذا التحليل على الساحة العملية النقدية والبحثية، ومن خلال ذلك أدركت المهملات من تلك الدراسات وحدّدت أهميتها وكينونتها، ومن تلك المهملات بالتحديد (المفهوم)، الذي يحيط بالمعنى المدلول ويحصره في سور لا يستطيع تجاوزه إلا ويكون في حظيرة أخرى خارجة عن مفهومه الأصلي، وقد أدركت أن المفهوم من خلال الدلالة التي تشير نحو مدلول، والمدلول يشير نحو معنى، والمعنى يشير نحو مفهوم، إذًا المفهوم يستقرّ في نهاية المطاف، وهو الذي يحدّد استقرار المعنى بجينات لغوية ثابتة لا يخرج عنها، أما اللسانيات فتقف عند حدّ اللفظ، أما الدلالة فتقف عند حدّ المدلول، والمدلول يقف عند حدّ المفهوم، الذي ينطلق بعدة مفاهيم بشكل أوسع، خصوصًا في النصوص الأدبية المحتوية على الخيال والرمز والإيحاء، لكون الخيال لا تستطيعه اللسانيات في التحليل إلّا بمفاهيم واسعة ليستقرّ فيه، أي في الذاكرة كمدخلات فسّرها العقل وصارت معلومات مدركة ومعروفة ذهنيًّا لا يتغيّر معناها ولا تحتاج لعمليات أخرى لتفسيرها، بل اكتسبت حدّ القطعية في عملية الثبات والخزن في الذاكرة، وبعد الانتهاء من عملية التفسير تحوّلت المفردة نحو المخرجات الصادرة، بعد أن يُختزن مفهومها في العقل البشري لتصبح معلومة معروفة ومفهومة لديه للقادمات...

المفهوم: هو المعنى النهائي (المخزون أو المخبوء) الجاهز والمدرك من قبل العقل بشكل مسبق، لكونه مرّ بجميع العمليات الإدراكية فصار مفهومًا من جميع خلايا المخ، وصار مخزنًا وسورًا للمعنى الذي يغوص فيه الناقد بشكل عميق، وقد يكون هذا العمق في الأدب أكثر من اللسانيات، لكون تحليل اللسانيات تعمل بالدّال والمدلول والعمق اللساني الشفوي، و يعمل الأدب بالدّال والمفهوم، و بشكل أخف وطأة في المنفعة التي اتهمت فيها مفردة البراغماتية بترجمتها إلى (الذرائعية)،  فالذرائعية اللغوية أو الذرائعية الجديدة هي أهم علم تواصلي تحليلي في البلاغة العربية، يهتمّ بحالات المعاني المؤجلة المستلّة من الخيال والرمز في العمق الأدبي والبنية اللغوية العميقة، وهذا دليل قوي لعظمة اللغة العربية ومكانتها بين اللغات الأخرى، وقد كشف الفلاسفة الغربيّون الذرائعية اللغوية عند أوائل السبعينات من القرن المنصرم، وقد شكّلت أسس البنيوية والتوليدية في استهلالها النظري، وقد تتناول ظواهر اللغة وتحلّلها، وتشارك في مواجهة المشاكل وحلّها، فهي  مجال رحب يستمدّ موارده من مصادر مختلفة، بالنفاذ في مسالك التواصل، وقد ترجم هذا الاصطلاح بالتداولية بشكل خاطئ، ودخل لسانيات الاستعمال، وهو بالأصل حالة بلاغية عربية معروفة في الاستعارات البلاغية، و يبدو أن بعض باحثينا أهدوها للغربين انبهارًا بإنجازاتهم العلمية تحت اعتقادهم الراسخ من إن كل علم يظهر في الحياة مصدره الغرب، حتى وصل بنا الأمر أن نأخذ شهاداتنا العليا في لغتنا منهم....) .

و بتفهّم عميق، وبإدراك مذهل لما بين السطور، استطاعت الناقدة الجزائرية عقيلة مراجي إخراج الجوهر، فكتبت مقالتها الرائعة هذه:

كتبت الناقدة الجزائرية عقيلة مراجي :

 الإله يموت....

من طريف ما حدث في المشهد النقدي الأدبي العربي، ذلك السعي خلف كل المنجزات الغربية على سفاهة بعضها وجرأة البعض الآخر، وملابسات بعض الأفكار الهدامة والتي تضرب بعرض الحائط كل مبدأ عقائدي ...ونحن كالأعمى الذي يتبع رائحة الأتان ليصل إلى البيت، إلا أن الأتان تأخذه إلى اصطبل الأحمرة (أكرمكم الله)...

فمنذ أن اتصل النقد العربي بالنقد الغربي اتصالا مبنيا على الانبهار والتكريس لمبدأ الإله فإن النص العربي لم يعد عرابا للمجتمع ولم يعد مرآة ولم يعد رسالة بل أصبح تطريزا لكلمة الغرب، كذلك لم يعد النقد عرابا للأدب على حد قول منظر النظرية الدكتور عبد الرزاق عودة الغالبي، بل أضحى في غالب أحيانه رصفا للمصطلحات الغربية التي تشكل أزمة للنقد وفرض المنهج على النص، طبعا هذا لا ينطبق على كل النصوص بل نحن نعالج الأمور بوصفها ظاهرة مهيمنة،

لكن قد بدأ يتضح في الآونة الأخيرة أن هناك سعي حثيث لتجاوز هذه الأزمة، وانطلقت أصوات واعية تعلن أن "الإله يموت" ولنضرب على سبيل المثال جهود الدكتور عبد الرزاق الغالبي مع الذرائعية، والتي أقل ما يمكن أن يقال عنها مبدئيا أنها تتصف بالوعي ، الوعي بطبيعة النص الأدبي من حيث الجنس واللغة، والوعي بطبيعة النقد ووظيفته، وما قدمه الباحث التاريخي منير الكلداني في نظريته النقدية التي تستهدف تلقي النص العربي بالنقد الشمولي، ولعل الرابط بين النظريتين هو الشمولية والسعي لعلمنة النقد..وتخليصه من الانطباعية والذاتية..وأنها تنطلق من خصوصية النص العربي لغة وتشكيلا ومرجعية..وهذا ما أسقطه أولئك الذين لهثوا خلف النظريات النقدية السابقة من البنيوية حتى مناهج ما بعد الحداثة ...

هذه الجهود تبشر فعلا بمستقبل للنقد الأدبي العربي، لأنها على الأقل تنطلق من الوعي بما تقدمه...سواء من الناحية الاصطلاحية أم المرتكزات التي تتكئ عليها...

وما يؤكد فعلا على أن النظريتين على درجة من العلمية انطلاقهما من نظرية الأدب التي سعت لوضع حدود للأدب وللنص، وانطلقت من ذلك التعدد والتباين في تعريف الأدب والنص الأدبي لتبرهن في النهاية أن تلك التعددات تشكل في مجملها تكاملًا وليس تعارضًا ..ومن هنا نجد أن النظريتين لا تهملان الكاتب بوصفه منتجا ولا المرجع بوصفه مصدرًا ومؤثرا ولا النص بوصفه رسالة وجمالية ولا القارئ بوصفه مستهلكًا منتجًا ...

كما أن كلا النظريتين لا تعلنان القطيعة والعدائية مع المناهج النقدية السابقة، بل تنظر إليها من حيث أنها تراكم معرفي يؤسس بطريقة أو بأخرى للمشروع النقدي الجديد ويؤصل له

وقد يكون هناك بعض الأصوات التي لم تكشف عن نفسها بعد...لكن في الأحوال كلها "الإله يموت" وهذا في حد ذاته منجزًا ، حيث يؤكد الكثير من الباحثين أن مراحل التي يمر بها الأدب أو النقد هي مرحلة الانبهار ثم التقليد ثم التكرار ثم التشبع ثم التحول، وفكرة الإله يموت تمثل مرحل التحول في النقد الأدبي العربي.

* استيعاب المرحلة مفتاح تجاوز المحنة:

- يشعر الكثير من العرب بالدونية فيسرعون إلى إعلان عدائية مع كل جهد عربي أصيل ويرجع هذا الأمر إلى تخوف العربي من أفول نجمه إذا ما ابتعد عن المنجز الغربي، وهذا طبيعي في البداية وليس بالأمر المنكر، لكن يجدر بنا بذل جهد لتقبل الأنا كما نتقبل الآخر، وأن نؤمن بأن الأنا العربية تملك من العبقرية ومن الشياطين ما يؤهلها للإنجاز العلمي والمبني على الموضوعية، والإبداعي المبني على الخصوصية العربية...

- الجديد لا يخيف إلا من حيث أنه انفتاح على الإخفاق والسقوط..، لكن لو أننا نؤمن أن كل النظريات الغربية سقطت سقوطا حرًا وأخفقت إخفاقا على رأسها البنيوية ومع ذلك قدمت لنا إرثًا معرفيًّا كان سببا في ولادة الكثير من النظريات النقدية التي قدمت للأدب الكثير ... لتجاوزنا مخاوفنا، فالإخفاق لا يجب أن يكون كابوسًا..فلنؤمن بالإخفاق كما نؤمن بالنجاح ، الأمر لا يختلف عن الموت والحياة...فالموت هو دائما بداية حياة جديدة...

- من هذا المنبر أدعو أولئك الذين ينقبرون في برجهم العاجي أن يحطموا قوقعتهم ويخرجوا إلى الواقع، وأن يقبلوا على دراسة التجارب الجديدة قصد التطوير والتعديل..

والذي لا يؤمن بما أقوله فلينظر إلى ما يتبناه من نظريات وليبدأ في تعداد سلبياتها .....

أعتذر على الإطالة، وللحديث بقية.

 

د. عبير خالد يحيي

 

ليث الصندوقثمة شفراتٍ أو نظاماُ فكريّاً مشتركاً يتقاسمها النص في رواية ناطق خلوصي (بستان الياسمين) مع القاريء – العراقي تحديداً – تجعل من الأحداث قريبة وأليفة إليه، بل ربما يجد القاريء فيها نفسه طواعية قد وقع ضحية تلك الأحداث المؤسفة وتبادل مع أبطالها الأدوار ليكمل مسيرتهم من النقطة التي توقفوا عندها مستسلماً مهمة السرد الإفتراضي البراني – حسب سنن الرواية - من الراوي المفارق أو من الكاتب الذي لم يكن في حسبانه أنه سيمكّن قارئه من التمرّد عليه وتجاوزه ومن ثمّ عزله وتولي مهمته . والسرد الإفتراضي – ما وراء اللغوي – هو المتعة الحقيقية التي يتوخى كل أديب أن يوفرها لقرائه، ففيه يتحول النص إلى حياة، وتتحول الكتابة إلى مشروع قابل للتحقق والتنفيذ ضمن أفق توقعاته، وبه أيضاً يتحول القاري إلى مؤلف، أو - أن شئت - إلى مؤلف مشارك يتقاسم مع المؤلف الأول نصاً واحداً ورؤية مفتوحة للتأويل باتساع خيالين . والشفرة المشتركة التي يتقاسمها القاريء والنص معاً جاءت من سياق مرجعي واحد يمثله واقع العراق الدامي في مرحلة الإحتلال الأمريكي وما بعده، وما نجم عنه من ظواهر بعضها غريب عن طبيعة النسيج الإجتماعي، وبعضها الآخر ليس بغريب ولكنه نادر ومحتجب، ثمّ جاء الإحتلال ليرفع – تحت شعارات ملتبسة - عنه الاحتجاب فيستفحل وينتشر ويتحول من إطار الندرة إلى إطار الظاهرة .

هذه الظواهر / الشفرات يتناولها الكاتب بشكل ينأى بها عن المباشرة الفجّة من خلال مرشحة ناقدة بحساسية مفرطة يمثلها الشاعر مسعود مسعود . ومرور الأحداث من خلال هذه المرشحة أو الشخصية المثقفة ليس بجديد على ناطق خلوصي، بل هو أحد مميزاته التي ربما لا تخلو منها إحدى رواياته . ولعله بهذا النوع من الشخصيات المشعّة اجتماعياً وثقافياً يجسّد رؤيته للأدب باعتباره رسالة ذات هدف إجتماعي يتبوّأ فيه المثقف الدور الذي يستحقه في تشخيص وإدانة الظواهر السلبية وقيادة المجتمع بما يساهم في الحفاظ على الضمير والروح من التلوث والفساد .

أما بستان الياسمين فهو اليوتوبيا التي يحلم بها المثقف للتحرر من أسر الخوف تحت سلطة الإحتلال أو ما خلفه من فوضى ومن قوة غير منضبطة وفساد . ومن الواضح أن المقابلة ما بين الوطن والبستان تظل قائمة دائماً، فما مشروع الشاعر مسعود مسعود – وهو الشخصية المحورية - في إقامة بستان الياسمين سوى محاولة استعارية لتعويض الوطن المحترق بآخر مزدهر، وما دور مسعود كشاعر في بناء الوطن البديل سوى إحالة رمزية إلى حلم المثقفين بذلك الوطن، وطموحهم في بنائه . وتستقيم تلك الإحالة في كون البيت الجديد في بستان الياسمين / ألوطن البديل هو نسخة مماثلة من البيت القديم، وعبر هذا التماثل تنتقل روح الوطن الأول إلى هيكل الوطن الجديد المزدهر / اليوتوبيا لتبقى الروح هي الروح على سجيتها الأولى دون تغيير في النسختين .

هذه القراءة لن تتطرق إلى قناعات الكاتب العقائدية، ولا إلى الظواهر التي التقطها من خلال مرشحته الناقدة، ولكنها ستحاول النفاذ إلى الآلية التي استوعبت تلك القناعات وتلك الظواهر وقدمتها للقاريء على شكل لوحة فنية منزهة من أحكام القيمة ومن مفردات اللغة الأيدلوجية الصاخبة والإدانات العقائدية المباشرة لتحولها إلى نص ذي شعرية هادئة وأسلوبية سلسة . والآلية التي أعنيها تتمثل في بناء النص الواحد من مستويين، ينفصلان أحياناً، ويتداخلان أحياناً أخرى من دون أن يفقد أي منهما خصائصه النوعية جراء ذلك التداخل . وربما يكون هذان المستويان هما اللذان عناهما الأستاذ حسب الله يحيى في تقريضه الوجيز على الغلاف الأخير من الرواية دون أن يتيح له الحيز الضيق فرصة أن يتطرق إلى طبيعة ومواصفات المستويين، ورصد أبعادهما الزمنية، وتوزيع المقاطع النصية ما بينهما، والدوافع الموضوعية التي كانت وراءهما، وهذا ما تطمح إليه هذه القراءة .

الصفتان النوعيتان اللتان تميزان كل مستوى عن الآخر هما الزمان والشخصيات، فالزمن في المستوى الأول هو زمن الحدث الذي هو في الوقت ذاته زمن الخطاب، ويمكن أن نفترض أنه زمن الحاضر تمييزاً له عن زمن المستوى الثاني (الذي سنأتي عليه لاحقاً) . وتزمين هذا المستوى يبدأ مع السطر الأول من الرواية برنة الجرس ودخول طالبة الماجستير الشابة سالي إلى بيت الشاعر مسعود مسعود للحصول على معلومات تفيدها في إعداد بحثها الأكاديمي لمرحلة الماجستير عن تجربته الإبداعية . ومن الواضح مما سبق أن الشخصيتين المحوريتين الفاعلتين في بداية هذا المستوى هما الشاعر مسعود والطالبة سالي، ولكن الأمر يختلف فيما بعد إذ مع توالي المقاطع النصية تنزاح سالي إلى ما وراء شخصيات أخرى تمثل دائرة علاقات مسعود الأسرية القريبة، والبعيدة أحياناً مثل ربيعة صديقته في بيروت . وإن كان الزمن في المستوى الأول – وكما بينا أنفاً – هو الحاضر، وسيبقى كذلك دون ارتداد إلى الوراء، إلا أن سير الزمن في المستوى الثاني يبدأ من الوراء باتجاه الحاضر ولذلك تتوالى أحداث هذا المستوى على شكل مونولوجات تسترجعها الشخصية المحورية / مسعود . ومع توالي الأحداث في هذا المستوى وتسارعها وهي تتعاقب زمنياً باتجاه الحاضر، في مقابل تباطؤ وخفوت إيقاع الأحداث وبقائها أسيرة الحاضر في المستوى الأول، تتراجع ظاهرة التعاقب ما بين المستويين وتحل محلها ظاهرة التزامن، ولم يعد لاسترجاع الماضي من ضرورة، وبذلك يهيمن على الرواية مستوى زمني واحد هو مستوى الحاضر الذي يمكن اعتباره ضمن المستوى الأول بدءاً من منتصفها وحتى نهايتها مع استثناءات قليلة لا تتعدى بضع سطور كاسترجاع مسعود ذكرى زواجه وهو يستلقي على السرير في أعقاب زواج إبنه نائل كما في المقطع النصي الخامس والعشرين، حيث يعبر عن شحة المسترجع بعبارة تجمع ما بين شحة خزين الذاكرة وشحة الخطاب (لم يبق من تلكم الليالي والأيام سوى صفحات شاحبة من الذكريات . ص / 159) . أما من حيث الشخصيات فإن ما يميز المستوى الثاني أن أحداثه تدور بكاملها حول واحدة فقط من الشخصيتين المحوريتين، وأعني بها شخصية الشاعر مسعود وفي فلكها تدور كل الشخصيات الثانوية المقربة منه أسرياً، أي باستثناء سالي ودائرة علاقاتها الخاصة . ولهذا الإستثناء دلالاته ودواعيه وذلك لأن بداية زمن المستوى الأول – كما بينا آنفاً - جاءت مع قرع سالي الجرس في بيت مسعود، وتلك آلية غير مباشرة لتزمين المستويين باعتبار أن القرع محدث، بينما البيت / المكان قائم وسابق عليه لذلك من البداهة أن تكون مرحلة ما قبل القرع / المستوى الثاني خالية من القارع / سالي، ومن دائرة علاقاتها بالكامل بالرغم من أن بعض عناصر تلك الدائرة على معرفة سابقة بمسعود مثل ألمشرف على رسالة سالي الدكتور أشرف شاهين .

ولعل الضرورة التي أملت أن تتشكل بنية الرواية من مستويين هو البحث في ماضي المستوى الثاني عن الدوافع السلبية التي أطاحت بتماسك عائلة مسعود وفتتتها إلى قسمين، قسم ما زال يلتمّ حوله في بغداد، وقسم هاجر للعيش في بريطانيا (إبنه وزوجة إبنه وحفيده) . وقد جاء ذلك التفتيت كنتيجة حتمية للفوضى السياسية والأمنية التي أعقبت تشكل السلطة في مرحلة ما بعد الإحتلال . بيد أن البحث في ماضي المستوى الثاني لا يتوقف عند هذا الحد بل يخترق المستوى الأول للكشف عن القوى الإجتماعية الجديدة التي فقست عنها بيوض الإحتلال والتي استفادت من الفوضى وشكلت قوتها السياسية والإقتصادية الهائلة، لنتبين في النتيجة من تلك المقابلة ما بين الزمنين او بالأحرى ما بين المستويين أن الخسائر التي كابدتها عائلة مسعود - وهي كناية للطبقة المثقفة والواعية والمستقرة تاريخياً وأخلاقياً - ما هي إلا نتيجة من نتائج صعود الطبقة التي تنتمي إليها سالي وعائلتها، وهي على العكس من العائلة الأولى كناية للعوائل الطارئة وحديثة النعم والمنحطة ثقافياً وقيمياً التي جاء بها الإحتلال ومكنها من الصعود .

ينساب نهر الرواية عبر دفق من الأمواج / المقاطع النصية غير المرقمة أو المعلمة، والمفصولة عن بعضها بسلسلة ثلاثية من النجوم . ويبلغ عدد المقاطع النصية أربع وأربعون مقطعاً تتباين عن بعضها في الأطوال، فما بين مقطع لا يتجاوز طوله نصف الصفحة إلى آخر يتجاوز الثلاثين صفحة كما في المقطع النصي السابع والعشرين المحصور ما بين الصفحتين (134 – 162) . وتتوزع المقاطع النصية على المستويين كالتالي :

- المقاطع النصية المنتمية للمستوى الأول / 38 مقطعاً نصياً

- المقاع النصية المركبة من المستويين / 6 مقاطع نصية

ويلاحظ عدم تخصيص أي مقطع نصي بالكامل للمستوى الثاني لأن استرجاعاته جاءت أصلاً ضمن سياق أحداث المستوى الأول . وإن كان تخصيص المقاطع النصية بالكامل لمستوى واحد ليس بحاجة إلى تسويغ، إلا أن أغلب المقاطع النصية المركبة جاءت ضمن سياقات محددة وبدوافع ومسوغات سنتطرق إليها لاحقاً .

اما التبئير في الرواية، فعادة ما يتم في المستويين من خلال الراوي المفارق الذي يُبقي رؤيته من الخارج، ويبلغ السرد البراني ذروته حين يحجم الراوي المفارق حتى عن رصد الظاهر ويلجأ إلى توريط المروي له في ذلك باستخدام (لو) الشرطية كأداة امتناع لامتناع مما يعني مسبقاً أن باب الرصد والتوصيف لم يكن مغلقاً أمام الراوي فحسب بل هو كذلك أمام القاريء أيضاً (هاتف سالي وقال لها أنه مشغول هذه الأيام بمشاغل عائلية يتعذر عليه معها أن يستقبلها في مكتبته، ففوجئت بما قال، ولو كان أحد إلى جوارها تلك اللحظة لانتبه إلى أن الشحوب لوّن وجهها باصفرار فاقع . ص / 134) ومع ذلك فالشخصية الهلامية المفترضة المعبر عنها بمفردة (أحد) والتي أراد الراوي إشراكها معه في تبئير المشهد لم تنجز المهمة لأنها غائبة أصلاً، ولكن الراوي أوهمها بقدرتها على ذلك فيما لو كانت تلك اللحظة حاضرة إلى جوار سالي .

، أو قد يتم التبئير من خلال متحسسات مسعود التي تلتقط على غرار الراوي الإنطباعات المقابلة من دون ان تتجاوز الظاهر او أن تدعي العلم بأكثر مما تعرفه الشخصيات، ولذلك تظل الحيرة وعدم التقدير الدقيق والوقوف عند حدود المعلن وعدم إحراج الآخر بكشف كامل أوراقه هي سمات مسعود التبئيرية والتي عادة ما يعبر عنها بصيغة تساؤل داخلي أو يبقيها ضمن حدود الاعتقاد الذي ربما يعني الشكّ (فساوره شيء من الشكّ حول سرّ هذه الإبتسامة الماكرة المتبادلة . ص / 93) أو (فانتهزت الأمّ وإبنتها فرصة غيابه في المطبخ وصارتا تتهامسان حتى إذا عاد قطعتا ذلك الهمس فصار في اعتقاده أنهما تعدان شراكاً خفياً ربما للإيقاع به . ص / 93) بل أنه حتى حين يخمن الاحتمال المرجح يحتفظ به لنفسه ولا يكشف عنه للراوي المفارق الذي ربما سيسارع لكشفه للمروي له / القاريء، وهذا ما يرشح من حديثه المقطوع مع أم سالي وهي تشكو إليه عجز زوجها الذي من الواضح أنه عجز جنسيّ :

- أنا حزينة على زوجي العزيز

- لماذا لا سمح الله ؟

- إنه عاجز . أتعرف ماذا يعني ذلك ؟

فأدرك ما تقصد فلم يردّ على سؤالها .

ص / 96)

بيد أن هذه السمة التبئيرية المخصوصة بمسعود لا يعبر عنها بصوته، بل هي تنتقل إلى الراوي وتجيّر له، ليعبر عنها بصوته ما دام هو الصوت الوحيد (المقروء) :

- سأل نفسه، هل كان ضرورياً ان يتيح لها فرصة رؤية مشهد الإلتحام الجسدي . ص / 48

- نظر إليها حائراً . ص / 51

- تمعن بها جيداً، هل هذه نسرين التي كان قد قد التقاها قبل سنوات ؟ خانته الذاكرة في أن يسترجع صورتها الماضية التي لا يعرف عنها شيئاً، ولم يُتح لصورة الحاضر التي هي عليها الآن أن تمنحه انطباعاً جيداً عنها . ص / 77

- لا يعرف حتى الآن سبباً لإلحاح سهير في التعبير عن رغبتها في المجيء إلى بغداد . ص / 83

- لم يسألها عن السر الحقيقي وراء ذلك لأنه لم يشأ إحراجها . ص / 87

وأحياناً يُدرك مسعود ما وراء الظاهر، لكنه يصرّ على أن يبقى على السطح تاركاً للآخر الذي يشترك معه في ذات المشهد ان يكشف له ما يستبطن (لم يصعب عليه ان يفهم ما تقصد لكنه تظاهر بأنه لا يعرف ما تقصد . قال :

- ماذا تقصدين ؟

- ضحكت ساخرة :

- غشيم المسكين

ص / 81)

وفي محاولة لتفكيك بنية المقاطع النصية المركبة من المستويين نختار ألمقطع النصي العاشر كنموذج نوعي، وهو من المقاطع الطويلة ويمتد عبر المسافة ما بين الصفحتين (46 – 77) وفي هذا المقطع سنجد أنّ التمييز ما بين المستويين يتعدى عنصري الزمن والشخصيات إلى المظهر الطباعي بالحروف السود الفاتحة للمستوى الأول والبارزة للمستوى الثاني – حسب تعبير الأستاذ حسب الله يحيى - وبالحصر ما بين قوسي الابتداء والختام للمستوى الأخير . والملاحظ على هذا المستوى (الثاني) في هذا المقطع النصي أنه يتوافق زمنياً مع المستوى الأول، ولكنه يختلف عنه بتخصيصه بالكامل لمسعود وسهير زوج إبنه .

إن انسلال سالي ومرويتها من هذا المستوى بالكامل وحضور سهير الموهوبة من دون ادعاء ولا طموح هو حضور تعويضي عن الموقع الجديد الذي تحاول سالي المدعية فرضه على مسعود . ويلاحظ أن التداخل ما بين المستويين قد دفعت إليه ظروف موضوعية وليست فنية فحسب، فانقطاع التواصل السردي ما بين سالي ومسعود بعد إكمالها الفصل الأول من دراستها من جهة، ومن جهة أخرى اضطرار مسعود إلى المكوث في البيت تلافياً لمفاجآت الاضطراب الأمني وعدم الاستقرار في الشارع جعلا مستوى مسعود / الثاني قابلاً للانفتاح على شخصية تعويضية من ضمن دائرة علاقاته الأسرية يكمل معها جزءاً من مستواه السردي الخاص، وهذه الشخصية هي سهير .

يتعاقب المستويان في هذا المقطع النصي على سبع مراحل وكالتالي :

ألمرحلة الأولى : مكونة من بضع سطور من مروية المستوى الأول إمتدت على جزء من الصفحة (46) .

ألمرحلة الثانية : مع انتهاء المرحلة الأولى، ومع بداية سطر جديد، إنفتح عند منتصف الصفحة 46 - وبعد علامة تنصيص ممثلة بقوس إبتدائي – فضاء المستوى الثاني، لينتهي مع غلق القوس عند منتصف الصفحة 51 .

ألمرحلة الثالثة : تنتمي إلى المستوى الأول وتبدأ من منتصف الصفحة 51 بمكالمة هاتفية ما بين مسعود والمشرف على رسالة سالي الدكتور أشرف (والأسم هنا له دلالة معاكسة ومتوافقة في وقت واحد، فهي معاكسة لأن الرجل يفتقد سلوكياً للنزاهة الأخلاقية والشرف الأكاديمي، وهي متوافقة مهنياً مع الرجل لأنه المشرف على رسالة سالي للماجستير) . وتنتهي هذه المرحلة عند الثلث الأخير من الصفحة 55 .

ألمرحلة الرابعة : وتنتمي إلى المستوى الثاني، وتبدأ من الثلث الأخير من الصفحة 55، وتنتهي مع السطور الأخيرة من الصفحة 71 .

ألمرحلة الخامسة : وهي ضمن المستوى الأول، وتمتد بدءاً من نهاية الصفحة 71 وحتى منتصف الصفحة 73 حيث يتداخل المستويان الأول والثاني عبر رسالة استلمها مسعود من زوجة إبنه المهاجر سهير تعلن له فيها ولادة شخصية سردية جديدة هي مسعود الحفيد التي لن تكون لها فعالية سردية بينة، لكن لوجودها سيكون أثر على فعاليات الشخصيات القريبة منها (الجد / الأم / الأب) كما أن وجودها الهامشي شبه المعطل سيكون سبباً في استنبات وتفعيل شخصية أخرى هي الفتى وسام الذي يُعنى به ويدفع عربته، مما يعني أنه بإمكان الشخصيات الهامشية أيضاً أن تستبطن طاقة سردية مؤثرة على فعاليات الشخصيات المحورية .

ألمرحلة السادسة : إن استلام مسعود للرسالة ضمن أحداث المستوى الأول – كما ورد في المرحلة الخامسة آنفاً - أحدث حالة استرجاع ردته إلى زمن سابق حُصر ما بين قوسين ضمن أحداث المستوى الثاني بدءاً من منتصف الصفحة 73 وحتى نهايتها .

ألمرحلة السابعة : وهذه المرحلة تنتمي للمستوى الأول، وتبدأ بالسطر الأخير من الصفحة 73 من دون أن تكون هناك علامات تنصيص، فالمستوى يكشف عن نفسه من خلال تخصيصه لشخصيتي مسعود وسالي . وتنتهي هذه المرحلة مع انتهاء المقطع النصي في الصفحة 77 .

وفي حين تصبح المقاربة ما بين موقع سالي أمام سهير لدى مسعود أقرب إلى المقارنة غير المتكافئة التي تميل فيها الأرجحية نحو الثانية، تبرز مقاربة أخرى هي أقرب إلى المقارنة المتكافئة، ولكنها هذه المرة مقصودة بتعمد ما بين رؤيتين في موضوعة إشكالية واحدة لشخصيتين أولاهما حاضرة، بالرغم من أنها شخصية تخييلية، والثانية غائبة، بالرغم من أنها تاريخية . ألرؤية الأولى تنتمي إلى سهير، والرؤية الثانية هي رؤية الكاتب ذاته (ناطق خلوصي) الذي – بالرغم من تعمد إغفال إسمه - حضر من خلال التذكير برواية سابقة له هي (تفاحة حواء) بيد أن حضوره هذا ضمن فضاء تخييلي كان محاولة لإيهام القاريء - الذي لم يطّلع على أعمال الكاتب السابقة - بأن تلك الرواية هي أيضاً عمل تخييلي لكاتب مفترض . أما الموضوعة الإشكالية فتتمثل بتجاوز المحددات العرفية للحب . وفي هذه المقاربة تتوافق وتتكافأ الرؤيتان بالرغم من أن سهير لم تؤكد ذلك خطابياً، بل أكدته سلوكياً .

وقد يطرأ ثمة انحراف عن مواصفات المستوى الأول مع بقاء مواصفاته الأخرى دون أن يتسبب ذلك في إحالته أو ضمّه تلقائياً إلى المستوى الثاني، ولعل أبرز تلك الانحرافات خلو هذا المستوى من إية إشارة عن سالي كما في المقطع النصي الثالث عشر (ص / 83) ولكن الحالة ستتكرر فيما بعد حتى لتوشك المقاطع النصية أن تخلو تماماً من فعل لها أو ذكر، حيث تبدأ الشخصيات بالانتقال من المستوى الثاني إلى الأول، وبانتقالها يتوحد زمنا المستويين وتتلاشى آلية الإسترجاع ويهيمن المستوى الأول على كامل بنية الرواية بدءاً من ثلثها الثاني حتى نهايتها . وبغياب سالي ظلت الملامح الأخرى للمستوى الأول مستقرة وتشير إليه، فأحداثه تدور بالفعل في الحاضر ولا تُسترجع من الذاكرة كما هي حال أحداث المستوى الثاني بالرغم من الشخصيات المشاركة لمسعود في هذا المقطع جاءت معه من الماضي مثل سهير ووائل، وهاتان الشخصيتان لم تنبتا فجأة من الحاضر كما نبتت شخصية سالي في مروية مسعود . وقد ورد المقطع النصي الثالث عشر بحروف سود فاتحة تمييزاً له عن المستوى الثاني ذي الحروف السود الغامقة وتأكيداً لانتمائه إلى المستوى الأول الذي أشرنا إليه . واللافت أن ما يميز هذا المقطع النصي عن سواه أنه يتضمن قصيدة من الشعر الحر (قصيدة تفعيلة) من (مخبون المتدارك) للشاعر مسعود وما إدراج القصيدة سوى تأكيد لصفته كشاعر . وفي القصيدة إحالة إلى (بستان الياسمين) الذي تحول إلى (بستان الورد) نزولاً عند ضرورات الوزن الشعري . ولعل ملامح يوتوبيا المثقف الذي حلم بها مسعود تتجلى في هذه القصيدة من خلال عكس مواصفات الإنسان / الشاعر على البستان / اليوتوبيا، والمكان / اليوتوبيا على الشاعر فكلاهما صورة للآخر، وكلاهما يعيش داخل الآخر، بينما تقف المرأة / سيدة بستان الورد بينهما متنعمة بما يغدقه عليها كلاهما من ألفة وحب . ولأن الشاعر أحد أطراف ثلاثية (اليتوبيا / المرأة / الشاعر) أذن لا بدّ من حضور طرف رابع معه لم يفارقه منذ أن جهر أول بلبل بالغناء وهو شيطان الشعر، ولكن حضور هذا الطرف في بستان الياسمين لم يكن من أجل الإنضمام إلى الشاعر أو من أجل أن يكون – كما عُعِد عنه – أداته الطيعة المنفذة لمؤامراته اللغوية، ولكنه جاء ليخضع لإرادة المرأة ويستسلم لإغوائها (أيليق بسيدة أن تسهو وتغازل شيطان الشعر . ص / 85)

ينفتح المقطع النصي العشرون على شخصية ملتبسة هي ربيعة العراقية التي تدير بيتاً للدعارة في بيروت، والتي التقاها هي وإبنتها ميس - بعد غياب سنوات طوال - خلال سفرة له إلى لبنان لتنفيذ مشروع ثقافي . وبالرغم من ان مهنة ربيعة تتعارض مع قوانين البلد الذي لجأت إليه، إلا أن مسعود لم يجرأ – بالرغم من مبدئيته – أن يتوافق مع القانون ويصفها بما يتعارض مع عواطفه وغرائزه الإنسانية، وظل يتعامل معها بحميمية وألفة . لقد خرجت هذه الشخصية الديناميكية بالحدث من الإطار الذي رسمته علاقات مسعود، إلى إطار آخر كشف خلاله عن جانبه العاطفي الخفي الذي ظل يواريه عن القاريء، بل يتخذ منه مصدات في مواجهة اندفاعة سالي أو أمها أو نسرين . بيد أن يقظة ضمير ميس التي تعمل مومساً في ماخور أمها ما لبثت أن غطت على الجانب الذي كشفه مسعود من شخصيته، وأوقفت اندفاعه الغريزي والعاطفي وأعادته من جديد إلى مبدئيته القيمية والأخلاقية وذلك بإثارتها معه قضية لم يكن يحسب لها حساباً، أنها قضية التطهر من رجس الواقع الذي تعيشة والمهنة التي أجبرت عليها . بيد أن المباشرة التي انطوى عليها طرح ميس أخفت في طياتها المزيد من الإيحاءات الرمزية، فقد ربطت موضوعة التطهر بالعودة إلى الوطن، وبذلك، ومن حيث لا تدري صار الوطن بالنسبة إليها هو المطهر . ولعلّ الإلحاح على التطهر / العودة سيكون أكثر صدقاً عندما يكون المَطهر / الوطن هو في الحقيقة جحيم يهرب منه أبناؤه / المطهرون ومنهم إبن مسعود الكبير وائل الطبيب الجراح . أما مسعود الذي جاء من مطهره في بغداد متلبساً مسوح القديس ليلقي نفسه في أتون الخطيئة في بيروت، فقد وجد نفسه يعود إلى دوره الأول من جديد ليؤدي دور القديس وليلبس مسوحه الذي خلعه، أي صار لزاماً عليه أن يسند رغبة المخطيء / ميس بالتوبة / العودة إلى الوطن، وبذلك وجد أن توافقه مع أمها تحول إلى تضاد وصِدام أنتهيا بإصراره على تحكيم قيمه ومبادئه في حل الإشكال من خلال احترام رغبة ميس من جهة، ومن جهة أخرى من خلال موافقته على الإعتراف بأبوته للجنين الذي تحمله ميس في أحشائها إذا ما أثبتت التحاليل أنه من صلبه . وقضية ارتباط فكرة التطهر بالعودة إلى الوطن تقابلها فكرة أخرى معاكسة هي ارتباط الخطيئة بمغادرة الوطن . وإن كانت الفكرة الأولى قد أثارتها رغبة ميس بالعودة، إلا أن الفكرة الثانية المعاكسة هي ما يمكن أن يرشح عن تمحيص قضية أمها . فقد كانت في وطنها سيدة محترمة (تجمع بين الفتنة والفطنة والجرأة وحسن التدبر . ص / 106) إضافة إلى أنها (أرملة ضابط استشهد في الحرب . ص / 106) ولكنها بمغادرة فضاء المطهر / الوطن غادرتها طهارته أيضاً فتحولت إلى شخصية أخرى مغايرة .

وكما ورد آنفاً، فارواية بدأت بفعلين يرتبط أحدهما بالآخر ويكمله (قرع / الجرس) و (فتح / الباب) الفعل الأول ارتبط بسالي، والفعل الثاني بمسعود . والفعلان لهما دلالات إيجابية في الفولكلور العراقي والذاكرة الشعبية، فكلاهما يختزنان معاني البشارة، أو المفاجآت السارة، إلا أن صيرورة الأحداث لم تؤكد إيجابية تلك المعاني دائماً، وذلك لسلبية الحافز الدافع لفعل الطرق من قبل الطرف الأول، فقد تبين أن سالي لم تكن سوى الوجه الجميل والمخادع للفساد، على عكس مؤدي الفعل الثاني الذي احتفظ بإيجابية فعله الأول حتى النهاية ليشهد في الختام انتصار إيجابيته ممثلة بنجاحه في إنشاء يوتوبياه / بستان الياسمين والإصرار على المحافظة عليها، وعدم التخلي عنها للطارئين . وهذا الموقف الصلب والمتماسك ترميز لإصرار المثقفين الحقيقيين على عدم التخلي عن مواقع الريادة – لمن لا يستحقها – في اليوتوبيا التي يحلمون بها . وبينما كان مسعود يشهد انتصار إيجابيته، فهو على الضفة الأخرى سيشهد اندحار ثلاثي السلبية الممثل لكل أشكال الفساد من خلال :

- إحالة والد سالي للتحقيق بتهمة سرقة المال العام، وإصابته بالشلل قبل مثوله أمام المحققين، وهذا المآل لهذه الشخصية الإشكالية هو ترميز مركب لاندحار كل أشكال الفساد في المؤسسة الرسمية (المالي والإداري بل والسياسي أيضاً) .

- هروب المشرف على رسالة سالي للماجستير إلى جهة مجهولة، وهروبه هو رمز لاندحار الفساد في المؤسسة الأكاديمية .

- فشل سالي في مناقشة رسالة الماجستير، وهي الرمز الجامع لكل أشكال الفساد التي يمثلها أبوها والمشرف على رسالتها معاً .

وعلى عكس البداية التي شهدت حضور سالي وفرضها وجودها المزيف على الواقع الثقافي ممثلاً ببيت مسعود بتوسط من شخصية مزيفة وطارئة هي نسرين، تشهد الخاتمة انسحاب سالي التام من حياة مسعود الثقافية والإبداعية لتبقى يوتوبياه خالصة له، ولصفته الحقيقية المقرونة به / ألثقافة .

 

ليث الصندوق

.....................

(*) رواية (بستان الياسمين) ل - ناطق خلوصي – دار ميزوبوتاميا للنشر والتوزيع - 2018

 

كاظم نعمة اللاميمقالة نقدية للعرض المسرحي (مازال فك الحمار محمولا)

مقدمة: العرض المسرحي عموما وهذا العرض الذي نحن بصدد تحليله ما هو الا حدث ثقافي متعدد الثمار يتجاوز اطار الخشبة دائما لتحط رحاله بين كراسي النظارة لما حوته من دروس قيمية معرفية غايتها بث الكمال في المتلقي ونيل الخلود مع تجاوزها حدود هذه البناية المسماة المسرح الى الواقع المرئي المعاش كثقافة عامة لها القدرة على احداث التغيير المنهجي والسلوكي والفكري.. هكذا عروض قبل كل شيء غايتها الاولى خلق جمهور متحضر انيق التلقي يهتم بالتوعية الاجتماعية والسياسية متعلما الرفض لقوى الظلام المحلي والعالمي بأسلوب مقارب لمسرح القسوة في تجلياته الفكرية ومحايثاته التطبيقية.

النبش في المومياء حرام الا في الآداب والفنون.. فهو نبش في المسكوت عنه، وهو طريق لكشف الحقائق بمتعة رائدها ونجمها الاوحد هو التلقي المعرفي. وهذا ما درج عليه العميدي مسرحيا بتناوله شخصيات اسطورية، او تاريخية برمزية مشعة بالدلالات. مستثمرا هذا الجواز باستنهاض تلك الشخصيات الفاعلة من سباتها، ودعوتها لمشاركتنا حياةً واقعية نعيش فصولها كل حين، مع تمريره لثيمات متعددة هي تلخيص لما يعتمل صدره.. بل هو موقفه الصريح من ما يجري مسطرا اياه على خشبة المسرح بكل شجاعة ومسؤولية. وتحقيق ذلك يتأتى من خلال استنطاق الماضي وكأن العميدي يجري لقاءً صحفيا مع اساطيره بسؤاله الجوهري ما رأيكم بما نمر به.. او استنطاق تحقيقي وسط محكمة لا تهادن.. تراجع مواقف تلك الاساطير بطريقة الترشيح والتقطير .. لننتهي بصورة مكعبة تحمل عدة صور، عدة علامات، عدة رؤى، عدة مواقف تجمعها المتعة والجمال. معلنا عن نفسه اي العميدي مؤلفا ومخرجا يشار له بالبنان فهو المستحوذ الطقسي الغنائي الساحر.. ووفقا لمغامراته المحفوفة المخاطر فهو يبدو ضاربا بعرض الحائط اي محاكمة انفعالية استفزازية له من ورثة الفكر والنسب لتلك الشخصيات باتهامه الواضح بجريمة نبش المومياوات وتجريدها من اكفانها وتهميش قدسيتها لأنه مؤمن بكشف الحقائق واسقاطها على الواقع بعملية جراحية مشرطها الاحتراف والمهنية والانصاف.. وهذا امر طبيعي تماشى مع عقيدته وهيئته الراسخة بأن لا سلطة تعلو فوق سلطة المسرح.

العنوان

بدءً ننطلق من العتبة الأولى التي ينفذ منها المتلقِ الى اجواء العمل والغوص في احداثها ألا وهي عتبة العنوان. فهو اي العنوان جزء لا يتجزأ من العمل برمته.. حتى ان البعض عده ملكية فكرية لا يجوز تجاوزها او التجاوز عليها بتوأمة او ما شابه في اعمال اخرى والا اتهم بالسرقة وليس بالتناص. كما انه يأتي تلميحا دلاليا يشي بنوع استخباراتي منتج من عملية ارسالية بتسريب المعلومات المقننة لغايات سيميائية هدفها تفكيكي يخدم المتلقي في نيله المعرفة بنفسه واين يضع قدمه المكتشِفة في هذه الرحلة الغامضة من عمر العرض.

يقول (امبرتو ايكو) العنوان قاعدة .. عليها ان ترن دائما وتخلخل الافكار لدى المتلقي حسب معرفته وثقافته ، حيث يتباين افق التوقع من انسان لآخر.

((مازالَ فك الحمارِ محمولاً))

في هذا العنوان الغامض للوهلة الاولى هناك الكثير من الاضاءات الانثربولوجية والميثولوجية والسيسيولوجية نجدها ماكثة في طياته والتي تساعد المتلقي في فهم العرض وتحليل مبانيه وكشف بؤره وغاياته ما إن نغوص عميقا في تلقي الاحداث وخاصة عندما يرد اسم هابيل فيحيلنا العرض على موقعة تاريخية انسانية شارحا كيفية قتْلِ قابيلٍ لهابيلٍ بفك حمار نافق.. ووفقا للنقل التاريخي المقروء لنا او ما نقلته لنا الإحفوريات القديمة المتوارثة نجد ان اللغط والمواربة والغموض يكمن في تحديد حقيقة مرجعية فك الحمار ومن هنا يتكشف لنا البعد الميثيولوجي والانثربولوجي في طبيعة العنوان وتفكيك غاياته بتأصيل هوية العرض شرط ان يكون المتلقي واعيا عارفا فاهما قصة هابيل وقابيل وملما بحيثيات الجريمة .. اما البعد السيسيولوجي وكما نعتقد ونرى وجدناه يكمن في حقيقة عاشها الجميع وعرف طبيعتها بخصوص فك الحمار او فك الخراف التي تلبست البعض ممن يريد ان يمارس دورا شريرا في الحياة بتبني صورة وهمية من حمله سلاحا فتاكا. ففك الحمار او الخروف يشبه بشكل او بأخر التشكيل الهندسي للمسدس والذي يعطي الانطباع بالعدوانية والرغبة في الحرب كما لمسناه في طفولتنا وشبابنا بمحاولة البعض لإثارة الرعب في الاخرين بوضع فك الخروف او الحمار تحت طيات ثيابهم ليبدو كمسدس يرهب الناس به وهي من عادات عديمي الثقة بأنفسهم وهم فعلا مازالوا يسودون بكثرة مع تغير الحكام والسياسات فتراهم يتوالدون بتناسخ عجيب.. وهذا الفك الموبوء يقارب طبيعة فك الحمار المستخدم في قتل هابيل حيث نتلمس في كلتا الصورتين تحذيرا من ان الشر مازال سائدا نتيجة لسيادة قوى الظلام، كما ان حامله قد يكون جبانا رعديدا وهو كذلك بالفعل لان غاياته لا تناسب الشجاع الشريف فهوية هذا الفك وتأريخه تشي بالانحدار الاخلاقي المقيت .. كما ان لفظ الحمل للفك هو تبيان الاستعداد الكامل لصاحب الفك واستمراءه واستمراره بفعل الشر وبالتالي هي رسالة من قبل العميدي ورفاقه من خلال العنوان كما قلنا بسيادة قوى الظلام الظالمة الجبانة المحرضة قبلا وبعدا على تبني استمرارية الحمل للسلاح الجبان للنيل من الكيانات المستقيمة.

ثيمة العرض الفكرية

مع فتح الستارة اطل علينا رجل عربي محلي انتصب في وسط مقدمة المسرح وانتزع عباءته وفرشها امام الجمهور بإيحاء رمزي مهم بان ما ستشاهدونه عراقي خالص المعاني سأقصه عليكم بطريقتي الخاصة هذا من جهة مع اشارة الى ان هذا العرض هو حكاية سأسردها عليكم ربما مرت عليكم كحكاية من الماضي او انها حكاية توقعات مستقبلية ستفاجئكم نهايتها. ثم في الختام عاد الرجل نفسه فارتدى عباءته من جديد وخرج مما يعني ان الحكاية ستنتهي هناك عند يقظة كلكامش ومبادئه.

انطلق الصراع الكلاسيكي المعتاد بين معسكري الوجود الانساني معسكر ألف ومعسكر باء الماشيان بسرعة قطار باتجاه شهوة الحياة بتفعيل الثنائيات المتضادة .. الخير والشر، القوة والضعف، الحرب والسلام، الخلود والعدم، الرجاء واليأس، النصر والهزيمة بمقتربات رمزية لها سطوة في الذاكرة الجمعية التاريخية اجتمعت فيها كل هذه الثنائيات حيث تبنى كلكامش الاسطوري الموغل بالقدم بمعية كل رموز الحق والخير والايجابية المعسكر الف.. وتبنى ومثّل الغريب الحقيقي الواقعي الموشى بالغموض الواضح فكرا وسلوكا الماكث بقوة في حيثيات الحياة المعاشة المعسكر باء. لذلك اطلت علينا بيئة العمل بوجود شخصيات تحيلنا لزمن معين قرأنا احداثه على صفحات الورق تمثل بكلكامش الرمز العلوي السماوي الذي كما اسلفنا تبنى الخير سيرة بمواجهة رمز متسافل واطيء تبنى الشر سيرة تمثل بشخصية حداثوية بل ما بعد الحداثوية شخصية معاصرة ترتدي البدلة الحديثة كزي مفجر لعلامات قصدية.. فقد قرأنا عنها وعشنا تفصيلات تسافلها وهي اشارة الى الشيطان الاكبر والقوى الاستعمارية الممتهنة سيرة القمل في امتصاص دماء الشعوب. وقد احسن الكاتب في ادارة هذا الصراع من خلال قفزة اتت كقوة تحويل استثنائية انتجت تشنجا هدفه ايقاظ الجمهور مفاد هذه القفزة ان هناك من ينفخ في الرماد وهو تحرير وايقاظ الغريب لمومياوات قوى الشر والضلالة التي تصدرت واجهتها شخصيات انتحلتها شخصيات اسطورية اخرى تناسب فعلها الموغل في الانتهاك الا وهي شخصيتا (قابيل) و(خمبابة) اللتان اصبحتا بحركة بسيطة لكنها حذرة من قبل الرجل الغريب ادوات طيعة بيده في محاولة الاستئثار بعشبة الخلود التي فقدها كلكامش على يد الافعى رمز الشر الذي يترحم الناس على زمنها الاقل شرا من زمن الغريب الذي سرق تلك العشبة منها وهي اشارة الى زمنين عاشهما العراقيون زمن الطغيان الصدامي وزمن قادة ما بعد 2003الذين احرقوا الاخضر واليابس فجميعهم اي الازمان الاربعة متهم بالسرقة والاستطالة الطاغية مع اشارة خفية من قبل الكاتب بسذاجة الخير والحق المتمثل بكلكامش بتهاونه مع الافعى سلفا .. مع تأطير هذه الشخصية التي تنعقد عليها الآمال بالخلاص من الغريب بالسبات المطلق الذي اكده اطلاق حرية عناصر الشر قابيل وخمبابة دون ضجة او معوقات من كلكامش ورفاقه.. وكما ورد في المثل الشعبي المصري .. "قال يا فرعون إيه اللى فرعنك؟ قال ملقتش حد يلمنى" . لكن حقيقة الاشياء تقول غير ذلك من خلال انفجار خطوط الصراع الذي اداره المخرج معلنا عن مسرح تشكيلي اعتمد على قدرة السحر والميتافيزيقيا باستخدام ادوات تمثلت بالهدوء المرافق لكلكامش هدوء الواثق المعتد بنفسه وقدراته، بالعكس من التشنج الراسخ في الفعل لدى الغريب.. مع تلازم ثنائية العلو والانخفاض في مواقع المركزين.. وكذلك باستدراج الشخصيات الاسطورية لإفراغ ما بداخلها من هواجس تعكس التضاد الذي انبثقت منه كل المواقف الحادثة بعد تحرير قابيل وخمبابة، فضلا عن العربة المزودة بالسلالم والالواح الخشبية التي اججت الصراع بجمالية كبيرة مع وسائل الهجوم والدفاع اليدوي التي امتلكها الجميع ، حيث تأكد ما سبق بتنشيط المنشأ الحركي للأجساد بتثوير الملكات الفيزيقية الجسدية للممثلين....بمخيلـة فاعلة تفسيرية وتأويلة لجميع الصور الكامنة والجلية للعرض وقد اثرى الصراع العام والدفع به نحو الذروة بشكل متسلسل انسيابي هو تلك الوسائل الحوارية المشعة بفلسفة وان بدت كامنة الا انها اتت اكلها بدعم العرض من خلال المكونات السيميائية للصورة المسرحية عامة على مستوى البنية والدلالة والوظيفة مع ايقاظ للمتلقي تأكد من خلال التفاعل داخل صالة العرض.

الغريب: (العشبةُ لي/بحثت عن الأفعى ولاعبتُـــها وسرقــتُ العشــبةَ منهــــا/ وها أنا ذا أبدلُ جلدي من يومها/ إذْ ليس هنــاك مــنْ هــو أحـــقُّ مني بالخلـــود (باستهزاء) كلكامش/ كلماتٌ سُطِّرت على لوحاتٍ طينيةٍ زائلة). وعند محاججة كلكامش بانه ورفاقه يبحثون عن السلام رد عليه بإدانة ربما تكون مقبولة من جهة احتجاجية وتحسب للغريب.

الغريب: أيُّ حكمــةٍ وأيُّ ســلام؟ أتقتــلُ خمبابـا الحارسَ الأمين وتدَّعي الســـلام؟ أتلومُ قابيـلَ الرقيق.. وتدَّعي الحكمةَ والسلام؟ أتقتلُ الثورَ السماويَّ الذي خلقته الآلهة وتدَّعي الإيمان؟

كلكامش: لا عودةَ لطريق الصواب، فطريقُ الحقدِ والحسدِ تمَّتْ برمجتها ثانيةً.

هنا اشارة واضحة لحصر ابجديات الغريب بأمريكا والقوى الاستعمارية في أوربا حيث وردت كلمة برمجة بقصدية وغائية واضحة وهي كلمة حديثة ملازمة للتطور التكنلوجي في هذه الدول المعروفة بإدارتها الازمات في العالم وهو اعلان واضح من قبل كلكامش بان ما يجري من عولمة بخلق سيناريوهات القلق العالمي مبرمج لها وفق قاعدة تكنلوجية دقيقة متقدمة تعكس جهد الاف السنين. وفي هذا الحوار ما يؤكد ما ذهبنا اليه...

قابيل:  وأنا سأنفذُ ما تأمرني به على أنْ يشفى غليلي.

الغريب:  برمجتُك ستعطيك ما تريد. اجمع فكـوكَ الحمير/ فقد آن أوانُـها.

هذا هو اتجاه البرمجة القاضي بتفعيل الحمل للفكوك وملء العالم ظلما وصخبا واحترابا. ومن هذه البرمجيات القصدية التي تحول الحق باطلا والباطل حقا هو الترويج الاعلامي والبكائيات ذات الغايات المنحرفة لتحويل انظار الرأي العالمي باتجاه معين كما في هذا الديالكتيك لخمبابا وهو يقول..

خمبابا: اليوم سأحققُ ثأري.. وأنتقم ممن قتلني ظلماً.

خمبابا يدعي انه قتل ظلما اذن هو شهيد وفي العرف العام للشهيد بأنه قابل للرجعة للانتقام ممن قتله وهكذا هو منهج قوى الضلالة التي تريد النيل من قوى السلام بطريقة قلب الحقائق... لكن انكيدو المتهم بقتل خمبابا رد عليه بنفس منهجه الاعلامي

أنكيدو: كنت تستحقُ القتل لأنك تدافعُ عن منطقة أشجارٍ خضراء تسكنُها آلهةٌ مزيفة.

ومن هنا افصح انكيدو عن حقيقة مفادها ان القدسية التي يدعيها الغريب والتي تترجم في ايامنها هذه السلطة الغاشمة للشرطي العالمي المتمثل بأمريكا بانها قدسية الالهة المزيفة وهذا ما يريد كشفه العميدي رغم اكتشافه سلفا للعامة لكنه نوع من التثوير لشعوره بان السبات نال من الجميع. ووفقا لهذه الجدلية التي اطلقها انكيدو تشجع كلكامش ليكشف عن حقيقة الغريب بشيء من الوضوح.

كلكامش: الآلهةُ المزيفةُ تلبس ثوباً جديداً في كلِّ زمان.

خمبابا: إذا كانت الآلهةُ مزيفة؟ لمَ لمْ تقتلْها بدلاً من قطعِ الأشجارِ التي أحرسُها؟

أنكيدو: لم يكن هدفنا قتلُك/ لكنك تعترضُ طريقنا.

كلكامش: في كلِّ زمان يظهر خمبابا مدافعاً عن الآلهةِ المزيفة.

هنا يرتفع بنا العميدي لتأكيد حقيقة محترمة رائدها الانسان الذي لا يجيد الا التصفيق.. الانسان الجاهل الذي لا يعي ما يدور حوله الانسان المستنسخ بولادات مشوهة فتلبس روح خمبابا للدفاع عن الرموز السلبية بوصفها الهة مزيفة وهي حالة نعيش فصولها بواقعية مؤكدة وخاصة في ايامنا هذه فثقافة القطيع تعلن عن نفسها بقوة.

خمبابا: رأيتُكم تقطعون الأشجارَ فمنعتُكم.

يعود خمبابا لدوره الاعلامي في تسقيط الاخر بطريقة فجة لتحويل الانظار لمظلوميته المزعومة.

أنكيدو: مازلت تتلبسُ الخدعةَ لتظهرَ بمظهر المسكين، كنت تعرف جيداً هدفَنا لكنَّ غرورَك دفعَك لقتالِنا.

اعتمد كلكامش على خاسرين اثنين وهما هابيل وانكيدو فبدا معسكره يعاني الضعف مما دعاه للاستمرار كعادة الثوار الخاسرين بترجيح لغة العزف على الروح المعنوية دون امارات حقيقية هذا من جهة.

كلكامش: (لانكيدو وهابيل) لايغرنَّكم ضجيجُهم ونباحُ طبولِهم/ فالقوةُ في الشجاعةِ لا بالعدد.

ومن جهة اخرى محاولا بحنكة القائد استثمار هذه الروح في احداث الفارق .. اي نعم هو يتحدث مسرحيا الى انكيدو وهابيل لكن واقعيا يتحدث الى المواطن الذي اهتزت ثقته بنفسه نتيجة التغييرات بمحاولات اعادة تأثيث الفراغ لديه وهذا ما تأكد بالرجل الذي مثله حسن الغبيني والمرأة التي مثلتها يسرى جبار بخروجهم النهائي بتفعيل ايقاظ القيم والمبادئ والشجاعة والشرف وكل الخصال الحميدة من خلال ندائهم بنهضة كلكامش التي عنت تحجيم الشر والخلاص منه ونهاية الرجل الابيض وتابعيه. وما دار ويدور هو تمثيل للعالم الخارجي والواقع المرئي ذهنيا و بصريا الذي اتسم من جهة بالتكثيف والاختزال والاختصار برمزية عالية من جهة هابيل وكلكامش ومن جهة أخرى بالتضخيم والتهويل بما يخص الغريب والرجل العربي والواقع العراقي لما له اقتران واضح في مخيلة المتلقي.

الاخراج

استطاع المخرج ان يؤثث الفراغات والاماكن بتجميل واجهة المسرح وتأسيس علاقة مكانية وبصرية بين ما قدم من ابداع وبين المتلقي معتمدا على الإسقاطات السياسية مزينا العرض الذى كان يجمع بين القصة والأغنية والاستعراض الراقص موغلا في ابجديات الجسد كلغة مهمة في هكذا عروض حيث تميز العميدي بمدرسته الإخراجية السردية التنظيرية التي ابتكرهـا مجتهدا لذا اهلته للامساك بتفاحتين في يد واحدة فهنا يطوع الكلمات وهناك يطوع الممثل والفضاء بميزانسين شعري منتظم اعطى نقطة شروع جمالية لكل الفريق ان يقول كلمته ابداعيا. ثنائية التأليف والاخراج منطقة خطرة محفوفة بالسقوط الكامل او الارتقاء الكامل استطاع العميدي هضمها حيث واجه في اطار هذه الجزئية سدا عاليا من الممانعات تجاوزه برشاقة القطط ذات المهنة الهندسية المعمارية العارفة بالمسافات الحقيقية والتأويلية للقفز والارتقاء فبدا مجتهدا في تفسير النص من خلال رؤيته الفنية الجمالية الإدراكية الاستقرائية الاستنباطية المتوهجة المتواشجة مع الواقع المعاش في جزئياته التثويرية فهو اي المخرج ثوري حد النخاع انقلابي حد المهنة بمواجهة النص.. كيف والنص نتاج انامله الذهبية .. وهنا يجب ان لا انسى قول الكاتب الرحل قاسم مطرود .. حينما يصف اشتغاله الاخراجي على احد نصوصه بقوله اهدم من الاساس وابني بناءً اخر.. معلنا عن هيمنة المخرج الذي هو اقرب الى الدراماتورجية وهو اقتراب من وجهة نظر المسرح المتطورة . وهنا يكمن الصراع داخل انا العميدي فهو المتسيد والمُفعل الأساس للصورة المرئية.. كما انه الباحث في طوايا وخفايا نصه عن رؤية خفية مستترة عن مجمـــوع الأحـداث وعبــر كل الصور المتحركـة حيث وظّفها لتكون رغبة جماعية بالاستنجاد بكلكامش بل قل بمباديء كلكامش بما يكتنزه الانسان من جمال من روح من ضمير من ذاكرة جمعية مقترنة بالسلم والسلام لنفض الغبار وكشف الغمة عن هذا الوطن الجريح وهو القول الفصل في الكشف والتوضيح للمنطقة الغامضة اللامرئية داخل فلسفته ككاتب لننتهي بالقول (اصعب شيء هو ان تفسر نفسك).

يحسب للمخرج ادارته مجموع الممثلين بطريقة ممتعة انسيابية مستثمرا امكاناتهم في الالقاء والحركة والايماءة والشعور والاحساس بما حولهم من سينوغرافيا كما تفنن في استثمار قطع الديكور والتعامل معها وتماهيها مع جسد الممثل لتفعيل التفسير والتأويل لدى المتلقي كما يحسب له اي للعميدي توقيتاته الزمنية للمشهد بما ينسجم وتنشيط ذهنية المشاهد للمتابعة وعدم تسرب الملل لأوصاله فبدا العمل كمسلسل تلفزيوني من ثلاثين حلقة تحرص على مشاهدته في جلسة واحدة.

التمثيل

ان مهمة المسرح تتمثل في اعادة صياغة الحياة بشكل جديد وهذا ما تحقق فعلا في العرض حيث استطاع مجموع الممثلين ان يعيدوا الحياة بصدق ملموس لعديد الشخصيات الاسطورية بإداء مذهل محترف كإلقاء وكمحورية فاعلة لانساق التعبير الجسدي متموسقا مع تحولات الفضاء، وتحولات الإيقاعات، وتحولات التفاصيل التي تغني الدلالات وكما يقال في الموروث المسرحي.. اداء الممثل على خشبة المسرح يأتي كهذيان معد كالطاعون .اما ان ينتهي بالموت او بأقصى انواع التطهير وهذا ما حصل بالنسبة لمجموع الممثلين تسيدهم ثائر جبارة الذي بعث برسائل خشنة جعلتنا نكرهه بشدة لتقنيته الجسدية واللفظية وتعابير وجهه ذات الدلالات الواعية باتجاه الشر وهنا يكمن النجاح لدى الممثل بان يتخذ المتفرج موقفا نفسيا شعوريا بالضد اتجاه هذا الممثل الناجح.. كما تميز الممثل بدور كلكامش باداء رصين عكس قدسية وثقل الاسطورة كلكامش مع نجاح بقية الشخصيات بنسب متفاوتة.. الا ان هناك ملاحظة بخصوص دور الفنان حسن الغبيني الذي كان متناقضا مع الامكانيات الكبيرة التي يتمتع بها حيث لم يكن كامل التوهج بما يجعلنا نتذكر دوره في المستقبل لكن حضوره الانيق الرشيق كممثل محترف متمكن من ادواته كان موجودا شئنا ام ابينا وهذا الامر ينسحب على الممثلة التي اتى دورها ليس بقوة بقية الممثلين ربما لقصره وعدم تمتعه بمساحات المونودراما للبوح والتعبير الجسدي واللفظي والايمائي الذي يمثل حقيقتها كممثلة مهمة. عموما يعتبر التمثيل من اساسيات نجاح العرض بشهادة محايدة جدا لكن ما يعيب على هذا الاداء هو عمليات الصراع بملامسة الاخر اي الصراعات الحركية الثنائية بين خمبابا وانكيدو او هابيل وقابيل وغيرهم حيث افتقرت الى الجمالية والمرونة المطلوبة وهي صفة عامة نعانيها في مسرحنا العراقي اكلت من جرف الابداع الشيء الكثير.

الازياء

نجحت مصممة الازياء والمكاياج عدوية فائق بالمزاوجة بين الماضي والحاضر والاسطورة والحقيقة من خلال ازياء واضحة الدلالات اتصفت بالدقة والجمالية والاناقة مناصفة مع عموم انساق المظهر الخارجي للمثل ومنها المكياج.

الاضاءة والمؤثرات الصورية

من اجل عرض ناجح يجب البحث عن طرق جديدة تغني العرض جماليا كإطار موضوعي وتثري المشهد كلغة لها مقوماتها السيميائية بدلالات مهمة ممكن لها ان تمنح المتفرج فرصة لاقتناص الافكار وما اتحدث به هو تطوير الذات تقنيا باستثمار التطور التكنلوجي الحاصل في العالم مع ترويض الذات مهاريا باكتشاف الجمال في المادة الجامدة الصامتة وتحويلها الى لغة واضحة المعالم تدفع بالعروض للنجاح والرسوخ في الذاكرة وهذا يتحقق بالبحث والاكتشاف بإيجاد انواع خاصة من الالوان تتباين من خلال عناصر الدقة والكثافة والسمك والتي يستقي منها المتفرج طبيعة المشهد مع ترجمة لما يجول في ذهن الشخصية وما يعتمل في صدرها. وقد نجح مصمما الاضاءة والمؤثرات الصورية بالنجاح الكبير الاضاءة خضر السلطاني مخلد ناهض في ترسيخ المفهوم العلاماتي السيميائي الذي اعطى للعمل دفقا حيويا مهما ساعد المنظومة الجمالية للعرض بالتصريح عن نفسها بقوة.

ومن هذه الجزئيات المهمة في الاضاءة والمؤثرات الصورية الحيل التكنلوجية لخضر السلطاني وخاصة في لحظة نهوض كلكلماش في اخر المسرحية .. كما ان هناك مثابات كبيرة لهذا الرجل في اضفاء المتعة على العمل بخروج شلال ماء في لحظات معينة كصورة جميلة جدا تذكرنا بطوفان كلكامش.. وكذلك من الصور الجميلة هي الخلفية الناطقة للبحر بكل جميل وممتع.

الديكور

انساق المكان الحركي والثابت انبرى لها المبدع الديكور هادي كاظم فقد كانت قدراته واضحة وصادقة بالكشف عن بيئة العرض يعاضدها في ذلك قطع الديكور ومستوياتها في العلو والانخفاض مع طبيعتها الميكانيكية ان تغني العرض بالجماليات من جهة وبتفعيل الصراع بانفتاح مدياته من جهة اخرى وقد اعجبتني العربة ذات السلمين ففضلا عن دراميتها والاكشن الذي تلونت به اعطت بما هي عربة خاصة للغريب بعدا فلسفيا غائما حيث اخذ السلمين عدة مرات اشكالا قريبة من الاجنحة ومع هذا الانفراج اضحت صورة مهمة تؤكد استطالة الغريب وتفوق قواه وامكانياته بالشكل الذي يأخذ صورة مستنسخة عن الثور المجنح وخمود تلك الاجنحة لحظة نهوض كلكامش في نهاية العرض دليل على نهاية الغريب وفريقه.

السينوغرافيا بعمومها في هذا العرض استطاعت ان تركب بتداخل مميز بين الامكنة والازمنة المتعددة بتناسق مستقل للمتغير الصوري الدرامي للفضاء المسرحي وفقا لتعاضد الرؤى بين الكاتب والمخرج وبقية الفنيين حيث توصلنا الى عرضين مسرحيين في عرض واحد الاول قاده المخرج والممثلون والاخر قاده المخرج والفنيون.

في النهاية سجل العرض المسرحي المهم (مازال فك الحمار محمولا) نفسه كعرض شرس وسط بحر المسرح العراقي الراكد مع قدرته الفائقة ببث عديد الرسائل الجمالية من خلال عناصر العرض المسرحي العامة.

 

بقلم الكاتب كاظم نعمة اللامي

 

من طريف ما حدث في المشهد النقدي الأدبي العربي، ذلك السعي خلف كل المنجزات الغربية على سفاهة بعضها وجرأة البعض الآخر، وملابسات بعض الأفكار الهدامة والتي تضرب بعرض الحائط كل مبدأ عقائدي ...ونحن كالأعمى الذي يتبع رائحة الأتان ليصل إلى البيت، إلا أن الأتان تأخذه إلى اصطبل الأحمرة (أكرمكم الله)...

فمنذ أن اتصل النقد العربي بالنقد الغربي اتصالا مبنيا على الانبهار والتكريس لمبدأ الإله فإن النص العربي لم يعد عرابا للمجتمع ولم يعد مرآة ولم يعد رسالة بل أصبح تطريزا لكلمة الغرب، كذلك لم يعد النقد عرابا للأدب على حد قول منظر النظرية الدكتور عبد الرزاق عودة الغالبي، بل أضحى في غالب أحيانه رصفا للمصطلحات الغربية التي تشكل أزمة للنقد وفرض المنهج على النص، طبعا هذا لا ينطبق على كل النصوص بل نحن نعالج الأمور بوصفها ظاهرة مهيمنة،

لكن قد بدأ يتضح في الآونة الأخيرة أن هناك سعي حثيث لتجاوز هذه الأزمة، وانطلقت أصوات واعية تعلن أن "الإله يموت" ولنضرب على سبيل المثال جهود الدكتور عبد الرزاق الغالبي مع الذرائعية، والتي أقل ما يمكن أن يقال عنها مبدئيا أنها تتصف بالوعي ، الوعي بطبيعة النص الأدبي من حيث الجنس واللغة، والوعي بطبيعة النقد ووظيفته، وما قدمه الباحث التاريخي منير الكلداني في نظريته النقدية التي تستهدف تلقي النص العربي بالنقد الشمولي، ولعل الرابط بين النظريتين هو الشمولية والسعي لعلمنة النقد..وتخليصه من الانطباعية والذاتية.. وأنها تنطلق من خصوصية النص العربي لغة وتشكيلا ومرجعية.. وهذا ما أسقطه أولئك الذين لهثوا خلف النظريات النقدية السابقة من البنيوية حتى مناهج ما بعد الحداثة ...

هذه الجهود تبشر فعلا بمستقبل للنقد الأدبي العربي، لأنها على الأقل تنطلق من الوعي بما تقدمه... سواء من الناحية الاصطلاحية أم المرتكزات التي تتكئ عليها...

وما يؤكد فعلا على أن النظريتين على درجة من العلمية انطلاقهما من نظرية الأدب التي سعت لوضع حدود للأدب وللنص، وانطلقت من ذلك التعدد والتباين في تعريف الأدب والنص الأدبي لتبرهن في النهاية أن تلك التعددات تشكل في مجملها تكاملا وليس تعارضا ..ومن هنا نجد أن النظريتين لا تهملان الكاتب بوصفه منتجا ولا المرجع بوصفه مصدرا ومؤثرا ولا النص بوصفه رسالة وجمالية ولا القارئ بوصفه مستهلكا منتجا ...

كما أن كلا النظريتين لا تعلنان القطيعة والعدائية مع المناهج النقدية السابقة بل تنظر إليها من حيث أنها تراكم معرفي يؤسس بطريقة أو بأخرى للمشروع النقدي الجديد ويؤصل له

وقد يكون هناك بعض الأصوات التي لم تكشف عن نفسها بعد... لكن في الأحوال كلها "الإله يموت" وهذا في حد ذاته منجزا ، حيث يؤكد الكثير من الباحثين أن مراحل التي يمر بها الأدب أو النقد هي مرحلة الانبهار ثم التقليد ثم التكرار ثم التشبع ثم التحول، وفكرة الإله يموت تمثل مرحل التحول في النقد الأدبي العربي.

*استوعاب المرحلة مفتاح تجاوز المحنة:

- يشعر الكثير من العرب بالدونية فيسرعون إلى إعلان عدائية مع كل جهد عربي أصيل ويرجع هذا الأمر إلى تخوف العربي من أفول نجمه إذا ما ابتعد عن المنجز الغربي، وهذا طبيعي في البداية وليس بالأمر المنكر، لكن يجدر بنا بذل جهد لتقبل الأنا كما نتقبل الآخر، وأن نؤمن بأن الأنا العربية تملك من العبقرية ومن الشياطين ما يؤهلها للإنجاز العلمي والمبني على الموضوعية، والإبداعي المبني على الخصوصية العربية...

- الجديد لا يخيف إلا من حيث أنه انفتاح على الإخفاق والسقوط..، لكن لو أننا نؤمن أن كل النظريات الغربية سقطت سقوطا حرا وأخفقت إخفاقا على رأسها البنيوية ومع ذلك قدمت لنا إرثا معرفيا كان سببا في ولادة الكثير من النظريات النقدية التي قدمت للأدب الكثير ... لتجاوزنا مخاوفنا،فالإخفاق لا يجب أن يكون كابوسا..فلنؤمن بالإخفاق كما نؤمن بالنجاح ، الأمر لا يختلف عن الموت والحياة...فالموت هو دائما بداية حياة جديدة...

- من هذا المنبر أدعو أولئك الذين ينقبرون في برجهم العاجي أن يحطموا قوقعتهم ويخرجوا إلى الواقع، وأن يقبلوا على دراسة التجارب الجديدة قصد التطوير والتعديل..

والذي لا يؤمن بما أقوله فلينظر إلى ما يتبناه من نظريات وليبدأ في تعداد سلبياتها .....

أعتذر على الإطالة، وللحديث بقية

تحياتي للقارئ الواعي

 

عقيلة مراجي

 

قصي الشيخ عسكرحديثي عن هذه الرواية التي سأنشرها حلقاتٍ في المثقف يستدعي منّي أن أشير إلى مجمل أمور وقضايا أهمها:

أولا حين افتتحت المثقف باب التعليقات قرأت أول تعليق للشاعر حيى السماوي قال فيه هذا الباب الذي نبدؤه يمكن أن يكون موضوعا عنوانه" أدب المساجلات" بغض النظر عمّن يتعمدون الإساءة وهم قلة والحمد لله، فالمهم أن نكتشف مطارحات الأدباء ونعرف أدباء جدد.

ثانيا: أنا شخصيا ذاكرتي لا تنشط إلا بالتحريض، على سبيل نشرت في المثقف قصيدة قبل أكثر من سبع سنوات عنوانها نهر" شط العرب" وفي باب التعليقات أو المساجلات كتب الشاعر جمال مصطفبى أدعو أدباء البصرة إلى الكتابة عن نهر "شط العرب"، وقد حرضت ذاكرتي هذه المقولة بعد القصيدة فكرت أن أكتب رواية يصبح النهر نفسه بطلها مع كوني لم أغفل عن النهر في بعض رواياتي السابقة.

ثالثا: مثلما حث أو حرّض ذاكرتي الشاعر جمال مصطفى في المساجلات حرض ذاكرتي الأديب صالح الرزوق حين قال لماذا لا تكتب رواية عن نوتنغهام فكتبت رواية أيضا.

رابعا: حين أتممت رواية "النهر يلقي إليك بحجر"أرسلتها إلى شيخ النقاد في مصر الدكتور يوسف نوفل ولكونه كتب مقدمة لروايتي "رسالة" فقد اقترحت عليه أن يجد سيدة لتكتب عنها من باب اعتزازي واحترامي بالمرأة ودورها لا سيما أن سيدتين ثلاث سيدات كتبتا عن شعري ورواياتي هن: د هدى صحناوي، غادة السمان، ولميعة عباس عمارة، فأجابني الدكتور نوفل سأحاول بشرط أن تكون ناقدة قديرة.بقيت الرواية مع أستاذنا نوفل سنة تقريبا وقبل بدء العاام الحالي وصلت منه ملاحظ موجزة "تحياتي لرائعتكم النهر وسأنتهي من الكتابة عنها قريبا" ويبدو أنني كنت أحلم فقد انتهى عصر سهير القلماوي ونازك الملائكة وعاتكة الخزرجي وغيرهن. المهم أني ربحت مقالة الدكتور نوفل فجعلتها مقدمة لروايتي هذه.  

***

قصي عسكر وزمكانيّة السّرد في الآلام والأحلام

د.يوسف نوفل

 يكتمل البناء السرديّ باكتمال عنصرين ممتزجين غير منفصلين، هما الزمان والمكان، وفي العمل الفنّيّ الذي بين أيدينا نلتقي بالزمان والمكان ممتزجين، بطلا، ليتمثلا أمامنا في موقع البطولة، ثمّ نلتقي بهما ملتحمين مع السارد الراوي العليم سباحةً في فضاءات الآلام والأحلام.الواقع.أو ما فوق الواقع.إذ من البدهي أنه لا يوجد زمان دون مكان، وبالمثل لا يوجد المكان بمعزل عن الزمان، بذلك يشهد الواقع الحياتي المعيشي، وعلى ذلك استقرّ" علم الفيزياء"ونطقت نظريّة "النسبيّة"في أولى سطورها، وتشكَّلتْ، من ثمَ، الأعمال الفنيّة على عمودي الزمان والمكان بأنواعها المتعددة، ومنها فن السرد، ومنه ما بين أيدينا: ( النهر يُلْقي إليك بحجر ).

"لا حفريات ولاتاريخ كأنْ لم أعلق القديم ولا شغفْت به"

 هكذا انداحت شخصيّة السارد في المكان والزمان، والتحما بهما، ذلك المكان بعبقريته، وتراتيّته، وحضارته العتيقة، حيث العصر الذهبيّ العربي والإسلامي، فيما مضى من الزمان، في مقابل الحاضر الحزين المهزوم، أيْ الواقع الأليم لتتصارع الآمال والأحلام بين ماضٍ وحاضر، بل توقع حزين لآتٍ قاتم في مسنقبل مظلم.وهذا الزمان بمأساويته المعاصرة الحاضرة في مقابل أمجاده العتيقة الغابرة، المتغير ما بين لحظة وأخرى : "كان هناك معنى أوسع من الزمن وفوق كل التوقعات ..أسبوع واحد حال بيني وبين الحرب"

المكان:

"الأرض تستعيد عافيتها منذ العهد العثماني، والولاة على البصرة غرباء منذ الحرب الأولى"تتجلى عبقرية المكان إزاء بطل شغف بالآثار ودراسة التاريخ، فيراقب الماضي والحاضر، يحاول أن يتمسك بالحاضر، ويتشبث بالماضي، دون جدوى، أمام سيل المفاجئات، والمكان هنا هبة من دجلة والفرات بمفرداته:

الحجر: عندما يعبِّر الجزء عن الكلّ يكون الحجر رمزا، ومعه مفردات المكان، من النهر: ذلك الطفل المدلل ولدته أمه"الفرات"من أبيه" دجلة"، ههذا النهر الذي تغيّر فيه كلّ شئ، فالماء الفرات صار ملحا أجاجا!!...تغيّر النهر، كما تغيّر كلّ شئ، كل شئ تغيّر بالحصار والحرب لا الشطّ، وللأنهار مكانتهاالنفسيّة والاجتماعيّة والرّمزيّة.حوت كبير طارد سفينة محمّلة بالخراف، ثم جنح إلى الشطّ، وماهو إلا الرمز للاستعمار الجديد //اللاهث خلف الثروة في نهم.

 وهكذا تعددتْ مفردات المكان، وعلى رأسها المدينة:

 التي تغيّرت وتبدلت، غزاها الغرباء، حتى بدا أهلها كأنّهم غرباء عنها، حتى أصبحت المدينة أشبه بخيط مطاط، والشارع، هكذا كانت وجوه المكان: البصرة، وقريتي التنّومة، الدعيجي، البوارين، تمثال السيّاب، ليتحدث المكان بلغته الخاصة تحسرا على الماضي، وتألما من الحاضر، وحلما بالمستقبل الزمان الذي تغير وتبدل أيضا، كما حدث للمكان، هذا الزمان الغامض، الزمان الذي سعينا إليه ملهوفين...وأصبح أخرس، والذي تضخّم وصار مخيفا، كأنه قرون من الجحيم، ذلك أنه انصهر في أتون (الحرب)، الحرب التي لا تبقي ولا تذر، الحرب أفق الزمان والمكان وفضاؤهما، الحرب المستعرة عند البوابة الشرقيّة، والتي تعددت وتنوّعت بين: الحرب مع إيران، والحرب الأولى والثانية، حرب الكويت، والمندلعة بين عشية وضحاها في زمن بلغ ثماني سنوات، ولكل منها طعم ولون، حيث السقوط سقوط نهرجاسم، وسقوط كل شيء وحيث الخراب، الذي لا يأتي من الشمال، بلاؤنا يأتي من الجنوب، حيث الانفجارات الهائلة، والموت"أتخيّل الموت يحاصرني في كلّ مكان"."والحصار، والنهب، والموت، والاغتيالات"أتخيل الموت يتجول في كل مكان. 

 الفوضى العارمة والنهب والسلب، وفقد كلّ شيء تماما، والناس مشغولون "بتصريحات الصحّاف، ثمّ انقطع البثّ، وانتهت الحكاية، اكتشفت أن كلّ شئ كذب ومبالغة"وبدأ التحسّر على أيّام عبد الكريم قاسم، ومهابة الدولة والزّعماء.والهجرةوالشتات، والسقوط: سقوط المدن، وعلى رأسها بغداد، وهنا في السَّرد، البصرة، وسقوط نهرجاسم.

الحلم/ الغيبوبة

وفيما قابل ثنائيّة العمى والإبصار، البصر والبصيرة، عمىالعيون في مقابل عمى القلوب نلتقي بثنائيّة الواقع والمأمول، واختلاط الوهم بالحقيقة، الواقع بالخيال: "أشبه بهجمة همجية، نصفها حلم، ونصفها الآخر حال عيان"، أو الفرار من الواقع، والحلم بالتغيير، وهذا الحلم المرافق منذ الطفولة: "حلمنا في طفولتنا أنّ وحوشا غريبة الأشكال تخرج من ماء النهر تحت جنح الظلام فتقضم أرجلنا"لتتكرر صور الحلم أكثر من ستّ مرات، بين: "حلم غريب يرى البصرة العملاقة تسيل بمصابيحها على الماء إلى بستاننا في ضفة شط العرب"."وحلم على ععواء ذئب في حقول الألغام""وحلم بسماع صوت انفجار""لم أكن أحلم وإن عشت الحقيقة والحلم بوقت واحد" وأحلام الغيبوبة في فصلٍ عنوانه"غيبوبة".يعوي كالذئب.

أحلم أن السندباد هبط في رحبة فسيحة تعجّ بالألماس والأحجارالكريمة، وددت لو كان معي "شوال"..ولتصبح الخرافة واقعا، ولم يعد هناك شيء يفرِّق بين الصحو وأضغاث الأحلام.

بلاغة العنوان

 كان العنوان الأمّ (النهر يلقي إليك بحجر)

وتلته العناوين الفرعية للفصول: جار الله الأعمى، وانتظار، والحرب، والطيور، والقفص، والصداع، وعواء، (مرتين)وانفجار، والبرّ، وكلها بمثابة النصوص المصاحبة، والموزاية، والمفسرة لزمكانيّة السّرد في ثنائية التضاد بين الآلام والأحلام، وكلّ عنوان منها لها دلاته الرمزية والإيحائيّة.

السرد بين البداية والنهاية:

من ضمير المتكلِّم نحو الخارج إلى المنولوج الداخلي نحو الباطن:

كان القالب السّرديّ الملائم لذلك كلِّه هو السّرد الذاتيّ، فكأنَّ السّاردَ يحكي سيرة غيرية للمكان والزّمان، وفي الوقت نفسه، يحكي سيرة ذاتية باعتباره جزءاً من ذلك الزمان والمكان، من هنا ساد السّرد بضمير المتكلّم، بما في ذلك من تأكيد التحام الراوي العليم، أوالسّارد بزمكانيّة السّرد، وقد بدأ السّرد بالتحام المعنى المصرّح به مع المعنى المستنتج، بما تعنيه بلاغة اسم الإشارة للبعيد في أوّل جملة سردية:

"ذلك ماحدث بعد سنين من جموح حوت كبير"

وانتهى السرد بالمونولوج الداخلي في آخر جملة سردية:

"أما زلت بعد كلّ ماجرى من تعبٍ بسبب الحجارة تبحث عن حجر؟.

لم أجب.قلت في نفسي إنّه حجر الماء الذي كان علامة على سلامتي، ثمّ خطوت باحثا عن ذلك الأخضر المزرق.رحت أبحث وأبحث في كلّ مكان..على يقينٍ أنّي سأجده ذات يوم"

"مسمار غليظ تدقه مطرقة إلى هامتي"

ليس هذا هو المونولوج الواحد، فقد تكرر المونولوج، أداة الاستبطان، عالم الراوي العليم بأسرار السّرد ومراميه، وتعدد المونولوج يساعد في تفسير الرّموز.

والرمز واضح يتمثّل في البحث عن الأرض المفقودة، والضّاّلة المنشودة، والحبيبة الغائبة، العراق، فإذا كان دالّ"الحجر"قد أكّد عراقة تراثيّة حضاريّة تاريخية ماثلة في آثار الفراعنة، واليونان، والرومان، والآشوريين، والبابليين، والصينيين، وأمثالهم، وإذا كان قد اكتسب دلالاتٍ هامشيّةً، ثريّةً منذ ثورة فتيان الحجارة، وظهرت تجلياته في الشِّعر كثيرا، ومنه رائعة"ليت الفتى حجر"للفلسطيني محمود درويش..فإن الحجر، هنا، يتعدى دلالته المعجمية، .فهو جزء من كلّ، جانب من كيان كبير، هو الوطن، الذي تمزّق إربا إربا بسبب من فساد وخيانة وتآمر وتهور وخنوع وتشرذم، بعد تسلط وقهر وسلطة غاشمة.

رمز الطير، ورمز الحوت، ورمز العمى:

 من السهل استنطاق الرموز واستدرار دلالاتها، ومن ذلك ما سبقت الإشارة إليه فيما سبق من: النهر، والماء، والحجر، والقفص، والتاريخ، ويقف رمز الطير، أو الطيور، دالاً مهمّاً يحتمِل الكثير من وجوه التأويل الفنّي، الطيور التي هاجرت، وغادرت أماكنها بعد الحربالأولى، وطير يضرب رأسه بجدار القفص المحبوس فيه، فهل أزرع الأرض فخاخا؟، وهذا رمز الهدهد، بدلالته التراثية والدينية، حتى ليراه بعضهم"بَرَكة في البيت".وهل لأن الهدهد قادر على أن يأتي بالأخبار والأسرار، ليفكّ طلاسِمَ التآمر الاستعماريّ على العراق، كما أتى، من قَبْلُ، سليمان بأخبار بلقيس؟، هاهو السّارد ينتبه على سرب طيور غريبة، ويحار هل يقبض على مافي الماء.أم اما في السّماء؟.هل الطيور هنا هم أصحاب الرأي والمباديء، أولئك الذين فرّوا من بطش صدام ودكتاتوريته؟هل هم الأحرار في مواجهة التآمر الاستعماري على الوطن العربيّ بغيَةَ تمزيقه؟

وهل الحوت رمز لما جرى وما وقع؟

وهل من الرمزالإنسان: الأعمى والبصير، معا: جار الله الأعمى، الذي يرى مالا يراه المبصرون، بل يعجزون عن رؤيته..يرى أعماق النهر، ومحتويات الطين، ونحن لانرى الظاهر والمعلوم!!...ثم قُتِلَ...لم يُكمل النبوءة، وهو ما يثير كثيراً من أوجه التأويل الفني عن فقد الإنسان هويته، بل فقده كيانه كله في عالمنا المعاصر. 

 

عقيل هاشمنصوص مازومة من (العبث الكاموي).

"في الحال اخذت معولا وخرجت ابحث عن قطعة ارض رخوة كي انفذ من خلالها الى العالم السفلي...وسريعا اهتديت..الخ".

تأخذنا المجموعة القصصية (قبل نهاية العالم بدقيقة) للقاص "باسم القطراني" إلى لعبة سردية متقنة لاستعادة الذاكرة بوصفها قراءة في المتحرر من عنف المأساة من الحروب والفقدان والتي يقترح لها المؤلف السردي (قبل نهاية العالم بدقيقة) قصصا يتداخل –السيرذاتي (التسجيلي /المتخيل) عبر أقنعه متعددة لرصد ورسم مصائر تتوزع بين المحو والاستدعاء للذاكرة ،يحاول القاص هنا سبر جملة من القضايا الإنسانية والغوص في تلافيف وسمات شخصيات كثيرة، ليكشف لنا خبايا مهمة بصيغ أدبية متقنة يضيء لنا فيها عن حالات النفس البشرية في شتى المواقف، وما يمكن أن نواجهه في مساراتنا الحياتية...

اقتباس:

"قبل نهاية العالم بدقيقة"

(لم اكن لاكترث لنبوءات نهاية العالم من قبل .فقد كنت اهزء بها كثيرا،بل افند حتى تلك الاخبار التي تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي نقلا عن وكالة ناسا للفضاء التي تتحدث عن بقع سود ستلتهم مجرات الكون بشراهة يوما ما .هكذا انا قبل يصعقني خبر بثته محطات العالم اجمع عن نيزك هائل سيصطدم بجسم الارض ليحولها الى كتلة جامدة ويسلبها الحياة والوجود...ص76

إذن اننا امام نصوص تجترح فكرتها بوصفها تعري لمكنونات (الشخصية/الامكنة)، وأنّ محنة هذه الشخصيات تستبطن فاعلية السارد ومن خلال التعرّف على محنة الواقع والذات، إذ تعيش عبره استلابات اجتماعية وتشوهات سياسية، (قبل نهاية العالم بدقيقة) حيرة البحث عن المصير، ومواجهة غير عقلانية مع الاخر. تلك اسئلة و هنا لا يدّعي القاص امتلاكه للأجوبة، قدر ما يحاول، بمبضع السخريّة فضحها..

اقتباس

"ترينمة الطائر الاعمى"

(اتذكرجيدا ايها الاعمى اعرف انك حانق عليّ،تملك قلب طائر ولي قلب بين قلبين ،كنت يومها في الثانية عشرةمن عمري حين انفرط عقد شقاواتي وبرااتي اللذيذة عندما شاء ابي ان يرتحل بالعائلة الى محلة اخرى فقد وعت دائرة الامن علامة على عائلتنا كونها لاتسير على خط الحزب والثورة بعد ان اعدم شقيقي الاوسط واودع الاكبر سجن ابي غريب ...ص7)

هنا اختار القاص تصوص مرسومة باتقان كي يضع قارئه أمام لعبة سردية توظيف تمثلات الخاص للذات وكشف هواجسها وتحولات وعيها والتي تواجه محنة وجودها إزاء رهابات القمع والإقصاء التي تفرضها سلطة ما بوصفها عتبة الخلاص..ففي نصوص المجموعة الاخرى نجد كذلك إن شخوص المجموعة تحمل قيود الوطن الذي فرت النصوص منه إلى الاحلام ، فهوالبطل المشدودة إلى الماضي رغم قسوته ومن صلب حالة الانشداد الأقرب إلى النوستالجيا تناسلت عوالم معظم قصص المجموعة.. والتي لا يبدد ساردها من اعتياد العزلة أزمة الهوية والغربة عن الذات التي تتضح في بعض جوانبها بعجز العالم الافتراضي عن فهم عذابات ساردها ليأخذ الخيال والحلم شكل منحى فضيلة التحرر من آثام الواقع..

اقتباس:

"ثقوب في ذاكرة البرحي"

(ثماني سنين عجاف سحقت كل مااتت عليه من ضمائر الناس والاشياء ،مرغت كبرياء الجباه واعلنت ان لامناص من خجل التواريخ وعهر الارقام ،حدث ذلك والدروب تاخذ بالتائهين جيئة وذهابا وتدور بالرؤوس يميناً وشمالا ًكلما صهل الزمن من بعيد...ص45)

هذه الصور المأزومة في هذه القصص تقترح عددا من الصور اليومية حيوات (العبث الكاموي).والذي يصطنع القاص لها وعبر تقانة الأقنعة أصواتا متعددة ، هذه الصور مدونات الذات الداخلي المازومة والتي تعني في جوهرها مدونة المؤلف ذاتها، فعبر تقانة قصصية يتشكل المبنى الإطاري لغرض تتبع الحكاية والحفر في عوالمها، ومعرفة خفاياها وأسرار تحولاتها النفسية والثقافية ،تلك الأزمات النفسية، والتي تضطرب فيها الهويات وهي تعاني اغترابها وهواجس نكوصاتها وإحباطاتها في التعبير عن وجودها ..

اقتباس:

"هلوسات الراوي العليم"

(يروي بالنيابة عنا دائما .مرة يحكي عن قصص وشخصيات يتغلل في اعماقها السحيقة واخرى يمر عليها مرور الكرام فيصف على عجل احداثا ومثابات لايريد ان بنشر غسيلها على الحبال لايخشى النقد فقد ولد حرا يطير باجنحة خارقة وبلمحة عين ينتقل من مشارف الارض الى مغاربها وبسرعة لايمكن لاحد ان يتصورها .دخل حرولا ومفازات .راى فيها كل شيء وفي كل مرة كان يخرج سليما معافى من قلب العاصفة...ص65)

بالنظر إلى تنوع القصص وكثافة الأحداث التي تحاكي الواقع بلغة رمزية جميلة، يحاول القاص تلطيف رداءة الوضع الإنساني وجعله وضعا قابلا للعيش رغم كل المعاناة التي يخلقها للكائن البشري،والباحث عن واقع أفضل

اقتباس:

"مكياج سريالي"

(تتفحص المدينة وجهها في مراة عملاقة اكبر بكثير من توقعاتنا ااحس الندوب الهائلة والجروح العميقة التي تبدو مثل مكياج سيء المدينة الكئيبةلاتتكلمبل تعبر عن مزاجها غير الرائق من خلال نظرات باهتة عبر المراة المثبته فوق الابعاد الافتراية من خلال زاوية هي الاوصح والانقى...ص69

يأخذ الزمن “الماضي /الحاضر/المستقبل في السرد الحكائي للمجموعة القصصية مكانة متميزة، لكن رغم ذلك، يجد القارئ نفسه، وهو يطالع هذه المجموعة، أمام زمن واحد ! لأنه لا شيء تغير؛ نفس الوجوه، العادات، القيم، ونفس المكان… فكل شيء رديء، حتى الأحلام التي نرغب في تحقيقها مستقبلا، يتزاوج في القصص الوطن المحرم والهمس القادم من الذكرى ليوصل حالة الارتباك الداخلي إلى اقصاها الذي تتكشف معه خسارة المواجهة بين ” الخوف في الوطن ” و” الهروب منه ”

اقول إننا إذن أمام مجموعة قصصية غنية بالدلالات والإيحاءات والإيقاعات، وحبلى بالشفرات، مما يعني أن الكاتب ينخرط بشكل قوي في تفجير الأفكار التي تريد أن تقولها القصص.

اقتباس:

"روبوت"

(يحدث ان ينزع عقله ليضعه في جيبه حين يخرج ليتنزه او ليتمشى قليلا ،وفي احدى المرات يسمع دوي انفجار قريب يرك مع اسراب المتدافعين ليشبع فضوله الذي يلح عليه دائما يقف متفرجا وهو يرمق الاجساد المتفحمة بفعل مفخخة مجنونة .يطيل النظر غير مندهش او متاثر لما حصل ...ص92

كمن يزيح التراب عن تفاصيل لوحة فسيفسائية بحثا عن المهمل من جمالياتها وأملا في العثور على ملامح عوالم غاربة تجمتع في تصوص المجموعة ” نتفا من الوجع الإنساني لتضفي قدرا من الحساسية على خزين العذابات الانسانية ..اما هذا التناوب في السرد بين التسجيلي والغرائبي هو البحث عن المتعة والسخرية معا وهروبا من الضجر الذي يخلفه الواقع وتناقضاته يلجا الكاتب لهذا النوع من السرد الغرائبي في معظم نصوصه ؛ والذي تتطلبه بنية السرد الحكائي في القصص. اقول هي مجموعة قصصية متكاملة ومحكمة من حيث اللغة السردية، أو ألمثن الحكائي، أو الخيال الرمزي الذي يضعك أمام الواقع بطريقة مثيرة وبلغة شعرية سريالية مشوقة ممايحيل قصصه الى لوحات تشكيلية مفعمه بالجمال والحزن معا...

 

قراءة"عقيل هاشم الزبيدي