رحيم زاير الغانمفي شعر عبد الحسين بريسم.. مجموعة قرط النعاس اختيارا

لا يمكننا عدّ إنتاج نص شعري غاية ما لم يفضِ إلى إنتاج معنى، فالمعنى غاية ميتا النص، وهل للنص قيمة من انتاج نص شعري ذي معنى، ولا نجد قارئا نموذجيا يسبر غور النص مفككا شفراته ومستنطقا لبناه العميقة، عبر آليات التحليل الفني ودلالته التأويلية المتقنة باعتبارها أداة تستخدم في هكذا إجراء، مع الحرص على تقديم رؤية واعية تمكننا من استنطاق بنياته النصية المفتوحة، مع الأخذ بالحسبان ان الشاعر قارئ مثالي في الأصل، عارف بخلجات القارئ ابتداء، فلا غرابة ان احتاط مسبقا لترصين نصه، بترك مساحة للقارئ لملئ فجوات النص الشعري، في فسح المجال للعبة الغياب والحضور، يمكننا تلخيصه بغياب الناص يحضر القارئ لملئ فجوة غياب ما تمّ تركه عن قصد، لا عن سهو أو خلل اعترى نسيج النص، وعندما يغيب القارئ يتحقق الحضور التام للناص، بقصدية الناص القارئ، الذي يعي أهمية غياب القارئ، ليتحقق كسر أفق توقع هنا وآخر هناك، لعبة تناغم، لخلق توازن تغييب وحضور القارئ والناص، يعيد لنا معنى مرتحل، عبر تأويل ما سكت النص عن التصريح به، متخذا من إيحاءاته وأبعاده ومدلولاته سبيلا إلى ذلك، وبذا لا يعد النص المغلق محل اهتمام فلا يتم تناوله نقديا لأن مُنشئ النص ملئ فراغاته، ولم يترك مساحة بيضاء حتى للمؤول، إذا في هذه القراءة النقدية سنضع مجسنا النقدي على النص، بالضبط عند أدق السلطات حساسية إلا وهي سلطة القارئ و الباث، كل هذا سيتم تناوله في مجموعة (قرط النعاس)* للشاعر عبد الحسين بريسم.

(أفتح قميصي فتطير حمامات/ فراشات /شموس/ أما الأقمار فتنزوي خجلا مني

 أفتح قميصي/ فتدخل حروب/ ومقابر/ وأغنيات سود )

ان تأويل الفجوة النصية لا يتحقق لنا إلا عبر قراءة نموذجية يمكننا عبرها، من فك شفرات النص وإحكام الطوق عما سكت النص عنه، عندها يتجلى لنا معناه، الذي

يتيح لنا رسم صورة جديدة لخارطة النص، محققين فهما أوليا للنص في استحضار لمعنى أول، على اعتبار إلا تأويل نهائي للنص، ان ما حققه فتح القميص من إيذانٍ إلى بداية الشروع بالأمل/ فتطير حمامات وفراشات وشموس، بما تحمل هذه الكلمات من تعدد لفظي لكنها اجتمعت كونها دال على الحرية، يرافق هذا الفتح فتح آخر للقميص، لكنه نكوص، حيث دخول الحروب وما تنتجه من خراب وأغنيات سود، وقد سكت النص عن التصريح بمدلوله، أي عن سبب انزواء الأقمار خجلا، لأنها لم تدم من زخم الحرية والأمل اللذين انبعثا من فتح القميص، لم تقف حائلا من فتحه الثاني الذي أودى بتقويض سلطته/ أي القمر، مصدر الضياء الساكن، يقابله/ الأغلبية الصامتة في الواقع، ليترك المجال لتمدد سلطة الحرب.

(أمرر كرة النسيان لخصمي/ وأقف أتفرج/... من يفوز/ سيخسر بعد حين

أما أنا فقد اكتفيت من الخسارات)

قد نصل إلى فهم النص الشعري من خلال كشف أسراره، ويتحقق لنا من فكّ شفراته في الطبيعة/ العالم،والذي قد يؤدي إلى تأويل فراغات النص الشعري والتي قد تتماشى ونسق النص العام، ولا تخرج عن تراتبيته السياقية، وليس بغريب ان أفضت نسقية النص عن متوالية خسران متامثلة، كون خسران الخصم/ الآخر، نتيجة لخسارات المتكلم/ الذات، وكلما استمر بالتمرير استمرت الخسارات، في خلق جو ضاغط على سياق النص العام، عبر خلق منظومة تفاعلية، من متبنياتها إنهاك الطاقة الايجابية لديه وتفريغها نهائيا، وهو انعكاس لصورة الواقع المعاش الذي اثر على الجو العام للنص، والذي يتماهى مع العينة النصية المختارة أو ما سيتم تناوله لاحقا من نصوص، وبهذا يمكن لنا التصريح بما سكت عنه النص، إلا وهو الرفض لتكرار الخسارات، ومجِّها لا التعايش معها وهو عكس ما قد يراه البعض من تصريح، وهذا الفهم لا يتحقق إلا من وجود قارئ خبير يعي طبيعة الواقع الذي عاشه الناص، والقيود الايدولوجية والاجتماعية التي فرضت سطوتها هي الأخرى، غير متناسين نوعية الخطاب الذي أنتجته ضرورات المرحلة، وقد نؤول الخصم/ الآخر، هنا صراع ذات الشاعر، وهو صراع قائم بحسب الضغوطات النفسية الهائلة، لذا صار لزاما التنبه لتاريخ استجابة القارئ للنص ونوعية القارئ أيضا.

(هؤلاء/ الواقفون على الموت/ يَرقصون/ ويُرقصون المنايا/ والأمنيات

صبية آمنوا/ بالوطن/ وكفروا بالرصاص )

ان النص الشعري دائما ما يجاري الواقع من الناحية التفاعلية خصوصا لكنه يترقى إلى ما وراء الواقع، لما للشاعر من رؤى عن العالم، ولكي يدرك الما وراء، يحب التنبه لجمهور المتلقين/ واخص منهم عينة القراء، هل توافق فهمهم للنص لتاريخ إنشائه، وما السياق العام الذي بُثَّ فيه النص، كرسالة لمتلقيه ؟ نعرف بذلك ما الجدوى من استدعاء الرقص من قبل الواقفين على الموت أو ترقيص المنايا والأمنيات، من قبل صبية مؤمنة، إذا ترقيص الموت هو الاستخفاف بقوة العدو وردم ما تهاوى من معنويات، علها تنتج الثبات في سوح القتال، لذا من الأهمية بمكان ان يدور النص ضمن فلك النصوص الحماسية التي تعيش وقتا ما، وبعدها تركن إلى الأرشيف، لكن المفارقة حدثت، لما أوحت به جملة، ( وكفروا بالرصاص)، إلا تنكرا للموت المجاني، الذي يعاد مرارا، ايمائة أخرجت النص من نسق الخرس، لما سُكت عنه إلى فضاء النطق، فمع ما حققوا من ثبات وأيمان بالوطن، عبر قضيتهم العادلة، لضرورة ديمومة الحياة، ليفضي النص عن ان الصبية ليسوا بطلاب حرب بقدر كونهم رسل سلام، لم يسعفهم القدر بتحقيق الأمنيات، بقدر معانقة السواتر وما كفرهم بالرصاص إلا حجة تصريح بأحقية فوزهم ببلد امن.

(هؤلاءِ/ جنود صغار/ لم تشبع الأمهات بعد/ من قبلاتهم

جنود صغار/ أخذتهم الحربُ/ أم أزلية / لا تؤمن بالقبلات)

قد يتطابق معنى النص مع المعنى الذي فهمه القارئ، كون القارئ كما أسلفنا هو المستهدف من وراء إنشاء الناص، والنص والقارئ، هما اللذان يحققان ديمومة الدينامية التفاعلية التي أُنشِئ من اجلها، أي ان النص يحيا في فضاء مفتوح لا تحده حدود، يفضي إلى إنتاج معنى، ولا يعني هذا توقفه عن استحضار معنى جديد، وإلا نكون قد قوضنا النص وأفرغناه من دلالاته العميقة ،ورؤاه المتوالية، لذا من المفيد الكشف عن مكنونات النص الشعري، كي لا ينسحب سلبا على تقويض ما تعدد من فجواته النصية، فلا نص شعري من دون فراغات، فهي من تمنح القارئ فسحة للتأويل، يمكنه من خلالها طرح رؤاه وأفكاره وتصوراته عن النص والعالم، ولما هذا من تكريس للعبة الغياب والحضور التي يتبادل الأدوار فيها القارئ والكاتب، ويمكن لنا زعم تحققه في النص الآنف فما تشي به جملة (هؤلاء/ جنود صغار)، لا تتوقف عند الاعتراض على الحرب، بل أنها تنسحب إلى الاعتراض على العسكرة التي أوصلتنا إلى تبني فئات عمرية صغيرة، مادامت الحرب أم أزلية، أم تؤمن بالموت والفناء، ولا تؤمن بالقبلات أم ليس لها قلب ينفطر، لما تأخذه الحرب، مما ينتج معنى الاعتراض على مشروع محو النشء، فالنص سكت عن ذكر فئة الرجال بشقيها الشيب والشباب، واتجه إلى الصغار، في إدانة لهذه الشهية التي لا تتوقف عند عمر محدد أو جنس ما وهنا تتجلى أهمية تناول الفجوات النصية.

 

 الناقد رحيم زاير الغانم

 

عبد الرضا عليصُنّاعُ قصائدِ الأعالي قِـلَّـةٌ لا يتجاوزونَ أصابعَ اليدينِ عدَّاً، ونزعمُ أنَّ الشاعرَ يحيى السماوي هو الشاخصُ الأميزُ بينهم .

لكنَّهم على قِـلَّتِهم يشكِّلونَ دريـئةً تقي الشعرَ من السقوطِ في دائرةِ الفجـاجةِ (التي بدأتْ تشيعُ هذهِ الأيّام)، وتبقيه قادراً على أنْ يتعاطى مع الأسئلةِ الملحَّـةِ التي يُثيرُها الوجودُ الإنسانيُّ وصولاً إلى تحقيقِ غايةِ الشعرِ في فتحِ عيونٍ كانت قد أُغلقتْ بفعلِ تراكمِ غبارِ العتمةِ في زمنِ الأوجاعِ.

في هذه المجموعة ( نهر بثلاث ضفاف) اشتغلَ السماوي على تطويعِ الرمزِ الأسطوري الخاص بـ( إينانا) إلهـةِ الجمالِ والحبِّ والتضحيةِ عند السومريين، وجعلهِ عامَّاً في فاعليَّـتِهِ الإنسانيَّةِ، فتحوَّلَ الخاصُّ إلى عام، وخرجَ الرمزُ من جغرافيَّـتهِ المكانيَّةِ إلى فضاءٍ إنسانيٍّ شامل.

ومعَ أنَّ الذاتَ الشاعرةَ كانت قد سعتْ إلى اعتمادِ بنيةِ اللغةِ المشفَّرةِ في بعضِ تراكيبِها، فإنَّها في الوقتِ نفسِهِ انشغلتْ عامدةً بجمالـيَّاتِ الفنِّ الشعريّ الذي يصنعُ الإدهاشَ، والإثارةَ، والابتداعَ، لذلك جعلت هذهِ الذات محاورَ المجموعةِ ثلاثةً هي: ( هبوط إينانا) و( وصايا إينانا) و( حبل إينانا)، كما أنَّها انتهجتْ تشكيلَ الوحدةِ الإيقاعيَّةِ المدوَّرةِ معياراً موسيقيَّاً لمعظمِ قصائدِ هذه المجموعةِ باستثناءِ سبعِ قصائدَ نُظمتْ على أُسلوبِ شعر الشطرين هي: ( قناعة) و(أخافُ على الليالي من سهادي) و(تبدَّلتِ الرياح) و(غزل أبيض) و( رباعيَّة) و(فتوى) و(قنوط.)

لغةُ السماوي لغةُ تجديدٍ وخلقٍ ... ومع كونها شفَّافـةً، فهي تـتمتَّعُ بقوَّةٍ إيحائـيَّةٍ مبتكرةٍ، وهو بارعٌ في عجنِها بالموسيقى عجناً، سواءٌ أكانَ الإيقاعُ في شعرِ الشطرينِ، أم في التفعيليِّ، وهو أقدرُ شاعرٍ عربيٍّ يُثيرُ في متلقيه نشوةَ الانفعالِ الإيقاعي في قصيدةِ التفعيلةِ المدوَّرةِ، فلا يجدُ (المتلقِّي) غيرَ الانصياعِ إلى قرارِها( القصيدة ) في الإمساكِ بتلابيبهِ (المتلقِّي) رغبةً منها في جعلهِ يشاركها متعةَ الترنّحِ مع أنغامِها التي تُسكِّنُ أوجاعَهُ بعضَ الوقتِ.

معدودونَ أولئك الذين كتبوا قصيدةَ التفعيلةِ المدوَّرةِ القمينةِ بالإشادةِ، والإعجابِ، لكنَّ أبرزهم (كما نظنُّ) هم: حسب الشيخ جعفر، وسامي مهدي، وعبد الرزاق عبد الواحد (1930-2015)، ويوسف الصائغ (1933- 2006) ونزار قباني (1923-1998.)

لكنَّ أُسلوبيّ قبّاني، والسماوي يكادان أنْ يتشابها من حيثُ التدفّقُ في تركيب النسيجِ، وفي انسيابيّةِ الجريانِ الإيقاعي وفيضه . ولعلَّ مجموعةَ نزار قبّاني الأخيرة ( أبجديَّة الياسمين) الصادرةَ في العام 2008م ( بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى) خيرُ دليلٍ لمن يريدُ أن يوازنَ بين الأسلوبين.

77 samawi600

حين تقرأُ قصائدَ السماوي التفعيلـيَّةَ المدوَّرةَ بعينينِ لمَّاحتينِ عزيزي القارئ الجاد، فإنَّ حاسَّةَ ذوقِكَ ستبادرُ هي الأخرى لتشاركَـهما التـلذَّذَ بارتشافِ خمرةِ الانتشاءِ، فنسيجُهُ مختلفٌ في بنيَتِهِ اللغويَّةِ والإيقاعيَّة، وصورُهُ مبتكرةٌ موحيةٌ غريبةٌ، وعندما تـتلبَّسُكَ فلسفةُ نصِّهِ، فإنَّ كيانكَ سيتمايلُ طرباً تلقائـيَّاً، لأنَّ رهافةَ إحساسِ الشاعرِ تمكَّنتْ من نقلِ تلك الأحاسيسَ إليكَ، وعندَها تشعرُ أنَّ عاطفةَ النصِّ قد تمكَّنتْ من تأجيجِ عاطفـتِكَ، وإثارتِها، وهذا ما يسعى إليهِ الفنُّ، ويريدُ الوصولَ إليهِ.

ويبدو أنَّ نباهةَ الشاعرِ لما في الموسيقى من أثرٍ عظيمٍ على المتلقيّ، ولما للخيالِ من قـوَّةٍ سحريَّةٍ عليهِ، ولما للعاطفةِ من حاجةٍ نفسيَّةٍ على وجدانِهِ، هي التي مكَّـنتْهُ (مجتمعةً) من أنْ يخلقَ نصوصاً تـتَّسقُ بالمتعةِ الجماليَّةِ التي تحقِّـقُ نفعاً وخيراً للقارئ الذكيِّ الجادِّ، كما في هذا النصِّ المتدفِّـقِ باللغةِ الموحيةِ، والصورِ الغريبةِ، والموسيقى المسكِّنةِ للأوجاعِ، والوجدانِ المملوءِ بالانفعالات:

قـبـلَ الـنـداءِ إلـى صَـلاةِ الـفـجـرِ

فَـزَّ الـقـلـبُ ..

صـوتٌ كـالأذانِ أتـى ..

أصَـخـتُ الـنـبـضَ ..

مَـنْ ؟

 

//

فـأجـابـنـي صـمـتـي

هــو الــمَــطــرُ الـوبــيــلْ

//

فـانـثـرْ بـذورَكَ

آنَ لـلـصـحـراءِ أنْ تـتـفـيَّـاَ

الأيْـكَ الـظـلـيـلْ

//

وتـفـيـضَ غـدرانٌ بـأعـذبِ

سـلـسـبـيـلْ

//

ألـقـى عـلـيَّ

تـحـيَّـةّ الـعـشـقِ الـخـرافـةِ هـدهـدُ الـبـشـرى

وقـالَ

//

 

يُـخـصُّـكَ الـزمـنُ الـجـديـدُ

بـجـنَّـةٍ

مـن فـوقِـهـا تـجـري مـن الأفـراحِ أقـمـارٌ

ويـجـري تـحـتـهـا

نـهـرٌ مـن الـقُـبُـلاتِ والأزهـارِ والأطـيـارِ

والـشـجَـرِ الـبَـتـيـلْ

//

فـاحْـزمْ فـؤادَكَ

واخْـلـعِ الأمـسَ الـمُـقـرَّحَ مـن كـتـابِ الـيـومِ

وادخـلْ آمِـنـاً غـدَكَ

الـجـمـيـلْ

//

***

السماوي واحدٌ من أبرزِ الشعراءِ المعاصرينَ الذينَ هضموا التراثَ الشعريَّ العربيَّ، وأفادوا من حالاتِ الإشراقِ فيه، إلى جانبِ أنَّ دائرةَ اكتسابهِ الثقافي، والمعرفيِّ واسعةٌ متجدِّدة، وأنَّ أصالةَ تجربتِهِ الشعريَّةِ تومئُ إلى ذلك الاكتسابِ، وتستحضرُهُ عند كلِّ عمليَّـةٍ ذكيَّةٍ في التلقِّي، أمّـا ذائقتُـهُ الموسيقيَّةُ فهي من العُلوِّ بحيث لا يتربَّعُ معه على قمَّتِها غيرُ القليل. وربَّما كانت هذه الأدواتُ قد جعلتْ منجزاتهِ الجماليَّـةَ تردُ خلالَ عفويَّةِ الذاتِ الشاعرةِ وهي تفصحُ عمَّا في أعماقِها من بوحٍ .

لكنَّ أبرزَ تلك المنجزاتِ أو التقنياتِ الفنيَّـة التي قدَّمتها قصائدُهُ في هذه المجموعة (كما نزعمُ) قد تمثّلتْ في الآتي:

1 – تقنيةُ القصَّةِ الشعريَّةِ، وأوضحُ مثالٍ لها: قصيدة ( هبوط إينانا ) وبعض مقاطعِ قصيدة ( حبل إينانا.)

2 – تقنيةُ السردِ الموصَّفِ، وأبرزُ ملحظ لها في قصيدة ( وئام ) وبعضِ مقاطع (حبل إينانا) و( وأزف الوداع) و( والأمس واليوم) وغيرها.

3 – تقنيةُ المحاورةِ، وأبرزُ قصائدها: ( وصايا إينانا) و( تضرع في محرابها) وغيرهما.

4 – تقنيةُ المدركِ الفلسفي، وأبرزُ قصائدها: ( خلاصة الحياة) و(ومضة) و( مخاض.)

5 – تقنية المناجاة ( المونولوج الدرامي) وقد تمثَّلت في قصيدة ( أُلفة )، وبعضِ مقاطع قصائد أخرى، وهذه المنجزاتُ الجماليَّـةُ لم تكن منعزلةً بعضها عن بعضٍ، إنَّما يمكنُ تلمّسُ أكثرِ من تقنيةٍ فنيَّةٍ في القصيدة الواحدةِ .

***

معظم قصائدِ هذه المجموعة لا تحتملُ التأويلَ، أي لا تحتملُ أيَّ شرحٍ أو تفسير، أو تحليل، وينبغي إبقاؤها بعيدةً عن أقلامِ من يخدشُها، أو يزري بها من أولئكَ الذين أُصيبوا باستسهالِ الكتابةِ، واسترسالِ الكلامِ غير المترابطِ الذي يستهـينُ بذائقةِ القارئ الحصيفِ، وبالضوابطِ المنهجيَّةِ للنقد، باستثناء ما كانَ لصيقاً بتـشكُّلاتِها الإيقاعيَّةِ، لوقوعِها ضمن دائرةِ البناءِ الموسيقي للكونِ كما يقولُ فيثاغورس، وإن تقبَّلتِ التقسيمَ باعتبارهِ معياراً ينبغي تأشيرهُ بوصفهِ حُكْـماً توصَّلَ إليهِ النقدُ معاينةً، والناقدُ اشتغالاً ¹.

ومثلُ هكذا نصوص تُعيدُ للشعرِ مكانتهُ التي فقدها، وتبعدُهُ عن دائرةِ الفجاجةِ التي اكتنفـتْهُ بسببِ كثرةِ المدَّعينَ (ممَّن هبَّ ودبَّ) بحملِ صفتهِ، لاسيَّما الذين دبَّجوا عشراتِ المجاميعِ، وادَّعوا الشاعريَّةَ جزافاً، وهم لا يفعلون غيرَ رصفِ ألفاظٍ متتابعةٍ على نحوٍ متقطِّعٍ للجملة الواحدةِ هكذا:

أنا

وحبيبتي

جلسنا

تحتَ

ضوءِ القمرِ

وشربنا

كؤوسَ المحبَّةِ

حتى ثملنا

إلى جانبِ أنَّ بعضهم ممَّن لا يعرفُ هدفَ الشعر، ودورَهُ في الحياةِ يفتعلُ الإبهامَ المستغلقَ في كتابتهِ النثريّة، ليجعلَ من خفاءِ المعنى دريئةً يحمي بهاِ عجزَهُ عن الوصولِ إلى شعريَّةِ النصِّ كما في المثالِ المستغلقِ الآتي غير المفهوم إطلاقاً:

لا تنتحبْ

أيُّها الضبابُ المرتعش

على كتفِ الهواءِ المحاصرِ بالنهبْ

واسندْ

تأتأةَ الندى خدَّاً

على وسادةِ النشيد

المحتفي

بالذاكرة.

***

وعلى وفقِ ما تقدّمَ نقولُ ونحنُ على اطمئنانٍ تامٍّ: من يُريدُ أنْ يتعلَّمَ كتابةَ شعرِ الأعالي المغايرِ للسائدِ في أُسلوبيهِ: التفعيليِّ المدوَّرِ، والشطرينِ الجديدِ، وكيفيَّـة صناعةِ الأخيلةِ المبتكرةِ داخلَ النصِّ، وإظهار وجدانِ الذاتِ الشاعرةِ، وحالاتِها النفسيَّةِ المتباينةِ، وما تعلَّقَ بعمليّةِ بنيةِ النسيجِ الإبداعي، واختيار إيقاعاتِها المناسبةِ، ومعرفةَ صلةِ الفقرةِ بالفقرةِ لتكوينِ البناءِ العام...وغيرها من أدواتِ الشاعرِ الخلاَّقِ أن يحملَ هذهِ المجموعةَ معه في حلِّهِ وترحالهِ، ويديمَ النظرَ في تشكّلاتِها السحريَّةِ الغريبةِ، لأنَّها أخيلةٌ مبتكرةٌ لا يقدرُ عليها غيرُ الفنَّانِ المبدعِ . والسماوي هو الشاخصُ الأميزُ الذي يعجنُ اللغةَ بالموسيقى عجناً بين هؤلاءِ الشاخصين القلَّةِ.

 

تقديم:عبد الرضــا عليّ

....................

(1) يُنظر كتابنا (رؤى نقديَّة في الشعر وما حوله) 9، ط1، منشورات دار ضفاف، بغداد – الدوحة، 2013م.

 

 

ياسمينة حسيبيمذ أصبح العشق حادثا مؤسفا

وأنت تجرب الوقوف على ساق واحدة

تقدحك الكؤوس وتحتسيك زفرة الشك

ماء وسقسقة وشعرة فوق اللسان

فعلام تدخن جروحك في الأراجيل

وتنفث الجسد من ثقوب الروح

علام تلوح للشوق بحرير المناديل

وتطرق بابًا أقفلتْه ريح الغياب

تأتي دلالة الصورة الفنية في الشعر لتؤكد على نقل تجلياتها من المحور الشكلي الفوتغرافي الجامد الى محور ورؤية جديدة فالصورة لاتعني تكرار الشيء ذاته والا لم يكتسب المنجز الأبداعي طاقاته التأويلية التي تحقق فعل الدهشة وتجسد صنعة الإيهام المطلوب في الشعر يؤكد الجاحظ ذلك بقوله

انما الشعر صياغة وضرب من التصوير .

كما يتوجب في الصورة الفنية الشعرية طابع التكامل والترابط فهي كنسيج مؤتلف حيث يعرضها اية تصدع او حذف بجزء منها الى انهيار أشراقاتها التأويلية .

يذكر الجرجاني في أسرار البلاغة . فأنك تجد الصورة المعمولة فيها كلما كانت أجزاؤها أشد إختلافا في الشكل والهيئة ثم كان التلائم بينهما مع ذلك أتم والأئتلاف أبين كان شأنها أعجب والحذق لمصورها أوجب . لكون الصورة الفنية لها أثر في المتلقي من حيث تحقيق الدهشة وتحفيز الخيال وجذب المتلقي الى استكناه النص وفهم معانيه .

ويقسم ابو الفتح ضياء الدين ت .٦٣٧ ه الصورة من حيث التشبيه الحسي الى أربعة أقسام ثلاثة تخص الصورة والرابع منهما يخص التشبيه المفرد فيقول ان الاول تشبيه صورة لصورة والثاني تشبيه معنى بصورة والثالث تشبيه صورة بمعنى حيث تقترب شاعرتنا ياسمينة حسيبي من توظيف الشكل الثاني من حيث كونه الاقدر والأجدر على توظيف المعاني الموهومة بالصورة المشاهدة . ويعرف الشريف الجرجاني الصورة بانها صورة الشيء مابه يحصل الشيء بالفعل .

أما تعريف الصورة في تنظيرات علم الجمال من ان الغاية في الفن ليست في محاكاة الطبيعة وانما هي في تمثل طبيعة وهمية. فهو ذلك الأندماج الوجداني مع مفردات الكون وشيئياته لتغيير حالات التشكيل السلبي الجامد للعلاقات الفكرية بين اللغة والصور واعادة تمثيلها ومنحها علاقات وطاقات تأويلية جديدة لشكيل إضافة وفهم جديد للوجود الأنساني . وفي مجال علم النفس تحدد الصورة بأعتبارها إعادة انتاج عقلية لذكرى أو تجربة عاطفية او إدراكية عابرة ليست بالضرورة بصرية .

فتأتي الصورة الفنية لتعبر عن الشعور والفكرة التي تضطرم في النفس فالشعور لوحة داكنة من دون ان يتشكل في إشراقة صورة فنية او لمحة خاطرة فمن اجل ان نقيم لوحة شعرية

لابد من تعاضد الخيال وتماهيه في اللغة لتحقيق ذلك الأنسجام الجمالي والتعالق الوثيق في شكل فني منظم فالشعر خيال وصنعة ولابد ان يكون الشاعر قادرا على صنعة التصوير وبلاغة التفجير الدلالي سابرا عوالمه الذاتية قادرا على إستكناه مشاعره .

يذكر الناقد الروسي شلوفسكي .ان الشاعر لايخلق الصورة والخيالات وانما يجدها امامه فيلتقطها من اللغة العادية . وحسب مقدرة الشاعر يقوم بتحويلها الى لغة غير عادية عبر إبتكار العلاقات الجديدة وتفجير دلالاتها من دون أن نتمثلها ضرورة شيئا عيانيا حاصل في المكان، كما يذكر الدكتور عز الدين اسماعيل حيث يكون الأستخدام بعيدا عن الواقع مما يوقع الغموض وذلك لأن العلاقة بين الكلمة والواقعة في الشعر أكثر غموضا وبعدا من العلاقة بين الصورة والشيء المصور .

جاءت تراكيب الصور الفنية عند الشاعرة ياسمينة حسيبي في هذا النص الكثيف والعميق عبر الجمع بين حالات وحقائق تتباين في إقترابها وإبتعادها قلة وكثرة ...

فالصورة عند الشاعرة إبتكار ذهني خلاق فتنضج عبر تلك الصور الفنية الشعرية علاقات جديدة بين أفكار ورؤى تتجاذب أطراف المحنة والشوق والأندماج بشيئيات الوجود فيأتي عروج البوح من خلال آلية التمهيد والأسترسال النفسي المعاتب من طرف خفي .. تظهير .. ..

منذ أصبح العشق حادثا مؤسفا

وأنت تجرب الوقوف على ساق واحدة .

حيث سبك التوجع متماهيا بالوجدان وان كان منتزعا من تمظهرات الواقع فهو صناعة مخلوقة بأتقان لغوي خلاق حيث يأتي الوقوف على ساق واحدة لتعميق حالة المحنة وعسر ولادة الزمن بتجليات الخيبة والفقد في سيريهما الوئيد المترنح مع عمق المأساة التي ترسمها الصورة فليس دوما ان يكون المرئي ممثلا للحسي بأنطباقية كاملة فالصورة المرئية ليست دائما هي الصورة المرئية مثلما يؤكد د. عز الدين اسماعيل . فنحن في الشعر نتمثل الأشياء بالكلمات والملفوظات فهي أدوات بيد الشاعر لنحت الصور الفنية الشعرية وإتقان المعنى المبهر .... ثم تأتي صور مدهشة في النص كقولها ..تقدحك الكؤوس .. تحتسيك زفرة الشك... عبر هذه التجليات تمكنت الشاعرة من رصد حالات تغييب الكائن الشخص وإختزالها في صور فنية تتسم بالدهشة وحركية المشهد الجواني للنفس عبر تراكيب صور تجعل الحالة النفسية والوجدانية في حالة إستغراق كامل ضمن فضاءات الضياع والتيه والفقد فتحتشد صور المغالبة التي تمثلت في الكؤوس ومراودتها بأستمرار لتتماهى مع زفرات الشك والألم لتحتسي مابقي من ظلال الكائن وتصرمه الذاتي والكينوني في عبثية الأشياء وفداحة الضياع واللامبالاة .

فقد برعت الشاعرة ياسمينة في إتقان صنع صورها الباذخة في الجمال والسامقة في المعنى المؤثر حيث يحقق الدهشة اثر صورة مهشمة تملي على القاريء الحصيف اعادة انتاج وتوليف العلاقات الفكرية لفهم المغزى الجديد فقاريء الشعر الحديث يجب ان يكون له مقدرة على تفكيك الشفرات و تفسير الخطاب لأنها نصوص تقوم على تهشيم الصور وانتاج علاقات ذهنية تتسم بالغرابة والغموض .

فالشاعرة ياسمينة حسيبي تتقن صنع الصورة الفنية حيث يكون الشعور عندها هو بؤرة الصورة وكينونتها الفاعلة وطاقتها التأويلية وقابليتها الزئبقية على التخفي والأظهار.. تظهير ....

فعلام تدخن جروحك في الأراجيل

وتنفث الجسد من ثقوب الروح

علام تلوح للشوق بحرير المناديل

وتطرق بابا أقفلته ريح الغياب...

نلمح الشاعرة وهي تواصل تهشيم الصور الفنية

عبر هجرتها وظائفها المعهودة الى وظائف تتعالى نحو التجريدي والمعنوي والذهني والعمل على وظيفة التشبيه لصتع الصورة الفنية المدهشة

من خلال تشبيه المعنى في الصورة ..تدخن جروحك.. عمق المأساة وتماهي الوجع في صورة الأراجيل وهي تطلق أمواج المواجع كهالات دخان يتصاعد من جراحات الكائن المجهول الذي يمثل كائن اليوم المشوش والمضطرب ويتواصل حشد الصور وتعميق المأساة مع مقطع ..تنفث الجسد من ثقوب الروح

فالشاعرة قد أستبدلت الوظأئف بين الروح والجسد فالروح لها لطافتها وشفافيتها وأشراقتها والجسم له كثافته وثقله وظلاميته فكيف حصل التبادل بين الوظيفتين وهذا هو مكمن ابداع الخيال وصنعة الشعر فقد تماهى امتزاج القهر والتوجع بين الروح والجسد وأضحت الحالة واحدة لا إفتراق بين الجسم والروح وأضحى كل منهما هو كون الآخر عبر فداحة الفجيعة والألم ووصل الأسى الى أغوار الروح فأضحى الجسد روحا والروح جسدا فلا غرابة من ان ينفث دخان الجسد بصورة الأحتراق الجواني للطافته عبر ثقوب الروح وهي صورة غاية في الروعة والأشتغال في تعريف الأشياء بضدياتها والتمكن من تهشيم المألوف من علاقات الصور وانتاج دلالات المغايرة في الفهم

لقد جاء المقطع الأخير في النص الشعري ليبرر حالات الأستفهام الأستنكاري المتكرر فما يجري في فضاء النص يجري خارج متطلبات الضرورة لأنه يلح في الطرق على بوابات النهاية والغياب من دون جدوى .

 

بقلم: ظاهر حبيب الكلابي

.......................

المصادر

- الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنيةةالمعنوية للدكتور عز الدين اسماعيل..

- أسرار البلاغة عبد القاهر الجرجاني .

- التعريفات للشريف الجرجاني..

 

شلال عنوزليس من السهل ان يتحقق المنحى الدرامي في نص شعري معين من دون أن يستحضر ذلك النص ويستبطن مقومات الدرامية لتحقيق المعطى الدرامي في الشعر ومن أهم تلك المقومات والركائز الدرامية .... محورية الأنسان والصراع وتناقضات الحياة .

فالأنسان والصراع والتناقضات الحياتية هي من أهم العناصر الأساسية لكل قصيدة لها طابع درامي١، لأن الأنسان في دوامة صراعه من اجل البقاء يرصد الحياة ويستوعب تناقضاتها ويعمل للكشف عن خباياها وأسرارها وبذلك يعمل من أجل فهمها ومواجهة تقلباتها عبر ادارة لعبة الصراع الدائم وهذا هو مكمن الدراما التي تحتم وعي آلية الصراع لنتمكن من فهم الدور والحيز النفسي للمشاركة والتأثير . والدرامية لاتتخندق في منحى معين او أتجاه واحد بل تتعدد المحاور بتعدد الرؤى حسب مقتضيات الصراع الدائر بين الخير والشر بين الوجود والعدم فالصراع حركة عبر تصادمات الأضداد لتفسح لنا عن رؤية جديدة تتجسد عبر التعبير الدرامي الذي هو أعلى صورة من صور التعبير الأدبي كما يؤكد ذلك الدكتور عز الدين اسماعيل .

ومع ان الدرامية لاتتفق ومنحى التجريد الفلسفي لأن للدرامية طابع التجسيد العياني والمشهدية بعيدا عن إستغراق التجريد في متاهاته التأويلية المحلقة في فضاءات تجريردية متعالية .

فالدراما حركة وصراع وتجسيد لايتخندق في إطار المعنى وحسب وانما يعمل على تلبس منعطفات المعنى نحو محاور التجسيد والحميمية .

لكنا نزعم ان نص الشاعر العراقي شلال عنوز هذيان عند فم العاصفة وإن كان في صوره الذهنيةالمركبة وفي منحاه فضاءات فلسفية صادمة أخرجت مداليل الألفاظ من لغتها العادية الى لغة انفعالية غير عادية أفادت من عناصر الدرامية في تصعيد التوتر الأنفعالي وتحقيق التأثير المطلوب .

لقد كان للدرامية في نص الشاعر شلال عنوز الأقتراب المؤثر بقضايا الأنسان والوجود والمصير عبر عناصر تمثلت بجوهر الوجود ألا وهو الأنسان إضافة الى الصراع وتناقضات الواقع من خلال وجود الشخص القناع الحامل لغثيان الوجود وعبر سرد شعري دافق بالجمال والتكثيف وطاقة الشحن الأنفعالي الكاشف عن الزيف ومرارة الصراع، فالنص منذ بداياته وعبر الأفعال كان ويوميء .. يشي بدرامية حركية تجسد مرارة الواقع وفداحة الفقد نستظهر قول الشاعر .. ...

كان يوميء بسبابته المبتورة

نحو فراديس الموت

لكن الريح المجنونة

كانت تبتلع عاصفة الدمى

وتشير للمساءات بالبكاء. ......

فهنا حصل اشتغال للصورة الذهنية المركبة

ويعني بها ايهام الصورة التي ليس لها مايطابقها في الخارج فالشاعر يرسم صورته وفي نفسه ايهام المتلقي بأنها تقرير للواقع ٢

حيث لمسنا مقطع عرضي لصور ذهنية جزئية وفيها توالي من الومضات الصادمة وقد إستأثرت الحسية بشيء وافر منها فقد منح الشاعر لشخصية مجهولة هي حاملة وجع التاريخ والذاكرة لتنوب عن الشاعر في ممارسة لعبة الفناء في صراعها المحموم ضد قدريتها القاهرة، فقد أشار بسبابته المبتورة نحو فراديس الموت والخواء والفقد . فحيث يتحد الفناء في الفناء فذلك مكمن عذابات الشاعر حينما يكون المشير والمشار اليه يتفقان على اتقان لعبة الفناء والرعب وهكذا تكمل الريح المجنونة خواء الفراديس حينما تبتلع الدمى وبراعم الوجود لتحيل المساءات الى حفلات نواخ وعويل.

في حين يرفض الدكتور صلاح فضل ان تكون وظيفة الصورة هي تجسيد الأشياء المجردة والعبور من الامر المعنوي الى الشيء المحسوس في النص الشعري ٣.

فهناك الكثير من الأستعارات يكون فيها المدلول الثاني مرادفا للمدلول الاول وهذا التغيير يبقى منحصرا في مستوى دلالة المطابقة لقد تم أستبدال المعنى لا اللغة .٤

فالأستعارة الشعرية ليس تطفلا على المعنى بل تغيير في طبيعة المعنى حيث يتحقق الأنتقال من

اسار المعنى المفهومي الى فضاء المعنى الانفعالي

لقد جاءت المقاطع الأربعة للشاعر شلال عنوز مثل ايقاعات معووفة موسيقية من حيث السرعة والأبطاء على صعيد الأنفعال والتوتر والترقب. فالمعزوفة الموسيقية تتألف من اربعة مقاطع الأول بطيء والثاني سريع والثالت بطيء سريع والرابع سريع بطيء وهكذا اقترب هذيان الشاعر شلال عنوز ليشكل صداه ويتماهى مع الهذيان الأكبر لجوقة الغافلين و المحرومين والتائهين في دوامة الصراع المجنون فهو هذيان في فم العاصفة في لجة عنجهيتها وغطرستها وجموحها العابث هذيان في لوحة صامتة ولكن زمنها يتشبث بكل شيء ويهشم كل شيء في لحظة الكشف لحظة القراءة والمشاركة في هذيانات لامتناهية تتناسل من لعبة الصراع مع كائنات من أشباح لننتج دراميتها عبر الصراع بين ان اكون او لا أكون حيث يمثل الشاعر بتمثلاته المقموعة ايقونة الوجود الأنساني الذي يعاني الواقع اغترابا وفجيعة .... يقول في المقطع الثاني

في تفحم حويصلة القهر

يستفيق الرقاد بلا مئذنة

وتلد الامهات أشباحا من وجع

حيث تخلو الطرقات

من العابر ين الجدد

تتحصل حالة الكشف والرقاد الفاني في اللاشيء حيث تنبجس إنوجاداته داخل تفحم حويصلة القهر والضياع وهي صورة ذهنية مركبة غارقة في الفجيعة والسوداوية وهذا ما يفسر إستفاقة الرقاد بلا مئذنة حيث حالة البوح والنشر والنداء كانت في بحبوحة الصمت المطبق فهو إستفاقة ذاتية مقموعة بالقهر والأستلاب والفراغ من شحنات النبض والديمومة ومع تلبس مخاضات التوجع وتوهج درامية الأسى ان الأمهات تلد أشباحا من وجع تخلو الطرقات من طوابير الزاحفين فهم في لجة الغياب وشبحية الوجود الفائض عن الحاجة .

حيث ان الامهات حين يلدن أشباحا من وجع لها دلالات ذات امتداد زمن افقي يتسع ويتماهى مع توجعات الشاعر شلال عنوز وبما ان شاعرنا يعرف بنزعته الواقعية ودرامية تصويره الشعري فقد كان يقترب من التعامل مع الزمن النفسي بدلالاته الحركية والحسية ويحدد من خلاله مصير الجموع وهم يفقدون الامل فاي جدوى بمصائر مهاجرة في وهم العالم وصمت الأشياء وقد تفتحت بصائرهم على انهيار منظومة القيم وإفلاس المثل فهي نبوءة مستقبل عقيم بقول الشاعر حيث تخلو الطرقات من خطى العابرين الجدد.

ويسترسل الشاعر في عذابات المكان وتصويره الدرامي المشحون بالقلق والذي يسوده هاجس الخوف والترقب فقد أدرك الشاعر ان وجوده وسط عالم صاخب ومقلق لايحتمل التبرير وان رحلته ورحلة غيره من المعذبين مفضية نحو العدم والخواء فلا اقل من ان يكون صارخا بوجه الزيف كاشفا عن متاهات المستور والمتسائل هو الشاعر عن سر المآسي المتناسله. تظهير

وحشة والأمكنة تأكل صراخ الحنين

فتتجندل الأماني مذبوحة على قارعات النصب

والحاكمون بإسم الله

يجتثون آخر رقصة من حلم مستباح .

ان الغربة الفكرية من اقسى أنواع الأغتراب إلا انها منبع من انقى منابع الخلق الإبداعي وقد يقود الاغتراب الفكري المبدع الاصيل الى العزله عن المجتمع ٤.

مع ان الشاعر يعاني إغترابا مقلقا ويمارس ادانة زمانية مكانية لمصادر القهر والاستلاب وهو لم يكن منعزلا عن مجتمعه بل كان مشاركا لاوجاعهم قريبا من معاناتهم فقد تحرر من موته الشخصي وتشائميته من قسوة الحياة وغربة الواقع فأرتقت رؤاه نحو فضاء المواجهة والكشف بالضد من الدعاة اللذين يجتثون الحلم ويذبحون الأماني حيث يشكل الفقد بكافة دلالاته القهرية والاستلابية ثمنا لديمومة للوجود ومواصلة الأنتظار الذي لا يجدي عند بوابات الغوث لان فعل الاستلاب قد تشبث على النفوس وأركس قواها واضعف انطلاقتها نحو الحرية والصلاح . تظهير وحدك تندب الفرج عند بوابات الغوث

أدمنت صلاة الغائب

حيث لاغائب يعود .

فقد استطاع الشاعر ان يحدد موقفه من الخييه والغياب من خلال محورين أحدهما الخيبه من الواقع الذاتي للشاعر الذي يرتبط بمعاناته من امواج الاضطهاد والطغيان والحرمان وقد صور الشاعر ذلك بمقاطع كئيبة الحركه رتيبة الحال تجمد فيها الزمن . تظهير

كان يومئ بسبابته المبتوره نحو فراديس الموت وفي مقطع اخر وحشة الأمكنة تاكل صراخ الحنين .

فقد تبلدت الحركة وصمت الزمن وبدت الأمكنة تولول لأستلاب الأنسان وفقدان هويته.

اما المحور الاخر فقد تجلى بالموقف من الغياب المطلق وقد عبر عنه الشاعر بحوارية مع الذات .

أدمنت صلاة الغائب التي تلبسها الشاعر بحساسية مفرطة ولكنه أسدل الستار على اية بارقة امل للعودة والتغيير بقوله لا غائب يعود .....

وقد تتقاطع رؤية الشاعر مع بعض الرؤى المثيولوجية وتبقى للشاعر رؤيته في مواجهة الفناء والغياب والتغييب نوعا من الأصرار والتشبث بحركية الزمن للتجدد والانعتاق وتحقيق الفعل الأنساني الخلاق .

 

بقلم:  ظاهر حبيب الكلابي

....................

الصورة للشاعر شلال عنوز

المصادر

١- الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنيه والمعنوية الدكتور عز الدين اسماعليل ص ٢٨٤

٢- الصورة الفنيه في شعر الشريف الرضي الدكتور عبدالاله الصائغ ١٩٨٥

٣- نظرية البنائية في النقدالادبي ص ٣٥٨

٤- بنية اللغة الشعرية جان كوهن ص ٢٠٥

 

 

جمعة عبد اللهيضعنا المبدع الكبير (برهان الخطيب) امام عمل روائي متكامل الابداع والتقنية والصياغة في النص الروائي. وهو يخوض في غمار الواقع السياسي، في مرحلة معينة من تاريخ العراق الحديث، المضرجة بالدماء والعنف المفرط واساليب التسلط الشمولي، الحبكة السردية وتداعياتها تمثل ارهاصات خلاصة التجربة الحياتية والمعايشة والفعلية في لب الصراع المتعدد الاطراف والاشكال. في الخوض في خارطة التفاصيل، لا صعب مرحلة او حقبة سياسية معقدة ومتشابكة. وهي تتناول كيفية انتزاع السلطة بالطرق اللاشرعية، وكيفية احتكار العمل السياسي، وكيفية ملاحقة الخصم على أمل تدميره، سياسياً وجسدياً. المتن الروائي يتناول ايضاً التخبط في اسلوب وعمل التنظيمات المعارضة العراقية في الخارج. يسلط الضوء الكاشف على كل اطرافها الساسية بكل الوانها واشكالها. وخاصة في فترة السبعينيات من القرن الماضي، والفترات المتعاقبة والمتلاحقة بعد ذلك. من خلال المعطيات الحقيقية، بالوثائق المستندات الدامغة. ليستقرئ الاوضاع السياسية السائدة آنذاك،في تقمص دور دور رجل الامن الغليظ والمتزمت، وبالسلوك الذي يعتمد على الاساليب في المكيدة والدسيسة والاحتيال. في ممارسة نهج التصفيات السياسية والجسدية للخصم السياسي. مما خلقت اوضاع شاذة في اراقة الدم العراقي، وفي التضييق الكامل على الحرية العامة والخاصة، وانتهاك حقوق الانسان. وتصاعد وتيرة الارهاب بطفرات كبيرة، مما خلقت النزوح والهجرة والتشرد خارج الوطن. في محطات الغربة والمنفى والاغتراب. وهذه المحطات: (سوريا. روسيا. السويد. الدنمارك) تناول مسار المتن السردي بتسليط الضوء على كل محطة من هذه المحطات، التي تتواجد الجالية فيها العراقية. مثلاً سوريا، لا يخرج ولا يدخل اي عراقي، بعيداً عن مجهر المراقبة الامنية، وتحت سمع وبصر المخابرات السورية، وعيونها منتشرة حتى داخل تنظيات المعارضة، ولها اليد الطويلة على اطراف المعارضة بكل اشكالها والوانها. كما يكشف المتن الروائي، التنابز والخلاف والتناحر، الذي يسود عمل التنظيمات المعارضة السياسية. والكل يدعي بأنه سيكون الوريث الشرعي بعد سقوط النظام في بغداد، وكذلك يد النظام الاخطبوطية، المتغلغة في اعماق المعارضة وتنظيماتها. ويتناول النظرة الارتيابية، لكل من يدعي انه مستقل ولا يحبذ العمل السياسي ولا الانخراط فيها، فمعنى الاستقلالية مرفوض، يعني يضع نفسه في وضع غير مأمون وصعب وغير مرغوب به، ولا يمتلك شرعية الاقامة على الارض السورية، إلا بتزكية من احدى تنظيمات المعارضة. حتى (خالد) كان يخطط بأن يكون بعيداً عن الاجواء السياسية والحزبية وطقوسها كلياً، وان يكون مستقلاً، متفرغاً للعمل الادبي. لكنه وجد نفسه يغوص في اعماق بحر السياسة المتلاطم بامواجها العاتية، وجد نفسه مشدوداً الى خيوطها (أراد خالد كل حياته ان يكون بعيداً عن السياسة فوجد نفسه في لبها !. أن يكون متفرجاً مستقلاً فوجد أنه مشدود بخيوط مرئية وغير مرئية الى مسرح الحياة) ص405. والمتن الروائي سلط الضوء على الشخوص المحورية في الرواية (خالد. عدنان. صلاح، رباب. غالا. ضرغام. حامد). ويتابع خيوط تواجدهم في روسيا. وكذلك في انتقالهم الى السويد لطلب اللجوء، يتابع تفاصيل حياتهم وطرق تفكيرهم في هذه البلدان، التي احتلت مساحات واسعة في ثنايا الحبكة السردية. التي جاءت من ثمرة عمل روائي، بالجهد المثابر والدؤوب، وبالعمل المتواصل دون انقطاع، أستمر ست اعوام. ليقدم هذا العمل الروائي. الذي وظف عدة اساليب متنوعة، في اشكال التقنية الفنية والتعبيرية في اسلوبية الرواية الحديثة، واهم هذه الاشكال، الرصد البوليسي، في الملاحظة والتدقيق والتحليل والمتابعة. في اسلوب رشيق ومرهف.

أحداث المتن الروائي:

- بعد طرد وابعاد (خالد) من روسيا، بالمعاملة الخشنة، حيث لم يسمحوا له بأخذ اي شيء، ولم يخبره سبب الاستدعاء، او الجهة التي يتوجه اليها، لكي يجهز نفسه. وجد نفسه في الحجز لم يسمح لزوجته وابنه في الزيارة في الحجز.اي انه طرد بأسلوب تعسفي وظالم، فمن الحجز الى المطار دمشق، وهل لا يعلم الى اين ؟ واستلم جواز سفره في مطار دمشق. بدون مال سوى حقيبة سفر. فكان يبحث عن قشة انقاذ لوضعه الصعب، بأيجاد صديق، او من معارفه، او من اهل مدينته (الحلة) وراح يفتش عنهم في مرقد السيدة زينب في الشام. ووجد اقربائه ومعارفه واصدقائه هناك، وساعدوه في تخفيف معاناته. وجد الدعم المالي بالاقتراض المالي، ليمشي اموره الحياتية، وكان يخطط بأية وسيلة في الرجوع الى روسيا مجدداً، ليدبر احواله هناك، ثم الانتقال الى احدى دول الهجرة. وعرف عن قرب على الخلافات في التنظيمات المعارضة العراقية، واحوالها البائسة، التي تكتنف حياة العراقيين بالضائقة الحياتية والمالية. وبعد مساعي حثيثة، حصل على جواز سفر مزور وتذكرة سفر سياحية الى روسيا. وبالفعل دخل روسيا في عهد (البيرسترويكا). ووجد الاحوال متغيرة في مدينته وكذلك في الاوضاع العامة في البلد، وجدها تعيش المعاناة والفوضى في الاوضاع الجديدة. وبدأت تعيش في وضع بائس وتعيس (لكن المدينة بدت في عينيه وكأنها في بداية عهد تعيس. نظافتها ونظامها الصارمان القديمان يختفيان وتحل فوضى في الشوارع والبيوت... مؤسسات كبيرة تتحلل الى دكاكين صغيرة. والناس في عجلة الى مجهول. القبضة القوية ارتخت فبدأ كل يبرز قبضته) ص207. فلم يستقر به الحال في روسيا، فشد الرحال الى السويد، طالباً اللجوء والاستقرار فيها. لكن من الصدف، أنه وجد غريمه القديم والعتيق (عدنان) الذي ساهم بمكيدة منه في ابعاده من روسيا. وكما أن (عدنان) يمثل شخصية عدوانية بالمزاج الشرس والانانية القصوى. وكان سابقاً، الحارس الامين والمدافع الشرس عن السلطة وحزب البعث، وساهم في الجرائم الكثيرة، في الاعدام والقتل، حت لاقرب اصدقائه، نفذ فيهم القتل. ولكن حين اشتد عليه الخناق هرب من قبضة النظام، وانتقل الى دور المعارض. واساليبه المفضلة في السلوك والتصرف، هي المكيدة والدسيسة والحيلة، من اجل الايقاع بخصمه. وعرف (خالد) بأن غريمه دخل السويد، بأسم مستعار، اسم صديقه القديم (أياد مجيد) الذي نفذ به حكم الاعدام في بغداد بموافقة النظام. لهذا يبقى السؤال والتساؤل، عن جريمة القتل، والجثة التي وجدت مقطوعة الاوصال، التي عثر عليها، في احدى الغابات في السويد. والتي عرف عنها بعد التحري والتدقيق والتحقيقات المضنية والمتواصلة، عرفت جثة القتيل بأسم (أياد مجيد). فمن يكون القاتل والقتيل؟، أذا كان القتيل بأسم (اياد مجيد) معدوماً في بغداد. لذا من ممكن جداً ان (عدنان) ارسل لشخص معين لينفذ به جريمة القتل بأسم (أياد مجيد)، لكي يهرب الى بلد اخر، وخاصة انه ضاقت عليه الدائرة اعدائه المحيطة به، والذين يطالبون برأسه. (ضرغام) شارك في اعدام ابيه بدسيسة مغرضة. و (خالد) ساهم بطرده من روسيا، رغم انه كان متزوجاً من روسية ولديه ابن (سالم). و(رباب) كانت عشيقته وخليلته في الفراش، اثناء دراستها في روسيا، وكان يستخدمها لتجسس على العراقيين، واجهضها اكثر من مرة، وفي الاجهاض الاخير، لم تستطع اجراء عملية الاجهاض، لذلك احتفظت بالجنين. و(حامد) شقيق (خالد) ارسلته الحكومة العراقية، لينفذ عملية الاغتيال بحق (عدنان) لانه خرج من بيت الطاعة للنظام (لقد تم ارسال حامد بمساعدة المخابرات الى هنا بأعتباره هارباً من الخدمة ومعارضاً للنظام في بلده، مزوداً بعنوان عدنان لقتله والعودة الى بغداد لينعم بمكافأت) ص328. لكنه استغل الفرصة ليهرب من النظام، وينفصل عنه كلياً، ويتزوج من خطيبته القديمة بنت عمه (رباب). ولكنه كان لم يوافق على تواجد الطفل في البيت، الذي هو ثمرة غير شرعية في العلاقة الجنسية، بين (رباب) و(عدنان). أما (ضرغام) فهو متزوج من (غالا) الروسية. التي كانت عشيقة وخليلة (عدنان) والتي لم تقطع علاقتها المشبوهة حتى بعد الزواج، مما اضطر (ضرغام) ان يعتدي عليها، وهذه بدورها اقامت دعوى ضده عند الشرطة، واودع السجن بتهمة الاعتداء على زوجته. ولكنها اختفت مع اختفاء (عدنان) بعد ذلك. لذلك يظل لغز اختفاء (عدنان) وجريمة القتل التي حدثت. حتى التحقيقات الاجهزة الامنية، لم تتوصل بشكل قاطع الى هوية القاتل والقتيل، حتى بعد مرور عشرة سنوات على ارتكاب الجريمة. وفي محاورة في المطار بين خالد والمحقق، الذي تولى ملف الجريمة على عاتقه (- لم تعرفوا قاتل عدنان حتى الآن وإلا كانت وسائل الاعلام ذكرت ذلك.

- مقتل عدنان لم يثبت بصورة قاطعة لي. وما يحيرني ان عدنان لو لم يكن هو القتيل فلماذا لم يظهر في بلده أو غيره بعد تغير النظام وانقضاء عهد صدام). ص422.

عمل روائي يستحق القراءة.

× الرواية : الجنائن المغلقة / الجزء الثاني

× المؤلف : برهان الخطيب

× الطبعة الاولى : عام 2006. في بغداد

× عدد الصفحات : 431 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

 

عبد المجيد عامر طميزةأولا: النّصّ

فَوْضَى أَلْوانِي الْمُشَاكِسَةِ/ آمال عوّاد رضوان

تَوَارَفْتِ ضَبابًا رَهِيفَ خَطْوٍ

يُوَاعِدُ ظِبَاءَ رُوحِي!

بحَّةً

تَ ر ا مَ حْ تِ

بِبَاحاتِ بَوْحِي

غَمَسْتِ أَصَابِعَ نَقَاوَتِكِ .. بِفَمِ أَحْلاَمٍ تَشْتَعِلُ

وَمِنْ كُوَّةِ عَتْمَتِي

سَطَعْتِ أَرْتَالَ أُنُوثَةٍ صَافِيَة!

*

مَدَدْتُ يَدِي

لأَلْتَقِطَ وَهَجًا أُسْطُورِيًّا .. يُرَمِّمُ ظِلِّيَ الْهُلاَمِيَّ

لكِنَّكِ.. أَغْمَضْتِ وُرُودَ غُمُوضِكِ

وَرَشَقْتِ سَهْمَ شَقَاوَتِكِ الْمُشِعَّةِ

وَانْخِطَافًا... اصْطَدْتِنِي!؟

كَيْفَ ذَا.. وَأَنَا مَنِ انْسَلَّ مِنْ خُرْمِ مُسْتَحِيلٍ؟

*

تَسَلَّلْتُ إِلَيْكِ

عُصْفُورًا سُومَرِيًّا تُهَفْهِفُ بحَّتُهُ

يَنْقُرُ حَبَّاتِ تِينِكِ المُعَسَّلِ

كَمْ رَطَّبَهَا نَدَى جَمَالِكِ

تَذَوَّقْتُكِ قُرْبَانًا

تَخَمَّرْتِ بِكِ مَوَّالًا

وَمَا انْفَكَكْتُ أُغَرِّدُكِ صَدَى خَيَالٍ

يَمُو/////// جُ

بِي

مَمْهُو/////// رًا

مَأخوذًا بِدَلْعَنَةِ سِرِّكِ

تَسْتَلِبُهُ رَائِحَةُ سَمَائِكِ الْمَائِيَّةِ!

*

بَيْنَ تُرَّهاتِ الزَّحْمَةِ الدّافِئَةِ بِكِ

بَ حَ ثْ تُ

عَنْ هَالاَتِ ضَوْئِكِ الْخَزَفِيِّ!

أَنَا مَنْ بفَوْضَى أَلْوَانِي الْمُشَاكِسَةِ

تَسَرْبَلَتْنِي

فُقَاعَاتُ

الْغُرْبَةِ الْمُغْبَرَّة

انْتَعَلَنِي حِذَاءُ افْتِقَادِكِ

وَخَشَعْتُ بَيْنَ مَسَافَاتِ الْغَدِ

أَتَشَهّى عَنَاقيِدَ حِلْمِكِ

أَتَهَجَّى رُوَاءَ أَطْيَافِ أَمْسِكِ!

*

سِنْدَريلايَ

هيَ ذِي ذَاكِرَتِي الْعَاقِرُ تَحْمِلُ بِكِ

تَلِدِينَني شَاعِرًا يَتَفَتَّقُ وَجْدًا

يَهِيمُ بِنِيرَانِ تِيهِكِ

وَأَنَا الْمُفْعَمُ بِخَرِيرِ غَدِيرِكِ

أَ تَ أَ مَّ لُ كِ

بِمَجَسَّاتِ حُرُوفِي

أَتَحَسَّسُ رِهَامَ خَطْوِكِ

يُوَشْوِشُنِي غُوَايَةَ قَصِيدَةٍ رَاعِدَة!

حُورِيَّتِي

مَنْ بِهَا تَأْتَلِفُ دَمْعَتِي بِبَسْمَتِي

تلَمَّسِي بِدَبِيبِ صَلاَتِكِ

أَكْفَانَ

دُرُوبِي

الْعَرْجَاءِ

عَسَانِي أَقُومُ

عَسَانِي أَفْتَرِشُ الْغَيْمَ هَسِيسَ هُرُوبٍ إِلَيْكِ!

*

غَاشِيَتِي

يَا مَنْ تُراوِحِينَنِي

مَا بَيْنَ رَوَائِحِ دَمِي الْمُضْطَرِمِ بِكِ

أمْطِرِي قَلْبِيَ قَمِيصَ نُورٍ رَطِبٍ

وَمِنْ سُبَاتِهِ ابْعَثِيهِ حَيًّا بِكِ

غَسّانِيًّا

عَسَى يَخْفقُ حَرْفِيَ بِكِ

فَلاَ أَسْتَظِلُّ

بِبُرْجِ غَرِيمِي الْخُرَافِيِّ.

 

ثانيا: التّحليل الأدبي

العنوان: "فَوْضَى أَلْوانِي الْمُشَاكِسَةِ"

العنوانُ أوّلُ ما يُلفتُ نظرَ المُتلقّي، ويتكوّنُ مِن خبرٍ مرفوعٍ لمبتدأٍ محذوفٍ تقديرُهُ "هذه"، والخبرُ يتكوّنُ مِن مضافٍ ومُضافٍ إليه وصِفةٍ، وفي العنوانِ انزياحٌ بالحذف. هذا من ناحيةِ التّركيب، أمّا مِن ناحيةِ المعنى فهو يُمثّلُ محتوى القصيدة، فلِهَوْلِ المصيبةِ الّتي تُعانيها الشّاعرةُ في نصِّها، نرى أنّها تخاطبُ القصيدةَ المتُمثّلةَ في قدَرِها المجهول، أو المرسومِ لها الّذي يتخطّفُها ويَتصيَّدُها، فهي الحالمةُ الخارجةُ مِن خُرمِ مستحيلٍ، إلى كوّةِ عتمةٍ في حشاها يتربّصُ بها المستحيل، وفي خضمِّ التّخبّطِ في هذهِ الفوضى، تلجأ إلى ألوانِها المشاكسة، فتشعرُ بالفوضى الّتي تجتاحُ الرّوح، وعلى طريقةِ الرّمزيّينَ تُوظِّفُ الشّاعرةُ آمال خاصّيّةَ تبادلِ الحواس، فأسندتِ الألوانَ للفوضى، كما أنّها أسندتِ المشاكسةَ أيضًا للألوان، وما ينطوي على التّعبيرِ والتّركيبِ مِن انزياحاتٍ مختلفةٍ تُثيرُ لهفةَ المُتلقّي، وقد نجحتِ الشّاعرة آمال في اختيارها للعنوان. "ولمّا كانَ العنوانُ على مستوى وظيفتِهِ الشّعريّةِ يُحيلُ على لغةِ النّصّ، فإنّ هذا التّحوّلَ يتّصلُ أيضًا بالتّحوّلِ الّذي طرأ على بنيةِ لغةِ النّصِّ الشّعريّة، فقد اعتبر جيرار جينيت: (إنّ العنوانَ يرتبطُ بعلاقةٍ عضويّةٍ معَ النّصّ، إذ يُشكّلُ بُنيةً تعادليّةً تتألّفُ مِن مِحورَيْن أساسيّيْن في العمليّة الإبداعيّة هما: العنوان والنّصّ، فالعنوانُ هو المناصُ الّذي يستندُ إليهِ النّصُّ الموازي. كما أنّ العنوانَ لا ينفصلُ عن مُكوّناتِ النّصِّ ومَراتبِهِ القوْليّة، فإنّ اختيارَهُ لا يخلو مِن قصديّة، وهو يأتي في إطارِ سياقاتٍ نصّيّةٍ تكشفُ عن طبيعةِ التّعالقِ الّتي تتمُّ بينَ العنوانِ ونصِّهِ، مِن هنا، فإنّ عناوينَ دوواينِ الشّاعرِ لا يمكنُ قراءتُها خارجَ تلكَ الوظيفةِ الشّعريّة، نظرًا لأنّه يُعبّرُ عن جماعِ العمل، أو عن الفكرةِ الرّئيسة الّتي تُهيمنُ عليه، فهو مفتاحٌ تأويليٌّ يَسعى إلى ربطِ القارئِ بنسيج النّصّ الدّاخليّ والخارجيّ، ربطًا يجعلُ مِن العنوانِ الجسرَ الّذي يمرُّ عليه(1).

وفي مجالِ الحديثِ عن العنوانِ في اللّغةِ والاصطلاحِ في العربيّة قال بازي "العنوان.. إظهارٌ خفيٌّ ورسمٌ للمادّةِ المكتوبة. إنّهُ توسيمٌ وإظهارٌ، فالكتابُ يُخفي محتواهُ ولا يُفصحُ عنه، ثمّ يأتي العنوانُ ليُظهرَ أسرارَه، ويكشفَ العناصرَ المُوسّعةَ الخفيّةَ أو الظّاهرة بشكلٍ مُختزلٍ وموجز".(2)

الفكرة العامة

تخاطبُ الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان القصيدةَ المتُمثّلةَ في قدَرِها المجهول، أو المرسومِ لها الّذي يتخطّفُها ويَتصيَّدُها، فهي الحالمةُ الخارجةُ مِن خُرمِ مستحيلٍ، إلى كوّةِ عتمةٍ في حشاها يتربّصُ بها المستحيل، وفي خضمِّ التّخبّطِ في هذهِ الفوضى، تلجأ إلى ألوانِها المشاكسة، فتشعرُ بالفوضى الّتي تجتاحُ الرّوح، وعلى طريقةِ الرّمزيّينَ تُوظِّفُ الشّاعرةُ آمال خاصّيّةَ تبادلِ الحواس، فأسندتِ الألوانَ للفوضى، كما أنّها أسندتِ المشاكسةَ أيضًا للألوان، وما ينطوي على التّعبيرِ والتّركيبِ مِن انزياحاتٍ مختلفةٍ تُثيرُ لهفةَ المُتلقّي، فتارةً ترسمُ ذاتَها بألوانِ الحياةِ الرّافضةِ للواقع المرير، وبتوظيفِ وتجييرِ عدّة صور: فترسمُ ذاتَها عصفورًا سومريًّا غِرّيدًا ينقرُ الّتينَ المُعسَّلَ، فيَخمرُ ويتخمَّرُ صوْتُهُ، ويحلو تغريدُهُ وعندلتُهُ، ويُحلّقُ في أفقِ الخيال، حيثُ تسلبُهُ رائحةُ السّماء، ويَظلُّ رهينَ الأفقِ والخيالِ صافنًا ما بينَ حِلمٍ وحُلم، وما بينَ غدٍ وأمس، تشدُّهُ إلى الأرضِ الغربةُ المغبرَّة، وتارةً ثانيةً تستحضرُ ذاتَها في أسطورةِ شقائقِ النّعمان الّذي قُتلَ، ونبتتْ مِن دمِهِ وردةٌ اسمُها شقائقُ النّعمان، فأصبحتْ هذه الوردةُ ترمزُ للدّمِ والانبعاث، لأنّ روحَ أدونيس تحوّلتْ في عشتار، وتارةً ثالثةً تستحضرُ ذاتَها في قصّةِ سندريلا العالميّة، لتتصاعدَ أحداثُ الحُلم العبثيِّ الخياليّ، لعلّها تَخلُصُ مِن غريمِها الخرافيّ.

وتستهلّ الشّاعرةُ المقطعَ الأوّلَ مُوظِّفةً طريقةَ السّردِ قائلةً:

"تَوَارَفْتِ ضَبابًا رَهِيفَ خَطْوٍ/ يُوَاعِدُ ظِبَاءَ رُوحِي/ بحَّةً/ تَ ر ا مَ حْ تِ/ بِبَاحاتِ بَوْحِي/غَمَسْتِ أَصَابِعَ نَقَاوَتِكِ بِفَمِ أَحْلاَمٍ تَشْتَعِلُ/ وَمِنْ كوّة عَتْمَتِي/ سَطَعْتِ أَرْتَالَ أُنُوثَةٍ صَافِيَة!".

"تَوَارَفْتِ ضَبابًا رَهِيفَ خَطْوٍ/ يُوَاعِدُ ظِبَاءَ رُوحِي/ بحَّةً/ تَ ر ا مَ حْ تِ/ بِبَاحاتِ بَوْحِي: تُخاطبُ الشّاعرةُ قصيدتَها المتُمثّلةَ في قدَرِها المجهول، وترى أنّ قدَرَها قد طالَ وامتدَّ واشتدَّ في عتمتِهِ، والضّبابُ يرمزُ للعتمةِ والغموض، وتُصوّرُهُ بإنسانٍ لهُ خطواتٌ، ولروحِ الشّاعرةِ ظباءٌ تُواعِدُ، وصوتُها مبحوحٌ لكثرةِ المناجاة، وتُصوّرُ الشّاعرةُ البحّةَ بإنسانٍ يركضُ مُسرعًا بباحاتِ بوحِ الشّاعرة، حيثُ تتلاعبُ بالألفاظِ، لخلقِ إيقاعٍ في السّطور.

غَمَسْتِ أَصَابِعَ نَقَاوَتِكِ بِفَمِ أَحْلاَمٍ تَشْتَعِلُ/ وَمِنْ كوّة عَتْمَتِي/ سَطَعْتِ أَرْتَالَ أُنُوثَةٍ صَافِيَة!": وهذهِ السّطورُ حافلةٌ بالصّورِ الشّعريّةِ والانزياحاتِ المختلفةِ الّتي تُثيرُ دهشةَ المُتلقّي، فللنّقاوةِ أصابعُ كما للإنسان، وللأحلامِ فمٌ يشتعلُ كما الوقود، وللعتمةِ كوّةٌ "طاقة" كما للبيت، وللقصيدةِ أرتالٌ كموكبِ السّيّارات، وللأرتالِ أنوثةٌ كما للكائن الحيّ..، والمقطعُ بكاملِهِ مِن الأسلوبِ الخبريّ الّذي يُصوّرُ مأساةَ الشّاعرة.

وتستمرّ في مقطعها الثّاني: "مَدَدْتُ يَدِي/ لأَلْتَقِطَ وَهَجًا أُسْطُورِيًّا يُرَمِّمُ ظِلِّيَ الْهُلاَمِيّ/ لكِنَّكِ.. أَغْمَضْتِ وُرُودَ غُمُوضِكِ/ وَرَشَقْتِ سَهْمَ شَقَاوَتِكِ الْمُشِعَّةِ/ وَانْخِطَافًا... اصْطَدْتِنِي!؟/ كَيْفَ ذَا.. وَأَنَا مَنِ انْسَلَّ مِنْ خُرْمِ مُسْتَحِيلٍ؟".

وفي هذا المقطع نرى أنّ الشّاعرةَ تُخاطبُ قصيدتَها، وتبوحُ لها عن قدَرِها المجهول، فهي الحالمةُ الخارجةُ مِن خُرمِ مستحيلٍ إلى كوّةِ عتمةٍ، في حَشاها يتربّصُ بها المستحيل، وفي خضمِّ التّخبّطِ في هذه الفوضى، تلجأ إلى ألوانِها المشاكسة، وتستعينُ في الكشفِ عن حالتِها النّفسيّةِ بالاتّكاءِ على الأساطير، لترميم بقايا شظاياها.

وتقول في المقطع الثالث مخاطبة قصيدتها: "تَسَلَّلْتُ إِلَيْكِ/ عُصْفُورًا سُومَرِيًّا تُهَفْهِفُ بحَّتُهُ/ يَنْقُرُ حَبَّاتِ تِينِكِ المُعَسَّلِ/ كَمْ رَطَّبَهَا نَدَى جَمَالِكِ/ تَذَوَّقْتُكِ قُرْبَانًا/ تَخَمَّرْتِ بِكِ مَوَّالًا/ وَمَا انْفَكَكْتُ أُغَرِّدُكِ صَدَى خَيَالٍ/ يَمُو/////// جُ/ بِي/ مَمْهُو////// رًا/ مَأخوذًا بِدَلْعَنَةِ سِرِّكِ/ تَسْتَلِبُهُ رَائِحَةُ سَمَائِكِ الْمَائِيَّةِ!".

ويحتاجُ الشّاعرُ دائمًا لتأثيثِ نصِّهِ بالرّموزِ المختلفةِ وبالأساطير، ليُوغِلَ في أعماقِ النّفس والكون، ويَسري بالقارئِ إلى دلالاتِ النّصِّ بطريقةٍ تجعلُهُ يُؤمنُ بالتّجربة، ولا يكتفي بتفسيرِها أضِف إلى ذلك، أنّ توظيفَ الشّاعرِ المعاصرِ للتّراثِ يُضفي على عملِهِ الإبداعيِّ "عراقةً وأصالةً، ويُمثّلُ نوعًا مِن امتدادِ الماضي في الحاضر، وتَغلغُلِ الحاضرِ بجذورِهِ في تربةِ الماضي الخصبة، كما أنّه يَمنحُ الرّؤيةَ الشّعريّةَ نوعًا مِن الشّمول والكلّيّة. (3)

شاعرتُنا في هذا المقطعِ، وبحسب الأسطورة البابليّة، تلجأُ لرسْمِ أُولى لوحاتِها الفنّيّةِ في خِضمِّ العتمةِ والّتيه، فترسمُ نفسَها عصفورًا سومريًّا غِرّيدًا يَنقرُ الّتينَ المُعسَّلَ، فيَخمَرُ ويَتخمَّرُ صوتُهُ، ويحلو تغريدُهُ وعندلتُهُ، ويُحلّقُ في أفقِ الخيال، حيث تسلبُهُ رائحةُ السّماءِ، ويظلُّ رهينَ الأفقِ والخيالِ صافنًا ما بينَ حِلم وحُلم وما بين غدٍ وأمس، تشدُّهُ إلى الأرض الغربةُ المُغبَرّة، فتلجأ الشّاعرةُ لتوظيفِ القناع، والقناعُ اصطلاحًا؛ "وسيلةٌ فنّيَةٌ لجأ إليها الشِّعراء، للتّعبير عن تجاربهم بصورةٍ غيرِ مباشرة، أو تقنيّةٌ مُستحدَثةٌ في الشِّعرِ العربيّ المُعاصر، شاعَ استخدامُها منذُ ستّينيات القرن العشرين، بتأثيرِ الشِّعرِ الغربيِّ وتقنيّاتِهِ المستحدثة، للتّخفيفِ مِن حدّةِ الغنائيّةِ والمباشرةِ في الشِّعر، وذلك للحديثِ من خلالِ شخصيّةٍ تراثيّة عن تجربةٍ مُعاصرة، بضميرِ المتكلّمِ أو بتوجيهِ الخطاب إليها أو مِن خلالها. وهكذا يندمجُ في القصيدةِ صوتان: صوتُ الشّاعرِ من خلالِ صوتِ الشّخصيّةِ الّتي يُعبّر الشّاعرُ مِن خلالِها". (4). "فكلُّ مُتلقٍّ يَستقبلُ الشّخصيّةَ المُستدعاةَ، ويتعاملُ معها وفقَ مُكوّناتِهِ الفكريّةِ والنّفسيّة، ويقومُ السّياقُ الّذي تردُ فيهِ بدَوْرٍ مُهمٍّ في توجيهِ التّلقّي وتحقيقِ جدواه ".(5) 

ويعملُ تناوُبُ السّردِ والحوارِ هنا في تشكيلِ القصيدةِ على تَنوُّعِ الإيقاع، فالقصيدةُ الّتي تبدأ بدايةً سرديّة، نرى أنّ إيقاعَها يكونُ إيقاعًا بطيئًا بعضَ الشّيء، إذ يتّجهُ الخطابُ نحوَ التّفصيلِ، والدّخولِ في الجزئيّاتِ، واستلهامِ أجواء ذاتيّة خاصّة تُقرّبُ كثيرًا من المونولوج الدّاخليّ الّذي يستدعي إعمالَ الذّاكرةِ التّأمّليّةِ، وما فيها مِن بطءٍ وهدوءٍ واستكانة، ينسجمُ تمامًا مع الأسلوب الحكائيّ الّذي جاءَ عليه السّرد "(6).

 وتستمرّ الشّاعرةُ في نصِّها في المقطع الرّابع: "بَيْنَ تُرَّهاتِ الزَّحْمَةِ الدّافِئَةِ بِكِ/ بَ حَ ثْ تُ/ عَنْ هَالاَتِ ضَوْئِكِ الْخَزَفِيِّ!/ أَنَا مَنْ بفَوْضَى أَلْوَانِي الْمُشَاكِسَةِ/ تَسَرْبَلَتْنِي/ فُقَاعَاتُ/ الْغُرْبَةِ الْمُغْبَرَّة/ انْتَعَلَنِي حِذَاءُ افْتِقَادِكِ/ وَخَشَعْتُ بَيْنَ مَسَافَاتِ الْغَدِ/ أَتَشَهّى عَنَاقيِدَ حِلْمِكِ/ أَتَهَجَّى رُوَاءَ أَطْيَافِ أَمْسِكِ!":

وفي هذا المقطعِ تتزاحمُ الصّورُ الشّعريّةُ والانزياحاتُ المختلفةُ الّتي تُثيرُ فِكرَ المُتلقّي، فللزّحمةِ مَفارقُ وتُرهاتٌ دافئةٌ كالماء، وللضّوءِ هالاتٌ خزَفيّةٌ، وللألوانِ فوضى تتصارَعُ وتَتشاكسُ، وللغربةِ فقاعاتٌ كفقاعاتِ الصّابون، وللحُلمِ عناقيدُ كعناقيدِ العنب، وللأمسِ أطيافُ رواءٍ تتهجّى، كما يتهجّى المُتعلّمُ الحروف.

"إنَّ الصّورةَ الشّعريّةَ ليستْ إضافةً تلجأ إليها الشّاعرة لتجميلِ شِعرِها، بل هي لبُّ العملِ الشّعريّ الّذي يجبُ أنْ يتّسمَ بالرّقّة، والصّدق والجَمال، وتُعدُّ عنصرًا مِن عناصرِ الإبداع في الشِّعر، وجزءًا مِن الموقفِ الّذي تمرُّ بهِ الشّاعرةُ خلالَ تجاربِها، وقد استطاعتِ الشّاعرةُ مِن خلال استخدامِها للصُّورِ الشّعريّة، أن تَخرجَ عن المَألوف، ولا شكّ في أنّ للصّورةِ الشّعريّةِ وظيفتُها وأهمّيّتُها في العمليّةِ الشّعريّة. (7)

وفي الصّورِ الشّعريّةِ يقومُ الخيالُ ويلعبُ لعبتَه، و"لا بدّ مِنَ الإشارةِ إلى أنَّ الصّورةَ الشّعريّةَ مُرتبِطةٌ بالخيال؛ فهي وليدةُ خيالِ الشّاعرِ وأفكارِه؛ إذ يُتيحُ الخيالُ للشاعرِ الدّخولَ خلفَ الأشياءِ، واستخراجَ أبعادِ المعنى؛ لأنّها طريقتُهُ لإخراجِ ما في قلبِهِ وعقلِهِ إلى المحيطِ الخارجيّ، ليُشاركَ فكرتَهُ معَ المُتلقّي؛ لذلكَ ينبغي أن يكونَ الشّاعرُ صاحبَ خيالٍ واسع؛ كي يتمكّن مِن تفجيرِ أفكارِهِ وإيصالِها إلى المُتلقّي. (8)

وفي المقطع الخامس تقول الشّاعرة:

"سِنْدَريلايَ/ هيَ ذِي ذَاكِرَتِي الْعَاقِرُ تَحْمِلُ بِكِ/ تَلِدِينَني شَاعِرًا يَتَفَتَّقُ وَجْدًا/ يَهِيمُ بِنِيرَانِ تِيهِكِ/ وَأَنَا الْمُفْعَمُ بِخَرِيرِ غَدِيرِكِ/ أَ تَ أَ مَّ لُ كِ/ بِمَجَسَّاتِ حُرُوفِي/ أَتَحَسَّسُ رِهَامَ خَطْوِكِ/ يُوَشْوِشُنِي غُوَايَةَ قَصِيدَةٍ رَاعِدَة!/ حُورِيَّتِي/ مَنْ بِهَا تَأْتَلِفُ دَمْعَتِي بِبَسْمَتِي/ تلَمَّسِي بِدَبِيبِ صَلاَتِكِ/ أَكْفَانَ دُرُوبِي الْعَرْجَاءِ/ عَسَانِي أَقُومُ/ عَسَانِي أَفْتَرِشُ الْغَيْمَ هَسِيسَ هُرُوبٍ إِلَيْكِ!":

سِنْدَريلايَ": وفي السّطرِ انزياحٌ بالحذف، يتمثّلُ بحذفِ حرفِ النّداء، والنّداءُ يُفيدُ التّحبُّبَ هنا، وتُوظّفُ الشّاعرةُ في نصِّها أسطورةَ ساندريلا الّتي توفّتْ أمّها، وتزوّجَ والدُها امرأةً أخرى تُذيقُها كلّ أصنافِ الظّلمِ والمهانة، وتنتهي ساندريلا بمقابلةِ أميرٍ يُعجَبُ بها ويَتزوّجُ منها. وهنا تتّخذُ الشّاعرةُ شخصيّةَ سانديلا كقناع، وكأنّي بالشّاعرة تحلُمُ بالتّخلُّصِ مِن ضيقِها وهمومِها وكبواتِها، كما خلَّصتِ الأقدارُ واقعَ سانريلا و"يُمثّلُ القناعُ شخصيّةً تاريخيّةً - في الغالب- ( يختبئُ الشّاعرُ وراءَها)، ليُعبّرَ عن موقفٍ يُريدُهُ، أو ليُحاكِمَ نقائصَ العصرِ الحديثِ مِن خلالِها". (9) 

ويزخرُ المقطعُ بالصّورِ الفنّيّةِ والانزياحاتِ الّتي تغزو لهفةَ المُتلقّي وتُثيرُهُ: فتُصوّرُ الشّاعرةُ ذاكرتَها بامرأةٍ عاقرٍ، والعاقرُ تحمِلُ وتلِدُ، وللتّيهِ نيرانٌ تُهامُ بها، وللحروفِ مجسّاتٌ، وللخطوِ رهامٌ ومطرٌ خفيفٌ يُوشوشُ، كما يوشوشُ الإنسانُ شخصًا آخرَ، وللصّلاةِ دبيبٌ، والدّروبُ عرجاءُ لها أكفان، والغيمُ يُفترَشُ ولهُ هسيسٌ وصوتٌ خفيفٌ، و...

وتنشدُ في المقطع السّادس: "غَاشِيَتِي/ يَا مَنْ تُراوِحِينَنِي/ مَا بَيْنَ رَوَائِحِ دَمِي الْمُضْطَرِمِ بِكِ/ أمْطِرِي قَلْبِيَ قَمِيصَ نُورٍ رَطِبٍ/ وَمِنْ سُبَاتِهِ ابْعَثِيهِ حَيًّا بِكِ/ غَسّانِيًّا/ عَسَى يَخْفقُ حَرْفِيَ بِكِ/ فَلاَ أَسْتَظِلُّ/ بِبُرْجِ غَرِيمِي الْخُرَافِيِّ."

وفي هذا المقطع تخاطبُ الشّاعرةُ قصيدتَها فتقول:

"غَاشِيَتِي/ يَا مَنْ تُراوِحِينَنِي": وحرفُ النّداءِ في السّطرِ الأوّلِ محذوفٌ، ويتكرّرُ النّداءُ في السّطر الثّاني، والنّداءُ في الحالتيْن يُفيدُ التّحبُّب، تحبُّب الشّاعرة لقصيدتها. وتتمنّى الشّاعرةُ في هذا المقطعِ أن تزولَ عن روحِها الغمّةُ والاضطرابُ، ويكتنفها الجمالُ والبهاء، "غَسّانِيًّا": كنايةً عن الجَمال والوضاءة، والقصيدةُ تحفلُ باستخدامِ الرّمزِ وتوظيفِ الأسطورة، و(إنّ الموقفَ الأسطوريَّ في صميمِهِ موقفٌ شعريّ).(10)

لقد كانَ لاستعانةِ الشّاعرة بهذه الصّورِ الشّعريّةِ أثرٌ جليٌّ على فِكرِها وعملِها الإبداعيّ، إذ إنّها مِن وجهتِها الفنّيِة، تُوسّعُ دائرةَ رؤيتِها للتّراثِ الإنسانيّ، فتصنعُ التّاريخَ وأحداثَهُ، والحكاياتِ الشّعبيّةَ المُتوارثةَ وجمحاتِ الخيالِ المُوفّقة، تصنعُ كلَّ ذلك مَصدرًا لإلهامِها، حيثُ يُساوي الشّاعرُ المعاصرُ بينَ هذه المصادرِ جميعًا، مُبتعدًا بها عن قيودِ الحقيقةِ التّاريخيّةِ والقداسةِ الدّينيّةِ، إلى رحابةِ التّشكيلِ الخياليّ المُبدع، غيرَ مرتبِطٍ إلّا بفنِّهِ، مُوظِّفًا هذهِ العناصرَ الأوّليّةَ في عملِهِ الجديد، بمضمونٍ تسري فيهِ روحُ عصرِنا وهمومِهِ. (11)

ونختتمُ تحليلَ هذهِ القصيدةِ ببيانِ أهمّيّةِ توظيفِ الأسطورة، فالأسطورةُ وسيلةٌ لا تَحملُ قيمةً شعريّةً في ذاتِها، وهي ليستْ مُجرّدَ قصص، وإنّما هي نظرةٌ إلى الحياة وتفسيرٌ لها، فإنّ الشّاعرَ لا يلجأ إلى الأسطورةِ كمادّةٍ جاهزة، إنّما يُشكّلُ أسطورتَهُ مِن خلالِ تجربتِهِ الشّعريّة، والشِّعرُ هو رؤيا قبلَ كلِّ شيء، والشّاعرُ يتصرّفُ في الرّمز أو الأسطورة، بحسب ما تتطلّبُهُ تجربتُهُ الشّعريّة، ممّا يعني أنّ جماليّةَ الأسطورةِ والرّمزِ لا تكمنُ في  توظيفِهما فحسب، وإنّما تكمُنُ في طريقةِ توظيفِهما، ومدى انسجامِهِما معَ السّياقِ والمعنى. ولقد نجحَ بعضُ الشّعراءِ في منحِ الأساطيرِ سِمةً فنّيّةً ازدادتْ بها القصيدةُ أثرًا وجمالًا فنّيًا، إذ عُدّتْ بعضُ قصائدِهم الأسطوريّةِ رائدةَ التّحوُّلِ الجذريِّ في أسلوبِ الشِّعر العربيّ، فيتنقلُ فيها القارئُ بين عالَمَيْن؛ عالمٍ واقعيٍّ ينقلُ آلامَ الشّاعرِ وأحزانِهِ في الواقع ، وعالمٍ أسطوريٍّ؛ يستحضرُ فيهِ أساطيرَ غابرةً، ليبعثَ فيها الرّوحَ مِن جديد.

 

بقلم: الناقد عبد المجيد اطميزة

 

عبد العزيز ابوشيارفي ديوان: نبض من غياهب الصمت للشاعرة رجاء قيباش

حينما يتسرب الجمال والبهاء إلى قصائد نبض غياهب الصمت، وحينما تكون نصوصها حبلى ببديع الصور ورشيق الكلمات وجميل العبارات، يجد القارئ المتذوق للشعر نفسه مشدودة إلى محاورة تلك القطع الفنية من أجل الاستماع إلى الأصوات المنبعثة من نبضها وقراراتها وارتشاف رحيق الجمال الكامن في أعماقها. يجد نفسه متوثبة للتعرف على تلك الروح المبدعة التي حركت الجمال واستفزت الخيال وتفننت في الرسم بالكلمات

لقد عشت هذه التجربة السياحية الشعرية الجميلة وذقت حلاوة القراءة ومتعتها وأنا أتجول في حدائقها الغنّاء وقد ازدانت جنباتها بأشعار متنوعة أبدعتها وسقتها شاعرية فنانة مسكونة بحب الجمال، عاشقة للكلمة الحالمة ومهووسة بحب المجاز العربي في امتداداته. شاعرة مرهفة الشعور تنسج قصائدها حبا وشعرا تتجاوز الحدود بخيالها الواسع، وتخترق المسافات بقلمها الأنيق المنساب جمالا، تلون الحياة بإبداعها الوديع تكتب بماء قلبها تذيب كل جبال البعد الفاصلة لتتيح للقلوب والأرواح كي تتصافح وتتعانق بكل محبة ومودة.عشت هذه التجربة القرائية الممتعة مع الشاعرة المتألقة رجاء قيباش من خلال ديوانها الثاني الذي وسمته بميسم: "نبض من غياهب الصمت " الصادر عام 2018 والذي جاء بعد ديوانها الأول: " صرخة قلب محتضر " الصادر عام 2015  تتحدى حدود اللغة المألوفة،وتتجاوز بالكلمة الشعرية الأمكنة، مسافرة بخيالها عبر الأزمنة، وترتشف الجمال من كل الصور في هذا الكون البديع، وتعبّ منه إلى حد الثمالة ..شاعرة تشهد أشعارها على تألقها وموهبتها الشعرية، وهي آثار جديرة بالقراءة النقدية المسائلة لخبايا النصوص والكاشفة عن مكامن القوة والجمال فيها

952 رجاء قياش

وأول ما يلفت نظر القارئ، ولا نقول القارئ المتذوق أو الناقد هو طبيعة الانفعال الذي يوجه الشاعرة ويقف منطلقاً لهذه التجربة وينبوعاً تصدر عنه في كل منحنياتها وأبعادها وبنائها. وهي طبيعة تتسم بالشوق والحنين وهي طبيعة يمتزج فيها الممكن بالمستحيل والواقع بالحلم وتتحاور فيها  الذات والآخر

تعد الشاعرة رجاء قيباش من الأصوات الشعرية الأصيلة التي أمسكت بزمام قصيدة النثر وأعطت للكلمة الشعرية الفرصة كي تتفجر جمالا وروعة وإثارة. شاعرة تنتمي إلى النبض الجمالي ويصدر عن رؤية مبدعة تستوعب مادتها الشعرية وتضع كل الجسور الممكنة للعبور بين الأزمنة. اجتمعت فيه الشاعرية العاشقة للجمال والسابرة لأغوار الواقع والمتأملة في الوجود والإنسان والحياة ..

تنطلق هذه القراءة من عتبة العنوان التي تعد من أهم المناطق في تشكيل نسيج الإبداع الشعري. يستوقفنا العنوان كمنبه دال على ما يتضمنه المنتج الشعري، ويستدرجنا – من خلال حمولته الدلالية- نحو اعتقاد متسرع وانطباع، وذلك حينما يدفعنا إلى إصدار أحكام مسبقة قد تكون بعيدة عن حقيقة المادة الشعرية، ولكن عتبة العنوان والولوج إلى الفضاء الشعري يدفع القارئ إلى استنباط دلالة رمزية التي تعكس المادة الشعرية، و تترجم تنوع المتن الذي يسكن بين دفتي الديوان.ومع ذلك فقد أصبح هذا العنوان مفتاحا سحريا لفعل القراءة،إذ لا يمكن اختراق حواجز وسدود هذا الديوان إلا بامتلاك ذلك المفتاح وتوظيفه كمنطلق لقراءة المادة الشعرية وكأداة للدخول إلى ثنايا النصوص ويكشف عن جانب من الرؤية الشعرية التي تحكمت في الممارسة الشعرية.ولهذا تصبح مشاركة القارئ التأويلية لهذا العنوان عملية ضرورية لدخول عالم الديوان المثير للإغراء .

إن بناء هذا العنوان: " نبض من غياهب الصمت بهذه الصيغة التركيبية من مبتدأ وخبر جاء شبه جملة نستشف منه أنه لا يسمع النبض إلا في حال الصمت فلا كلام بغير صمت والحياة بطبيعتها تقتضي هذين المتناقضين وما بين النبض والصمت مسافات قصائد تبوح بها الشاعرة رجاء قيباش وبهذه الحمولة الدلالية وبما لها من مقومات إيحائية وجمالية نابعة من رؤية تجعلها معادلا رمزيا للكتابة يلخص مدارات الديوان،حيث يصبح العنوان ذاته نصا إضافيا وموازيا للمنتج الشعري.فهو نص منفتح على تأويلات عدة منها  الحياة الإنسانية في شقها العاطفي الذي يرسم صورة حزينة لذات استبد بها الحنين والشوق الملون ببعض الخوف الناجم عن معترك الحياة،وسكنتها هموم البوح عبر حنايا الروح وثنايا القصيدة

يحملنا العنوان إلى غياهب النفس الصامتة لكن صمتها سرعان ما يؤول إلى كلام شعري يخرج من روح شاعرة ويتسرب إلى شغاف القلب، ويكشف عما يموج فيها من أحاسيس مشحونة في نبض قلب شاعرة هو نبض لا يسمع إلا في غياهب الصمت.وهناك يكمن في قرارات الأعماق يفرض حضوره الدائم إذ لا يسمع ذلك النبض إلا الذي يحمل قلبا ينبض حالما كعصفور يحلق سابحا في حضرة الخيال والجمال  يحركه الشوق والحنين وهكذا تحيلنا وظيفة العنوان للولوج إلى داخل المنتج الشعري،وتوجهنا نحو بوابة حديقتها الشعرية التي تضم خمسا وثلاثين وردة فواحة الشذى تغري بالتنزه والمتعة

وجدت نفسي محاصرا بسياج شعري مذهب يجذبك إليه جذبا ويدعوك إلى مغازلته والارتماء في أحضانه كي تنال حظك من جماله وعذوبته التي تنساب بغزارة لتروي القلب والوجدان شعرا بأبعاده الروحية والجمالية والإنسانية.

حين اقتربت من عالم الشاعرة رجاء قيباش بغرض إدراك سياق القصيدة لديها وجدت أنها تنطلق من أربع ثيمات ميزت الديوان وهي: الشوق والعشق و الحلم والحزن الذي تنتظم فيها تجربتها الشعرية. ولعل الدخول إلى عالمها الشعري الجميل المثير يحتاج إلى مفاتيح وظيفية قادرة على فك شفرات النصوص،وقادرة على إحداث فجوات يتسلل من خلالها القارئ لاستنطاق دلالاتها القريبة والبعيدة ولتفكيك بناها الدلالية بكل ما تتضمنه من متخيلات وتحليقات وسياحات جمالية. فالمخزون الإبداعي لشاعرتنا لا يمكن فهمه أو التحاور معه أو اختراق جداره إلا باستيعاب تام للسياق النفسي والفكري والوجداني الذي ينتظم هذا الإبداع،والذي يشكل الخلفية الذهنية لكل ولادة شعرية. فالتجربة الشعرية التي أبدعتها يد الشاعرة تترجم ملامح شخصيتها الملهمة التي كانت وراء ممارستها للكتابة،كما أنها تفصح عن مساهمة إبداعية أثرت  الساحة الثقافية المغربية النسائية بخاصة وأغنت خزانتنا الأدبية العربية بعامة ..

هذه التجربة الشعرية نابعة من رؤية شعرية وجدانية منفتحة تنهل من عاطفة جياشة بروائها، كما أنها تنصت إلى همسات القلب وتستجيب لذبذباته. تتغنى بالمشاعر الإنسانية،تعترف للسماء بعشقها  تنسج من شرايين الضباب فراشات الحرية وفي الآن نفسه تنفتح على القضايا القومية العربية الراهنة. يتقاطع فيها نبض الشوق والعشق والحنين بالحس القومي وبأحلام الذات وبأسئلة الحياة. تتعدد فيها الألوان والأطياف والظلال بتعدد ألوان العاطفة الإنسانية المحبة للخير والحق والجمال، وتمتد فيها الكلمات بامتداد العلاقات الإنسانية الغنائية العاطفية. وتتعايش فيها أسئلة الواقع مع أسئلة الذات.وتسافر فيها الكلمة الشعرية بين ثنايا القلب الذي تنبعث منه نبضات  شاعرة فياضة الشعور تتوحد فيها القصائد لتنسج ثوب المحبة ورداء الشوق ولتصوغ شهادة الوجدان.وكل ذلك في قصائد قصيرة موجزة صاعتها في أسلوب شعري خاص متميز، تظهر فيه ملامح صاحبته، وتنتصب فيها شاعريتها التي شقت طريقها وسط كون شعري تعددت صوره وأصواته وتجاربه وأرهف السمع والذوق لكل صوت شعري عذب المنهل

أبدأ عملية الاقتحام الفني لهذا العالم الشعري بشهادة الشاعرة في علاقتها بالشعر بقولها:" في قصيدة ماقبل البدء:" حروف إليك ترنو وهي بذمة المجاز تتقاذفها أقدام اللغة مسافات تتكور في طوق  الحلم والتمني حروف تلوح بمناديل الأحلام الليلكية ..." فالشعر عندها تعبير عن مشاعر النفس بأحرف من همسات عصفور تقوده أجنحته المنكسرة إلى فردوس الله في جعبة الشعر لحظات تمرق كالشهاب تمشي على صدر القصائد دون استحياء .."ص: 16

فالشعر عندها لم يكن يوما غاية لذاته بقدر ما هو وسيلة طيعة للتعبير عن هموم الذات وللترويح عنها ولترجمة المواقف والقناعات والمنطلقات التصورية والشاعرة  لو بحثت عنها تجدها بمثابة ريشة ساحرة تكتب مواويل الهوى على أهداب الصدر كما نقرأ بعض الحزن في نبض قصيدتها: "أنثى من ياسمين" إذ تنشد:

معتقة عيوني

بشغفي إليك

لأجلك

لم أضع عطرا

هذا الصباح

فقط تفوح مني

رائحة الحزن

لأجلك

أصابعي الشاردة

تخط حروف الشوق

بمداد الأرق ..ص 106

لم تجد الشاعرة لتعبر عن ذاتها سوى بالشعر  فهو تنفيس , وهو عملية تطهير ذاتي تعيد العواطف إلى نصابها وبفضله يتخلص الإنسان من طابو المكان والزمان وتستسلم العقول والقلوب وتتلاقى في حب وسلام وبهذا تستعيد شاعرتنا توازنها العاطفي وتتخلص من الاحتقان الداخلي الذي ينبض في الروح وبالشعر وحده تحاذي الانفجار والحيلولة دون الانهيار

"وفي حضرة العشق تنحني العيون إجلالا لرهبة الشوق ..تفضح سر روح تبحث عن لحظة تائهة من لحظات العمر ..عيون ثملت من ريق نبض ذات وصال تصفق من أهدابها من رعشة الحب عيون في ذروة الوجد مثقلة بغيوم الآه .."قصيدة في حضرة العشق ص: 75  فالشاعرة رجاء تتوسل بالحرف الشفيف المفعم بالعاطفة ..تقول في قصيدة نبض عاشق:

خفقات قلب

في دوالي الحب

تجري بشغف

نبض عاشق يسيل

من ثغر السماء

كيف أردع فراشة

 ترفرف بين بساتين صدرك

ترتشف ندى

زهر أهدابك

تشتعل خلجاتها

رغبة على ضفاف شفاهك ...ص: 79

ترقص في الشعر  وتصرخ صرخة الشفه الصامتة الهامسة, فالشعر ملهمها الأول وجسرها بإتجاه البوح المتواري خلف صور من نحت اللغة واختزالها لتخرج منها استعارات وصورا تغرينا بشغف القراءة وهي تخيط الشعر في محراب القصيدة بين معان مرموزة بالإيحاءات وما يميز قصائدها تلك الوحدة العضوية والموضوعية التي تعني ارتباط المعنى في دفقة  انسيابية في الأسلوب ولا غرابة في ذلك ما دام شعرها يتدفق كشلال رقراق من عواطف إنسانية نبيلة شعارها المحبة والوفاء والحلم والشوق والأمل في غد أفضل شاعرة مرهفة الإحساس وتشيّد طريقها في محراب الحب كطريقة الصوفيين في العبادة , وتغني للمحبةالتي توقظ نبضها في لغة شاعرية محلقة مصطفاه من أبجديات خطاب يتماهى مع الذات ومع الآخر وهي تنشد حروفها لحن السكون وتضيىء قلوب الحزانى وتراقص النجوم تغزل القمر وتنثر الشعر بضوع الورود وتشدو الألحان كتغريدة الطيور على بساط الشوق بكل الجنون تنشد الحلم وتطرد الحزن وتنسج من خيوط الشمس جداول ماء على خدود الأنهار وترسم بريشة فنان همسات الندى ولحن القلوب التواقة للصفاء. وللاقتراب أكثر من هذا العالم الشعري،سأترك لنفسي فرصة للتحاور مع بعض قصائدها من أجل استجلاء دلالاتها وكشف طبقاتها ومستوياتها الفنية والتسلل إلى مضمراتها وبنياتها الخفية. ولهذا الغرض شعرية العنوان فحينما يبكي الحنين وتهيج الأشواق في الأعماق،تتحول الذات إلى بركان هائج تضطرب فيه المشاعر والعواطف والانفعالات.وفي هذه الحالة ينبغي البحث عن منفذ أوقناة يتم من خلالها تصريف تلك الانفعالات العاصفة بالذات. هي تأوهات مترددة بين حيرة وألم وتعب أو شكوى ممزوجة بأمل آت ومرتقب وفي نفس الوقت نلمس فيها حزنا وخيبة وأحلاما تخبو :

أحلام غارقة في برك الموت

تجادل العاصفة

تحارب الطوفان حتى الفناء..."ص26"

لكن الشاعرة سرعان ما تفر من هذا الواقع المأزوم  لتعود إلى البحث عن لذة عيش تنسيها تلك المرارة ولعلي بها تبحث عن لذة غزلية روحية حالمة دائمة كما عند الصوفية لا عن لذة عابرة. ونعيش مع الشاعرة في قصيدة قبلات حائرة:

تسالني عن ماهية حروفي

هي يا حبيبي

قبلات أردها إليك

حبات رمان

أنثرها على شفاه الحنين ...

بهذه اللغة الشفافة الرقيقة ترسم الشاعرة هذه اللوحة الطبيعية،ينتقي الكلمات وتختار العبارات وتستدعى قاموس الخطاب الغزلي ليمنحها طاقة للتعبير والتصوير.لكنها تزيد الصورة جمالا حينما توظف لغة شفيفة رقيقة مختصرة موجزة تحيلنا على آفاق بعيدة ورؤى حالمة للوصف وللتعبير عما يجول بخاطرها من مشاعر وعواطف إنسانية سامية وكعادتي حين أقرأ قصائدها وفي سكون الليل أغمض عينيّ لأستشعر لذة الجمال والدهشة لفظا ومعنى... ننتظر من الشاعرة رجاء قيباش نبضات أخرى من غياهب القصيدة

 

بقلم الشاعر : عبد العزيز أبو شيار

 

محمد الشغروشنيتذهب المعجمية العربية إلى تفسير دال الفضاء بمصطلح الخلاء والاتساع، ويظل المفهوم الذي اكتسبه الفضاء في الدراسات الفلسفية والنقدية حاملا لمدلولاته المتسعة، والتي لم تجد لها تعريفا جامعا، يبعدها عن لبس التعريفات النابعة أساسا من وجهات النظر المختلفة، غير أن الفضاء في النص الأدبي، والنص السردي بصفة التعيين، هو أقرب ما يكون إلى التحديد الصوفي، القائم على تلازم المكان والزمان، مادام المكان زمانا متجمدا، والزمان مكانا سائلا .

وعليه لن يخرج الفضاء عن كونه علامة لغوية في الفنون الأدبية يجري امتلاؤها بالوصف كما نجد عند الروائيين أمثال بلزاك وديستويفسكي ونجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وغيرهم، أو عن طريق السرد وحوار الشخصيات، ومن ثم يكون الفضاء ببعديه المكاني والزماني جزءا من البناء السردي في فنون القص، غير أن تحديده الفيزيائي والجغرافي، وإن استند إلى مرجع خارج النص السردي، فإنه ما انفك ارتباطه بمخيلة القارئ والمتلقي . فمقولة الفضاء بهذا المعنى تبقى مجرد مقترح تجري عليه التحولات اللاحقة زمن القراءة، فيستدعي خبرات المتلقي ومخياله المشهدي ليؤثث الفضاءات التي تحتضن الأحداث والشخصيات وصراعاتها السرية والمعلنة .

استنادا لذلك تتوخى هذه القراءة مقاربة أفضية النص السردي في مجموعة "ضرع لا ينضب" للأستاذ والقاص لحسن حمامة، والبحث عن مضمرها الاجتماعي والنفسي، ودلالاتها الرمزية بكونها رسالة مشفرة تستدمج المتلقي للمشاركة الواعية في فك مفردات خطابها، انطلاقا مما يتسم به الفضاء في المنجز السردي للكاتب، ويتساوق مع أسلوبه الخاص في الاشتغال على هذا المكون الأساسي من البناء القصصي، ولذلك يمكن تقسيمه إلى ما يلي:

الفضاءات المفتوحة

وهي الفضاءات ذات الطابع البيئي والاجتماعي العام، وتشتبك فيها العلاقات الاجتماعية والأحداث والصراعات البرانية، ومنها:

الفضاء البيئي:

 يستدعي السارد من خلال متخيل الطفولة، كما نجد في قصة "الرمانة"، وهو إبحار في الذاكرة لاستعادة المحكي الشعبي، وإعادة بنائه استعاريا لتحليل واقع الصدام بين الحالم والسلطة القامعة لرغباته، ( حامرتني بعض الظنون والشكوك والوساوس على أن ما أراه حلما . لكن عرائش الدالية وعناقيدها البلورية التي تقطر لذة، ولون التفاح الذي يشبه وجنات العذارى...أبعد عني وسواس الحلم، لأن الحلم لا يختار ولا يرتب) .[2]

 وهو بنفس المعنى الذي تدور حوله الحكاية  في قصة  " مواء قط"، بتوظيف التراث القصصي العربي عند ابن المقفع، ليحمل دلالة الحراك العربي ومآلاته المؤلمة (من أعماق الغابة تناهى إلى سمعي زمجرة قوية لفيل، وخوار ثور، ومواء لقط، ويد قرد تربت على كتفي، استيقظت مذعورا (...) الأسد الضخم مازال يحتل شاشة التلفاز، نزع أنيابه من الجثة، كانت خياشيمه ولبدته مخضبة بالدماء الطرية) .[3]

فضاء السوق:

كما ورد في قصة "البردعة"، والسوق هو فضاء تجاري واجتماعي وثقافي، حيث يعتبر السوق الأسبوعي في البوادي المغربية أحد المراكز الحيوية في بناء العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، كما أنه كان وما يزال يمثل صحيفة مفتوحة لتداول الأخبار والمحمولات الثقافية في القرى والبوادي .والجزء الأهم من المحكي في هذه القصة يدور في فضاء السوق ليلا، بعدما ترك العم ابن أخيه الطفل بانتظاره طول النهار، ونسي أن يأخذه في المساء، فتركه فريسة للخوف والرعب، فالنص السردي يكشف عن العلاقات اللامرئية، علاقات الزيف والرياء وادعاء قرابة الدم .[4]

فضاء المقهى: 

وهو عادة ما يقدم في المنجز السردي للكاتب كفضاء اجتماعي، ينتمي للمدينة، يقوم بوظيفة الصورة الخفية للشخصية أو الشخصيات التي تلعب دور البطولة في العمل السردي، من حوار باقي الشخصيات وخطاب السارد، كما يظهر من خلال قصة "كل الطرق تؤدي إلى روما" .[5]

الفضاء العام:

 ويقصد بها الشوارع والأزقة والساحات العامة، وهي فضاءات مستدعاة من الذاكرة الشخصية للكاتب ،فهي تنتمي واقعيا لمدينة فاس، كما جاء في قصة " النابغة"، حيث تشتغل كواجهات لاستعراض ذوات الشخصيات، (أسرع الخطا ليصل إلى وسط المدينة حيث المقاهي والمارة والازدحام... وكأنه يريد أن يقول لهم: انتبهوا نابغة العصر يتجول بينكم نواضعا )[6]، وكما يرد في قصة "التحفة الفنية" إذ يخبرنا البطل بقوله: (لقد تأخرت عن موعد جولتي..بدأت دروب وأزقة باب السلسلة وراس الشراطين ومولاي إدريس في الاكتظاظ والازدحام ...) .[7]  

الفضاءات المغلقة

والمقصود بها تلك الفضاءات ذات الطبيعة الحميمية، الكاشفة لخصوصية الشخصيات الصانعة لأحداث الكون القصصي، ومنها:

فضاء المنزل:

ويتجلى في ثناياه صراع الذات مع أناها  أو محيطها الحميمي حينا، (غدا سيقام لي جفل تكريمي بمناسبة تقاعدي... غدا كل من سيأخذ الكلمة  سيجعل مني سوبرمانا أو إنسانا أنقى من الملائكة...)[8]، أو تعبيرها عن طموحاتها وآمالها أحيانا أخرى، (ها هو الحاج الكتاني أمام المرآة ، يطيل النظر إلى وجهه ويقول: صناعة الرحمان ما أجمل خلقه) [9]، ويتخذ خطاب الفضاء المنزلي صيغة مونولوجات وحوارات مرآوية، لا ترفع الحجب عن الذات الساردة أو المسرود لها فحسب، بل تفضح علاقاتها الحميمية، (الحقيقة المرة، يا صديقتي نوال أنه أصبح لا يطاق في المنزل، يضايقني ويحرجني، منذ أن تقاعد وهو يتدخل بصورة فظيعة في شؤون البيت والمطبخ وطريقة اللباس...)[10] .

فضاء الحلم:

وهو لازمة أساسية في المنجز السردي للقاص لحسن حمامة، بتخذه كأسلوب فني وجمالي لتصريف رؤى السارد حول الكون والمجتمع المحيط، كما تشكل إطارا جامعا لسرديات الفضاءات المفتوحة، ويتجلى ذلك في قصتي "مواء قط" و "الرمانة"، الشيء الذي يجعل من الحلم صيغة لنفي النفي وترميزا لواقع محال عليه، (لأن الحلم لا يختار ولا يرتب) بالطريقة التي يقدمها الكاتب في منجزه السردي، بل غايته أن يحفز المتلقي على المشاركة في إنتاج المعنى .[11]

الفضاء الافتراضي:

لاشك بأن شيوع الأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي قد بصم الحياة الاجتماعية والثقافية، وخلق وضعيات تواصلية يندمج فيها الواقعي بالافتراضي، والذي أضحى من المستحيل أحيانا الفصل بينهما، إلى الدرجة التي طفت فيها حالات مرضية على سطح الواقع، ولذلك خصص الكاتب قصة "النابغة" لمعالجة الظاهرة ورصد مظاهرها، (أعاد قراءة ما كتبه لأكثر من عشر مرات...تسلل خيط أمل رفيع إلى حناياه، وتذكر أن الموقع الاجتماعي فايسبوك ينشر للجميع بدون زبونية أو محاباة...أرسلها بعد هنيهة بدأت تنهال عليه الجيمات..)[12].

الفضاء / الجسد:

إذا أمكن اعتبار الجسد فضاءا متحركا، يحمل بين ثناياه ذاكرته الطبيعية والثقافية فهو فضاء عابر لكل النصوص السردية في المجموعة، وبالأخص قصة " الزيارة"، التي يمكن إدراجها ضمن نمط الميتاقص، حيث ينوب السارد عن الكاتب في التعبير عن قلقه ومعاناته الخاصة كمبدع، تترافع أمامه الشخصيات معلنة مظالمها ومعارضتها لاختياراته الموضوعاتية والفنية، فيما يشبه متخيلا مضاعفا، يسعى لاستدماج المتلقي في المطبخ السري للمبدع، وهي سمة أخرى من مميزات المنجز السردي للقاص لحسن حمامة تعبر مجاميع القصصية المختلفة منذ المجموعة الأولى "عندما تتكلم الحيطان" 1984 .

إن اهتمام الكاتب بالمكون الفضائي لا يعود إلى التنوع الماثل في المزج بين الفضاءات المغلقة والمفتوحة، والتي تكشف الجوانب الاجتماعية والنفسية للسخصيات، وتنوع مساقط الضوء ومسارات السرد القصصي في مجموعة "ضرع لا ينضب"، وإنما يرجع بالأساس إلى الطابع الواقعي لأغلب هذه الفضاءات، لكونها تنبع من الذاكرة الخصبة للكاتب، وما يطبعها من ملمح وجودي، يخرج بها من دائرة الخلفية المحايدة للشخصيات والأحداث والحكايات، ويرفعها إلى درجة التفاعل الرمزي مع الواقع واستكمال الصورة المروية عن فواعل القص حكيا وسردا وحوارا .

 

 محمد الشغروشني

.........................

[1]  لجسن حمامة: ضرع لا ينضب، مجموعة قصصية، مطبعة الكرامة 4، الرباط، الطبعة الأولى، 2019

[2]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 45

[3]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 14

[4]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص  35 وما بعدها

[5]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 27 وما بعدها

[6]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 52

[7]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 59

[8]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 17

[9]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 67

[10]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 19

[11]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 45

[12]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 51

 

جميل حمداويلم يظهر المسرح في موريتانيا إلا في أواخر الخمسينيات (1958م) من القرن العشرين، مع الفرقة " الكيكوطية" برئاسة همام أفال. وقد ظهر في البداية جيل يمكن " أن يطلق عليه جيل الرواد للحركة المسرحية في موريتانيا، من أمثال: (محمد ولد ممين، والكاتب محمد فال ولد عبد الرحمن، ومحمد ولد مسعود....)، وقد كانت هذه البدايات تعتمد أساسا على تمثيل النص دون مراعاة للحركة، وهو أمر يعزى إلي عدم وجود متخصصين حينها، وعدم إيفاد الدولة الموريتانية لبعض هؤلاء للخارج لتلقي دورات تكوينية، والاستزادة بمعلومات أكثر عن هذا الفن"[1].

وإذا كان الجيل الأول من المسرحيين الموريتانيين قد اعتمدوا على تشخيص النصوص، دون ترجمتها ميزانسينيا وحركيا، على الرغم من الحركة المسرحية التي كانت منتشرة لدى الفرنسيين في البلاد، إلا أنهم لم يستفيدوا من ذلك بأي حال من الأحوال. بل اكتفوا بقراءة النصوص الدرامية، وتمثيلها لغويا وحواريا، دون تحويلها إلى عروض ركحية أو سينوغرافية.

لكن الجيل الثاني من المسرحيين الموريتانيين قدموا عروضا مسرحية على أسس ركحية وسينوغرافية، بترجمة النصوص الدرامية إلى أفعال ومشاهد ولوحات وحركات وانتقالات فوق الخشبة الركحية . وفي هذا الصدد يقول الكاتب والفنان المسرحي بون ولد أميده:" ظهر على مسرح الحياة الثقافية ما اصطلح عليه تسميته "الجيل الثاني" بقيادة محمد الأمين ولد عداهي، وقد امتازت فترة هذا الجيل باعتماد النصوص المسرحية الوطنية لأول مرة، وتميزت كذلك بتقديم النص المسرحي على أسس علمية، عكس ما كان سائدا في السابق (حركات محسوبة- ديكور- إكسسوار-  إضاءة- موسيقي...إلخ).

ومن أبرز الجمعيات والروابط التي كانت ناشطة إبان الفترة الزمنية لذلك الجيل: جمعيات(غرناطة- المرابطون- الرسالة - شنقيط، وهي إحدى كبريات الجمعيات المسرحية الموريتانية، وأكثرها صيتا وعطاء، إضافة إلى فرق: الخلاص،والمسرح الطلائعي، والأصابع والمرآة ...إلخ).

وفي منتصف الثمانينيات، شكلت هذه المجموعة ما عرف حينها بـ"الاتحاد الوطني لمسرح الهواة"، وقد كان هذا الاتحاد مركز القوة في تاريخ المسرح الموريتاني بأعماله داخل البلاد ؛ وامتد عطاؤه ليشارك في مهرجانات دولية وإقليمية، كـ(مهرجان قرطاج؛ومهرجان المنستير؛ ومهرجان أبي رقاق، ومهرجان المسرح الفرانكفوني في أبدجان , ومهرجان " يوم الطالب الليبي"...

لكن هذا الاتحاد ترصدته عدة عوائق، واضعة بذلك نقطة النهاية لمسيرته المسرحية بعد سنوات من العطاء، ليتفكك الاتحاد الوطني لمسرح الهواة، وفتح المجال في سنة 1988 م لظهور فرقة المسرح الشعبي سنة1990 م، والتي نالت تجاوبا منقطعا في ظل غياب أي منافس على الساحة، وإن كانت هذه الفرقة لم تعر كثيرا الجانب الفني أهمية تذكر، واعتمدت أساسا على الفكاهة والتنكيت و"المباشراتية" في تناول المواضيع، إلا أنه لا يمكن لأي متتبع لتاريخ المسرح الموريتاني أن يتجاهل دورها على مدى عقد من الزمن."[2]

بيد أنه في منتصف التسعينيات (1996م) من القرن العشرين، عرفت موريتانيا طاقات مسرحية إبداعية واعدة جديدة قادت المسرح الموريتاني نحو مناحي التأسيس والهواية و التميز والإبداع، فظهر ما يسمى بالمسرح الاحترافي والمسرح الجاد، وممارسة فن المسرح على أسس الدراسة والعلم، كما ظهرت رابطة التواصل التي ساهمت في ظهور العديد من الجمعيات والفرق المسرحية، مثل: المخضرمين، والنجوم، والتضامن،والهلال، والمعرفة، والتوعية، والمسرح الجديد الذي قاده المخرجان بابا ولد ميني والتقي ولد عبد الحي.

ومازال المسرح الموريتاني يعرف عوائق عديدة تواجه مسيرته الإبداعية، كالعوائق الإدارية، والعوائق المادية، والعوائق المالية، والعوائق التنظيمية، والعوائق البشرية، والعوائق الإعلامية، وعوائق التكوين. ومن أهم المشاكل التي تؤثر في المسرح الموريتاني، على سبيل التحديد، " عدم وجود أماكن عرض مسرحية لا في نواكشوط ولا في الداخل، حيث إن الأماكن الموجودة للعرض تقتصر على دار الشباب الجديدة والقديمة اللتين تعانيان وضعا يرثى له جراء الإهمال طيلة عقود من الزمن،أضف إلى ذلك، ضيق سعتهما الاستيعابية( 400 مقعد في الأولى و850 مقعد في الثانية)".[3]

ويعني هذا أن المسرح الموريتاني مازال مرتبطا بالعلبة الإيطالية استنباتا، واقتباسا، وترجمة، وإعدادا، وتأليفا. ومن ثم، لم يتحرر بعد من الفضاءات المغلقة، وهذا شيء طبيعي إذا كان المسرح الموريتاني لم يتأسس بعد، في الحقيقة، ماديا، ومعنويا، وإداريا، ولم يجد فضاءه الركحي والسينوغرافي بعد لكثرة المشاكل والأزمات التي يتخبط فيها من حين لآخر. كما أن المسرح حدث فني وجمالي بامتياز، يرتبط بالمدينة والعمران والاستقرار والمدنية والحضارة أكثر من ارتباطه بالبادية والبداوة والخيمة والصحراء والارتحال وعدم الاستقرار، ومازال المجتمع الموريتاني بدويا ليس إلا. وفي هذا الإطار، يقول عبد الكريم برشيد:"فالمسرح - كما نعلم- فن مدني مولدا ونشأة، وذلك لأن المدينة هي بالأساس توحيد للفضاء المكاني والزماني. كما أنها أيضا، إخراج للفرد من فرديته، وإدخاله في إطار الجماعة. فهي تحرره من الانتساب إلى العشيرة ( رابطة الدم) لتعويضه عن ذلك بالانتساب إلى العمران. هذا التساكن – المحمل بتداخل المصالح وتكاملها وتعاصرها- هو الذي يعطي المشروعية لفعل المسرح، كلقاء إنساني وحوار وصراع وأقنعة تفرضها المواضعات الاجتماعية داخل المدينة..."[4]

وهذا ما لا نلاحظه بشكل جلي وواضح في موريتانيا الفتية التي مازالت تفتش عن نفسها، وتحاول جادة أن تبحث عن كينونتها، وتثبت وجودها، في غمار الصراعات الحزبية، والاضطرابات السياسية، والأزمات الاقتصادية. ولقد صدق مصطفى رمضاني حينما قال عن  تجربة موريتانيا في المجال المسرحي:" على الرغم من أقطار المغرب العربي قد عرفت فن المسرح مع بداية هذا القرن(يقصد القرن العشرين)، في فترات متقاربة جدا، باستثناء موريتانيا، فإن حالة المسرح فيها اليوم تختلف من بلد لآخر، استجابة لخصوصية كل مجتمع ومشاغله الملحة....المسرح في ليبيا- على سبيل المثال- نما يتخبط بعد مرحلة الاندهاش والتعثر. وفي الجزائر يعيش حالة تكرار النموذج الواحد، مع استثناءات قليلة جدا. وعلى العكس من ذلك، نلمس تشابها واضحا بين المسرح في كل من تونس والمغرب، إذ يوجد فيهما الحداثة والتأصيل، انطلاقا من مبدإ التجريب المتطور. أما موريطانيا، فإن المسرح فيها يكاد يكون منعدما، نظرا للنزعة البدوية الغالبة على هذا المجتمع- والمسرح مدني كما نعلم- وللمشاكل المتعددة التي مازال هذا المجتمع يتخبط فيها، مما جعل الفن عامة من مشاغله الهامشية."[5]

وهكذا، يتبين لنا أن المسرح الموريتاني لم يفرض نفسه مؤسساتيا وثقافيا وإداريا وتنظيميا واجتماعيا بسبب الأزمات التي تتخبط فيها الدولة الموريتانية على جميع المستويات والأصعدة، بما فيها المناحي: السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والإدارية، والعسكرية. ناهيك عن كون أن الفعل المسرحي والثقافي فعل ثانوي وهامشي بالنسبة للدولة. ولم تصبح الفرجة المسرحية بعد فرجة عالمة واعية محترفة، بل مازالت فرجة ساذجة فطرية مرتبطة بالحفلات والأعراس وفضاء الخيمة والصحراء، ولم تنتقل بعد، بشكل ما، إلى القاعة الأرسطية بشكل يحقق التراكم والتواجد وفعل التأسيس والاعتراف والتجريب والتأصيل، وخلق تقليد فني وجمالي.

 ومن جهة أخرى، حينما نريد الحديث عن المسرح الموريتاني لتقويمه وتحقيبه ومعرفة خصوصياته وقضاياه وظواهره الموضوعية والفنية والجمالية، فإنه لم يتجاوز مرحلة النص بعد، وحتى إذا تجاوزها بشكل من الأشكال، فإنه مازال يعيش على إيقاع الاستنبات والتجنيس والتغريب، وما زال يقدم كذلك عروضه وفرجاته فوق الخشبات الركحية المغلقة المهترئة، في عمومها، والتي تحيلنا على المسرح الأرسطي بقواعده المحددة، وثقافته المستلبة، ونصوصه المعروفة، وريبرتواره الجاهز. ولم ينفتح بعد على فضاءات ركحية تجريبية جديدة، أو يقوم بتثوير السينوغرافيا السائدة، إذا كان الكل يعلم أن المسرح الموريتاني لم يدخل بعد بشكل فني وجمالي المرحلة الكلاسيكية من المسرح العالمي، ولم يرو غليله من ذلك بعد.

وفي الأخير، نسجل أن المسرح الموريتاني، بكل صراحة وموضوعية،  يشكل نقطة ضعف داخل خريطة المسرح المغاربي، ولم يستو بعد فنيا وجماليا إلى يومنا هذا.

 

 د. جميل حمداوي

.......................

[1] - بون ولد أميده: (المسرح الموريتاني .. رحلة بين "حاء" تهوى التميز... و"باء" تطمح للتخصص.. .)، موقع مسرحيون لقاسم مطرود،موقع رقمي، نشر بتاريخ الأربعاء14 يناير2009م؛

 [2]-  بون ولد أميده: (المسرح الموريتاني .. رحلة بين "حاء" تهوى التميز... و"باء" تطمح للتخصص.. .)، موقع مسرحيون لقاسم مطرود،موقع رقمي، نشر بتاريخ الأربعاء14 يناير2009م.

[3]-  بون ولد أميده: نفسه، الموقع السابق.

[4] - عبد الكريم برشيد: حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي، ص:129.

[5] - مصطفى رمضاني: (حالة المسرح في أقطار المغرب العربي)، مجلة دراما، العدد الثاني، ماي 1992م، ص:50.

 

رحمن خضير عباسبفوزها بجائزة (مان بوكر) للأعمال المترجمة للإنجليزية هذا العام، تدخل جوخة الحارثي كأول سيّدة عربية تنال هذه الجائزة المهمة، وذلك عن روايتها سيدات القمر، والتي صدرت عام ٢٠١١ أي قبل أنْ تنال هذه الجائزة بثمانية أعوام. وجوخة الحارثي أديبة عُمانية أصدرت روايتين ومجموعة قصصية. كما أصدرت بعض القصص الخاصّة بالأطفال . وقد أحرزت شهادة الدكتوراه في الادب العربي من جامعة ادنبرة في سكوتلاندا.

تدور أحداث الرواية في قرية مُتَخَيّلة وليست حقيقية، مما يجعل شخوصها واحداثها وجغرافيتها بعيدة عن الشخصنة، فهي رمز لأية قرية عمانية تلوذ بعزلتها، وتكتفي بأبنائها الذين تعايشوا منذ القِدَم في هذا المناخ الاجتماعي المتوّحد والرتيب. حيث أفراده مشدودون لبعضهم في وشائج وعلائق متينة. وحيث الفرد يذوب في إرادة الجماعة وقوّة أعرافها، وفي نسيجها الاجتماعي المتكوّن من ملّاكي الأراضي والفلاحين والتجار والكسبة والعبيد . هذا النسيج المتنوّع، والذي يتعايش منذ القدم في موروث السلف الممتد بعيدا في الذاكرة المخزونة، حيث التقطت الكاتبة شيئا من شذراته، لتحريك البركة الساكنة كي تطفح على سطحها الأحداث.

الرواية مسْحٌ تأريخي لملامح مجتمع ينمو . وتلمسٌ لبعض ملامحه، وتشخيص التشوّهات التي ظلت عالقة على هيكله، كنقط سوداء باهتة، ومنها قضية الرقيق الأفريقي، الذي نشأ في مراحل غابرة،ونما على سطح الأزمنة المختلفة، حيث الصيد البحري، والقرصنة الحربية، وتجارة الرقيق التي تجعل من يمتلك القوة، أن يغزو سواحل البؤس والفقر في إفريقيا، لمهاجمة الناس والقبض على شبابهم الأفريقي وتحميلهم في سفن الموت، ثم عرضهم للبيع. وقد تناول ذلك الكاتب الأمريكي الأسود اليكس هيلي في روايته الرائعة جذور . ولكنّ خوجة الحارثي لم تتناول موضوع الرق كقضية رئيسية، بل أوردته على هامش التناقضات الاجتماعية بين شخوصها، الذين وجدوا أنفسهم في كيان اجتماعي غير متجانس، فمنهم من العبيد الذين انتفضوا على لوثة الماضي كزيدان ابن المتشرد. ولكن البعض منهم قد وجد العبودية قدرا لا مفرّ منه كالخادمة نظيفة. ومنهم من مات وهو لا يعلم أن المواثيق الدولية قد ألغت الرق والاتجار بالبشر. وقد كان موقف الكاتبة منحازا إزاء تلك الشرائح والشخوص التي كانت تتعذب بصمت، وذلك من خلال نفض الغبارعن أوجاعها، من خلال تسجيلها فنّيا، وبالتالي إدانة هذه الظواهر الشاذة .

تتناول (سيدات القمر) مسألة الصراع الخفي، بين مشيئة المجتمع وبين رغبات أفراده. بين قوة العادات والتقاليد ومجموعة القيم المتعارف عليها،وبين الرغبات المُحبَطة لأفراد لا يمتلكون سوى أحلامهم، فمنهم من انتحر (كطاهر) الذي لم يتحمل قسوة ما يحيط به،ومنهم من استسلم مثل ميا وشقيقتها أسماء لقدر الزواج القسري بارادة العائلة.  ومنهم من حاول الصمود كخولة التي رفضت رغبة أهلها بزواجها، متمسكةً بوعد الزواج من ابن عمّها الذي يدرس في كندا، والذي فشل في دراسته.

فالفتاة ميا، تنفق الوقت في العمل المضني، لتخيط الملابس منكبة على ماكنة الخياطة، وتنزوي بين ثنايا عملها اليومي داخل غرفتها،لمواجهة قسوة الواقع. فكانت تحلم بفتى أحلامها وهو (علي بن خلف) والذي لا يبدو منه سوى ملامح باهتة، لرجل ملأ ذاكرتها وعطش أحلامها. ولكنها لا تعترض على أوّل خطيب يختاره أهلُها، فتتزوج به من دون حب أو رغبة، وتلد منه ابنتها البكر، والتي تصرّ على تسميتها لندن رغم اعتراض الجميع، وكأنّها تطمح إلى تخطي حدود الحلم، لأنّ فتى أحلامها قد غادرها للدراسة في لندن   .وهكذا تكبر الصغيرة (لندن) وتكمل دراستها الجامعية في كلية الطب في لندن .وتكمن المفارقة في أن لندن المتحررة قد فشلت في زواجها الذي جاء برغبتها. ونجاح زواج الأم ميا رغم أنه تمّ بغير رغبتها!

ولكن الرواية التي تنمو من خلال منظور (ميا)، ودائرة عائلتها الضيّقة، التي تتكون من أمها واخواتها (أسماء) التي تتزوج من شخص آخر (وخولة) التي ترفض الزواج التقليدي لشخص يخطبها وتتمسك بابن عمها ناصر الذي يواصل دراسته في كندا. وبعد ذلك تكتشف أنه غير جدير بوفائها وانتظارها له. فقد اقترن بكندية، ولكنه يفشل في الحب والدراسة ويعود خال الوفاض إلى العوافي.

وهكذا تنمو أحداث الرواية بشكل بطيء. وعلى شكل فصول قصيرة تجاوزت الستين فصلا. هذه الفصول تتداخل وتتشابك وتزدحم بالشخوص والأبطال المؤثرين أو الثانويين. في أزمان غير محددة أو ما يُسمّى ب(الكرونولوجية). أي التقسيمات الزمنية، فمرة نحن إزاء اللحظة الراهنة. ومرة أخرى نحن أمام زمن متقدم. أي أن الزمن لا ينمو بشكل طبيعي، بل يتشظى على رقعة الأحداث، وقد يعود إلى الوراء عبر الذاكرة، أو عبر تيارات سردية، تبدو وكأنها تسيل متلازمة مع خط السرد الرئيس .

ومع أن ميا هي الشخصية المركزية في سير الأحداث. ولكنها تذوب في هذا الحشد من البشر وفعلهم الحياتي الذي ينمو بشكل كثيف. ضمن البطولة الجماعية لحشد من البشر يعيشون ضمن فترات زمنية متباينة. حتى أنّ الحوادث والشخوص وأفعالهم تتكدس في سلة واحدة. وعلى القارئ أن يتبصر الخيوط والأحداث والأصوات السردية التي تبوح بفعلها ثم تخبو. وكأننا أمام فنانة تشكيلية. تنشغل في رسم لوحتها بالألوان المائية. وحالما تقوم بطلاء طبقة لونية في مساحة معينة. فتتركها حتى تجفّ، منشغلة بمساحات أخرى. ولكنها تعود إلى اللون الأول وتضيف عليه طبقات لونية أخرى.

الروائية خوجة الحارثي، كانت ترسم بالكلمات والصور، فحينها تتناول حياة بطل ما، تتناول جزءا من مساره الحياتي. وتتركه حتى ننساه، ولكنها تعود اليه من جديد، فتقوم بتلوين افعاله على هيئة طبقات شفافة تبدا من الألوان الباردة إلى الألوان الحارة، كي تنضج ملامحه .

تهيمن الأنثى في الرواية، فهي التي تصنع الأحداث :

فهي المسالمة التي تؤدي دورها الحياتي، وهي الخادمة التي تعيش الرق المزدوج، وهي الحالمة أو الطموحة أو العاشقة التي تتكسر مويجات عشقها ولهفتها على صخور واقع اقسى من الحجر. وهي الأنثى المتمردة التي تنتظر فتى أحلامها، أو التي تمارس لعبة الاغراء والاغواء. الأنثى الشرسة التي لا تتردد في تسميم وقتل من ينافس عواطفها الملتهبة. الأنثى القوية والضعيفة، السيدة والعبدة. التي تملك كل شيء وتفتقر إلى كل شيء.

لقد شكّلت الأنثى اللبنة الحقيقية لبناء رواية سيدات القمر. وبقي الرجل على هامش الفعل الروائي.

ورغم أن الرجل كان في وضع أفضل من المرأة ولكنه بدا متأزما محبطا، فهذا عبد الله الذي لا تبارح ذاكرته وسائل القمع من قبل أبيه.، والذي يتراءى له من خلال علاقته بطفله الصغير. وعزان الذي يعيش ازدواجية عاطفية، مابين زوجته وعشيقته. وكذلك صراع خالد الفنان مع أبيه والذي ينبثق من خلال لوحاته الفنية. اضافة إلى عبء ممتلكات سعيد، التي لم تخلق له السعادة،وتجارة سليمان الكاسدة، والهجرة التي غيبت عيسى، وزيدان الهارب من ماضيه. إنها القرية التي تتفاعل فيها الأحداث بصمت. ولكنها قد ترمز إلى البيئة الاجتماعية العامة للمجتمع العماني، وهو في مخاض التحوّل.

اللغة في الرواية كانت مزيجا من اللغة المحكية والمتداولة،فهي تُشبه إلى حد كبير طريقة الطيب صالح في روايته موسم الهجرة إلى الشمال، وكيف استطاع هذا الكاتب أن يقدم لنا لوحة سودانية عريقة في لغتها المحلية ومضمونها. كذلك فعلت الكاتبة جوخة الحارثي التي رسمت لنا أجمل لوحاتها السردية عن المجتمع العماني، من لغته المحكية الأقرب إلى اللغة الفصحى، إلى الأمثال الشعبية العمانية، والتي استخدمتها بكثافة، مما أثرى الأفكار التي وردت، كما استشهدت بمقاطع شعرية لشعراء معروفين. وهذا – وفق تقديري- لا لزوم له، لأنّ اللغة النثرية العالية ينبغى أن تعتمد على أدواتها السردية دون الاستعانة بالشعر، الا في حالات قاهرة.

أما لغة الحوار فكانت مكثفة وموحية، وتبتعد عن الطرق التقليدية، مما منحها ألقا وانسيابية عالية. اضافة إلى بلاغة الوصف التي عكست لنا ملامح العصر وتأثيرات الماضي فيه. والمتغيرات التي انعكست على نحت شخوص الرواية، فعبرت عن الدلالات المتوّخاة . كما وصفت لنا الكثير من العادات والتقاليد في الأعراس والمناسبات الاجتماعية وانعكاساتها على المجتمع. ورسمت بذلك اجمل اللوحات الفنية، التي تكدست في وجوه الناس وملامحهم، وطبيعة طقوسهم، وإيمانهم بالسحر والشعوذة والحسد والنذور.

لقد كانت رواية (سيدات القمر) التي فازت بجائزة البوكر للروايات المترجمة إلى اللغة الإنجليزية لوحة فنيّة، تعالج الكثير من القضايا الجوهرية بشكل فني جميل.

 

رحمن خضير عباس

 

تصدت الأقلام ومنها القصصية، والروائية، والشعرية، والنثرية منذ مدةً طويلةً إلى ظاهرة الإسلام السياسي المقنعة برداء الدين، وهي ظاهرة قديمة حديثة، متنامية تصاعدياً، وكلما تطور الفكر كلما زادت إشكالية هذه الظاهرة وتبعياتها الضاغطة.

ويعد الاهتمام بهذا التوظيف من اقدم الموضوعات التي شغلت العقل الإنساني، ويعود السبب في ذلك إلى كون البعدين: الديني والسياسي من الابعاد التي لازمت اهتمامات الإنسان البدائي، وتلازم وجوده الآني في مختلف مراحل تطوره، لتكون قيداً خانقاً في مجالات  حياته  كلها.

ويعد فصل الدين عن السياسة معادلة مقفلة؛ لأن الدين الجديد يتغذى من الوجود السياسي، والسياسة تتغذى من الوجود الديني، والمساعي جميعها اعلنت الفشل امام فصل هذه الظاهرة المميتة.

بعد التعمق في قراءة الكثير من النتاجات الشعرية، يمكننا أن نتوصل إلى أن قصائد الشعراء اغلبها تتفق في نقد هذه الظاهرة المعتمة المجانية.

وثمة قناعات يسعى اليها الكثير من الشعراء ومنهم شاعر السخرية ( أحمد مطر)، تتمثل في مزاجه الفكري والعقائدي، إذ تكمن خطورة الطرح الايديولوجي عندما يكون في الأطار الديني الذي ينبثق منه، إذ تتجلى في إشارات عدّة، من تحريف لرغبات الذات الطبيعية، وإدارة الفرد والسلطة والحياة والحب والجنس والعلم إلى الحرية والمعرفة السياسية.

وتأتي قدرة الشاعر (احمد مطر) على توظيف الإشكاليات ضمن مناخ القصائد، وهذه القدرة هي محاولة حذرة تأتي للتأكيد على قدرة التأريخ في الحضور المتجدد، بسبب سلطة السياسي الذي يستعين بتأريخ الإشكاليات من اجل مصالحه الذاتية، وتحقيق فكرة الحشد والاصطفاف الشعبي.

أمتازت اشعاره بلغة بسيطة ساخرة من كل ضاغط، خارقاً لكل انواع التابوات، لغة تبتعد عن جفاء البلاغة، يفهما القارىء بنوعيه (المثقف، والعادي)، إلا أن هذا لايعني أنها لغة لاتمتلك التورية تارةَ، واعمال الذهن تارةً اخرى، ففك الرمز الشعرية أقرب إلى فك معادلة (فيثاغورس)

واحمد مطر في نماذجه يقدم تصورات عن ضغط الإسلام السياسي وتشكلاته، وقدرته على توظيف الفتنه الطائفية، وهي سياسة قديمة منذ العهد العثماني، الذي وظف سياسة(فرق تسد).

أنَّ لِسـانَكَ يلهَـجُ باسـمِ الله

وقلبَكَ يرقُـصُ للشيطـانْ

أوْجِـزْ لـي مضمـونَ العَـدلِ

ولا تـَفـلـِقـْـني بالعُنـوانْ

لـنْ تَقـوى عِنـدي بالتَّقـوى

ويَقينُكَ عنـدي بُهتـانْ

إن لم يَعتَـدِلِ الميـزانْ

شَعْـرةُ ظُلـمٍ تَنسِـفُ وَزنَـكَ

لـو أنَّ صـلاتَكَ أطنـانْ

الإيمـانُ الظالـمُ كُـفرٌ

والكُفـرُ العادِلُ إيمـانْ

هـذا ما كَتَبَ الرحمـانْ

(قالَ فُـلانٌ عـنْ عُـلا ّنٍ

عن فُلتـا نٌ عـن عُلتـ

عن فُلتـا نٌ عـن عُلتـانْ)

أقـوالٌ فيهـا قولانْ

لا تَعـدِلُ ميـزانَ العـدْلِ

ولا تَمنحـني الإ طـمـئنـانْ

د عْ أقـوالَ الأمـسِ وقُـل لي

ماذا تفعـلُ أنتَ الآنْ ؟

هـل تفتـحُ للديـنِ الدُّنيـا

أم تَحبِسُـهُ في دُكّانْ؟!

هـلْ تُعطينا بعـضَ الجنَّـةِ

أم تحجُـزُها للإخـوانْ؟

قُـلْ لي الآنْ

فعلى مُختَلـفِ الأزمـانْ

تقديم الشاعرلهذه الإشكالية أجده مرتبطاً بالوضع الراهن، فالنص كدائرة مغلقة يدور حول المرتكز من دون الخرود منه،فمؤشر -ضغط الإسلام السياسي- يتجه باتجاه السالب أكثر من الموجب، فإنها ضريبة يمكن تشبيهها بالنار التي كلما خمدت زودت بالمنشطات لأشعالبها، فهي نار أزلية التهمت الأمة،ولم تطفأ إلى وقتنا الراهن.

ويؤكد على استمرارية الحدث(يرقص، تفلقني، تقوى، يقينك،تنسف، تعدل،تمنحني،تفتح،تفعل، تحبسه،تعطينا،تحجزها).

وقوله: هل تفتح للدين الدنيا، سؤال لايجد جوابه، ليقترن بسؤال آخر  أم تحجزها للإخوان؟، وهي اسئلة عقيمة الجواب، نشأت عن سلسلة تراكمات، وظرةف نفسية معتمة، احاطت بذات الشاعر اولاً، واسس بنائها من قرائيه لسوداوية المحيط المعاش.

والطُغيـانْ

يذبحُني باسم الرحمانِ فِداءً للأوثانْ

هـذا يَذبـحُ بالتَّـوراةِ

وذلكَ يَذبـحُ بالإنجيـلِ

وهـذا يذبـحُ بالقـرآنْ

لا ذنْبَ لكلِّ الأديـانْ

الذنبُ بِطبْـعِ الإنسـانِ

وإنَّـكَ يا هـذا إنسـانْ

كُـنْ ما شِـئتَ

رئيسـاً

مَلِكـاً

خانـاً

 

خانـاً

شيخـاً

د هـْقـاناً

كُـنْ أيّـاً كانْ

من جِنسِ الإنـسِ أو الجَـانْ

لا أسـألُ عـنْ شَـكلِ السُّلطـةِ

أسـألُ عـنْ عَـدْلِ السُّلطانْ

هـاتِ العَــدْلَ

وكُـنْ طَـر َزانْ

رؤية الشاعر للشخصيات هنا رؤية مستقبيلة، يسعى عن طريقها إلى نقد التاريخ بكل مايحمله من جانب، وجعل التاريخ في سلسلة متواصلة ومبنية على الاحتمالات والصراعات من لحظة توظيفه ( والطغيان) ضمن سياق النص، ليجر هذا الطغيان سلسلة الصراعات الداخلية، والخارجية، ضمن البلد الواحد والبلدان الآخرى، وجلها تحت نفس الاقتتال ؛ لأن الجدل المذهبي والصراع الطائفي ليس جديداً في تاريخ الأمة.

ويكاد النص يؤكد على أن اساس نيل الحريات يكمن في فهم النصوص المقدسة من (القرآن الكريم، الآنجيل، التوراة) التي بدورها تبحث عن الحرية والعدل، ولا تبحث عن الظلم والأقتتال كما هو مفهومها الآني (لا ذنْبَ لكلِّ الأديـانْ/ الذنب بطبع الإنسان) .

وليؤكد  أن البلاء داخلي بقوله: (كن ماشئت) (رئيساً، ملكاً، شيخاً.....) فالصورة واحدة = الإنسان= كن اياً كان .

وينسج صورة غاية في الجمالية (هات العدل= كن طرزان).

أضيف، عتمة المشهد الأجتماعي المعاش، تحت كنف سلطات ضاغطة، أسس نتاجات ادبية تشهد لها مناهل العلم؛ لأنها انطلقت من عقم الواقع المعاش، بلغة مجانية، وصياغة ادبية متقنة، فالمادة متوفرة، تبقى مهارة الاتقان الأدبي، الذي حقق وجوده بجدارة.

 

د. وسن مرشد

 

ثائر العذاريليس المصطلح - كما هو معلوم - محض كلمة تختزل فكرة أو مفهوما أو نظرية حسب، بل هو إلى جانب هذا تعبير غن انتماء لاتجاه فكري أو علمي محدد، ففي البلاغة العربية الكلاسية مثلا هناك مصطلح (العدول) الذي يدل على المفهوم ذاته الذي يدل عليه مصطلح (الانزياح) الأسلوبي، لكن لا يجوز لمن يكتب بحثا على وفق منطلقات البلاغة الكلاسية أن يستعمل مصطلح (الانزياح)، كما لا يجوز لمن يكتب بحثا أسلوبيا أن يستعمل مصطلح (العدول)، ففي الحالين سيستعمل الباحث مصطلحا أجنبيا عن المنظومة الاصطلاحية التي ينتمي إليها بحثه.

في الترجمات النقدية العربية تتعدد المرجعيات الثقافية للمترجمين حسب اللغة التي خلفتها الكولونيالية في كل بلد من البلاد العربية، فتتباين المرادفات للمصطلح الواحد، وهنا قد يتوهم من لا يقرأ بلغة ثانية أنه أمام مصطلحين مختلفين.

قرأت مقالا في صحيفة عربية يبشر فيه كاتبه بأن النقد الغربي ما عاد يستعمل مصطلحات الروي والراوي والمروي له، واستبدلها بمصطلحات السرد والسارد والمسرود له، ويرى ان السبب في هذا التغيير أن النقد الغربي لم يعد مهتما بتصنيف الأعمال السردية على قصة ورواية ونوفيلا ومسرحية ...، فذلك كله سرد، ثم يأتي بنصوص لنقاد ارتبطت أسماؤهم بنظرية السرد مثل نورثروب فراي وباختين، ويرى أن باختين هو الذي تسبب في هذا الانقلاب الاصطلاحي بعد أن عد قضية الكرونوتوب (الزمكان) مركزية في بنية السرد. وطبعا ليس من حقنا أن نسال عن الربط المنطقي بين الأمرين.

مثل هذا (الهراء) -وأعتذر لاستعمالي هذه الكلمة لأني لم أجد أفضل منها- يربك الناقد الذي لا يقرأ بلغة ثانية لأنه سيصدق أن منظومة اصطلاحية جديدة فرضت نفسها على الدراسات السردية الغربية، خاصة أن كاتب المقال كان يتحدث بلغة واثقة تغلب عليها نبرة المعلم. والحقيقة أن النقد الغربي لم يستعمل ابدا كلمة تعني الراوي او السارد سوى كلمة narrator, وليس هناك كلمة أخرى تقودنا إلى التمييز ورصد تغير جذري كالذي يتحدث عنه كاتب المقال الذي اكاد أجزم انه تحصل على هذا الاعتقاد بسبب قراءته الكتب المترجمة.

إن مصطلح الراوي لم يظهر في النقد إلا بعد أن نشر هنري جيمس مقالته الشهيرة (The Art of Fiction) عام ١٨٨٤، حيث وضع مصطلح زاوية النظر، وقبل جيمس كان يُعتقد أن المؤلف هو الذي يروي القصة او الرواية، ولذلك نجد في الكتابات النقدية في القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر انهم كانوا يطلقون على الروائي او القاص تسمية (الحكاء story teller), ويستعمل هنري جيمس في مقالته كلمة (سرد narrative) ثلاث مرات.

ويستعمل بيرسي لوبوك في كتابه (صنعة الرواية The Craft of Fiction) الذي نشر ١٩٢١ مصطلح الراوي او السارد narrator عشرات المرات في الفصلين الأخيرين، وفي الترجمة العربية استعمل الأستاذ عبد الستار جواد كلمة (الراوي) وربما لو ترجمه مترجم آخر اليوم لاستعمل كلمة السارد، والجميل في ترجمة الأستاذ جواد أنه وضع عنوانات لفصول الكتاب، لأن لوبوك اكتفى بوضع ارقام لها بلا عنونة، ونجد ان الفصل السابع عشر في الترجمة عنوانه (الراوي ص٢٢٥) بينما لا نجد في النسخة الأصلية سوى الرقم (XVII) ص٢٥١، الذي يبدؤه لوبوك بالقول:

(THE whole intricate question of method, in the craft of fiction, I take to be governed by the question of the point of view the question of the relation in which the narrator stands.

أرى ان القضية المعقدة في طريقة كتابة الرواية يجب ان تكون محكومة بمسالة زاوية النظر، اي السؤال عن مكان وجود الراوي.)

يمكننا ان نلاحظ هنا ان استعمال كلمة narrator لا يختلف قيد أنملة عن استعمالها اليوم، وبقي الامر بيد المترجم، فهو من سيختار ان يترجمها راو او سارد.

وفي كتاب فورستر المؤسس (Aspects of the Novel) ١٩٢٧ الذي ترجمه كمال عياد جاد ١٩٦١ بعنوان أركان القصة خطا بدلا من اركان الرواية، استعمل كلمة narrator عددا من المرات عجزت عن احصائه، لكن المفارقة اننا نقرا في ص١٠٣ هذه العبارة:

Roman Pictures  is a social comedy. The narrator is a tourist in Rome

كان فورستر يتحدث عن رواية بيرسي لوبوك (صور رومانية) ويصفها بأنها كوميديا اجتماعية والراوي فيها سائح في روما…

وحين نعود إلى ترجمة جاد سنجد:

"وكتاب صور رومانية عبارة عن كوميديا اجتماعية، والقصاص سائح في روما…" ص١٨٢

يبدو ان الانقلاب الاصطلاحي في وقت ترجمة الكتاب كان له شكل آخر، فقد ترجم كلمة narrator قصاص.

بقي ان نقول أن باختين نشر مقالته (أشكال الزمن والكرونوتوب في الرواية) عام ١٩٣٧، فحتى لو أغمضنا أعيننا عن كل ما سبق وسلمنا مع كاتب المقال بانها سببت تغييرا جذريا في المنظومة الاصطلاحية فهي مقالة قديمة ظهرت في بدايات نشوء ما يعرف بنظرية السرد.

إن مصطلحي الراوي والسارد ليسا سوى نتاج الترجمة كما تبين، وأرى ان مصطلح الراوي العربي أكثر استقرارا وادق دلالة لما يحمله من حمولة دلالية تراكمت على امتداد التاريخ العربي، اما مصطلح السارد فما زال يستعمل بطريقة مربكة، فبعض النقاد يستعمله أحيانا بمعنى المؤلف، كما في مقالات اخرى لكاتب المقال المذكور.

ما أحوجنا اليوم لتأسيس جمعية عربية لتوحيد المصطلحات، يمكن ان تتعاون الجامعات العربية على إنشائها لتخرجنا من هذه الفوضى.

 

د. ثائر العذاري

 

947 لمياء الالوسيهل وجدت لنفسها حضوراً مميزا في السرد العراقي؟

بعد عام الغربة، لم يعد للوطن تعريف محدد، لم أعد أعرفه حقاً، كم أحتاج إلى أن أضع قدمي على الأرض من جديد ..كي أجد عنواناً جديداً لوطن يمنحني يقيني جديداً .

تلك هي المحصلة النهائية التي تكشف عنها رواية (صيادو الريح) للقاصة والروائية لمياء الآلوسي، وهي تروي محنة الهجرة من المدينة (تكريت) الى أربيل،محنة النازحين، ومن ثم العودة منها، إثر إجتياحها من قبل قوى الإرهاب المتوحشة (داعش)،منتصف عام 2014، هذا الحدث الفاصل في تاريخ العراق الحديث شكّل مرجعا إزدهرت به الكتابة الروائية العراقية، حتى صار صار الكلام عنها أمراً مميزاً وممكناً أو واقعاً، كذلك شكل هذا الحدث مادة لافتة، وموضوعاً جذاباً بل وأساسياً لروايات وقصص العديد من كتاب السرد، ومنهم لمياء الآلوسي، التي عرفناها قاصة تكتب بنجاح وتميز، وصدرت لها مجاميع في هذا الجنس من الكتابة، وأعتقد ان (صيادو الريح)، الصادرة عن إتحاد الأدباء والكتاب العراقيين عام 2019،هي الرواية الأولى المنشورة لها .

لم يكن الإجتياح (الداعشي) للمدن العراقية، إلا تجسيداً للمدى الذي ساقنا اليه إنهيار المنظومة السياسية والأخلاقية في حياتنا، فقد تجمعت المؤامرات المخفية والمعلنة ضد العراق كياناً وشعباً وتاريخاً وحاضراً، وأفرخت هذا الحريق الهائل، إلتقطته الروائية لتقدم نماذجها البشرية المحطمة، وكانت نقطة الإنطلاق الفنية للأحداث والمفتاح الرئيس الذي منحها دلالاتها العامة والخاصة وإستمدت من خلاله مضمونها النهائي المتمثل بتلك الأحداث المرعبة،إن نقطة الإنطلاق هذه تمس كيان الوطن وتشير إلى جوهر المأساة التي عاشها أبناؤه . وأفادت الآلوسي الى حد كبير من أن القارىء عاصر تلك الأحداث المنتجة للمأساة، وإستفادت من هذه المعاصرة كأحد العوامل في بناء عملها الفني، أو كمدخل واقعي الى العالم غير الواقعي . وتمكنت الروائية لمياء أن تبوح وتتنفس مناخ تلك الأجواء، لتصبح جسدها ونبضها بإمتياز، وإفترشت مساحة الرؤية والتفكير، وتغلغلت في المشاعر والعقل والدم .

هل يمكن لـ (صيادو الريح) أن تدعي لنفسها حضوراً؟ ربما مميزاً في الإبداع العراقي، الإجابة عن هذا السؤال تبدو مبكرة الآن قبل أن يطلع عليها نقاد السرد، وبرأيي المتواضع أستطيع القول ان الرواية تبدو واقعية، لا بالمعنى المألوف الشائع عن الواقعية، لأنها توسع حجم الرؤية الى أبعد مدى ممكن، لذا تجاوزت الآلوسي الشكل الواقعي ذا الأحداث المتسلسلة في يسر ومنطقية، في تركيب ينعم فيه المتلقي بالتأمل والحوار الداخلي، والإندهاش لمقاطع الوصف الباذخة الجمال، ونجحت لمياء بسرد الإنفعالات النفسية المختنقة وسط تداعيات وأحلام، يشدها خيط متوتر من الترقب والخوف والقلق، إن هول الصدمة هو الذي منح الرواية التماسك في السرد مع ضآلة الإختيارات، فجاءت متدفقة تدفقا تلقائيا حراً، وبإيقاع يتخذ أغلب الأحيان حركة مستمرة ببناء فني طليق يعتمد البوح والحوار،والحلم، لتكسب الرواية بعداً تجريديا غير محدود يضيق به المكان الذي ينمو فيه السرد .

قدمت لنا الآلوسي مفاتيح كثيرة، تناثرت بعفوية على ألسن الشخصيات الثانوية، لتفتح الأبواب كلها وسط تصاعد النار والدخان، وإمتلكت الخبرة والمعرفة النافذة لحقائق الشخصيات، ووظفت الحلم وإسترجاع الذكريات، ولم تبخل بمشاعرها وعواطفها وسط تلك الظروف الصعبة، بتطور درامي لعملية السرد، والمعاناة، وإشكالات السرد والإنتماء والتغرب .

إمتياز الرواية انها رويت بلسان السارد(ضمير المتكلم) وهي الشخصية المحورية فيها، التي ظل اسمها مغيباً لم تفصح عنه الكاتبة، وكأنها تريد القول ان روايتها،هي رواية البحث والتساؤلات عن الهوية في زمن ضائع، ومحاولة ترميم الذات، التي إفتقدت جذرها في أحشاء التربة العراقية (قد يكون ما حدث هزة عنيفة، زعزعت كل إعتقاداتي حول الوطن، لم يكن وطننا واحداً، فلم تلمّنا أربيل، لم تمنع عنا احساس الغربة، وكأن إنتماءنا لم يكن لكل هذا الوطن، تدحرجت القناعات وترجرج الوطن تحت أقدام النازحين ...النص على لسان البطلة )، هذا النص المستيقظ ألما يترك أثراً في موضوعة الهويات، ويرسم صورة واضحة للخيبة والخذلان، إذ تتداخل القيم وتتصارع الأحداث في ظل الكراهية المشتعلة والحقد، ويختلط القتلة بالقتلى، ويصبح كل شي مباحاً، وكل مفاجأة متوقعة، وتستحضر كل اسلحة الشر والدمار، ليتحول السرد بطريقة اللامعقول لواقع لا معقول .

الشخصيات الأخرى في الرواية ثانوية، ليس بمعنى هامشيتهم، انما هم يوحون بمعان أبعد منهم، معاني لها علاقة باللامرئي من التاريخي، أو بما يحدد مآل الحياة عندهم، فتضعهم أمام موت هو في مغزاه ووقعه أعمق من الموت في الكوارث، الموت الأعمق هو موت الحياة، لاتعرف من الجاني، ومن المجني عليه.

إن قدراً من الإحساس بخفوت الشد الدرامي في الرواية، وإفتقادها لحرارته في الفصل الأخير منها، فصل العودة الى المدينة إثر إندحار (داعش)، على الرغم من محاولة الآلوسي التعبير عن الإحساس بإستمرار الحياة، حين وجدت البطلة شجرة السرو الوارفة على باب دارها كانت خضراء يافعة . لتكشف عن الصلة بين الشجرة وأعماق الشخصية المحورية في الرواية، هذا الإكتشاف لعناصر الحياة يحكي بطريقة التلميح المعبّر، التوق الدفين لتجاوز العطب الذاتي، والتغلب على حالة الإستسلام لجدار اليأس الصلب والتهاوي في وهدته .

استطيع القول ان لمياء الآلوسي نجحت في ان تجد لها مكاناً متقدما في قائمة السرد العراقي، لما تمتلكه من مقومات النضج والجمال،وبما يضعها بجدارة في عدد الإضاءات السردية الجميلة.

 

جمال العتّابي

 

كريم مرزة الاسديالمعري، المتنبي، الشريف الرضي، أبو هلال العسكري، البيروني، أحمد الصافي النجفي، ديوجين، جورج برناردشو، جان بول سارت، ويلي سوينكا.

في الحقيقة أن الإباء والفخر صفتان غير متلازمتين، ولا تستوجب الأولى وجود الثانية، فالبحتري كان فخوراً بشعره حتى القرف، ولكنه ذو طبيعة مصلحية بحتة بعيداً عن الإباء والأنفة، أما ابن الرومي معاصره، فقد يفتخر بشعره، وبسعة علمه أحياناً، في حين كان لجوجاً،  ملحاحاً كالطفل مما يثير الاشمئزاز والعطف، وكأن زمانه لم يستح أن يكون بين جنبيه مثل هذا العبقري، ويهمل مثل هذا الإهمال، والغزالي بالرغم من تعاليه وزهوه، كان سمحاً، بسيطاً، ذا أخلاق دمثة، وأخيراً أصلح من أمر كبريائه وزهوه على ما يقال، ولكن من العجيب أن يغيب قلمه عندما تعرضت بلاد العرب للغزو الأجنبي، ولم يقل كلمة حق.

إباء أبي العلاء المعري (363 هـ - 449 هـ / 973م - 1057م:

أما أبو العلاء المعري فكان يفتخر بشعره وبسعة علمه، وغزارة حفظه، وفي الوقت نفسه كان شديد الإباء، زهد في دنياه إلى حدّ القسوة، ودون الكفاف في العيش طيلة أكثر من أربعين عاماً، تذكر الدكتورة بنت الشاطئ في كتابها مع أبي العلاء): أمر الحاكم بأمر الله الفاطمي على أن يسمح له بخراج معرّة النعمان طول حياته، فأبى وأعتذر، ويذكرون كذلك في تاريخه أن المستنصر بالله الفاطمي صاحب مصر 427 هـ، بذل له ما لبيت المال في معرة النعمان، فلم يقبل منه شيئاً . (42) ويقول الأستاذ عبد العزيز الميمي في كتابه (أبو العلاء المعري وما إليه): " وطئها بقدميه، فانقادت له .." (43).

وهذه أبيات من قصيدته الشهيرة التي يفتخر فيها بنفسه:

ألا في سبيلِ المَجْدِ ما أنا فاعلُ***عَفافٌ وإقْدامٌ وحَزْمٌ ونائِلُ

أعندي وقد مارسْتُ كلَّ خَفِيّةٍ***يُصَدّقُ واشٍ أو يُخَيّبُ سائِلُ

أقَلُّ صُدودي أنّني لكَ مُبْغِضٌ**وأيْسَرُ هَجْري أنني عنكَ راحلُ

إذا هَبّتِ النكْباءُ بيْني وبينَكُمْ***فأهْوَنُ شيْءٍ ما تَقولُ العَواذِلُ

تُعَدّ ذُنوبي عندَ قَوْمٍ كثيرَةً***ولا ذَنْبَ لي إلاّ العُلى والفواضِلُ

كأنّي إذا طُلْتُ الزمانَ وأهْلَهُ***رَجَعْتُ وعِنْدي للأنـــامِ طَوائلُ

وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ***لآتٍ بما لم تَسْـــتَطِعْهُ الأوائل

وطال اعتِرافي بالزمانِ وصَرفِه* فلَستُ أُبالي مًنْ تَغُولُ الغَوائل

وقال السُّهى للشمس أنْتِ خَفِيّةٌ*وقال الدّجى يا صُبْحُ لونُكَ حائل

فيا موْتُ زُرْ إنّ الحياةَ ذَميمَةٌ****ويا نَفْسُ جِدّي إنّ دهرَكِ هازِل

فإن كنْتَ تَبْغي العِزّ فابْغِ تَوَسّطاً***فعندَ التّناهي يَقْصُرُ المُتطاوِل

تَوَقّى البُدورٌ النقصَ وهْيَ أهِلَّةٌ****ويُدْرِكُها النّقْصانُ وهْيَ كوامل

 

المتنبي (303 هـ - 354هـ / 915م - 965م):

والمتنبي كان شديد الإباء، عزيز النفس، قوي الإرادة، ولكنه رمي بالبخل، ولم نتحقق من الأخبار التي تنسب إليه في هذا المجال، وعلى العموم العباقرة والعظماء، تؤخذ عليهم أبسط الأمور، وتضخم، وتعطي أكثر مما تستحق كثيراً بدافع الحقد والحسد والغيرة والعداء، وما إلى ذلك.

اشترط المتنبي على سيف الدولة الحمداني أن ينشده الشعر جالساً، ولا يقبل الأرض بين يديه، ومنذ صباه كان يعتد بنفسه كلّ الاعتداد، ولا يرى له في الوجود ندّاً، ولا مثيلاً:

أمط عنك تشبيهي بما وكأنه *** فما أحدٌ فوقي، ولا أحدٌ مثلي

وتذهب به الأنفة إلى درجة التسامي، واختراق كلّ مدى للوصول إلى الشأو والمرام في كوامن نفسه الطموحة لأعلى المعالي:

إذا قلّ عزمي عن مدى خوف بعده *** فأبعد شيٍْ ممكنٌ لم يجد عزما

وإنًـــي لمن قومٍ كأنّ نفوسهم ***** بها أنفٌ أن تســـكن اللحم والعظما

وهذه أبيات يعدّها الدكتور طه حسين في كتابه (مع المتنبي)، من أجمل ما قال المتنبي في حياته، وهي من قصيدة ألقاها بحضرة أبي العشائر والي اللاذقية سنة 338هـ، قبل أن يعرّفه أبو العشائر على سيف الدولة الحمداني، وذلك عقبى أن طُعِن في نسبه من قبل بعض جلساء   أبي العشائر، ورد الدكتور حسين ردًّا جميلًا صائبًا على مثل هذه الطعون، وخصوصًا في العراق، إليكم الأبيات الرائعة: 

أنا ابنُ مَن بعضُهُ يَفُوقُ أبَا الـ** ـباحِثِ والنَّجلُ بعضُ من نَجَلَهْ

وإنّما يَذْكُرُ الجُـــــدودَ لَــهُمْ ***مَــــنْ نَـــــفَرُوهُ وأنْفَدوا حِيَلَــهْ

أنا الذي بَيّنَ الإلــهُ بِهِ الـ ****ـأقْدارَ والمَـــــرْءُ حَيْثُمــــا جَعَلَهْ

إنّ الكِذابَ الذي أُكَـــــادُ بِهِ *****أهْــــوَنُ عِنْدي مِنَ الذي نَقَلَـهْ

ورُبّما أُشْهِدُ الطّعـــامَ مَعي *****مَن لا يُساوي الخبزَ الذي أكَلَهْ

ويُظْهِرُ الجَهْلَ بــي وأعْرِفُـــهُ ****والدُّرُّ دُرٌّ برَغْمِ مَـــنْ جَهِلَـــهْ

الشريف الرضي (359 - 406 هـ / 969- 1015م):

الشريف الرضي نفسه شريفة، وقلبه رقيق، يتعالى بعزة حتى يطاول الخليفة بأنفة، يذكر الشيخ البهائي في (كشكوله): " قال الرضي رضي الله عنه يخاطب الطايع:

مهلاً أمير المؤمنين فإننا*** في دوحة العلياء لا نتفرق

ما بيننا يوم الفخار تفاوت **أبداً كلانا في التفاخر معرق

إلا الخلافة ميزتك فإنني ** أنا عاطل منها وأنت مطوق

قيل: إن الخليفة لما سمع ذلك قال على رغم أنف الرضي . " (44).

أبو هلال العسكري (توفي  395 هـ / 1005 م):

وأبو هلال العسكري، وأشهر كتبه، (كتاب الصناعتين، النظم والنثر)، وله كتاب (الأوائل)، كان أبي النفس عفيفاً، كريم الخلق، مترفعاً عن التمسح بأعتاب الأغنياء، وعن سؤال الناس، وكان يتكسب بساعديه ليدفع عن نفسه الفاقة، عمل تاجراً يبيع البز ليكسب القوت الحلال لئلا تعوزه الفاقة إلى ولوج قصور الأغنياء والمترفين، لأنه يعرف أن ولوجهالا مضيع لكرامته ومكانته، ومدعاة للتزلف والتملق، وهو ما تأباه نفسه وتعافه، وكما يحس بالمرارة حينما يضطر إلى التكسب عن طريق التجارة، ويقول في شكواه من الدهر والناس:

جلوسي في سوق أبيع وأشتري *** دليل على أن الأنام قرود

ولا خير في قوم تذل كرامهم ***** ويعظم فيهم نذلهم ويسود

ويهجوهم عني رثاثة كسوتي **** هجاءً قبيحاً ما عليه مزيد(45).

البيروني (362 هـ - 440 هـ / 973 م - 1048 م): 

البيروني  قد صنف مؤلفات جمة في شتى أنواع العلوم (الجماهير في معرفة الجواهر)، (الأثار الباقيةعن القرون الخالية)، وغيرها، فبلغ ما ألفه (190 كتاباً)، وقدّم إليه السلطان مسعود بن محمود الغزنوي مقابل كتابه (القانون المسعودي في الهيئة والنجوم) وزن حمل قيل من الفضة إلا أن البيروني رفضها إباءً وأنفة.

 

أحمد الصافي النجفي (1897 - 2977م):

كان الشاعر أحمد الصافي النجفي أبي النفس لا يقبل أي مساعدة مادية من أحد، ويعيش عيشة أقل من الكفاف، ويعتبر الأدب أكبر ثروة ينالها الإنسان:

أنا حسبي ثروة من أدبٍ *** قد كفتني عن طلاب الذهبِ

فليدم جيبي فقيراً، إنّما *** فقر جيبي ثــــــروة للأدبِ

ومن الجدير والجميل ذكره، في إحدى المناسبات دس أحدهم رسالة إليه، وإذا بها بعض النقود، فكتب:

ونبيل قومٍ جاد لي برســـالةٍ ***** فواحةٍ مـــن لطفــــه بــعبيره

وإذا بها ملغومة بسخائه ***** فأحترتُ بين مســــائتي وسروره

حاولتُ ردّ سخائهِ فخشيت أن** أقضي على نبع الســــخا بضميره

فرضيتُ منكسراً بجرح كرامتي**وقبلتُ جرحي خوف جرح شعوره

العباقرة الأجانب:

ديوجين (412 ق.م. - 323ق.م.):

ديوجين اسم يوناني لعدة علماء وفلاسفة وحكماء من بلاد الأغريق، ونحن نتكلم عن معاصر الأسكندر المقدوني(356 ق. م.- 323 ق.م.)، المدعو ديوجين الكلبي، أو ديوجين الفيلسوف (412 ق.م. - 323ق.م.)، عاش هذا الرجل باختياره في الحضيض الأوهد من دركات الفقر، ولكن كان يملك عزّة الملوك وشموخهم، وكلّ عدّته عباءة يتستر بها، وفوق كتفه يحمل برميلاً يأوي إليه ليتقي به القر والحر، وفي داخل جسده تتقد نفسية الرجال العظماء.

مهما يكن من أمر، لما أقبل عليه الأسكندر ذات يوم، وبادره بالتحية قائلاً: " أنا الملك الأسكندر"، فأجابه: " أنا ديوجين"، فسأله: " ألا تخشاني"، فرد السؤال بسؤال: "طيب أنت أم سيْ"، قال الأسكندر " بل طيب"، فقال ديوجين: " ومن يخشى الطيب"، ثم سأله ابن فيليب الثاني ملك مقدونية، ونعني به الأسكندر:" هل لك حاجة نقضيها؟.. وهل أستطيع مساعدتك؟ "، فرد عليه الحكيم بجرأة الأبطال " بوقفك بيني وبين الشمس حرمتني من الدفء، فلو تزحزحت قليلاً حتى أتدفأ بحرارتها " فتعجب الملك المقدوني وردد: " لو لم أكن الأسكندر. لوددت أن أكون ديوجين".

من لا يطلب شيئاً، كأنه ملك كل شيءجورج برناردشو (ت 1950م).

جورج برناردشو(1856 - 1950م):

منحته لجنة نوبل جائزة عن الأدب سنة 1925 م، فرفض الجائزة، وكتب إلى أمين سر اللجنة يقول: " إن هذا المال كالعوامة التي ألقيت إلى السابح بعد وصوله إلى بر النجاة ."، والسبب يعود في الحقيقة إلى تجاهل لجنة نوبل لبرناردشو فترة طويلة من الزمن، ومنحتها لأدباء دونه منزلة ومقدرة وملكة، فضرب ضربة معلم!!

جان بول سارتر،(1905 - 1980م):

يذكرني (شو) بجان بول سارتر فيلسوف الوجودية المتشائمة الفرنسي، والكاتب الشهير، عرض أفكاره في محاولات وقصص ومسرحيات منها (الكائن والعدم)، و (طرق الحرية)، و(الجدار)، الذي رفض جائزة نوبل 1964م). وكان في أمس الحاجة إليها، (وللناس فيما يعشقون مذاهبُ).

ويلي سوينكا:

ولما منح ويلي سوينيكا (ولد عام عام 1934م) في غرب نيجيريا من قبائل يوريا جائزة نوبل للآداب 1987م بعد انتظار دام ستة وثمانين عاماً، هو طول عمر أكاديمية أستوكهولم التي تمنح الجائزة، هذا معناه أن الأفارقة يمكنهم أن يقدموا أدباً راقياً مثل غيرهم، ولو أن ثقافة سوينكا أوربية، وكتب باللغة الأنكليزية، وتعكس كتاباته تمكنه الشديد من اللغة الأنكليزية وأنه أنموذج الشاعر الأسود الجلد فقط، مثل زميله ليبولد سنغور، ولكن عبر سوينكا عن أفريقيا بنبل وصدق، وتهمنا نحن عبارة الأديب الأفريقي جيمس أنجوجي (كينيا)، إذ يقول بكلّ أنفة وإباء: " الكتابة عن أفريقيا بلغة أجنبية تحقير لها، وتحجيم لدور أدبها الكبير، و تشويه لجمالها الذي هو المنبع الطبيعي لإلهامنا."، والواقع انحصرت جائزة نوبل على الفكر والإبداع الأوربي والأمريكي، ولبعض اللغات، وهذا انتقاص لقيمة الجائزة، واستهانة مقصودة من اللجنة المانحة للفكر الإنساني الأشمل، ومتى كانت الحضارة بنت عرق معين، أو مكان محدد؟ ومن قال: أن العقول والأدمغة تتباين بين أبناء البشر؟! وأين كانت أوربا قبل عصر النهضة،وأمريكا قبل اكتشاف كولومبس لها؟ وهل بنيت الحضارة على كثبان من الرمال المتحركة الواهية لتصل إلى هذا الصرح الشامخ؟ تساؤلات لا نجد لها من إجابة إلا العرفان بجميل وعظمة كلّ الأمم، وكافة الشعوب بدون تمييز أو تفرقة، وبهذا وحده تكمل الإنسانية مسيرتها الحضارية.

 

كريم مرزة الأسدي

 

أنجب فتال وديزي طفلة اطلقا عليها اسم تسيونيت ولدت في اسرائيل عام 1964 بعد ان هاجر ابويها من بغداد قسرا، رغم هجرتهم الا انهم حافظوا على لهجة اليهود البغدادية كما حافظوا على تقاليدهم وعاداتهم التي ورثوها عن العراق. درست  تسيونيت وحملت اللقب الاول باللغة والادب العربي وتاريخ الشرق الاوسط كاتبة وباحثة وروائية وقاصة، كان لرحيل والديها الاثر البالغ في حياتها والدافع الفذ للحفر في التاريخ عن حياتهما السابقة في مدينة بغداد التي عرفتها تسيونيت بالصور والذكريات والخيال المليء سعادة وحزن، فسارعت في جمع المصادر والمعلومات والخرائط وصور الامكنة لبغداد لتكتب رواية عن احياء بغداد اليهودية، بيوت حي اليهود الصغيرة المرقعة بالخشب والصفيح الصدىء بشكلها المتلاصق دون نظام او شكل والشناشيل الجميلة مع ساحات داخلية خفية شبه مكشوفة وسطوح مشتركة، تخت ومناضد خشبية والدرج والسرداب وساحة البيت والجلالة (الارجوحة)، والازقة الضيقة وبيوت حي الاثرياء بقصوره الكبيرة المصنوعة من الخشب المزخرف بالنحاس والشبابيك الكبيرة بشرفاتها الفارهة، وسوق حنوني والمدرسة الدينية  زلخة ومدرسة أليشيبا والكنيس الكبيري، لغتهم البغدادية اليهودية وطريقة ارتداء ملابسهم وعاداتهم وتقاليدهم فضلا عن اهم اعيادهم وطقوسهم الدينية  لتخلق منها لوحة فسيفسائية كبطاقة اعتذار لكل يهودي عراقي سلبت منه هويته وهجر قسرا من بلده العراق تمثلت بروايتها باللغة العبرية بعنوان "صور على الحائط" التي ترجمها للغة العربية عمرو زكريا خليل،تحدثت تسيونيت فتال في روايتها عن حجب المرأة في السياقات الثقافية ونفيها في النصف الاول من القرن الماضي، فاضحت الذات النسوية شكلا فرعيا بل ثانويا للذكر وبطريقة باهتة انتجت صورة مشوهة او ناقصة للنساء، فكانت المراة شكلا قابعا تحت الهرم الذكوري الامر الذي اكسبه سطوة ألقت بظلالها على الثقافة الشعبية والفلسفية بل حتى الاقتصادية للمجتمع، اوضحت ذلك تسيونيت فتال بعلاقات شخصياتها المتضاربة والمتضادة التي تتأرجح بين الخنوع والتمرد لتبرز لنا نتاجا متمردا قويا متفردا في ملامحه الشخصية متوالدا في صيرورة وجودية لن تتوقف الامر  الذي تمثل في شخصية (نورية) الابنة الصغرى ل (نزيمة) التي انجبت (مريم) خليفة خالتها (وحيدة) في القساوة والاذى و(نعيمة) المنهارة والمنصاعة لاوامر (وحيدة)  المراة المتجبرة التي تتعامل بالسحر الاسود المحرم في الديانة اليهودية والذي تحكم في مصائر بعض ابطال الرواية خوفا منهم وايمانا بمضرته على مر الاحداث في الرواية، فكانت (نورية) اول من يكسر قوانين (البيت الازرق) بحاكمته (وحيدة) ليعلو صوتها مزمجرا رافضا حكمها عليها بالزواج من ابن الخالة وحيدة المريض بعد ان تزوجتا اختيها من اولاد الخالة ذاتها المصابين بالامراض كذلك، اتى رفض (نورية) واختيارها عريسا غريبا عن البيت الازرق كصاعقة نزلت على راس خالتها وجميع افراد البيت، اذ انهم اعتادوا على كلمة نعم ولا وجود للرفض في قاموس حياتهم، انها المرة الاولى التي تخرج بها (نورية) عن لعبة الخنوع والخشوع لاوامرهم لتصدح احلامها وتلعو امنيانها في سماء الحرية، فواصلت نضالها جاهدة في تحقيق هذه الاحلام وفعلا تزوجت من (ادور) الشاب الذي خلصها من ايدي بعض المراهقين المسلمين الذين تعرضوا لها، وبذلك تخلصت من تجبر اخيها (يعقوب) الذي كان يجبرها على غسل قدميه بصورة مهينة ويأمرها بنتظيف حذائه وغسل ملابسه الى غير ذلك من الممارسات الذكورية المهينة، برزتها تسيونيت فتال بصور شتى تمس الوجود النسوي والذات الانثوية رغم تغير الظروف السياسية والاجتماعية الا ان النظرة الفوقية المتعالية عن وجود المراة لم يتغير بصورة (ادور) وحياتها الجديدة معه بعد ان ظنت انها ستبدا حياة جديدة ملؤها الحب والاحترام وتقدير الذات الا انها فوجأت بتعامله الفض معها وقساوته واهانته لها المستمرة بل حتى ضربه لها، فتعود من جديد لحياتها المهينة السابقة بيد ان تسونيت فتال حبكت شخصية (نورية) بفتيل القوة والارادة، فلم تنصاع للضعف ورفضت نقوده التي يقدمها لها على طبق من المنية والتكبر والوعيد وقررت النزول للشارع والعمل لحياة كريمة، تعرفت الى صديقتها اليهودية (زيزي) المقنعة بقناع الاسلام امام مجتمع ظالم سلب منها ابنها وحياتها مع زوجها بسبب رجل لا يتسم بشيء من الرجولة، هنا يعود الذكر ليحطم ويسلب وجود المراة وهذه صورة من صور الاذى الواقع على المراة، اثقلت (نورية) حالها حال اي امراة ترفض المهانة بواجبات شتى فهي تعمل في البيت وخارجه وتربي الاولاد وتعلمهم وتعد لهم الطعام وتهتم بالزوج ورغباته رغم ارهاقها ولا تنال منه الا المهانة والضرب والسخرية، فضلا عن تحملها جفاء والديه، مع كل ذلك كان تردد دوما (لا يجوز الخوف من الرجل بل الانتصار عليه بهدوء المراة)، اوضحت تسيونيت فتال صورا اخرى من تضعيف المراة وتهميشها من خلال التفرقة في معاملة الابناء عن البنات في البيت كذلك في الاعياد والاحتفالات فلم يكن للفتاة نصيب من الاحتفال الا بالخلاص من مصاريفها ومسؤوليتها ورمي ذلك على زوجها بعدها كائن لا يجلب لاهله سوى المصائب، على العكس من الفتى الذي يتم الاحتفال بمولده، والاحتفال به في (الختان) ثم احتافئهم بوصوله لسن التكليف في عمر  (13 سنة) ومن ثم طقس (النضوج) وبعدها احتفال (الزواج)، و(نورية) حالها كحال اي امراة نالت مانالته من مجتمع  ذكوري الا انها كانت تتمتع بقوة خلاقة للحياة وللوجود فبعد ان فقدت اولادها في عام واحد لم تيأس وجاهدت في خلق حياة جديدة بمولد ابنها (ناحوم) الذي كان رمزا للخلاص من الاذى رغم انها لم تتمكن من ارضاعه بحجة انها ذات فأل سيء على اولادها وهي صورة اخرى من الظلم الذي احاق بها من اهلها وزوجها الا انها قاومت الالم النفسي والجسدي وبقيت تحيطه بالعناية والتعليم فبعد ان عملت في حياتها السبقة بجهد على تثقيف اولادها حرصت على تثقيف (ناحوم) عز طريق ابنة اخيها (حنيني) التي طالما ساندتها في محنها الجمة والتي عانت من ظلم ابيها (يعقوب) في القضاء على احلامها ومستقبلها، وبذلك تستمر تسيونيت فتال في عرض الشخصيات المتقاتلة والتي خلقت صراعات عدة ادهشت المتلقي في سلاستها رغم صراعاتها اللامتناهية لتنتج احداثا ذات طابع فجائي ينزل كالصاعقة على فكر المتلقي لتوصله الى حقائق جديدة في كل حادثة، فرغم خنوع النساء الثلاث (نعيمة وابنتها دوريس وهيله زوجة يعقوب) الا انهن قررن الهروب بعد ان اجبرتهن(مريم) على تجهيز الفتاة دوريس للزواج برجل كبير في البصرة بمساعدة (زيزي) تلك المراة التي ترمز للمساندة وقضاء حاجات الفقراء رغم انها راقصة وتعمل في الملهى، لتتحرر قوة النساء من دواخلهن رغم خوفهن من المصير المشؤوم لكل من يكسر القيود ويغادر البيت الازرق فشخصية نورية اصابها الالم والاذى وابنها (مئير) فقد حياته حين قرر ترك زوجته (مريم) ومغادرة البيت وابنها (حييم) حين تمرد على اوامر البيت الازرق وتطوع للدفاع عن العراق ففقد خطيبته (حنيني) واحلامه وحياته وابنها الثالث (يوسف) الذي لقد حياته في البيت الازرق بعد ان رفض الزواج بزوجة اخيه المرحوم لان ديانة اليهود تحرم الزواج بزوجة الاخ التي لديها ذرية، لم يبق لنورية سوى سور اولادها المعلقة على الحائط وذكرياتهم واصواتهم التي لم تفارق منزلها، الا (ناحوم) حين غادر البيت الازرق تحرر من جهله ومن الاذى الذي احيق به من ضرب واهانة .

تخرج تسونيت فتال من عالم المراة الى عالم اخر نثرته بطريقة انيقة بين احداث روايتها الا وهو الثقافة الشعبية ليهود بغداد انذاك اذ مررتها بصيغ سلسة متناسقة لم تثقل بها كاهل المتلقي رغم كثافتها، فطرحت عادات يهود بغداد في رش الملح امام باب الدار والخروج بالقدم اليمنى جلبا للرزق، ولمس الحجر المقدس الموضوع في باب الكنسية وتقبيل اصابعهم جلبا للابناء والعمر المديد، كذلك طلاء البيوت باللون الازرق ظنا منهم ان ذلك يطرد الجن والارواح الشريرة لاعتقادهم بقوى السحر الاسود، فضلا عن طقوس التحلل من النذور التي كانت تقام عشية رأس السنة، الا ان تسيونيت فتال عرضت اهمية الرقم سبعة في حياة اليهود وطقوسهم فالمرور فوق اناء البخور (سبع) مرات لتحاشي الحسد، وتمشيط الشعر وجدله (سبع) جدائل لتحاشي اذى السحر، واقامة الحداد (سبعة) ايام حزنا على الميت، ودحرجة التابوت (سبع) مرات وقلبه على عقبيه لابعاد الموت عن اهل الميت وغيرها من التقاليد والافكار والفلسفات التي  حرصت على  تسيونيت فتال على ابرازها في سياق الرواية، وكأن الكاتبة حرصت على ان تعطينا درسا في تأريخ اليهود العراقيين وابرز معتقداتهم وعاداتهم الاجتماعية وطقوسهم واهتماماتهم التي ولدت ونمت في بلاد الرافدين، كأنها تدق اجراس النسيان فينا وتوقظ الذكريات السليبة لاناس ولدوا في هذا الوطن واحبوه ودافعوا عنه واصبحوا حزءا من شعبه وحضارته وثقافته، ورغم سبك احداث الرواية وقفزاتها الزمنية الانيقة وقوة رسم شخصياتها وتضاد علاقاتها وصراعاتها المتأججة الا انها بدت كسجل تأريخي توثيقي للانسان اليهودي العراقي وثقت فيه الكاتبة الاماكن والاحداث السياسية بتقانة عالية، اذ كان حي اليهود يضم الكنائس والمدارس الدينية اليهودية باسمائها الحقيقية وجدت بالرواية فضلا عن رحلة المنفى لليهود من اورشليم الى بابل وملكهم (يهويا خين) قبل 2500 سنة بعد سبيهم من قبل الملك نبوخذنصر، كما حرصت تسيونيت فتال على تضمين روايتها وثائق سياسية منها حكم الملك فيصل العادل بين جميع الطوائف في العراق ونبذ الفرقة بينهم، كذلك الملك غازي الذي سار على نهجه وتتويج الملك عبد الاله بعد فشل ثورة رشيد عالي الكيلاني الامر الذي اثار سخط بعض المسلمين في بغداد والمندسين من قبل النازيين للقضاء على الوجود اليهودي في بغداد، وكان من نتاجاته قسر اليهود عن بيوتهم ونهبها والنداء بقتل لليهود وبقر بطون الحوامل وتهجيرهم خارج البلاد، وظلم الاتراك لفقراء العراق الذي تمثل في شخصية الاخرس (عبد الله) الذي قتل الاتراك والده واعتصبوا امه امام عينيه، كما انهم قاموا بسرقة الشباب لاجبارهم على قتال البريطانيين، كما وثقت حرب (بريطانيا وفرنسا وروسيا) ضد الاتراك وكيف تم جلائهم من العراق بعد خسارات باهضة دفع ثمنها العراقيون من كافة الطوائف، لم تكتفي تسونيت فتال بتوثيقاتها السياسية والاجتماعية بل تعدت ذلك الى الثقافية لتكتمل طرحها للثقافة اليهودية بسورة اكثر اتقانا، فذكرت مجموعة من الصحف اليهودية انذاك ومنها صحيفة (المصباح) التي ااظهرت مجموعة من مثقفي اليهود العراقيين الذين حرصوا على ولائهم لوطنهم والتي يمتلكها (سلمان شينا) وصحيفة (الحاصد) لجده (هرمان روزنفليد) كما برزت صحفا عراقية كانت تبث ثقافة الكراهية لليهود باسناد النازية وبرئاسة الدكتور (فريتنس جروبا) وصحيفة (العالم العربي) فضلا عن ظهور الحركة الصهيونية التي اطلقت على العراق (بلد القيمر والسيلان) وتعني بلد الشتات، كل هذه التصعيدات السياسية والاجتماعية كذلك الثقافية وباسناد من النازية عملت على نشر ثقافة الكراهية ضد الشعب العراقي اليهودي واوقعت عليه الظلم حتى تم تهجيره وسلب هويته،رحلة كشفت لنا قوة وصيرورة المراة العراقية اليهودية لتطرح فلسفات عدة منها ان التدخل في القدر حرام لانه تحد لله، وان الانسان يجلب لنفسه الاذى بذنوبه لذلك عليه الرضا بصمت وخنوع، وان الانسان ضعيف العقل وليس بمقدوره ان يفهم اعمال الله والحكم عليها واسلم طريقة هي الدعاء، كما طرحت افكارا عدة في ازدواجية الرجل للحفاظ على نساء بيته والتعرض السيء للاخريات، ونشر ثقافة العيب في مجتمع مغلق يقمع الاحلام والامنيات للنسوة والفتيات، كتبت تسيونيت فتال رواية الصور على الحائط التي انزلها (ناحوم) من على الحائط بكل ماتحمله من ذكريات جميلة ومؤلمة وخيبات وفراق ودموع وضحكات ليأخذها معه سائرا خارج بلده بلا هوية حاملا معه امه المريضة التي عانت من الاضطهاد والظلم لسنوات راحلا عن تراب وطنه مغتربا هناك في ارض المجهول، اتت الرواية كوقفة اعتذار لهذا  الشعب المخلص لوطنه البار بارضه المحب لشعبه بكل طوائفه، وقفة حب واحتضان واعلان هوية، مثلت الرواية رحلة غائرة في عالم تم التستر عليه واخفاء معالمه واثاره قابلنا فيها اناس يمتلكون ثقافة وحضارة، عادات وتقاليد وطقوس دينية واجتماعية لتؤكد للعالم انهم شعب يستحق العيش في وطنه، يستحق الاعتذار عن ما سبب له من اذى

 

د. امل الغزالي.

 

سوف عبيدمن سِمات الشّعر العربي الحديث أنه يستلهم من الأجناس الأخرى في الأدب وحتّى من غيره من الفنون والتعبيرات المختلفة ممّا يجعل نصّ القصيدة الحديثة مُشرّع النوافذ على عدة أصناف في القول فأضحى بذلك الشّعر الحديث متعدّد الأشكال متنوّع الفنون والمُتون ولم يعد مقتصرا على هذا البلد أو ذاك فقد شاع التجديد والبحث بحيث صار الاِبتكار والتوق إلى الإضافة هاجس الكثيرين وقد يوجد في النّهر ما لا يوجد في البحر

إن العنوان في الشّعر العربي المعاصر والحديث أمر جديد في القصيدة تلك التي كانت تُعرف بمطلعها أو بمناسبتها أو بصاحبها أو بقافيته فصار العنوان حينئذ جزءًا من القصيدة نفسها وليس بشيء خارج عنها أو مضاف إليها وهذا جعله يمثّل زيادة في معناها وبُعدا من أبعادها الأخرى

في هذا السياق تندرج قصيدة " الوصية" للشّاعرة ـ صالحة الجلاصي ـ المنشورة ضمن مجموعتها الشعرية " أكبر من أن تراني"، والصّادرة بتونس سنة 2004، وهذا نصها:

ـ الوصيّة ـ

(هديّة إلى ماجدة عراقية)

تَجذُّرها في رصيف اللَيل

ينطق بالصَمود

و يدها الممتدَة بالرغيف

تلوّح للعابرين

و تتوهّج في وجه البرد القاسي

ستبقى جالسة حِذو برك الماء

تحت سماء لم ترحمها

تحت أجنحة اللّيل البارد

إلا من ثورتها

ستبقى هنا كتلةً سوداء

مثل أحلامنا وصباحاتنا

تبيع أرغفة لسائحي الحرب مثلنا

حين اِنحنت عيناي في حضرتها

ألمَّ بي جُوعٌ كاذبٌ

وأجهشت بالشّهية

ووددتُ أن أزرع حولها

ألف وردة ووردة

أن أمنحها روحي

ما في جيبي وكلّ ما لديّ

لكنّها اِعتصمت بالكبرياء

و اِنغلقت في وجه الهديّة

و اِمتدّ لي الرّغيف هكذا...بكل جديّة

حينها أدركت أنّها كانت وصيّة

كم تمنيّتُ اِحتضانها في ذاك اللّيل

إلا من دموعي

رغم صخب الرّفاق حولي

ظللتُ طوال اللّيل

أحدّق في الرّغيف

بعينين غائمتين

وقلبٍ مذبوح

...وعقل مشلول

ـ 2 ـ

إنّ القصيدة مُهداة إلى ـ ماجدة عراقية ـ فإهداء القصيدة أمر مستحدث هو كذلك في الشّعر العربي الجديد بالرّغم من أن قصائد المديح قديمة قِدم الشّعرالجاهلي حيث أنّ قصيدة المدح يقولها الشاعر طلبا للهدية أو العطية أو الجائزة أو النّوال أو المكرمة وغيرها من المرادفات، فشتّان بين إهداء قصيدة إلى إنسان بسيط أو مُعدَم كتعبير عن المحبّة والتضامن والتوافق والاِنسجام ، وبين قول القصيدة لنيل المكسب والحظوة وتحقيق المآرب من شخص هو أعلى منزلة عند الشّاعر نفسه

إنّ إهداء هذه القصيدة لهذه المرأة العراقية الماجدة تعبير من لدن الشّاعرة عن إكبارها لشخص هذه المرأة بما وجدت فيها من شرف وإباء وعزّة وكرامة وصمود أيضا رغم المعانات الضارية في سنوات الحصار والحرب على العراق

أما موضوع القصيدة فيتمثّل في وصف مشهد لقاء بين الشاعرة الزائرة للعراق وبين إمرأة تبيع الرّغيف على رصيف زمن الحرب

وتتوالى ثلاثة مشاهد متوالية في القصيدة

فالمشهد الأول يمكن أن يعتبر اللّقطة العامة الإجمالية التي نجد فيها المرأة جالسة عند الرصيف بجانب بِرك الماء في الليل عند البرد مع التركيز على يدها الممتدّة نحو المارّة بالرّغيف وإبراز اللّون الأسود الطاغي على المشهد

أما المشهد الثاني فهو يشتمل على الاِلتقاء والاِقتراب بين الشاعرة والمرأة مع الغوص في العواطف والشجون وقراءة النوايا والمواقف وقد أبرزت الشاعرة منها خاصة إباءها وكرامتها واِعتزازها بذاتها رغم المعاناة القاسية.

و المشهد الثالث عبارة عن اِستنتاج وخلاصة لما سبق في المشهدين السّابقين ليصوّر التأثر البالغ والحزن والحيرة والألم الذي تركته حالة تلك المرأة في نفس الشاعرة

ـ 3 ـ

و لكن أين مضمون الوصية في كلّ هذا؟ أو بالتّالي ما علاقة العنوان بمتن القصيدة؟.

أمّا مضمون الوصية فليس إلا دعوة إلى الاِعتبار والتأمّل من صورة هذه المرأة الماجدة العراقية التي ظلّت صابرة في الليل والبرد من أجل لقمة العيش رافضة التوسّل والتسوّل وذلّ السؤال محافظةً على كبريائها رغم الظروف القاهرةو عسف الحرب فالقصيدة إذن تمجيد وإكبار لموقف هذه المرأة وإدانة للحرب التي جعلتها ترزح تحت تلك المعاناة القاسية ومن هنا يصبح العنوان ذا دلالة مزدوجة فهو إشارة ضمنية إلى الدعوة إلى أخذ الدّرس من المرأة في كفاحها اليوميّ بشرف وصمود وهو تشهير أيضا بما تركته الحرب من مآس للفئة المستضعفة.

و هو كذلك اِعتذار من لدن الشاعرة بل شعور بالذّنب نحو تلك السّيدة العراقية التي تركتها في اللّيل والبرد والاِحتياج وراحت مع رفاقها في سهرة ليليّة وهم الذين وفدوا إلى العراق ضمن جحافل ـ سائحي الحرب ـ وبالتالي فإنّ الشّاعرة تدين نفسها صراحة وهي بذلك تعبّر عن موقف الكثيرين الذين يقفون متفرّجين على ضحايا الحرب لا وسع لهم ولا حول إلّا العطف والدموع والألم ولكن من دون فعل حقيقيّ لتغيير الواقع.

إنّ هذه القصيدة للشّاعرة صالحة الجلاصي يمكن اِعتبارها من النّماذج البديعة التي تمثّل الشّعر العربي الحديث في بحثه عن الطرق الجديدة للإبداع وفي تعبيره عن المعاناة الإنسانية .

 

سُوف عبيد ـ تونس

 

جمعة عبد اللهموهبة شعرية فرضت نفسها على الواقع الثقافي، منذ صغره وهو يافع، يخوض تجربة غمار الشعر في موهبته الاصيلة. التي تحمل في طياتها جمال الاصالة الشعرية. ومنذ ذلك الوقت، وهو يبحر غمار الشعر في تجربته وخبرته الطويلة. قد تتجاوز على على خمسة عقود.. وقد اصدر من خلالها اربعة دواوين شعرية. والكثير من القصائد التي لم توثق في دواوين شعرية اخرى. وهذه الدواوين الاربعة:

1 - الديوان الاول (اللواهب) عام 1975.

2 - الديوان الثاني (رسائل من وراء الحدود) عام 1980.

3 - الديوان الثالث (أناشيد زورق) عام 2005.

4 - الديوان الرابع (طقوس) عام 2006.

كما اصدر رواية باللغة الالمانية. رواية (تركة لاعب الكريات الزجاجية).

ونتناول في هذه المقالة. بمثابة استكشافات في عمق الرومانسية العذبة والشفافة من خلال ديوانه الثالث المعنون (أناشيد زورق). في عوالمه الرومانسية. بالمشاعر الملتهبة والجياشة. والديوان الشعري، يأتي ضمن انجازه الشعري الطويل في تجربته المتألقة، التي تتميز في اسلوبية متفردة وجادة، و تملك لون خاص في تناول العالم الحالم بالرومانسي، في احاسيسه المرهفة والملتهبة من اعماق الوجدان. ويتميز شعره الرومانتيكي في صياغة جمالية الاحساس بالمشاعر التي تبحر في بحر العشق والهوى. ولكن رغم جراحها ومعاناتها، لكنها لاتدلف الى مناقب النوح والبكاء. رغم المحنة والعذاب في الحب والعشق، الذي يتلاعب بمشاعر القلب والوجدان. ان قصائده الشعرية، تمتلك آفاق واسعة وخصبة في عشبة الخيال الرومانسي الخلاق. وهي ليس محض خيال صرف. وانما تملك فعل وتجربة صادقة، في تجربتها ومعاشيتها، الفعلية والحقيقية. تملك ارضية واقعية في التناول في خوض تجربة  الحب والعشق. في الهوى والهيام، في طينة الحب الجياش الصادق الذي يفور في الضلوع، أن قصائده ليس للاستهلاك الرومانسي العابر. بل أنها منفلتة من اعماق الوجدان ونبض القلب. في العشق الذي يجري نبضاته في العروق والشرايين. يقدمها في هالة الشعور الرومانتيكي. في اطار شعري حديث في الفنية في تقنياته المتطورة في الصياغة. يشد القارئ اليها، ويجعله يبحر في الرؤى الرومانتيكية بكل الشوق والاشتياق . ويتعاطف وجدانياً مع الشاعر. الذي ترجم مشاعره الصادقة والحساسة في رؤى الشعر. التي تعطي قيمة للحب والعشق، تعطي قيمة للمرأة الحبيبة، حتى في خصامها وخلافها وانفصالها عن رابطة الحب والعشق. فهو يمتلك مشاعر جياشة في الحب العذري، ولا ينزلق مطلقا الى الشبق الايروسي الملتهب. وانما يعطي قيمة معنوية لهالة الحب، في الحنين والاشتياق في العطش والظمأ الروحي. رغم معاناة الحياة وشقاء قسوة الحياة، التي تجني على الحب الصادق الملتهب في مشاعره الجياشة. لنسافر في رحلة الديوان الشعري (أناشيد زورق) في بعض قصائده المختارة، التي تعطي الخطوط العامة لعالمه الرومانسي.

1 - حين يهدر الحب فرصة التسامح والتصالح: ويقود آفاقه الى مجاهيل مسدودة. ليس لها شراقة وبسمة أمل، من الشوق والهوى، وانما تجعل سماء الحب، ملبدة بالغيوم بالرعود والبروق والتشاجر، في العواصف الهائجة، التي تفضي الى هجرة الحب وسد ابوابه. لكنها في نفس الوقت تفتح باب الجراح بالفراق والهجر. ولا تختار طريق الندامة ، ولاترجع الى مسالك الحب الصافية، الحب ليس التلاعب على العواطف التي تقود الى أطفاء شعلة ، فهذا الطريق والاختيار مرفوض، بدلاً من ان ترجع نادمة.

إني أنتظرت بأن تعودي نادمة        لكن رجعتِ كما السماء القاتمه

مزروعة بالرعدِ والامطار تنْ...     تنفضين في وجهي زوابع ناقمه

ان تعصفي مثل الرياح وتعبثي       بعواطفي أو تعودي غائمه

هذا الخيار رفضته ورفضت أن       أحيا بغير مشاعري المتناغمه

..........

لا لنْ يغامر من جديدٍ زورقي       حيث العواصف والسماء الغائمه

إني عرفت البحر في هيجانه       واخاف من امواجه المتلاطمة

لا تذكري الماضي فقد ودعته      لا توقظي في الجراح النائمه

2 - حكاية الحب: مغامرة الابحار في سفينة الحب، تتطلب السفر الدائم للعاشق المغامر، ان يجد عشبة الحب المشتهاة. حتى تكون بلسم لهمومه النازفة، فهي البلسم الشافي، ليجد روضته الزاهية، ليسكر في نبيذ الحب والعشق الى حد الثمالة. ولكن يتطلب ذلك الوفاق والانسجام والوفاء. وليس ان يتخذ من الحب ساحة لتصفية الحسابات، فالحب النقي والصادق، هو اكبر من كل الحسابات. واذا تحول عن ذلك، فيصبح صب الزيت ليحترق الهيام والهوى، ليتحول الى رماد وفحم. ان ازهار العشق تتطلب المياه النقية الجارية من اعماق القلب. تتطلب الهواء النقي ولا الهواء الفاسد بالحماقات في تذكر الماضي وجراحاته النائمة.

 لا تذكري الماضي فقد ودعته         لا توقظي في الجراح النائمة

 لا تفسدي بحساب صفو أوقاتي        فالحب اكبر من كل الحساباتِ

 دعي المشاعر تجري في منابيعها       طوعاً فلا تحبسيها بانتقاداتِ

 ولا تنبشي في الذي فات من عمري      ولا تعيدي على سمعي حكاياتِ

والذكريات دعيها في مخبئها          مدفونة مع احزاني وآهاتي

طويت صفحة اسفاري فلا تسلي        كم كنت أعرف قبلاً من محطاتِ

لا تسكبي الزيت في نار قد أنطفأت       إلا قليلاً فذا احدى الحمقاتِ

3 - الحب من أول نظرة: الحب المخبؤ في سحر العيون، المتعطشة للهوى والهيام. تبرق في بريقها الجذاب. لكي تلهب عواطف القلب والوجدان. ليهيم في بريق العيون ونورها المشع. لترسم جنينة الهوى والاشتياق، لترسم بريشتها الاحلام الوردية. لتفتح الطريق لرحلة العشق، ليسكر بطعم حلاوة الحب. لتذوب العواطف، في المشاعر الجياشة، لتذوب في سحر العيون البراقة في الهوى والهيام. ليجد مرفئه الحاني والموعود.

ذبتُ في حبكِ من أول نظرة           وفؤادي لم يعد يملك امرهْ

منذ أن أبصرت عينيك وبي           لهفة تلهب أعماقي كجمرهْ

ذهب الشوق بصبري كله            آه لو أملك من أيوب صبرهْ

سكن الحب عروقي كلها             صار يجري في دمي كل قطرهْ

أن في عينيك سحراً نافذاً            أثقن الساحر في عينيكِ دورهْ

كل شيءٍ صار شيئاً اخراً            في عيوني اصبح العالم غيرهْ

4 - أغنيات الحب: الحب الذي يلهب في لهيبه اعماق الروح. ويتمرغ في انغامه واناشيده العذبة، التي تعزف بلحن العشق والغرام، يتلألأ في سحر العيون الناظرة. التي تسرح وتتمرح في آفاق الهوى، لتطفيء شعلته المتوهجة في خلجات الفؤاد، تعجز الكلمات عن الوصف والتصوير. في بريق اغاني العشق التي تموج وترقص على لحن الشوق والاشتياق. فالحب اسمى من كل الاشياء، وفوق كل الاشياء. وتذوب فيه كل الاشياء. فهو المبتغى والمنشود،وتطير به الروح رقصاً وطربأً واغاني يتسامر بها العشاق.

أصبحت أجمل أغنياتي كلها         توحي بها عيناكِ والبسماتُ

غنيتها فترددت ملء الفضا         والى المجرة طارت النغماتُ

لا تسألي كم احبكِ ليس لي          كيل أكيل به ولا أدوات ُ

لتعذري لغتي اذا قصرت           هل تحصر الحب الكبير لغاتُ

أني أحبك ِ فوق كل معدل          حباً به تتحدث النجماتُ

5 - المخادعة في الحب: لاشك ان العلل الظنون والشك ومخاتلته في الحب، في التردد والتذبذب والمخادعة، والضحك على عواطف القلب. تجعل الحب يموج في المراوغة والخداع، تجعله في الفوضى العواطف،  في هيجانها المتضاربة والمتنافرة والمخادعة. فيتحول رؤى العشق والهيام الى مكيدة ومهزلة. لا تجلب سوى الاسى والحزن والآهات. يصبح سوى اللعب على الكلمات، في العواطف الكاذبة، سرعان ما تتبخر وتنطفيء نار الحب. فما اقسى الحب اذا اختار هذا الطريق.

  إن قلتها وتحركت شفتاكِ                     (أهواكَ) لست بقائل (أهواكِ)

لا لست ناطقها فما الجدوى إذا                مرت بأذني كاذبأ اقاكِ

 عيشي لوحدكِ واشربي نخب الهوى       كذباً فأني كاره لقياكِ

ما عاد قلبي للخداع مصدقاً                   فلتتركيه فقد صحى وسلاكِ

في الامس كنت أراكِ قلباً حانياً              فأقول كالمسحور ما أحلاكِ

فأذا ضحكتِ فكل شيءٍ ضاحك             وأذا بكيتِ فكل شيءٍ باكِ

واليوم إذ ألقاك ِ يعصرني الاسى           فأصبح كالملدوغ ما أقساكِ

***

جمعة عبدالله

 

 

قاسم حسين صالحتنتهي الحلقة الأخيرة من مسلسل الفندق بمفاجأة يطلقها نعيم (عزيز خيون) بوجه بطل المسلسل الروائي كريم (محمود ابو العباس) بأنه مريض نفسيا وان شخوص روايته هي اوهام صنعها عقله، فيصرخ بوجهه بانه يكذب.. ويفاجأ المشاهد بان كل ما شاهده في الحلقات العشرين كانت (لعبة) درامية من السيناريست حامد المالكي.

لا يعنيني هنا البناء الدرامي (مع أنني اكتب دراما وكنت اكتب عن المسلسلات التلفزونية بمجلة الأذاعة والتلفزيون)، ولا يعنيني ما اذا كان النص مقتبسا من رواية " عناكب الآفو" للروائية لمياء رشيد، وهذا امر سيقرره القضاء ونقاد الدراما، مع ان للكاتب حق الأقتباس شرط أن يبدع في الذي اقتبسه ويشيرالى ان "بعض الأفكار، الأحداث.. مستوحاة من.. ."، بل يعنيني ما يدخل باختصاصنا السيكولوجي، وتحديدا نوعية المرض النفسي لبطل المسلسل، وما اذا كان الأخ حامد المالكي قد وفّق في توظيف (سيكولوجيا) اوهام الروائي دراميا؟، وما اذا كانت اوهام برانويا ام نوعا من الشيزوفرينيا؟، وما اذا كانت فكرة الأضطهاد المصحوبة بفكرة العظمة فيها تجسيد لشخصية الكاتب؟!

وبدءا نشير الى ان اكثر افلام السينما مشاهدة هي الافلام ذات المضمون السيكولوجي التي يعزى احد اهم اسباب نجاحها الى تعاون علمي بين كتّابها والسيكولوجيين، وأن لجوء الكاتب العربي الى الأوهام هي وسيلة دفاع مشروعة امام سلطة لا تسمح بنقدها.. فيتخذ منها خط دفاع امين اذا ما احيل الى القضاء!.

ولأن الكاتب حدد ان بطل مسلسله مريض نفسيا وأنه مصاب بالأوهام، فأن هذا يتطلب منّا ان نتحدث عنها، لأن الفهم الشائع بشأنها انها نوع واحد، فيما هي غير ذلك، نوجزها علميا بالآتي:

تعني الاوهام وجود معتقدات لدى الفرد لا يوافقه عليها المجتمع، او قد ينظر اليها الناس على انها تفسيرات خاطئة للاحداث لا تستند الى اسس واقعية.وهذه ابرز خاصية يتصف بها الفصامي، واصعب صفات السلوك الذهاني، ليس من حيث اقتناع الفصامي بمعقتداته الخاطئة فحسب، وانما لكونه يسعى جاهداً لاقناع الاخرين وحملهم على التصديق بهذه المعتقدات. وبرغم ان هذه الاوهام يمكن ان تصاحب اضطرابات نفسية متنوعة مثل: الهوس، الاختلال العضوي، الحالات الناتجة من تناول جرعات كبيرة من العقاقير.. الا انها شائعة بين الفصاميين، لحضراتكم حالة حقيقية من مستشفى الرشاد (الشماعية)للأمراض العقلية يوم اصطحبت طلبتي لها والتقينا بمصاب بالفصام، فقال لهم بصوت ممتليء يقيناً (يقينه هو):

-(انفجار جالنجر كان بسبب خطئهم)، (وجالنجر سفينة فضاء امريكية انفجرت بعد اطلاقها بثوان وعلى متنها سبعة رواد، بكارثة فضائية حدثت في ثمانينات القرن الماضي)؛

سألوه كيف؟

اجاب: كان عليهم ان يستشيرونني.

وسألوه: لماذا ؟

اجاب: لأن انا الذي وضعت برنامج جالنجر!) .

ومحتويات اوهام الفصاميين غنية جداً بالخيالات والتصورات، وبعض اخيلتها تفوق ما تظهر في افلام (الكارتون) وغنية بافكار فنتازية.وهنالك روائيون يتعاطون حبوب (أل أس دي- مثلا) لأنها تسبب هذيانا وهلاوس تحررهم من عالم الواقع وتحلّق بهم في عالم خيال بلا حدود.. يبدعون في تصويره.غيرأن التصنيفات الحديثة لهذه الاوهام وضعتها بانماط معينة، اهمها:

1- اوهام الاضطهاد: اعتقاد الفرد بان هناك من يتآمر او يتجسس عليه، او يهدده او يسيء معاملته. ويميل اكثر الى الاعتقاد بأن من يكيد له، ليس شخصاً واحداً بل جماعات، او مخابرات، اتحدوا في مؤامرة ضده( فلم بيتوفل مايند- انموذجا).

2- اوهام السيطرة (او التأثير): وتعني الاعتقاد بوجود اشخاص اخرين، او قوى، او كينونات بعيدة، تسيطر على افكار واحاسيسوافعال الفرد، بوسائل غالباً ما تكون اجهزة الكترونية ترسل اشارات مباشرة الى دماغه.

مثال: بزيارة علمية لمستشفى أبن رشد للامراض العقلية قال احد الفصاميين لطلبتي بأنه على اتصال بالقمر، وانه يتلقى اشارات منه، وهو بدوره يرسل له اشارات ايضاً. وفي اثناء كلامه اعترته هزة ورجفة جفلت منها الطالبات بخوف، وبعد ثوان قال انه كان قد تلقى اشارة من القمر!.

3- اوهام المرجع (او الصلة): وتعني الاعتقاد من ان احداثاً او تنبيهات ليست لها اية علاقة او صلة بالفرد، ويرى انها تعنيه هو بشكل خاص.فقد يفكر المريض بأن حياته جرى تصويرها بفلم سينمائي او تمثيلية تلفازية.

4- اوهام الشعور بالخطيئة والذنب: وتتضمن اعتقاد الفرد بانه ارتكب خطيئة لا تغتفر. او انه تسبب في الحاق اذى كبيراً بالاخرين. فقد يدعي بعض الفصاميين- على سبيل المثال- بانهم قتلوا اطفالهم .

5- اوهام العدم (النهلستية): وتعني اعتقاد الفرد بأنه، او الاخرون او العالم بأكمله، قد توقف عن الوجود. فقد يدعي الفصامي، مثلاً، ان روحه قد عادت من الموت( ظهرت بعض اعراضها على (نعومي-عزيز خيون) مصحوبة عنده باعراض ما بعد الصدمة.

6- اوهام العظمة (والفخامة): اعتقاد الفرد من انه شخص مشهور جداً، ومهم جداً، وصاحب قوة عظيمة، قد تتجمع في شخصية يثبت عليها المريض، كاعتقاده بانه نابليون الجديد، أو هتلر مثلا.(في الأعظمية كان هنالك شخص يدّعي أنه هتلر، لدرجة أنه لا يرد عليك السلام ما لم تقل له: هاي هتلر!.. وقد مثله الفنان عزيز كريم في مسلسل الفندق بلطافة) .

هل كان بطل (الفندق) مصابا بفصام زوري- شيزوفرينيا؟

يمكن تحديد الخصائص التي يعرف بها الفصام الزوري(بارانويا) بالاوهام و/ أو الهلاوس ذات الصلة بافكار الاضطهاد والعظمة. واذا وصفناهما بدلالة الاستمرارية، فان الاوهام الاضطهادية للفصام الزوري يمكن ان يكون مداها من شكوك ساذجة وغامضة ومتناقضة، الى تصورات منتظمة، وكأنها مدروسة بعناية لخطط تآمرية تحاك ضد حاملها.

وتعدّ اضطرابات الزور (Paranoid Disorders) اكثر انواع الذهان الوظيفي شيوعاً في مجالي الادب والفن.فالشخصيات الزورية غالباً ما تتضمنها القصص والروايات، وتصورها الدراما السينمائية والتلفزيونية. ومع ذلك فان النظام الوهمي (Delusional System) من الفصام الزوري هو فقرة واحدة، او حبه واحدة في عنقود من شذوذات اخرى، جميعها تعمل بصورة مستقلة، فيما يكون النظام الوهمي في اضطرابات الزور هو الشذوذ الاساس فيه.

وفي كل الاحوال، فأن الأوهام تكون مصحوبة في العادة بالهلاوس، (سماع اصوات في الليل .. ) تقوي معتقداته الوهمية. وفي كلتا الحالتين، الاوهام والهلوسة، فان فكرة الاضطهاد غالباً ما تكون مصحوبة بفكرة العظمة، فالمريض قد يدعي بقوة خارقة، وبالحكمة والعبقرية.

ومن متابعتي لحلقات المسلسل وجدت ان هذه الصفات تنطبق بهذا القدر او ذاك على الروائي كريم، لاسيما فكرة الأضطهاد المصحوبة بفكرة العظمة، والتي تجسّد الحالة النفسية التي يعيشها الكاتب حامد المالكي فعلا!(دون اوهام).أقول هذا على مسؤوليتي، واذهب الى انها موجودة لدى معظم الكتّاب والأدباء والشعراء والكفاءات في عراق الزمن الحالي!.. وتلك انجح رسالة درامية اوصلها المسلسل بشكل غير مباشر، فيما كانت الكثير من رسائله الأخرى اقرب الى التقارير الصحفية منها الى العمل الدرامي.

وعلميا.. هنالك التباس درامي سبب اشكالية لدى المتلقي.. فمن جهة، يتهم (نعومي) الروائي (كريم)بأنه مصاب بالأوهام وأن كل الشخوص التي يتحدث عنها في روايته هم من صنع اوهامه، ومن جهة أخرى فأن (نعومي) يؤكد له ان هؤلاء الأشخاص الذين قص عليه حكاياتهم، كانوا يسكنون الفندق وانهم غادروه، وتعددت مصائرهم وبينهم ما يزالون احياء (سنان ودنيا يذكرهم بالأسم).

الفندق.. تعدد مواقف

تباينت المواقف بخصوص مسلسل الفندق، فمنهم من حكم عليه بالفشل قبل ان يكتمل عرضه، وأدانه آخرون وبرلمانيون بأنه يشوه المجتمع العراقي.. (وكأن ما حصل له لا يعد تشويها!).ومع كل النقد الموجه له فان المسلسل يعدّ اول انتاج بعد سبع سنوات حرّك عجلة الدراما العراقية بنجوم من الممثلين، ومخرج مبدع (حسن حسني) الذي غادر العراق مضطرا في التسعينيات. ويحسب له انه تناول ظواهر اجتماعية خطيرة حصلت بعد 2003 ركز فيها على الدعارة والمخدرات وتجارة الأعضاء البشرية، ولمّح الى ان وراءها سياسيون فاسدون، وفي هذا جرأة لحقيقة واقعة.ولولا ان الشرقية استجابت (لتهديد) شبكة الآعلام بحذف المشاهد التي تخدش الحياء في رمضان، لكنّا صدمنا بها فعلا، ولأوصلت رسالة للناس تدين من كان السبب.. لو طرحت بمعالجة درامية وليست تقريرية، وبأداء تلفزيوني وليس مسرحيا.

اننا ينبغي أن نحيي كادر مسلسل(الفندق) على ما فيه من مآخذ، وعليهم أن يتقبلوا النقد الذي ظلمه زمن عرضه.. وقد يخف ان عرض كاملا في الأعادة!. وأن لا نشيع الأحباط في الذين يعملون على اعادة الدراما العراقية في ظروف سياسية واجتماعية صعبة وخطرة.. وقاتلة!

تحية للكاتب حامد المالكي، والمخرج حسن حسني، والمنتج علي جعفر السعدي، ولممثلين اجادوا(محمود ابو العباس، عزيز خيون، هند طالب-افضل عنصر نسوي اداءا، و علي عبد الحميد، أبن العائلة.. الشاب الضائع).. متطلعين الى عمل آخر يتناول ظواهر اجتماعية اخرى (انتحار الشباب، الطلاق، التفكك الأسري.. ) وقد استفادوا من الذين اصدقوهم النصيحة.. ومن يرونهم اساءوا!

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

رئيس المجلس الأستشاري للثقافة والأعلام بالعراق

الأتحاد الدولي للصحافة العربية

 

محمد فاتيفيلم كفرناحوم هو العمل الثالث للمبدعة اللبنانية نادين لبكي بعد فيلميها السابقين سكر البنات وهلأ لوين. وهو عمل فني مميز تمكن من طرق باب السينما العالمية بقوة من خلال فوزه بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان، وترشيحه في الفئة القصيرة لأفضل فيلم أجنبي في جوائز الأوسكار. الفيلم هو لمحة إبداعية تستقي حياة المهمشين وتسائل قضايا الهامش المنسي في أحياء بيروت المظلمة والقاتمة . ولاشك أن نادين لبكي برعت في تجسيد صورة المهمش من خلال إحاطتها الشاملة بهذا الموضوع في كل مشاهد الفيلم.

 يحكي الفيلم قصة طفل (زين) يعيش حياة البؤس والفقر في أسرة تعاني عذاب الجوع والحرمان. الأب وجد نفسه محاصرا بانياب البطالة والحاجة، والأم قيدت بأولادها الصغار دون مصدر للإعالة والإعانة.  فيضطر الابن تحت وطأة التربية القاسية (الضرب والسب والشتم)، وظروف السكن المعيقة ان يغادر هذا المنزل الضيق الشبيه بالزنزانة التي تحوي أسرة كاملة (الأبوين والأبناء). ليقرر العمل والاشتغال من اجل مساعدة أسرته المعدومة، تارة كبائع للفواكه الصيفية، وتارة أخرى مساعدا لبقال الحي في نقل السلع والبضائع.

تضحيات الطفل الصغير في سبيل إعانة الأسرة على قوتها اليومي ستتوقف عقب قرار الأسرة تزويج أخته القاصر سحر للبقال. لينتفض الصغير في وجهه أبويه المتسلطين، ويقاوم هذا القهر القسري، بالصراخ والضرب أحيانا والتشبت بيد الأخت والجري لإنقاذها تارة أخرى. لكن كل محاولاته ستنتهي بالفشل، فيضطر أخيرا لتوديع أخته وداعا أبديا.

بسبب هذا القرار يرحل زين عن المنزل، وهو حاقد ناقم على فعل الأبوين الاجرامي في حق أخته. يجد نفسه في براثن الشارع ووحشية المجتمع اللامبالي، يشتغل أحيانا، يبيع أحيانا، ولكنه يتفادى السقوط في دناءة الإجرام، وفساد المحيط. يجد ضالته في مدينة الألعاب، يلاقي ملهم أحلام الأطفال (الصرصور مان) الذي يشاركه معاناة الحياة وسواد الواقع. وهذا انتقاء فني دقيق من المخرجة يصف هيئة أبطال الهامش الخارقين، فلا السوبر مان أنسب، ولا باتمان أصدق، ولا سبيدرمان أعمق...إنه الصرصور مان نسبة للحشرة البئيسة التي تعيش في ظلمة المستنقعات، وقعر الهوامش، هو وحده الذي ينسجم ويشترك مع هم المهمشين، وهو الوحيد الذي يصدق للتعبير عن الصورة المأساوية لأطفال الشوارع.

يجد الطفل ضالته أخيرا مع العاملة الإثيوبية رحيل التي ستتعرف عليه في مطعم الملهى. تنقذه من الجوع والتشرد، يرافقها إلى منزلها الصفيحي، تشركه كرفيق وأنيس لابنها يونس (الغير شرعي) . يتماهى الطرفان بعد ذلك في خلق التضامن، ومد خيوط التآزر والتعاضد. يتنفس زين نسيم الحنان، ويسقى من ماء السُّلوان. يحس بالحب، ويستدفئ بالعطف والرحمة. ليجد الطفل ما افتقده في أسرته وأقربائه، ويصمم على رد الجميل بالجميل والعطف بالعطف والحنان بالحنان. فيتكلف بالاعتناء بالطفل يونس في غياب الأم: يهتم بمأكله ومشربه وملبسه، يرسم تعابير الفرح والبهجة على وجهه، ينوع من طرق ترفيهه ولعبه، يرقصه على نغمات الموسيقى والنغم، ويضحكه على إيقاع السخرية والفكاهة.  ورغم كل ألوان العذاب والقساوة التي عاشها زين في منزله، إلا أن روحه الطاهرة لم تسمح له بتكرار نفس النمط التسلطي على الابن البريء، لينتقم انتقاما عكسيا من هجر وقساوة أبويه بالحنان والعطف والاعتناء بالطفل الإفريقي .

يجد زين نفسه مجبرا على الاعتناء بالطفل وحده وبمفرده، بعد إلقاء القبض على أمه رحيل في قضية الاتجار بالبشر. يقاوم مآسي المحيط، يصارع طغيان المجتمع، يقارع مصائب الظهر ومتاعب الحياة. يضحي بالغالي والنفيس في سبيل تنشئة يونس الصغير، فيحميه من مخاطر الشارع وغدر المجرمين. يلتجأ زين، بعد ذلك، إلى مهرب سوري يتلاعب بهويات المفقودين والمتشردين والراغبين في الهجرة لينقلهم إلى بلدان حلمهم. يطلب منه إحضار وثيقة تبرز هويته حتى يتسنى له مساعدته على الهجرة. يعود زين إلى منزله بحثا عن الوثيقة التي تبرز هوية من لا هوية له في مجتمع النفي والاستعباد والاستغلال. ليصدم بالخبر الصاعق الذي سيكون له وقع كبير وآثر خطير. أسعد البقال يتسبب في وفاة أخته القاصر (12 سنة) عقب نزيف دموي ألقاها طريحة فراش الموت في المستشفى. هذا الحادث المفجع سينتهي بمحاولة انتقامية خطيرة قام بها زين حينما حاول قتل هذا الزوج القاسي بطعنة سكين، لينتهي الفيلم من نقطة انطلاقه في المحكمة حيث الابن يحاكم (بفتح الكاف) ويحاكم (بكسر الكاف) ...يحاسب (بالفتح) على جريمته، ويحاسب (بالكسر) أبويه على ذنبهم في الإنجاب طالما أنهم عاجزون عن التربية والإعالة والإعانة. بل الأكثر من ذلك يطرد أمه (أثناء زيارتها له في السجن) ويلومها على حملها الجديد الذي سيخلف متشردا آخر وضائعا آخر في مجتمع لا يقدر مسؤوليات الأبوة، ولا يأبه لواجبات الأمومة. فما جدوى الولادة في أسرة يغيب فيها حس العطف والشفقة والرحمة بالأبناء؟

لقد طغت تيمة التهميش بشكل بارز على مضمون الفيلم، فالهامش حاضر في اللقطات والمشاهد والأحداث والأماكن والشخصيات... وكل شخصيات الفيلم تائهة في أعماق البؤس والقهر والفقر بدءا بالبطل زين الهائم في احياء بيروت وحيدا باحثا عن لقمة عيش تنقذه من شبح الجوع والتشرد. مرورا بأسرته التي تصارع شباك الحرمان والبطالة، ثم رحيل التي تقاوم النظرة الدونية للمجتمع، وتتحدى القوانين التي هددت مصير ابنها غير الشرعي، وتقارع خطر الفاقة والحاجة لتستمر في الحياة والمجابهة هي ووليدها الصغير. وتلتقط نادين لبكي هذه التيمة رمزيا في عديد من المشاهد واللقطات، ابرزها : اللقطة التي ترصد لعب الأطفال بالبنادق والسيوف الخشبية، ومقارعتهم لبعضهم البعض في محيط هامشي يغلب عليه الخراب والشظايا والحطام والاتساخ. هذا المشهد الشاعري الذي يرمز لتصادم قهري بين براءة وطهارة الأطفال في احلامهم وشغفهم ولعبهم وبين بؤس الواقع الدنس والملوث، واقع الاستغلال والظلم وتحطيم الأمال. ويزداد هذا الواقع قتامة في المشاهد التي تصور التناقض الصارخ بين اطفال يستعدون لركوب حافلة المدرسة، وبين اطفال (زين وإخوته) انتشروا على قارعة الطريق لبيع الفواكه الصيفية من اجل توفير لقمة الحياة.  ونلمس أيضا قساوة الواقع على الأطفال في مشهد يظهر فيه زين الصغير وهو يحمل قنينة غاز تقارب حجم جسده، وهنا تلمح المخرجة رمزيا إلى العبئ الثقيل الذي حمله زين وهو لازال طفلا صغيرا. عبء الحياة الذي اجبره على تقمص دور الرجل الكبير قسرا لا اختيارا من أجل إعالة إخوته وأسرته.  كما لا ننسى الإحالة الإيحائية التي نقلتها لنا لبكي في لقطة صعود زين على تمثال لجسد امرأة حيث يبدأ بإزالة الثياب العليا لهذا التمثال كتلميح دلالي جنسي يستنطق ظاهرة الاستغلال الجنسي للقاصرات مستحضرا صورة أخته سحر (12 سنة) الذي راحت ضحية جهل المجتمع الهامشي بهذه الظاهرة الخطيرة.

العنصر الآخر الذي لون بألوان التهميش في الفيلم هو المكان، فنادين لبكي مرتبطة بعمق بيروت وأغوارها حيث الصورة الأخرى للبنان ومآسي لبنان وآلام لبنان ...رصدتها بعدسات محيطة بالأحياء الهامشية المتداخلة والمتوارية خلف صورة بيروت الناصعة التي نعرفها. وقد التقطت الكاميرا الأحياء الهامشية والصفيحية التي تتصف بالضيق والخراب والحطام والعشوائية والاتساخ. نفس الشيء نراه في المكان الصغير (منزل زين) والذي يأوي أسرة كاملة في مساحة ضيقة تقارب مساحة الغرفة الواحدة، ونرى هذا التجلي المأساوي بوضوح في لقطة اصطفاف الإخوة للنوم ملتصقين بجانب بعضهم البعض على الأرض، في مسافة ضيقة، وبجانبهما مباشرة ينام الزوجان ويمارسان حياتهما الزوجية بحجاب ثوب يفصلهما عن الأبناء.

فنيا اتخذ الفيلم مسارا دائريا في بنيته الحكائية، حيث ينتهي الفيلم من نقطة انطلاقه. ويفتتح الفيلم بمشهد محاكمة الطفل زين عقب محاولة القتل التي قام بها. ثم يختتم بنفس الحدث مع التفصيل في رصد أسباب هذه المحاكمة من خلال توجيه النظر للطلب الذي تقدم به زين بضرورة محاكمة الأبوين، كونهما ارتكبا جريمة انجاب أطفال وهما عاجزان عن تربيتهم وإعالتهم. وقد استندت المخرجة في التنظيم الزمني للفيلم على تقنية الفلاش باك (الاسترجاع) من خلال عمليات استذكار واسترجاع لأحداث ماضية تؤطر عملية المحاكمة. فهذه الأخيرة مثلت البؤرة المركزية والنقطة الأساسية التي تنطلق منها عملية الاستذكار، من خلال ربط كل شخص في المحاكمة بلحظات وأحداث طرأت في الماضي وكان هو طرفا فيها أو شاهدا عليها (زين - الأبوين - رحيل - زوج سحر...). وقد جاءت مشاهد المحاكمة تلقائية وعفوية، تجسدت في الأسئلة التي يطرحها القاضي على المتهم زين، وعلى باقي الحاضرين. وتمثلت أيضا في الحضور الفني للمخرجة نادين لبكي كمحامية في مشاهد المحاكمة، وكأنها تريد أن تقول لنا بأن فيلمها هذا جاء دفاعا عن قضية هذا الطفل. فهي مخرجة الفيلم، وهي الممثلة التي أدت دور المحامي الذي يدافع عن حقوق هذه الفئة.

فيما يخص التصوير، اعتنت لبكي كثيرا بهذا الجانب. وتجلى ذلك في الصورة القاتمة والخانقة التي ظهرت فيها مدينة بيروت وهي تنصهر في جو البؤس والقهر والفقر والهامشية...وقد التقطت نادين هذه الخصائص من خلال التنويع في اللقطات، حيث الارتكان إلى اللقطات العامة البعيدة (من فوق) والتي تحيط ـ في مشهد بانورامي ـ بمدينة بيروت وهي تعج بالاكتضاض والعشوائية والضيق وتداخل البنايات وتبعثر المحيط. وهذا النوع من اللقطات حيلة فنية من المخرجة، هدفها نقل الوجه الثاني لبيروت حيث الفوارق الطبقية الشاسعة، وحيث التناقضات الاجتماعية الواضحة، وحيث الشقاء والقهر والاندحار في أنصع تجلياته. لهذا كان التقاطها عن بعد إشارة صريحة بهامشية المكان ولا قيمة المحيط.

كما نجد حضورا للقطات المتوسطة والقريبة والتي حاولت احتواء اللحظات العاطفية التي تمر منها الشخصيات، بواسطة التركيز على ملامحهم ومشاعرهم وتتبع أفعالهم وتصرفاتهم، وتصوير حركاتهم ورد فعلهم. وأحيانا كانت لبكي تلجأ إلى تعقب الشخصية البطلة من الخلف كدلالة ضمنية على هامشيتها وقيمتها المنحطة في مجتمع القهر والاستغلال.  وكثيرا ما كنا نصادف، كذلك، اللقطات المهتزة غير الثابتة في مشاهد الفيلم. حيث تعرض الأحداث بكاميرا مختلة ومتمايلة تتحرك بعشوائية واستمرار، إيحاء باضطراب اللحظة وتوثر الأحاسيس وتأزم الوضع الاجتماعي لشخصيات الفيلم (خاصة في لقطة فراق زين لأخته سحر أو في مشهد جري زين لقتل زوج أخته بالسكين).

وقد لعبت الموسيقى دورا أساسيا في الفيلم، خاصة إذا علمنا بأن مؤلف ألحان الفيلم هو زوج المخرجة نادين لبكي خالد مزنر (وهو منتج الفيلم أيضا). وجاءت الألحان الموسيقية منسجمة مع طبيعة اللحظات الشاعرية التي رافقت المشاهد الواقعية للفيلم، حيث اعتنى مزنر كثيرا بهذه اللحظات العاطفية الخيالية وشحنها بقطع موسيقية كورالية: كلاسيكية ودينية تتوافق مع طبيعة الأحاسيس المرهفة والمشاعر النابضة التي تحفل بها مشاهد الفيلم. بينما جاءت المشاهد الحقيقية جافة وخالية من الموسيقى التصويرية حتى تتلاءم مع بعدها الواقعي المأساوي.  أما من ناحية التأثيرات الموسيقية والأنماط الموجودة في العمل الموسيقى، فنجد حضور بعض التأثيرات الإفريقية بسبب وجود الشخصيات الإثيوبية في الفيلم، وهذا ما دفع مزنر إلى توظيف أصوات غنائية إفريقية وآلات موسيقية إفريقية أيضا (آلة تشبه الرباب تسمى ماسينكو) .

ورافق الموسيقى، كذلك، حضور مجموعة من الأصوات داخل الفيلم، حيث هيمن الصراخ والبكاء والفوضى والسب والشتم في المنزل الصغير لزين وعائلته دلالة على الارتجاج الأسري والتوثر العاطفي الذي يسم علاقة الأبناء بالأباء في هذا المنزل. أما خارج المنزل فتحضر أصوات الضجيج ومنبهات السيارات وصدى البائعين في الأسواق ايماء بالحضور الاجتماعي والواقعي لشخصيات الفيلم.

أما الإنارة فقد جاءت مزدوجة القوة والوظيفة في احداث الفيلم: خافتة وباهثة في منزل زين حيث الضيق والبؤس، الظلام والظلم، الفقر والقهر.. قوية وساطعة في شوارع وضواحي بيروت حيث الحلم والتفاؤل، العمل والصبر، التحدي والمجابهة.

يبقى ان نشير في الختام إلى ملاحظة مهمة طبعت تناول نادين لبكي لموضوع الفيلم. وهي أنها وجهت اللوم وحملت كامل المسؤولية للأباء والأهل فيما يخص قضية الأطفال المشردين...وهذا يظهر بوضوح في الجملة الرئيسية التي تلفظ بها الطفل زين أمام القاضي: " بدي أشتكي على أهلي " ..لكن نادين غضت الطرف عن الإشارة لجذور الظاهرة، وتهربت من توجيه النقد وتحميل المسؤولية الكبرى للدولة والحكام والنظام. فالتشرد او الفقر أو البؤس أو التهميش هو سلسلة مرتبطة بأسبابها السياسية والاجتماعية المباشرة : الظلم الاجتماعي - هول الفوارق الطبقية - غياب العدل الاجتماعي - سياسة الاستبداد والتسلط - انتهازية واستغلال أصحاب المصالح - سياسة التحقير والتهميش والتفقير ...

إذا لماذا تغافلت نادين عن التلميح لهذه القضية؟ أو ليس المجتمع وظواهره نتاج لما يجري في الكواليس الفوقية؟ وتوجيهها أسهم النقد للأباء من الطبقة الفقيرة في هذا الفيلم هو إقبار لدورهم البيولوجي في الزواج ومنع جبري لنعمة الأمومة والأبوة في هذه الفئة. أو ليس من حق الفقراء الزواج وإنجاب الأطفال؟ وما ذنبهم إن كانت الدولة قد احتقرتهم وهمشتهم وأقصتهم اجتماعيا؟ .. لهذا يمكن القول أن نادين كانت قاسية في أحكامها على هذه الفئة، بالرغم من أنها ألقت الضوء على ظاهرة من ظواهرهم، وبالرغم من براعتها الفنية والإبداعية في هذا الرصد والاهتمام. لكنها في مقابل ذلك أهملت (بقصد أو بدون قصد) توجيه سهام المسؤولية للأباء الكبار (الحكام والدولة) في تقصيرهم عن أداء واجباتهم السياسية والاجتماعية الكبرى: العناية بأفراد مجتمعهم وإعالة أبناء وطنهم بتوفير الشغل والسكن اللائق والتعليم والصحة ...وغيرها من الأساسيات الضرورية في تطور الأمم والدول.

 

محمد فاتي: أستاذ باحث في مجال الصورة من المغرب

 

عدنان حسين احمدأثار فوز الروائية العُمانية جوخة الحارثي بجائزة مان بوكر العالمية للرواية لعام 2019 عن رواية "سيدات القمر" الصادرة عن دار الآداب ببيروت ردود أفعال إيجابية في وسائل الإعلام المكتوبة على وجه التحديد، وقد حظيت الرواية بدراسات نقدية معقمة في الصحف والمجلات العربية إثر صدورها عام 2010 ثم تضاعف هذا الاهتمام بعد فوزها الناجز على خمسة منافسين من مختلف أنحاء العالم. ورغم كل ما كُتب عنها من مقالات تقريظية إلاّ أنّ هناك منْ يعترض، ويقف في الصف المناهض لمنح هذه الجائزة المرموقة لكاتبة عربية مستندين إلى حجج واهية تقلل من أهمية الفائزة، وتدمغها بمختلف النعوت لأنها "غازلت" الغرب، وكتبت ما يلائم منظومتهم الفكرية والأخلاقية والثقافية. غير أنّ منْ يقرأ هذه الرواية التي ترجمتها مارلين بوث إلى الإنجليزية تحت عنوان "الأجرام السماوية" لايجد فيها مثل هذا التحيّز أو الغزل المزعوم للقيم الأوروبية. فالتيمة الروائية للنص السردي تتمحور على مفهومي الحُب والحرية وما بينهما من انتصارات وانكسارات، كما أنها تلمّح إلى سنوات الخلاف بين السلطان الذي يحكم المناطق الساحلية، والإمام الذي يبسط نفوذه على المناطق الداخلية، أي أنّ الزمن الروائي يمتد إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ويمر بمرحلة الاستعمارالبريطاني، والتمرّد الشيوعي في ظفار، ومرحلة التحول الاقتصادي بعد إنتاج النفط في سبعينات القرن الماضي، والنهضة التي قادها السلطان قابوس بن سعيد وغيّرت وجه البلد الذي بدأ يستجيب لاشتراطات الحداثة، والتقدم العمراني الذي زحف حتى على القرى النائية وغيّر ملامحها كما هو الحال في قرية "العوافي" التي يدور فيها الجزء الأكبر من أحداث الرواية التي تفحص التاريخ العُماني وتتمثله جيدًا من دون أن تقع في فخاخه المموّهة.

لا يخفى على القارئ المحترف أنّ الرواية سلسة الأسلوب، متدفقة الأحداث، وأنّ الشخصيات الرئيسة تنمو باضطراد، وتتغير تبعًا للتغيير الذي يحدث في أورقة المجتمع العُماني، ولم تعد التقاليد الموروثة قادرة على الوقوف بوجه التغييرات الجذرية التي طالت عموم المدن والقرى والبوادي النائية.

تركّز جوخة الحارثي على الأُسَر المتنفِّذة في قرية "العوافي" مثل أسرة الشيخ مسعود، والتاجر  سليمان، وعزّان وأسرته التي ستكون بؤرة الرواية وعمودها الفقري الذي يمتد من الجملة الاستهلالية حتى الجملة الختامية من هذا النص السردي الذي ينطوي على لغة متوهجة لا تجد حرجًا في التعالق مع الأقوال المأثورة، والأمثال الشعبية، والمحكية العُمانية. كما تُطعّم الكاتبة روايتها ببعض القصائد الغزلية لكبار الشعراء العرب أمثال المتنبي، وابن الرومي، وقيس بن الملوّح، وأبي مسلم البهلاني، وثمة تلاقحات كثيرة مع التصوّف، والدين، والفلسفة، وقد انتظمت هذه المحاولات كلها ضمن أنساق سردية منسابة تشابكت مع نسيج النص وأصبحت جزءًا من مادته الأولية التي يستمتع بها القارئ على اختلاف مستوياته الثقافية، فالرواية لا تقتصر على الحُب، والخيانة، والهجرة، وحرية التعبير، وإنما تغوص في السحر، والقصص الخرافية، والفلكلور العُماني، وقضية الرقّ، والمتاجرة بالعبيد وما إلى ذلك من موضوعات حسّاسة لم يغادرها بعض شرائح المجتمع العُماني حتى الوقت الحاضر.

تهيمن الشخصيات النسائية على النص السردي الذي يُروى بضمير الغائب تارة، وبضمير المتكلم تارة أخرى سواء على لسان عبدالله أو بقية الشخصيات التي تصنع الأحداث وتأخذها إلى الذروة قبل أن تنحدر بها إلى النهاية المنطقية التي تُقنع القارئ وتترك له فرصة التأمل، وإعمال الذهن في تيمة النص الذي قرأه. غير أن هذه الشخصيات لا تنجح في قصص الحب التي تتقد بينها وبين المُحبين، وخاصة الشقيقتين ميّا، وخولة، ويمكن أن نستثني هنا علاقة أسماء بالفنان التشكيلي خالد، كما لم ينجح والدهنّ غزّان في قصة حبه مع نجيّة البدوية الملقبّة بـ "القمر"، مثلما تتعثر علاقة الطبيبة "لندن" بأحمد، الشاعر المثقف الذي بدأ يراقبها ويُحصي عليها أنفاسها.

ولكي نوضح الهيكل المعماري للرواية لابد من الوقوف عند هذه القصص العاطفية الخمس التي تبدأ بميّا وعبدالله ابن التاجر سليمان الذي لم تكن تحبه لأنها كانت معجبة بعلي بن خلف الذي عاد من لندن بلا شهادة، وكانت تردد دائمًا بأنها لا تريد شيئًا سوى أن تراه! ومع ذلك فقد تزوجت عبدالله وأنجبت بنتًا أسمتها "لندن" خلافًا لكل الأسماء المتعارف عليها في "العوافي" مثل مريم وزينب وصفية.

تُعدّ قصة أسماء مع خالد ناجحة، فهو خريج كلية الفنون الجميلة، ومولع برسم الخيول، وقد وافق على أن تكمل دراستها، فنالت دبلوم المعلّمات، وأصبحت "الزوجة الحرّة في حدود فلكه وليس خارجه".

أما قصة الأخت الثالثة فهي الأكثر درامية ربما لأنه كانت تحب ابن عمّها ناصر حُبًا جمًّا، وقد رفضت كل العرسان الذين تقدّموا إليها، كما أنها شخصية مثقفة، وقارئة نهمة، وكانت تقرأ الكتب التراثية لأبيها، وتحتفظ لنفسها بالكتب والروايات الحديثة. وحين تزوجها ناصر تركها بعد مدة قصيرة بعد أن استولى على الإرث وغادر إلى مونتريال حيث تنتظره الزوجة الكندية التي آوته في بيتها عشر سنوات قبل أن تطرده من منزلها وحياتها نهائيًا، عندها قرر العودة إلى بلده بعد أن أنجبت له أسماء خمسة أطفال واطمأنت على مستقبلهم فطلبت منه الطلاق لتطرده هي الأخرى من حياتها.

تتقن جوخة الحارثي اللعبة السردية، وتضبط إيقاعها الهادئ الذي لا يلتزم بوحدة النص، ولا يضطر لاتباع الزمن الكرونولوجي، فلاغرابة أن تتداخل الأزمنة والأمكنة والأحداث ثم تنتظم في فصول قصيرة لم تستعمل فيها الروائية الترقيم أو العناوين الداخلية ومع ذلك فقد جاء النص الروائي شيّقًا ومرنًا لا تعيقه العثرات السردية الناجمة عن تكرار بعض الأحداث أو جزء منها في المتن الروائي.

أما القصة الرابعة فهي قصة الطبيبة "لندن" التي أحبّت أحمد، الشاعر المتمرد قبل أن تكتشف خيانته، فقد أهانها أكثر من مرة فقررت أن تفسخ خطوبتها، وتُبطل العقد الذي يربطهما. فهي امرأة شاعرية تحلم أن تجلس فوق الغيم.

تُعدّ قصة نجيّة البدوية مع عزّان أخطر القصص على الإطلاق لأنها تطعن في الموروث البدوي المتأصل في تلك المضارب لكنها تتناغم مع الحسّ الإنساني لأي كائن بشري بغض النظر عن جذره الاجتماعي سواء أكان بدويًا أم قرويًا أم مدينيًا، فهو إنسان بالنتيجة وله مطلق الحق في التعبير عن مشاعره ورغباته الداخلية. فنجيّة وقعت بطريقة غريبة في حُب عزّان فهي تقول:"سيكون لي، ولن أكون له. . سيأتيني حين أشاء ويذهب حين أشاء". اختفت البدوية فانتشرت الشائعات التي تتحدث عن مرضها أو استعانة زوجة عزّان بالسحر أو قتلها على يد ابنها المنغولي الذي علّموه على استعمال المسدس.

على الرغم من تعدد القصص الرئيسة إلاّ أن جوخة الحارثي تؤثث المتن السردي بقصص جانبية كثيرة عن الاستعمار البريطاني، والعبودية، والهجرة إلى الكويت ومصر وكندا، والتحولات الكبرى التي شهدتها عُمان خلال السنوات التي أعقبت اكتشاف النفط وتصديره بكميات تجارية كبيرة غيّرت وجه البلاد وألسنة أهلها الذين بدؤوا يتحدثون بالإنجليزية في المطاعم والفنادق الراقية. أصدرت جوخة رواية "منامات" 2004، و "نارنجة" 2016 إضافة إلى سبعة كتب أخرى في القصة القصيرة، والنقد الأدبي، وأدب الأطفال.

 

لندن: عدنان حسين أحمد