الكبير الداديسيدأبت "جمعية أكورا للفنون" بدعم من مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط موقع آسفي . على عرض شريط سينمائي في الخميس الأخير من كل شهر فكان الجمهور ليلة الخميس 26شتنبر 2019 على موعد مع عرض الشريط المغربي " دموع الرمال" بحضور مخرجه عزيز السالمي في قاعة الأطلنتيد.

 الفيلم الذي حاول تصوير معاناة المعتقلين المغاربة في مخيمات البوليزاريو بتندوف في مساحة زمنية قاربت الساعة و47 دقيقة شخص أحداثة ثلة من المثملين المغاربة أهمهم: محمد الشوبي، السعدية لاديب، عبد الله الشكيري، محمد الخطاب، عادل أباتراب، عز العرب الكغاط، نعيمة المشرقي، عبد الله لاماني، وفاطمة هراندي، ليصنف الشريط نفسه ضمن أفلام القضية، وهي هنا للمغاربة قضية وطنية بامتياز، وقد صرح المخرج أثناء مناقشة الشريط بعد العرض، أن هدفه الأول من هذا الفيلم هو التعريف بالقضية الوطنية وتسليط الضوء على ما كابده المعتقلون المغاربة في معتقلات تيندوف من تعذيب في ضرب سافر لكل المواثيق والعهود الدولية الضامنة لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية،

انطلق الشريط بجمل سينمائية من الأرشيف (مقتطفات من خطاب الراحل الحسن الثاني، والعاهل المغربي محمد السادس، وصور من المسيرة الخضراء...) قبل أن يلقي الشريط بالمشاهدين في لج القضية حيث الأبطال الثلاثة الناجين من زنازين تيندوف يكابدون صعوبة الاندماج في المغرب المعاصر خاصة وهم يرون أحد الجلادين الذي أذاقهم أشد أنواع التعذيب والتنكيل قد عاد إلى الوطن و تسلق مراتب عليا في المجتمع ليصبح برلمانيا، بل ومن علية القوم يناظر في حقوق الإنسان، ليرتد السرد السينمائي القهقرى ويعود بالمشاهدين إلى الظروف التي اعتقلوا فيها يوم اعترضت ميلشيات البوليزاريو حافلة مدَنية تقل مسافرين مدنيين رجالا ونساء وتمطر الحافلة بوابل من الرصاص، مما أجبرها على التوقف. ليعيث أفراد العصابة فساد في الحافلة وركابها، جردوهم من كل ما يملكون، وقادوهم قسرا تحت الضرب والرفس، وكل القتل رميا بالرصاص مصير كل من حاول الهرب أو تردد في تنفيذ ما يطلبون، هكذا يضع الشريط المشاهدين ضروب من التعذيب القاسي لمواطنين مدنيين (خصي، قطع الألسن، اغتصاب..) ظروف حياة تنعدم فيها أدنى درجة من الكرامة الإنسانية، أعمال شاقة غير نافعة، الأوساخ، قلة الأكل وندرة الماء، وما يقدم من أكل على قلته يقدم بطريقة مذلة، نقل الأرز في عربة البناء (la brouette ) وتوزيعه على المعتقلين بمجراف البناء (pelle La ) ويستمر العرض في الانتقال بين معاناة الحاضر في المغرب، وعذاب الماضي في المعتقل من خلال تقنية الفلاش الباك التي حضرت بقوة في معظم فترات الشريط، فأحالت الشريط مسلسل معاناة مرتبطة حلقاته بين الآن والماضي،

وعلى الرغم من تصنيف الفيلم ضمن الأفلام المعالجة لقضية عبر أحداث ووثائق تاريخية هادفة همها الدفاع عن قضية وطن انطلاقا من أحداث واقعية، ما دام المخرج اعتمد في كتابة السيناريوعلى ما كتبه أحد الناجين في سيرته، ففكرة الفيلم يقول السالمي تولدت مباشرة بعد قراءته لمذكرات السجين السابق عبد الله لماني والذي جعله أحد أبطال الفيلم . وعلى الرغم من توظيف أحداث تاريخية محفورة في ذاكرة كل المغاربة منها ما هو مرتبط بالرياضة ( فوز اعويطة بميدالية أولمبية سنة 1984)، بالكوارث (زلزال الحسيمية) أو السياسية (خروج المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية + وفاة الحسن الثاني).... فإن المخرج أضفى لمسة فنية على تلك الأحداث وأحسن توظيفها في بناء تطور أحداث الفيلم، مما وسم عددا من اللقطات برمزية فنية دالة نكتفي بالإشارة منها إلى :

- سقوط أحد الهاربن برصاص البوليزاريو على شعار المغاربة (الله الوطن الملك) في أحد المرتفعات.

- تشكيل الناجين وهم يحكون معاناتهم لنجمة خماسية على عشب أخضر .

- رمزية اللباس كما تجلى في تقديم الناجين بلباس العرسان، سواء أثناء نزولهم من السيارات بالتركيز على البلغة والجوارب البيضاء، أو أثناء دخولهم قاعة الاستقبال بالجلابيب البيضاء

تقنيا الشريط به عدة نقط مضيئة ومشرفة منها الموسيقى التصويرية التي أبدع السيد زكريا نويح في تكييفها مع المشاهد، إضافة طريقة التصوير وحسن توظيف الإضاءة في الليل وبالأقبية، ناهيك عن الكادراج الذي كان يضع الأحداث في عمق الصورة، مع حسن تحريك الكاميرا وحسن اختيار زوايا التصوير في إدارة جيدة للكاميرا من طرف جون مارك سيلفا....

وبما أن لكل جواد كبوة، فرغم كثرة الجوانب المضيئة في فيلم "دموع الرمال" فهناك ملاحظات لا تنقص من قيمة الفيلم الفنية والتاريخية منها:

- في لحظات كثيرة عانت تعابير الوجوه وملامح الممثلين دون حجم المعاناة، و بل شاردة عن خصوصية اللحظة، فقد ظلت الوجوه باردة في لحظات تتطلب تفاعلا أكثر كما كان لحظة لقاء العائلات بالعائدين فبدت مثلا ملامح الممثلة نعيمة لمشرقي مثلا وكأنها خارج اللحظة، وظهرت ملامح البنت التي لم تر والدها لأزيد من 30 سنة عادية خالية من أي تعبير ومثل ذلك كانت معظم الوجوه، تلك الزوجة التي غاب عنها زوجها وتوجت غيره والتي ظلت تتساءل مستنكرة (لماذا عاد)

- تقديم وجهة نظر المغرب الرسمية لقضية الصحراء من خلال التركيز على خطب ملوك المغرب، مع الحضور القوي للإديولوجية في إطار الصراع بين نظامين مختلفين، كل طرف يمجد نظامه، يقول أحد قادة البوليزاريو كان يكيل الشتائم للنظام الملكي في المغربل إن (جبهة التحرير الجزائرية (FLN) إله والبوليزاريو ديانة)، مع غياب شبه تام لحضور وتفاعل المجتمع المدني مع القضية، فلا جمعية تحدث عن اعتقال المدنيين، ولا جمعية حضرت عودتهم، ولا احتضنتهم أو سعت لإعادة إدماجهم، والأغرب غياب عائلات المعتقلين جسديا أو وجدانيا بين من غيبه الموت، ومن انشغل عن قريبه بانشغالات الحياة: فلم يجد أحد المعتقلين أحدا في انتظاره بعد هلاك كل عائلته في زلزال الحسيمة، والبطل الآخر وجد زوجته تزوجت غيره، والثالث كانت له بنت تعمل في مجال السينما لم يكن لديها الوقت لمجالس أبيها... وإلى جانب تنكر الأسرة والمجتمع، يسجل في الشريط تنكر الدولة لهؤلاء المعتقلين مقابل إيلائها حضوة للجلادين العائدين.. وهو ما وسم الشريط بنزعة ذاتية تعبر عن موقف المخرج/ كاتب السيناريو الأقرب للموقف الرسمي، وكان ممكنا عرض المعاناة كقضية إنسانية، بالتركيز على الخرق السافر لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا وإنسانيا والتخفيف من الطرح الرسمي والأيديولوجي للقضية...

- وثوقية المقدمة وضبابية الخاتمة: يلاحظ مشاهد الشريط أن المخرج بدأ شريطه واثقا، مقتنعا ومؤمنا بعدالة القضية منطلقا من وثائق تاريخية، لكنه في الخاتمة / النهاية عجز عن اتخاذ موقف صريح وواضح من الجلادين الذين استفادوا من نداء (إن الوطن غفور رحيم) وتسلقوا مناصب عليا في الدولة وأيديهم ملوثة بقتل الأبرياء من المدنيين والتلذذ بتعذيبهم ـ ليلامس الشريط قضية حساسة تتعلق بمكانة قادة من البوليزاريو العائدين لأرض الوطن (المغرب) وتحملهم لمهام رسمية، وهو ما وضع المخرج في مأزق/ النهاية فلم يعرف أي مصير يختار لأحد الجلادين لما اختلى به أحد ضحاياه كان قد هتك عرضه وأخصاه أمام الملأ، اختلى به بعد تربص في مرحاض إحدى الجامعات التي نزل بها الجلاد محاضرا في حقوق الإنسان، لينقض عليه ويقتله خنقا، قبل أن يتراجع المخرج ويظهر الضحية تصفح عن الجلاد ويطلب منه العودة إلى المنصة ومواصلة أكاذيبه، وأن القتل لم يكن سوى قتلاوجدانيا وهو ما يكشف تردد حيرة المخرج في إصدار موقف صريح من الجلادين العائدين لأرض الوطن ....

إن كثرة الانتقال الزمني بين الماضي والحاضر، والإفراط في توظيف الفلاش باك، والانتقال المكاني بين مخيمات تيندوف، الدار البيضاء، العيون، الداخلة، الحسيمية... كان له تأثيره على المونتاج الذي أشرف عليه كل من المخرج ومنير الرايس ، فكان الصوت في بعض الأحيان يسبق الصورة كسماع القرآن قبل ظهور البطلين في المقبرة، أضف إلى ذلك بداءة المؤثرات الخاصة، إذ ظهر تفجير الحافلة بعد اختطاف الركاب بدائيا ودون المستوى المنتظر من شريط يتغيى الدفاع عن قضية وطنية في المحافل الدولية، ....

 وفي الأخير نشيرة إلى نقطة سالبة أخيرة وهي تغييب المرأة على الرغم من كون عدد منهم النساء كن في الحافلة، كما أن كل النساء اللواتي استقبل الناجين كن سالبات لا واحدة قدمت دعما ماديا أو معنوية فظلت المرأة مغيبة وسالبة في معظم المشاهد السينمائية، وقد اعترف المخرج بهذا التقصير أثناء المناقشة وبرره بإمكانية إخراج سريط جديد خاص بالمرأة

ختاما، يبقى فيلم (دموع الرمال) تحفة فنية ووثيقة تاريخية انضافت إلى خزانة السينما المغربية، وما الملاحظات في هذا المقال سوى إثراء للنقاش والنقد السينمائي في المغرب والوطن العربي.

 

ذ. الكبير الداديسي

 

1169 تاء الخجلباريس تبتسم للروائية الكبيرة فضيلة الفاروق

حين تنتحر الابتسامة.

شكراً باريس لهدوئك رغم صخب المارين، الكل يسرع في اتجاه حياة أفضل... شكراً. للطمأنينة التي تسكنني.. شكرا لأنني انتهيت من قراءة رواية (تاء الخجل) للأديبة الكبيرة فضيلة الفاروق ..وأنا في المترو في مطعم يشعرك بالدفي وأنت تبحث عن الفرح في وجوه المارين العابسين كوجه السماء الغائمة .. والمطر ينثر زخاته ...يبلل شوارع باريس ورياحٌ حنينة تعبث بأوراق الأشجار... .

رواية تروي فيها الكاتبة بكل روح إنسانية وحزنٌ وأسى لما عانته المرأة الجزائرية في فترة الإرهاب، حزنٌ وألمٌ ودمارٌ وضياع للإنسانية، واغتصاب حرية وشرف المرأة وعذريتها الحالمة، وحلمها الذي كبر معه الألم، ، واغتصاب الأنثي و تقتل من قبل الأسرة كما فعل الأب الذي ألقى بابنته البالغة ثمانية أعوام من على أحد الجسور خلاصا من عارها باسم الفهم الخاطئ للدين، الإرهاب الذي تفنن في زرع الموت الموت بكل الطرق من أجل دفن العار والفضيحة، لتصبح تاءُ التأنيث، تاءُ الخجل والدمار، تاء الفضيحة، طرحت الأديبة فضيلة الفاروق في هذه الرواية الموضوع بحبكة أدبية في غاية الدقة وجمال، الحرف والعمل الروائي المتقن والمثقل بهموم وطنٌ ضاع في خلفيات دينية متشددة، ليس لها أسس من صحة، التطور الذي يظهر بكل جماليات الإبداع عند الكاتبة، التي طالما حاربت في كتاباتها التخلف والتعصب، دافعت عن حرية المرأة من أجل القضاء عن العادات والتقاليد التي توءد روحاً وفكراً للامرأة، تجاوزت كل الطقوس والعادات التي لا تخدم عقل وحرية فكها، هذه الأنثي التي حاربت كل العقد النفسية الموجودة في المجتمع، حتى تبرهن له أن أفكارها توازي أفكار الرجل، وأنها قادرة على التحدي، من أجل بناء أسرة سعيدة، تعلمت وأثبتت وجودها الفكري والعملي بكل جدارة، في غياب العدالة التي لا تنصف المغتصبات {حسب ما كتبته الروائية} وحدهن المغتصبات يعرفن معنى انتهاك الجسد، وانتهاك الآن، الحب الذي تبحث عنه الروائية فضيلة الفاروق في (تاء الخجل ) مؤلم وعنيف، لأنه ولد في بيئة قاسية جدا، خاصة منقطة قريتها التي تعرف بالتشدد كون اهلها من الشاوية الأحرار، أو أمازيغ الاوراس، لكنه ليس أكثر إيلاماً من الانفصال الذي يجعل الدنيا تصبح أكثر حدة. امرأة هاربة من أنوثتها ومن الآخر(الرجل) ومن مجتمع محافظ جدا، لأنه مرادف لتلك الأنوثة المستضعفة والمهمشة في مجتمع لا يقدم أدنى متطلبات الاحترام للمرأة، فهي إذن مشروع أنثى وليست أنثى، لكنها تملك قنبلة في داخلها تنفجر في أي لحظة وبكل الطرق التي يعرفها الانفجار، هو التمرد على كل الطقوس ...

(كنت مشروع أنثى ولم أصبح أنثى تماماً بسبب الظروف، كنت مشروع كاتبة، ولم أصبح كذلك إلا حين خسرت الإنسانية إلى الأبد. كنت مشروع حياة، ولم أحقق من ذلك المشروع سوى عُشر، وحدهن يعرفن وصمة العار، وحدهن يعرفن التشرد، والدعارة، والانتحار وحدهن يعرفن الفتاوى التي أباحت الاغتصاب، تاء الخجل رواية من أجل 5000 مغتصبة في الجزائر، تلامس قضية طالما عانت منها المرأة في كل مكان وتؤشر الخلل في العلاقة بين الجنسين في المجتمع وهي بحث يلقي الضوء على الواقع السياسي والاجتماعي في الجزائر. "الاغتصاب استراتيجية حربية، إذ أعلنت الجماعات الإسلامية المسلحة "GIA" في بيانها رقم 28 الصادر في 30 نيسان/إبريل، أنها قد وسعت دائرة معركتها للانتصار للشرف بقتل نسائهم ونساء من يحاربوننا أينما كانوا، في كل الجهات.)

حقيقة مرة عاشتها المرأة الجزائرية بكل مرارة التي تخنق النفس والهواء .. وتبصم على جبين العفة عارٌ من العيار الثقيل والموجع ..حتى الدمار ...

الشيء الجميل في الرواية أعتقد بقي مؤجلاً في مخطوطات البطلة إلي إشعار اخر ...ونغمة الأرانب التي تمثل ربما الفرح الوحيد للبلطة؟

هذا المساء باريس 24 ديسمبر 2015

سليمة مليزي

القراءة من كتاب (ابتكار فكرة النقد ) تحت الطبع

 

عبد الله الفيفي1- النص الرقمي/ النص الإلكتروني التفاعلي (سؤال المصطلح والموضوع):

نقصد بـ(الأدب الإلِكتروني التفاعلي) ما يُعرَف بـ(النص المترابط Hypertext)، تحديدًا، لا ما دُوِّن من الأدب إلِكترونيًّا، عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.  فهذا الأخير لا يعدو نصًّا أدبيًّا دُوِّن بالتقنية الحديثة، أو نُقِل إلى هذه التقنية، ولا فرق بينه والنصِّ التقليدي، مخطوطًا أو مطبوعًا، إلَّا في الوسيط بين الكاتب والمتلقِّي، من الورقة إلى الشاشة.

ولطبيعة النصِّ الإلِكتروني التفاعلي، أَستبدلُ كلمة "إلِكتروني" بـ"رقمي"، في تسمية هذا النوع من النصوص، لأسمِّيها: "النصوص الإلِكترونيَّة التفاعليَّة"، بدل "النصوص الرقميَّة".  ذلك لأن التعامل في هذا النصِّ- إنشاءً وتلقِّيًا- هو مع التقنية الإلِكترونيَّة.  فكلمة "إلِكترونيَّة" ضروريَّة لإشارتها إلى التقنية الوسيطة، التي من دونها لا قيام لهذا النص.  ونحن نستعمل: "الصحيفة الإلِكترونيَّة"، و"الموقع الإلِكتروني"، و"النشر الإلِكتروني"،،، إلخ.، فأَولَى أن يُسمَّى هذا النصُّ: "النصُّ الإلِكتروني التفاعلي".  ثمَّ إن مصطلح "رقمي" مصطلح مُلْبِس، ومشوِّش على مفردة مستقرَّة قديمة مستعملة، تتعلَّق بالرَّقم، بمعنى الكتابة من جهة، وبالأرقام، بمعنى الأعداد من جهة أخرى.  وهناك ما يُسمَّى حديثًا "العَروض الرقميَّة"، مثلًا، وتتعلَّق بوضع معادلات رقميَّة لوزن الشِّعر بدلَ الأسباب والأوتاد والتفعيلات.  على أن مفهوم (النص المترابط أو المتشعِّب Hypertext)، الذي استعملَه للمرَّة الأُولى الفيلسوف وعالم الحاسوب الأميركي (ثيودور نيلسون Theodor Holm Nelson)، 1965، قد تخطَّاه الزمن، فضلًا عن أن "الترابط" هو شرطٌ مشتركٌ بالضرورة- بمعنى أو بآخر- مع مختلف أضرب الكتابات والنصوص؛ فلا قيمة نوعيَّة تحملها دلالة الكلمة هنا عن "النصِّ الإلكتروني التفاعلي".  كما أن مفهوم (النصِّ الإنترنتِّي Cyber text)، الذي كان أوَّلَ من استعمله الباحث النرويجي (آرسيت Espen J Aarseth)، لم يعد يدلُّ على خصوصيَّة "النصِّ الإلِكتروني التفاعلي"؛ بما أن النصوص اليوم أضحت في معظمها إنترنتيَّة، بشكل أو بآخر.  يضاف إلى هذا أن ما يُنشَر من هذا النوع هو في الأصل إنتاجٌ ورقيٌّ، أو هو قابل بشكل أو بآخر لأن يكون إنتاجًا ورقيًّا، وله سوابق، قبل وجود الإنترنت، بطرائق مختلفة للكتابة والتوزيع والدمج والإرفاق النصوصي أو التشكيلي، مثلما في فنِّ (التشجير الشِّعري) الذي عُرف في التراث العَرَبي خلال القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي، أو (الشِّعر الهندسي)، المختلَف في تأريخ ظهوره.(1)  ومن هنا فأنا أرى أن مصطلح "النص الرقمي"، أو "النص المترابط"، أو "النص المتشعِّب"، أو "النص الإنترنتِّي"، كلَّها مصطلحات إمَّا غير دقيقة الدلالة، أو قد عفا عليها الزمن، ولم تعد صالحة للاستعمال، إذا توخينا الدقَّة في ما نعنيه الآن.  على أني لا أرى أن صفة "الإلِكترونيَّة" تُغني بحال عن صفة "التفاعليَّة Interactive"، إذا أريد لتسمية هذا الشكل الكتابي أن تدلَّ على طبيعته.  وتبدو كلمة "تفاعليَّة" أنسب، وأشمل، وأعمق من غيرها في إشاريَّتها إلى علاقات النصِّ الداخلية وعلاقاته الخارجيَّة: بنائيَّة، وفي فضاء التلقِّي.  لهذا كلِّه، سبق أن اقترحتُ- منذ 2008، في بحث نشرته في ("مجلَّة آداب المستنصريَّة"، العدد السابع والأربعين، كليَّة الآداب، الجامعة المستنصريَّة، بالعراق)- مصطلح: "النصِّ الإلِكترونيِّ التفاعليِّ" مصطلحًا عَرَبيًّا للإشارة إلى هذا النوع من النصوص.

2- في الشِّعر:

كانت لي مقاربة في قصيدة إلِكترونية تفاعليَّة للشاعر العراقي (مشتاق عبَّاس معن)، عنوانها «تباريح رقميَّة لسيرةٍ بعضها أزرق»، نُشِرت على موقع «النخلة والجيران» الإلِكتروني، 2007. 

وتكمن الصعوبة في التعاطي نقديًّا مع القصيدة الإلِكترونيَّة التفاعليَّة في كيفيَّة وصفها، وتحليلها، ومن ثَمَّ إيصال القراءة النقديَّة إلى المتلقِّي، بما أن هذه القصيدة معتمدة على التقنية.  لأجل هذا فنحن بحاجة إلى (قراءة نقديَّة إلِكترونيَّة تفاعليَّة)، تضاهي طبيعة القصيدة الإلِكترونيَّة التفاعليَّة، وإلَّا كانت القراءة تقليديَّة لنصٍّ غير تقليديٍّ ولا مألوف، ولا مهيَّأ لمعظم القرَّاء، وسيتعذَّر على القارئ متابعة ما نقدِّم إليه، إلَّا في نطاقٍ نخبويٍّ ضيِّق.  ذلك ما شعرتُ به في مواجهة أعمال الشاعر مشتاق.

ولعلَّ ما يجابهه المطَّلع- ولا أقول القارئ؛ لأن العمليَّة في تلقِّي القصيدة الإلِكترونيَّة التفاعليَّة لم تَعُد قراءة نصٍّ فقط، بل هي تفاعل مع ضروبٍ فنِّيَّة مختلفة، من: نصٍّ، وصورة، وموسيقى، فضلًا عن الإيقونات، والروابط التصفُّحيَّة، واللوحات الإلِكترونيَّة- هو ذلك الشتات بين: (متن)، و(حاشية)، و(هامش)، و(تفرُّعات أخرى)، و(أشرطةٍ تمرُّ عجلى). ومع أن القارئ يفتقد في تفاعله مع القصيدة الإلِكترونيَّة التفاعليَّة التجسُّدَ الواحديَّ للنصِّ، فإن ما يعايشه من شتات في تفرعات النصِّ له جماليَّاته وجذبه، كجمال شجرة غنَّاء، ذات فروع، وأغصان، وزهور، وثمار، وأطيار.

وأحيل المهتم إلى تفاصيل تلك المقاربة المذكورة، ورقيًّا في المجلَّة المذكورة أعلاه، وإلِكترونيًّا في عدد من المواقع الإلكترونية، تحت عنوان "نحو نقدٍ إلِكتروني تفاعلي".

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

.......................

(*) هذا الجزء الأوَّل من ورقة بحثٍ قدَّمتها ضمن البرنامج الثقافي لسوق عكاظ 13، بمدينة الطائف، مساء الخميس 21/ 12/ 1440هـ= 22/ 8/ 2019م.

(1) انظر: أمين، بكري شيخ، (1979)، مطالعات في الشِّعر المملوكي والعثماني، (بيروت: دار الآفاق الجديدة)، 181، 209.

 

حاتم جعفرنقول عنه، هو سليل المسرح العراقي يوم كان زاهيا، وسليل مدينة مباركة بأهلها، يجمعهما جسر من التناغم والتكامل، ومنهما إستمد خطوته اﻷولى ليضعها على طريق من الثبات والثقة. من هناك ستبدأ رحلة سالم، وسالم هذا سيمثل الشخصية الرئيسية والمحورية في رواية الصديق محي الإشيقر (كان هناك)، الصادرة منذ ما ينيف على العشرين عاما، ومن مغتربه، بلاد الشمال البعيدة، يوم حُمل كغيره من ضحايا العالم الثالث على راحة من الطمأنينة، بعدما وُصدت أبواب ذي القربى ولم يكن لنا وله وقتذاك غير بلاد الثلج والنفوس الطيبة، فيا لجمالها وجمال أهليها. كان قد كتب سرده اﻵنف بين مدينتين، تقاسمتها مالمو السويدية، مكان إقامته، واﻷخرى كوبنهاغن، حيث اﻷحبة واﻷصدقاء والندامى. ويبقى السؤال شاخصا: هل سيصل سالم قرص الشمس، إذ هي وجهته ومبتغاه؟.

وقبيل الشروع في مشواره، وصل مسامعه وعلى حين غفلةصوتا رخيما، هادئا، متماسكا، ينم عن خبرة ودراية بمتاعب السفر وعثرات الدنيا وما يحيط بهما، انها إحدى الوصايا وأظنها على غاية من اﻷهمية، إذ قيل له وبإيقاع يشبه التعويذة: عليك يا ولدي أن لا تكون وحيدا في ترحالك البعيد والإضطراري، فالطرق ليست كلهاسالكة بالحب. لذا ونزولا عند تلك الوصية ووفاءا لها، قرر سالم أن يأخذ معه إرث مدينته وجرعات من الصبر وأضمومة من صفاء الروح، ليحفظها في إحدى زوايا القلب، دون علم الرقيب، الرابض على حدود الوطن وما يفترضه من نوايا مخبئة.

تحولت أرض السواد سوادا وجفَّ ضرعها، وتمرها الباسق منذ بدأ الخليقة لم يعد يُشبع اﻷبناء، ونهراه لم يلتقيا منذ دهر ولن يلتقيا ما دامت الأرض والسماء ليست لنا. في يوم كهذا من أيام القحط والجدب السياسيين وما أضيف لهما من سبي منظم، طال الحرث والنسل، والذي ما إنفكت الدولة وأجهزتها تسلطه وبفخر على (أبنائها المشاكسين) حسب أعرافها وقوانينها، نقول في ذلك اليوم النحس خرج سالم من زقاقه، حيث وُلِدَ وكبر وحيث سيمضي الى مغتربه، ليقضي هناك أكثر من نصف عمره، تاركا ورائه ليالي العشق وحوارات السياسة الساخنة.

قبل أن يواصل مسراه، توقف طويلا بمواجهة إحدى الحضرتين، تذكَّرَ يوم دخوله أحد المرقدين بصحبة أمه وهو ماسك بذيل عباءتها، عملا بوصيتها حين كان صغيرا. راح يسترجع ما حدث له في ذلك اليوم وبما لم يبح به ﻷحد حتى في كبره. ففي يوم كهذا من أيام الحزن وإستحضار التأريخ، وبينما كانا يؤديان سوية طقوس الزيارة الكبرى، غابت عيناها لبرهة خاطفة بفعل التزاحم والتدافع ومن قبلهما التهدج، ليفلت الصبي من بين يديها. وقبل ان تدخل في فصل من النواح وما يتبعه، وإذا بسالم يظهر وعلامات وجهه تنذر بفرح غامر وبعد أن نجح في إختبار العودة اﻵمنة الى أمّه ليشبكها بقوة، خشية إنفلاته مرة أخرى، حتى سألته: كيف إهتديت ووصلتني؟ لم يحترْ جوابا، فببداهة العارف ردَّ عليها: أترينَ يا أمّي تلك المآذن العالية والمزدانة بماء الذهب والحب؟ فهي وقلبكِ دليلي اليكِ، فما كان منها الاّ أن تحتضنه ثانية حتى إلتصق بشغاف القلب. ومنذ تلك الواقعة و(الولد) راح يجيد لعبة اﻷمكنة والإتجاهات، وستتحول فيما بعد الى ذخيرة لا يستهان بها، ليبان تأثيرها في ما بعد عند التحاقه بالثورة الفلسطينية، فمنذها لم تنقصه النباهة ولا دقة الملاحظة، فهما بوصلته وهما معينه حين تتيه أو تضيق الطرق.

كان للطقس الحسيني حضورا واضحا في أعمال محي الإشيقر، ولهذا العامل أثر فاعل ومهم في رفد الحركة المسرحية في محافظته عموما وفي مركزها بشكل خاص. وإذا كان الفن العراقي قد أنجب وعلى هذا الصعيد من أسماء لامعة، فسيأتيك في مقدمتهم وعلى الفور، تلك الشمعة الخالدة في سماء المسرح العراقي وأحد روادها، الا وهو الفنان القدير وطيب الذكر والثرى، بدري حسون فريد. ثم راحت تلتحق به تباعاشخصيات أخرى لا تقل عطاءا وإبداعا، ولعل جواد اﻷسدي سيكون من أبرزهم.

عن الكاتب وإذا كان لنا من قول، فهو إبن بار ووليد طبيعي لهذه المدينة، حيث جمع بين يديه صناعة الكتابة وفن المسرح وتلك الشعائر والمشاعر الدينية والتي نَمَتْ معه وظلَّت ملازمة، مرافقة له حيث يشاء من اﻷمكنة. غير ان ما يمكن إضافته وما دمنا نستعرض المؤثرات الخارجية على سيرة صاحب الذكر، هو ذلك الميل العروبي المعتدل، الواضح عليه والمتجسد في طبيعة إنتمائه السياسي، يوم حَملَ وصحبه راية الدفاع المشروعة عن شعوب الشرق وهمومها وفي مقدمتها القضية الفلسطنية. ولا أظن انَّ في ذلك من غرابة، فكثير من اﻷسماء الثقيلة التي حملت هذه الراية وعلى مستوى الوطن بل ومنهم من عبرحدود بلاده، هم من أبناء مدينته. وقد يكون مرد ذلك هو إحساسها المبكر بتلك اﻷوجاع التي تعاني منها الشعوب المضطهدة، ولربما للتأثير الديني هنا بعض نصيب، عدا عن إطلاعها وإنفتاحها الواسع على أثنيات وأعراق متعددة، بإعتبارها مركزا دينيا ووجهة سخية العطاء، مع الحفاظ وهنا مربط الفرس وخلاصة القول على هويتها القومية، دون أن يكون ميلها هذا على حساب أو يأتي بالضد من أخوته من المكونات اﻷخرى.

وعود على بدء، فمن خلال قراءتي لرواية الصديق محي وﻷني قريب منه، سنكتشف انَّ هناك تقاربا شديدا بين شخصية سالم، والذي يُعد المحرك الرئيسي للسرد كما سبق القول، وبين كاتبه. فمن خلال سيرورة العمل سيدفعك الى القول بأنَّ سالم وعلى ما أرى، يمكن عدَه إبنا شرعيا، يقترب كثيرا من صاحب النص إن لم يتطاببق معه والى حد بعيد. فهمّه الروحاني جلي عليه، وراحته ستتجلى أكثر حين يكون على مقترب من أضرحة مدينته المقدسة، وستبقى كذلك حتى يومنا هذا. هي سلواه إذن وستعطيه دفعا ودفقا من الطمأنينة، ومن غير أن يكون مبالغا في ذلك أو ميالا لطرف أو جهة على حساب أخرى، فكما رأى في مقام محي الدين ابن عربي في شام سوريا، مزارا محببا له، فسيجد راحته أيضا في ضريح السيدة زينب أو أزهر مصر وقيروان تونس أو جامع آيا صوفيا في اسطنبول، فكل هذه اﻷماكن وشبيهاتها، ستفتح له بابا من التأمل وتبعث في نفسه السكينة.

وأن يكون الكاتب قد إستقى عمله من تجربته الشخصية فهذا لعمري شيء حسن، فاﻷعمال الروائية ستتنوع بكل تأكيد مشاربها ومصادرها وبما لا يدع مجالا للشك، وسيكون من بينها وفي مقدمتها تجربة الكاتب الشخصية وما يحيط بها من أجواء وعلاقات وبيئة. وقد تأتي أيضا من طبيعة مشاهداته وإطلاعه على تجارب اﻵخرين، مضيفا عليها نوع قراءاته وما سيستنبط منها، فكلما إتسع مخزونه المعرفي، كلما إنفتحت ورحبت أمامه أساليب التعبير وتعددت وبرشاقة وحيوية أكثر. فضلا عن ملكات الكاتب وموهبته، وكيفية توظيف رصيده لما ينوي خطّه في مدونته وهذا هو اﻷهم.

وكي لا نطيل عليكم فها نحن نستعرض سريعا بعض من أهم محطات رواية محي(كان هناك):

أسباب السفر عديدة وكُتِبَ عنها الكثير، فقد تكون دوافعها إقتصادية أو سياسية أو لأغراض أخرى متعددة، غير ان الشعب العراقي وأكاد أجزم وبالقياس الى أخوته وجيرانه، فهو اﻷقل حظا واﻷقل حماسا للتغرب، وعن ذلك قرأنا العديد من اﻷعمال اﻷدبية. وﻷنا نخوض فيما كتبه صديقنا فسنتوقف ونقتطع ما كان قد حققه من إختراق لأعماق سالم وتمكنه كذلك من قراءة ما يفكّر به في لحظة كهذه، دون أن يبوح بذلك:

أدرك بقلبه ان هذه النظرة هي اﻷخيرة، وما من فرصة لوداع أي شيئ.

بإختصار هذه الجملة ستنبؤك بعدم رغبته البتة بالسفر.

وﻷنه واثق من أحاسيسه الداخلية والتي تشير الى أنه سوف لن يعود ثانية لمدينته التي أحبها وأحبته بل تنافسا على ذلك، فراح يصفها بجملة رائعة، كثيفة التعبير وغاية في اﻷناقة:

فقد كانت منذ لحظات أشبه بمشكاةسماوية معلقة في أسفل قبة ظلام الكون.

مع التقدم بقراءة الرواية سيكشف الكاتب وبوضوح، السبب المباشر الذي يقف وراء مغادرة سالم مدينته بل وطنه:

كان سالم ولدا من نار وشقيقا للحدائق.

وفي ما بعد ستأتي جملة أخرى، تبين طبيعة التهمة التي وُجهت اليه والمتمثلة بــ :

هاجم سالم أحد المسؤولين بسكين خاص بتكريب النخل... .

هذا ما ورد في التقرير اﻷمني الذي رفعه أحد المخبرين الى سيده.

بعد أن خرج من الحدود وأطمأن أن لا عودة الى تلك الوجوه اﻷمارة بالحقد والكراهية، أراد سالم أن يستنشق هواءا عذبا،صافيا، طالبا من رفيق رحلته والذي أسماه محمداً فتح كل نوافذ الحافلة التي أقلتهم الى بلاد الشام، ثم راح قائلا:

أريد هواءاً.

فهواء مدينته ووطنه قد طالها الخراب والتراب، وما عادت أنسام دجلة الخير تأتيه بريح الصبا.

واصل سالم رحلته، وﻷنه لا زال يقلّبُ في ذاكرته تلك الليالي الخوالي، فقد فاته التنبه الى (ريمة)، هذا هو اسمها والتي وصفها بــ :

الوردة الجالسة في المقعد المجاور له.

ربما لإنشغاله بأخيه همام، فقد كان هو اﻵخر قد مرَّ من هنا قبل فترة من الزمن، ثم راح متسائلاً:

ولكن.... الى أين ...؟ هذا ما لا أعرف...

وبعجالة إستدرك وجهة أخيه،إذ إلتحق حين ذاك بأحدى فصائل المقاومة الفلسطينية.

ما إنفك الحنين يضرب بذاكرته لينقله الى هناك مرة أخرى، مستعيدا تلك اﻷمكنة، انه نوع من الوصل الذي يصعب فصمه:

سطور دقيقة لنخلات متكئات على أفق من اﻷزرق الذي في عطر أمي، ودرب نحيييييييل طافح بالنرجس والعسل. هل هو النهر النائي الفرات؟ بلى.....هو طريق الجنة المعبد بصوت أبي، وحقول القمح الناضجة في عيني الطائر المحلق... عاليا.

سالم سيلتقي أحد تلامذته، إسمه عامر، وصل حديثا بلاد الشام يوم كانت آمنة ووجهة للخلاص من قمع ذلك القابع في بغداد. هو بابلي اﻷصل والهوى والميول ويفخر بنسبه هذا، لِمَ لا، فهي منهل الحضارات وعزّها، وجنائنها لا زالت معلقة لترفل التأريخ وكتبته بما خطّه اﻷولون. غادرها مجبرا كما أخوته الآخرون من أبناء تلك البلاد، حين لم يروا من خلاص سوى إعادة ترتيب أوضاعهم وَﻷم جراحهم بعضا من الوقت، حتى تزف ساعة العودة المباركة والمظفرة.

كان هارون رجل اﻷمن ثالثهم، ومركز جذب أحايثهم، فما أن يدور الكلام عن آلة القتل الاّ ويكون حاضرا. سيستعيد عامر ذلك المشهد الذي سقطت فيه زوجة رجل اﻷمن من علٍّ على رماح مسننة بعد أن مسَّها الجنٌ، كانت بمثابة السياج الذي أرادت أن تحمي دارها وتحتمي به، ناسية إن تلك الرماح سوف ترتد عليها حين تحين الواقعة:

أعدادا غفيرة من اﻷهالي تتوجه صوب ضابط أمن المدينة المعروف بإسم هارون، هذا ليس اسمه الحقيقي فهو يستعير مجموعة من اﻷسماء.... .

صَدَقَ وأصابَ محي في قوله هذا، فإسمه بالتأكيد عبارة عن إستعارة لكل رجال البطش التي مرَّت على بلادي الحزينة والضحية، ويوم تحكَّمت بمصائر شعبي، فربما هذا الشخص قد عاش قبل مائةسنة أو خمسة قرون أو أكثر، ومارس ذات القوة والبأس مع معارضي حكمه، ومن المؤكد أن يأتي زمان، سيرتدي به ذات الـ(هارون) هذا زيا آخر وسيتستر خلف عباءة رجل دين، أو يعتمر عمامة بألوان مختلفة، أو يكون قد حنَّ الى طربوشه التركي ويحلم بعودة سلطة آل عثمان، أو سيستحضر شخصية تشبه بهجت العطية، وزير داخلية الملك المفدى ولكن بِحُلة وتسويق جديدين، دون أن يفوته إستخدام تلك التي شاعت آنذاك والمسماة بألـ(الفيصيلية) ليتذكر أيام الملك المعظم.

بالمناسبة قد يعترض أحد القراء ليقول: زمان الملك كان أرحم، ربما، ولكني تعمدت إيراد مثال كهذا، كي نعقد مقارنة خاطفة وقد تكون متأنية، بين ما فات من زمان وبين ما يحلُّ بنا هذه اﻷيام. إيه يا بلادي، الا تراهم يتنافسون ويتقافزون كالقردة لنيل ذات المنصب الذي كان يشغله هارون، ومن شدة اليأس وبلوغنا مرحلة متطورة جداً من الإنحطاط والتداعي، بتنا نخشى على بغدادنا من الموت ويبقى جلاّدها، فما نراه هو سقوط الدولة ومن قاع الى قاع وليس في اﻷفق حلاّ.

لم يطل المقام بسالم طويلا في الشام، فشدَّ أحزمته ورحاله صوب بيروت، حيث الثورة الفلسطينية وحيث رغبته ومراده. أختيرَ له هناك مكانا في إحدى قواعدها، كذلك إسما حركيا قريب الى قلبه ووجدانه (حسين). صادف أن يكون إسم مسؤوله أبو الشفيع. تقاربا وأنسجما على نحو سريع، وتصاعد بينهما منسوب الثقة، فراح كل منهما ينفتح على اﻵخر وبشكل مُطّرد ليدخلا في بعض من التفاصيل. وعن ذلك فقد بادر سالم وببضعة كلمات، أعادتني أنا، المتطفل عليهما الى ما كنت قد ذكرته في بداية المقال عن وجود صلة قوية تجمع ما بين (سالم) من جهة وبين كاتب الرواية من جهة أخرى. وعن هذا فلنستمع الى ما دار بينهما من كلام:

اني عملت في حقل التعليم لفترة من الزمن قبل التحاقي بالمقاومة.

ــ (ولكن لا يبدو عليك انك كبير في العمر.) قال

ــ (لكنني أشعر انني مسنٌ) قلت

ــ (أبدا، لو لم تخبرني... بعمرك، لقدرت أننا متقاربان في السن)

في ما بعد ستتعزز الثقة أكثر بسالم حتى بات يُكلف من قبل المكتب العائد لإحدى فصائل المقاومة الفلسطينية ببعض المهام السياسية، كصياغة التقارير التي تخص عمل الثورة، والتي لا تخلو من جهد فكري وسعة إطلاع.

شبح رجل اﻷمن والمتمثل بهارون ظلَّ يلاحق سالم حتى في منامه على الرغم من بعاده عن وطنه، ولكن هذه المرة سيحضر بطريقة مختلفة تماما، حيث أوقفه أمامه كما المتهم، باحثا عن مصير شقيقه:

أريد معرفة أي شيء عن مصير همام....

علما أن شقيق سالم هذا، كان قد خضع لعملية تعذيب بشعة ولكنه بقي صامدا، بسبب من تكليفه:

بإغتيال أحد المسؤولين الكبار... بعد أن زُودَ بمعلومات كافية عن هذا المسؤول .... .

بعد أن يفيق من حلمه هذا سيعود سالم ليتذكر بيته الذي هناك، في مدينته المقدسة. ومما لفت إنتباهه هو أنَّ أخاه الذي يكبره لم يكن من بين مودّعيه، إذ كان وقتها منشغلا في أمرٍ ما، كما قيل له، ولعل أهل البيت تعمَّدوا عدم إخباره فما يربطهما من ود لعصي عليهما تقبل فكرة افتراقهما، فهما بمثابة الإبن وأبيه. وعن ذلك ستأتيه اﻷخبار عن مدى الجرح الذي أحدثه ﻷخيه بسبب غيابه هذا.

ومع المضي في قراءة الرواية، سينقلك محي الى جو آخر من السرد، لكنه سوف لن يفقد الترابط والتسلسل المنطقي للعمل. ففي إحدى صفحات الكتاب وبشكل ما سيشير للقارئ عما يمكن تسميته بإحدى الساحات التي تقف عندها الحافلات القادمة من الشام، ليتحول هذا المكان مع مرور الوقت الى ملتقى يضم بين جنباته غرباء بيروت ولبنان بشكل عام، تراهم على درجة عالية من التوتر والقلق، منتظرين زائرا جديدا أو كل مَنْ سيأتيهم بخبر ما، يفتح لهم بابا من اﻷمل. من بعيد سيلوح لهم شخصا ما، بدأت معالمه تتضح شيئا فشيئا:

كان ذلك رجلاً عالياً بعينين واسعتين وجبين مقطب يعتمر اليشماغ والعقال....، سقطت عباءته الحنية اللون عن كتفه، بحركة ما أعاد عباءته الى كتفيه وهو يشعل لفافته وينفث الدخان من فمه وأنفه، متقدما بصمت أب من طراز صديق.

يبدو أن الزائر يدخل بيروت أول مرة، هذا ما يشكل من إنطباع لكل مَنْ يراه. فطرق الوصول الى مايريد، ضاعت وتشابكت ولا يدري من أين يبدأ؟ كيف سيستدل على شقيقه؟ فمهمة العثور عليه في هذه المدينة المتباعدة والمترامية اﻷطراف، بدت صعبة عليه إن لم تكن مستحيلة، غير انه بقي مصرا على تحقيق ما جاء من أجله. المساء بدأ يزحف والمارة أخذت أعدادهم بالتناقص ولكنه لم يفقد اﻷمل، فها هو يلتقي بشخصين ممن سيفتحا له باب الرجاء، وحسن المصادفة هذه المرة قادته الى مبتغاه وليبادر أحدهم وبلهجته الخاصة والمفهومة في آن:

ــ: (بتسأل عن حد)؟

ردَّ عليهما بسرعة المستغيث وبلكنة فراتية، عذبة:

ــ: (أنشد عن أخي سالم.)

ﻷن في وجهيهما بعض حيرة، راح مكملاً سؤاله، بفخر واعتزاز، ربما أراد من وراء إيضاحه هذا أن يكسب تعاطفاً معه:

ــ: (هو مقاتل، فدائي في إحدى الجبهات ...)

لم يتأخرا كثيرا، حيث استجابا له وأعاناه على مبتغاه. فبعد أن أجريا بعض الإتصالات الهاتفية الخاصة، أبلغوا سالما بوصول زائر مهم الى بيروت ويقو بالبحث عنه، فما كان منه الاّ الإستجابة السريعة، فلعله قادم من هناك:

ــ : (أوقف سيارته بمحاذاة أحد محلات الفليبرز بهدوء. اشترى علبة دخان.. مرَّت بخاطره صورة أخيه الكبير، لكنه استبعدها. حتى إذا كان أخوه القادم، فكيف… ومن الذي أوصله؟)

لم تخطئ عيناه، ليصرخ سالم من بعيد بعد أن تيقن من ناظريه:

ــ: (شِفْتكْ .. شوصلك..؟)

التقيا، تعانقا بحرارة، شدّا إنتباه المارة وتوقفت بسبب هذا المشهد حركتهم. انها لصورة مؤلمة جدا، علَّقَ أحدهم. في هذه اﻷثناء بدأت حمم النيران العبرية تتساقط على رؤوسهم لذا:

ــ: (تلَّ سالم أخاه من ذراعه ليضعه على كتفه أو بين ذراعيه وربما أسفل قلبه.. في مدار من الركض بل الطيران.. رامحا به صوب أي مكان آمن … ومن هناك بإتجاه دمشق)

توادعا على عجل، خشية عودة الطائرات العدوة ثانية. لم يعد سالم الى وحدته أو لنقل مكان عمله، والتقارير التي كان يشتغل عليها تركها مفتوحة على أمل إستكمالها حين عودته. علامات القلق على محيا أبو الشفيع باتت جلية، رغم محاولته التغطية على ذلك من خلال تظاهره بقراءة أمر ما. على نحو مفاجئ:

رنَّ جهاز الهاتف في المكتب، فإنقطع أبو الشفيع عن القراءة، ليرد على المتحدث

ــ: (نعم

ــ: (هل هذا مكتب..

ــ: (نعم..

ــ: (أنا

ــ: (نعم

ــ: (هنا، منذ البارحة كان يرقد..

ــ: (نعم

ــ: (وكان يحمل بطاقة صادرة عنكم تحمل اسم همام حمزة..

ــ: (نعم

ــ: (مات منذ ساعة.

هذا يعني ان همام هوسالم والعكس صحيح. في كل اﻷحوال فقد إنتهت رحلته وهو بعيد عن وطنه. وسيجري التأكد فيما بعد من أنه كان قد تعرض الى حادث صعب الشفاء، إثر سقوطه من سلم البيت الذي كان قد لجأ اليه مؤقتا، ولم تفد معه كل المحاولات التي بذلتها تلك العائلة التي سكن عندها من أجل إنقاذه.

ــ: (فألرضوض والكدمات والكسور قد لحقت برأسه وأضلاعه بكل وضوح).

 

حاتم جعفر

السويد ـــ مالمو

 

ظاهر حبيب الكلابيتتشكل الصورة الشعرية عند الشاعرة ياسمينة حسيبي من خلال بناء الأستعارة المتقنة والمجاز القائم على صنعة اللغة المدهشة والعلائق الموحية التي تمكن النص الشعري من فعلية التواصل

والتأثير مع المتلقي فكثيرا ماتميل الشاعرة في نصوصها في التعويل على الأستعارة المخاتلة

والمجاز الذي لايغادر الحقيقة بل تكون الحقيقة متماهية في صورة المجاز وأنزياحاته الدالة التي لايمكن الغور في تفاصيلها وتموجاتها الدلالية الا عبر وجود مستويات متخيلة من البديهيات والنمطيات والفرضيات التي تعوٌل الشاعرة عليها بأعتبارها المتكأ والمشترك الإدراكي بينها كونها صانعة جمال ونص ابداعي وبين المتلقي الذي إعتاد عند قراءة نصوص الشاعرة ياسمينة حسيبي على الوقوف عند نسق لغوي مجازي ينطلق من سلطة الأنا الشاعرة متقنة النص في انزياحاته

وفي تجاذبات الجدل القائم بين طرفي كونية النص في جمال البوح بين الحقيقة والمجاز عبر لغة ضمير المتكلم حيث كانت السيادة في أغلب نصوص الشاعرة عبر ضمير المتكلم بأعتباره ضميرا ساردا كلي العلم

في نصوصها الشعرية ومنها هذا النص لكون التعويل على هذا الضمير يشير الى هيمنة الرؤية الذاتيةومدى قدرة الشاعرة بل حاجتها الضاجة بالصراخ ومن قدرتها على الكشف والبوح والتغيير لأنها متأكدة من صدقية

رؤيتها ورجاحة يقينياتها الروحية والمعرفية فهي لاتقترب بلغتها الشعرية من اليومي الساكن الذي يفترضه نسق التقرير والمباشرة فمن خلال عتبة العنوان القصيدة ..فساتين الروح ..الذي يشي ان الشاعرة صنعت قوالب جاهزة لمفردات الكون الوجودية والمتخيلة ولكن هل من السهل والمتيسر للشاعرة ان تقولب الروح وهي من أمر ربي وسر مطوي عن الخلق ومع ان الملفوظ الأول هو فساتين والأنثى كثيرا ماتنشغل بمظهرها الخارجي وفساتينها بألوانها الزاهية وتصاميمها الرائعة وهي فساتين للجسد فما يكون شغلها الشاغل لو كانت تلك الفساتين للروح وقد غابت عن إدراكنا ماهية هذه الروح فكيف تمكنت الشاعرة من صياغة فستانا يليق

بالروح وهي مستغرقة في ضبابيتها وتمردها تقول الشاعرة.......

سافرة القلب لما أزل أتزين بدمي

فالشاعرة أدمنت في صنعة المجاز المتقن الذي تتكأ عليه في إلباس ملفوظاتها علاقات جديدة تتسم

بالأشراق والأضاءة والدهشة فبعد ان عرجت في متخيلها الشعري من فساتين الروح الى أنها كاشفة النقاب عن جوهرها وسافرة القلب لما تزل تتزين بدمها حيث القلب مضخة الدم في الجسد النامي وان زينتها تكتمل بحركة الدم ونبض الوجود ودفق الحياة فالقلب بديمومة دفقه ونبضه يموج الجسد بالحركة والحياة والدفق فالشاعرة تتشاغل بالحركة الداخلية وجمالياتها حيث عملت على إظهار الباطن الجواني في اشتغالات الجسد وهي تعمل بسلطة الروح وليس للكائن من سلطة على مافي أحشاء جسده

وماعلينا الا ان نتزين مع الشاعرة

بجوانيات حياتنا الدافقةبالحركة والنماء لتنتقل صور المجاز الى المقطع الآخر لترسم بقولها صورة ..كعروس القش تزفني دخنة الحريق ..

فذا جسدي قيد شرط يكبلني ..

حيث تواصل الشاعرة سردياتها الشعرية وعبر ضمير المتكلم الذي يسرد لنا تحولات الذات الراصدة لعوالمها الباطنية والظاهرية فهي اليوم كعروس تمنحها دخنة الحرائق غواية الجسد الذي تعاني منه قيدا

للسلب يمنعها من الخروج للأتحاد بالروح ...

وذي أضلعي لاتستقيم الا في الميل .. ولو صح أمري

لأمسكت بيد الجمر في محاريب الرهبان ....

وتلمست صوت امي في رجفة الشفاه....

ولكن هيهات وقد تصدع زجاج الروح ... .

تعاود الشاعرة ارتياد جماليات

الأستعارة بمجازاتها في مشاكسة الجسد ومراودة تمايلاته في صورة الأضلاع المائلة حيث تتمنى الشاعرة ان تثنى لها الوسادة لتخرج ثائرة على هشاشة الواقع وبلادة اليومي وتحديها اي الشاعرة في كسر قوالب الجمود وان دفعت الى مسك الجمر في محاريب الرهبان ودخناتهم الروحية

وتمكنت بسطوتها الروحية من

إستعادةصور الماضي ومنحه

طاقة الكشف في تلمس صوت الأم عبر محاريب الشفاه ولكنها رغبات تصدعت بتصدع زجاج الروح حيث تعاود الشاعرة تشييء الروح وتجسيمها وقولبتها لتتمكن من تصويرها وإلباسها فساتين البوح أو جعلها مرايا للكشف تتصدع قواريرها

بفعل الألم والجدب والخواء بفعل الجدب الزاحف من صناع الفشل والعقم في أركان المعمورة ثم تقول الشاعرة........

وغدا القلب أبكماً منعقد اللسان

وقالوا.. خيامه الهوى .

قلت أكدس فاخر الوهم في جيوبي ....

وأتغسل نحوب الشعر لأغرق من أحداقي ...

وبما يكفي من الصبر

أتلبسني جلدا وجلدا

وأتوسع ملء رئتي في السعال.

تعاود الشاعرة تجلياتها الباطنية

فضمير المتكلم هو الذي تكفل شجون الحكاية الشعرية بوصف مسهب وتدرج يتقمص محنة الروح والجسد فترصد القلب أبكماً قد انعقد لسانه وحيثما يعقد لسان القلب يعقد لسان الحياة عن التعبير بالنبض والجمال والأنتماء فالقلب له دلالة الوجود والديمومة وللشاعرة وخيالها الشعري نصيب

في رصد ذلك الشحوب والجدب في الجسد واليابسة التي تشكل بصمة الوطن والأنتماء عبر مجازاتها الشعرية وأنزياحاتها التي تتشرنق حول محورين الروح المتصدعة في الجسد

والوطن المباع في مزادات المصالح والمفاسد فالوطن هو الجسد في محنة الفقد والوطن هو الذكرى في محنة الغربة والمتاهة والجسد هو السجن الصغير للروح المكتنز بالسعال والغثيان حيث تعود الشاعرة الى حوارية مع الآخر عبر دوال

قالوا...وقلت عبر حوارية لأجل إضفاء حركية مشهدية تتماهى لأشراك من هم هناك في لعبة الكشف والتفسير .

قالوا خيامه الهوى ..في نعت القلب والشاعرة تجيب بقناعة

المستبصر العارف الذي سبر حقائق الوجود بقولها ...

أكدس فاخر الوهم في جيوبي .

فحين يكون القلب معقود اللسان

بسبب القرف والخواء فأنه لايمنح تجليات البوح الجمالي فهو عند الشاعرة محطة لتجميع

الأوهام وتصٌيد الفراغ والتعويل

على غرف الآلم والمواجع من جمر المدامع وتغتسل نحوب الشعر وان الشاعرة تلبست مايكفيها من الصبر الذي غلف الروح جلدا وجلدا فكان الصبر

الفساتين المفروضة بألوانه الداكنة بالسعال والغثيان الذي طاف على رئتيها زفرات توجع ومرارة وأسىً لتواصل زحف توجعاتها

المحكية بوهج الشعر وكثافة الدلالة المتخمة بالرؤية الشعرية

عبر دلالات الصور العابرة للواقع

يقول باشلار . .الخيال ليس ملكة تشكيل صور الواقع انما هو ملكة تشكيل الصور التي تتجاوز الواقع التي تغير الواقع .انه ملكة

تتجاوز وتفوق الطبيعة الأنسانية.

حيث عملت الشاعرة على اعادة

انتاج تلك الصور بتجديدها وإملاكها صيرورة تتجاوز مفاهيمها الواقعية وتمتلك قدرة جديدة في التأثير وتخليق الدهشة .

ان سعال الشاعرة في تجاويف الألم يكفي لفطامها وعزلتها وان العشق الحقيقي والأنتماء الحقيقي في تشبيه محازي كحليب الأم فمن ثدييها ..الأم...الحقيقة النقاء.

فهي تذرر الضوء في عيوب الكون تظهير . الكون هش كالحلوى . . ورخو كنسج العنكبوت ...حتى المرايا المتلونة

 فخاخ عين للوجوه ..وبين الحسك والحرير ..تدلى صوت الضمير من مشنقة ..فقالوا ثورة تحللت جثتها قبل الدفن ... ووطن تساقط من ثقوب الجيوب ..ومازلت وقد بلغت مني عتيا .. أطوف حول كعبة الجسد ..عارية النبض .. أستدفيء على جمرة القلب..

أتعلم كيف أخيط من ساف الريح خياما للآجئين .

من السطور المقتبسة من نص الشاعرة تتجلى حالات الأنزياح عبر مسارب المجاز وإشتغال دلالات الصور الجديدة التي ألبستها الشاعرة بمهارة مسمياتها

عبر نسق الكشف والتعريف فالكون هش كالحلوى ورخو كنسج العنكبوت الصورتان متطابقتان بالدلالة الجوانية والبرانية بالضعف والخواء فالصور اختزلتها الشاعرة من إنعكاسات الهشاشة على الفرد وعلى الشاعرة الذي لم يشغلها شاغل سوى السؤال الوجودي الذي يؤرق الشاعرة وجودا ومصيرا من خلال كتاباتها الشعرية فهي لاتدعو لمصالحة

جوفاء مع تداعيات السؤال الوجودي بقدر مشاركتها الوجدانية في الكشف والتغيير لمواجهة زحف الفراغ وإنعقاد القلوب عن الحب والرغبة والأنتماء اذ أضحى هذا الوجود

بمراياه المتلونة بتلون الرغبات والمصالح الى فخاخ للضياع والمتاهة والقطيعة حيث تطيح بالوجوه في فخاخ المجهول ويبقى صوت الشاعرة الراصد للزيف يترنح بين مرارة هذا الواقع ونعومة جلده كجلد الأفعى وشفيف الحرير فأنساب صوت الضمير يجتاز قنطرة المشانق كدلالة للصمت وخنق الحرية ولكن الشاعرة متصالحة

مع ذاتها متوافقة مع يقينياتها الجديدة وقد تمثلت المصالحة على تلمسها دلالات الخواء والجدب والسؤال عن الموت حينما يكون شاهدا بوصفه تجليا

ملموسا لصور الخواء والعقم في

كينونة الكون وإندفع هذا الخواء نحو الكائن

لينكشف عبرضمير الشاعرة العليم بخفايا الأمور بقولها... ثورة تحللت جثتها قبل الدفن فهي رحلة الشاعرة في بحثها عن وطنها الذي تساقط من ثقوب الجيوب وهي صورة مؤلمة حينما يودع الوطن ويختزل كمصالح ومغانم تحصدها جيوب الفساد والمصالح الضيقة .ولكن الشاعرة تواصل تحديها ورحلتها وطوافها عبر كعبة الجسد عارية النبض ولكنها تستمدالحياة والدفء من وهج القلب وجمرة العشق للحياة والوطن والأنسان

فهي تعلمت كيف تراود الخوف

وأن تدفع بالموت الى مثواه الأخير تشتاق لوجودها المكتنز بالدفء والحركة والنبض المفجر لطاقات البقاء والنقاء في غربتها وعزلتها . تظهير . وأشتاق ليدي قبل إقترافها للتلويح . .وأشتاق لأنا التي كنت قبلي .. قبل ان تنصب الثورة شباكها لأحلامي ..

وقبل ان يبيع الوطن وقاره في المزاد .. أشتاق لأنا المأخوذة بجذوة النار تحت الثلوج .

ان تأمل المقاطع السابقة للنص الشعري يشير الى إشكاليتين أساسيتين أسهمتا بشكل واخر في تحولات الرؤية القاتمة عند الشاعرة ياسمينة حسيبي أولهما الشوق والعودة للماضي والتمسك بماضي الأنا قبل الفجيعة ووقوع الزيف وحصول الخديعة بالتلويح للفاسد و قبل الوقوع في مخالب الحيتان الجائعة للثراء والترف والخواء

 وثانيهما العودة والحنين لخلاص الوطن من المتاهة وقبضة الزيف اليومي ومتاهات المصالح وتفصيل الأوطان على مقاسات المصالح والسياسة والجيوب الخالية من حب الوطن والولاء للأنسان والقضية

فمع الشاعرة بأحلامها الشرعية او لنقل أحلام يقظتها قبل المتاهة والضياع فمع حلم اليقظة تصبح العلاقة بين الشاعر وعالمة علاقة أئتلاف وتمهي حيث تنصهر الشاعرة بأحلامها وعالمها ووطنها في بوتقة واحدة ويصير كل منهما مرآة لتجليات الآخر كما يؤكد باشلار نقلا عن كتاب جماليات الصورة د غادة الامام ... بقوله ان الصور الشعرية ترتبط بأفق أحلام اليقظة المادية التي تسبق التأمل . وفي مقطع جديد تواصل الشاعرة إستعارات الأدانة

لواقع القرف والزيف حيث تلوح للقاريء عبر سيناريو صوري متخم بالمأساة والفجيعة .تظهير

عن سبات يستحي أهل الكهف

عن إياد أدمنت غدر التصفيق

وعن ضوء تعفن من رطوبة المكان ... أقف خلف مضارب دمي لأخيط جرحا بجرح

أهرقني في العمر وأضع التعب شالا على أكتافي ..

واينما وليت وجهي تلفحني جروحي... أمشي على مجرى دمي لا أهتدي لا أصلني لا أصلني .. وفساتين الروح احترقت كلها في الأنتظار ..  .

عبر مرثية التوجع ورثاء الروح والجسد حيث تعمل الصورة بأتصالها االفني والجمالي على الغور الى المعنى الخفي والمتجلي عبر مراثي الروح والوطن والأتصال الحالم للشاعرة بصنعة الخيال لكي تنفذ

بحلم يقظتها الى باطن الصورة لدرء الفجيعة وخياطة الجراح بالجراح فهي تسرد حكاية اهراقها وجودا وكينونة في مخالب العمر والحياة القاسية لتصنع من المتاعب شالاً للرفعة والسمو للمكابرة وان لفحتها نيران الجراح ستمضي بعزيمتها على دروب دمها المراق لعلها تصل أولا تصل تهتدي أولاتهتدي فالأمر سيان عند الشاعرة بعد حلول غاشية الألم وسعير الجراحات بالأسى والمرارة لأن فساتين الروح احترقت من سعير وهجير الإنتظار الذي لم يشكل مروره خلاصا ولادوامه ملاذا من الفقد والألم والحرمان.

 

الناقد ظاهر حبيب الكلابي

 

جمعة عبد اللهيعتبر القاص والروائي (أحمد خلف) من الاسماء المرموقة في الابداع السردي العراقي. ولا يمكن لاي ناقد منصف وموضوعي، أن يستقرئ ملامح تطور الرواية العراقية. دون ان يعرج على الانجاز الابداعي لهذا المبدع الكبير، في ترسيخ ملامح الرواية العراقية المتطورة، في الاسلوب والتقنية الحديثة لمنجزه الروائي، الذي احتضن هموم الحياة والانسان، في طار جمالية سردية متكاملة في منصاتها، وفي فضائية وافاق تداعيات الزمكان. ورواية (الحلم العظيم). تدخل في هذا الاطار العريض المتمدد في المتن الروائي. في تسليط الضوء الكاشف على مرحلة من حياة العراق السياسية والثقافية. مرحلة الجيل الستيني، في كل ميادن الحياة ومحطاتها. في الثقافة والفكر والسياسة وصراعاتها الدائر آنذاك. ولا يغيب عنها (الدين والجنس). تناولت عمق الازمات الناشبة في عدة ميادين حيوية في الوقع المعاشي، في اشكالها الخاصة والعامة. وفق معايير تلك المرحلة الستينية. في اشكال الاحتدام والصراع والتنافس السياسي والثقافي والفكري، بتوثيق راقٍ ومتمكن. وفي جانبها الحيوي ايضاً. من النكسات والازمات، واحتدام المعارك في الصراع السياسي، الذي انخرط الى العنف المفرط في الخارطة السياسية العراقية الساخنة. وايضاً تكشف ملامح السيرة الذاتية والحياتية لبطل الرواية (عبدالله) الذي يشاطر في الملامح الكثيرة من سيرة الكاتب نفسه. اي انها تملك البوح الحياتي، لتحولات حياة الكاتب (أحمد خلف) ولكن ليس بالصيغة الاستنساخ طبق الاصل، ولكن ببراع المتخيل الذهني والسردي الفني. رغم انها تؤشر في ملامح كثيرة الى الكاتب نفسه، في حياته، البدايات انخراطه في قراءة الكتب والروايات. في مواقفه السياسية والفكرية والثقافية، وسلوكه ازاء الصراعات السياسية والحزبية الدائرة، والتمسك بنهج (اللامنتمي). حتى حد اصحابه المقربين له مازحه مرة في التمسك باللامنتمي بقوله (والحقيقة أنت خليط غير متجانس من افكار شتى) ص22. لكنه ارتبط بصدقات حميمية مع المثقفين الشيوعيين، في صلات وثيقة ويشاركهم في همومهم السياسية والفكرية ويقدم لهم المساعدات، التي قد تقوده الى السجن والتعذيب، مثل الاحتفاظ بحقيبة التي تحمل الاسلحة، أثناء ملاحقات ومطاردات ضد الشيوعيين آنذاك. ورواية (الحلم العظيم) تناولت في استلهام موضوعي الفترة الستينية بكل ميادينها. والاخص الصراع السياسي والفكري والايديولوجي. الصراع الحزبي بين الاحزاب في استخدام العنف المفرط. التعارض بين الايديولوجية والتطبيق السياسي، لدى الحزب الشيوعي، والتي ادت في تفاقمها الى الانشقاق داخل صفوف الحزب الشيوعي. بين جماعة اللجنة المركزية، وجماعة القيادة المركزية. وتعرضت الرواية في اسهاب الى مسألة تجربة الكفاح المسلح في الاهوار، بالحلم الثوري العظيم. وكذلك الى فشلها بحكم عوامل عديدة تحكمت فيها، واصبحت اكبر من تجربة الكفاح المسلح نفسها. وتوقف النص الروائي. في اجلاء عصب فشل التجربة في الانتفاضة المسلحة في الاهوار. وكذلك تعرضت الرواية الى الجوانب الخاصة والذاتية. في مسألة الحب والجنس والتشتت بينهما. اعتمدت الرواية على منصات سردية متعددة الجوانب والاساليب التعبيرية. منها اسلوب التداعي الحر. اسلوب (ميتا سردية) او ما وراء النص الروائي. ومحركات الاحداث الجارية في المتن الروائي. وكذلك في تجلي في تداعيات عنوانها البراق (الحلم العظيم). يأخذنا بكل براعة في مسار السرد الروائي، بتحولاته وتنقلاته. أي اننا بصد بطل الرواية (عبدالله) شخصية ديناميكية متحركة ومتطورة، في تحولاتها نحو الايجاب، او نحو السلب. ورغم ان ضمير المتكلم يتحكم في لغة السرد، لكنه اشرك الضمائر الاخرى. لذلك لا يمكن ان نطلق على السردي الروائي منولوج (الصوت الواحد). وكذلك استخدام وتوظيف تناصات في حكايات شهرزاد في حكايات الف ليلة وليلة. وخاصة التناص في حكاية (حمال بغداد) الصبي التي وقفت عليه أمرأة بالغة الحسن والجمال والملبس، واخذته الى بيتها وادخلته مضجعها في غرفة النوم لتمارس معه الحب والمضاجعة، وهو في دهشة الابهار في الهوى والهيام. وكذلك نفس الابهار الذي عاشه الصبي (عبدالله) وهو يمارس الجنس مع الزوجة الخائنة لاول مرة في حياته، ويسير بعد ذلك في الحب اللاشرعي. لكن يقوده الى الازمة الخانقة، الى ارتكاب جريمة قتل بحق الزوج المغدور بالزوجة الخائنة، التي تكره وتنفر من زوجها ومن شخيره في النوم. وتظل هي محرومة من الحب والمضاجعة الزوجية،. لذلك يضعنا الكاتب في جريمة القتل، أمام (راسكولنكوف) بطل رواية الجريمة والعقاب، ولكن بشكل جديد ورؤية مختلفة تماماً. وكذلك في الدوافع في عملية القتل. كل هذه الاحداث في النص الروائي، تشير الى تعمق الازمة بين كل الاطراف. في ازمة في الحلم العظيم، الذي تحول الى معاناة ومأساة شخصية ل (عبدالله) او المؤلف القصص. كذلك الى ازمة في فشل اسطورة الكفاح المسلح في الاهوار، التي انتهت في سجن الحلة، فشل الاحزاب في صراعها السياسي الذي تحول الى ازمة. من انشقاق الحزب الشيوعي، الى السقوط السياسي العام في المناخ السياسي. لذلك تحول الحلم العظيم لكل هذه الاطراف في الرواية. الى كابوس عظيم في الانكسار والانهزام.

أحداث المتن الروائي:

فتى يعيش في عائلة فقيرة وفي منطقة شعبية. مدينة (الحرية). حين يغزوها الشتاء تتحول الى مأساة. تغرق عند اول زخة مطر، وتبرز البرك واوحال والطين، بفيضان المياه. شبايبك بيوتها مطلة مباشرة على الشارع، بحيث المار يسمع همسات وخربشات الزوج والزوجة في غرفة النوم. لذا داهم هذا (الفتى) هوس التلصص وسماع الهمسات الجنسية في حجرة النوم في الظلام. وتجذبه في الاغراء في سماعها وقت الظلام. في الاغراء والغواية. ويأخذه خياله الاغرائي الى حكايات شهرزاد في الف ليلة وليلة، الى حكاية حمال بغداد، الذي جذبته من السوق، إمرأة بارعة الحسن والجمال والملبس، واخذته الى بيتها، وادخلته غرفة النوم، ومارست مع الحب والمضاجعة وهو في حالة دهشة وابهار لاول مرة يمارس الجنس في حياته. لذلك جلبت انتباهه زوجة مليئة بالاغراء والغواية وانجذب اليها، وادخلته فراش الحب والمضاجعة الاولى في حياته، في ملمسها الناعم وجمال بشرتها. وهو يشم عطرها بذهول. وقد وجدت فيه الاغراء الذي يعوضها من الحرمان من الزوج الذي تكرهه وتنفر منه، وتنزعج من شخير نومه وغيابه الطويل عن البيت. لذلك وجدت بالفتى الشيء المفقود في الحياة الزوجية. لذلك قالت له (هل تعرف أن لك رائحة رجل في الثلاثين، مع أنك مازلت فتىً، لايجوز لي العبث معك، أياك ان تخبر أمك بما يجري بيننا) ص21. ويندفع بشراهة ونهم الى قراءة الكتب والروايات العربية والاجنبية، بالطموح الكبير، او بالحلم العظيم ان يصبح كاتباً ومولفاً للقصص ينشر في المجلات الكبيرة والمشهورة. وزاد اندفاعه اكثر الى الهم الثقافي والادبي، بالدعم الكبير الذي يقدمه له، مدرس اللغة العربية الجديد، صاحب قصيدة (الريل وحمد) وهي اشارة الى الشاعر (مظفر النواب) الذي ساهم في فتح قريحته موهبته الاديبة على القراءة وتأليف القصص، ان يصبح مؤلف قصص. يبدأ مشواره الطويل في خوض غمار الثقافة والادب. ويساهم في الحركة الثقافية ونقاشها الدائر. ويرتبط بعلاقة وطيدة مع اصدقائه الشيوعيين. ولكن لم ينخرط في صفوف حزبهم، بل ظل متمسكاً في نهج اللامنتمي. حتى شقيقه العسكري يلاحظ الولع بنهم قراءة الكتب. وحذره من أنه سيكون عبداً للكتب وتسلبه رجولته وتجعله رقيقاً كالنساء. ويعمق علاقته الجنسية مع الزوجة الخائنة (عفيفة) ليستغل غياب زوجها المخدوع طوال النهار، وينسل الى مخدع الزوجية للمضاجعة على فراش الزوجية. بغواية واغراء منها. حتى بدأت الشكوك تنتاب زوجها بأنها تخونه مع فتى المحلة (عبدالله). لذلك يصرح لها بأنه يكرهه ويحقد عليه، لانها تخونه وتمارس الجنس معه، وانه يرافق المدرس الشاعر الشيوعي، ويتوعده بعمل انتقامي. وتغضب من تهديده (- كيف تجرؤ على هذا الكلام. يا سافل ؟

- طيب. أقسمي لي أنكِ لاتخونينني معه

- أقسم أنك اكبر قواد في الدنيا كلها) ص67.

كانت الفترة الستينات آنذاك احتدم فيها الصراع السياسي بين الاحزاب. وكان يتابع عن كثب، الخلاف الدائر في الوسط السياسي والثقافي. وهومصاب بمرض التشتت بين حبه العفيف لفتاة الجيران (شيماء) التي تبادله نفس الهوى والغرام والعشق، لكن هذا العشق يدوسه وينزلق الى احضان الزوجة الخائنة، التي تغريه بالجنس والمضاجعة. حتى اهمل حبه وداس على قلبه. ولكن ينشغل الى حالة البلاد التي تتجه الى الصراع السياسي بالعنف المفرط. في مناخ سياسي ملبد بغيوم الكراهية والانتقام ضد الحزب الشيوعي، وقد بدأت حملة المطاردات والملاحقات، وفتحت السجون والمعتقلات. في جميع اماكن التجمعات. المدارس. الكليات. المراكز والنوادي الثقافية، والطرقات والازقة، لذا تجد في كل شارع يحرسه شرطي او رجل الامن. في الاعتقالات العشوائية. وساد الركود السياسي لتفادي الاعتقال والسجن. وبدأ الخوف والقلق يلف الحياة العامة. حتى في احدى المرات اوقفه رجل الامن، وسحب مسدسه ويوجهه الى صدره. وهو يزمجر في وجهه غاضباً (- أيها الحقير. لقد حيرتنا. من تكون بحق الجحيم. هل أنت شيوعي ؟ قومي ؟ بعثي ؟ خرائي ؟ منْ تكون وماذا تريد بالضبط ؟ ثم ما هذه الحرية التي تتمتع بها في التنقل من بيت الى بيت، لا يشبه احدهما الاخر، ولا أية علاقة بينهما) ص156.

واراد ان يتخلص من المأزق الذي وقع فيه، بالتذكير بأن شقيقه العسكري من جماعتهم. لذلك تشبث به رجل الامن بذراعه وقال (ألا يعلم ابوك، بأنك ترافق شيوعيين زنادقة ؟) ص157.

وتتعمق الازمة في البلاد الخانقة، التي أثرت على أنشقاق الحزب الشيوعي الى نصفين. جماعة اللجنة المركزية. وجماعة القيادة المركزية. وبعدها تواردت الاخبار حول طلائع الكفاح المسلح في الاهوار،ظهرت بعملياتها الى الوجود على الواقع الفعلي بقيادة الثائر (خالد أحمد زكي) الذي ترك لندن، ليقود حركة الكفاح المسلح في الاهوار بالحلم الثوري العظيم، في سرقة السلطة والحكم من القوى الرجعية الحاكمة. في خوض تجربة الكفاح المسلح مستلهماً تجربة الكفاح المسلح في امريكا اللاتينية وفيتنام. وبدأ المناخ السياسي العالم يتابع اخبار الانتفاضة المسلحة. لكنها ايضاً اثارت الخلافات داخل معسكر اليسار التي طفحت على السطح. بين مناصر ومعارض. حتى بدأت حركة الكفاح المسلح غير منسجة وغير قادرة على التكيف في وضعها الجديد، في التعامل مع معطيات الواقع، وفق معطيات مدروسة،. لذلك وقعت في ازمة الخلاف الحاد. حتى مع الناس الذين يدافعون من اجلهم ويضحون في سبيلهم (خدعنا الفلاحون وغدروا بنا. نحن ضحايا خيانة أكبر من حركتنا) ص300.

لذلك بدأ الفرق الشاسع بين الايديولوجية والتطبيق السياسي، بعدم التعامل الصحيح مع الواقع واستلهام دروسه والتكييف مع رؤية الواقع، دون أوهام. بالذين يطالبون بأقامة دولة العمال والفلاحين. وهم غير منسجمين مع قاعدتهم الشعبية والطبقية. مثلاً : احد الثوريين الذين عنده استعداد ان يضحي بحياته في سبيل الطبقة العاملة. حين خروجه من السجن بعد سبع سنوات، صدفة تشاجر مع احد عمال البناء، ليصرخ في وجهه (_ لقد امضيت سبع سنوات سجيناً من أجل امثالك، ودفاعاً عن طبقتك العاملة، وها انت تجعلني أشعر بالندم على تلك السنوات، فما كان من العامل إلا انفجر بوجه الرفيق، حيث قال له : أي مجنون نصحك بالدفاع عني ؟) ص233. واستعدت الحكومة وجهزت حملتها العسكرية في القضاء على الحركة المسلحة في اهور الناصرية جنوب العراق. وبذلك انتهى الحلم الثوري العظيم، بقتل قائدها (خالد احمد زكي) وبفشل نتيجة الصراعات المصلحية والنفعية الضيقة. وفشلت وانتهى بها الطاف في سجن الحلة.

شعر مؤلف القصص (عبدالله) من التشتت الحياتي وضياع حبه العفيف مع (شيماء) بمرارة وحزن، واعترف لها بالفشل في الحب (أنتِ ضحية مجتمع ملي ء بالشكوك والارتياب، بل والخيبة من الاخرين) ص228. فردت عليه سبب هجرانه وعدم حفظ علاقة الحب. (- هل ارتكبت خطأً ؟ اتراني تصرفت بما يدفعك لهجراني ؟

- ليس الذنب ذنبك، هنا، في القلب الذي لا يحسن الوفاء) ص228.

ويأخذه الاغراء المتزايد والمتصاعد من الزوجة الخائنة، بتحريضها المتواصل بقتل زوجها. حتى تتفرغ لحبها له، وطمعاً بالمال زوجها المخفي في مكان ما في البيت. لانها لم تعد تطيق رؤيته، وفي احد الايام دفعته الى خنق زوجها وهو في شخير النوم، وبالفعل فعل ذلك بخنقه، لكن الزوج استطاع ان يطرحه على الارض ويخنقه بكلتها يديه الثقيلتين، لكنه تلقى ضربة مميتة على رأسه سقط جثة هامدة تسبح في بركة من الدماء. تيقن ان حياته انتهت الى الفشل الذريع. وان حلمه العظيم انتهى الى المأساة والازمة. ودفنوا الجثة في حفرة في حديقة الدار، وفتشوا عن المال المخفي في البيت، فلم يعثروا عليه. وانتابه القلق والخوف من اكتشاف الجريمة والفضيحة. وقد اطلق زفرة يأسة بالخيبة في حياته، بأنه انتهى (لقد خربت حياتك في هذا الركن الصغير من العالم) ص282.

هكذا انتهت الاحلام العظيمة. الى المأساة والفشل.

× الكتاب: رواية الحلم العظيم

× المؤلف: احمد خلف

× الناشر: دار المدى

الطبعة الاولى: عام 2009

× عدد الصفحات: 304 صفحة

جمعة عبدالله

 

 

 

صدر عن دار الفرات للثقافة والاعلام في الحلة - محافظة بابل / العراق، مجموعة شعرية عنوانها (مرايا عشق) وقد اشير على الغلاف الخارج اشارة تعريفية مختصر هي (نصوص شعرية، 2019) و اما عدد صفحاتها فكانت (110) والمجموعة قد احتوت على الاهداء الذي اصبح حاضرا عند كل المؤلفين شعراء كانوا ام كتابا ام باحثين، وتقديم بعنوان الحلول الصوفي بين الذات والاخرين وكان بقلم الشاعر الحلي الكبير جبار الكواز، ثم ثلاث وستون نصا شعريا، وهي قصة على ضفاف الروح، عند الصباح، احلامي، طيف العشق، هو منهمك، الروح، تهجد، هل يعود الزمن، نافلة الصبر، رقصة مجنونة، بعدك، احبك، قلبي يوزع نبضه، سفير في اتجاه الصدى، شجون المساء، هذا الصباح، غياب، نور، باب ركن، اين الوجود، عشق ابدي، قلبي محطة عشق، اين كنت، صلوات، غريب، دمي،، ليلة ما، تمهل، انفاسك، رؤياك، امي، رايت عيسى، جنيم ينمو، طيف العشق، الى ابعد من اغوارك، عشق، شوق، عاشقة تمور، بقايا حب، انتظر العبور، دع نسائمك، دون ان ادري، عشق مسحور، قمري، اتبعثر، برق العشق، اسافر، تراتيل ملكة، حديقة عذراء، القدس، عشق شاعر، ان للقمر بابا، بكيت، اعرفك، ياعيد نصعد بها نحو الفجر، احبك لي وحدي، اترك يدي، مصير، احرفي عطرة، كدت اشقى، اياديكم، سحب ثملى، وجوه تختلف، في هذه المجموعة وكما راى الشاعر الكبير جبار الكوز ان نصوصا كثيرة فيها تحيل الى صفخات من التاويل الروحي المنطلق من ثنايا الجمل الشعرية(1) (مرايا عشق: 7) وهذه القراءة الواعية تلفت نظرنا الى الاتجاه الصوفي التي تتبناه الشاعرة رؤيا واسلوبا افرغت من خلاله شحناتها العاطفية في نصوص شعرية تجلت فيها التجربة الصوفية وصلا ووجدا بروح الرومانسية الذاتية الكاشفة عن خلجات النفس ودخائلها واسرارها، وممارسة الاستبطان الذاتي القابعة في مشاعرها و، الذي يدفع بها نحو قصيدة الرؤيا والانزياح (الحب الالهي في الشعر: نت)، وقبل الدخول الى فضاء المجموعة، نجد انفسنا امام ثريا النص، الذي هو مفتاح النصوص والذي من خلاله نستطيع الدخول والتعرف على ما تحفل به من رؤى ومتع، وهذه الثريا او المفتاح هي العتبة الاولى للمجموعة وهوعنوانها الذي اختارته الشاعرة لمجموعتها واسمته (مرايا عشق )، وهي باختيارها للعنوان تؤكد انتماءها الفكري والوجداني الى الصوفية، فالمتصوفون عرفوا باتخاذهم المراة عنصرا اساسيا في تراثهم الشعري، فهم يعتقدون بانهم يرون الحقائق التي تنزاح عنها الحجب كما يتطلعون الى المراة، وقد انشغل المفكرون والنقاد في البحث عن المراة واسرارها، فباراسيليوس يرى المرايا عبارة عن نفق بين عالمين، العالم المادي، والعالم الخفي، حيث تنفذ الينا من خلالها معلومات العوالم الاخرى، اما جابر عصفور فيرى ان للمراة دلالات واشارات الى القرين والظل والاخر والشبح، وكلها تقنيات يتكؤ عليها الشاعر في الرؤيا، اما رمزية المراة فهذه من الحقائق القديمة التي تبناها الباحثون، واعتمدها الشعراء، لاسيما شعراء عصرنا، الذين اولعوا بتوظفها في اشعارهم، وبثوا رؤاهم من خلالها. وهذه التجربة قد مكنت الشاعرة من التعبير عن عرفانيتها واحوالها الذوقية ومجاهداتها النفسية ومقاماتها الباطنية

ها قلبي يصحبني اليك خذني ....

حيث الروح والشغف......

ولما كان الشعر الصوفي شعروجداني روحي، فقد امتاز يخصائصه الذاتية ورمزه المعبرة عن احواله التي تعبر عنها الشاعرة، وهي توجه الخطاب الى معشوقها برمزيته الصوفية فتقول له:

تبتلت حتى صرت منك

ضجيج عشق ...

على ضفاف روحي

اسكب قلبي شوقا

انفذ الى دمي

ومن خصائصه انه يبث روح الطمانينة في نفس السالك بحيث يتحول الى كائن لايرى الدنياالاشيئا لايعنيه زخرفه:

يبعد الوجع عن ذلك القلب

ما عاد بي الم يقهرني

اقتلع مني شوكة

شكرت صباحا

وفي الشعر الصوفي تتطهر الروح من كل ادرانها الدنيوية، لتكون خالصة لمعشوقها التي تجهد ساعية في الذوبان والاتحاد فيه:

وانا اتهجد عشقا في محرابي

تلفني حروف الروح

وتاج النور في دمي

فاسمع بين جسدي

صوتا يتردد ولها

خذني اليك

ها اني اولد عشقا

فيخلق قلبي يصيرني معه

طيفا واحدا في محرابي

ويرتل جسدي رعش الوجد

فتحملني انحناءة العشق بين السماء

اذوب ثانية بين موجة الضوء

اراها تتوحد في انفسنا

وراء القمر

اما لغة الشعر الصوفي، فهي لغة تمتاز بالرقة والسهولة، ولها جماليتها المميزة،، وتنوع دلالاتها، وهي تحظى بقدر وافر من الاشارة والتلويح، وهي كذلك عامرة بالدلالات التي تؤشر الى طريق السالك، وعندما يشتد الوجد ويتحمس الحضور تنطلق بشكل يكشف عن حلتها الصوفية ويرينا رؤيتها وهي تعبر بقولها:

بي دمع سجن الروح يتاديني

الى قلبي..

من باب التمني ادخل جنتي

رايت ربي

النفس تهوى والمدى طريق نفسي

الروح غابت فيك

انما نفسي.. نفسي

والشاعرة قد ضمنت مجموعتها قصائدا غير صوفيه ولكنها تعتني بمواضيعها ورؤاها برومانسية جميلة تنسا ب هادئة بلغتها السهلة والفاظها المحملة بالايقاع المتناسب واجواء القصيدة:، وقد نراها توظف التراث توظيفا فنيا مستعينة بالتناص، لتخلق صورة تحيل الى خزينها المعرفي ومرجعياتها الثقافية، فهي في نصها وظفت الهدهد كطائر لعب دورا هاما في القص القراني، عند استعراضه لقصة النبي سليمان وبلقيس ملكة اليمن، وهي بذلك جمعت بين المتعة والفائدة:

قمري العاشق الوحيد

سمع هدهد عن ملكة

تسبح عبر الزمان والمكان

خبرا جعلع لاينام

وفي نصها الذي يحمل عنوان تراتيل ملكة، تعود لتوظيف التراث برموزه نفسها الذي تناولته في نصها السابق.

وهي رغم انشغالها بعشقها الصوقي، وسكرتها بخمر الكشف والتهجد، لم تنس التزامها بقضية العرب المركزية متمثلة بمدينة القدس ذات الرمزية والمرجعية الدينية والقومية، فهي تبثها مشاعرها واحاسيسها، بلغة تضج بالم الشكوى والشوق لتلك الارض الغالية، فهي تمني نفسها بالعودة اليها والقدوم لها قدوم وفاء لعهد قطعت على نفسها:

اطرق باب القدس

هل من يستمع اناتي

نثرت الحرف

ارى الروح تسبقني اليك

فلسطيني اشواقي

قادمة اليك يوما

المجموعة بنصوصها المختلفة مكنتنا من معرفة جانبا من حياة الشاعرة، ورؤيتها للامور من خلال منظار الشعر، الذي تمكنت من صياغته باتقان محملة اياه اعمق الرؤى والافكار، التي ارى انها تحتوي على الكثير الممتع والمفيد، والذي ينعكس في مرايها صورا روحية ورؤى شفافة لتجربة لازالت تنمو بنشاط .

 

احمد زكي الانباري

 

حميد الحريزيرواية الحلم بدولة الحرية والديمقراطية ، دولة العلم والعمل

رواية (قرى الجن) الصادرة بتاريخ 1948 في طبعتها الثانية من مطبعة الراعي في النجف، أي في نفس سنة صدور رواية (الضايع) في طبعتها الثانية أيضاً (إذا كانت الرمزية طبعت الأدب العراقي المعاصر بوجه عام الى يومنا هذا، فمؤكد أنَّ هذا دليل واضح على نمط السياسة العراقية) جون توماس هامل – جعفر الخليلي والقصة العراقية ص32.

رواية قرى الجن هي نموذج للرمزية في كتابة الرواية العراقية حيث قال الدكتور جميل سعيد (خير مثال لهذا الأسلوب–الرمزية- هو "في قرى الجن" لجعفر الخليل الذي استعاد أجواء (ألف ليلة وليلة) و(العقل في محنته) لذنون أيوب و(أفول وشروق) لخالد الدرة)

جون توماس هامل-جعفر الخليلي-ترجمة الاستاذ وديع غلسطين والدكتور صفاء الخلص ص176

وقد افتتح الخليلي روايته بمقدمة رائعة بإهدائها إلى مدينته مدينة النجف الأشرف، كونها تمثل روح الناس الطيبين المتنورين الطامحين بالحرية والتحضر والتقدم لمدينتهم ولبلدهم عموماً حيث يقول:

(غالى المدينة الزاهرة التي كان لها الفضل في تنشئة حملة الأفكار الحرة.

إلى المدينة التي أخرجت عشرات الشعراء الذين دعوا للمحبة والرفاه والحرية، فكان لها في تاريخ الفضيلة سهم كبير..

إلى مدينة (النجف) القاحلة الجرداء أِلا من الحس والعطف، أهدي كتابي هذا كصدى لروح الطيبين من أبنائها الذين يسعون لخير المجموع ويحبون لغيرهم ما يحبون لأنفسهم) قرى الجن.

فمن خلال تحليل هذه المقدمة المختصرة للكاتب، يمكن أنْ يلمس المتلقي ما يصبو إليه الخليلي في التذكير بالتاريخ التنويري لمدينة النجف، وطبعاً لا يقصد الأرض بل يقصد النجفيين من رواد العلم والمعرفة ودعاة التنوير مقتدين بسيرة الإمام علي (عليه السلام)، كما أنَّه أشار إلى أهمية المدينة وأهلها كونها أغنت الأدب بالشعراء من ذوي الفكر الحر وهي إشارة ذات مغزى عميق.

كما أنَّه يؤشر إلى أنَّ الرأسمال الأكبر للمدينة هو حملها راية الحرية والتقدم لصالح المجموع، فهي لا تعدو أنْ تكون مدينة جرداء قحلاء، فخرها أنَّها تحتضن ضريح الأمام علي، وهو القائل (أحب لأخيك ما تحب لنفسك، وأكره له ما تكره لها)، وهذه هي من أسمى وأنبل الصفات الإنسانية التي يصبو إليها الخليلي ومن رافقه.

الخليلي الطامح بالجديد والتجديد حيث ورد في تقريض لمجلة العرفان بحق الخليلي وبحق روايته (في قرى الجن):

(..الأستاذ جعفر الخليلي صاحب الهاتف النجفية الجريدة المرافقة بمباحثها وسائر شؤونها من كتابنا المجيدين المجددين حتى إنَّه كاد يؤمن بقول المرحوم الزهاوي:-

سئمت كل قديم......عرفته في حيــــــــاتي

إن كان عندك شيء...... من الجديد فهات

وهذا الكتاب تكاد تظنه من قصص ألف ليلة وليلة فتقرأه بلذة وهو يشبه الأساطير القديمة وإنْ كان جديداً بأسلوبه.. وفيه وصف لعالم الجن وهو أرقى بكثير من عالم الأنس، الذي يقرأَ الكتاب يحسب انَّه يقرأ أمراً واقعياً مع أنَّ المؤلف لا يعتقد بالصلة بيننا وبين عالم الجن.. والكتاب تحفة في بابه...) قرى الجن ص8

وفي مختزل من تقريض مجلة الهلال لوصف رواية (في قرى الجن):-

(.. وفق إلى تصوير تلك الحكومة (الخيالية) تصويراً رائعاً حتى بات يخيل للقارئ أنَّه حقا وسط بلاد الجن وبين صفوف سكانها وهكذا تمكن الأستاذ الخليلي من تشخيص كثير من الأمراض الاجتماعية والأدواء المزمنة الفاشية بين الكثير بأسلوب قصصي شائق جذاب)قرى الجن ص8  .

وفي وصف رائع لقصيدة طويلة لشيخ الأدباء الجليل عبد الحسين الحلي:

(شعوب حرة للجن....عاشت وهي في أنِ

وفازت بنظام....... فيه ما يمري وما يهني

نظام أغلق السجن...... فلا جان ولا مجني

فيا للفكر ما أبدع.......... ما يبني أب لأبنِ

وبالله ما أغرب........ وضع القبح والحسنِ

شعوب لا ترى سجينا ....وشعب هو في سجنِ)رق ص9

ومقالة للأستاذ عبد السلام حلمي:

(لم يقتصر هذا الكتاب القيم إلى ما ألمحت إليه في هذه الإلمامة على تناول بالبحث والدرس والاستقصاء أهم مسائل الحياة التي تشغل أفكار المصلحين وما يتعلق بالنظم التي تؤمن حرية الشعب ورفاءه وحقوق الأفراد والجماعات وكيف يجب أنْ تكون المصالح والمؤسسات الحكومية والأهداف الإنسانية التي لا جرم من استهدافها للوصول إلى حياة الاستقرار والرجاء ووجوب التساند والإخاء، ويتعدى ذلك مرفرفاً في آفاق أرحب إلى هذه الحروب والمجازر البشرية التي تنشب وتقع بين حين وآخر بسبب فساد النظم والأطماع...) رق ص12

من يطالع قرى (الجن) يجدها مشروعاً إصلاحياً طموحاً كان يشغل عقول الكثير من العراقيين وخصوصاً الأدباء والمثقفين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، في ظل الحكم الملكي التابع لقوى الاستعمار البريطاني ونهب ثروات البلاد من قبل الشركات الاحتكارية البترولية، والواقع المزري للمجتمع العراقي آنذاك من حالة الفقر المدقع والبطالة والأمية وانتشار الأمراض وعدم نزاهة القضاء والتفاوت الطبقي الكبير بين طبقات الشعب هي الأثرياء من الإقطاعيين والبرجوازية الطفيلية التابعة ومن كبار المسؤولين من الوزراء والنواب ومن لف لفهم، مصادرة الحريات الفردية وقمع كل فعل أو قول ينتقد الحكم الملكي ويسعى للتغيير، وتاريخ العراق كان حافلاً بالأحداثِ الكبيرة من تظاهرات واحتجاجات عارمة للجماهير العراقية وفي مقدمتها المثقفون والأدباء والكتاب من أبناء العراق سعياً إلى بناء دولة الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والابتعاد عن الأحلاف الاستعمارية آنذاك، الذي أراد الخليلي أنْ يترجم هذه الأهداف وهذه التطلعات عبر روايته الرائعة (في قرى الجن) التي مزجت بين الواقعية والواقعية السحرية والغرائبية من خلال سرد متقن وعبارة رشيقة مدهشة، نرى إنَّ هذا الأسلوب من السرد إنما هو ريادة متقدمة للخليلي في كتابة رواية الواقعية السحرية التي أمتاز بها سرد أواخر القرن العشرين على يد ماركيز وآخرين من الروائيين الكبار ومن حازوا على جائزة نوبل مكافأة لإبداعهم الروائي ولكننا نرى اللامبالاة والإهمال وعدم الاهتمام بمنتج الخليلي الإبداعي الرائع والسباق والمتحدي لأصعب الظروف للدفاع عن حرية وكرامة وسيادة الأوطان والإنسان، نمجد المنتج الأجنبي وهو يستحق التمجيد بلا شك ولكننا نهمل نتاج أبناء وطننا وكما يقال (مغني الحي لا يطرب)، ولا نكتفي بذلك وإنَّما نحاول تكميم فم المبدع ونكسر قلمه ومحاولة قتله كما حدث للخليلي والكثير من أمثاله من دعاة الحرية والتقدم، حتى وصل الأمر بسلطات صدام إلى طرده وتسفيره والبراءة من الخليلي وعائلته ورميه إلى إيران؟!

ولا غرابة أن يبدع الخليلي هذه الرائعة وهو وريث (ألف ليلة وليلة) المنتج الأدبي الخالد في ذاكرة الشعوب العربية والإسلامية والذاكرة العالمية أيضا.

فالمنتج الإبداعي الروائي العراقي في مثل هذه الفترة دلالة على تنسم روح الحرية والتحرر التي هبت على كل العالم بعد الانتصار الكبير على الفاشية في الحرب العالمية الثانية، وإعطاء الأمل للطبقة الوسطى العراقية بتجاوز ضعفها واسترداد أنفاسها من أجل تحقيق أحلامها وأحلام جماهير الأحرار والكادحين العراقيين بالحرية والتقدم والمساواة، وهنا تكمن أهمية إعادة الخليلي لطباعة روايتيه (الضايع) و (في قرى الجن) في 1948 عام المد الثوري في العراق، عام انتفاضة ووثبة كانون المجيدة ضد معاهدة بورتسموث وحلف بغداد الاستعماري.

وما أشبه اليوم بالبارحة في الواقع العراقي الراهن البائس حيث التبعية وتفشي الفساد والأمية والجهل والتفاوت الطبقي الكبير بين أفراد الشعب، وسرقة ثروات البلاد من قبل الحكام والطبقة السياسية الفاسدة، بالتخادم مع الشركات البترولية الاحتكارية من مختلف الجنسيات والقوميات، ربما تجعل من الإنسان العراقي يتحسر أسفاً إلى أيام الخليلي على الرغم من بؤسها!

حيث دفع العديد من الكتاب والمثقفين حياتهم ثمناً لأفكارهم الحرة والمنحازة للجمال والعدل ونبذ التعصب والطائفية ومحاربة الفساد، فاغتيل (قاسم عبد الأمير عجام) و(كامل شياع) و(الدكتور علاء مشذوب) وغيرهم من المثقفين والروائيين والشعراء، فـ (جعفر نفسه أحد أساطين القصة في العراق، واخلد كتبه الذي لا يزال ينتظر مترجماً قديراً روايته قرى الجن) هامل –ص72

من أجل أنْ تكون للقارئ صورة ولو مختزلة لرواية (في قرى الجن) نحاول أنْ نستعرضها من خلال السطور التالية:-

(زفاف الشيخ طاهر الساعي أبن الشيخ حسون الساعي يزف إلى ابنة عمه اليتيمة في هذه الليلة) رقص14.

يعرض الكاتب مراسيم الزواج بفرح غامر وحضور جمع كبير من الأقارب ووجهاء المدينة رجالاً ونساءً وشباباً، ولكن المفاجأة الكبيرة والمدهشة، هو الهجوم الغريب العجيب على دار العريس والعروس بالحجارة ومن ثم خطف الشيخ طاهر دون أن يعثر له أثر، ولا معرفة الخاطفين ولا أسباب الخطف، مما جعل الحزن والأسى والألم يهيمن على أهل الشيخ وعروسه ومعارفه، وحيرتهم في واقع ما حدث وأسبابه.

وبعد أنْ عجزوا عن الوصول إلى خبر الشيخ أضطروا للذهاب إلى المُنَّجِم ليكشف لهم مصير ولدهم، فأخبرهم المنجم أنَّه مخطوف من قبل جنية عشقته فأخذته من عروسه أبنة عمه، يطلب منهم المنجم أو (الساحر) إحضار عظم هدهد وأشياء أخرى ليتمكنوا من معرفة مكان الابن ولقائه، ويجب فعل ممارسات وطقوس صعبة تتطلب من يقوم بها أنْ يكون ثابت الجنان شجاعاً حتى يفوز بلقاء الشيخ إنْ تمكن من تجاوز كل العقبات وهو يرى العجيب والغريب والمخيف والمرهب فإنْ لم يكن قادراً على التحمل ربما يتعرض للخطر، وقد فشلت والدته في اجتياز الامتحان الصعب إذْ شاهدت الأهوال مما هو مرعب ومخيف مما لا يحتمل وتعرضت إلى صدمة نفسية وروحية كبيرة أفقدها توازنها العقلي والنفسي فانسحبت معلنة عجزها..

فقرر أنْ يقوم بتأدية هذه المراسيم صديقه الشيخ كريم الغرباوي الذي كان يظنها خرافات وخزعبلات لا تعقل، لكنه شاهد الحقائق بعد أنْ صمدَ أمامَ الامتحانات الصعبة وفي ليلة الأربعين حضر (مردان العفريت) ليلبي طلبات الشيخ كريم الغرباوي وإحضار (5) ليرات ذهبية.

يرسل رسالة إلى الساعي ويعلقها في شباك الزعفران، فتأتيه رسالة جوابية من الساعي يخبره بمكان وجوده في عالم الجن مع حبيبته الجنية واَّنه يعيش في سلام وهناء وفرح ويبلغه السلام لأهله.

وقد أوضح ألساعي لصديقه الغرباوي طبيعة دولة الجن وحكومتها وطبيعة وحياة مملكة الجن، وقد وصف لصديقه عالم الجن، جماله، فرحه، أمانه، عدالته، وأرسل إلى صديقه القلنسوة المسحورة والقلم المسحور وسيلته لكتابة ما يريد من صديقه ليرسلها في الحال لصديقه ومن ثم يأتيه الرد، وعند لباسه للقلنسوة لم يره أحد.

كان المجلس الجني الأعلى هو المهيمن على السلطة في مملكة الجن.. حيث ألغى المجلس الاستعمار. تم أعطاء الحرية المطلقة لكل الشعوب الجنية اختيار نوع الحكم وانتخاب الحكومة) ص64.

واضح هنا ما يرمي اليه الخليلي في طموح الشعوب للخلاص من الاستعمار في عالم البشرية وإعطاء الحرية التامة لشعوب الأرض لاختيار حكامهم، هذا الأمر يبدو مطلباً في العراق الملكي المنقوص السيادة تحت الهيمنة البريطانية، ومحاولة ربطه بحلف استعماري خطير.

أرسل الساعي إلى صديقه الغرباوي نظارة جميلة من اختراع أحد نبغاء الجن التي أنْ وضعتها على عينيك تكشف ما يخفي الشخص من المال سواء بين طيات ثيابه أو في باطن الصناديق أو تحت الأرض، مما مكن الغرباوي من كشف زيف الكثير من المتسولين المحتالين وما يملكونه من ثروات ومكان إخفائها.

كما يعرض لنا التقدم الكبير في مجال الرعاية الصحية المتقدمة جداً واهتمام مملكة الجن بالوقاية الصحية من الإصابة بالأمراض كونها خير من العلاج، وهنا يقارن الروائي ما موجود في مملكة الجن الحلم والطموح والواقع المتردي على الأرض في مملكة العراق.. ولا نظن إننا الآن أحسن حالا مما كان..

كذلك تميزت مملكة الجن بعدم وجود وزارة للخارجية ولا يحتاج الجن إلى جواز سفر للسفر والانتقال من مكان إلى آخر.. فلا حدود ولا قيود في عالم السلام والعدل والرفاه والحرية الواعية.

الحديث الممتع والطريف حول الدجاجة التي تجيد الغناء التي تبيض كل ساعة بيضة، والربط بين متعة الغناء ومتعة إنتاج الذهب، فالفن والجمال منتجان للثروة المادية والروحية..

كما إنَّ الكاتب يكشف الظلم والاستغلال للطبقة العاملة العراقية من خلال نظارته السحرية ومطالبته بضرورة أنصاف هذه الطبقة الكادحة أداة البناء والأعمار في كل العالم وهي دلالة وعي الخليلي بمكانة وأهمية ومظلومية الطبقة العاملة، وعلى مدى تأثره بالفكر الشيوعي الماركسي حيث كان للشيوعيين وجود وحضور قوي ومؤثر في النجف وعموم العراق وقت صدور الرواية كما ذكرنا ذلك سابقاً.

اهتمام الجن بالثقافة والأدب والفن فقد كانت لهم أغنية رائعة\ هي دعوة للعمل والنقاء والجمال والمتعة والمحبة والفرح وتعتبر هذه الأغنية بمثابة دستور مقدس يستظهره كل جني ويحاسب نفسه على ما أستطاع أن يفهم منه ويطبق مفهومه على حياته العملية فهي كالصلاة التي يرددها المسلمون في كل يوم ولكن الفرق أنّ المسلمين يرددون صلاتهم كما تفعل الببغاء والجن يتلون أنشودتهم وهم يعنون ما يتلون..)ص103.

هنا إشارة جريئة وواعية تبصر المسلم أنْ يعي ويتمثل مضمون ومعنى صلاته والالتزام بما ترمي إليه هذه الفريضة الإلهية المقدسة.

الساعي يخبر صديقه الغرباوي من خلال رسالة مرسلة إليه من خلال التواصل عبر القلم الذهبي قائلا: (إنني يا أخي لم أعد ذلك المتلهف المشتاق الوجل على أمي وأبي وأبنة عمي ولا أدري أهو بفضل هذه البيئة الفاضلة والمحيط الراقي أم بسب وسائل سحرية سحرتني بها زوجتي الجنية لأكون لها وحدها) ص105.

واضح هنا مدى السعادة التي يعيشها الساعي في مملكة الجن محققاً أحلام كل إنسان في مختلف جوانب الحياة بحيث تنسيه ألم فراق والديه وزوجته عروسه ابنة عمه.

يصاب الغرباوي بالجزع لاحتراق قصره المنيف الذي بناه له الجن وصار أعجوبة لأهل البلدة، (وأّنَه كان يجزع لفقده النظارة جزعاً كبيراً فقد التهمتها النيران ضمن الأثاث والحاجات الأخرى)ص107.

فيبعث للساعي رسالة يطلب فيها تزويده بنظارة وقلنسوة جديدة.

الساعي تبهره قرية الجن وحياة الفلاحين الجن في المملكة (أحسن الأعمال عند الجن هو ما كان مبنياً على أساس الاستقامة والعدل والمروءة، سواء أكان ذلك في ميدان السوق أو الزواج أو الحب أو التربية والتعليم) ص114.

وأورد وصفاً لطبيعة التعليم وجمال شكل المدرسة في القرية.

يطلب الغرباوي من صديقه الساعي أنْ ينقله إلى مملكة الجن فلم يعد يطيق الحياة على الأرض قائلاً لصديقه (إنّي راض بأنْ أكون حماراً ولا أكون أنساناً بهذا العيش وهذه الدنيا) ص126.

فيودع أمه وقد حمله الجني إلى مملكة الجن بعد أنْ استطاع أنْ يحصل له الساعي على الموافقة للعيش في مملكة الجن.

ينبهر الغرباوي بما شاهده في مملكة الجن اللباس، الجمال، الزينة ومعالم الترف الكبير الذي يعيشه سكان مملكة الجن.

كلف بكتابة مقالات توضح حياة الناس على الأرض ممارساتهم وأساليب تعاملهم وطبيعة حكمهم.. وقد عدّ مخالفاً في بعض مقالاته وخرق القوانين الجنية، فعوقب بتحويله إلى نملة من قبل مجلس قضاة الجن ليتعلم على طبيعة العمل الجمعي التضامني، ثم تم مسخه إلى كلب، غرقه في بحر الدبس، ومن ثم العودة إلى بيت الشيخ غفران..

يصف في مقالاته حالة الحزن والإدمان عليه في الدنيا حيث يصفه ببلاد الأحزان (بلد الأحزان هذا هو البلد الذي يتعمد أيجاد كل وسائل الحزن والألم والشقاء لنفسه ليحزن ويشقى بمجرد أنْ يموت واحد منه) ص150(حاحوحا يبو)

(قوما سلوتهم في عزائهم وتفريحهم في مصيبتهم، ولذتهم في شقائهم) ص158.

(لقد سرت العادة من النساء إلى الرجال فلجأ قسم من هؤلاء إلى اللطم ولم يعد يأنس بغير أخبار الأموات وإقامة الأحزان وعقد المجالس) ص160

(أحزر أية مدينة غناؤها العويل ونشيدها النشيج وموسيقاها دق الصدور ومسارح روايتها وتسلياتها اللطم وأدبها كله أو جله رثاء) ص160.

كم تبدو هذه التوصيفات جريئة في ذلك الزمان في أواسط القرن العشرين؟ ولا شك أنَّها الآن أكثر وأكبر خطورة وأنَّ مظاهر الأحزان تضاعفت أضعافاً مما عاشه الخليلي، فليته يستفيق الآن ويرى مظاهر شج الرؤوس حتى للأطفال، ولطم الصدور والخدود وتطيين الملابس والسير على النار وغيرها من البدع الشعائرية التي لا تمت للثورة الحسينية بأية صلة وووو..

بعد أنْ لمسوا هيمنة الحزن والألم على روحه ونفسيته قرروا (علاجه يصيرونه بلبلا ًغريداً يصدح بالغناء مدة تكفي لتغيير طبيعته المحزنة الشبيهة بطبيعة البوم)ص165 التي ورثها من مملكة الأرض

الاستهتار بالقوانين وتفشي الرشوة والفساد في مملكة الإنسان على الأرض:

(صدقوني إنَّ المخالفة للقوانين العامة والاستهتار بالنواميس الاجتماعية والرشوة بجميع أنواعها وصورها قد بلغت يومها بتلك الزاوية من الدنيا مبلغاً لم يطق معها إنسان أنْ يبول بدون رشوة فكيف به إذا أراد أنْ يبيع وانْ يشتري وأنْ ينقل المتاع من جهة إلى أخرى وأن يبني ويؤسس إلى غير ذلك من مقتضيات الحياة) ص168.

ليتك تشهد ما نحن عليه الآن أيها الخليلي فقد أحرزت حكومتنا الدرجة الأولى بامتياز في الفساد بين حكومات العالم ؟!

يسهب في وصف حالة الوطني المغرور والمزيف، إهمال المواهب والكفاءات، ناس هيمن عليهم الكسل امتلكوا السلة والمال وآخرين يكدحون ويجدون دون أن تقدر جهودهم وصفهم بدودة القز، الصحفي المزيف، الكاتب المتزلف، الموسيقار العالم الروحاني.. الخ . هذه صفات حكومة ملكية يتحسر بعضهم عليها في زمننا الحاضر في ظل الحكومة الديمقراطية علامة الـ USA

نظراً لكتمان الشهادة بالحق يمسخ الغرباوي إلى كلب لمدة عشرين يوماً، فيرى ما يرى في حياته الكلبية، وما يلاقيه من الاستهزاء والاستخفاف من قبل الكلاب والقطط في دار أسياده من أهل الجن، ينظم بعد ذلك عرس بين (بيوض) الكلب الممسوخ والكلبة (زه زه) في احتفال كبير، فالحب والعشق محتفى به حتى للحيوانات..

يطول الحديث حول رواية في قرى الجن، التي تمثل حلم الخليلي ومن شاكله من أحرار ومتنوري ذلك الزمان للعيش الكريم ودولة المؤسسات الرصينة ووجود المؤسسات المحترمة من صحة وقضاء وتعليم وفنون والتوزيع العادل للثروة وإنصاف العاملين ونبذ المستغلين الكسالى.

هذه الأحلام التي ما زالت حلم العراقيين من أجل حياة أفضل وهم يعيشون واقعاً حياتياً ربما أسوأ مما كان عليه زمن الأربعينيات الذي عاشه الخليلي، نتمنى على الجهات الأدبية والثقافية والفكرية الأهلية والحكومية أنْ تبادر إلى جمع وإعادة طباعة كل نتاجات جعفر الخليلي الأدبية والثقافية لما لها من أهمية كبرى في حركة التنوير المطلوبة في عراق اليوم أكثر من أي وقت مضى.

تختم الرواية بنهاية صادمة للقارئ الذي عاش أجواء وتفاصيل ومشاهد غريبة عجيبة وكأنها حقائق واقعة من خلال السرد المحكم والأسلوب الرائع في السرد ليخبرنا إنَّ كل ما رواه كان حلماً ليس إلا (حانت هنا التفاتة من الجدة إلى حفيدها فالفته يغط في نوم عميق فأدركت أنَّ قصتها قد ذهبت أدراج الرياح وأنَّ الولد لم يع منها – إذا وعى – إلا قليلاً فمدت يدها إلى السراج فأخمدت أنفاسه وإلى اللحاف فسحبته وسلمت هي نفسها للنوم) ص190.

نعم أيها المبدع الكبير والحالم الرائع فالولد لم يع حتى القليل من قصة الجدة ولو أتيت اليوم لشاهدت الأسوأ فالجهل هو السائد والخرافة مهيمنة والرشوة والفساد تنخر كل مفاصل المؤسسات الحكومية والبطالة متفشية، المال والجاه ملك الأقلية الفاسدة والقهر والإقصاء والتهميش نصيب الكفء النزيه النابه الفطن الكادح المثابر.

وأنت أوضح مثال على الأبعاد والتهميش حيث حوربت من قبل المجتمع ومن قبل السلطات فأبعدت وأقصيت أنت وعائلتك وأحلامك ومشاريعك لتموت في الغربة، نرى إنَّ جعفر الخليلي فكراً وثقافة وتطلعاً وطموحاً إنّما كان يمثل صوت أحرار العراق في تلك الفترة من الأدباء والكتاب والمثقفين ورجال الدين المتنورين ومن العمال والفلاحين وعموم الكادحين وصوت القوى السياسية الديمقراطية واليسارية النشطة والعاملة من أجل عراق حر وشعب مرفه سعيد وبناء دولة الرفاه والحرية دولة الإنسان المواطن الحر الكريم فقد كانت هذه الفترة حافلة بالأحداث مميزة بحراك شعبي اجتماعي مميز متواصل وعنيف من أجل الخلاص.

 

بقلم:حميد الحريزي

 

تأخذ الكثير من المصطلحات نصيبها من التَّطور تزامناً مع الحداثة التي من المفترض أنَّها تنير عتمة واقعنا وتبدِّل أَحوالنا الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، إلا أنَّها في أحايين كثيرة تزيد هذا العالم عتمة ووحشة؛ نتيجة الانتكاسات الفكرية والحضارية التي تعصف بالشعوب من وقت لآخر، ومن أبرز تلك المصطلحات التشيؤ الذي أخذ صدىً كبيراً في الدراسات الاجتماعية والأدبية؛ بوصفه إفرازاً طبقياً حداثوياً، لكنه في الحقيقة ما هو إلا انعكاس للعبودية واستغلال الذَّات البشرية التي لازالت متمسِّكة بجذورها في مواكبة العصور البيروقراطية في كل زمان ومكان، فبعدما تشعبت الأَخيرة في مفاصل العصور القديمة وما آلت إليه من دحض وتسقيط للقيمة الإنسانية للفرد عادت مستفحلة من جديد في عصرنا الحديث بمضامينها المختلفة وأساليبها المتغايرة من مجتمع لآخر ومن بيئة لأخرى بثيمة جديدة والمسماة بـ(التشيؤ) الذي يرى الإنسان عبارة عن شيء متصنِّم وسلعة قابلة للبيع والشراء، فأصبحت العلاقات البشرية قائمة على تجارة المنفعة واستهلاك القيم.

يرى لوكاش أنَّ مشكلة التشيؤ وصنمية السِّلعة هي مشكلة نوعية لعصرنا، وإنَّ التعامل التجاري والصلات المطابقة له وجدت في مراحل بدائية من تطور المجتمعات، فقضية امتداد التعامل التجاري كصيغة سائدة للمبادلات في مجتمع ما لاتدع نفسها تعالج في اتباع عادات الفكر المعاصر المشيأة بتأثير الصيغة التجارية   السائدة فيه، وإن تعميم هذه الصيغة يسبب تجريداً للعمل الإنساني (1)،

كما يُجمل المنظِّرون مسببات التشيؤ بعدة اتجاهات وما يهمنا هنا السبب الأوسع انتشاراً وهو الترشيد والمراد به: ترشيد القيمة الإنسانية للفرد وعلى ضوءها يتم إخراج الإنسان من عالمه الإنساني وزجَّه في عالم الأَشياء، فيصبح هو والأشياء في منزلة واحدة يتحرك داخل قوقعة تسودها النُّظم البيروقراطية وليس الشخصية، فهو بمثابة اقتحام للذات الإنسانية وسرقة مضامينها الجوهرية ومعانيها الأَصيلة وإيداع محلها سلوكيات عقيمة لا تمكِّن الإنسان من جعله إنسانياً حقيقياً. ويُعد هذا المصطلح الأَكثر شيوعاً في كتابات (ماركس فيبر) الذي درس المجتمعات الحديثة، إذ يراه عملية فرض وتنميط للنماذج البيروقراطية على الواقع الإنساني تزداد تضخماً إلى أن تصل إلى القمة الإمبريالية، فتتم السيطرة على كل جوانب الحياة، ويتحكَّم الإنسان في الواقع إلى أن يتحول المجتمع إلى آلة بشرية ضخمة تُجبر الأَفراد على أن يؤدوا أدواراً محددة ويشغلوا أماكن محددة لهم مسبقاً، فيؤدي ذلك لانعدام الحرية الفردية وتحوّل المجتمع إلى قفص حديدي(2).

ويرى أعضاء (مدرسة فرانكفورت) أنَّ تحجيم الفرد وانحسار القيم الروحية والثقافية يعود إلى انتشار ظاهرة الترشيد مما جعل الإنسان كائناً متشيئاً ذا بعد واحد يرتبط وجوده بالاستهلاك والتسليع، أما (هوركايمر وأدورنو) فقد ذهبا إلى أنَّ ترشيد العلاقات الاجتماعية في عصرنا الحديث أدَّى إلى أمرين متناقضين: الأول هو انعتاق الإنسان من أسر الضرورة المادية، والثاني هو تسلعه وتشيئه وبهذا يكون فاقد للحرية والعدالة والسعادة (3).

إنَّ رواية (عذراء سنجار) للكاتب العراقي (وارد بدر السالم) من الروايات الوثائقية التي رصدت تاريخ متأزم لحقبة مظلمة عاشها المجتمع العراقي في العصر الحديث، تلاحق الهرطقات العقائدية وأزمة الإنسانية وبشاعة الممارسات التي قامت بها المجموعات المتطرفة تحت مسمى تنظيم الدولة الإسلامية تجاه الطائفة الأَيزيدية المغلوبة على أمرها أثناء احتلال سنجار الدَّامي، وما صاحبه من جرائم إبادة جماعية كان النصيب الأكبر فيها للرجال، وتعذيب الأَطفال والاستحواذ على النساء؛ لتحقيق أَغراضهم الشاذة وتحويل المرأة الأيزيدية إلى جسد استهلاكي يُباع ويُشترى بسهولة، ويتم الاستحواذ عليه بطرق حيوانية وهمجية تحت مسمى الدين ومتطلبات الجهاد.

تحولت المرأة الأَيزيدية من كائن بشري يتمتع بكل المقومات الإنسانية إلى كائن صنمي متشيء وسلعة تُعرض للتثمين في سوق النخاسة؛ لتلبية أغراض المغتصبين للأَرض والعرض، لا تملك حق تقرير مصيرها أو التعبير عن رأيها أو تغيير واقعها وتعيش تحت إمرة مالكها الذي سيبيعها إلى الآخرين بعد الإنتهاء من غايته، فعانت انتهاكاً جسدياً ونفسيا؛ً نتيجة الممارسات اللاسوية والأحكام الرجعية التي طبقت عليها بعد أن رفضت التخلي عن دينها (بالنظر لامتناع الكافرات المدرجة أسماؤهن في أدناه بالدخول إلى الدين الإسلامي الحنيف، ونظراً لصغر أعمارهن وبعضهن غير بالغات، فقد حكمنا شرعا بحقهن الحكم التالي: أولاً: حلق رؤوسهن في مكان عام ويشهد على ذلك العامة. ثانياً: جلدهن ثلاثين جلدة في مكان عام ويشهد على ذلك العامة. ثالثاً تُعد هذه العقوبة أولية وتأديبية وتودع الكافرات في سجن الولاية بعد الجلد لحين توبتهن)(4)، فعانت المرأة الأيزيدية المتشيأة محنة طويلة دامت عدة شهور دون أن تُسمع استغاثتها أو الهرع لإنقاذها من قبضة المجاهدين الذين يُنزلون على جسدها السياط في حال الرفض أو المقاومة (كان وقع السياط لاسعاً أثار الصراخ والعويل للصبايا اللواتي كنّ صامتات حتى قبل لحظة. ومع أول سوط للمجدور انفتحت الأجساد عن صراخ مكبوت وتوسلات طفولية غير مفهومة)(5)، فتحولت إلى سلعة يتم بيعها أو استبدالها تبعاً لرغبة مالكها الذي يجبرها على التجول معه فقد يشتريها من مدينة ويبيعها بمدينة أخرى (كل الأيزيديات سبايا يا عم. أغلبهن باعوهن بالموصل والرقة وحلب والفلوجة... كل داعشي له حصة من السبايا الأيزيديات وهو حر أن يبقيهن معه أو يبيعهن لمن يشاء ليزيد من رصيده المالي)(6).

رواية (عذراء سنجار) مُثقلة بالهموم الكثيرة والانتهاكات الإجرامية التي وقعت على الأَيزيديين، إلا أنَّ قضية المرأة كانت الأَكثر بشاعة وإهانة للإنسان والإنسانية جمعاء، فتشيؤها كان امتداداً للعبودية التي عانى الإنسان منها قديماً ومن أَساليبها المقيتة المتمثلة بامتلاك المصير ونفي الحرية والعدالة وإهانة القيم الإنسانية وتفريغ الذَّات من جوهرها الأَصيل، وتحويل العلاقات بين العبد والمالك لعلاقة تسليع وتسقيط للصلات المشتركة، وعلاقة تتضمن عقود شرائية من أجل المنفعة والاستغلال.

 

دعـاء عـادل آل عزوز

..................

الهوامش

(1) ينظر: التاريخ والوعي الطبقي، جورج لوكاش، تر. د. حنا الشاعر، دار الأندلس، بيروت، ط2، 1982: 82.

(2) ينظر: الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، عبد الوهاب المسيري، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط1، 2002: 148.

(3) ينظر: المصدر نفسه: 49.

(4) عذراء سنجار، وارد بدر السالم، دار الجواهري، بغداد، ط2، 2016: 52.

(5) المصدر نفسه: 57.

(6) المصدر نفسه: 75.

 

ما يميزُ شاعر عن آخر هو طريقة استعماله للمعاني السائدة في سياق فكري غير مألوف و أن عملية توليد المعاني لا تتم الّا بتحريره كما اسمته الناقدة أسمية درويش (تحرير المرآة نفسها). وهذا يتيح للشاعر أن يؤسس نظرة جديدة للإنسان والآخر، كما يميز لغته الشعرية عن غيره .

وفي مدونات أعرابي للشاعر عارف الساعدي التي حملت بعداً تاريخياً مهماً، لكن هذا البعد قام على أساس نظريات فكرية استطاع الشاعر في المدونة أن يوظف تلك النظريات بنسق مخفي، كما أنه جعل الإنسان والمادة جسداً واحداً وهذا يضعنا في قلب  الرؤية الصوفية التي ترى وحدة الوجود . الإنسان خلاصة الكون الأكبر . هو الكون الأصغر. وبهذا المعنى يصبح الشعر مريئاً ناطقاً بلغة الشاعر متحركاً فيه، في افتتاح المدونة يؤسس الشاعر قراءة جديدة لشعرنا العربي في حركية قائمة على الموروث التاريخي في فكر يضمره النص، فيقول:

كذبٌ وآدعاءٌ هو الموت

فأنا لم أمت بعد

وأنا منذ أنْ ولدتني الهجيرةُ

مازالتُ حيا

ولدتُ بخاصرةٍ في كهوف اليمن

قبل عشرين عاماً من البعثةِ النبوية

أذكر أني ولدتُ

وما زلتُ أذكر

النظرة الأولى للنص تظهر نزعة التمرد على شيء محتم لا مفر منه يحاول الشاعر أن ينفيه عن ذاته هو الموت، لكن تتضح أن هناك عملية نسقية مستمدة من نظرية فكرية وهي مستمدة من مذهب السبيوزية لمؤسسها المفكر والفيلسوف باروخ سبينوزا الذي يرى (إنَّ أخر ما يفكر فيه  الرجل الحر هو الموت ؛ لأنّ حكمته ليست تأملاً للموت بل تأملاً للحياة) . النص محملاً بتأملات ورؤيا عميقة للحياة وهذا ما يسميه الوجوديون الانتصار على الموت، فالنص الشعري كان يضمر آفاقاً فكرية لا يرصدها الّا المتلقي النخبوي وهذا يحيلنا إلى رصد ايديولوجية الشاعر الصوفية التي تنظر للموت بأنه مشاركة الحياة الإلهية التي تجري بالفعل من خلال الوجود على الأرض ويعدّ الموت الصوفي و الانتصار على الموت العضوي، فالشاعر في قوله (أنا منذ ولدتني الهجيرة ما زلت حياً) تتطابق مع باروخ .

وبعد عملية الولادة وأزلية الحياة ينتقل الشاعر إلى تأمل فكري أخر ومرحلة أخرى هي البحث عن الإله فيقول:

كيف نصلي

ونشد النذور على بابهم

ونغسلُ أحلامنا بالمطر

وأذكر أني درجتُ على تلكم الأرض

وعتقتُ أدعيتي في الكهوف البعيدة

ثم احتميت بما ظل من خيم الآلهة

غفوت على بابهم مطمئناً

شكمتُ الرؤى العابثات

وزجرتُ خطىً تائهة

سلام على عدد الآلهة

ثلاثون عشرون

لا اتذكر

لكنهم كثرٌ طيبون

ثلاثون رباً ينامون في غرفة واحدة

ثلاثون رباً على الامم البائدة

ثلاثون رباً ولكننا أمة واحدة

الشاعر يصور الحياة قبل البعثة النبوية التي كانت زاخرة بتعدد الآلهة والتقرب إليها بالنذور والقربان هذا ظاهر النص، لكن ما يخفيه النص من نسق فكري يعود إلى النظريات الغربية في مرحلة عصر التنوير في القرن الثامن عشر وما بعده الى العصر الحديث حين أعلنوا موت الإله وحل محله (العقل، الطبيعة، الروح، الثقافة، الفن، الإنسانية، الوجود المجتمع الآخر.. كلّ هذه تعمل بين حين وآخر لتحل محل الإله). فتعدد الإله في النص السابق لا يعني الوثنية اطلاقاً، بل يدل على تلك البدائل التي حلت محل الإله من قبل المفكرين الذين زعموا أنه مات، فالشاعر في قوله (ثلاثون رباً ينامون في غرفة واحدة ...) يشير إلى تلك البدائل التي نابت عن الإله وهذا يظهر وعيه الفكري وصراعه الذاتي . ثم يعود في مدونته إلى عودة الإله بعد موته، فيقول: اتذكر أني تركتُ اليمن

وأدركت وجه النبي بمكة

صافحته مرتين

عطراً كان ذاك النبي

ويأخذ القلب قبل اليدين

ولكنما يده الفارهة

كسرت أذرع الآلهة

ثم قال لنا إنما ربكم واحد واسمه الله

النص يوضح مرحلة التوحيد التي عاشها العرب عند قدوم النبي الذي جمعهم على إله واحد هو الله، لكن النسق الفكري مستمد من النظرية الغربية التي أشار إليها تيري ايغلتن هي عودة الله بعد أن ذبحته العلمانية والرأسمالية المعاصرة (رفع الله الحانق رأسه مرة أخرى، متلهفاً لإبداء احتجاجه على أن ورقة نعيه قد صدرت قبل الأوان . يبدو أن العلي القدير لم يكن مثبتاً جيداً في تابوته المقدس). فالشاعر حين انتصر للإله لجأ الى استعمال صوت النبي ؛ ليكون اقرب إلى المتلقي (انما ربكم واحد واسمه الله) إعلان عودة الله بعد موته وهذا يتطابق مع تلك النظرية . ثم يطرح الشاعر المفكر في المدونة قضية فكرية أخرى فيقول :

لم نكن نعرف الله الّا قليلاً

ولم نك نعرف إنّ الإله

الذي وحدته القبائل شتتها بعد حينٍ

فلم يبصروه ولم يعبدوه

ولم يعرفوا لرضاه سبيلا

النص يدخل في مرحلة جديدة من بعد التوحيد والاسلام، وهذه المرحلة في نظري تعلن موت الاسلام كدين ليبدأ مرحلة أخرى هي الاسلام السياسي بعد وفاة النبي والتي نتج عنها سفك الدماء والفتن والحروب المستمرة الى يومنا هذا، واكثر القادة الاسلامين بعد النبي قد ماتوا قتلاً هذا يؤكد أن اسلام هذه المرحلة لم يكن ديناً كان ايديولوجيا سياسية وهذا ما يوضحه هولباخ وهيوم في (الدين بوصفه ايديولوجيا سياسية وأن الجلاد وليس القس هو الذي يدعم النظام الاجتماعي) .

المدونة كانت حاملة لأنساق فكرية مستمدة من نظريات في الفكر الغربي وهذا يحلينا إلى أن وظيفة الشعر هنا كانت فكرية اكثر ممّا هي جمالية واجتماعية، فالنسق المضمر كان حاضراً والشاعر عارف الساعدي كان مفكراً ناجحاً في طرح تلك القضايا حين اضمرها في الأنساق كذلك في مدونته خاطب النخب والمفكرين أكثر من المتلقي الاعتيادي .

 

موج يوسف

........................

المصادر

1-  موسيقى الحوت الازرق ادونيس : ص 83 .

2 - الموت في الفكر الغربي جاك شارون : 20 ـ 75 .

3 - الثقافة وموت الإله تيري إيغلتن : 61، 226، 39 .

 

جمعة عبد اللههذه المجموعة الشعرية هي الاولى في تجربته الشعرية، لكنها تعتبر محطة للانطلاق في الرحلة الشعرية في آفاقها العريضة والشاسعة. وهي ترسم ملامحه الشعرية لخطواته اللاحقة، التي تميز بها ببرعة متميزة ومتفردة في اسلوبيته الشعرية المتألقة، التي تحمل الرؤية الفكرية والفلسفية، في رؤى التعبير الرمزي الدال. في فن التصوير الصورة الشعرية بشكل ملهم. في صخب السؤال والتساؤل، الذي يحتضن الحياة والوجود، بالصراع والجدل. فهو يبحر في امواج الواقع العاتية والهائجة. دون شراع. يقتحم الاشياء بالمجازفة المتمردة. لذلك يمتلك الفعل الشعري الصاخب الذي يفجره في المياه الراكدة. فهو المتمرد والعاشق يقتحم الزوايا والدهاليز، في البحث عن المفقود في علقم الحياة. يبحث عن نور الحرية المفقودة ويفعلها. كما فعل (بروميثيوس). فهو يطرق الجدار الصامت بصخبه الشعري، ليؤكد على وجوده. بحواسها التي يطرقها بلا وجل ولا كلل. وانما هو الطفل الحالم والمشاكس، الذي يكبر بعشقه المشتهى. يكبر بغريزته الطامحة الى امتلاك الاشياء. يغور في اعماق الحياة العارية بالاسود والابيض (الفحم والطباشير) فهو يصنع الحرف الشعري، ينحته، يرسمه، يصوره بأشكال مشتهاة الروح، يعجنه بالاسئلة الصاخبة في دلالتها الرمزية والتعبيرية. ويحاول ان يلفت انتباه القارئ او السامع ليشده في الانتباه اليه، ثم يجذبه بالمؤثرات، في أثارة الحواس الداخلية. ليضعه في محنة السؤال والتساؤل. لذا فأن ملامح قصائد المجموعة الشعرية (فحم وطباشير) فتحت الآفاق العريضة في تجربته الشعرية. بالطرق غير المألوفة، حتى اكتسب اسلوبية ملهمة في الشعر، التي تهيج بفعلها فوضى الحواس، في عواطفها الهائجة والمتمردة على أشياء الواقع. لذلك ان قصائد المجموعة في أسلوبيتها الشعرية، تمتلك المونتاج المركب. بسيناريو خزين الذاكرة. وسيناريو الاشياء الحياتية والوجودية الظاهر والملموسمة في افعال الواقع. لذلك يطرقها بقوة بما يمتلك من الفعل الشعري المتعدد الابعاد. في التمرد. في العشق، في كنة الضياع الحياتي. في كنة الاشتياق الجامح، بما فيها الشهوة والغريزة الايروتيكية. فهو العاشق المتمرد ينتمي الى كل الاشياء في كرسي الحياة الهزاز والمهزور، فهو العاشق من الصليب الى الهلال (صليب يبكي هلاله الذي / في السماء !!) ص45. فهو عاشق بغزيرته وفطرته، في الاشتهى الى الحرية المفقودة، كالاشتهى الى الايروتيكية المشتهاة. الى الانوثة العاشقة البريئة. لذلك يرسم حواس الوجدان والواقع، بالاسود والابيض (الفحم والطاشير) كما هي في الحياة العارية. فهو (بروميثيوس) في العتمة والنور. في الفعل الى امتلاك الحرية الفقودة، مهما كانت النتائج، فهو العاشق المتمرد. في الصمت والصخب. في استفزاز الحواس. لكنه يظل بحاراً، يسعى ويجول في البحث عن العشق والحرية. هذه ملامح قصائد المجموعة. التي انطلق بها الى القمة الشعرية في الشعر بعد ذلك. نحاول ابراز هذه الرحلة الحياتية والشعرية في بعض مقتطفاتها الشعرية أ بعض محطاتها:

1 - تصوير الحياة العارية بلا رتوش، كما هي في مجريات أشيائها المجردة بالاسود والابيض (الفحم والطباشير). فالحياة اصبحت لعبة بين هذين اللونين، تتحرك بهما من جهة الى اخرى. بما تحمل من زيف وتهريج في اشيائها الظاهرية. بما يجعل الغرق في التوجس الحياتي، في عذاب الكتابة بالفحم. وعذاب سر العشق في الكتابة بالطباشير. لكنهما في المحصلة النهاية تكون بؤرة. الصراع والجدل. الفراغ والامتلأ. بذلك تضيع الصياغات بين عالم المعلوم، او عالم الغيب او المجهول. لكن الفراغ ينتظر. الصمت ينتظر. السر ينتظر. الصيحة تنتظر، في عين الاشياء اللافتة. لكنها في النهاية تتعذب بين سر الفحم والطباشير.

 عذبني الفحم

 أجهد أن أرحله

 يباغتني رغما عني

 يعاودني.... فصلاً في الاخر

 والطباشيري.... سر ُّ من ذاك الفحم

 نفس كتبت.. كتبتْ..... تتعذب بذات السر بين الفحم

 وطباشير

 هوة الاشياء في عين اللافتة

 متاهات....

 وقبضة الصيحةٍ

 في

 أثر المشنوقين غرقاً....

 أتدري يا صاحبي...... ؟

 على قيد الغيبِ

 يمضي البحر.. !

والليل الى سواء

2 - مرأة من ندى، عاشقة برئية، تتكون ملامحها في القلب والوجدان والحواس، تعيش معه في ذاكرة الفكرة يشعر أنه طفلُ يكبر بها بالحلم والاشتياق، في المعاكسة والاشتهاء، في المستحيل والمعلوم، في النور والعدم. يحبها كشمس الحرية، او حرية الانعتاق، يلمسها كالحرير العاري ويغالي في القبل، ليعلن انتصاره في لهيب الجوع بالحب والاشتهاء. 

سيدتي.. سامحي خرافي، جنوني، وهذا التباهي

عيناك المستحيل

أحبك بكل ما ينبغي وعلى الرغم

كالشمس

كالحرية

أدور، وتدور.. مشدودة للانفلات

وأتنفسها

أتلمس حرير عريها

أغالي بالتقبيل

هي تعلم هذا انتصاري

وهوة تدركها جرحا صبورا يستسقي من أناملي هدأة طيبة

أدور، وتدور، وتلتف بضبابي جارية الصعلوك

تتنهد على صدري

تشاورني همسا

كم قبيح جميل أميري

هب لي الجوع

كل الحب

3 - لا أحد يعرف انه في فراغ. يدور في حلقة الفراغ. في العزلة الثقيلة تضربه برأسها، وتجعله يتغذى على الفراغ. يبحث عن كينونات الفراغ بالارق. يبحث عن كتابها في قعر البئر. كما هو ساكن في قعر الفراغ، في الدلو الصاعد والنازل، يبكي عشقه او نصفه الثاني، كما الصليب يبكي هلاله، الذي في السماء. 

تطل ُالعزلة ُ

برأسها الثقيل

ليس اكبر من رأس خنفساء

أمنـَّتُ عليه في الجرار

جرااااااااار...

واجترحت شرخا:

يتغذى عليه ذاك الأرق

منذ ذلك الحين

يراني الفراغ ُ.. فراغا

ابحث كتابا..

يعتمر قبعة البئر

إحدى عشرة غيمات شتات

الحبل النازل _ نصفه

الدلو الصاعد _ نصفه

ونصفه..

صليب يبكى هلاله الذي

في السماء!!؟

4 - عبق الحياة بين الحب والموت. تستفزه الشهوة المرتعشة بقوة الرغبة الى الحرية، كقوة الرغبة في الاشتهاء الايروتيكي. لذلك يبحر بقوة هذا الدافع في الاشتهاء، لاجتياز حاجز الخجل المنافق. وهو يلتهب في رأسه أمرأة مشتهاة. ان يقتحم هذا الجمال بالجنون التعري، يلامس الجسد الحرام بالشهوة المشتهاة. فهو يسعى اليها. لكي يكبر في ألم المعاناة والخطايا لعاشقة الحب البريئة، لكنه يشتهي الجسد في سره المكبوت.

ها... وأدخل جمجمتي بامرأة

جسدا أشهى ما فيه سرّه

وأنا في منتهاها، بيننا خوف لا يفسر

عصي هذا الجمال أو ما يكون به وحشي

أأكون أشجع من الجنون؟!!

كان التعري عاريا تماما

وراحة يدي تلامس ذاك الجسد الحرام

تزاحمني صور كثيرة..خبال يزاحمني

أود الهروب اليها:

الى وحدتي فيها، وحريتي المشتهاة

وها هي هنا..امرأة خاصة

ننشق عن الحقيقة.. نبتكر التدمير

ليكون فينا من جمال عدوى لدمار

مبتداها... الذات والآخرون

كلنا يعرفه الألم، نحدق به ويحدقنا

يعرف خطايانا الجليلة

معنا من يرقص رقصتنا..

5 - ما يدونه بدهشة العشق. تركض. تلهث. يبلغ صوتها الاتي من مغارة وفارزة السؤال والصدفة الساقطة. من مغارة العشق ينسخها بالطباشير. من مغارة الفحم يسنسخها في الفراغ والتشرد. عالقة بين أما وأما. بين القراءة السابقة واللاحقة. يبقى المكتوب جدلاً. يسجل ميلاد مسلة الحياة، في التأمل واليقين والصلاة والحرية. تبقى الحياة لعبة بين الفحم والطباشير. 

حَملتُ قرطاسي و قنطرتي و مضيتُ

مفعمٌ بالطباشيرِ منتشراً فيه

يُقرئني (أقرأَ الفراغَ)

  (أقرأ الصدفةَ)

(أقرأَ القــدرَ)

كتبتكَ لا أملكهُ..... كتبتكَ يصنعني

يُقرئني

 **

(أقرأَ....

السابقةَ.. أقرأَ اللاحقةَ)

كتبتكَ جدلاً عالقاً

كتبتك بينَ أمّا و إمّا

يُقرئني الضوءَ

يُقرئني التجليَّ

يُقرئني التأملَ

يُقرئني اليقينَ

يُقرئني الصلاةَ

يُقرئني الحريةَ

..

..

..

كتبتكَ.. هي غايةٌ للكونِ فينا

6 - في خندق الصورة، او في خندق الحياة يرسمها في ساعة الغيب العائم على الخوف، يتعرى، يبكي. يدمي. ينتصر، ويتجلى جسداً عارياً. منجذبا، صائعاً، أو هارباً، من نار او من لهب الحرير. تتجاذبه لعبة الغوايتين أو الشهوتين، في اية صورة يرسمهما لهما، لتتشكل في دائرة الصمت والصخب، لينفث بالروح العاشقة. 

شاقة رحلة الفرار المعكوس

عدت

وأسأل الخوف...

أسأل المتهم منا

كل الخوف خائف

كل الخوف متهم

عدت منطويا على كون من الصمت

أسيرا بما يلوح..

يضاعف نفسه

يسعى أن يكون صورة...

ونفثة من الروح يعشق نفسه

وأنا تحت المران لإرادة الصورة

تنتصر على عصيان الوعي القديم

كون

يدمي

يبكي

ينتصر

يتجلى جسدا عاريا، مدهشا، منجذبا هاربا

لهب نار أو لهب حرير...

وأي الغوايتين..........؟

***

 × الكتاب: مجموعة شعرية: فحم وطباشير

× المؤلف: الشاعر فلاح الشابندر

× تاريخ الاصدار: الطبعة الثانية عام 2016

× عدد الصفحات: 148 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

 

عبد الله الفيفياللغة كائنٌ حيٌّ، تجميدها في حقبةٍ لغويَّةٍ، أو البحث عن استعمالٍ منها في عصرٍ لغويٍّ محدَّد- حدَّده بعضهم، للغة العربيَّة، بما قبل 150 هجريَّة- هو إعاقةٌ لها، وتحجيرُ واسعٍ فيها، وإماتةٌ لطاقاتها الكُلِّيَّة، وتَلْخِيْمٌ لعبقريَّتها في التجدُّد، وتعطيلٌ لقدراتها على مواكبة المعاني، ومَدِّ ظِلالها غير النهائيَّة، واتجاهاتها الدلاليَّة الحافَّة. وإنما تنبغي مراعاة نواميس النظام اللغويِّ العامِّ وقياساته، لا التشبُّث بحرفيَّة المسموع من اللغة في المعاجم. وليت شِعري كم سمع علماء اللغة عن العرب؟! أقلُّ القليل. بل ما كانوا إلَّا نَقَلَة، وسمَّاعين، ورواة، لا باحثين، ولا ذوي مناهج عِلْميَّة قويمة في الاستقراء، على الغالب.

أولئك العلماء الذين كثيرًا ما كانوا يختمون تخميناتهم بعبارة: "والله عزَّ وجلَّ أعلم"، كقول (ابن منظور، لسان العرب، (هرش))، مثلًا: "الجوهري: هَرْشَى: ثَنِيَّةٌ في طريق مَكَّة، قريبة من الجُحْفة، يُرَى منها البحرُ، ولها طريقان، فكلُّ مَنْ سَلَكَهما كان مُصِيبًا. وفي الحديث ذِكْر ثَنيَّة هَرْشَى؛ قال ابن الأثير: هي ثنيَّةٌ بين مَكَّة والمدينة، وقيل: هَرْشَى جبلٌ قريبٌ من الجُحْفة، واللَّه عزَّ وجلَّ أعلم." وإذا كان هذا في أمر مكان، طريق أو جبل معروف، فكيف بما سِواه؟! وما من شكٍّ في أن الله أعلم بكلِّ شيء، وليس المجال بمجال شكٍّ أو إثبات، لكن تلك العبارة إنما تدلُّ على شكِّ العالم نفسه في ما توصَّل إليه من معلومات؛ إمَّا لأنه لم يستطع أفضل ممَّا استطاع، وكأنه بصدد شأنٍ من أمور الغيب، لا يعلمه إلَّا الله، وإمَّا لأنه يريد أن يُلقي بتلك العبارة عن كاهله العبءَ وأمانة البحث. وإلَّا فالباحث مفترضٌ فيه أن يتأكَّد بنفسه من صحَّة المعلومة، ولا سيما حين تكون بحجم جبلٍ كجبل (هَرْشَى)، على سبيل المثال.  وعلى هذا فقس!

ولقد كان ما أُثبِتَ سماعًا من العربيَّة نِسبةً قليلةً جِدًّا من اللغة، حتى قال (أبو عمرو ابن العلاء): "ما انتهَى إليكم ممَّا قالت العربُ إلَّا أقلَّه، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم عِلْمٌ وشِعرٌ كثير" (1). 

-2-

وقد أتاحت لي تجربتي العمليَّة في مجلس الشورَى، خلال العِقدَين الأخيرَين، اطِّلاعًا ميدانيًّا على بعض ما يشتجر الناس في صحَّته لُغويًّا من استعمالات المعاصرين، ولا سيما وأنا بين كوكبةٍ من مختلف التخصُّصات والاهتمامات ومشارب الثقافة. من ذلك الخلاف حول قول الناس: "خَصَمْتُ من المبلغ كذا"، فيأتيك بعضهم عارضًا رمحه: الصواب: "حَسَمْتُ..."، أي: قطعتُ، أو اقتطعتُ. مع أني لم أجد (محمَّد العدناني) قد تطرَّق إلى هذه المسألة في كتابه "معجم الأغلاط اللغويَّة المعاصرة". لكني كنتُ أرَى أنَّ التعبير بـ"خَصَمْتُ" ليس بخطأ، وأن له أصلًا في العربيَّة. ولعلَّه مشتقٌّ من "الخُصْم"، وهو طَرَف الشيء وجانبه. جاء في (الزمخشري، أساس البلاغة، (خصم): "ضَعْه في خُصْم الفِراش، وهو جانبه." فكأنَّ قولهم: "خَصَمَ المبلغَ" بمعنى: نحَّاه وجَنَّبَه، أي جَعَله في خُصْم الحسبة. وقد وجدتُ (النويري، شهاب الدِّين أحمد بن عبد الوهَّاب، -733هـ= 1332م)، في كتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب"(2)، يستعمل هذا التعبير في مواضع كثيرة من كتابه، كقوله، تحت عنوان "ذِكر ما ينتج عن التعليق من الحسبانات بعد المخازيم": "وإنْ صرفَ نقدًا بنقدٍ ذَكَرَه بعد الفذلَكة، واستَقرَّ بالجملة بعده وإلَّا فالفذلَكة بمفردها؛ ثمَّ يَخْصمُ تلك الجملةَ بما لعلَّه حملَه أو نقلَه على معاملةٍ أخرى أو صرفَه...". ويقول: "وقد اقتُرِح في بعض الممالك الشاميَّة في بعض السنين على المباشرين أن يُضمِّنوا خِتَمهم ما يوردونه في الأصل من جهات الأصول- كلِّ جهة من المستخرَج والمُجرَى- الأصلَ مختومًا والخَصْم مفصَّلًا بجهاته؛ مثال ذلك أن يقول في الأصل: الجهةُ الفُلانيَّةُ في التاريخ الفُلاني كذا وكذا درهمًا(3)؛ ويذكُر تحت ذلك التاريخ خَصْمَ تلك الجملة؛ وفي الخَصْم إذا ذكرَ اسم ربِّ استحقاق وما وَصل إليه في كل تاريخ يقول: التاريخ الفُلانيّ؛ ويعيِّن جهاته؛ ويشطب المسترفعُ الأصلَ على الخَصْم... وأمَّا التوالي، فهي إذا أُطلِقت أُريدَ بها توالي الغلال؛ وكيفيتها أنه إذا مضت مُدَّة على ما قدَّمناه في شرح الختَم نَظَم كاتب الجهة حسابًا للغلَّة، اسمه التالي، يشرح في صدره بعد البسملة: تالٍ بما انساق حاصلًا من الغلال بالجهة الفُلانيَّة إلى آخر المُدَّة الفُلانيَّة، مضافًا مخصومًا إلى آخر كذا". وقوله: "فمن الكُتَّاب من يسوقه بجملته حاصلًا، ويَخْصمُ بمقتضى التالي؛ ومنهم من يَخْصمُ بما حَمَلَه وصرَفَه في مُدَّة تحصيله للمَغَلِّ، ويسوق ما بقي إلى الحاصل، ويَستغني بذلك عن تالٍ لتلك المُدَّة". وقوله: "فإذا ذَكَر ما وَقَع عنده استقرَّ حينئذ بالجملة على ما قام عليه ميزان عمله؛ ثمَّ يَخْصمُ بما يَسُوغُ الخَصْمُ به، ويسوق إلى حاصله". وقوله: "...ويفصِّل المستخرَجَ والمتحصّل بسنيه، ثمَّ يَخْصمُ ما استخرجه وحصَّله، فيبدأ في الخَصْم بالحَمْل من الأموال، والحمول من الغلال والأصناف...". وإنما أطلتُ الاستشهاد، لا لبيان استعمال الكلمة في تراثنا فحسب، ولكن أيضًا لبيان اهتمام هؤلاء بأصول المحاسبات والمعاملات. صحيح أن النويري كان يستعمل المصطلح الدارج في زمنه، القرن السادس والسابع الهجريَّين، بَيْدَ أن لذلك المصطلح وجاهته كما تقدَّم، ومِن تنطُّع الهالكين، اليومَ، تخطئة من استعمل "خَصَمَ"، لا "حَسَمَ"، وكأنه قد جاء منكَرًا من القول وزورًا.

إنَّ للوأد عند العَرَب ضروبًا وأشكالًا، منها وأْد العَرَبيَّة في تراب التراث، أو في بحر الآخَر!

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

.......................................

(1)  الجُمَحي، ابن سلَّام، (-231هـ)، (1982)، طبقات الشعراء، تح. جوزف هل (بيروت: دار الكُتُب العلميَّة)، 34.

 (2)  طبعة (القاهرة: دار الكُتب المِصْريَّة، 1350هـ= 1931م)، 8: 276- 278، 285، 289.

 (3)  كلمة "درهم" في لسان العرب تعني العُملة النقديَّة عمومًا، بقطع النظر عن نوعها. وما زال التعبير بـ"الدراهم" في هذا المعنى العامِّ متداولًا إلى الآن في لهجات الجزيرة العربيَّة، مع أن العُملة المتداولة ليست الدرهم بل الريال. وبهذا جاء التعبير القرآني عن الثمن البخس الذي اشتُري به (يُوسف، عليه السلام): "دراهم معدودة". وجاء في الحديث كذلك تحقير "عبد الدرهم والدينار".  أ فيعني ذلك استثناء عبد اليورو والدولار، مثلًا؟! ومن الطرائف أن ينتقد بعض المتفطِّنين الأغبياء نصَّ القرآن لتعبيره عن العُملة التي اشتُرِي بها يُوسف بـ"الدراهم"! وعلى افتراض صحَّة هذا الاعتراض من حيث تاريخ العُملات، وما هو بصحيح، فإن التعبير القرآني ليس إلَّا تعبيرًا عامًّا عن المبلغ الزهيد، أي بما يُعادِل دراهم معدودة، ولم يكن الغرض تحديد "فاتورة" السِّعر الذي بيع به يوسف. ومع أن القرآن ليس بكتابٍ في العُملات القديمة والتاريخ أصلًا، فإن أولئك المتفطِّنين المعاصرين لا يفقه أكثرهم سياقات الخطاب عادةً، فضلًا عن معرفة لغة العرب وتاريخ الألفاظ والدلالات، بل قد لا تعنيهم الوجاهة العِلميَّة لما يُماحكون فيه بدعوَى الانتقاد، وإنَّما يَؤُزُّ بعضَهم إلى الانتقاد وازعُ الاعتقاد.

 

استوعبت رواية (دابادا) لـ (حسن مطلك) الخروقات جميعها، لتؤسس لذاتها متناً كتابياً مميزاً، ومثمراً، ومجدداً، وشاملاً، قابل للديمومة والعطاء .

إذ انطلقت سردية الرواية بفعلٍ قصدي لنقد الممنوعات جميعها، بشمولية وذكاء روائي مميز، يحسب للروائي لاعليه، ليوظف التقانات جميعها، من تورية، وقناع، ورمزية، وسريالية، وغرائبية...الخ، ومن هنا حققت الرواية لنصها الديمومة، والتميز المتقن.

جاءت سرديتها ناقدة للتابوات جميعها (سياسة، دين، جنس، قبيلة) وهذه الأخيرة من اخطرها، وهي ماركزت الرواية علية بصورة مميزة.

شخصياتها واضحة ومفهومة، ولا تحتاج إلى اعمال الذهن في فك شفراتها؛ لأنها مركبة من واقع معاش، والقارىء الواعي باستطاعته فهمها وفك شفراتها الرمزية.

تبدأ السردية بمأساة (هاجر) الزوجة الباحثة عن زوجها (محمود) الذي خرج ولم يعد، الغائب عن زوجته، الحاضر في مخيلتها، علة فقدانه تنحصر بحكاية خرافية ملفقة، تنحصر في أن (محمود) خرج إلى البراري التي دخل اليها ولم يعرف مصيره؛ لأن الارنب المبقع  اجبره على ملازمة البرية معه، والحقيقة لم يكن هناك ارنباً بل مجموعة ارانب، اوشت بحياة الكثيرين امثال محمود؛ لأن الأرض " مليئة بالارانب المبقعة"، وكانت هاجر " في كل خريف تتجدد ذكرى ضياع الأب في البراري بسبب ارنب مبقع"، مما دفعها إلى طرق الابواب جميعها من دون اية نتيجة .

احتل (شاهين) بطولة الرواية، وهو الطفل اليتيم الباحث مع امه (هاجر) عن الأب المفقود، واحتل الظلام جزئية كبيرة من حياته المعتمة الضائعة بين الوجود واللا وجود، بين الأمل بغدٍ جديد، الممحو بمعترك ظلام الليل المتجدد، المنزوي في سوداوية البحث عن والده (محمود)، ليلاقي المصير المجهول هو الاخر بسبب السلطة التنفيذية التي يقودها جاسوس السلطة (حلاب) الذي اودى بحياة الكثير من الابرياء واولهم (محمود)، ثم بحياة (عبد المجيد) مختار القرية، الذي قتل بطريقة بشعة، عن طريق سم الفئران الذي دُس اليه بالطعام، عن طريق القاتل المجرم (حلاب) الذي سعى بقصدية عالية إلى هذا العمل الأجرامي، بهدف الحصول على منصب ولاية القبيلة، والذي حقق مبتغاه فيما بعد، ليصبح وجوده طوعي واجباري" افسحوا الطريق لحلاب. جاء حلاب افسحوا الطريق. ابتعدوا"، هذا هو المشهد الجديد، والهدف المحقق لـ (حلاب)، الذي عمل جاسوساً للسلطة لمدة" سبعة وعشرون عاماً من المؤمرات، لأجل هذه اللحظة" .

والسريالية نلمسها ايضاً في شخصية الرسام (عواد) الذي رسم كلبه (شرار) بصورة الكلب الغادر لا الوفي.

وانتهت الرواية بمصير مجهول لبطلها (شاهين) الذي كان ينتكس من اخبار العراق" زلازل. فياضانات. اخبار مجاعة السود. محدثات نزع السلاح النووي . عمليات الفدائيين العرب. جلسات مجلس الأمن . ارهاب عالمي. مخدرات. فضائح سياسية . تجسس. جرائم. خطف. حروب.انقلابات"

ونقدت السياسة المغلفة برداء الدين بالقول: " وهم يضحكون يومياً بين سجاداتهم المزينة بصور طواويس وأعراف هداهد وقرون وعول تمتص صدى قهقهاتهم وكلامهم السطحي الدافىء يهمسون في لحظات الهدوء بعد العاصفة، حركة واحدة كصلاة إلى الأسفل بحيث يمتلىء الهواء بأماكنهم "، " شيوخ يحسبون خرز المسبحات او يكرزون بذور عباد الشمس تحت لافته: البول للحمير".

أضيف، الرواية حققت وجودها المعلن على الساحة الأدبية والثقافية؛ لأنها انطلقت من عقم الواقع المعاش، وحققت وجودها عن طريق الخرق المعلن لمقص الرقيب، بذكاء الروائي الشهيد، ليترك لقلمه بصمة ادبية جريئة، خرقت الممنوع في وقت الممنوع، أي أنها كتبت في ظروف تمنع مثل هذه الكتابات السردية الناقدة لعقم الواقع وجحيمه.

 

د. وسن مرشد

 

1151 جاسم العليلدى الشاعر العراقي "جاسم العلي" في مجموعته "ومض الأجنحة".

لا أستغرب أبدا حين أقرأ الكثير من المقالات عن هذه المجموعة الشعرية الأولى للشاعر العراقي "جاسم العلي" وخاصة من أسماء مهمة في المجال النقدي في الساحة العراقية والعربية ، وهم يشيدون بهذا المنجز الإبداعي الأول ، مطالبين الشاعر بالمزيد والمواصلة من آجل الإرتقاء بهذه القصيدة ، وأقصد قصيدة "الومضة" في سماء الأبداع الشعري في أيامنا هذه ، ومن هذه الأسماء كما جاء في المجموعة الناقد العراقي " اسماعيل ابراهيم عبد " والذي يقول " ببط شديد ونمو مضطرد  وبإصرار للإمساك بلحظة الشعر المنتقاة يحتفي الشاعر " جاسم العلي " بنموذجه الخاص " ومض الأجنحة " وإذ يحتفي بمعنى انه سيحتوي مسالك الشعرية للومضة الشعرية ،ص113 والقصيدة القصيرة ، والقصيدة المطولة نوعا ما .

المطرُ الذي لا يشبهُكِ

ينزلُ كالغثيان على روحي ص70

على ضوء مزاولته الفعلية واشتراكه في تكوين تجاربه في الحياة التي أراد منها على مر الأيام أن تكون مصنعا يعج بالقيم والمفاهيم الفلسفية ، وحينها كان مأخوذا بعلم جمال اللغة ، بعد أن عمل في المشهد المسرحي والشعري منذُ ُ صباه في مدينته الثورة ،والذي عمق لديه القيم والمثل في نفسه من خلال قراءاته المتصلة التي أدخلته في هذا الحقل المعرفي حتى إنه أشتغل على معرفة جميع الأداب التي أنطلقت من اليونانية واللاتينية القديمة حتى يومنا هذا .

على أي المداخل ؟

أضفنا خطونا ونسجنا

للوهم أغنية العناكب

أونشيد الأقحوان ص109

وقد حالفني الحظ أن التقيه في بغداد في زيارتي الأخيرة ، وأحصل على نسخة من ديوانه المعنون " ومض الأجنحة " الصادر من دار نشر مؤسسة ثائر العصامي ، والمجموعة من القطع المتوسط وتقع في 118 صفحة ، ولأن الشاعر قضية وموقف ترتبط مع البيئة والثقافة ، فأراد الشاعر والمسرحي " العلي " أن يرسل تلك الأشارات المعرفية عبر الدهشة والذهول لكي يحرك وعي القارىْ وتوجيهه حتى يسهم إسهاما مماثلا فيعمق الوعي ،والأدب برمته شق للحجب ومحو للطلاء حتى تتكشف الإنسانية من حقيقتها ،

المقابر ُ الخفية ُ فينا

تعبر بظلالها جسور

الأزمنة ص 35

وبدورنا وفي هذه المرحلة المهمة من حياتنا ، ان نشجع أي منجز أدبي ، وان نبحث عن مواضع الجمال والروعة فيه ،فكيف وبين يدي مجموعة شعرية تمتلك الكثير من المقومات منها قوة التصوير وفيها من الأنسجامات الصوتية التي تكون الموسيقى الشعرية الحية والخالية من الرتابة والاملال ،والشاعر " العلي " في هذه المجموعة الشعرية الأولى يعبئ الروح المعنوية منطلقا من نصوصه الشعرية المستغرقة في هذا الشجن اليومي والتأمل الذي لا ينقطع من ذهن هذا الشاعر الحالم .

على صغرها كفك

كأن أمومة

الأرض بها ص 129

و"العلي" الذي عرفته عن قرب يحاول بهذه المجموعة اكتناز معظم الدلالات ضمن إرضية ضيقة ومفردات قليلة لها وقع في النفس البشرية، والأ ما هي الأسباب التي دعت الشاعر " العلي " من أن يحمل خصوصية متفردة يسعى من خلالها الى التجريب والتفرد في صوره الشعرية القصيرة التي عمقها حسب مخزونه المعرفي وكذلك منظوره الجمالي الذي يلفت النظر في معظم قصائده " الباء ، الواو " لقاء ، انغلاق " وغيرها الكثير من القصائد .

ينهمر ُ الوجعُ المقفى

بالرصاص

فتذكر ُ تلك  الليالي والسؤال

والصور . ص 81

وكما يقال عن قصيدة الومضة ، هي  شكل من أشكال الإنزياح الذي يباغت المتلقي ويخيب أفق انتظاره، فا للا منتظر هو تلك التركيبة الأسلوبية المتميزة القائمة على مصاحبة لغوية عادية .1 حتى يبعث لك ومن خلال نصوصه الشعرية القصيرة تلك الرسائل الجمالية والمعرفية الى الأخر المتابع، وتبقى نصوصه هي طرح المعادل الموضوعي على صعيد ما يرسمه في وعيه من علاقات خارجية ، والذي يعرف الشاعر "العلي" يجده قلقا في طرح قضاياه وافكاره ، لأن الأستقرار الداخلي هو ناتج عن اضطراب الرؤية الخارجية ، لذلك ينعكس الهم الحياتي على الهم الشعري انعكاسا تراكميا ينتج عن نص ينطوي على المواجهة والتحدي ،

حين تصير الأحلام

على أرصفة ِ

الوجع

محض سراب ص60

وهذه المجموعة هي صراخات داخلية مشتعلة بفلسفة الحياة المعبأ بلون الحزن ، فيعبر عنها من خلال قدرته على التلاعب بالكلمات والمعاني ، وهومن  الذين قست عليهم الحياة كغيره من الأف الرجال ،وتقصير ملكته عن تحقيق طموحهم ، الإ إنه أحسن نسيج تصوير مفرداته الشعرية بدقة وامانة .والعارف أو الدارس يجد في الشعر التصويري والذي يستمد جماله من روعة هذا التصوير اكثر مما يستمد من موسيقاه وخاصة في القصائد الطوال في هذه المجموعة التي تتضمن 90 نصا شعريا ينقسم بين الومض القصير والمتوسط والطويل .

لا ترقد بمساحات ِ

الحلم

والأزقة ُ تتوهج ُ

بجثامين الورد

معراج ألم ص65

واخيرا نحن وهو نظل حالمين بالحان مجنحة وفي اجواء منغمة لما للحياة من طعم آخر، حتى انه ومن خلال هذه المجموعة قدم لنا اضافة مميزة للمكتبة العربية في عالم شعر الومضة التي هي اداة للتعبير عن باطن النفس .

وقود ُ الأيام ُ

على ألاعتاب

ورود

ووتر ُ الأه النازف ُ

بالروح

صرخة ُ عود

***

قاسم ماضي – ديترويت

 

1149 احمد بياضلقد أضحى في الفترة الأخيرة، الانجذاب إلى الكتابة الملتصقة بمفهوم السرد التعبيري، ملمحا إبداعيا، تزخر به الشعرية العربية في فضاءاتها المابعد حداثية، وثمة أسماء استطاعت بصم حضورها الوازن، في غمرة هذا المد الذي له مبرّراته، بكل تأكيد.

وممن أجادوا الممارسة في السرد التعبيري، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، الشاعر المغربي الدكتور أحمد بياض، الذي يبدو أنه وجد ضالته في هذا الحقل المغري، عبر مجموعته " موت كف على غسيل نجمة" الصادرة سنة 2018، عن جامعة المبدعين المغاربة، الدار البيضاء .

وتقع هذه المجموعة في ما يربو على الخمسين صفحة بقليل، 22 نصا، مغازلا بسحر هذا الانشغال داخل دهاليز البوح التعبيري، منتصرا لكثافة الأحاسيس وتوليد أقصى الضغوط من لممها ونثارها، على حساب السيميائية المقنعة بمتاهات الغموض، في الكثير من الأحايين.

لهذا القالب التعبيري، أبعاده الرّسالية التي تحمي النص من فخاخ السفسطة، وتدوير المفردات بشكل عبثي عشوائي، تختنق له الدلالة ويضيق على الحمولة المعرفية، المطالبة بتأدية وظائفها، وبامتياز، قصائد تدّعي أنها من رحم الواقع، وتنهل من يومياته، متشربة بمعجمها، دقّ وجِلَّ التفاصيل.

بحيث يركز الشاعر احمد بياض، على المعنى الإنساني، كتيمة ركيزة وأساسية، ينبض بها بوحه التعبيري، مع تخفف وتحرر كبير من مقومات السرد الذي قد يجهز على التفشي البصري في إطار حداثي، من ورائه متلقّ يتطلّع إلى لغة الصورة، في تضمنها لجوانب رسالية، تمس صميمه الإنساني، فتشبع فضوله المعرفي والجمالي على حد سواء، كما تطفئ غبنه الوجودي، ككائن بات يميل إلى الغرابة، هروبا من عالم أمعن في أسر الروح وتغريبها، ومن ثم، لم يعد للمفردة الطنانة، حيّزا في سلم أولويات قارئ شغوف بماهية الصورة، فيما تحمله من تقزيم جملة الرسائل ليسهل عليه تلقّفها والتقاطها، على نحو لاهث متسارع، طبيعته من طبيعة العصر، فهو بالتالي، يتصيد محطات المفارقة، كي يغنم لذة النص والزمان والمكان، يعشق اللوحة التي تصور الرسالة على عجل، فلا تسرف ولا تطنب بما كان بالأمس، يؤديه العنصر السمعي.

إنها لغة القليل الدال، تترجمه صور السرد التعبيري، مثلما سنتابع ذلك في جملة من مواقف شاعرنا الذي نحن بصدد مقاربة منجزه، موت كف على غسيل غيمة.

كتب مقدمة هذه المجموعة الدكتور أنور غني الموسوي، قائلا :

[إن هذا الفهم المهم للقصيدة وهذا التحول الفكري في اللغة يفتح آفاقا جديدة في الكتابة بل في الحضارة الإنسانية حيث يتحول النص من كتلة دلالية إلى كتل شعورية وهذا هو البعد التعبيري للكتابة.

أما اللمحات التجريدية في كتابة احمد بياض فإننا نجدها متحققة في نصوص من ديوانه "موت كف على غسيل نجمة " بتركيز عال وتجل قوي للبعد الإحساسي وخفوت الغايات الدلالية والإفهامية].

ترجح الميكانيزمات التجريدية على بقية معطيات الكتابة الذهنية، في تجربة احمد بياض، من خلال منجزه هذا، لتركّز الخطاب الإنساني، والبعد الرّسالي في صور خاطفة تترادف وتأخذ خطا تصاعديا، تشفّ له المقاصد من كلية النص.

نقتبس له المقتطفات التالية:

[الفضاء المشلول جرح الولادة ؛ بسوس على نجمة الريح...

وعادت النوارس تسبح في فضاء الدخان وراء الأبعاد المتنحية بثوب العشق ؛ حالمة بأديم الغياب وصفرة الريح](1).

هي مشاهد قمة في الخريفية، تظل الذات عبرها، ومن خلالها، مشدودة إلى خلل ما في الولادة، سماه صاحبنا جرحا، أي نعم، وهو يرخي بتبعاته على وجودنا الإنساني، حدّا تتمزق له الهوية، ولا تتم اللملمة إلا بالتمكين للغة العشق، للوظيفة الإحساسية السيكولوجية، وإلاّ فالسباحة في دخان الخراب والهزائم والانكسارات والوجع الكوني، الذي ما يفتأ يتجرعه الإنسان، مستمر وأبدي، لحين الانقراض الكلي والإبادة الشاملة.

يقول :

[لهجة متصوفة على شفتي بئر...ترعى حلم الأطفال، حين يبحر النشيد في مملكة الدخان.

رماد جارح، وشم مبتور، ولغة الحنين قميص الهواء.

شوق ينمحي في عرق الوصول.

لا تمطر السحابة الثكلى والقلب يحمل آهات الرخام ] (2).

من أي ثغرة، ننفذ إلى لبّ هذه الصورة المرتجة الراجفة لرعاف الأحاسيس؟

وأنى لنا الوصول، وإن تأويلا، إلى ما يود شاعرنا الذهاب إليه، سوى ما يفيده " الحلم الطفولي" في إعادة إنتاج معاني إنسانية الآباء المحترقة مصائرهم في مملكة الأنانيات الآدمية، إيديولوجيا وثقافيا، وفي جميع المجالات التي تستعبد البشر فتحولهم إلى وحوش يلتهم بعضهم بعضا.

هي مملكة الدخان، مثلما أصرّ على تسميتها صاحب المنجز، في أكثر من مناسبة، الكائن القاتل المقتول، الجاني المجني عليه، والمعنى الزئبقي للأخ الذئب.

أنانية حالت دون دور الكبار في رعاية أحلام الصغار، فاستأسدت كامل طقوس هذه الجنائزية وصال الخراب في عالمنا وجال.

مثلما يقول :

[تحاكي جدتي الوشمة الباقية في زهد الليل.

على الوسادة حلم عالق في حوض الشتاء.

لقد شيد الخريف طقوس الفراغ.'

على المجلدات الباهتة وشم الحروف نمسح جذور التأمل على موج البحر...

سحابة تمطر بلون الخليج اختلال المنابع](3).

"جرح الولادة " و اختلال المنابع" وغيرها من الصياغات التي تصب في هذا الاتجاه، متوفرة ومتعددة التجليات في الديوان، كي تمنحنا فكرة عميقة عن وعكة وجودية ولدت معنا، كأجيال لم يُحترم حلمها، ولم تترك لها حرية تنفس الذاكرة، بروح مبدعة ومجددة ومبتكرة.

خلاصة القول أن إنتاج المعنى في شعر احمد بياض، يتم عبر شرايين البوح التعبيري، السانح للمكون البصري، بقول كلمته، وتلوين بياض العالم والذات، بأصواته، كلمة فصل، محققة للإدهاش المطلوب، ومحمولة على تيار المفارقات القادر على صناعتها خطاب الصورة المكتّلة للأحاسيس.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

............................

هامش:

(1) من نص "مسام الجليد" صفحة 10.

(2) نص "شوق مبتور" صفحة18.

(3) من نص "ريح الصمت" صفحة44.

 

فالح الحجيةالشعر هو الكلمة الجميلة التي تنمو ضمن مفاصل الحياة ومن خلالها لتسجل اعمق بواطنها فحلم جميل تسعد اليه النفس وتسمو اليه الروح حتى في حالة شقائها . .

فالشعر معرفة انسانية مستلهمة تحمل معطيات الرؤية و الاحساس النابع من القلب وهذا الاحساس هو المصدر الوحيد لمعرفة الاشياء في العالم وقد يكون تعبيراً عن العلاقات التي تخلفها اللغة لو تركت لذاتها بين الحد العيني والتجرد المادي والمثالي وبين المجالات المختلفة للحواس. او بمعنى اخر أن الشعر هو الإيحاء بصور مثالية تتصاعد إلى الإعلى محلقة باجنحة شعرية منبثقة من روحية الشاعر وعاطفته المنبعثة من اعماقه وممتزجة بخوالجه المتدفقة منها المشحونة بها لتبحر في هذه القصائد عبر مسارات النفس الشاعرة لتغدق عليها نبعا متدفقا وفيضا غامرا وحدسا راقيا ليشكل معينا لا ينضب والهاما جميلا كان قد اكتسب – فيما اراه – حالة فنية وانسانية بما يحقق توازنا شاملا بين سعة هذه الحياة وما فيها من مفردات وتجارب وقدرات صاغتها بجمالية مفرطة ولفظة راقية . فالشعر عندي يمثل جزءا من إ صل الجمال، وعندما ينتج الشاعر الجمال في شعره يكون قد اكتسب حالة فنية وانسانية راقية من خلال نظرتها الحساسة في سبر اغوار نفسيتها الشاعرة المرهفة من خلال الكلمة الجميلة لتنمو في مفاصل الحياة ومن خلالها و لتسجل اعمق بواطنها واعلى شواّفيها وتجمعها في بوتقة حلم جميل تسعد اليه الانفس وتسمو اليه الارواح والافئدة عما يجيش في نزعاتا ممتزجة بأقوى عناصر الجمال الشعري والشعوري الذي يتمثل في الموسيقى الكلامية المنبعثة من امكانية الشاعر في الايتاء بها من خلال تمازج او تزاوج الحروف اللغوية مع بعضها بحيث تعطي نمطا او نسقا موسيقيا معينا تبعا لأمكانية شاعرتنا الفذة ومقدرته على الخلق والابداع لأنها طريق السمو بالروح نحو مسارات عالية ذات نغمات تنبثق مشاعر ها وعواطفها وامكانيتها التعبيرية والتي هي السبيل للإيحاء وللتعبير عما يعجز التعبير عنه الاخرون .

ومن المعلوم ان الشعر يدخلنا في حالة من الانبعاث والتأثر النفسي او ربما يمزتح الى الوجل النفسي،وهذه حالة تنتج عن جمالية النص الذي نقراه ونتاثر به حيث شفافية المشاعر، وروعة الأسلوب، والنغمية المتولدة في الألفاظ والتراكيب التي أبدعها الشاعر واوجدها حية بين الألفاظ والتراكيب اللغوية بقوة حدسه وشاعريته مهما كان نوع هذا الشعر: عمودي او شعر تفعيلة وهذا ما تحققه قصيدة النثر ايضا حيث أنها اكتسبت مشروعية وقبولا لدى المتلقين في كل انحاء العالم واتسعت منافذ وجوديتها وكثر من كتب فيها ونلاحظ اغلب ما فيها ما نسميه قوتها التاثيرية في النفس (الصدمة الشعرية) حيث انها إحدى أبرز المعايير في تلقي قصيدة النثر فهي ليست هذيانا ولا افتعالا ولا تراص لفظي فقط .

فقصيدة النثر شكل أدبي جديد معاصر اوجد ت مجالها الواسع في مجال الشعر ويتسع هذا المجال كلما تقدمت وتطورت الحياة فهي قد تحقق الدهشة أو قل الصدمة في التعبير المستجد المستحدث وهذا متوقف على امكانية الشاعر في التقاط رؤيته المثالية وصياغتها في بنية جديدة، قوامها الصور والرموز الشعرية غير الموغلة في الابهام والتوهج المنبعث من التركيب اللفظي وكيفية استخدامه في التعبير وجماليته من حيث الانتقاء والبيان اللغوي ..

ومن المهم أن نعرف ان مصطلح (قصيدة النثر) قد اكتسب شكلا ادبيا و رسوخا ثابتا، وتنظيرا واضحا، استقرت معه الكثير من الأطر الجمالية وهو الأساس لقصيدة النثر المعاصرة والتي تظهر ابرز ملامحها في التخلي عن الوزن والقافية، والإبقاء على روح الشعر المتمثلة في الإحساس المتقد، والصورة الخلابة، واللفظ المنغّم وتستقي جماليتها منها . والتي كانت كمحاولات تعود إلى أشكالية مصاحبة للمدرسة الرومانسية للشعر في مطلع القرن العشرين وقد امتازت باعتماد ها على وحدة السطر الشعري بدل البيت العمودي القديم وكذلك على نغم الألفاظ، وجمال الصورة، وتألق العاطفة فنجد في قصيدة النثر نفس مفاهيم الشعر الرومانسي وآلياته وقد نعتبره في الاغلب الأب الشرعي لقصيدة النثر في الأدب العربي المعاصر، ومن المهم كيفية قراءة قصيدة النثر في ضوء تجربة هذا النوع من الشعر.

ويجدر بالذكر أن الشعر المنثور، يخالف بكل شكل من الأشكال ما يدونه البعض من الخواطر المكتوبة فخو ليست بخاطرة لكنه ربما يكون قريبا منها من حيث التعبير وانتقاء الكلمة الاوضح وهذا واضح ومفهوم فالشعر المنثور نص عالي الشاعرية وقد يدور حول رؤية جديدة أساسها الوجدان المتقد وما يحقق من جمالية عالية مستفيضة كالزهرة في الحديقة العامة فعي ملك للجميع وتنثر شذاها اليهم بالتساوي.

ومن اهم خصائص جمالية قصيدة النثر وهو الإيجاز ونعني به الكثافة في استخدام اللفظ سياقيا وتركيبيا – والتوهج ونعني به الإشراق حيث يكون اللفظ متقدا متألقا في سياقه، كأنه مصباح يطفح نورا حتى إذا استبدلناه بغيره ينطفئ بعض بريقه او يتلاشى وتكون في هذه القصيدة واعني قصيدة النثر متوحدة في صياغتها بحيث يكون السطر الشعري (البيت الشعري فيها) وحدة متكاملة مع بقية سطورالقصيدة فلا يقرأ بمفرده اي ان القصيدة تكون مترابطة متوحدة شمولية لا تحدد بزمن بحيث تكون تنسيقية متفاعلة مفتوحة اطرها تخلت في بنائها عن النغمية والايقاع العمودي لحساب جماليات جديدة، وأساس هذه الجماليات: تجنب الاستطرادات والإيضاحات والشروح، وهذا ما نجده في الأشكال النثرية الأخرى على ان تكون قوة اللفظ وإشراقه قوة جديدة فيها.

فقصيدة النثر: تؤلف عناصر من الواقع المنظور وفق الرؤية الفكرية للشاعر بعلاقات جديدة بين ألفاظ النص وتراكيبه، هذه العلاقات مبنية على وحدة النص وحدة واحدة، ذات جماليات مبتكرة تعتمد على رؤية الشاعر للواقع المادي الخارجي بمنظور جديد،وامكانياته الشعرية في سياقاتها نحو الجمالية والافضلية بحيث تنعكس هذه الرؤية على العلاقة اللفظية، وبنية التراكيب، وقوة التخييل، وجدة الرمز وهذه الرمزية اتخذها بعض شعراء هذه القصيدة ذريعة في الايغال في الابهام والغموض بحيث انعكست سلبا على المتلقي وادت الى عزوفه عن قراءتها في بعض الاحيان حيث يفضل عليها قصيدة العمود الشعري لما فيها من موسيقى في الوزن والقافية القريبة الى اذن المتلقي العربي الموسيقية والتي تعودتها اذنه واحبتها نفسيته فيميل اليها كصيرا خاصة في الشعرالذي يتخذ صيغة الخطاب الشعري كما في الشعرالوطني والحماسي وفي استنهاض الهمم والعواطف والعربي معروف بعاطفته.

 

امير البيـــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلـــــد روز

 

1142 لودي الحدادقراءة في ديوان: نفحات من جليد ونار للشاعرة اللبنانية لودي الحداد.

هكذا تصرح الشاعرة لودي الحداد عن مغزى الكتابة الشعرية قائلة:

"اكتب لأسكب أشواقي على دفاتر الأيام علها تصلك ..اكتب وألون على الرياح علها تلفح وجهك ..اكتب لأموت بين ثنايا الأحرف علني أولد في قصائدك ..اكتب واكتب ..ويقيني نزف وشغف وموج مزبد على شواطئك.."

المجموعة الشعرية نفحات من جليد ونار هي التجربة الثانية للشاعرة لودي الحداد، بعد ديوانها الأول "كؤوس الأحلام" الصادر سنة 2017"، ويقع ديوانها "نفحات من جليد ونار " في مائة وست وعشرين صفحة من الحجم المتوسط ، ويحتوي على أربع وخمسين قصيدة.

وأشعر أنني لا أقف إزاء القصائد إلا إذا أدهشتني وحركتني ارتكازاتها وحركت في داخلي ارتباطا بين اللغة الشاعرية وبين انزياحاتها الفاعلة، ولا أتذكر من القائل: "أشعر الناس من أنت في شعره حتى تفرغ منه"، فإذا ما عشتُ أنا في النص؛ فإن قلمي يخرج عن طوعي ولا أدري كيف يسوح . ذلك ما يشدني إلى قصائد لودي الحداد الوارفة الظلال. وفي اعتقادي أن الشعر ضروري ضرورة الماء والهواء ..

لا ملجأ لنا إلا الشعر نتعلم فيه الصدق والخير والجمال ونستعيد علاقتنا الحميمة بالأرض والسماء، والنهر والشجر، والسحاب والمطر. لأن الشعر وعي كامل، واتصال كامل، واستغراق حميم للعواطف السامية .

في الشعر تجتمع اللغات والثقافات كما تجتمع في الحب الأعراق والأنساب والديانات والمذاهب وفيهما معا، في الشعر نرى الإنسان في أجمل صورة وأكملها نرى الإنسان كله، والدين كله، والوجود كله

أسئلة أخرى تتداعى في أذهاننا ؛ لمن تكتب الشاعرة، ومتى تكتب، وعلام تكتب؟ ما جدوى أن يكتب الشعراء الشعر في زمن الحرائق، والتخاذل والإبادة الجماعية والجموع الهاربة من الموت في جهات الأرض الأربع والهجرات السرية والعلنية إلى المجهول ؟ في زمن يحن فيه إلى لحظة سعادة غامرة لحظة فرح كهذه اللحظة ..إن الشاعرة تكتب لمن له قلب وعقل وإحساس ..هي لا تختار اللحظة التي تكتب فيها بل اللحظة هي التي تختارها لتقتنصها تائهة بين دروب اللغة محلقة بأجنحة الخيال لتولد القصيدة ..هي تكتب عن كل شيء ربما عن شيء لم يلتفت إليه الإنسان العادي وقد تكلّم طائرا أو فراشة أو بحرا أو وردة ..

الشعر حصان نافر في ثنايا المخيلة،وبحر الأشواق عصي على كل ضرورة، فهو برق، وبئر أسرار، ونبع جمال غريب هو الضرورة المقيمة في لغزها العصي والشعر كوكب الكلمات السابح في كونه الشخصي يغامر في الوصول إليه عشاق مسحورون مسكونون بالكلمات مثل الشاعرة لودي الحداد .

عنونت الشاعرة قصيدتها الأولى بـ "أمي" تلك الأم التي حظيت بإهداء الديوان ومن غير الأم أولى بهذه الهدية المطرزة بحروف تنبع من ماء القلب؟ وهي عبارة عن مناجاة شعرية ، افتتحتها الشاعرة بالإبحار عميقا في عاطفة الأمومة التواقة للحب وللحنان والدعاء ونور الإنسانية ؛ فرارا من كل ما ينغص ويكدر صفو الحياة الغريبة والمتناقضة والغامضة في النفس البشرية، ليس في مجال عظمتها العارمة، أو خذلانها الرهيب، بل في مجال تلك الصراعات الصغيرة الأكثر إثارة ضمن إيمان عميق بأن هذه الصراعات جديرة بالاهتمام والتفهم والتقدير، لا تفضي إلى سكينة أو معنى، وتُلحِقُ هذه

ويمرُّ الإنسان أحيانا من أبوابٍ لا يعرفها، أو هي لا تعرفه، وكذلك مفاتيح تلك الأبواب قد تكون في يد أديب أو فيلسوفٍ يبحث عن الحكمة ليُشيّدها دربا جميلا يسيرا لمن يريد السير فيه؛ ليجد أسمه بارزا أينما سار في ذلك الدرب، والشاعر في يده مفتاح لبوابة واحدة على الأقل.

و تتدفق القصيدة لدى الشاعرة فتغوص عميقا في الذات الأنثوية عندما تقف أمام نفسها وتبوح بما لديها من أشواق جياشة ملونة بمشاعر إنسانية نبيلة ومعطرة بالذكرى الجميلة حين يتحد الأنا مع ال(أنت) مسترجعة رحيق الطفولة ينصهر الشوق والحنين جراء البعد والرحيل وتتوالى أوراق السنين هناك تكون ولادة الإنسان ..تقول في قصيدة : انصهار وولادة :

أنا أنت ..

رحيق الطفولة

وشوق ثائر يتصاعد

مع تنهدات الأنين

وأنت أنا ...

أطياف حلم

يناجي اليقظة ويعزف

على أوتار الحنين .

كيف لا نندهش حالمين ونحن نسمع من شاعرة أو نقرأ لها قصائد رائعة وقد اكتنزت بالأصوات والصور والرؤى والأفراح والأتراح والأحلام والأشواق والحنين ؟ وكيف نكون بإزاء قصيدة خرجت من رحم الحنين ، تنتقل بنا نحو عوالم الجمال وفيض العاطفة هي صوت كمان وحيد ليس إلا..نسمعه في شرفة نائية حالمة مفعمة بالشوق والأنين والحنين .. ولست أدري لماذا ينتابني شعور بالسكينة ووالراحة وكأنني في حلم جميل كلما دخلت محراب شعر لودي الحداد؟ لعل ذلك يعزى لاختيار ألفاظ قصائدها الأنيقة وصورها الأخاذة ..

تقول في قصيدة حبر السنين:

أما أنا ...

فأذكرك بحبر السنين

وأرسم وجهك

في نهاية السطر..قمر ..

والشاعرة وفية باقية على العهد ومهجتها سلسبيل من الود فياضا على روابي الشوق ولن تتبدل ولن تتغير لأبدا عكس ما قاله علي بن أبي طالب :

ولا خير في ود امرئ متلون ...إذا ما الريح مالت مال حيث تميل .

تقول في قصيدتها "العهد":

لن أخون العهد وأتغير

مهجتي سلسبيل من الود

يفيض على روابي الشوق

فتتدلى العناقيد

تروي الصحاري لتسكر ...

ولعل الشاعرة تهيم بنا في غياهب الخيال الذي تتراءى منه خيوط الأمل لتنطلق من حلمها مكسرة جدر الكبرياء وصهيل رياح الرغبة وهدير الموج وصخب البحر ونقاء المطر لتحلق بنا نحو سماوات النور ومواطن الجمال ..إنه تدفق شلال سلسبيل نابع من جليد ونار ..

 وقد تبدو للقارئ أن القصائد صغيرة في حجمها لكن حين تأملها تجد أنها عميقة كبيرة في نوعيتها والعبرة بالكيف والنوع لا بالكم والطول ..إنها قصائد يجتمع فيها جمال المبنى وجمال المعنى وتتجلى فيها المشاعر الإنسانية النبيلة فيمتزج لديك الفرح بالحزن والشوق بالحنين والسلام وكأن روحك ترتدي لباسا من نور معطرا بعطر سحري ينبع روابي الجمال وأنفاس الربوات وصليل الصبوات ..من نفحات جليد ونار..أخال أنها قبسات نورانية وجدانية نفخت فيها الشاعرة لودي الحداد من روحها الشاعرية التي تنادينا هامسة :

 أنا ابنة الريح

 حفيدة الشمس

 في جداولي ينبض الإنسان

 أنا الدمع حين يعتصر

 والغضب حين يتوهج ويهدر ..

هنيئا لك شاعرتنا لودي على هذا المنجز الشعري الجميل "نفحات من جليد ونار" ..المولود الثاني الذي خرج إلى الوجود ليرى النور ولعلها "الولادة العسيرة كما قال محمود درويش حين سئل عن ميلاد القصيدة..وأنا جد مسرور وفخور أن كان لي شرف في تقديم قراءة انطباعية للديوان وأنا على يقين من أنك ستثري خزانتنا الشعرية العربية بكنوز ونفائس أخرى في مقبلات الأيام .

 

بقلم ذ.عبد العزيز أبو شيار

 

ابراهيم اوحسينقراءة في رواية "نزوة قابيل" للأديبة اليمنية د بلقيس الكبسي.

إننا حقا في مرحلة تاريخية وحضارية حاسمة،ونقصد بلا شك، نحن المنتمين إلى هذا الجزء العربي الثابت على هذه الأرض المتحركة والمتحولة على الدوام. وإذ نعبر هنا بعبارة "الحسم"، فإننا حقا إزاء قرار نهائي لا رجعة بعده، مفاده :  نكون أو لا نكون ! 

بهذا أومأت الأديبة بلقيس الكبسي في باكورتها الروائية "نزوة قابيل" وإن لم تكن الإيماءة باللفظ الصريح، وبهذا زحرت وصرخت، رافعة عقيرتها أمام العالم بكتابة الذات، ممتطية صهوة السرد حينا، وصهوة الشعر حينا آخر؛ والتمازج الشعري والنثري – على كل حال - يضفيان على العمل الأدبي بشكل عام جمالية لغوية تنضاف لجودة سبك المبنى وتشييد المعنى، ومن ههنا ننطلق، مشيرين إلى أن القراءة هاته تتوخى التعريف بالعمل مع إلقاء طيوف ضوئية على بعض جوانبها، دون السعي إلى تقمص دور الناقد ومازلنا في صفوف القراء لا أقل ولا أكثر.

إذا جاز لنا اللعب بالألفاظ نوعا ما، قلنا بلا مواربة إن العمل الروائي الماثل بين يدينا لهو "رصاصة مسدس" بالتعريف التقليدي للشيء الجامعِ الحجمَ الصغير والمفعولَ الكبير في آن. ولعل مئة وثمانين صفحة تثبت بجلاء ما زعمناه في ذياك التشبيه في شقه الأول، أما المفعول الكبير فقصدنا رأسا حجم ما بسطته الكاتبة على امتداد هذه الصفحات من معاناة دموية ألمّت باليمن حضارةً وتاريخا وشعبا على حين غرة، بعدما داهمتها قوى التحالف العربية- فيما سمي بعاصفة الحزم-، مجبرة إياها الدخول في متاهات حرب اشتعلت منذ 2015 ولم ينطفئ - للأسف- فتيلها إلى اليوم، وكأن نبوءة البردُّوني قد تحققت حين أنشد قبل سبع وأربعين عاما :

وُلدتْ صنعاءُ بسِبْتَمْبَرْ // كي تَلقى الموت بنُوفَمْبَرْ 

وتموتُ بيومٍ مشهورٍ // كي تولدَ في يومٍ أشْهَرْ

وتظلّ تموت لكي تحيا // وتموت لكي تحيا أكثرْ

هي صرخة يكاد  دويّها يبلُغُ العالم العربي من أقصاه إلى أدناه، ومن شماله إلى جنوبه، تماما كصرخة المرأة - في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم - المنتهك عرضها من يهودي من بني قينقاع، فكان أن تحرك جيش كامل لنصرتها واستجابة لندائها؛ أو كالعربية المسجونة بعمورية أيام الخليفة المعتصم، هذا الأخير الذي أعد جيشا بحياله أمام استغاثتها واستنجادها بصيحتها المشهورة : وامعتصماه !؛ أو كاللواتي صرخن في الهند والسند " واحجَّاجاه !"  مستنجدات بالحجاج بن يوسف. وإن شئنا التخفف من استدعاء المواضي مخافة إخجالنا،استدعينا علوم الفيزياء إلى حاق الأدب فشبَّهنا صرخة الكاتبة بمفعول أثر الفراشة (نظرية الفوضى)، حيث تستحيل رفرفة جناح في الصين فيضانات وإعصارات ورياحا هادرة في أقاصي أمريكا أو أفريقيا أو أوروبا. فمن يسمع عويل نساء اليمن وقد ولّى زمن المعتصم؟ ومن لمملكة سبأ ولم تعد بها فراشات ترفرف؟ ومن لذاك الماضي الهادئ الجميل إذا كان الحاضر قد نصب كمائنه وألغامه في كل مكان؟ من يحرر رسالة لسيف بن ذي يَزَن يستدعيه من عالمه الروحاني لعله يطهر البلاد ويحرر العباد؟ هي أسئلة  محرجة وأخرى طرحتها الرواية استنكارا، تاركة المستقبل القريب أو لعله البعيد يقدم أجوبة شافية لها، لأنه سيكون آنئذ الشاهد الوحيد على تداعيات الماضي المُعاش اليوم .

الغلاف/ العنوان : لمحة سريعة

إن مجرد إلقاء النظرة الأولى على غلاف الرواية وعناصره المتداخلة  كاف للتخمين  ولإصدار حكم مبدئي على ما قد يحويه هذا العمل الأدبي، خصوصا عند التمعن في العنوان (نزوة قابيل) المحيل رأسا على قصة قابيل وهابيل في الموروث الديني، سواء اليهودي أو المسيحي أو الإسلامي،الذي تكاد تُجمع أدبياته على ثبوت الجريمة الأولى في التاريخ البشري (قتل قابيل أخاه هابيل)، مع اضطراب واضح في ثبات الأسباب المقترنة بالقرابين. لكن على كل حال، شخصية قابيل مرتبطة في الوعي الجمعي بالقتل وباستنان الإجرام في السلوك البشري، بالرغم من تحفُّظنا على مصطلح "نزوة"، المرتبط في أدبيات علم النفس بالحالة الشعورية المتواصلة التي تولّد سلوكات متكررة إشباعا لحاجة ما، عكس السلوك القابيلي الذي - على ما يبدو - لم يتكرر مرة أخرى؛ إنما يسوغ توظيف المصطلح على سبيل الإشارة  إلى الحرب اليمنية المُشتجَرة غير المنتهية . لن نطيل التوقف عند أعتاب العنوان كثيرا ، فالعناوين وإن كانت المنفذ الأول لأي عمل مهما كان، إلا أنها قاصرة إلى حد كبير عن الوشاية بما يكتنزه المتن بين دفتي الغلاف؛ إذ نزعم أن عنوانا مثل "الإخوة كرامازوف" - للروسي ديستوفسكي - يستحيل أن يقدم لنا أبسط الملامح عن العالم الإنساني المتشعب والمتنوع المبسوط بين أحداث هذا العمل الكبير وقس على ذلك. نشير كذلك إلى أن الكاتبة هنا اختارت نمطا دارجا من العناوين، وهو المُعرب نحويا خبراً لمبتدأ محذوف تقديره اسم إشارة (تقدير الجملة : هذه نزوة قابيل) . أما الغلاف الخارجي للرواية، سواء كان من مخيال الكاتبة أو  من مخيال المصمم، فله ما يبرره شكلا ومضمونا؛ فاختيار اللون الأسود لونا مكتسحا وطاغيا يبعث برسالة تلقائيا إلى المتلقي مضمونها الحزن والغموض والضياع والأفق المسدود، في حين أن السواد أيضا يرمز للجمال وللأناقة وللسكون وللحب، وكم احتفى العرب بهذا اللون في خواطرهم وفي أشعارهم،إذ لازلنا نتذكر قول قيس بن الملوح :

وقالوا عنكِ سوداء حبشية // ولولا سوادُ المسكِ ما بِيعَ غالِيَا

وقول القائل :

إذا لبس البياضَ صار بدراً // وإن لبس السَّوادَ سَبَى العِبَادَا

 

وغيرها من الأعمال الأدبية المحتفية بالسواد، نذكر مثالا لا حصرا : أرض السواد /عبد الرحمن منيف؛ حليب أسود / إليف شافاك؛ الأسود يليق بك/ أحلام مستغانمي؛ العسكري الأسود/ يوسف إدريس؛ غواية السواد/ كريم بلاد؛ التراب الأسود / أيوب النحاس ... وغيرها قديما وحديثا. يشار كذلك إلى أن الغلاف ضم تسعة مؤلفات شعرية ونثرية، كما يمكن للقارئ منا ملاحظة العبارة المُذَيِّلة للدفة الخلفية المقتبسة من متن الرواية نفسها، التي تقول : " الحرب لا تنام والحب لا حد له، لذلك لن أخوض أية حروب فاشلة مهما تمادى الألم لن أنهزم، لن أجازف بالقلب ، سألزم الصلاة والحب، يقينا سأنتصر ..."؛ عبارة وشت بالكلمتين / المفتاحين اللتين يجوز بهما  الدَّلف إلى عمق الرواية وغورها، وهما : الحب والحرب ...

الحب والحرب : ثنائية التلازم والترادف

كانت ثنائية الحب والحرب ولا تزال الشغل الشاغل للكائن البشري العاقل،بل، إن معظم تاريخ الإنسان تاريخُ حربٍ وحبٍّ؛ فإذا كان الحب بلا شك غريزة آدمية ، فالحرب كما زعم ابن خلدون في مقدمته " أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل".و إن ثبتت الثنائية في حق الإنسان،فلن نبالغ إن أثبتناها أيضا في حق غير العقلاء ، ونقصد الحيوان بالذات؛ فهو  كما تحدث عنه الجاحظ في موسوعته  الحيوان  لا يمنعه ارتقاءه سلّم الإنسانية سوى عوزه إلى القدرة على التفكير والوصول إلى حرية الاختيار، أما ما عدا ذلك، فهو مضارع للإنسان في  أغلب غرائزه، وهو  إذن محبٌّ ومحاربٌ . فإذا كان الأمر كذلك فمن غير المستغرب أن نجد في الأساطير اليونانية والإغريقية  حديثا واسعا عن آلهتي الحب والحرب (إيروس وآريس)؛ ومن نافلة القول إذن التذكير بقصص تاريخية كان الحب والحرب فيها الحبكة الثابتة والمتحولة ، وهنا نقصد حرب طروادة، وحرب قبيلة بكر بن وائل من أجل الجليلة حبيبة كُليب بن ربيعة، وبطولات عنترة العبسي من أجل عبلة بنت مالك، وغيرها كثير؛ كما يمكن التذكير على السواء بأعمال روائية  احتفت بهاتيك الثنائية لا على سبيل الإمتاع والمؤانسة فحسب، بل، لأن أحدهما حقا يستلزم الآخر ومرادف له بشكل ما وإن بدا لنا الموضوعان على طرفي نقيض؛ ولنا مثال في :" في الحب والحرب " و" لمن تقرع الأجراس" / همنغواي ؛ "عالقة بين الحب والحرب" / أريج الخصاونة ؛ " لماذا تكرهين ريمارك؟" / محمد علوان  جبر؛ "أوان الحب أوان الحرب" / كريم بلاد ؛ "الدرب الضيق إلى مجاهل الشمال " / ريتشارد فلاناغان؛ " وقت للحب.. وقت للحرب " / إريك ريمارك ؛ "ذهب مع الريح" / مارغريت ميتشل؛ " دكتور جيفاكو " / موريس باسترناك ؛ "باب الشمس" / إلياس خوري ؛ " نوستالجيا الحب والدمار" / السعيد الخيز؛ "أحضان مالحة" / ريمة راعي... وغيرها من أعمال نظرت إلى الثنائية من زوايا متعددة، مُضْفِية عليها لمستها النوعية في الحدث والمخيال والشخوص، وكذا في الزمان والمكان. إنها الثنائية التي ألهمت الشعراء والروائيين والمفكرين، بل، شغلت حتى علماء النفس كفرويد  مؤلف كتاب " الحب والحرب والحضارة والموت "، و مايكل ماتيوز  صاحب كتاب " رأس صلب "، والموضوع على كل حال له امتدادات وتشعبات في مختلف المجالات المعرفية الإنسانية ، إلا أن المقام لا يتسع للإسهاب وللتفصيل، وسنكتفي بما تم إيراده وإن اتسم بالإيجاز.

الرواية : المتنُ حاملا موضوعتي الحب والحرب.

يُحسب للكاتبة في الحقيقة جرأتها - وهي تكتب عملها الروائي الأول - على الجمع بين موضوعي الحب والحرب، لما يتسمان به  من صعوبة في التناول والتفكيك، فالأول مَعينه العاطفة ودواخل الوجدان، والثاني يصنع المآسي الكبرى ويفتح العين على مشاهد لا تتأتى إلا للقليل، بل، إن الحرب تُلجم اللسان وتُجمّد الأقلام وتُوقف التفكير؛ لكن الروائية استطاعت - بعدما أخذ الشعب اليمني في التعوُّد على آثار تلك الحرب العدوانية - حزم أمرها واستجماع قواها الذاتية والانفعالية، وتمكنت من كتابة باكورتها الأولى " نزوة قابيل" مُنهية إياها قبل انتهاء الحرب التي مازالت تحصد الحصائد إلى يوم الناس هذا كما أسلفنا بالذكر.

الرواية صيغت من عشر فصول ومن ثنتين وثمانين ومئة صحيفة ، مما يُبرز بجلاء أن الكاتبة إنما كتمت مأساتها الحقيقية وجروحها الغائرة ولم تبح إلا بالنزر اليسير عوض إيثار الكتمان والصمت.

استأنفت الكاتبة روايتها بمعجم مِلنخولي تطبعه السوداوية وكل مفردات الكآبة واليأس والضياع والألم - كأنك تقرأ بؤساء فيكتور هوغو أو جين آير لشارلوت برونتي-  ، والأصل أن تكون لغة تصف الحرب ومخلفاتها كذلك، فاختارت الكاتبة اقتحام معمعان الحرب وساحتها ووصف ما أحدثته القذائف والقنابل في حضارة امتدت لآلاف السنين وفي بلد أصبح في طرفة عين أكواما من جثث بشرية متعفنة وركاما من حيطان أسمنتية وأخرى حجرية. كل شيء عاد القهقرى وعاد به الزمن خلفًا حتى غدت اليمن بقايا دولة وأشلاء تاريخ . هكذا نظرت البطلة " تُوق "إلى المشهد خصوصا بعدما تُوفي أبوها وأمها وجدّتها نتيجة إحدى القذائف المفاجئة التي أصابت بيت الأسرة جاعلة إياه أثرا بعد عين، إضافة لفقدان أخيها الأكبر "تاج" وعدم ظهور أثر له سواء بين الأحياء أو بين الموتى، بالرغم من وجود شبيه له في غرفة حفظ الجثث.هنا، تتساءل تُوق : لماذا يُقصف المدنيون العُزَّل المجرّدون من كل درع واقٍ؟ السؤال الذي يحيلنا مباشرة إلى مقولة روسو في عقده الاجتماعي مؤكدا أن الحروب إنما هي علاقة بين الدول لا بين البشر، والعداء يكون للجندي لا للإنسان الأعزل؛ كما يحيلنا السؤال بالضرورة إلى الموضوعة القديمة الجديدة : الحرب والأخلاق. هي أسئلة لم تتعرض لها تُوق بالإجابة الفلسفية في تضاعيف الأحداث وإن حامت حول حماها في بعض المقاطع. المهم أن البقية الناجية من الأسرة (توق) انتقلت للعيش مع العمّ "راجي" بعدما قضت توق أياما في المستشفى، الحدث الذي سيولّد  صراعات وتجاذبات نفسية وعاطفية تارة مع زوجة عمها " دهمة" - المتسلطة الظالمة- وتارة مع ابن العم " ركان" بارقة الأمل وجذوة الحب الأولى؛ هنا ستتقمص توق ثلاثة أدوار بالضبط مُحافِظة عليها  إلى نهاية الرواية : الصراع مع دهمة و البحث عن الأخ المفقود ومشاركة "ركان" ابن عمها مشاعر حب عذري. يستمر هذا الدور ثلاثي المسارات إلى محطات تُفاجئ حقيقة أفق انتظار القارئ، بل، يبدو أن الكاتبة استعجلت إنهاء الرواية وختمها ، لأنها - ونقصد الكاتبة والبطلة في ذات الوقت- كالتي يُطلب منها رسم وشوم على جسد جثة ساكنة !! من أين لها بالنفس الطويل لابتداع أحداث أخرى في روايتها والجرح المفتوح أعمق مما نظن؟؟ هكذا تداعت الأحداث بسرعة، فأضحت دهمة المتسلطة مُقعدة بعدما غادر الزوج البيت ، واختفى ركان بعد انضمامه لصفوف المدافعين عن الوطن، واستطاعت توق العثور على أخيها المفقود لكن بذاكرة مفقودة كذلك؛ فلم يكن أمام توق إلا الاعتناء بدهمة وبالبيت الذي أصبح شبه فارغ، منتظرة حبيبها ركان لعل المستقبل يجود به يوما ما.

 صنع الحرب والموت ما صنعاه  في اليمن  الجريح، وكان ما كان من شأن الأرواح والجدران، وقد تساءلت الروائية في تضاعيف الرواية : ما الذي يمكن أن يحدث بعد الذي حدث؟ الأحباب شأنهم شأن الموتى أو المفقودين، والوطن تلاشى ودُفن تحت التراب ... كأنها في الحقيقة تُذَكِّرنا  بأبيات عبد العزيز الماجشون أحد فقهاء المدينة - في عهد الخليفة العباسي المهدي - حين فقد أحبابه قائلا :

للهِ باكٍ على أحبابهِ جَزَعَا // قد كُنتُ أَحْذَرُ هذا قبل أن يَقَعَا

ما كان والله شُؤْمُ الدّهر يتركني // حتى يُجرِّعَنِي من بَعْدِهِمْ جُرَعَا

إن الزمان رأى إِلْفّ السّرورِ  لَنَا // فَدَبَّ بِالبَينِ فيما بيننا وَسَعَى

فليصنعِ الدّهرُ بي ما شاء مُجتهداً // فلا زيادَةَ شيءٍ فوق ما صَنَعَا

إلا أن الحرب لم يمنع الحب من الميلاد والترعرع، كما لم تمنعه الكوليرا في رائعة كارسيا مركيز، بل، من المصائب ما يجعل هذه العاطفة الإنسانية تبزغ وتتنامى؛ أَ لَمْ يتذكر عنترة ثغر عبلة المتبسّم في خضم إحدى معارك عبْس الحامية؟

إن الموت ينجب الحياة بلا شك، كالحرب تتعهد الحب في رحمها، وما تَوَلَّدَ بين ركان وتوق تحت نير لهيب القذائف إنما هي مشاعر حب عذري بدأ ولم ينته؛ رباط عاطفي جعل البطلة توق تشتبك بحبائل السراب والوهم، خصوصا بعد مغادرة ركان بيت العشق إلى خط اللاعودة... وهكذا الحب ،كما ذكر  ابن حزم الأندلسي في طوق الحمامة ، أوّله هزل وآخره جِدّ ، ولا يتعانى تداعياته حقيقة إلا من تعاطاه بجدية تامة وتصدى لِلُجَجِهِ الهادرة، وهنا تقدم لنا توق درسا في الوفاء رغم ما يلتبس به من انتظارية ذات أفق متلاشٍ، مؤكدة في ختام الرواية بقاءها على العهد وعلى ذكرى البدايات؛ تقول  (ص 182) : " سأنتظرك سواء راودتك مسافات الإياب أو باعدتك سنون الغياب، سواء عدت أو لم تعد، سأبقى على قيد الوطن " .

الخاتمة : الباب المفتوح وما بعد النزوة...

البقاء على قيد الوطن إنما هو إحالة على خاتمة مفتوحة، والكاتبة طبعا أذكى من أن تجعل لروايتها نهاية قاطعة، مادامت الحرب مستمرة ولم يخمد  لهيبها بعد. الرواية إذن فتحت احتمالا لنهايات متعددة يمكن أن تختم الأحداث البدئية. وإن شئنا الحديث بلغة المناطقة، أكدنا بلا مجازفة، أن أي عمل روائي مهما كانت أحداثها وشروطها ومنطلقاتها الأولية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال تثبيت نهاية واحدة وإن كانت منسجمة حدّ الكمال مع السياق الروائي العام. إن النهايات الروائية إنما تُكتب اضطرارا لضبط العمل بعدد صفحات محدد دون تمطيط الأحداث إلى حد الشعور بأننا أمام أوديسة أو ملاحم مطوّلة. والحقيقة أنه مادامت الفيزياء المعاصرة استسلمت لمفهوم الزمكان (ارتباط الزمن بالمكان دون فيصل)، فالحدث إن كانت له بداية فنهايته أبعد في المستقبل مما نظن.

ماذا بعد النزوة؟ سؤال يؤرق القارئ أكثر مما أرّق الكاتبة بلقيس الكبسي، كونه يطرح سؤال موازيا يدخل في علم الغيب الخارج عن طوق علم اليقينيات، وهو ببساطة : متى تنتهي حروب العرب؟ أو على مستوى أعلى ، متى تنتهي الحروب جملة؟ متى تنقضي أطماع المقتاتين على آلام الشعوب؟ ... أو لعلها لن تنقضي الأطماع مادامت جزءا من الذات الطامحة والمتطلعة... هنا ينبغي الغوص في رواية " كي لا تنتهي الحرب" لجورج فرشخ، فلعلّه يطلعنا على نزوة أخرى بعد نزوة قابيل.

 

إبراهيم أوحسين - المغرب

 

معراج احمد الندويالقصة هي فراسة الحياة الاجتماعية بكل أبعادها، فهي ليست حكاية للأحداث وسردا للوقائع فحسب، وإنما هي فقه حياة الناس وما يحيط بها من ظروف وزمان يتتابع فيها أحداث. وللقصة تأثير بالغ في نفوس الناس حيث تريهم ما يغفلون عنه أو تقص عليهم خبر قوم ما أو شخص ما فيأخذون العبرة منها بدون نصائح مباشرة حيث ينفر الناس غالباً من النصح المباشر،تمثل لأن القصة تمثل خبرات وتجارب ومشاعر وأحداث الإنسان التي مرّ بها في حياته سواء الواقعية منها أو تلك التي من إبداع التخيل الانساني. وللقصة دور في بناء الثقة وخلق الاتباع.

إن للقصة أثرا قويا في النفوس الإنسانية، فهي وسيلة من الوسائل المثيرة للفكر الإنساني، والمربية للنفس البشرية. ولما كان للقصة هذا التأثير الكبير في إثارة الفكر وتهذيب النفس اتخذها القرآن الكريم وسيلة من وسائل الدعوة والتذكير والتوجيه إلى عبادة الله عز وجل. فجاء القرآن الكريم بأحسن القصص. تتضمن القصة القرآنية من الأمثلة والحكمة والمواعظ والمواويل، ولها أنواع كثيرة حسب الموضوع أو الغاية كالدينية والخوارق والإنتقاد الاجتماعي وقصص الحيوانات ستبقى القصة القرآنية إذن الشعلة التي تضيء لهذا الانسان لتصل حاضره بماضيه، وستبقى النفحة الربانية التي تشرق بها النفس وتعمر القلب، وستبقى الوثيقة الوحيدة الصادقة الخالدة التي يطمئن الانسان لمصداقيتها.

تمثل القصة القرآنية ربع القرآن الكريم. والقصة لها تأثير فعال. لأنها تستوي أذهان الناس وتفضل سماعهم وتترك أثرا واضحا في نفوسهم. فقد استخدم القرآن الكيم القصة كوسيلة لغرس قيمه وافكاره واتجاهاته.في القرآن الكريم ثروة ضخمة من القصص والحكايات.

إن القصة الأدبية فتقوم على الخيال السابح والتوهم والتخيل في حين أن القصة النبوية مصدررها الوحي، فهي نسيجة من الصدق الخالص وعصارة من الحقيقة الصافية التي لا تشوبها شائبة، فلا تزيف ولا تخيل ولا تحريف فيها. إن المقصود الذي جاءت به القصة النبوية هو تحقيق أغراض دينية كإثبات الوحي والرسالة والبعث وتعميق العقيدة في النفوس وتبصيير العقول.

تعتبر القصة النبوية أسلوبا تربويا ينهض على التحسين والإثارة والتشويق، ثم من النفس البشرية. والقصة النبوية امتداد وبيان للقصص القرآني لأن كلاهما يؤدي الغرض نفسه وهو الغرض الديني التربوي، وعلى هذا جاء القصص النبوي كلون من البيان وأسلوب من أساليب الأداء، فمقاصده هي التي تستوعب الأسلوب والطريقة وهي التي من أجلها يسلسل القرآن الكريم الأحداث ويربط بينها برباط العاطفة والوجدان، لقد حذت القصة النبوية حذو القرآن الكريم، وهي القصة تقوم على سلامة فطرة القاص وتكفى كل الكفاية في تقرير العرض الأدبي والعاطفي والفني وتروع كل الروعة في تسلسل الأحداث والباقة الحوار وتصوير الأشخاص وتتبع فكرتها من أجناس النفوس الكائنة الحية، فلا تعالج أنماطا منها في عالم المجهول.

اتخذت القصة النبوية أيضا وسيلة من وسائل الدعوة كالقصة القرآنية  وتهدف إلى إقامة صرح الإيمان، وقد خضعت القصة النبوية في موضوعاتها وطريققة عرضها وإدارة حوادثها لمقتضى الأغراض والأهداف الدينية، وهذا الخضوع للغرض الديني لم يمنع بروز الخصائص الفنية في عرضها، فكانت في ذلك متتبعة لمنهج القصة القرآنية ولنسق البيان القرآني.

 إن مفهوم القصة النبوية لا يخرج عن مفهوم القصة كما عرفها العرب، بل هي تتبع الأحداث الماضية وتقوم بابراز جانب صغيرة فيها، تتناول القصة النبوية أخبار الماضيين وأحداث الأولين سواء كانوا من الأنبياء والرسل أو من أقوامهم مع التحديد الزماني والمكاني.

القصة النبوية هي مجموعة أحداث مرتبة ترتيبا سببيا، تدور حول مواضيع إنسانية شتى، وتقوم بتحليل الأحاسيس والمشاعر والمعرفة النفسية. لقد اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم من القصص وسيلة للبلوغ الغرض الديني. فهي اقناع العقل وامتاع العاطفة بأسلوب حكيم وهادف. والقصة النبوية بعيدة كل البعد عن القصة الأدبية الفنية التي وضع لها الأدباء عشرات القوعد الفنية في البنناء، وبهذا ينبغي أن يكون النظر إلى القصة النبوية مختلفا عن النظر إلى القصة الأدبية، فالقصة النبوية ليست للمتعة ولا للتذوق الأدبي المجرد، ولا غرابة في ذلك ، فهي ذات مصدر خاص وهدف خاص مغاير للمصادر التي تقوم عليها القصص الأدبية الفنية.

تحتوي القصة النبوية الكثير من تاريخ الرسل مع أقوامهم والشعوب وحكامهم، تضرب لسيرهم النمثل من المواضيع التي يقف الفرد على نتائج واقعية من هذا الماضي، فيقيس عليه حاضره ويعد مستقبله. كان الرسول صى الله عليه وسلم يقص على أصحابه قصصا تعددت أنواعها وموضوعاتها تشمل جميع العناصر القصيية والفنية والتقنيات السردية من حدث وحوار وشخصيات وزمان ومكان وما إلى ذلك.

إن لكل قصة غايتها المستمدة من الرسالة التي تقوم على سلامة فطرة القاص، ومن أجل ذلك كانت القصة النبوية أسلوبا ناجحا في الدعوة إلى الدين، وهي تحكي الواقع بكل صراحة ووضوح كما جاء في القرآن الكريم. في القصة النبوية الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني وتخاطب خاصة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية.

لا تجري القصة النبوية في أسلوب واحد ولا تحدد نمطا واحدا من الأداء ولكنها تختلف حسب ما يميل مقام الفكرة، فطورا قصيرة وطورا آخر طويلة، تتفاعل وتتحرك لتولد العبر والعظات مما يثير نفس الملتقي ويشوقها بما تتتخلله من مفاجأت تذكي الشوق إلى متابعة القصة.

 تنقسم القصة النبوية إلى ثلاثة أنواع:

 1- القصة الواقعية: القصة الواقعية هي حكاية واقع تاريخي مضى وانقضى، وإما حكاية واقع سيكون في المستقبل. وهذا النوع من القصص. فهي أحداث وتجارب ذاتية وقعت في الرسول صلى الله عليه وسلم من حياته وفي ظروف مختلفة، وهذا القصص أشبه ما تكون المذكرات التي يسجلها الإنسان عن ما بعض ما يمر به في حياته، ومن أبرز هذه القصص التي تعالج مرحلة من مراحل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم هي قصة "الإسراء والمعراج" التي قص فيها الرسول صلى الله عليه وسلم مرحلة في حياته. وهي قصة واقعية حكاها النبي صلى الله عليه وسلم وساقها بأحداثها شخصياتها، لا لمجرد التسجيل التاريخي، ولكن للعظة والعبرة والتوجيه.

2- القصة التمثيلية: هذا النوع من القصة اتخذه الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم مثالا للفكر المطروحة أو القضية المقررة سواء وقع هذا المثال على أرض الواقع أو لم يقع، فالقصة التمثيلية تصور الأحداث والوقائع مثل القصة التي رواها النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهمواعلى سفينة فأصاب بعضهم أعلاها ويعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على فوقهم، فقالوا، لو أن احرقنا خرقا من نصيبنا ولم نودئ من فوقنا، فإن يتركواهم وما أرادوا هلوكا جميعا، وإن أخذا عل أيديهم نجدو نجو جميعا.

3- القصة الغيبية: النوع الثالث من أنواع القصص النبوي هي القصة الغيبية. تتناول هذه القصة الأحداث والوقائع من مستمدة من مشاهدة الآخرة، وهي غيب سواء وقعت في الماضي أو سوف تقع في المستقبل، وهي بالنسبة للإنسان غيبا مجهولا، لا تقع تحت حواس البشر.

إن هذه الأنواع الثلاثة للقصة النبوية سيقت بأساليب متنوعة، فهي من ناحية طريقة العرض وأسلوب الأداء تتجلى إما في شكل خبر قصير، ولا يتجاوز في شكل مشهد قصصي، وإنما تظهر في قصة مكتملة البناء والعناصر الفنية. ومن القصص التي تعرض بهذا الأسلوب قصص السيرة الذاتية للرسول صلى الله عليه وسلم والقصص التاريخية. فربما تطول الأحداث وتتنوع ويحتدم الصراع وتنمو الشخصيات والتعدد ويمتد زمان الأحداث.

تنبع القصة النبوية من الواقع التاريخي وتمثل الصراع الفكري بين قوى الخير والشر في النفوس وهي هادفة لأهمية الكبرى في حياة البشر، فكل يجد من هذا القصص النبوي يعد من أنجح الطرق التي اتبعها الحديث النبوي في تأديب النفوس. وهكذا نجد أن القصة النبوية ترسم خطاها في اتخاذ القصة وسيلة من الوسائل التربية والتوجيه وتصوير المبادئ في حية مشرقة.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

1138 هواجس الضياعفي منجزه الروائي الباكورة، الصادر حديثا عن دار الدراويش بجمهورية بلغاريا، والذي انتقى له عتبة "هواجس الضياع"، يحاول المبدع المغربي الحسين أيت بها، المنحدر من مدينة زاكورة، تقديم مشروعه على أنه كيانا يتوسل ملامح الاكتمال، لا فقط، عصارة حكاية تشوش عليها التشعبات، فهي تُتداول بعفوية وشكل منمط، وتتناقلها الألسن للتسلية، عوض عروض النهل من عبر وحكم شتى، في مقدورها التغيير من عقلية جيل، تجاه ظاهرة الجنون.

بحيث تقترح هذه الفسيفساء السردية، في تركيزها على البطولة الواحدة، مثلما ترجمت ذلك شخصية عبد العالي الملقب ب" الهداوي"، مقاربة مغايرة بالتمام للمنظومة المفاهيمية التي تعنى بمثل هذه الظواهر، وهذا يحيلنا إلى لون إبداعي جديد، دامغ برؤى أكثر موسوعية وشمولية، ضمن خطاب أدبي مسكون برح الإنساني ونورانيته، بما هو جنوح ونزوع إلى واقع الرقي الفكري والروحي.

رواية تتلعثم بالكثير من الرموز، خاصة أنها استهلت بالبعض منهم، قصد إعطاء صور ذروة في الجمالية والرمزية والمجاز، لنظير هذه الحالة الإنسانية التي من السخيف أن تقابل في مجتمعاتنا المصطبغة بجملة من أقنعة المقاومة والتجريح والانحطاط، إذ الأصوب، والأنجع هو التعاطي معها بحيطة أكثر وحساسية تليق بعمق ما تزلزل له هوية "الكائن المجنون".

وإذا ما عدنا قليلا إلى الوراء، سوف نجد إشراقات ومحطات وامضة لهذا الضرب من التعامل مع كهذه ظاهرة، على نحو هش وواع، يذوب الفوارق بين الضفتين، أعني بين عالمين : ذوي الإحتياجات الخاصة، حسب التعبير العلمي العصري للظاهرة، والأسوياء، وقد كانت تتم المناداة على فاقد البصر، البصير، أي الذي يرى بعقله وبواطنه، وفاقد العقل، البهلول، أي الحكيم بمعنى من المعاني، وهذا على سبيل المثال، لا الحصر، ما أصّل نوعا ما، لثقافة مبنية على أسس عقلانية تتجاوز العاطفة والشفقة، لرسم إستراتيجية إدماج حقيقي وفعال، سهل راهن مكابدة المعاناة، من لدن هذه الفئة المحاصر بالخلل الوجودي الذي له انعكاسه السلبي، بالتأكيد، على الهوية الفردية، سواء أكان هذا الاختلال أو الحالة المرضية جسدية أو نفسية أو عقلية.

وهو سلوك وملمح للرقي يجب تبنيه، على نطاق واسع، بما تنفكّ له لعنة هؤلاء الذين لا ذنب لهم في ما يعانون ويكابدون.

ينبغي فك الضريبة الوجودية عنهم، أقله تنويرهم بما يؤهلهم لانخراط فعلي إيجابي في مجتمعاتهم، ويعفهم في نفض تبعات السيكولوجي الجارح والقاتل أحيانا.

وأحسب الرواية كرست رسائلها لهذه الغاية بدرجة أولى.

يقول الراوي في موضع:

[إلا أن الطبيب تابع حديثه وهو يعاتب عبد الرحمن على إهماله، قائلا له بأن إمكانية شفائه منذ الوهلة الأولى واردة، ولكنكم تأخرتم في ذالك، والحقيقة أني أحسست بطمأنينة رهيبة بعد كلام الطبيب، كما أني كنت متيقنا بأن عبد العالي، سيعود إلى رشده كما كان في السابق بالرغم مما وقع من أحداث أوصلته لما هو عليه](1).

بالنسبة لبناء الرواية أو معمارها، نجده وقد التزم بمعجم السهل الممتنع، وقنّن باللغة السلسة، كامل فصول هذه السردية، فضلا عن أنه فصلها بإحكام، ما أعطاها تسلسلا منطقيا، يغري بالمطالعة، ويبسط على المتلقي متاهات تتبع المشاهد وتقصي الأحداث، والتزود بالأفكار التي تفيد حالة العودة من الجنون، وتذود عن ثقافة جديدة في التعاطي مع كهذه ظاهرة قديمة ومتجذرة في الأبجديات البشرية.

يقول أيضا في موضع ثان:

[آه هل الآلام والعذابات في هذا العالم مصدرها الإنسان؟ حقير هذا الذي تسبب له في ذلك، أخوه عبد الرحمن كان ظالما جاحدا، كيف أمكن له أن يفعل ذلك ويتركه بعد مرضه، وبعد أن قام بتكبيله، لمدة أيام معدودة، وهو يعاني ويصرخ بأعلى صوته، فتارة ينادي أمه وتارة يستعطف أهله بأن يفكوا وثاقه، كبلوه لأنه كان يحدث الفوضى، لقد قام بضرب أحد أبناء عبد الرحمن، وكسر عدة أواني، لذلك أحضروا مشعوذ القرية الذي قام بربطه، وإجباره على شرب الدواء الطبيعي، وعوض أن يهدأ، ساءت حالته، غير أن صوته خفت وأصبح وديعا، لذلك قام عبد الرحمن بإطلاقه.

مرت أيام وعبد العالي لازال في الشمس حتى كبرت أظافره وبدأ شعره ينمو بشكل كثيف، لقد تحول إلى رجل وديع يجلس في الشمس بجانب أخيه، حتى عبد الرحمن رقّ لحاله فأطلقه](2).

تشير الرواية إلى عبثية التعاطي مع الظاهرة، وتؤكد على أنه لا جدوى من انزلاقات الشعوذة والتدجيل في التصدي لمضاعفات هذه الحالة الخطيرة التي تلغي هوية المفرد وتهدد أمن الجماعة وتبصم بالعار جبين الوطن.

يختلط الديني بالسياسي بالمجتمعي، من أجل صياغة مشهدية تدمي، وتحيل على أفق للمفارقة، فمن جهة التطور الذي أحزره الطب وسائر العلوم، ومن جهة مقابلة هذا الانحطاط العقلي المكرّس لسلطة الماضوية أو الرجعية التي يعشش فيها الدجل وتلبسها وصايا الشعوذة.

يقفل المنجز بشذرة دالة على واقع التشظي، عنونها صاحب الرواية " ذكرى الهداوي" كأنما أتت كوة أو بصيصا لهذا الرقي في المناولة الذي تناوبت عليه الذات الساردة، على امتداد فصول الشفاء، الجنون والعظمة، المصير، كرامات الهداوي، هواجس، العشق، الاعتراف، الحقيقة، وأخيرا الذكرى كسجن، تتوزع مرارته على هذه التيمات جميعها، كي تضعنا إزاء حالة تتكرر في عبورنا الآدمي، غير أنا نجابهها بكثير من العبثية واللامبالاة والإهمال والاستخفاف، مفوتين فرص إنقاذ أجيال تتعاقب وتتضارب أهدافها وأحلامها.

يقول:

[الحكاية التي لن تنساها مخيلتي على مر السنين، والتي أبكتني مرارا، فلترقد روحك بسلام، وليرحمك الله، يا ولي الله الصالح، الذي أخذت منه الدنيا الشيء الكثير، فليرحمك الله، صديقي عبد العالي...

أيها الهداوي: المتصوف، العاشق، الحبيب](3).

خلاصة القول أنه، من هذه الخلفية المتشبعة بالخطاب الحِكَمي الصوفي، تنطلق الرواية في معالجة حالة إنسانية متكررة اسمها " الجنون" لتقود إلى ثقافة تنتصر للرؤى الموسوعية والتوجه العلمي، معززا بفكر تجاوز العاطفة ومضايقها، بغية بسط صفحات جديدة تلونها منظومة مفاهيمية مغايرة، في مقاربة عالم الجنون المرتبط منذ القدم، بمفردات العظمة والعبقرية والنبوغ.

 

احمد الشيخاوي -  شاعر وناقد مغربي

..........................

هامش:

(1) مقتطف من فصل الرواية الأول، الشفاء، الصفحة 14.

(2) مقتطف من فصل الرواية الثاني، الجنون والعظمة، الصفحة20.

(3) مقتطف من الفصل الأخير، ذكرى الهداوي، الصفحة 96.

* هواجس الضياع (رواية) طبعة أولى2019، دار الدراويش، جمهورية بلغاريا.