947 لمياء الالوسيهل وجدت لنفسها حضوراً مميزا في السرد العراقي؟

بعد عام الغربة، لم يعد للوطن تعريف محدد، لم أعد أعرفه حقاً، كم أحتاج إلى أن أضع قدمي على الأرض من جديد ..كي أجد عنواناً جديداً لوطن يمنحني يقيني جديداً .

تلك هي المحصلة النهائية التي تكشف عنها رواية (صيادو الريح) للقاصة والروائية لمياء الآلوسي، وهي تروي محنة الهجرة من المدينة (تكريت) الى أربيل،محنة النازحين، ومن ثم العودة منها، إثر إجتياحها من قبل قوى الإرهاب المتوحشة (داعش)،منتصف عام 2014، هذا الحدث الفاصل في تاريخ العراق الحديث شكّل مرجعا إزدهرت به الكتابة الروائية العراقية، حتى صار صار الكلام عنها أمراً مميزاً وممكناً أو واقعاً، كذلك شكل هذا الحدث مادة لافتة، وموضوعاً جذاباً بل وأساسياً لروايات وقصص العديد من كتاب السرد، ومنهم لمياء الآلوسي، التي عرفناها قاصة تكتب بنجاح وتميز، وصدرت لها مجاميع في هذا الجنس من الكتابة، وأعتقد ان (صيادو الريح)، الصادرة عن إتحاد الأدباء والكتاب العراقيين عام 2019،هي الرواية الأولى المنشورة لها .

لم يكن الإجتياح (الداعشي) للمدن العراقية، إلا تجسيداً للمدى الذي ساقنا اليه إنهيار المنظومة السياسية والأخلاقية في حياتنا، فقد تجمعت المؤامرات المخفية والمعلنة ضد العراق كياناً وشعباً وتاريخاً وحاضراً، وأفرخت هذا الحريق الهائل، إلتقطته الروائية لتقدم نماذجها البشرية المحطمة، وكانت نقطة الإنطلاق الفنية للأحداث والمفتاح الرئيس الذي منحها دلالاتها العامة والخاصة وإستمدت من خلاله مضمونها النهائي المتمثل بتلك الأحداث المرعبة،إن نقطة الإنطلاق هذه تمس كيان الوطن وتشير إلى جوهر المأساة التي عاشها أبناؤه . وأفادت الآلوسي الى حد كبير من أن القارىء عاصر تلك الأحداث المنتجة للمأساة، وإستفادت من هذه المعاصرة كأحد العوامل في بناء عملها الفني، أو كمدخل واقعي الى العالم غير الواقعي . وتمكنت الروائية لمياء أن تبوح وتتنفس مناخ تلك الأجواء، لتصبح جسدها ونبضها بإمتياز، وإفترشت مساحة الرؤية والتفكير، وتغلغلت في المشاعر والعقل والدم .

هل يمكن لـ (صيادو الريح) أن تدعي لنفسها حضوراً؟ ربما مميزاً في الإبداع العراقي، الإجابة عن هذا السؤال تبدو مبكرة الآن قبل أن يطلع عليها نقاد السرد، وبرأيي المتواضع أستطيع القول ان الرواية تبدو واقعية، لا بالمعنى المألوف الشائع عن الواقعية، لأنها توسع حجم الرؤية الى أبعد مدى ممكن، لذا تجاوزت الآلوسي الشكل الواقعي ذا الأحداث المتسلسلة في يسر ومنطقية، في تركيب ينعم فيه المتلقي بالتأمل والحوار الداخلي، والإندهاش لمقاطع الوصف الباذخة الجمال، ونجحت لمياء بسرد الإنفعالات النفسية المختنقة وسط تداعيات وأحلام، يشدها خيط متوتر من الترقب والخوف والقلق، إن هول الصدمة هو الذي منح الرواية التماسك في السرد مع ضآلة الإختيارات، فجاءت متدفقة تدفقا تلقائيا حراً، وبإيقاع يتخذ أغلب الأحيان حركة مستمرة ببناء فني طليق يعتمد البوح والحوار،والحلم، لتكسب الرواية بعداً تجريديا غير محدود يضيق به المكان الذي ينمو فيه السرد .

قدمت لنا الآلوسي مفاتيح كثيرة، تناثرت بعفوية على ألسن الشخصيات الثانوية، لتفتح الأبواب كلها وسط تصاعد النار والدخان، وإمتلكت الخبرة والمعرفة النافذة لحقائق الشخصيات، ووظفت الحلم وإسترجاع الذكريات، ولم تبخل بمشاعرها وعواطفها وسط تلك الظروف الصعبة، بتطور درامي لعملية السرد، والمعاناة، وإشكالات السرد والإنتماء والتغرب .

إمتياز الرواية انها رويت بلسان السارد(ضمير المتكلم) وهي الشخصية المحورية فيها، التي ظل اسمها مغيباً لم تفصح عنه الكاتبة، وكأنها تريد القول ان روايتها،هي رواية البحث والتساؤلات عن الهوية في زمن ضائع، ومحاولة ترميم الذات، التي إفتقدت جذرها في أحشاء التربة العراقية (قد يكون ما حدث هزة عنيفة، زعزعت كل إعتقاداتي حول الوطن، لم يكن وطننا واحداً، فلم تلمّنا أربيل، لم تمنع عنا احساس الغربة، وكأن إنتماءنا لم يكن لكل هذا الوطن، تدحرجت القناعات وترجرج الوطن تحت أقدام النازحين ...النص على لسان البطلة )، هذا النص المستيقظ ألما يترك أثراً في موضوعة الهويات، ويرسم صورة واضحة للخيبة والخذلان، إذ تتداخل القيم وتتصارع الأحداث في ظل الكراهية المشتعلة والحقد، ويختلط القتلة بالقتلى، ويصبح كل شي مباحاً، وكل مفاجأة متوقعة، وتستحضر كل اسلحة الشر والدمار، ليتحول السرد بطريقة اللامعقول لواقع لا معقول .

الشخصيات الأخرى في الرواية ثانوية، ليس بمعنى هامشيتهم، انما هم يوحون بمعان أبعد منهم، معاني لها علاقة باللامرئي من التاريخي، أو بما يحدد مآل الحياة عندهم، فتضعهم أمام موت هو في مغزاه ووقعه أعمق من الموت في الكوارث، الموت الأعمق هو موت الحياة، لاتعرف من الجاني، ومن المجني عليه.

إن قدراً من الإحساس بخفوت الشد الدرامي في الرواية، وإفتقادها لحرارته في الفصل الأخير منها، فصل العودة الى المدينة إثر إندحار (داعش)، على الرغم من محاولة الآلوسي التعبير عن الإحساس بإستمرار الحياة، حين وجدت البطلة شجرة السرو الوارفة على باب دارها كانت خضراء يافعة . لتكشف عن الصلة بين الشجرة وأعماق الشخصية المحورية في الرواية، هذا الإكتشاف لعناصر الحياة يحكي بطريقة التلميح المعبّر، التوق الدفين لتجاوز العطب الذاتي، والتغلب على حالة الإستسلام لجدار اليأس الصلب والتهاوي في وهدته .

استطيع القول ان لمياء الآلوسي نجحت في ان تجد لها مكاناً متقدما في قائمة السرد العراقي، لما تمتلكه من مقومات النضج والجمال،وبما يضعها بجدارة في عدد الإضاءات السردية الجميلة.

 

جمال العتّابي

 

كريم مرزة الاسديالمعري، المتنبي، الشريف الرضي، أبو هلال العسكري، البيروني، أحمد الصافي النجفي، ديوجين، جورج برناردشو، جان بول سارت، ويلي سوينكا.

في الحقيقة أن الإباء والفخر صفتان غير متلازمتين، ولا تستوجب الأولى وجود الثانية، فالبحتري كان فخوراً بشعره حتى القرف، ولكنه ذو طبيعة مصلحية بحتة بعيداً عن الإباء والأنفة، أما ابن الرومي معاصره، فقد يفتخر بشعره، وبسعة علمه أحياناً، في حين كان لجوجاً،  ملحاحاً كالطفل مما يثير الاشمئزاز والعطف، وكأن زمانه لم يستح أن يكون بين جنبيه مثل هذا العبقري، ويهمل مثل هذا الإهمال، والغزالي بالرغم من تعاليه وزهوه، كان سمحاً، بسيطاً، ذا أخلاق دمثة، وأخيراً أصلح من أمر كبريائه وزهوه على ما يقال، ولكن من العجيب أن يغيب قلمه عندما تعرضت بلاد العرب للغزو الأجنبي، ولم يقل كلمة حق.

إباء أبي العلاء المعري (363 هـ - 449 هـ / 973م - 1057م:

أما أبو العلاء المعري فكان يفتخر بشعره وبسعة علمه، وغزارة حفظه، وفي الوقت نفسه كان شديد الإباء، زهد في دنياه إلى حدّ القسوة، ودون الكفاف في العيش طيلة أكثر من أربعين عاماً، تذكر الدكتورة بنت الشاطئ في كتابها مع أبي العلاء): أمر الحاكم بأمر الله الفاطمي على أن يسمح له بخراج معرّة النعمان طول حياته، فأبى وأعتذر، ويذكرون كذلك في تاريخه أن المستنصر بالله الفاطمي صاحب مصر 427 هـ، بذل له ما لبيت المال في معرة النعمان، فلم يقبل منه شيئاً . (42) ويقول الأستاذ عبد العزيز الميمي في كتابه (أبو العلاء المعري وما إليه): " وطئها بقدميه، فانقادت له .." (43).

وهذه أبيات من قصيدته الشهيرة التي يفتخر فيها بنفسه:

ألا في سبيلِ المَجْدِ ما أنا فاعلُ***عَفافٌ وإقْدامٌ وحَزْمٌ ونائِلُ

أعندي وقد مارسْتُ كلَّ خَفِيّةٍ***يُصَدّقُ واشٍ أو يُخَيّبُ سائِلُ

أقَلُّ صُدودي أنّني لكَ مُبْغِضٌ**وأيْسَرُ هَجْري أنني عنكَ راحلُ

إذا هَبّتِ النكْباءُ بيْني وبينَكُمْ***فأهْوَنُ شيْءٍ ما تَقولُ العَواذِلُ

تُعَدّ ذُنوبي عندَ قَوْمٍ كثيرَةً***ولا ذَنْبَ لي إلاّ العُلى والفواضِلُ

كأنّي إذا طُلْتُ الزمانَ وأهْلَهُ***رَجَعْتُ وعِنْدي للأنـــامِ طَوائلُ

وإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ***لآتٍ بما لم تَسْـــتَطِعْهُ الأوائل

وطال اعتِرافي بالزمانِ وصَرفِه* فلَستُ أُبالي مًنْ تَغُولُ الغَوائل

وقال السُّهى للشمس أنْتِ خَفِيّةٌ*وقال الدّجى يا صُبْحُ لونُكَ حائل

فيا موْتُ زُرْ إنّ الحياةَ ذَميمَةٌ****ويا نَفْسُ جِدّي إنّ دهرَكِ هازِل

فإن كنْتَ تَبْغي العِزّ فابْغِ تَوَسّطاً***فعندَ التّناهي يَقْصُرُ المُتطاوِل

تَوَقّى البُدورٌ النقصَ وهْيَ أهِلَّةٌ****ويُدْرِكُها النّقْصانُ وهْيَ كوامل

 

المتنبي (303 هـ - 354هـ / 915م - 965م):

والمتنبي كان شديد الإباء، عزيز النفس، قوي الإرادة، ولكنه رمي بالبخل، ولم نتحقق من الأخبار التي تنسب إليه في هذا المجال، وعلى العموم العباقرة والعظماء، تؤخذ عليهم أبسط الأمور، وتضخم، وتعطي أكثر مما تستحق كثيراً بدافع الحقد والحسد والغيرة والعداء، وما إلى ذلك.

اشترط المتنبي على سيف الدولة الحمداني أن ينشده الشعر جالساً، ولا يقبل الأرض بين يديه، ومنذ صباه كان يعتد بنفسه كلّ الاعتداد، ولا يرى له في الوجود ندّاً، ولا مثيلاً:

أمط عنك تشبيهي بما وكأنه *** فما أحدٌ فوقي، ولا أحدٌ مثلي

وتذهب به الأنفة إلى درجة التسامي، واختراق كلّ مدى للوصول إلى الشأو والمرام في كوامن نفسه الطموحة لأعلى المعالي:

إذا قلّ عزمي عن مدى خوف بعده *** فأبعد شيٍْ ممكنٌ لم يجد عزما

وإنًـــي لمن قومٍ كأنّ نفوسهم ***** بها أنفٌ أن تســـكن اللحم والعظما

وهذه أبيات يعدّها الدكتور طه حسين في كتابه (مع المتنبي)، من أجمل ما قال المتنبي في حياته، وهي من قصيدة ألقاها بحضرة أبي العشائر والي اللاذقية سنة 338هـ، قبل أن يعرّفه أبو العشائر على سيف الدولة الحمداني، وذلك عقبى أن طُعِن في نسبه من قبل بعض جلساء   أبي العشائر، ورد الدكتور حسين ردًّا جميلًا صائبًا على مثل هذه الطعون، وخصوصًا في العراق، إليكم الأبيات الرائعة: 

أنا ابنُ مَن بعضُهُ يَفُوقُ أبَا الـ** ـباحِثِ والنَّجلُ بعضُ من نَجَلَهْ

وإنّما يَذْكُرُ الجُـــــدودَ لَــهُمْ ***مَــــنْ نَـــــفَرُوهُ وأنْفَدوا حِيَلَــهْ

أنا الذي بَيّنَ الإلــهُ بِهِ الـ ****ـأقْدارَ والمَـــــرْءُ حَيْثُمــــا جَعَلَهْ

إنّ الكِذابَ الذي أُكَـــــادُ بِهِ *****أهْــــوَنُ عِنْدي مِنَ الذي نَقَلَـهْ

ورُبّما أُشْهِدُ الطّعـــامَ مَعي *****مَن لا يُساوي الخبزَ الذي أكَلَهْ

ويُظْهِرُ الجَهْلَ بــي وأعْرِفُـــهُ ****والدُّرُّ دُرٌّ برَغْمِ مَـــنْ جَهِلَـــهْ

الشريف الرضي (359 - 406 هـ / 969- 1015م):

الشريف الرضي نفسه شريفة، وقلبه رقيق، يتعالى بعزة حتى يطاول الخليفة بأنفة، يذكر الشيخ البهائي في (كشكوله): " قال الرضي رضي الله عنه يخاطب الطايع:

مهلاً أمير المؤمنين فإننا*** في دوحة العلياء لا نتفرق

ما بيننا يوم الفخار تفاوت **أبداً كلانا في التفاخر معرق

إلا الخلافة ميزتك فإنني ** أنا عاطل منها وأنت مطوق

قيل: إن الخليفة لما سمع ذلك قال على رغم أنف الرضي . " (44).

أبو هلال العسكري (توفي  395 هـ / 1005 م):

وأبو هلال العسكري، وأشهر كتبه، (كتاب الصناعتين، النظم والنثر)، وله كتاب (الأوائل)، كان أبي النفس عفيفاً، كريم الخلق، مترفعاً عن التمسح بأعتاب الأغنياء، وعن سؤال الناس، وكان يتكسب بساعديه ليدفع عن نفسه الفاقة، عمل تاجراً يبيع البز ليكسب القوت الحلال لئلا تعوزه الفاقة إلى ولوج قصور الأغنياء والمترفين، لأنه يعرف أن ولوجهالا مضيع لكرامته ومكانته، ومدعاة للتزلف والتملق، وهو ما تأباه نفسه وتعافه، وكما يحس بالمرارة حينما يضطر إلى التكسب عن طريق التجارة، ويقول في شكواه من الدهر والناس:

جلوسي في سوق أبيع وأشتري *** دليل على أن الأنام قرود

ولا خير في قوم تذل كرامهم ***** ويعظم فيهم نذلهم ويسود

ويهجوهم عني رثاثة كسوتي **** هجاءً قبيحاً ما عليه مزيد(45).

البيروني (362 هـ - 440 هـ / 973 م - 1048 م): 

البيروني  قد صنف مؤلفات جمة في شتى أنواع العلوم (الجماهير في معرفة الجواهر)، (الأثار الباقيةعن القرون الخالية)، وغيرها، فبلغ ما ألفه (190 كتاباً)، وقدّم إليه السلطان مسعود بن محمود الغزنوي مقابل كتابه (القانون المسعودي في الهيئة والنجوم) وزن حمل قيل من الفضة إلا أن البيروني رفضها إباءً وأنفة.

 

أحمد الصافي النجفي (1897 - 2977م):

كان الشاعر أحمد الصافي النجفي أبي النفس لا يقبل أي مساعدة مادية من أحد، ويعيش عيشة أقل من الكفاف، ويعتبر الأدب أكبر ثروة ينالها الإنسان:

أنا حسبي ثروة من أدبٍ *** قد كفتني عن طلاب الذهبِ

فليدم جيبي فقيراً، إنّما *** فقر جيبي ثــــــروة للأدبِ

ومن الجدير والجميل ذكره، في إحدى المناسبات دس أحدهم رسالة إليه، وإذا بها بعض النقود، فكتب:

ونبيل قومٍ جاد لي برســـالةٍ ***** فواحةٍ مـــن لطفــــه بــعبيره

وإذا بها ملغومة بسخائه ***** فأحترتُ بين مســــائتي وسروره

حاولتُ ردّ سخائهِ فخشيت أن** أقضي على نبع الســــخا بضميره

فرضيتُ منكسراً بجرح كرامتي**وقبلتُ جرحي خوف جرح شعوره

العباقرة الأجانب:

ديوجين (412 ق.م. - 323ق.م.):

ديوجين اسم يوناني لعدة علماء وفلاسفة وحكماء من بلاد الأغريق، ونحن نتكلم عن معاصر الأسكندر المقدوني(356 ق. م.- 323 ق.م.)، المدعو ديوجين الكلبي، أو ديوجين الفيلسوف (412 ق.م. - 323ق.م.)، عاش هذا الرجل باختياره في الحضيض الأوهد من دركات الفقر، ولكن كان يملك عزّة الملوك وشموخهم، وكلّ عدّته عباءة يتستر بها، وفوق كتفه يحمل برميلاً يأوي إليه ليتقي به القر والحر، وفي داخل جسده تتقد نفسية الرجال العظماء.

مهما يكن من أمر، لما أقبل عليه الأسكندر ذات يوم، وبادره بالتحية قائلاً: " أنا الملك الأسكندر"، فأجابه: " أنا ديوجين"، فسأله: " ألا تخشاني"، فرد السؤال بسؤال: "طيب أنت أم سيْ"، قال الأسكندر " بل طيب"، فقال ديوجين: " ومن يخشى الطيب"، ثم سأله ابن فيليب الثاني ملك مقدونية، ونعني به الأسكندر:" هل لك حاجة نقضيها؟.. وهل أستطيع مساعدتك؟ "، فرد عليه الحكيم بجرأة الأبطال " بوقفك بيني وبين الشمس حرمتني من الدفء، فلو تزحزحت قليلاً حتى أتدفأ بحرارتها " فتعجب الملك المقدوني وردد: " لو لم أكن الأسكندر. لوددت أن أكون ديوجين".

من لا يطلب شيئاً، كأنه ملك كل شيءجورج برناردشو (ت 1950م).

جورج برناردشو(1856 - 1950م):

منحته لجنة نوبل جائزة عن الأدب سنة 1925 م، فرفض الجائزة، وكتب إلى أمين سر اللجنة يقول: " إن هذا المال كالعوامة التي ألقيت إلى السابح بعد وصوله إلى بر النجاة ."، والسبب يعود في الحقيقة إلى تجاهل لجنة نوبل لبرناردشو فترة طويلة من الزمن، ومنحتها لأدباء دونه منزلة ومقدرة وملكة، فضرب ضربة معلم!!

جان بول سارتر،(1905 - 1980م):

يذكرني (شو) بجان بول سارتر فيلسوف الوجودية المتشائمة الفرنسي، والكاتب الشهير، عرض أفكاره في محاولات وقصص ومسرحيات منها (الكائن والعدم)، و (طرق الحرية)، و(الجدار)، الذي رفض جائزة نوبل 1964م). وكان في أمس الحاجة إليها، (وللناس فيما يعشقون مذاهبُ).

ويلي سوينكا:

ولما منح ويلي سوينيكا (ولد عام عام 1934م) في غرب نيجيريا من قبائل يوريا جائزة نوبل للآداب 1987م بعد انتظار دام ستة وثمانين عاماً، هو طول عمر أكاديمية أستوكهولم التي تمنح الجائزة، هذا معناه أن الأفارقة يمكنهم أن يقدموا أدباً راقياً مثل غيرهم، ولو أن ثقافة سوينكا أوربية، وكتب باللغة الأنكليزية، وتعكس كتاباته تمكنه الشديد من اللغة الأنكليزية وأنه أنموذج الشاعر الأسود الجلد فقط، مثل زميله ليبولد سنغور، ولكن عبر سوينكا عن أفريقيا بنبل وصدق، وتهمنا نحن عبارة الأديب الأفريقي جيمس أنجوجي (كينيا)، إذ يقول بكلّ أنفة وإباء: " الكتابة عن أفريقيا بلغة أجنبية تحقير لها، وتحجيم لدور أدبها الكبير، و تشويه لجمالها الذي هو المنبع الطبيعي لإلهامنا."، والواقع انحصرت جائزة نوبل على الفكر والإبداع الأوربي والأمريكي، ولبعض اللغات، وهذا انتقاص لقيمة الجائزة، واستهانة مقصودة من اللجنة المانحة للفكر الإنساني الأشمل، ومتى كانت الحضارة بنت عرق معين، أو مكان محدد؟ ومن قال: أن العقول والأدمغة تتباين بين أبناء البشر؟! وأين كانت أوربا قبل عصر النهضة،وأمريكا قبل اكتشاف كولومبس لها؟ وهل بنيت الحضارة على كثبان من الرمال المتحركة الواهية لتصل إلى هذا الصرح الشامخ؟ تساؤلات لا نجد لها من إجابة إلا العرفان بجميل وعظمة كلّ الأمم، وكافة الشعوب بدون تمييز أو تفرقة، وبهذا وحده تكمل الإنسانية مسيرتها الحضارية.

 

كريم مرزة الأسدي

 

أنجب فتال وديزي طفلة اطلقا عليها اسم تسيونيت ولدت في اسرائيل عام 1964 بعد ان هاجر ابويها من بغداد قسرا، رغم هجرتهم الا انهم حافظوا على لهجة اليهود البغدادية كما حافظوا على تقاليدهم وعاداتهم التي ورثوها عن العراق. درست  تسيونيت وحملت اللقب الاول باللغة والادب العربي وتاريخ الشرق الاوسط كاتبة وباحثة وروائية وقاصة، كان لرحيل والديها الاثر البالغ في حياتها والدافع الفذ للحفر في التاريخ عن حياتهما السابقة في مدينة بغداد التي عرفتها تسيونيت بالصور والذكريات والخيال المليء سعادة وحزن، فسارعت في جمع المصادر والمعلومات والخرائط وصور الامكنة لبغداد لتكتب رواية عن احياء بغداد اليهودية، بيوت حي اليهود الصغيرة المرقعة بالخشب والصفيح الصدىء بشكلها المتلاصق دون نظام او شكل والشناشيل الجميلة مع ساحات داخلية خفية شبه مكشوفة وسطوح مشتركة، تخت ومناضد خشبية والدرج والسرداب وساحة البيت والجلالة (الارجوحة)، والازقة الضيقة وبيوت حي الاثرياء بقصوره الكبيرة المصنوعة من الخشب المزخرف بالنحاس والشبابيك الكبيرة بشرفاتها الفارهة، وسوق حنوني والمدرسة الدينية  زلخة ومدرسة أليشيبا والكنيس الكبيري، لغتهم البغدادية اليهودية وطريقة ارتداء ملابسهم وعاداتهم وتقاليدهم فضلا عن اهم اعيادهم وطقوسهم الدينية  لتخلق منها لوحة فسيفسائية كبطاقة اعتذار لكل يهودي عراقي سلبت منه هويته وهجر قسرا من بلده العراق تمثلت بروايتها باللغة العبرية بعنوان "صور على الحائط" التي ترجمها للغة العربية عمرو زكريا خليل،تحدثت تسيونيت فتال في روايتها عن حجب المرأة في السياقات الثقافية ونفيها في النصف الاول من القرن الماضي، فاضحت الذات النسوية شكلا فرعيا بل ثانويا للذكر وبطريقة باهتة انتجت صورة مشوهة او ناقصة للنساء، فكانت المراة شكلا قابعا تحت الهرم الذكوري الامر الذي اكسبه سطوة ألقت بظلالها على الثقافة الشعبية والفلسفية بل حتى الاقتصادية للمجتمع، اوضحت ذلك تسيونيت فتال بعلاقات شخصياتها المتضاربة والمتضادة التي تتأرجح بين الخنوع والتمرد لتبرز لنا نتاجا متمردا قويا متفردا في ملامحه الشخصية متوالدا في صيرورة وجودية لن تتوقف الامر  الذي تمثل في شخصية (نورية) الابنة الصغرى ل (نزيمة) التي انجبت (مريم) خليفة خالتها (وحيدة) في القساوة والاذى و(نعيمة) المنهارة والمنصاعة لاوامر (وحيدة)  المراة المتجبرة التي تتعامل بالسحر الاسود المحرم في الديانة اليهودية والذي تحكم في مصائر بعض ابطال الرواية خوفا منهم وايمانا بمضرته على مر الاحداث في الرواية، فكانت (نورية) اول من يكسر قوانين (البيت الازرق) بحاكمته (وحيدة) ليعلو صوتها مزمجرا رافضا حكمها عليها بالزواج من ابن الخالة وحيدة المريض بعد ان تزوجتا اختيها من اولاد الخالة ذاتها المصابين بالامراض كذلك، اتى رفض (نورية) واختيارها عريسا غريبا عن البيت الازرق كصاعقة نزلت على راس خالتها وجميع افراد البيت، اذ انهم اعتادوا على كلمة نعم ولا وجود للرفض في قاموس حياتهم، انها المرة الاولى التي تخرج بها (نورية) عن لعبة الخنوع والخشوع لاوامرهم لتصدح احلامها وتلعو امنيانها في سماء الحرية، فواصلت نضالها جاهدة في تحقيق هذه الاحلام وفعلا تزوجت من (ادور) الشاب الذي خلصها من ايدي بعض المراهقين المسلمين الذين تعرضوا لها، وبذلك تخلصت من تجبر اخيها (يعقوب) الذي كان يجبرها على غسل قدميه بصورة مهينة ويأمرها بنتظيف حذائه وغسل ملابسه الى غير ذلك من الممارسات الذكورية المهينة، برزتها تسيونيت فتال بصور شتى تمس الوجود النسوي والذات الانثوية رغم تغير الظروف السياسية والاجتماعية الا ان النظرة الفوقية المتعالية عن وجود المراة لم يتغير بصورة (ادور) وحياتها الجديدة معه بعد ان ظنت انها ستبدا حياة جديدة ملؤها الحب والاحترام وتقدير الذات الا انها فوجأت بتعامله الفض معها وقساوته واهانته لها المستمرة بل حتى ضربه لها، فتعود من جديد لحياتها المهينة السابقة بيد ان تسونيت فتال حبكت شخصية (نورية) بفتيل القوة والارادة، فلم تنصاع للضعف ورفضت نقوده التي يقدمها لها على طبق من المنية والتكبر والوعيد وقررت النزول للشارع والعمل لحياة كريمة، تعرفت الى صديقتها اليهودية (زيزي) المقنعة بقناع الاسلام امام مجتمع ظالم سلب منها ابنها وحياتها مع زوجها بسبب رجل لا يتسم بشيء من الرجولة، هنا يعود الذكر ليحطم ويسلب وجود المراة وهذه صورة من صور الاذى الواقع على المراة، اثقلت (نورية) حالها حال اي امراة ترفض المهانة بواجبات شتى فهي تعمل في البيت وخارجه وتربي الاولاد وتعلمهم وتعد لهم الطعام وتهتم بالزوج ورغباته رغم ارهاقها ولا تنال منه الا المهانة والضرب والسخرية، فضلا عن تحملها جفاء والديه، مع كل ذلك كان تردد دوما (لا يجوز الخوف من الرجل بل الانتصار عليه بهدوء المراة)، اوضحت تسيونيت فتال صورا اخرى من تضعيف المراة وتهميشها من خلال التفرقة في معاملة الابناء عن البنات في البيت كذلك في الاعياد والاحتفالات فلم يكن للفتاة نصيب من الاحتفال الا بالخلاص من مصاريفها ومسؤوليتها ورمي ذلك على زوجها بعدها كائن لا يجلب لاهله سوى المصائب، على العكس من الفتى الذي يتم الاحتفال بمولده، والاحتفال به في (الختان) ثم احتافئهم بوصوله لسن التكليف في عمر  (13 سنة) ومن ثم طقس (النضوج) وبعدها احتفال (الزواج)، و(نورية) حالها كحال اي امراة نالت مانالته من مجتمع  ذكوري الا انها كانت تتمتع بقوة خلاقة للحياة وللوجود فبعد ان فقدت اولادها في عام واحد لم تيأس وجاهدت في خلق حياة جديدة بمولد ابنها (ناحوم) الذي كان رمزا للخلاص من الاذى رغم انها لم تتمكن من ارضاعه بحجة انها ذات فأل سيء على اولادها وهي صورة اخرى من الظلم الذي احاق بها من اهلها وزوجها الا انها قاومت الالم النفسي والجسدي وبقيت تحيطه بالعناية والتعليم فبعد ان عملت في حياتها السبقة بجهد على تثقيف اولادها حرصت على تثقيف (ناحوم) عز طريق ابنة اخيها (حنيني) التي طالما ساندتها في محنها الجمة والتي عانت من ظلم ابيها (يعقوب) في القضاء على احلامها ومستقبلها، وبذلك تستمر تسيونيت فتال في عرض الشخصيات المتقاتلة والتي خلقت صراعات عدة ادهشت المتلقي في سلاستها رغم صراعاتها اللامتناهية لتنتج احداثا ذات طابع فجائي ينزل كالصاعقة على فكر المتلقي لتوصله الى حقائق جديدة في كل حادثة، فرغم خنوع النساء الثلاث (نعيمة وابنتها دوريس وهيله زوجة يعقوب) الا انهن قررن الهروب بعد ان اجبرتهن(مريم) على تجهيز الفتاة دوريس للزواج برجل كبير في البصرة بمساعدة (زيزي) تلك المراة التي ترمز للمساندة وقضاء حاجات الفقراء رغم انها راقصة وتعمل في الملهى، لتتحرر قوة النساء من دواخلهن رغم خوفهن من المصير المشؤوم لكل من يكسر القيود ويغادر البيت الازرق فشخصية نورية اصابها الالم والاذى وابنها (مئير) فقد حياته حين قرر ترك زوجته (مريم) ومغادرة البيت وابنها (حييم) حين تمرد على اوامر البيت الازرق وتطوع للدفاع عن العراق ففقد خطيبته (حنيني) واحلامه وحياته وابنها الثالث (يوسف) الذي لقد حياته في البيت الازرق بعد ان رفض الزواج بزوجة اخيه المرحوم لان ديانة اليهود تحرم الزواج بزوجة الاخ التي لديها ذرية، لم يبق لنورية سوى سور اولادها المعلقة على الحائط وذكرياتهم واصواتهم التي لم تفارق منزلها، الا (ناحوم) حين غادر البيت الازرق تحرر من جهله ومن الاذى الذي احيق به من ضرب واهانة .

تخرج تسونيت فتال من عالم المراة الى عالم اخر نثرته بطريقة انيقة بين احداث روايتها الا وهو الثقافة الشعبية ليهود بغداد انذاك اذ مررتها بصيغ سلسة متناسقة لم تثقل بها كاهل المتلقي رغم كثافتها، فطرحت عادات يهود بغداد في رش الملح امام باب الدار والخروج بالقدم اليمنى جلبا للرزق، ولمس الحجر المقدس الموضوع في باب الكنسية وتقبيل اصابعهم جلبا للابناء والعمر المديد، كذلك طلاء البيوت باللون الازرق ظنا منهم ان ذلك يطرد الجن والارواح الشريرة لاعتقادهم بقوى السحر الاسود، فضلا عن طقوس التحلل من النذور التي كانت تقام عشية رأس السنة، الا ان تسيونيت فتال عرضت اهمية الرقم سبعة في حياة اليهود وطقوسهم فالمرور فوق اناء البخور (سبع) مرات لتحاشي الحسد، وتمشيط الشعر وجدله (سبع) جدائل لتحاشي اذى السحر، واقامة الحداد (سبعة) ايام حزنا على الميت، ودحرجة التابوت (سبع) مرات وقلبه على عقبيه لابعاد الموت عن اهل الميت وغيرها من التقاليد والافكار والفلسفات التي  حرصت على  تسيونيت فتال على ابرازها في سياق الرواية، وكأن الكاتبة حرصت على ان تعطينا درسا في تأريخ اليهود العراقيين وابرز معتقداتهم وعاداتهم الاجتماعية وطقوسهم واهتماماتهم التي ولدت ونمت في بلاد الرافدين، كأنها تدق اجراس النسيان فينا وتوقظ الذكريات السليبة لاناس ولدوا في هذا الوطن واحبوه ودافعوا عنه واصبحوا حزءا من شعبه وحضارته وثقافته، ورغم سبك احداث الرواية وقفزاتها الزمنية الانيقة وقوة رسم شخصياتها وتضاد علاقاتها وصراعاتها المتأججة الا انها بدت كسجل تأريخي توثيقي للانسان اليهودي العراقي وثقت فيه الكاتبة الاماكن والاحداث السياسية بتقانة عالية، اذ كان حي اليهود يضم الكنائس والمدارس الدينية اليهودية باسمائها الحقيقية وجدت بالرواية فضلا عن رحلة المنفى لليهود من اورشليم الى بابل وملكهم (يهويا خين) قبل 2500 سنة بعد سبيهم من قبل الملك نبوخذنصر، كما حرصت تسيونيت فتال على تضمين روايتها وثائق سياسية منها حكم الملك فيصل العادل بين جميع الطوائف في العراق ونبذ الفرقة بينهم، كذلك الملك غازي الذي سار على نهجه وتتويج الملك عبد الاله بعد فشل ثورة رشيد عالي الكيلاني الامر الذي اثار سخط بعض المسلمين في بغداد والمندسين من قبل النازيين للقضاء على الوجود اليهودي في بغداد، وكان من نتاجاته قسر اليهود عن بيوتهم ونهبها والنداء بقتل لليهود وبقر بطون الحوامل وتهجيرهم خارج البلاد، وظلم الاتراك لفقراء العراق الذي تمثل في شخصية الاخرس (عبد الله) الذي قتل الاتراك والده واعتصبوا امه امام عينيه، كما انهم قاموا بسرقة الشباب لاجبارهم على قتال البريطانيين، كما وثقت حرب (بريطانيا وفرنسا وروسيا) ضد الاتراك وكيف تم جلائهم من العراق بعد خسارات باهضة دفع ثمنها العراقيون من كافة الطوائف، لم تكتفي تسونيت فتال بتوثيقاتها السياسية والاجتماعية بل تعدت ذلك الى الثقافية لتكتمل طرحها للثقافة اليهودية بسورة اكثر اتقانا، فذكرت مجموعة من الصحف اليهودية انذاك ومنها صحيفة (المصباح) التي ااظهرت مجموعة من مثقفي اليهود العراقيين الذين حرصوا على ولائهم لوطنهم والتي يمتلكها (سلمان شينا) وصحيفة (الحاصد) لجده (هرمان روزنفليد) كما برزت صحفا عراقية كانت تبث ثقافة الكراهية لليهود باسناد النازية وبرئاسة الدكتور (فريتنس جروبا) وصحيفة (العالم العربي) فضلا عن ظهور الحركة الصهيونية التي اطلقت على العراق (بلد القيمر والسيلان) وتعني بلد الشتات، كل هذه التصعيدات السياسية والاجتماعية كذلك الثقافية وباسناد من النازية عملت على نشر ثقافة الكراهية ضد الشعب العراقي اليهودي واوقعت عليه الظلم حتى تم تهجيره وسلب هويته،رحلة كشفت لنا قوة وصيرورة المراة العراقية اليهودية لتطرح فلسفات عدة منها ان التدخل في القدر حرام لانه تحد لله، وان الانسان يجلب لنفسه الاذى بذنوبه لذلك عليه الرضا بصمت وخنوع، وان الانسان ضعيف العقل وليس بمقدوره ان يفهم اعمال الله والحكم عليها واسلم طريقة هي الدعاء، كما طرحت افكارا عدة في ازدواجية الرجل للحفاظ على نساء بيته والتعرض السيء للاخريات، ونشر ثقافة العيب في مجتمع مغلق يقمع الاحلام والامنيات للنسوة والفتيات، كتبت تسيونيت فتال رواية الصور على الحائط التي انزلها (ناحوم) من على الحائط بكل ماتحمله من ذكريات جميلة ومؤلمة وخيبات وفراق ودموع وضحكات ليأخذها معه سائرا خارج بلده بلا هوية حاملا معه امه المريضة التي عانت من الاضطهاد والظلم لسنوات راحلا عن تراب وطنه مغتربا هناك في ارض المجهول، اتت الرواية كوقفة اعتذار لهذا  الشعب المخلص لوطنه البار بارضه المحب لشعبه بكل طوائفه، وقفة حب واحتضان واعلان هوية، مثلت الرواية رحلة غائرة في عالم تم التستر عليه واخفاء معالمه واثاره قابلنا فيها اناس يمتلكون ثقافة وحضارة، عادات وتقاليد وطقوس دينية واجتماعية لتؤكد للعالم انهم شعب يستحق العيش في وطنه، يستحق الاعتذار عن ما سبب له من اذى

 

د. امل الغزالي.

 

سوف عبيدمن سِمات الشّعر العربي الحديث أنه يستلهم من الأجناس الأخرى في الأدب وحتّى من غيره من الفنون والتعبيرات المختلفة ممّا يجعل نصّ القصيدة الحديثة مُشرّع النوافذ على عدة أصناف في القول فأضحى بذلك الشّعر الحديث متعدّد الأشكال متنوّع الفنون والمُتون ولم يعد مقتصرا على هذا البلد أو ذاك فقد شاع التجديد والبحث بحيث صار الاِبتكار والتوق إلى الإضافة هاجس الكثيرين وقد يوجد في النّهر ما لا يوجد في البحر

إن العنوان في الشّعر العربي المعاصر والحديث أمر جديد في القصيدة تلك التي كانت تُعرف بمطلعها أو بمناسبتها أو بصاحبها أو بقافيته فصار العنوان حينئذ جزءًا من القصيدة نفسها وليس بشيء خارج عنها أو مضاف إليها وهذا جعله يمثّل زيادة في معناها وبُعدا من أبعادها الأخرى

في هذا السياق تندرج قصيدة " الوصية" للشّاعرة ـ صالحة الجلاصي ـ المنشورة ضمن مجموعتها الشعرية " أكبر من أن تراني"، والصّادرة بتونس سنة 2004، وهذا نصها:

ـ الوصيّة ـ

(هديّة إلى ماجدة عراقية)

تَجذُّرها في رصيف اللَيل

ينطق بالصَمود

و يدها الممتدَة بالرغيف

تلوّح للعابرين

و تتوهّج في وجه البرد القاسي

ستبقى جالسة حِذو برك الماء

تحت سماء لم ترحمها

تحت أجنحة اللّيل البارد

إلا من ثورتها

ستبقى هنا كتلةً سوداء

مثل أحلامنا وصباحاتنا

تبيع أرغفة لسائحي الحرب مثلنا

حين اِنحنت عيناي في حضرتها

ألمَّ بي جُوعٌ كاذبٌ

وأجهشت بالشّهية

ووددتُ أن أزرع حولها

ألف وردة ووردة

أن أمنحها روحي

ما في جيبي وكلّ ما لديّ

لكنّها اِعتصمت بالكبرياء

و اِنغلقت في وجه الهديّة

و اِمتدّ لي الرّغيف هكذا...بكل جديّة

حينها أدركت أنّها كانت وصيّة

كم تمنيّتُ اِحتضانها في ذاك اللّيل

إلا من دموعي

رغم صخب الرّفاق حولي

ظللتُ طوال اللّيل

أحدّق في الرّغيف

بعينين غائمتين

وقلبٍ مذبوح

...وعقل مشلول

ـ 2 ـ

إنّ القصيدة مُهداة إلى ـ ماجدة عراقية ـ فإهداء القصيدة أمر مستحدث هو كذلك في الشّعر العربي الجديد بالرّغم من أن قصائد المديح قديمة قِدم الشّعرالجاهلي حيث أنّ قصيدة المدح يقولها الشاعر طلبا للهدية أو العطية أو الجائزة أو النّوال أو المكرمة وغيرها من المرادفات، فشتّان بين إهداء قصيدة إلى إنسان بسيط أو مُعدَم كتعبير عن المحبّة والتضامن والتوافق والاِنسجام ، وبين قول القصيدة لنيل المكسب والحظوة وتحقيق المآرب من شخص هو أعلى منزلة عند الشّاعر نفسه

إنّ إهداء هذه القصيدة لهذه المرأة العراقية الماجدة تعبير من لدن الشّاعرة عن إكبارها لشخص هذه المرأة بما وجدت فيها من شرف وإباء وعزّة وكرامة وصمود أيضا رغم المعانات الضارية في سنوات الحصار والحرب على العراق

أما موضوع القصيدة فيتمثّل في وصف مشهد لقاء بين الشاعرة الزائرة للعراق وبين إمرأة تبيع الرّغيف على رصيف زمن الحرب

وتتوالى ثلاثة مشاهد متوالية في القصيدة

فالمشهد الأول يمكن أن يعتبر اللّقطة العامة الإجمالية التي نجد فيها المرأة جالسة عند الرصيف بجانب بِرك الماء في الليل عند البرد مع التركيز على يدها الممتدّة نحو المارّة بالرّغيف وإبراز اللّون الأسود الطاغي على المشهد

أما المشهد الثاني فهو يشتمل على الاِلتقاء والاِقتراب بين الشاعرة والمرأة مع الغوص في العواطف والشجون وقراءة النوايا والمواقف وقد أبرزت الشاعرة منها خاصة إباءها وكرامتها واِعتزازها بذاتها رغم المعاناة القاسية.

و المشهد الثالث عبارة عن اِستنتاج وخلاصة لما سبق في المشهدين السّابقين ليصوّر التأثر البالغ والحزن والحيرة والألم الذي تركته حالة تلك المرأة في نفس الشاعرة

ـ 3 ـ

و لكن أين مضمون الوصية في كلّ هذا؟ أو بالتّالي ما علاقة العنوان بمتن القصيدة؟.

أمّا مضمون الوصية فليس إلا دعوة إلى الاِعتبار والتأمّل من صورة هذه المرأة الماجدة العراقية التي ظلّت صابرة في الليل والبرد من أجل لقمة العيش رافضة التوسّل والتسوّل وذلّ السؤال محافظةً على كبريائها رغم الظروف القاهرةو عسف الحرب فالقصيدة إذن تمجيد وإكبار لموقف هذه المرأة وإدانة للحرب التي جعلتها ترزح تحت تلك المعاناة القاسية ومن هنا يصبح العنوان ذا دلالة مزدوجة فهو إشارة ضمنية إلى الدعوة إلى أخذ الدّرس من المرأة في كفاحها اليوميّ بشرف وصمود وهو تشهير أيضا بما تركته الحرب من مآس للفئة المستضعفة.

و هو كذلك اِعتذار من لدن الشاعرة بل شعور بالذّنب نحو تلك السّيدة العراقية التي تركتها في اللّيل والبرد والاِحتياج وراحت مع رفاقها في سهرة ليليّة وهم الذين وفدوا إلى العراق ضمن جحافل ـ سائحي الحرب ـ وبالتالي فإنّ الشّاعرة تدين نفسها صراحة وهي بذلك تعبّر عن موقف الكثيرين الذين يقفون متفرّجين على ضحايا الحرب لا وسع لهم ولا حول إلّا العطف والدموع والألم ولكن من دون فعل حقيقيّ لتغيير الواقع.

إنّ هذه القصيدة للشّاعرة صالحة الجلاصي يمكن اِعتبارها من النّماذج البديعة التي تمثّل الشّعر العربي الحديث في بحثه عن الطرق الجديدة للإبداع وفي تعبيره عن المعاناة الإنسانية .

 

سُوف عبيد ـ تونس

 

جمعة عبد اللهموهبة شعرية فرضت نفسها على الواقع الثقافي، منذ صغره وهو يافع، يخوض تجربة غمار الشعر في موهبته الاصيلة. التي تحمل في طياتها جمال الاصالة الشعرية. ومنذ ذلك الوقت، وهو يبحر غمار الشعر في تجربته وخبرته الطويلة. قد تتجاوز على على خمسة عقود.. وقد اصدر من خلالها اربعة دواوين شعرية. والكثير من القصائد التي لم توثق في دواوين شعرية اخرى. وهذه الدواوين الاربعة:

1 - الديوان الاول (اللواهب) عام 1975.

2 - الديوان الثاني (رسائل من وراء الحدود) عام 1980.

3 - الديوان الثالث (أناشيد زورق) عام 2005.

4 - الديوان الرابع (طقوس) عام 2006.

كما اصدر رواية باللغة الالمانية. رواية (تركة لاعب الكريات الزجاجية).

ونتناول في هذه المقالة. بمثابة استكشافات في عمق الرومانسية العذبة والشفافة من خلال ديوانه الثالث المعنون (أناشيد زورق). في عوالمه الرومانسية. بالمشاعر الملتهبة والجياشة. والديوان الشعري، يأتي ضمن انجازه الشعري الطويل في تجربته المتألقة، التي تتميز في اسلوبية متفردة وجادة، و تملك لون خاص في تناول العالم الحالم بالرومانسي، في احاسيسه المرهفة والملتهبة من اعماق الوجدان. ويتميز شعره الرومانتيكي في صياغة جمالية الاحساس بالمشاعر التي تبحر في بحر العشق والهوى. ولكن رغم جراحها ومعاناتها، لكنها لاتدلف الى مناقب النوح والبكاء. رغم المحنة والعذاب في الحب والعشق، الذي يتلاعب بمشاعر القلب والوجدان. ان قصائده الشعرية، تمتلك آفاق واسعة وخصبة في عشبة الخيال الرومانسي الخلاق. وهي ليس محض خيال صرف. وانما تملك فعل وتجربة صادقة، في تجربتها ومعاشيتها، الفعلية والحقيقية. تملك ارضية واقعية في التناول في خوض تجربة  الحب والعشق. في الهوى والهيام، في طينة الحب الجياش الصادق الذي يفور في الضلوع، أن قصائده ليس للاستهلاك الرومانسي العابر. بل أنها منفلتة من اعماق الوجدان ونبض القلب. في العشق الذي يجري نبضاته في العروق والشرايين. يقدمها في هالة الشعور الرومانتيكي. في اطار شعري حديث في الفنية في تقنياته المتطورة في الصياغة. يشد القارئ اليها، ويجعله يبحر في الرؤى الرومانتيكية بكل الشوق والاشتياق . ويتعاطف وجدانياً مع الشاعر. الذي ترجم مشاعره الصادقة والحساسة في رؤى الشعر. التي تعطي قيمة للحب والعشق، تعطي قيمة للمرأة الحبيبة، حتى في خصامها وخلافها وانفصالها عن رابطة الحب والعشق. فهو يمتلك مشاعر جياشة في الحب العذري، ولا ينزلق مطلقا الى الشبق الايروسي الملتهب. وانما يعطي قيمة معنوية لهالة الحب، في الحنين والاشتياق في العطش والظمأ الروحي. رغم معاناة الحياة وشقاء قسوة الحياة، التي تجني على الحب الصادق الملتهب في مشاعره الجياشة. لنسافر في رحلة الديوان الشعري (أناشيد زورق) في بعض قصائده المختارة، التي تعطي الخطوط العامة لعالمه الرومانسي.

1 - حين يهدر الحب فرصة التسامح والتصالح: ويقود آفاقه الى مجاهيل مسدودة. ليس لها شراقة وبسمة أمل، من الشوق والهوى، وانما تجعل سماء الحب، ملبدة بالغيوم بالرعود والبروق والتشاجر، في العواصف الهائجة، التي تفضي الى هجرة الحب وسد ابوابه. لكنها في نفس الوقت تفتح باب الجراح بالفراق والهجر. ولا تختار طريق الندامة ، ولاترجع الى مسالك الحب الصافية، الحب ليس التلاعب على العواطف التي تقود الى أطفاء شعلة ، فهذا الطريق والاختيار مرفوض، بدلاً من ان ترجع نادمة.

إني أنتظرت بأن تعودي نادمة        لكن رجعتِ كما السماء القاتمه

مزروعة بالرعدِ والامطار تنْ...     تنفضين في وجهي زوابع ناقمه

ان تعصفي مثل الرياح وتعبثي       بعواطفي أو تعودي غائمه

هذا الخيار رفضته ورفضت أن       أحيا بغير مشاعري المتناغمه

..........

لا لنْ يغامر من جديدٍ زورقي       حيث العواصف والسماء الغائمه

إني عرفت البحر في هيجانه       واخاف من امواجه المتلاطمة

لا تذكري الماضي فقد ودعته      لا توقظي في الجراح النائمه

2 - حكاية الحب: مغامرة الابحار في سفينة الحب، تتطلب السفر الدائم للعاشق المغامر، ان يجد عشبة الحب المشتهاة. حتى تكون بلسم لهمومه النازفة، فهي البلسم الشافي، ليجد روضته الزاهية، ليسكر في نبيذ الحب والعشق الى حد الثمالة. ولكن يتطلب ذلك الوفاق والانسجام والوفاء. وليس ان يتخذ من الحب ساحة لتصفية الحسابات، فالحب النقي والصادق، هو اكبر من كل الحسابات. واذا تحول عن ذلك، فيصبح صب الزيت ليحترق الهيام والهوى، ليتحول الى رماد وفحم. ان ازهار العشق تتطلب المياه النقية الجارية من اعماق القلب. تتطلب الهواء النقي ولا الهواء الفاسد بالحماقات في تذكر الماضي وجراحاته النائمة.

 لا تذكري الماضي فقد ودعته         لا توقظي في الجراح النائمة

 لا تفسدي بحساب صفو أوقاتي        فالحب اكبر من كل الحساباتِ

 دعي المشاعر تجري في منابيعها       طوعاً فلا تحبسيها بانتقاداتِ

 ولا تنبشي في الذي فات من عمري      ولا تعيدي على سمعي حكاياتِ

والذكريات دعيها في مخبئها          مدفونة مع احزاني وآهاتي

طويت صفحة اسفاري فلا تسلي        كم كنت أعرف قبلاً من محطاتِ

لا تسكبي الزيت في نار قد أنطفأت       إلا قليلاً فذا احدى الحمقاتِ

3 - الحب من أول نظرة: الحب المخبؤ في سحر العيون، المتعطشة للهوى والهيام. تبرق في بريقها الجذاب. لكي تلهب عواطف القلب والوجدان. ليهيم في بريق العيون ونورها المشع. لترسم جنينة الهوى والاشتياق، لترسم بريشتها الاحلام الوردية. لتفتح الطريق لرحلة العشق، ليسكر بطعم حلاوة الحب. لتذوب العواطف، في المشاعر الجياشة، لتذوب في سحر العيون البراقة في الهوى والهيام. ليجد مرفئه الحاني والموعود.

ذبتُ في حبكِ من أول نظرة           وفؤادي لم يعد يملك امرهْ

منذ أن أبصرت عينيك وبي           لهفة تلهب أعماقي كجمرهْ

ذهب الشوق بصبري كله            آه لو أملك من أيوب صبرهْ

سكن الحب عروقي كلها             صار يجري في دمي كل قطرهْ

أن في عينيك سحراً نافذاً            أثقن الساحر في عينيكِ دورهْ

كل شيءٍ صار شيئاً اخراً            في عيوني اصبح العالم غيرهْ

4 - أغنيات الحب: الحب الذي يلهب في لهيبه اعماق الروح. ويتمرغ في انغامه واناشيده العذبة، التي تعزف بلحن العشق والغرام، يتلألأ في سحر العيون الناظرة. التي تسرح وتتمرح في آفاق الهوى، لتطفيء شعلته المتوهجة في خلجات الفؤاد، تعجز الكلمات عن الوصف والتصوير. في بريق اغاني العشق التي تموج وترقص على لحن الشوق والاشتياق. فالحب اسمى من كل الاشياء، وفوق كل الاشياء. وتذوب فيه كل الاشياء. فهو المبتغى والمنشود،وتطير به الروح رقصاً وطربأً واغاني يتسامر بها العشاق.

أصبحت أجمل أغنياتي كلها         توحي بها عيناكِ والبسماتُ

غنيتها فترددت ملء الفضا         والى المجرة طارت النغماتُ

لا تسألي كم احبكِ ليس لي          كيل أكيل به ولا أدوات ُ

لتعذري لغتي اذا قصرت           هل تحصر الحب الكبير لغاتُ

أني أحبك ِ فوق كل معدل          حباً به تتحدث النجماتُ

5 - المخادعة في الحب: لاشك ان العلل الظنون والشك ومخاتلته في الحب، في التردد والتذبذب والمخادعة، والضحك على عواطف القلب. تجعل الحب يموج في المراوغة والخداع، تجعله في الفوضى العواطف،  في هيجانها المتضاربة والمتنافرة والمخادعة. فيتحول رؤى العشق والهيام الى مكيدة ومهزلة. لا تجلب سوى الاسى والحزن والآهات. يصبح سوى اللعب على الكلمات، في العواطف الكاذبة، سرعان ما تتبخر وتنطفيء نار الحب. فما اقسى الحب اذا اختار هذا الطريق.

  إن قلتها وتحركت شفتاكِ                     (أهواكَ) لست بقائل (أهواكِ)

لا لست ناطقها فما الجدوى إذا                مرت بأذني كاذبأ اقاكِ

 عيشي لوحدكِ واشربي نخب الهوى       كذباً فأني كاره لقياكِ

ما عاد قلبي للخداع مصدقاً                   فلتتركيه فقد صحى وسلاكِ

في الامس كنت أراكِ قلباً حانياً              فأقول كالمسحور ما أحلاكِ

فأذا ضحكتِ فكل شيءٍ ضاحك             وأذا بكيتِ فكل شيءٍ باكِ

واليوم إذ ألقاك ِ يعصرني الاسى           فأصبح كالملدوغ ما أقساكِ

***

جمعة عبدالله

 

 

قاسم حسين صالحتنتهي الحلقة الأخيرة من مسلسل الفندق بمفاجأة يطلقها نعيم (عزيز خيون) بوجه بطل المسلسل الروائي كريم (محمود ابو العباس) بأنه مريض نفسيا وان شخوص روايته هي اوهام صنعها عقله، فيصرخ بوجهه بانه يكذب.. ويفاجأ المشاهد بان كل ما شاهده في الحلقات العشرين كانت (لعبة) درامية من السيناريست حامد المالكي.

لا يعنيني هنا البناء الدرامي (مع أنني اكتب دراما وكنت اكتب عن المسلسلات التلفزونية بمجلة الأذاعة والتلفزيون)، ولا يعنيني ما اذا كان النص مقتبسا من رواية " عناكب الآفو" للروائية لمياء رشيد، وهذا امر سيقرره القضاء ونقاد الدراما، مع ان للكاتب حق الأقتباس شرط أن يبدع في الذي اقتبسه ويشيرالى ان "بعض الأفكار، الأحداث.. مستوحاة من.. ."، بل يعنيني ما يدخل باختصاصنا السيكولوجي، وتحديدا نوعية المرض النفسي لبطل المسلسل، وما اذا كان الأخ حامد المالكي قد وفّق في توظيف (سيكولوجيا) اوهام الروائي دراميا؟، وما اذا كانت اوهام برانويا ام نوعا من الشيزوفرينيا؟، وما اذا كانت فكرة الأضطهاد المصحوبة بفكرة العظمة فيها تجسيد لشخصية الكاتب؟!

وبدءا نشير الى ان اكثر افلام السينما مشاهدة هي الافلام ذات المضمون السيكولوجي التي يعزى احد اهم اسباب نجاحها الى تعاون علمي بين كتّابها والسيكولوجيين، وأن لجوء الكاتب العربي الى الأوهام هي وسيلة دفاع مشروعة امام سلطة لا تسمح بنقدها.. فيتخذ منها خط دفاع امين اذا ما احيل الى القضاء!.

ولأن الكاتب حدد ان بطل مسلسله مريض نفسيا وأنه مصاب بالأوهام، فأن هذا يتطلب منّا ان نتحدث عنها، لأن الفهم الشائع بشأنها انها نوع واحد، فيما هي غير ذلك، نوجزها علميا بالآتي:

تعني الاوهام وجود معتقدات لدى الفرد لا يوافقه عليها المجتمع، او قد ينظر اليها الناس على انها تفسيرات خاطئة للاحداث لا تستند الى اسس واقعية.وهذه ابرز خاصية يتصف بها الفصامي، واصعب صفات السلوك الذهاني، ليس من حيث اقتناع الفصامي بمعقتداته الخاطئة فحسب، وانما لكونه يسعى جاهداً لاقناع الاخرين وحملهم على التصديق بهذه المعتقدات. وبرغم ان هذه الاوهام يمكن ان تصاحب اضطرابات نفسية متنوعة مثل: الهوس، الاختلال العضوي، الحالات الناتجة من تناول جرعات كبيرة من العقاقير.. الا انها شائعة بين الفصاميين، لحضراتكم حالة حقيقية من مستشفى الرشاد (الشماعية)للأمراض العقلية يوم اصطحبت طلبتي لها والتقينا بمصاب بالفصام، فقال لهم بصوت ممتليء يقيناً (يقينه هو):

-(انفجار جالنجر كان بسبب خطئهم)، (وجالنجر سفينة فضاء امريكية انفجرت بعد اطلاقها بثوان وعلى متنها سبعة رواد، بكارثة فضائية حدثت في ثمانينات القرن الماضي)؛

سألوه كيف؟

اجاب: كان عليهم ان يستشيرونني.

وسألوه: لماذا ؟

اجاب: لأن انا الذي وضعت برنامج جالنجر!) .

ومحتويات اوهام الفصاميين غنية جداً بالخيالات والتصورات، وبعض اخيلتها تفوق ما تظهر في افلام (الكارتون) وغنية بافكار فنتازية.وهنالك روائيون يتعاطون حبوب (أل أس دي- مثلا) لأنها تسبب هذيانا وهلاوس تحررهم من عالم الواقع وتحلّق بهم في عالم خيال بلا حدود.. يبدعون في تصويره.غيرأن التصنيفات الحديثة لهذه الاوهام وضعتها بانماط معينة، اهمها:

1- اوهام الاضطهاد: اعتقاد الفرد بان هناك من يتآمر او يتجسس عليه، او يهدده او يسيء معاملته. ويميل اكثر الى الاعتقاد بأن من يكيد له، ليس شخصاً واحداً بل جماعات، او مخابرات، اتحدوا في مؤامرة ضده( فلم بيتوفل مايند- انموذجا).

2- اوهام السيطرة (او التأثير): وتعني الاعتقاد بوجود اشخاص اخرين، او قوى، او كينونات بعيدة، تسيطر على افكار واحاسيسوافعال الفرد، بوسائل غالباً ما تكون اجهزة الكترونية ترسل اشارات مباشرة الى دماغه.

مثال: بزيارة علمية لمستشفى أبن رشد للامراض العقلية قال احد الفصاميين لطلبتي بأنه على اتصال بالقمر، وانه يتلقى اشارات منه، وهو بدوره يرسل له اشارات ايضاً. وفي اثناء كلامه اعترته هزة ورجفة جفلت منها الطالبات بخوف، وبعد ثوان قال انه كان قد تلقى اشارة من القمر!.

3- اوهام المرجع (او الصلة): وتعني الاعتقاد من ان احداثاً او تنبيهات ليست لها اية علاقة او صلة بالفرد، ويرى انها تعنيه هو بشكل خاص.فقد يفكر المريض بأن حياته جرى تصويرها بفلم سينمائي او تمثيلية تلفازية.

4- اوهام الشعور بالخطيئة والذنب: وتتضمن اعتقاد الفرد بانه ارتكب خطيئة لا تغتفر. او انه تسبب في الحاق اذى كبيراً بالاخرين. فقد يدعي بعض الفصاميين- على سبيل المثال- بانهم قتلوا اطفالهم .

5- اوهام العدم (النهلستية): وتعني اعتقاد الفرد بأنه، او الاخرون او العالم بأكمله، قد توقف عن الوجود. فقد يدعي الفصامي، مثلاً، ان روحه قد عادت من الموت( ظهرت بعض اعراضها على (نعومي-عزيز خيون) مصحوبة عنده باعراض ما بعد الصدمة.

6- اوهام العظمة (والفخامة): اعتقاد الفرد من انه شخص مشهور جداً، ومهم جداً، وصاحب قوة عظيمة، قد تتجمع في شخصية يثبت عليها المريض، كاعتقاده بانه نابليون الجديد، أو هتلر مثلا.(في الأعظمية كان هنالك شخص يدّعي أنه هتلر، لدرجة أنه لا يرد عليك السلام ما لم تقل له: هاي هتلر!.. وقد مثله الفنان عزيز كريم في مسلسل الفندق بلطافة) .

هل كان بطل (الفندق) مصابا بفصام زوري- شيزوفرينيا؟

يمكن تحديد الخصائص التي يعرف بها الفصام الزوري(بارانويا) بالاوهام و/ أو الهلاوس ذات الصلة بافكار الاضطهاد والعظمة. واذا وصفناهما بدلالة الاستمرارية، فان الاوهام الاضطهادية للفصام الزوري يمكن ان يكون مداها من شكوك ساذجة وغامضة ومتناقضة، الى تصورات منتظمة، وكأنها مدروسة بعناية لخطط تآمرية تحاك ضد حاملها.

وتعدّ اضطرابات الزور (Paranoid Disorders) اكثر انواع الذهان الوظيفي شيوعاً في مجالي الادب والفن.فالشخصيات الزورية غالباً ما تتضمنها القصص والروايات، وتصورها الدراما السينمائية والتلفزيونية. ومع ذلك فان النظام الوهمي (Delusional System) من الفصام الزوري هو فقرة واحدة، او حبه واحدة في عنقود من شذوذات اخرى، جميعها تعمل بصورة مستقلة، فيما يكون النظام الوهمي في اضطرابات الزور هو الشذوذ الاساس فيه.

وفي كل الاحوال، فأن الأوهام تكون مصحوبة في العادة بالهلاوس، (سماع اصوات في الليل .. ) تقوي معتقداته الوهمية. وفي كلتا الحالتين، الاوهام والهلوسة، فان فكرة الاضطهاد غالباً ما تكون مصحوبة بفكرة العظمة، فالمريض قد يدعي بقوة خارقة، وبالحكمة والعبقرية.

ومن متابعتي لحلقات المسلسل وجدت ان هذه الصفات تنطبق بهذا القدر او ذاك على الروائي كريم، لاسيما فكرة الأضطهاد المصحوبة بفكرة العظمة، والتي تجسّد الحالة النفسية التي يعيشها الكاتب حامد المالكي فعلا!(دون اوهام).أقول هذا على مسؤوليتي، واذهب الى انها موجودة لدى معظم الكتّاب والأدباء والشعراء والكفاءات في عراق الزمن الحالي!.. وتلك انجح رسالة درامية اوصلها المسلسل بشكل غير مباشر، فيما كانت الكثير من رسائله الأخرى اقرب الى التقارير الصحفية منها الى العمل الدرامي.

وعلميا.. هنالك التباس درامي سبب اشكالية لدى المتلقي.. فمن جهة، يتهم (نعومي) الروائي (كريم)بأنه مصاب بالأوهام وأن كل الشخوص التي يتحدث عنها في روايته هم من صنع اوهامه، ومن جهة أخرى فأن (نعومي) يؤكد له ان هؤلاء الأشخاص الذين قص عليه حكاياتهم، كانوا يسكنون الفندق وانهم غادروه، وتعددت مصائرهم وبينهم ما يزالون احياء (سنان ودنيا يذكرهم بالأسم).

الفندق.. تعدد مواقف

تباينت المواقف بخصوص مسلسل الفندق، فمنهم من حكم عليه بالفشل قبل ان يكتمل عرضه، وأدانه آخرون وبرلمانيون بأنه يشوه المجتمع العراقي.. (وكأن ما حصل له لا يعد تشويها!).ومع كل النقد الموجه له فان المسلسل يعدّ اول انتاج بعد سبع سنوات حرّك عجلة الدراما العراقية بنجوم من الممثلين، ومخرج مبدع (حسن حسني) الذي غادر العراق مضطرا في التسعينيات. ويحسب له انه تناول ظواهر اجتماعية خطيرة حصلت بعد 2003 ركز فيها على الدعارة والمخدرات وتجارة الأعضاء البشرية، ولمّح الى ان وراءها سياسيون فاسدون، وفي هذا جرأة لحقيقة واقعة.ولولا ان الشرقية استجابت (لتهديد) شبكة الآعلام بحذف المشاهد التي تخدش الحياء في رمضان، لكنّا صدمنا بها فعلا، ولأوصلت رسالة للناس تدين من كان السبب.. لو طرحت بمعالجة درامية وليست تقريرية، وبأداء تلفزيوني وليس مسرحيا.

اننا ينبغي أن نحيي كادر مسلسل(الفندق) على ما فيه من مآخذ، وعليهم أن يتقبلوا النقد الذي ظلمه زمن عرضه.. وقد يخف ان عرض كاملا في الأعادة!. وأن لا نشيع الأحباط في الذين يعملون على اعادة الدراما العراقية في ظروف سياسية واجتماعية صعبة وخطرة.. وقاتلة!

تحية للكاتب حامد المالكي، والمخرج حسن حسني، والمنتج علي جعفر السعدي، ولممثلين اجادوا(محمود ابو العباس، عزيز خيون، هند طالب-افضل عنصر نسوي اداءا، و علي عبد الحميد، أبن العائلة.. الشاب الضائع).. متطلعين الى عمل آخر يتناول ظواهر اجتماعية اخرى (انتحار الشباب، الطلاق، التفكك الأسري.. ) وقد استفادوا من الذين اصدقوهم النصيحة.. ومن يرونهم اساءوا!

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

رئيس المجلس الأستشاري للثقافة والأعلام بالعراق

الأتحاد الدولي للصحافة العربية

 

محمد فاتيفيلم كفرناحوم هو العمل الثالث للمبدعة اللبنانية نادين لبكي بعد فيلميها السابقين سكر البنات وهلأ لوين. وهو عمل فني مميز تمكن من طرق باب السينما العالمية بقوة من خلال فوزه بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان، وترشيحه في الفئة القصيرة لأفضل فيلم أجنبي في جوائز الأوسكار. الفيلم هو لمحة إبداعية تستقي حياة المهمشين وتسائل قضايا الهامش المنسي في أحياء بيروت المظلمة والقاتمة . ولاشك أن نادين لبكي برعت في تجسيد صورة المهمش من خلال إحاطتها الشاملة بهذا الموضوع في كل مشاهد الفيلم.

 يحكي الفيلم قصة طفل (زين) يعيش حياة البؤس والفقر في أسرة تعاني عذاب الجوع والحرمان. الأب وجد نفسه محاصرا بانياب البطالة والحاجة، والأم قيدت بأولادها الصغار دون مصدر للإعالة والإعانة.  فيضطر الابن تحت وطأة التربية القاسية (الضرب والسب والشتم)، وظروف السكن المعيقة ان يغادر هذا المنزل الضيق الشبيه بالزنزانة التي تحوي أسرة كاملة (الأبوين والأبناء). ليقرر العمل والاشتغال من اجل مساعدة أسرته المعدومة، تارة كبائع للفواكه الصيفية، وتارة أخرى مساعدا لبقال الحي في نقل السلع والبضائع.

تضحيات الطفل الصغير في سبيل إعانة الأسرة على قوتها اليومي ستتوقف عقب قرار الأسرة تزويج أخته القاصر سحر للبقال. لينتفض الصغير في وجهه أبويه المتسلطين، ويقاوم هذا القهر القسري، بالصراخ والضرب أحيانا والتشبت بيد الأخت والجري لإنقاذها تارة أخرى. لكن كل محاولاته ستنتهي بالفشل، فيضطر أخيرا لتوديع أخته وداعا أبديا.

بسبب هذا القرار يرحل زين عن المنزل، وهو حاقد ناقم على فعل الأبوين الاجرامي في حق أخته. يجد نفسه في براثن الشارع ووحشية المجتمع اللامبالي، يشتغل أحيانا، يبيع أحيانا، ولكنه يتفادى السقوط في دناءة الإجرام، وفساد المحيط. يجد ضالته في مدينة الألعاب، يلاقي ملهم أحلام الأطفال (الصرصور مان) الذي يشاركه معاناة الحياة وسواد الواقع. وهذا انتقاء فني دقيق من المخرجة يصف هيئة أبطال الهامش الخارقين، فلا السوبر مان أنسب، ولا باتمان أصدق، ولا سبيدرمان أعمق...إنه الصرصور مان نسبة للحشرة البئيسة التي تعيش في ظلمة المستنقعات، وقعر الهوامش، هو وحده الذي ينسجم ويشترك مع هم المهمشين، وهو الوحيد الذي يصدق للتعبير عن الصورة المأساوية لأطفال الشوارع.

يجد الطفل ضالته أخيرا مع العاملة الإثيوبية رحيل التي ستتعرف عليه في مطعم الملهى. تنقذه من الجوع والتشرد، يرافقها إلى منزلها الصفيحي، تشركه كرفيق وأنيس لابنها يونس (الغير شرعي) . يتماهى الطرفان بعد ذلك في خلق التضامن، ومد خيوط التآزر والتعاضد. يتنفس زين نسيم الحنان، ويسقى من ماء السُّلوان. يحس بالحب، ويستدفئ بالعطف والرحمة. ليجد الطفل ما افتقده في أسرته وأقربائه، ويصمم على رد الجميل بالجميل والعطف بالعطف والحنان بالحنان. فيتكلف بالاعتناء بالطفل يونس في غياب الأم: يهتم بمأكله ومشربه وملبسه، يرسم تعابير الفرح والبهجة على وجهه، ينوع من طرق ترفيهه ولعبه، يرقصه على نغمات الموسيقى والنغم، ويضحكه على إيقاع السخرية والفكاهة.  ورغم كل ألوان العذاب والقساوة التي عاشها زين في منزله، إلا أن روحه الطاهرة لم تسمح له بتكرار نفس النمط التسلطي على الابن البريء، لينتقم انتقاما عكسيا من هجر وقساوة أبويه بالحنان والعطف والاعتناء بالطفل الإفريقي .

يجد زين نفسه مجبرا على الاعتناء بالطفل وحده وبمفرده، بعد إلقاء القبض على أمه رحيل في قضية الاتجار بالبشر. يقاوم مآسي المحيط، يصارع طغيان المجتمع، يقارع مصائب الظهر ومتاعب الحياة. يضحي بالغالي والنفيس في سبيل تنشئة يونس الصغير، فيحميه من مخاطر الشارع وغدر المجرمين. يلتجأ زين، بعد ذلك، إلى مهرب سوري يتلاعب بهويات المفقودين والمتشردين والراغبين في الهجرة لينقلهم إلى بلدان حلمهم. يطلب منه إحضار وثيقة تبرز هويته حتى يتسنى له مساعدته على الهجرة. يعود زين إلى منزله بحثا عن الوثيقة التي تبرز هوية من لا هوية له في مجتمع النفي والاستعباد والاستغلال. ليصدم بالخبر الصاعق الذي سيكون له وقع كبير وآثر خطير. أسعد البقال يتسبب في وفاة أخته القاصر (12 سنة) عقب نزيف دموي ألقاها طريحة فراش الموت في المستشفى. هذا الحادث المفجع سينتهي بمحاولة انتقامية خطيرة قام بها زين حينما حاول قتل هذا الزوج القاسي بطعنة سكين، لينتهي الفيلم من نقطة انطلاقه في المحكمة حيث الابن يحاكم (بفتح الكاف) ويحاكم (بكسر الكاف) ...يحاسب (بالفتح) على جريمته، ويحاسب (بالكسر) أبويه على ذنبهم في الإنجاب طالما أنهم عاجزون عن التربية والإعالة والإعانة. بل الأكثر من ذلك يطرد أمه (أثناء زيارتها له في السجن) ويلومها على حملها الجديد الذي سيخلف متشردا آخر وضائعا آخر في مجتمع لا يقدر مسؤوليات الأبوة، ولا يأبه لواجبات الأمومة. فما جدوى الولادة في أسرة يغيب فيها حس العطف والشفقة والرحمة بالأبناء؟

لقد طغت تيمة التهميش بشكل بارز على مضمون الفيلم، فالهامش حاضر في اللقطات والمشاهد والأحداث والأماكن والشخصيات... وكل شخصيات الفيلم تائهة في أعماق البؤس والقهر والفقر بدءا بالبطل زين الهائم في احياء بيروت وحيدا باحثا عن لقمة عيش تنقذه من شبح الجوع والتشرد. مرورا بأسرته التي تصارع شباك الحرمان والبطالة، ثم رحيل التي تقاوم النظرة الدونية للمجتمع، وتتحدى القوانين التي هددت مصير ابنها غير الشرعي، وتقارع خطر الفاقة والحاجة لتستمر في الحياة والمجابهة هي ووليدها الصغير. وتلتقط نادين لبكي هذه التيمة رمزيا في عديد من المشاهد واللقطات، ابرزها : اللقطة التي ترصد لعب الأطفال بالبنادق والسيوف الخشبية، ومقارعتهم لبعضهم البعض في محيط هامشي يغلب عليه الخراب والشظايا والحطام والاتساخ. هذا المشهد الشاعري الذي يرمز لتصادم قهري بين براءة وطهارة الأطفال في احلامهم وشغفهم ولعبهم وبين بؤس الواقع الدنس والملوث، واقع الاستغلال والظلم وتحطيم الأمال. ويزداد هذا الواقع قتامة في المشاهد التي تصور التناقض الصارخ بين اطفال يستعدون لركوب حافلة المدرسة، وبين اطفال (زين وإخوته) انتشروا على قارعة الطريق لبيع الفواكه الصيفية من اجل توفير لقمة الحياة.  ونلمس أيضا قساوة الواقع على الأطفال في مشهد يظهر فيه زين الصغير وهو يحمل قنينة غاز تقارب حجم جسده، وهنا تلمح المخرجة رمزيا إلى العبئ الثقيل الذي حمله زين وهو لازال طفلا صغيرا. عبء الحياة الذي اجبره على تقمص دور الرجل الكبير قسرا لا اختيارا من أجل إعالة إخوته وأسرته.  كما لا ننسى الإحالة الإيحائية التي نقلتها لنا لبكي في لقطة صعود زين على تمثال لجسد امرأة حيث يبدأ بإزالة الثياب العليا لهذا التمثال كتلميح دلالي جنسي يستنطق ظاهرة الاستغلال الجنسي للقاصرات مستحضرا صورة أخته سحر (12 سنة) الذي راحت ضحية جهل المجتمع الهامشي بهذه الظاهرة الخطيرة.

العنصر الآخر الذي لون بألوان التهميش في الفيلم هو المكان، فنادين لبكي مرتبطة بعمق بيروت وأغوارها حيث الصورة الأخرى للبنان ومآسي لبنان وآلام لبنان ...رصدتها بعدسات محيطة بالأحياء الهامشية المتداخلة والمتوارية خلف صورة بيروت الناصعة التي نعرفها. وقد التقطت الكاميرا الأحياء الهامشية والصفيحية التي تتصف بالضيق والخراب والحطام والعشوائية والاتساخ. نفس الشيء نراه في المكان الصغير (منزل زين) والذي يأوي أسرة كاملة في مساحة ضيقة تقارب مساحة الغرفة الواحدة، ونرى هذا التجلي المأساوي بوضوح في لقطة اصطفاف الإخوة للنوم ملتصقين بجانب بعضهم البعض على الأرض، في مسافة ضيقة، وبجانبهما مباشرة ينام الزوجان ويمارسان حياتهما الزوجية بحجاب ثوب يفصلهما عن الأبناء.

فنيا اتخذ الفيلم مسارا دائريا في بنيته الحكائية، حيث ينتهي الفيلم من نقطة انطلاقه. ويفتتح الفيلم بمشهد محاكمة الطفل زين عقب محاولة القتل التي قام بها. ثم يختتم بنفس الحدث مع التفصيل في رصد أسباب هذه المحاكمة من خلال توجيه النظر للطلب الذي تقدم به زين بضرورة محاكمة الأبوين، كونهما ارتكبا جريمة انجاب أطفال وهما عاجزان عن تربيتهم وإعالتهم. وقد استندت المخرجة في التنظيم الزمني للفيلم على تقنية الفلاش باك (الاسترجاع) من خلال عمليات استذكار واسترجاع لأحداث ماضية تؤطر عملية المحاكمة. فهذه الأخيرة مثلت البؤرة المركزية والنقطة الأساسية التي تنطلق منها عملية الاستذكار، من خلال ربط كل شخص في المحاكمة بلحظات وأحداث طرأت في الماضي وكان هو طرفا فيها أو شاهدا عليها (زين - الأبوين - رحيل - زوج سحر...). وقد جاءت مشاهد المحاكمة تلقائية وعفوية، تجسدت في الأسئلة التي يطرحها القاضي على المتهم زين، وعلى باقي الحاضرين. وتمثلت أيضا في الحضور الفني للمخرجة نادين لبكي كمحامية في مشاهد المحاكمة، وكأنها تريد أن تقول لنا بأن فيلمها هذا جاء دفاعا عن قضية هذا الطفل. فهي مخرجة الفيلم، وهي الممثلة التي أدت دور المحامي الذي يدافع عن حقوق هذه الفئة.

فيما يخص التصوير، اعتنت لبكي كثيرا بهذا الجانب. وتجلى ذلك في الصورة القاتمة والخانقة التي ظهرت فيها مدينة بيروت وهي تنصهر في جو البؤس والقهر والفقر والهامشية...وقد التقطت نادين هذه الخصائص من خلال التنويع في اللقطات، حيث الارتكان إلى اللقطات العامة البعيدة (من فوق) والتي تحيط ـ في مشهد بانورامي ـ بمدينة بيروت وهي تعج بالاكتضاض والعشوائية والضيق وتداخل البنايات وتبعثر المحيط. وهذا النوع من اللقطات حيلة فنية من المخرجة، هدفها نقل الوجه الثاني لبيروت حيث الفوارق الطبقية الشاسعة، وحيث التناقضات الاجتماعية الواضحة، وحيث الشقاء والقهر والاندحار في أنصع تجلياته. لهذا كان التقاطها عن بعد إشارة صريحة بهامشية المكان ولا قيمة المحيط.

كما نجد حضورا للقطات المتوسطة والقريبة والتي حاولت احتواء اللحظات العاطفية التي تمر منها الشخصيات، بواسطة التركيز على ملامحهم ومشاعرهم وتتبع أفعالهم وتصرفاتهم، وتصوير حركاتهم ورد فعلهم. وأحيانا كانت لبكي تلجأ إلى تعقب الشخصية البطلة من الخلف كدلالة ضمنية على هامشيتها وقيمتها المنحطة في مجتمع القهر والاستغلال.  وكثيرا ما كنا نصادف، كذلك، اللقطات المهتزة غير الثابتة في مشاهد الفيلم. حيث تعرض الأحداث بكاميرا مختلة ومتمايلة تتحرك بعشوائية واستمرار، إيحاء باضطراب اللحظة وتوثر الأحاسيس وتأزم الوضع الاجتماعي لشخصيات الفيلم (خاصة في لقطة فراق زين لأخته سحر أو في مشهد جري زين لقتل زوج أخته بالسكين).

وقد لعبت الموسيقى دورا أساسيا في الفيلم، خاصة إذا علمنا بأن مؤلف ألحان الفيلم هو زوج المخرجة نادين لبكي خالد مزنر (وهو منتج الفيلم أيضا). وجاءت الألحان الموسيقية منسجمة مع طبيعة اللحظات الشاعرية التي رافقت المشاهد الواقعية للفيلم، حيث اعتنى مزنر كثيرا بهذه اللحظات العاطفية الخيالية وشحنها بقطع موسيقية كورالية: كلاسيكية ودينية تتوافق مع طبيعة الأحاسيس المرهفة والمشاعر النابضة التي تحفل بها مشاهد الفيلم. بينما جاءت المشاهد الحقيقية جافة وخالية من الموسيقى التصويرية حتى تتلاءم مع بعدها الواقعي المأساوي.  أما من ناحية التأثيرات الموسيقية والأنماط الموجودة في العمل الموسيقى، فنجد حضور بعض التأثيرات الإفريقية بسبب وجود الشخصيات الإثيوبية في الفيلم، وهذا ما دفع مزنر إلى توظيف أصوات غنائية إفريقية وآلات موسيقية إفريقية أيضا (آلة تشبه الرباب تسمى ماسينكو) .

ورافق الموسيقى، كذلك، حضور مجموعة من الأصوات داخل الفيلم، حيث هيمن الصراخ والبكاء والفوضى والسب والشتم في المنزل الصغير لزين وعائلته دلالة على الارتجاج الأسري والتوثر العاطفي الذي يسم علاقة الأبناء بالأباء في هذا المنزل. أما خارج المنزل فتحضر أصوات الضجيج ومنبهات السيارات وصدى البائعين في الأسواق ايماء بالحضور الاجتماعي والواقعي لشخصيات الفيلم.

أما الإنارة فقد جاءت مزدوجة القوة والوظيفة في احداث الفيلم: خافتة وباهثة في منزل زين حيث الضيق والبؤس، الظلام والظلم، الفقر والقهر.. قوية وساطعة في شوارع وضواحي بيروت حيث الحلم والتفاؤل، العمل والصبر، التحدي والمجابهة.

يبقى ان نشير في الختام إلى ملاحظة مهمة طبعت تناول نادين لبكي لموضوع الفيلم. وهي أنها وجهت اللوم وحملت كامل المسؤولية للأباء والأهل فيما يخص قضية الأطفال المشردين...وهذا يظهر بوضوح في الجملة الرئيسية التي تلفظ بها الطفل زين أمام القاضي: " بدي أشتكي على أهلي " ..لكن نادين غضت الطرف عن الإشارة لجذور الظاهرة، وتهربت من توجيه النقد وتحميل المسؤولية الكبرى للدولة والحكام والنظام. فالتشرد او الفقر أو البؤس أو التهميش هو سلسلة مرتبطة بأسبابها السياسية والاجتماعية المباشرة : الظلم الاجتماعي - هول الفوارق الطبقية - غياب العدل الاجتماعي - سياسة الاستبداد والتسلط - انتهازية واستغلال أصحاب المصالح - سياسة التحقير والتهميش والتفقير ...

إذا لماذا تغافلت نادين عن التلميح لهذه القضية؟ أو ليس المجتمع وظواهره نتاج لما يجري في الكواليس الفوقية؟ وتوجيهها أسهم النقد للأباء من الطبقة الفقيرة في هذا الفيلم هو إقبار لدورهم البيولوجي في الزواج ومنع جبري لنعمة الأمومة والأبوة في هذه الفئة. أو ليس من حق الفقراء الزواج وإنجاب الأطفال؟ وما ذنبهم إن كانت الدولة قد احتقرتهم وهمشتهم وأقصتهم اجتماعيا؟ .. لهذا يمكن القول أن نادين كانت قاسية في أحكامها على هذه الفئة، بالرغم من أنها ألقت الضوء على ظاهرة من ظواهرهم، وبالرغم من براعتها الفنية والإبداعية في هذا الرصد والاهتمام. لكنها في مقابل ذلك أهملت (بقصد أو بدون قصد) توجيه سهام المسؤولية للأباء الكبار (الحكام والدولة) في تقصيرهم عن أداء واجباتهم السياسية والاجتماعية الكبرى: العناية بأفراد مجتمعهم وإعالة أبناء وطنهم بتوفير الشغل والسكن اللائق والتعليم والصحة ...وغيرها من الأساسيات الضرورية في تطور الأمم والدول.

 

محمد فاتي: أستاذ باحث في مجال الصورة من المغرب

 

عدنان حسين احمدأثار فوز الروائية العُمانية جوخة الحارثي بجائزة مان بوكر العالمية للرواية لعام 2019 عن رواية "سيدات القمر" الصادرة عن دار الآداب ببيروت ردود أفعال إيجابية في وسائل الإعلام المكتوبة على وجه التحديد، وقد حظيت الرواية بدراسات نقدية معقمة في الصحف والمجلات العربية إثر صدورها عام 2010 ثم تضاعف هذا الاهتمام بعد فوزها الناجز على خمسة منافسين من مختلف أنحاء العالم. ورغم كل ما كُتب عنها من مقالات تقريظية إلاّ أنّ هناك منْ يعترض، ويقف في الصف المناهض لمنح هذه الجائزة المرموقة لكاتبة عربية مستندين إلى حجج واهية تقلل من أهمية الفائزة، وتدمغها بمختلف النعوت لأنها "غازلت" الغرب، وكتبت ما يلائم منظومتهم الفكرية والأخلاقية والثقافية. غير أنّ منْ يقرأ هذه الرواية التي ترجمتها مارلين بوث إلى الإنجليزية تحت عنوان "الأجرام السماوية" لايجد فيها مثل هذا التحيّز أو الغزل المزعوم للقيم الأوروبية. فالتيمة الروائية للنص السردي تتمحور على مفهومي الحُب والحرية وما بينهما من انتصارات وانكسارات، كما أنها تلمّح إلى سنوات الخلاف بين السلطان الذي يحكم المناطق الساحلية، والإمام الذي يبسط نفوذه على المناطق الداخلية، أي أنّ الزمن الروائي يمتد إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ويمر بمرحلة الاستعمارالبريطاني، والتمرّد الشيوعي في ظفار، ومرحلة التحول الاقتصادي بعد إنتاج النفط في سبعينات القرن الماضي، والنهضة التي قادها السلطان قابوس بن سعيد وغيّرت وجه البلد الذي بدأ يستجيب لاشتراطات الحداثة، والتقدم العمراني الذي زحف حتى على القرى النائية وغيّر ملامحها كما هو الحال في قرية "العوافي" التي يدور فيها الجزء الأكبر من أحداث الرواية التي تفحص التاريخ العُماني وتتمثله جيدًا من دون أن تقع في فخاخه المموّهة.

لا يخفى على القارئ المحترف أنّ الرواية سلسة الأسلوب، متدفقة الأحداث، وأنّ الشخصيات الرئيسة تنمو باضطراد، وتتغير تبعًا للتغيير الذي يحدث في أورقة المجتمع العُماني، ولم تعد التقاليد الموروثة قادرة على الوقوف بوجه التغييرات الجذرية التي طالت عموم المدن والقرى والبوادي النائية.

تركّز جوخة الحارثي على الأُسَر المتنفِّذة في قرية "العوافي" مثل أسرة الشيخ مسعود، والتاجر  سليمان، وعزّان وأسرته التي ستكون بؤرة الرواية وعمودها الفقري الذي يمتد من الجملة الاستهلالية حتى الجملة الختامية من هذا النص السردي الذي ينطوي على لغة متوهجة لا تجد حرجًا في التعالق مع الأقوال المأثورة، والأمثال الشعبية، والمحكية العُمانية. كما تُطعّم الكاتبة روايتها ببعض القصائد الغزلية لكبار الشعراء العرب أمثال المتنبي، وابن الرومي، وقيس بن الملوّح، وأبي مسلم البهلاني، وثمة تلاقحات كثيرة مع التصوّف، والدين، والفلسفة، وقد انتظمت هذه المحاولات كلها ضمن أنساق سردية منسابة تشابكت مع نسيج النص وأصبحت جزءًا من مادته الأولية التي يستمتع بها القارئ على اختلاف مستوياته الثقافية، فالرواية لا تقتصر على الحُب، والخيانة، والهجرة، وحرية التعبير، وإنما تغوص في السحر، والقصص الخرافية، والفلكلور العُماني، وقضية الرقّ، والمتاجرة بالعبيد وما إلى ذلك من موضوعات حسّاسة لم يغادرها بعض شرائح المجتمع العُماني حتى الوقت الحاضر.

تهيمن الشخصيات النسائية على النص السردي الذي يُروى بضمير الغائب تارة، وبضمير المتكلم تارة أخرى سواء على لسان عبدالله أو بقية الشخصيات التي تصنع الأحداث وتأخذها إلى الذروة قبل أن تنحدر بها إلى النهاية المنطقية التي تُقنع القارئ وتترك له فرصة التأمل، وإعمال الذهن في تيمة النص الذي قرأه. غير أن هذه الشخصيات لا تنجح في قصص الحب التي تتقد بينها وبين المُحبين، وخاصة الشقيقتين ميّا، وخولة، ويمكن أن نستثني هنا علاقة أسماء بالفنان التشكيلي خالد، كما لم ينجح والدهنّ غزّان في قصة حبه مع نجيّة البدوية الملقبّة بـ "القمر"، مثلما تتعثر علاقة الطبيبة "لندن" بأحمد، الشاعر المثقف الذي بدأ يراقبها ويُحصي عليها أنفاسها.

ولكي نوضح الهيكل المعماري للرواية لابد من الوقوف عند هذه القصص العاطفية الخمس التي تبدأ بميّا وعبدالله ابن التاجر سليمان الذي لم تكن تحبه لأنها كانت معجبة بعلي بن خلف الذي عاد من لندن بلا شهادة، وكانت تردد دائمًا بأنها لا تريد شيئًا سوى أن تراه! ومع ذلك فقد تزوجت عبدالله وأنجبت بنتًا أسمتها "لندن" خلافًا لكل الأسماء المتعارف عليها في "العوافي" مثل مريم وزينب وصفية.

تُعدّ قصة أسماء مع خالد ناجحة، فهو خريج كلية الفنون الجميلة، ومولع برسم الخيول، وقد وافق على أن تكمل دراستها، فنالت دبلوم المعلّمات، وأصبحت "الزوجة الحرّة في حدود فلكه وليس خارجه".

أما قصة الأخت الثالثة فهي الأكثر درامية ربما لأنه كانت تحب ابن عمّها ناصر حُبًا جمًّا، وقد رفضت كل العرسان الذين تقدّموا إليها، كما أنها شخصية مثقفة، وقارئة نهمة، وكانت تقرأ الكتب التراثية لأبيها، وتحتفظ لنفسها بالكتب والروايات الحديثة. وحين تزوجها ناصر تركها بعد مدة قصيرة بعد أن استولى على الإرث وغادر إلى مونتريال حيث تنتظره الزوجة الكندية التي آوته في بيتها عشر سنوات قبل أن تطرده من منزلها وحياتها نهائيًا، عندها قرر العودة إلى بلده بعد أن أنجبت له أسماء خمسة أطفال واطمأنت على مستقبلهم فطلبت منه الطلاق لتطرده هي الأخرى من حياتها.

تتقن جوخة الحارثي اللعبة السردية، وتضبط إيقاعها الهادئ الذي لا يلتزم بوحدة النص، ولا يضطر لاتباع الزمن الكرونولوجي، فلاغرابة أن تتداخل الأزمنة والأمكنة والأحداث ثم تنتظم في فصول قصيرة لم تستعمل فيها الروائية الترقيم أو العناوين الداخلية ومع ذلك فقد جاء النص الروائي شيّقًا ومرنًا لا تعيقه العثرات السردية الناجمة عن تكرار بعض الأحداث أو جزء منها في المتن الروائي.

أما القصة الرابعة فهي قصة الطبيبة "لندن" التي أحبّت أحمد، الشاعر المتمرد قبل أن تكتشف خيانته، فقد أهانها أكثر من مرة فقررت أن تفسخ خطوبتها، وتُبطل العقد الذي يربطهما. فهي امرأة شاعرية تحلم أن تجلس فوق الغيم.

تُعدّ قصة نجيّة البدوية مع عزّان أخطر القصص على الإطلاق لأنها تطعن في الموروث البدوي المتأصل في تلك المضارب لكنها تتناغم مع الحسّ الإنساني لأي كائن بشري بغض النظر عن جذره الاجتماعي سواء أكان بدويًا أم قرويًا أم مدينيًا، فهو إنسان بالنتيجة وله مطلق الحق في التعبير عن مشاعره ورغباته الداخلية. فنجيّة وقعت بطريقة غريبة في حُب عزّان فهي تقول:"سيكون لي، ولن أكون له. . سيأتيني حين أشاء ويذهب حين أشاء". اختفت البدوية فانتشرت الشائعات التي تتحدث عن مرضها أو استعانة زوجة عزّان بالسحر أو قتلها على يد ابنها المنغولي الذي علّموه على استعمال المسدس.

على الرغم من تعدد القصص الرئيسة إلاّ أن جوخة الحارثي تؤثث المتن السردي بقصص جانبية كثيرة عن الاستعمار البريطاني، والعبودية، والهجرة إلى الكويت ومصر وكندا، والتحولات الكبرى التي شهدتها عُمان خلال السنوات التي أعقبت اكتشاف النفط وتصديره بكميات تجارية كبيرة غيّرت وجه البلاد وألسنة أهلها الذين بدؤوا يتحدثون بالإنجليزية في المطاعم والفنادق الراقية. أصدرت جوخة رواية "منامات" 2004، و "نارنجة" 2016 إضافة إلى سبعة كتب أخرى في القصة القصيرة، والنقد الأدبي، وأدب الأطفال.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

امجد نجم الزيديعند قراءتنا لأي منجز ادبي وخاصة ان كان ينتمي الى الاجناس السردية، فنحن نقع تحت هيمنة سؤال كبير وهو الى اي مدى استلهم هذا النص الواقع، او التاريخ او اي من السياقات التي ربما تطمئن حاجتنا الماسة للوصول الى المعنى، حيث يصبح المعنى هنا حاجة ضرورية للقارئ التقليدي الذي تعود على ان الفن كتب انعكاسا للواقع، وربما هذا ما عززته بعض الأيدولوجيات التي حملت النص الادبي مسؤولية لا تكمن في ذاته، وانما باعتباره بيانا ايدلوجيا، والذي انسجم بصورة او بأخرى مع ثقافتنا السياقية التي لا ترى نفسها الا في سياق مفاهيمي معين، بينما الادب في العالم مر بمراحل عديدة ولم يكن مستكينا لهذا التوجيه، بل وصل به الامر الى التشكيك بنفسه، او ادعاء البراءة من تلك السياقات كالواقع مثلا او التاريخ الى اخره، عندما ظهرت روايات الميتافكشن وما يعرف بماوراء السرد التاريخي، وعلى ضوء هذه النقاط التي اصبحت معاييرا للتلقي، يبحث القارئ عن منافذ للولوج الى عالم النص، تبعا لتوجهاته الثقافية والمعرفية والايدلوجية، وربما كانت الرواية خير مثال لتلك التجاذبات التي مر بها الادب وخاصة علاقته بما ذكرناه سابقا.

لذلك فتلقي اي نص روائي، يعتمد على الزاوية التي ننظر منها الى النص، وليس الى معايير ثابته، حيث ان ثقافتنا العربية وخاصة في مجال التلقي، مشتتة بين اتجاهات مختلفة تبعا لاختلاف القارئ ومدى ثقافته، فنحن نتلبس تلك الثقافة التي نحاكم بها نصوصنا، اي نجلبها عند الحاجة من المشجب او الرف، ولا اريد ان ادخل في هذا الجدال بقدر ما اريد ان اشير الى نقطة مهمة استوقفتني وانا اقرأ رواية (مزامير المدينة) للروائي علي لفتة سعيد، وهي ان الخطاب الروائي الذي بني كمنلوج داخلي (انفصامي) موجه الى (انت/ انا النص)، يوزع اشاراته او دواله وفق خارطة منتظمة، بنيت على تصور تاريخي لفترة معينة من تاريخ العراق المعاصر، واحداث مثلت مفرقا تاريخيا مهما فيه، حيث ما قبل 2003 وما بعدها، تتمثل تلك الحياة وانعكاساتها، وكل تمظهراتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، الروح الخفية لحركة التاريخ، اي ان كل شخصية مثلا كـ (محسن وسلوى ومجتبى الى اخره)، او مكان كـ (المدينة والمقبرة والمقهى وجميع امكنة الرواية) لا يمكن لها ان تأخذ مدياتها الا بإسقاطها في خانة الزمان التاريخي (لا شيء لتأريخك سوى انغمار الذات، والبحث عن حلم خاو تركته روحك في غيابة الجب العميق بلا مرسى، وكأن الحرب تلاحقك وأنت تعود مجددا من خدمة الاحتياط بعد سنين عشرة قضيتها بين القادسية وعاصفة الصحراء، وصارت لديك الاسماء بحسب ابطالها وطغاتها) ص9، حيث جعل من هذا الزمان سياقا، للملمت كل خيوط النص مبنى على الفعل، فالتاريخ فعل والسرد فعل، اذ يموت كلاهما ان توقف فيهما زخمه، ولنأخذ فقرة واحد من احدى صفحات الرواية لنرى تأثير الفعل في بناء خطاب الرواية، حيث نجد ان فقرة متكونة من اربعة سطور في صفحة 175  مثلا تحتوي على 10 افعال بالإضافة الى بعض المفردات التي تحمل ضمنا معنى الفعل ايضا، وهذه الافعال تعطي للنص ذلك الاطار الزمني المتدفق الذي يضم كما اسلفنا كل عناصر الرواية الاخرى ويجعلها تجري في سياق الرؤية التاريخية التي وظفها النص، وهذا السياق تشترك فيه هذه الرواية مع روايات سابقة للكاتب، او ان هذه الرواية تعتبر امتدادا لها، حيث ان الشخصية الرئيسية هي نفسها في تلك الروايات السابقة، اي ان هذه الرواية تنتظم في سياق متسلسل مشترك مع تلك الروايات وخاصة رواية (الصورة الثالثة) الصادرة عام 2015.

قد يجد بعض القراء ان الرؤية التاريخية مكشوفة داخل النص، من خلال الخلفية التاريخية التي وضعها الروائي لأحداث روايته، والتحولات التي رافقت الشخصية الرئيسية وانتهاءها بمهنة الدفان، لذلك لا تحتاج منا جهدا تأويليا لنربطها بمرجعياتها، وهذا التصور يبنى على مجموعة الاشارات الكثيرة التي يحفل بها النص للإشارة الى هذا التأريخ المفترض للأحداث وخاصة الاحداث الطائفية، وموقف الراوي من الاحداث السياسية الى اخره، والتي ينساق معها الروائي في بعض الاحيان، مما قد يكشفها ويعريها للقارئ، منها ما هو مباشر كـ (ماذا لو تغربنا لعدنا الان بامتلاء كامل وحصة من مؤسسة السجناء السياسيين) ص21، و غير مباشر كـ (فوجدت في سيماء وجهه برودة لا تشي بنار التعصب والعصبية ولم يمر الخيط على لحيته ليشذبها، وتيسر لك ان تطلق تأففا ثانيا، فلم يحرك كفيه من مقود سيارته (السايبا) الايرانية التي غزت مثيلاتها شوارع المدن) ص133، حيث نرى ان المثال الاخير وما يقاربه من امثلة تحفل بها الرواية يعتمد في بناء دلالاته على ما تمثله من بنى سيسيوثقافية، مثل الاطار التاريخي لها كما اسلفنا مرجعا وسياقا، يكشف تلك البنى، وخاصة احد احداث الرواية المهمة الذي استبطن تلك البنى وهو المرتبط بسلوى وعلاقتها بزوجها والشخصية الرئيسية للرواية.

 

أمجد نجم الزيدي

 

عند الدكتور ثائر العذاري

شتّان بين لغة النقد الموضوعية التي من سماتها التدليل على الظواهر والتعليل للمسائل بالرصد والتحليل والتأويل والتفكيك والمثاقفة، وبين لغة الانشاء التي لا تعرف الجدة بل تتفنن بالحدة، متعكزة على مزاجية التحامل والتعصب والأنانية، مذوتنة الأمور بشخصانية. وما أكثر ما جلبته اللغة الانشائية إلى نقدنا العربي الحديث من تصادمات وتناحرات فيها كثير من الغصة والازدراء ولزمن ليس بالقليل.

وكنت في آخر مقالين نشرا لي في ثقافيتي المدى والصباح الجديد قد عزمت على إنهاء الرد، تاركة البت في قضية التجنيس للمتوالية مفتوحًا للنقاد ليخوضوا فيه، غير أني وجدت نفسي مضطرة إلى الرد على مقالة د.ثائر الأخيرة المنشورة في جريدة المدى يوم الاحد 5/5/ 2019 لا لأنها تعدت الحدود مبطنة بالتمادي والكيدية حسب؛ بل هو الشعور بالمسؤولية في تحصين نقدنا العراقي من الانجرار وراء انشائيات لا جدوى منها سوى التجريح والمناكدة.

وللأسف يبدو أن الجدال المعرفي الذي تناولته في مقالاتي حول موضوعة (المتوالية السردية) صار يثير حفيظة د. ثائر حتى أنه بدا يحسب كل مقالة أنشرها أنها تعنيه، ولعل هذا ما جعله في الاونة الاخيرة يكتب منحرفا أكثر فأكثر عن جادة النقاش العلمي، مائلا الى الانشائية مشخصنا الجدل على وفق مرام ذاتية ودواع نفعية ليست من النقد الأدبي في شيء.

والمعروف أن الانشائية هي عدوة اللغة النقدية الباحثة عن المعطيات المعرفية، لانها تستبدل الدقة والموضوعية بالتعصب. هكذا صارت المكاشفة عند د.ثائر تعني التجني والتشفي زورا، أما الموضوع أساس الجدل الذي هو (المتوالية وأحقية كونها اشتغالًا وتقانة) الذي أردته أن يكون معرفيا فقد ضاع مغيبا في خبر كان، وحل محله خصام واحتكام تعدى حدود اللياقة الاكاديمية، وصفحات الجرائد اليومية إلى بعض وسائل التواصل الاجتماعي تمريرا للوعيد والتهديد وهذا ما لا تنفع معه لا مقالة ولا مقالات.

ولكي لا يساء فهم ما أعنيه سأقف عند انشائية د.ثائر التي بسببها هجر مسلك الجدل العلمي واختار مسلك التعريض والتجريح، وكالاتي :

1) الاستهلال الممهور بالعدائية والعصابية وبدعاوٍ كيدية غيبت الموضوع الأصل الذي هو (المتوالية) مستحضرة لغة الأنا المتسمة بالتجني والاستهانة والتهجم من قبيل (لا اقع في اخطاء فادحة / اغير اتجاه النقاش / اجهد نفسي / وصفتني / ما كنت اتمنى/ تتبع مقالاتي / تشغلني / لأني أجد نفسي / اني لا اسير/ لن انشغل/ انوي / حتى اضطررت)

2) العرض المشوب بجزافية كلامية تتعكز على اللغة الانجليزية، وهذا لأن د.ثائر متابع غير جيد لما أنشر، ولو تابعني لوجد لي نقدا لكتب قرأتها بلغتها الأم الانجليزية من ذلك ما تضمنه كتابي (السرد القابض على التاريخ) من نصوص ترجمتها من أكثر من كتاب للمفكر الامريكي هايدن وايت، وكذلك مقالات نشرتها هي نقود لكتب أو دراسات لنقاد ناهيك عن عشرات الترجمات التي أعددتها كملخصات لأبحاثي المنشورة في مجلات علمية محكمة. وهنا أنبه إلى حقيقة يبدو أنه غافل عنها وهي أن الترجمة باب من أبواب الابداع وهي نوع من الاغتراب والنفي كما يرى دومنيك فاريا، وهي ليست خيانة وارتيابا، وعن ذلك يقول موريس بلانشو في كتابه (اسئلة الكتابة) :" أن العمل لا يكون أهلا لأن يترجم إلا اذا افصح عن استعداد للاختلاف" ص78 كما تساءل لماذا لا ننظر إلى عمل المترجم كما لو كان عملا كون النص المترجم يسعى إلى توليد لغة اخرى تحاكي الاولى في المظهر (ينظر: ص80) وليس خافيا أن الترجمة واحدة من أزمات نقدنا العربي الذي يفتقر إلى جهاز اصطلاحي يوحد عمل المترجمين. ومع ذلك أضيف أن اللغة الانجليزية هي سبب تعريفي بمصطلحات واتجاهات لم أنسبها لنفسي كي أكون صاحبة اجتراح كما سيرد ذكره في المقال لاحقا. ومن المصطلحات التي عرفت بها القارئ العربي (النوع الذري) و(دورة القصة القصيرة).

3) الادعاء أن لا مرجع سوى مقالة روبرت لوشر، متناسيا أنني أنا التي عرّفته بكتاب تودوروف (القصة الرواية المؤلف) بترجمة خيري دومة. وقد ذكّر القاص منير عتيبة العذاري بتعريفه على دومة مؤخرا، ولا أدري إن كانت هذه المدة الوجيزة قد جعلت من دومة صديقا عزيزا على العذاري.

4) الأداة التي اعتمدها د.ثائر في اتهامي بالسطو والإغارة وعدم التوثيق والغلط كانت من قبيل (الضرب بالودع) زاعما أني اعتمدت على محمد عزام ومدعيا التصحيح، ممارسا دور العرّاف الذي يعرف الغيب، والمنجم الذي انكشف له المجهول، خادعا نفسه قبل غيره. وهنا أقول أن ما أثبته في مقالي السابق عن شلوفسكي كان من ترجمة الدكتور صلاح فضل عن الاسبانية في كتابه (نظرية البنائية في النقد الادبي) الصفحة 104. وإذ لم أذكر المصدر فلسببين : الأول ضيق المساحة التي ينبغي أن يكون المقال في حدودها؛ والثاني أن هذا الكتاب مرجع في التنظيرات الشكلانية والبنيوية، لذا لا يخفى على أبسط طالب دراسات عليا؛ فكيف بعد ذلك يخفى على صاحب لقب ليحتار أياما ثم يقول وجدتها.

 والذي يبدو هنا أن الزميل العذاري لم يطلع على مرجعيات مماثلة وإلا ما احتار حيرته العظمى وهو يقف امام الاسم (شلوفسكي ام شكلوفسكي) والاعجب من ذلك والاغرب أنه لم يطلع على كتاب مهم منه انطلقت التنظيرات النقدية اللاحقة حول البنية وهو (نظرية المنهج الشكلي نصوص الشكلانيين الروس) الذي فيه استعمل المترجم ابراهيم الخطيب اسم (شلوفسكي) كما استعمله الدكتور صلاح فضل ايضا في كتابه آنف الذكر، علما أن لشلوفسكي مقالة مهمة عنوانها (الفن كنسق) ضمن مجموعة مقالات حول نظرية اللغة الشعرية كتبها العام 1917 وفيها تحدث عن نسق التوازي في بناء القصة القصيرة وكيف يتحول من متوالية الوقائع الى متوالية دلالية، لكن عيب شلوفسكي انه بنى على نظرية برونتير الطبيعية التي ترى أن الاعمال تنطلق من دينامية تطورية لها صلة بالتاريخ والتاريخية. وكان بعض الشكلانيين كجاكوبسون وتيناتوف قد ربطوا تاريخ الادب او الفن بالمتواليات التاريخية الاخرى واجدين أن كل متوالية تتضمن نسيجا معقدا من القوانين البنيوية الخاصة بها (ينظر: الكتاب اعلاه، ص103)

5)  ونأتي إلى النقطة التي ارجأنا الحديث عنها وهي ادعاء السبق والاجتراح بالاغارة على كتاب ( Modern American Short Story Sequences Composite Fictions and Fictive Communities) الذي حرره جيرالد كيندي وقدّم له بمقدمة قيمة بين فيها أن النقد الامريكي وجّه عنايته للقصة القصيرة انطلاقا من سوء نية ظاهرة ازاء الرواية، لكنه لم يقطع جازما أن التوالي جنس مستقل تنطبق عليه مواصفات الاجناسية ومنها النقاء والاختلافية، بل تعامل معه تعاملا وصفيا يرتبط بالتجريب وهو يرى أن النقاد ما زالوا غير متفقين حول مناقشة الجنس كمتوالية فيقول في ص7: (the critics still disagree about what to call: The genre dicussed here as the sequence) ، كما تساءل : ما المقياس المنطقي الذي به ينبغي لمستوى من القصص تشكيل تسلسل او توالٍ؟ ص8. وعلل الأمر بالشغف في البحث عن وحدة تجمع الولايات المتنوعة والمجموعات السكانية المختلفة في جمهورية متحدة. ويبدو جليا هنا تأثر جينفر سمث بهذا الكتاب وهي تتحدث عن unclassifiable genre و الاختلال الوظيفي dysfunction وعلاقة ذلك بالهوية والهامشية للامة؛ لكن تأثر عند د.ثائر تعدى الى الانبهار مرة بتغييب مراجع الموضوع وكلها أمريكية مموها الامر على القارئ، ليقول (أني ربما أكون أول دارس عربي يكتب وصفا نظريا دقيقا لهذا النوع من السرد) ومرات بانكار وجود الاختلاف في تسمية تقانة التوالي او التسلسل في القصة القصيرة، أما لسوء فهم أو عدم اتقان الانجليزية أو هوى في النفس يريد التباهي ببراءة اختراع نقدية ليقول مثلا (لا أحد في الكتابات الإنكليزية يناقش فيما إذا كانت المتوالية جنسا أدبيا أم لا، وكل من يكتب عنها يصفها بأنها جنس أدبي) ومن يتقن اللغة الانجليزية يعلم أن الفرق كبير بين sequence و anti-sequence و genre as hybrid وmotivtion و short fiction و sequence of stories وما فيها من accumulation و juxtaposition مما طرحته غاسيا بودي التي أكدت في كتابها (القصة القصيرة الامريكية حتى العام 1950) نسقية التوالي في الفصل الرابع المعنون (experiment is out , concern is in) جامعة بين sequence وaccumulations في الفصل السادس مميزة بين collection و parts وهي تتحدث عن ادجار الن بو وفوكنر وكيف تصبح القصة القصيرة وحدة كتابية هي عبارة عن رواية تدخل في اطار ما يسمى سرديات مجتمعية ( narratives of communities) والكلام في ذلك يطول... والخلاصة أن التوالي السردي هو تقانة من تقنيات القصة القصيرة (short story techniques) ليس إلا.

إن الاتهام الباطل بالمجان، والانحراف عن لغة العلم هما السبب وراء تملص د.ثائر من مناقشتي حول (النظرية الادبية) التي هي لب مقالي، وكان حريا به الانصراف الى هذه المسألة لا أن يبدو خالي الوفاض من الاحتجاج عليها..

بيد أن عزاءنا هو ما وجدناه في ختام مقالته التي فيها وقع في الذي يخشاه وهو الاقرار ضمنا أن التوالي ليس جنسا، وهذا هو المقصد الذي نجحت في توصيله. وما التأشير على هذه القضية سوى تذكير لأنفسنا بعدم الانجرار وراء ظواهر نقدية فيها يريد الاخر توكيد أسبقية ما، مدللا بها على تقدمه، الذي به ييريد مضاهاة أمم أخرى متقدمة عليه تاريخيا وفلسفيا، حذرين في الوقت نفسه من الوقوع في أتون ظاهرة لم يخمد أوارها بعد.

 

أ. د. نادية هناوي

 

نهض المتن السردي الروائي بفكر ووعي خاص بذاته، ولم يتكأ على تجربة ادبية قديمة، لذا نهضت النصوص الروائية بمستوى يليق بفكر كاتبها.

لنجد الروايات أغلبها، تنهض من استفاقة مميتة، رافضة لما هو موجود، وتقليدي رجعي، ليسجل اعمال الذهن الحاضر الأول في الكتابة السردية، لنجد ذاتنا امام نتاج ادبي متقن، ومستوعب لما يحيط به، فارضاً ذاته على الآخر، ولايجعل الآخر هو المسيطر عليه.

ولكي لاتكون قراءتنا اعادة تكوين للنص، أنما قراءة مضيفة لذاتنا معلومات جديدة، وبهذا اسست الرواية لذاتها مرتكزاً ادبياً يليق بها، ولتصطف في المراكز الأولى، وتتفوق على الكثير من الفنون الأدبية الاخرى.

وعن طريق انفتاح النص الروائي العراقي وابتعاده عن الأنغلاق منذ مرحلة التأسيس- للرواية العراقية – وإلى اليوم نجد أنفسنا امام تجاذب تاريخي وصراع في القراءات التي تتعدد فيها الخلفيات النصية على صعيد الكتابة أو القراءة ؛ لأن النص اداء وظيفي بوساطة اللغة يقدم رسالة من روائي، ويقوم القارىء، والناقد، والباحث، بفك جملها، التي نشأت من سلسلة عمليات التشفير، لتؤلف شفرة ادبية خاصة بها، وهذه الشفرة هي مهمة القارىء، لا الكاتب، وهذا مادلت عليه بنية الرواية العراقية خاصة، والعربية عامة.

فالنص الروائي هو المستودع الكبير، والأب الجامع لكل ابناء فروعه، وهو هوية الإنسان لحظة فقدان الذات.

اتقن الشاعر والروائي (برهان شاوي) صياغة متنه الكتابي، بتقنية عالية، وبميتافيزيقيا، وميتاقصية ترتقي بمستوى كاتبها.

انتج جملة مسميات متداخلة، ومترابطة فيما بينها، وسلسلة متاهات متشعبة، على الرغم من الحجم الكتابي الكبير لها، إلا أنها نتاجات سردية لاتمل؛ لأنها لم تصدر من فراغ، أنما من ثقافة واعية، ومن قلم روائي يحدد هدفه بفوهة قناص.

خرق الممنوع هو الأساس الأول في المتاهات جميعها؛ لتخرج الروايات من كنف المحرم وحضنه، ولتعلن رفضها لهذه القيود المكبلة على النص الأدبي عامة.

وخرقت نتاجاته اقدم مجموعة قوانين،وهذه القوانين أقدم من الألهة واسبق من الأديان‘ على وفق (فرويد)، فالتابو أو المحرم: وجود طقوسي شعائري، أقوى من القانون الوضعي أو المقدس الذي تفرضه الألهة والبشر.

في (متاهة آدم)، نجد نسيج الحياة الاجتماعية، والحياة اليومية المعاشة، والسياسة،  والحروب، والموت، والاستبداد ...الخ، وسجلت الرواية هذه الزوايا جُلها، وهي الاخرى سجلت نقداً للمحرم، عندما تُقيم (حواء المؤمن) زوجة (آدم التائه) علاقة محرمة مع والد (آدم التائه) والذي لا يعترف به (اباً)، إذ طالما جسد الكره بإزاء هذا الوالد.

̏ هذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها العم إلى غرفة نومي.. ǃ .. ومن دون إيما كلام جلس على حافة سريري، بالقرب مني...كنتُ مستلقية وفي وضع النهوض.. فجأة جلس على الأرض أمامي ..خفت منه.. فقد كان يملك سطوة على الجميع ..الكل يهابونه في البيت.. أردت أن ابعد يده عني، ولم أفكر إلا في شيء واحد هو: ماذا لو إنَّ زوجي يدخل الآن ويرى هذا المشهد الحرام..؟̋

شكلت بنية النص سردية صريحة ومعلنة للفعل المحرم، وما نهت عنه النصوص الدينية في القرآن الكريم لمرات عدّة.

فـ (حواء المؤمن) كانت قد أقامت علاقة محرمة أيضاً مع (آدم اللبناني)، لتنتهي علاقتها المحرمة باكتشاف (آدم التائه) لهما، ثم ينهي علاقته-آدم التائه- مع زوجته الخائنة (حواء المؤمن)، التي سعت الى خيانته بالفعل المحرم.

هذه هي المحرمات المذكورة داخل الرواية، وكانت رواية (بصقة في وجه الحياة)، لـ (فؤاد التكرلي) قد جسدتها، وهذا يدلّ على وعي الرواية العراقية المتقدم لكل ما هو مغلق، والسعي الجاد لطرق المحرمات وفتح أبوابها من منافذ عدّة.

ونجحت الرواية في نقل الحالة النفسية التي كان يعيشها (الأب)، بالقول:

"ثلاث دقات رهيبة تعلن اقتراب الصباح وانا، ذلك الاب المسكين، لا ازال جالساً  في غرفتي منكمشاً على نفسي، أحاول جهدي أن اتبين هذه الساعة من الليل، الساعة التي تسبق انبثاق الفجر.. انبثاق النهار ..انبثاق الحقيقة .. واعجب من هذا السكون ذلك الهدوء النفسي الغريب الذي يوقد في داخلي دون حراك.. دون اضطراب كالماء الآسن الأخضر في المستنقعات العميقة لم يمض وقت طويل منذ أن اقبلت فاطمة، منذ أن تركتها نزلت من سيارة التكسي، منذ أن ارسلت ضحكة مكتومة قصيرة قبل أن تفتح الباب وتودع الزبون"(1).

في مثل هذه السردية، يمكن أنَّ نرى الأفصاح المباشر، إذ ارتبط الحب بـ (عشق الاب لبنته)، ليفاجئنا الروائي في نصه هذا بتوظيف (ذلك الاب المسكين)، متوارية ومتداخلة مع الفعل الإيروتيكي.

إذ تظهر قدرة الروائي في السيطرة على فضاء المعنى، وفي القدرة على توظيف الفعل، وذلك حين يقول: (ذلك الهدوء النفسي الغريب الذي يوقد في داخلي دون حراك)، إذ كسر الحاجز بمعادلة رياضية، وهي معادلة تشي بالاستمرار أمام صورة تشي بالقسوة، في تصويره لعشق ابنته، والافعال الواردة في النص (تسبق، يوقد، يمض، تركنها، تفتح، تودع) دلالة للحدوث والتجدد والاستمرار، فالنص السردي أمام مخاتلة لنفسية الاب، إذ تبدأ الذات السارة في احتلال موقعها داخل المتن السردي بعيداً عن المخاتلة، فالسارد يهدف إلى الكشف عن المسوغات الداخلية، ولعل هذا الكشف بدوره يكشف حقيقة تجاوز النص لحدود التابو؛ لأن الحب والعشق في النص، جاء ليبين هوس الاب بـ (فاطمة/ابنته)، وهو بهذا يخالف وينقد الفكرة الدينية، ويخرج الروائي في صياغته عن حدود المقدس.

ويستمر (الاب)في سرد ما بداخله من لذة وعشق وهيام، وفي كل مرة نجد عرضاً يختلف عن الآخر، فيقول: "كان الموقف يبدو لمن يتطلع إلينا هادئاً تسوده السكينة وتخيم عليه الطمأنينة غير أنَّ ما كان يجري في داخلنا كان اشد وهلاً وأروع قسوة من أكبر الحروب وافظع المجازر...كان الليل كأنه يقبض على الدنيا بيدين سوداوين فيخفي عنها وجه السماء ولم تكن الدنيا في تلك الثواني المحرقة غير شخص منفرد كالثعبان المتجمد...هو انا. وكنت أكاد ألمس أيادي الظلام تقبض على انفاسي وتوشك تقطيعها إرباً إرباً، فتسارعت دقات قلبي وركضت الدماء في عروقي كالسجين الهارب وبلغ تواتر أعصابي حد التمزق".

فـ (يبدو، يتطلع، تسوده، تخيم، يجري، يقبض، يخفي، تقبض، توشك، تقطيعها، تواتر، تمزق)، جُلها أفعال دالة على استمرارية الحدث لدى الأب العاشق، ليشكل بنية النص ومضمونه الفكري خرقاً معلناً بإزاء المقدس.

وهذا ما وظفته رواية (زنابق بين الألغام) لـ (علي الشوك)، لتبني عن طريق شخصية (سلمى) أنموذجاً للعلاقات المحرمة و ̏ كانت فاقدة عذريتها، مع انها لم تنم (...)، في أثناء

وصالها (...) مع بنات جنسها ̋ (2).

فالمتن السردي يمثل صورة درامية، إذ يجعل الروائي من لذة الإنسان والفعل المحرم (غاية)، ليبدأ بعدها الدخول في عالم الأسرار وتصوير لأَدق التفاصيل، ليظهر المشهد أمامنا مُتشكلاً من مجموعة من العناصر الحسية (تنم، عذريتها)، الأمر الذي يساعد على تنسيق المشاعر عن طريق الإشارات المتنوعة للصورة السردية، ثم تنكشف الرموز المغلقة كلها في فضاء مليء بالوضوح والمباشرة، لنقد فكرة الدين، عن طريق توظيف ما نهت النصوص الدينية عنه .

أضيف، أن انفتاح الوعي الثقافي هو الأساس في أنتاج مثل هذه المتون السردية، التي خرجت عن كل ماهو ممنوع، ومحرم، وعمدت وبقصدية عالية إلى خرقه، وتجاوزه.

 

د. وسن مرشد

 

علي محمد القيسييعرف علي عجوة الصورة الذهنية image بأنها: «الصورة الفعلية التي تتكون في أذهان الناس عن المنشآت والمؤسسات المختلفة، وقد تتكون هذه الصورة من التجربة المباشرة أو غير المباشرة، وقد تكون عقلانية أو غير رشيدة، وقد تعتمد على الأدلة والوثائق أو الإشاعات والأقوال غير الموثقة، ولكنها في النهاية تمثل واقعًا صادقًا بالنسبة لمن يحملونها في رؤوسهم».

ولعل مفهوم علي عجوة .. يبرر نحو السياسات والمفاهيم الحياتية الأخرى.. لكن ما يمكن الاستفادة من هذا المفهوم على مستوى الأدب المكتوب قصيدة الهايكو تحديدًا..

وقبل الشروع بالحديث أتمنى أن يكتب العالم كله قصيدة الهايكو لتكون مساحة الجمال أكبر والإمتاع والاستمتاع اكبر أيضا ..

في حديث مع الشاعر سامر زكريا في معرض تجربته الهايكوية ومنذ 2008 على المواقع الافتراضية .. تطرق لأمر مهم جدًا وهو الفرق بين التنظير المكتوب والتنظير المسموع.. وكيف الكلام المباشر يحدث فرقًا بالتنظير لاشتراك الجسد ككل في التنظير وليس الحرف فقط والتاثير بالمتلقي وخصوصًا إذا كان التنظير ذا مصداقية لدى المتلقي.. ومن هنا أبدأ بين المحسوس والملموس وكيفية التوازن بينهما في قصيدة الهايكو .

أعود للصورة الذهنية الاستسهال المفرط بكتابة الهايكو .. جاء عن طرق هذا المفهوم ..كيف.. تعتمد الحالة الشعورة لدى المتلقي بكمية النصوص التي يقرأها أو التي تمرّ أمام ناظريه والتي قد تشكل صورة ذهنية في ذاكرة الكاتب (الكسول) الذي لا يبحث عن المشهد بنفسه إنما يعتمد خزينة الذاكرة مما قرأ والقليل من المشاهدات التي يحاول ربطها مع بعض لتعويض المشهدية في نص الهايكو .. ولعل السجالات التي تجري في الأندية خير دليل على الصورة الذهنية لدى الكاتب ..

إذ أعد الكاتب خريطة ذهنية لمشاهد رتبها اللاوعي من الذاكرة الجمعية من النصوص التي يرها بشكل يومي ما جعل عقلها يفسرها بشكل أقرب للاستخدام مثل

الفراشة، الزهرة . الفزاعة، الحقل، الغروب، اللون. الليل، القمر الظهيرة، الظل والكثير من المقاربات الجاهزة في عقله.

بالتالي أجزم أن أغلب النصوص التي تكتب بهذه الطريقة تشكل إشكالا ذهنينا لدى المتلقي حيث تكون اجترار المخيلة من المخيلة خصوصًا أن الهايكو نص مفتوح قابل لتدوير النهايات بين الكاتب والمتلقي ..

لذا اصبح النص متوقع من السطر الأول ولا يحدث مفارقة غير متوقعة لأن المتلقي بمجرد يرى الفزاعة سيخمن باقي النص ..

ولان العقل البشري أساسا خازن لقراءات سابقة .. مؤكد سيضفي على النص استطالات مجازية او غير واقعية بالنص ..

لهذا تصبح الصورة الذهنية خلل .. كيف..

الصورة الذهنية لدى الكاتب بالمجمل كمن يرى النص من زاوية أعلى من النص أو كمن يقف على مرتفع ويرى المشهد بالتالي دائما لايمكن حصر المشهد ببقعة معينة لتكون المشاهد واسعة جداً جداً (قرى، بحر، مدينة) بينما المشاهد العيانية محصورة بافق معين صغير لا يتسع إلا للمشهد المراد كتابته..

هذا من باب أما الباب الثاني دائما الصور الذهنية تمخر عباب المعنى أي قابلة للتأويل والتفسير ولها أبعاد فلسفية لا تقف عند المشهد فحسب بل تتيح للمتلقي الإبحار خلف النص أيضا لما لهم من عمق تخيلي لذا هي إسقاط المعنى على المشهد فالصورة الذهنية هي «روح» وليست «نصوصًا»قابلة للتنفس والتوسع وان تكبر وتتمدد بمخيلة المتلقي مثل الومضة او الشذرة او أي ادب وجيز عدا الهايكو

نماذج من الصور الذهنية

عِنْدَما تُلامِسيها

تَنْسُجُ قَصائِداً مِنْ حَرير

أنامِلي

**

في البرَلْمَانِ العراقي

هُمومُ الشَعْبِ

خارِجَةٌ عَنْ نِطاقِ التَغْطِيَة

**

قابيلُنا يَقتلُ يَومِياًّ

هابيلُنا يُقتلُ يَومِيّاً

الغُرابُ غائِبٌ !

**

فزّاعتنا

يُفزع الناس

و ليس الطيور

**

بلا لون

لكنها تعكس كل الألوان

المياه

**

لا يحاول جرف صور الأشياء

بل يداعبها

تيار الماء

**

بعد كل هذا الهيجان

يحتضن الزوارق

البحر

**

لَمْ أرَ الهِلالَ

بلْ رأيْت وجْهكَ

فحلَّ يوم العيد

**

بينما نرى بالهايكو المشهد لا يتوسع المشهد الا بالخاصية التي يود سردها غير متكلف تكثيف بالصور لا يوجد حشو على حساب المخيلة

هايکو وسنريو "الکسیس روتللا"- الولايات المتحدة الأمريکية

ترجمة: توفيق النصّاري

...........................

(1)

أواخر أغسطس

أحمل له الحدیقة

في تنورتي

*

(2)

أثناء المشاجرة

يُصححُ

أخطائي النحويّة

*

(3)

قبلَ زِیَارَة القبور

الجَدَّة تَکوِي

مَندِیلها

(4)

"كيف هو العمل؟"

أسألُ

غاسل الموتى

(5)

بقعة رطبة

على الصخرة

حيث جلس الضفدع

(6)

الخروف

يمضغ

الضباب

(7)

محاولة نسيانه

أطعن

البطاطس.

(8)

الثلج الأوّل

الکلب الدلماسي يفقدُ

عددًا من بُقَعه

***

بقلم: علي محمد القيسي

 

ميمون حرش"نواكشوط الكتابة" مُؤلف جديد للكاتب المغربي الخضر الورياشي آثر أن يكون فيه مختلفاً بدءً من عنوانه، وانتهاء بمقالاته البثوثة في متنه، والتي تسيجها حُرقة عجيبة نتلمسها من خلال نبرة " صوت الحرف" الصارخ. وهذه الورقة جزء من كلمة طويلة ألقيتها في الناظور بمناسبة المعرض الجهوي للكتاب بمدينة الناظور يوم 24 دجنبر 2018، قدمتُ فيها المُؤَلف من وجهة نظر قاصٍ يحب كتابات الخضر الورياشي .

الخضر الورياشي كاتب أثير، لاسمه مكانة خاصة في قلوب أهل مدينته، يحبونه ويحبهم، وترضيهم كتاباتُه، وهو يحرص أن يكتب ما يعجبهم.. لا شي خارج اهتمامه، يكتب القصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً، والمقال، والخبر، والخاطرة، والسيرة الذاتية... وفي كل نصوصه لا نعدم متعة أبداً؛ يختار كلماتِه، ينتقيها بدقة، وخوفه من القراء لا حدود له، يعتبرهم قضاة يحاكمونه على قيمة ما ينشره، لذا حرصه على الدقة فيما يكتب يصل أحياناً حد الهوس، ولكن يكفي لأي نص أنْ يُصبغ باللون الأخضر(نسبة إلى اسمه " الخضر") حتى يحصد أعلى نسبة من القراءة، وقدراً غير يسير من الإطراء، والإعجاب فتتقاطر عليه رسائلُ كثيرة مادحة ومُنوهة..

له في كل بلد عربي صديق أديب، في مصر، وسوريا، والعراق، والسودان، وهي شهرة لها ما يبررها ناهيك عن المعجبين به، وهم كُثر..

إن الحديث عن الكاتب المغربي الخضر الو رياشي يحتاج لوقفات طويلة، ليس لأنه متميز فقط، إنما لأنه محبوب، ومن نحب لن نوفيه حقه مهما اجتهدنا..

اقتحم ميدان الإبداع بشكل عام منذ مدة طويلة، اشتغل رئيسَ تحرير في جريدة "كواليس الريف"، وفي" صوت الريف"، ونائبَ مدير جريدة " أنوال الجديدة"، ومصححاً لغوياً في "الصدى"، وهي جميعاً صحف محلية كانت تصدر في مدينة الناظور، منها التي لازال تواصل صدورها، ومنها التي توقف توزيعُها لسبب أو لآخر..

والتميز هنا بالنسبة لي هو مرادف للكتابة الناجحة، والباذخة حين تترك أثرها في المتلقي، وتفرض نفسها في المحافل هنا، وهناك، والكتاب،اليوم، كحبات الرمل حين نعدهم، لكن الذين يتركون أثراً قليلون..

أولا: "نواكشوط الكتابة" من الخارج

في غياب معرفة دقيقة بالمؤلف (إذا كنا طبعاً لا نعرفه) نرتهن غالباً للعنوان في اختيار قراءة كتاب معين أو عدم قراءته. ثمة عناوينُ تشد بتلابيبنا، وعناوين تنفرنا، وعناوين تفاجئنا، وعناوين تصدمنا، وعناوين تسحرنا، وأخرى تستفزنا..

ولنتذكر بأننا لا نقرأ كل النصوص بنفس الطريقة، فروايات جرجي زيدان التاريخية مثلاً لا تحدث الأثر نفسه في قارئ لمحمد عبد الحليم عبد الله في رواياته الرومانسية، وقراءة المقال لا يحدث نفس "الوخز" ( من اللذة طبعاً )الذي تحدثها الخاطرة أو القصة، لذا وعياً من الخضر بهذا جعله يضع تحت العنوان مناصاً هو "مقالات" مُهيئاً بذلك القارئ ليضع نفسه في منظور ملائم ..فلو افترضنا أن الكاتب وضع على الغلاف تحت عنوان كتابه ( رواية تاريخية ) فإنه، وفقاً لعقد القراءة بينه وبين القارئ كما يقولون، من المفروض أن يلتزم بعدم قول ما يناقض ذلك ..

نحن مثلا سنستسيغ أن يقوم الموتى من الأجداث في محكي عجائبيى فانتطازيي، لكن أن يحصل الشيء ذاته في رواية رومانسية فنحن لن نتقبل ذلك أبداً،

ثم إن الخضر قاص، وناقد، و وفنان، فأن يكتب فوق غلاف كتابه "مقالات" فهو يحدد مسار القارئ بدءً.. حتى يلتزم معه وفق عقد القراءة بين وبين القراء..

عنوان الكتاب "نواكشوط الكتابة" لأول وهلة يبدو غريباً، وغيرَ عادٍ أبداً، وقد يحتاج الأمر لطرح السؤال بإلحاح: ماذا تعني كلمة "نواكشوط" , وما علاقة نواكشوط بالكتابة ؟

و إيماناً من الخضر الورياشي بغرائبية نواكشوط كلفظة يفرد في أول الكتاب شرحاً مفصلا لها، وهو كالتالي:

نواكشوط: هو المكان الذي تكثر فيه المراعي والنباتات وتتصف بالملوحة،

نواكشوط: المكان الذي يكثر فيه هبوب الرياح..

نواكشوط: المكان الذي إذا حفر انبجس منه ماءٌ كثير،

نواكشوط: تعني قصير الأذنين أو فاقدهما،

نواكشوط: هي البئر..

طيب، تعالوا نتلمس هذه االشروحات في لوحة الكتاب، وبالنظر إليها ملياً سنضرب ( الصواب أضرب) بكل ما شرحه الخضر عرض الحائط، لأن مكوناتها توحي بمعنى واحد هو موريتانيا البلد المعروف بدء بالرمال المنثورة في اللوحة، وانتهاء بهيئة الطفل ( أسمر اللون،جالس يقرأ، ويضع فوق رأسه غطاء)، والمحيط لا ماء فيه، ولا نبات، وحتى الطفل لو صور بغير غطاء الرأس لثبت أنه بأذنين كبريتين ..

هو عنوان فيه احتيال إذاً، وكنائي كما يقول جيرار جنيت، تحضرني هنا بعض عناوين الروايات الشبيه بهذا الأمر، مثلا رواية الأب غوريو لبلزاك، للوهلة الأولى يبدو أن البطل سيكون هو أبا البنات، أو الشيخ الخائر القوى الذي سيموت كمداً بسبب جحود بناته، غير أن الأمر ليس كذلك البتة لأن البطل شخص آخر تماماً هو (راستنياك)، كان يلزاك يسلط عليه الأضواء، ويحتل مركزية الأحداث، كذلك في رواية " الفرسان الثلاثة لألكسندر دوما، لا يكون البطل فيها إلاّ الفارس رقم 4..

الخضر يحب ممارسة هذا الاحتيال اللذيذ على القارئ في اختيار عناوين كتبه، حدث هذا معه في مجوعته القصصية " قصتي مع جاكي شان، وجنية الكتب .."ولنتساءل ما العلاقة بين جاكي شان وجنية ليس للكاراتيه ولكن للكتب ؟ !

أما " نواكشوط الكتابة " فأجده غير إشهاري البتة، و لعل داعي الغرابة،هنا، هو كلمة " نواكشوط" التي تذهب بنا رأساً إلى موريتانيا- حسب لوحة الكتاب خاصة- ولا شيء إذاً مما ذكره الخضر في شرحه لها.

ثانياً: "نواكشوط الكتابة "من الداخل

هو كتاب من جنس المقال، والكتابة فيه ليس سهلا لما يحتاجه هذا النوع الأدبي من براعة، ودقة، وحسن التخلص، وضرورة التركيز، يضم الكتاب سبعة وثمانين(87) مقالا في حقول مختلفة ( حول السياسة، والتربية، و السرقة الأدبية، و الثقافة، و الدين، و التعليم، و الفن، ونقد ظواهر اجتماعية شتى، و الثقافة، و المرأة، و الكتب، و الشعر، و...)وإن كان سيركز كثيراً على هم واحد هو الكتابة ..لذا أجد أن عناوينَ حول موضوع الكتب والكتابة تتكرر بشكل لافت وقوي، بل وتفضح عشقه الأولي، والسرمدي للكتب ... لنتأمل هذه العناوين:

نواكشوط الكتابة،وتعالوا نأكل الكتب، والحياة السرية للكتب، والكاتب ليس مسيطراً، وقصتي مع الكتب،وحكايتي مع الكتابة، وأبناء الريف لا يحبون الكتب، ولعبة الكتابة، وبائع الكتب والدكاترة، والكتابة وشد الاهتمام، والنشيد الحزين للكتابة، والكاتب والكتابة، والكتابة خلق الله، والكاتب هبة الله، والكاتب كائن منفعل، ومصطفى محمود والمرأة والكتابة، والكاتب لا يسكت عنه الغضب، والكاتب وأحمر الشفاه، وهكذا أقرأ.. هكذا أكتب، وأصدقاء الكاتب لا يقرأون كتبه، والكاتب والنية ....

قرأت كتاب " نواكشوط الكتابة" مرة ومرات، و لفت نظري أمرٌ غريب، يبدأ الخضر الكتاب بكلمة (آه)، وبـ (آه)ثانية في المقال الموالي مباشرة، ويختمها بمقال سماه " توبة" ..

يتألم الخضر إذن، حقيقة إنه يتألم من واقع ما، ومن حالة، ومن مرض ما، والمـتألم حين يرى إلى جرحه الداخلي والخارجي لا يفكر سوى في دواء لهذا الجرح أملا في اندماله، و قد يكون الدواء إما عقاقير، أو جراحة، أو .. وقد يكون اتخاذ قرارات مصيرية كالانتحار، أو «التوبة"، والخضر يختار التوبة عن الكتابة.. و لأني أعرفه جيداً ( أرضة الكتب) فهذا من رابع المستحيلات.. هو يحتال علينا بدءً من عنوان كتابه، وانتهاء بقراره الغريب، وهو العاشق، الصامت، الصارخ، الغارق في الحروف حتى أذنيه.

(هل تاب العطر الفاغم على خدر امرأة خاطئة فأتوب

تلك ذنوبي فدعوني..)

وذنب الخضر الورياشي أنه كاتب، وكاتب فنان، يحمل في ذاتك علة المجتمع، تلك التي يداويها للناس .

والطريف أن الخضر الذي يقرر التوبة عن الكتابة يرى أن علاج المرضى والحزن، والألم هو قراءة الكتب .. هو قراءة الكتب مكررة.ويسرد قصة جميلة لـ صلاح نيازي الذي ضاقت به الدنيا، ولم يرتح سوى عندما ترجم الرواية العالمية "عوليبس" للايرلندي جميس جويس ..

فرق واحد بين الطبيب والفنان هو أن الطبيب رجل سليم، رجل يداوي مرضى،.. ولكن الفنان طبيب لا بد أن يحمل في ذاته وقلبه العلة التي يدوايها للناس، ليس المفروض أن يحس الطبيب بألمك، ولكن الفنان لا بد أن يحس بألم الناس حتى يعطيهم دواء للصبر، و هذا هو دور حملة الأقلام أيضاً، فإذا تاب هؤلاء عن الكتابة فالحياة تصبح دوحة لا يرجى جناها.

ثالثا: كلمة في حق الكاتب الخضر الورياشي

تتبعت برنامجاً إذاعياً بثته إذاعة ميدي1 عبر الأثير ذات ليلة رمضانية بتاريخ 22/8/2011، ( لا زلت أتذكره للآن ) خصته المنشطة لسؤال طرحته مجلة إيطالية لمناقشة ملف عن" الكاتب الناجح"،ولتقريب الموضوع أكثر طرحت عدة أسئلة لبسط هذا الموضوع الحساس، وأهم ما طرح هو ما هو معيار الكاتب الناجح ؟، وهل هناك معيار أصلاً؟..

والحق أن حلقة البرنامج أثارتني بغنى النقاش الرصين، و لعل أهم ما طرح هو أن الأمر قد يتعلق، حين نتحدث عن كاتب ناجح، بكثرة رسائل الإعجاب التي يتلقاها عبر البريد الأرضي، أو لايكات، أو جيمات في الفيس بوك، أو ترجمة كتبه إلى لغات آخرى، وربما بما يولد عنده من أعداء،أو بتحويل إنتاجاته إلى أعمال سينمائية، وربما... وربما...

سألت نفسي يومها: ألا يكفي أن يكون الكاتب ناجحا لأنه كاتب بدون فلسفة؟..

سؤال مشروع.. لكن هل الكتب متشابهة؟..

أعتبر الخضر كاتباً ناجحاً لأنه حين يبدع يراهن على الاختلاف ؛ والتميز سمة يحرص على أن تحمل توقيعه بحيث حين تقرأ له تقول:" هذه لغة الخضر الورياشي، هذا أدب فيه رائحة خضراء ( نسبة إلى الخضر طبعاً)"..والخضر الو رياشي له حظوته، لا يمكن أن تقرأ له دون أن يستوقفك، حين يقرأ ما يكتبه في مناسبة أو أخرى، وعلى الهواء مباشرة، تلتاع إليه الأعناق إعجاباً، وإحساساً بأن ما يقول يستحق الإنصات.. يوم قرأ على ضيوف الناظور في المهرجان العربي للقصة القصيرة جداً/ النسخة الثالثة في مارس 2014 نصه " نبي إبليس " احتدت الأكف بالتصفيق، صفق له الجميع بحرارة، فأبهر، ولفت الأنظار، وكثير ممن حضر يومها لم يمنع سؤاله: من هذا؟..

هو كاتب ناجح لأنه يرفع شعار " اقتلوا العادية" حسب دعوة حنا مينة رحمه الله، يكتب بإسهاب، في القصة، وفي الخاطرة، وفي الفن، وفي النقد لكنه يحرص على الجدة، والفرادة، والتنوع، وهي صفات تجعل منه كاتباً نجماً .

 

ميمون حرش

.............................

جزء من كلمة ألقيتها في المعرض الجهوي للكتاب بمدينة الناظور يوم 14 دجنبر 2018 عن الكاتب المغربي الخضر الورياشي

 

صفاء الصالحيفي 363 صفحة يوظف الروائي العراقي المغترب الدكتور شاكر نوري فنه الروائي في رواية "خاتون بغداد" في تعريف القارئ بشخصية "مس غيرترود بيل" مستشارة المندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس في العراق، الشخصية التي رسمت مستقبل العراق السياسي لسنوات عديدة بعد الاحتلال البريطاني، كما أسهمت بتنصيب الامير فيصل بن الحسين ملكاً على عرش العراق، وتاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، ورسم حدودها، ولعبت أدوار مختلفة في ترتيب الحياة السياسية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية .

الرواية صادرة عن دار سطور للتوزيع والنشر، وحائزة على جائزة كتاراللرواية العربية المنشورة 2017، وهي الرواية التاسعة في قائمة الأعمال للكاتب بعد (نافذة العنكبوت، ونزوة الموتى، وديالاس بين يديه، وكلاب كلكامش، والمنطقة الخضراء، وشامان، ومجانين بوكا، وجحيم الراهب) . الرواية كما ورد على غلافها: (ذات طعم خاص اعتمدت على الوثائق ولكنها ليست وثائقية، ولا تؤرخ بقدر ما ترصد الصراع المليئ بالعواطف والإحاسيس لإسطورة حية وامرأة إشكالية هي " مس غيرترود بيل " التي اصبحت جزءاً من تاريخ العراق المعاصر) . أستطاع الكاتب بثقافته العالمية والموسوعية متعكزاً آصالة موهبته وسعة عوالم خياله، أ، يستدعي السيرة الشخصية ل " مس بيل " وجملة الوثائق الحقيقية التي كتبتها، او من عاصرها في تلك الفترة، فيستنطق تاريخها ثم يطوعه ويزاوج ما بينه وبين الادب، وكان الكاتب موفقاً في تحويل الوقائع التاريخية التي جرت في العراق منذ الحرب العالمية الأولى عام 1914 حتى الاحتلال الأمريكي لبغداد في التاسع من نيسان 2003، الى نص سردي متجانس مابين السرد الروائي والسرد الوثائقي المتنوع الأساليب والتقنيات، ومتشرببرحيق التاريخ ومفعم بعبقه ومثقل بروحه . مع بداية الفصل الأول من الرواية بعنوان " السيدة الإنجليزية ذات الكعب العالي " يستهل شاكر نوري روايته بفعل درامي يحدد فيه الزمان والمكان للأحداث (مرت ميئة عام على هذه الدورة الكونية المخفية من الزمن على دخول الآنسة الإنجليزية بحذائها ذي الكعب العالي وقبعتها العريضة، وأزيائها الباريسية، ومشيتها المتبخترة، ولاتزال تثير ظمأ فضولهم ..ص10) . إستهلال إبداعي يوقظ فضول المتلقي ليصاحب الكاتب في رحلته واكتناه أفكاره، وسبر اغوار الشخصية المحورية التي قدمها بالعنوان المثير، تتداخل أحداث الرواية مابين المراسلات الخاصة لمس بيل، وخيباتها العاطفية، والوثائق التاريخية والتقارير الصحفية التي كتبت عنها، ومن ست شخصيات مهووسة بها، ومن فضاء هذه التداخلات التي استعارها الكاتب وأعاد تأويلها وفق وجهة نظره، جعل القارئ اسير أعجابه ببطلة الرواية من خلال إظهار الوجه الإنساني والثقافي دون إبراز وجهها الأستعماري، لقد أستجلى الكاتب التاريخ الىخر المسكوت عنه او التاريخ الذي أغفله المؤرخون أو تفاده عمداً، تاريخ مبرأ من الأيدلوجيات السياسية وأهواءها التي دوماً ما تركز إشاراتها الى الوضع النفسي والثقافي والاقتصادي المأزوم الذي يخلفه الاستعمار بشكل عام، فنجح في إعادة شخصية " مس غيرترود بيل " الى واجهة القراءة، وإعادة الاعتبار لهذه الشخصية العبقرية والفريدة المدفونة في المقبرة البريطانية في الباب الشرقي ببغداد، وعلى الرغم من الانتقالات التاريخية في الرواية كان الكاتب موفقاً جداً في جذب القارئ الى داخل الرواية وتتبع صفحاتها واسره على مدار صفحات الكتاب حتى النهاية، ومن فيض الأحداث والانتقالات التاريخية ذات الطابع الوثائقي يسلط الضوء على الجانب العاطفي للشخصية المحورية في الرواية بعد استسلامها لنصيحة خالتها بأن تتبع خطى قلبها وتترك عقلها قليلاً، وتعيش قصة حب أولى مع الدبلوماسي بامفوضية بطهران " هنري " الذي هدم القلاع التي تفصل بين قلبها وعقلها، وبعث سحر الكلمات في أعماقها، لكنها عاشت قصة الحب هذه بصراع ملتهب ما بين ضغط الوالدين الرافضين لهنري وبين آيات الغرام والكلام المعسول والنظرات السبقة، قبل ان تنتهي العلاقة بنهاية تراجيدية ويحسم القدر هذا الصراع ويخطف حبيبها في بحيرة " لارا " الثلجية (أن هنري قد فارق الحياة، يإلهي ! قد فارق الحياة وفي بحيرة لارا .. لقد تجمد القلب الذي كان يفيض حباً لي ..ص119)، وعاشت قصة الحب الثانية تحت وطأة صراع آخر يتوهج فيه نار الغيرة مع زوجة عشيقها من جهة ومن صخب عواطفها مع الجندي القادم من القسطنطينية الميجور " ريتشارد داوتي وايلي " قبل ان تنتهي هي الآخرى نهاة تراجيدية بحسم القدر مصيرها برصاصة بلهاء وضعت نقطة النهاية لحياته (أصابته رصاصة في رأسه أثناء لحظة الانتصار .. في عصر ذلك سقط جسده على الشاطئ ..ص134)، في القصتين التراجيديتين الصادمتين ذات الابعاد الرومانسية يشرح الراوي شرح دقيق لأحاسيس مس بيل بلغة رومانسية رشيقة يوقظ بها حواس القارئ من الكسل والخمول والإسترخاء . في الفصل السادس " ست شخصيات تبحث عن امرأة " مصنع خيال الكاتب في بناء الرواية، والشخصيات المهووسة بالخاتون : يونس كاتب سيناريو، ونعمان مخرج سينمائي، وهاشم مشغل آلة عرض في سينما غرناطة ببغداد، ومنصور حارس المقبرة البريطانية، وابو سقراط فيلسوف بغداد، وفيرناندو المحقق الأممي في إحتراق مكتبة بغداد، وشخصيات ثانوية اخرى، لقد كانت الشخصيات نافذة الكاتب في تسليط الضوء فيها علة ما حدث في العراق بعد 9-4-2003، والفصل كتب بلغة الشخصيات ولم يقيدها السارد بلغته تركها تمارس حريتها بالحديث كما تشتهي، وحتى تركها بدون أي علامات ترقيم، الحوارات تعبر عن مستوى الواقعي أنتخبت فيه الألفاظ والمفردات والتراكيب ممتزجة بالتصوير الحي للشخصيات والمكان (حانة الرافدين ص44، دوي الانجارات في الكؤوس ص55، المكتبة الوطنية ص63، ست شخصيات تبحث عن امرأة ص201) تعطي مشاهد حركية حاضرة بالنفس بجمالها وتشويقها . لاشك أن قراءة عالماً خيالياً مكافئ للواقع التاريخي فيه من المتعة قدر كبير، لطالما كانت النصوص السردية عبارة عن صراعات مليئة بالعواطف والأحاسيس، وغيرة بالوقائع والاحداث، والحوارات، والمعلومات التاريخية والوثائقية، عن حياة مس بيل فضلاً عن رؤية إزاء الأوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة عبر زمنين الاول بطبعته الانجليزية والثاني بطبعبته الأمريكية .

رواية " خاتون بغداد " لا تخلو من حبكات مشوقة ومثيرة مبنية على الصراع محكمة البناء سردت سيرة شخصية " مس غيرترود بيل " مستشارة المندوب السامي البريطاني بيرس كوكس في العراق، ورصدت حكاياتها وأمتداد صراعها مع ذاتها ومع الآخرين، رواية غزبرة بالحوارات صيغت على شكل مشاهداً بانورامياً واسعاً تعكس النبض الجرامي للرواية، فهل تشد أنظار صناع الدراما، وتنال فرصتها وتتحول الى عمل درامي مميز،

 

صفاء الصالحي

 

عبد الله الفيفييُنسَب إلى (الأصمعي)- وما أكثر ما يُنسَب إليه!- مقولة فحواها: «مَن خطَّأ عربيًّا، فقد جهل لغة العرب». وذلك لسعة العربيَّة، وقِدَم تاريخها، وتنوُّع مصادرها اللهجيَّة. بحيث إنَّ ما قد يظنه الظانُّ اليوم خطأً لغويًّا، يكتشف غدًا أنه قد استُعمل من عربٍ فصحاء، وفي عصور الاحتجاج. وكم من المطبوعات أصدرتها مجامع اللغة العربيَّة أو غيرها من المؤسسات اللغويَّة، تحت عنوان «قلْ ولا تقلْ»، ثم عَدَلَت عنها بعد حين، إلى: «قلْ وقلْ»!

في هذا المقال نقف مع بعض النماذج.

هَبَّ بعض الغيارى على العربيَّة منذ زمنٍ منتقدًا استعمال الفعل المضارع في الدعاء للناس، بالرحمة أو بالحفظ أو التوفيق، مثل قولنا: «يرحمه الله»، أو «يحفظه الله»، وجأرَ بالنكير على استعمال المضارع في هذه السياقات، بل انتقل من هذا إلى توجُّسات دِينيَّة، لا تخطر على قلب بشر. ومع تقديرنا لما ساقه صاحبنا، فإننا نجد القدماء قد استعملوا ما انتقده، وليس بصحيح أنه استعمال معاصر، كما زعم. فها هو ذا (جرير بن عطيَّة)(1) يمدح (عمر بن عبد العزيز):

خَليفَة اللَهِ، ثُمَّ اللَهُ يَحفَظُهُ،      

واللَهُ يَصحَبُكَ الرَّحمَنُ في السَّفَرِ!

كما استعمل عبارة «يرحمه الله» مَن لا حصر لهم مِن أئمَّة التراث، من أمثال: (الأصفهاني) في «الأغاني»، و(لسان الدِّين بن الخطيب)، في «الإحاطة في أخبار غرناطة»، و(أسامة بن منقذ)، في «الاعتبار»، و(صلاح الدِّين الصفدي)، في «أعيان العصر»، وغيرهم. وإليكم هذه المقتطفات من المصادر، التي يتكئ عليها بعض الأصوليِّين المعاصرين بلا أصالة:

جاء في «الأغاني»(2)، في أخبار (أبي دُلامة)، قوله:

أبلـغا ريطـةَ أَنِّي           

كنتُ عبدًا لأبيها

فمضَى، يرحمهُ اللـ        

ـهُ، وأوصَى بي إليها

وفي موطنٍ آخر، من أخبار (أبي نخيلة) مع (مسلمة بن عبد الملك)، نقرأ، ضِمن حكاية طريفة: «قال لي مسلمة: ممَّن أنت؟ فقلت: من بني سعد. فقال: ما لكم يا بني سعد والقصيد، وإنما حظكم في الرجز؟ قال: فقلت له: أنا والله أرجز العرب! قال: فأنشدْني من رجزك! فكأني، والله، لمَّا قال ذلك، لم أقل رجزًا قط، أنسانيه اللهُ كلَّه، فما ذكرتُ منه ولا من غيره شيئًا، إلَّا أرجوزة لرؤبة، كان قالها في تلك السنة، فظننتُ أنها لم تبلغ مسلمة، فأُنشِده إيَّاها، فنكَّس رأسه، وتتعتعتُ، فرفع رأسه إليَّ وقال: لا تُتعب نفسك؛ فأنا أَرْوَى لها منك! قال: فانصرفتُ، وأنا أكذَب الناس عنده وأخزاهم عند نفسي، حتى تلطَّفتُ بعد ذلك ومدحته برجزٍ كثير، فعرفني وقرَّبني. وما رأيتُ ذلك أثَّر فيه، يرحمه الله، ولا قرَّعني به حتى افترقنا.»(3)

وفي «السيرة النبوية»، بتهذيب (ابن هشام)(4)، جاء في تعليل لقب أحد الشعراء، وهو (عبد الله بن الحارث)، أنه قال:

فإنْ أنا لم أُبْرِقْ فلا يَسعنَّني     

مِنَ الأرضِ بَرٌّ ذو فضاءٍ ولا بَحْرُ

قال: «فسُمِّي عبد الله بن الحارث، يرحمه الله، لبيته الذي قال: المُبْرِق.»

وفي موطن آخر من «السيرة النبوية»: «قال ابن إسحاق: وكان ممَّا قيل من الشِّعر في يوم بدر، وترادَّ به القوم بينهم، لِما كان فيه، قول حمزة بن عبد المطلب، يرحمه الله:...».

وجاء في كتاب (الصفدي)، «الوافي بالوفيات»(5)، في ترجمته لـ(أبي الحكيم الباهلي الطبيب)، أنه قال يهجو (نصيرًا الحلبي) على سبيل المرثية:

يا هذه قومي اندبي       

شخصَ النصيرِ الحلبي

يرحمـــه الله، لقد          

كان طويـل الذَّنَـبِ!

وفي «بلاغات النساء»، لـ(ابن طيفور)(6): «قال أبو زيد: قال رجل: خرجتُ في بغاء بعيرٍ لي أضللتُه، فسقطتُ على امرأةٍ في فناء ظِلِّها، لم أر لها شبهًا، فقالت: ما أوطأك رحلنا، يا عبدالله؟ قلتُ: بعيرٌ لي أضللتُه، فأنا في التماسه. قالت: أفلا أَدُلُّكَ على مَن هو أجدَى عليك في بعيرك منَّا؟ قلتُ: بلى! قالت: الله؛ فادعُه دعاء واثقٍ، لا مختبِر. قال: فشغلتني بقولها عن وجهها؛ فقلتُ: يا هذه، أ ذات بعلٍ أنت؟ قالت: كان، فمات، يرحمه الله...».

 بل لقد أورد (البيهقي)، في «المحاسن والمساوئ»(7)، ما يلي: «وحَدَا رجلٌ برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يقول:

تالله، لولا الله، ما اهتدينا      

ولا تَصدَّقنا، ولا صلينا

... فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: مَن يقولها؟ قال: أبي. قال: يرحمه الله!»

قال صاحبي: ولكن ربما احتجَّ عليك محتجٌّ- مُصِرًّا على تخطيء الناس في استعمالهم ذلك التعبير «يرحمه الله»- بأننا لا نقول «يصلِّي الله عليه ويسلِّم»، مثلًا.

قلتُ: ضَعْف احتجاج، لا يُستغرَب من مكابر. ما في الحُجَّة من حُجَّة، ولا في الجُبَّة من أحد. ذلك أن للعبارات الدِّينيَّة قداستها الخاصة، التي تجعل من النابي- لا من الخطأ بالضرورة- تغييرها. وإلَّا فلو قلنا «يصلِّي الله عليه ويسلِّم»، ما كان هذا خطأً لغويًّا، ولا دلاليًّا، غير أنه يخالف الإِلف والعادة، والدارج الموروث؛ ولأولئك جميعًا سُلطانٌ أيُّ سُلطان. أ ولم يسمع قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ومَلائِكَتُه.﴾ (الأحزاب: 43). وقال، في تلك الآية التي تتردَّد كلَّ جمعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.﴾ (الأحزاب: 56).

إنما تلكم الأصوليَّات اللغويَّة المعاصرة، كغيرها من الأصوليَّات، كثيرًا ما تتعنَّت، وتضيِّق على الناس واسعًا، وإنْ بغير عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كتابٍ منيرٍ.

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

.....................

(1) (1986)، ديوان جرير، بشرح: محمّد بن حبيب، تحقيق: نعمان محمَّد أمين طه (القاهر: دار المعارف)، 1: 414.

(2) (2008)، الأغاني، تحقيق: إحسان عبَّاس وإبراهيم السعافين وبكر عبَّاس (بيروت: دار صادر)، 10: 198.

(3) م.ن، 20: 252- 253.

(4) انظر: (1955)، السيرة النبويَّة، تحقيق: مصطفى السّقّا وآخرَين (مصر: مصطفى البابي الحلبي وشركاه)، 1: 331- 332.

(5) (2000)، الوافي بالوفيَّات، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى (بيروت: دار إحياء التراث العربي)، 17: 335.

(6) (1908)، بلاغات النساء وطرائف كلامهن ومُلَح نوادرهن، عناية: أحمد الألفي (القاهرة: مدرسة والدة عبَّاس الأوَّل)، 181.

(7) (1902م)، المحاسن والمساوئ، عناية: فريدريك شوالي (ألمانيا: جِيْسِن Giessen)، 460.

 

 

اياد خضير الشمري(أحاول ان اكون شاعراً في القصيدة وخارجها، لان الشعر موقف من الحياة، وإحساس ينساب في سلوكنا) محمد الماغوط .

يحيى السماوي من الشعراء الذين يولون اهتماماً كبيراً في كتابة قصيدة النثر وذلك لعمق ثقافته المتعددة المصادر، نجد معمارية قصائده وتفاصيل توترها معبأة بالثقافة الانسانية...عبارة عن لوحات وصور جميلة من الحياة ، قصائد حرة في اختيار الاشكال التي تفرضها تجربته الشخصية .

السماوي احياناً كثيرة يعبر عن دواخله بأبيات من الشعر والتي تعد الوسيلة للتعبير عما في قلبه وإحساسه من مشاعر وكلمات عميقة تصف الهيام والعشق فتظهر على شكل لوحات او ومضات تفيض بأبلغ المعاني .

أراجيح

(فمي الطفلُ مُغرمٌ بالأراجيح

لذا

مددتُ حبلاً من القُبلاتِ

يربط شفتكِ العليا بالسفلى

أرجوحة ً له) ص76

الاصمعي عالم لغوي وناقد شعري عراقي من البصرة يرى ان قصيدة النثر حظيت باهتمام لم يحظ به أي جنس ادبي آخر قال: (مثّل مجيء قصيدة النثر الانطلاق نحو الحرية والتعبير للواقع المحيط الذي ضاق بالشعراء العرب الشباب وكان شوقهم الدائم لشعر جديد توازيه روح التمرد التي امتازوا بها، ولقد هيأتهم كل العوامل السابقة للخروج بالنص من حالته الكلاسيكية المعتادة الى حالة جديدة مستوحاة من الادب الغربي المتحرر).

عندما تفتح ديوان (حديقة من زهور الكلمات) وتتجول في حديقة السماوي تبقى مندهشاً بهذه الومضات الشعرية ترافقك الفراشات والنسيم العليل مع باقات الورود الجذابة حديقة متكاملة تلك النصوص الشعرية التي اطلق عليها الشاعر عبارة من مقاطع موسيقية تدفعك للخيال، اغلب قصائد النثر التي يحتويها الديوان ومضات شعرية متنوعة غنية بعدة شخصيات سياسية، تاريخية، اسطورية، موحية بالرمز والأنوثة وبعشق ازلي .

915 يحيى السماوي

التناص ظاهرة من الظواهر المهمة في ديوان الشاعر يحيى السماوي يستعمله في أثراء قصائده بتعابير قرآنية واخرى اساطير ومع الفلسفة... من نماذج التناص مع ديكارت الوجودي انا افكر اذن انا موجود :

قصيدة سنبلتك لا بيادرهن

(سنبلة ٌ منكِ خيرٌ من الف بيدر..

انا احبكِ؟

إذن

انا موجود!) ص70

ومن نماذج التناص، يذكرنا بحكايات الف ليلة وليلة نموذجاً فعلاً ولغة جسدت صورة المرأة التي تطرقت للجسد الانثوي الذي اضاف الى الحكايات السردية والاسطورة والتخيل والمتعة، اضاف السماوي متعة الكلام، شهرزاد الفتاة العصرية المتعلمة تجيد كل الفنون استطاعت ان تروّض الملك شهريار وتنقذ بنات جلدها.. السماوي كتب قصيدة تناص مع حكايات الف ليلة وليلة :

قصيدة خشوع

(لكل عصر شهرزادُهُ

وليس من شهريار

اجدرُ مني بحكايا الفِ قُبلةٍ وقُبلة

تقصها شفتاكِ

فتصيخُ لهما شفتاي

حتى يكفَّ العناقُ المُباحُ

فنغفو) ص75

السماوي في أغلب قصائده ذو لغة شفافة تعتمد على الوضوح والواقعية فهي لغة تكاد أن تكون خاصة بالشاعر، لغة من وعيه بأدواته الفنية مغمسة بحالته النفسية من خلال كتابته لهذه القصائد، يناجي الفرح ان يكون زكريا .. تناص مع الرمز الديني أبدع بهذه القصائد .

قصيدة أيها الفرح

(أنا يحيى

فكن لي زكريا !

وأنتِ أيتها الغربة ُ

كوني زليخة ٌ

لأكون قميص يوسف

فالطواغيتُ

قدوا أمسيَ من دبرٍ

ومن قُبلٍ قد المجاهدون الزورُ

يومي!) ص55

الشاعر السماوي له خزين عامر من الخبرة في كتابة قصيدة النثر.. خبرة لغوية تجعله متفوقاً في كتابة القصيدة، يزرع وروده في بستان الحياة لذا تشاهد قصائده عبارة عن صور متعددة الأوجه والرموز طاغية عليها من واقعنا المعاش، ثقافية تحمل دلالات وتعابير فكرية وأخرى مغمسة في العشق الصوفي وأخرى قصائد تفضح الحكام الفاسدين، المافيات الذين سيطروا وامتلكوا القصور وسلبوا الوطن من خلال تجاربهم وسماسرتهم لولا خزين العراق من النفط لما اصابنا الجوع وهتك بنا المرض.

قصيدة شرود

(النفط الذي أشبعنا جوعاً وحروباً

متى يجفُ

فيغادر اللصوصُ

بيت مالِ المستغفلين؟) ص114

ديوان السماوي حديقة من زهور الكلمات متنوع في كل مفاصل الحياة قصائد عن فاجعة مول الكرادة التي راح ضحيتها الكثير من العراقيين إثر اجرام دموي قاهر سقط الكثير من الشهداء ولازال البعض مفقودا اغلبهم حرق بالكامل يطلق صيحاته الى السماء ان يعيننا على هذا المصاب .

قصيدة الكرادة

(نهارُ وليلُ الكرادة

أضحيتها

أكثر سواداً

من لافتاتِ الحدادِ

وعباءات الاراملِ والثكالى) ص124

محاورة مع الخليفة ليبعد سكينه الطائفي الذي مزق الوطن واحالته الى تناحرات متعددة راح ضحيتها الكثير من العراقيين، الطائفية المقيتة التي رفضها الشاعر السماوي في اكثر من قصيدة .

قصيدة ايها الخليفة

(أيها الخليفةُ

انا

لست كبشاً

وأنتَ

لستَ ابراهيم

فابعد

سكينك الطائفية

عن عنقي!) ص106

الطغاة على مدار التاريخ صنعوا مصيرهم بأفعالهم وكانت النهاية السوداء هي الدليل الكافي لأفعالهم، قصيدة عن الجلادين في زمن الدكتاتورية صور حزينة ومؤلمة عن قتل المناضلين في السجون، سلام عادل المناضل الشيوعي نموذجاً، فقئت عيناه وكسرت عظامه وقطعت اصابع يديه ومن ثم تم ذبحه.

قصيدة مناضل

(في اعتقالهِ الاول

اخذوا له صورتين أمامية وجانبية

ثم أطلقوا سراحهُ

فخرجَ يتلفت

في اعتقاله الثاني

صادروا أسنانهُ

ثم أطلقوا سراحهُ

فخرج ويده مطبقة ٌ على فمه

في اعتقاله الثالث

صادروا قدميهِ

ثم أطلقوا سراحه ُ

فخرج يتوكأ على عكاز

في اعتقاله الاخير

صادروا روحهُ

فخرج محمولاً في تابوت) ص171

(اخيراً)

السماوي في قصائده لعب دوراً مهماً في ايقاع قصيدة النثر عن طريق رسم القصيدة بطريقة فنية معمارية فتكون لوحة ابداعية تحرك الحواس مفعمة بالدلالات والصور الواقعية ، قصائد نثر وومضات مضيئة تحمل صورا حزينة واخرى مفرحة، ديوان متكامل من صميم الواقع ذات خيال واسع ولغة متوقدة بزهور الكلمات المذهلة تمنياتي للشاعر بدوام التأليف .

 

اياد خضير

....................

الديوان من اصدارات مؤسسة المثقف العربي سدني/ استراليا بواقع 194صفحة من الحجم المتوسط .

 

جواد بشارةكانت هناك ملامح هوية واضحة للسينما الإيرانية في عهد الشاه قبل الثورة الإسلامية عام 1979، ومن بين ابرز الأسماء لجيل السينمائيين في تلك الحقبة عباس كيارستمي وكيميئي، حيث كان الشباب يواجه تحدي الانخراط في الحداثة والعصرنة أو التمسك بالتقاليد، عندما كان نظام الشاه يسعى بالقوة لفرض نمط الحياة الغربية في إيران، وكان ذلك هو الموضوع الأثير لدى العديد من السينمائيين.

بدأ المخرج كيمئي تجربته كمخرج سينمائي في عهد الشاه البهلوي أيضاً. وأبطاله يعكسون للمشاهد صورة عن الإيراني التقليدي المقتنع بعدالة وصحة إيمانه الإسلامي الشيعي، وهي الصورة التي حاولت السلطة السابقة والنظام السابق محوها من الوعي الجمعي وإستئصالها من اللاشعور المجتمعي، فتعين على السينمائي أن يتحايل على الواقع لتجنب تعريض أفلامه للرقابة والمنع. وبالرغم من تلك الصعوبات الرقابية والبوليسية نجح في تمرير رسائله لقطاع واسع من الجمهور الإيراني والعالمي مما حاز على تقدير الجميع . كانت رسائل هذا المخرج الرمزية والمواربة في التعبير والتي تصب في نفس سياق منظرين آيديولوجيين تركا بصماتهما على أجيال كاملة من الشباب الإيراني . أولهم الشيوعي السابق وعالم الاجتماع جلال الأحمد الذي نشر كتابه المتميز المتغرب l’Occidentaliste، وهو عنوان يشير بجلاء للحداثة القادمة من الغرب كنوع من المرض الذي يقود الشعب لخسارة وفقدان هويته الأصيلة. لذا "يجب العودة إلى ما نحن عليه، إلى أصالتنا وطبيعتنا"، كما كان ينادي علي شريعتي الذي استأنف أطروحة ومقاربة أسلافه وعمقها . وفي أثره النظري والتنظيري، يحتل الإسلام موقعاً متميزاً لكنه ليس الإسلام التقليدي بل الإسلام كحركة فكرية ذات منحى اجتماعي. ويمكننا القول أن علي شريعتي كان منظراً لــ" إسلام ماركسي" يبحث عن مجتمع إسلامي مثالي،الجميع فيه متساوون، لذلك اقترح شريعتي إسلام ثوري معارض واحتجاجي مبني على "الجهاد والشهادة.

ينظر شريعتي للعالم كمكان لصراع الخير والشر إذ أن هذه الثنائية المتصارعة هي الأساس للفكر الديني الذي يقول أن تاريخ البشرية بدأ بحرب بين ولدي آدم هابيل وقابيل وقتل أحدهما الآخر. وتقول الأسطورة أن السبب وراء هذا التنافس والصراع كانت إمرأة، ونوع القربان المقدم من كليهما إلى لله . فقابيل كان عاشقاً لخطيبة أخيه هابيل ولحسم الموقف بينهما طلب الله من كليهما تقديم قربان قبل التحكيم بينهما، فجلب قابيل المزارع حفنة من محصوله من القمح في حين جلب هابيل الراعي أجمل بعير لديه وهو الجمل الأصهب. وعندما فشل قابيل في إفتان الرب وخسر المباراة للحصول على رضا الله ودعمه، قام بقتل أخيه غيرة منه. فالمخرج كيميئي، المتأثر بفكر شريعتي، قدم المجتمع الإيراني بتلك الطريقة المانوية الثنوية التي يتصارع داخلها الحداثة والتقليد . ويرى السينمائي كما لو إنه عالم دين أن " المال" والمرأة" يقفان خلف كافة المواجهات والصراعات بين الخير والشر. بدأ هذا المخرج تجربته السينمائية بفيلم " جاء الغريب" سنة 1968 حيث توحي قصة فيلمه كمرجعية، ما حدث بين قابيل وهابيل في الأسطورة التوراتية، حيث يعشق شقيقان نفس المرأة وفي النهاية يضحي أحدهما بنفسه وينتحر . وبعد بضع سنوات يعود المخرج لنفس الثيمة بفيلم عنوانه " غزال" سنة 1976 وهو اسم بطلة الفيلم، وفي نفس الوقت يمثل هذا الاسم رمزاً في الشعر الصوفي الذي يتبنى فيه الشاعر الصوفي لغة مرمزة أو رمزية لتجسيد الحب السماوي عبر صورة المحبوب. يندفع المخرج بمتعة في عرض رؤية هؤلاء الشعراء الصوفيين حيث أن بطلته، ليس فقط أنها لا تمثل هذا الحب المقدس فحسب، بل وأيضاً تعرض للخطر الحب الإلهي المقدس، أي الحب النقي الموجود بين الشقيقين . كانا يعيشان في وئام وسعادة حتى ظهور تلك المرأة التي يقعان في حبها وهي مومس لا تتردد في أن تقسم نفسها بينهما وتضاجعهما معاً ومع الوقت وتصاعد الغيرة تضطرب وتتدهور العلاقة بين الشقيقين فيقرران قتلها، وما يلفت النظر هو تلك القلادة على شكل صليب التي تضعها المرأة حول عنقها وهي علامة أو إشارة رمزية للخارج، للغرب الذي تكون فيه الديانة الغالبة هي المسيحية، وهو هنا يضع على قدم المساواة الإنحراف والتغرب أو نمط الحياة والثقافة الغربية .

تميز فيلم " القيصر" لعباس كيارستمي الذي أخرجه سنة 1969 باتخاذه الموقف المناويء للعصرنة والحداثة الغربية والتمسك بطريق الإسلام المجتمعي الذي كان يحمل لواء المعارضة السياسية والدينية المجتمعية الشيعية وهي الآيديولوجية التي قادت إلى انتصار الثورة الإسلامية بعد عقد من الزمن. اشتهر عباس كيارستمي في بلده بموقفه المعارض لنظام الشاه من خلال التعبير السينمائي وبلغة سينمائية شفافة ومهذبة لكنها صريحة أحياناً، ومن خلال الرموز أحياناً أخرى. لقد تبنى التقاليد في مقابل الحداثة الغربية التي اعتبرها بمثابة مرض مستورد وكان لمثل هذه المواقف تأثير كبير على أحداث سنة 1979. وفي تسعينات القرن الماضي أخرج كيارستمي ثلاثيته الشهيرة التي جعلته معروفاً على الصعيد العالمي خاصة بعد تبنيه جمالية ولغة سينمائية شخصية متميزة أبعدته عن الآيديولوجية السائدة التي بثها الإسلام السياسي الشعبوي . وكان عباس كيارستمي يرنو لإسلام معرفي وعلمي مشبع بالشعرية الصوفية التي وسمت إنتاجه فيلماً بعد الآخر. بحثاً عن هوية متجذرة في الكنز الثقافي المتعدد الثقافات .

يتحدث فيلم "القيصر" عن قصة شقيقين يمثلان الجيل الجديد، واللذين تنتحر شقيقتهما في بداية الفيلم في أعقاب تعرضها للاغتصاب. عمهما يمثل الجيل القديم، والذي كان في شبابه بطلاً شعبياً، بنتمي للفرسان وهي الصفة التي تعرف بالفارسية " داش Dash" والحال أن هذا العم هو الذي يحاول ردعهما عن تنفيذ فعل الانتقام وترك الشرطة والقانون يهتمان بالقضية. فهذه الشخصية، بالنسبة للمخرج، ترمز لجيل تخلى عن ماضيه المشرف والمجيد بقبوله الخضوع والاستسلام للقواعد الجديدة للمجتمع السائر في طريق الحداثة والعصرنة في بلد تسود فيه سلطة البوليس والدولة، وبالتالي يتعين على الجيل الشاب أن يثور ضد خنوع وسلبية الشعب وبالتالي يقوم الشباب، من خلال عملهم البطولي والثوري، بفتح الطريق للعودة إلى الماضي المشرف . فعندما كان " القيصر" بطل الفيلم والشقيق الأكبر، مسافراً، ينطلق الشقيق الصغر في مهمة أخذ ثأر الأخت المنتحرة الضحية. لكنه يطعن من الخلف على يد شقيقي المغتصب . وعند عودة القيصر من السفر يقتل قاتلي شقيقه قبل أن يواصل البحث عن المغتصب للنيل منه والانتقام لشقيقته فيطارد المغتصب في مخزن مهجور يحتوي على قطارات صدئة ومهجورة. يتصارع الرجلان بالسكاكين وينجح القيصر في قتل المغتصب ويجرح بدوره، يحاول الهرب لكن الشرطة كانت تطارده وتحاصره وتطلق عليه النيران فيقتل بدوره في إحدى القاطرات، وهنا في هذا الفيلم " القيصر" يضع المخرج رجال الشرطة في نفس مستوى أعداء البطل باعتبارهم رمزاً للشر . وهو أحد الأفلام الإيرانية النادرة في تاريخ السينما الإيرانية الذي يندد بصراحة وبلا مواربة بالسلطة القائمة. وليس اعتباطاً أو عبثاً اختيار المخرج مكاناً لموت بطله " مقبرة لقطارات مهجورة، وهي آلات ترمز للحداثة والتقدم الصناعي ، فالمخرج يجعل من تلك القطارات العاطلة الصدئة التي لاتتحرك رمزاً للمجتمع الإيراني الساكن والمشلول، الجامد والخامل بلا حركة. في فيلم " القيصر" تكون المرأة هي السبب في صراع الخير والشر . فشقيقة الشخصيتين الذكوريتين لاتتعرض للاغتصاب في مكان مجهول وبلا مقدمات، بل في بيت صديقتها التي كانت تدرس عندها وتحل واجباتها المدرسية، ويركز المخرج على هذه الناحية من الفيلم وفي لحظة الاغتصاب يوجه عدسة الكاميرا في لقطة قريبة للكتاب المدرسي للفتاة، وكأنه بتركيزه المتعمد هذا يريد أن يقول موقفه السلبي من مسألة تعليم الفتيات حيث تتسبب الدراسة والواجبات والثقافة في فقدانها لعذريتها . ويستمر كيميئي في هذا النهج الذي يعتبر المرأة سبب الشر من خلال عدة قصص سينمائية . وكانت الموضوع الأثير والوحيد لفيلم " داش آكول Dash Akol" سنة 1971 وهو إعداد لقصة قصيرة للكاتب صادق هدايت حيث نشاهد التدهور التدريجي المتواصل حتى الموت لفارس عجوز يقع في حب فتاة شابة.

قام كيميئي كذلك بقتل المثقف الحداثي المعاصر رمزياً من خلال إدانته في أفلامه وخاصة في فيلم " رضا سائق الدراجة" الذي أخرجه سنة 1970 بطريقة كاريكاتورية ساخرة حيث يدين المخرج كاتباً يؤلف كتاباً سيكولوجياً في علم النفس ويعمل في مستشفى للتحليل النفسي، حيث يعرض عجز المثقفين الذي يدعون قدرتهم على تغيير العالم، وعدم قدرتهم أو عجزهم عن أخذ المبادرة والتحرك الفعلي . وهذا الموضوع عولج من قبل هذا المخرج على نحو عنيف في فيلمه المعنون " الطائرات الورقية" الذي أخرجه سنة 1975 . وفي هذا الفيلم البالغ التعقيد والثراء الجمالي في رسم لوحة عن المجتمع الإيراني المعاصر، يبرز المثقف إلى جانب بطل الفيلم الذي يحمل اسم " سيد" كناية عن أحد أحفاد نسل النبي محمد وهم طبقة أو فئة" السادة" والذي اختزلته الحداثة وضغطته وحولته إلى مجرد مستهلك للمخدرات .

وفي سعيه لتشخيص داء الحداثة والعصرنة الذي أدخله نظام الشاه إلى المجتمع الإيراني، يستمر المخرج كيميئي في نفس سياق فلسفة وآيديولوجية علي شريعتي التي يتبناها المخرج عندما يدين في سينماه مضار ومخاطر المال والتملك. ففي قصة قابيل وهابيل يحاول هذا المنظر الإسلامي ــ الماركسي، تثبيت بديهية تبعات وتداعيات هذا التمييز الجوهري : هابيل راعي وقابيل مزارع . النشاط الزراعي ينطوي على الملكية فالانسان مع الزراعة بحاجة إلى أن يحوز على جزء من الأرض في حين أن مهنة الرعيد تنطوي على شكل من أشكال الحرية وعد الاستقرار في مكان واحد حيث يكون الإنسان في وضع المعادل أو المساوي في مواجهة الطبيعية فقابيل مالك أرض ما يعني العبودية واستغلال الآخرين ومن ذلك يستنتج شريعتي أنه منذ ظهور البشر في الطبيعة بدأ الصراع بين أرباب العمل والبروليتاريا وهو نفس تفكير وموقف هذا السينمائي فنسل هابيل هم المستضعفون الذي يستغلهم أبناء ونسل قابيل هم أصل الطبقة الاجتماعية الثرية المحمية من قبل الدولة والنظام القائم على حساب الضعفاء والفقراء والمسحوقين والمستغلين.

ابتداءاً من فيلم " رضا راكب الدراجة " أصبح الفساد والرشوة والفارق بين الطبقات الإجتماعية هي المواضيع الأثيرة والأساسية لأفلام كيمينئي وكانت ميزته وعلامته الفارقة هي وضعه الأغنياء دائماً في جانب الشر، فهم يشكلون طبقة إجتماعية مسيطرة ومهيمنة وتستأثر بثروات البلد ومتع الحياة وتعيش على النمط الغربي وتستغل الفقراء، تنتهك وتقتل الفئات التقليدية من المجتمع . ففي فيلم " الأرض " الذي أخرجه سنة 1973 يعتمد المخرج لغة مباشرة ليتناول موضوع استغلال الأراضي من قبل الغربيين من خلال قصة شقيقين مهددين بالطرد على يد غربي والذي يسعى للإستحواز على أراضيهم بعد وفاة زوجته واستعادة أملاكه إلا أن مقاومة الشقيقين، بطلي الفيلم، ستقود إلى سلسة من أعمال العنف والتضحيات الدموية . أما فيلم " رحلة الحجر" الذي أخرجه سنة 1978 فيروي قصة ثورة جماعية ضد مالك طاحونة استغلالي . وهي شخصية تستغل سكان المنطقة ويعيش في بيت يعرف بــ " البيت الأبيض" وهي ليست مصادفة، حيث تنتظم المقاومة حول شخية بطل متأثر بالإمام الحسين وشهداء كربلاء وتؤدي مقاومة السكان وبطولاتهم التي يشحذها إيمانهم بعدالة قضيتهم إلى تدمير هذين الرمزين، أي مالك الطاحونه وبيته الأبيض . يعكس الفيلم الروحية الثورية لتلك الفترة وهو آخر أفلامه قبل الثورة الإسلامية بعام واحد التي حدثت سنة 1979. تبدو القصة وكأنها إعادة مستمرة لثيمة الصراع بين الخير والشر لكن شريعتي يرفض القدرية في الموضوع ويستشهد دائماً بثورة الإمام الثالث للشيعة وهو الإمام الحسين وصحبه وهو حفيد النبي محمد، الذي رفض الانصياع والاستسلام للخليفة الأموي الفاسد ومضى إلى النهاية نحو الاستشهاد الذي بات هو رمزه، وناشد بطل الفيلم الشعب لمواصلة النضال حتى الشهادة أو النصر، لذلك لا يؤيد شريعتي طقوس عاشوراء باعتبارها أيام حداد وحزن ويحث الشعب على الثورة ضد الظلم وغياب العدالة باسم الثأر لدم الحسين وهذا هو الرمز الذي يتجدد بأشكال ووجوه مختلفة في سينما كيمنئي الذي يلجأ إلى العناصر المؤسسة للمشهد الشيعي المعروفة باسم " التعازي" الحسينية. فأبطال كيمنئي متمردون يثورون ضد الواقع المفروض عليهم وكلهم عنيفين ويبررون العنف والقسوة .لكنه يقدمهم كونهم ضحايا الظلم، ويضعهم في أوضاع وجودية لا خيار لهم فيها سوى الدفاع عن النفس بكافة السبل وعليهم أن يختاروا بين " الجبن" والشجاعة، بين الذل ورفعة النفس . وكباقي الأبطال التراجيديين يقررون المقاومة والقتال حتى يصبحوا شهداء لأنهم ليس لديهم خيار آخر إلا الرد على العنف بالعنف ويستغل المخرج هذه المظلومية لدى شخصياته ليس لإثارة استرحام المشاهدين بل ليعطي صبغة تقديسية لأفعال أبطاله حتى لو اصطبغت بالدماء والدموية.

ومع هذا المخرج انتشرت نهايات مختلفة للأفلام الإيرانية بدل النهايات السعيدة الكلاسيكية. فمآسيه الفيلمية تنتهي كلها كما تتطلب التراجيديا، بموت الأبطال. فلو لم يموت هابيل مقتولاً على يد أخيه قابيل لما أصبح شخصية مقدسة وتجسيداً للخير مقابل الشر الذي تمثل بفعل شقيقه الإجرامي.

يتبع المخرج كيميئي نفس هذا المنطق . وتجد الإشارة إلى أن موت الأبطال ليس موتاً عادياً بل مصبوغ بقدسية وعدالة القضية التي يدافعون عنها ويضحون من أجلها بأرواحهم . فموتهم ليس تراجيدياً حسب التصنيف الغربي بل تضحوي لأنهم جميعهم يعون بأن بإمكانهم الإفلات من هذه القدرية أو الحتمية لو تراجعوا وتخلوا عن معركتهم لكن النصر بالنسبة لهم يكمن في التضحية بالنفس والشهادة لذلك فإن مصير أبطال كيمنئي تأخذنا نحو مفهوم الشهادة.

وعلى غرار كيمنئي، يعود كيارستمي إلى اصول وجذور ثقافته الأصيلة بحثاً عن الهوية الإسلامو ــ فارسية لكنه يضع مسافة حيال الإسلام الاحتجاجي لينغمس في الإسلام الروحي أو العرفان. فالإسلام الصوفي تمركز في قلوب الشعب الفارسي منذ قرون وفي قلب الشعر الصوفي الفارسي ليقولب حساسية وخصائص الشعب الإيراني. وعلى غرار الشعراء الذي لايستطيعون التعبير عن أنفسهم ونشر أفكارهم بصراحة وشفافية فيلجأون إلى اللغة التأويلية المشفرة أو اللغزية، وعباس كيارستمي هو الآخر يلجأ إلى لغة سينمائية مجازية ويستعير من المتصوفة وجوههم اللغزية أو رمزية صورة الصديق والمحبوب المتسامي. ويستلهم من فناني المنمنمات حيث ترافق الصور والرسومات النصوص الشعرية . ويستعير رمز الثمالة الصوفية والهيام الصوفي والدروب الروحية حيث يغدو اللولب هو الطريق المتعرج، ويتبنى رمزية وجمالية الحجاب والتورية ويذهب كيارستمي بعيداً في استخدام هذه الجمالية الرمزية لكي يكون على وفاق ظاهري مع قوانين المجتمع الإسلامي الحذر جداً حيال من يتلصصون ويسترقون النظر. فهذه الجمالية تتيح له أن يقترح مفهوماً للعالم والإنسان الذي يجد نبعه ومصدره في الفلسفة المعروفة بالفلسفة الشرقية والإشراقية.

فالفلاسفة الإشراقيين يعتقدون بوجود كونين متميزين عن بعضهما، العالم المحسوس والملوس الواضح، والعالم الرمزي وغير المرئي . ونلمس هنا بصمات الفلاسفة الأفلوطينيين الجدد، مع تميز الفيلسوف الشرقي عن الفلاسفة الإغريق، بربطه بين العالمين بعالم أو طريق ثالث هو " العالم المتخيل الحي النشط " . ولايمكن للإنسان أن يقوم باتصال مع العالم المحسوس إلا من خلال حواسه ومن ثم عبر عدة مستويات من التدريب والإعدادات الإستهلالية، ويجسد بمخيلته الأشكال الحساسة بملكة التخيل على مستوى يتموضع مابين العوالم، للإقتراب من واقعها الجوهري في العالم الظاهر والواضح الملموس . فهذه الفلسفة هي التي أولدت الشعر الصوفي الذي يجعل الشاعر الصوفي يعتقد بتفوق العالم المتخيل على العالم المحسوس ويتيح له الغوص في عالم من النشوة والحس، وإن هذه الفلسفة هي التي تقود الرسامين نحو تمثل خيالي محض للعالم المحسوس.

يستخدم كيارستمي " جمالية الحجاب" بطريقة فذة وبمعنى رمزي وليس المقصود حجاب المرأة الإسلامي التقليدي وإنما هو ذو تمثلات تجريدية، فيه الغياب والحضور، لشيء ما، والذي يأخذنا نحو عالم صوري وسينمائي تكون فيه كل صورة وكأنها تبحث عن معنى رمزي .

في مجتمع تكون فيه النساء محجبات، هناك فصل راديكالي بين العالم الذكوري والعالم الأنثوي، بين العام والخاص، بين الخارج والداخل. إن موضوع الفصل بين الجنسين هو من الموضوعات التي يحرم ويمنع الخوض فيها من قبل السلطة الإسلامية الدينية الحاكمة لذلك أصبح من المواضيع الأساسية للسينما الإيرانية الجديدة. فالنظر مقرون بالتلصص مما يخلق معضلة اختيار موضع الكاميرا وزاوية التصوير . كيارستمي من المخرجين الذين تهرب معه الكاميرا إلى الخارج في الشوارع والأزقة والطرقات والساحات مع محاولة عدم تجاوز الحدود المحرمة والممنوعة عرفياً وتقليدياً ومجتمعياً . ترفض كاميرته التوغل إلى الداخل الحميمي لكي لايظهر، على هيئة عبثية، إمرأة محجبة وهي في بيتها وفي محيطها الحميمي مع عائلتها فهذا الأمر غير موجود في الواقع. لذلك نراه يرفض التصوير في الأماكن الداخلية كنوع من الرقابة الذاتية لكن لا يشكل ذلك علامة على الخضوع والانصياع بل محاولة لإظهار المنع المفروض سلطوياً على السينما.

 من المحرمات الأخرى الممنوع إظهارها أو التي يمنع المجتمع التقليدي الإسلامي في السينما التطرق إليها، موضوع الحب والجنس، وخاصة الحب بين شخصين غير متزوجين، وقد عالج كيارستمي هذه المشكلة من خلال قصة زوجين في فيلمه " والحياة تستمر الذي أخرجه سنة 1991" ومن خلال قصة حبيبين غير متزوجين في فيلم " عبر أشجار الزيتون الذي أخرجه سنة 1994" فهناك صورة للزوجين الشابين يقفان أمام بيت يرمز إلى اتحادهما وارتباطهما الجديد. وعندما يصعد الزوج السلالم للالتحاق بزوجته تبقى الكاميرا مثبتة في أسفل السلالم فيما يستمع المشاهد لحوار الشخصيات خارج الكادر. يضع كيارستمي هذا المشهد في مركز فيلمه " عبر أشجار الزيتون" حيث يغدو ما هو خارج المشهد هو المشهد في الفيلم الجاري تصويره . ففي أعلى السلالم وضع الممثلان كل واحد منهما على طرفي الكادر . الرجل واقف على اليمين والمرأة جالسة في الطرف الأيسر وهناك مسافة بين الشخصين ما يشير إلى الفصل بين الجنسين في المجتمع الإيراني.

يحاول كيارستمي تحقيق حلمه كسينمائي في نهاية الفيلم في لقطة ــ مشهد طويلة عندما يغادر الشخصان المتباعدان مكانياً، مكان التصوير، حيث تبقى الكاميرا ثابتة تصورهما عن بعد وهما يبتعدان ويختفي الممثلان في غابة الزيتون ومن ثم يظهران من جديد من بعيد جداً كبقعتين بيضاويتين غير واضحتي المعالم وسط مشهد أو منظر طبيعي واسع، حيث نشعر بأن البطل يلاحق البطلة. وفجأة يتوقف الرجل وتستمر المرأة تعدو ومن ثم تتوقف وتعود أدراجها نحوه، و في هذه اللحظة تندمج البقعتان البيضاويتان وتتحدان لتشكلان بقعة واحدة قبل أن تفترقان مرة أخرى . ففي سينما يمنع فيها لمس الرجل للمرأة تمكن المخرج من إيجاد حل إيحائي وحيلة سينمائية من خلال التصوير عن بعد ومع ذلك أعتبر كيارستمي أنه خرق القانون والقواعد الاجتماعية والدينية دون أن يكون ذلك على نحو صريح، ولقد كرر كيارستمي هذه الحيلة من جديد في فيلمه " الرياح تحملنا الذي أخرجه سنة 1999" حيث لاتظهر وجوه العشاق أبداً على الشاشة في لقطة واضحة .

ولقد بلغ هذا التعبير القسري عن العلاقة بين الرجل والمرأة أوجه في فيلم " شيرين الذي أخرجه سنة 2008" وهو فيلم يروي قصة " شيرين" بطلة ملحمة قديمة مليئة بالصخب والضجة والعنفوان والغضب والاندفاع حيث توجد مشاهد حسية ولمسات جنسية موحية يستحيل عرضها صراحة على الشاشة في مجتمع كالمجتمع الإيراني الإسلامي المتزمت والمنغلق. ومن المفارقات، أن هذا الفيلم عرض على الشاشة أمام متفرجات نساء مزيفات، حيث لايرى المشاهدون الحقيقيون لقلم كيارستمي، الفيلم أو المشهد المصور، بل وجوه المتفرجات المزيفات وهن يشاهدن الفيلم، وفي نفس الوقت وأثناء العرض يستمعن إلى شريط الصوت الذي يكشف عن مشاهد جنسية تجمع بين العاشقين و ينوه إلى أنهما يمارسان الجنس، وهكذا يحتال المخرج كي لا يبدو كمن ينتهك القوانين، نراه وهو ينتهك القواعد الفنية المتبعة عادة في مثل هذه الأحوال حيث الغاية منها هي عرض قصة حب على الشاشة السينمائية . فلقد عرض فيلم " شيرين" في سياق مخيلة المشاهد الذي لديه حرية التخيل من خلال الإيحاءات السينمائية التي لجأ إليها المخرج.

هناك أشياء أخرى يكشف عنها المخرج، بعرض الأجساد ولكن ليس الأفكار كما هو حال بطل فيلم " لقطة مقربة كلوز آب الذي أخرجه سنة 1990" وفيلم " طعم الكرز الذي أخرجه سنة 1997" فالشخصية الرئيسية لفيلم طعم الكرز، لن يكشف أبداً عن أسباب انتحاره. ما نعرفه فقط هو أنه حفر قبره بيده، ويبحث عن شخص آخر لكي يدفنه . أما بطل فيلم " كلوز آب أو لقطة مقربة جداً " فبسبب سرقته أو انتحاله شخصية مخرج معروف قدم إلى المحكمة، وأثناء المحاكمة، يصور المخرج بطله في لقطاته مقربة وهي التي تفسر عنوان الفيلم . فهذا الاختيار الراديكالي يرسم محاولة المخرج بتصويره شخصيته على نحو مقرب، فهو يريد أن يتجاوز " المظهر البادي" لرجل يكون وجهه هو قناع فكره أو تفكيره.

فعبر شخصياته غير الصورية التي يتعذر اختراقها يقترب كيارستمي من لوحات أو رسوم المنمنمات أو المصغرات حيث تكون الرسوم هي التمظهرات للأشكال الخيالية . ويتبنى المخرج عنصر آخر تعبيري هو النابض الشعري الحلزوني حيث يتخلى الرسامون عن البعد الثالث من خلال تبنيهم للنابض الحلزوني كشكل من أشكال تنظيم المكان المرسوم. ولهذا الشكل عدة معاني، فهو يرمز للعنب، وبالتالي يوحي بالسكر والهيام الصوفي والنعيم الخالد ويزج بنا في المتاهة التي ترمز للدروب والمسالك الروحية. ففي هذا المضمار، وفي الإسلام بالذات، تحتوي المسالك الروحية على ثلاث مراحل: الشريعة، والطريقة، والحقيقة، والتي تتسق، في البعد الفلسفي، مع الثالوث الوجودي: المحسوس، والمتخيل، والواقعي . وإذا كانت الشريعة هي الجانب الظاهر للدين، فإن الطريقة، هي الجانب الخفي أو الماورائي الذي يرسم الطريق الواجب سلكه نحو معرفة الذات، في حين ترسم الحقيقة الجانب الرباني والإلهي . والإبادة هي المرحلة القصوى للمسالك الروحانية. . فوحدة الوجود هي اللحظة التي يموت فيها الكائن الفاني لكي يغدو الإنسان الكامل. فهذا الموت المقدس، الذي يدينه الإسلام لأنه يحرم الانتحار، هو المقصود والمعني في الشعر الصوفي. صديق المحبوب الأزلي، بمثابة صورة مجازية ترمز للإله المعبود والمحبوب الخالد والحب هو الشعور المعبر عن رغبة المحب أو العاشق الذي لايفعل ذلك إلا مع المحبوب الرباني أو العشق الإلهي .

هذه الطريقة تقود إلى العودة للذات وهي أحد ملامح سينما كيارستمي الأساسية حيث يتعين على جميع أبطاله المرور عبر الطريق الروحي المتعرج قبل أن يمحوا أنفسهم. فمحو الذات هو ما يقترح فيلم " طعم الكرز" رؤيته من خلال الثيمة الرمزية للانتحار . فالعودة للذات هو مايميز سعي كيارستمي في ثلاثيته التي تبدأ بفيلم " أين بيت ابي 1987، ويتبعه " والحياة تستمر" وتنتهي بــ" عبر أشجار الزيتون" ومن فيلم لآخر، يعود المخرج أدراجه ويقدم عبر الإخراج " قرينه " وهو الممثل الذي يلعب دوره كمخرج.

العودة إلى الذات أو الموت المقدس هي الثيمات التي تتكرر لدى المخرجين الذين تحثنا عنهما كمثالين للسينما الإيراني الجديدة وهما كيميئي وكيارستمي فالأول يحلل ويعرض الرهانات الاجتماعية والمجتمعية بالعودة إلى الدين، فيما يأخذ الثاني موضوع الدراسة السينمائية لنفسه كمخرج ولفنه ومهنته الأول ويركز على " الشريعة"، والثاني يركز على " الطريقة" فآثارهما السينمائية تكمل بعضها البعض الأول ترسخت شعبيته قبل الثورة الإسلامية، والثاني تتساءل أفلامه حول تبعات وتداعيات وانعكاسات ونتائج تلك الثورة والتي من خلالها يمكننا تفكيك وتصفح وفك تشيفرة الحالة النفسية والروحية للشعب الإيراني الذي مايزال يبحث عن هويته، هل هي الفارسية أم الإسلامية؟.

نموذج ثالث أحدث للسينما الإيرانية الجديدة يتمثل في المخرج أصغر فرهادي وفيلمه " الزبون الذي أخرجه سنة 2016" .

بعد فيلم " الماضي 2013"، و " إنفصال 2011" الذي حاز على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي الدولي كأفضل فيلم أجنبي، عاد المخرج أصغر فرهادي إلى طهران من أجل فيلمه الروائي الطويل الأخير " الزبون" الذي حصد في مهرجان كان جائزة أفضل سيناريو وجائزة أفضل ممثل ذكر وهو الممثل شهاب حسيني. ولقد ضرب الرقم القياسي في عدد المشاهدين في إيران وبات موضوع نقاش عن القيم الأخلاقية والمجتمعية وعن هوية البلد التي قدمها وقد كرس هذا الفيلم قيمة ومكانة هذا المخرج في تيار السينما الإيرانية الجديدة. يحكي الفيلم قصة شخصين " عماد" وهو ممثل وأستاذ، و " رنا" وهي ممثلة فقط، اللذين ينتقلان إلى شقة جديدة، إثر تدهور حالة عمارتهم القديمة . وفي أحد الأيام، معتقدة أنها تفتح باب الشقة لزوجها تعرضت رنا لاعتداء رجل غريب . حاول زوجها تشخيص ومعرفة هوية المعتدي المذنب، حتى لو انزلق إلى هوس الأخذ بالثأر والانتقام. ومع هذا النص، يبدو أن الفيلم أنهى ثلاثية عن " الخطيئة" فبسبب حادث، وفعل، وخطأ، تعيش الشخصيات حالة التدهور والتخلخل التي أصابت حياتهما وعليهما، إما استئصال الحقيقة أو محاولة الاستمرار بحياتهما ووجودهما كما كان عليه الحال قبل الحادث، أي النسيان. فشخصية علي مصطفى، في فيلم " الماضي"، تريد، بأي ثمن، ترديد إبنة صديقته السابقة، اعترافها، ويجيب على ذلك شهاب حسيني في دوره، وسعيه حتى النهاية الحصول على اعتراف المعتدي على زوجته والذي تحول إلى ما يشبه العصاب والإساءة القسرية . فهل يمكننا أن إدراج أصغر فرهادي من بين المؤلفين الأخلاقيين، ممن تنطوي آثارهم على فلسفة عن الإنسان وهفواته؟ نعم يمكننا قول ذلك بل وأكثر منه، حيث يمكن لفكرة تقول إن بضعة ثواني كافية ومبررة لتغيير حياة بأكملها. ففيلم " إنفصال" يعالج الصعوبات القائمة للتوصل إلى طلاق في إيران الأمر الذي يترتب عليه تبعات وتداعيات غير متجانسة أو لامتناسبة مترجمة بأعمال عنف لرجل ضد عاملة عنده. أصغر فرهادي يكتب ويصور ويدير ممثليه كمؤلف درامي مسرحي. فالشخصيتان الرئيسيتان يمثلان في نطاق إخراج لمسرحية " موت تاجر متجول لآرثر ميللر 1949، حيث تكون الجمل الحوارية صدى لوضعهما المأساوي المضطرب . ولقد اثبت أصغر فرهادي موهبته كسينمائي في أفلامه السابقة من خلال زوايا التصوير ووضع الكاميرا لتصوير المشاهد الداخلية ومشاهد الخصام العائلي ويستخدم فضاء حركته ــ البيت وكذلك كواليس المسرح ــ ليسجن أو يطبق على شخصياته. ويرغمها على المواجهة حيث يستخدم منذ البدء ، لقطة ــ مشهد، معدة بعناية شديدة، لإدخال شخصيتيه أو بطليه إلى صلب الموضوع وتوضيح سبب انتقالهما وتغييرهما للبيت. ويلجأ إلى أسلوب اللقطة واللقطة المقابلة عندما ينحصر لب التمثيل في وجهيهما حيث نقرأ مشاعرهما فقط منعكسة على تعابير الوجوه مع تنوع في تلك التعابير والنبرة الجافة لكلامهما وحوارهما. وينتهي فيلم " انفصال" على مايمكن أن نقول إنه " اللامعبر عنه أو ما لا يقال، من خلال لقطات طويلة ثابتة للبطلين وهما يقومان بالمكياج قبل دخولهما لمشهد العرض المسرحي دون أن نعرف إذا كانا سيفترقان حقاً ودون أن نعرف ما إذا كانت الصغيرة إبنتهما ترميه، ستذهب للعيش مع أبوها أم مع أمها في حالة من " الانفصال". هذا النوع من الدراما يفترض وجود أخلاق معينة للمعالجة الإخراجية كي لا نسقط في فخ التغريب أو السخرية . ففي فيلم "الماضي" وقع اختيار المخرج على علي مصطفى كممثل لدور الصديق السابق للبطلة ماري ما يتيح نوع من التنفيس للمشاهد الذي يمكنه أن يتماهى مع هذه الغريبة التي وصلت للتو إلى فرنسا لحل إشكالات وقضايا قانونية ما أرغمها على التكيف مع كادر قضائي مختلف ولغة مختلفة . نفس الشيء في " انفصال" حيث المراوحة بين نادر و سيمني دون الانحياز لوجهة نظر أو الوقوف إلى جانب، هذا الطرف أو ذاك، في هذا الثنائي المقدم على الطلاق لغاية حصرهما وجمعهما في لقطة طويلة ثابتة في النهاية بانتظار قرار القاضي فيما يتعلق بحق الحضانة للطفلة. إحدى القضايا والرهانات في فيلم " الزبون" تكمن كذلك في القدرة على التعاطف مع عماد وهو يؤدي الشخصية الغاضبة حيث تغزو الرغبة في الانتقام حياته وعمله وأدائه المسرحي وحياة أسرته وبيت الزوجية . بكتابة مقوسة، بدون فعل حاد ولكن مع مبدأ جوهري مؤسس، يتمثل بعملية الاعتداء على رنا، يبرز سعي البطل البحث عن الكشف ومعرفة الجاني ما يؤطر حالة التوتر لدى المشاهد وإنغماره في تعاقب الأحداث لغاية تشخيص هوية المتهم واكتشاف المذنب الحقيقي، يحرص أصغر فرهادي على أن يلصق كاميرته بشخصياته وممثليه. وعندما يبتعدون في لقطة واسعة فإن اللقطة تستجيب لدهشة الشخصيات وعدم استقرار حالتهم النفسية . فالتصوير لا يهتم بإضفاء تسامي على بيوت عادية بل إبراز أهمية الملابس والأصباغ والألوان والنظرات، وللمزيد من الواقعية يفضل المخرج غياب الموسيقى ويحصل التناوب من خلال المونتاج في الإيقاعات ما يوحي لحالة من الاندماج أكبر مع الحكاية المعروضة .

لم ينتقد أحد أصغر فرهادي على عدم كتابته وصنعه أفلاماً سياسية أو خارج الواقع الإيراني فشخصياته تنتمي للطبقة الوسطى وتمارس مهناً فكرية وثقافية وإبداعية. وهو يعلن ذلك ويتحمل تبعاته لأنه يرى في هذه الفئة الاجتماعية الأرضية الأكثر خصوبة وملائمة لسرد حكاياته وقصصه ومواضيعه . فمسألة النظام السياسي وموضوع فرض الحجاب على النساء لايطرح نفسه على الأجيال التي ولدت بعد الثورة الإسلامية 1979. فالنساء يتحايلن على موضوع الحجاب بلبس حجابات ملونة زاهية وعلى الموضة فيما تكتفي النساء الكبيرات في السنة بحجاب أسود أو عباءة سوداء. . ففيلم " الزبون" يقلب الكليشة السائدة عن إيران حيث يمكن لفرقة مسرحية عرض مسرحية لأرثر ميللر على أمل عبور حاجز الرقابة المشددة حيث تظهر الممثلة على الخشبة بمكياجها وتنورتها القصيرة والمراهقين يمتلكون هواتف ذكية محمولة ويمكننا أن نلمس طبيعة العلاقات القائمة بين الرجال والنساء والدور الذكوري الأبوي الذي تمارسه السلطة من خلال منح الذكور السلطة على الإناث بالرغم من وجود طبقة مثقفة وواعية تحرص على إقامة علاقات حيوية في الروابط الاجتماعية وممارسة النشاط الثقافي والإبداعي في طهران وباقي المدن الإيرانية . وهذه المواضيع تكتسب أهمية إضافية في مرحلة الانفتاح الإيراني على الغرب والعكس صحيح وينعكس على نمط وقابلية السينما الإيرانية على الإفلات من الرقابة السياسية والفنية التي تعرض لها وعانى منها مخرج إيراني آخر هو جعفر باهاني .

يجدر بنا ملاحظة نوع من الحشمة وضبط النفس في سينما يتم فيها تفادي المشكلات العويصة والحساسة الأهم والأخطر التي تغيب عن مجال الكاميرا حيث لا يمكن عرض عملية الاعتداء الجنسي كما حصلت بل الإيحاء بها من خلال لقطات موحية كالباب المفتوح لفترة طويلة وآثار الدم على السلالم على عكس ما هو سائد في بلدان أخرى حيث يتم عرض كل شيء وبالتفصيل وبصراحة بدون فلتر أو قناع بينما اختار أصغر فرهادي التعبير عن القطيعة وسوء الفهم والعنف بين شخصياته من خلال إخراج ضمني غير معلن ما ينبيء عن موهبة كبيرة ونادرة في نقل الأحاسيس والتعبيرات إلى الشاشة حيث يفهم المشاهد بالإشارة والرمز مايريد المخرج قوله ولا يخطيء في حدسه أو فهمه للرسالة التي يريد المخرج إيصالها.

هناك مخرج آخر غير معروف في الغرب هو مجيد مجيدي، استطاع بفكرة بسيطة وبرؤية إخراجية واقعية وبأدوات سينمائية عادية ومتواضعة وممثلين غير محترفين عدا شخصية الأب، في فيلم " أبناء السماء" والذي يمكن أن نضع له عنوان آخر هو " قصة حذاء" تمكن من لفت انتباه العالم والمشاهد الغربي ويحصد العديد من الجوائز السينمائية عالمياً. حتى تم ترشيحه لجائزة الأوسكار سنة 1998 وانتشر الفيلم عبر شبكات التواصل الإجتماعي ويعرض في الكثير من المدارس الغربية وفي اليابان والولايات المتحدة الأمريكية والعنوان الذي اختاره المخرج يضفي مسحة ملائكية على شخصيتي الفيلم الصغيرين الشقيقين وحالتهما المزرية وهما تلميذين صغيرين، علي وزهراء، البريئين والمطيعين لوالديهما الفقيرين . ورغم الحاجة والفقر المدقع إلا أنهما قنوعين ومخلصين ونزيهين ومتفوقين ومتفانين رغم ظروفهما المعيشية الصعبة و القاسية جداً . محور الفيلم الأساسي هو " حذاء " زهراء الذي أضاعه أخوها بعد تصليحه عند الإسكافي وكان الحذاء أحد أبطال الفيلم منذ بداية الفيلم وهو يتحرك بين يدي الإسكافي وفي ثنايا الفيلم كله خاصة في مشهد سقوطه في ساقية مياه المجاري التي تتوسط الزقاق . ثم تحول الحذاء إلى محنة وقضية شائكة للشقيقين الصغيرين فلم يبق لديهما سوى حذاء واحد بالي هو حذاء "علي" عليهما التناوب في لبسه والذهاب إلى المدرسة لأنهما في مدرستين في نفس المبنى، واحد ذات دوام صباحي والأخرى ذات دوام مسائي . الفيلم يترك أثراً كبيراً على نفسية المشاهد وألم يعتصر القلب والوجدان إلى جانب الفضول والشغف وبدرجة أقوى مما تحدثه الأفلام الميلودرامية فهو عمل إبداعي رائع رغم بساطة فكرته ومعالجتها الواقعية العميقة مما يجعل الفيلم راسخاً في ذاكرة المشاهد . الصبيين يعيشان في عائلة شبه معدمة الأم في البيت وأغلب الأوقات مريضة، خاصة بعد ولادة طفلها الثالث ومع ذلك تعمل بجهد كبير لتلبية متطلبات البيت ورعاية العائلة كالطبخ والغسيل وغير ذلك، والأب الكادح الذي يعمل بائع للشاي للموظفين في إحدى الشركات وهو بالكاد يسد رمق العائلة ما يراكم عليه الديون لدى البقال ومالك الدار الذي يطالب بإيجاراته المتراكم غير المدفوعة ويهدد بطرد العائلة إذا لم يسددوا ديونهم. وهذا السكن ليس سوى غرفة واحد للنوم والمعيشة والطبخ والغسل والتحمم .

تبدأ مَشاهدُ الفيلم من محل الإسكافي، حيثُ ينتظر " علي " تصليحَ حذاء " زهرا "، الوردي اللون . ولكن في طريق العودة الى البيت يفقد الحذاء لأن الزبال يأخذ مع أكياس الزبالة التي حضرها له البقال في مدخل المحل، و من هنا تبدأ دراما الفيلم التي تبهر المشاهِدَ من خلال سيناريو مكتوبٍ بحبكةٍ و حساسيةٍ عالية و ذكاءٍ شديد يفاجئ المُشاهِدَ بأمور لم تكن تخطر على البال، قد تتسم أحياناً بالكوميديا السوداء الخفيفة . لقد أبلى الطفلان مير فرخ هاشميان بدور علي والفتاة بهاره صديقي بدور زهراء بلاءاً مدهشاً في تأدية دوريهما بعفوية عالية وكأنهما يعيشان حالة الفقر المدقع حقاً وخوفهما من افتضاح أمر ضياع حذاء زهراء الوردي، إلى جانب الممثل الإيراني المحترف الذي قام بدور الأب وهو أمير ناجي .

لا ندري كيف أفلت هذا الفيلم من مقص الرقابة في النظام الإسلامي الحاكم في إيران لأن أحداثه تجري في ظل الجمهورية الإسلامية بدلالة الحجاب و المراسم الدينية الشيعية التي تظهر في الفيلم حيث يفضح الفيلم الفوارق الطبقية وانتشار الفقر بين فئات واسعة من المجتمع الإيراني وفي ظل النظام الإسلامي إلا أن الفيلم لم يتعرض صراحة للوضع السياسي أو يدين سياسة الحكومة تجاه المجتمع بل مرر رسالته هذه من خلال " قصة الحذاء" العميقة إنسانياً واجتماعياً وأدبياً وسينمائياً وبالطبع سياسياً .

 

إعداد وترجمة د. جواد بشارة

 

رحمن خضير عباسحالما تنتهي من قراءة رواية ظل الريح للروائي الإسباني كارلوس زافون، حتى تشعر بنوع من الهدوء. وكأنك كنتَ تنوءُ بحمل أعباء الرواية ومنعطفاتها، بعد أنْ اودعها الكاتب بين يديك.

ظلّ الريح رواية مكثّفة في لغتها وأفكارها. مزدحمة بتفاصيلها، عميقة بأفكارها، عذبة بأسلوبها، ثريّة برؤاها الفلسفية .

ابطالها ينبعثون من وهم الغياب. أو من الحضور المنسي، ليعيدوا صياغة الأحداث، التي تصل أحيانا إلى حافة الانفجار، وأحيانا أخرى إلى الخمود. في مسار متموج بالاحتمالات، وساكن بلهفة الترقب والانتظار.

فهذا دانيال الصبي ذو العشر سنوات من عمره، والذي يقوده ابوه إلى مقبرة الكتب المنسية. ليختار نسخة يتيمة من كتاب يدعى (ظل الريح) مرميّا بين أكداس الكتب المهملة. ورغم عشوائية الاختيار لعنوان الكتاب ومؤلفه المدعو خوليان كاراكس، ولكن دانيال يجد نفسه مأخوذا ومنبهرا بالكتاب من الوهلة الأولى، وكأن سحر الكلمات جرفته في متاهة من المغامرة الغامضة والتحدي الكبير. وقد باءت محاولات (غستابو) الصديق المقرّب من أبي دانيال بالفشل في إقناعه بالتخلي عن الكتاب . ولكنّ دانيال الصغير رفض كل العروض المغرية، فأصبح ذلك الكتابُ بالنسبة إليه وسيلة لتلمس رحم التجربة الحياتية في توهجها وحدّتِها .

وهاهوَ دانيال يتيه في بحر من الأحداث، ويواجه الكثير من الأسئلة التي تجعله أكبر من حداثة سنّه، فيواجه جملة من الأخطار والاحتمالات التي تجعله صلبا كالحجر، وهو يتقمص روح الكاتب الذي تلاشى عن المشهد، وعن روايته المهددة بالإنقراض. وذلك لأن دانيال سيكتشف، أنّ ثمة شخصا قد اشترى من المكتبات كل النسخ المتبقية من ( ظل الريح) ليقوم بحرقها. وهذا الشخص الغامض يستميت للحصول على النسخة الأخيرة المتبقية عند دانيال ليحرقها .

لذلك يتحول الكتاب بالنسبة إلى دانيال مسألة حياة أو موت. إنّه أوّل تحدي يقف له بالمرصاد، فيحاول المحافظة على الكتاب والبحث عن مؤلفه المدعو خوليان كراكس.

وفي هذا الخضم يلتقي بمحض الصدفة بشحاذ متشرد، والذي يصبح صديقا لدانيال، ومن الشخوص المؤثرة في مجرى النص وهو فيرمين والذي نكتشف أنه كان ضابطا سابقا في النظام الملكي، ومناضلا ضد دكتاتورية فرانكو التي لم تكتف بتجريده من كل شيء، بل ظلت تطارده وتنتقم منه بين الفينة والأخرى، على يد المحقق السيىء الصيت فوميرو.

يشتغل دانيال في مكتبة أبيه، ويلتحق بهما المشرد فيرمين والذي يُفصح عن قدرات كبيرة في العمل. ونكتشف ان هده الشخصية الرثة تمتلك ثقافة واسعة، وحكمة في التعامل مع الظروف المحيطة. مما يترك أثرا على بناء شخصية دانيال الذي يُظهر رجولة وقابلية على مواجهة التحديات. لا سيما وهو يرى بأم عينيه، كيفية تعقب الشرطة السرية لصديقه فيرمين و محاولة تصفيته جسديا بضربه المبرح وإيصاله إلى حافة الموت. ولكنّ فيرمين كان عنيدا وشجاعا، وكان قادرا على تحمل الألم والعذاب والملاحقة. حيث كان متعلقا بالحياة والخمر والنساء، لذلك فكان يواجه القسوة المفرطة. بصبر أسطوري. حيث أنه يدرك كيفية الابحار بين هذه العواصف ليخرج منتصرا.

يتعرّف دانيال على كلارا ابنة أخت جوستابو صديق أبيه. كانت كلارا جميلة ومحبة للقراءة والموسيقى ولكنها عمياء، فيبدأ بزيارتها كل يوم بحجة قراءة الكتب لها. وقد أصبح مُتيّما بها رغم أنّها تكبره بسنوات . ولكنه يجدها قد عشقت أستاذ الموسيقى الذي يعطيها الدروس الخصوصية. وقد ترك موقف رؤيتها بين أحضان غريمه أثرا كبيرا في نفسه. فينسحب منها إلى الأبد. وحينما عادت اليه بعد أن خذلها أستاذ الموسيقى، لم تجد الاستجابة منه لأن ثمة الكثير من المتغيرات التي طرأت على شخصيته.

يستمر دانيال في رحلة البحث عن أثر الكاتب الغامض خوليان كراكس، بمساعدة صديقه فيرمين. ولكن رحلة البحث تتشظى إلى قصص وحكايات من ابعاد مختلفة. وذلك لأنهم كانوا يتقصون تاريخ الكاتب من خلال أشخاص مرّ عليهم أو سكنَ عندهم أو زاملهم، وكان البحث يشبه لعبة الكلمات المتقاطعة. أو كما وصفها البعض على أنها تشبه الدمى الروسية التي تتكرر وتتداخل . فمن خلال احدى النساء نعلم شيئا عن شخصية خوليان حيث كان يعمل عازفا لبيانو في ماخور في برشلونة. وان صاحبة الماخور كانت تتعاطف معه.فتطعمه وتخصص له راتبا وسكنا في نفس الماخور.

ولكننا نكتشف حياة كاراكس بشكل واضح من خلال (نوريا) التي أفاضت الكثير من الماء السحري في الرواية والذي كان يتسرب ببطء. لكنه جعل صورة خوليان كراكس المضببة اكثر وضوحا.حيث أن القصة الرسمية التي تتحدث عن موته في مبارزة التحدي لا صحّة لها، حيث أن القتيل في المبارزة كان شخصا آخر وهو ميغيل المريض واليائس والصديق الحميم لخوليان، والذي كان يبحث عما يشبه طلقة الرحمة لمرض السل الذي جعل جسمه يذوي ويتآكل. وحينما مات ميغيل في المبارزة بدلا من خوليان، أخذ خوليان اوراقه وهويته وبقي يعيش متسترا تحت اسم صديقه. وهكذا المشكلة أن خوليان ميّت وحيّ في آن واحد. وهذه من اكبر المفاجئات في الرواية، التي اتخذت مسارا أشبه بالقصص البوليسية.

من خلال القصص يكتشف دانيال بأنّ خوليان يعود إلى أبيه خورخي الدايا، والذي ينفي صلة الأبوة عن ابنه خوليان. وقد وقع بحب بنت خورخي المسماة (بينيلوب) دون أنْ يعلم أنها شقيقته. مما يعيد إلى الذاكرة بعضا من أسطورة أوديب وعقدته، ولستُ متأكدا من اختيار اسم بنيلوب من قـِبَل الروائي كارلوس، وهل أراد تأكيد عفتها كما ورد في اسطورة الاوذيسة حيث ان بنيلوب انتظرت زوجها اوديسيوس إلى أنْ عاد إليها من الحرب، رافضة كل إغراءات الزواج فاعتبرت رمزا للوفاء.

ولكنّ الروائي كارلوس زافون كان يقطّر معلوماته ببطء، من خلال تشابك الأحداث وتفاعل الأبطال المنسيين والذين يلتقطهم دانيال، وهو في بحثه المُنهِك عن خوليان كراكس وعن اسرار حياته.

ومن خلال ما يترشح لدانيال من معلومات شحيحة، لإكمال اللوحة التي بدت بخطوط ومنحنيات غير واضحة. ولكن تكرار الخطوط. من خلال تداخل الشخوص وذكرياتهم. بيد أنّ مذكرات نوريا هي التي أماطت اللثام عن الكثير من الغموض.

لقد كانت الرواية صورة فنية لآثار الحرب العالمية الثانية على أوروبا، والتي انعكست بعمق على الخراب الروحي والمادي التي أصابها. وقد ركٌز على مدينة بزشلونة التي احتضنت شخوصه وأبطاله. وكانت مدينة مهشمة ومعتمة من خلال الأبنية القديمة التي تسلقها الخراب والنسيان ومن خلال الكنائس والكاتدرائيات البائسة والأسواق القديمة، والأزقة الموحلة. لقد صوٌر لنا العفن الذي يتسرب بين الجدران. والعتمة التي تحيط بمرافق العمل والحياة. وكأنّ هذا الكيان العمراني قد تحوّل إلى جثث متفسخة لقصور مهجورة ومظلمة. ونُصب فنية علاها الصدأ والإهمال والدمار .

لقد كانت الرواية رثاءً حزينا لبرشلونة وماتبقى من جذوتها، التي تحوّلت إلى مقبرة للبشر والحياة. وكأنها مقبرة الكتب المنسية.

وما البحث الذي قام به دانيال الصغير عن خوليان كراكاس، الا تعبير عن عودة الروح إلى برشلونة، من خلال دانيال الذي كبر وهو يشدّ بقوة على كتاب المؤلف المنسي والمغمور والمهدد بحرق ذاكرته الفكرية، ومن خلال اجتثاث مؤلَّفِه اليتيم، عن طريق البحث عن جميع نسخ الكتاب لمحاولة وأده واجتثاثه إلى الأبد .

ولكنّ الروائي لم يتعرض للدوافع والأسباب التي جعلت هذا الشخص (كوبيرت) يحاول حرق كتب خوليان كاراكس ؟ ولكنك حينما تتفحص النص جيدا تجد أن الذي يقوم بحرق كتب خوليان كزاكس. هو خوليان نفسه، الذي تقمص شخصية كوبيرت. وقد كان السبب هو التكفير عن حبه الذي ندم عليه. ولكن كل ذلك يبقى جزءا من لعبة فنية معقدة. قد تكون غير مقنعة وفق سياقات النص.

لذلك فقد فتحَ البابَ لاحتمالات كثيرة. ولكنٌ مسألة حرق الكتب تبقى لغزا. أما دانيال البطل الرئيس، فقد كان يمثّل جيلَ ما بعد الحرب، الذي حاول أن يمنع الخراب الفكري. وأنْ يقف بوجه شيطنة كوبيرت المدمرة. وقسوة فومير التي تعبّر عما اصاب اسبانيا من الحرب الأهلية.

رواية (ظل الريح) للروائي كارلوس زافون، والتي تتحدث عن رواية (ظل الريح) للمؤلف المجهول خوليان كراكس، تمثل أرقى الأساليب الفنية في الرواية، حيث جعل الأحداث والأبطال تدور في متاهة زمانية مُغلقة، وكأننا أمام دمى الماتريوشكا الروسية. التي كلما فتحت دمية وجدت في داخلها دمية مماثلة، حتى جعلنا الكاتب مقتنعين بطبيعة شخوصه وأبطاله. هؤلاء الأبطال الذين نحتهم بتأنٍ ومهارة وجعلهم يتحركون في مساحات النص، وهم يحملون الكثير من القيم والمفاهيم الفلسفية، التي زخرت بها الرواية .

دانيال الذي يبدأ في النص ويرافقه ويكبر معه، يجد نفسه في مواجهة مأزق فكري وحياتي أكبر منه ، وقد ظهر قويّا وضعيفا، مناضلا وتوفيقيا، صلبا ومكسورا.

ولكنه استطاع في النهاية أن يحمل راية ظل الريح ويحافظ على قيمه . يحبّ بصدق وعنف، سواء مع كلارا العمياء والتي خذلته واعتبرته طفلا دون سن العشق، أو حبيبته الصبية (بيا) التي عاشرها وأفتضّ عذريتها مما جعل أباها يبحث عنه لقتله، لان دانيال تجاوز الخط الأحمر بشجاعة. ومع حدة ردود الفعل ولكن النهاية السعيدة لزواجه بها تفقد الرواية بعض جماليتها الفنية .

فيرمين الحكيم والطائش، الشحاذ والأمير، المثقف والسكير، العاشق والمناضل . يتحدى قسوة ما يحيط به، متحملا قسوة الشرطة السرية التي تطارده من أجل تدمير شخصيته ببطء. ولكنه يبقى وفيّا لقيم الإنسان الثوري الذي يجابه وحشية الأنظمة، رغم أنّه لا يملك سوى جسده الواهن.

العميل السري خافيير فوميرو. وهو مخلوق سادي، أقرب للوحش منه للإنسان. يمتلك عقلية وحشية وسلوكا مظلما، وهو يمثل الحثالات البشرية التي تعيش على آلام الآخرين وتعذيبهم وقتلهم.

لقد استطاع الكاتب أنْ يقدم لنا مجموعة من الرؤى الفلسفية من خلال حوارات ناضجة ازدحم بها النص.

ولكنّ رؤيته عن تفاهة الواقع الذي أسس فيه خارطة عمله الروائي، لها أثر ومغزى، يقول :

" لن يُفنى العالم بسبب قنبلة ذرية كما تقول الصحف،

بل بسبب الابتذال والإفراط بالتفاهة والتي تحوّل الواقع إلى نكتة سخيفة"

 

رحمن خضير عباس

 

كريم مرزة الاسديولمعظم البحورالمستعملة

بعد نشر خاطرتي عن بحور شعر التفعيلة، وذكرت أنّه دقيق جدًّا، وربّما أصعب مراسًا من الشعر العمودي من حيث الوزن وترتيب التفعيلات والتدوير، طلب مني بعض الأدباء والشعراء والقرّاء محبّذين، أن أقرن خاطرتي بأمثلة لشعر تفعيلة مقطّع عروضيًّا ولتفعيلات البحور المستعملة؛ فجمعت بعض ما ورد في كتابي (كتاب العروض و القوافي والضرائر الشعرية) المطبوع والمنشور والموزع من قبل دار فضاءات - عمان - الأردن- 2015م، وأضفت لما جمعت بعضًا؛ بعضَ ما ورد في ذهني، والله الموفق على كلّ حال. 

أولًا - البحور الصافية:

1 - الرجز في شعر التفعيلة: (مستفعلن)، و جوازاتها، مثل قصيدة السياب (إنشودة المطر):

عيناك غابتا نخيلٍ ساعة السّحرْ

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمرْ

عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ

وترقص الأضواء كالأقمار في نهرْ

يرجّه المجذاف وهنآ ساعة السحرْ

كأنّما تنبض في غوريهما النجومْ

وتغرقان في ضباب من أسى شفيف

كالبحر سرح اليدين فوقه المساء

دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف

والموت، والميلاد، والظلام، والضياء

............................................

التقطيع:

عَيْنا كغا/بتا نخي /لن سا عتس /سحر

مستفعلن/ متفْعلن/مستفعلن/فعلْ

أو شر فتا/نرا حَيَنْ/ءاعن همل/ قمر

مستفعلن /متفْعلن / مستفعلن / فعلْ

عي نا كحي/ نتب سما/ نتو رقل/ كُرُوْمْ

مستفعلن  /متفْعلن  /متفعلن/فعولْ

كأن نما/ تن بِضُفي /غو ري همن /نُجُوْمْ

مفتْعلن / مسْتعلن/مستفعلن /فعول

عيناكِ غابتـا نخيـلٍ ساعـةَ السحَـرْ = 4 3 3 3 4 3 3

أو شُرفتان راح ينـأى عنهمـا القمـر = 4 3 3 3 4 3 3

فأنتم ترون تفعيلات القصيده كلها على وزن

مستفعلن وتأتي مفتعلن وتنتهي ب(فعلن)، وأحيانآ ب(فعلْ أو فعو)، وفي هذه الأحيان، إذا انتهت الكلمة الثلاثية بحرف  صحيح  ساكن، فوزنها (فعلْ)، وإذا انتهت الكلمة الثلاثية بحرف لين، فوزنها (فعو).

ولماذا تنتهي التفعيله الأخيره أحيانآ بوتد مجموع وأحيانآ بفاصلة؟ هذا تابع لأذن الشاعر الحساس.

................

ومن قصيدة يوسف الخال (البئر المهجورة) نورد هذه الأبيات:

عرفت إبراهيم، جاريَ العزيزَ، من زمان

عرفته بئراً يفيض ماؤها

وسائر البشر

تمر لا تشرب منها، لا ولا

ترمي بها، ترمي بها حجر

لو كان لي،

لو كان أن أموت أن أعيش من جديد،

أتبسط السماء وجهها، فلا

تمزق العقبان في الفلاة

قوافل الضحايا؟

*

مفاعلن مستفعلن مفاعلن مفاعلاتن

مفاعلن مستفعلن مفاعلن

مفاعلن فعل

مفاعلن مفاعلن مستفعلن

مستفعلن مستفعلن فعل

مستفعلن

مستفعلن مفاعلن مفاعلن فعولن

مفاعلن مفاعلن مفاعلن

مفاعلن مستفعلن فعولن

مفاعلن فعولن

نرى أن الشاعر استعمل في البيت (مستفعلن) الصحيحة و(مفاعلن) المحذوفة الثاني ولم يستعمل (مفتعلن) المحذوفة الرابع.

أما فعلتن المحذوفة الثاني والرابع فهي نادرة الاستعمال، زحاف قبيح.

في آخر البيت نرى الشاعر يستعمل الشكل المرفل (مفاعلاتن) أي أنه أضاف سبباً في نهاية التفعيلة، أو الشكل المقطوع (فعولن) الذي يوازي مفعولن أو الشكل المحذوف الوتد (فعل) وهو يوازي (فعلن).

من جوازات الرجز  (مستفعلن) تصبح متفْعلن أو مفاعلن، مفْتعلن ، متعلن ، مفعولن،  فعولن، فعلن.

2 - المتقارب في شعر التفعيلة (فعولن) وجوازاتها.

أ - (المتقارب)  مبني على (فعولن).

ب - تأتي التفعيلة في بيت المتقارب على أحد الشكلين:

فعولن، فعول.

ج - في نهاية البيت يدخل على التفعيلة من العلة ما يلي:

- تعويض السبب بساكن فتصبح (فعول)

(- حذف السبب من آخرها فتصبح (فعل

أمثلة:

:(أ) من المتقارب قصيدة درويش، (إلى أمي)

أحن إلى خبز أمي

وقهوة أمي

ولمسة أمي

وتكبر فِيَّ الطفولة ُ

يوما على صدر أمي

وأعشق عمري لأني

إذا متُّ،

أخجل من دمع أمي

*

فعول فعولن فعولن

فعولن فعولن

فعولن فعولن

فعول فعولن فعول فـ

ــعول فعولن فعولن

فعول فعولن فعولن

فعولن فـ

ــعولن فعولن فعولن

جاءت التفاعيل في هذه القصيدة على إحدى الصورتين: فعولن، فعول.

:(ب) ومن قصيدة درويش (الرجل ذو الظل الأخضر)، نورد هذه الأبيات

نعيش معكْ

نسير معكْ

نجوع معكْ

وحين تموت

نحاول ألا نموت معك!

ولكن،

لماذا تموت بعيدا عن الماء

والنيل ملء يديك؟

لماذا تموت بعيدا عن البرق

والبرق في شفتيك؟

فعول فعل

فعول فعل

فعول فعل

فعول فعل

فعول فعولن فعول فعل

فعولن

فعولن فعول فعول فعول فـ

ـعولن فعول فعول فعولن فعول فعولن فعولن فـ

ـعولن فعول فعول.

نرى أن في آخر البيت جاءت التفعيلة على شكل (فعل) وذلك بعد حذف السبب الأخير، كما أنها وردت على الشكل (فعول) بتعويض السبب بساكن.

3 - المتدارك في شعر التفعيلة، تفعيلته (فاعلن)، و جوازاتها:

يستعمل الشعراء نوعين من المتدارك: النوع الأول هو مقلوب المتقارب والنوع الثاني هو الخبب، وهما في رأينا بحران مختلفان.

(أ - المتدارك مقلوب المتقارب، السبب أولًا، والوتد المجموع ثانيًأ؛ فالتفعيلة(فاعلن

:ب - في هذا البحر تأخذ تفعيلة البيت أحد الشكلين

فاعلن، فعلن.

ج - في نهاية البيت قد يُضاف ساكن فتصبح التفعيلة (فاعلان) أو (فعلان)، ومن الشعراء من يرفل التفعيلة أي يضيف إليها سبباً فتصبح (فاعلاتن).

تقطيع مقطع من  قصيدة (قارئة الفنجان) لنزار قباني:

جلسَتْ والْخوفُ بعينيها

جلسَتْ ـ ولْ خو ـ فُ بِعَيْ ـ نيْهَا

فعلن -   فعْلن - فعلن  - فعْلن

تتأمّلُ فنْجاني المقْلوبْ

تتأمْ ـ ملُ فِنْ ـ جَانلْ ـ مقْلوبْ

فعلن -   فعلن - فعْلن  - فاعلن

قالتْ يا ولدي لا تحْزنْ

قَالتْ ـ يَا وَلَ ـ دي لا ـ تحْزنْ

فعْلن -   فاعْلُ - فعْلن  - فعْلن

فالْحبّ عليكَ هو المكْتوبْ

فَلْ حُبْ ـ بُ عَلَيْ ـ كَ هُوَلْ ـ مكْتوبْ

فعْلن -   فعلن -    فعلن  -   فاعلن

بصّـــــرْتُ ونجّــــمْتُ كــــثيرًا

بَصْصرْ ـ تُ وَنَجْ ـ جَمْ تُ كَ ـ ثِيرَنْ

فعْلن -   فعلن -    فعْلن  -   فعلن

لكنّي لمْ أقْرأْ أبدًا

لاكِنْ ـ ني لَمْ ـ أقْرأْ ـ أبَدَنْ

فعْلن -فعْلن - فعْلن  -فعلن

فنْجانًا يُشْبه فنْجانَكْ

فِنْجَا ـ نَنْ يُشْ ـ بِهُ فِنْ ـ جَانَكْ

بَصّرْتُ ونجّمْتُ كثيرًا

بَصْصرْ ـ تُ ونجْ ـ جمْتُ كَ ـ

لكنّي لمْ أعْرفْ أبدًا

لاكِنْ ـ ني لمْ ـ أعْرفْ ـ أبدَنْ

أحْزانًا تشْبه أحْزانَكْ

أحْزَا ـ نَنْ تُشْ ـ بِهُ أحْ ـ زَانَكْ

مقْدورُكَ أنْ تمْضيَ أبدًا

مقْدو ـ رُكَ أنْ ـ تمْضيَ ـ أبدَنْ

في بحْرِ الحبّ بغيرِ قلوعْ

في بَحْ ـ رِلْ حُبْ ـ بِ بِغَيْ ـ رِ

وتكونَ حياتُكَ طولَ العمْرِ كتابَ دموعْ

وتكو ـ نَ حَيَا ـ تُكَ طو ـ لَلْ عُمْ ـ رِ كِتَا ـ بَ دموعْ

مقدورُكَ أنْ تبْقى مسْجونًا بينَ الماءِ وبينَ النارْ

مقدو ـ رُكَ أنْ ـ تبْقا ـ مسْجو ـ نَنْ بَيْ ـ نَلْ مَا ـ ءِ وَبَيْ ـ نَنْ نَارْ

القصيدة كلّها من  تفعيلة البحر المتدارك (فاعلن أوجوازاتها)

والشاعر نزار قباني كثيرا ما استعمل هذا البحر بمخبون تفعيلاته  لزيادة سرعته ، فأصبحت موسيقاه  قابلة للتلحين الجميل ، والغناء الطروب ، فتهافت المغنون والمغنيات :

الآن الآن وليس غداً

أجراس العودة فلتقرع

ال أا  نل أا  نوَلي  سغدن

/ه/ه  /ه/ه  ///ه    ///ه

فْعْلن   فعْلن  فعِلن فعِلن

أجْرا  سلْ عو  دتِفلْ   تقْ رعْ

/ه/ ه  /ه/ه      ///ه   / ه/ه

فعْلن   فعْلن     فعِلن  فعْلن

ول القصيدة إذا جاءت كلها (فعلن)، أو (فعْلن)، فتسمى على بحر (الخبب) كقصيدة (يا ليلُ: الصبُّ متى غدُهُ) للحصيري القيرواني.

4 - الكامل في شعر التفعيلة (متفاعلن)، وجوازاتها.

الكامل مبني في القصيدة  التفعيلية  على التفعيلة:

أ - ترد تفعيلة الكامل على أحد الشكلين: متفاعلن، مستفعلن، ونادراً ما نراها على شكل مفاعلن بحذف متحرك من السبب الثقيل.

ب - في آخر البيت قد يُضاف  حرف ساكن إلى نهاية التفعيلة (التذييل)، وقد يُضاف سبب خفيف (الترفيل)، وقد يُحذف الوتد من آخر التفعيلة.

أمثلة:

لسميح القاسم هذه القصيدة من الكامل (ثورة مغني الربابة):

غنّيت مرتجلاً على هذي الربابة، ألف عام

مذ أسرَجت فرسي قريش،

وقال قائدنا الهمام:

اليوم يومكمُ! فقوموا واتبعوني،

أيها العرب الكرامْ

اليوم يومكمُ...

وصاح: إلى الأمام.. إلى الأمام

مستفعلن متفاعلن مستفعلن متفاعلان

مستفعلن متفاعلن مـ

ــتفاعلن متفاعلان

مستفعلن متفاعلان مستفعلن مسـ

ــتفعلن متفاعلان

مستفعلن متفا

علن متفاعلن متفاعلان

*

التفعيلة الأساسية جاءت على شكل (متفاعلن)، وإحدى جوازاتها (مستفعلن). وفي

آخر البيت أضيف حرف ساكن إلى التفعيلة(متفاعلن)، فأصبحت (متفاعلان)، وهو تذييل.

وفي القصيدة نفسها  نجد هذا البيت:

وبنيت جامعة ً ومكتبة ً ونسَّقت الحدائق

متفاعلن متفاعلن متفاعلن مستفعلاتن

أي أضاف سببًا خفيفًا إلى (مستفعلن)؛ فأصبحت (مستفعلاتن). وهو ترفيل.

مثال آخر على (الكامل):

يقول محمود درويش في قصيدة (الحزن والغصب):

الصوتُ في شفتيكَ لا يُطربْ

والنار في رئتيكَ لا تُغلبْ

وأبو أبيك على حذاء مهاجرٍ يُصلبْ

وشفاهُها تعطي سواكَ ’ ونهدُها يُحلبْ

فعلام لا تغضبْ؟

التقطيع:

مستفعلن متفاعلن فعلن

مستفعلن متفاعلن فعلن

متفاعلن متفاعلن متفاعلن فعلن

متفاعلن مستفعلن مـتفاعلن فعلن

متفاعلن فعلن

ونرى أن التفاعيل في نهاية البيت قد حذف منها الوتد فآلت (متفاعلن) إلى (متفا) بحذف الوتد وإسكان الثاني ونقلناها إلى (فعلن) وهذا التغيير علة معروفة نجدها في الكامل.

وهذا مقطع  من قصيدة (خمسون عامًا والنّضال يمرُّ من دون الأغرْ)، وهي من   شعر التفعيلة، تفعيلة البحر الكامل(متفاعلن)، وجوازاتها )، لكاتب هذه السطور:

خمسون عاماً         (متْفاعلن  متْـ)

والنضال يمرُّ من دون  الأغَرْ      (فاعلن  متفاعلن متفاعلن)

خمسون عاماً والنضالُ يمرُّ لا     (متْفاعلن   متْفاعلن  متفاعلن)

شمسٌ بساحتهِ      (متفاعلن    متفا)

ولا حلَّ القمرْ..!!          (علن    متْفاعلن)

خمْسون عامًا (متْفاعلن  متْـ)

سارقي النْيران والجمراتِ من موج البحرْ(فاعلن متْفاعلن متفاعلن متْفاعلن)

بئس المطايا والخطايا والزُّمَرْ    (متْفاعلن متْفاعلن متْفاعلن)

خمسون عاماً...!!      (متفاعلن متـْ)

والقيود تروم لحظات العثرْ ...!!   (فاعلن متفاعلن متْفاعلن)

5 - الهزج في شعر التفعيلة (مقاعيلن):

الهزج مبني على التفعيلة: مفاعيلن، جوازاتها: مفاعيل، مفاعلن.

استعمال تفعيلة (مفاعلن) قل شيوعاً.

بإمكان الشاعر أن يُضيف  حرفًا ساكناً في نهاية البيت أو يحذف سبباً كما هو وارد في الشعر العمودي.

الهزج بحر لم ينظم عليه أصحاب شعر التفعيلة؛ فقضى عليه الوافر، وذلك لأن الفرق بين البحرين يكمن في التفعيلة مفاعلتن التي تميّز بينهما فإن وردت ولو مرة واحدة في القصيدة فالوزن هو الوافر. ولابد أن تأتي هذه التفعيلة عفوًا قي قصائدهم؛ وبالتالي  القصيدة من  الوافر.

ومن الأمثلة القليلة لهذا البحر نذكر قصيدة يوسف الخال التي عنوانها (الحوار الأزلي):

 

عبيد نحن للماضي، عبيد نحنُ

للآتي، عبيد نرضع الذل

من المهد إلى اللحد. خطايانا

يد الأيام لم تصنع خطايانا

خطايانا صنعناها بأيدينا،

لعل الشمس لم تشرق لـِتـُحـْيـِـيْـنـَا

*

مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مـ

ــفاعيلن مفاعيلن مفاعيل

مفاعيلن مفاعيل مفاعيل

مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن

مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن

مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن

6 - الرمل في شعر التفعيلة (فاعلاتن):

يعدُّ بحر الرمل في شعر التفعيلة من أشهر البحور، وهو البحر الأكثر شيوعًا ، يمتاز بسلاسته وسهولته، فتفعيلتة تمنحُ الشاعر حريَّة كبيرة في السيطرة على الكلمة، لكثرة جوازاتها؛ وهي: فاعلاتن، فَعلاتن، فاعلاتُ، فاعلن، فعلاتُ، فعلن، فاعلاتان، فعلاتان.

يذكر بدر شاكر السياب في ديوانه (أساطير)؛ أن أول قصيدة من الشعر الحر (التفعيلة)، هو الذي نظمها، ونشرها سنة 1947م، تحت عنوان "هَلْ كَانَ حبًّا"، ودوّنها من بعد في ديوانه (أزهار ذابلة)؛ ولكن نازك الملائكة تنازعه الريادة، وتقول إنّ قصيدتها (الكوليرا)، والتي نشرت في السنة نفسها، قد سبقت قصيدة السياب، المهم أن قصيدة السياب من البحر الرمل، وتفعيلتها(فاعلاتن)، أو إحدى جوازاتها، وواضح أنها قريبة من الشعر العمودي، وإليك المقطع الأول:

هَلْ  تُسمّينَ الذي ألقى هياما؟

أَمْ جنوناً بالأماني؟ أم غراما؟

ما يكون الحبُّ؟ نَوْحاً وابتساما؟

أم خُفوقَ الأضلعِ الحَرَّى ، إذا حانَ التلاقي

بين عَينينا ، فأطرقتُ ، فراراً باشتياقي

عن سماءٍ ليس تسقيني ، إذا ما؟

جئتُها مستسقياً ، إلاّ أواما

التقطيع سهل:

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

فاعلاتن فاعلاتن فعلاتن فاعلاتن

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

...............................

نتأمل هذا المقطع من  قصيدة لسميح القاسم:

تعبر الريح جبيني

تعْ برر ريْ  حجبي ني

فاعلاتن     فعلاتن

/ه//ه/ه     ///ه/ه

والقطارْ

فاعلاتْ

/ه//ه ه

*

يعبر الدار فينهار جدار

فاعلاتن  فعلاتن  فعلات

/ه//ه/ه  ///ه/ه    ///ه ه

بعده يهوى جدار

فاعلاتن   فاعلات

/ه//ه/ه   /ه//ه ه

وجدار بعده يهوى

فعلاتن   فاعلاتن  فا

///ه/ه   /ه//ه/ه    /ه

وينهار جدار

علاتن - فعلات

//ه/ه  ///ه ه

ثانيًا-  البحور المركّبة:

1 - الوافر في شعر التفعيلة (مفاعلتن فعولن)، وجوازاتهما:

من قصيدة (في المغرب العربي)  لبدر شاكر السياب:

و كان يطوف من جدّي  (مفاعلتن  مفاعيلن)

مع المدّ       (مفاعيلن)

هتافٌ يملأ الشطآن يا ودياننا ثوري   (مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن)

و يا هذا الدم الباقي على الأجيال    (مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن  مـ )

يا إرث الجماهيرِ                ( فاعيلن مفاعيلن )

تشظّ الآن و اسحق هذه الأغلالْ      (مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مـْ)

و كالزلزالِ            (مفاعيلن مـَ)

هزّ النير أو فاسحقه و اسحقنا مع النيرِ    (فاعيلين مفاعيلن مفاعيلن)

و كان إلَهنا يختال       (مفاعلتن مفاعيلن مـ)

بين عصائب الأبطال              (فاعلتن      مفاعيلن  مـ)

من زند إلى زندِ     (فاعيلن مفاعيلن)

كما ترى جاءت التفاعيل كلها من تفعيلة الوافر (مفاعلتن) أو من جوازاتها (مفاعيلن) ، ولو لمْ تأتِ  (مفاعلتن) ، ولا مرّة واحدة ، وكانت كل التفعيلات (مفاعيلن) ، لكان البحر (الهزج)، وهذا نادر، سأيتيك الكلام. .

وهذه الأبيات من قصيدة لمحمود درويش: (أهديها غزالاً) ، أيضاً من الوافر :

وشاح المغرب الورديّ فوق ظفائر الحلوه  (مفاعيلن مفاعيلن مفاعلتن مفاعيلن)

وحبة برتقالٍ كانت الشمس   (مفاعلتن مفاعيلن مفاعيلن)

تحاول كفُّها البيضاء أن تصطادها عنوه (مفاعلتن مفاعيلن مفاعيلن  مفاعيلن)

وتصرخ بي، وكل صراخها همس  (مفاعلتن مفاعلتن مفاعيلن)

أخي! يا سُلَّمي العالي !  (مفاعيلن مفاعيلن)

أريد الشمس بالقوَّه ! (مفاعيلن مفاعيلن)

2 - البحر السريع الذي وزنه التفعيلي:

مستفعلن مستفعلن فاعلن .. مستفعلن مستفعلن فاعلن

ووزنه الرقمي:

2 2 3 2 2 3 2 3 .. 2 2 3 2 2 3 2 3

جوزاته:

جوازات (مستفعلن) في السريع هي عينها في الرجز - كما مرّت علينا- إذ يجوز أن تأتي:

صحيحة (مستفعلن) /0/0//0

مخبونة (متفعلن) //0//0

مطوية (مستعلن) /0///

مخبولة (متعلن) ////0

مخبونة مقطوعا(مكبولة) : (متفعل) //0/0

إن الأصل في التفعيلة اﻷخيرة أنها على وزن (مفعولات) فأصابها الطي والكشف (ويسمى الكسف أيضا) فأصبحت (فاعلن).

نعم تأتي عروض السريع مطوية مكسوفة ، أي (فاعلن) ، وقد ذكر الزمخشري وغيره جواز مجيئها مخبولة مكسوفة ، أي على وزن (فعلن) ///0 ،وفي هذه الحالة يكون ضربها على وزن (فعلن ///0)، أو (فعْلن /0/0).

السياب إلى جميلة بو حيرد ....(السريع):

يا أختنا المشبوحة الباكية

يا أختنلْ   مشْبوحتلْ  باكية

مستفعلن مستفعلن فاعلن

أطرافك الدامية

أطْرافكد  دامية

مستفعلن فاعلن

يقطرن في قلبي و يبكين فيه

يقْطرْنفي    قلْبي ويبـْ  كيْنفيه

مستفعلن     مستفعلن فاعلان

يا من حملت الموت عن رافعيْه

يامن حملْ  تلْموتعن  رافعيْه

مستفعلن   مستفعلن  فاعلان

من ظلمة الطين التي تحْتويه

من ظلْ متطْ  طيْ نلْلتي تحْتويه

مستفعلن     مستفعلن فاعلان

إلى سماوات الدم الوارية

إلى سما   واتدْ دملْ  وارية

متفْعلن     مستفعلن   فاعلن

حيْث التقى الإنسان و الله و الأموات و الأحياء في شهْقةٍ

حيْثلْ تقلْ  إنْسانولْ    لاه والْ   أمْواتولْ   أحْياءفي   شهْقتن

مستفعلن  مستفعلن    مفْتعلن    مستفعلن  مستفعلن فاعلن

في رعشة للضربة القاضية

الأرض أم الزهر و الماء و الأسماك و الحيوان و السنبل

لم تبل في إرهابها الأول

من خضة الميلاد ما تحملين

ترتج قيعان المحيطات من أعماقها ينسح فيها حنين

و الصخر منشد بأعصابه حتى يراها في انتظار الجنين

الأرض؟ أم أنت التي تصرخين

3 - البحر الطويل  فعولنُ مَفاعِيْلُنْ فَعُولُنْ مَفَاعِلن، الزحافات التي تصحُّ في حشو البحر الطويل، فهي على الشكل التالي: الكفُّ: وهو حذف الحرف السابع الساكن، حيث تصبح مفاعيلن: مفاعيلُ. القبض: والقبض هو حذف الخامس الساكن، حيث تصبح مفاعلين: مفاعلن، وتصبح فعولن: فعولُ.

يقول بدر شاكر السياب  في قصيدته (ها ها هو) من البحر الطويل:

رأيْت الّذي لو صدّق الحلم نفسهُ

رأيْ تلْ/  لَذي لو صدْ/  دقلْ حلْ/  مُنفْ سهو

فعولن /   مفاعيلن /   فعولن /   مفاعلن

لمدّ لك الفما

لمدْدَ / لكلْ فما

فعولُ /  مفاعلن

و طوّق خصْرًا منك و احْتاز معصما

وطوْوَ / قخصْ رن منْ/   كوَخْ تا / رمعْ صما

فعولُ /   مفاعيلن/     فعولن/       مفاعلن

لقد كنت شمسه

لقدْكنْ/  تشم سهو

فعولن/ مفاعلن

و شاء احتراقًا فيك فالقلب يصهر

وشا ءحْ/  تراقن في/   كفلْ قلْ/  بيصْ هرو

فعولن   /    مفاعيلن /   فعولن / مفاعلن

فيبْدو على خدّيْك و الثغر أحمر

فيبْدو/ على خدْديْ / كوَثْ ثغ /  رأحْ مرو

فعولن /   مفاعيلن /   فعولن/ مفاعلن

*

و في لهف يحسو و يحسو فيسكر

لقد سئم الشعر الذي كان يكتب

كما مل أعماق السماء المذنب

فأدمى و أدمعا

حروب و طوفان بيوت تدمر

و ما كان فيها من حياة تصدعا

لقد سئم الشعر الذي ليس يذكر

فأغلق للأوزان بابا وراءه

و لاح له باب من الآس أخضر

أراد دخولامنه في عالم الكرى

ليصطاد حلما عينيك يخطر

و هيهات يقدر

من النفس من ظلمائها راح ينبع

و ينثال نهر سال فانحل مئزر

من النور عن وضاء تخبو و تظهر

وفي الضفة الأخر

4 - وزن البحر البسيط : تقوم أبيات البحر البسيط على تفعيلتين مكررتين، التفعيلة الأولى تكون على وزن: (مستفعلن)، أما التفعيلة الثانية فتقوم على وزن (فاعلن)؛ ولكن مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ استخدم العرب البحر البسيط بشكلٍ مختلف قليلاً وهو كما يلي: مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ .. مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ.

جوازات البحر الْبَسِيْط:

الْخَبْن (حذف الثاني الساكن) فتصبح به (مُسْتَفْعِلُنْ): (مُتَفْعِلُنْ) وتصبح به (فَاْعِلُنْ): (فَعِلُنْ)، وهو زحاف حسن.

الطَّيّ (حذف الرابع الساكن) فتصبح به (مُسْتَفْعِلُنْ):(مُسْتَعِلُنْ)، وهو مقبول.

الْخَبْل (حذف الثاني والرابع الساكنين) فتصبح به (مُسْتَفْعِلُنْ): (مُتَعِلُنْ)، وهو قبيح.

الْخَزْم (زيادة حرف أو أكثر في أول البيت.

يجوز في ضربه المُذَيَّل (زيادة حرف ساكن على ما آخره وتد مجموع.

وإليكم قصيدة بلند الحيدري (في الليل) من (البحر البسيط)،  تفعيلتاه (مستفعلن فاعلن)، وجوازاتهما، منها:

في الليل إذ تدفن الموتى

فِلْليْ لِإذْ/  تدفنلْ/ موتى

مستفعلن/ فاعلن/ مسْتفْـ

لياليها

ليا / ليها

علن/ فعلن

وتتكي الأنفس التعبى على أبد

وتتْكيلْ/ أنْفستْ/ تعبْى على/ أبدٍ

متفْعلن/ فاعلن / مستفعلن/ فعلن

لم يدر أن يدي

لمْيدْ رِأنْ/ يدي

حاكت مآسيها

من كل ما فيها

وأنني في سكون الليل

أسيان

يصبح بي هاجس كالعقل مشدودا

يا رب...

لم كانوا …؟

لك كان للأرض تاريخ

وأزمان

ولم يؤبد هذا القيد ماضيها

فتحلم الناس

لو يهديك شيطان

وتبصر الأرض في شتى مناعيها

تلهو بأعينها البيضاء ديدان

فلا تحس

ولا ترثي

ولا ترثي لما فيها

أليس قي قلبك الربى إنسان؟!

وسود الجبهة الشماء

خذلان

كأن عاصفة لمست مراميها

وزمجرت

وقست

وانهد سلطان

لكنما الناس

عادوا  مثلما كانوا

يشد أرجلهم بالأرض ثعبان

والأرض تنسج في صمت مآسيها

من كل ما فيها

 

كريم مرزة الأسدي

 

 

صالح الرزوقبقلم: باتريك باريندير*

ترجمة: صالح الرزوق

في عام 2001 وصلت رواية (الكفارة) لماك إيوان إلى قائمة البوكر القصيرة. وقد بدأت بفقرة لجين أوستين، ورد فيها: (تذكر أننا إنكليز...)، وبمدخل مطول يصف حفلة في بيت ريفي يعود طرازه لفترة الثلاثينات. هكذا بدأت قصة طفولة وشباب روائية إنكليزية- روائية من جيل سابق على ماك إيوان. وتتابع رواية (الكفارة) أحداثها حتى لحظة الانسحاب من دانكيرك عام 1940 ووصول المصابين إلى مستشفى القديس توماس في لندن. وبغض النظر عن خاتمة مختصرة مؤرخة في لندن / 1999 كل الأحداث جرت قبيل ولادة ماك إيوان عام 1948.

لم يجد النقاد شيئا غير معتاد في هذه الرؤية للخلف. لقد أصبح البناء التاريخي صفة منتظمة من صفات السرد الإنكليزي في أواخر القرن العشرين، حتى أن (الكفارة) لم تصنف بشكل عام في صنف الروايات التاريخية. وباستثناء القليل من الأغراب الذين قابلهم الجنود البريطانيون قرب دانكرك وتفهموهم، كل شخصيات ماك إيوان من الإنكليز. نشرت (الكفارة) في وقت كانت فيه المركزية الإنكليزية المكتفية بوعيها الذاتي في السرد (ضمنا عدد من الروايات تحمل في عنوانها كلمة "إنكليزي" أو "إنكلترا") قد عادت للظهور. وكان ماك إيوان مهتما بالمشكلة الطبقية التي أثرت بالمجتمع الإنكليزي، وبالمقارنة بين العالم الخاص لسلوك الطبقة العليا، والجماهير الغفيرة المتجمعة في مؤسساتها مثل الجيش والمستشفى. وقد صور دانكيرك وما جرى بعدها على أنها مرحلة تأزم وطني أحاط بمعظم الشخصيات. وواحدة من أكثر الاعترافات مباشرة في (الكفارة) كانت عن التبدل الملحوظ الذي لحق، على التوالي، بالمجتمع، ومن ذلك معلومة تجريدية عن عام 1999 أشارت لتحويل المساحات المفتوحة من البيت الريفي إلى فندق. ومن المفترض أن يختار عمال الفندق من بين فئة المهاجرين إلى بريطانيا، ولكن لم يكن ذلك ضمن اهتمام الروائي.

لكن في مرثية لموت الروائي الأمريكي سول بيلو الذي توفي عام 2005 كتب ماك إيوان يقول: "في بريطانيا لا يبدو أننا نكتب عن تشوهات وجمود الطبقات - أو، أننا لا نستطيع أن نفعل ذلك بشفافية كافية، دون أن نقوض المعنى المرجوة أو نقلل منه".

وأيضا إنه في نصف القرن السابق على نشر (الكفارة) أصبح معظم السرد الإنكليزي المعروف ينظر إلى الداخل. وانصب اهتمامه على استعادة تقاليد الرواية القديمة، وكذلك على الماضي الوطني. وما أصبح معروفا باسم "ما بعد السرد التاريخي" قدم للرومانس التاريخي ما يشبه تعليقات انعكاسية تتناول طبيعة السرد والتاريخ، وبالعادة بروح تميل للهزء. فالجو التاريخي الموجود في (مكان بين الفصول) لفرجينيا وولف كان سباقا ومبكرا بهذا المعنى، وأصبح علامة من علامات السرد المفضل عند القراء، وعلى سبيل المثال أذكر (امرأة الضابط الفرنسي -  1969) لجون فاولز والساغا العائلية (أرض المياه – 1983) لغراهام سويفت.

ولكن الرواية ليست بحاجة للعودة إلى الماضي لتتأمله بأعصاب باردة. إن عددا من سرديات الحياة المعاصرة تعيد انتاج الأجواء المألوفة لـ "رواية الأرض الإنكليزية" مثل البيت الريفي، أو لتكرر بنية حبكة الروايات الإنكليزية الكلاسيكية، أو تتوهم علنا التقاليد السابقة.

إن روائيين مثل فاولز وماك إيوان وسويفت قد أنتجوا ما بدأ يعرف باسم "السرد الأدبي" وهو معاكس للروايات ذات البنية الشعبية ورواية المغامرات (الرومانس). وإن الكتب زهيدة الثمن والأفلام والتلفزيون والمسرحيات الإذاعية وحقوق التأليف المبسطة هي التي سهلت نجاح السرد الأدبي على مستوى عالمي، وجعلته اليوم مربحا كما كان في السابق. وكتاب الرواية الأدبية المحدثون يحملون غالبا ثقافة أدبية، وعدد كبير منهم بدأ حياته، أو أصبح لاحقا، مدرسا للأدب أو الكتابة الإبداعية. وترافق ذلك مع توسيع نسبة القراء الذين يدرسون الأدب أو العلوم الإنسانية. وليس من المستغرب، أنه هناك مزاعم تفيد أن مناخ " التعلم" و"دروس الماضي" هي التي تمهد الطريق لمزيد من انتاج الروايات. الروائية أ. س. بايات، وهي متكلمة ذكية عن المشهد المعاصر، ناقشت العلاقة الشائكة بين الروائيين الإنكليز المحدثين وبين التقاليد وذلك في مقالتها "الصحافيونPeople in Paper Houses "- 1997. ووصلت للنتيجة التالية: "لتكون كاتبا جيدا، مهما كانت أدواتك، أنت بحاجة لموهبة الفضول والنهم فيما يتعلق بأمور من خارج الأدب". ولكن ليس من السهل تجنب العوامل الأدبية، ولدينا هنا كمثال كنغسلي إيميس، والذي ذاع صيته مع نجاح روايته (جيم المحظوظ – 1954)، وهي كوميديا عن المدينة الجامعية وكان البطل فيها محاضرا متمردا يعمل في مجال التاريخ القروسطي.

إن شهرة إيميس كانت معاكسة للحياة الأكاديمية ومعادية لما يسميه وعي الذات بالأدب. فهو من أشهر أدباء الخيال العلمي والأشكال الشعبية الأخرى، وقد كتب يقول في مقدمة كتاب (العصر الذهبي للخيال العلمي – 1981): "إن وعي الذات الأدبية يعني أن هدفك، لنقل، ليس في الإخبار عن الحكاية بقدر الإمكان، ولكنه في تضمين إضافات تفرضها رغبات وتوقعات الآخرين. والعلاقة القوية والحساسة بين الروائيين والأكاديميين تعني أن الروائيين يكتبون من أجل الأكاديميين، ولكن ليس من أجل العموم... وهذا يضعف الارتباط مع جماهير القراء".

عمل إيميس بالتدريس قبل أن يكون روائيا مشهورا لعدة سنوات في كلية جامعية في سوانزي، ثم في كامبريدج. أما فيليب لاركين، الشاعر والروائي سابقا فقد كان يعمل في مكتبة جامعة هال، وكلاهما ربطتهما صداقة قوية. لكن ابتعد إيميس عن عقد صداقات قريبة وحميمة مع الأكاديميين، فقد اعتبرهم، تقريبا، طفيليات تنمو على حساب الفنان المبدع؛ غير أن رواياته عميقة الصلة بالأدب الأصيل وشخصياته أحيانا من بين القراء الجادين. وروايته (خذ فتاة مثلك، 1960)، وهي من أكثر أعماله المبكرة طموحا، عبارة عن إعادة كتابة واعية لرواية "الغواية" التي وضعها ريشاردسون.

فالبطلة، وهي جيني بون، معلمة مدرسة. أما الخليع باتريك ستانديش فهو محاضر في الجامعة. وتجنب جيني نفسها مخاطر أول محاولة إغواء قام بها باتريك. حتى أنها تقول له علنا:"لقد قرأت أخبارك في الكتب". والإغواء هنا يضعها في شريحة مختلفة عن البطلة الفكتورية غير المتعلمة التي تشابه هيتي سوريل في عمل إليوت. ولكنها في النهاية تفقد عذريتها. إن النهاية المرحة للرواية تصور الإثنين قبل الزواج وهما بغاية السعادة، ومتفقان أن "تلك الأفكار الإنجيلية القديمة تترنح الآن".

ويتورط باتريك وجيني في سلسلة من التضادات البيوريتانية - الارتباط بزوج واحد مقابل الحيوية الجنسية، الريف الشمالي مقابل المدينة الجنوبية، الأخلاق الحميدة مقابل التهتك، إلخ- وهكذا من الطبيعي أن لا يقاوم أحدهما غواية الآخر. ولذلك إن المشكلة العاطفية والرومنسية التي تميز بواكير الرواية الإنكليزية قد مهدت الطريق لمحاكاة أدبية مسلية وغنية. لكن لم تكن كتابات الروائيين الإنكليز فقط عن شخصيات إنكليزية هي التي شعرت بالضرورة الماسة لإعادة كتابة التقاليد الإنكليزية. فرواية فدائيون (1975) لـ ف. س. نيبول، على سبيل المثال، تصور شخصية هيثكليف جديد - باعتبار أنه خضع لدورة في الكتابة الإبداعية ودرس مرتفعات وذرينغ- وهذه الشخصية تعمل على تشكيل جماعة زراعية كاريبية سيسميها الكاتب لاحقا بيوتات ثراش كروس .

وآسيا، بطلة رواية (في عين الشمس -1992) للروائية المولودة في مصر أهداف سويف، هي ابنة امرأة إنكليزية تعمل برتبة أستاذ في القاهرة. وعندما تأتي إلى إنكلترا لتكتب أطروحة الدكتوراة في جامعة ريفية في الشمال، ترى نفسها كوريثة لشخصيات جورج إليوت وشارلوت برونتي. لقد أقامت علاقة مع إنكليزي شرير، هو جيرالد ستون، والذي يدل اسمه على برود عاطفته كما هو متوقع في أي ميلودراما فكتورية. أما آسيا، المتزوجة، فتدرك أنها ابتعدت عن التقاليد الإنكليزية لتنضم إلى عالم شخصيات تولستوي وفلوبير ولا سيما حينما بدأت علاقتها الغرامية مع جيرالد- ولكن لم تتمكن من تطهير نفسها تماما من إرث ماغي توليفر ودوروثا بروك. ولأنها زانية، تقول لنفسها: "أنت الآن في صف آنا وإيما وانفصلت للأبد عن دورثيا وماغي- ولكن يمكن لدورثيا أن تستوعب ما يجري - أليس كذلك؟".

(في عين الشمس) ليست رواية عن الهجرة، لأن آسيا تعود بعد الدكتوراة إلى مصر لتدريس الأدب للجيل الجديد من الطلبة، وبينهم الأصوليون الإسلاميون الذين أعلنوا أن هدفهم هو تعلم "لغة العدو". تتابع سويف بسردها فترة تفكيك الاستعمار في الشرق الأوسط، ومنها فترة نظام ناصر، وغزو القناة، ومعجزة النفط، وحروب العرب مع إسرائيل. وكان المحرض لأم آسيا كي تدرس الأدب الإنكليزي هو مشهد النساء البريطانيات المتطوعات لقيادة شاحنات لصالح الجيش البريطاني في القاهرة أثناء الحرب العالمية الثانية. وكانت تلك مرحلة تاريخية عابرة، ويمكننا أن نقول إن عوالم "ما بعد الاستعمار / فترة الاستقلال" هي التي طورت حب وتعلق الابنة بالرواية الإنكليزية، ثم اكتشاف ذاتها وتطابقها مع شخصياتها. إن أدبية الرواية الإنكليزية الحالية يمكن أن تكون أيضا ظاهرة موقتة بشكل حصري. فهي بالنسبة للعديد من الكتاب والنقاد قد ارتبطت مع ما بعد الحداثة، وهو أسلوب عابر للحدود أثر بكل أنواع الفنون وسيطر على النظريات الثقافية واتجاهات النقد منذ 1970 وما بعد.

ولكن مع أن ما بعد الحداثة تقوم على الإحالة للذات وهو جانب دائم من جوانب الأشكال الفنية، فقد تأثرت الرواية الإنكليزية بالظروف المحلية الخاصة وبالأخص كلما تعرضت السياسة الوطنية والاقتصاد الوطني باستمرار للتبدل العميق. فالزراعة والصناعة ينحدران، وتزداد أهمية التراث وصناعة السياحة، وغالبا يبدو أن الرواية تفرض جوهريا صورة وطنية تنظر للماضي (أو للخلف). إن رواية، مثل (الكفارة) تقاوم البيت الإنكليزي الريفي وأحداث أيار 1949، هي لدرجة معينة، مجرد تواطؤ، بلغة باتريك وايت في حديثه عن 'التراث الوطني' الذي رأى أنه "استخراج للتاريخ - أو معناه وإمكانياته - من إنكار الحياة اليومية وإعادة تركيبها وعرضها بمواضع وحوادث وصور ومفهومات محددة معزولة". عموما، إن الروائيين قادرون بالتساوي على التهكم من صناعة التراث، كما فعل جوليان بارنز في (إنكلترا، إنكلترا – 1998) حيث أن المستثمر يشتري آيل أوف وايت ويحولها إلى "إنكلترا خاصة"، أو لحديقة سياحية ناجحة نجاحا مدويا، بينما بقية البلاد، واسمها الآن "ألبيون"، متروكة لخطر التحلل والتعفن. غير أن حكاية بارنز الساخرة لم تقدم معنى اقتصاديا، على سبيل المثال، من خلال الكارثة الاقتصادية التي تسببت بها "قبة ازدهار ألفية لندن" عام 2000، ولكنها عوضا عن ذلك دعتنا لإنكار ما يحصل واعتباره فانتازيا تجريدية. لقد تراكمت المخاطر أمام الرواية الإنكليزية - كما انتبه بارنز بشكل واضح- والخطر كان في متابعة الوعي الذاتي بالروح الإنكليزية التي تقود إلى تفريغ روحي لكل ما هو عادي في حياة إنكلترا اليومية.

في مقالة حديثة لـ أ. س. بايات تجد تحديدا لاتجاه آخر أساسي في الرواية الإنكليزية، اتجاه ميتافيزيقي بطموحاته ويغطي كل تاريخ وجغرافيا البشرية بالحكايات والتي تكون عادة بشكل "وعي باطن وأحلام وأوهام خادعة". فالكتاب هم "مخترعو خرافات" وأعمالهم، لا تفكر بنظام الطبقات الإنكليزي أو سقوط الإمبراطورية البريطانية، وإنما "تصنع حكايات خرافية أوروبية".

والروايات التي استشهدت بها بايات هي غالبا تاريخية، وضمن حبكة تتضمن إيطاليا في القرون الوسطى، والقاهرة في القرن الخامس عشر، وألمانيا القرن الثامن عشر، وأماكن أخرى. وهي أعمال "أوروبية" لأنها متأثرة بكتاب من أوروبا مثل إيتالو كالفينو وألبير كامو وإيزاك داينسين وغونتر غراس وميلان كونديرا وغيرهم. ولكن ربما كانت بايات قد ذكرت بنفس العناية تأثر بريطانيا بالواقعية السحرية التي ظهرت في أمريكا اللاتينية وبروايات ما بعد الحداثة التي ظهرت في الولايات المتحدة.

والسياق البريطاني، ما تسميه بايات وغيرها حكاية شعبية أو "خرافة"، يمكن أن تعتبره أيضا حركة إحياء للرومانس. فتقاليد الرومانس فضلت العجائبي على العادي وهذا واضح عند روائيين بريطانيين من فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مثل وليام غولدنغ، وآيريس ماردوخ، وموريل سبارك، والكتابات المتأخرة لدوريس ليسينغ. لقد نجحت هذه الرومنسيات الحديثة واعتبرت خرافات عن الهوية، وبعضها عالج قضايا الشخصية الوطنية. وتتضمن روايات وليام غولدنغ المبكرة، على سبيل المثال، أعمالا هامة عن الجنوح والعزلة في: سيد الذباب (1954)) وبينشر مارتن (1958)، أضف لذلك روايته (الوارثون – 1955) وهي  عن مغامرات ما قبل التاريخ.  لقد حازت هذه الثلاثية على اهتمام واسع وضعها في عداد الحكايات الأخلاقية المتعلقة بالطبيعة الكونية للإنسان، وكانت إنكليزية (بنشر مارتن) والصبيان في (سيد الذباب) من ضمن العوامل الأساسية المشاركة. و"النزوع الإنكليزي" هنا، والذي غاب عن معظم أعمال غولدنغ التالية، دليل على ظاهرة نهاية الإمبراطورية، وفي طياتها خبرات الكاتب نفسه من عمله في البحرية الملكية. وعليه هي في حالة تقابل مع ما تسميه بايات "كتاب الخرافة الأوروبية". ومن هؤلاء أنجيلا كارتر، وبينيلوبي فيتزجرالد، وجينيت ونترسون، وكذلك ماردوخ وسبارك. فقد نظرت لهذه الاسماء وكأنها انعكاس لحساسية جديدة عن الشخصية الوطنية في فترة ما بعد الانهيار (تفكك الامبراطورية).

أما الروائيون المعاصرون، والأقرب لفترتنا هذه، فهم يكتبون لسياق عضوية بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي، وهو سياق، إن لم يكن يعني محي الهوية الوطنية، فهو بالتأكيد يتضمن اختزالها الممكن إلى شيء من قبيل الهوية المناطقية.

وإحياء الرومانس (رواية المغامرات)، ولا سيما ازدياد شعبية المغامرات التاريخية في الوقت الحالي، لا يمكن التفكير به ببساطة على أنه هروب. كتب الناقد جايسون كاولي في مراجعة لمقالات بايات يقول: "إن الانسحاب إلى التاريخ هو دليل على خسارة ملحوظة لثقتنا بإمكانيات السرد الروائي في إنكلترا، وبالأخص بعد مرحلة الميتروبوليس (المدينة الكبيرة). ويمكن للإنسان أن يجهد نفسه للتفكير بحفنة روائيين أضافوا لمعلوماتنا الأخبار العاجلة عن ظرفنا المعاصر، بالطريقة التي نجدها عند ديكنز". (لكن - بالنسبة لخبراته الصحفية الغنية- كان ديكنز في عصره يعتبر مخترع حكايات وليس محققا تسجيليا يتابع شؤون زمانه). ويقر كاولي أن إحدى الوسائل المتبعة للكتابة عن العالم الحديث هي في أن "تكتب عن الحاضر من خلال ظواهر من الماضي، ولذلك أصبحت الرواية نوعا من الكتابة فوق كتابة سابقة". ومن بين الروائيين المحدثين، اهتمت أنجيلا كارتر لفترة طويلة بإعادة كتابة متن الحكايات الشعبية التقليدية والخرافات، وهو ما تجده يأنقى صوره في الغرفة الدامية (1997). وكانت باستمرار في رواياتها تعود إلى القضايا المعاصرة، مع أن عودتها كانت بطريقة مختلفة تماما عن عالم التحقيقات الصحافية. و حيثما ذكر كاولي الحقيقة المؤكدة كان يلح على أنه ليس على الروائيين التغاضي عن "إمكانيات إنكلترا في الرواية" والطبيعة المتبدلة للهوية الإنكليزية.

وأعمال عدد من الروائيين، وكذلك النقاد والمؤرخين، الأحياء، تشير إلى تعريف أكثر انفتاحا وتقبلا لمفهوم الهوية الوطنية، بالمقارنة مع ما رأيناه، على سبيل المثال، قبل جيلين أو ثلاثة في كتابات جورج أورويل وج. ب. بريستلي. فالناقد والروائي بيتر أكرويد- وينظر له غالبا كشخصية محافظة- أقر أن فورد مادوكس فورد هو في كتابه (فصول من ألبيون: أصول الخيال الإنكليزي – 2002) مجرد رائد أو مبشر. ويعرّف أكرويد الروح الإنكليزية بأنها "مبدأ التعايش. وتعتمد على هجرة دائمة، للناس أو الأفكار أو الأساليب، حفاظا على البقاء". ويمكن تمثيل أسلوب جديد من تدوين التاريخ بحالة نورمان دايفز في - الجزر: تاريخ – 1999)، وهو عمل يتجاوز بعنوانه الماضي التاريخي لـ "إنكلترا" و"بريطانيا" ليصل إلى الواقع الحالي المتبلور. وبتلخيص سريع، إن موضوع دافيز مفاده أن تركيب المملكة المتحدة يتكون من الأجزاء الأساسية لما يسمى أحيانا "هذه الجزر". والخسارة (و، بحدود أضيق، الربح) إنما هو من نتاج بتر المملكة عن أوروبا. بالنسبة لدافيز، بتر بريطانيا من أوروبا لم يكن نتيجة قسرية للجغرافيا أو للمزاج الوطني، لكن - تقريبا- حظ نجم عن حروب المائة العام والإصلاحات. وتبني هنري الثامن للبروتستانتية وفرضها على دين الدولة، بكلمات دافيز، " قطع إنكلترا من المجتمع الثقافي والنخبوي لما كانت تنتمي له لما يقارب الألف عام، وقد فرض ذلك على الجزيرة أن تتطور على طول خطوط عزلة غريبة. ولم يتبق لدى الإنكليزي أية فرصة سوى الاعتزاز بعزلته وغرابته". ويبدو أن دافيز قد اقتنع أن هذا الانشطار (القطيعة) عن أوروبا انتهى تقريبا، لكن العداء الشعبي للاتحاد مع أوروبا وضع حارسا آخر على الباب الخلفي ليلعب نفس الدور الذي لعبه الاعتزاز الوطني الذي انتهت صلاحياته.

كان لدافيز رد فعل واضح ضد زهو الإمبريالية البريطانية القديمة، لكن في بعض الحالات كان كتاب (الجزر) دون مستوى تحليله الزين والرؤيوي . فإنكلترا لا تزال ،كما ورد في المثال السابق، مؤنثة، ولكن تطور الروح الوطنية كان يصور على أنه نوع من أنواع التطور الفردي العلني الذي يقود إلى ظهور شخصية وطنية ذات حيثيات: عازلة وغريبة ومعتزة بنفسها. وعلينا أن نتذكر أن دافيز اقترح أن هذا حدث بالصدفة- موضوع له علاقة ببنية "الشخصية" وليس نشوء، وفي النهاية، بالتبني الواعي لهوية خاصة. فالجزر، بعكس معظم التاريخ الوطني السابق، هي في قاع حكاية الهويات المتبدلة وليس في تماسك وتكوين الشخصية الإنكليزية، وضمنا عمل الروائيين المعروفين بالتزامهم بأفكار الشخصية الروائية ومواصفاتها. وهنا أؤكد أن الانتقال من "شخصية" إلى "هوية" لتكون إطارا للتحليل تعكس ميولا محددا و هي دائما حاضرة في تقاليد الرواية الإنكليزية. خذ فرجينيا وولف على سبيل المثال، إنها تقول في مقالتها "السيد بينيت والسيدة براون"(1924):" لا تهمل السيدة براون أبدا، أبدا" فقد تخيلتها بشكل سيدة مسنة عادية على كرسي متحرك، وعليه، هي "الروح التي نعيش بها، بل هي الحياة نفسها".

من الواضح أن الكاتبة بالوقوف مع السيدة براون يمكنها تجاوز التراتب والعزل الاجتماعي والذي رأت وولف في مقالة تالية هي " ابنة أخت شريف المقاطعة"(1932) أنها من خصائص المجتمع الإنكليزي. بالنسبة لوولف، إن الفكرة التي مفادها "نحن محاصرون ومعزولون، ومقطوعون" حقيقة بنيوية واجتماعية، وهذا تسبب بالواقع الاجتماعي المتعدد البنيات والذي يسر الروائيين..

نحن محاصرون ومعزولون. ومقطوعون. ومباشرة رأينا أنفسنا بالزجاج العاكس للرواية وكنا نعلم أن هذه هي الحقيقة. فالروائي، والروائي الإنكليزي على وجه الخصوص، يعلم ويشعر بالسعادة، على ما يبدو، حين يعلم أن المجتمع هو شبكة من العلب الزجاجية ويمكنك أن تفصل الواحدة عن الأخرى، وكل منها يؤوي مجموعة لها عادات وميزات خاصة بها. ومثال وولف عن هذه الجماعة أو الجماعات الصغيرة، موجود في عبارتها الفكاهية التالية:"بنات أخت شريف المقاطعة وأبناء أخ الجنرالات". وهذا يعني أن نظرتها إلى "المجتمع" على أنه "شبكة من العلب الزجاجية" شيء له حدان، فمن ناحية يلغي أي فرض على الروائيين للكتابة من فوق الحدود المقيتة للطبقات ومواضع الشخصيات للبحث عن "رؤية تعددية" مثل تلك التي يعزوها إيان ماك إيوان للرواية الأمريكية المعاصرة. ويبدو أن وولف كانت مترددة بين الأمل والخشية من أثر الديمقراطية فهي لم تتأكد أنها ستهدم كل الفوارق الاجتماعية الصغيرة، وأنها ستعلن إفلاس "الروائي الإنكليزي"، وها هي تقول: "يمكن أن يكتب الجيل التالي روايات قليلة وغير ضرورية كما كتبنا الدراما الشعرية نحن أنفسنا".

و كان الإعلان عن شكوك وولف حول المستقبل القريب للرواية الإنكليزية في غير موضعه. ففي نفس الوقت، إن إشارتها إلى "روايات الزجاج العاكس" هو تذكير بأن ما نتعرف عليه حينما ننظر في مرآة هو هوية وليس شخصية. والهويات التي اختارت التعريف بها في مقالة عام 1932 كانت قد اختفت، ومع ذلك يمكن القول إن حديها عن المجتمع الإنكليزي كما تقدمه الرواية لا يزال صحيحا لحد بعيد. وإن محتويات "العلب الزجاجية" قد تبدلت، ولذلك عوضا الانقسام الحاد بين الطبقات في عالم وولف أصبح لدينا "علب هوية". فهي تؤوي هويات ثقافية وعرقية ومناطقية وجنوسية تعبر عن المجتمع الإنكليزي المتبدل والمختلط، والذي ترسمه، لحد ملحوظ، روايات المهاجرين. إن إنكلترا في معظم الروايات المعاصرة أدنى من أن تكون شبكة من شخصيات متنوعة ومختلفة (على الرغم من الأهمية المستمرة للشخصنة في الرواية)، ولكنها من نتيجة الهويات التي تعي ذاتها على نحو متزايد ومتعمد. ومع أن عددا من الروايات التي ناقشناها كانت أساسا تقارير واقعية تأتي بأخبار التجارب المعاصرة، فإن اتجاه الرومانس والحكاية / الخرافة قادرة بنفس المقدار على تمثيل إنكلترا حيث معضلة الهوية والمشاكل العويصة الخاصة بالتعرف على الذات أصبحت جزءا من النسيج الاجتماعي والثقافي.

وروايات مارينا فيرنير الحديثة (البنفسجي، أو مصورات المياه (1992) وحزمة ليتو (2001) تقدم نسخة خيالية مستعادة وغريبة قليلا عن المجتمع الإنكليزي وكأنه يكرر خرافة هويته الاستعمارية وما بعد الاستعمارية. وهذا واضح في حالة (البنفسجي). لكنه في (حزمة ليتو) يكرر تجربته العالمية وتجربة البلا دولة ( المقصود أن اللاجئين والباحثين عن لجوء هم بلا دولة). في الرواية الأولى، إن لعبة الصيف في الإمبراطورية ليست الكريكيت، ولكن رمي العصا، بينما في الثانية أصبحت، مجددا (ألبيون)، وأحد الأبطال يشارك في هيئة حكومية في مجلس الهويات الثقافية المتشكل حديثا. تقول كيم ماكوي لزميلها عضو المجلس:" بعضنا كلب مونغريل، نعم. وبعضنا ليس كذلك. بعض أولئك لا يرغبون بالتحول إلى أمة كلاب مونغريل".

كيم هي "ابنة ليتو"، ابنة بالتبني من عالم مزقته الحروب، وهي أيضا ابنة الإلهة المسنة للمهاجرين وعضوة من بقايا البانثيون الأسطوري الكلاسيكي. ووصولها إلى شاطئ ألبيون يربط التاريخ الكوني بالتاريخ المعاصر.

كان فارنير يدرس الأساطير ومتكلما مثقفا واستعماله لمصطلح مونغريل يحيلنا عيانا جهارا لمشكلة ما بعد الاستعمار، والتي تتضح بالتعددية الثقافية والهويات الهجينة. وكانت روايتها ذات حد سياسي وتعترض على بروباغاندا الجناح اليميني والعداء الشعبي للمهاجرين والباحثين عن ملجأ. وخلال تطور الرواية الإنكليزية، كان مفهوم الشخصية الوطنية قد فتح الطريق للهوية الوطنية، وأصبح التفكير بالهوية أوضح. فالهوية الوطنية (على الأقل) تنطوي على إشكالية.. جزئيا بسبب أعباء عدد من روايات القرن التاسع عشر الذي ترك طابعا عظيما خيم على إنكلترا، وهذا ملحوظ منذ (كاتدرائية نورثانغير) و(جين آير) وحتى (كيم). والمصطلح نفسه، لم يصبح منتشرا حتى أيامنا هذه، ومن المحتمل أن أول ظهور له كان في روايات المهاجرين. وفي (هروب أندرو سالكلي إلى رصيف الخريف -1960) استفسر الراوي الجامايكي من صديقته الإنكليزية باستغراب: "ألا تلاحظين أنني لا أنتمي لمكان؟.. أين يمكن أن يرى الإنسان وجها لوجه هويته الوطنية؟". وفكرته مفادها أن الهوية الوطنية إشكالية، وهذا إحساس منتشر كالشرارة في الهشيم، إن لم يكن إحساسا كونيا. ويمكننا أن نثق أن روائيي القرن الواحد والعشرين سيتابعون المشاركة في صناعة وإعادة تركيب الهوية الإنكليزية.

 

..................

* أستاذ النقد الأدبي الحديث في جامعة ردينغ / بريطانيا.