جمعة عبد اللهيحتل المبدع الروائي الكبير مكانة مرموقة في الابداع الروائي العراقي الحديث. ان يملك براعة صياغة النص ومنصات وتقنيات متنوعة في طرحه وتكوينه. ان يصوغها في جمالية المنهجية في اسلوبية المتعددة الجوانب والاشكال داخل الفضاء الروائي، يمتلك رؤى ورؤية فكرية ناضجة وثاقبة من أشياء الواقع وتجلياتها، ان تكون المضمون التعبيري العميق والبليغ، في مهارة التناول والتنوع في الاشكال التعبيرية التي هي من صلب الواقع اجتماعي، في اسلوبه الواقعي دن مسحات تجميلية مزيفة وانما على حقيقته المكشوفة، بأن المتن الروائي يخرج من مختبر التجريب والابتكار في اشكال الطرح. في براعه واعيه وناضجة، تملك مقوماتها من تداعيات الواقع الاجتماعي، والغوص في تفاصيله الدقيقة. اي ان العمل الروائي، يأتي من الجهد المثابر والحثيث في صبغة ابداعية، تحمل آثار وبصمات الروائي في الشكل والمضمون، الذي يتمدد في هذه الرواية على خريطة الواقع الاجتماعي، من خلال تناول حقبة اجتماعية معينة ومحددة في زمنيتها، في كشف مظاهرها ومفرداتها. التي تميزت بالقهر الاجتماعي والمعاناة، لواقع يرزح تحت السلطة الابوية المتسلطة على منافذ الحياة والعيش، في روحية الامتلاك والاستحواذ والانتهاك، في بروز هالة (الانا) الجشعة المضخمة باللامعقول، وتخرج من صوابيتها المنطقية، لكي تخلق آثار سلبية، التي تترك البثور والجروح والقروح على المكشوف. ان تضع الانسان داخل حلبة الملاكمة، يتلقى الضرابات المميتة، دون ان يستطيع ان يحمي ويدافع عن نفسه، سوى الوقوع متهلكاً في ازمته النفسية المتأزمة والمأزومة بالاحباطات، حتى يعلن انهزامه الكلي و يتجرع طعم الفاجعة والمحنة والمأساة. مثلما نجد في المتن الروائي لرواية (موت الاب). التي جاءت ثمرة جهد ابداعي مكثف ومتواصل استغرق حوالي خمس سنوات (اكتملت كتابتها في عام 1995). لقد ابرزت معالم تلك الحقبة الاجتماعية بعينها وبجوانبها المتعددة، التي ترزح تحت وطئة، القبضة السلطة الابوية الشمولبة. وما صورة (الاب) في العائلة الصغيرة في الرواية، إلا صورة مصغرة من الصورة الكبيرة (للاب الكبير). وقد كشفت معالم التسلط بلوثة الامتلاك والاستحواذ والعسف، كأنه وحده يملك الحق والسيد المطلق، وحده يملك العالم، بلا منازع، الكل تحت أمرته وسطوته، ومنْ يجروء على المعارضة والمعاندة، فأنه يطرد ويجني على نفسه الويلات. مثل هذا الاب مالك الدار (المكون من اربعة غرف، كل غرفة تسكنها عائلة) يفرض سيطرته على سكنة الدار، وهم يحاولون ارضائه واستعطافه بالخشوع الى امره وتعليماته، رجالاً ونساءاً. ولكل يتجنبه بالحذر الشديد منه. هذه الخطوط الفكرية العامة للمتن السردي. تتوالى هذه الاحداث في ذاكرة الطفل في خزين (فلاش باك)، عاش محنتها ومأساتها، في التسلط الابوي، الارعن والماجن بالحماقات المتهورة المتتالية، بالتصرفات الخشنة في التعامل مع عائلته ومع سكنة الدار. وسلوب التعبير السردي، يختلط فيه الماضي والحاضر بصورة متشابكة، مثلما يقول. أرسنت همنغواي (لا يمكن لاي كاتب الفرار من طفولته) لذلك وضعنا الروائي، في صلب الواقع الاجتماعي في تلك الحقبة المعينة. في اسلوبه التعبيري الشفاف، بلغته الرشيقة والبسيطة في وضوحها السلس، لكنها عميقة المحتوى. وفي ابراز هذه السلوكية المتسلطة وفي جوانبها الخطيرة، في تصرفات الاب القاسية مع عائلته المكونة (من اربعة افراد، الاب الام، الابن الصغير والكبير) وهو مثال للشخصية الابوية في تصرفاتها الرعناء والطائشة والماجنة، في مجونها الخليع في الشبق الجنسي، بالسطو على نساء الدار، في استغلال غياب زوج (سارة حفافة وجوه النساء) وهو يعمل حارس ليلي، ليحل محله في الفرش الزوجية في اختلاسات الليل. ولكن عندما بدأت تراوده الشكوك المريبة تجاه أبنه (اسماعيل) بأنه ايضاً يزاحمه يزاحمه في الاستحواذ الماجن على (سارة حفافة وجوه النساء)، هدده وطرده نهائياً من البيت، لانه اعتبرها خيانة بالتطاول على املاكه ومشاركته بحصة منها، طرده ثم ضاعت اخبار (أسماعيل)، مما ترك جرح بليغ الى امه، التي تجرعت الحزن والبكاء على ضياع ابنها المنكود. ان سلوك الاب الارعن والماجن، جلب على عائلته فاجعة المحنة المأساوية، وان جبروته المتسلط والمتغطرس اخذ يتصاعد اكثر خطورة، حتى حلت المأساة للعائلة، في استمرارية حالة التصادم والقسوة والعسف، فطرد زوجته، أم اولاده، بعدما ان غاب عن البيت ثلاثة أيام، ليعود ومعه زوجة جديدة تصغره عشرين عاماً، ثم ارسل ورقة الطلاق الى زوجته الاولى. انه مثال الذئب الذي يحمي الدار. ولكنه بنفس الوقت يفترس سكنة الدار، يقوده هذا التسلط الاعمى والمغرور والماجن، الى الانحدار الى درك الجريمة. فقد ارتكب عملية قتل بالحقد الاعمى لشقيقه (نوح) المثقف الواعي والرصين في تصرفاته. وعملية القتل تمثل، انتصار الرعونة الوحشية المتغطرسة، على الثقافة والفكر الواعي والناضج. لكن هذه العقلية المتهورة، تقود نفسها الى الهلاك والموت والخراب، مهما بلغ جبروت سطوته الغاشمة. هذه الاشارات الملغزة بشفرتها بالايحاء والمغزى، وهي تشير الى نهاية الى أدانة السلطة الابوية. لذا فأن المتن السردي، يتناول هذه الخطوط بحذر وفطنة وتأني، بوعي مدرك العواقب المترتبة، لذلك يعرف اختيار الجمل والعبارات الملغزة بمهارة محترف ناضج. والرواية تتحدث عن ثلاثة شخصيات محورية في المتن الروائي (التاجر. الصحفي. الرسام)، يتفقون في جلساتهم وخلواتهم على تأليف رواية مشتركة بينهم، يكتبون فصولها. بما يحمل كلاً منهم سيرة حياتية تخصه. في عناوينها البارزة، في القهر والاحباط والانهزام. ولكن هذه الشخصيات الثلاثة، في حصيلتها النهائية، بأنها تشكل شخصية واحدة مركبة على فصول سيرتهم الحياتية، وتشترك في مشتركات واحدة. من التأزم المأزوم، في الاضطراب النفسي والقلق الحياتي الذي يجتاحهم، بالخوف من القاد م، والخشية من التفكك والاندثار. ومهما كان نتاجهم التأليفي كامل او ناقص. المهم تحقق رغباتهم المشتركة، في كتابة فصول حياتهم، ويقوم بمهمة كتابة الرواية من قبل الصحفي (اذ ليس الاخرون إلا الكتابة التي لا مناص منها، حكاياتهم ومسراتهم واحزانهم موضوعات جاهزة للمؤلفين من امثالي، متسقطي اخبار الاخرين وافعالهم، أليس غريباً أن يكون ميلنا (نحن المؤلفين) الى تسجيل كل افعال الصراع المليئة بالاخطار، ومرتكبيها من جناة وبغاة متأملين سقطات هؤلاء وهفوات أولئك، ايكون الماضي باحداثه وما صارت اليه ايامه مآوى الجميع ؟) ص278. مثلاً الناجي الوحيد من عائلة الاب المتسلط، كان يتجرع عذاب المحنة من موت أمه، فقدان شقيقه (اسماعيل) التي ضاعت اخبار مصيره. فهو الشاهد والسارد مع الاخرين مأساة حياته وحياتهم. فقد يصف ابيه الذي استخدام سلاح التسلط والقهر الاجتماعي، ان يصبح قاتل ومجرم. يقول عن ابيه في جلستهم (- ان يقوم باي فعل، لا يتورع أبي عن ارتكابه، حتى بمزيد من الحماقات).

(- ألم تفتر عليه في بعض احاديثك ؟)

(- هيهات. لقد عشت معه زمناً يليق بالحيوانات)

هذه الرعونة المتهورة وصلت الى مصيرها المحتم والمحتوم، وهو الموت.

×× بعض الاشارات الملغزة بالرمز التعبيري، التي تصوب سهامها بشكل غير مباشرة، الى الادانة السلطة الابوية الغاشمة، في شد الخناق على العائلة والمجتمع. في طبيعة جبروتها المتلسط بالعسف والقهر، هذه الاشارات الملغزة في تعابيرها، لا يغفل عنها القارئ الفطن والنبيه، في مراميها الموجهة الى رأس النظام نفسه، في اقحام البلاد في حروب عبثية اضافة الى التسلط الشمولي، لذلك اختار هذه الاشارات الملغزة بما يخص احرب، وهي ادانة صريحة لمشعلي الحروب ومروجيها ومرتكبيها، وهي تؤدي الى الموت والهلاك والدمار. لذا اشير اليها بالنص الحرفي في هذه المقتطفات الى هذا الجانب.

 1 - (الآن، ليس كواليس الحرب من الماضي وحده، الحرب غيرت الكثير من احلامنا.

(الحرب. الحرب يالتعاسة هذه الكلمة.

(الحرب. ليس بالضرورة تعني الموت وحده) ص28.

2 - (لقد سمعت عن مفقودين وضائعين حكايات اغرب من الخيال، ووضعت يدي على نواح امهات فقدن ابناءهن واباء بكوا ضياع اولادهم، ولكن بدافع من سبب ملموس لهم، كانت الحرب احد اسباب الضياع وفقدان الاثر) ص51.

3 - (فقد فاجأتنا الحرب وما جرته وراءها من ويلات وجوع وعذاب، كان العوز قد شمل الجميع وألم بهم من كل صوب وحدب) ص52.

4 - (تأملت المجلة الاجنبية بهدوء، رأيت عدداً لا يحصى من الجنود قتلوا في ميدان الحرب وبقيت جثثهم متروكة في العراء بعضها عافتها الدواب والوحوش الكاسرة، وبعضها تجمعت حولها مئات الحشرات، وبعدها نهشتها الطيور الجارحة، جنود تائهون في صحراء مترامية، خوذ وبنادق وثياب ممزقة)ص69.

5 - (من منا على صواب. الذين غادروا أم الذين فضلوا البقاء هناء؟.

(- ليس بعيداً ان تذبل وتموت هنا.) ص118.

 (- أترى الحال هنا افضل ؟

(- عفواً. انا لا اعرفك.

(لكني اعرفك. لماذا لا تغادر خارج البلد لتعيش بعيداً عن المحنة) ص129.

6 - (- من جاء على ذكر حرق الكتب.

(- أنت اشرت في روايتك الكتب المحترقة في احتلال بغداد) ص201. وهي عبارة صريحة في توقع حدسها ونبوءتها، بسقوط النظام ومجيء زمن الاحتلال.

- رواية: موت الاب

- المؤلف: احمد خلف

- عدد الصفحات: 289 صفحة

- تاريخ كتابة الرواية. عام 1995

- تاريخ الاصدار: عام 2002

 جمعة عبدالله

 

 

أولى الشعراء والشاعريين مسألة التداخل النصي عناية كبيرة طوال تاريخ النقد العربي، حيث عرفوا الظاهرة مبكرا، وخاضوا فها دراسة وتحليلا، وإن كان بوضوح أقل، وتحت تسميات عدة ، مثل السرقات الشعرية ،الموازنات ، التضمين... ومنذ الجاهلية ، أحس الشعراء بسلطة النصوص الأخرى على النص الشخصي، نفهم ذلك مما قاله عنترة في معلقته:

هل غادر الشعراء من متردم **** أم هل عرفت الدار بعد توهم

هو سؤال استنكاري حول أن الشعراء لم يتركوا شيئا يصاغ فيه الشعر، إلا وصاغوه، أي أن السلف لم يترك للخلف شيئا.

ويشير حازم القرطاجني في مصنفه، "منهاج البلغاء وسراج الأدباء"، إلى نوع من تعامل الكاتب مع النصوص السابقة، إذ يدخلها في نصوصه بنوع من التصرف، أو يورد  معناه في عبارة أخرى على جهة قلب أو نقل(86)[1]).

شيء عادي أن يستفيد اللاحق من السابق،حيث لا يمكن أن يستغني الأخير عن الاستعارة من الأول، فقد كان العرب ينصحون المبتدئ من الشعراء بقراءة آلاف الأبيات وحفظها والتمعن فيها حتى تعلق بفهمه ، بعد ذلك عليه أن ينساها.

إذن ، تنبه النقاد العرب القدماء إلى ظاهرة التداخلات بين النصوص، وبخاصة في الخطاب الشعري، حيث ظهرت مجموعة من المصطلحات تعالج جزئيات الظاهرة، وهو مؤشر على تعرف العرب على ظاهرة التناص، وإن لم يسموها بهذا الوصف، فقد ظهرت مصطلحات عديدة تقترب من معنى التناص مثل التضمين، وهو استعارتك لإنصاف الأبيات من غيرك. أما الاقتباس؛ فهو أخذ بيت بلفظه ومحتواه ،وهو عند البلاغيين مرتبط بالقرآن الكريم.

كان هذا في الجانب البلاغي، أما في الجانب النقدي، فقد عرف التناص تحت مسميات أخرى، كالنقائض والمعارضات،وقول الجاحظ بأن المعاني مطروحة في الطريق ، هي من الشيوع بين الناس لا يمكن نسبتها إلى أحد بعينه.

ويمكن أن ندرج في هذا الإطار قصة استئذان أبي نواس خلفا الأحمر في نظم الشعر، واشتراط هنا حفظ الشاعر آلفا من الأراجيز والقصائد ثم نسيانها.(87)[2]

تجاوزا لهذه النزعة السجالية،فإن مفهوم التناص في النقد العربي الحديث- مع الإبدالات المعرفية التي شملت تصور النص ونظريته- قد حقق قلبا في المقاربات النصية بما فجره من تساؤلات امتدت إلى هوية النص ذاته، علما أن الخطاب النقدي العربي لم يتعرف على  المفهوم إلا أواخر السبعينيات من القرن الماضي،ولعل محمد بنيس أول من اشتغل على هذا المفهوم في كتابه " ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب1979"، حيث سعى لضبط العلاقات النصية، والتقعيد لها منهجيا داخل حقل مفاهيمي، حيث استعمل المفهوم كأداة للقراءة الخارجية،وذلك باستناده إلى تود وف وكريستيفا، بعد ذلك وفي إطار مسعاه التنظيري حول تقعيد العلاقات النصية، سيهتدي بنيس إلى مفهوم النص الغائب الذي سيثريه بمفهوم هجرة النص(88)[3]).

كان هذا منطلقا أوليا لتأمل ظاهرة التداخل النصي، التي حظيت باهتمام كبير، حتى أصبحت من المفاهيم المركزية داخل الخطاب المعاصر، لتظهر بذلك دراسات كثيرة، كان أبرزها دراسات محمد مفتاح الذي أولى الموضوع اهتماما ملحوظا في جل كتبه.

إن التداخل النصي التداخل النصي خصيصة بنائية للنص ولدلا ليته، بما يتيحه من تعالق وانفتاح على نصوص قديمة أو معاصرة، تسهم في بناء الموضوع من خلال تفاعلها مع عناصر أخرى داخل النسيج النصي(9[4]).

هكذا فالنص الشعري، نسق انصهرت في بوتقته نصوص شعرية أخرى وغير شعرية لتشكل في عناصرها ذلك البناء الذي يخفي علاقات ويستدعي الخارج ليحدد مصير النصوص الغائبة(0[5]).

إن النص الشعري، أكان قديما أم حديثا، يخضع للتداخل النصي ،وهذا التوضيح النظري، يحتاج إلى حقل موسع حتى تتبين إمكاناته.

ليس هذا هو مسعانا الراهن، لكننا سوف نكتفي بنصوص محددة داخل المتن وخارجه، نحاول من خلالها لمس خصيصة التداخل النصي في شعر عبد الكريم الطبال، الذي بدوره استقى مكونات متونه اللغوية الفنية من مفهوم التداخل النصي ،حيث استفاد من خلفيات هذا المفهوم المنهجي في صياغة نصوصه الإبداعية،وتقف القصيدة الآتية شاهدا حيا وملموسا على ما يمكن أن نسميه تناصا من القرآن الكريم.

يقول عبد الكريم الطبال:

منكبة على الأصابع

المصفرة

على هزيم الحبر

وعويل الروح

ترصد ما يصعد

من ضفاف البئر

في هبوب دلو

أو جناح ماء

لاتخفى عليها نأمة

في جهة الحواس

أو في جهة الخيال

وأنا على حواف الوقت

أشهد العصا

وحاجبي المغني

يبغيان

يفتحان قلعة

الصداقة القديمة(91)[6])

القصيدة معنونة بـ " هي عصاي"، وهي مثال ينسجم مع النص القرآني الوارد في سورة "طه"، تتضمن قصة موسى عليه السلام، ومعجزة العصا، يقول الله تعالى: ((وما تلك بيمينك ياموسى ، قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مئارب أخرى ، قال ألقها يا موسى، فالقاها فإذا هي حية تسعى))(92)[7]).

لعل هذا التقاطع الجميل، كان المؤشر الحاسم على معاناة الشاعر من وضعية اجتماعية متأزمة يسودها القنوط والترقب، ويكتنفها الإحساس بالعجز، وعدم القدرة على مواجهة وتجاوز المرحلة العصيبة حيث يظل الانتظار والترقب الملاذ الأوحد، وانتظار المعجزة الإلهية القادرة على تغيير الساكن وزرع حياة جديدة.

لقد أحسن الطبال تحوير قصة موسى عليه السلام،ودمجها في بناء النص الدلالي دون عناء، مما أدى بالمتلقي إلى السفر داخل تخوم الذاكرة التراثية والاستفادة من الموروث الديني، والانغماس في ثنايا اللحظة الشعرية، وكأنها لحظة منفلتة من شقوق الماضي، منفتحة على الراهن والآتي، من أجل تأسيس زمن شعري جديد يكون القصص القرآني أحد ركائزه.

لم يكتف الطبال بالنهل من معين النص القرآني، ليمتح منه نصوصه الغائبة، بل ارتمى في أحضان شيوخ التصوف الإسلامي، أمثال ابن عربي، والنفري، وجلال الدين الرومي والبسطامي...ليستلهم منهم تجربتهم الشعرية المعقدة التي تقتضي الصبر على العذاب، لأن الكتابة فرح ومعاناة في آن واحد ، عذاب وسعادة ، لأن الخلق كما يقول ادونيس ((حدس، وهم، ورؤية))(93)[8]).

هذا الكلام يقودنا للحديث عن حضور الخطاب الصوفي في أعمال عبد الكريم الطبال، ونشير هنا إلى أن هذه التجربة لم تنتشر إلا في السبعينيات من القرن المنصرم، مع أعمال أدونيس، وعبد الوهاب البياتي، وبدر شارك  السياب...لكن هذا التأثر لم يقتصر على الشعر الجديد، بل نلمسه في بعض شعر الستينيات الذي كان بمثابة صدى لتلك التجربة، فقصيدة "الغائب"* لعبد الكريم الطبال ضمن الأشياء المنكسرة، ذات دلالة عميقة فيما يخص هذا الموضوع، لذا نقتطف منها المقطع التالي:

 

منذ زمان وأنا احضر في الفجر

افتح شوقي للأشياء

افتح أحداق القلب

من أجل أن أحضر بالفعل

لكني لا أحضر بالفعل

تتملكني الخيبة في بدء الحضرة

ويقول:

كم أخشى أن ترحل مني الشهوة للكشف

لأني أخشى أن أرحل قبل الكشف(94)[9])

قدم الشاعر لقصيدته (الشيء نفسه يقال بالنسبة لمجموعة من القصائد) بهذه القولة المشهورة لابن عربي: (كل حضور لايتعين في كل شيء لايعول عليه).

في هذه الأبيات القليلة التي اخترناها ،يتردد فعل " أحضر" ثلاث مرات،ويرد الاسم المشتق منه ( حضرة) مرة واحدة علامة للتأكيد .  فتحقيقا للحضور الذي يرغب فيه بكل قوة، يركز انتباهه على الأشياء وينفتح عليها بكل قلبه، أو يوحى له بأنه (شاهد) عليها بلغة الصوفية.

 

بلال الدواح استاذ من مدينة العرائش شمال المغرب

.....................

(86)- حازم القرطاجني، منهاج البغاء، م س ص 39.

(87)– أورده محمد بنيس في الشعر المعاصر، م س.، 2001، هامش ص 190، كما أورده عبد الفتاح كليطو في الكتابة والتناسخ،مفهوم المؤلف من الثقافة العربية، ترجمة عبد السلام بن عبد العالي دار التنوير بيروت، ط1، 1985 ص 21.

(88)- محمد بنيس، الشعر العربي الحديث-الشعر المعاصر، م س،ص 180.

(89) - خالد بلقاسم ،أدونيس والخطاب الصوفي، دار توبقال للنشر، ط1 2000 ، ص: 24.

(90) - يوسف ناوري، الشعر الحديث في المغرب العربي، ج الثاني، دار توبقال، ط1، 2006 ص: 113.

(91)- عبد الكريم الطبال، الأعمال الكاملة، م س ، ص218.

(92)-القرآن الكريم، سورة طه ، الآية 16-17-18. وهناك قصيدة أخرى بعنوان : في الموقد ص 49 من الأعمال الكاملة ، جاءت مصدرة بآية قرآنية:" إني آنست نارا لعلي اتيكم منها بقبس"

(93)- أدونيس، مقدمة الشعر العربي، م س ، ص118.

*  رغم أنها غير مصنفة ضمن قصائد المتن المدروس، فهي مثالا واضحا على مدى تأثر الطبال بالنص الصوفي وخاصة نصوص ابن عربي

(94)- عبد  الكريم الطبال، الأعمال الكاملة، ج1، م.س ص 96-95.

 

 

عامر عبدزيد الوائليما زال سحر الأسطورة يشدنا إلى الماضي لما يمثله من ثقل راسب في أعماق نفوسنا ويمثل الوسيط بين الحدث الطبيعي والنص القدسي والفلسفي، فإذا كانت (الأسطورة أداة نفسية لملء فراغات لم تكن اللغة مهيأة لملئها بمفرداتها في صقل المشاعر الإنسانية)، فأنها أيضا قد شكلت محاولة لإيجاد حل للمشاكل التي واجهها الإنسان وتركت، تأثيرا في طرق تفكيره ونظرته إلى الوجود، وعلاقته به من خلال الأسطورة (التي هي عملية تأمل من اجل الإجابة عن اسئلة مبعثها الاهتمام الروحي بموضوع ما). من هنا كانت الأسطورة سدا لحاجة وتأملاً من حيث الطبيعة وكانت الأسطورة بالنسبة للإنسان المبكر مركز تأملاته، وحكمته وأرادته في التفسير والتعليل . ومن هنا تشكل أثار وادي الرافدين منذ العصر الحجري الحديث وحتى مطلع العصور التاريخية أكثر الآثار خصبا وتنوعا في الشرق الأدنى القديم. إذ تعد النصوص المسمارية الأدبية على جانب كبير من الأهمية كونها مرآة صادقة تعكس الكثير من الأفكار والمعتقدات الدينية. وهكذا جاء الأدب بوصفه مرآةً عاكسة لمتطلبات الحياة وحاجاتها لهذا جاءت الأسطورة بوصفها كلمة أو هي مجموعة من الكلمات التي تظهر على شكل رسالة ؛ لكن هذه الكلمات التي تحمل رسالة، إنما هي مرتبطة بتلك الحاجات للحياة لهذا كانت الأسطورة تستمد شخوصها وأزاحتها وأمكنتها من التاريخ وتتحول هذه الشخوص وتلك الإزاحة والأمكنة بالتدرج من شخوص محدودة زمانا ومكانا إلى أزمنة وأمكنة غير محددة.وهكذا جاءت تلك الفترة التاريخية الممتدة من الإلف التاسع إلى الإلف الرابع قبل الميلاد في العراق القديم هي ليست بالفترة البسيطة. وهنا لعرض دراسة الأدب وإبعاده التي تؤكد بواكير الفكر الفلسفي في العراق القديم تناولنا الأدب العراقي القديم بعده يمثل الأثر النصي الذي يقدم تصور لما كان .

فالأدب في العراق القديم ينقسم إلى نوعين كبيرين هما: الأدب الديني، وهو أدب الكهنة الذي يرددون الأناشيد الدينية .و الأدب الدنيوي، القابع في القصر، ويندرج تحت كل منها مجموعة من فنون ذلك الأدب

أولا- الأدب الديني:

إذا كانت الكلمة هي حبر الوجود فان تدوينها هو المعجزة التي أثمرت أدبا وتاريخا وعلما . فجاء الأدب متداخل الإغراض يصعب فض الاشتباك بين أنواعه الدينية والدنيوية وهو تصنيف وظائفي لم يكن مفكراً به لدى العراقي القديم إلا إننا يمكن إن نحدد هذه الوظيفة والمكان الذي كانت تقام فيه في المعبد لغرض التعبد الديني وفي القصر لغرض دنيوي، إلا إن الوظيفة المدينية كانت هي السابقة في العراق القديم حيث كانت النصوص الدينية قد تطورت وشاعت وترعرعت بين الكهنة وداخل المعبد وكان لها السبق على النصوص الأدبية ذات الوظيفة الدنيوية فقد شاعت في المدرسة وأشاعها المعنيون المرتبطون بالموسيقى الدنيوية في القصر وبين الناس .فالأدب الدنيوي (لم يكتب لغايات دينية يغلب عليه الطابع الذاتي أو الانفعالي) . أن الأدب الديني (فيشمل النصوص المرتبطة بغايات عملية طقسية أو تلك المرتبطة بالآلهة (الأساطير) أو الخوارق الدينية ويغلب عليها الطابع الموضوعي والميتافيزيقي والأسطوري والسحري).ومن هنا جاء الأدب الديني، فإذا كان الدين يتضمن:أولا، مبدأ الخارجية، أي القول بان المجتمع يستمد قوانينه من خارج لا من ذاته . وثانيا مبدأ (المغايرة) أي القول بان البشر مدينون بمعنى وجودهم إلى غيرهم وليس إلى بشر مثلهم، ويتضمن ثالثا، مبدأ (الاتصال) أي القول بوجود فارق أو مسافة بين المجتمع ومصدره بين الجماعة والمبدأ المؤسس والمشروع لها .() .

فجاء الأدب الديني بتوجيه من هذا الأصل الديني بجميع مكوناته الرئيسية (العقيدة، الأسطورة، الطقوس) ومن ثم فهو يجتمع على نواة المقدس الديني وتكون غايته ووظيفته ذات طابع روحي تهدف بالأساس إلى ترسيخ الدين وجعله شغلا شاغلا لحياة الفرد أو الجماعة، والأداة هي اللغة القادرة بمصطلحات مستعارة من ميدان طبيعي وهذا ما يحصل عبر اللغة وقدراتها المجازية (فالمجاز هو جمع عدة وحدات معقدة في صورة واحدة قوية، انه تعبير عن فكرة معقدة .. بالإدراك المفاجىء لعلاقة موضوعية تحويل الصور الموضوعية إلى صور جديدة لذا فانه اختراعنا) . فهذا الاختراع لصورة عن القوى الغيبية نابع من قياس الغائب على الشاهد وتشكيل صورة متخيلة قدسية منفصلة عن الصورة الدنيوية فيظهر الفضاء الأسطوري حيث ألاماكن تشكل دورا ثانويا ؛ لان الأسطورة لا تستند إلى المكان بل إلى العلاقات مع التخيل وعلى هذا ظهرت تلك النصوص التي تعكس سلطة دينية ومجتمعة تداعب الرغبات الفردية الساعية إلى الحياة ومقاومة الموت عبر فعالية لغوية ؛ إذا كانت الأسطورة يغلب عليها التفسير فهي تهدف إلى (تعيين الأسباب والعلل الأولى للأشياء والإحداث الجارية وليس ثمة ظاهرة طبيعية او ظاهرة من ظواهر الحياة الإنسانية تأتي تفسيرا أسطوريا أولياً تستدعي مثل ذلك التفسير . وكل المحاولات التي بذلتها مذاهب الميتولوجيا لتوحيد الأفكار الأسطورية أو ردها إلى أنموذج موحد قدر لها إن تنتهي إلى الاخفاق السريع)، وهكذا فأن الأساطير تحدرت من القدسي فهي (حكاية مقدسة أو تاريخ مقدس) فان القيمة لهذه الأساطير العراقية القديمة تستخلص من خلال الأسلوب الأسطوري الشعري الذي يظهر من خلال مظهرين هما:الاول (الايقاع الشعري) الذي يظهر واضحا بشكل خاص في الأساطير البابلية أو المكتوبة باللغة الاكدية، حيث تظهر الأساطير موقعة بأوزان شعرية . واضحة يمكن مقارنتها بالأوزان الشعرية العربية المألوفة . والثاني (التقنيات الشعرية) مثل التكرار والمقابلة والوصف، والتشبيه ويرى (خزعل الماجدي) إن الأساطير الرافدينية تنقسم إلى:

(1) أساطير الخليقة (التكوين) (Myths of gensis) وتشمل أساطير خلق الكون وأساطير خلق الآلهة وأساطير خلق البشر حيث أسطورة الخليقة البابلية (اينوما اليش:عندما في العلى) .

(2) أساطير البناء (Myths of coustion) وهي الأساطير التي يقوم فيها الآلهة بخلق وبناء التفاصيل العالم وتأسيس الموت ومنح الإنسان أدوات العمل(كالفاس) وأدوات الحكم والسلطة وإنزال الملكية من السماء وغيرها، وتسيطر على هذه الأساطير المدائح الإلهية ومدائح المدن التي بناها الآلهة وقصائد البناء، وتشكل أساطير البناء وتجملها ما يشبه الكوميديا الإلهية المليئة بالأفراح والمسرات والمدائح .

(3) أساطير الحب المقدس (Myths of cacred love) وهي أساطير الحب الإلهي وكانت عند السومريين تمثلها أساطير الحب والزواج المقدس للآلهة انانا (عشتار) والإله (موزي (تموز) وهي تحتوي على نوعين من الأساطير الاول منها (النوع البنائي)، وهي أساطير وقصائد الحب والزواج المقدس .و الثاني (النوع التدميري)، وهي أساطير أنزول الآلهة العاشقين إلى العالم الأسفل وما يتبع ذلك من مرأى الحب . وان هذا النوع من الأساطير مرتبط بالمكان الذي ظهر فيه وبإشكالية فكرية معينة (ان الحديث عن الخصب وعقائده يستدعي أولا الإشارة إلى تشكيل هذا المعتقد في العراق القديم لان الحضارة العراقية صاغت هذا المعتقد وأسست له مجموعة مهمة من المفردات والطقوس والنصوص الأسطورية).

(4) أساطير التدمير (Mythos of deconstruclion....) وهي الأساطير التي تبدأ فيها قوى العالم الأسفل بالظهور والصراع مع قوى العالم الأرضي أو الأعلى وتمثلها أساطير قوى التدمير الإلهية للمدن وأساطير صراع آلهة العالم الأسفل مع الآلهة الكونية. وتسيطر على هذا النوع من الأساطير المراثي الإلهية ومراثي المدن وقصائد البكاء وظهور رموز الشر . ومن الأساطير السومرية في هذا المجال: أساطير كور، ومن البابلية: أساطير أيراء .

5) أساطير الموت (Myths of death) وهي أساطير نهاية الكون والآلهة والإنسان في ملحمة تدميرية واحدة وتمثلها في الأدب العراقي القديم (أسطورة الطوفان).

6) النصوص الطقسية (Pitual Texts (Liturgy) وهي النصوص الدينية التي كانت تكتب بهدف توضيح وتطبيق مراحل طقس دين معين . وتمتاز بثباتها الزمني وممارساتها المتكررة .وهذه تشتمل على: الأول النصوص الروحية (الصلوات والتراتيل)(Spirtual Textes Prayers and Hynms) يمكننا من حيث المبدأ تصنيف النصوص الروحية بحسب تركيبها وطبيعتها إلى أربعة أنواع هي الصلوات (Prayers) التراتيل (Hymns) والأدعية (Calls) والأناشيد الدينية (Chantsanthems) وأقوال الآلهة (God Calls) .والثاني النصوص السحرية (Magic Texts) . يمثل السحر أكثر إشكال الدين بدائية قدما ؛ مثل: (كالفتيشية والازواحية، والطموطمية).

ثانيا – الأدب الدنيوي:

القسم الأول في الأدب الدنيوي (الملاحم Epics): الأدب الملحمي هو الأدب الدنيوي المقابل للأساطير الدينية فإذا كانت الأساطير تضع الإله محورا لقصصها المقدسة فان الملاحم تضع الإنسان البطل محورا لقصتها البطولية وتنقسم الملاحم إلى: الملاحم الكبرى: ولعل من أهمها (ملحمة جلجامش) أقدم ملحمة انسانية مدونة . والنصوص والحكايات السومرية مثل: جلجامش وقصص آدابا ... الخ . ونصوص السيرة مثل: سيرة سرجون الاكدي . ويمكن التفصيل:

أ – الملاحم الكبرى: ولعل من أهمها (ملحمة جلجامش) أقدم ملحمة إنسانية مدونة يمكن أن نجمل ابرز مميزات الملاحم الكبرى فيما، التكرار والإعادة ويعود هذا المبدأ إلى الأصل السمفوني للملاحم، ولكن لا يمكن النظر إليها على أنها خاصية شفاهية فقط أو لتأكيد الأسباب الممهدة للسرد الروائي أو لاندفاع البطل نحو غاية محددة، بل ينبغي النظر إليها على أنها تتصل اتصالا وثيقا ببنية الخلق ...وهكذا يمكننا أن نعلم إن أول ما يميز صاحب هذا المنطق البدائي انه،ليس له إلا أسلوب واحد في التفكير والتعبير والكلام وهو الأسلوب الشخصي .و إنه يعرض، لا يحلل ولا يستنتج، واٍنه لا يصل بين نفسه أو إدراكه الذهني من جهة والظواهر الطبيعية من جهة أخرى إن إعادة خلق الأسطورة مثل إعادة الكلام نفسه في رواية ثانية مثل إعادة الإنسان إلى الحياة من عالم الموت مثل إعادة تنظيم الكون . واستباق الإحداث: وهو التنويه في مقدمة الملحمة عما سيتحقق في الملحمة. والشحنة الأسطورية فهي تنطلق دائما من موضوعات الآلهة دون إن تفرق في التبيان، بل لكي يزداد تألقها الروحي .

القسم الثاني من الأدب الدنيوي: (الأدب الحواري Dialoge):انه ذلك الأدب الذي يقوم على أساس الحوار بين اثنين وليس على أساس السرد أو الوصف. الأدب الحواري يتضمن ثلاثة أنواع مختلفة من الحوار الذي نراه مختلطا بأجناس أدبية أخرى وهي

1- نمط حواري للمناظرة وهو الذي كان يكتبه الكتاب من محض خيالهم لإبراز طبقات عنصرين متناظرين مثل (النخلة والأثل، النسر، الحية) .

2- "البلبال"نمط حوار خفيف سومري الأصل ويؤدى بمرافقة الموسيقى مثل حوار "دموزي وانانا ".

3- "أدمندوكا" حواريات الجدل بين نقيضين وهي القطع الأدبية التي تمثلها على أحسن وجه حوارية السيد والعبد . وهذا الضرب من الأدب يعتمد أساسا الحوار المتناظر والتنازع بين شخصين يقابل احدهما الأخر ويحاول كل طرف منهما إظهار أفضليته على خصمه والنيل منه .

القسم الثالث من الأدب الدنيوي: (الأدب الغنائي Lyric): ذلك الأدب الذي ينبع من الذات والوجدان بغض النظر عن غرضه، ويشكل الشعر جوهر هذا الأدب بل يمكن ان نسمى هذا الأدب (الشعرpoetry،verse) وكان الشعر في اللغة السومرية يسمى (سر Sir) ما يقابله بالعربية شعر . وقد امتاز الشعر السومري بالتكرار والمقابلة والوصف والتشبيه. وينقسم الأدب الغنائي إلى:

1- الشعر الوجداني (Sentime htal sympathetic poetry)، حيث يغوص الشاعر في وجدانه ويقدم لنا ما يشبه المناجاة الداخلية الذي يفصح فيها عن أسارير نفسه وخبرته وتوتره .

لقد تركني اٍلهي واختفى إلى الأبد

وخذلتني آلهتي، وابتعدت عني .

عني انفصل الروح الخير الذي كان يرافقني .

وهرب ملاكي الحامي يبحث عن اًحد .

2- المديح (أدب) (Laadatory commendatory)، كان العراقيون القدماء يطلقون كلمة (أدب) على المدائح الشعرية التي غالبا ما كانت تؤدى على آلات موسيقية .

3- الرثاء (تبكي) (elegy poetry،eleglac)، وهو أدب الندب والبكاء والعويل في رثاء الملوك والأمراء والمدن وكان الرثاء يؤدى عادة على آلة موسيقية كانت لغة الرثاء في الغالب لغة اطلاقية تربط الموت بالطبيعة والنبات والمصائر وهي بالطبع لغة أدب مبالغ ونلمح من خلالها طريقة التعبير عن الحزن العميق .

4- الفخر (تارو) (Proudor Boast Poetry)، وهو نوع من الأدب أو الشعر الذي كان يكتبه الملوك والأمراء على لسان الشعراء لمديح ذواتهم وإعمالهم .

5- الهجاء (Satric poetry) وهو أدب يهاجم فيه الشاعر عدوا له .

6- الغزل ( Love، Erotic Poetry) فاذا كان الأدب الديني "كالا"قد قدم لنا أدب الغزل الإلهي بين تموز وعشتار فان الأدب الدنيوي سيقدم هذا النوع من الغزل على لسان الملوك والكاهنات في طقس الزواج المقدس.

7- الأدب الأخلاقي (Ethical Literature)، وهو الأدب المكرس لبناء الأخلاق الإنسانية عبر وسائل أدبية عديدة ويحوي مجموعة من الأنواع هي:

(1) الأمثال (Proverbs or Aphorisms)

- ارم كسرة إلى كلب فيهز ذيله لك

- المال، مثل الطير، لا يعرف موطنا ثابتا .

- إذا خرجت تصطاد الطيور، بدون شبكة فلن تصيد شيئا .

- من تحبه عليك إن تحمل ثقل نيره .

- انه محفوظ في كل شيء طالما يلبس، حلة جديدة .

- الزوجة المبذرة في البيت اشد ضررا من جميع الشياطين .

2- نصوص السخرية (texts of irony):وهي النصوص على شكل قصص ذات مغزى أخلاقي معين وأطول نص ساخر وصل إلينا هو قصة (جميل نتورتا)

3 - حكايات الحيوان الرمزية ذات المغزى الأخلاقي (Parables) تذكرنا حكايات الحيوان الرمزية ذات المغزى الأخلاقي في الأدب البابلي بقصص (ايسوب) الإغريقي أو قصص كليلة ودمنة الهندية الأصل، ولابد إن نتذكر إن القصص البابلية هي الأقدم والأشد عراقة في هذا المجال مثل (الثعلب والبحر) ويرد منها الالتماعة الحكيمة الساخرة (بان الثعلب مرّ في البحر فنظر إليه متعجبا ومتباهيا وقال: أكل هذا البحر من بولي (.

4- الوصايا (Commandments):

- لا تفتري بل قل كلمات صالحة .

- لا تتداول بأمور شريرة، ولا يكن لك سوى كلمات طيبة .

- فالذي يفتري، ويقول كلمات شريرة

- سينتظر عبثا مكافأة شمش .

- حتى إذا كنت وحدك، لا تبح بأفكارك الخفية .

- فما تكون قد قلته مرة ستلقاه بعدئذ ..

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

 

بكر السباتين"ملح هذا البحر" فلم فلسطيني يناقش الهوية الفلسطينية في ظل الاحتلال

طرح عميق للقضية الفلسطينية.. صفق له طويلاً في مهرجان كان السينمائي.. يافا وقرية الدوايمة كانتا حاضرتين..

"ملح هذا البحر" فلم فلسطيني للمخرجة الأمريكية من أصل فلسطيني (آن ماري جاسر) هو انحياز للحياة في فلسطين السليبة واستعادة رمزية لها عبر اعمال تدل على امكانية استعادة الحق وتقول ان الحرية تنتزع انتزاعا بقوة الحجة وبقوة الانتماء الى المكان.

الذاكرة كانت حاضرة بقوة من خلال معالم يافا المتبقية وقرية الدوايمة قضاء الخليل تذكيراً بمذبحتها المدوية. عرض الفيلم الفلسطيني "ملح هذا البحر " للمخرجة آن ماري جاسر في اطار قسم "نظرة خاصة" الذي يتضمن فيلما عربيا اخر وهو فليم لبناني يتنافس مع "ملح هذا البحر" على جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان الدولي للسينما في دورته الـ61 عام 2008.

الفلم يعبر عن رؤية إنسانية عميقة لتداعيان الرغبة الملحة للعودة إلى الديار الفلسطينية السليبة وكيف تتبدل الرؤية الشخصية للبطلة ما بين التفاؤل في تفهم الوضع الفلسطيني الراهن والصدمة من الواقع الإحتلالي المخيف. أحد منتجي الفيلم الممثل والمنتج الاميركي "داني غلوفر" القى كلمة قال فيها ان "الفيلم قصة عاطفية وحكاية عن الذاكرة وانا فخور بأني كنت من بين منتجي هذا الفيلم".

وانتج الفيلم بأموال سويسرية وبلجيكية واسبانية وبريطانية وهولندية اضافة الى اموال اميركية وفلسطينية بينما تكفلت شركة "بيراميد" الفرنسية بعملية التوزيع. المخرجة آن ماري جاسر خلال تقديم فيلمها في عرضه الاول عالميا قالت" انها فخورة بان يعرض الفيلم في مهرجان كان وتحديدا في الوقت الذي احيا فيه الفلسطينيون ذكرى مرور ستين عاما على النكبة". القاعة تأججت بتفاصيل الذاكرة الفلسطينية من خلال عرض صور قديمة عن يافا وبحرها الأسير الذي رحل جد بطلة الفيلم منه على مراكب صيد صغيرة ليواجه الأقدار في رحلة اللجوء الفلسطيني وحياة الشقاء في المنافي، من خلال استعادة تفاصيل النكبة بمصاحبة موسيقى اغنية "يا بحرية" لمارسيل خليفة.

ويحكي الفيلم قصة الشابة الفلسطينية ثريا (سهير حماد) التي ولدت في بروكلين بنيويورك وقررت العودة للاقامة في بلدها الاصلي فلسطين. لكن بمجرد وصولها الى المطار حاملةً جوازاً اميركياً تكتشف معنى الحواجز والإغلاق ومعنى ان تكون فلسطينيا تعصف به الأزمات في عالم يتناساه على هامش الأحداث. والمفارقة أنها جاءت بدافع الإستقرار لتلتقي بالشاب عماد (صالح بكري) الذي يحلم بالحصول على تأشيرة للرحيل الى كندا. ويطرح الفلم أزمة الهوية الفلسطينية باقتدار في حسبة لا يتخاطفها الطرح السياسي نحو التشرذم على حساب الرؤية الإنسانية الحقوقية الشرعية.. هذا ما تقوله ثريا للجندي على الحاجز "انا من هنا".

الرمزية في الفلم وعبق الأماكن بعيداً عن التسجيلية الطاغية وظفت للرؤية الواقعية للفلم.. والتلازم بين مسارات الفلم كثف من تداعيات الأحداث وتماسكها.. فالبحر كأنه يحاور العائد فيلتقي مع ثريا بحميمية تلمسناها من خلال عومها الحالم في بحر يافا المملوء بالشوق الجارف، كأنه مكبل بقيود الأسر.. تشاطئه البطلة العائدة ثريا حيناً وتأخذه بالأحضان حيناً آخر. واللحظة الصادمة التي أججت في رأسها التداعيات كانت حين ذهبت ثريا لزيارة بيت جدها في يافا الذي تسكنه اسرائيلية محتلة، والذي بقي كما هو.. تقول ثريا في سياق الفلم" انها مستعدة للتخلي عن هذا البيت للاسرائيلية لكنها تريد اعترافاً بانه كان لها ولأهلها فيما سلب منها عنوة وعلى رؤوس الأشهاد.

ربما في ذلك تعبير عن قابلية الفلسطيني في الإعتراف بالكيان الإسرائيلي اذا ما اعترف هو بحقهم المسلوب؛ وأن يتوقف عن الكذب الدؤوب على الاجيال المقبلة في الدولة العبرية؛ هذا على المستوى السياسي المتماهي مع الفكرة دون طغيان. والصراع على الهوية يدفع ثريا نحو التحدي والثبات عليها معتبرة بأن الوثائق الورقية لا تعني شيئاً إزاء حقها الشرعي بالهوية الفلسطينية النابع من إيمانها بذلك. ويتجلى ذلك من خلال ذهاب ثريا لاستعادة حق جدها من الاموال التي كان يودعها في "المصرف الفلسطيني البريطاني" يقول لها الجميع حينئذْ متسائلين: " لماذا عدتِ!؟" لكنها تجيب باستمرار في أنها من هنا وإن الاوراق الرسمية لا تصنع هوية. وعندما تفشل في استعادة حق جدها الذي تحفَّظ المصرفُ على اموالِهِ بعدَ النكبةِ؛ تسطو معَ رفاقِها على المِصرفِ وتستعيد فقط المبلغَ الذي تم التحفظ عليه وبعضَ الاموالِ الأخرى "كفائدة".

المتابع لمجريات الأحداث التي يفترض في بعض تفاصيلها العنف ورائحة الدم لارتباط الموضوع بقضية مسكونة بهاجس الاحتلال والقتل اليومي ونزف الدم البريء؛ خلت المشاهد من العنف حتى عملية السطو تمت دون إراقة دماء. الذاكرة كانت حاضرة في الفلم بحكم الرابط الذي يجمع اللاجئ بالمكان.. فجدة صديقها خرجت من قرية الدوايمة عام 48 التي حدثت فيها أكبر مذبحة في فلسطين, ثم تعود بعماد في لقائهما الأول إلى ذاكرة يافا المكانية فتعيد على مسامعه اسماء الحواري والشوارع والمقاهي والاسواق في يافا التي هرب منها جدها عبر ذلك البحر المالح.

وفي كل مرة كانت ثريا تجد نفسها في مواجهة جندي يسألها عن أصلها لترد على السؤال بآخر: : انت في الاصل من اين؟. وحين تقرر ثريا ورفاقها سرقة المصرف يقررون ايضا الذهاب للعيش في القدس من دون تصاريح. وكما تغيرت هوية الاشخاص على اوراقهم في فلسطين فان هوية واسماء القرى التي هدم منها نحو 500 بعد النكبة تغيرت وبينها قرية "الدوايمة" التي هدمت كليا ووقعت فيها مجزرة والتي يقرران المجيء اليها فتطوف الكميرا المحمولة في معالم قرية الدوايمة بلغة تجمع بين الرمزية والتسجيل. الفلسطينية آن ماري جاسر وقعت هنا اول عمل روائي طويل لها لتصبح اول امراة فلسطينية تنجز فيلما روائيا طويلا.

وسبق للمخرجة ان وقعت افلاما قصيرة ووثائقية كان آخرها فيلم "كأننا عشرون مستحيل" الذي اجيز في الدورة الماضية من بيانالي السينما العربية في باريس. والفلم في محصلة الأمر نجح في كثير من رهاناته رغم الوهن الذي طغى على آخره نتيجة استخدام ممثلين غير محترفين واتساع مساحة الحوار على حساب السيناريو؛ وهذا لم يؤثر سلبياً على رؤية الفلم وتماسكه.. الفلم طموح وحظي بمكانة رفيعة المستوى على مستوى العال

 

بقلم بكر السباتين

 

محمد المسعوديفي: وليمة الكلام لحسن إغلان

ماذا نقصد بلَعبة التداعي؟ وما تجلياتها في نصوص "وليمة الكلام"؟ وكيف يوظفها الكاتب لتشكيل متخيله السردي؟ وهل تُسهم هذه الخاصية الفنية في بناء دلالة النص وأبعاده الرمزية؟

مما لا شك فيه أن هذه بعض أسئلة أثارتها قراءتنا لوليمة كلام المبدع والباحث حسن إغلان السردية، وهي وليمة تُغري بأطاييبها، وتَلَون أصنافها، ولهذا تقتضي الاستجابة إلى دعوة المبدع حسن إغلان، والشكرِ العميق له على دعوته الكريمة إلى التمتع بما احتوته هذه الوليمة الباذخة فنا وجمالا، والتي تثير أسئلة كثيرة وإشكالات شتى تتعلق بالمحتوى وبالشكل الفني على السواء، غير أننا آثرنا أن ننظر إلى نصوص هذه المجموعة من زاوية النظر التي حددناها في العنوان أعلاه، وانطلاقا من الأسئلة المتصلة بهذه الزاوية.

إن من يتأمل نصوص "وليمة الكلام" يَلفي لَعبة التداعي مكونا جوهريا في تشكيل المتخيل السردي وبناء العوالم الحكائية في كل نص منها. وعبر هذه الإمكانية الفنية يبني الكاتب نصوصه، ويشكل أحداثها، ويطرز حبكاتها السردية، ويؤثث عوالمها الحكائية المتميزة.

في النص الأول من المجموعة الذي يحمل عنوان "رغبة عاشور" نجد فعل الذاكرة وأثر الاسترجاع عنصران جوهريان في تشكل عوالم النص وإمكاناته السردية. تتداعى على ذاكرة عاشور وذاكرة الراوي مشاهد وذكريات عديدة. ويربط السارد هذه المعطيات السردية عبر الاسترسال الحر والتداعي وتصادي الصور والرؤى حتى ليظن القارئ أنه أمام وقائع لا واصل بينها، غير أن تدبر البناء الفني للنص، وتتبع تفاصيله يكشف أن لَعبة التداعي فيه قائمة على عناصر متصلة محبوكة: إن المدار في هذا التشكيل الفني لا يخرج عن تطلعات عاشور ورغباته وإحباطاته، ولا ينفصل عن أحاسيس شخصية "رغبة" ومشاعرها. وعن رؤى الراوي وتأملاته، وبهذا الجمع بين تداعيات الشخصيات الثلاث نرى أن النص القصصي يعرض حكايته في نسق سردي، بقدر ما يبدو، متشظيا موزعا، بقدر ما تجعل منه لَعبة التداعي نصا محكما وفق منطق جديد لا يخضع بالضرورة إلى الشكل القصصي المعهود. ومن هنا تؤدي اللغة، وتصادي المفردات، وانبثاق الصور الذهنية، والمشاهد الحسية دورا فعالا في تشكل المتخيل القصصي. لنأخذ مقطعا من هذه القصة قصد تجلية مدى تمكن لَعبة التداعي من بناء فنية الكتابة في النص وتشكيل دلالاته. يقول السارد:

"... وأنتِ أيتها النجمة لا مرفأ لك غير قلبي كفلقتي رمان تحدثيني عن شجرة رأس السنة التي لها عشرة غصون، ولك غصنُ لعنةٍ وكل لعنة شهادة وكل شهادة عذاب وكل عذاب في القلب، تدخلين مسافة قلبي. تبصرين بحمرته طفلة كحيلة العينين، تعيدين له نشاطه العادي، وتنقلبين كالزئبق في مدارات الحقد الطبقي، تتنوعين بتنوع الرؤيا تكملين الماء في قلعة لم تفارق دفترها الوحيد المخبأ بين نهديها. تخرجه كما أحمر وخربشات قلم مرسومة عليه، قلبا يكون قمرا مشتتا على أعمدة الأمل الصعب، وأنت ترتبطين به تقرئين دون توقف، ترددين أسماء الأصدقاء الهاربين من ظلمة الليل القاتلة، أخرجك من دائرتك ودائرتك وكتفي، تُسقطين أسوار الانعتاق المجهول حيث عاشور يردد كلماته، والأشجار تبحث عن ظلالها الهاربة مع الريح. والناس المساكين عراة يحملون الهموم في قلوبهم... ينتظرون وصول آخر قطار ليلي، ويغنون: صامدون... صامدون... صامدون.."(وليمة الكلام، ص.10)

هكذا، ونحن نقرأ هذا المقتطف السردي من نص "رغبة عاشور" نلمح مدى تلاعب السارد ببعض الكلمات وتردادها، وتركيبها في سياق صور سردية تتوالد وتتصادى. ومن خلال هذه اللَعبة الفنية تتشكل في ذهن القارئ دلالات، ويمسك برؤى يصنعها متخيل هذا النص. وبهذه الكيفية يدرك المتلقي أنه أمام نص يسرد حالة إحباط عاشور وانكسارِه، ويعرض حلمه بإمكانية تغيير واقع مظلم، وهو يستحضر "رغبة" تلك النجمة التي لا مرفأ لها سوى قلبه المعنَّى. وعبر تداعي الصور والدلالات نرى تطلع عاشور يختلط بتطلعات الناس الذين يحملون مثله عذابهم ومعاناتهم وينتظرون وصول قطار ليلي قد يذهب بهم نحو انبلاج الفجر وتحقيق الأمل الصعب، وهم يصرون على ترداد شعار الصمود والتحدي.

بهذه الشاكلة كان هذا المقطع السردي، على الرغم من توظيفه الرمز والمجاز والاستعارة والتكرار والتنغيم الصوتي وغيرها من الأدوات الفنية التي نجدها في النصوص الشعرية عادة، مقطعا سرديا خالصا يغوص في أعماق الراوي، وفي كنه شخصية عاشور ليجلي لنا رغبة جلية في تحقيق الحرية والأمل المتطلع إليهما. وهما مدارُ هذه القصة ومحورُها، وهي "رغبة عاشور" الحقة، قبل "رغبته" في المرأة "رغبة" وبعدَها.

وبالانتقال إلى نص "مزهرية فارغة" نعثر على أدوات فنية أخرى يتوسل بها السارد ليشكل لَعبة التداعي، ويبني عوالمه المتخيلة. إننا هنا أمام تشكل النص من خلال حوار مضمر بين السارد الذي يحكي بضمير المتكلم وأنثى لم يسمِّها، أو يسمها بوسم مخصوص، ولكن قرائن النص ومعطياته تنبئ القارئ عن استحضار سيدة الحكي بلا منازع في التراث الإنساني: شهرزاد، ومن خلال هذا الاستدعاء تتداعى الصور وتنبني رؤيا السارد لذاته ولما يجري من حوله؛ هذا من جهة؛ ومن جهة ثانية من خلال المنولوج تتشكل بعض قسمات هذا النص القصصي الفنية، وتتضح أبعاده الدلالية والرمزية؛ ومن جهة ثالثة تُسهم مخاطبة الراوي للشخصية، ومخاطبة الشخصية للراوي في بلورة جوانب أخرى من قلق شخصيات النص وتوترها، وانغماسها في مأدبة الكلام الباذخة التي لا تكاد تنتهي أعاجيبها. وبهذه الشاكلة يجعل النص من الكلام ومن الكتابة محورا جوهريا في عملية السرد. ولعل التداعي القصصي في هذا النص بما تضمنه من إمكانات فنية يبين أن مدار الكتابة السردية في "وليمة الكلام" هي الكتابةُ ذاتُها، باعتبار أنها تجل واضح لرغبات الذات الساردة، وهي تتفاعل مع العالم، ومع الذات ذاتِها. وباعتبار الكتابة أداة فعالة لقتل كوابيس هذه الذات كي تحلم أحلاما مشرقة أكثر، وكي تتحرر من ثقل العالم ووطأة عفنه وظلامه. وقد كان البناء الحواري للنص بتشكلاته الثلاثة المشار إليها أداة فعالة في تحقيق تماسك النص القصصي وتلاحم عناصره، على الرغم مما يبدو عليه من تشظ وتبعثر. وقد اختار الكاتب هذا النمط من الصياغة الفنية ليوصل رؤياه القصصية، ويصورَ ما يقع لشخصياته وما تستبطنه من مشاعر وأحاسيس ورؤى بلغة سردية ملائمة. وكما توسل السارد في نص "رغبة عاشور" بتصادي الكلمات، والصور، والمشاهد، نلفي في نص "مزهرية فارغة" نفس الأدوات الفنية، تنضاف إليها السخرية التي كانت أداة فعالة في تشكيل دلالات هذا النص وصنع فنيته، وقد اقترنت هذه الأداة الفنية بالحوار الداخلي (المنولوج) الذي يعد عنصرا من عناصر بناء لعبة التداعي وتشكل النص القصصي. يقول السارد في مشهد سردي طريف:

" جلست وسرحت في تخيلات أخرى حتى توقفت عند الراوي: هذا النمام الذي يريد نشر ليلتي في كراسته جاعلا مني وليمة للكلام والقراءة والسمع والرؤية. "خنزرت" فيه وقلت ابتعد عني فأنا لا أملك في هذه الليلة إلا ظلالَها. مد لي سيجارة أشعلها برقة وانسحب. وفي انسحابه قال سأدعك أسير كوابيسك وأحلامك حتى تستريح، وقلت: ما شأنك بي؟ أشعل الضوء وانسحب". (وليمة الكلام، ص.61)

هكذا تتحول علاقة الشخصية المحورية في النص بالراوي، وهو مضاعف للشخصية ومرآة لها، إلى علاقة توتر وصدام. ويتبدى في المشهد الحس الساخر، والتهكم الواضح من دور الراوي الذي يُنعت بالنمام الساعي إلى نشر أسرار الشخصية وفضحها، ويكشف هذا الحضور البين للسخرية عن رفض الشخصية وتمردها من جهة، كما يبين طبيعة البناء الفني القائم على لعبة التداعي التي تجعل من هذه الإمكانية أفقا للسرد وتشكيل متخيل النص، من جهة ثانية.

وهذه الخصيصة نلقاها في نصوص أخرى عديدة في هذه الإضمامة الحكائية. غير أننا سنقف عند نص "هنا المرقص والدعوة عامة" لنجلي دور السخرية في تشكيل لَعبة التداعي وبناء المتخيل القصصي. في هذا النص الطريف يجد القارئ نفسه منخرطا في عالم لا يخلو من غرابة وفنتازية تجعله يقبل على ما تصنعه الكلمات، وما تقدمه له "وليمة الكلام" من وجبات خفيفة طريفة سريعة الإيقاع، لكنها من حيث الدلالة عميقة ثقيلة الوقع. يقول السارد في مشهد دال من مشاهد هذا النص القصصي:

".. تركز نظري على المدينة، وأنا أحوم حول فراغها الصاخب إذ بطفلة (..) تحمل شارة فتوتها وإغرائها من بيت قصديري، واضعة جاكيتة جلدية بين دراعيها حاملة "صاكا" صغيرا بني اللون، سألتْها أمُّها كما سمعتُ إلى أين..؟ قالت: للعمل، قالت: أي عمل أيتها الممسوخة.. قالت: المرقص يا أماه بينما الأخ الكبير الملتحي في الجهة الأخرى يقلقل سكونه ويدعو السترة من الرحمان. تابعتُ طريقها إلى طريقِها بلهفة المنجذب، ساعيا للمعرفة، أوقفتُها فقالت: إيه يا شيخ.. قلت: عفوا أنا الآخر ابن البلد، نعم أنا صحفي من مجلة "خربوشة" ابتسمت وقالت: (ودوخة ابتسامتها كادت تقطر ماء الحياة) كيف جيتك؟ قلت: جميلة كالمرقص.. قالت: خذ صورة وانشرها في مجلتكم سأدفع ما دفعته ابنة المعطي أنت تعرف هذا، كل شيء بثمنه.. فأنا مغنية، ولكن الحظ عاكسني فلم أجد إلا باب المرقص.. أخذت صورة كما طلَبَت، ثم دققت النظر في جسدها، وجدته زهرة جميلة تحمل تعبا بدويا خاصا، وهنا رأيت المدينة كرة ثلجية تذوب بين نهديها، لمست النهدين للتيقن مما رأيت، إذ بعينيها الكحيلتين تنزلان على اليد الممدودة على النهدين. أزالت اليد.. وهي تقول: لم نصل بعد إلى هذا، لكن انشر الصورة وسأعطيك.. قلت متجاهلا: ماذا؟ قالت: ألا تعرف؟

فاندفعتْ بقوة إلى الرصيف اللامع، هناك لم أستطع ملاحقتها، واكتفيت بقراءة لافتات الإعلان عن افتتاح المرقص حتى حفظت بعضها مثل:

- المرقص رمز الوحدة العربية

- المرقص رمز النماء

- باستعمالكم أدوات المرقص ستحلمون أكثر

- مرقص ألف ليلة وليلة يهديكم ليلة بالمجان.

خرجت من هذا الفراغ الباذخ وتهت ثانية مع الكرة الثلجية التي ضيعت المدينة.." (وليمة الكلام، ص.19-20)

استشهدنا بهذا المقطع الطويل من القصة قصد الوقوف عند المشهد كاملا، وبغاية تجلية مدى حضور السخرية في النص القصصي ككل، وكيفية انبنائها من خلال لَعبة التداعي، والاسترسال في تشكيل العوالم الحكائية، ويناء المتخيل انطلاقا من هذه الخاصية الفنية. وهكذا لاحظنا خفة وسرعة إيقاع السرد في هذه الصورة السردية، وهي تحكي بسخرية لاذعة تحولات الواقع وتبدلات المجتمع وسقوطه في مستنقع الابتذال والمسخ والزيف والنفاق... وغيرها من السمات السلبية. وهكذا يجد القارئ نفسه أمام نص قصصي يحكي عن أشياء كثيرة في سياق سردي حكائي يحتكم إلى بلاغة التلميح والتكثيف مع توظيف إشارات ترميزية دالة إلى واقع سياسي/اجتماعي عفن، وإلى زيف قيمي وأخلاقي/ديني لا يمكن إغفاله، عبر لَعبة التداعي، وعن طريق سخرية شفيفة، وتهكم لاذع.

ولا يخفى التوظيف الذكي للحوار بين الصحفي/الراوي والفتاة البدوية/ المدينية التي عاكسها الحظ، ولم تجد سوى الرقص سبيلا للعيش. وبهذا التضافر بين الحوار والسرد في سياق تداع مسترسل تتشكل قسمات النص وعوالمه الحكائية الطريفة، وعن طريق هذه الإمكانات جميعا تنبني السخرية في بعدها السردي الذي يكشف علل المجتمع واضطرابه.

انطلاقا من كل ما سبق نؤكد أن نصوص "وليمة الكلام" كانت فعلا وليمة فنية باذخة بإمكاناتها الأسلوبية والبلاغية، وبأبعادها الدلالية والرمزية التي وظفها حسن إغلان بحرفية إبداعية لا يصيبها شك من قريب أو بعيد. وقد تمثلت هذه الحرفية الإبداعية العالية في تمكنه من توظيف لَعبة التداعي وجعلها أساس تشكيل نصوصه فنيا ودلاليا، وفي جعل الأدوات الفنية الأخرى التي يستعملها في كتابته السردية عناصر فعالة ضمن هذه اللَعبة الإبداعية المتقنة.

 

محمد المسعودي

.....................

- حسن إغلان، وليمة الكلام، JMK Print، الدار البيضاء، 2000.

- شاركت بهذه القراءة في ملتقى الصويرة للقصة القصيرة الذي نظمته جمعية أيام 14-15-16 دجنبر 2018.

 

 

الكبير الداديسيإذا كانت مهمة النقد غربلة ما يقدم للمتلقي وتمييز الغث من السمين والتعريف بالأعمال الجادة القادر ة على تنمية الوعي والذوق الجماعي فإن مسؤولية ناقد القصة القصيرة جدا تبدو أعظم، لأنه يتعامل مع ننوع أدبي مستحدث، زئبقي، مكثف حي لا زال ينمو ويتفاعل مع محيطه مما يحتم عليه البحث عن جهاز مفاهيمي وعن مصطلح نقدي وفق منهج يتناسب والحالة الطارئة في عصر يسعى لتسليع كل شيء، وما كان لي أن أكتب عن القصة القصيرة جدا إلا بعد قراءة عدد لا ببأس من المجموعات سمحت لي ببداية بلورة تصور حول هذا "النوع" الذي غدا يفرض نفسه تدريجيا على القارئ العربي...

لا خلاف حول كون "القصة القصيرة جدا" من أكثر الأنواع الأدبية حداثة في أدنا العربي، ورغم حداثتها فإن ما تراكمه من نتاج يحتم ضرورة مواكبة مستجدات هذه الكتابة المجهرية الزئبقية المنفلتة من المعيارية المدرسية والتي يكاد يكون الاتفاق حول ما يفردها من خصائص تتلخص في قصر الحجم، والإيحاء، التكثيف، وحضور سردية موجزة، تنبني على الرمزية و اعتماد التلميح بدل التصريح و السعي إلى تجريب قول كل في شيء جمل قصيرة موسومة بحركية غايتها توتير المواقف وتأزيم الأحداث في كتابة مبنية على الحذف والاختزال عبر بلاغة الانزياح والخرق الجمالي. وهو ما يجعل منها كتابة نعرفها ولا نستطيع أن نعرّفها، بل لا زلنا نختلف حول تسميتها وتجنيسها.

و" القصة القصيرة جدا " من الناحية التركيبية مكونة من ثلاث كلمات: الأولى تتضمن معيارا نوعيا يحدد النوع الأدبي (قصة) فيما الكلمتان الثانية والثالثة تتضمننا حكما بمعيار كمي يحدد الحجم (قصيرة جدا) ومن تمة فالتركيب لا يحيل على شكل أو نوع جديد وإنما يحدد حجما لشكل كان موجودا هو (القصة القصيرة)، ولو كان الأمر يرتبط بنوع جديد لاختير له مصطلح يناسبه، والك يعلم أن معظم النقاش الذي يثار في السنوات الأخير يدور حول كلمة " جدا" ما دام مصطلح "القصة القصيرة" متداول ولم يعد يثير ناقدا . أما "جدا" تلك فليست سوى خصيصة وسمة خارجية لا علاقة لها بالخصائص البنيوية، والسمات المميزة الداخلية للنوع، وقلما وجدنا في تاريخنا الأدبي تحديدا لنوع / شكل أدبي باعتماد معيار خارجي وحيد يتمثل في الحيز الجغرافي الطباعي الذي ينشر عليه النص...

أما من الناحية الدلالية الكل متفق على أن القصة القصيرة جدا هي كتابة أشبه ما تكون بهايكو سردي، فرضه زمن السرعة، ليتماشى وزمن السندويش وال SMS  ويقدم للقارئ وجبة سريعة قد تكون مكونة من جملة سردية واحدة، وقصة أحيانا أقصر من عنوانها فنجد عنوانا مشحونا بالدلالات والإيحائات التي لا تنتهي وتحته قصة قزمية مكونة من جملة، أو جملتين... صغر الحجم يحيل اللغة سهاما مصوبة نحو الهدف، ويجعلها شكلا تعبيريا منزاحا عن الأشكال التقليدية وهو ما يفرض على النقاد تغيير أدوات القراءة التقليدية، والبحث عن بدائل في مقاربة هذه الكبسولة المكثفة، والمادة زئبقية التي تنفلت من قارئها قبل الإمساك بها، تحدث به زلزلة في ما يشبه "اللذغ على عجل" تتلاشى ذبذباتها سريعا كما السفينة ترج مياه البحر لتعود المياه لهدوئها بمجرد مرور السفينة...

وعلى الرغم من مضي سنوات على تداول هذا النوع من الكتابة في ثقافتنا المعاصرة فإنه - ككل شيء جديد يكون له أنصار مؤيدون يدافعون عنه، و معارضون رافضون يتصدون له- فإنه لا زال يطرح عددا من الإشكالات أمام القارئ من أهمها: 

إشكال التسمية: صحيح أن تسمية "القصة القصيرة جدا" تكاد تكون التسمية الأكثر تداولا، لكن من حين لآخر تطالعنا تسميات يقترحها نقاد يتابعنا تطورات هذه الكتابة منها " القصة البرقية" بحسب يوسف سامي اليوسف، وأطلق عليها الكاتب السوري رياض عصمت (القصة الصرعة)، وسماها القاص الفرنسي فيليكس فينون (قصص السطور الثلاثة)[1] وهناك من يسميها الشطية، الومضة، الأقصوصة، ومن يطلق عليها أيضا اللوحة،، المشهد، الخاطرة، المقطع، الشذرة... ونحن نرة أن الوقت قد حان لحسم التسمية لأن تعدد الأسماء ليس سوى مدعاة للبلبة والتشكيك.

إشكال الأصل : لا زال المتتبعون حائرين في أصل القصة القصيرة جدا، بين يراها نوعا سرديا متطورا عن القصة القصيرة لما تتوفر عليه من سرد، حكاية، أحداث،شخصيات، لحظة الاكتشاف، المفاجأة والخاتمة... وبين من يعتبرها متطورة عن قصيدة النثر، لما تشتمل عليه من لغة شعرية، هيمنة الغنائية، واستعمال لغة مرسلة توظف أدوات الشعر من مجاز وانزياح وصورة فنية ... ومن يرجعها إلى الشعر الحر لاعتمادها نظام الأسطر والمقاطع، وحسن توظيف البياض مع الإفراط في توظيف البديع التوريات، الطباق والجاس والاعتناء بالجانب الصوتي... لكن يبدو هذا النقاش مجانيا ما دام هذا النوع قد اختار تصنفه بالانحياز إلى القصة القصيرة واكتفى بإضافة "جدا" ليميز نفسه.

إشكال التجنيس: إذا كان التجنيس يبدو مرتبطا بإشكال التسمية، فإن سؤالا من قبيل: مصطلح نسم به القصة القصيرة جدا يبقى مشروعا. فهل هذه الكتابة تشكل نوعا أدبيا قائما بذاته أم هل هي مجرد صنف من جنس كان متداولا خاصة أمام تعدد المصطلحات المستخدمة في نظرية النوع والتي تشير إلى اختلافات حول مفهوم النوع نفسه "وان مصطلحات من قبيل نوع Genre، وصيغة Mode, ونمط Type، وصنف Class تشير إلى سمات نوعية متباينة يتكون منها مفهوم النوع الأدبي وكلها يمكن أن تستخدم على نحو يجعل منها مصطلحات مترادفة أحيانا ومتباينة أحيانا أخرى"([2])، خاصة إذا أضيفت إليها مصطلحات أخرى من قبيل الطريقة، الشكل والجنس الأدبي، أمام وجود تيار جارف اليوم ينحى إلى اعتبار (الأعراف والمواضعات هي التي تحدد جنس/ نوع الخطاب المعاصر لأنه ليس له خصائص مميزة ملازمة أي أن المتلقي هو الذي يمنح الهوية)[3] مما يطرح سؤالا شائكا: من يحدد النوع أهو الكاتب، المتلقي أم السمات المميزة للنوع؟

وللخروج من هذه الحلقة المفرغة سنحاول التعامل مع "القصة القصيرة جدا" انطلاقا من التسمية كصنف من أصناف، أو صيغة من صيغ القصة وكفى النقاد شر النقاش المجاني. 

 إشكال الأصالة : هناك خلاف كبير حول مدى أصالة هذا الصنف بين من يعتبره شكلا تعبيريا دخيلا على الثقافة العربية كانت بدايته بأمريكا اللاثينية، ومن تمة فهو ليس إلا شكلا تعبيرا مستوردا جرفته إلينا عولمة الثقافة التي حطمت الحدود وسمحت بتسلل عدد من الأشكال والوسائط التعبيرية إلى ثقافتنا العربية، وبين ن يعتبره جنسا أصيلا وتطورا طبيعيا لأشكال تعبيرية كانت متداولة لدينا منها المحدث كالقصة القصيرة ومنها القديم المتمثل في الأشكال الحكائية الشعبية الموروثة كالنكتة، والناذرة...[4] 

 ومهما يكن فالقصة القصيرة اليوم في العالم العربي صارت نوعا أدبيا من تجليات ما بعد الحداثة، وشكلا يسعى ل (يُحرز بأقل حجم من الكلام أكبر حجم من المعنى) ولأول مرة يكون للعرب شكل تعبيري يُؤجرئ القول المأثور (خير الكلام ما قل ودل) و قول أبي العتاهية

وخير الكلام قليل الحروف    كثير القطوف بليغ الأثر

على الرغم من الهجوم العنيف الذي شنه بعض المعارضين على هذه التجربة التي وصفوها بالمسخ الذي لا يعرف أصله، وحمار الكتاب، والكتابة غير الناضجة التي لا يلتجئ إليها إلا الضعاف البُغاث الذين لا يقوون على التحليق في الأجواء العليا للكتابة، مما يجعلها تفتقر إلى رؤية دقيقة تتماشى والواقع وهي أشبه بالحركة الدادية (Le Dadaisme) لا تعني شيئا ولا تحمل أي محتوى وكل همها هز الممارسات التقليدية وتكسير القيم السائدة والسعي إلى صفة " العمل الفني" على كل تافه، وأنها تكرس الكسل وتشجع العزوف عن القراءة في مجتمع لا يقرأ أصلا.

وعلى الرغم من تعدد الإشكالات التي تعترض دارس القصة القصيرة جدا فلا يسعنا إلا دعم التجربة ورعايتها ومصاحبتها بالنقد - حتى لا تظل مجرد نزوة وموضة عابرة يجذب بريقها كل من هب وذب بحجة خرق المألوف- لقناعتنا بأنه لن تستطيع أن تقف على رجليها و تفرض نفسها، وتحدد الاتساق والانسجام بين خصائصها التي تفردها وتميزها عن غيرها من الأجناس، ما لم يصاحبها تراكم نقدي يساهم في بلورة وتطوير النوع، حتى يجد هذا النوع الأدبي تجاوبا من المتلقين فلا استمرار لي جنس أو نوع لا يقبل عليه أحد، عسى يكون لهذا النوع أثر في الذوق العام مادام يتوفر على قدر من الأدبية تؤهله ليوصف بنوع أدبي، وإلا سنضيع على ناشئتنا فرصة التفاعل مع هذه الأشكال التعبيرية القصيرة التي أنتجها عصر السرعة والتي تجمل في طياتها بذورا هجينة تجمع الأصيل بالمستورد، والقديم بالجديد... لأنه مهما تغيرت ملامح النوع فـإنه (يستمر في الحياة كصنف عن طريق الربط المعتاد للأعمال الجديدة بالأنواع الموجودة سلفا، وقد يتعرض النوع لتطور وأحيانا لثورة مفاجئة، مع ذلك وبسبب الربط المعتاد للعمل الأدبي إلى الأنواع المحددة سلفا يحتفظ النوع باسمه على الرغم من حدوث تبدل جذري في بناء الأعمال التي تنتمي إليه) [5]

ومن بين خصائص القصة القصيرة حدا، قدرتها – رغم فزمتيتها - على الجمع بين الشعرية والحكائية، لكن رغم حضور الشعرية فالسرد أو الحكائية تبقى السمة المهيمنة فيها. فمهما حاول كاتب القصة القصيرة جدا التخلص من الشخصية القصصية التقليدية، والاقتصاد في الأوصاف، أسماء العلم، الأفعال الكلامية، الأدوار المواقف ومن التسلسل والتراتبية، ومنطق الأحداث وزمنية القص... فإنه ما يزال يجد صعوبة في تدمير الحكاية[6] . لتتمكن القصة القصيرة جدا من كتابة شهادة وفاة البناء الموباساني الثلاثي (مقدمة عقدة، نهاية/حل) لتحيل القصة إلى تجربة نفسية في جمل سردية شعرية مكثفة بسيطة ينتفي فيها الوصف، الشرح، والتفسير. تقوم على ثنائيات ضدية تضع في اعتبارها ثقافة القارئ حتى تؤدي رسالتها، لقيامها على انزياح اللفظ والمعنى في بنية هلامية تنفتح على النكتة، الطرفة، الخرافة، الفلكلور،المقالة، الشعر والقصة القصيرة... فتكون بذلك أهم خصائصها استهداف تقنيات الجملة بدل تقنيات النص، وتقدم للقارئ كبسولة سمتها التكثيف اللغوي، اختزال المضمون، المفاجأة و تخييب أفق انتظار المتلقي....

 صحيح أن القصة القصيرة جدا فيها جل خصائص القصة القصيرة من شخصية، زمان، مكان، حوار والسرد... لكن كل هذه الخصائص تستحيل أطيافا فقط ... فلا خلاف حول كونها نصا حكائيا، وكل حكي لابد أن يتضمن وجود حكاية (حدث) وطريقة للحكي (سرد) لكن الحدث فيها لا يخضع للنمو والتسلسل والدرامية، بل إن الحدث ما يكاد يبتدئ حتى تكون نهايته ليضرب عرض الحائط كل تلك التقنيات التي نظر لها علماء السرد حول  أنواع البناء السردي (تصاعدي تنازلي، دائري، التضمين، التناوب،الاسترجاع ...) وحول الرؤية السردية كما حددها منظروها أمثال جيرار جينيت، تزفتان تودوروف وبول بويليون (من خلف، من خارج، مصاحبة) وطرق مقاربة أنواع وأدوار الشخصيات (الشخصية النامية، البسيطة، مفهوم البطل، والشخصية الرئيسية ...) وما نظر له هنري جيمس وبرسي لوبوك في السرد بين: الأسلوب "البانورامي" والأسلوب "المشهدي" ناهيك عن ومقاربة الأبعاد النفسية الاجتماعية الثقافية للشخصيات بذلك تقف القصة القصيرة جدا عصية ترفض الخضوع لنظرية العوامل، والخطاطة السردية، رافضة قبول دراسة مفاهيم الزمن ( زمن النص، زمن الخطاب، زمن القصة،، الاستباق، الاسترجاعي، الخلاصة، واستحالة مقاربة المكان (المفتوح أو المغلق) بالطريقة التقليدية التي تبحث في أبعاد الأمكنة الجمالية، الجغرافية، الحضارية الطبيعية،السياسية الاجتماعية، و .... لأن لا شيئ لكل هذه العناصر وغيرها في القصة القصيرة جدا، وإن وجدت فمجرد تلميح أو شبح يصعب الإمساك به وجعله موضوع دراسة علمية دقيقة. فلا مجال في الق ق ج يتسع لكل تلك التقنيات التقليدية لذلك كان التكثيف خاصيتها الأساس، تكثيف يتجاوز الإيجاز بمعناه البلاغي، التي التكثيف المنفتح على التناص بالإحالة على نصوص غائبة في لغة موحية رمزية مشحونة بإحالات أسطورية، لغة منزاحة كثيفة ومكثفة بإيقاع يجعل من أسطر قليلة دلالات تضيق عنها الصفحات إذا بحثنا لها عن تفصيلات... لتصبح القصة القصيرة جدا (فسيفساء من نصوص أخرى أدمجت فيه بتقنيات مختلفة) [7]  ويفتح التناص باتساعه في هذا النص المكثف كوة وفضاء رحبا لا حدود له، لما يتيحه من انفتاح على نصوص كبرى في القرآن الشعر الأسطورة الخرافة .... فيصبح التناص عامل إخصاب للق ق ج ومولد للمعاني ... وهو ما يغري بمتابعة تجربة القصة القصيرة جدا حتى وإن كانت لا زالت تعتمد على التجريب بحثا عن فرادتها / تتنصل تدريجيا من معيارية العناصر التقليدية للقصة القصيرة بركوب المغامرة،

يستنتج إذن أن الفترة المعاصرة كتابة أدبية حديثة قد يكون الكاتب فيها ملتزما لكنها بالتأكيد غير ملتزمة، لهيمنة الذاتية والغنائية فيها ـ ولأن لا التزام للنص أصلا، خاصة أمام تحطيم الحدود الذاتية الفردانية نقل الصراع من الواقع إلى أعماق الذات وركوب الانزياح، الأسطورة والتناص والاكتفاء بالتلميح مع خصوصية مستهلك الأدب في الفترة المعاصرة، وطبيعة القصاص الذي غدا يكتب عن أوضاعه النفسية أكثر من كتابته عن أوضاعه الاجتماعية، ليجعل هدفه إشباع حاجة خاصة أكثر من إشباع حاجات المجتمع، ذلك القصاص الذي لا يقرأ للمبدعين أمثاله بقدر ما يراقبهم ويترقب هفواتهم، كتاب يشتكون فقرا في التنظير ويسعون بكل الوسائل إلى إثبات أنفسهم ككتاب عبر وسائط متلهفة لملء برامجها بكل من يدعي الكتابة في زمن إخراج كتابة القصة القصيرة جدا من جبة الأكاديمي

 

 ذ. الكبير الداديسي

......................

[1] - عن كتاب مدخل لدراسة القصة القصيرة جدا في العراق حمدي مخلف الحديثي ص 22

 ([2] ) - تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة: 35.

[3]  - محمد مفتاح دينامية النص المركز الثقافي العربي ط2 الدار البيضاء 1990 ص 157

[4] - خيري دومة : تداخل الأنواع في الق المصرية القصيرة ص 251 

[5]- نظرية المنهج الشكلي: 214.

[6] - طالع كتاب أفق التجريب في القص المحدث

[7] مفهوم التناص بشير القمري تحديدات نظرية مجلة شؤون أدبية عدد 11 سنة 1990

 

ابراهيم رحيم"الشّعر يكون، حيث العالم، في مثل حياء الحجرِ وصمتِه، جاهزٌ، كل لحظة، لكي ينغلق على نفسه، أو يتغطى. العالم الشّعري الحقيقي هو العالم شبه الصّامت، المكشوف المحجوب في آن"  (الأديب والشّاعر السّوري أدونيس).

الهايكو، قالب ياباني قصير، مكوّن من 17 مقطعاً صوتياً  (في لغته الأصليّة) موزَّعاً على ثلاثة أسطر  (5 / 7 / 5). له تاريخ طويل وتاريخياً في القرن الرابع عشر قد انشق من قالب آخر هو التان - كا أو الوا - كا وفي أواسط القرن الثامن عشر كان قد بلغ شعراً مستقلاً تماماً له ضوابطه الخاصّة. ليس للهايكو أي قافية أو ايقاع، كل ما فيه أنّه يصوّر لنا صورة قصيرة ذات بعدٍ حسيٍ كثيف، موجزاً بمفردات قليلة وبشروطٍ فنيّةٍ ضيّقة.

الهايكو روح الشيء وباطنها، ذات شعريّة طلقة ناريّة ناعمة لذيذة، تكون ساريّة بحرارة النّقر الدّمويّ في شرايين القلب، نفاذّة في زجاجة الروح دونما جراح وموضع طيرانٍ حرٍ للخيال الصّامت، عَقب معان حسيّة مستخدمة في هذا النّمط الشّعري؛ أساليب توظيف الحواس مثلاً ودونما فعاليات ذهنيّة معقدّة أو بعبارة أخرى أن تخف في صياغته، حدّة العمليّة العقليّة تلقاء الواقع وأمام خضم الأحاسيس المجردّة وأن يتمرّد فيه، التّدفق الشّعوريّ المنساب انسياب الدّمع، على فن التخييل!

 - من هذا الجانب، الهايكو ليس بشعرٍ فقط بل هو طريقٌ للحياة أو الحياة عينها، بجمالها النّاقص طوراً والكامل طوراً آخراً، ضمن تجربتنا الشّهودية الحسيّة ومن هذا المنظار هو فن بصري يوصَفُ بالكتابة عن طريق النّظر في الأشياء وإطالة البصر وعلى المتلقي العالمي أن يستحضر الشّعريّة التأمليّة هذه، بطء رفرفة الخيال؛ تلو قائله الّذي قد كتبه إثر تأمل عميق وفكر أصيل ومراقبة حادّة في الطّبيعة والذّات (مكتب الزِّن) !

بهذه البساطة يوجّهنا الهايكو نحو كتابةٍ مباشرةٍ، بل يدفعنا لتناقل جماليّات بصريّة عاريّة الشكل، بطريقته الأدبيّة المحاكاتيّة دون تكلّف في مجاراة الواقع وتشويهه أو تمويهه بعناصر اللّاواقع المفسدة لوضوح مرآة الواقع المنعكس في نص الهايكو، حيث يجعل الشيء المحجوب مكشوفاً والظّاهرَ الخفيَ، ظاهراً جليّاً، ذات روحانيّة دافئة بعدما كان جامداً بارداً لا روح له ولا صفاء!

الأهوازي توفيق النّصّاري، نشر للأسواق مجموعته الهايكويّة الأولى تحت عنوان رائحة الطّلع عن دار هرمنوطيقيا للتوزيع والنّشر بعبادان  (كانون الثاني / يناير 2019) وتمّ ما بدأ، من محاولتا توجيه وتوسيع، لهذا النّمط الشّعري من بوابة النّشر الرّحبة، على قدمٍ وساق.

لا غرو، إذ بات إسمه متداعٍ لهذا القالب الياباني ذي الجذور العميقة وهو يحاول منذ سنوات أن ينفخ في أجواء الأهواز الشّعريّة، روحها النّاعمة النّقية، بنعومة الموطن الشّعريّ الأصلي لها؛ فتراه يجعل من البيئة الأهوازية حقلاً خصباً لبذورها المثمرة وموضع سقيٍ لمطيّته الشّعرية نفسها وذلك لاشتباك شعريّة الهايكو بالبيئة والعالم الطّبيعي من حولها وتواشجها الأصيل واستمراريتها في باطن الإنسان وتوحيده بها كذلك، كيف لا وإذ البيئة كلمة مهذبّة نستوحي منها أصدق وأنبل مشاعرنا، فهي الأصل والجذع ونحن الفروع.

في صياغة الهايكو نحن أمام صمت كلامي وسيع ودفقة شعوريّة بطيئة الإنتفاض، حين تصل لذروتها تتمخّض منها أصدق المشاعر كالعشق والفرح والحزن والكآبة إلخ.

هكذا يعبرّ النّصّاري عن هذه الدُّفقة الشّعوريّة بكلمات موجزة:

يا له من حزن!

في النّهر

لا يتدفّق القمر  (ص 6)

فالقمر كان منذ الأزل صديق المياه والنّهر مرآته الأجمل ولكن ما أعطى هذا الهايكو منزلة شعريّة رقيقة ذات رؤية جديدة، جفاف النهر، إذ لم يعُد ممتلئاً مثلما كان والشّاعر لم يعُد يرى إنعكاسه الجميل، مثلما تعوّده فيما مضى من الزّمن؛ فيحزن ويحكي بإقتصاد عمّ يراه؛ بهذا يُحسّس المتلقّي خير تحسيس، بما كان وما حلّ بمصير النّهر تلو هذه الدُّفقة الحسيّة المتعاليّة من أحاسيس الحزن.

 

الهايكو هو الشّعر النّاعم أي يستضيف عناصر الطّبيعة ورموزها بين أطرافه ويستعبدها ويصفها كما تراها العين دون اجتهادات خياليّة ودونما أي مبالغة في التّنقيح والسّعي وراء الفنون البلاغيّة البيانيّة من كناية وإستعارة وإلخ، أي إعادة تصوير الحياة وإيجادها دون بناءها، مستفيداً بالعواطف الجياشّة لنقل الصّورة بتعبير مباشر ذات جرعة شعريّة ثقيلة:

نقطة التّفتيش...

يمرُّ بلا قلقٍ

سنونو الرّبيع  (ص 25)

و هل لنا نحن المصابون بداء الخوف من الفتك دونما أي ذنب، أن نعبر من سيطرات الشّرطة دون قلقٍ ما! فها - هنا الشّاعر يبرز نقطة التّفتيش أمامنا ثم بتكبير الصّورة للسنونو وحدها يجرحنا بواقعٍ لطالما تحاشيناه وأمنيّة لا نعرف متى تتحقّق في بلدان الخوف؛ علّ طير الحريّة أتانا بربيعٍ أزال الخوف والقلق القارّان في دواخلنا وأنقذنا من شتاء السّيطرات...

المحاكاة ونقل الصورة بحياد هما أهمّا ميزتان مرتبطتان بهذا القالب الشّعري، فالشّاعر الهايكوي يرسم على الورق ما يباشره بالنّظر العذري ويسمع في القلب رنينه الفطري، حتّى تومض في سماءه الشّعريّة نيزك الصّورة السّاطعة، فيرسمها هو بدوره كما شاهدها وببراعة المشهد الأصلي دونما أي تصرف آخر:

توقّفَ المطر...

النّخلةُ

لا تزال تقطُر  (ص 18)

أوَلاْ يحدث أن نحدّق لبرهة زمنية في شيء ولا نراه! أو تغاضينا عن بعض تفاصيله إثر الإنشغال ببعضٍ أُخَرٍ. السّماء أفرغت فيما جوفها من أمطار! فنبدأ بتعقيب السّحب أو نشم رائحة التّراب أو تجرفنا الذكريات لأحضانها القديمة، هذا ومن ثمّ نسمع رنيناً كأنّه المطرَ، مستمرٌ، كأنّ غيمةً غفوت على نخلةٍ والقطرات تلو قطرات. هنا الحياد المشهدي، جوهر النّقل الشّعري والمحاكاة، فن لإبراز الجديد من القديم المألوف!

الزمنيّة الآنيّة أو آنيّة اللّحظة الشّعريّة البصريّة تلو أحداث متسلسلة مرتبطة ببعضها البعض، تتحكّم في البدء بقرع الجرس الزماني رويداً رويداً لإندفاع الحواس الرّاقدة حتّى اللّحظة الحاسمة والإتيان الحركي البطيء، بمشاعرٍ كانت مخبوءةً في وادي النّسيان حتّى بلوغ الذّروة الشّعريّة و- الإنسياب السّريع وراء كلمات توصف المشهد بتعابير صادقة، ونستخلص من هذا الأمر أنّ الهايكو يجاري زمن الحال ويهتم به فقط، دون الولوج بالماضي أو الإهتمامِ بتكهناتٍ مستقبليّة أخّر. يقول توفيق:

ما إن تلاشت

السّيّارة في البعيد

حتّى بدأ الحنين  (ص 60)

بهذا الهايكو الّذي لم يضع له أي علامةَ ترقيمٍ تنوب عن الخَرجة أو القاطعة  (كَيري_جي، الصّمت الكلامي) يدخلنا النّصّاري عالمه البصريَ المرتكزَ على سيّارة تبتعد حتّى تتوارى عن الأنظار ويكشف لنا في النّهايّة أن هناك غليان داخلي بدأ بالفعل لينتفض أو عالم جديد في النّص الشّعري قد بدأ يظهر، ليملئ فراغ الوجهة بمصداقية الحواس؛ هكذا الهايكو ببساطة يدفع نفسه إلى الأمام، قول لحظةٍ بلحظةٍ في زمان ومكان محددين، كما أن هذه الحالة تُعتبر بياناً معبِّراً وصادقاً عن الحياة، السّريعة الزّوال؛ المتغيرّة الحال!

توظيف الحواس والحالات البيانيّة الوجدانيّة بهدف إثارة العواطف الإنسانية تجاه الطّبيعة إحدى مبتغيات الهايكو ومبادئه السّاميّة في كتابة النّصوص الشعريّة وهذا يرفع من شأن الشّعر والشّاعر سوياً وكما قلنا، في هذا النّمط البياني، يقِلّ تبجّح الخيال وتزداد وتيرة الواقع المشهدي دونما تصرف أو توضيح إضافي، من جانب قائل الهايكو:

باعة الجُمّار

آه " .. النّخلة أرض

عربيّة"  (ص 85)

بتوظيف حاستي البصر والصّوت الوجداني وتضمين  (النّخلة أرض عربيّة) من الشّاعر العراقي مظفّر النّواب، كرسالة واضحة الوجهة والمصدر، ينهي ببراعةٍ، نصّه الشّعري وعقب هذا الإرتباط العاطفي بينه وبين الطّبيعة الأم والوطن؛ يجرف المتلقي نحو التّيقّظ والتّنبّه تلو رموزه الشّعريّة المأخوذة بحيادٍ تام من مشهدٍ واقعي.

قد يُستخدم  (كيجو) واضح الملامح والصدى التعبيري في الهايكو أي إدراج لونٍ، فصلٍ أو موسمٍ خاص من مواسم السّنة أو عنصراً مرتبطاً به ويرشدنا الهايكوي به، نحو ضرب من الإشارات لمواسم، تختص بمنطقة جغرافيّة وترتبط بتلكم المواسم السّنويّة، ليزيد من حيويّة الشّعر بصبغة البيئة الزّاهية وطراوتها، يُعتبر كذلك مفتاحاً أو نقطةَ ولوجٍ لفهم الهايكو وإدراك كُنه ما يقوله الشّاعر الهايكوي:

نهاية الحصاد...

لم يبقَ من الفزّاعة

إلّا صليب مائل  (ص 22)

نهاية الحصاد، كيجو صيفي، يرشدنا لفترة زمنية أو يُمثّل أمامنا كافة عناصر ذلك الموسم وما فيه من إظهار صورة حيّة متماسكة أمامنا فمنه نستنتج وندرك ما يلي في الشّعر، من سببيّة عري الفزّاعة، مثلما اصبحت الأرض عارية من قبلها أي لم يبقّ هناك أي جدوى لبقاء الفزّاعة وحان الوقت الطّبيعي للتخلي عنها بعد خاتمة غاية وجودها وسببيّتها المتمثّلة بهذا الكيجو، أمّا بشأن الصليب المائل المنتوج من تفكك الفزّاعة فقد يرمز هذا التفكّك لشروخ أخرى تحدث كل حين في علاقات إجتماعيّة ولا يبقى منها إلّا صدى مكثفاً من اليأس والإحباط!

لا شك أنّ التّناغم فيما - بين أجزاء الطّبيعة في الهايكو، يكاد أن يكون فاضح الوضوح بصورة مكثّفة ومن أُسُسِه الكتابيّة، تبسيط الرؤية وإجتناب التفسير أو الشرح المُرهق وقد لا يكون فيه، مجال لإعطاء أي روح خارجية أو أنسنة الصّورة بفن التّشخيص أو غيره من فنون الخيال العميقّة؛ مع هذا، تأويل الهايكو أو شرحه قد يكون عميقاً ووقعه على مشاعر المتلقي نافذاً تماماً:

حقلُ الألغام...

فراشات الرّبيع

تحطّ وتطير  (ص 39)

ليس هناك مجال في الوِفق فيما بين عنصر خارجي منقلباً على الطّبيعة والطّبيعة نفسها  (بكافة عناصرها)، كما أن الشّاعر لا يحبذ أن يرَ أي إمتداد له خارج هذه القاعدة ومن هنا الوفاء إذ من المستحيل أن تسكن الفراشة فيما بين حقلٍ لا يمتّ لها بصلة ويسجنها بسياجه الملغّم ومن هنا الحريّة الشّاعريّة والطّيران تلو ربيع حقيقي.

قد يكون الهايكو ذا مضمون إجتماعي اعتراضي بلغة السّخرية، الإستهزاء والهزل وفي هذه الحالة يطلق على نصها، السِن ريو، على إسم كاتبها الأول كاراي سِن ريو  (Karai senryū 1718-1790)، في هذا النمط من الهايكو، قد لا يكون هناك أثر من  (الكيغو والكَي ريجي)؛ قد نتداول مواضيع شتى عن العالم الإنساني أمثال الفضائل، الرّذائل أو الأخلاق بصورة عامة، الأفكار والأحاسيس بَغِيّة إفشاء الكذب أو السلوك الإجتماعي غير المناسب وجلب إنتباه القارئ لمواضيع، يصوغها الهايكوي خير صياغة لمطلب ما:

بُعيدَ الإنتخابات،

ظهور اللّافتاتِ

أسمطةٌ للفقراء  (ص 69)

من الأساليب المتقنة في الكتابة هي إضفاء مساحة مشتركة فيما بين النّص والقارئ وذلك بغرض التّوفيق فيما يكتب الشّاعر وتجربة المتلقي نفسها وهذا ما نراه فيما كتبه توفيق في النّص أعلاه وهو يسخر من وعود النّاخبين وأسمطة الفقراء الّتي باتت تحمل خواء ظهورهم المخادع!

رغم بساطته الشّعريّة ونعومته، يعتبر الهايكو شعرية التّأمل العميق والمحايدّة الأعمق  (أن يكون على مسافة قريبة ومتباعدة سوياً  (حياديّة الصّورة)) وأن يربط ما فيه من عناصر ببعضها البعض بنعومةٍ كما قلنا؛ هذا ما يؤهل الهايكو أن يكون شعراً نسوياً بإمتياز إذ يكثر فيه الكلام الأنثوي الواضح الفارغ من مشقّة الصّور الغامضة والنّاعم بنعومة الأنيما المكنونة في العنصر الرّجالي:

القصب...

يكبُرن بصمتٍ

فتيات القبيلة!  (ص 23)

الصّورة هنا، بروز ونمو القصب بصمت، كما لو لا أحد كان ينتبه له وربطها بفتيات القبيلة وهذه محاولة ساميّة من الشّاعر للإعتراض على كبت المرأة وتقييدها كما لو كانت قصبة جامدة ليس لها قوةً إلّا لتبلغ موضع مواتها في المكان ذاته دونما أي إعتراض وبصمت القصب الجاف!! فهنا يقف الشّاعر بمسافة قريبة وبعيدة في آنٍ واحد ويتحدث دون مُحاجّة أو تصويب رأي نحو جهة ما؛ ما أكثر الكلام بعد هذا الهايكو الموجَز!

كثافة المعنى والإيجاز أي مراعاة فن الإختصار والحفاظ على جوهريّة الكلام فيما يقوله الهايكوي والإبتعاد من الوقوع في شَرَك الإسهاب الممّل الّذي سوف يبعِد النّص من أحد شروط الهايكو المصيريّة أي الإيجاز كما يعبّر عنه في الهايكو التّالي:

أذان الفجر،

إمرأة تركعُ في

حاوية القمامة  (ص 88)

............

نبذة مقتضبة عن توفيق النّصّاري:

- مواليد مدينة الفلاحية، إحدى مدن الأهواز، عام 1990.

-  يدرس مجستير أدب عربي في جامعة بوشهر.

- كان يدير مجلة المداد المعنيّة بالأدب.

- نشَرَ العديد من المقالات في مواقع داخل وخارج البلاد.

- لغوي بارع، صدر له في هذا المجال كتابين، هما الفصيح الرّاسب في اللّهجة الأهوازية  (2015) ولسان العرب في السّاحل والجزر (2017).

- ومترجم، له كتابان في مجال التّرجمة أيضا، مختارات من الهايكو الفارسي (2017) وثلاث درجات إلى الشّمس (نصوص هايكو)  (2019).

 

إبراهيم رحيم - الأهواز

...................

المراجع:

- ريو يوتسويا، سعيد بوكرامي. تاريخ الهايكو الياباني، المجلة العربية، الرّياض، السّعودية - العدد - 175  (https://www.goodreads.com/book/show/11848669)

- أدونيس. مقدمة للشعر العربي. ط 3. بيروت، لبنان. دار العودة، 1979

- أحمد شاملو، ع پاشايی. هايكو شعر ژاپنی از آغاز تا امروز. ط 9. طهران، إيران. نشر چشمه، 1393 شمسي.

- ألِن كامينگز، رضى هيرمندي. هايكوهاى عاشقانه. ط 1. طهران، إيران. نشر چشمه، 1396 شمسي.

- ع پاشايی، كيميه مائه دا. لاكِ پوکِ زنجره، ط 1. طهران، إيران. نشر چشمه، 1394 شمسي

- عبدالقادر الجموسي. مختارات من شعر هايكو الياباني، ط 1. دار كتابات جديدة للنشر - الإلكتروني، - نوفمبر - - 2015  (https://www.goodreads.com/book/show/34664319)

- توفيق النّصّاري. رائحة الطّلع. ط 1. عبادان، إيران. دار هرمنوطيقيا، 2019

 

رحيم زاير الغانمفي تأويل النص الشعري يجب علينا أن نميز بين التفسير والفهم  بحسب ما ذهب إليه وليام دلتاي، (باعتبار أن التفسير هو المنهج العلمي الذي تتميز به المدارس والعلوم الوضعية)*، فالعالم الطبيعي يُفسر مادته، لذا (يشكل الفهم أو التأويل "المنهج العلمي" المناسب لحقل الفكر والعلوم الإنسانية)*، وبهذا يُستدعى من القارئ في منهج التأويل الكشف عن سيرورة النص الشعري وما يطرحه، من أفكار ورؤى، وعلامات نصية، وأنساق مضمرة، أخذين بنظر الاعتبار عدم اللجوء للأحكام القبلية وإسقاطها على النص الشعري، والركون إلى الفهم الحقيقي للنص من أجل الوصول إلى المطابقة بين فهم القارئ  ورؤى الشاعر، من خلال سبر غور النص الشعري بقراءة واعية وصولا للمطابقة بين الفهم الحقيقي للنص وما ذهبت إليه رؤيا الشاعر، محققين تصورا كاملا عنه، وما لهذا الالتقاء من ضرورة في إنتاج الدلالة والمطابقة بين قصديّة الشاعر في بثّ معطيات دالة، ليتحقق فهم القارئ للخطاب الموجه للنص، مع قطعية ألّا يغيب عنها تأثير الواقع/ السلطة/ المجتمع/ التأثير الخارجي، بشتى مؤثراته، والنظر بعين الجدة إلى ذات الشاعر/ التأثير الداخلي، اللذين يشكلان السياق الذي بني عليه النص الشعري وكوّن وحدة متسقة من الأنساق، الذي بدوره يرشدنا لوضع مجسات لكشف تأثير هذه المعطيات على الجانب النفسي للشاعر، هذا كلّه سيتم تناوله في مجموعة (نخلة الله)*، للشاعر حسب الشيخ جعفر.

(يا أيها النهر الذي يلمع

تسمع نجواي ولا تسمع .

قرّب وقرّب من شفاهي الماء

أغرق صحارى عطشي الحراء

وقل لأطفالك أن يسرعوا

مثقلة أكفهم  بالماء.)  ص14

في هذا النص نجد طلب الارتواء حاضرا مع إشارة ضمنية يمكن جسها من تمنع النهر، على الرغم من لمعان النهر المتحقق من الرؤية البصرية، من خلال انقطاع التواصل بينهما عدم السمع/ ولا تسمع، للنجوى مع كونه قادراً على السمع، وتعطيل فعل النهر وما يحمله من علامة الإرواء والفيض/ النهر الذي يلمع / لانعكاس أشعة الشمس عليه، علامة امتلاء النهر، إلا أن الشاعر أراد منه، أن يحقق معنى دلالي / أيديولوجي (قرّب قرّب من شفاهي الماء)، وفي هذا الخطاب الأيديولوجي نجد تفجر المعنى دلاليا)، بمثابة التهيؤ للثورة جليا، (أغرق صحارى عطشي  الحراء)،  فالأرض/ صحارى وما قيمة النهر أن لم يردم الهوة ما بين / الحراء والشفاه المتيبسة من العطش، ليأتي النسق الايديولوجي المضمر/ الدعوة للتغيير، (وقل لأطفالك أن يسرعوا)، نجد الإذن  لإعلان ساعة الصفر/ الثورة/ التغيير بدعوة صريحة وما يشكله تأثير الواقع المعاش/ الفقر/الإقصاء، من دور فاعل في استحضار المعنى الثوري، (مثقلة أكفهم بالماء)، لما فيه من استدعاء الثوار/ الأطفال/ المستقبل، لأجل التغيير، نتيجة طبيعية للخوف الذي استشرى من تصحر حقولهم، هذا خطاب موجه للقرويين أنفسهم قبل غيرهم/ أبناء الوطن، بقرع جرس إنذار التصحر،  لممارسة ضغط السلطة بترك ارض الأجداد،/ جرس التفرد بالقرار، وهذا بحد ذاته إجراء  يدعو للقلق، وهذا ما قد تحقق فعلا في اغلب قرى وأرياف الوطن/ أنموذجا لتسلط قادم اكبر، ليبرز الباعث الأيديولوجي الذي شكلته السلطة، من خلال رسائلها التي لم تكن مشفرة، بل كانت واضحة الدلالة والمعنى.

(وشممت ثوبك في غبار الريح رايه

يا وردة البستان، يا طفلي المدّلل،

لو اضمّك في ضلوعي

وأشد اذيال النهاية، وهي تفلت، بالبداية

وتعود طفلا، تاجك الاشواك تزهر في دموعي) ص21

من معاينة النص بقراءة فاحصة نجد الحنين إلى الطفولة جليا/ (شممت ثوبك، وردة البستان، تعود طفلا)، فهي علامات تمثل رسائل مشحونة بوجدان الشاعر وما علق بذهنه من بيئة الريف، وما يعانيه الآن  من وضع نفسي ضاغط، ألجأه الحنين إلى حضن أرض ميلاده، كي يبث شكواه من قسوة الحياة، وعلى الرغم من ذلك نجد النسق الأيديولوجي فاعلا وبقوة هذه المرة متخذا من الجانب العاطفي، منبرا لبث أفكاره ورؤياه، (وتعود طفلا، تاجك الأشواك تزهر في دموعي)، مفردة الطفل وما تمثله من رمزية النقاء بشكله المباشر، وما تضمر هنا من علامة البداية بمضمونها العميق في تشظٍّ للمعنى، إذ تاجها الأشواك، أي أنه يعلن عن ثورة / محصنة أيديولوجيا، تحمل صفة المنعة والحفاظ على المنجز/ التغيير/ ان تحقق، وما يبرر نمو هذا النهج الجديد كون هذه الثورة سُقيت من دموع، وهي علامة المكابدة والصبر والأناة في تحمل الضيم، وإنتاج رؤية فيها تفكر لحياة جديدة، يترتب عليها فهما خاصا لمرحلة جديدة، بشقيها الايديولوجي والنفسي، وهذا واضحا من خلال الأماني التي يطلقها النص بـ (لو) /حرف امتناع لوجود، امتناع الضم، لوجود المانع/ السلطة، (لو اضمّك في ضلوعي)، وهنا يبرز خطاب دينامي متعدد الرؤى، متخذا من نير الاغتراب الذى تجلى في النص ببعد آخر حافل بالبوح عن الواقع المأزوم وما يعيشه الفرد من معاناة باذخة الألم، حتى بدا الحنق واضحا في عدم تقبل الواقع والسعي لطي  صفحته بما تحمل من مرارة، وأن لم تتحقق، (وأشد اذيال النهاية، وهي تفلت، بالبداية)،لتعود الكرةُ ثانية .

(عائدا تخفق اطمارك، مهزوما وحيدا

تحتمي بالظل، محموما طريدا

قمر السعف المندى،

عاد في الكأس التي تشرب طينا.) ص67

نجد ملامح  الاغتراب جلية في النص الشعري، (عائدا تخفق اطمارك)، وهذا الاغتراب كأي اغتراب صاحبه يبدو مهزوما وحيدا، وما لنسق الوحدة المضمر من تعميق دلالة الشعور بالانهزامية، التي من علاماتها البارزة الاحتماء بالظل، وهذا بحد ذاته يشكل علامة إخفاء الأصل وإقصاءه من خلال اللجوء إلى البديل/ النسخة المستعارة/ المزيفة للدور الحقيقي المرجو، وتتعمق دلالة الوهن وصولا إلى تسويق ثقافة الهروب/ الاغتراب كحل سريع للحفاظ على النوع المقاوم، مخافة الوقوع فريسة لحمى السلطة/ محموما طريداً، لقد أضفى نسق الاغتراب جوا من اليأس والقنوط على النسق الأيديولوجي الذي كان فاعلا في فترة الستينات، وأبدله انكسارا، وحتى لا يمكن تتبعه لا يظهر بأفق مفتوح بل الاحتماء من السلطة بسعف (مندى)، فلا يكفي التواري عن الآخر/ السلطة، بل اختيار الزمن المناسب للتخفي والمراوغة لتجنب عيون الوشاة/ السلطة، فيظهر في أوقات محددة وما الندى إلا دليل على وقت السحر، أو على نزول مطر نثيث، وما لهذا الواقع المضغوط من تأثير/نفسي سلبي، على ممارسة الدور الريادي في إيصال الصوت الحر/الشعب للطرف الحاكم، أنَّ الشعور المتصاعد في تكرار الهزيمة بات واضحا في النص، فهو يشي، بعمق المأساة المتكررة/ المعاشة، (عاد في الكأس التي تشرب طينا)، والطين بما يحمل من شوائب المراحل الفائتة والمعاشة، وان تعددت نسخها، لكنها تشتر بعضها البعض.

(الشفاه كالورد  تذبل

والوهج في العيون.. يخبو مثلما النجوم تأفلُ

وفي الضلوع يزحف الشتاء بالجليد والنواح .) ص47

نجد في النص تسابق للذبول والخبو والأفول، مشكلا علامة دالة على الحالة النفسية الحرجة من خلال جملة المعطيات آنفة الذكر، فالوردة/ الإنسان، صارت تنمو في حقل جليدي مبتعدة عن النهر والهواء والتربة/ الأرض، مما أفقدها الهوية/ البريق، فالشفاه التي لا ترتشف من نهر الوطن مصيرها الذبول، والنجوم تخبو كخبو الوهج في العيون في أفول يتركها تعاني مأساة الاحتضار البطيء، ليأتي نسق العزلة جليا كمحصل طبيعي ففي الضلوع زحف للشتاء، لما في هذه العزلة الصقيعية، من علامة تقويض للفعل الأيديولوجي/ السياسي/ الثوري، وفي هذا إشارة نسقية مضمرة تعد الأفول نتيجة متوقعة لمن يعد العدة  للهروب وترك الحقل خاليا من غرسه/ الثورة / الجيل القادم، إجراء غير محمود النتائج، مادام النواح زاحفا مع الشتاء في الضلوع، فليس من طباع الثوريين النواح، بل المقاومة والمطاولة في الفعل النضالي، لينتج هنا نسق القنوط التام.

(وأنا وحيد مثل جذعك، ظلَّ منك؟ سوى الرماد

في كوخنا المهجور، والريح الصفيقة في الوهاد

تلهو بأوراقي . أكانت كل اشواقي هباء؟) ص59

في النص نجد الاغتراب جليا/ أنا وحيد، وازداد ترسخه من خلال الحنين إلى الجذر الضاربة عروقه في الأرض ليتلون بلون  سحنتها التي جاءت رمادية، فثيمة الوحدة وما تخلفه من رماد في النفوس/ الإنسان الجذع/ الأوراق، أضحى رمادا بفعل حريق الوحدة،منتجة تشكيلا/خلقا جديدا من رماد من خلال التشبَّة بالجذع، لتأتي معطيات أخرى تزيد من الركون للوحدة (الكوخ المهجور، الريح الصفيقة) كلُّها إشارات دلت على خلو الأمكنة من ساكنيها، ليضحى الرماد والهجير والريح، علامات موحية على ذلك، فعلت فعلتها بوجدان الشاعر/ تلهو بأوراقي، ممثلة بأشواقه التي كانت حبيسة صدره الملتهب حنينا وأملا بلقاء الأحبة، ليأتي الخطاب هنا موجها للشاعر نفسه،(أكانت كل اشواقي هباء؟)، في مواجهة مباشرة مع النفس، بدت صادمة من خلال الاستفهام عن الأشواق الذي بدا في النص على الرغم من الوعي لكلِّ مجريات لعبة الإغواء التي مارسها الشعور بالوحدة/ الاغتراب الذاتي، وما تقاطع معها ايديولوجيا، لتأتي النتائج مخيبة للآمال كسابقاتها .

(شتاء

يا دثاراً كان من برد يغطيني

حننت اليك، قلت : اشاه، والاموات ان جاعوا وان عطشوا

فما من عابر يدري سوى الاشباح والطين .)ص71

من خلال قراءة النص نجد نسق الحنين المضمر في مفارقة تشي بنزوح عاطفي نحو المغايرة، فالشاعر هنا يستدعي الشتاء/ الوطن، ليكون دثارا يغطيه من برد الاغتراب، حين استدعى مفردة (أشاه) هذه اللفظة الشعبية، العراقية بامتياز، فمع كونه استدعى الطبيعة استدعى اللغة / الدارجة شعبيا، وكأنه يستدعي دفء القرية/ الأهل/ الطفولة، بل انُّه ذهب إلى ابعد من ذلك ليوجه الخطاب إلى الموتى معتبرا إياهم العابر الوحيد الذي (يدري) بفلسفة الكون والوجود، وهذا سرٌّ من أسرار البناء ألقيمي للفرد العراقي في تخليده للأموات وعدّهم خارقين للعادة/ القانون الطبيعي للحياة، (فما من عابر يدري سوى الأشباح والطين)، أن هذه المعطيات تعتبر مرجعيات موجهة للنسق الأيديولوجي/ الثقافي/ الشعبي، في وقت واحد، غير مكترثين لتلميع البعض للاغتراب بجعله ممارسة لا شعور، وقد لا يشعرون فبقدر تذوق المرَّ كان بمقدورنا ممارسة الفعل الدينامي ضمن منظومة مجتمعية يتحقق فيها الفعل الأيديولوجي والثقافي على الرغم من التضييق والحراجة التي تمارسها مؤسسة السلطة في تقويض حرية الفرد، فلا طائل للخلاص إلا الثبات على المبدأ/ على ارض الواقع، فلا فصل بين النظرية/ الفكر/ الايديولوجيا، والممارسة / الفعل الثورية/ التغيير، التي يفرضها الواقع المعاش/ داخليا/ الاغتراب، لكي لا تأخذ الأيديولوجيا سمة التنظير الفجّ.

 

رحيم زاير الغانم

......................

* من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة، عبد الكريم شرفي، منشورات الاختلاف، ص18، ط1، 2007م

* المصدر نفسه ص18

* الأعمال الشعرية الكاملة 1965-1975، حسب الشيخ جعفر، دار الشؤون الثقافية، ط1، 1985

 

 

660 شكري بلعيدشَاربٌ كثيفٌ أسودُ وبجانبه على اليمين شامةٌ سوداءُ على بياض ,ذلك ما تراه على غلاف ديوان الشّهيد شكري بلعيد وما الشّارب والشّامة إلا سِمتان تمتاز بهما ملامح الشهيد الذي ـ ولئن عُرف مناضلا وطنيا بارزا ـ فهو لم يُعرف شاعرًا بين الأدباء والشّعراء خاصة لكنّني عندما قرأت ديوانه - أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة - تبيّن لي أنّ النصوص الشعرية الواردة ضمنه تمثّل شاعرا من الطّراز الرّفيع فهي تؤكّد أنّها صادرةٌ من لَدُن مُهجةٍ كثيفةِ الشّجون ومُعبِّرةٍ عن مُعاناةٍ صادقةِ التجربة وهي قصائد لُحمتُها وسَداها من نَسْج ثقافةٍ عميقة وشاملة جعلت تلك القصائدَ ذاتَ أبعاد وآفاق مشحونةٍ بشواهدَ ودَلالاتٍ ذاتية واِجتماعية وتاريخية ناهيكَ عن قيمتها الأدبية فنقرأ مثل :

وجهك والريح في ما تقول الفصول

وجهك خيل المرايا

وامرأة عابرة

وجهك الآن ما خلفته الخبول

وما تركه الفاتحون على الأرض من دعوات

ومن أمنيات

وما شكلته الخفايا

إذن سوف تمضي وحيدا

إلى راية قاتلة ـ ص 58

أو كقوله أيضا :

إنّي الحلاج

هاكي الجبة فاللّه هنا يسكن فانوس الروح بأتعابي

هاكي الجبة واحتضني مسكن أيامي وعذابي

إني الحلاج

صبحي أقبل

يا امرأة من نيروز ومن شبق الذكرى

من خلجات المطلق حبن نساء الأرض تخون

فأنا المجنون

يا امرأة يخرجها الله من ضلعي أتيهُ بها في ليل الغربة

وأنادي

يا امرأة الطير ، هنا حُلّي في جسدي المسجون

وانفجري كالكلمات الحبلى

بنشيجي المخزون -ص54

-2-

كان من المنتظر أن نقرأ شِعرا معناه في ظاهر لفظه ويغلب فيه الخطاب الإديولوجي ويطفُو عليه المنحى السياسي المِنبري على النواحي الفنية الجمالية فالشاعر مناضل عتيد وملتزم إلى النخاع بالقضايا الوطنية التونسية والقومية العربية في أبعادها الإنسانية ولكن ما نكاد نمضي في القراءة قصيدا تلو قصيد حتى ترتسم لدينا ملامح شاعر مُقتدر يمتلك ناصية القول الشعري فيرسل المعاني صُورا صورا فإذا المجازات والتضمينات والإلماحات تتوالى في إيقاعات متنوعة حتى تستحيل شعرا بديعا بما فيه من وهج الصدق والمعاناة وبما في أبعاده من انتصار لقيم المحبة والبذل فيبدو الكون الشعري لدى شكري بلعيد كونا قَدَّهُ من ملكوت شعريّ ذي بصمات خاصة قد اكتسبها ولا شك من اطلاعه على  مدونات القدامى الشعرية ونتلمّس في بعض نصوصه صدى معاصريه من الشّعراء ولا عجب في ذلك فالإضافة لا تأتي من فراغ والإبداع لا يتسنّى إلا لمن كان مُطلعا على منجزات معاصريه.

-3-

من الخصائص الدالة على القيمة الفنية لقصائد شكري بلعيد ذلك الانصهار الذي تمكّن به من المزاوجة بين الشّجن الذاتي الحميمي وبين الهاجس الاجتماعي العام كقوله:

حين أنهض في غيبتي

أرسم عمري على راحتيك

وأمضي قليلا

لقطف الندى

ثم أكتب سيرة عشقي

على نهدك

والعيون مدى

وأشد إلي البلاد وأصرخ

يا طير

يا بحر

يا نهر

يا حجر الموج يا فتنة الفجر

يا لون زهر المنافي

ويا كبرياء الأنوثة -ص55

وهو حتى عندما يعبر عن مواقفه النضالية فإنه لا يصرّح بها بإفصاح صارخ كما تُكتب الخُطب والبيانات وإنما يجعلها في صياغة فنية وبأسلوب فيه الكثير من الإيحاء كقوله :

رفاقي نشيدي الأخير

جنون حبهم للبلاد التي وزعوا نارها بينهم

ثم مالوا على جفنها.واستباحوا بريق عيونهم

وردة لانبلاج الصباح

نسجوا من الدم المتوحد

أغنية الرفض والعاشقين

ملء هذي الأرض نحن

ملء هذا العمر نحن

ملء كل الحب

شحذنا الروح من أزل

وقلنا وحدنا الباقون -ص147

ـ 4 ـ

إن قصائد مثل - القرمطي ـ اِنبلاج الجسد الفلسطيني ـ للحبّ طقوس فلترحل هذه الدنيا - أعتبرها منجزات إبداعية تمكّن فيها الشاعر من الموازنة بين المنحَى الفكري والسياسي وبين الوشائج الذاتية العميقة وما كان ليصل إلى هذا المستوى من القدرة لولا تمكنّه من تجاوز الكثير من الاِختلافات الفكرية وجعلها منسجمةً في أطروحة جديدة جعَلها كسنفونية لا يمكن عزفها إلا باِنسجام عديد الآلات الموسيقية المتنوعة...تلك هي القناعة التي توصّل إليها وعيُ الثلث الأخير من القرن العشرين والمتمثّلة في ضرورة تجاوز مقولات الإديولوجيات الجاهزة لأن الممارسة والتجارب أثبتت فشلها في شتّى نواحي العالم وليس أمام البلدان العربية خاصة إلا أن تجد الحلقة المفقودة بين تراثها وواقعها من ناحية وبين تحديات العصر وآفاق المستقبل من ناحية أخرى وإنّ قصائد مثل ـ رسائل بغداد ـ أو ـ نشيد الخيول ـ أو ـ القرمطي ـ تؤكّد أنّ شكري بلعيد شاعر اِكتسب أسلوبا خاصا به يتميّز بقاموس جَزْل المفردات أي التي فيها قوّة ووضوح وبنصاعة المعاني في غير مباشرتيّة عارية وبمعمار قائم على إيقاعات متنوّعة وثمّة قصائد أخرى مثل ـ حلم ـ  أو  ـ لوحة ـ أو  ـ طاولة المقهى ـ أو ـ وحدي ـ أو ـ إليّ ـ  نلاحظ فيها محاولات البحث والتجديد في مواضيع التفاصيل الصغيرة كما ترسم بعض الظلال من سيرته الشخصية فحضور بغداد مثلا واضح المعالم وهي قصائد وردت في شجن عميق  وبأشكال فنيّة قائمة على مخالفة النّمطية وبنهايات مفاجئة فشكري بلعيد شاعر واع بمسارات القصيدة العربية الحديثة ولا شكّ ,وقد كانت قصائده شاهدة أيضا على قناعاته فقد سار على منهاجها في حياته التي كانت ثمنًا لنضاله من أجلها فهو من هذه الناحية أحد الشّعراء الذين لا يجود بهم التاريخ إلا نادرًا وإنّ شاعريته الفيّاضة بمحبة الأوطان والقيم الخالدة للإنسان تلك الشّاعرية من رقّتها ولطفها وشفافيتها لامست أحيانا تخوم حالة من التصوّف في مقولة وحدة الوجود وذلك في قصيدة ـ إله ـ

واقفٌ في مَخرج الرّوح

لم يعتلّني القديم

يا رياحَ البنفسج لا تَنسيْني

بلّغي مُهرة الرّوح كلّ الجنون

سمّيني عندها بالفتى

والمدى

والحنين

ولِدِيني ثانيةً

كي يستطيع النّهارُ اِبلاع صدايْ

أنا واحدٌ في رؤايْ

عَدّدتني المراحل ثمّ هوتْ

فتَشكّلَ ثانيةً من دمايْ

ولدٌ ملأ البحر في كفّه

ومضى يُنشد انْ

لا إلهَ سِوايْ ـ ص 16

ثمّة كلمةٌ كثيرا ما تتواتر في قصائد شكري بلعيد وفي سياقات مختلفة ألا وهي ـ الدّم ـ باِعتبارها الرّمز للتضحية والفداء ولقد تحقّق له ما خطّه من نبوءته ذات صباح كأنه كان معها على موعد حيث ورد في قصيد ـ نشيد الخيول ـ  مثلا

فلتترجّلْ كل الوُعول التي أعلنت موتنا ذات فجر

فالخيول

في اِشتباك الفصول أخرجت لونها

واِحتفت بضجيج الصباح

هذا وجه الرّقفيق الأبيّ

هذا دمع الصبيّة حين يفارقها العاشقون

هذه أمّنا المتعبة تلوّح بالفجر بين يديها

وتعلن للذاهبين

دم للمرايا

دم للزوايا

دم للجسد

اِستعدْ

يا رفيق الكفاح اِستعدْ

والبلاد على دَمِنا أجمعت عشقها

ـ 5 ـ

ختامًا لابدّ من إسداء الشّكر الجزيل للجهود التي أخرجت لنا هذه المدوّنة الشعرية فهي مرجع ينير جوانب أخرى من مسيرة الشّهيد شكري بلعيد بما في بعض القصائد من شواهد وإحالات وغيرها من الإشارات وإنّ هذه المدوّنة الشعريّة ذات قيمة إبداعية كبيرة فهي إضافة متميّزة للشّعر التونسي والعربي لذلك يجب اِعتيار شكري بلعيد ـ أيضا ـ ضمن الشّعراء التونسيين والعرب المعاصرين الكبار وقصائده البديعة شاهدة على ذلك .

غير أنّه كان من الأحسن لو أنّ الدّيوان ضمّ  النصوص الشّعرية كلّها  متواليةً حسب تاريخها قدر الإمكان وخاصة من دون حَجب البعض منها و رقابةٍ عليها بِتِعِلّةٍ أو لأخرى وبدون إضافة عناوين للقصائد التي ليس لها عناوين في الأصل وبدون جعلها في أقسام ثلاثة ذات عناوين ليست من اِختيار الشّاعر وبذلك يتسنّى لنا قراءتُها مثلما تركها صاحبُها بلا زيادة ولا نُقصان ولعلّ الطبعة الثانية يمكن أن تضمّ ما بقي من القصائد وتتلافى ما أشرنا إليه فالشّكر لأُولِي العزم مُسْبقًا.

إنّ ما دفعني إلى تسجيل هذه الملاحظة هو ما وقع لديوان الشّابي ـ أغاني الحياة ـ الذي لم يصدر ـ إلى اليوم ـ مثلما اِختار الشابي قصائده ورتّبها وعَنونها ففي كل مرة يصدر بإضافةٍ أو نقصان وكان من الأجدر أن يصدر الدّيوان كما أراده صاحبه ثم يُضاف إليه في مُلحق خاص القصائد الأخرى وللقارئ والدارس أن ينظر وأن يُمحّص النظر بعد ذلك من دون وكيل أو رقيب أو حسيب وعسى أن يكون لنا في ذلك عبرة .

 

سُوف عبيد -  برادس

......................

* شكري بلعيد مناضل وطنيّ تونسيّ اُغتيل غدرا أمام منزله صباح يوم 6 فيقري 2013

 

658 خليل الجيزاوي"رفعـت رأسـي لأرى أمـامي ِ فتـاة لیـست بالنحیلـة، دقیقـة الملامـح، بیـضاء البـشرة مـع صـفاء فیهـا، عیناهـا واسـعتان، وكأنهمـا اللؤلـؤ حـین تتحـرك، وابتـسامة كأنهـا تختصر كل جمال العالم."هكذا يأخذنا الكاتب والروائي "سليمان عوض" في روايته "أمينة " الصادرة عن دار سندباد  في 140 صفحة حيث يأخذنا في بداية روايته إلي إشكالية من الإشكاليات الاجتماعية  الواقعية وهي شغف الحب الأول في حياة الإنسان  ومدي تمسكه بهذا الحب والذي تغيرت معالمه في وقتنا الحاضر ما بين تعدد التجارب بالنسبة للشاب أو للفتاة في ظل المتغيرات الاجتماعية والثقافية  التي تهدم كل ما هو ثابت من قيم ومثل عليا في ظل عولمة جائرة لا ترحم أي معتقدات مثالية أو حتى أخلاقية  في زمن تحللت فيه الثوابت القيمية  علي أعتاب تلك المتغيرات الوافدة علي المجتمعات العربية وهنا  نتذكر علي الفور تلك الكلمات للكاتبة الروائية "سماح الجمال "( إلى كلِّ امرأة تحلمُ بالحبِّ في مجتمعٍ غير جديرٍ به وغير مؤهلِّ له، كوني قطعةَ شوكولاتة لذيذةً، طريةً، تذوبُ عشقًا، ولكن لا تخلو من حباتِ اللوز القاسي...كوني قويةً كوني أنتِ) ومن هنا نجد الكاتب قد برع في اختيار تلك العتبة الأولي للانطلاق نحو مسرح الحدث وهي اللقاء مابين البطل والبطلة من خلال هذا الوصف السردي الدقيق لديكور الحدث في مشهد سينمائي دقيق ليخلق حالة الانبهار العاطفي الذي تولد من تلك النظرة وتلك الكلمات وينطلق بنا الكاتب في خلق حالة من حالات الصراع الطبقي والفكري ما بين الشخصيات الرئيسية في روايته او الأبطال الرئيسية  من خلال استخدام أسلوب روائي بسيط ومشوق للمتابعة ،حيث خلق حالة من الجدلية مابين شخصيات غير متجانسة ثقافية  او اجتماعيا  ليمرر للقارئ التمسك بتلك الثوابت  الاجتماعية رغم الرفض الطبقي الذي سيطر علي الكثير من الأبطال وعند تناول الحوار الأول بين البطل والبطلة تطل علينا عبقرية الكاتب في الإمساك بالكلمات والحروف  ليرسم لنا لوحات حوارية دقيقة المعاني والدلالات من رسم جيد لمسرح الحدث وتجلت براعة الكاتب في تحريك الشخصيات في حوار  درامي وفلسفي بطريقة خاصة أظهرت براعته في تدفق الإحداث في ترابط  وتداخل دون الإخلال بالبناء الفني في الرواية ففي البداية تأخذنا الي تلك العادات والتقاليد المصرية في تناول درامي وصور حياتية من خلال تلك المفردات التي استخدمها حيث نجده في ص 12حيث الحوار التالي (بس؟ طیب.. أنت اسمك أیه یا دكتور. - سامي. - طیب یا دكتور سامي أنت عایز سكن الأطباء لیه؟ - قال لي عمى محمود استنى الأستاذ عبد السلام في سكن الأطباء - یخصى علیه محمود طیب مش یقولك استنى في الاستقبال! سـرح ذهنـي مـع هـذه الحوریـة التـي لـم أر مثلهـا مـن قبـل، وتـساءلت  فـي نفـسي  هل ولدت من رحم أم كأمهاتنا، أم أنها قـد هبطـت للتـو مـن الـسماء لتبـدد  وحـشتي في هذا المكان المقفر؛ من عساها تكون؟! - أیه یا دكتور أنت سرحت ف إیه؟ لعلمك ده هیكون مكانك علي طـول؛ كـل دكاترة الامتیاز ده المكان اللي بیبقوا فیه أغلب الأوقات. ثم غمزت بعین واحدة. - وده مكاني - إن شاء االله بس. - بس أیه یا دكتور  نت؟ - هوا إ - أنــا تلمیــذة بمدرســة التمــریض؛ وهنــا أتــدرب؛ هــوا أنــت مكــسوف ولا أیــه یــا دكتور سامي؟ الآن أنا أسمعها دكتور سامي ومن فم كأن كل بلابل الأرض ترددها. - یــا دكتــور ســامي أنــت الــدكتور وأنــا مــشروع ممرضــة! بكــره هتاخــد علینــا ً وتأمرنا؛ وتوبخنا أحیانا؛ بس وحیاتك تبقى حنین علیا . عاودت الغمز مرة أخرى وهي تقول: حنین علیا أنا بس)

- وتلك الرواية تتميز بتدفق الحدث حتي نصل الي قمة الإثارة الدرامية في هذا اللقاء الحميم مابين البطل والبطلة في منزل حسنيه  في الفصل الخامس في ص 81 حيث يقول "أبلغت أمنیة بسعادتي أن دمـى قـد اخـتلط بـدمها فـي عـروق المریـضة وقـد كـان ســببا لحیاتهــا، فقامــت بــضمي إلیهــا بعنــف وقبلتنــي ًــ تقبــیلا عنیف ا، لــم أدرى متــى تجردنـا مـن ملابــسنا وكیـف أخـذتنا النــشوة وكأننـا أبـدلنا بشخــصین آخـرین، حتــى وجدت دمها یبكى علي أفخاذي حتى قدمي. وكأن بكاء دمها قد استحث دموعي التي انهمرت من ندم علـي مـا حـدث، وقـد أفقدتها أغلي ما تملك في لحظة غیاب عن الوعي. بـدل أن تبكـى أمنیـة وكنـت أرى أنهـا أولـي بالبكـاء فـإذا بهـا تهـدئ مـن روعـي، وهي تفتعل الضحك، ثم انقلبت للهجة جادة عنـدما أخبرتهـا أنهـا خـسرت أغلـي مـا تملك " ومن هنا تأخذ الرواية منحيات أخري مابين الشد والجذب بين الشخصيات الرئيسية والثانوية  وينتقل القارئ مابين الواقع والخيال في تناول الحدث الدرامي فيها إلا أننا من خلال تناول الدراسة لتلك الرواية  نجدها تدور هو عدة محاور أساسية هي :-

1- المحور البيئي

- حين نجح الكاتب في رسم بيئة الحدث رسما دقيقا من الوصف المرحلي  للمكان مستخدما تلك المفردات البسيطة في تناول الوصف ليخلق حالة من التصور الذهني عن تلك البيئة وكان محور الفصل الأول هو تناول مفردات تلك البيئة الحاضنة لإحداث الرواية في فصولها المختلفة  متخذا من عناصرها المكانية والبشرية عنوان لمجتمع بيئي متفاعل  بما يملك من ثقافات مختلفة وعناصر متابية  حيث نجده في الفصل الأول ص 7 يقول (. هنـا فـي هـذا المبنـى العتیـق سـأكون الـدكتور سـامي، ولـیس الأسـتاذ سـامي كمـا تعود أهل قریتنا علي مناداتى. فقـد كـان مـن عـادة أهـل القریـة أن ینـادوا مـن یلـبس البیجامـة بالأسـتاذ، تمییـزا عـن معظـم أهــل القریـة، الــذین یلبـسون الجلبـاب، فكــان الـزى الرســمي لمـن سـلك طریـــق المـــدارس أن یجـــوب البلـــدة لابـــسا بیجامـــة ، أمـــا القمــیص والبنطلــون فهـــو للمدرسة أو الجامعة فقط. 9 وقفـت أمـام البـاب الكبیـر وقـد وضـع أعـلاه لافتـة كبیـرة؛ ولكنهـا باهتـة بقـدر مـا مر علیها من زمن، لا تكاد تقرأ مكتوب فیها المستشفى العام. َ كانــت البوابــة الحدیدیــة الكبیــرة مثبتــة فــي سـور یكــاد لــم یبـق منـه غیـر هــذین العمـودین، المثبـت بهمــا البـاب وهـدم بــاقي الـسور، حتـى لــم یبـق للأبـواب أهمیــة َ تذكر، تستطیع أن تدخل من أي مكان في السور، ولكنى لابـد أن أدخـل مـن هـذا الباب، وتحت هذه اللافتة. حینها تمنیت لو كان معي صدیقي مجدي، بما یملك من آلة التصویر، لیلتقط  فـي الـصورة، والواقـع لي صورة تحت هذه اللافتة، ولكن اللافتة باهتة قـد لا تظهـر أن صــدیقي مجــدي لــیس معــي، فــلا داعـي للتمنــي، تقــدمت بخطــى خجولــة مــن خلال الباب أنظر یمینا ویسارا ماذا أنا فاعل؟ ! تقدمت إلي مبنى عتیق ذي أبواب خشبیة عالیة. ماذا عساي أن أفعل والي أین أذهب؟! إذن فلأدخل ولیكن ما یكون! بضع خطوات في دهلیز ضیق لم یكن یكفي لأن یسیر فیـه شخـصان ممتلئـان متجاوران. لا أحد هنا وقفت حائرا أنظر للحجرات المغلقة ! أخیرا وجدتها حجرة المدیر، نعم لابد أن یكون هو المقصد، فلا أحد هنـا ولكـن قد یكون المدیر بالداخل. تقدمت خائفا وجلا، وطرقت الباب عدة مرات، ولا من مجیب . تسمرت مكاني لمـدة لا أظنهـا بالقـصیرة، حتـى ظهـر أمـامي رجـل أسـود، یلـبس ً ً جلبابا متسخا، وكأنه جاء لتوه من حقله، أو من حظیـرة مواشـیه، فقـد كنـت معتـادا  علي هذا في قریتي. - فیه إیه یا أستاذ؛؟ أنت واقف عندك لیه؟ وقبـل أن أنطـق كـان قـد أردف، آسـف یـا دكتـور بـاین مـن البـالطو أنـك دكتـور) تلك هي الصورة التي صدرها لنا الكاتب معبرا عن مسرح الأحداث التالية في الرواية ساردا لنا العناصر البشرية ابتداء من عم محمود العامل إلي صف الممرضات وصولا إلي الأطباء كل بدورة وتفاعله في أحداث الرواية حتي منزل حسنية الذي شهد قمة الإثارة في الرواية تم توظيفه بشكل جيد لخدمة الحدث صعودا وهبوطا حتي نصل إلي النهايات المنطقية التي خدمت البناء الدرامي

2- المحور البشري

- برع الكاتب في خلق حالة من الجدلية والصراع داخل روايته من خلال تلك العناصر البشرية التي اختارها بعناية وتم تقسيم هذا المحور الي عدة شرائح اجتماعية وبشرية تحتفظ كل منها بعادات وثقافات مختلفة ونجح في الربط الدرامي بين تلك الاختلافات  والثقافات من خلال تفاعل دينامكي وسيكولوجي بين تلك العناصر فنجد حالة التفاعل المكاني بين "الأطباء والإدارة " " الأطباء والممرضات " "الأطباء بعضهم البعض " وصولا إلي الصراع المزعوم بين عائلة سامي وعائلة "أمينة التي تمثل المحور الرئيسي للرواية ابتدأ من الصفحات الأولي حتي السطر الأخير بما تحمله من ثقافات غيرت مجري الحدث الدرامي  وتنهي حالة من الصراع الطبقي الذي دعمه بعض العناصر البشرية الاخري من الأطباء من أصحاب الأفكار المتطرفة  وان كان الكاتب قد حمل تلك الشخصية الكثير من وقائع وأحداث الرواية  علي حساب شخصيات أخري بها حث نجده في ص 87 يقول (ردت أمـي وكأنهـا تـزیح صـخرة ثقیلـة مـن فـوق صـدرها: شـوف یـا بنـى إحنـا لا بتــوع حــب ولا كــلام فــارغ، ولا إحنــا قــد ولاد البنــدر، تیجــى بنــت بتلعــب بالبیــضة والحجر، تضحك علیك وتورطك في جوازة مش لك، تندم علیها طول العمر؟ - بنت أیه وجوازة أیه؟ - البنــت اللــي أنـــت ماشــى معاهــا الـــصایعة دى اللــي أهلهــا رد ســـجون؛ ولاد الحلال جولنا وقالولنا علي اللي أنت بتعمله، كتر خیرهم خایفین علیك. - طیب مین ولاد الحلال دول؟! - مش مهم مین؟!. - طیــب مــدام الموضــوع كــده، أنــا كــده كــده كنــت جــاي عــشان أفــاتحكم فــي الموضوع ده، لأنها بنت كویسة جدا، وأبوها مش رد سجون، أبوها مدرس محترم، وأمها ست محترمة جدا . - ملنـاش دعـوه؛ كفایـة أنهـا هتبقـى ممرضـة، یعنـى صـایعة، تقبـل إزاى علـي نفــسك تتجــوز ممرضــة؟ تــسیبك فــي البیــت وتنــام هیــا فــي المستــشفى، إحنــا مــا فرحنـاش بأنـك بقیـت دكتـور عـشان تـروح تجیـب لنـا ممرضـة؛ یـادى الخیبـة اللـي مش علي حد! - یا ستي عموما أنا مش هقابلهـا، ولا هـشوفها بـس یـا ریـت تـسألوا عنهـا وعـن أهلها، وأنا مش ممكن أزعلكم رد والدي: بس أنت لازم تسیب المستشفى. عبثــا حاولــت معرفــة مــن هــو أو هــي أو هــم، مــن أبلغهــم؟! وأوشــى لهــم هــذه الوشاية) ونجح الكاتب في خلق حالة من التشابك الفكري والاجتماعي  سرد ادبي بديع  مع الحفاظ علي التطور الزمني والمكاني للرواية

3- المحور المهني

- كان الكاتب بحكم مهنته كا طبيب  حريص علي نقل تلك السرائر التي تسود تلك المهنة التي كانت لها قدسيتها في الماضي وكيف تدهورت علي ايد أصحابها رغم وجود بعض النماذج التي مازالت تحتفظ بتلك القيم المثالية لهذه المهنة وان عناك من يسيء لها من خلال استغلال أوجاع المرضي في تحقيق مكاسب مادية او من استغلال تلك المنشات الصحية خاصة في الأرياف والمناطق النائية في نشر الفكر المتطرف للجماعات الدينية   مما يهدد السلام والأمن الاجتماعي في تلك المناطق وان هناك صراع خفي بين أفراد تلك المهنة منها ما هو ايجابي ومنها ما هو سلبي وحرص الكاتب علي رصد هذا الواقع بكل تفاصيله من خلال نماذج ومواقف متباينة ومردود تلك المواقف  علي الجماهير رغم المستوي الثقافي المتدني حيث رصد في ص  25 (الدكتور شـكري ودودا، طیـب الخلـق ولكنـه كـان كـسولا، على النقـیض مـن الدكتور سلام. كــان الــدكتور شــكري دائمــا  یوصــیني بحــسن الخلــق مــع المرضــى، وأن أحــس المهـم؛ لـم یكـن یغـادر سـكن الأطبـاء إلا للعملیـات صـباحا؛ لـم ألحـظ أن الـدكتور  شـكري مـسیحیا، إلا مـن زوبعـة أثارهـا الـدكتور عـ امر، حـین طلـب مـن عایـدة أن یكــون ســریره فــي حجــرة غیــر الحجــرة التــي ینــام فیهــا الــدكتور شــكري، وألا تقــدم الطعام له مع الدكتور شكري، فترد عایدة علیه: - إمتى هتمـشى مـن هنـا دانـت بتاكـل أكـل الـدكاترة كلهـم، وبتخبـي البـیض فـي دولابك لحد مـا یمـشش، انـزل یـا راجـل روح العملیـات، ولا الاسـتقبال، اتعلـم حاجـة أنت قارفني طول الیوم. لم تكن عایدة تنادیه إلا یا راجل أنت، ولم یكن ینادیها إلا یا ولیه. أمـا الــدمرداش فكــان لا یــأتي إلا قلــیلا، وكانــت وجباتــه الثلاثــة یــستحوذ علیهـا عامر. أما الدكتور سلام فكـان یكـاد أن لا یـستقر فـي الـسكن، وكـان یحـتفظ بمجموعـة من الكتب الدینیة ولا یفارقه مصحفه إن جاء أو راح. كنت أراه دائما ما یتدارس ما  في كتبه مع الكثیر، ولكن أكثر أوقاته كانـت مـع الممرضة ماجدة، ممرضة العملیات).

- وفي زاوية أخري أشار الي بعض المواقف السلبية  التي يقوم بها بعض الأطباء خاصة  الذين تمرسوا علي الاستغلال كما جاء في ص64 (الــدكتور عبـد العــال بترحــاب زائـد، ومــرح لـم أره منــه فــي المستشفى، وأصر علي أن أتناول معه الغداء. تعللت بأني فعلا قد تناولت الغداء في المستشفى. مستــشفي أیــه یـا واد هــوا أكــل عایــدة ده أكــل؟ أنــت هتاكــل معایــا أُمــال أنــا طلبتك لیه. بــرغم ازدحــام عیــادة الــدكتور عبــد العــال، كــان حریــصا  علــي التحــدث معــي، والتفكـه واسـتعراض الـذكریات، وشـقاوة فتـرة الامتیـاز، ومـن قـابلهم، ومـن صـاحبهم مـشغول دائمـا ً ًـ ذهنـي مـن الممرضـات، وأنـا أنـصت أحیانـا، وأضـحك أحیانا، ولكـن  بحوریتي التي أدمنت لقاءها والنظر إلیها وسماع صوتها الساحر، وحـین اسـتأذنته بالانصراف قال: عاوزك یكون مكانك هنا عندي بدل الجلوس في الاستقبال. هنا هتتعلم أكتر أنا شایف إنك ولد شاطر وعاوز تتعلم. ثم ضحك وقال: یا سیدي ولو هتوحشك البنت أمنیة، مفیش مانع إنـك تجیبهـا معاك. جرت الحرارة في وجهـي، ولـم أعـرف مـاذا أقـول؟! حتـى الـدكتور عبـد العـال قـد علـم بـشغفي بأمنیـة، شـكرته وأسـرعت الخطـى إلـي المستـشفى، علـي ألحـق بأمنیـة قبل أن تغادر).

4- المحور السياسي

-حرص الكاتب علي ان  سرد بعض الوقائع السياسية التي سيطرت علي بعض طلاب الجامعة في تلك الفترة خاصة  انتشار أفكار الجماعات الإسلامية "الاخوانية او السلفية " وتربعت تلك الأفكار الضالة مع هؤلاء الطلاب حتي في الوظائف التي تنصبوا فيها  وكانت تلك الجماعات المتطرفة حريصة كل الحرس علي نشر أفكارها بين طلاب كليات القمة بصفة عامة والطب بصفة خاصة لما لها من تأثير كبير في المجتمع مستقبلا وهذا ما رصده كاتبنا في أفكار الدكتور (" -  لـم أكـن أحـب رفقـة الـدكتور عـامر، حتـى ولـو كـان فـي الـصلاة، وذلـك منـذ أن طلبنـي بعـد صـلاة الفجـر، حـین كنـا نقـیم فـي المدینـة الجامعیـة، ووجدتـه یعـرض علي، طرد اثنین من طلبة كلیة الهندسة، شركائي بالغرفة لأنهم مسیحیین. - إحنا لازم نطردهم من الدور كله، ویا ریت من المدینة كلها. - لیه یا عامر! دول ناس كویسین، وطیبین، وعشرتهم ممتازة. رد عامر: إذن فلنفرض علیهم الجزیة. انسحبت من أمام عامر، وأصبحت أتخلف عن أي صلاة، یكون فیها عامر. أدار الدكتور عامر وجهه نحو الخارج.") وكانت الصدمة ألكبري التي اكتشفها في نهاية الرواية انه سيطر علي أفكار عبد السلام الموظف بالمستشفي وتزوج ابنته الطفلة صغيرة السن وتنكر لها عندما حملت وخوف ذالك الموظف عن الإفصاح عن زوجها تلك الأفكار التي سيطرت علي عقول هؤلاء الأطباء في مجتمع كان ينظر الي هؤلاء بأنهم دعاة فكر مستنير وأصحاب رسالة

5- المحور الثقافي

-كان الكاتب حريص علي إبراز هذا الجانب الاجتماعي المهم وهو الثقافة العامة التي لا تعرف الدرجات العلمية او الشهادات الجامعية ويمكن لأي إنسان أن ينهل من منابعها كلما سنحت له الفرصة وكان علية أن يوظف تلك الفكرة توظيفا دقيقا ليحقق المنطقية في الحوار والسرد بين إبطال الرواية وكان عليه ان يمحوا بعض الأفكار الاجتماعية التي تنظر إلي فيئه الممرضات بأنهم مجرد أشخاص لا يعرفون أي شيء من مناحي الثقافة العامة وبالنظر الي هذا الحوار بين الدكتور سامي وحبيبته الممرضة أمينة نجدا أنها نالت قسط كبير من الثقافة من خلال تشجيع أبيها لها علي القراءة مما خلق حالة من حالات الإعجاب الذاتي والأيدلوجي بينهما وهو عامل القراءة والثقافة  ونري هذا الحوار بينهما في ص 30 بين البطل والبطلة :-

- (طیب أنت قریتي لمین؟ - كــل قــصص نجیــب محفــوظ، ویوســف إدریــس، والمنفلــوطي، ومحمــد عبــد الحلیم عبد االله، ویوسف جوهر، وقریت للمازني، والعقاد ومحمود تیمور. - قریتي شعر یا أمنیة؟ ً - طبعا ممكن أكون أحفظ الـشوقیات ومبهـورة، بإحـساس نـاجى، وممكـن أكـون ا أحفظ رباعیات الخیام من دیوان رمي. وأیه اللي عجبك أكتر با أمنیه؟ - فیه شاعر عراقي اسمه السیاب تعرفه؟ ً - طبعا ! - ایه اللي عجبك في السیاب؟ - ٕ جملته وإحساسه العالي مایتوصفش! - مین أكتر واحد عجبك؟ ً - هقولك طه حسین، وخصوصا كتابه في الشعر الجاهلي. - وبتقرى أیه آخر حاجة؟ - قصة اسمها رجال االله لكاتبة أمریكیة اسمها بیرل باك. - كم أنت رائعة یا أمنیه؟ أخاف أن أجادلك فتغلبیني. قطعت تفكیري. -عندي لك قصة یا ریت تقراها!)ونجح الكاتب في رسم صورة وجدانية عميقة لمشاعر الحب الاول حين وصف تلك اللحظة العاشقة بينهما حيث يقول ( حین سرقت منى یدي إرادتي، وتحركت لتلمس  ید أمنیة، سـرت فـي بـدني نـشوة لم أعهدها. لم تمانع أمنیة، وتركت یدها في یدي، أتحسسها وكأني أحصى كل خلایاها. لفنـــا الـــصمت طــویلا وأنـــا أتحـــسس أناملهــا الرقیقــة، واقتربـــت عینانــا، حتـــى أحســست بــدفء أنفاســها، وكــادت تــسرقني شــفتاي إلــي شــفتاها، حــین أطلــق فــي عیني ضوء كریه، من مسئول المقاعد في السینما وهو یقول: فیه إیه یا أستاذ؟! مـا أن انـصرف الرجـل، حتـى طلبـت منـى أمنیـة أن نكتفـي بهـذا القـدر)

البناء الفني للرواية

- هذه الرواية تحتوي علي ما يميزها عن غيرها من الروايات من حيث الانتماءات الواقعية والاجتماعية والنفسية ، وتتميز بقوة بنائها الفني ونجح الكاتب "سليمان عوض" في الإمساء ببراعة بعناصرها الفنية سواء المكانية أو الرمانية ، واحتوت علي عنصر التشويق بشكل دائم ومستمر و ظهور الشخصيات بشكل مرحلي حافظ علي البناء الدرامي للرواية دون أخلال وان الكاتب سار علي نفس النهج الأدبي المتدرج والرابط بين عنصري الإبداع ألابتكاري في القصة العمق الفلسفي  ونجح "سليمان عوض "" في توظيف الشخصيات في خدمة الصراع الدرامي المتصاعد حيث عرض كل الأنماط البشرية بتوازن، مما أضاف متعة للقارئ من خلال تلك الجمل السردية السهلة والبسيطة وتلك العقد وتصاعدها وحلها في حالة من حالات الابتكار والإبداع الأدبي تلك الرواية  تحتوي على العديد من القصص كلها معزوفة على وتريات الرجل والمرأة في علاقات متعددة تختلف باختلاف الزمن ومرور العلاقة بينهما، وتطورها سواء بالشكل السلبي أو الإيجابي، إلا انه كان حريص كل الحرص على إظهار هذه العلاقات في شكلها المرضي لها ولثقافتها الدينية والقانونية، حيث يقر  بان اللذة والألم وجهان لعملة واحدة، تربط بينهما نهايات  لا تفرق بين هذا الشعور وذاك، حين يصل أيهما إلى ذلك العمق، فيمتزج الشعوران  ليصنعا معا تلك النشوة باللذة أو النشوة بالألم، ولذلك علينا ان نؤكد ان د سليمان عوض "يمتلك أدوات كتابته من هذا الموروث الثقافي والبناء الأيدلوجي له  ونجح في بناء حبكته الدرامية في تلك الرواية  رغم هذا التدفق الهائل للمشاعر الوجدانية والعاطفية إلا أننا مازلنا  ننتظر منه الكثير في مشواره الإبداعي.

 

بقلم /السيد الزرقاني

 

 

رحيم زاير الغانميرى غادامير(كل مراجعة لتذّهن المعنى واستحضاره المسبق يمكنها ان تتصور استحضارا جديدا لمعنى جديد. قد تهيأ عدة تصورات متنافسة إلى أن تؤسس وحدة المعنى بصورة واضحة)1، ان الرصد الذي يقوم به القارئ العارف يأتي عن خلفية معرفية متنامية من خلال استيعابه للمنهج التأويلي واشتراطاته التي من شأنها الحيلولة دون الوقوع في فخاخ الحكم المسبق/ القبلي، وهذا يأتي بعد قراءة مستفيضة للنص، تبرز من خلالها تصورات عدة، باتجاه المعنى الذي أنتجه النص أو استحضارا جديدا للمعنى أو مخالفة تامة لكل ما رشح آنفا، لذا على القارئ الخبير متابعة هذا الخيط السري الذي يربط جميع التصورات التي لم تأتِ عن فراغ قطعا لكنها وبحسب، هيدغر، إذ (يؤكد موضوعه العلمي انطلاقا من الأشياء نفسها بتشكيل المكتسب والمدرك والمتصور المسبقين)2، فإنتاج المعنى يأتي من عدة مرجعيات معرفية سواء أكانت مكتسبة/ خارجية، أو مدركة/ ذاتية / داخلية، أو متصورة/ رؤى/ أفكار، ممكن ان يستمدها القارئ البارع من الخبرة التي يتحلى بها، وهي تتويج للمكتسب والمدرك، الذي تم تبيانه فيما سبق ذكره، فأننا نجد للقارئ فهما مسبقا للأشياء، ولمَّا يتناول نصا شعريا يحمل ذات التصور للمعنى/ الحكم القبلي، وهذا بحد ذاته لا يشكلُ خلافا للان، كما يرى هيدغر (أن الفهم يتحدد باستمرار بحركة التصور للفهم المسبق)3، أنما لو تحقق معنى جديدا خلاف المعنى الذي تم تصوره، ولم يتغير الحكم المسبق، فهنا يعدُّ مثلبة على القارئ، مع الأخذ بنظر الاعتبار انَّه يتحلى بالحياد تجاه النص، فللنص قصديته ، نعم قد نؤول معنى أو عدة معان من خلال فهمنا للنص، متكئين على نوايا النص، أو ذهن الكاتب نفسه، لكنه لا يسوغ لنا الإبقاء على الفهم الذي يتقاطع وقصدية النص، لذا لا يمكننا ان نبتعد أكثر، كما يرى دريدا، (إذ ليس هناك  شيء خارج النص)4، وأن نفسح مجالاً لتأويل المسكوت عنه كلما اقتضت الضرورة، بإشارة أو إجراء مباشر، لذا وبعد استعراض هذه الرؤى حول تأويل النص الشعري،  سنتناول مجموعة (أعمل الآن ..قرب مقبرة )5 للشاعر منذر عبد الحر، إجراء تطبيقي، لبيان إشكالية الحكم القبلي.

جندي فقد ذراعا في حرب ما

يستوقفني:

اعطني حقي منك!

أنت بكامل أعضائك

وأنا بكامل عطبي

أركض خلف سراب وطن لا يعرفني

أن القراءة الفاحصة للنص الشعري تمكننا من الوصول إلى جوانية الانتظار الدقيقة،  لأجل استحضار المعنى، بعد أن فارقنا سطحه بقراءة أولى فاحصة، غادرنا فيها الفهم المباشر، وشرعنا في أول خطوة لاستحضار المعنى الشعري العميق، أن دلالة الجندي الذي فقد ذراعه تشي بمفارقة لكونها واقعا معاشا لوطن الحروب التي جرت الويلات على أبنائه، فمن فقد أحد أعضائه وعاش رهين العاهة والمطالبة  باسترداد ما فقد، ان هو مواطن/ جندي بجزء ميت، و الأشد إيلاما  أنه دفع التضحيات إلى وطن سراب، (أركض خلف سراب وطن لا يعرفني)، وهذه مأساتنا وطن لا يعرف من أبنائه غير الأصحاء منهم،  نجد هنا المفارقة، فالوطن على الرغم من كل الحروب التي مرت يبدو بكامل عافيته، أما أبنائه أما قتلى أو مشوهين، ندرك أنه ممزق من الداخل، لكنه معافى من الخارج/ الظاهر، لذا لا نخلي مسؤوليته عما يجري حتى لو كان بعافية ظاهرية.

ألست في أرض حرام ؟

انظر هناك حقل ألغام

هذه ليست مدينة

هذا قناص

تلك دورية

هؤلاء جرحى

لقد حملنا الحرب معنا من طفولتنا ص23

أن تأويل النص الشعري لا يعطي للقارئ الحرية المطلقة في اصدار الاحكام المسبقة عند بروز معنى ما، فتأويل النص الشعري  يفضي لمعان عدة، وعليه يجب  ان يكون هناك تطابق بين معنى النص والمعنى الجديد الذي تمَّ استحضاره في فهم القارئ، فالمدينة هنا لا تفضي الى ذاكرة البراءة المصحوبة بالسلام، فهي مدن تعيش حالة انقطاع مع أبنائها، فما بالك لو أنَّها لم تبتعدَ عن ساحة حرب ، أرض حرام / حقل الغام/ قناص/ دورية حراسة/ جرحى، فمعالم المدينة غائبة، وكيف بنا ونحن  نستدعي الطفولة، الطفولة التي سفكتْ براءتها الحرب، (لقد حملنا الحرب معنا من طفولتنا )، نفهم من خلال جملة المعطيات التي زخر بها النص، أننا في مقبرة ولسنا في مدينة، فمن مقومات المدن الحفاظ على مدنيَّتها، ووقوفها بالضد من عسكرة المجتمع المدني الأمن، ان دلالة العسكرة هذه أنتجت معنى جديدا كونها مقبرة.

....ها أنذا ..

اشرب الماء من بئر راكد

رميت فيه الأنقاض والجثث ص33

أن إدراك معنى النص الشعري من خلال القراءة الواعية التي تحقق انتاج معنى جديدا، مُتأتٍ من خلال تطابق فهم  القارئ العارف لمعنى النص، فنحن لا نحاكم النص معتمدين عما يدور في ذهن المؤلف، بقدر محاكمة النص من دون الالتفات للحكم القبلي، البئر وما يشكله من علامة الارتواء، هو الآخر لم يسلم من فوضى الحرب التي طالت يدها المدن/ المباني/ الإنسان/ الأرض، فالخراب/ الحرب له فعل السحر في فناء الاشياء، بل انّه بلغ سعة وامتدادا منقطع النظير، وبنظرة فاحصة للنص نجد المدينة تعاني انقراض النوع بدلالة (ها أنذا) ، ، لذا تبرز مفارقة تبادل المهام فالبئر كالمدينة مارس فعل المقبرة، بمعطى دلالي أنتج معنى جديدا يحمل الفرادة هنا، فالمقابر/ الموتى، تنتظر الزائرين علَّها تبلغ رشفة ماء تروي عطش رمال القبر الساخن، إلا أنَّنا نجد البئر/ القبر، هو من يهبّ الماء للزائرين والأموات في ارتواء دائم.

كيف أعيد لهفتي

وأنا أرى السواد فوق كل شيء34

لأجل استحضار المعنى، يجب الأخذ بنظر الاعتبار المعاني التي تنتج عن الفهم للنص الشعري، مع التزام الحياد في استحضار جديدٍ للمعنى، من دون الركون الى الحكم القبلي، لذا لزاما علينا مراعاة تطابق المعنى المستحضر مع المعنى الذي أراده النص، فأن لم تتطابق لا يمكننا أن ننحاز للمعنى الذي تم تأويله، بل يجب علينا الكد وإعادة قراءة النص الشعري، فحين نتناول بنية السواد التي تشكل علامة للحزن/ الموت، تبرز دهشة القارئ، وهي ترى السواد يلف الأشياء في إعادة حساب للهفة التي حملته للوطن، إبصار السوّاد، وقف حائلا دون تحقيق الفرحة، السواد هنا لم يدثر جزءاً محددا، فهو لم يكن دثار، و أنما سواد قدم ليغطي الأشياء/ عموم الوطن، السواد/ الحزن/ الموت، فوق كل شيء، نجد هنا استحضار معنى السواد، الذي جاء مصاحبا لمعنى الموت/الحرب/ المقابر.

أراك تغتسل بمطر النار

أفزعت الطائرات أطفالك

وهرب عشاقك الى البراري

والمدن البعيدة

مضى أبناؤك إلى الكهوف ص35

عند معاينة النص الشعري يجب مراعاة المعنى الذي ذهب إليه النص،  بقراءة متدبرة كي يتسنى لنا مطابقته والفهم الذي ينتج معنى متوافقا مع المعنى الذي قصده النص، فالمدينة والأبناء متساوين في تلقي مآسي الحروب التي تدور رحاها لتقضم المدينة وساكنيها، المدينة التي تغتسل بماء النار/ الرصاص، ويستفيق أطفالها على صوت أزيز الطائرات، هي مدن الخوف المجاني، وان أرادت ان تتنفس متناسية الضجيج هذا تصطدم بهروب عشاقها إلى البراري والمدن البعيدة، لتشكل علامة شاخصة للمنافي، أما الأبناء إلى الكهوف، وما تشكله من دلالة للعزلة، لم يبقَ إلا شبح أسمه الحرب تحوم على الوطن / المقبرة، فمن صفات المقابر/ المدن، هروب الجميع منها بالأخص لو كانت مرتعا للدمار.

هل أنت أدرد حقا ؟

هل بلغت شاطئ اليأس

وأنت تنظر جثث أبنائك الغرقى

بين السفن التائهة

والصواري العوانس ص36

عندما نشرع في تأويل نص شعري باذخ الرؤى يجب علينا فتح أكثر من نافذة لأجل استحضار جديد للمعنى وصولا لتطابق الرؤى، حتى أننا نفتح نافذة لتأويل المسكوت عنه في إعادة لفهم النص وفق هذا الاستحضار الجديد الذي يجعلنا نعيد الإحكام التي اطلقناها مسبقا، لفتح أفقٍ جديدٍ للنص، فخطاب الأبناء هنا وجه بشكل مباشر للوطن، خطاب تداخلت فيه الجرأة، فالجندي الجسور و الابن الذي خذله الأب/ الوطن، لم يكن الخطاب مجانيا هذه المرة بل أتى عن تراكم للنكبات، فالدهشة تلف السؤال، قبل السائل، كأنهما في حيرة من معرفة وعدم معرفة سابقة في هكذا وطن، ما كل هذا السكون، هل يبدو الدرد، حالة مُخجلة، في فترة الهرم/ سن اليأس، (هل أنت أدرد حقا ؟/هل بلغت شاطئ اليأس)، أم أنه أدعاء للدرد المبكر، وما ادعاء العاهة قصور في الرؤية والتدبر، عاهة لا يطال الأبناء منها غير الخذلان  ، الأبناء غرقى في حاضر دامٍ ومستقبل مجهول، وما تشكله السفن التائهة ، عن المراسي/ الأرض، من علامة لضياع الأبناء، فهي من غير ربان، كما الصواري العوانس التي أضاعت الفنار/ الوطن.

في الارض التي لا تؤوي أحدا

ثمة أحلام

ثمة قرى هربت من الخرائط

ومنسيون أججوا خصبهم

وهم يقضون نهاراتهم بالرحيل

ولياليهم بالتعلق بالنجوم ص61

من خلال قراءة متأنية للنص الشعري نكون قد اقتربنا من الفهم/ التأويل،  الذي يتماها مع المعنى الذي أنتجه، فعبر سياق النص يبرز شعور عالٍ بالتيه، فالوطن انتماء، وما المنافي القسرية إلا مِشرط الجراح الذي فرق بين الجنين/ الأبناء والرحم/ الأرض/ الوطن، فتراه يصرخ لا لشيء يؤذيه وإنما ألفته للأمان في ذلك الرحم، مالها هذه الأرض/ الأوطان لا تؤوي أحدا/ الأبناء، حتى القرى هربت من الخرائط/ الوطن، والقرى هنا علامة شكلت للأبناء التي تسكنها، الخرائط لم تنتمِ يوما لأبنائها المنسيين في المنافي، حتى أنها لا تدرك الأرض التي وطأتها أقدامهم، فهم يقضون نهارهم بالرحيل، ولياليهم متعلقة بالنجوم، أي انفصال هذا عن تراب الوطن/ الرحم، وأي تربة هذه التي لا تؤدي إلى العيش أو الموت الكريم حتى داخل رحمها، أم أن هذهِ التربة غير منتمية أصلا لهذه الخرائط/ الأوطان، أم ان الخرائط مجت هذا الضجيج/ المنفى/ الموت المتكرر، ورفضت كونها خرائط لمقبرة.

الغرباء الذين جاءوا

طوقوا الشجيرة

أطلقوا الرصاص عليها

وداسوا على جثتها بمجنزراتهم

لم تبك

أنا بكيت من قبوي ص68

في استحضار جديد للمعنى وبعيدا عن الحكم القبلي الذي يسير بخطى متجاورة مع النص، ليحفظ الحيادية من خلال فهم يفضي  إلى مع مراعاة عدم التحيِّز في إصدار الإحكام القبلية ليتسنى لنا الوصول إلى جوهر النص الشعري، فالوطن/ الخرائط الذي لم يبقَ منه إلا شجرة، كعلامة للأمل، بعد تكرار الحروب والدمار والمنافي، صار وطننا مطوقا بالغرباء، الغرباء الذين أطلقوا على خضرته الرصاص، فأضحى الوطن / الأرض، مقبرة طالت يدها الأمل/ الشجيرة، التي مثل علامة للديمومة، حتى أنهم  مثلوا بجثة القتيل/ الشجيرة (وداسوا على جثتها بمجنزراتهم)، أو لوطن لم يرفعْ صوته بالرفض حتى،  الى هكذا إيغال في القسوة وقتل للأمل الأخير في ان يؤسس لحياة فوق الارض/الوطن/ المقبرة ،وما بكاء  المنفي/ الابناء، إلا علامة  لرفض استقبال جثة جديدة، ما أقسى أن يشيع الشجر كجثة إلى مقبرة، لتتشكل علامة الفصل بين الوطن والأبناء، فالوطن اراد أن يبقى خريطة فحسب فلم يبادر ليكون رحماً للحياة، بقدر كونه رحم للحروب والموت، كان رحما بسعة مقبرة.

نشدو للوطن

هذا الغراب المنسوج من شغافنا

هو الأم الجالسة في باب الفجيعة

بانتظار أبنائها العائدين ص126

إنَّ محاكمة النص الشعري وفق الحكم القبلي الذي يبديه القارئ مسبقا يقف حائلا والوصول إلى المعنى الذي أنتجه النص، لذا علينا إخضاع هذه الإحكام والرؤى إلى الاستبدال في حالة اكتشاف المعنى الذي قصده النص في مخالفة لما تم فهمه،  فالوطن/ الغراب، الغراب المصرِّح الأول في إنشاء مقبرة، (هابيل) لم يسلم من القتل ولم تعصمه الاقدار ان يدفن بإيماءة من غراب، هذا الوطن/ الغراب، الذي أن نعق، نشد للحرب والدمار والموت، وأن صرَّح، فتصريح لفتح عشرات المقابر، هذا الوطن/ الغراب، الذي نسج من شغاف الأبناء المنفيين، هو تلك إلام التي تجلس عند باب الفجيعة، الأم/ الرحم النافق/ الأرض/ المقابر ، التي تنتظر جثث الأبناء بعدما عصرتهم منافي الجوع والمسير عبر خرائط الأوطان الأخرى، لتلف بالأعلام تحت سلطة نشيد، نعيق الغراب.

في يوم ما ....

سيعرف القادم الى متحفنا

أننا عزل

محرومون

بلادنا شوارع مهجورة ص146

أنَّ استحضار المعنى في النص الشعري، يوجب على القارئ التحرر من قيد  تشظي الرؤية، لأجل  إدراك المعنى الذي أريد بثه في النص الشعري، كي يجعله ضمن فضاءه، وبهذا يكون قد اقترب من ساحل المعنى ليحقق تلاقيا مع مرساه، فالحكم القبلي لا يعد مبتغى القارئ الخبير، فالمبتغى الحقيقي هنا إدراك وحدة المعنى من خلال التأويل/ فهم النص الشعري، وصولا إلى تطابق الرؤى بين القارئ والنص، فالمتحف وما يشكله من علامة لتخليد تاريخ وطن مضى بأهله، لم يبقَ من الوطن سوى متحف/ تاريخ، تحت سلطة الخرائط، فالقادم أن تنبه وسأل لِمَ كل هذا الحرب/الدمار/ الموت، ما هذه المومياوات المحنطة / الأبناء ؟، إنهم بأصابع بيضاء لم يلوثها البارود ولم يخفِ نقائها القتل، بعدما سلبها التحنيط سمة الحياة، ما هذا الهزال، العيون تروي فجائع الجوع والخوف والموت والنفي، المتحف هنا شكل مع القادم/ الوافد/ الزائر، علامة للبوح بالفناء، كون المدينة ذات الشوارع المهجورة، ما هي إلا مقبرة، والقادم أتى ليلقي التحية، فالقيت على أموات/ الأبناء، جمعتهم مقبرة كبيرة/ متحف، فالزائر كان يتجول بالمدينة/ متحفهم الكبير، في إنتاج  لمعنى الأوطان/ الخرائط،  التي لا تعدو أكثر من كونها مقبرة، نعم قد يتم الكشف عن معنى جديد لم يدركه الشاعر نفسه، فيتم استحضار جديد للمعنى برؤى جديدة،  تؤسس للتأويل/ للفهم في ضوء ما سبق وفي ضوء الكشف عن المسكوت عنه في النص الشعري، بمدرك خارج سلطة وعي الشاعر لكن لا يمكن لنا الخروج عن سلطة النص ذاته، أن النص قد يفصح عن رؤى تقع تحت طائلة  تأثيرات خارجية بمدرك داخلي/ باطني/ اللاوعي، سواء أغاب المعنى أم حضر في ذهن الشاعر لحظة إنشاء النص،  لكنه لم يخرج عن سلطة النص(لا شيء خارج النص)، فلا يمكن لنا أن ننسب للقارئ، ما قد يقع تحت مصطلح تطور المفردة أو تنامي الفكرة أو النوع الشعري، فالأمر خاضع لتطور المرحلة الكتابية في أي شكل شعري قديما كان أم حديثا، وما قد يتم كشفه في نص شعري ما، فأننا عند فحص عينات أخرى نجد شعراء آخرين قد بلغوا ما وصل إليه الشاعر منذر عبد الحر، لكن بقي أمر الفرادة أو السبق في تطور الثيمة وتنامي النص، الذي يحب له، هذا كلُّه من مهام النقد، مع مراعاة الشكل الشعري الذي أبدع فيه.

 

رحيم زاير الغانم

....................

الاحالات

1- فلسفة الـتأويل، هانس غيورغ غادامير،منشورات الاختلاف الجزائر.ط2- 2006،ص12

2- المصدر نفسه، ص125

3- المصدر نفسه، ص126

4- النقد الثقافي، عبد الله الغذامي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-  المغرب،  ط3، 2005، ص35

5- أعمل الآن.. قرب مقبرة، منذر عبد الحر، وزارة الثقافة- العراق- بغداد، ط1-  2013

 

توارد الخواطر فى روايتى (ربيكا) (وموسم الهجرة الى الشمال)

) she was so lovely , so cultivated , so amusing) Repecca

(ولكنها مفرطة فى الذكاء، مفرطة فى الظرف حين تشاء) موسم الهجرة الى الشمال

هذه مقاربة بين روايتين ليس بينهما رابط لا فى الزمان ولا فى المكان، ومع ذلك فان لهما من القواسم المشتركة ما يجعلنا نمسك بالقلم ونسجل مجى الدهشة التى اصابتنا واعتقد انها ستصيب القراء – ايضا- من ذلك التشابه الغريب بين الروايتين ليس فى بناء الشخصيات بل فى اللغة التى يعبر بها تلك الشخصيات ايضا .

هذه مقاربة –اذن- من النوع الذى كان يجيده الاديب الراحل عبد الهادى الصديق الذى ما ذالت كلماته التى خطها عن التجانى يوسف بشير وتشايكوفسكى ما ذالت ررن فى اسماعنا حتى الان

فالى اى مدى كان توارد الخواطر بين (دافن دى مارى) و(الطيب صالح) فى روايتى (ربيكا) و(وموسم الهجرة الى الشمال)

تدور الفكرة الرئيسية – فيما نرى – فى رواية (ربيكا) حول تسلط المرأة،،ربيكا،،على زوجها "ماكسيم دى ونتر" الى الحد الذى يصل فيه ذلك التسلط الى مرحلة القهر والاذلال، تماما كما تدور احداث رواية موسم الهجرة الى الشمال فى كثير من جوانبها حول الاغتيال المعنوى لبطل الرواية " مصطفى سعيد" من زوجته المتسلطة "جين مورس" ومحو شخصيته من الوجود

" ربيكا" هى الزوجة الثانية لرجل يدعى " ماكسيم دى ونتر" كانت تسكن معه فى قصره الكبير " ماندرلى"، وقد يعنينا الآن ان كل احداث رواية (ربيكا) كانت تدور حول تلك المرأة فى صورة استرجاع للاحداث منذ لحظة الزواج وحتى لحظة الموت، وفى سياق تلك الاحداث نعرف كل شىء عن تلك المرأة الانموذج، ولعل بناء شخصية "" ربيكا " قصد منه ابراز لدور آخر للمرأة فى حياة الرجل وهو دور غير محبوب من معظم النساء ولكنه مثير ولذيذ لبعضهن .

لم تكن " بيكا" فى مجمل حياتها غير امرأة ماجنة وفاجرة لا تتورع عن فعل اى شىء، حياتها عبارة عن اسفار ومغامرات يكتنفها الغموض، وحديثها فيه نزق وفجور وتحد .... حياتها غامضة وماضيها مخيف ومستقبلها محفوف بالمخاطر، ولعلنى اساءل – هنا- كما اعتقد انه قد تساءل غيرى ما يجمع بين "ربيكا" السالفة الذكر مع "جين مورس" التى ابدع بناءها الطيب صالح فى رواية (موسم الهجرة الى الشمال)، " فجين مورس" هى الزوجة الاولى " لمصطفى سعيد" بطل الرواية مصطفى سعيد، امرأة جميلة وماجنة وكاذبة، استطاعت ان تلعب نفس الدور الذى لعبته "ربيكا"من قبلها ... دور المرأة التى تذل الرجل وتهزمه فى اعماق نفسه، لا لشىء الا لاشباع غرور المرأة الجامح، فمن هى "بيكا" كما تظهر فى الرواية الى حملت اسمها ؟ وما هو دورها فى حياة بطل الرواية ؟ وما هى تركبيتها النفسية التى جعلتها محور احداث الرواية ؟ لا احد يستطيع ان يجيب على هذه الاسئلة غير زوجها بطل الرواية " ماكسيم دى ونتر" لانه هو الشخص الوحيد الذى عرف حقيقة امرها تحت سقف المنزل الذى كانا يعيشان تحته

(You thought I loved Rebecca? I hated her , I tell you our marriage was a lie from the very first , she was wicked , rotten wicked ,we never loved each other)

هذه هى ربيكا كما وصفها زوجها والذى عرفهااكثر من اى انسان آخر , فالى اى مدى تطابقت صفات ربيكا التى ذكرنا مع مع صفات جين مورس فى رواية موسم الهجرة الى الشمال

(... لم تكن تعمل عملا ، ولا اعلم كيف تعيش،م اهلها من ليدز، لم اقابلهم حتى بعدزواجى بها، كان ابوها تاجرا لا اعلم فى اى بضاعة، كانت تكذب حتى فى ابسط الاشياء، تعود الى البيت بقصص غريبة عنه اشياء حدثت لها واناس قابلتهم لا يمكن ان يصدقها العقل ...... ولكنها مفرطة الذكاء مفرطة الظرف حين تشاء ...)

هكذا تحدثمصطفى سعيد بطل روايةموسم الهجرة الى الشمال عن زوجته جين مورس، وبرغم منانجد انفسنا امام زوجين يتحدثان عن زوجتيهما بنبرات هى للآسى اقرب منها الى اى شىء آخر، وبرغم منا - ايضا – نجد انه لابد ان نبحث عن دوافع تلك الكلمات لانها جاءت على لسان رجلين لا يجمع بينهما سوى انهما شخصيتان وهميتان فى روايتين كتبت احداهما فى ثلاثينيات القرن الماضى بينما كتبت الاخرى فى التسعينات منه .

نموذج المرأة الجميلة شديدة التأثير على الرجال بصفة عامة وعلى المجتمع من حولها على وجه الخصوص، والذى تميزت به بطلتى الروايتين، هو نموذج متداول بين الروائيين على مختلف جنسياتهم، فما اكثر النساء الائى امسكن بزمام الامور، وتسلطن على الرجال حتى صرن ذوات ذكر فى التاريخ عظيم.

برجوعنا للروايتين موضوع هذا المقال نجد ان ذلك النموذج قد اتخذ كتبرير لتضاريس العاطفة الذكورية حينما تتأرج بين القوة والضعف، فكثير من الرجال الذين تبدو عليهم دلائل القوة الظاهرة، يتم سحقهم من الداخل بفعل امرأة تعرف اين تكمن نقطةالضعف فيهم .

كان "ماكسيم دى ونتر" يعيش مع زوجته " ربيكا" فى قصرهما المهيب " ماندرلى" وكانت الحياة تسير بهم – فيما يبدو- عبر تعرجات عنيفة منذ اليوم الاول لزواجهما، ولكن يبدو – ايضا – ان الزوجة " ربيكا" قد تمكنت بسبب قدراتها الغير عادية من وضع انطباع عام لدى كل من يحيط بهم بانهم يعيشون فى سعادة كبيرة، وهكذا امسكت ربيكا بزمام الامور وقادت حياتها مع زوجها فى الطريق الذى تريد،وهكذا اصبح الزوج "ماكسيم" زوج الهانم التى تجرعه المرارت فى الخفاء وتظهره كأسعد انسان فى العلن. لقد تمكنت "ربيكا" من ان تجعل حياة زوجها اكذوبة يعيش فيها على كره منه .... اكذوبة كبيرة بين الناس الذين يرون فيها الحياة المثلى لكل زوجين علىوجه الارض . وها هى تتحدث عن تلك الاكذوبة باستمتاع كبير واستهتار اكبر

(…. And people will visit us, and talk about us , they will say .. we are the happiest best looking pair in England…. What a jock Max ?..... what a wonderful jock. )

لم يكن مصطفى سعيد فى رواية(موسم الهجرة الى الشمال) الا انعكاسا لطيف بعيد من ماكسيم دىونتر فى رواية

(ربيكا)، ولم تكن "جين مورس" الا صورة من"ربيكا"فى جمالها وذكائها ومجونها وفجورها وقوتها الانثوية التى ادت الى نهاية مصطفى سعيد الذى جاءها غازيا فى عقر دارها، ولم يكن لقاءه الاول بها الا بداية لسلسلة مريرة من الآلام .. تجرعها لحظة بلحظة ولم ينقذه منها الا موتها مقتوله بيده على فراشها فى غرفة نومهما معا . وهاهو يتحدث بلسانه ويقول:

(كنت اجدها فى كل مكان اذهب اليه ... كانت تتعمد ان تكون حيث اكون لتهيننى .... اردت ان اراقصها مرة فقالت لى لا ارقص معك ولو كنت الرجل الوحيد فى العالم .. صفعتها على خدها فركلتنى بساقها) (.... لبثت اطارها ثلاث سنوات .. وذات يوم قالت لى تزوجنى ... ولما انتهى العقد اجهشت بالبكاء وظلت تبكى الى ان خرجنا من مكتب التسجيل، وفجأة انقلب بكاءها الى ضحك وقالت وهى تقهقه بالضحك: يــــــــــــــا لها من مهزلة ...) ، هكذا كانت حياة مصطفى سعيد بعد لقاءه الاول بجين مورس ... جراحات ومرارت وهزائم لانه هو كما يقول هو (...أنا الغازى الذى جاء من الجنوب وهذا هو ميدان المعركة الذى لن اعود منه ناجيا) .

لابد ان يلح علينا احساسا قويا بعد هذا بان هنالك شيئا يجمع بين ماكسيم دى ونتر وربيكا من جهة وبين مصطفى سعيد وجين مورس من جهة اخرى، وسنحاول من بين ثنايا هذا الاحساس معرفة القواسم المشتركة بين شخصيات الوايتينفى بعض المواقف التى تخيرناها .

اولما يلفت النظر ان كل من ماكسيم ديونتر بطل رواية ربيكا ومصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة الى الشمال ظلا يجأران بالشكوى من الخيانة الزوجية التى كانت تتراءى لهما صريحة حينا وخافية احيانااخرى، وبالرغم من انهما كاناعلى يقين من ذلك الامرالا انهما لم يستطيعا الا ان يتجرعا تلك الاهانة القاسية على كره منهما .

(…Then she began to ask her friend dawn here- she would have them in the pay … I told her she could her friends in London. but Manderly was mine , she smiled but said nothing… she used this fellow “ Vavell” down to the cottage , she would tell servants she is going to sail and would not to be pack before the morning – then she would spend the night dawn there with him. )

هكذا تحدث ماكسيم ديونتر بطل رواية (ربيكا) عن زجته،مبديا شكه الواضح فى خيانتها له دون ان يكون فى وسعه ما يفعله تجاه هذه الخيانة، وهذا عين ما فعله مصطفى سعيد فى رواية (موسم الهجرة الى الشمال) حينما تحدث عن زوجته "جين مورس" حيث قال: (... كنت اعلم انها تخوننى .. كان البيت كله يفوح برائحة الخيانة، وجدت مرة منديل رجل لم يكن منديلى سألتها فقالت: انه منديلك، قلت لها ليس منديلى، قالت:هبه ليس منديلك ماذا انت فاعل, ومرة وجدت علبة سجاير، ومرة قلم حبر، صرخت فى وجهها:اقسم اننى سأقتلك، ابتسمت وقالت: انت فقط تقول هذا .. ما الذى يمنعك من قتلى ..) موسم الهجرة الى الشمال

هذا موقفان اشترك فيهما كل من ماكسيم دى ونتر ومصطفى سعيد فعبرا معا بكلمات تكاد تكون متطابقة فى المعانى ان لم تكن فى الالفاظ،تماما كما تطابق فيه الاحساس الذى تحمله كل من ربيكا زوجة ماكسيم وجين مورس زوجة مصطفى سعيد نحو زوجيهما بالرغم من تباين الزمان والمكان، فهل كانت جين مورس هى الصورة وربيكا هى الاصل ؟ ام ان اللحظة التى اوحت الى دافن دى مارى ابتداع "ربيكا" هى ذاتها التى قدحت فى خاطر الطيب صالح تلك العنقاء التى افترست الغول(جين مورس) .

لم يكن ذلك الموقف هو الوحيد الذى تطابقت فيه المشاعر كما تطابق فيه التعبير عنها فى الروايتين ،فقد كانت لحظة الزواج الهزلية لكل من ماكسيم دىونتر وربيكا من جهة ومصطفى سعيد وجين مورس من جهة اخرى علامة كبيرة على صدق تساءلنا الكبير حول توارد الخواطر بين كل من "دافن دى مارى " "والطيب صالح "

)……. People will visit us, and talk about us , they will say we are the happiest luckiest best looking pair in England … what joke Max …. What wonderful joke….(

هذا هو حديث ربيكا مع زوجها ماكسيم دىونتر، حديث فيه كبرياء واستهزاء ويأس، حديث فيه مجاهرة ومحاورة ومداورة، ... ولكننا يجب ان نذهب الى الجهة الثانية سريعا لنرى ماذا قالت جين مورس لزوجها مصطفى سعيد فى لحظة الزواج (.... وذات يوم قالت لى: انت ثور متوحش لا يكل عن الطراد واننى تعبت من مطارتك لى ومن جرى امامك .. فتزوجنى) (.... وفجأة اجهشت بالبكاء، اخذت تبكى بحرقة .. دهشت لهذه العاطفة منها.. ولما انتهى العقد اجهشت بالبكاء مرة اخرى وظلت تبكى الى ان خرجنا من مكتب التسجيل،وفجأة انقلب بكائها الى ضحك،وقالت وهى تقهه بالضحك: يا لها من مهزلة)،

لا احد يستطيع نبرة الاستهزاء والكبرياء واليأس فى هذا الحديث، ولا احد يستطيع ان ينكر تطابق الاحساس والتعبير بين كل من ربيكا وجين مورس فى هذا الموقف، ولكن لا احد يتسطيع ان يفسر لنا وصف كل من ربيكا وجين مورس لهذا الزواج بتعبير واحد بالرغم من ان لكل منهما لغة تتحدث بها فى الرواية فعبرت ربيكا عنه بكلمة (Joke) بينما عبرت عن جين مورس بكلمة (مهزلة) وهما كلمتان متطابقتان فى المعنى..

تبقى لنا الاشارة الى اكثر ما يثير الدهشة فى ذلك الشبه الغريب بين ابطال روايتى ربيكاوموسم الهجرة الى الشمال، حيث تنقلنا تلك الاشارة الى نهاية البطلتين " ربيكا" " وجيم مورس" والى الاسلوب الذى اختاره كل من مارى ديونتر والطيب صالح لانهاء حياتيهما .

قتلت ربيكا فى خيمتها بيد زوجها ماكسيم بنما قتلت جين مورس فى غرفة نومها على يد زوجها مصطفى سعيد،وقد قام كل من الزوجين بذلك الفعل الشنيع تحت ضغط هائل من الهزائم والانكسارات لازمتهما ليل نهار منذ لحظة الزواج الاولى،ومثل ما قال ماكسيم فى رواية ربيكا:

)… I knew I could not stand that life of lie any longer..(

قال ايضا مصطفى سعيد فى رواية موسم الهجرة الى الشمال:

(ذات مساء داكن من شهر فبراير ... درجة الحرارة عشر درجات تحت الصفر، المساء مثل الصباح مثل الليل، داكن ومكفهر، لم تشرق الشمس طيلة اثنين وعشرين يوما .. فى هذه الليلة تحدث الامور الجسيمة، هذه ليلة الحساب ...)

كيف توافق دافن دى مارى والطيب صالح فى الاسلوب الذى انهيا به حياة بطلتيهما ؟ كيف تطابقت الدوافع لدى كل من ماكسيم ديونتر ومصطفى سعيد فى اقدامهم على ارتكاب تلك الجريمة بهذا النسق ؟ كيف تشابهت الوسائل الانثوية فى تحطيم الرجال لدى كل من ربيكا وجين مورس ؟ وكيف – اخيرا- تخير الكاتبان الزمان والمكان والجو النفسى التى ارتكبت فىه الجريمتان ؟

لعل آخر ما نشير اليه ونحن نقوم بهذه المقاربة بين روايتى ربيكا وموسم الهجرة الى الشمال هو تلك السطوة الانثوية الجبارة التى عمد اليها الكاتبان لتحطيم الصنم المتمثل فى ماكسيم ديونتر ومصطفى سعيد، فقد كان آخر عهد ماكسيم بجمال الحياة فى اليوم الذى تزوج فيه ربيكا،تماما كما كما لم يشعر مصطفى سعيد بلحظة سعادة حقيقية منذ زواجه الهزلى من جين مورس وحتى لحظة موتها الاخيرة فى مخدعهما معا

(... وقفت فوقها ذات ليلة والسكين فى يدى، قلت لها: سأقتلك، نظرت الى السكين نظرة بدت لى كأن بها لهفة، وقالت: ها هو صدرى مكشوف امامك فاغرس السكين فيه.. جلست على حافة السرير بذلة،وضعت يدها على خدى وقالت بلهجة لا تخلومن رقة: انت يا حلى ليس من طينة الرجال الذين يقتلون، اسست بذلة الوحدة والضياع)

لا يساورنى شك بعد الذى قدمنا ان بين "ربيكا" و" جين مورس" شىءمن شبه، وان بين "ماكسيم دى ونتر "

و "مصطفى سعيد" شىء من ارتباط، وان بين حياة كل من الزوجين شىء من توافق اكدته المواقف المشتركة ليس فى الاحساس فقط انما فى التعابير والالفاظ فى بعض الاحيان، كما لا يساورنى شك – ايضا- بان شيئا من توارد الخواطر قد جمع بين دافن دى مارى والطيب صالح رغم ما يفصل بينهما من مسافة وزمن ... الى اى مدى – يا ترى – تطابقت رؤى المؤلفين فى اجتراحهما لنموذج المرأة المتسلطة على الرجال بسحر جمالها وقوة شخصيتها ؟ والى اى مدى نحجا فى ابراز تلك الرؤى فى روايتى (ربيكا) و(موسم الهجرة الى الشمال ؟).

 

بقلم\ ناجى احمد الصديق المحامى

 

 

جمعة عبد اللهان ظاهرة الشابندر الشعرية، تبدو غير مألوفة ومطروقة في المنجز الشعري العراقي بشكل عام . ان يتربع على الابداع الشعري، شاعر بالفطرة، وان يخلق بصورة مدهشة الصور الشعرية، في آلية التصوير الفذ بالومضة الشعرية المدهشة الى حد الابهار. ان يملك براعة شعرية في تكوين الصورة وتركيبها وتوليدها وابتكارها وخلقها، ان يحملها بالصياغات الرمزية بالايحاء والمغزى، وفي اسلوبية الانتقاد والسخرية المتولدة من عمق الصورة الشعرية، التي تغوص في دواخل اعماق الانسان وتفرز همومه ومعاناته، لتخرجها الى الخارج العام، هذه الاسلوبية الشعرية في انطلاقة اتجاهاتها الرمزية في التعبير البليغ، ان يجعل المفردات المتولدة من رحم الواقع، قاموسه الشعري، العملي والفعلي في الابتكار والتولد بصياغة جديدة، في حمم في شفرات التعبير الرمزي . ان يخوض اعماق غمار الاسئلة الجدل،المتكونة من اعماق الذات الانسانية، ويفجرها الى الظاهر المكشوف، من اجل احداث تصدع في الجدار الخارجي . من كوة الصراع والتناقض في العالم الوجودي . ان يحرث عميقاً في باطن الارض القاحلة، ليخرج منها ثمرة الصبار التي اقترنت بالصبر العراقي الايوبي (نسبة الى ايوب)، ان يقتحم القضايا الحساسة والجوهرية من ذات الواقع، فهو الباحث عن مفردات الواقع في ادق تفاصيلها، لينطقها بالحواس المرئية وغير المرئية، ان يعكسها في مرآة الجدل في السؤال ورمزية تعابيره . يملك براعة في الجدل السقراطي (نسبة الى سقراط) في فحوى السؤال وتكوين ولادته المتولدة من الرحم الحياة العامة، ليدفعه الى المجابهة الحادة، الى حد كسر العظم والرقبة والظهر، هذه الرؤيا الفكرية في اتجاهاتها العامة، في مجموعته الشعرية، في الصورة جدلية السؤال الذي يطرق بمطرقته جدلية الواقع. من رحم الحزن والاسى، وانعكاساتها على ارهاصات الواقع، ان يمزق هذا الجدل السقراطي، جدار الصمت، في ضجة جدل السؤال، في ثنايا التعبير الرمزي، ليشق جدار الحصار في القضايا الحساسة الاولى في الحياة والواقع، التي تخلق من ينابع الهموم والوجع في طرح السؤال (الى اين؟ وكيف؟ ومتى؟ وماهو؟ لماذا؟ أجل ... لا !!) . ان الديوان الشعري (في زنزانة السؤال) خطاب شعري موجه من نزلاء زنزنة السؤال، الى العالم الخارجي العام، الى دهاليزه المظلمة، ورؤيته الكثيفة .بالضباب السريالي، الذي يفقد الرؤية وصوابية المنطق . ان قصائد الديوان تحاول الامساك بخيوط الجدل في اطار الفعل الرمز التعبيري . اذ انها ليس تهويشات الخيال عائمة بدون ضفاف . وانما تملك ارضية من ملوحة الارض وصباره ومعاناته

 للفقد ملح دم الصبار،

فاه الصبر :

شتاء النازحين،

يا عراق.. (اهداء الى الشهيد عمار غالب الشابندر . الذي خطفه الموت العبثي، في تفجير ارهابي في مقهى شعبي في بغداد) في عراق الحطب وصبار والجدب وشتاء النازحين .

 اي ان احداث العراق هي عينة من فيلم سينمائي (أكشن) حتى لا تتحمله الرئة السابعة او الروح السابعة، الذي ينزح الى التراجيدية السيزيفية (نسبة الى صخرة سيزيف) في وجع نزلاء زنزانة السؤال، وعسر الاجوبة التي تعزف في حضرة السيد الفراغ . هذا الوجع يأخذ الاطار الجمعي

من عسر الاجوبة

جبلاً أصعد

 * كسار حجر لعله *

الفأس أخطأت الرسم

واجترح الاسف

واخرج من الاسف الى تراجيدية السخرية والتهكم لكن هل تستطيع القصيدة اطلاق سراحه، في الغبار الضبابي، في عالم مزاجي يعزف على العواصف السريالية الغرائبية، الى حد اللعنة في التناقضات، المبكية والمضحكة في آن واحد، لتلعب على عذابات الانسان في كوميدية الموت المجاني . ان تلعب الحرب بنا ونحن دمى في لعبة الموت المجاني، مع التحيات

الى الحرب :

مع التحيات

ماتت .....

ماتت، زهرة البراري !

 انه يغوص في السيد الفراغ الكبير المسيطر على خناق الواقع، ليخرجه من قشور اللامعقول، الذي يسير في الوسواس والقلق، في لوثات المختبئة والظاهرة، ان ينشد الخلاص، لكنه مقيد في حبال الواقع تمنعه من الحركة والحرية والتصرف، انه يعيش في مأساة حياتية في سريرها العاري والصارخ، لم تبقى له وسيلة او كوة، سوى الصراخ بالحب، حتى يمزق أكفان النسيان

من جمرٍ،

أصرخ

الاسرار كتمتها، زهرة جمر لا يغيبها النسيان ...

أحبك أنتِ .

***

أغمضي عينيكِ

تريني

***

آية عن ظهر قلب : أحبكِ ..

ستون نافذة مشرعة لمرويات الريح ...

 تنادت : أحبك

وعلى سواه البحر يتفرج .

العري بوصفه اختبارا، اتخذت من الدمع سربا لها ..

***

أضاع زهرة، بلا العقل ....

هي

اجمل منك !

***

على كتفي،

أنتِ ظل الوردة .

وأنا : دهشة السؤال !

 

عالم يتعامل بالاستعارة حتى يدركه الخريف، حتى يكون متلبساً بالتشويش، حتى تضيع القضية من نزلاء زنزانة السؤال، في الصراصير المحتشدة حولهم، تكتب بضخب، تتكلم بصخب، انفاسها تلهث بصخب، لتقاوم هياج لوثة الفراغ، حتى تطل برأسها لهاوية الاندحار، تلك هي القضية

بلا لهو .....

لكنه اندحار؟!

هي كذلك،

أية هي؟

القضية

أية قضية؟

بلا

لكي يستفزنا دهاليز السؤال في عالم مقلوب على رأسه، في لوعة السؤال الصارخة في تراجيدية الكوميدية، في صمت الفنتازيا، ان تقود الى المهزلة، من ان نرى العالم من خلال ثقب الحذاء، الى ان يكون القط يرتجف خوفاً ورعباً من الفأر، هذه هي سخرية القدر، في زمن الفئران والجرذان المتحكمة بخناق الواقع

 إلا هاوية ..

لا أحد يكترث لك،

إلا من يعبيء صمتك

أيغيبني الفأر؟

ولكن الادهى من ذلك والانكى، ان تلعب بنا وبأعصابنا الصدفة، في غفلة من الزمن الارعن، ان تغزونا الصدفة، فتعثر علينا او نتعثر بها . في خلوة محرمة ومجرمة، تخلق لنا الصدفة ألهة واصنام جدد، في جبة القدسية الساخر بالمضحكات، او في سخرية سريالية، حتى تقودنا الى هاوية الجحيم . ان تصمم الدولة على مقاس هذه الصدفة ان ترتب الادوار، في الحظ العظيم . ان تفرز العالم الواقعي الى آلهة مقدسة (الزعيم والدولة أنا)، ونحن عبيد اذلاء نقشر البصل بدموعنا

في خلوة محرمة،

أكتب مثلما أتهدم وهما ..

وهم يشبهنا،

نتناساهٌ قصداً ...

بغفلة المتعثر بالمتراكم،

عثرت علينا الصدفة ......

***

ولم نقر أن الصدفة

ترتب الادوار.

زعيم أنا ...

أرباب الآن،

يقشرون البصلة،

البصلة المكتومة بالدمع .

× رسائل الى صديقات نزلاء زنزانة السؤال، من السجن المحاصر، الى المخاطبة والتواصل مع العالم الخارجي، حتى لا ينقطع حبل وصلهم، في ايقاظ في الحلم، في مخاطبة بالحب والتفجع بهمومهم، الى صديقاتهم، حتى يورق الامل بالحب، كأنها رسائل السجين الى احبته

الشمس بجلالها الضاحك،

وعريها الثمل،

دونك بيقينها

كم (ما أحوجني للطباشير)

لاكتب،

على سبورة المدى :

أحبك !

***

هل بيننا سؤال لا نعرفه؟

لمستك .

***

من، يفهمكِ الليلة

***

عيونك ..

الاستماع سراً !

***

حلمتٌ : أصبح عندي سر َ!

***

أغمضي عينيك،

تريني

***

سألتها موعدا، فانتشر عطر الغواية .

صديقتي : أنثى الندى،

تسألني ..

صاغت الضوء أساور

***

على كتفي،

أنتِ ظل الوردة .

وأنا : دهشة السؤال !

 

جمعة عبدالله

 

رحيم زاير الغانمتمهيد: لقد أولت الاتجاهات النقدية القديمة اهتمامها الكبير بأبوية المؤلف وترسيخ سلطته، كونه الباث الفعلي للنص الأدبي، لذلك حاولت التأكيد على سلطته بوصفه منشئ النص ولذا عليه الحرص على ديمومة اقترانه بوليده،، إلا إننا في فترات مختلفة حديثة أو قديمة، نسمع أصواتاً تطالب بتقويض سلطة المؤلف، وفسح المجال لسلطة القارئ، بغض النظر عن النص وشخصية المؤلف، بل تركز تركيزاً كلياً بكل ما يثير القارئ، والدور الذي يؤديه في إتمام النص/ ملء الفراغات، فالنص لا يمثل سوى افتتاحية للمعنى، مما تجعل القارئ يسهم في إتمام معنى العمل الأدبي،وهذا الملء يتم ذاتياً حسب ما هو معطي في النص، لذلك يحظى القارئ حاليا باهتمام كبير داخل الدراسات النقدية، نظرا للدور الذي يلعبه في فهم النص وتفسيريه وتحويله وتوجيه معناه وجهة معينة دون غيرها، فإليه يعود قرار إحياء النص.

إن الاهتمام بمرجعية القارئ التي استخلصها (آيزر) تصب كلها في مفهوم المشاركة مع النص الذي هو قادر على استقطاب القارئ ودفعه إلى تحقيق هويته وبناء معناه، مما يجعل النص شركة بينهما ولا يبلغ مداه إلا بتعاونهما. وهكذا تعتبر مفاهيم (آيزر) في فعل القراءة مكملة لمفاهيم ياوس في (تحطيم أفق الانتظار) واكتشاف عوالمه الممكنة، وإذا كان من جامع بين هذه التوجهات فهو التقاؤها على احترام القارئ وإعادة مكانته الضرورية ودوره الفعال في فك مغاليق النص وإطلاق توجهاته ومعطياته الإبداعية.

يعتبر آيزر أن العمل الأدبي هو «بناء للنص في وعي القارئ» وهو لا يكتسب سمة السيرورة التي تميّزه في خصوصيّته إلّا أثناء القراءة. لذلك، لا بدّ من أن ينتقل مركز الاهتمام من النص في مكوّناته، وبنياته، وتقنيّاته، ومن المؤلف في تركيبته النفسية إلى «فعل القراءة» بصفته نشاطاً عملياً، وباعتباره السيرورة التي ترفد علاقة التفاعل بين النص ومن يقرأه. وقد وجد إيزر في مفهوم «القارئ الضمني» الأداة الإجرائية المناسبة لوصف التفاعل الحاصل بين النص وبين قارئه. إنه مفهوم يؤكد أن العمل الأدبي لا يوجد إلّا كتخطيطات، أو اتجاهات عامة على القارئ، أن يقوم بالكشف عنها وتحقيقها، وهذا ما يراه انجاردن (أن العمل الأدبي يمنحنا ببساطة «مظاهر تخطيطية»،هذه المظاهر هي التي تجعل القارئ على علاقة وثيقة بالعمل الأدبي، ويمكن من خلالها إنتاج الموضوع الجمالي.)1

لذا أصبحت الاتجاهات والمدارس النقدية الحديثة صاحبة البصمة الأولى في تغليب كفة (المتلقي- النص)، على كفة (المؤلف)، ولعل الاتجاه البنيوي أول من ذهب إلى (موت المؤلف) (لأنه أصبح خارج دائرة الاهتمام، والبديل عنه الاهتمام بالنص والكتابة)2وهذا يعني كما يرى رولان بارت، ان المؤلف (لم يعد صاحب امتياز أبوي أو لاهوتي انه ليس أكثر من أنا على الورق لكن الغياب أو الموت يعني انتقال الاهتمام إلى النص)3، وما ذهبت إليه البنيوية وما رآه رولان بارت، وان لا يُعدّا من متبنيات الدراسة، بقدر ما هو إشعار أول بتهاوي سلطة المؤلف وانتقالها إلى سلطة القارئ.

أما مدرسة كونستانس موطن نظرية التلقي ممثلة بأطروحات الألمانيين هانز روبرت ياوس وفولفجانج إيزر، التي تبنت نظرية جمالية التلقي ونقد استجابة القارئ، على اعتبار أنهما نظريتان للتواصل الأدبي، إذ تهتمان(بتداول النصوص الأدبية وكيفية تلقيها وبالتالي إعادة إنتاجها)4، ولا يتحقق لها ذلك إلا بسلطة جديدة، وان لم يكن لها حضور في متبنيات عديد الاتجاهات والمذاهب والمدارس النقدية قديمها وحديثها، وبهذه الكيفية اهتمت هذه النظرية بالقارئ وبما يثيره في النص بغض النظر عن طبيعة النص وشخصية المؤلف، بل تركز تركيزاً كلياً بكل ما يثير القارئ، والدور الذي يؤديه في إتمام النص، لذلك تتعدد مستويات القراءة بتعدد الأهداف والمناهج.. فهناك القراءة التي تعتمد الاستيعاب المتنامي منطلقة من الجزء إلى الكل، وهناك التي تعتمد استباق المعنى بناء على التخمين وإدراك الكليات فضلاً عن القراءة التفاعلية التي تشيد المعنى، وكل هذا يرتكز على هدف القارئ وتفاعله مع المتن وهو الذي يحدد طبيعة النص.

ان النص مرهون بعوامل ومؤثرات أيدلوجية واجتماعية ونفسية، مضافا لها البعد المكاني والزماني، مجتمعين، يؤثرون تأثيرا مباشرا على سياق النص، وهذا لا يعني إننا نجرد المؤلف من أناه وما بُثَّ من خلجات، كون النص الأدبي، هماً ذاتياً بمؤثرات واقعية ذات بعد أنساني بمنظور جمعي/ كوني، يسهم في تصدير هموم وطموحات ومشكلات مشتركة بينه وبين متلقيه، تعبر عن الذائقة العامة للفرد بحسب عصره ولغته وثقافته.

يبقى السؤال هنا كيف لنا عزل المؤلف عن سلطته؟ وهو من أنتج نصا أدبيا بالحمولات الانفة الذكر، كونه الباث الفعلي للنص الأدبي، كيف لنا فك الاشتباك هذا، وتسويق سلطة القارئ؟! قطعا ستتم الإجابة عن هذه الإشكالية، بالاستعانة بقطبين هامين، فهناك (قطبان أحدهما فني، وهو النص الذي أبدع فيه المؤلف، والثاني جمالي هو استجابة القارئ لهذا النص المُبدع)5 بحسب آيزر، غير متناسين ما أحدثته نظريتا ياوس و آيزر عندما رجحتا كفة (القارئ والنص) على حساب كفة، (المؤلف)، وبعد كل ما تقدم من إحالة وما سيعقبها من إحالات أخر، معتمدين في إجرائنا على ثماني مجاميع شعرية لتأكيد ما ذهبنا إليه.

1- التلقي والفعل التواصلي

يصف آيزر القراءة بأنها تلك العملية الجدلية التي يتم من خلالها الاتصال بين القارئ والنص. هذه العلاقة لا ينظر إليها بوصفها تسير في اتجاه أحادي الجانب من النص إلى القارئ، بل تسير في اتجاهين متبادلين من النص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص. والقراءة التي تتخذ هذا المنحى وهذا الأسلوب هي القراءة الفعالة والمنتجة حسب تصوره، لذلك النص الشعري وتداوله بين جمهور القراء، يصبح مادة غنية لفعل التواصل بين النص والقارئ، بمنأى عن سلطة المؤلف التي لا تبدو الحاجة لها ملحة أو ذات أهمية يمكن لها ان تعيق إنتاج المعنى بغيابها.

ان من أسباب فرادة النص الشعري ومغايرته هو تحرره من الأبوية معتمدا على قدرته التي تجلب له رعاية من نوع آخر، على أن لا تكون مبادلة سلطة أبوية بسلطة أبوية أكثر حزما، على اعتبار ان للنص الشعري قدرة لإغراء قاعدة عريضة من القراء لإعادة إنتاج معناه، أي انه في تناسل دائم، بفعل التواصل، يحدث هذا الفعل حينما يبدأ القارئ بتأويل ما تم فهمه، حينما يسلط الضوء على ما لم يقدر الشاعر أو لم يشِ بقوله. حينئذ تصبح القراءة بحق الأداة التي من خلالها يحقق الوعي ذاته. والمقصود بالوعي في هذا المقام وعي الذات والمفكرة أو الذات القارئة التي تستجيب لنداء النص، وبذلك تتحقق عملية القراءة والتلقي بكل أبعادهما

إنّ لرد فعل القارئ دوره الاستراتيجي في مسألة استمرارية النصوص وبقائها، فما يجعل من العمل الأدبي عملا حيا هو إمكانية محاورته من طرف القارئ إثر انغماسه الشعوري، فكل نص يدعونا إلى أن نؤوله وأن نستخرج دلالته ومعانيه المختلفة والمتباينة، من خلال تجربة القارئ المتطورة مع تطور النص، لأنه بدون مشاركة القارئ الفردي لا يمكن أن يكون هناك أي إنجاز.

إذن ان من أهم عوامل التلقي ما يبديه النص من فاعلية التواصل على اعتبار أنها الآصرة الأولى التي من شأنها جذب المتلقي، وهذا ما تحدثت عنه فرجينيا ولف، أن ( الاتصال في الأدب هو عملية تتحرك وتنظم ليس بواسطة شفرة معطاة بل عن طريق تفاعل صارم ومكبر بين ما هو ظاهر وما هو مضمر، .....فما هو مخفي يدفع القارئ في فعل محكوم بما قد ظهر والظاهر بدوره يتحول عندما يوضع المخفي في حيز الضوء)6، وهذا يبدو جليا في مقطع من نص( مطر لا ينام) للشاعر نصير الشيخ7.

(من مزغل الحرب

كنا نحدق في المدى..

نرقب أعمارنا

وهي تحمل نعوشها

نحو أفق بعيد)ص 38

نلمس في هذا النص الشعري فاعلية تواصلية بين النص وبين المتلقي، لما للنص من مقدرة على ذلك، فهما يلتقيان تحت وطأت ثيمة الحرب، فما أفصح عنه النص من تحديق في المدى، أو ارتقاب الأعمار وهي تحمل نعوشها نحو أفق بعيد، ما هو إلا أفق لا طائل منه، فهو مثوى النعوش/ الأجساد، يتلقاها القارئ ويتفاعل معها، لينتج لنا معنى الفناء ما دامت الحرب تنتج نعوشاً/ موتاً.

أما في نص (المحطات) للشاعر حبيب السامر8.

(المحطات تبتلع وفود القادمين من مدن شتى،

تقلهم القطاراتُ

إلى حيث مرابعهم

يصلون في هدوء الفجر،

عواؤُها يشق صمت المكان

الوجوهُ الذابلةُ المنتظرةُ تحت السقائف،

وعلى الأرصفة الباردة

يشقون صفوف الأمواجِ) ص 29

إنَّ الفعل التواصلي حاضرٌ في النص الشعري، حيث أن موضوعة المحطات تلامس وجدان المتلقي، وسرّها يكمن في ملامسة الفعل اليومي، والإفصاح عنه الذي مثل اغترابا داخليا، وهذا ما وشى به النص بشطريه، (الوجوهُ الذابلةُ المنتظرةُ تحت السقائف،/ وعلى الأرصفة الباردة)، نجد أن النص الشعري تمكن من استقطاب متلقيه، عبر سرده للوفود القادمة من مدن شتى، وفعل القطارات التي تقلهم إلى حيث مرابعهم، ووصولهم في هدوء الفجر، وهذا حال فئة من الناس، أما الفئة الأخرى التي لا تنعم بالوصول، يشَّقُ هدوء مكانها عواء تلك القطارات، فهي مازالت قابعة على الأرصفة الباردة، لتنتج معنى جديدا للضياع في لجة الوطن، فليس معنى انك ترتاد المحطات بإمكانك الوصول إلى حيث ترغب، قد تُحيدك المسافات وتطويك الدروب، وتتحكم بمصيرك الأقدار، وهذا بالضبط ما أضمره النص، ودفع القارئ لاكتناه معناه.

نقرأ للشاعر كاظم مزهر9، من نصه الشعري ( أوراق طائشة)

(لا أحصي كم مرة ذهبت إلى الطبيب أشكو له ألماً في

جسمي، لكنّني

لم أذهب يوما لأخبرَه أنني حزين.) ص43

هذا النص الشعري له القدرة على جذب المتلقي لفعله التواصلي، لما طرحه من موضوعة لامست ذات المتلقي واستفزتها، موضوعة يومية يعاني منها الكثيرون، كوننا كمجتمع نصرح بعللنا العضوية، لكننا نكبت أوجاعنا الباطنية/ النفسية، وما نعانيه من الم وحسرة وحزن، لقد انتفض النص على معناه الظاهر لينتج لنا معنى عميقا، بلغة سهلة واضحة،، أمكن النص من خلالها جذب المتلقي إليه.

2- النص المفتوح، نص منتج للمعنى

ان النص المفتوح، يفسح للقارئ المجال لأداء دور أكثر فاعلية في تلقيه، لما يمتلكه من موضوعة تفاعلية تُهيئ لعلاقة مستقبلية بين القارئ والنص الأدبي، تجعله متحليا بقدرة الانفتاح على ذات المتلقي، وهذا يؤسس للغاية القرائية/ الناقدة، التي تمكن المتلقي من ملئ فراغات النص الشعري.

كما في نص (قداسٌ احمر) للشاعر ثامر سعيد10.

(صارت السماء أشد حمرةً

من الرصيف

والرصيفُ الذبيحُ أشدُّ حمرةً

من عيون ثاكلة

وعيون ثاكلة أشدُّ حمرة

من دمٍ صاعدٍ إلى السماء.) ص49

يشي النص الشعري بانفتاحية على ذات المتلقي، إذ انه غادر منطقة الأنا، مستعينا بثلاثة بنى متجاورة مرجعيا كونهن يؤدين إلى الموت، وظفن لصالح النص، مما جعل النص، نصا مفتوحا على تأويلات تنتج معان عدة، وان لا تخرج عن إطار، الذبح/ الثكل/ الدم، بحسب تراتبية النص الانف، مع إنتاج معنى للذبح جديد/ الموت، مُثل هذه المرة بالحمرة/ أشد حمرة، التي رافقت المقطع لثلاث مرات، مسبغة شدة الاحمرار/ الدم/ الذبح، هذه القسوة التي نعيشها يوميا، والتي هي خلاف اليومي المعتاد عند البشر عموما، ومع كون هذه الأحداث تمثل أحداثا محلية لكنها ببعد كوني، يأخذ معنى أوسع، وهذا ما ذهب إليه النص.

أما لو قرأنا المقطع الذي يعد مقدمة نص (سباخ....) للشاعر عبد السادة البصري11.

(وتفز العصافير من حلمها المستريب،

مرعوبةً

سبخٌ في الغصون

سبخٌ في القلوب

سبخٌ في الشجر.....

المدينة التي أرضعتنا البراءة يوم جئنا ..

أشاحت الوجه عنا

والدروب التي قاسمتنا التسكع في الأمسيات ..

بادرتنا الرحيل صوب المرافئ) ص23

نلمح انفتاحاً جلياً في النص الشعري، وقد تحق هذا الانفتاح على متلقيه من جملة المعاني التي تمكن القارئ من إنتاجها مضافا لما ذهب إليه النص الشعري من معنى، أسهمت فيه موضوعة السباخ التي وطأت الغصون والقلوب والشجر، فكيف لا تفزُّ العصافيرُ من حلمها المستريب، أو لا تشيح المدينة بوجهها عنا، أو لا تبادر الدروب بالرحيل صوب المرافئ، وكل ما حولنا أحلناه إلى سبخٍ، بدءاً من جمال الطبيعة، الغصون/ الشجر، معنى الحياة الظاهر، وصولا إلى بواطن القلوب، مؤشراً لتردي البعد الوجداني الإنساني/ الضمير/ المعنى الباطن للإنسان، الذي سبخ هو الآخر، لذا لا غرابة ان يُنفى هذا الإنسان، الذي أحال الوجود إلى أشباح، مبتعدة عن المعنى الذي وجدت من أجله، معنى تقبل الحياة، الذي يعتبر بوابة لتقبل الأشياء من حوله من طبيعة وإنسان.

وفي أول مقطع من نص (غامضة نومتُك الأخيرة) للشاعر حبيب السامر.

(المغارب قاسيةٌ

تزيحُ آخر رشفة من بياضٍ

في فنجان النهار الفارغ.

المغارب لا تفضي

إلى شفق بلون النحاس أو حدائق من أسى،

المغارب نزهةٌ بليدةٌ

في عوالم من مرايا مهشمةٍ بسذاجة أحلامنا،) ص21

نجد في النص الشعري انفتاحاً على متلقيه، فالمغارب القاسية، هي مغارب تمثل انفتاحية على الناس اجمع إذ أنها تزيح عن آخر رشفة للبياض، وهذا معنى (المغارب)، عندما يحلُّ الإنسان ضيفا ثقيلا في اغتراب ما، فالمغارب لا تفضي إلى شفق بلون النحاس، وهذه مُسلمة طبيعية تزول بزوال الغروب، وهذا ما يتسم به الجو النفسي العام لكل مغترب، وكذا يذهب النص إلى جلد هذه المغارب وتعرية حقيقتها الغامضة، حقيقة البريق الذي يفضح ستر عوالم مراياه المهشمة، ما ان نعي سذاجة أحلامنا، التي تقف في مواجهة من نوع خاص هذه المرة، مواجهة الحقيقة للوهم، مرارة الواقع المعاش قبالة التزييف له، لينتج لنا معنى المكوث تقبل الواقع ما دامت المغارب قاسية، وما هي إلا وهم أكبر مضاف لأوهامنا.

3- استجابة القارئ وتخييبه

لا شك ان استجابة القارئ تتحقق بفعل ما يتمتع به من خبرة وثقافة ومخيلة متوثبة تمكنه من اكتناه بواطن النص الشعري، فنحن ندرك ان النص ككون مؤثر وفاعل بذاته في الوجود، لا يرجو ملامسة الظاهر منه بقدر سبر أغواره واكتناه معناه، يكمن بفك شفراته التي لا تمنح نفسها لمن يسره قشور المعنى أو المعنى الطارئ، لذا نجد النص يخيب هكذا قارئ، الذي يعد ضمن توصيف القارئ العادي، الذي يأسره أول خيط للمعنى، فيمضي به إلى خيبة الحكم القبلي الذي حذرنا منه مرارا في مناسبات عدة.

ان استجابة القارئ للمعنى الذي ذهب إليه النص الشعري، هي إشارة صريحة لنجاعة التلقي، إذ أننا من دون متلقٍ/ قارئ خبير، ترتحل المعاني إلى غير رجعة، متخفية بين طيات النص الشعري، فالجدوى تكمن في تلقيه، وتحقيق الفهم الحقيقي لمعناه، والإمساك بعرى فراغاته النصية والوقوف عليها بتأويلها تأويلا يفضي إلى إنتاج معنى جديدا، وهذا ما سنؤكده بنص( مراثٍ مؤجلة) للشاعر ماجد الحسن12.

(ترتجف السماءُ وهي تتكئ على رأسه

كان عليه...

أن يتكئ على شجرٍ تعلمه رعونة الفؤوس

يبحث عن بذار يرمم به طفولته ...

في الحروب لاشيء غير حقول شظايا

الظلام يرتديه...) ص61

في المقطع الشعري نجد الانزياح حاضرا في لفظة الاتكاء، مشكلا ثنائية التقاطع، فبينما السماء المرتجفة تتكئ على رأسه، تقاطع معها هنا عدم اتكاءه على الشجر، التي تعلمه رعونة الفؤوس، وفي كلا الحالتين، لم يجلب له، قرب رأسه من السماء، أو ما توجب عليه بحسب ما صرح به النص من معنى الاتكاء، فالسماء ترتجف، والشجر معلم مضطهد من رعونة الفؤوس، لذا نرى النص عبر متلقيه يتجه إلى معنى بكر يوائم الطفولة عبر بحثه عن بذار، هو بكر أيضا، لإيمانه أن ( في الحروب لاشيء غير حقول شظايا)، وفي هذا إنتاج لمعنى الموت، ممثلا بالظلام الذي يرتديه.

وتتحقق استجابة القارئ في نص (في الريح صوتك يزدهي) للشاعر نصير الشيخ

(يوسف هناك ...

تتمرأى في سحنته الأطيارْ

قرب البئر ذئب

يرقب قميصا

قد من زمن

علقته الشهوة

شاهدة هنا ..

خطوات تمحى

لآدم .... حتى الآن) ص107

بعد قراءة متأنية للنص الشعري تتجلى شفراته من العالم الحقيقي، تأخذ أبعادها عبر مخيلة الشاعر، التي تنتج لنا صورا شعرية تعيد إلى الأذهان قصة نبي الله يوسف(ع)، إذ البئر /الذئب /القميص، كشاهد لواقعة حقيقية، الذي أنتج اقتران معنى الشهوة في قدِّ القميص و إحالته لذاك الزمن المنصرم، والتصريح بطمع أخوة يوسف في امتلاك قلب أبيهم النبي، هي ذات الشهوة التي تتملك أبناء ادم للان، لكن ليس بمعنى التنافس في تملك قلب ما بقدر شهوة عارمة لإقصاء وتهميش الآخر، وهو ابتعاد عن التملك المعنوي إلى التملك المادي، فالذئب/ كحيوان عاجز عن تحمل هكذا ذنب، كما تحمله ذئب مفترض وتقبله على مضض نبي الله يعقوب(ع) في ذاك الزمن.

وقد تتحقق استجابة القارئ للنص المُتلقى للتوافق النفسي، لما يشي به النص من انفعالات ويأس عن موضوعة الخيبة، وهذا ما يبدو جليا في نص ( الغياب)،للشاعرة ابتهال بليبل13.

(ضجيج خطواتك في مدني

عجينة دواليب المطر، فخبأته في محبرتي..

وعندما جفَّ ليله..

أحرق رسائلي ضاحكا كمهرج ملون بالخيبة. )ص37

يبرز النص الشعري ما تعانيه النفس الإنسانية من مشاعر تجعلها تُشد إلى الطبيعة فتحاكيها، وهذه المحاكاة عنوان لنزوع إنساني فطري، فالإنسان والطبيعة صنوان لا يفترقان، وما ضجيج الخطوات في المدن، إلا عجينة دواليب المطر، ما ان يجف حتى تتلاشى تلك الخطى المتوهمة، لكن من ننتظر يبقى عالقا في الذاكرة تمثل هنا في تخبئته بالمحبرة (فخبأته في محبرتي..) ستحفظ لنا وقع الخطوات، كما سيحفظ لنا الطين، ضجيج الخطوات، ولكل وحل منهما/ الحبر/ الطين،وقع بالنفس خاص به لا يمحى كمعنى الخيبة، فهي معنى ماكث أيضا.

4- الفجوة الجمالية/ أفق النص- أفق التلقي

تُعدُّ الفجوة الجمالية هي المسافة التي يلتقي عندها القارئ والنص عبر حساسية الوجدان التي يمكن من خلالها تلقي ما ينتجه النص الشعري أو ما يصرح به من جمال فني ظاهر أو جمال داخلي عبر سبر أغواره، فكلا الجمالين يصبان في بوتقة جمالية التلقي، إذ أننا نلمح تنامي أفقين هما: أفق العمل الأدبي/ الموضوع- وأفق المتلقي/ القارئ/ الذات، اللذان ما ان تقاربا جماليا، إلا أنتجا معنى جديدا، عبر ملئ فراغات النص، حيث يراعي القارئ في اكتناه المعنى مُعتمدا على حساسية الوجدان التي تمكنه من تلقي المعنى الذي أنتجه النص الأدبي جمالياً.

هذا ما نحاول الوصول إليه من خلال إجرائنا على المقطع الأول من نص ( شهقة الشك) للشاعر ماجد الحسن.

(لا أسمع من شهقة الليل ...

إلا ضجيج الخرائب،

- فكيف لي أن أحيي شهقة جسدك؟

ينزل النهار بطيئا،

وليس لهذا الخراب أفقٌ...

لأقول لكِ : تسلقي ينابيعي) ص28

نرى ان تلقي النص جماليا لا يتأتى عبر قراءة عابرة، بل يجب على القارئ التروي في القراءة ليتسنى له تلقي النص الشعري جماليا، مبتعدا عن الحكم المسبق الطارئ، وبنظرة فاحصة لعتبة النص الرئيسية العنوان، (شهقة الشك)، هي شهقة بالضد من شهقة اليقين بالطبع، فهي تسوق إلى الشك في متوالية شهقات الشطر الأول والثالث، وعلى الرغم من تكرارهما إلا أنهما لم يؤديا دلالة اللفظة، ولم توصلا إلى مؤداها، فلا يُسمع من شهقة الليل إلا ضجيج الخراب، لتكون مبررا، لنكوص شهقات جُبِل عليها الإنسان بالفطرة، بدلالة جملة، (لأقول لكِ: تسلقي ينابيعي)، أو لما صرح به جملة (- فكيف لي أن أحيي شهقة جسدك؟)، موضوعة شهقة الشك هنا، انسحبت، إلى ما قد تؤديه البنيات النصية عبر شهقاتها المكبوتة، ومع بطء نزول النهار، ولكون الخراب من دون أفق، لا يمكن التصريح بتسلق الينابيع، فهو خلاف التوجه العام للنص، الذي يبدو في موائمة تامة بين أفقي المنتج الأدبي وأفق التلقي جماليا.

أما المقطع الأخير من نص (رسائل)، للشاعر عصام كاظم جري14.

(هذا التيه

أقدامنا التي رسمت قبوها

وهذا النباح صوت الحنين

للشمس

ولا شيء سواه

علام نرمي الحجارة إذا؟

كلانا صدى المساءات

اللواتي ولدن أنيناً

في أبراج النسيان) ص50

ان موضوعة الضياع التي تمثل بؤرة تمركز المقطع الشعري الأنف، هي ذاتها محطة إلتقاء أفقين، أفق النص الذي لامس وجدان المتلقي، وأفق المتلقي الذي تلقى النص الشعري جماليا، فالصور الشعرية تنهال تباعا، في تراتبية فنية عالية المستوى، ارتقت جماليا إلى مستوى التلقي، فالتيه مثل هنا أقدام رسمت قبوها، وأن نلحظ لفظة (نباح) في غير سياق (صوت الحنين)، لذا أحدثت انكسارا في الصورة الشعرية، (وهذا النباح صوت الحنين)، حيث أن لفظة النباح، لا تنسجم مع صوت الحنين، فقد تستدعي نكوصا في تقبل المتلقي، الذي بدوره يحدثُ قطعا في التواصل التفاعلي، وبالتالي، يهيئ إلى نشوء هوة في المساحة الجمالية، لكن النص يستمر في التصاعد تدريجيا حتى يصل إلى ذروة الإبداع مرة ثانية ابتداءً من الشطر الذي يليه من لفظة ( للشمس .....في أبراج النسيان).

أما نص (مجرد اقتراح ليس إلا...) للشاعر عبد السادة البصري.

(ماذا سيصير الإنسان..

إذا تجرد عن إنسانيته،،

غير بقايا....

وبعض فتاتٍ متناثرةٍ من شرٍ

تملأ ساحات العالم

رعباً..

وتترك في الروح الحسرات) ص40

ان أفقي النص الشعري والتلقي يسيران في خط متوازٍ حتى يصلا إلى المسافة الجمالية، حيث تحلق حساسية وجدان المتلقي في أفق النص، وصولا إلى تأويل معناه، في خضم سؤال وجواب لا يخلو من الهم الإنساني اليومي، إلى ماذا يتحول الإنسان ان تجرد عن إنسانيته؟ الجواب هنا قد لايلبي ذائقة القارئ العادي، وقطعا ذات القارئ العادي لا تكتنه المعنى الذي ذهب إليه النص فقد يجيب مثلا: لاشيء، الإ أن البناء الفني للنص أفاض فعلاً تواصيلا تفاعليا أفق تلقاه القارئ الخبير، عندما أجاب: (غير بقايا..../وبعض فتاتٍ متناثرةٍ من شرٍ / تملأ ساحات العالم/ رعباً..)، لتبقى الفجوة الجمالية مساحة تقارب بين النص الشعري والمتلقي من خلال ملء فراغات النص، لما وشت به ثيمة الضياع المتحقق من بُنيات النص، البقايا/ الفتات/ الرعب/ التي تملأ الساحات، في قتل للجمال .

5- اندماج الذات مع الموضوع

ان للنص الشعري قصدية تتسم بنوع من الاستقلالية، وهذه القصدية متأتية من تأثرها بسلطة المؤلف، وما ان تتحرر منه كموضوع عند التقاءها بذات متلقٍ/ ذات باحثة عن معنى تقصده هي أيضا، ويتحقق لها ذلك في النص الأدبي/ الموضوع، نجد تمثلهما في اندماج فعلي، تتلاشى عندها قطبيتي النص و القارئ، (فالذات تبدأ في البحث عن المعنى من خلال النص وتقصده وعندما تتحقق هذه القصدية فانه لم تعد هناك ثنائية بين الذات والموضوع)15 كما يرى البولندي رومان انجاردن.

ان نظرة فاحصة لنص (نصوص لسيدة الغياب) للشاعر نصير الشيخ،

(في السماء الأخرى..

وعلى أشجارها العالية،

تهبط أسرار الحب..

وبجنبي دوما..

يغفو ظلك

وتنام شظايا الحرب) ص30

نلمح في هذا النص الشعري اندماج الذات والموضوع، بعدما تمكنا من الوصول إلى قصدية في المعنى، فما صرح به النص، أو لم يصرح به فهو ذا القصد/ المعنى، الذي ينتظره المتلقي، فالاندماج نتيجة التقاء معنى مقصود، لا حاجة بعده إلى التفريق بين الذات والموضوع، ان ما يطرحه النص الشعري من رؤى، تصبُّ في ما يختلج به وجدان المتلقي، وهذا بالضبط ما تشي به موضوعة الحرمان العاطفي، الحاصل بفعل الحرب، الذي أنتج انزياحاً قصده النص، خلق لنا عوالم متوهمة جديدة، كسماء أخرى لها أشجارها العالية تتسم بإسرار الحب الخاصة بها، توازيها حقيقة قصدية حرص المتلقي على كشف معناها، ففي الجمل النصية ( وبجنبي دوما../يغفو ظلك / وتنام شظايا الحرب)، ردم ثنائية الفاصل بين التخيل والحقيقة في النص، تتحقق باندماج الذات والموضوع، في قصدية لمعنى واحد.

أما تمهيد نص (مراث مؤجلة) للشاعر ماجد الحسن،

(*إليه حين صعد الدخانُ بخضرته

أصغي الى بكاء خضرته...

وأتحدث عن الدخان،

ففي الحروب كثيرا ما نؤجل المراثي) ص60

لا غرابة ان نشهد اندماجاً بين النص والمتلقي عبر اندماج الذات والموضوع، بعد تخلي (أنا) المؤلف عن نصه، بعد انجازه، وهذا التخلي قطعا ليس بإرادته، مادام النص بما يقوله وليس بقائله، بحسب رأي احد النقاد العرب القدماء، فللنص شخصيته المعنوية الثابتة، وهذا لا يسوغ لإعلان موت النص، بقدر تلاقي قصديتين، وهو ما يؤكد فاعلية وحيوية النص الشعري، فالجميع قارٌ بحياته، إذ ان سيمائية صعود الدخان بخضرته تشكل علامة انكسار لمعنى النضارة والخضرة والجمال، إلى تتعرض للحرق، وإعلان عن موت مبكر للإنسان جسدته أنسنة الجماد، (أصغي إلى بكاء خضرته...)، وفي هذا تعالق كبير بين الطبيعة والإنسان، لتتلاقى مرة أخرى قصدية الموضوع والذات، في بحثهما الدائم عن المعنى، الذي يفضي عن اندماجهما، ويتكرر أيضا المشهد، مجددا في حقيقة الحروب وويلاتها التي لا تنقضي أبدا، (وأتحدث عن الدخان،/ ففي الحروب كثيرا ما نؤجل المراثي)، وما معنى تأجيل المراثي إلا كون الحرب أم ولود، لا تشيخ، ولا تنجب العقر، فلا داعي للمراثي ما دام الدخان لا يعتق الأخضر حتى، فما بالك بمن يَبُسَّ من جزع.

ويشي مقطع نص (ثوب الظمأ)،للشاعر عصام كاظم جري، بما أفصح عنه المقطعين السالفين.

(دروبنا ليالي مؤنثة

تورق حكمة الراحلين

وتصنع خيانات موحشة

لك قرية وأنهار

ورعاة

ولي ظمأ غرق في سفر الماء )ص58

ان قصدية المعنى الذي اشترك في إنتاجه النص والمتلقي، يعد بوابة عريضة لاندماج الذات والموضوع، وما عدا ذلك نفور وفرقة، حقيقة ان قصدية النص، لا تأتي إلا بمتلقٍ فطن، يفهم المعنى المقصود، ويحقق كشوفاته فيه، وما توصيف الدروب بليالي مؤنثة، إلا لإلصاق سمة الحكمة للراحلين والخيانة، لليالي المؤنثة،، وهذا ما جرت عليه ثقافتنا المجتمعية وبعد ما تحقق في هذه الصورة الخيالية من معنى متضاد، قابله في الواقع معنى طابق هذا الاندماج المتكرر نصوصيا، (لك قرية وأنهار/ ورعاة/ ولي ظمأ غرق في سفر الماء)، إذن ما أحدثه النص الشعري من في المتلقي من الشعور بالخيانات الموحشة، تلاقت مع ظمأ الغرق، وبهذا اندماج للذات والموضوع، تجسد في قصدية واحدة للمعنى لا تتيح مباركة ثنائية النص والمتلقي.

5- حياة النص، موت المؤلف

ان حياة النص الشعري تكمن في تلقيه، والاهتمام بموضاعته التي يطرحها، تجعله أكثر انتشاءً وفاعليةً وتحرراً، لما يكسبه القارئ من بعث جديد لمعناه، يتجدد بحضور الفعل القرائي، فهو في أوج ألقه حينها، فحياة النص الأدبي غير مرهونة بحياة المؤلف بقدر كونها مرهونة، بما يطرحه من موضوعة تتخطى الاعتباطية والرتابة، موسومة بالفرادة والمغايرة ملبية طموح القارئ في اكتناه معنى جديد للحياة، يتسرب إلى ذاته بدينامية تفاعلية.

مقطع من نص (من هذا أعلن) للشاعر ماجد الحسن

(من هذه النافذة....

تكاد الوجوه تذبل

أترك عيني تتنزهان وحيدتين في السماء....

وحين تريان قنديلاً أسوّغ لهما اليقظة،

تماما سأحتج على الليلِ )ص82

ان النص الشعري يحيا حياتين، حياة معنى، لحظة الإبداعي الشعري، وحياة سرمدية بفعل التلقي، فكلما تلقى القارئ النص الشعري أنتج معنى جديدا، فهو في تناسل دائم مع معنى الزمن الذي يعيشه مغادرا زمن إنتاجه، فكيف له ان يتوقف عند سلطة مؤلفه، فالنافذة هنا مرآة تلقِي الوجوه عبر الزمن/ العالم، وما ترك العينين تتنزهان وحيدتين في السماء إلا تصور لكونية النص وفكاك قيده من زمن الكتابة أو سلطة المؤلف، ان النص الشعري لا يمكن تقييده بأي سلطة، حتى سلطة التلقي ذاتها، وما للمتلقي عليه إلا اكتناه المعنى، وهذا ليس من السلطة بشيء، بقدر كونه يخضع لتأويل المعنى، وهو بالأساس يخضع لاحتمالية الصواب أو الخطأ.

مقطع من نص (دمية عالقة في أسلاك شائكة) للشاعرة ابتهال بليبل،

(قلبي...

يجرُّ ملامحي عربة التعب

يستجير بالأرصفة المنهكة

وفي هذا الزحام:

لا أحد سيلاحظ ذلك الزائر الأخير

الزائر الذي...

يأتي بحثاً عن شارع قلبي...

وأبداً لا يخطى عنوانه.)ص20

ان من أسباب حياة النص تحليه بسمة الحركية والقدرة على إضفاء نوع من التواصل مع متلقيه، وهذا من أسباب حياة النص الشعري، ان موضوعة الموت/ الاغتيال/ مصادرة الحريات، موضوعة رائجة هذه الأيام، وما إعلان الموت بجر الملامح والاستجارة بالأرصفة/ الجماد، إيمانا بأن في هذا الزحام/ انشغال الناس بأحوالهم وهمومهم، (لا أحد سيلاحظ ذلك الزائر الأخير)، وهذا مما دعا إلى التصريح بانسيابية الوصول إلى الضحية، مع تحقق فعل الزحام، فالزائر لا يخطى عنوانه، وفي هذا رسالة لتلاشي عُرى التواصل بين الناس، مما تسبب بتفشي العزلة فالموت البطيء للمشاعر الإنسانية على إطلاقها، لذا تبقى هكذا نصوص حية لكونها ذات فاعلية تواصلية مع القارئ، تتيح له قدرة تأويل معناها.

مقطع من نص (لقاء أول) للشاعر عصام كاظم جري،

(عند أول عودة لي

عند أول التفاتة إلى حارس الحدود

عند أول نقطة لتفشي السر

تذكرت الحياة

والشظايا أريكة ليل) ص71

ان قدرة النص الشعري على الحضور المتجدد، ترتبط ارتباطا وثيقا بامتلاكه لغة شعرية متجددة، ومعنى طيع، بعيدا عن الإيهام والتعمية التي لا تمكن القارئ من فكِّ مغاليقه، فكيف بالوصول إلى معناه أو إنتاج معنى جديد؟ وكذلك ما يكتنز النص من عنصر المبادأة و المغايرة، التي نلمح بوادرها في أول النص الشعري، (عند أول عودة لي/ عند أول التفاتة إلى حارس الحدود)، تتجلى لنا فرادة المبادأة/ صدمة المتلقي، حاضرة في (عند أول نقطة لتفشي السر)، التي تأتي بعد حبكة سردية هيأت للعودة مرة أخرى للذات/ المتلقي، وربطه بالنص، (تذكرت الحياة/ والشظايا أريكة ليل)، وهي مغايرة، تضاف للنص، وحياة ثانية للمعنى، الذي يُنْتَجُ لمرات عدة، فما ان تذكر، راودته شظاياه، متجلية هذه المرة بأريكة، لتنتج معنى الوجع المستديم.

خاتمة

يخضع العمل الأدبي لتفاعل تواصلي من قبل المؤلف، المتلقي الأول/ المتلقي الأصيل، للنص، فهو من يتلقى بنياته النصوصية، ابتداء من أول بنية تُنجز، وهكذا تباعا إلى إتمام الفعل الإبداعي/ الكتابة، فهو بذلك يمارس التلقي والتفاعل والتأويل معاً، وبمجرد الانتهاء من فعل الكتابة وإطلاق النص حتى يصل إلى القارئ الثاني/ القارئ الفعلي/ الناقد، الذي يعيد قراءة النص، وصولا إلى المعنى الذي قصده النص، أو ينتج  معنى جديدا، يتحقق بفعل القراءة لما للنص من إمكانية دينامية/ حيوية، تمكن القارئ من الفهم والتأويل وملء الفراغات.

إذن نخلص ان المؤلف باعتباره قارئ عليم بخبايا النص، كونه الباث الفعلي له، يتحول تدريجيا بعد الانتهاء من الفعل الكتابي/ التأليف، إلى الفعل القرائي/ التلقي، بطريقة ديناميكية/ تفاعلية،، وهو انتقال من ممارسة الفعل الإبداعي إلى التواصل مع النص الشعري عبر نافذة التلقي، ويكون بهذا قد تحرر العمل الأدبي من سلطة المؤلف.

 

رحيم زاير الغانم

......................

الهوامش

1- جماليات التلقي، المجلس الأعلى للثقافة: د. سامي إسماعيل، القاهرة،ط1، 2002م، ص111

2- المستجدات النظرية في النقد المقارن: محسن جاسم الموسوي، دراسة منشورة بالمجلة العربية للثقافة العدد32، تونس، 1997، ص40

3- محسن جاسم الموسوي: المصدر نفسه، ص41

4- التلقي والسياقات الثقافية: عبد الله إبراهيم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، ط1، 2000م، ص7

5- د. سامي إسماعيل: المصدر نفسه، ص30

6- د. سامي إسماعيل: المصدر نفسه، ص183

7- كأس لحياة أخرى: نصير الشيخ، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2017م

8- شهرزاد تخرج من عزلتها: حبيب السامر، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2017م

9- شيء عن الغابة: كاظم مزهر، إصدارات اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة، ط1، 2017م

10- غصن يزقزق في رماد: ثامر سعيد، وراقون للنشر والتوزيع، البصرة، ط1، 2016م

11- المعني أكثر مني: عبد السادة البصري، المركز الثقافي للطباعة والنشر، ط1، 2016 م

12- أين سيهبط بنا هذا الدخان؟: ماجد الحسن، المركز الثقافي للطباعة والنشر، ط1، 2016م

13- دمية عالقة في أسلاك شائكة: ابتهال بليبل، أكد للترجمة والنشر والتوزيع، لندن القاهرة، ط1، 2013م

14- خارطة الريح: عصام كاظم جري، اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في ميسان، ط21،2015م

15- د. سامي إسماعيل: المصدر نفسه، ص31

 

تنفست الثقافة العراقية في ظرفها الآني اوكسجينها، بعد أن تكبدت بغازه لسنوات عدّة.

وأسهم دور المثقف العراقي في تغيّر الواقع الثقافي بإزاء السلم التصاعدي .

والمثقف :هو الشخص الذي يفهم ويدرك مشكلات المجتمع، ويسعى ليصبح عمله جزءاً من الرأي العام.

أما الثقافة: فهي الوعاء الجامع للفنون أغلبها، كـ (المعرفة، والأخلاق، والتطور التكنلوجي، والأثار، والموسيقى، والقوانين...الخ)، وتتطور هذه الفنون كلما ازداد الوعي الثقافي والفكري، وتنخفض كلما انخفض الوعي الفكري،نفهم من هذا أن أرتباط الثقافة وازدهارها مرتبط بمدى تطور الوعي الثقافي والفكري والتقني عند الإنسان، والعراق خير منبعاً؛ لأنه مهد الحضارات والثقافات التي استقت منها بلدان العالم.

بعد (2003) يمكننا القول: إن الثقافة العراقية والمثقف شهدا حالة من الأزدهار، عن طريق تنفس الأقلام الإبداعية استقلالية وجودها- الحرية-، إذ شهدنا أنتشار كتابات عدّة، أسست قاعدة مركزية وحضوراً مثمراً، شارك هذا الحضور في معارض –كتاب- عدّة، ليتحول النتاج الثقافي العراقي إلى سفيرٍ دائم بين دور العلم والثقافة، بعد أنّ حُرم من هذا الدور لسنوات طوال، وتحولت النتاجات الثقافية الى نتاجات مباشرة رافضة لقيود الممنوع، لتتسلل بعض هذه الكتابات ضمن نطاق التابو، وكل هذه الحرية تصب بالأتجاه الأيجابي للثقافة العراقية؛ لأن اساس الأزدهار الثقافي هو كسره للرتابة والضغط المسلط بإتجاهه، وهذا لايعني أن كل النتاجات في درجة التميز والابداع، بل هناك نتاجات هابطة، لكنها لاتشكل كثرة بازاء النتاجات المثمرة، وبالمقابل دور الطباعة اغلبها لاتمتلك درجة التميز لغياب الرقابة عنها، ولا أقصد الرقابة الضاغطة هنا، انما الرقابة الأدبية.

إذ لم تستدع الكتابات العراقية الجديدة (الحديثة) الشخصيات الضاغطة لتمجيدها –التي كانت تحاصر الكتاب ونتاجاتهم-، بل ذهبت لتتمرد عليها وعلى التاريخ المتردي؛ لأنه بؤرة الفساد .

لذا نجد الكتابات العراقية سعت إلى نقد كل الممارسات الضاغطة بإزاء المثقف والثقافة، عن طريق المباشرة أولاً، وعن طريق المخادعة بأستعمال اسلوب التورية والمواربة وهو قليل؛ لأنه أسلوب قديم-التورية والمواربة- وظف سابقاً لحماية الذات الكاتبة من الضغط – السياسي الذي مارس نفوذه بأتجاه المبدع وعمله سابقاً-.

واحتضنت النتاجات الأدبية العراقية الواقع بحذافيره، لذا نجدها قد خاضت معركتها الرئيسة ضد مأساتها الخاصة، فعندما يعيش الفرد في مناخ ضاغط وغياب الحرية الفكرية، يبقى سلاحه الوحيد (الكلمة) يوظفه ليطرق باب الحرية، وهذا ماتعيشه الثقافة العراقية الأن-بعد أن عانت لسنوات طوال أبان الحصار الثقافي والسياسي من الضغط -، إذ أسست لذاتها مرتكزات وحضوراً واضحاً تشهد له مناهل العلم والأدب.

ورواية (مقتل بائع الكتب) للروائي الراحل (سعد محمد رحيم) والتي أختيرت ضمن القائمة القصيرة لـ (الجائزة العالمية للرواية العربية)، مثال حي للكثير من النتاجات الأبداعية العراقية المثمرة،حتى وأن لم تنل الجائزة الأولى، لكن ترشيحها للجائزة العالمية بحد ذاته جائزة، فضلاً عن أنها ركزت على نقطة جوهرية عندما أشارت منذ اللحظة الأولى للقارىء إلى الهدف الرئيس لسردها، عندما ادرجت تحت عنوان( مقتل بائع الكتب)، ليعد عتبة نصية أولى تشد القارىء إلى شغف القراءة، وبقرائته هذه يعيد قراءة تاريخ العراق المعاصر، عن طريق شخصية المحقق، فضلاً عن تطرقها لنقطة مركزية عايشها الواقع العراقي وهي( الموت المجاني)، الذي اصبح هوية العراق، وهذا يدل على امتياز السردية العراقية والواقع الثقافي الذي ادرج اولوياته لمناقشة الواقع الأجتماعي اولاً، ثم مناقشة القضايا المرتبطة بالواقع المعاشي، لتصل هذه النتاجات الثقافية لفئات القراء عامة سواء القارىء ( العادي، او المثقف).

وهناك كتابات عدّة، اسست للثقافة العراقية الأزدهار والألق، سواء على المستوى السردي، أو الشعري، أو الكتابي، وثمرة جهود مبدعيها مبنية منذ سنوات عدّة، وأساليبهم الملتوية في الكتابة عن طريق المواربة والمخاتلة سابقاً خير دليلاٌ على وعي الكاتب العراقي الرافض لكل ممنوع .

ولايفوتنا ذكر معرض الكتاب، وهو خير وثيقة وصورة مباشرة وشاهد بصري لأنتعاش الثقافة العراقية.

وأضيف، أنّ كل ماتم ذكره هو جزء بسيط لواقع مزدهر يحسب للثقافة العراقية بإزاء الرقي والأبداع، وهي ثقافة تشهد لها الأجيال؛ لأنها عاصرت الظروف ونقلت الحياة الاجتماعية الضاغطة فكرياً، لتؤسس لذاتها حضوراً تشهد له مناهل العلم والأدب.

 

بقلم :د. وسن مرشد

 

 

عبير خالد يحيىعبر رواية (اللون العاشق) للكاتب المصري أحمد فضل شبلول

مقدمة: تعتبر السيرة الغيرية أقدم من السيرة الذاتية تاريخيًّا، وما النقوش الموجودة على الجداريات الأثرية القديمة إلا كتابات كتبها قدماء الكتبة تخليدًا لسيَر ملوكهم وآلهتهم وأبطالهم، والمقصود بالسيرة الغيرية أن يقوم الكاتب بسرد السيرة الذاتية لشخصية أو لشخصيات معينة مشهورة، الجديد الذي طرأ على كتابة السيرة الغيرية أنها لم تعد تراجم، أو مجرد سيرة أعلام، كالتي حفلت بها كتب التاريخ، وإنما انتظمت في بناء فني مميز، عندما امتزجت المعلومات المرجعية بالتخييل دخلنا في بناء فني سردي أدبي، هو رواية السيرة الغيرية، يحدّد نوعَها مجالُ شهرة الشخصية، فهناك رواية السيرة الغيرية الأدبية مثل رواية (سرور) التي كتبها الروائي طلال فيصل عن سيرة الشاعر المصري (نجيب سرور)، وهناك الرواية السيرة الغيرية الدينية مثل رواية (موت الصغير) لمحمد حسن علوان، تناول فيها شخصية (محي الدين بن عربي)، وهناك رواية السيرة الغيرية التاريخية مثل (عزازيل) لجرجي زيدان، وهناك رواية السيرة الغيرية الثقافية الفنية كرواية (بليغ) عن (بليغ حمدي) لطلال الفيصل أيضًا...

والرواية التي بين أيدينا تنتمي إلى النوع الأخير، رواية سيرة غيرية ثقافية فنية، كون صاحب السيرة(الفنان محمود سعيد) شخصية فنية أثرت في ثقافة الوسط الفني التشكيلي في المجتمع المصري والعربي، بل كان من رواد النهضة فيها، لكن الجديد والابتكار الذي قام به الكاتب أنه جعل السارد أو الراوي هو محمود سعيد نفسه، يروي سيرته الفنية التشكيلية المتخيلة في إطار حبكة روائية متخيّلة أيضًا، أبطالها جميلات بحري اللواتي يتشابكن مع الفنان ومع الواقع الحياتي الذي يعاصرنه.

السيرة الذاتية للكاتب ومساميره على حائط الأدب:

أحمد فضل شبلول

- مواليد الاسكندرية

- حصل على جائزة المجلس الأعلى للثقافة – شعبة الدراسات الأدبية والنقدية 1999 عن بحثه " تكنولوجيا أدب الأطفال"

- حصل على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب 2007

- أصدر عددَا من المعاجم العربية منها: معجم الدهر، معجم أوائل الأشياء المبسط،معجم شعراء الطفولة في الوطن العربي خلال القرن العشرين.

- أصدر ثمانية كتب في مجال أدب الأطفال آخرها ديوان "أحب الحياة"2017

- له ثلاثة عشر ديوانًا شعريًّا مطبوعًا آخرها " اختبئي في صدري" 2017

- له تسعة عشر كتابًا مطبوعًا في مجال الدراسات الأدبية والنقدية، آخرها " محيط وخليج .. عشرون رواية عربية"

- أصدر في مجال الرواية: " رئيس التحرير" 2017 " الماء العاشق" 2018

- ترجمت مجموعة من أعماله الشعرية ومقالاته لعدد من اللغات الأجنبية. 

أولًا – المستوى البصري و اللساني الجمالي External and Linguistic Level:

يضمّ هذا المستوى مداخل الجوانب العينية والمنظورة في النص.

1- المدخل البصريExternal Trend:

- العتبة العتبة البصرية الأولى الغلاف:

الغلاف الأمامي شغلت جانبه الأيمن لوحة الفتاة (ذات الرداء الأزرق)، وهي إحدى لوحات الفنان محمود سعيد التي رسمها عام 1927 لفتاة قاهرية من بولاق كانت تقف على شاطئ النيل بالزمالك، رسم اللوحة مما انطبع في خياله، عن ملامحها ولون ثوبها. بعد قراءتي للرواية تساءلت لماذا لم يختر الكاتب لوحة (جميلات بحري) كغلاف وهي محور الرواية...

 لوحة الفتاة بظلالها السمراء، وثوبها عاري الصدر والأيدي، المخطط بالأزرق الغامق والفاتح، مع غطاء الرأس الأزرق الغامق أيضًا، كانت هذه القتامة بمواجهة الخلفية ذات اللون البيج الفاتح، والتي استقر فوقها اسم الكاتب باللون الأسود، تحته العنوان (اللون العاشق) بالبنط العريض واللون الأزرق الغامق.

وبالأسفل جنس العمل (رواية) مع شعار دار النشر

للغلاف حافة منثنية كتب عليها تعريف مختصر بالعمل (تتناول هذه الرواية سيرة ذاتية وتشكيلية متخيّلة للفنان المعروف محمود سعيد 1897-1964الذي يعد أحد رواد الفن التشكيلي في الوطن العربي . تتوقف أحداث الرواية عند عام 1935، وهو العام الذي رسم فيه الفنان أشهر لوحاته- جميلات بحري أو بنات بحري- .......)

الغلاف الخلفي: صورة فوتوغرافية بالبني والبيج للفنان محمود سعيد في مرسمه، يرسم، وقد تبعثرت في محيط المكان بعض لوحاته وأدواته، منها لوحة لفتاة عارية، أدار لها الرسام ظهره.

حافة الغلاف الخلفي منثية داخل الكتاب وقد كُتبت عليها السيرة الأدبية للكاتب أحمد فضل شبلول.

رأيي أن الغلاف بالألوان المتمازجة بين القتامة والمضيئة، والصور والمعلومات المكتوبة عليه يتمتع بالأناقة والذوق الهادئ المريح.

- العتبة البصرية الثانية هي العنوان: اللون العاشق

عنوان قصير، لافت وجاذب وسنأتي على تفصيل دلالاته أكثر في المستوى الاحتمالات المتحركة.

- كان الإهداء إلى المثال محمود مختار بتوقيع محمود سعيد إيهامًا لنا من الكاتب بواقعية الرواية كسيرة ذاتية فنية، جاء الإهداء مباشرًا هكذا:

إلى صديقي المثّال العظيم

محمود مختار

 محمود سعيد 

- تجنيس العمل: رواية سيرة غيرية ثقافية فنية متخيّلة. بما أنها مسرودة على لسان صاحب السيرة فيمكن أن نقول عنها رواية سيرة ذاتية ثقافية فنية متخيّلة.

- الرواية تتبع المدرسة الواقعية تحت نظرية الفن للمجتمع.

- بالنسبة للألفاظ والتراكيب، كانت ألفاظًا سهلة ومألوفة حتى في الفقرات المعلوماتية، التراكيب جمل تراوحت بين الجمل القصيرة والمتوسطة وأحيانًا الطويلة، متناسقة مع بعضها البعض.

التنسيق المطبعي جيد جدًا حيث التزم الكاتب بالشكل البصري النظامي للفقرات والحوار، وحتى بالشكل البصري للقصائد التي ضمّنها في الرواية.

- أدوات التنقيط تم مراعاتها بشكل ممتاز.

- قسّم الكاتب روايته إلى 32 فصل لم يضع لها عناوين فرعية، وإنما جعلها مسترسلة تحت عنوان واحد هو عنوان الرواية.

2- المدخل اللساني للنصLinguistic Trend:

وما دام الأدب بناء فني وجمالي بلاغي، مصنوع بدقة وحنكة أدبية مثقلة بالجمال البلاغي والعمق الخيالي والرمزي، ومثقل بالتعابير اللغوية ومشتقاتها، فقد خصّص ذلك المدخل للدوال والمدلولات والمفاهيم التركيبية والإملائية واللغوية و توابعها الاشتقاقية، وحتى تحليلاتها الفونولوجية، والمرفولوجية والسياقية، حسب المنظور البنيوي والتواصلي الذرائعي....

ولنا في هذا المدخل أن نرصد:

- الثقافة الأدبية الشاملة للكاتب: ومدى قدرته على توظيف مكتسباته الثقافية في مضمار عمله الأدبي، فهناك الكثير من المعلومات الفنية والألفاظ المهنية الفنية التي يعرفها الفنانون التشكيليون أتانا بها بلفظها الفصيح أو بلفظها العادي المتعارف عليه في أوساط الرسامين:

- أجود أنواع المساند أو (الستاند) أو الحامل.

- أجود الأقمشة وأوراق الكرتون المقوى

- وأنواع مختلفة من (البليتات) وشرائح الزجاج.

- وأنواع مختلفة من المحاليل التي تساعد على خلط الألوان مع بعضها بعضًا، وإعطاء اللون الخاص المطلوب أثناء عملية الرسم أو الإبداع،

- فضلًا عن سكاكين المعجون أو سكاكين اللون.

 

- المعرفة الأكاديمية بالأجناس الأدبية: الكاتب يدرك تقنيات السرد، ويدرك أنه يكتب رواية سيرة ذاتية لفنان تشكيلي مشهور، وهذا يتطلب منه الإتيان بمعلومات صحيحة عن الفن التشكيلي، لذا وجدنا الرواية غنية معلوماتيًّا في هذا المجال (الفن التشكيلي)، أسوق مقطعًا من حديثه عن لوحة (الحكماء الثلاثة) للفنان الإيطالي جورجوني (1477-1510)

 (من اللوحات العارية التي أحببتها لدى جورجوني لوحة " فينوس النائمة" والموجودة في متحف درسدن، وهي تتشابه مع لوحة تتسانو " فينوس المضطجعة" والتي شاهدتها في متحف أوفتزي بفلورنسا أثناء جولتي الإيطالية...)

استخدم الكاتب دلائل موجودة سواء أكانت محكية سمعها من مقربين كانوا على اتصال مع الشخصية، أو مكتوبة، وأجراها على لسان الشخصية، كما استخدم المقالات المنشورة في الكتب أو المجلات عن الفنان في الفصل 17، كما استخدم دلالات مصوّرة، وهذا ابتكار يُحسبُ للكاتب حيث دعّم روايته بصور للوحات فنية جاء ذكرها في الرواية. إن الكاتب يعرف عناصر السيرة الغيرية، فقد ذكر تاريخ ومكان ولادة الفنان، واستعرض الإنجازات الهامة في تاريخ حياته الفنية، وتأثيره الثقافي في مجتمعه، ووضع ذلك في قالب روائي شيق.

 

- البنية اللغوية من مفردات وتراكيب وسياق:

 حرص الكاتب على اختيار الألفاظ البسيطة المعروفة، لكنه برع في نظم تلك الألفاظ في تراكيب قصيرة أو متوسطة، سليمة تمامًا من الناحية النحوية، انتظام تلك التراكيب في سياق المعنى يجعلها دقيقة جدًا في رسم الصورة التي يريدها الكاتب، نستعرض بعض هذه التراكيب والصور:

- إن في حلاوتهم كنزًا فرعونيًّا يسكن في عينيها، وفي قوامها، وفي شفتيها الغليظتين، الدافئتين بعض الشيء.

نلاحظ أنها مفردات بسيطة (كنزًا، فرعونيا، يسكن، عينيها، قوامها، شفتيها، الغليظتين، الدافئتين) تم تركيبها في شبه جملة، وصفة وموصوف سليمة نحويًّا.

- البنية الإشارية (الدلالة والمفهوم):

تمكنت من رصد العديد من الدلالات ومدلولاتها، بما أتاحته لي الذرائعية التي تهتم بحالات المعاني المؤجلة المستلة من الخيال والرمز في العمق الأدبي والبنية اللغوية العميقة، سأتجاوز المدلولات باتجاه المفهوم الذي يسوّر المعنى، هناك فقرة لفتتني يتساءل فيها الفنان ، يقول:

"هل كانت بداياتي الفنية بفضل العثمانيين أم كانت بفضل الاستعمار، أم بفضل قدماء المصريين؟"

الدلالة(الفن)

عقد الفنان مقارنة مخبوءة بين الحضارات:

 الحضارة مصرية قديمة منذ 7000 سنة،

الحتلال العثماني 400سنة

الاستعمار الأوروبي (حديث)

 المفهوم العام: بأن المصريين قد غلبوا العثمانيين و الأوروبيين في الفن، وكانوا من أوائل من نحت الجداريات والتماثيل والصور.

يقول أيضًا:

" صديقي الفنان أحمد صبري أصله تركي، فهل ذلك سوف يعليه على العرب، وما علاقة ذلك باللوحات التي أرسمها الآن؟"

الدلالة: الفن

المفهوم: أن العثمانيين امتلكوا السلطة فهل السلطة تغلب الفن؟

يشير إلى تدني العرب بنظر مستعمريهم.

- البنية الجمالية ومتعلقاتها البلاغية – علم البديع وعلم البيان

اجتماع التراكيب يعطي صورًا جميلة تجعل النص ينزاح نحو الجمال:

- وفي شفتيها الغليظتين بعض الشيء، الدافئتين كأنهما كأسان من خمر، وأنا في طريقي للاكتشاف هذا الكنز.(تشبيه)

- إنه جسد متحرك رغم سكونيته و هدوئه الظاهري. (طباق: متحرك# سكونيته)

- وأعتقد أن سُمرة الجسد تظهر حركيته أكثر من بياضه. (طباق: سمرة# بياض)

- أنا لم أهِم بشطآن أحلامي، ولم ألوِّن أصداف أيامي (استعارة)

ثانيًا– المستوى النفسي Psychological Level:

3- المدخل السلوكي: Behaviorism Theory:

وهو مستوى نفسي، باعتبار الأدب نوع من السلوك الإنساني، الذي يفرز بين طياته محفزات تتطلب استجابات آنية و مؤجلة التنفيذ، المحفز(stimulus) والاستجابة (response) أو الفعل(action) ورد الفعل (reaction) أو السؤال والجواب، لكي نتوصل إلى أعماق الأديب، من خلال نصّه، وإلى أعماق النص من خلال تقمص موجودات الأديب الظاهرة بالتوازي النفسي، وهي حالة من التداعي والاندماج بين شخصية الأديب والمتلقي أو المحلّل.....

وحدات التحليل السلوكي النفسي:

 تكون بشكل تساؤلات وإشكالات وسلوكيات:

- إنسانية: تجاوز الفنان لهمومه الإنسانية الصغيرة اتجاه بطلات لوحته، اللواتي مضين في درب الحياة كل واحدة لمصيرها، ليقبع وحيدًا في مرسمه منطلقًا منه لهدف إنساني أكبر، حاملًا أدواته وفنه وتاريخه الكوزموبوليتاني الممتد قبل الميلاد وإلى اللحظة التي يكتب فيها سيرته، لينصر الإنسان في المرأة المصرية البائسة، ليرسم جوانيها البائس، لا أن يرسم جسدها عاريًا، وهذا تحوّل سلوكي كبير وفارق في حياة هذا الفنان من الناحية الفنية ومن الناحية الإنسانية.

- اجتماعية: هناك العديد من التساؤلات الاجتماعية والثقافية التي أطلقها الكاتب على لسان محمود سعيد، لعلنا نبحث عن إجاباتها عنده، وإن لم نجدها فلنفكر نحن بالإجابات، هي دعوة من الكاتب لإشراكنا كمتلقين في عمله الأدبي .

- هل كانت بداياتي الفنية بفضل العثمانيين أم كانت بفضل الاستعمار، أم بفضل قدماء المصريين ؟

سؤال على درجة عالية من الخطورة، في إجابته يتحدّد هوية فن الفنان العربي وانتمائه الإبداعي، وهل هو نتاج غريب عن أصل صاحبه؟

لنرى إجابة الكاتب، يقول: صديقي الفنان أحمد صبري أصله تركي، فهل ذلك سوف يعليه على العرب؟ وما علاقة ذلك باللوحات التي أرسمها الآن؟

إذن أجاب إجابة مقاربة، أعقبها بتساؤلات أخرى، هل كون الفنان من أصل غير عربي وهو ولد وعاش في مصر، يجعل له امتيازًا عن أنداده العرب؟

وكأن الكاتب يلمّح إلى هذه الواقع القائم فعلًا! الإنسان الأجنبي في بلاد العرب له امتيازًا عندهم عن أقرانه من الفنانين والمثقفين العرب، للأسف الشديد، نجد بالأوساط الثقافية الكثير من التصفيق للرطانة الأجنبية، والمبدع العربي يُحارب محاربة حقيقية، ظاهرة أو مبطنة، يعيد سؤاله بتخصيص أكثر:

- هل أنا كفنان نتاج لمرحلة استعمارية، أم أن فنّي ظاهرة جديدة على الثقافة العربية ؟

هناك سؤال إجابته أيضًا فارقة، هل ابتكار الفنان يعود الفضل فيه إلى ثقافة الاستعمار الذي جاء إلى البلاد العربية حاملًا شعارات الحداثة وضع تحت راياتها وفي جعبة أفضالها كل الإنجازات الناجحة والابتكارات المبهرة، أم أن عمل المبتكر هو فعلًا حدث طارئ وجديد على الثقافة العربية؟

يجيب بحذاقة: أعترف أن التقاليد البصرية العربية لم تشهد هذا النمط من التصوير من قبل. كان قبل ذلك يوجد فن النمنمات وفن الرسومات (الرسم على الزجاج)، ولكني أنا وجيلي طليعة فن اللوحات، وأعترف أنني من أوائل من رسم اللوحات العارية.

وهنا سأقف على إجابته بالتحليل، إذن هو يعترف بأنه خرج عن أخلاق مجتمعاتنا العربية المحافظة، التي تغض الطرف عندما تقع بصرها على ما أمر الله بستره، فكيف ستقبل أن تنظر إلى لوحة تعرض الأجساد العارية؟ هذا اختراق واضح لمنظومة التقاليد العربية المحافظة التي تقوم على الحشمة والعفة، حتى لو كانت اللوحة لرجل عار، غير مقبولة، فكيف إن كانت لامرأة يعتبرها الدين والمجتمع عِرْضًا يُذاد عنه بالدم إن كُشِفَ ستره.

- فهل كان ذلك سذاجة أم جرأة أم تحطيمًا لقيود ما؟

سؤال فيه الجواب الذي أشرت إليه، وفيه أيضًا بعض الاستعداد للاعتراف بخطأ ما تبناه من آراء ومفاهيم كان قد طرحها معلنًا إيمانه بها في بداية الرواية عن العري، حيث كان قد نفى حضور الشهوة عند الرسام وهو يرسم امرأة عارية، يقول: كنت أشمّ الدهن الموزع في جسد الموديل التي أرسمها.

ومعروف أن حاسة الشمّ من أكثر الحواس المثارة بالشهوة.

سؤال كنت أتمنى أن يفضي إلى السؤال الأهم: هل تقليد الغرب الذي ثار على الكنيسة ودعا إلى هدم كل موروث هو الطريق إلى القمة؟ سؤال مضمر أجاب عليه الفنان إجابة فعلية عندما قرّر أن يرسم جوهر الإنسان، البؤس الكامن في أعماقه، بعيدًا عن تعرية سوءته.

- فلسفية: أسئلة طرحها محمود سعيد على نفسه وهو يتأمل لوحة (الحكماء الثلاثة) للفنان الإيطالي جورجوني:

- هل أستطيع أن أعطي دلالات عميقة مثل تلك الدلالات والإشارات في لوحتي التي أرسمها الآن (جميلات بحري) والتي تحتوي أيضًا على ثلاث من بنات بحري، ولكل واحدة منهن حكاياتها وأسرارها وجمالها المصري الخاص، وفلسفتها في الحياة اليومية؟

- وكيف أوفّق بين تلك الدلالات والإشارات واللون الأزرق الذي أعشقه ويعشقني كما أباح لي ذات رسم؟

يجيب بذكاء وعبقرية من يتقمّص تمامًا شخصية الفنان وحكمة الفيلسوف الذي يجذّرالأشياء:

- أجمع في تلك اللوحة كل مدارس الفن المصري من فرعوني وقبطي وإسلامي وحديث، أريد أن تكون الخطوط والألوان ليّنة وراقصة ووامضة مثل جسد بنت بحري، وأن يصبح رداؤها جزءًا من شخصيتها، وكاشفًا لجمالها المختلف عن الجمال الأوروبي التقليدي.

- نفسية: هناك سؤال يتردد في نفس محمود سعيد كلّما رأى همّام:

- هل هو يشك في أنني رسمت أخته عارية؟ أم أنه انشغل بحلاوتهم وأنوثتها التي لا تقهر؟

نجد أن نفس السؤال يطرحه همام على نفسه:

- هل رسم محمود سعيد أختي عارية؟

تساؤل عند محمود سعيد عن (عصفور من الشرق) لتوفيق الحكيم:

- هل يقصدني أم يقصد نفسه؟ من فينا العصفور؟

يجيب: أنا الآن عصفور من الشرق في لندن . غدًا سأضع عصفورًا في أرضية اللوحة السردية الجديدة .إنه عصفوري أنا وليس عصفور الحكيم. إنه شرقي أنا وليس شرق الحكيم. فهي إذن الغربة، غربة النفس وغربة الوطن. 

4- المدخل العقلاني أو التوليدي:Mentalism Theory

والأدب إناء ومدخل التناص لإنه يهتم بقضايا الناس، ويهتمّ ،أيضاً بكلّ ما يتولّد من فكر وأحداث، فهي قليلة بالنسبة لسعة الحياة وامتدادها، فحين يلج الشاعر أو الكاتب عالم الأدب لابدّ وأن له تجارب مرّ فيها، وهي تجارب مرّ فيها الناس من قبله، فما يكتبه الأديب هو مأخوذ من تجربة ثلاثية، تتكون من ثلاثة عناصر كما تراها الرؤية الذرائعية،

أحداث الحياة الحقيقية: شهدت الأوساط الفنية والتراثية المصرية سرقة الكثير من الآثار والأعمال الفنية المصرية، وكان هناك وإلى الآن تجار وعصابات متخصصة في هذا المجال من التهريب والسرقات.

تجارب الكاتب الشخصية: تناص الكاتب مع نفسه في ذات الموضوع مع روايته السابقة الماء العاشق.

التجارب والأحداث التي مرّ بها غيره وقد شاهدها أو قرأ عنها: تناص الكاتب مع الكثير من الكتّاب الذين كتبوا سيرة غيرية عن شخصيات مرجعية.

 ثالثًا- المستوى الأخلاقي Moral Level

 1- البؤرة الفكرية الثابتة أو التبئير الفكري Static Core:

هي مدخل أخلاقي تجعله الذرائعية مركزًا ثابتًا لا ينزاح، ومنه ننطلق إلى باقي المستويات أجد فيه كناقدة ذرائعية نوع العمل الأدبي ومحتوياته الأخلاقية الثابتة، هذه البؤرة تتحدّدها الذرائعية باستراتيجية الكاتب الأخلاقية العامة التي تتطابق مع المسيرة الإنسانية والأخلاق العربية والإسلامية المحافظة، بالإضافة إلى الأفكار العامة ونوع الرؤى التي يطرحها الكاتب، والتي ينبغي أن تكون مفيدة للمجتمع وخالية من جميع الأفكار السلبية المستوردة المنافية للأخلاق، وقد لمست ذلك جدّيّا عند الكاتب (على اعتبار أن ما أجراه على لسان السارد المشارك من أفكار لم يكن هو بمعزل عنها) فهو لم يوافق الشاعر الفرنسي (جان آرثر رامبو) بدعوته إلى التشويش عن طريق تعاطي الكحول والأفيون، حيث يشوّش حواسه ضمن حيزه الواقعي ليمارس طقس الرائي بما يملك من خيبة وجنون لتقطيع ذات والعبث بها بهدف الوصول إلى مخبوءاتها الجوهرية، وإنما أراد أن يصل إلى إشراقات في اللوحة وإلى كيمياء الألوان، وتفاعل الظلال مع الأنوار لينهي اللوحة، فهو لم يرد إنهاء لوحته بموت او اختفاء (موديلاتها)، إنما أرادها اللوحة النواة التي ينطلق منها لآفاق مصرية، وآفاق عربية، وآفاق عالمية، أراد الابتكار، أراد رسم الحياة المصرية بحكاياتها وموضوعاتها البكر الجديدة التي لم تُرسم بعد، بهدف أكبر وهو أن يرصد ذاته ليدرك مقدار نجاحه في ذلك التحدي، أراد الغوص أكثر في أعماق البائسات، لأنه أيقن أن الإنسان بذاته الداخلية بكل ما تحمل من ألم وبؤس هي أولى بالرسم والتصوير من الأجساد العارية، مغيّرا بهذه النتيجة التي وصل إليها آراءه السابقة في اللوحات العارية، والتي كانت نوعًا ما متأثرة بالفكر الغربي. 

2- الخلفية الأخلاقية للنص أو الثيمة:Theme or Moral Background

تناول العمل موضوعًا رئيسيًّا وهو سرقة وتهريب وبيع التراث الثقافي المصري، وهي ثيمة وجدتها عند الكاتب بالاطلاع على عمله السابق (الماء العاشق)، وكأنها صرخة صامتة تشعر بالخزي والخيبة من اشتراك ذوي النفوس الضعيفة والجاهلة من بني قومه في تلك الصفقات المريبة والسرقات الوقحة لفنون وتراث البلد. 

رابعًا – المستوى الحركي في التحليل Dynamic Level

ندرس في هذا المستوى:

- البناء الفني:

1- العنوان: اللون العاشق

 عنوان قصير، جملة اسمية معرفة، صفة وموصوف، اللفظة الأولى اللون تأتي من عمق موضوع الرواية، اللون هو سيد اللوحة البطلة، أما الصفة (العاشق) فأراها من منظورين: الأول أنها صفة تخص اللون الأزرق الذي يعشقه الفنان محمود سعيد و يعتبره مرحلة بالفن لن يغادرها ويبقى مخلصًا لها، يقول في الصفحة 226:

بيكاسو الأسباني الذي التقيته مع الحكيم في اللوفر، مرّ بمراحل عدّة منها المرحلة الزرقاء، والمرحلة الروز، وهو الآن في المرحلة التكعيبية. وأنا أحب المرحلة الزرقاء ، فقد تفتّحت عيناي على زرقة بحر الاسكندرية، لذا أحب هذه المرحلة ولن أنتقل إلى أخرى، فأنا مخلص وعاشق للون الأزرق، واللون الأزرق يعشقني، فعلًا إنه اللون العاشق وسط جميع الألوان.

المنظور الثاني أن الكاتب أصدر قبله (الماء العاشق) وسيصدر (الحجر العاشق)، يعني الكاتب معني بإصدار سلسلة أعمال تحت صفة (العاشق).

2- المقدمة:

جاءت المقدمة استهلال تعريفي ببطل الرواية (محمود سعيد)

 والمكان(فيلته في جناكليس) وصف المكان بما فيه(الفوتيه، مقعد تابوريه، لوحات متعددة في بهو الصالة الكبرى التي لا ترى البحر ...

(جلس محمود سعيد في فيلته جناكليس على الفوتيه المحبب له من طراز لويس الخامس عشر، موديل المركيزة والمصنوع من الخشب الزان، الطبيعي غير المشغول بالحفر....) البداية بهذا الوصف الدقيق لإيهام القارئ بواقعية الرواية منذ بدايتها.

أما الزمان:

 زمن وقوع الأحداث:صباح يوم مشرق في العام 1935بدأ السارد بسرد المحفزات التي دفعته لرسم لوحته التي دارت الأحداث بسببها، يقول:

(أتذكر أنني منذ سنتين- في عام 1933- رسمت لوحة لصيادين الأسماك أطلقت عليها اسم " الصيد العجيب" ..... 

3- الصراع الدرامي وبناء الحدث:

استخدم الكاتب في بناء الحدث الطريقة التقليدية: حيث تدرّج بحدثه من المقدمة حتى العقدة ثم النهاية، متتبعًا التطور السببي المنطقي.

لقد حقّق الكاتب عنصر التشويق في الحدث القصصي إلى حدّ جيد نسبيًّا، عن طريق الحبك الفرعية التي رفدت الحبكة الرئيسية (قصة ست الحسن مع حسان.... قصة حلاوتهم مع زوجها السنجاب)، وعن طريق زجّه بشخصيات مشهورة في الرواية مثل المخرج السينمائي محمد كريم، والفنانة ليلى مراد، المطرب محمد عبد الوهاب، والمطربة أم كلثوم، والشاعر أحمد رامي، ويوسف وهبي، مع ذكر الظروف التي رافقت أفلامهم المشهورة (الوردة البيضاء، وداد ...) والأديب توفيق الحكيم و سفره مع الفنان إلى فرنسا وحكاية كتابة روايته (عصفور من الشرق)، وكذلك الفنان الأسباني المشهور(سلفادور دالي)، سرد الفنان قصص لوحاته، وذكر أماكن ومعالم في الاسكندرية (مسجد المرسي أبو العباس، حلواني ديلييس، شارع سعد زغلول، جناكليس ....) ومعالم في القاهرة (قلعة صلاح الدين، الزمالك، بولاق...)

 كل ذلك جعل الرواية تنبض بالعاطفة وسط كمّ كبير من معلوماتية ثقافية فنية.

كما حقق الكاتب العنصر الثاني الهام وهو زمن الحدث الذي ينطوي على مجموعة من الأزمنة منها: الزمن العام: سيرة الفنان الفنية حتى عام 1935

 والأزمنة الخاصة: زمن العمل القصصي نفسه: خلال سنة 1935

إضافة إلى أنه أجاد في التعبير عن نفوس الشخصيات، وانتظام الأحداث والشخصيات في حبكة مترابطة معقولة، اكتسبت صفة السببية، وتكاملت بالمعنى أو الرسالة التي أراد الكاتب إيصالها إلى المتلقي.

أما عن سردية الحدث أي طريقة عرض الأحداث، فقد استخدم طريقة الترجمة الذاتية، حيث تولت سرد الأحداث الشخصية المحورية (محمود سعيد) بضمير المتكلم(أنا) قدّم الشخصيات وحلّلها تحليلًا نفسيًّا من وجهة نظره.

4- الشخصيات:

أنواع الشخصيات الفنية التي استخدمها الكاتب في الرواية:

- الشخصيات المحورية:

الفنان محمود سعيد: والذي يمكن اعتباره الشخصية الواصلة الناطقة باسم المؤلف هذه الشخصية الواصلة هي أكثر ما تعبر عن الرواة والأدباء والفنانين. 

- الشخصيات المعارضة:

حلاوتهم: التي كانت أول الشخصيات الوافدة إلى الرواية والتي قادت أحداث الرواية في مثلت الصراع الدرامي حتى العقدة التي تشكلت بموتها، بعد موتها انقلب الصراع باتجاه الانحسار، تلاشت الأحداث، وغادرت بقية الشخصيات ولم يبق غير الشخصية المحورية (محمود سعيد) التي كان لزامًا عليه أن ينهي السيرة، وينهي اللوحة التي تصدّرت فيها حلاوتهم منتصف اللوحة تمامًا وعن يسارها ويمينها الوصيفتان ست الحسن وجميلة.

أبعاد الشخصية:

البعد الجسدي: شابة سمراء ذات شعر أسود طويل ينساب على ظهرها، وعينين واسعتين سوداوين، وشفتين غليظتين، ذات قوام مصري لين، طويلة القامة، مع سيقان أسطوانية ممتلئة،

البعد الاجتماعي: بنت بحري، وحيدة أبويها، مطلقة وهي في سن صغيرة، وكان أبوها (المعلّم الجزّار) قد زوّجها - قبل موته غرقًا في إحدى نوات البحر- غصبًا للسنجاب الذي كان عاجزًا جنسيًّا، ترك لها أبوها بعض المال من تجارة غير تجارة الأسماك لم يكن يهمها ان تعرف أي تجارة هي (قد تكون إشارة إلى تجارة مشبوهة)، وثقافتها الضعيفة، لكنها جريئة في ألفاظها ونظراتها وإيماءاتها الجنسية.

البعد النفسي: شرهة لكل شيء، لها تطلعات وطموحات كبيرة مستعدة أن تقدم في سبيل الحصول عليها كل شيء.

- الشخصيات المساعدة:

ست الحسن:

اسمها الحقيقي توحيدة، أما ست الحسن فلقب أطلقوه عليها لجمالها وحسن ألفاظها وجمال صوتها، تزوجت عبد الحميد بعد أن خذلها أخوه حسان الذي أحبته وساعدته في الهرب من قرية النجعاوية، طلبت من عبد الحميد حينما خطبها أن يقيما بالاسكندرية لتكون قرب حسان.

- شخصيات بسيطة: ولدت مكتملة على الورق، لم تتطورلم تغيّر ملامحها الأحداث، مثل جميلة و حسان وعبد الحميد وسعدية ومورينو.

- شخصيات نامية: وهي شخصيات تتطور من موقف إلى آخر بحسب تطور الأحداث، لا يكتمل تكوينها حتى تكتمل الرواية، وتتكشف ملامحها تدريجيًّا خلال السرد، مثل شخصية همّام، محمودعبد الوهاب، آري.

- الشخصيات المرجعية: وتكون حسب مجال شهرتها: تاريخية، أسطورية، مجازية، واجتماعية....مثل توفيق الحكيم، سلفادور دالي، محمود مختار، محمد كريم، محمد عبد الوهاب، ليلى مراد.

طرق عرض الشخصيات: اتبع الكاتب طرقتا العرض الأساسيتين:

- الطريقة التحليلية: وهي الطريقة المباشرة التي يعنى فيها برسمها من الخارج واصفًا تصرفاتها وشارحًا عواطفها وأحاسيسها بأسلوب صريح تكشفت من خلاله شخصيته وتوجيهه لأفكار شخصياته وفق الهدف والحاجة التي أرا دهما، كل ذلك على لسان السارد البطل المشارك.

- الطريقة التمثيلية: وهي الطريقة غير المباشرة، منحها القاص فقط لحلاوتهم، حين أكسبها حرية أكثر للتعبير عن نفسها وعن ميولها وأفكارها وعواطفها، شخصية القاص تتنحى جانبًا لتنطلق حلاوتهم بالتعبير عن نفسها بعيدًا عن أي تأثير خارجي:

(يؤجر السنجاب شقة متسعة أمام البحر مباشرة في الأنفوشي .... السنجاب يعرف أنني لا أميل إليه، خاصة بعد فشله مرات كثيرة معي على السرير رغم ضخامة جسمه،وتناوله العقاقير)

كما منحها لهمّام بدرجة أقل بكثير، فقط ليسأل سؤال (هل رسم أختي عارية؟)

 

 - عناصر التشابك السردي:

1- الموضوع:

الإرهاصات والظروف والملابسات التي سبقت ورافقت رسم لوحة (بنات بحري)، ونشوء فكرة اللوحات السردية عند الفنان محمود سعيد، وبيع وسرقة وتهريب اللوحات الفنية المصرية والشرقية إلى أوروبا، عن طريق شبكة عالمية تستخدم مندوبين يهود أو من جنسيات أوروبية مختلفة وبالأخص إيطالية كانوا يعيشون بالاسكندرية، وبالاستعانة بمصريين تربطهم بأصحاب اللوحات علاقة ما، جريمة قتل تذهب ضحيتها (حلاوتهم) الموديل الرئيسي في اللوحة. 

1- الحبكة:

تبدأ بالتقاء الفنان (محمود سعيد) ب(حلاوتهم) في حلقة السمك في الأنفوشي، التي وجد فيها الموديل الرئيسي للوحته الشهيرة (بنات بحري)، يتفق معها على ذلك، وتأتيه في مرسمه في شارع سعد زغلول مع ست الحسن (توحيدة)، الجميلة صاحبة الصوت الجميل التي يقرر محمود سعيد أن تكون البنت الثانية في اللوحة، وهناك يلتقيان بمحمود عبد الوهاب القاضي مكتشف المواهب الفنية والذي يرى في حلاوته مادة فنية يحتاجونها في عالم السينما، تشاء المصادفة أن يلتقي بجميلة الفنانة المسرحية اليهودية التي تلح بالطلب على المخرج محمد كريم ليعطيها دورًا في فيلمه الجديد، ويرفض بسبب طريقة إلقائها المسرحية الخطابية المباشرة وصوتها العالي، لتكون البنت الثالثة المشاركة في اللوحة، حبك فرعية تساهم في دفع عجلة الأحداث في الحبكة الرئيسية منها مقتل حسان حبيب ست الحسن السابق واتهام أخيه عبد الحميد (زوجها) بمقتله، قدوم أخوة ست الحسن من الصعيد وبقاء أصغرهم (همّام) معها في الاسكندرية، الذي أمنّه الفنان على مرسمه، وتعهد بتثقيفه بعد أن وجد عنده ثقافة واطلاع فني لا باس به، لكنه قام بعلاقة جنسية مع حلاوتهم التي أغوته في المرسم، ثم سفر الفنان محمود سعيد مع الأديب توفيق الحكيم إلى أوروبا- فرنسا بداية – ومعايشته لأجواء كتابة مؤلفه الشهير (عصفور من الشرق) ثم زيارته للندن والتقائه ب(آري) وكيلة فنانين في لندن وباريس، التي دعته لزيارة (جاليري آري) خاصتها.

هناك كانت المفاجأة حيث وجد الكثير من لوحاته (لوحات العري)هناك، لقد سُرِقت من مرسمه! وقد طُمس توقيعه عليها، يكتشف أيضًا أن حلاوتهم وهمام قد باعاها للمندوب الإيطالي (مورينو) -السارق السيء السمعة الذي سبق للفنان طرده من مرسمه - وأن من سرّب ل(مورينو) نبأ وجوده في فرنسا هو صديقه القاضي (محمود عبد الوهاب) مكتشف المواهب، تم القبض على مورينو متلبسًا لحظة استيلائه على لوحات في عملية جديدة، باتفاق بين محمود سعيد –الذي قطع زيارته لأوروبا وعاد لمصر-و همام للإيقاع به، واعتبر همّام شاهد ملك، تم الافراج عنه بعد أن اتهمه مورينو بأنه هو الذي سلّمه اللوحات مقابل مبلغ من المال، كما أن حلاوتهم تقاضت مبلغًا محترمًا أيضًا.

2- العقدة: في انتظار انتهائه من لوحة بنات بحري لينهي الفنان علاقته بحلاوتهم، وانتظار انتهائه أيضًا من ست الحسن التي تنتظر مصير زوجها عبد الحميد في قضيته المنظورة بالمحاكم بعد أيام، وانتهائه أيضًا من جميلة قبل انتقالها للعمل بالقاهرة واشتراكها في دور صغير قرّره لها محمد كريم في فيلمه القادم مع محمد عبد الوهاب، تُقتل حلاوتهم طعنًا بالسكين في حفل خطوبتها على همام....

الشك يدور حول في طليقها السنجاب الذي كان يطالبها بالشقة التي تنازل عن إيجارها لها، فهددته بأنها ستفضحه بعجزه الجنسي، شمل الاتهام أيضًا أخوة همّام الذين حضروا الخطوبة وهم في حالة غليان زاد أوارها الرقص الفاضح الذي رقصته حلاوتهم أمام الجميع.

4- الانفراج: يغادر همام وست الحسن مع أخوتهم باتجاه الصعيد.

يقرّر الفنان محمود سعيد بأن (يتجاوز "بنات بحري " لعمل أكبر وأروع وأبقى، وضع هدفًا أسمى لفنه، أن يغوص أكثر في دواخل البائسات المصريات، يرصد النظرة والوجع واليأس والأمل، يرسم الوجه والجسد على أنهما مرآة للدواخل المتألمة، يقول:

(أريد أن أنقّب أكثر في أعماق النساء البائسات اللاتي عانين من الحياة المصرية، خاصة اللاتي يشعرن بأن العالم من حولهن أصبح مكانًا للموت أكثر منه مكانًا للحياة)

5- النهاية: سيطرة الذات الشاعرة على الفنان، واعترافه بأنه كان من الصعب عليه أن يجمع بين كتابة الشعر وبين الرسم، لكننا نراه ينهي الرواية بقصيدة كتبها على لسان تمثال الخماسين للعظيم محمود مختار بدلًا من أن يقابله بالرسم قال فيها:

قلت لمختارٍ

أن ينقشني حجرًا

من ريح وعويلْ

وقصائد يرددها لامرئ القيس (مكر مفر مقبل مدبرمعًا

 كجلمود صخر حطه السيل من علِ

القصائد التي تثير الدهشة بحركتها التي تُعجِز الريشة واللون، فيتفوق الشعر فن الرسم بإعجاز بيانه!

يسترسل بأشعار بودلير(صلاة اعتراف الفنان) وكأنه لا يريد أن ينهي الرواية، لكن لابد من النهاية، نهاية يستريح فيها هو وتستريح فيها حلاوتهم برحمات يطلبها لها وخلود في لوحة شاركته شهرتها.

التشابك السردي والصقالة وإعادة البناء الجمالي:

ندرس في البناء الجمالي:

1- الأسلوب Style:

استخدم الكاتب الأسلوبين الواقعي و المباشر في سرد الأحداث، وبالنسبة للشخصيات جعلها تتحدّث بلغتها، ومستواها الفكري ما أكسبها المنطقية والواقعية والصدق، وتكون بذلك جاذبة لاحتوائها على عنصر التشويق، لنرَ كيف تتكلم حلاوتهم وست الحسن:

حلاوتهم: لا تخافي منه فهو رجل محترم وابن باشوات

ست الحسن: يا بختك يا توحيدة ستتعرفين على ولاد بشوات

الملاحظ أيضًا أن الكاتب استخدم من ناحية الموضوع الذي يعالجه الخطاب اللغوي الأسلوب المعتدل أو الوسيط، عندما كان يتحدّث عن التاريخ والمعلوماتية الفنية الثقافية.

كما وجدت ذات الأسلوب في المقال الذي كُتِب عن محمود سعيد في كتاب جديد بعنوان (الظلال) كان على مائدة في مرسمه، وقرأه همّام عن الرسم والتصوير. 

2- السرد Narration:

جاء السرد في الاستهلال والمقدمة على لسان سارد خارجي سلّم السرد بعدها لسارد مشارك هو صاحب السيرة (محمود سعيد)، كما هو واضح في التالي:

.... استدعى محمود سعيد خادمته السمراء نبوية وطلب منها أن تصنع له فنجانًا من القهوة التركية المحوِّجة، يبدو أنه قرّر أمرًا ما.

قال لي: أزحتُ الستار المخملي عن الشباك .... ومن هنا بدأ السارد المشارك بسرد أحداث الرواية بتتابع فني جيد.

3- الحوار Dialogue:

أجاد الكاتب استخدامه لأداء كل وظائفه، وأهمها التخفيف من رتابة السرد الطويل، فنجده يأتي به بعد كل سرد حَدَثي أو وصفي، بنوعيه الديالوج والمنولوج، وتحديدًا في المنولوج كما أنه وظّفه في التعبير عن الأفكار وآراء الشخصيات، وإظهار سويتها الثقافية مثال الحوار بين حلاوتهم وست الحسن الذي يكشف تراخي حلاوتهم في سبيل المال، وتحفّظ ست الحسن:

حلاوتهم: "خلّي الرجل يشتغل ويرسم ويكسب ويكسبنا معاه".

ست الحسن:" يا عيب الشوم، يرسمنا! وماذا أقول لعبد الحميد، أعتقد أنه لن يوافق، إحنا صعايدة يا حلاوتهم".

استعمل الكاتب اللغة العربية الفصحى، وأحسبها نقطة كبيرة له، فهي لم تبعد الشخصية عن واقعها الحياتي كما يدّعي دعاة العامية، وبقيت لغة الحوار خاصة بكل شخصية، فعلى لسان حلاوتهم وست الحسن أجرى الحوارات الوسيطة التي تعتبر كل لفظة منها فصحى لكنها بالتركيب تقترب من العامية.

كما قام الحوار بوظيفة اختصارالسرد:

قلت لتوفيق: علينا ألا ننسى أن نحج إلى الجناح المصري بالمتحف.

فقال لي: بالتأكيد سنحج إليه، بل سنختم يومنا به حتى لا يغضب منا أجدادنا هنا.

اكتسبت حواراته صفة والإيجاز والسرعة في التعبير.

- التجربة الأدبية أو الإبداعية للكاتب:

لقد قام الكاتب بمؤلفه هذا بإعادة بناء الحياة الفنية للفنان التشكيلي محمود سعيد بتفاصيلها المتداولة بناء على ما ارتآه شخصيًّا، معتمدًا على ما جمعه من معلومات عن الفنان سواء أكانت مكتوبة أم محكية أم مصورة ، ولم يدّخر في ذلك وسعًا، حتى أنه وظّف مقالًا قديمًا -لم يذكر كاتبه- كان بمثابة وثيقة تاريخية وشهادة حيّة عن مسيرته الفنية ونبوغه وتأثيره في نهضة مصر الثقافية على المستوى الفني التشكيلي. وظّف الحوار ليكون قالبًا عميقًا لمعلومات تاريخية عن لوحات عالمية، كنت أفضّل لو أن الكاتب جعلها في هوامش، كيلا يثقل على ركن هام من أركان السرد، لكني استمتعت جدًّا بالحديث عن سيرة و عبقرية الفنان النحات محمود مختار، حوار بمعلومات سلسلة توزع على أكثر من أربعة متحاورين، أما ما يخصّ الفنان محمود سعيد فقد أثرى الكاتب جانبه بطريقة باذخة جدًا، واستطاع أن يخلق فينا إحساسًا كبيرًا بدواخل هذا الفنان، آراءه، ثقافته، إنسانيته، وشفافيته.....

 الصور الملحقة بالعمل السردي أعتبرها صفحات مكتوبة و مقروءة، تُحسب للكاتب إغناءً أكثر منه هوامشًا، أيضًا استثمار الكاتب لتقنيات السرد من ستباق واسترجاع وتلاعبه بالأزمنة والأمكنة بما تناسب مع الشخصية الفنية بإطارها الإنساني والثقافي والمعرفي، وتنويعه في أسلوبية السرد، وإبرازه العلاقة الوطيدة بين الأدب- الشعر تحديدًا – والفن التشكيلي والعلاقة المركبة والمتبادلة بينهما، من النقاط التي تُسجّل في حقل تجربته الإبداعية.

الخاتمة:

أتمنى أن أكون قد أحطت بجوانب هذا العمل الأدبي للأديب والشاعر الخلوق أحمد فضل شبلول، إن قصّرت فلنقص عندي، وإن أوفيت فبفضل من الله وتوفيقه.

 

د. عبير خالد يحيي

 

عبد الحق السالكيلامس الدارسون الكثير من النصوص، وعملوا على تقريبها الى المتلقي فاقتفوا في سبيل ذلك خطى متعددة، لكن أشياء ما ظلت منفلتة، يحس القارئ معها أن حلقات تنقصه؛ لأن النص ظاهرة لا تقول كل شيء . لعل الغابر / العميق فيه؛ هو الذي يعيد الأمور الى نصابها . إننا هنا بصدد فهم العملية الاستكشافية / الإبداعية التي تصدر عن الإنسان ذلك المجهول . فرغم تنوع وتعدد وتعمق الدراسات في فهم الإنسان (رجل وامرأة) مورفولوجيا، فسيولوجيا، نفسيا، واجتماعيا .. فقد ظل مثار سؤال وتعجب . من ذلك الاختلافات التي تميز جسم المرأة من جسم الرجل تبعا للوظيفة التي من أجلها خلق الله خليفته في الأرض . وهي التكاثر، والعبادة التي تحدد نوع العلاقة الرابطة بين الانسان وبين نفسه، وخالقه، وباقي المخلوقات (انسان، حيوان، نبات، هواء، فضاء ..) . هذه الاختلافات والتشابهات العضوية وا لفسيولوجية بين الرجل والمرأة هل تنطبع بها الكتابة؟

بمعنى حين تكتب الأنثى شعرا أو قصة أو .. هل تختلف هذه الكتابة اختلاف جنس عما يكتبه الذكر . وليس الذكر كالأنثى؟ سأحاول في هذه الدراسة أن أدلو بدلوي، حقي وباطلي، ملامسة للإجابة عن السؤال من خلال الوقوف على مؤلف لإحدى الأديبات المغربيات . 

يطالعنا اللطف والجمال، ونحن نريد أن نقبض على " لطيف المقال ..." (1 ) فبعد وداعة العنوان و" استيتيكيته "، يأسرك الإهداء: " الى عشاق الحرف والترحال " (2) . إهداء يحيل الى عالم المتعة والرفاهية، وتحقيق ما تميل إليه الذات البشرية من رغبة في تجلية النظر في أكثر من مكان، ومشاهدة ما يروق للعين من مناظر وآثار وأوطان؛ وهي جبلة جبل عليها الإنسان . وبها تتحقق أهداف كثيرة: (دينية، علمية، اقتصادية، صحية، ونفسية ..) . ويؤازر الإهداء في هذا عنوان الكتاب: " لطيف المقال في الأدب والترحال " بما فيه من عبارات جمعت في عقد واحد: اللطف والأدب، والترحال؛ وقد رصع هذا الجمع بموسيقية السجع سيرا على طريق عناوين كبار الرحالة العرب من مثل: " تحفة النظار في غرائب الأسفار " لابن بطوطة " كما زين بلغة الكاتبة، الأديبة الأريبة الشاعرة مالكة عسال التي استطاعت – بما أوتيت من قدرة على توظيف حواسها، مستثمرة كل ما يتصل بالصوت والصورة – نقل تجربتها الوظيفية كأديبة وصحفية . لكن، وبالمقارنة بأعمال سابقة ك " دمعة "، " فراديس منفلتة "، " وشم الأمس على الأضرحة "، يظهر جليا الحقول المعجمية الأساس التي ينحث منها الكتاب . إلا أنه " في المقاربة الأولى وقبل أي مسار الى أداة مفهومية لسانية و/ أو سيميائية صارمة، يمكن لنا تناول السردية (" في أدب المقال+ ") من وجهة نظر جد عامة، من خلال نظرة ذات منحى انتروبولوجي تتصل بتجربتنا اليومية؛ وذلك باستدعاء التضاد الآتي: الثابت في مقابل المتحول . وهو تضاد فلسفي، لكن بفضل هذا التمييز الأساسي بين ما هو قار وما تم تغييره أو تحويله، نعطي، مسبقا، معنى لكل ما يشكل عالمنا الدلالي، ولكل ما سميناه، تبعا لرأي " يامسليف L . Hjelmslev مجال المحتوى le plan du contenu " (3) .

فمنطلق المسير سيتكئ على اللفظ، ويرصد الثنائية المتضادة الثابت/ المتحول؛ لأنها ثنائية ذات بعد انتروبولوجي تيسر عملية التدليل Signification . وردفا للتطبيق على النظر، وبما أننا نحتفي في مدينة الدروة (4) فإني سأعطي الأولوية لأقرب المناطق منا شدت إليها الكاتبة الرحال: كمنطقة " حد السوالم " ن ومنطقة " كيسر – سطات " (5) .

يسرد مقال: " ليلة القبض على منطقة حد السولم " التظاهرة الثقافية التي دعت اليها الجمعية المغربية للغويين والمبدعين بتنسيق مع جمعية نهضة السوالم، بمناسبة الملتقى الشعري لبلدية مدينة حد السوالم بتاريخ 07/07/2010، والتي كانت تحت شعار: " دور الشعر في ثقافة الهامش " . ومن خلاله (المقال) نقف على جملة من الثوابت: كالتحديد الجغرافي للمنطقة، والقبائل الأصل التي استوطنتها: (قبائل أولاد جامع الساحل أولاد حريز الغربية ...)، شهرة المدينة؛ إذ " تشتهر بأسواق اللحم المشوي الذي يتميز بجودة عالية وطراوة رفيعة " (6) . لكنها تعتبر على المستوى الثقافي من المناطق التي تعيش على الهامش، وقد جاءت التظاهرة لتمارس عملية الانتقال والتحول، بري المناطق الجدباء من عقم وافتقار الخلق والإبداع، إذ تناوب على المنصة خمسة عمالقة، يهشمون رأس الشعار " دور الشعر في ثقافة الهامش " ليستخرجوا من نخاعه الشوكي الرحيق(7) .

نص " ليلة القبض على منطقة كيسر – سطات " كان التأثيث فيه للمهرجان الثقافي لعاصمة أولاد سيدي بنداود، كيسر أيام 7/8 من شهر نونبر 2009 في مستوى التطلعات بحكم التجربة الآتية من المهرجانات السابقة التي جاب صداها الآفاق، كما كانت المشاركات وازنة . توزعت على جلسات باذخة . والملاحظ على هذا النص أنه يذكر الايجابي أكثر مما يقف على السلبي، عكس ما يمكن أن يقف عليه القارئ لنص " ليلة القبض على حد السوالم " . فمن تلفظات الايجاب وهي كثيرة نذكر:

" على إثر نجاح ما سبق من مهرجانات أدبية، وما خلفته من صدى طيب، وطنيا وعربيا " .

" جلسات باذخة " .

" العرس البهيج " .

وصف جمالية المكان والجو ...

" منطقة كيسر المضيافة، ويصافحون أهلها الشرفاء " .

ومن العبارات المرتبطة بالضد الثابت نذكر:

" تحلق الأدباء حول موائد الغذاء في انصهار شديد، ليشكلوا أسرة واحدة هدفها الأسمى خدمة كيسر ثقافيا، وبعث واحتها المقصية روحا ثقافية نابضة ..." .

نقرأ أيضا: " كما تقدم المبدع أحمد عوام ابن المنطقة بورقة تعريف بكيصر (...) فعرف بها وبسكانها: أولاد سيدي بنداود، ومهامها الرعوية والزراعية والسقوية، مطلعا إياهم على قيمها النبيلة، كاشفا الغطاء عن أسماء لامعة مدفونة تحت صفيحة التهميش والنسيان " .

إذ يلاحظ أن السلبي يقف محتشما أمام الايجابي، رغم أننا في فضاء مهمش في غالبيته . فلأمر ما، أو لميول نفسي ما وجدنا الكاتبة وكأنها تتحيز للايجابي .

لقد طبع كتاب "لطيف المقال في الأدب والترحال " طبعته الأولى في يناير 2016، لكن الأحداث التي تعرض لها تعود الى السنوات الآتية: 2007 /2008/2009 / 2010 / 2011 / 2012 / 2014 / 2015.

يعني ثمان سنوات من الترحال والعمل المكثف والمتواصل، هذا اذا استثنينا سنة 2013 التي لم ترد ضمن ما أرخ له . فهل كان ذلك تشاؤما من الرقم 13 ؟ مع إشارة بسيطة وهي أن الرحلة أو بلغة الكاتبة: " ليلة القبض على محاميد الغزلان " بقيت يتيمة فيما يتعلق بعدم ذكر تاريخ القبض .

فبين سنة 2007 وسنة الطبع 2016 مسافة زمنية طويلة، خاصة وأن أزمنة أخرى تطفو على السطح حين استحضار هذا المقوم (الزمن): زمن الكتابة، وزمن الرحلة في علاقتها بالقدرة على التقاط التفاصيل والجمع بين المتباعدات: التاريخي، والسياسي، والمحلي، والثقافي، والمركزي، والهامشي ...إن هذه القدرة على الجمع بين الجزئيات والتفاصيل والكليات يعزى الى طبيعة دماغ المرأة الذي يختلف عن طبيعة دماغ الرجل . فقد أثبتت دراسة نشرت في مجلة Neurology أن الذاكرة اللفظية، وهي الذاكرة التي تتعامل مع الكلمات واللغة أقوى عند النساء . وهو اختلاف لم يعرف الخبراء سببه . " ففي الاختبارات الادراكية التي يطلب فيها تذكر قائمة كلمات، تقدم النساء نتائج أفضل من الرجال .و ما يعطي أفضلية لدماغ المرأةهو أنه يحدث تواصل بشكل أفضل بين جزئيه، وهو ما يحسن الذاكرة اللفظية . "، كما أن للمرأة مهارات أكبر في الاتصال والتوصل، وأقدر عن التقاط الإشارات العاطفية والانفعالات .

مع " لطف المقال .." نحيا لطفا بل ألطافا: ازدهاء واحتفالات؛إلا أننا نجد ثابتا يكاد يحضر، ويتكرر بشكل لافت . يتمثل في لفظة: " ليلة القبض على ...":

- " ليلة القبض على بلد بزو ..." .

- " ليلة القبض على مدينة خريبكة ..."

- " ليلة القبض على مدينة طنجة ..."

(....)

و هي عبارة تستفز اللطف والجمال؛ لأنها تنتمي الى معجم الاتهام والعقاب . فما الحقيقة إذن في هذا الكتاب؟

" بالاعتماد خاصة على يقينيات القول، وعلى العلاقات الاستتباعية للتلاحم السيكلوجي، وعلى مستلزمات بنية النوع - يمكن للباحث المتئد والمتواضع – أن يستخلص البديهيات التي تحدد، على نحو ما ن مناطق الموضوعية: انطلاقا من ذلك يمكنه – وبحذر بالغ – أن يحاول القيام بالتأويل " (8). وهو تأويل أقمناه على الثنائية الضدية الثابت والمتحول، كما نستفيد من المربع السيميائي الآتي لتحديد بعض يقينيات الكتاب، بالاعتماد - كما أشرنا – على التضاد المركزي: الثابت والمتحول أو اللطف في مقابل اللالطف أو القساوة .

ثابت........ علاقة تضاد ...................... متحول

التداخل في الإثبات علاقة تناقض التداخل في النفي

الهامش غير المشارك   المركز، السويد نموذجا

ثقافيا

لا متحول....(العدم).........ما تحت التضاد.......لا ثابت

فبين وضعية اللطف واللاقساوة / المتحول يوجد تضمن في النفي الذي يعبر عن وضعية الانسياب وعالم المركز والسويد الذي سمته الكاتبة وعنونته ب " ليلة القبض على دولة السويد: شعب ملائكي، وبلد ساحر وأخلاق فوق المستوى " . أما وضعيات الثبات والقساوة والتهميش في مقابل اللطف

و الاهتمام فتتفاوت في ذلك المناطق حسب الوعز والدافع الحاشد والمحرك للهمم والقلوب .

اذا كان أهم اكتشاف وصل اليه هواللغة، التي اعتبرها البعض هبة الهية؛ فان هذا الكشف لا تضاهيه في مكانته وأهميته إلا الكتابة . واللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، كما ذهب الى ذلك ابن جني . وتوظيفها من طرف القوم يضفي عليها الصبغة الجماعية (رجالا ونساء)، إلا أن الصوت يخصص؛ اذ ان صوت المرأة الجذاب والمثير، غير صوت الرجل الخشن ذو النبرات المنفرة . خاصة اذا خضعت في القول فيطمع الذي في قلبه مرض، وقد تتميز المرأة من الرجل في الأسلوب . فإذا مع الأسلوبية: الأسلوب هو الرجل، فإنه جائز القول: الأسلوب هو المرأة . فاللغة مشتركة والكتابة رسم لها؛ ويبقى الاختلاف والخصوصية في كيفية التوظيف . نذكرعلى سبيل المثال أن الأديبة مالكة عسال عبرت عن اللطف والجمال، كما عبر عنه أبو نواس من خلال مضمون كلامه: الماء والخضرة والوجه الحسن . ففي الكلام ما هو مشترك كما فيه ما هو مميز، قد تفيدنا في هذا العلوم المعرفية، بما تحتوي عليه من علم الأعصاب، وعلم تحصيل المعرفة، وتدبيرها، وعلم النفس، واللسانيات، وفلسفة الذهن، وعلم وظائف الأعضاء، وعلم التشريح، والفيزياء الكهربائية والصوتية، والكيمياء العضوية العصبية .. والأناسة، وعلم النفس الخاص بتأثير الأصوات .. وما تقدم من أدوات علمية، ومفهومية (9) .

 

 

د. عبد الحق السالكي (المغرب)

.....................................

الهوامش:

(1) مالكة عسال: " لطيف المقال في الأدب والترحال "، دار القرويين، ط 1، 2016 .

(2) نفسه، ص 4 .

+ (...) الزيادة مني .

(3) –Joseph Courtés: Analyse sémiotique du discours de l’énoncé à l’énonciation , Hachette , 1991 , p . 69 .

(4) المهرجان الثاني للأدب والثقافة بمدينة الدروة اقليم برشيد، أيام 4/5/6 غشت 2017 .

(5) انظر ن مالكة عسال: لطيف المقال في الأدب والترحال .

(6) لطيف المقال في الأدب والترحال، ص 21 .

(7) نفسه، ص 22، بتصرف.

(8) رولان بارث: النقد والحقيقة، ترجمة وتقديم د . ابراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، ط 1، 1405 ه – 1985، ص 6 .

(9)انظر، د , محمد مفتاح: مفاهيم موسعة لنظرية شعرية: اللغة – الموسيقى – الحركة، الجزء الأول، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء (المغرب)، بيروت (لبنان) ط 1، 2010، ص 14 و20

المصادر والمراجع:

(1) مالكة عسال: " لطيف المقال في الأدب والترحال "، دار القرويين، ط 1، 2016 .

(2) رولان بارث: النقد والحقيقة، ترجمة وتقديم د . ابراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، ط 1، 1405 ه – 1985.

(3 ) انظر، د , محمد مفتاح: مفاهيم موسعة لنظرية شعرية: اللغة – الموسيقى – الحركة، الجزء الأول، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء (المغرب)، بيروت (لبنان) ط 1، 2010 .

(4) –Joseph Courtés: Analyse sémiotique du discours de l’énoncé à l’énonciation , Hachette , 1991.

 

 

رحيم زاير الغانممقدمة: إنَّ عملية التفريق بين المعنى والحقيقة أو الصحة في النص الأدبي من الأمور التي تحتاج منّا فكَّ اشكاليتها، إذ إننا في مجال النقد الأدبي نتعامل مع النص على اعتبار انَّه نتاج خيال المؤلف، رؤى وأفكارا وخبرة وموهبة، نص منتج بذاكرة تصويرية موجَّه عقليا، نصٌ في أغلب بنياته رسائل تحمل بين طياتها شفرات من عالمه الصغير/ النص الأدبي، حتى لو ارتأى المؤلف إضفاء شيئا من الحقيقة عن عالمه الكبير/ النص الحقيقي، كأن نقرأ في نصه تضميناً لحياته أو ذكرا لأسماء أو لأحداثٍ من واقعه المعاش، التي لا يمكننا عدها إلا جزءا من كون النص الأدبي، فالنص الأدبي يتواصل مع متلقيه بكونيته لا بذاتية مؤلفه أو موضوعه، فلا يمكننا ان نستمد من النص الأدبي الحقيقة أو الصحة فهو ليس بنص مقدس أو وثيقة تاريخية، (إننا نهتم هنا بمعنى النصوص وليس بصحتها....)1، وهذا بحد ذاته يجعلنا في منأى عن اعتماد استقراء النص كبرهان لحقيقة محددة بمرجعيات فطرية غريزية وليكن تأويل النص بمجسات أدبية فكرية/ عقلية فاعلة، في ضوء منهج، كي ننأى عن قطعية الحكم المسبق، وإلا، (تكون أذهاننا مشغولة بالبرهان والاستقراءات المرتكزة على مبادئ المعرفة الغريزية أو الفطرية (كي لا نتحدث عن الإحكام والآراء المسبقة)....)2.

ان مراد القارئ الوصول إلى المعنى لا البحث عن حقيقة أو صحة النص الأدبي، وهذا يتحقق من خلال فحص النص فحصا فنيا مع التنبه إلى طبيعة اللغة والنمط/ الأسلوب المتبع، الذي يعتمده المؤلف في بناء نصه الإبداعي، فمن (الضروري التشبث بالعثور على المعنى اعتمادا على أعراف اللغة وطريقة استخدامها....)3

لذا يتوجب ان نفرق بين نوعين من القراءة:-

أولاً: القراءة التفسيرية المغلقة: تعتبر القراءة التفسيرية من أنواع القراءات التأويلية التي تدور في فلك النص، محاطة بأفق تفسيري محض، يحرص على إزالة الغموض واللبس الذي يعتري النص فتشرحه لمتلقيه، ولا يمكن لهذه القراءة الخوض في تأويل معنى ابعد من المعنى الذي ذهب إليه النص، إذ ان شغلها الشاغل معالجة عدم الترابط بين أجزاء النص، فتعمل على الربط بينها، ليُفهم بعدها المعنى الذي أراده المؤلف، (وعليه فالقراءة التفسيرية المغلقة التي تطبق على النص تبقى مجرد أصداء لبعضها بعضا)4، وفي هكذا عقيدة تأويلية مغلقة شارحة، نكون إزاء عقيدة ولاء، (فالنص في القراءة المغلقة الشارحة، يصبح عقيدة له أتباع يعتقدون لا ينتقدون)5، وهذا أكثر ما يُخشى من تلقي النص، إذ ان التسليم بالقراءة الحرفية الشارحة، هو تسليم أتباع لا نقاد، (وهكذا يبدو جليا أن دور القارئ في القراءة التفسيرية المغلقة ينحصر في التلقي السلبي للنص بوصفه معطى مطلقا)6.

ثانيا: القراءة التأويلية المفتوحة: وهي القراءة التي تفتح باب الحوار بين النص ومتلقيه على مصراعيه، وهو خروج عن الأطر التقليدية لتلقي النص، إذ، (ان القراءة التأويلية المفتوحة للنص هي قراءة ديناميكية تأخذ بتعدد الدلالات والتأويلات)7، ففي هذا النوع من القراءة يكون باب التأويل مُشرعاً على تأويلات عدة، لتعدد الدلالات، مع التنبه إلى أن القراءة التأويلية المفتوحة لا تبتعد عن، (سور النص)8، وهذا ما شدد عليه دكتور احمد البرقاوي. فالنص، (يقدم ميدانا محددا من الأبنية الممكنة)9، ولذا يكون الكشف عن معناه في ضوء أبنيته الممكنة لا العمل على لي عنق النص من أجل كشف ما أو إنتاج معنى لا يتناسب ودلالة النص، نلمح فيه تجيير للمعنى لا يخلو من إبعاد ايدولوجية أو عقيدة تأويلية يراد منها إثبات حالة معينة أو حكما ما، وهذا لا يقل سلبية عن تلقي النص بالقراءة التفسيرية المغلقة، وسنتناول كلّ ما تقدم بإجراءات تنظيرية مضافٌ لها عنوانات فرعية كإجراء، علنا نسهم في توسيع دائرة المعرفة، متخذين ثماني مجاميع شعرية كعينات تطبيقية.

1- كون النص:

للنص الشعري كونه الخاص به الذي يهيئ لذات مستقلة، عن (أنا المؤلف)، من أجل خلق أفق ديناميكي/ فاعل، في تعبير عن (ذات متلقية فاعلة)، إذ يمكننا عدّ الموضوعة/ الثيمة، قبالة هذه الذات، أي الذات/ الموضوع، إذ أننا لا نستطيع أن نحرر النص من (أنا المؤلف) ان بقيت الموضوعة تدور في فلك هذه الأنا، عندها يصبح من الصعوبة بمكان تصدير النص لمتلقيه بمعزل عن تلك الأنا، إذن، (أنا المؤلف)، قبالة (ذات، موضوع/ الذات المتلقية)، فما ينتجه النص الشعري متجهٌ إلى (ذوات تتلقاه) برؤى وأفكار وهموم تعبر عن لواعج مشتركة، ينتجها النص الشعري من دون الالتفات ل(أنا المؤلف) كونها (أنا) متحررة (بذاتية التلقي).

من نص(رسالتان) للشاعر حسين الهاشمي10

(إلى جدي)/ الحوار ../ الطريق.. / وما تعلّق من مشاوير الحياة معك/ أسهل بكثير/ من أنبياء هذا الزمان..) ص81

ان كون النص الشعري، وحده من بإمكانه التحكم بالعناصر الداخلية من بنيات نصية وثيم التي هي حصيلة البناء اللغوي للنص، أو خارجية/ سياقية بمؤثرات اجتماعية أو ثقافية أو نفسية، فمهما برز الطابع الذاتي، (أنا المؤلف)، على معنى النص الظاهر/ الطبقة الأولى لمعنى النص، فهي لا تتعدى عن كونها قشور يتخطاها القارئ الخبير في اتجاه ذات منتجة للموضوعة/ ذات متلقيه، فما يصدره لنا نص (رسالتان) من ثيمة الرفض لأنبياء هذا الزمان المضطرب إلا رفض لوجوه سوقت لشعاراتها مسميات أو عنوانات تتسم بالسمو والنبل، خلاف ما تضمر في إنتاج لمعنى التهكم من أدعياء القيم الزائفة.

من نص (الصعود إلى الحافلة)، للشاعر أدهم عادل11

(في طفولتي/ كنت أتخيل أن الشمس صحن من الحلوى/ وعندما كبرت أدركت أن التصور لا يكون هكذا/ والآن هذه الشمس/ هي عبارة عن رأس كبير يحترق) ص14

لا نكتفي بالوقوف على ما ينتج النص الشعري من معنى ونتخلى عن كون النص، لذا لا انصراف عن هذه الكونية، التي تندرج ضمن باكورة الانسلاخ عن (الأنا المتأصلة) في وعي جموع جمهور القراء التقليديين التي هي انعكاس لسلطة النسق الأنوي المرعي بثقافة أبوية المؤلف، ثقافة من متبنياتها حصر النص وما ينتج من معنى، في خانة (أنا المؤلف) في دحر لذاتية الموضوع/ ذاتية التلقي، فما يطرحه نص (الصعود إلى الحافلة) من تخيلات تستبطن أسئلة، تُتركُ لمتلقيها، فليس من واجب المؤلف الإجابة عنها، وهذا يحسب له، أي ان النص يطرح أسئلة عن الوجود، وتحولات المعنى، فبعد أن طرح النص الشعري، ان الشمس صحن من الحلوى في نظر طفل، يتحول المعنى إلى رأس كبير يحترق، في إشارة إلى استشراف قرب نهاية هذا الوجود الكهل، وما الطفولة البشرية إلا إسقاطات بمعنى أعمق، لقرب ساعة تحوله إلى رماد، في وشاية نابهة لسعة الأفق بتقادم الزمن، وتحولات المعنى للنص المرئي (الشمس) هذه المرة.

نص (أرجوحتي) للشاعر ولاء الصواف12.

(منذ خمسين قطافا أو يزيدْ../ أهزها مرةً.. وصوت الحرب يهزها ثانية/ تأخذني للغيم/ وتعيدني إلى الأرض الحرام)

تبرز للعلن إشكالية التصاق (أنا المؤلف) بما يطرحه النص من الثيم، التي تُعد من أهم مرتكزات النص، بما تحمل من القدرة التواصلية مع متلقيه لإنتاج المعنى، ولأجل التحرر من (أنا المؤلف)، يجب التنبه إلى كون النص، على اعتبار أنه المحور الفاعل المساهم بخلق المساحة الجمالية التي يلتقي عليها النص والقارئ، فلا غرو أننا نعي جيداً، ان لكل نص كونه الخاص به، بمعزل عن مجمل النصوص الأخرى، مع أنها نتاج لمؤلف واحد، فما يطرح من أحداث وشخوص وثيم، في مجملها لا تعني شخصا واحدا، في تجريد للنص الذي هو جواز الخروج عن سلطة (أنا المؤلف) والاحتماء بكونية النص، في النص الشعري تبدو ثيمة الحرب من القريبة الصلة من المتلقي، لعميق تعلقها بواقعه المعاش، كونها جزء من كل مضطرب، فهو تعالق بوشائج متنافرة، مابين الإنسان والحرب، فالنص في كونيته وتداعياته الزمكانية، (خمسين قطافا/ الأرض الحرام)، ودلالة الاهتزاز الذي يجاوره صوت الحرب الذي يهزها ثانية، في صراع داخلي على امتلاك قرارٍ متداعٍ هو الآخر، فما نرجو من اهتزاز وصوت حرب، إذ هما في كون غير مستقر. في إنتاج لمعنى الاضطراب الدائم.

2- انفتاح النص:

ان من أولويات النص الأدبي عموما، الانفتاح على متلقيه، ويتحقق هذا الانفتاح باتساع أفق النص، واعتماده على موضوعة تشكل عامل مشترك بينه وبين القارئ، ليلتقيا معا في رؤى وأفكار تحقق انفتاحهما على بعضهما، فكما نعلم ان القراءة التأويلية المفتوحة، هي قراءة ذاتَ فاعلية ديناميكية، تستهدف الدلالات والمعاني التي يشي بها النص الشعري، لتنتج من بعد هذه القراءة معنى تأويلياً بعيدا عن الأطر التفسيرية المغلقة، وضمن رؤى المنظومة التأويلية المفتوحة على ما ينتج من معنى، فالنص الشعري الإبداعي المتفرد، نص منتج للمعنى أي أننا لا نقف عند أعتاب قراءة شارحة لمعنى النص وإلا ما جدوى الإبداع والتفرد؟!.

يمكننا القول بصريح العبارة، أن الإبداع لا يتحقق من طبيعة الشكل الشعري المتخذ كأسلوب في الكتابة/ عموديا، حرا أم نثرا، الإبداع يأتي من سباكة البناء الفني وما يحمل من تعدد الدلالات، وما يشي به النص من مبادرة ومغايرة، التي تعمل على ترصين الفعل الإبداعي، فهي القيمة الفارقة التي من شأنها كسر أفق التلقي، وكذلك كسر جو النص العام، في نأيٍ عن رتابة خيطية النص وهذا ما يراد من الوظيفة الأدبية للنص الشعري.

من نص (مناجاة ابن الشهيد في يوم النصر) للشاعر فراس طه الصكر13

(انهض يا أبي / أنهُ يوم النصر../ قمْ من قبرك لنحتفل معاً/ فقد أحضرت لك ساقين اصطناعيتين/ وذراعاً/ وخمسة أصابع ليدك الأخرى..) ص97

يُراعى في الأعراف الأدبية الحديثة الفاعلية التواصلية بين النص والقارئ، في إشاعة لروح الاندماج بفعل إبداعي واحد، فالنص والتلقي ينتجان نصين إبداعيين الثاني متمم للأول ومنتج لمعناه، لما يتحلى به النص من انفتاح على متلقيه، الذي يقابل بقراءة تأويلية مفتوحة على النص الشعري، الذي من مواصفته الجدة والدلالة والقصد، في تهيئة للجمع بينهما عبر تفاعلية تواصلية، وهي غاية أدبية محضة، فالنص ملك القارئ، وفهم معناه وتأويله مناط به لا بمؤلفة بعد إنتاجه، وهذا ما نلمحه في نص (مناجاة........) الذي في ظاهره يذهب إلى معنى مفترض بدعوة الابن لأبيه الشهيد إلى نهوض في يوم النصر، للاحتفال بساقين وذراعا وخمسة أصابع، هن كل ما خلد في ذاكرة الابن وأستحضرهن افتراضا في يوم النصر، يوم للنصر ويوم يستحضر فيه الأيتام، صورة من يحبون وينتمون لكن بذاكرة مشوهة، في إنتاج لمعنى عوق الذاكرة التي تنسى المضحين من الرجال، نص مفتوح على متلقيه، نص بمعناه الأدبي المجرد، في مواجهة حقيقة مؤلمة، في استحضار لمآسي واقع معاش.

من نص (حياة قيد الإنشاء) للشاعر رياض الغريب14

(لوحدها تنظر لأيامها/ هو بخير/ لأنه بلغ الخمسين/ ولديه فكرة ببناء سقف/ لديه فكرة لكتابة عنوان/ لحياته/ لديه فكرة مشتركة معها/ قبالة فراره من البرد/ ومطر الحياة القاحلة) ص21

يُعتبر انفتاح النص على قضايا ذات صلة بالواقع، التأسيس الأول لردم هوة (أنا المؤلف) وفتح الباب على مصراعيه باتجاه فاعلية النص- المتلقي، الديناميكية التي تؤسس لإنتاج المعنى العميق، ان دلالة النص تأخذ إبعادا تؤسس إلى فسح المجال لتأويلات عدة، تسبح في كون النص ولا تتعدى سوره، لكنها ليست تفسيرية بالضرورة، فالمعنى يكون اشترار لما أفصح عنه ظاهريا ، فلا جدة فيه، وهذا ما نلمحه في نص(حياة قيد الإنشاء) في بنيته الزمانية، عمر (الخمسين)، بؤرة تمركز النص، لفعلها التواصلي مع متلقيها، لما أنتجته من معطيات، فكرة بناء سقف/ امتلاك بيت، والتخلص من عبثية الواقع المعاش، بفكرة كتابة عنوان، والشروع بتبني فكرة أن يحيا بكرامه مع رفيقة دربه، تحصينا من البرد ومطر الحياة القاحل، في انفتاح للنص على متلقيه المضطهد المنهك المتعب، في إنتاج لمعنى ارتحال البُنى المكانية/ الاستقرار والطمأنينة، ممثلا ببيت للسكن/ الوطن المصغر، وتمركز ثقل اللحظة الزمانية كمآل، في تنامٍ لدينامية فعل الزمن، كقيمة غير مدركة النفاد.

من نص، (مرايا)، للشاعر ماجد الحسن15.

(منذ حرب ،/ وأنا أمسح عن عينيكِ/ نعاس المرايا/ ولي جمرةٌ أخبئها في ثيابكِ/ لأسمي كدرَ الفحولة .../ ماءها/ وأسقيها من رعدةٍ/ تمطر أحلامها في سهوبك) ص15

من مقومات تلقي القارئ للنص، انفتاحُ النص على التأويل، بشرط التمكن من الوصول إلى أعلى درجات التطابق في فهم النص الشعري، متخذا من سوء الفهم سبيلا للوصول إلى ذلك، وهذا لا يعني الخضوع إلى الحكم القبلي بقدر النأي عن تقبل أول كشف للمعنى، مع الحفاظ على مبدأ الحياد في فهم النص الشعري، وهذا يحتاج توفر قارئ خبير يمكنه من الولوج إلى المعنى ومعنى المعنى/ المعنى العميق، فما ذهب إليه نص (مرايا) عبر ثيمة (الحرب) أكثر الثيم تداولا في النص الشعري الحداثوي، في محاكاة للواقع، وأثرها في اليومي المعاش، مما يدور من أحداث، فما مُسِحَ عن عيني الحبيبة المترقبة في انزياح للمعنى عن نعاس المرايا، التي أضحت هنا انعكاس لصورة الرائي، لا المرئي، وجمرة الراوي/ الحبيب/ الجندي، الذي يُخبئ جمرة الحب والحنين، وما يعتريها من كدر الفحولة المعدومة، لتتناهى ماءً تمطر أحلاما في براري الحبيبة، التي لم يسعفها غيث الحياة، فلا وصال، من شأنه حفظ النوع البشري من الانقراض.

3- المعنى المرتحل:

تستهدف المناهج الكلاسيكية المعنى الظاهر في قراءة النص الشعري/ القراءة التفسيرية المغلقة، أما الحديثة، ممثلة بمناهج الحداثة وما بعدها، تذهب إلى ما ينتجه النص، في تقصِ جريء مكتنه للمعنى العميق، وفق قراءة حيوية من متبنياتها الرئيسة إنتاج المعنى المرتحل عبر سبر غور النص، نائية عن الرتابة في التفسير

إذ ان الانغماس في رحلة القراءة التفسيرية المغلقة، رحلة تخلو من متعة تلقي النص المنتج للمعنى، أذن ما الداعي لترك متعة السياحة العميقة في تأويل النص الشعري، سياحة تمكننا من التعرف على بواطن النص وما يتجلى من معنى عميق، الذي أن ارتحل عن متلقيه العادي/ الجمهور، أو عن مؤلفه حتى، فأنه لا يرتحل عن متلقيه الحقيقي/ القارئ الخبير، لما فيه من التهيئة لإعادة ترتيب تلقي النص الشعري، في إضفاء لصورة مغايرة، لما يُنتج جرائِها من معنى، وهذا ليس قدحاً بمؤلفه بقدر الإشارة إلى أهمية تعدد التأويلات لتعدد الدلالات التي ينتجها النص.

من نص، (إسقاطات)، للشاعر رعد زامل16.

(ترى من أين/ لزهرة واحدة في الروح/ أن تتصدى/ لكل هذه الفراشات المفترسة/ التي تطلقينها عليه/ وماذا بوسع/ شاحب مثلي/ لو صادفك ذات ربيع/ أن يفعل؟/ غير أن يرميك/ بدمعة خضراء/ ويتوارى بين الشجر.) ص35

يحرص القارئ الحقيقي على بلورة فهمه للنص الشعري كي يصل إلى مشتركات يمكنه من خلالها اكتناه ما ارتحل من معنى، إذ (يتجلى نشاط فن التأويل في إنارة الفهم ليس كتواصل سري وعجيب بين الأفراد وإنما كمشاركة في بلورة معنى مشترك)17، وهذا غاية الأدب في إنتاج نص أدبي ديناميكي/ فاعل، فما يطرحه نص (إسقاطات) من اسئلة في انحراف سياقي، بقسوة التوصيف (الفراشات المفترسة) في انزياح عن معنى الوداعة والجمال، مادامت تطلق أسرابا، كيف لزهرة واحدة في الروح، تتصدى لهذا الغزو المجنون؟، الذي ينتج متواليات انكسار، تتشظى من الروح الهلعة/ الباطن، إلى الشكل/ الظاهر، شحوب الوجه المرتبك الذي لو صادف ربيع محبوبته، في توثيق لردة فعل، معنى ظاهري ماكث الأثر، يؤسس لمعنى مرتحل، يشي به النص من إلتقاء طلاب الحرية، في خروج على المألوف، الساكن الصامت اليومي المعاش بتفاصيل روتينية محضة، كيف يواجه أبواب الانفتاح على مصراعيها/ الفراشات المفترسة، بكل ما تحمل من دبيب دماء الشباب إذ بالشعب/ الإنسان العراقي/ شاحب الوجه، كهل، لا يعي عظمة اللحظة، فيبادر بدمعة خضراء، يذرف آخر ما يمتلك من إكسير الحياة والثورة ويتوارى خلف الشجر في إنتاج لمعنى مرتحل عن انكسار الذات/ الإنسان.

نص، (حين ينسى المهاجر)، للشاعر أمير الحلاج18.

(تبقى الأسئلة المرة / تحبل بالحنظل، / وتمدُّ الهجرة للأخطل، في بعض الأحيان/ قبلةُ أجنحة لطيور ترقص/ ذرَّات رصاص مصهور/ عوضُ البرد المقذوف من السحب السود) ص62

يحرص القارئ الحقيقي على إنتاج ما ارتحل من معنى، مادام طيف معناه محلقا في مجال مساحته الجمالية التي تعد من أهم نقاط التوتر التي يلتقي عند منطقة توترها، المتلقي والنص، (فأن لتلقي النصوص الإبداعية وضعا خاصا. فما يبحث عنه القارئ في هذه النصوص ليس معنى جاهزا مستقلا بذاته ف"الحقيقة" لا توجد بشكل مطلق في النص، ولا يشكل النص ذاته، في جميع الحالات، سوى فرضية للقراءة)19، إذن النص يدور في كون التلقي الحلقة الاشمل، ومادام النص الأدبي ليس بنص علمي، فانه يتجه إلى نقطة إنتاج المعنى لا الحقيقة، لذا يتوجب على متلقيه مطاردة ما ارتحل من معنى.

يعمل نص، (حين ينسى المهاجر)، على تصدير فكرة الاستمرارية من خلال طرح الأسئلة التي (تحبل بالحنظل) ما عسى ان تنجب، غير هجير و أجنحة طيور راقصة من رصاص مصهور، في اشترار للواقع المرٍّ المعاش، الذي يقذف عوضا عن البرد من السحب السود، التي ما عادت تأتي بالخير والرعود، جالب المطر، وإنما تدخر سواده ذرات رصاص، في انكسار لصورة الحياة والنماء التي يجلبها المطر، في إنتاج لمعنى الموت المرتحل، المعنى المشحون بالفاقة، فما عادت السحب تهب المطر أو الرعود نذر خير.

من نص (يقطينة) للشاعر ماجد الحسن

(كانت أمي ،/ تتلمس خرزاتها بالنبض .../ حين لا يدرك القلب ،/ صرختَه الأخيرة/ تعدّنا ثانيةً .../ فهي لا تخطئ ليالي الأوحال/ التي علقها أبي ،/ بذؤابةِ الضفيرةْ / لذا تراني ،/ على ظلفةِ النافذة/ معلّقاً من سرّتي ... كيقطينة) ص8

من المؤكد ان للنص الشعري غواياته المحفزة في استكناه المعنى المرتحل، إسهاما في ترسيخ مبدأ، أن لارتحال المعنى عامل جذب للمتلقي، فعندما نقرأ نصا شعريا يجب علينا رصد ما ارتحل من معنى، كردة فعل للقراءة، فليس من المحمود أن يُقرأُ نصٌ أدبي إبداعي ولا يترك أثرا فينا، والأثر هنا، يتحقق في فهم النص، وما وراء النص، أي المعنى غير المرئي، وهذا يتحقق لنا في نص (يقطينة) في بنية (الأم) بنية تمركز النص هنا، مشكلة قطبية ماسكة بعناصر النص الداخلية من بنيات نصية متسقة، وبناء فني عالي، وهذا ما عمدت إليه ثيمة الفقد والانتظار المضني للزوج الذي غلف أجواء النص بشكل عام، ممثلاً في تحمل (الأم/ الزوجة) مسؤولية مزدوجة، بدأ بتلمس خرزاتها بالنبض، خوفا من فقد آخر، حين لا يدرك القلب صرخته الأخيرة، ويتعداها إلى دور ثانٍ في إنابة عن الغائب/ الأب، الحي في القلب والوجدان في ترميم للعاطفة ولسد لفراغ الأب الفقيد، فهي لا تخطى ليالي الأوحال، التي علقها الأب، بذؤابة الضفيرة، في إنتاج لمعنى خلود الزوج في الذاكرة، في حرص من الأم السومرية على ترسيخه كأبجدية للوفاء منذ بواكير نشأة الأولاد.

4- شفرات النص:

تعمل شفرات النص الشعري بدأب على جذب المتلقي إليها، وتحليه على الدوام إبداء الحرص العالي من أجل فكِّ هذه الشفرات، في تهيئةٍ لإنتاج نص موازٍ، يمكننا من خلاله اكتناه ما ينتجه النص من معنى، بعدما نجد لها تفسيرا في العالم الحقيقي، (وما من نص خيالي بلا شفرات يمكن للقارئ ملاحقتها كي يصل إلى تأويل للمعنى، وإلا كيف يمكننا من إنتاج معنى جديد، يحاكي الواقع)20، إذ لا يمكننا فكّ هذه الشفرات لولا تمكننا من قراءة صورتها الحقيقية في العالم الأكبر، (فلا نص خيالي من دون نص حقيقي، يضاهيه في الأهمية ويزيد عليه في سعة الدلالة على اعتبار ان النصين يسبحان في فلك الخيال والطبيعة)21، أي أن النص الشعري المجرد من الحقيقة/ النص الإبداعي الخيالي، انعكاس لكون أوسع وأرحب، كون حقيقي، كون لا يحتاج إلى تأويل، فالأشياء/ الطبيعة/ الموجودات، يمكن تلقيها بصرياً، لبساطة تفسيرها لحضور هذه الأشياء في الحقيقة، إلا أنه يجب علينا تلقي النص الشعري في ضوء ما يحمل من تجريد، تتعدد فيه التأويلات ضمن نطاق ما تحمله شفرات النص من معاني لتعدد دلالاتها المجردة عن الحقيقة، و(يكون النص عالما مفتوحا حين يستطيع المؤول اكتشاف ما لا يحصى من الترابطات)22، كونه نص معنى لا حقيقة.

من نص (بريد العائلة) للشاعر فراس طه الصكر.

(سأروي عنك،/ عن مساء غامض أضعناه معا../ عن المرايا الخادعة،/ سنواتك يا أبي،/ سأمحو كلَّ أيامها/ سوى سنة واحدة/ سقطت في واد عميق،/ لم يتسعْ لصراخنا) ص9

ان تماهي الخيال مع الحقيقة من موجبات إنتاج النص الأدبي، فما تتركه الطبيعة/ الحقيقة، من تنامي الخبرات/ الذاكرة، لها أثرها الفاعل في تنمية خيال المؤلف، التي تعد كمون النص وانطلاقته الأولى، فهي كينونة تنمو إبداعيا، يتداخل معها الموقف بالحدث الشعري، في إيذان لولادة النص الأدبي، إذ ان النص لا يولد بهيئة معبرة عن الحقيقة، بل هي انعكاس مجرد عنها، مع الحرص على بثِّ النص لشفراته التي هي حلقة وصل بين الخيال والحقيقة، تستلزم خبرة وخيال خصب ينميها ويتنبه لفروعها وتدلي ثمارها، في استدعاء لقارئ خبيرا، يلتقي خيالا وفكرا ورؤى بما أنتجه خيال المؤلف/ النص الشعري، وحقيقته في الواقع/ العالم الحقيقي، عندما نقرأ النص ابتداءً من روايته عن مساء غامض، أضعناه معا، ان هو إلا أثر لفعل سنوات الأب الغابرة، وأن حدد سنة واحدة لم تُمحَ كونها سقطت في واد عميق، ولذلك لم تتسع لصراخنا، ولنحاول مرة ثانية وثالثة في إعادة قراءة نص، (بريد العائلة)، نجدها حاجة ماسة للعودة إلى الحقيقة/ العالم الحقيقي، لفك شفرات النص، وإلا كيف يمكننا فك ما تكلس على بنياته النصية من غموض، تعيدنا من حيث انتهى به النص، فالوادي العميق من دون أدنى شكّ يرمز للقبر، الذي عبد الطريق إليه مرض الأب/ الوطن، الذي صارت سنة واحدة في وقتنا الحاضر، إلى فناء أمم وتحويلها إلى مقبرة، تتسع لكل هذا الصراخ الفائض عن إرادة البقاء.

نص (في 11-2-1987م) للشاعر حسين الهاشمي.

(مثل جنين/ لا صلة له بالأرض/ ونسي البكاء تماما/ أخلوه/ من رحم الحشود المختبئة/ بسعادة لم تتكرر/ وتمارين بين المجاهيل/ لتعلّم المشي مجددا/ دون ألغام/ أو مصدَّاتٍ لتزيين الطريق/ إلى الفصول!)

من الجدير بالاهتمام التنبه إلى الجزء غير المرئي من النص الشعري، وما قد تشي به شفراته النصية، فالنص الأدبي المباشر، لا يستحق منا تلقيه تلقيا مباشرا او غير مباشر في ضوء تنامي النص الأدبي بشكله الحداثوي/ (قصيدة النثر)، كونها قصيدة خطرة، من خصائصها الغموض والرمز والتشفير العالي الذي يساعد على إنتاج نص نقدي مواز له في الأهمية، إسهاما في تنامي رد الفعل الموازي، لفعل النص، فما يصرح به النص الشعري عن جنين لا صلة له بالأرض في انزياح لفظي دلالي، فالأرض وبما تحمل من رمزية عظيمة، الأم/ الرحم/ الكينونة، تتجاور دلاليا مع الجنين، وتنزاح عنه لفظيا، في توصيف لحال من نسي البكاء تماما، بعدما أخلوه من رحم الحشود المختبئة، في عزل تام لحشود البشر حاضنة الجنين الطبيعية، في الحقيقة/ العالم الحقيقي، والتي لم تتماها هي الأخرى معه بسعادة لم تتكرر، كي تفتح له أفقا جديدا/ حياة جديدة، يتعلم فيها المشي/ العيش، من دون ألغام هذه المرة، في كشف لتجريد الحقيقة من زيفها وبهرجتها هذه المرة، في خلق نص يفوق الحقيقة جرأة، صنعها ما تراكم من خبرات أسهمت في تنامي خيال المؤلف.

نص (أمام الكاميرا) للشاعر ولاء الصواف.

(بقدمين عاريتين/ أثقلهما الجمر والرَّصاص/ بكنزة صوف مليئة بالثّقوب/ حدودها القصوى سُرَّتي/ ........./ أقفُ/ ولحن الفواخت يأسرني/ منتصبا مثل شاخص التصويب) ص55

لو سلمنا بان النص الشعري انعكاس لصورة العالم الحقيقي المجردة، يمكننا التسليم بعدها انه يمر عبر بوابة خيال المؤلف، انعكاس مجرد أكثر تقنينا، فهو سيخضع إلى بوابة العقل التي هي اشدُّ صرامة، ثمَّ يلج إلى منظومة صناعة النص الشعري، وما تشي به من قصدية في بناء النص معماريا، القائم على سبغه بهالة من الشفرات التي هي من موجبات إضفاء الغموض، التي تستوجب، إحاطة المنتج الإبداعي بفهم يرتقي إلى مستوى هذه الهندسة المدعمة بالخيال والحقيقة، وفي عودة إلى نص (أمام الكاميرا) والى سيمياء القدمين العاريتين، اللتين أثقلهما الجمر والرصاص، من قهر وفاقة، في نزع إلى أبسط حقوقنا الآدمية، وما حال الرجل بكنزته الصوف التي أقصى حدودها السِّرة، معنى متمم للمعنى الأول، في ترسيخ لبسط يد الفاقة إلى نصف الجسد العلوي، أما نصفه السفلي بات عاريا لا محال، في قتل يومي للإنسان، ولتمتمت الفواخت بأسره وهو منتصب مثل شاخص التصويب، في إنتاج لمعنى الاغتراب في لجة الفاقة والقهر، مع كون الموجودات/ الحقيقية، (القدمين/ جمر / رصاص/ كنزة صوف/ السِّرة/ الفواخت)، لها كبير الصلة بالإنسان عموما، ناهيك عن المؤلف، وما تتركه من فعل تواصلي يسهم في إنتاج النص.

5- حوار النص مع متلقيه:

ان للقارئ القدرة على خلق أجواء ايجابية تتجلى في إمكانية تلقي النص جماليا، فهي بوابة لتنامي الحوار بينه وبين القارئ بطريقة دينامكية/ تفاعلية، يمكن من خلالها التوصل إلى مشتركات، تعتمد في ذلك على خلق أفق يتسع لتقبل الحوار، مستندا إلى قراءة تأويليه مفتوحة من شأنها سبر غور النص الشعري، بفتح قنوات تفاعلية بينهما، يمكننا من خلالها إنتاج المعنى، آخذين بنظر الاعتبار خلق لغة مشتركة نتمكن بها من إيجاد أسباب ديمومة هذا الحوار المنتج للمعنى، وتنشيط التلقي التفاعلي.

نص (منتصف الطريق) للشاعر أدهم عادل

(أنت أقبح امرأة في الوجود/ وأنا أجبن رجل في الكون/ ولكننا نتحد في شيء واحد/ أنا آخر قطرة دم/ وأنت آخر قطرة كحل..) ص60

يفتح فعل التلقي المجال واسعا لخلق أفق الحوار الدائم بين النص ومتلقيه، حوار أطره العريضة، الثيم التي يلتقيان على مائدتها، والتي قد يخلق القبح/ أقبح امرأة، أو الصفات غير الحميدة/ الجبن، مثل هكذا أجواء تسهم في تصعيد وتيرة هذا الحوار، والتي تتماها لتصل إلى الاسهمام في تنامي الحوار وصولا إلى العدم/ نهاية الموجودات، وهذا ما نلمحه في بنيتي، (أنا آخر قطرة دم)، (وأنت آخر قطرة كحل..)، يستوجب من متلقيه قراءة فطنة قبل رد الجواب، والإيذان بانطلاق الحوار مجددا، الحوار الذي يهيئ إلى نهاية القول والسكوت التام، بعد تصريح النص من نهاية القطرتين اللتين من المقدر لهما ان يحفظا للنوع بقاءه وحيويته وانتشاءه على الرغم من صخب القبح المستشري، حوار قد ينتج العدم أو ينفذ بحوار للحياة من باب أننا، (ولكننا نتحد في شيء واحد)، قطرة الدم وقطرة الكحل، بداية لغرس جديد، تضحية قبالة فوز بكحل الحياة.

نص، (أقفاص)، للشاعر رعد زامل

(لا صنو.../ يقاسمك وحشة الطريق/ في هذه الغابة/ لا طير.../ يدعوك إلى الأفق/ لا نبع.../ يكشف لك زيف السراب/ ولا كليم...لك في العزلة على هذا الجبل) ص15

نلمح في النص الشعري إشارة واضحة في الدعوة إلى الطرف الآخر الى إنشاء نص للحوار، فتكرار النفي ب(لا) يؤكد الدعوة،(لا صنو، لا طير، لا نبع، ولا كليم،) كلها من موجبات البحث عن محاور حقيقي يفضُّ بكارة هذا التفرد/ القلق/ السكون، التي ان تحققت، يجب مقابلتها بطلب بطلانها، فالإنسان عنصر اجتماعي بالفطرة، يرغب بمقاسمة الطريق، والطيران بأفق أرحب مع جناح آخر ليكشفا زيف السراب، يتحقق هذا الامر الا بكليم يفتت قساوة العزلة، فلله سبحانه جلّ وعلا وهو سيد الأكوان كليم/ النبي موسى (ع)، إذن الحوار، قائم بين الإنسان وخالقه، فكيف بالموجودات نفسها، في إنتاج لمعنى ترسيخ الحوار في ثقافة البشر، للإجابة عن التساؤلات الكبرى التي تثيرها سرديات الحوار العميقة في النص الشعري.

نص (يكفيني ذلك) للشاعر رياض الغريب.

(من قال بأننا قلقون/ حين نكون في شوارع المدينة/ مطمئنون ومستسلمون جدا لقدرنا/ وما الضير حين تتوقف بقربك عجلة مفخخة/ وتنفجر) ص52

يُعدُّ الحوار بنية قائمة في النص الأدبي عموما، وان لم يُصرح بها، فما يثيره النص من اسئلة، تستدعي الإجابة عنها، إجابة تصب في بوتقة الاستفهام والبحث عن مدركاته فعلاً، قوامه السياحة في حوار بين النص ومتلقيه، قطعا ليس من واجب النص الإجابة عما يطرح من اسئلة، وإلا انتكس النص لتجريده من الفجوات، بل تُترك لمتلقيه فرصة ردم هذه الفجوات، من أجل خلق أجواء صالحة للحوار، فما يثيره نص (يكفيني ذلك) من ثيمة القلق التي تبتدئ من أول بنية نصية، (من قال بأننا قلقون)، التي تشد المتلقي إليها، وتحرص على تهيئته إلى تأسيس أول للحوار، حين تبادر في البنية الثانية، بالقول، (حين نكون في شوارع المدينة)، في تحديد للبنية المكانية الأشد قلقا وتوترا في واقعنا المعاش، في مخالفة للمُسلَّمات الفطرية في التلقي، لكن المحاور/ المتلقي، ابن الواقع، يدرك جيدا ان العجلة المفخخة، لها حوارها الخاص مع المدن، من خلال ما تبثه عبر لغة تحدٍ قوامها الرعب، والقلق المستديم، لغة لم تعيها المدينة للان، ولكونها تترفع عن مواصلة فعل التعاطي مع محاور يستهدف الحياة، في إنتاج للغة حوار تهدف إلى نبذ فعل ديمومة استشراء ماكنة الموت.

نص (لعبةُ السوط) للشاعر أمير الحلاج.

(في الطريق المتوَّج بالزحام/ أقزام/ قبالته انحناء يسطعون/ فيتلاشى حامل السوط/ كلما قصرتْ/ أو تلاشت المسافة،/ هكذا الخوف/ حينِ يستوطن الذاكرة/ بلعبته/ يصنع وظيفة الحرباء) ص11

ان من البديهي ان يلتقي النص والقارئ على ثيمة ذات وشجية مشتركة، من شأنه فتح أفق جديد للحوار، كبداية لخط شروع من أولى مهامه جذب المتلقي إلى منطقته الإبداعية، ومن ثمَّ الالتقاء معه في منطقة (نبر النص الزئبقية) التي ما ان يستشعرها القارئ حتى يتمكن من استنطاق النص الشعري، وهذا يمكن تحقيقه في نص (لعبةُ السوط)، لما فيه من خفايا، فهو نص بمعنى زئبقي، ليس القصد منه انفلات المعنى، بل انه يحمل مواصفة تمكن التقاءه مع متلقيه في مساحة جمالية تُهيئ لبلورة أطر الحوار، لما يتحقق فيه انزياح مبنى ومعنى، ولكي نلج إلى معناه المباشر، نحتاج كدا كبيرا، فما بالك في اقتناص المعنى العميق، فالطريق المتوَّج بالزحام، وما يعتليه من ضوضاء وصفت ب(أقزام)، قابله انحناء في تماهٍ مهَّد لسطوع المارة في تلاشٍ لحامل السوط/ الخوف/ السلطة، صاحبة السطوة، (هكذا الخوف/ حينِ يستوطن الذاكرة/ بلعبته/ يصنع وظيفة الحرباء)، إذ ان حامل السوط بتجليه أو غيابه، يبقى حاضرا في ذهن الفرد والمجتمع، هو من يمسك عصا السلطة بسطوة الخوف، سلطان مفرط بالحضور، قصرت أو تلاشت المسافة، في إعادة لإنتاج ثقافة الخوف التي مهدت للحوار الذهني الفاعل في تلقي الأوامر وتنفيذها من دون أدنى تفكير بالرفض، في امتثال لا متناهي، وهذا ما استشعره المتلقي، فهو ليس ببعيد عن ذاك العهد الظلامي، مؤسس إمبراطورية الخوف، كمؤسسة قمعية، وأن بعد رحيلها، نشهد بين الفينة والأخرى يُؤسس الى نظيراتٍ لها، والأدهى من هذا وذاك نؤشر ذات التعاطي، نتيجة نكوص في التلقي من الايجاب إلى السلب، بوصفه تعاطٍ غير قادر على إنتاج معنى لحوار مغاير، حوار من شأنه تقزيم سياط هكذا فكر متأخر، لا يعدو أكثر من كونه خوف متأصل في ثقافة الأفراد والجماعات معا.

الخاتمة

مما تقدم (يصير ما يعنيه النص الآن مُهماً أكثر مما كان يعنيه المؤلف حين كتبه)23، إننا نعي ان للمؤلف قصديته وقت كتابة النص ولهذه القصدية معنى، المستهدف منها فئة ما بموضوعة/ ثيمة محددة، يُراعى فيها همومهم وآهاتهم، وعلى اعتبار ان الخطاب موجهٌ عقلي/ قصدي، يقابله قارئ يعي جيدا قراءة النص ويفهم معناه، فيخضعه للقراءة التأويلية المفتوحة، ليحقق، (كشف وانفتاح جديد على العالم)24 فالقراءة التأويلية لا تتوقف (حتى يتمكن النص من الظهور في غيريته، والحصول على إمكانية الكشف عن حقيقته المتوارية)25، فالنص بناء فني منتظم، عماده اللغة، لبنته الأولى المفردة، سياقه مرهون باتساق بنياته النصية، معمار تدخل فيه الصنعة، القصد/ المعنى، تكمن حقيقته المتوارية في دلالاته المتجاورة، التي ما أن تنافرت حتى أختل البناء، وفسدت الصنعة، وسار في غير سياقه المراد التوظيفه له. إذن عندما نقرأ النص الأدبي، العمل على كشف حقيقته المتوارية، أي معناه العميق، التحقق مما طرحه النص وما الذي أراده: لم وكيف؟، عديد الأسئلة تطرح من اجل الوصول الى المعنى المتواري، (فالمعنى هدف قبل التحقق، والهدف معنى متحقق، القراءة إذن موقف، والقارئ صاحب موقف)26، أذن قبالة كل نص يقف قارئ، يفهم ويؤول بحسب ما يتحقق له من فهم للمعنى، عبر عملية فحص واجلاء لغبار لكل معنى طارئ في فعل قرائي تواصلي يمكننا به ادراك السبيل إلى المعنى، والفيصل في كل هذا إدراك معنى المعنى/ المعنى العميق، مع الثبات على الموقف لما تمَّ الوصول إليه، وهذا يحتاج منَّا إقرارا بمنهج علمي رصين نسير على خطاه في كل دراسة أو بحث أدبي كي نفصل بين جموع القراء المتبارين، بعيدا عن الأهواء والرغبات، لنفرق بين من اكتنه جوهر النص الأدبي، عمَّن لامس شغاف جدران معناه الظاهر، هذا بالضبط ما يحتَّمه علينا النقد الأدبي من فعل لا مجال فيه للاستهانة أو المجاملة أو الاستسهال.

 

رحيم زاير الغانم

..........................

الإحالات

1- الرمزية والتأويل: تزفيتان تودوروف، ترجمة وتقديم د. إسماعيل الكفري دار نينوى، 2017م ص186

2- د. إسماعيل الكفري: المصدر نفسه،ص186

3- د. إسماعيل الكفري: المصدر نفسه،ص187

4- النسق بين المنهج و التأويل: أ.د سليمان الظاهر، مجلة دمشق- المجلد 31- العدد الثالث- 2015، ص92 5-5-أ.د سليمان الظاهر: المصدر نفسه، ص95

6- أ.د سليمان الظاهر: المصدر نفسه، ص95

7- أ.د سليمان الظاهر: المصدر نفسه،ص104

8-الذات والتأويل: أحمد برقاوي، بحث مقدم في سيمينار قسم الفلسفة- جامعة دمشق الذي انعقد بتاريخ 7/3/2012.

9-بول ريكور، نظرية التأويل" الخطاب وفائض المعنى ص128

10-حسين الهاشمي:صديقنا خط الأفق، دار الضفاف للطباعة والنشر و التوزيع، قطر- الدوحة، ط1، 2018م

11- أدهم عادل: هذا الكون سيء السمعة، دار سطور للنشر والتوزيع، بغداد، ط1، 2017م

12-ولاء الصواف: أغاني الصموت، دار الصواف للطباعة والنشر، دمشق، الجمهورية العربية السورية، ط1، 2018م

13-فراس طه الصكر: بريد العائلة، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، سورية-دمشق، ط1، 2018م

14- رياض الغريب: لا أحد يشبهُ حالنا، دار الصواف للطباعة والنشر، دمشق، الجمهورية العربية السورية، ط1، 2017م

15- ماجد الحسن:لا أريده صعودا، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2007م

16-رعد زامل: اختلطت على بوصلتي الجهات، دار ومكتبة كريم، بغداد، ط1، 2018م

17- هانس غيورغ غدامير: فلسفة التأويل، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة- الجزائر، ط2، 2006م، ص120

18-أمير الحلاج: الدائرة خارج الشرنقة، دار ميزوبوتاميا، بغداد، ط1، 2016م

19- سعيد بنكراد: دراسة، التأويل بين اكراهات" التناظر" وانفتاح" التدلال"، مجلة علامات العدد، 29، 2008، ص25

20- رحيم زاير الغانم: مقال، النص والعالم في دراجة هوائية، جريدة الصباح،العدد-(4125)،بتاريخ 14-كانون الأول-2017م

21-رحيم زاير الغانم: المصدر نفسه

22- امبرتو ايكو: التأويل والتأويل المفرط، مركز الإنماء الحضاري، ط1، 2009م، ص49

23- بول ريكور، نظرية التأويل" الخطاب وفائض المعنى ص61

24-القراءة وتوليد الدلالة: حميد الحمداني، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2003م، ص295

25- فلسفة التأويل: هانس غيورغ غادامير، منشورات الاختلاف، ط2، 2006م، ص125

26-قراءة النص: حسن حنفي، ، مجلة ألف، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ط 1993، ص22

 

 

نبيل عودةرصدت ابداعات الشاعر الرائع حسين مهنا، ابن قرية البقيعة – قرية الشعراء الجليلية، منذ بدأ ينشر قصصه باسم مستعار في مجلة "الغد"، وكنت ارى في قصصه روحا تتجاوز النص الدرامي الى النص الشعري، ولم يمض وقت طويل حتى كشف عن اسمه والتزم الشعر منهجا وطريقا، رغم اني كنت اتمنى لو طور ادواته القصصية ليظل معي في ساحتي التي أعشقها أكثر. ومع ذلك وجدتني مغرما بنصوص حسين الشعرية،التي تتميز بالبساطة في اللغة والتعابير، والقوة في البناء الشعري، والثراء في الصور الشعرية، وهو الأهم في تركيبة القصيدة حسب مفاهيمي.

من هنا رؤيتي الأساسية بأن المكانة الشعرية والأدبية التي يتمتع بها الشاعر حسين مهنا، ابن بلدة البقيعة الجليلية، ليست وليدة الصدفة، وليست وليدة علاقات عامة أو ظروف سياسية أو غيرها، دفعته نحو الطليعة. فهو لا يحسن تسويق نفسه، انما ما دفعه للطليعة الشعرية في ثقافتنا المحلية، جهد واتقان وعشق للكلمة والنغم واستقامة شخصية وموضوعيته الثقافية. وهناك قول لطيف لعلي بن ابي طالب يقول فيه: " لا تطلب سرعة العمل واطلب تجويده، فان الناس لا يسألون في كم فرغ من العمل، وانما يسألون عن جودة صنعته".. وكاني بعلي بن ابي طالب يقصد، أيضا، حسين مهنا بهذا القول !

في الأيام الأخيرة من كانون أول 2007 صدر للشاعر حسين مهنا ديوانين شعريين.

الديوان الأول: " تضيق الخيمة ... يتسع القلب " ويشمل عشر قصائد وخمس منثورات.

يفتتحه بقصيدة يقول مطلعها:

كأني أراكم

كما قد رأتكم دمائي

على باب ( عاي)

تشدون خيلا

وتعدون خلفي

ويوم صرختم بباب ( اريحا ):

- تموت ... تموت

وراحاب تحيا ..!!

حملت الحياة على راحتي

وسرت على مهل أنثر الحب والشعر

سرت .. سرت .. سرت ..

انا استزيد الحياة حياة

وانتم تشدون خيلا

وتبغون حتفي ...

الديون الثاني: "الكتابان " - ويبدأ بالثاني وينتهي بالأول .

يقول في قصيدة: " تمرين أو لا تمرين .. "

تمرين أو لا تمرين

قلبي تعود طول انتظارك

انت تعيدين للقلب

ما قد تناثر،

فوق دروب الحياة

ليصبح شكل الحياة

جميل التفاصيل،

كي لا تصير الدماء مدادا

وكي لا يظل الحبيب رهين القصيدة.

وفي قصيدة: "سموت بحبك .. " يقول:

سموت بحبك العذري خلقا

وزدت حضارة وصفوت ذوقا

وطهرني غرامك من ذنوب

تحاصر مهجتي وتشد طوقا

واودع بي جمالا بعد ظرف

وشوقا للحياة فصار عشقا

وعلمني بأن الحب عدل

فلا أشقى ولا المحبوب يشقى

هذه مقاطع اخترتها عشوائيا، وانا أؤمن ان القصيدة الجيدة لا تحتاج الى "مفسر أحلام "، بل تتسرب كالماء الى وجدان القارئ وتدمجه بأحاسيس الشاعر.

حسين مهنا يثبت ان الشاعر المتمكن من فنه وبصفته، مثقف موضوعي مرتبط بقضايا شعبه، الى جانب مهنيته الشعرية، قادر على الابداع حسب كل الأساليب الشعرية المعروفة ... من الشعر الموزون والمقفى وشعر التفعيلة حتى الشعر المنثور. من الاسلوب الكلاسيكي حتى أحدث الأساليب الشعرية الجديدة .

حسين مهنا في ابداعه الجديد يشكل مدرسة ومقياسا للشعر الجيد وللشاعر المبدع، وللمثقف الحقيقي الذي يعيش ويتفاعل مع مجتمعه وعالمه. ولكني بهذه المناسبة المخصصة للشاعر حسين مهنا، يروقني ان اعود لديوان سابق له "انا هو الشاهد"، ما زلت اراه من الابداعات البارزة في شعرنا المحلي، وقد شدني ذلك الديوان واعادني الى صفحاته مرات عديدة . ولعلي اعود الى ديوانيه الآخرين لاحقا.

ديوانه " أنا هو الشاهد " - صدر عن الأسوار – عكا (2001) – يشمل (14) قصيدة من نتاجه الشعري منذ عام (1997)، وهذا بحد ذاته يثبت ان حسين مهنا شاعر يعيش أجواء قصيدته، بحيث تتحول القصيدة الى مهمة يعيشها لمرحلة زمنية، وتنمو " بوسائل طبيعية " دون استعمال مسرعات النمو، أو الانتاج "داخل دفيئة"، بحيث نغرق بمنتوجات شعرية قبل موسمها، انتجت بوسائل غير طبيعية .وربما هنا احدى مشاكل " البضاعة " الشعرية التي تملأ الأسواق، بعضها بلا طعم ولا نكهة، أو أدخلت علية " جينيات " أخرى، فصارت "الشيء وضده ".

حسين بديوانه "انا هو الشاهد" هو مدرسة، ليست شعرية فقط، انما حضارية خلقية، الى أن الشعر ليس للدنيا فقط، وليس للآخرة ايضا، انما هو صنعة للارتقاء بالانسان، وتطوير فكره وحسه وفهمه، وصقل ارادته .وهذه مهمة لا يجوز الاستهتار بها، اذا اردنا حقا أن نسمي المولود باسمه .. لأنه لا أجمل من أن يكون الانسان شاعرا، أو مبدعا تبعث لمساته الحياة حتى بالجماد .

على غلاف ديوانه يؤكد حسين مهنا ما أرمي اليه، انما بلغته، لغة الشعر، الذي أثمر على شجرته، دون أن ترهق الشجرة بالمبيدات وتسريع النمو:

على هذه الأرض نبني

كما لا يحب الغزاة –

ونرعى على مهل مجد أجدادنا.

ويقتبس حسين من انجيل " يوحنا " في كتاب "العهد الجديد "، قوله: " وأيضا في ناموسكم مكتوب ان شهادة رجلين حق، أنا هو الشاهد لنفسي ويشهد لي الرب الذي ارسلني "، فهل يستطيع أحد، بعد ذلك، أن ينفي صفة الشاهد عن حسين مهنا ؟

حقا حسين هو شاهد، شاهد على حكاية وطن تمزق شغاف القلب:

كانت هنا قرى تعبق بشذا فلسطين

قرى تفردت بعرائش سطوحها ..

بكرومها ..

بأهلها الطيبين.

هذا ما جاء في بداية قصيدته الاولى " في البدء" وانظروا الى العلاقة هنا بين " أنا هو الشاهد"، والمرافعة دفاعا عن كونه شاهد، مستندا لانجيل " يوحنا "، واسم القصيدة الاولى " في البدء" ... و" في البدء كانت الكلمة " - افتتاحية التوراة – وصولا الى فلسطين، الكلمة الاولى في قاموس اهلها الباقين والصامدين والمقاومين، ولكن بنفس الوقت نشعر في قصيدته هذه روح البكاء على الأطلال: " قرى بلادي وقصائدي ".

أما قصيدته الثانية " يورثون الحياة انتصارا "فهي نقلة نوعية من حالة حزن الى حالة فرح وغناء وحب يتدفق كالشلال. وقد قرأت هذه القصيدة مرات ومرات .. بطرب حقيقي. وينجح حسين هنا بأخذ القارئ/ المتلقي الى رحلة في ذات محب:

وأذكر يوم وثبت لأقطف زهرة القرنفل

كيف نقزت – وكنت وراء الأصيص –

وصحت:

- تلطف!!

فما هكذا يؤخذ الورد يا ذا ؟!

انتبهوا هنا للطافة وملاءمة تعبير " نقزت " (جفلت) العامي، وأظن أن هذا الاستعمال فرضه نمو القصيدة واكتمالها – نضجها – الطبيعي وغير المصطنع .

ويواصل رحلته:

فوددت لو اني اقبل دارك ...

هذه الجملة تذكرني بعنترة العبسي الذي خاطب حبيبته بقوله ":

وددت تقبيل السيوف لأنها / لمعت كبارق ثغرك المبتسم .

ويواصل حسين:

ستأتيك امي قبل الغروب

لتقطع قول الوشاة

وليت أباك يقر بأني "شيخ الشباب "

واني جدير بزين الصبايا

ونفرح

نفرح

هذا الجليل يحب الزغاريد.

وهنا يكاد يقول انه لولا ان الجليل يحب الزغاريد، لما كان الحب ..

ويقول:

هذا التراب الزكي شغوف

بمن يزرعون

ومن يحصدون

ومن يعشقون

ومن ينجبون

ومن يورثون الحياة انتصارا

لجيل جديد

هذا الحب يعيدنا الى انسانيتنا، الى الزمن الذي كان فيه الفتى يطوف حول بيت حبيبته عاما كاملا يفرح ان رأى وجهها، فاذا ظفر منها بمجلس، تشاكيا وتناشدا الأشعا ر . أما اليوم، وهذا يبرز في الكثير من شعرنا الحديث، فاذا التقاها، لا يشكو حبه أو ينشد الشعر، وانما يطلب الوصل، بحيث تحول الحب في معظم شعرنا الى بضاعة، يقرر سعرها العرض والطلب، بينما الحب الذي يختلج بأعماق حسين لا يباع ولا يشترى .

قصيدته "أراك كما لا تراك العيون " هي قصيدة غزل في قريته البقيعة:

"البقيعة قريتي وكل قرية في بلادي بقيعة "

ومع ذلك:

وآها لتلك السنين الخوالي العذاب

قريبا من القلب

نبض فلسطين كان

هذه القصيدة تركت لدي شعور انه في حبه الكبير لقريته، هناك نوع من الألم والمرارة أيضا، على تلك القرية التي تيتمت من "نبض فلسطين ".ومن آلام "جرح الجليل ".

وهو يذكرني هنا بمقطع للشاعر الراحل سالم جبران يقول فيه:

" كما تحب الأم طفلها المشوه

احبها

حبيبتي بلادي "

وربما ليس بالصدفة ان سالم من البقيعة ايضا . في القصيدة جوانب أخرى، منها مثلا قدرة حسين أن ينقلنا من الحلم الشعري الى الواقع الشعري . من حلم البقيعة الى واقع البقيعة، وبكلمات بسيطة:

ترى أين غابت

بساتين خوخ وتين ؟!

وجوز ولوز

ورمان عيد الصليب

في الشطرة الأخيرة يعرفنا على البقيعة، على أهلها، بحيث لا يبقي البقيعة حلما طائرا، بل حقيقة شعرية ملموسة . ومن المعروف ان الرمان في بلادنا يثمر في فترة عيد الصليب عند المسيحيين . وأي فلاح فلسطيني، مسلم، درزي او مسيحي، عندما يسال عن موعد قطف الرمان يقول يقطف مع حلول عيد الصليب !

الغنائية الحالمة تميز الكثير من قصائد الديوان، في قصيدة " ستر عاشق يظلل ليلنا الريفي ":

تحبني .. ؟!

اذن تعال كي نصالح القمر

أمس اشتكى

يا طول ما اشتكا !

وأكاد أشعر في هذا المقطع أجواء فيروزية .

وينشد في " لنا فوق الجليل ":

لنا فوق هذا الجليل

تراب جليل

عليه نقيم

ومنه نبتنا كما ينبت العشب

والاقحوان .

وبين يديه تركنا طفولتنا

والشباب.

لنكبر فيه ويكبر فينا .

اذن هو ليس مجرد عشق لطبيعة ساحرة، انما هو عشق للمنزل، للمنبت، للأنتماء . وشاعرنا العربي يقول:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى / ما الحب الا للحبيب الأول

الحبيب الأول، على امتداد مساحة ديوان حسين، هو الجليل .. لم يكتشف حبيبا غيره .. حتى تلك التي " نقزت " هي جزء من الجليل . قصيدة " سأجلس ذات مساء " فيها الكثير من الايماء والتكثيف . يقول:

سأجلس ذات مساء بعيد

وحيدا..

وأفتح قلبي

على شرفتين

وراء الغمام

لعل رفوف اليمام

تجيء

وتلقي السلام علي

وتغفو قليلا على راحتي

لأكتب أغنية

عن بلادي.

بعد قراءتي لقصيدة " تركنا على كل درب " اعتراني شعور أن حسين لا يكتب قصائد منفردة، انما قصيدة واحدة متواصلة، وتكاد تكون هذه القصيدة هي مهمة حياته كشاعر، فها هو يقول مثلا ما يمت بصلة لقصائد سابقة:

وقد اورثونا

محبة هذا الجليل

وحب الحياة

وعشق قرانا

ونذكر اننا ولدنا هنا.

أما قصيدته " بي شوق لأحيا "، فهي نشيد لتجدد الحياة بعد أن رزق بحفيده محمد / وهي قصيدة لها مناسبتها، وتكاد تكون استراحة وسط قصيدة / قضية شعرية متواصلة وواحدة .

وانا ورثنا الصباح الجميل

وهذا الجليل

وفجرا تلفع بالياسمين .

( قصيدة: وانا ورثنا الصباح الجميل )

في قصيدة "اسمعني صوتك " .. كتبها كما فهمت لحفيده في ميلاده الأول .. ونراه يورث حفيده ما يملكه الشاعر:

اسمعني صوتك

عربيا

لا يتلجلج في شفتيك

ويوصيه:

واخرج من جلبات الزمن المهزوم

جوادا عربيا

ينقل للريح

صهيل الفرح القادم

وأيضا:

اضرب جذرك يا ولدي

اسمعه كيف تدوزن صوتك

فوق مفاتيح اللغة العربية

ويصر على حفيده:

أسمعني صوتك

كي اسمع وطني

يتجدد لحنا عربيا

لا بد هنا من ملاحظة هامة .. في هذه القصيدة اصرار على عروبة ابناء الطائفة المعروفية (الدروز)، التي تحاول السلطات الاسرائيلية قطعهم عن جذورهم العربية وجعلهم فئة سكانية لا ترتبط بالهم الوطني العربي او الفلسطيني ...

اذن كما قلت، حسين مهنا أخذ على نفسه ابداع قصيدة / قضية وطنية انسانية وجمالية ممتدة .في ديوانه هذا نراه يكتبها على مدى ثلاث أو اربع سنوات .ربما حقا على كل شاعر أن يأخذ موضوعا لشعره حتى يوفيه حقه . وحسين يثبت أن ذلك لا يعني الانغلاق داخل حدود مرسومة .ان البقيعة مثلا، ليست مكانا جغرافيا له حدوده الجغرافية . فالشعر لا يعترف بالحدود الجغرافية، أو كما يقول حسين مهنا: " كل قرية في بلادي بقيعة ".

حين أقرأ اسم حسين مهنا يجلس على راس قصيدة اعرف اني ساقرا شعرا حقيقيا واني ساتمتع بجماليات شعرية صارت من القلة .

هل يريد الشاعر أكثر من ذلك؟ ان يتدفق شعره كالماء بلا ضجيج ويتغلغل كالماء في وعي القارئ وأحاسيسه؟

 

نبيل عودة

 

احمد الشيخاويتشفع لكتابة الابتداء، الجانحة في الغالب، للتجريبية، كونها تتيح لها حيّزا أكبر للتعبير وبثّ لواعج المكنون، لكن بإنشائية وافتقار إلى الشعرية، تلكم الطاقة الاندفاعية، واتقاد وازع تكسير المعايير والقوانين التعبيرية، ممّا يجعلها تثير أو تغري بملمح حيازة نزر من المناقب الدالة على مناجم ذاتية غائرة، ملهمة بمخزون امتلاك مزيد من المؤهلات الدّفينة، كشرط وضرورة لتفجير مكامن الإيجابية في الممارسة الإبداعية، مع نضج الوعي تدريجيا وتوهّج فتيل الخبرة بالعالم والحياة.

في النص القصصي المعنون " لقاء" للكاتب المغربي الواعد محمد قصدي، نلفي انشغالا صوفيا، يختزل به قسطا من المسافات المذكورة، إلى أفق فعل الكتابة السّردية، على نحو جاذب، يفيد كون الذات الساردة واعية بخيوط لعبة القصّ، وإن طبعتها بعض الثغرات، من قبيل تكثيف الجمل والأحداث، بما يخلق التباسا لدى المتلقّي، ويناوره بشقلبة مشوّهة لفسيفساء القصّ بالنهاية، يدشّنها الاستثمار الارتجالي للشخوص، بقليل من التركيز، كان مبدعنا الشاب، ليتداركها، ويمنحها عناية خاصة، تبرز سرديته في حلّة أشهى وأجمل وأمتع مما تبدو عليه داخل قفص هذا الاكتظاظ.

بحيث لزمه، على الرغم من حرصه على آليات فن القصّ، من انتقاء للعتبة واستحضار للقفلة المفتوحة ووحدة زمكانية ومتنية، مراعاة هذا الممرام، وترتيب هذه الفسيفساء، بتقليصها إلى فقرات يفصلها البياض، ترتيبا للمشاهد، وفق ما يحول دون تداخل وتشابك الأحداث، فكان الأجدر أن يبلورها بوعي أعمق، ليمنحها طابعا تكامليا وامتدادا لا يضجر من تراتبية معانيه المتلقّي.

من خلال قصته هذه، سلّط الضوء على استشكال مؤرق ينخر كيانا مجتمعيا بالكامل، إنها ظاهرة الطبقية كمفارقة حزينة، تلطّخ بعارها العديد من الأوطان العربية، وتبدي العالم الغربي فردوسا محرّضة على إخلاء العشّ وعقّ الغصن.

يحيل على بؤس شامل، يحاول تبرير فشل هذا الجيل، المطعون في كل شيء تقريبا، أحلامه المسروقة، وأيضا عواطفه التي لبستها الأقنعة والزيف.

ماسح أحذية، يتقاذفه همّ الكسب وتحصيل الرّغيف، موجوعا موجعا بصور التمزّق والتشظّي، مابين ذاكرة غدر الحب، وراهن إثبات الذات، يضعه حظّه العاثر وزمنه الأنكد في موقف تسييد خاطف معشوقته، طبعا خطفا يختزل منظومة معاني التكريس لمفهوم الطبقية، بشتى تجلياتها، عبر ثقافة المفاضلات المادية وجملة إغراءات الهيمنة البورجوازية على أقليتها.

بيد أن النصّ في ضمنيته الصادمة، يشاكس رهانات أخرى، ويعضّ على رؤى معارضة، ممكّنة للبعد الروحي الأخلاقي مدبّجا بصوفية الطرح.

[تذكر هند بين ذراعيه تخبره باكية بأنها ستهاجر للديار الأوربية، وحين عودتها ستبحث عنه ولو كان في الهند، أقسمت له بأنها لن تخون عهد الحب الذي جمعهم.. عادت به ذاكرته للحاضر ليجدها خانته بكل صفاقة. ويا للسخرية القدر فها هو اليوم انحنى لينظف حذاء عشيق حبيبته السابقة. أخبرها وهو يغالب دموعه، بأنه يريد مساعدتها في الوقوف لكن يديه متسختين، ولا يريد أن يسبب لها أي إحراج أمام صديقها المترف](1).

واستغراقا لهذه الطاقة الروحية، مع ميزة لافتة في المعمارية السردية لدى صاحبنا، تتجسّد في بناء الفعل الكتابي على شاكلة تشبعه بسياقات الصيرورة والنفاذ في الزمن، وكأنه يستنطق بأسئلته المنبثقة من خلفية متشبّعة بلغة روحية صرفة، الحالة في معنى تناسلاتها وسرمدية إقامتها في الوعي والذاكرة الإنسانية.

ينتقل بخفة ظل، إلى وباء مجتمعي آخر فتاك، يدين الحضور الأنثوي، بحيث يربطه بالوصايا الشيطانية المخربة للمجتمعات، بدء من البيت بعدّه وطنا صغيرا فالشارع فالانتماء على رحابته وتنوّع مضامينه.

معضلة " التوكال" هذا السلوك المميت بخيوط سم العقليات المتخلّفة، في نيله، بل الأصحّ اغتياله لمشاتل النبوغ والعبقرية وسائر ما يصب في خانة صناعة الإنسان والأوطان.

[وفي شهر أغسطس من سنة 2017 كنت عائدا من الجامعة، لمحت جموعا من الناس محتشدة على عشّ موسى، أصاب الهلع قلبي، إزاء تلك الأمواج البشرية، يرتسم على وجوههم حزن شديد. تدافعت معهم لعلني أفهم شيئا مما يجري.. لكن بمجرد أن تجاوزت الجدار البشري، هالني المشهد كثيرا.

 كان جسم موسى الهزيل يتلاعب في الهواء، وحبل متين ملفوف حول عنقه، كان مشهدا فظيعا بشعا](2).

سردية محبوكة تكفي، لزجر المنافين لمعجم سلوكيات الحنفية، رجالا كانوا أم نسوة، كانت لتتسربل بموسوعية الرؤية وطوباوية البناء، لو أن صاحبها كصوت شاب مبتدئ، لم يسرف في النعوت والأحكام، ولو أنّه لاذ بفنية تشذير يرتّب أكثر، مثل هذه الفسيفساء، ولو أنّه، كذلك، عزل أناه قدر المستطاع، وانتقى العتبة كما القفلة، بمزيد من الدّقة والحذر.

وإذن... لا ضير، فقد انتشينا ببعض من ثمالة بوحه، موقنين أنه سيكون أفضل في القادم من نصوصه التي يقارب فيها مستنقع الأوبئة المجتمعية، بلغة صوفية وافية، يطوّرها المعجم الحياتي، مصقولا بمقامرات التجريبية والتراكم.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

...................

هامش:

(1) مقتطف من أقصوصة لقاء.

(2) مقتطف من أقصوصة شيطنة.