يحشد الروائي السوري نبيل سليمان في روايته "اطياف العرش"* أبعاداً فلسفية – فكرية – سياسية، تشتغل على الواقعية – السحرية، والموروث الديني السوسيولوجي، وذلك من خلال الاتكاء على التاريخ، وتداخل الحلم بالواقع، نتيجة وطأة الحاضر وأسئلة الراهن الملحة، كل هذا منح الروائي حرية كبيرة في الاشتغال على تقنية سردية حديثة، في استلهام وتوظيف المعتقد الخرافي والبعد السياسي، للكشف والادانة، وتعرية المسكوت عنه فيها، وهذا لا يحصل الا عن طريقة اسلوب " البناء الما بعد حداثي: الاستدعاء التهكمي الساخر المتعمد للتاريخ بأشكاله البنائية والوظيفية " 1، بهذا يجعل بالإمكان ان نطلق على رواية "اطياف العرش" رواية ما وراء القص التاريخي، حيث تتميز " بالانعكاسية المكثفة والتناصية التهكمية " 2، متضمنة مفارقة عميقة وذكية، حيث أن تسخر لا يعني أن تشوه التاريخ، والتهكم يعني أن تحتفظ بالتاريخ على الحياد وان تحاكمه معاً، وهنا ليس من الممكن تفسير الحفر بعيداً في التأويل على أساس ما يقوله النصْ أو الأنساق المضمرة له، بل الحفر ايضاً بموقف الإنسان من الحقيقة والتاريخ والثقافة، من هذا المنظور، يُعَدّ التأويل " عمل الفكر الذي يقوم على تفكيك المعنى الكامن في المعنى الظاهر، وعلى نشر مُستويات الدلالة الكامنة في الدلالة الأدبية " 3.

تتكون الرواية من خمسة فصول: التحوَل – طيف لعرش – الحورية – طيف آخر لعرش آخر – المشنقة.

منذ بداية الفصل الاول، والمْعنَون "الحوَل "، يجعلنا السارد نطلع على حيثيات تحوَل طاهر عوانة، وهو منفي في الرقة، مرتعداً من عينا رملة الأرمنية، لينبعث منهما غريباً، متجاوزاً الاطوار كلها، بمساعدة الشيخ بركات – الذي سيصبح فيما بعد مساعده ومستشاره في الطويبة – وذلك عندما يشْيع بين الفقراء بان "طاهر عوانة" باركه ولي الله الخضر وتكلم معه، ومنحه الاذن ليكون وكيله في الارض، وليصبح " في غمضة عين: معجزةَ وبدعة – ص 10 الرواية "، ويطلق عليه لقب الطويبي من قبل صادق العروضي – مساعده ومستشاره الآخر-، حيث يقوم بتهجد اسمه وهو غير مصدق مع الذي يشاركه الجسد: " أنا الطويبي. هذا هو الطويبي. الطويبي يا طاهر عوانة – ص 17 الرواية " ، وكلما يتعمق الحوار بين الطويبي الذات الرئيسة التي تمثل الانبعاث، والقوة والمال ومغامرة السلطة والتسلط الى حد التأله ومحاربة الحكومة، وبين طاهر عوانة الذات التي تمثل الانكفاء، والبساطة والمسكنة والفقر واليتم والاصابة بالصَرعَ، تخف حدة ازدواجية الذاتين المتواجدتين في الجسد الواحد، ويخف حدة الصراع، وتبقى ذات طاهر عوانة في الظل الى الاخير، ومسيطر عليها، الى حين يسوقوا الطويبي الى الاعدام. إن التوسير يقول: " إن الذات وجودُ خاضعُ مُذعن لسلطة التكوين الاجتماعي، كما تتمثل في الأيديولوجيا كذات مطلقة. وتأخذ هذه الذات المطلقة في الاعتبار " تكاثر الذات الى ذوات " 4. وتْكون هذه الذات المطلقة في ثقافتنا الدينية – الاخلاقية في البداية بوصفها الإله، ثم يتم تكاثرها من خلال الاستعارة إلى أوجه مختلفة: المرشد الاعلى - الملك – الرئيس – زعيم الحزب – شيخ العشيرة، ففي هذا يتبين لنا إن الذات التي تنبثق من تأويلية الوعي التاريخي والتي تشبه شخصية الطويبي، ليس في استطاعتها أن تفهم نفسها من " خلال مَوْضعات المعنى في كُبريات " النصوص " الأدبية، والفلسفية، والدينية، التي آلت اليها عبر تاريخ البشرية " 5.

ازورَ الطويبي وردد: ماذا تنتظرون؟ هجم صوت عوانة من جسر على الفرات إلى صدر الغرفة: أن تعود إليَ. ازورَ متأوهاً: عمرك ما فرقتني. لا أنت قدرت ولا أنا. كنتُ ميتاً فيك وكنتَ حياً فيّ – ص 187 الرواية.

هذه الازدواجية " كنتُ ميتاً فيك وكنتَ حياً فيّ "، لو دققنا فيها قليلاً، لكنا علمنا لماذا قال الطويبي ذلك رغم رغبة طاهر في عودة الطويبي داخله، اي الغاء الانسلاخ، الغاء الانقسام، العودة الى التوحد، والتجلي في التفرد، ولكن بسبب المرجعيات الدينية – السوسيولوجية – الايديولوجية، يبقى الانشطار، وتبقى حواريات الصوت الواحد المنشطر، لأن الروائي " لا يستأصل نوايا الآخرين من لغة أعماله المتعدِدّة الأصوات، ولا يُحطم المنظورات والعوالم، والعوالم الصغيرة الاجتماعية – الإيديولوجية التي تكشف عن نفسها فيما وراء التعدد الصوتي: إنه يُدخلها إلى عمله "6.

مما يعني ذلك، انسلاخ الذات عن صاحبها ! أن طاهر عوانة بوضعه الحالي الجديد ليس هو طاهر عوانة الهارب من الخدمة العسكرية، والمنفي في الرقة، انه التحوّل في اعلى مراتبه السايكولوجية ! وهو ليس تبدلاً جسديا بل تبدلاً ذاتياً (وليس انفصاماً لان الشخصية المنفصمة لا تعلم بما تفعله الثانية)، تبدل الذات في التفاعل والاتصال مع الاخرين والعالم، مما يسفر أمكانية تواجد هذه الذات في حضور الذوات الاخرى،ولكن في اختلاف الرؤية والفعل.

نستطيع أن نتعرف على الكيفية التي تصغي بها ادراكات طاهر عوانة المتغيرة للذات وهو بجانب مرقد النبي يحي، عندما يصرخ به:

من أكون ؟ ص18 الرواية.

هذه الجملة، تجعل المتلقي يتسأل، لماذا لم يقل " أنا اكون " بدلاً من " من أكون "، رغم أن جملة " أنا أكون " فيها من العمق الابستمولوجي والسايكولوجي الشيء الكثير، لقد وردت في سفر الخروج، عندما خاطب الله النبي موسى " اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به " 4 / 12، وبهذا التفسير نستطيع أن نجمع، الجملتين، التأكيد المطمئن: " أنا أكون " والشك المؤلم: من أكون ؟ "، ولكن ما دامت الأنا في وضعية التيه، يبقى التساؤل مشروع، وتبقى الاجابة قائمة، ولأن وَهْم وعي الذات متشبث بـ الأنا، يكون التيه مصيرها كما قلنا، " إن الوعي، كما يقول التحليل النفسي، " يقاوم " فهم نفسه، وقد كان يرفض أن يعرف نفسه في هذا الرجل الذي كان هو ذاته يلعنه. فمعرفة النفس هي المأساة الحقيقية، وأما مأساة الوعي – مأساة الرفض والغضب – فتضاعف مأساة البدء، مأساة الكينونة أن يكون ما هو عليه " 7، وذلك لأن من شْكّل وعي هذه الشخصية هي المرجعية الدينية، التي كان يمثلها الشيخ بركات بكل تخلفها وتحجرها وقبحها، فقد نقل الشيخ بركات للصبي المصروع طاهر عوانة ما يعرفه من معلومات خرافية، اسطورية مظللة، وهي بالأساس تتسم بكونها متطرفة، متحجرة، مشوهة، لينبثق منها الطويبي، بعد أن ادعى اتصاله بالخضر، ومن ثم تقمصه للولي " ابو العباس الطويبي "، يبدأ بالتبشير بدين جديد، قائم على وعي مزيف ميتافيزيقي، ليس له اية علاقة بالواقع، مستخدماً الاوهام السابقة على المعرفة، ولكن لولا الشيخ بركات لما كانت هذه الشخصية، فهو المعلم له في الاول، والداعية / المْبشّر له الى الأخير، في دروس الشعوذة والاحتيال على الفقراء باسم الخطاب الديني:

" وبين شفاء وشفاء أخذت الطويبة تصدق الشيخ بركات:

طاهر عوانة يكلم سيدنا الخضر، سيدنا الخضر مسح على الجبين المحموم فطهّره وأبرأه. وعلى هون ألفَ طاهر عوانة أن يرى وجوهاً خائفة ومتلفعة لرجال ونساء آوته صغيراً أو أنكرته، تطوف بالبيت الذي تقدس، وترنو الى السقف – ص 8 الرواية ".

" ومثل عيني رملة يَصدُق الشيخ بركات: الماء ينقط من السقف، وربما اللبن. صوتُ جليل يهتف بالناس الذين تكوموا قبل طلوع الشمس: هذا هو الكوثر الذي توعدون – ص 9 ".

" ويقسم له أمام الناس أنه رأى سيدنا الخضر في المنام يطير بين الجبل والبحر هاتفاً: هذا رسولي اليكم – ص 9 الرواية ".

"أما الشيخ بركات فيبدل القربة التي أخفاها السقف بأخرى أكبر. وبدلاً من ثقب واحد للأولى يجعل للأخرى ثقبين – ص 12 الرواية".

بهذه الاحترافية في التدليس والخداع والغش والكذب على اهل الطويبة، امتلك الطويبي القوة والسلطة والاعوان، الذين يسميهم صادق العروضي " الأنوار "، ويكبر نفوذه ويتعاظم، مع دينه الجديد، فَيصبح خطراً على الدولة التي تحاول أن تأمن جانبه الى خروج الاحتلال الفرنسي، لتتبدل اللعبة.

لقد قام الروائي نبيل سليمان، في رسم شخصيات الرواية، في ادق التفاصيل الصغيرة، واظهارها على حقيقتها المخيفة، من خلال دلالة الاسماء التي لعب عليها، حيث جعل الدال عكس المدلول، اي ان يأتي فعل حامل الاسم عكس الاسم المحمول، في دلالة مقصودة محسوبة: طاهر- مدنس، بركات – لعنات، صادق – كاذب. هذه العملية شملت الاسماء القريبة من الطويبي فقط، اما بقية الاسماء الاخرى فجاءت اعتيادية، ففي هذه التقنية السردية الرمزية المتسمة بالتداخل النقدي- الابستمولوجي، تكشف للمتلقي عمق التمزق في الوعي والازدواجية الوجودية، وسيطرة المعتقدات الغيبية التي تدفع الناس البسطاء للخضوع المطلق للطويبي وتنفيذ كل ما يطلبه منهم.

تنحصر احداث الرواية، ما قبل الحرب العالمية الثانية، والى ما بعد انتهائها8، ويمكن تقسيم الأحداث المتوالية في " اطياف العرش " إلى أحداث جرت قبل الحرب وأحداث جرت بعدها، ولكن لاستحالة مطابقة الوقائع الموجودة في الرواية مع أحداث الزمان التاريخي الفعلي، ما يحدث هو العكس تماماً، لأن السارد وبقية الشخصيات الأخرى هم محض تخييل روائي، لذا " فإن جميع الإحالات إلى الأحداث التاريخية الواقعية مجردة من وظيفة تمثيل الماضي التاريخية، وهي موضوعة على قدم المساوة مع الأحداث اللاواقعية الأخرى، فالإحالة إلى الماضي، بعبارة ادق، ووظيفة التمثيل نفسها يتمّ إدراكهما ولكن على نحو تحييدي، مشابه للطريقة التي يصف بها هوسرل المتخيل ويحدد خصائصه، وبهذه الطريقة يمكن ايضاً إفراغ كامل نطاق الأدوات التي تفيد في علاقة الترميز أو التمثيل، واعتبارها عملاً من أعمال الخيال " 9.

إن الايديولوجية الدينية رغم اشتغالها بالأساس على الميتافيزيقيا واساطيرها وعلى تكريس الخرافة، ستبقى مترابطة، ومتحالفة، ومتداخلة مع السياسة التي تشتغل على الواقع، نتيجة لذلك تنشأ الأحزاب الدينية - السياسية المتطرفة، وهنا نرى أن لعبة الطويبي السياسية، قد تأثرت بازدواجية الشخصية الواقعة بين التمرد والخنوع، وبمواقف زوجته حورية، وبعض اعوانه، وموقفه الضبابي تجاه الحكومة والانتداب الفرنسي، وعدم استطاعته التوفيق في التعامل معهما، ادى به ذلك الى أن يخسر الاثنين ( ص 113،114، 124،125،135 )، مما جعلت القرارات السياسية المتخذة من قبله تقع بين الحماقة والحكمة والذكاء:

"قال المحافظ:

-فرنسا الآن ضعيفة ياطويبي. أظنك تعرف ما يجري في أوربة. وكل ذنب يغتفر مهما عظم إلا ذنب واحد، ما يضرّ بوحدة البلاد واستقلالها لا يغتفر. تذكّرْ ما انتهى إليه الآخرون حين كان لفرنسا قوتها، فكيف الآن وهي تشد الرحال ؟

سأل الطويبي لهفان:

-من قال إني ضد وحدة البلاد أو ضد استقلالها؟

قال عبد الحليم آغا:

-كفَ إذن عن اللعب مع الفرنسيين. كفَ عن التطاول على سلطة الحكومة من هنا إلى حدود تركيا - ص 117 الرواية ".

لقد عمل الروائي بقصدية على عدم استطاعة المتلقي، الاحاطة بأية شخصية، أو أخذ فكرة شاملة عنها، الا بعد قيام المتلقي بقراءة متمعنة،جدية، عميقة للنصْ كله، عندئذ تتضح الصورة وتتبلور، لأن الصورة التي تُستنتج من ذلك،هي تكامل وضوح الصورة للشخصية الروائية من كافة الابعاد: السوسيولوجية – السايكولوجية – السياسية – المعرفية، من هنا يجب " فهم الهُوية الإنسانية بوصفها هُوية سردية أساساً، إنَ نظرية السرد التاريخي، التي تطوّرت بعد الثمانينيات، ستسمح بتبنّي إجابة جديدة عن السؤال في كّل فلسفة تامّلية: من أنا " 10.

ومثال على ذلك، من الشخصيات التي كان لها حضوراً طاغياً في الرواية وفي مسار الطويبي، وفي مسار السرد المتخيل، هي حورية المرهج، زوجته الرابعة، اذ يفرد الروائي لها فصلاً كاملاً باسمها، وللنهاية نرى أن لحورية الكلمة المسموعة لدي زوجها،وتدخلها في اتخاذ القرارات المصيرية، والتصرف حسب اهواها دون الرجوع الى أحد في احيانا كثيرة (ص 126 – 127 – 128)، هي الحالمة القوية، بالإضافة الى بقائها عند الطويبي هي الاحب والافضل والمدللة، عكس زوجاته الثلاث الأخريات: رملة الارمنية، ناهي بنت ناصر ميمونة ‘ غزالة بنت الشيخ ناظر، اللواتي يضلن في الظل ولا أي دور لهن بتاتاً، مجرد زواج مصلحة في تحقيق مآرب الطويبي، و للتمتع بهن كما آمر دينه:

" بدأت تضيق بامتلاء وركيها ونفور حلمتيها. ولم تلبث أن تكومت، تحت اللوكس وفي لجة النهر، تنتظر الرجل الذي نزل الهويني محمحماً مثل حصانه ، وانقادت إلى كفّ لدنة حارقة، والحلمتان المنتصبتان تتعجلان شفتين وأسناناً. نادى الطويبي بالناس أن حورية هو، وهو هي، ولا يكاد يخلو لهما البيت حتى تهصره بين فخذيها القاسيين، وتطلق شهيقه، فيلفظ الروح على صدرها، وينام – ص 87 – 88 الرواية ".

ولكن حالما يختلف معها في الرؤية للوضع الذي هم فيه، واستسلامه للحكومة في تنفيذ الاقامة الجبرية في بيروت، تعلن العصيان والتمرد ضد سلطة الحكومة، وهذا هو السبب الذي يجعل فوكو يقول بأن كل علاقة سلطة يمكن أيضاً التحاور معها بصفتها إستراتيجية صراع، " إن كل إستراتيجية مواجهة تحلم بأن تصبح علاقة سلطة، وكل علاقة سلطة تميل نحو فكرة أنها يمكن أنها تصبح هي الإستراتيجية الرابحة، إذا ما تابعت خط تطورها الخاص في أن تكون معترضة بواسطة المواجهة المباشرة " 11، وخاصة إذا كانت المواجهة غير متكافئة بين الطرفين، مؤسسة حكومية تمتلك المال والاسلحة والعتاد والجيش مع فرد لا يمتلك غير الوهم والحلم، وُيبّشر بالميتا خرافة ويدعو لها !.

لقد كان القتل من نصيب مساعديه، وزوجتيه، فصادق العروضي، مهنته كانت: الحدادة والبيطرة وحارس في الطويبة، ثم الداعية، شخصية انتهازية،وصولية، جشعة، مخادعة، فهو الذي يدبر قتل الشيخ بركات خنقاً، لكي ينفرد بأموال الضرائب والإتاوات المفروضة على الفلاحين، ولكنه يقتل على يد الطويبي بعدما يعلم بأن من عاشر زوجته الصغرى شهلا هو صادق وليس الفتى الخادم، بعد أن قتل شهلا تنفيذاً لأمر الطويبي، وحورية تقتل بيد الطويبي الذي سيحكم بالإعدام.

لعل البعض يتسأل لماذا هذا القتل المجاني؟! هل هو تطهير لما اقترفوه؟ هل هي عقوبة؟ هل موتهم جاء تحصيل حاصل؟ " ولأن السرد التاريخي يمنح سلسلة من الأحداث الواقعية تلك المعاني الموجودة فقط في الأسطورة والأدب،ولذلك، بدلاً من النظر إلى كل سرد تاريخي على أنه ذو طبيعة أسطورية أو أيديولوجية، ينبغي أن نعتبره مجازياً، بمعنى أنه يقول شيئاً ويعني شيئاً آخر " 12، وهنا يأتي دور المتلقي في القراءة بين السطور، كي يكتشف الدلالات العميقة، وأن يجد لها أجوبة عن طريق التأويل المتعدد الحامل للمعاني المختلفة.

ولعل بعض القراء يتسأل، هل شخصية طاهر عوانة تمثل شخصيتين مستقلتين؟ أم شخصية واحدة؟ لقد اعتمد الروائي على المتخيل السردي في تركيب شخصية طاهر، اي على الواقعية السحرية التي تقوم على أساس مزج عناصر متقابلة في سياق العمل الأدبي، فتختلط الأوهام والمحاولات والتصورات الغريبة بسياق السرد، وهي بالأساس تستمد عناصرها من المتخيل، عليه تكون شخصية طاهر، شخصية واحدة، ولكن من خلال الحوار الداخلي، أو المنولوج، يظن المتلقي أن هنالك اثنتين، بينما السارد أو طاهر ذاته يعرف بأن الطويبي وطاهر هما واحد فعلياَ في شخصية واحدة، ولكن بسبب الصفات التي يتصف بها طاهر من احباط وتردد وضعف وعدم المواجهة، يرتدي قناع اسمه الطويبي والذي يتمتع بصفات بالضد من طاهر، عليه تكون هنالك ذات حقيقية / خاتلة وذات وهمية / بارزة، لذا يبقى طاهر متوارياً وراء الطويبي، " فليس هناك شخصيات خارج الفعل، ولا فعل مستقل عن الشخصيات " 13، شخصية واحدة وفعل واحد، لكن هناك صراع سايكولوجي ما بين النكوص والتغيير داخل الشخصية:

" قال طاهر:

-نفسي يا سيدي تنخلع من بدني مثل السيخ. الأرض تهتف بي يا سيدي: لا مرحباً بك ولا أهلاً. كنتَ أبغضَ من يمشي على ظهري، والآن وقد وليتك فانظرْ.

طوّح الطويبي به صارخاً:

-وعما قليل يوكل بروحك ثلاثماية شيطان ليس فيهم من لا يبصق في وجهك. عما قليل تطويك حفرتك حتى يخرق كل ضلع فيك أضلاعك كلها، وينفتح عليك باب للنار يهمي بقيحها ولهبها، وهذا أهون الجزاء.

نبحَ طاهر:

-أه يا سيدي. أعلم أعلم.

وزحف من الفراش إلى وسط الحصير منادياً:

أين أنت الآن يا طاهر عوانة؟

تربّع طاهر على طرف الحصير. سُرّ الطويبي وقال برقة:

-اقتربْ. لا تخفْ بعد الآن. ما زال الحساب بعيداً. ص 19 – 20 الرواية ".

انظر هنا بتمعن عندما يقول لقرينه " والآن قد وليتك فانظرْ "، ولاه على ماذا؟ يكشف هذا المقطع عن حوار يتسم بالمكاشفة والحساب، اي العمل على طمس فعل طاهر القديم، لاستحداث فعل مغاير مختلف.

ومن خلال قراءتنا لرواية "اطياف العرش"، نعثر على دلالات كثيرة فيها، تتنبأ بظهور التنظيمات الاسلامية المتطرفة، مثل داعش والنصرة.

 

أسامة غانم

......................

الهوامش والاحالات:

* رواية اطياف العرش " نبيل سليمان، منشورات الاختلاف / الجزائر، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت – لبنان، 2010.

1- ليندا هتشيون – ما وراء القص: السخرية والتناصْ مع التاريخ، ترجمة: آماني ابو رحمة، المجلة الثقافية الجزائرية 6 / 2011.

الدراسة فصل من كتاب " جماليات ما وراء القص: دراسات في رواية ما بعد الحداثة، مجموعة مؤلفين. ترجمة أماني ابو رحمة، دار نينوى للنشر والتوزيع.دمشق – سوريا، 2010.

2- م.ن.

3 – جان غروندان – التأويلية، ترجمة: جورج كتوره، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت - لبنان، 2017، ص 84.

4- برندا مارشال – تعليم ما بعد الحداثة: المتخيل والنظرية، ترجمة وتقدم: السيد إمام، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010، ص 117.

5- جان غروندان – التأويلية. ص 93.

6- ميخائيل باختين – الخطاب الرّوائي، ترجمة: د محمد برادة، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2009، ص 122.

7 – بول ريكور – صراع التأويلات: دراسات هيرمينوطيقية، ترجمة: منذر عياشي، مراجعة د، جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة،بيروت – لبنان، 2005، ص 195.

8- كانت الحرب العالمية الثانية قد ألقت بظلالها على العالم آنذاك، ودخلت قوات الحلفاء في حرب مع قوات المحور، وشهدت سوريا صراعا بين القوات الفرنسية التي كانت تابعة لحكومة فيشي (الموالية للألمان) وقوات حكومة الجنرال ديغول (المتحالفة مع الحلفاء) حيث تمكنت القوات المتحالفة من إخراج قوات فيشي من سوريا في يوليو/ تموز 1941، وعلى إثر ذلك أذاع (ديغول) بيانه الشهير الذي وعد فيه سوريا ولبنان بالاستقلال وحق تقرير المصير.

وبناء على ذلك، أجريت عام 1942 انتخابات نيابية فازت فيها الكتلة الوطنية، وفي أغسطس/ آب 1943 انتخب شكري القوتلي رئيسا للجمهورية السورية، وتألفت حكومة جديدة برئاسة سعد الله الجابري. ومع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها، حاولت فرنسا أن تعيد سيطرتها الاستعمارية على سوريا، فاندلعت الاضطرابات في كافة أنحاء سوريا، وواجهت فرنسا الاحتجاجات بقوة مفرطة، مرتكبة مجازر ضد المدنيين.

ورغم توالي الأحداث صعودا وهبوطا، إلا أن القدر حمل لسوريا بأيدي أبنائها الكثير بعدها، حيث تتويجا لنضال طويل مليء بالتضحيات، خرج آخر جندي أجنبي من الأراضي السورية في 17 أبريل/ نيسان 1946.

9 – بول ريكور – الزمان والسرد: الزمان والسرد ج 3،، ترجمة: سعيد الغانمي، راجعه عن الفرنسية: الدكتور جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت – لبنان، 2006،ص 190- 191.

10 – جان غروندان – التأويلية، ص 92.

11- برندا مارشال – تعليم ما بعد الحداثة، ص 153.

12 – هايدن وايت – محتوى الشكل: الخطاب السردي والتمثيل التاريخي، ترجمة د نايف الياسين، مراجعة د فتحي المسكيني، هيئة البحرين للثقافة والاثار، المنامة – البحرين، 2017، ص 120.

13- تزفيتان تودوروف – مفهوم الأدب، إعداد وترجمة: د. منذر عياشي، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق – سوريا،2017، ص 103.

 

حسني التهاميThe Essence of Haiku

للشاعر والناقد بروس روس (Bruce Ross)

ترجمة: حسني التهامي

ظهرت قيمٌ جديدةٌ على الهايكو الغربيِ المعاصرِ في عديدٍ من النقاشاتِ في الموتمرِ الثاني الذي عُقد بالسويد عام 2007 . ركزتْ إحدى المحاضراتِ لفوكمان السويدي على التحولاتِ التي طرأتْ على الهايكو، بينما تطرقتْ أخرى إلى الاستعارةِ الفريدةِ،والتي تولدُ نوعاً من العمقِ الناشئِ من تنافر المواضيع بالنص (ليدميلا بلبانوفا في بلغاريا)، فيما تناولَ (تاكاشي إيكاري الياباني) قضيةَ الغموضِ .

وكَمْ كان ممتعاً حديثُ فوكمان عن" الشعور المُتدرج"! فكثيرٌ من نصوص الهايكو الأمريكي المعاصرِ تحتوي على الطُرفةِ والتآلفِ البَراق  بين الصور .علاوة على ذلك، فإن تعبير الانفعالات الحشوية هو بمثابة تمثيل للمشاعر الشفافة وللتواصل الاجتماعي غير الهادف في وسائل الإعلام. فالنقاشات حول حالات الشعور وتأثير التحول في الهايكو ضرورةٌ لإحداثِ التوازنِ بين هذهِ الاتجاهات، وهي في الواقع،  تحافظ على جوهر الهايكو.  

 يبحثُ هذا المقالُ ويُدقق في قضايا متعلقةٍ بجوهرِ الهايكو مِثلَ: الخاص، المشاعر، التنحي، لحظة الهايكو، طبيعة وجمال الهايكو،الكمال. بدايةً سأناقشُ الاستعارةَ المُطلقة، وهي مصطلحٌ  صُغتُه كي أصفَ الهايكو المبنيَّ على العلاقةِ الوجوديةِ والبنائيةِ في مكوناتِ الهايكو. إن شعريةَ الهايكو تفتحَ المجالَ أمام قضايا أخرى في هذا المؤتمر الأوربي.

"في هذهِ الأشياءِ (المرتبطة بالطبيعة) يكمنُ معنىً عميقٌ،

لكن إذا هممنا بالتعبيرِ عنه، نسينا الكلمات."

تونماى.

1478 بروس روس

(1) الاستعارة المُطلقة The Absolute Metaphor

"الهايكو في الأساسِ نوعٌ من الشعر، مشتقٌ من المقطعِ الأولِ لقصيدةِ مشتركةٍ تسمى الرنجا ومؤخرا في التانكا (الواكا في الأصل)، وكلُ نوعٍ يحتوي على مقاطعَ نثرية من 5 و7 وحدات صوتية.

مثلَ كل النصوصِ الشعرية، يتميزُ الهايكو بالخيالِ، المحتوى العاطفي، والقيمةِ الصوتية واللغة التصويرية وهكذا . تتميز الأشكال الشعرية في اليابان بشكل عام بقصرها، وفي الواقع إن الهايكو هو أقصرُ النصوص وأكثرها اختزالاً في العالم . يتكونُ النص من 17 وحدة صوتية موزعة على هذا النحو: 5-7-5 في الهايكو الياباني الكلاسيكي . ذاتُ الأصوات نجدها في التانكا والرينجا، وهي بذلك تعكسُ طول الأسطر في الأغاني الصينية، وكذلك في صياغة الأغاني، وحتى في الثقافة اليابانية الأولى.

إن اللغة اليابانية لغةٌ غيرُ مضغوطة، والهايكو يعتمد على المحاكاة الصوتية وربما على الأحرفِ المتحركة التي تحدثُ في كل وحدةٍ صوتية، ولا تعتمدُ على القافية . فالعباراتُ المكونةُ من 5 و7 وحدات صوتية متكررةٌ عبر القرون في الأشكال الشعريةِ، وتساعدُ بدورها على اكتساب نوع من الإيقاع .

يتميز الخيالُ والمحتوى العاطفي في الهايكو بنوعٍ من التفرد . فإذا ما نظرنا إلى الهايكو الكلاسيكي نجده يشتمل على الكيغو(كلمة فصلية) أو الكيداي (موضوع فصلي) متضمنا الأحداثَ الإنسانيةَ المرتبطةَ عادة بدورةِ الطبيعة، كحصادِ الأرز . وعلى الأغلب فإن الهايكو الكلاسيكي يشتملُ على صورٍ حسيةٍ مستقاة من الطبيعةٍ ولا تتناول الإنسان . وهذا ما يوصلنا إلى تعريفِ الهايكو بأنه شعورٌ إنسانيٌ مرتبطٌ بالطبيعة.

إن الاهتمام  بجمالِ الطبيعةِ منبعُه الدينِ الأصلي،الشنتو، الذي يحملُ في طياتهِ تقديساً، بل وعبادةً للطبيعةِ لدى أُناسٍ كان كيانُهم الزراعي في فترةٍ مُبكرةٍ يتطلبُ اتصالاً دورياً ومستمراً مع هذه الطبيعة،وهذا لم يكن مُستغرباً. فالجمالُ الطبيعيُ والمحتوى العاطفيُ المتماثلُ والمحتفى بهما في الثقافة اليابانية هُما الدعامةُ الأساسيةُ للقصائدِ الغنائيةِ .

يحتوي الهايكو اليابانيُ الكلاسيكيُ على لغةٍ رمزيةٍ مثل البلاغةِ والتشبيهِ والمجازِ، تماماً كما كان مُستخدما في الشعرِ الغنائي . لكنَّ هذه الوسائلَ كانت تمثلُ عبئاً على هذه القصيدةِ القصيرةِ، ونالت من قيمتِها الجماليةِ كالاختزال،و الموسيقى والغموض . علاوةً على ذلك فالكيغو والكيداي بإيحاءاتِهما الموسميةِ أمدا الهايكو برموزٍ من الطبيعيةِ ودوراتِها . إذن يمكنُنا اعتبارُ الهايكو علاقةً حتميةً بين الخاصِ والعام .

فإذا كان المجازُ قوامَ الشعرِ، ذلكَ المجازُ الذي يتسم بقوةِ العاطفة والخيالِ، وهو عاملٌ أساسيٌ من عوامل نجاحِ النصِ الشعري، فإن الهايكو يعتمدُ على المجازِ المطلقِ للخاصِ الطبيعيِ والكوني . إن المقارنةَ الداخليةَ في الهايكو التقليديِ يمكنُ التحكم فيها عن طريق الكيريجي الذي هو واحدٌ من الحروفِ اليابانيةِ الكثيرةِ التي تقومُ بمهمةِ علاماتِ الترقيم في الانجليزية، لكي تسلطَ الضوءَ على المحتوى الانفعالي في جزئيةٍ واحدةٍ من الهايكو وعلاقتِه بالثاني، وتؤكدُ الاستعارة المُطلقة. فعلى سبيلِ المثالِ يشيرُ السطر ُالأولُ إلي الطقس، وفي الثاني والثالث يشكلُ الخيالُ طبيعةَ الموضوعِ الخاص . فالاستعارةُ المطلقةُ والكيرجي يطلقان الشرارة العاطفيةَ التي تربط الكوني بالخاص.

أمامنا هايكو معاصرٌ للشاعر ألينزا زورمان من سولفينيا يتحققُ فيه المجازُ المطلق:

عيدُ الاستقلال

مع الريحِ الحار، وشاحي

يلامسُ الغريب

فالمنحى الوجوديُ واضحٌ في القصيدة، حيث يتجاوبُ مع الحرية والإنسانية والفرح . فالعطلةُ تجسدُ الحدثَ التاريخي للحريةِ التي يحتفي بها كثيرٌ من الدول . والريحُ تبعثُ الراحةَ .إنها تقدمُ مثالاً نموذجياً للمعادلِ الموضوعيِ الذي يُنادي به الشاعرُ الأمريكي ت.إس إليوت . إنها صورةٌ شعريةٌ مأخوذة من العالم الواقعي الذي يمثلُ المشاعر الداخليةَ مجازياً.

يحتاج الهايكو عادةً إلى تركيبةٍ أقلَ خيالاً، وإلى الإحساسِ بالزمن . في النص يكمنُ هذا المجازُ المطلقُ في الوشاحِ الذي طيرتهُ الريح ولا مسَ شخصاً آخر غريباً تماماً، وهذه الريحُ تحول لحظةَ الاحتفالِ إلى لحظة إنسانيةٍ تتبادلُ فيها العاطفةُ عبرَ الخيالِ الحسي . فهناك حالةُ من التوحدِ والتلاقي بين الشاعرِ والغريب . ربما هناك شيء غامض بالنص يُمكنُ احساسُه عبر الكلماتِ ولا تستطيعُ الكلماتُ أن تبوح به." 

(2) الخاص: The Particular

لو ان هذا الشيءَ الغامضَ هو ظهورُ الكوني،  وهذا الظهورُ يُؤكد ذاتَه في الخاص. فإن الخاصَ ذاتَه لديه أيضا صفةٌ معينةٌ، وهي صفةُ الغموض . في النصوصِ الأكثرِ إبداعاً يكون غموضُ الخاصِ هو جوهرُه . وهذا الجوهرُ يكمنُ في الجندب في نصٍ من إبداعاتِ إيسا:

نسمةٌ باردةٌ

يُغني الجندب

بكلِ قواه

ما أسهلَ أن تستمع للجندب! فإيسا جعلَ للجندب خصوصيةً، وربما أنسنَ هذا الكائنَ. فليستْ كلُ الجنادب تمثل شبيهاتها في"التكوينة الجرادية" . في هذا الهايكو يبدو الكائن الوحيد ذاتَ صوتٍ حماسيٍ .. . في لحظةٍ معينةٍ وخاصةٍ يكون هذا الكائن مميزاً.  هذه الحيويةُ الواضحةُ لهذا الكائن تجعلُ حركاتهِ نبيلةً ومرحةً،  إنه ليس حشرةً عاديةً أو جندبا . إنه جندبٌ خاصٌ في مشهدٍ خاص.  

يعيشُ الهايكو لحظةً من الزمنِ ويعيشُ خصوصيتَها ومكوناتِها . ولابُد من وجودِ عنصرِ الصدقِ كأساسٍ في الهايكو .  لننظر إلي الحلزون في هذا الهايكو لديفيد كوب بانجلترا:

في الحديقةِ المظلمةِ

وميضٌ بعيدٌ

مسارُ الحلزون

يدلُ على الحلزون -أو حتى على غِيابِه – وميضٌ مضيءٌ ينيرُ  للحظةٍ طريقَ هذا الكائنِ. ربما كان يُلاحظ ُالشاعرُ العاصفة َالبعيدةَ في الحديقةِ ليلا. إنه الوحي: طريقُ الحلزون، هذا الممرُ الصغير، بقعةٌ،شيءٌ لامع . ربما انجذبَ الشاعرُ لبريقِ هذا المسارِ اللامعِ،أو ربما كان يرى الحلزونَ، وهذا الحلزون بطريقةٍ جديدةٍ، هو نوعٌ من الحضورِ في الغياب . وبصورةٍ شاملة يتواجدُ غموض خفيف كما لو يتراءى أمامك شبحٌ حي . فغموضُ مسارِ الحلزونِ أيضا يرتبطُ بغموضِ الضوءِ، كلاهُمَا يجلبانِ السُطوعَ والضوءَ إلى قلبِ الظلام.      

يخضعُ للصفصاف ِ

كلُ البغضاءِ والرغبةِ

في قلبِك

باشو 

(3) المشاعر والأحاسيس  Feeling and Emotion

أصبحَ الشعورُ العاطفيُ الناتجُ عن الاستعارةِ المطلقةِ مرتبطاً بأنواعٍ مختلفةٍ للقيمِ الجماليةِ للهايكو الكلاسيكي . Mono no aware (عشق الأشياء) هو مصطلحٌ شاملٌ يُظهرُ كيفيةَ تأثرِ الإنسانِ بالأشياء. هناكَ قيمٌ جماليةٌ أُخرى في الهايكو كالوابي (البساطة)، السابي (العزلةُ الغيبية) واليوجن (الغموض) . في كل حالةٍ من تلك الحالاتِ والقيمِ الجماليةِ يظلُ الشاعرُ تحت تأثيرِ شيءٍ ما في العالم .

خلافاً للشعريةِ الغربيةِ، فإنَ الشعرَ الشرقيَ يُركزُ على حالةِ الشعورِ العاطفي. فبدلاً من أن تكونَ الزهرةُ شيئاً لا معنى له، فإننا نجدُها تُعطى سياقاً يُشعُ بالمشاعرِ العاطفيةِ لشاعر الهايكو الياباني . هي ليست رمزاً، لكنَّ لها حضوراً وجودياً مُهماً. فهايكو باشو الذي أشرنا إليهِ من قبلُ يُظهر العلاقةَ الوجوديةَ لشاعرِ الهايكو بالكونِ والطبيعة، فالصفصافةُ مثلا في الرمزيةِ الغربيةِ تُشير إلى الحزنِ، وتبدو على عددٍ لا يُحصى من شواهدِ القبور، بينما تبدو صفصافةُ باشو كائناً في حدِ ذاته. هكذا يريدُ أن يقولَ لنا باشو مؤسسُ الهايكو الياباني: " لكي تتعلمَ عن شجرِ الصنوبرِ، اذهب إليه "، وكان يميل شيكي مؤسسُ الهايكو الياباني الحديث إلى رسمِ لوحاتٍ من الطبيعةِ متأثراً بالمدرسةِ الانطباعيةِ في الفن.

بالإضافةِ إلى ذلك، تجدرُ الإشارةُ إلى أن "الشُعور" في الهايكو لا يُقصد به المشاعرُ المباشرةُ في الشعر الغربي . لم يَعتد الهايكو أن يُعبرَ عن المشاعرِ الجياشةِ التي عادة ما تكون في التانكا. بدلاً من ذلك، فهي حالةٌ من الشُعورِ المُتبادلِ بين الشاعرِ ومادةِ الطبيعيةِ، حتى بالرغمِ من الجوِ العَاطفيِ الذي يكونُ غالباً انفعالياً ومُؤثرا، ويقومُ بعمليةِ توجيهِ علاقةِ الشاعرِ بمادةِ الطبيعية. فالهايكو الذي كتبه دانيال باي الفرنسي يعكسُ نظرةً ثاقبةً لطبيعةِ المشاعرِ بالهايكو:

اليومُ الذي تلى الألعابَ النارية

ومضاتٌ من العاصفة

في القصيدةِ تُمثلُ الألعابُ الناريةُ أشكالَ الإثارةِ التي تعْكسُ الخلفيةَ الثقافيةَ، وعادةً ما تثيرُ المشاعرَ الجياشة. فرُبما يكونُ وميضُ العاصفةُ الخاطفُ مُفاجئاً، ومؤكدٌ أنه حدثٌ طبيعيٌ يُثيرُ الرُعبَ في المُتأملِ .وأسلوبُ المؤلف إنعكاسيٌ،أكثر من كونه معبراً عن تلكَ المشاعرِ القوية. إنه يَخلقُ علاقةً مُفاجئةً بين حيويةِ الألعابِ الناريةِ بالأمسِ ووميضِ العاصفةِ في اللحظة الآنيةِ. في الواقعِ،إن الربطَ بين الوميضِ الطبيعيِ الناتجِ من العاصفةِ وبينَ اللألعابِ الناريةِ يُشكلُ الاستعارةَالمُطلقةَ التي تثيرُ الغموضَ المُطلقَ الناتجَ عن الانفجاراتِ الساطعةِ في السماءِ المظلمة.

"لا ينوي الإوز البري أن يعكس صورته

على صفحة الماءِ التي تأبى تلقيها."

من مقولات الزن

(4) التنحيSelflessness:

لو أن المفهومَ العاطفيَ يعكسُ مشاعرَ الهايكو، فإن مفهومَ التنحي غالبا ما يبينُ كيف يتواجدُ وعي الهايكو. لهذا السبب يفضل روبرت سبايز - الذي كان يعمل محرراً لمجلةِ الهايكو الحديث لفترة ٍطويلة من الزمن- مصطلحَ "الشعور" (الحواس المرتكزة على الطبيعة) على مصطلح " العاطفة"، (الشعور الذاتي الذي يرتكز على اللاعقلانية) في تناول شعرية الهايكو.

يُنكر الهايكو الأنا الذاتية، في الأساسِ الأنا الفرويدي وبنياتِها العقلية – أو ما يسمى بالعاطفة التي نجدها في في بعض تجارب الهايكو وتعتبر حائلاً يعترضُ مسار الهايكو .إن الإجراءات التجريبية والتفكير العقلاني الذي يشكلُ العقليةَ الغربية أيضا يمثل عقبة في هذا المسار . ففكرةُ العقلِ الفارغ في فلسفةِ الزن البوذية- الانفتاحُ على الظواهرِ- تؤدي إلى مناخٍ عقلانيٍ ملائم . تفسرُ تلك الحالةُ مقولةَ الزن " فكرٌ تلو فكر دون انقطاع. لكنْ إذا سمحتَ لهذه الأفكارِ أن تتشابك َ، فإنك تضعُ نفسك في العبودية. "

كيف لا يغرقُ المرء في تجربة ووعي الهايكو؟ هذا النصُ لكاي فوكمان يعطي لنا الجواب:

يتوقفُ المتزحلق

ليغادرَ الغرفةَ

إلى سكونِ الثلجِ

يصفُ أولُ سطرين من القصيدةِ ما يُسمى في فلسفةِ الزن بغيابِ " عقل القرد"، أي تدفقِ الفكرِ المستمر . ولا يمكنُ أن تحدثَ الاستنارةُ أو العقلُ الصافي، وضوحُ اللحظةِ الحاضرة للرؤية، حالَ حضورِ عقل القرد. في الواقع يجب على المرء أن يجعل عقلَه صافيا،ليسمحَ للأشياء أن تتحدثَ عن نفسها. فالظواهرُ في النص مثل توقف المتزلقِ، الثلجُ، سكونُه، يمكن أن تتحدثَ عن نفسها. هنا الأنا الذاتيةُ غائبةٌ تماما. فالشاعرُ، لا يوقف التزلقَ بإرادته، بينما يكونُ سكونُ الليلِ حاضرا . الأنا ليستْ ذاتَ أهمية. الأهمُ هنا هو سكونُ الثلج. فالتوقف هو مجردُ علامةٍ تشيرُ إلى سكون الثلج. من نواحٍ كثيرةٍ تُعتبر هذه القصيدةُ بمثابة نوعٍ من التجريب التنويري.

سأل راهب ليشان: ما معنى البوذية الآتية من الغرب؟

فرد عليه:"ليس هناك ثمة "ما""

لماذا؟؟

"فقط لأن الأشياء تكون كما هي" ؟ أجاب لي شان.

الزن

(5) لحظةُ الهايكو Haiku Moment:

يمكنُ تعريفُ لحظة الهايكو بأنها تزامنُ الخاصِ مع المطلقِ في لحظةٍ مُعينةٍ من الزمن. الهايكو إذن وعيٌ بالأشياء وبشكل أساسي هو رؤيةُ الأشياءِ على حالتها، كما يرى (ليشان بوذا)، أو كما يعتقدُ باشو في مقولته " تعلمْ كيف تستمعُ أثناءَ تحدثِ الأشياء لذاتِها .". ففي لحظةِ الهايكو لا يتدخلُ العقلُ مطلقاً في جوهر الأشياء. وتكمنُ عظمةُ الهايكو في إيحاءات الواقعِ كما هو بكلِ عجائبه وانطلاقاته .

من بينِ جميع الأشكالِ الشعريةِ يعكسُ الهايكو حالةً مؤقتةً، مزجاً مميزاً بين الخاصِ والمطلقِ في لحظة من الزمن . ينادي ادموند هيسرل بأن السمو يكمنُ في خصوصيةِ العمل الأدبي.

ذات مرة أخبرني واحد من أساتذة الأدب الياباني والرينكو أن الهايكو لحظةٌ عابرة. وفهمت من ذلك أنه تحدثَ عن القصيدةِ كشيءٍ مادي وكنوع أدبي . في جمالياتِ النصوصِ اليابانيةِ الكلاسيكية هناكَ لحظات ٌ استثنائية، لا يمكن تكرارُها بالمعنى الميتافيزيقي. ففي كلماتِ هيرقليطس " يمكنكَ أن تخطوَ في نفسِ النهر مرتين" فالنهرُ سيظلُ هناك، لكن طبيعتَه حتما ستتغير. ومع ذلك،ففي اليابان هناكَ أحجارٌ نُقشَ عليها نصوصُ الهايكو للقبضِ على تلك اللحظاتِ التي لا تتكررُ وللحفاظِ عليها.عندما نقرأُ هايكو معيناً للمبدعين اليابانيين القُدامى وحتى الأكثر حداثة، ربما نعيشُ لحظةَ شعورهم ضمنَ حدودنِا الثقافية، و نقتربُ من رؤيتِهم ونكملُ قوس الطاقة الذي يَصلُ الخاص بالمطلق. ولنتأملْ ذلك الهايكو الذي كتبه أكسينيا مخيلوفا البلغاري، والذي استطاعَ بطريقةٍ متقنةٍ أسْرَ لحظةِ الهايكو:

النافذةُ المفتوحةُ

الستارةُ القديمةُ

رتقتْها سحابةٌ رمادية

تمثلُ القصيدةُ لحظةً زمنيةً تلتقطُ الأشياءَ كما هي، فالنافذةُ مفتوحةٌ لتسمحَ بمرورِ الهواء المنعش. والستارةُ البالية التي تغطي النافذةَ بها فتحةٌ أو عدة فتحات . يتمتعُ هذا المشهدُ المميّز بخاصيةٍ مؤثرة من البساطةِ وفي تجاوبِ وتنامي الزمن مع أشياءٍ عادية مألوفة، ومع ذلك، بالصدفةِ، تتزامنُ لحظة الهايكو في النص، مع المشهد الذي تغطي فيه السحابةُ ثُقبَ الستارِ أو الثقوب المنتشرة بها.

يثيرُ هذا العمل بشكلٍ خاص شعورنَا تجاهَ البساطةِ الطبيعيةِ والغموضِ في النص. فالستارةُ لم يتمْ إصلاحُها على أرض الواقعِ،لكن هناك بالنص دلالةُ العلاقةِ الشعرية بين الإنسان والطبيعة، وبين الخاص والكوني. فالسحابةُ سوف تمرُ واللحظةُ ستنتهي، لكن في هذه اللحظة ترتقي البساطةُ بنوع من الفكاهة.

مفترشا حصيرة من القش في هذا الحقل

جلستُ وحدقتُ

في أزهار البرقوق .(بوسون).

(6) الطبيعةُ والجمالُ: Nature and Beauty

إن الجمالَ العاطفيَ للطبيعةِ موضوعٌ أساسيٌ في الهايكو الكلاسيكيِ الياباني. ولقد اضمحلت القضايا المتطابقةُ للشعورِ العاطفيِ والجمالِ كقضايا أكاديميةٍ منطقيةٍ في الجمالياتِ الغربيةِ في نهايةِ القرنِ العشرين. مع ذلك فكما ألمحَ شكسبير إلى أن" الوردة َتكونُ ذات رائحةٍ زكيةٍ حتى لو كان لها مُسمىً آخر" وكما نَّوه باشو في رحلتِه، وهو يتجولُ حول البِركةِ طوالَ الليلِ مُحدقاً في القمر. و هذه القضيةُ عالجَها رانسيتسو بالمثل في نَصِه:

أقحوان أبيض

أقحوان أصفر

أليس ثمة أسماء أخرى؟!

عَبَّر باشو عن موقفِه من الشعورِ العاطفي والجمالِ الطبيعي: فقد " كانَ مُطيعاً للطبيعةِ وللفصولِ الأربعة." لذا فإننا نجدُ الكيغو مُتصدراً المشهدَ في نصوصِ الهايكو الكلاسيكي، حتى في النصوصِ الشعريةِ التي كُتبت بشكلٍ جماعي كالرنجا نجدُها مُمتلئة بالزهورِ. وعلى الأغلبِ، فإن زهرةَ الكرزِ تكادُ تكونُ هي الوحيدةُ المعبرةُ عن الجمالِ والأكثرُ شيوعاً في اليابان. فعندما تُذكرُ كلمةُ " زهرة " في نصٍ ما، يُقصد بها زهرةُ الكَرز. وثمةَ علاقةٌ بين أزهارِ الكرز وأرواحِ آلهة الكامي والشنتو في اليابان قديماً، وهذه الزهرةُ تُعدُ معادلةً للهايكو في تجسيدِها للجمالِ الطبيعي. والنصُ الذي كتبه زوي سافينا الإغريقي يستكشفُ هذه المعادلة.

إزهارٌ مكتملٌ

في غيرِ وقتِه ومكانِه

أكاسيا تحت المطر

في الأساس تكونُ أشجارُ الأكاسيا استوائيةٌ ذاتَ مجموعاتٍ صغيرةٍ من زهورٍ صفراءَ أو بيضاءَ اللون.  يؤكد  الشاعرُ في نصهِ على الاستعارةِ المطلقةِ في لحظة الهايكو . فالأشجارُ لا تعكسُ الجمالَ فقط عبرَ الزهور. إن المطرَ يُظهرُ الجمالَ ويُبدى مفاتنَه  . وتسمو لحظة الهايكو بالجمال في القصيدةِ إلى درجةِ الخلود، كما هو جَلِّيٌ  في السطرِ الثاني. علاوةً على ذلك، يريدُ أن يتأكدَ الشاعرُ من وعيِ القارئ بطبيعةِ هذا الجمالِ السامي عبرَ التلميحِ في مطلعٍ النص إلى أن الأكاسيا تبقى كما هي لحظةَ الجمالِ الخاص.

كمْ أشتاقُ أن أرى

بين زهورِ الصباحِ

وجهَ الله!

"باشو"

(7) الكَمَال  Wholeness

تتضمنُ الاستعارةُ المطلقةُ في الهايكو حالةَ الكمالِ الذي من خلالهِ ننتقلُ من الخاصِ إلى المطلقِ. وهنا تعاودنا زهرةُ الكرزِ عند باشو، فهي تصنعُ معادلةَ الهايكو التي يتمُ فيها الكشفُ عن الإحساسِ الرُوحي المنشودِ في الجمالِ الطبيعي. وهذا الإحساسُ الروحيُ له مُكوناتٌ مختلفة. فعلى حدِ تعبيرِ الشاعرِ جاري سنايدر، الذي تدربَ كبوذيِ زن،"إن الوعي بالفراغِ يبعثُ قلبَ الشفقةِ" . وهذه الشفقةُ تجاهَ جميع الكائناتِ، - والتي تشكلُ أساسَ هذه النظرةِ الدينيةِ - مبنيةٌ على فكرةِ الفراغِ الكونيِ الذي تتقاسمُه جميعُ الأشكال.

"في الهايكو، يدعمُ مثلُ هذا السموُ في رؤيتِه لكل شيء الشعرَ المُرتَكِزَ على العاطفةِ تجاه الأشياء .فديانةُ الشِنْتُو تهبُ الصخورَ والأشجارَ والشلالاتِ نوعاً من القداسة.

من خلالِ مقولةِ الطاوي "ادخل السكون" يمكنُ للكمالِ أن يتحققَ في مثلِ هذه الحالةِ عبرَ التفاصيلِ الدقيقة للأشياءِ .لذا، ففي حالةِ السكونِ، سواء أكان في غابة جبلية نائية أو في مدينةٍ حديثةٍ مزدحمة، ستكشفُ الأشياء لك عن ذاتِها،وسينتجُ عن ذلك كلِه نوعٌ من البهجةِ والرهبةِ والاحتفاءِ والعَجبِ، وللحظةٍ ما، سَيتبدى لكَ الكمالُ. يُقدمُ Ion Codrescu الروماني هذهِ اللحظةَ من الكمالِ في نصِ هايكو:

بركةُ الحقلِ

يتوانى عبقُ الحصادِ

في الليلِ

في هذه القصيدةِ التأمليةِ تأثرَ الشاعرُ بمشهدِ البِركةِ في حَقْلِ المزرعةِ ليلاً. هُنا يركزُ النصُ بشكلٍ خاصٍ على حالةِ السُكونِ بلْ وعلى تجسيدِ السكونِ ذاتِه. فلا وجودَ لأيِ نشاطٍ يوميٍ في النص . فقد تمَ حصادُ الحقلِ. بينما يعززُ حالةَ السكونِ عبقُ الحصادِ والأرضِ الخاليةِ. ويصبحُ العبقُ "مجازًا عضويًا" للوحدةِ الخاصةِ والمُطلقةِ التي تَظْهرُ في الهايكو كنوعٍ من الكمال، وهي لحظةٌ رائعةٌ قد يصلُ إليها القارئُ أو المستمعُ. وذلك  المَعْنى السَامي للهايكو تؤكدُهُ مقولةُ الناقد الأدبي جورج شتاينر، "عندما يفرغُ الشاعرُ من كتابةِ نَصهِ، يُشرع ضوءٌ عظيمٌ في البُزوغ".

مختتمٌ:

من الضروري أن نُركزَ على جوهر الهايكو في هذه الحقبةِ من تاريخِ العالم. فالشعورُ والعاطفةُ يتمُ تهميشُهما في عصر ما بعد الحداثة. ونظرًا لأن الهايكو قائمٌ على الشعور، فإن قيم ما بعد الحداثة ستسلطُ الضوءَ على جوهر الهايكو من خلال الاهتمام بطبيعة الشعور. أيضا على المحك تطرح علاقة الهايكو بالطبيعة، لأن الطبيعة حاليا يبدو أنها في حالةِ تأزمٍ. فكلُنا نتوقُ إلى التواصلِ فيما بيننا وحتى مع العالمِ، في مسعىً مِنا إلى نوعٍ من الكمال. ويبدو حالياً أن الطبيعةَ والجمالَ ولحظةَ الهايكو، أو الالتفات للخاص أقلُ أهميةً في حياتِنا اليومية . ربما لهذا السبب، استحضر شوكان تاداشي كوندو الياباني ثورو عند مناقشة مشروعِه الذي يُشبه سايزيكي "72 عبارة سحر موسمية" في مؤتمر الهايكو الأوروبي الثاني، وأطلق على الهايكو "الشعر البيئي". قد تساهمُ استعارة الهايكو المطلقةُ على إنقاذِ مشاعرنِا وطبيعتِنا وجمالِنا. ويمكنُها أن تساعدَ في الحفاظ على إحساسِنا بالكمال - في عصرِ ما بعد الحداثة – أو ربما حتى في العالمِ ذاتهِ.

تذييل

بروس روس شاعرٌ وناقدٌ كندي، تولى رئاسةَ جمعية الهايكو الأمريكية، ودرَّس الهايكو الياباني من خلال ترجماتِه وألقى محاضراتٍ عن الهايكو في أمريكا وكندا واليابان ونيوزيلاندا ورومانيا . أصدرَ عام 2015  مجموعةً تحت عنوان " مختارات من الهايكو العالمي المعاصر. يعيشُ بروس روس حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

 

عبد الجبار نوريأنظر إلى السياب كيف يملي على شعرهِ الرمزية التصويرية بالأستعانة ب(الميثيولوجية)* والأشارات التأريخية، وهذا مقطع من قصيدته (أنشودة المطر) التي ترقى لأيقونة بارزة في الأرث الثقافي العراقي والعربي، وعليك أن تكتشف تلك المقاربات الفكرية في سير السرد النصي في شعر السياب وأليوت وأبي تمام:

أنشودة المطر

عيناك غابتا نخيلٍ ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار في نهرْ

أتعلمين أي مزنٍ يبعثُ المطر

وكيف يشعرُ الوحيد فيهِ بالضياع

بلا أنتهاء كالدم المراق، كالجياع

كالحب، كالأطفال، كالموتى هو المطر

فهو الشاعر العراقي الكبير "بدرشاكر السيّاب" 1926-1964، وُلِد بدر شاكر السياب في قرية جيكور تابعة لقضاء أبي الخصيب في محافظة البصرة، يعتبر السياب أحد مؤسسي الشعر الحرفي الأدب العرب، وكان لجمال الطبيعة في قريتهِ جيكور الخضراء الوارفة الظلال والمفعمة بالأزاهير والأثمار وغابات النخيل الباسقات ورقرقة الجداول التي تمرُ منها لتصب في شط العرب، كان هذا الجو الشاعري الخلاب أحد حوافز طاقات السياب الشعرية، وخلال مزاجاتهِ المتغيّرةِ في تغيّر المكان من جيكور إلى بغداد وإلى الكويت ثم ألى البصرة، والصدمة النفسية في وفاة أمهِ وهو في عمر ستة سنوات، ولم يصل لنهاية تجربة حب ناجعة مع حواءٍ، أضافة ألى قراراته السياسية في تغيير الأعتقاد الفكري، كل ذلك أثرت في تشكيل الذات عند الشاعر، وأباح عنها بأعظم القصائد رصانة ودقة وحقيقة وواقعية أبهرت العالم في أربعينيات القرن الماضي، في أمضاء كتابه المشهور " أنشودة مطر " التي تضمُ مجموعة أبيات في قصيدة غريب على الخليج، أزهار ذابلة عام 1947، أساطير وحفار القبور 1952، المومس العمياء 1954، منزل الأقنان 1963، أزهار وأساطير وشناشيل أبنة الجلبي 1964، وللعلم كان صدور ديوان أنشودة المطر عن دار مجلة شعر بيروت في العام 1960 بيد أن القصيدة كتبها عام 1954 في الكويت، وقصائد أخرى تعتبر من ألمع الدرر في الشعر العربي الحديث منها نهر الموت وجيكور والمدينة وبور سعيد، وكان قدرهُ أن يموت مبكراً بعمر 38 سنة بمرضٍ لعين تصلب عصبي في العمود الفقري، وسُدل عليه ستار النسيان والأهمال في مرضه ومماته من الحكومات العراقية المتتابعة ومن بعض جمهوروأدباء حساد لثورته الأدبية الحداثوية وأنجازمدوناته الرائعة والمتألقة، وكتبت بعض وسائل الأعلام المنصفين (أن السياب لا ينازع في عراقيته الصميمة والخالصة مع أنهُ لم يأخذ شيئاً من من تكريم وتقييم .

أسلوب السياب الشعري ومدى تأثره ب(أليوت وأبي تمام)، وقبل هذا أقول أن للسياب الأثرالأهم للتحوّلْ النوعي في خارطة الشعر العربي الحديث المعاصر وفي تيار الحركة الحداثوية الشعرية في تضاريسها وأدوارها:

-هو رائد الشعر الحر، بدأ بكتابة الشعر الكلاسيكي منتقلا إلى الشعر الحر لشعوره أن القديم لا يحقق مساعيه في أرهاصاته الداخلية في أعلان الحرب على الحرمان والفقر والموت، ولآنّهُ رأى في فلسفة الحياة مختصر الكلام (الصراع بين الفناء والوجود)، وأني أرى أنهُ ليس سوداوياً كما يزعم بعض النقاد لأنهُ بدأ بقصائد غلبت عليها الرومانسية متأثراً بطبيعة جيكور الخلابة ومفاهيم الحب وهو يقول في هذا المجال:

أشاهدت يا غاب رقص الضياء ---- على قطرةٍ بين أهدابها ؟

ترى أهي تبكي بدمع السماء ---- أساها وأحزان أترابها

وأفراح كل العصافير فيها --- وكل الفراشات في غابها

-السياب أكثر رغبة في توظيف الأسطورة والرمز في النسيج الشعري للواقعية الجديدة، وبانت جلية في " أنشودة المطر " التي وظّف فيها أسطورة عشتار، يقول:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

وعندما نقرأ للشاعر الأنكليزي (أليوت) هو توماس ستيرنز 1888 -1965 هو شاعر وناقد ومسرحي وفيلسوف أنكليزي أظهر في نصيتهِ الشعرية الرمزية والأسطورية ببعضٍ من الغموض والصعوبة، ويعكس التهاتف النفسي والحضاري لدى الأنسان الأوربي، وتوضحت فلسفتهُ الشعرية في قصيدته المشهورة (الأرض اليباب) The Wasta Land فالشعر الجيد في نظر أليوت هو قد يبلغ القلب قبل تمام الفهم، فهو من رواد الشعر الحر الأنكليزي، وقد تأثر به عدد كبير من الأدباء والشعراء والنقاد العرب، منهم على سبيل المثال لا الحصر: بدر شاكرؤ السياب ونازك الملائكة ولميعه عباس عماره ولويس عوض وصلاح عبد الصبور وجبرا خليل جبرا وأدةنيس ويوسف الخال ومحمود درويش، فأصبحت القصيدة المعاصرة أكثر وأغزرها في تناول الأنسان المعاصر في تراثهِ وحضارتهِ وأحداثهِ التأريخية وقضاياه الآنية: هنا مفترق الحديث حيث يأخذ الشاعر الأوربي بأتجاه حضارته الأوربية كاليونانية والرومانية والآخر في فضاءات الأدب العربي يتحه نحو جذوره التأريخية في بابل ووادي النيل، فشاعرنا السياب في الأربعينات كان واضحاً بمقارباتٍ نصية شعرية بما لدى (أليوت) من تركيز على التراث وأستخدام الأسطورة والرمز والأيحاء والأشارة التظمينية .

-وصراعات تغيرات المكان وأزماته الفكرية وشظف العيش وأفتقاده لحب أمرأة ضاعفت أشكالاته وتحولت إلى أزمة مزمنة نفّس عنها بقصيدة حنين لجيكور تعكس أستلابات المنفى والغربة والضبابية واليأس وبعضٍ من الشجون والأسى، ولكنه على العموم يطفح بالحنان والرقة ويتجه بها ألى (الرومانطيقية)* تلك النزعة الأدبية السائدة في الأدب الغربي الأوربي وهذه بعض أبياتها:

أه جيكور جيكور ما للضحى كالأصيل يسحب النور مثل الجناح الكليل

جيكور ديوان شعري، موعد بين ألواح نعشي وقبري

وفي قصيدة أخرى يقول:

لا تزيديه لوعة فهو بلقاك

لينسى لديك بعض أكتئابه

قربي مقلتيكي من قلبي الذاوي

تري في الشحوب سرّ أنتحابهِ . وأخرى:

ليت السفائن لا تقاضي راكبها عن سفار ---

أو ليت الأرض كالأفق العريض بلا بحار

متى أعود ؟ متى أعود؟

وا حسرتاه --- لن أعود إلى العراق ! .

-السياب رائد الحداثة الشعرية حيث لا يختلف أثنان في مدى شاعريته وجدارته في الأبداع الشعري بتعدد المستويات والمحاور، وكما تقول عنهُ الدكتوره ناديه هناوي في المنجز النقدي حول شعر السياب: (--- وكأنهُ متحف لكل ما عرفهُ النقد من مذاهب وأتجاهات أبتداءاً من التأريخية وأنتهاءاً بالبنيوية) أنتهى، حتى أصبح المنجز النقدي عن شعر السياب حالة نموذجية عصية الأستنساخ أطرتْ شخصنة السياب بالذات ويمكن أن يصطلح عليه أسم (نقد النقد) أو ما بعد النقد، وان رأي الناقد العربي أسعد رزوقي في كتابه الموسوم (الأسطورة في الشعر العربي المعاصر) الصادر عن دار مجلة الشعر اللبنانية: هو أنهُ يمكن الجمع بين خمسة من الشعراء العرب هم جبرا أبراهيم جبرا وأدونيس، وخليل حاوي، ويوسف الخال وشاعرنا بدر شاكر السياب، وأني أثني على رأي الناقد، لأن الأسطورة والرمزية تشكلان محور البناء النصي السردي لكينونة وصيرورة القصيدة السيابية والتي جاءت واضحة ومتماثلة مع الشاعر أليوت في توظيفه للأسطورة .

وهذه بعض أبيات من قصيدة (الأرض اليباب) لأليوت نرى واضحاً أستعماله تلك الأدوات الأدبية في الرمز والأسطورة وفوبيا المجهول الذي يسيرهُ الموت فتبدو متطابقة مع النصية الشعرية عند السياب:

دفن الموتى

نيسان أقسى الشهور،

يتناسل الليلك في البريّة الميّتة،

وتمتزج الرغبة في الذكرى،

تهتاج الجذور الشاحبة عطر الربيع،

أية جذورٍ متشبثة هذه؟ أية أغصان؟

تنبتْ من هذه النفاية الحجرية،

أخافُ من الموت بالماء،

أرى حشوداً من البشر يسيرون في دائرة .

-وأن بدر شاكر السياب متأثر بالشاعر "أبي تمام" في نصيّة المفردات الشعرية بأستعمال الرمزية والأسطورة، وهذه بعض من بائية أبي تمام المشهورة، الذي ربما تأثر بها السياب وهي قصيدة عموريا بالحقيقة هي ملحمة شعرية أكبر من أن تكون قصيدة:

السيفُ أصدقُ أنباءاً من الكتبِ ---في حدهِ الحد بين الجد واللعبِ

بيضُ الصفائح لا سود الصفائح --- متونهن جلاء الشك والريب

وأشعر أبو تمام في الحنين للوطن وقال

نقّلْ فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحبُ ألا للحبيب الأولِ

كم منزلٍ في الأرض يألفهُ الفتى

وحنينهُ أبداً لأول منزلِ .

أخيرا/ ربما قد تقارب الشاعر بدر شاكر السياب مع أليوت وأبي تمام في الرمز والاسطورة والحنين للوطن، بيد أن السياب تمكن من رسم شخصنته الشعرية المميزة وخاصة بأقتحامه للمنجز الأدبي العربي بنقلة نوعية من الرومانسية القديمة إلى عالم الشعر (الحر) الذي يلبي طموحات الأنسان في آماله وتأملاته الحياتية فالمجد لشاعر جيكور المجدد الحداثوي " بدر شاكر السياب " .

 

عبدالجبارنوري

كاتب عراقي مقيم في السويد

..................................

الهوامش والمصادر

-الدكتورة ناديا هناوي،كتابها المنجز النقدي حول شعر السياب

- أسعد رزوقي كتابه: الأسطورة في الشعر العربي المعاصر

- عبد الواحد لؤلؤة –اليوت أرض اليباب 1980

- عبدالجبارداود البصري –بدر شاكر السياب رائد الشعر الحر

- ديوان أبو تمام – الكامل

* الرومانطيقية: العاطفة قبل العقل

* الميثيولوجية: تعتمد الأسطورة والفنتازيا الخيالية في التأريخ القديم

 

محمد سعيد محفوظ من خلال كتاب: شرح المشكل لابن سيده

الما قبل والما بعد

لا جرم أن هذه الدراسة تسعى جهدها إلى إذكاء التواشج بين البلاغة والألسنية، وتهدف - فيما تهدف - إلى تنويع سبل هذا التعالق، متجاوزة المقاربة اللغوية التداولية؛ لأنها متجذرة بطبيعة الحال، إذ إن الألسنية وسائر المناهج الحديثة، التى اصطنعها نقاد الحداثوية استولدوها من رحم البلاغة الأم فتناتجت نظريات وطروحات غدت من الكثرة الكاثرة عسيرة الاستحصاء والاستقصاء؛ مما يشى بحيوية ومرونة بلاغتنا العربية؛ حيث إنها المهاد الذى يغذى كل أولئك بمقومات النماء والحياة والتطور.لقد عالج القرآن الكريم هذا المصطلح فى آيات كثيرة –بلغت خمس عشرة آية من آى الذكر الحكيم - ومواقف عديدة واتسع لمشاهد كاملة بين الأنبياء والمعاندين من قومه، كالذى دار بين سيدنا موسى وفرعون وسيدنا عيسى وبنى جِلْدته وكذا ذات الشأو مع سيدنا محمد وقومه وهكذا غدا لدينا رصيدا وزخما مذخورا، مما ينبى عن نظرية كاملة الأركان من استدلال وقياس ومبرهنات ودلائل ورؤى منطقية وتولد عن ذلك كله الاقتناع فالإقناع كما ورد حكاية عن قصة سيدنا ابراهيم مع النّمرود، وكيف تأدى به فى النهابة إلى الإذعان والتسليم، حين قال: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . (البقرة: 258)، وإذا كان (كل تواصل تحاجج وكل تحاجج نواصل) (1) كان لنا أن ندرك أن فنون القول بأقطبها حجاج وأنه مولود منذ نشأة الإنسان فاالمجتمع، أى مجتمع قائم على الاتصال.والتواصل . والجدير بالذكر أن دراستنا تتجه بكليتها صوب (علم المعانى) نظرًا لصياغته تحت وطأة عاملىْ الحجاج:  (لكل مقامٍ مقال، ومطابقة الكلام لمقتضى الحال) -

وتتمحور دراستنا حول: خطاب المتنبى الحجاجى: آلياته وبدياته ومنطلقاته.

الماهية بين الألسنية والحجاج البلاغى

فى ماهية الفصاحة: درج البلاغيون _ولا سيما ابن سنان الخفاجى _على أن الفصاحة خاصة الألفاظ، كما أنها صفة للكلام والمتكلم فضلاً عن المفرد (2) ثم إنهم اجتهدوا فى سن شروط الفصاحة تلك من "سلامة الكلمة من تنافر الحروف، ومما يوجب ثقلها على اللسان، وعسر النطق بها، وكراهيتها فى الأسماع، وأن تكون ذائعة على الألسن، وألا تتردد بين معنيين أوأكثر؛ فتحير القارىء أو السامع " (3) ولو أدرنا بصرنا ويممنا وجهنا تلقاء ابن سيده، لألفينا ذات المعنى لديه؛ إذ يقول معقبًا على بيت المتنبى آن مدحه لأبى العشائر:

قد هَذَبَتْ فَهْمَهُ الفَقاهَةُ لي     وهَذّبَتْ شِعريَ الفَصاحَةُ لَهْ

يقول": فقاهته فى الشعر قذ هذبت فهمه لى؛ باستحسانه ما أنقح من شعرى له؛ حتى ما يستحسن غيره من الشعر المتعسف المخشوب .وهذبت فصاحته شعرى له: أى لما علمت أنه فصيح، نقبت ألفاظ شعرى واستجدتها، فكانت فصاحته هى التى هذبت شعرى" (4)

ويزيد الأمر جلاءً إثر تعقيبه على هذا البيت الآتى:

وَمن بالشعبِ أحوجُ من حمامٍ.. إذا غنى وناح إلى البيانِ

أي إن أهل بوان أعاجم، لا يُفصحون، كما أن الحمام كذلك. وجعلهم أحوج إلى البيان من الحمام؛ وقد يَتَقَارب الوَصفان جدا.. وموصُوفا هُما مُتباعدانِ

أي هؤلاء الأعاجم في قلة الإيضاح، وعدم الإفصاح، كهذه الحمائم (5) .

ماهية الفصاحة بين الألسنية والحجاج البلاغى: إذا كان هذا هو شأن ماهية الفصاحة؛ فإن ماهية الحجاج تتمحور فى ذات السيق "إن الحجاج يرتبط بالمهارة التى تتطلب من المتكلم اختبار وانتقاء أفضل الألفاظ التى من شأنها إحداث تغييرات أو تعديلات على موقف المتلقى وقناعاته " (6) ويتآزر هذا القول الآنف ذكره مع الرأى القائل: "إن انتقاء الألفاظ لذو قيمة حجاجية " (7) ؛ بل إن الحجاج إنْ هو إلا "فعل لغوى" (8) وتتقاطع غاية الفصاحة –فى الفهم والإفهام –مع غائية الحجاج؛ فالحجاج "من مسلماته البديهية: الفهم والإفهام" (9) إذ إنه من أوليات آليات الحجاج؛ ويتوالد فى إثره الاقتناع، ثم يتوالى الإقناع.

اتفق مفهوم الفهم والإفهام عند (بيرلمان) مع الحجاج عند (الجاحظ) في البيان والتبيين - مع بعض الإضافات الطفيفة – يقول: "مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنّما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الأفهام وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع« (10) وتتوالى تقنية الاستراتيجية الحجاجية اللفظية تترى؛ ويكأن لب الفصاحة، لب الحجاج "إن انتقاء الألفاظ المكونة للحجاج بشكل دقيق وموجه لهو غاية الحجاج " (11) فهى ليست حينئذٍ رصًا؛ بيد أنها أنجع، ولهذا فاللغة ذات مكانة مائزة "فاللغة فى الخطاب الحجاجى تقوم بدور جوهرى وفاعل فى تحقيق التأثير والاستمالة؛ فالمفردات والتراكيب التى يختارها المتكلم لوصف حدث ما تعكس موقفه تجاه الحدث " (12) إن المرسل الذى يبتغى الإقناع وينشد إذعان المستقبل؛ لا ريب قوامه ثمّ اللغة، التى عبرها يطرح أفكاره ورؤاه ويردف حججًا تلو الحجج، وإذا ما كان الوعاء خاليًا من أى لغو ولغوب، نضراً حصيفًا فالموعى بالتبعية برىء من أى سوء؛ ممايتناتج عنه حجاج بامتياز.

إن الحجاج "ظاهرة لغوية تنبع من اللغة ذاتها" (13) إن انتقاء "العناصر المكونة للفعل الحجاجى –ومنها بالطبع اللغة –بشكل دقيق وموجه لهو غاية الخطاب الحجاجى " (14)

إن اللغة "تحمل بصفة ذاتية وجوهرية وظيفة حجاجية" (15)

فى ماهية البلاغة: ورد فى كتاب البيان والتبيين للجاحظ أن البلاغة "الإيجاز " (16) وقد أكد ذلك المتنبى حين قوله:

فكثيرٌ من الشجاع التوقيِّ             وكثيرٌ من البليغ الكلامُ

"فهذا الممدوح شجاعٌ بليغ قد بلغ الغاية في الفضليتين، فأبعدُ غايات الشجاع وأعلى منازله أن يُحسن التوقي من هذا الممدوح ولا يتحدث بالظهور عليه لأن ذلك منه سفهُ رأي. وأبعد غايات البليغ أن يقدم فيسلم عليه ولا يتحدث بإسهابٍ في مخاطبته ولا إطناب. ولأبى الطيب فضل ذكر الشجاعة والبلاغة في بيت واحد وإفراد كل واحد من الفضليتين بمصراع.

ماهية البلاغة بين الألسنية والحجاج البلاغى: يضطلع الإيجاز بدور فى الحجاج البلاغى؛ بله فى البلاغة؛ فلا مندوحة - بداهة –أن اللغة آلية فعالة فى العملية الحجاجية "فهى وسيلة لفرض سلطة على الآخرين من نوع استدراجهم إلى الدعوى المعبر عنها وإقناعهم بمصداقيتها بإيجاز " (17) لا بل الأوقع من ذلك أن السلم الحجاجى لا يؤدى دوره المنوط به إلا عبر "الاختبار اللفظى والتكثيف اللغوى وخصوصية البنية المجازية " (18) وإذا كان الإيجاز عدولاً عن الإطناب؛ فإن ذاك يسمى "عدولاً كميًّا مؤذنًا بتغير نوع الكلام من كلام ذى صبغة عادية إلى كلام ذى صبغة حجاجية " (19) و الباث يحرص الحرص كله على أن يصيب حجاجه لب المتلقى فى أوجز عبارة وأخصر لفظ؛ توجسًا خيفة أن يتسرب إلىه شيئًا من إطناب الكلام من تفريعات وتشجيرات وتكوثر فيتناسى ما كان بصدد إقناعه به؛ وهكذا تترافق الاستراتيجية البلاغية والاستراتيجية الحجاجية وكأنهما قدتا من رداء واحد، فالبلاغة "هى نظرية عامة للمحاججة بكل أشكالها الشرعية والسياسية والأخلاقية والجمالية والفلسفية " (20)

علم المعانى بين الألسنية والحجاج البلاغى: من المركوز فى الطباع أن بؤرة علم المعانى تتحوصل حول مراعاة ظروف المخاطبين، الذين يتحدث إليهم؛ فيأتى بكلام على أقدارهم؛ فيختار لهم من المعانى ما يناسب شعورهم وأذواقهم؛ ومن ثمّ يتوخّى من الألفاظ ما يليق للمعانى؛ فتقوده إلى التسليم لحجاج الباث؛ وتصيٍّره طيٍّعًا سلس القيادة،وعليه فإن ماهية علم المعانى تتبلور فى "تتبع خواص تراكيب الكلام فى الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عليها من الخطأ فى تطبيق الكلام على ما يقتضى الحال ذكره" (21) ويتقاطع هذا الكلام مع عمق القول القائل بأنه " هو علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال" (22) أى: لكل مقام مقال ولو قد " تتبعنا معنى الحجاج فى البلاغة العربية، فإنه يطابق معنى البيان، كما يطابق المقولتين الشهيرتين: لكل مقام مقال، ومطابقة الكلام لمقتضى الحال " (23) وتانك المقولتان ليشيان بتراتبية نسقية حجاجية؛ حيث أضمر الباث فى نفسه أمرًا واجتهد فى أن يتعالق مع ظروف المتلقى ولمّا كان الحجاج "عملية اتصالية تواصلية، يتضمن مرسلاً، ورسالة ومتلقٍ" (24) كان ذلك توافقًا مع ماهية علم المعانى، الناهض على أساسٍ من الاتصال والتواصل، والاستدلال كما هو ضارب بعمق فى علم المنطق، كذا فى علم المعانى؛ إذ به نستدل على صحة التراكيب اللغوية تحاشيًا من الوقوع فى الخطأ؛ حيث" يستدل بالمعلوم على المجهول" (25) بل إن الاستدلال "لا يقوم فى تقديرنا عليها علم البيان فحسب؛ بل يقوم عليها كذلك علم المعانى " (26) وإذا كانت سمات النص الحجاجى تتمفصل حول " القصد المعلن، والتناغم، والاستدلال، والبرهنة " (27) فإنها هى هى ما يوسم به علم المعانى، فكلاهما: لحمة وسداة وهناك من يوسم علم المعانى بأنه "البلاغة البرهانية" (28) ؛ أليس المنطق يوسم بأنه "العلم الذى يبحث فى القوانين العامة للفكر الصيح وتحديد الشروط التى بواسطتها الانتقال من أحكام فرضت صحتها إلى أحكام أخرى تلزم عنها لتجنب الخطأ" (29) وبذا تتعالق الماهيتان،ويصدق المنطق الأرسطى عليهما ظنه:

فكلا العلمين يدرس التغكير الإنسانى، واللغة وسيلة هذا التفكير الإنسانى؛ كما أن المفكر الإسلامى أبا حيان قد أقر بهذا آن قوله "النحو منطق لغوى، والمنطق نحو عقلى " (30) ومن المعروف سلفًا أن علم المعانى كان يوسم ب (علم معانى النحو) ثم اقتضب إلى (علم المعانى)

إن "انتماء علم المعانى لعلم النحو ليست مسألة خلافية؛ بل هى مسألة عقدية " (31)

ليست اللغة مجردة هى ما تثير العملية الحجاجية؛ وليست ألفاظها بمسترعية انتباها، ليس ذلك كله من شأنها؛ ولا تستأـثر بكبير أوقليل من وُكدها؛ حيث دورها المنوط "لا يندرج فى إثارة المشاعر والانفعالات فقط بالنسبة للمرسل إليه وإنما فى تقديم الحجج والأدلة وفق منطق يستميل هذا المرسل إليه، ويجعله موجهًا وممنهجًا لطريق الإقناع " (32) فالمرسل لا بد يعلم أنه وهو بصدد إقناع المستقبل، لابد أن حججه تضحى فى تراتبية منطقية تعتمد العقل وتحظى بالمصداقية لديه، وما من بد فى أن لغته من اللازب أن تتشح بوشائج العقلانية؛ فلا تغدو فى معرض عبثى فوضوى مهيع .إن علم المعانى حجاج بامتياز؛ كما أجمع على ذلك علماء اللسانيات؛ فكل" كلام يحتمل الصدق أو الكذب إما أن يرد على جهة الإخبار أو الاقتصاص، وإما أن يرد على جهة الاحتجاج والاستدلال" (33) ويتعالق هذا القول مع القول الآنى "لاخطاب بلا حجاج " (34) ولنا فى رسول الله قدوة حسنة فى ذلك؛ حين قال "أُمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم "؛ فالخلق أمشاج شتى من مذاهب ونحل ومعتقدات "ومقام الحال أمر لاغنى عنه متى رام الفعل فى الآخر وأراد إقناعه وعلى المتكلم مراعاة المتلقى أو الاستحواذ على انتباهه فى مرحلة أولى ثم الفعل فيه فى مرحلة ثانية وهو أمر قد أجمع عليه كل الدارسين المهتمين بالحجاج وأفانينه " (35) وتأسيسًا عليه؛ فإن الحجاج ليس فى نهاية الأمر سوى دراسة لطبيعة العقول، ثم اختيار أحسن السبل لمحاورتها ومداورتها، والإصغاء إليها ثم "حيازة انسجامها الإيجابى والتحامها مع الطرح المقدم، وإذا لم توضع هذه الأمور النفسية والاجتماعية فى الحسبان، فإن الحجاج يكون بلا غاية بلا تأثير" (36) هذا بله الوسيلة المنطقية "وتشمل كل الأدلة المنطقية والشواهد الخاصة والإحصاءات " (37) إن الحجاج البلاغى إنْ هو إلا"جنس خاص من الخطاب يبنى على قضية أو فرضية خلافية يعرض فيها المتكلم دعواه مدعومة بالتبريرات عبر سلسلة من الأقوال المترابطة ترابطًا منطقيًا قاصدًا إقناع الآخر بصدق دعواه والتأثير فى موقفه أوسلوكه تجاه تلك القضية " (38)

إننا فى مقابل منظومة يرفد بعضها بعضًا ويستقوى بعضها ببعض بغية إسباغ أكبر قدر من المصداقية على الخطاب البلاغى الحجاجى وذاك يتساوق مع استراتيجية النظرية الحجاجية التى لا توسم بأنها لغوية وحسب "إنها لا ترتبط بالمضمون؛ إنما ترتبط بقوة وضعف الحجج ومدى خضوعها لمنطق الصدق والكذب حيث ينظم المرسل حججه أثناء عملية التواصل وفق تراتبية تتحكم فيه معطيات متعددة؛ منها: منطقية عرض أفكاره، وطبيعة المرسل إليه والسياق المحيط بالخطاب الحجاجى " (39) .وعلى هذه الشاكلة لم يغفل الحجاج البلاغى العوالق المحيطة بالمتلقى، وكذا لم يضرب الذكر عنه صفحًا تمامًا تمامًا كما عظّمها علم المعانى فى غابر الأزمنة؛ ليس الحجاج –كما استبان لنا –حشدًا "للحجج وربط مفاصل الكلام وتعليق بعضه ببعض فحسب؛ بل يعنى كذلك جملة من الاختيارات الأخرى على مستوى المعجم والتراكيب وأزمنة الأفعال وصيغ الكلمات و أنواع الصور، واختيارات تراعى غاية الخطاب وتستجيب لعلاقة الشاعر بالمتلقى وتلائم وضع المتلقى ومقتضيات المقام" (40) إن العلاقة –والوضع هكذا –بين علم المعانى والحجاج البلاغى أحادية الاتجاه: فكلاهما مفضٍ للأخر؛ وكلاهما يتضمن الآخر ويحويه، إلى أن ينصهرا فى بوتقة واحدة، قوامها إقناع الآخر، وتقف بؤرة منطقية اللغة لتمثل المورد والمأم التى تتلاقى لدنها خيوط اللعبة بأقطبها؛ وإلا فما قولك حيال المنحى الذى يذهب إلى أن الحجاج البلاغى فى أدق وألطف ماهيته "إنجاز تسلسلات استنتاجية داخل الخطاب، إنجاز متواليات من الأقوال بعضها هو بمثابة الحجج اللغوية، وبعضها الآخر بمثابة النتائج التى تستنتج منها إن كون اللغة لها وظيفة حجاجية يعنى أن التسلسلات الخطابية محدودة ومنطقية بواسطة بنية الأقوال نفسها، وبواسطة المواد التى تم توظيفها وتشغيلها " (41)

ويمكن تمثل ذلك من ثنايا شرح المشكل من شعر المتنبى؛ حيث أتى يعجّ عجًّا ويضجُّ ضجًّا: أولاً: يدرك بوعى المفهوم الصحيح للمنطق فهمًا لا عوج فيه ولا لبس؛ بحيث إنك لو سبرت غوره لألفيتك حيال منطيق من مناطقة اليونان، ولاستوثقت من تطابق الماهيتين؛ يقول ابن سيده معقبًا على قول المتنبى:

ناشُوا الرماح وكانتْ غير ناطقةٍ    فعلمُوها صياحَ الطيرِ في البُهَمِ

وقوله:) (وكانت غير ناطقة، فعلموها صياح الطير): " يشعر أنها ناطقة إذا صاحت. وهذا مقطع شعري، لأن الصياح ليس بمنطق. وإنما المنطق عبارة عن النطق المتصور في النفس، وهي الفكرة الباعثة على المنطق" ((42)والواضح أن ابن سيده يعى تمامًا مفهوم المنطق؛ ذاك الذى يتجاوز مرحلة النطق ويتعداه بمراحل؛ إذ هو فكر ذو قواعد سليمة منضبطة فى شكل ألفاظ وجمل، إنه كلام باعثه الفكر ضابطًا له ومقننًا؛ وذاك هو لب علم المنطق كما قُعٍّد، وها هو يعود مؤكدًا أن لكل مخلوقٍ منطقًا خاصًا به؛ فاللطيور - كافة - منطق وعاه سيدنا سليمان

 بوحى من الله وأما قوله " وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِين (لنمل: 16) فإنما ذلك على أن الله قد جعل للطير ما تعبر به عن ذواتها؛ إلا أن ذلك لا يتأدى إلينا نحن؛ وإنما خصّ بفهمه سيدنا سليمان - 0عليه وعلى نبينا السلام –وذلك أنه فهم من نغم الطيور ما نفهمه نحن فى هذا النوع الإنسانى بالمنطق" (43)

ثانيًا: يعرف الأدوات المستفهم بها لدى علماء المنطق، ويحصيها كمًّا وكيفًا:

مَنِ اقتضى بسوى الهندِى حَاجتهَ  أجابَ كل سُؤالٍ عن هلِ بـلـمِ

فالسؤال: ليس عن (هل)؛ إنمّا المبحوث ب (هل) عن غيرها كقولك: هل فى العالم من خسوف قمر، فالسؤال إنما وقع عن الخسوف القمرى ب (هل) لا عن (هل)، وهى عند أصحاب المنطق أول منازل البحوث؛ لأنها إنما يسأل بها عن الآتية، لكن لمّا كانت (هل) منتظمة للقضية المسئول بها عنها وكانت تلك يتعدّى السؤال إليها ب (عن) استجاز أن يجعل السؤال عن (هل) اضطرارًا فهذا الاقتباس المسهب أبان أن (هل) تتبوأ صدارة المستفهم به؛ فهى أول منازل البحوث، هذا أولاً، كما أنها تنتظم القضايا الآنية، هذا ثانيًا، وحين سؤالها عن القضايا جاز سبقها ب (عن) ، هذا ثالثًا.

ثالثًا: أبان ابن سيده إلف المتنبى فى الفصل بين النظائر حين تعقيبه على هذا البيت:

أذا الغصنُ أم ذا الّدعصُ أم أنت فتنةٌ.. وذيّا الذي قّبلته البرقُ أم ثغرُ

وقد "اعترض السؤال عن الجملة، أعنى قوله: (أم أنت فتنتة) (بين أثناء الكلام عن الأجزاء،وأما هذا الفصل عندي بين النظائر بالغريب، فقلق غير متمكن، وهذا إنما (يحكيه أهل المنطقية (." (44) .

رابعًا: تكلم فى (مبدأ التناهى) وهو"مبدأ منطقى يزعم أن الأشياء يطالها النقصان إذا ما بلغت الغاية، وقد أقر به المناطقة قديمهم وحديثهم" (45) وقد أسفر حديثه عن هذا الفحوى، يقول متناولاً ذات المبدأ حيال بيت المتنبى القائل:

فُويق جُبيلٍ شاهِق الرأسِ لم يكن  ليبلُغهُ حتى يَكَـلَّ ويعـمـلا

"وأنما وجه تصغير التعظيم، أن الشيء قد يعظم، في نفوسهم، حتى ينتهي إلى الغاية، فإذا انتهى إليها، عكس إلى ضده، لعدم الزيادة في تلك الغاية، وها مشهور من رأى القدماء الفلاسفة الحكماء: أن الشيء إذا انتهى انعكس إلى ضده، ولذلك جعل سيبويه الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وهي نهاية التعدي بمنزلة الفعل الذي لا يتعدى إلى مفعول. قال: لأنه لما انتهى فلم يتعد صار بمنزلة ما لا يتعدى" (46) وهذا المبدأ كما هو، قارٌّ فى الحنس الأدبى، سابقًا الجنس الفلسفى المنطقى؛ إذ إن الأدب مادة الفلسفة والمنطق (47) وقد أسهب ذات القول فى مواطن أخرى من سفره وصحائفه النقاشة؛ ومنه تعقيبًا على قول المتنبى:

ولجدتَ حتّى كدتَ تبخلَ حائلًا.. للمنتهى ومن السروٍر بكاءُ

إن "شئت قلت: بلغ جودك الغاية. ومعروف أن الشيء إذا انتهى انعكس ضدا فكذلك جودك، لما انتهى فلم يك مزيدا، كاد أن يستحيل بخلا. وقوله: (ومن السرور بكاء:) أي: أعلمت أن الشيء إذا انتهى عاد إلى ضده كالسرور إذا أفرط كان بكاء" (48) وهذا البيت من طائفة الأبيات التى عابها عليه الثعالبى فى يتيمته؛؛ إذ يعج بالأفكار الفلسفية (49) وفى مناحٍ أخرى (50)

خامسًا: اعتماده التحليل المنطقى منهاجًا ونبراسًا؛ وصبّ ذلك فى قوالب علمية؛ تظهره لنا منطيقًا ولا أروع:

وشكيّتنى فقدُ السّقام لأنه قدْ كان لمّا كان لى أعضاءُ

"شكا فقد أعضائه؛ لأن السقام عرض والعرض لا يكون إلا فى الجواهر؛ فإذا عدم أعضاءه فقد عدم السقام" (51)

وقوله:

مهلاً فإنَّ العذلَ من أسقامهْ وترفّقا فالسمع من أعضائه

"والسمع: يجوز أن يكون مصدرًا، إلا أنه إذا كان مصدرًا؛ فليس من أعضائه؛ لأنه حينئذْ جنس، والجنس عرض، والأعضاء جواهر، والعرض لا يكون جزءًا للجوهر" (52)

وحرىُّ بنا أن نجلى هذا الأمر فنقول: إن ابن سيده لم يك ليتكلف ذلك من تلقاء ذاته؛ إذ الأمر إنما أتى على هذه الشاكلة؛ لأن المتن الشعرى للمتنبى اقتضاه؛ وباتت أشعاره ملأى "كانت أبيات المتنبى صدًى للنظريات الأفلاطونية الحديثة، ووحدة الوجود، يعرضها رجل قيل إنه مشرب بالفلسفة اليونانية" (53) لا جرم أن تكتسى عاطفة الشاعر بثلة من قواعد الفكر المنظم ضبطًا وتنظيمًا؛ فالحجاج يسعى بالمقومات العاطفية كما المقومات العقلية "جاز اعتبار الشعر ضربًا من الحجاج المغلب للمقومات العاطفية على حساب المقومات العقلية " (54) بيد أن شعر المتنبى قد استحال إلى نظريات وأطر ومسلمات وبديهيات وأسرف فى ذلك غاية الإسراف وأنفق الجهد كل الجهد ليمسى شعره ساحة جدال ومبرهنات رياضية ذهنية، لقد بات شعره "يستوعب الأفكار والصيغ الفلسفية فى قصائده ونماذجه حتى يتخلص قليلاً من صيغ الفن الثابتة وقوالبه العتيقة؛ إذ ذهب يقترض طائفة من الصيغ المذهبية أو الفلسفية " (55) وكما ألمحنا فى فائت السطور فلا "ضير مطلقًا فى انتفاع المتنبى بأرسطو أوغيره من الفلاسفة لأن الفلسفة صورة من صور التفكير العقلى..فما انتفاع المتنبى أوغيره بفلسفة من الفلاسفة؛ إلا إحياء لهذا التراث الإنسانى وربط لحلقات الفكر الإنسانى " (56)

سادسًا: ذكره لكثير من مبادىء المنطق والفلسفة؛ فاتسع إهاب شعره لذلك كله، وأتت لوحات فكرية، حرص الحرص كله أن ينضد بها شعره، ويحده بحدودها فتبدت أطرًا وقوالب وشلوًا إثر شلٍو ومن ذلك:

قاعدة (البرهان): وقد استجلبها استجلابًا آن قوله:

أسفى على أسفى الذى دلَّهمتنى عن علمه فيه علىّ خفاءُ

أى: أسفى على عقلى الذى كنت أحصل به أسفى..لكن هذا مقطع شعرى فلا تتقصين بالمنطق؛ فيفسد.وماأحسن هذا المثل العامى:  (الاستقصاء فرقة) ، ولا تستخفن بذكر هذا المثل؛ فقد ذكره أبو نصر الفارابى فى باب (من البرهان) (57) ويبدو لنا أن ابن سيده وعى مدى خطورة غلبة المنطق على الشعر وكيف أنه يذهب بحلاوة وطلاوة هذا اللون من الخطاب حين قوله: (فلا تتقصيَّن بالمنطق فيفسد) وأيّا ما كان الأمر فإن قاعدة البرهنة من مستلزمات الحوار الحجاجى؛ إذ تسانده وتسبغ عليه مقتضيات القبول والارتياح لدن المتلقى "فالبرهنة كل تقنيات الإقناع مرورًا بأبلغ إحصاء وأوضح استدلال وصولاً إلى ألطف فكرها وأنفذها " (58)

ب - قاعدة القياس: وهى الأخرى من مرتكزات علم المنطق ودواعيه، وبوساطتها ندرك مدى صحة المسألة، ومتى رام المتلقى تلك القاعدة فإنه بلا شك يحتهد طاقته فى إقناع الآخر ما وجد لذلك سبيلاً، ومتى طرقها؛ إنما لندرة أوعدم وجود أصل ثابت أوحكم قد ائتمر عليه الجميع وتواضعوا؛ بل عزّ عليه ذلك؛ ومن المحقق أن القياس ليس خاصة المنطق؛ بل كان شرعة ومنهاجًا لدن فقهاء المسلمين؛ فهو ورد مورود إلى الحجاج "وكل حجاج لابد له من قياس، ويتفرع إلى ثلاثة أنواع: قياس منطقى، وقياس مضمر، وقياس متدرج " (59) ومن المعهود أن القياس "صيغة شكلية لإثبات حقائق سبق العلم بها ولكن حصلت الغفلة عن جوانب منها فيأتى القياس المنطقى منبهًا عليها أو ملزمًا الخصم بالتسليم بها إن هو أنكرها " (60) ولايمكن تغافل حقيقة مؤداها أن القياس بنية أساسية فى كل خطاب حجاجى؛ إذ يعد أحد طرفى الاستدلال غير المباشر وأقومها إنتاجًا " (61) والقياس يجمع أشياءً قد تبدو متنافرة أشد التنافر والاختلاف؛ حتى إذا أفلح المتكلم فى تجذير وتبئير علاقة ما، استرعى ذلك، المتلقى وأبهرته تلك الإيديولوجية، ووجده ذا نفس فاعلة فكريًّا لا يخيب سهمها أذكتها الفطنة البراقة واللمحة الخاطفة، ـفما عليه ثمّ إلا الانقياد طواعية دون مكث؛ إنما هو رابطة القلوب بالعقول"القياس يجرى فيما تعيه القلوب وتذكره العقول وتستفتى فيه الأفهام والأذهان لا الأسماع والآذان " (62) وسفر ابن سيده طافح بذلك؛ ومنه:

وَقَدْ طرقْتُ فَتَاَة الحي مُرتدياً.. بصاحِبٍ غيرَ عَزْهَاةٍ ولا غَزِلِ

يقول: "طرقت هذه الفتاة مُرتدياً لسيفي. وجعله لا عِزْهاةً ولا غَزِلا، لأن الغزل في طريق القسمة. والعزاهةُ في طريق العدم. فيقول: سيفي صاحب لا يوصف بعزاهة ولا بغزلٍ. والجمادُ لا يقبل قسمة ولا عدَماً. فتفهمه فإنه معنى لطيف، وهو باب من المنطق حسنً) "(63)

ويستطرد فى ذلك استطرادًا حين قوله "ولولا أنه ليس من غرض هذا الكتاب لزدته بياناً. وقد يجب أن أعذر في قولي (العَزَاهةَ)، لأانه إنما قلته لمكان الغزل، وإن لم تستعمل العربُ (العَزَاهةَ) . وأقل من هذا العُذر يغنيني مع من عَلَمَ طريقة المنطق(64) وكذا قوله:

مابالُ كُل فُؤاد في عشيرتها.. به الذي بي وما بي غيرُ مُنتقلِ

أي: " به من الحب لها مثل ما بي. والذي بي مع ذلك منتقل وكان القياس، إذ كان بهم مثلُ ما بي، أن ينتقل عني حبُّها" (65) . يأتى القياس فى أبهى حلله متى استقرينا هذا البيت وشرحه:

أغرٌّ له شمائل ُ من أبيه ٍ غدًا يلقى بنوك بها آباكا

أى: "قد أخذت شبه آبائك، صورة وفعلاً؛ وبنوك يستكملون شبهك؛ لأنهم الآن يشبهونك بعض الشبه، إذ لم يستكملوا خصالك، فإذا استكملوها أشبهوك؛ وإذا أشبهوك وأنت تشبه أباك؛ فقد أشبهوا أباك؛ وهذا يتألف فى الشكل الأول من المنطق؛ تقول: زيد يشبه عمرًا وعمرو يشبه خالدًا، النتيجة فزيد يشبه خالدًا " (66)

ولئلا يكون الوُكد تسويد الصفحات وكفى لسردنا المزيد (67)

حقًّا لقد أفاد "المتنبى من حكم أرسطو وأضاف إليها ضروبًا من الأقيسة المنطقية الدقيقة حتى ينال ما يريده من الدوى العالى؛ إذ نراه يقول مستعيرًا مصطلح (القياس الفاسد):

بشرٌ تصورُ غايةً فى آيةٍ  تنفى الظنونا وتفسدُ التقييسا" (68)

ج - الجوهر والعرض: لا يكاد شرح ابن سيده يخلو من تلك الثنائية التلازمية؛ من ذلك:

كأنَّه زاد حتّى فاض عن جسدى  فصار سُقمى به فى جسم كتمانى

أى: "زاد حبى حتى سقمت، فغاض بعض سقمى إلى جسم كتمانى، فمرض الكتمان؛ فالجسم جوهر، والسقم: عرض " (69) الإحالات والتعليقات

 

الدكتور: محمد سعيد محفوظ عبد الله

باحث وأكاديمى

.......................

 (1) د/طه عبد الرحمن - اللسان والميزان أو التكوثر العقلى –ط المركز الثقافى –الدار البيضاء –المغرب 1998م ص226

 (2) الجاحظ - البيان والتبيين – تحقيق/عبد السلام هارون –ط المكتبة التوفيقية –القاهرة 1960م 1/94

 (3) ابن وهب - البرهان فى وجوه البيان – - تحقيق د/أحمد مطلوب –د/خديجة الحديثى ط دار التضامن –ابغداد –العراق 1967م ص150

 (4) أبو هلال العسكرى - الصناعتين –تحقيق د/ مفيد قميحة –ط المكتبة التجارية - القاهرة - 1965م47

 (5) المصدر نفسه ص51

 (6) المصدر نفسه 416

 (7) أبو الوليد الباجى - المنهاج فى ترتيب الحجاج ––تحقيق الدكتور /عبد ىالمجيد تركى –ط دار الغرب الاسلامى –لبنان –ط2 1987م ص8

 (8) انظر فى ذلك: أيمن أبو مصطفى - تأصيل الحجاج فى البيئة العربية - –شبكة ملتقى أهل التفسير بتاريخ 29/3/2013 .

 (9) ابن رشيق القيروانى _ العمدة فى صناعة الشعروآدابه ونقده - تحقيق /محمد محى الدين عبد الحميد –ط دار الجيل –بيروت 1981 - 1/203

 (10) حازم القرطاجنى - منهاج البلعاء وسراج الأدباء - تحقيق /الحبيب بن خوجه - ط دار الغرب الإسلامى –تونس 1969 - ص62

 (11) د/محمد الولى - مدخل الى الحجاج –– مجلة عالم الفكر –الكويت - 2011م مج 3/ ع40/33 - 34

 (12) د/محمد العبد - النص والخطاب والاتصال - ط - الأكاديمية الحديثة للكتاب الجامعى –القاهرة - 2005م ص33 - 34

ص187

 (13) د/ محمد سعيد الغامدى - اللغة والكلام فى التراث النحوى العربى ––مجلة عالم الفكر –مج34/ع3/2006م ص69

 (14) انظر: ابن سنان الخفاجى - سر الفصاحة_ _تحقيق عبد المتعال الصعيدى ط.مطبعة أولاد صبيح –القاهرة - سنة 1953 ص55

 (15) المصدر نفسه ص56

 (16) ابن سيده - شرح المشكل من شعر المتنبى –– تحقيق أ/ مصطفى السقا - د/حامد عبد المجيد ط الهيئة المصرية العامة للكتاب –القاهرة سنة 1976ص139

 (17) د/محمد العبد - البلاغة والخطاب والاتصال ––الأكاديمية الحديثة للكتاب الجامعى –القاهرة - ط1 - سنة 2005ص197

 (18) د/جميل عبد المجيد - البلاغة والاتصال –ط - دار غريب –القاهرة –سنة 2000م ص106

) 19) د/حسن خميس الملخ - الحجاج: رؤى نظرية ودراسات تطبيقية - –ط - عالم الكتب الحديث –إربد –الأردن - سنة 2015م ص19

 (20) د/طه عبد الرحمن - فى أصول الحوار وتجديد الكلام– ط المركز الثقافى العربى –المغرب سنة 2000 م ص109

 (21) الجاحظ - البيان والتبيين –مصدر سابق –1/103

 (22) المصدر نفسه ص21

 (23) د/عبد الله صولة - فى نظرية الحجاج –دراسات وتطبيقات ––ط - مسكيليانى للنشر –تونس –سنة 2011م ص36

 (24) د/محمد طروس - النظرية الحجاجية من خلال الدراسات البلاغية والمنطقية واللسانية –المركز الثقافى –الدار البيضاء –المغرب - سنة 2010م ص40

 (25) أبو الوليد الباجى - المنهاج فى ترتيب الحجاج – مصدر سابق - ص8

 (26) د/أبو بكر العزاوى - اللغة والحجاج ––ط.الدار البيضاء –المغرب - 2006م ص8

 (27) الجاحظ - البيان والتبيين ––مصدر سابق - 1/97

 (28) ابن سيده - شرح المشكل من شعر المتنبى مصدر سابق - ص174

 (29) د/محمد العبد - النص الحجاجى العربى – دراسة فى وسائل الإقناع - مجلة فصول سنة2002م ع60/44

 (30) المصدر نفسه ص63

 (31) د/عبد الله صولة - فى نظرية الحجاج –دراسات وتطبيقات – مصدر سابق - ص126

 (32) ديكرو - القاموس الموسوعى الجديد لعلوم اللسان ––ترجمة /منذر عيّاشى –المركز الثقافى العربى العربى –الدار البيضاء –المغرب –ط2 2007م ص163

 (33) السكاكى - مفتاح العلوم –تحقيق /نعيم زرزور–ط.عيسى البابى الحلبى وأولاده - القاهرة –سنة 1927م ص77

 (34) الخطيب القزوينى - الإيضاح فى علوم البلاغة –ضبط –عبد الرحمن البرقوقى –مطبعة السنة المحمدية –القاهرة سنة 1981م ص12

 (35) أ/ عباس حشّانى - مصطلح الحجاج –بواعثه وتقنياته – - مجلة المخبر –الجزائر - سنة 2013م ص267

 (36) فيليب برطون - الحجاج فى التواصل–ترجمة –د/محمد مشبال وعبد الواحد التهامى –المركز القومى للترجمة –القاهرة –سنة 2013م ص14

 (37) ابن جنِّى - الخصائص–تحقيق د/محمد على النجار –الهيئة المصرية العامة للكتاب –القاهرة –سنة 1999م 2/356

 (38) د/شكرى المبخوت - الاستدلال البلاغى–دار المعرفة للنشر –تونس - 2006م ص29

 (39) البلاغة والاتصال –ص106

 (40) بيرلمان وتيتيكاه - مصنف فى الحجاج –ترجمة الباحثة /أنوار طاهر –ط دار الرشيد –بغداد –العراق - 2012م - 1/13

 (41) د/ عبد الرحمن بدوى - المنطق الصورى والرياضى ––الكويت –سنة 1977م ص13

 (42) أبو حيان التوحيدى - الإمتاع والمؤانسة –دار المكشوف - بيروت سنة 1969م ص24

 (43) إبراهيم مصطفى - إحياء النحو –الأنجلو المصرية –القاهرة –سنة 1971م ص56

 (44) د/جميل عبد المجيد - البديع بين البلاغة العربية واللسانيات النصية - الهيئة المصرية العامة للكتاب - 0القاهرة - 1998م ص57

 (45) منهاج البلغاء وسراج الأدباء –حازم القرطاجنّى –تحقيق الحبيب بن خوجه –دار الغرب الإسلامى –تونس - 1969م ص62

 (46) د/ طه عبد الرحمن - اللسان و الميزان أو التكوثر العقلى – المركز الثقافى –الدار البيضاء –المغرب 1998م ص57

 (47) د/سامية الدريدى - الحجاج فى الشعر العربى القديم من الجاهلية إلى القرن الثالث الهجرى – بنيته وأساليبه –د/سامية الدريدى –دار إربد الأردن - 2008م ص15

 (48) د/ عبد الرحمن حسن حنبكة الميدانى - ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة ––ط.دار القلم –سوريا 2002م ص227

 (49) المصدر نفسه ص228

 (50) د/حبيب أعراب - الحجداج والاستدلال الحجاجى –عناصر استقصاء نظرى –مجلة عالم الفكر –الكويت –مج30/ع1/100

 (51) د/حمو النقارى - التحاجج: طبيعته ومجالاته ووظائفه –مطبعة النجاح الجديدة –الدار البيضاء –المغرب - 2006م ص59

 (52) حازم القرطاجنِّى - منهاج البلغاء وسراج الأدباء - مصدر سابق - ص71

 (53) أبو بكر العزاوى - اللغة والحجاج مصدر سابق - ص11

 (54) ابن سيده - شرح المشكل من شعر المتنبى - ص291

 (55) المصدر نفسه ص293

 (56) المصدر نفسه - ص292

 (57) د/ حسن بشير صالح - علاقة المنطق باللغة عند فلاسفة المسلمين–دار الوفاء –الإسكندرية - 2003م ص197

 (58) ابن سيده - شرح المشكل من شعر المتنبى مصدر - سابق - ص70

 (59) انظر: د/ محمد شفيق - فى الأدب الفلسفى –د/محمد شفيق –مؤسسة نوفل –بيروت –لبنان - 1980م ص112

 (60) ابن سيده - شرح المشكل من شعر المتنبى مصدر سابق - ص90

 (61) انظر: الثعالبى: يتيمة الدهر فى محاسن أهل العصر - تحقيق /محمد محيى الد ين عبد الحميد - ط.دار الفكر –بيروت –لبنان 1975م ا/172

 (62) انظر: ابن سيده: شرح المشكل: ص71، 72، 73، 159، 209

 (63) المصدر نفسه ص85

 (64) المصدر نفسه ص209

 (65) د/بلاشير: أبو الطيب المتنبى –دراسة فى التاريخ الأدبى –ترجمة د/إبراهيم الكيلانى - دار الثقافة والإرشاد –دمشق - 1975م ص53

 (66) د/ محمد الولى - مدخل إلى الحجاج –مجلة عالم الفكر - 2011م مج3/ع40/11

 (67) د/ شوقى ضيف - الفن ومذاهبه فى الشعر العربى –ط.دار المعارف –ط1 1970م ص325

 (68) د/ عبد الرحمن محمد شعيب - المتنبى بين ناقديه فى القديم والحديث - ط.دار المعارف –ط2 - 1964 ص244

 (69) ابن سيده - شرح المشكل من شعر المتنبى – مصدر سابق - ص85

 (70) د/ سعيد يقطين - انفتاح النص الروائى –النص والسياق –المركز الثقافى العربى –الدار البيضاء –المغرب ط2 - 2001م ص137

) 3 (الحجاج: رؤى نظرية ودراسات تطبيقية - د/حسن خميس الملخ –ط - عالم الكتب الحديث –إربد –الأردن - سنة 2015م ص19

(9) فى أصول الحوار وتجديد الكلام –د/طه عبد الرحمن –المركز الثقافى العربى –المغرب سنة 2000 م ص109

 

رحيم الغرباويفي أحيان كثيرة يجسد الشعر رحلة عذاب وألم، ومحنه فادحة إذا ما عاش الشاعر في عصر المحن بوصفه الصوت الذي يعبر عن لهاث المظلومين والفقراء والمساكين في زمن تشيع فيه روح الانكسار؛ نتيجة الظروف القاهرة التي تسود البلاد .وكلما ازدادت المعاناة نطقت القصائد بها كأنها نيران مراجل، ويبدو أنَّ الشاعر العربي لاسيما العراقي في تاريخنا الحديث والمعاصر وهو من يمثل أبناء جيله يواجه كثيراً من الظلامات التي تسببها السياسات الخاطئة، ما يجعله يبوح بصراخه شعراً، إذ نرى شعوره فيه أمَّا متألماً أو رافضاً أومبتئساً، وفي عصرنا الحاضر كما في الأمس يعبّرعن مصير أبناء شعبه في حين بلده يساق نحو المجهول؛ نتيجة للأوضاع السياسية القاسية التي أناخت كلاكلها فيه، ما يجعله يعبَّر عن رفضه للواقع المزري الذي نفد منه الصبر .

ولما كان الشعر سلوكاً وجدانياً ينشط في الإنسان عندما يحل به الكمد أو الحزن، الفرح أو الغبطة، فيتمرآى في وجدانه فيضطر أن يبوح به، للتعبير عما يستشعره، لذا نجده مؤثراً، كونه نابعاً من جوهر الشعور الإنساني العالمي الذي ينبثق بالقوة نفسها لدى جميع أبناء الإنسانية حين يكون صادقاً في التعبير عن هواجس صاحبه تجاه قضاياه الإنسانية.

وقصيدة (انتظارات) للشاعر سامي مهدي، هي واحدة من القصائد التي وثَّقت معاناة الشاعر، وهو يعبِّر عن محنة وطنه في ظل الأحداث التي يمر بها البلد من ظلمٍ وجور وتقتيل وفساد، يقول :

بعد هذا الطريق الطويل

بعد هذا العناء المُحمَّل بالممكن المتوقَّع

والمشتهى المستحيل

ما الذي يتبقَّى في يدِ الاحتمالات

غيرُ انتظارِ غدٍ غامضٍ

وولادةِ مسخٍ هزيل . ؟

ولعله يتذمر لأنَّ طريق النضال كان طويلا والجميع يتأمل خيراً لكنه مشوب بالشك، فالطريق الذي آثره المناضلون أخيراً هو طريق لم يتَّسم بالاستقامة، وأنَّ المشتهى فيه بات مستحيلاً، وإن كانت الاحتمالات فيه مطروحة، لذا نراه يتساءل عن تلك الاحتمالات التي ليس لها سوى انتظار أملٍ يستشعره قائماً بيد أنه يراه بعين المستبصر ولوداً لمسخٍ هزيل، أي أنَّ الأمر ليس كما يرام، بل يراه مثقلاً بالشؤم والبؤس اللذين يؤديان إلى نتائج هزيلة .

ليسَ ثمَّةَ ما يُبهجُ القلبَ في ما نراه

فالهواء تعفَّنَ

حتى استوى في العفونهِ

ما لامستهُ وما لم تلامسهُ مِنَّا يداه:

عَفَنٌ في الحروب

عَفَنٌ في القلوب

عَفَنٌ في الجراح

عَفَنٌ في الشَّجر

عَفَنٌ في الحجَر

عَفَنٌ في أشعةِ شمس الصباح

وأبخرةُ الدم لمَّا تزلْ في ثقوبِ الأنوف

والحتوف

شُرَّعٌ كلُّ أبوابها

وألوفُ الألوف

تتضوَّر في بؤسِها .

فهو يشير إلى البؤس الذي يعيشه أبناء الوطن، إذ ليس من بهجةٍ تراها القلوب فالهواء تعفَّن وحين يتعفن الهواء يبدو كل شيء مرعِباً، إذ لاحياة ستستمر مادام الوباء يطفح في الأفق، فالحروب والجراح والشجر والحجر وحتى أشعة الشمس،   تلوثت من فداحة الظلم والتقتيل، فأبخرة الدم تجتاز الأنوف كناية عن القتل الجماعي اليومي الذي ساد البلاد وأفنى العباد، بينما الحتوف مشرعة أبوابها وما التفجيرات والقتل على الهوية ماهي إلا سلسلة مميته من الإرهاب الذي ساد البلاد، فتضورت الناس من فرط بؤسها عليهم.

ولعله يوعز بذلك التقتيل إلى جهات خارجية وأذنابها في الداخل، فراحت تقتل وتسفك الدماء من أجل مشاريعها الوضيعة كتجارة الأسلحة والنفط وغيرها بينما الناس تموت بدمٍ بارد، فهو يقول :

والمزادات مفتوحةٌ

وسماسرة السوق لاهون

إلا عن البيع

أمَّا المفوَّض في أمرنا

فهو يهبرُ من لحمِنا

ما يرى فيه من مشتهاة .

فهو يشير إلى المفوَّض في أمرنا إلى تجار الموت من السياسيين المتعاقبين على حكم البلاد، إذ لاتهمهم أرواح الناس، فصاروا يهبرون من لحمنا من دون مشتهاة، ثم يتساءل، فيقول :

ما الذي نرتجيه إذن، من زمانٍ عليل

وقرود تقلِّب دفَّتهُ، وهي سكرى

بما شَرِبت من دماءِ القتيل ؟

ما الذي يتبقَّى لنا في يدِ الاحتمالات

غير انتظارِ غدٍ غامضٍ

وولادةِ مسخٍ هزيل .

فيرى أنْ لارجاء في هذا الزمان العليل الذي تقود بلدنا فيه القرود الذين ليس لهم سوى مصلحتهم النتنة، وهي يعيشون سكارى بدم أبناء الوطن، فنراه يائساً من كل ما قرأه عن الساحة السياسية من احتمالات، فوجد مستقبلاً منكسراً، بل وفي انتظار مسخ هزيل، وهي رسالة لجميع الحكام في العالم ممن تسببوا في قتل أبناء بلاده من أنَّ  الدم المراق ماهو إلا رسالة الحرية والسلام اللذين اغتيلا بقتل المطالبين بهما، وأنَّ الدم المراق لن يذهب سدى، فمن اغتيل ستظل تحمل صوته قصائد الشعراء ورسائل الأدباء للأجيال التي ستقع على عاتقها مهمة النضال من أجل الحرية والعيش بسلام .

 

بقلم: د. رحيم الغرباوي

 

هما قصتان عنون الكتاب بإحداهما، وقد يكون ذلك في تسليط أكبر على قصة تحمل روح العصر المتخيل الذي كان كافكا يراه في كل زمن، حتى وإن كان قد كتب القصة الأولى، والثانية ببعد نظر واستشراف كبيرين، ينتظران من الكتاب المبدعين عادة، وكيف إن كان ذلك فرانز كافكا بالذات!.

يسرد النقاد الكثير بشأن أسلوب كافكا في الكتابة السريالية، الرمزية، الواقعية، التي تتصدر مراحل مختلفة من حياة هذا الأديب منذ كان طفلا، انتماؤه اليهودي الذي يُختلف حول تأثيره، وعدم الخروج منه عند البعض، وطفولته المعروف فيها معاناته مع والد قاس، ثم اضطرابه في الحب، إلى غير ذلك من الخلفيات التي يُقرأ منها الكاتب، ولعل من أهمها وصفه بالكاتب الساخر والذي يرى حاضرا بشدة في قصتيه اللتين جمعهما عنوان القصة الأولى، أو الرئيسة إن صح القول.

العقاب الذي يصوره كافكا ينفذ من خلال آلة جهنمية، خطط لصنعها عقل جهنمي حقا بما أبدع من إجرام يسلب المحكوم حياته بطريقة فنية محكمة لم تتخلّ عن الدقة في استنزاف الحياة ممن يقع في قبضتها، وتشهد تفاصيلها بمدى ما ينتظر ذلك المحكوم من القسوة، والفظاعة حتى يفارق الروح التي لو خُيّر لاختار الميتة الأسرع والأقل عناء. فالقارئ أمام ساحة إعدام حقيقية يشهدها بجميع تفاصيلها، حيث تستبد الوحشية في التفاصيل التي تتلبس القارئ بدءا من سطور الوصف الأولى، سخرية في جميع تلك التفاصيل، سخرية ممن يجرم في حق المستضعفين الذين يقولون لا لسيدهم، سخرية الموقف الذي يقفه الذي يحكم عليه بالإعدام من الضابط الذي يكلف بحراسته، حين يغفو، وهو المفترض به التيقظ الدائم، وإلقاء التحية أمامه بين الساعة والأخرى، حكم العسكر الذي يتسلسل حتى هذا الزمان، والذي يُسحق في طريقه المستضعفين، الذين قد يكونون في لحظة يقظة قد استيقظوا، أو قد يكون الرفض قد سقط من ألسنتهم سهوا دون عمد، إذ في حالة هذا الذي سينفذ فيه حكم الإعدام قد يكون الرفض جاء منه كمن يهذي ولا سيما أنه كان نائما وبعد منتصف الليل، ولو كان صاحيا لما كان تجرأ على ذلك الرفض، شأنه شأن الكثيرين المطالبين بالحرية من حكم العسكرة في تلك الأزمنة، وفي هذا الزمان. ربما تختلف آلة الموت تلك التي وصفها كافكا بدقة عن آلات الموت التي تستخدم في عصرنا، ولم تصل إلى مستوى الإتقان في الصنع التي سرد دقائقها كافكا، لكنها بالطبع تؤدي الغرض نفسه، وقد يكون افتقار صانعيها الحاليين إلى الإبداع الأدبي الذي ألهمه كافكا هو الذي  جعلها في مستوى أقل من التصنيف الشكلي، كما أنها في الوقت نفسه تفوقت حقيقة في إجرامها ولا إنسانيتها إن صح التعبير، فافتقرت إلى حشو المحكوم بالحلوى قبل تنفيذ حكم الإعدام به، وافتقرت إلى وجبة الأرز المطهو ذي الرائحة الساخنة الشهية التي يُكافأ بها المحكوم الذي ليس من الممكن له أن يرفض ذلك مطلقا، قبل أن تستنزفه إبر "المسحاة" التي تنقش جسده نقشا زخرفيا جميلا تسيل معه دماؤه بلزوجة مفرطة، ولعله نقش أريد به أن يرافق صاحبه إلى الفناء ليوثق جرمه أمام الله في رفض الانصياع إلى سدنة الأرض ، ومتسيديها، حتى لا يقبل منه التشفع، ولا يوهب الشفاعة ولا الرحمة.

اختراع يعتز به الضابط مبدعه بشكل كبير، ويأسى لأن المخصصات له أصبحت أقل، فغدت معه الآلة لا تعمل بالشكل الذي يتوقعه لها، وإن كانت لم تتوقف عن هدفها الأساسي في سحق الحياة ممن يمددون عليها، كما يأسف لأن النظرة للإعدام صار فيها شيء من الرفض، خفّت حدّتها، ويأمل في المستكشف الذي يشرح له عمله العظيم أن يكون مقدرا لعظمته، مناصرا له أمام المنددين والمنحسرين الذي كانوا من قبل يشكلون أعدادا  هائلة في حضور مشاهد الإعدام.

 

أمان السيد

كاتبة / أستراليا

 

 

تمهيد: بعد الضغط الكبير الذي شهدته الساحة النقدية في ظل الحداثة وما بعد الحداثة، وبسبب التراكم المناهجي الذي أفرزته المسارح النقدية الغربية الحديثة والمعاصرة، ما بين المناهج النصانية، السياقية، الثقافية، الإحصائية والتكاملية، جاء النقد الذرائعي ليخفف هذا الضغط وينظم الممارسة النقدية من خلال تسطير آليات ومداخل أقل ما يقال عنها أنها تحتوي النص من القشرة السطحية إلى أعمق نقطة فيه، آخذة بعين الاعتبار المؤلف والنص وكذا جميع الجوانب البيئية التي تحتضن اللحظة الإبداعية وما تخلفه هذه الجوانب في النص، إذا الذرائعية اللغوية هي مشروع نقدي وظيفي وتنظيمي لتأطير العملية النقدية وتخليصها من الخلط المنهجي والمفاهيمي الذي نتج عن الفوضى العارمة التي عانى منها النقد العربي لردح من الزمن. وهو خيار يجب الإقرار بمدى جدواه إذا ما عايننا بشيء من الموضوعية الآليات النقدية التي سطرها المنهج الذرائعي، والمداخل التي أطرت في مباحثها كل ما من شأنه أن يؤدي إلى احتواء النص

وكذلك رصانة الأعمـال النقدية التي قدمت في منجزات أدبية وفق هذا المنهج، والتي يحمل لواءها الناقد الذرائعي "عبد الرحمان الصوفي من المغرب والدكتورة عبير يحيى من سوريا الشقيقة.

أما عن الرؤية الشمولية والتكاملية التي ميزت الذرائعية، فإنه حتى إذا قلنا بأن النقد الذرائعي نقد تكاملي فإن المنهج التكاملي الذي نادى إليه الكثير من النقــــاد بعد أن أعيتهم النــــواقص في كل منهج من المناهج الســـــالفة الذكر، فتبقى القيمة المضافة التي جاء بها هذا المنظر هي تحديد المداخل النقدية للنص وتنسيقها بشكل يسهل على الناقد مواجهة النص دون الولوج في كوكتال من الآليات التي يستقيها من جميع تلك المناهج أو من بعضها على الأقل بحجة خصوصية النص الأدبي وحاجته إلى منهج متكامل يتناول النص والكاتب والبيئة والظروف الزمنية والتاريخية المنتجة.

وهو إنجاز يحسب له بغض النظر عن الأصالة أم التغريب، وليكن من ذلك نظرة منصفة للمنهج ولصاحبه، فحتى المنظرين الغربيين أنفسهم الذين جاؤوا بمناهج أسرعنا إلى تبنيها بدءا بالبنيوية وما بعدها وعلم العلامة ونظرية التلقي لم تكن في منأى أبدا عن التراكمات العلمية والفلسفية ولم تكن أصيلة، وإنما كانت هجينة في كثير من مباحثها. وهذه طبيعة العلم، فإذا كان كل شخص يأتي بمنهج أصيل ويتنزه عن الأخذ بما سبقه من العلم لكان أبلها يعزف خارج السرب. ولا أدري السبب الحقيقي الذي يقف خلف هذا الإعراض عن هذا المنهج من قبل المعترضين.. الذين أشعلوا نارا بلا حطب.. وهذا غريب ومستنكر إذا ما قورن بالإقبال خلف منجزات غربية أحيانا تكون مفرغة من قيمها تماما، حتى أن مقدميها أنفسهم لا يعرفون ما هي النتيجة المتوخاة من هذا النقد وعلى سبيل الذكر التفكيكية.

وعلى كل حال فإن هذا المنهج ورغم ما حيك حوله من مكائد قد انتشر بصورة كبيرة تبعث الأمل، وإن كان ما يزال لم يتبوأ المكانة الحقيقية التي تليق به بعد.

 وفي هذ المقال سنحاول أن نتناول المنهج الذرائعي مصطلحا ووظيفة حتى يتعرف القارئ على طبيعة هذا النقد ولكل الحق بأن يدلو بدلوه على أن يكون ذلك بعيدا عن التطرف والتعصب...وبعيدا عن التجذرات الثقافية المثقلة بالمفاهيم الخاطئة حول ما نسميه بالنقد العربي.

1- ما هو المنهج الذرائعي:

المنهج الذرائعي، هو منهج نقدي شمولي، يتوافر على معايير نقدية دقيقة وعملية لمواجهة النص الأدبي بصيغة فاعلة، بعيدا عن الإنشائية الفارغة، واضعه هو عبد الرزاق الغالبي وقد ابتدأ الكاتب بوضع ثلاث مجلدات حول هذا المنهج ألحقها فيما بعد بمجلدين آخرين، وقد لاقى هذا المنهج الإقبال في الوسط النقدي بعد العداوة والرفض اللذين ووجه بهما في بداية مساره، ويبدو أن تلك المواجهات السلبية كانت ناشئة من قبل بعض الحاقدين والحاسدين الذين اعتادوا على اللهث خلف خطوات الغرب دون وعي، وأنا شخصيا أرى أن المنهج لا بأس به من الناحية العلمية والعملية على السواء، على الأقل أمكنها احتواء النص الأدبي واختزال الديناميكيات المتعددة والغير الناضجة في المناهج الأخرى لأنها جاءت متفرقة، وأرجح أن الذين رفضوا هذا المنهج هم من الذين سيطرت عليهم عقدة الدونية أو الفوقية ففقدوا الثقة في المنجز النقدي العربي، وكان ينبغي لهؤلاء أن يتعاونوا على دراسة المنهج الجديد بعين موضوعية بعيدا عن المعتقدات في مجالس علمية وتدقيقه وتطويره ما أمكن ليصبح طفرة نوعية في النقد العربي وقفزة يخلدها التاريخ، ولكن لا حياة لمن تنادي!

3- مصطلح الذرائعية:

لا أريد أن أدخل في متاهات حول مصطلح الذرائعية لأن المنظر عبد الرزاق الغالبي قد أفاض في الحديث عنه في كتابه "الذرائعية اللغوية بين المفهوم اللساني والنقدي" ومع ذلك أود أن أشير إلى أن الذرائعية اللغوية هي خيار ذرائعي للمنظر ذاته نظرا للمحاور المتشابكة التي تربط المصطلح بجذور فلسفية، وتراثية عربية.

ومما جاء في هذا السياق في الكتاب ذاته، قول المنظر عبد الرزاق <...وشدتني تلك المحاولة بقوة أن أوسم رؤيتي النقدية التي صدرت في كتابي الموسوم "الذرائعية في التطبيق/عام 2017 بهذه التسمية، واجهت تلك الرؤية وتطبيقاتها سيل من الاعتراضات والانتقادات، خصوصا تلك التسمية، وربطها بأفكار (جون ديوي)، وهذا بحد ذاته شيء غريب من المعترضين، لسبب بسيط، وهو أن تيار جون ديوي هو تيار فلسفي نفعي ظهر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والذرائعية اللغوية تيار لساني ظهر لأول مرة في السبعينات، يعني في نهاية الربع الثالث من القرن المنصرم أي يفصل بينهما قرن كامل من الزمان، ومن منطلق مبدأ "العلم فضولية وجدل" ما شجعني وجعلني أوسم كتبي بـ(الذرائعية)> الذرائعية اللغوية بين المفهوم اللســــــاني والنقدي، عبد الرزاق الغـــــالبي، عبير يحيى، ص9.

وقد أكد الكاتب في السياق ذاته أن هذا الخيار ليس إلا محاولة منه لتوضيح الفرق بين التيارين بغض النظر عن التسميات التي جاءت عن آراء ترجمية تتوزع بين ما يخص الاستعمال، وما يخص الأصل في المعنى والمفهوم، ليضع على حد قوله المعترضين على جادة الصواب بأن الذرائعية اللغوية والتداولية هما معنى وتيار واحد، غير تيار (جون ديوي ووليم جيمس وتشارلس ساندرس بيرس)

ويذهب الكاتب أن الذرائعية هي التداولية وأن الاثنين هما موضوع لغوي بلاغي واحد عربي الأصل اكتشفه الغرب أخيرا تحت اسم البراغماتية.

إذن ببساطة وحسب ما ذهب إليه الكاتب بأن التداولية هي الذرائعية وأنهما ذات منشأ عربي الأصل، وأن العرب كانوا يمارسون ما تعلق منهما من مفاهيم حتى قبل أن يظهر هذا المفهوم نفسه(ينظر المرجع نفسه، ص10

وبهذا يكون الكاتب قد أسند مشروعه النقدي إلى قاعدة تراثية عربية أصيلة لا يمكن زعزعتها ولا الطعن فيها، بيد أن هذا المشروع قد جاء أكثر نضجا ورصانة مما جاء في مباحث النقد العربي القديم. وقد اعترف الكاتب أنه قد اطلع على كل ما جاء في النقد الحديث العربي والغربي وكذلك القديم، وقد وصف أن ما جاء في النقد العربي لا يمكن تزكيتها كمشاريع حقيقية لأنها مثقلة بالتقليد الأعمى والسطحية والإنشائية الفارغة. وأن معضلة الترجمة قد أحدثت شرخا كبيرا في مفاهيم النقد العربي الحديث.

4- كيف يعمل المنهج الذرائعي؟

 المنهج الذرائعي هو منهج يواجه النص الأدبي انطلاقا من رؤية شمولية تنطلق من ظاهر النص/ الشكل لتصل إلى أعمق نقطة فيه، فاسحة المجال لرصد الخلفيات الأخلاقية والنفسية والسلوكية عند الكاتب وكذلك رصد خصوصياته الإبداعية الفنية والجمالية والأسلوبية، وذلك عبر عدة مداخل محددة، مستندا في ذلك إلى الكثير من النظريات الفلسفية والعلمية والأدبية..ومعتمدا التحليل والتوصيف والنقد الموضوعي والرؤية المنصفة للكتابة والكاتب، دون إكراه النص على ما هو ليس له من باب إخضاعه للمنهج النقدي المتبع، والابتعاد عن النقد الإنشائي الفارغ، خاصة فيما يتعلق بالمدخل الرقمي الساند الذي يقنن العملية النقدية ويبعدها عن الإفراط في الأخذ بالانطباعية والذوق الخالص، وهذا ما يجعل العديد من النقاد يصلون إلى النتيجة ذاتها في مواجهتهم لنص واحد، لأن الأمر انتقل من الأهواء إلى الدقة النقدية العلمية.

وما يميز هذا المنهج قدرته على احتواء النصوص كلها، باختلاف الجنس والنمط على أن لكل نص خصوصياته ومن هذه الخصوصية تتشكل خصوصية النص النقدي أيضا، وليس العكس، كما نجد في الكثير من الدراسات النقدية التي تخنق خصوصية الإبداع بخصوصية المنهج تقليدا للآخر، مما ينتج لنا صورا متشابهة لنصوص نقدية عقيمة تطغى عليها المصطلحات والمفاهيم النقدية أكثر مما تكون مقـــاربة لنص بعينه، ضاربة بعرض الحائط حقيقة أن لكل عمل إبداعي قانونا ينظمه ويحكم سيرورة التشكل والتكوين فيه، وحركة الإبداع وحركيته في الإنشاء النصي..

وهذا إن دل على أمر فإنما يدل على أن المنهج الذرائعي هو منهج تكاملي قبل كل شيء، وعندما نقول إن هذه النظرية النقدية شاملة، فمن الضروري أن تكون في مباحثها وأطروحاتها قادرة على استيعاب كل مباحث الأدب نقدا وإبداعا، وأن تحصر قوانينه وأنظمته وترصد حركيته ضمن أنســـــاق متغيرة، عموديا وأفقيا، فالشمولية ليست نقدا آنيا ولا تاريخيا بل هي الفهم الحقيقي لهذه الحركة مصحوبة بدوافعها ومفسرة بآلياتها ونتائجها، فلكل حقل فكري مجالات حركته وحدودها، وهذا ما يشكل جنسه وماهيته، فالأدب مثلا كما يقول واضع النظرية الذرائعية ومؤسسها في مقدمة كتابه جوهره الخيال ومادته اللغة وخــاصيته الجمال، وهذا مـــــــــا سعت إليه الذرائعيـــــــة، حيث استطاعت أن تفهم جوهر الأدب الذي هو ببساطة شكل ومضمـــــــون، يتضمن الشكل حدود الجنس وجماليته، بما فيها القيم المضافة التي يقترحها التجريب والإبداع، والخيال والاحتكاك مع الواقع. في حين يتضمن المضمون مبدأ الالتزام بكل ما يخدم الإنسان ولا يجرح كيانه.

لكن قد يسأل سائل: إذا كان الأدب فن، فكيف يمكن أن يخضع للعلم؟ هل يمكن أن يتحول الفن إلى علم؟ أو العلم إلى فن؟

هناك علوم معيارية، ومعاييرها مطلقة، وهناك علوم نسبية، فالأدب ليس علما معياريا لكنه يحتكم إلى قوانين دقيقة في نسبيتها، فعندما نقول إن الخيال والجمال هما مادة الأدب، فإن النقد يستعين بآليات يمكنه أن يعرف من خلالها قيمة الخيال في العمل الأدبي من غيره، والأمر نفسه بالنسبة للعناصر الأخرى. وخير مثال على معيـــــــــارية وعلمية النقد الأدبي نظريـــة التجنيس، فالجنس الأدبي محكوم إلى معايير وخصائصه تميزه عن بقية الأجناس الأخرى، ومن خلالها يمكننا معرفة إلى أي جنس ينتمي كل نص أدبي.

لكن هل ما يجب أن يركز عليه الناقد الأدبي هو الذوق أو المعيار؟ وهل يمكن لهذين الجانبين أن يلتقيا فيما يخدم العمل الأدبي؟ وما موقف الذرائعية من هذا؟

ينتظم الحس النقدي في الذرائعية بالمعيار، فلما لم يكن هناك بد من تدخل الذوق في الحكم النقدي فإنه يحتكم إلى المعايير، والمعيار مؤسسة في عدة مداخل أسسها المنظر عبد الرزاق الغالبي في نظريته، وهذه المداخل تمكن الناقد من الإحاطة بالنص كله، بدءا بقشرته وصولا إلى أعمق نقطة فيه، إذا فالذرائعية تكافئ الناقد والمبدع والعمل الأدبي، فهي ثلاثية الأقطاب.

 ودعني في هذا الصدد أعرض بعض ما قاله منظر المنهج عبد الرزاق الغالبي في  المنهجية الذرائعية في كتاب "الذرائعية في التطبيق في تحليل النص الأدبي العربي فقد جاء في ( الذرائعية في التطبيق / لكاتبه عبد الرزاق عودة الغالبي ) ما يلي: (اطلعت على جميع الكتابات والأفكار والرؤى والنظريات النقدية، وقرأت أحمد أمين ومحمد غنيمي وجاك دريدا وعبد المنعم عجب الفيا ونقد التفكيك، وكراهام هاف، والدكتور عبد الكريم أسعد قحطان وأنريك أندرسون آمبرت، والدكتور وليد قصاب وآثرأزابرجر وعبدا لله غادومي والدكتور سعيد علوش وعباس العقاد وأحمد غنيمي وسوسير وكرماس وآخرين ...وخرجت بحصيلة لا بأس بها من الأدب الرصيــن عراب المجتمع، وهو رباعي التكوين من سلوك نفسي وتقمص وجداني وعقل معمد بإحساس عال، يتناص مع تجارب المبدعين في المعمورة، وفن تشكيلي مموسق، أما النقد فهو عراب الأدب والأديب، وهو أهم علم من علــــوم الأدب، وتلك بديهية لا تحتاج إلى إثبات أو تحقيق، لكن ما أريد قوله، مع أهمية النقد للأدب وللمجتمع، فإني لم أجد سوى كتاب في النقد ولم أعثر على نقاد متخصصين في العلم، أو نقد علمي متخصص، يقود المتلقي نحو القراءة النقدية الصحيحة والمبسطة للنصوص، والتي توازي الطوفان المرعب في الكتابة الأدبية العربية، ومما يحز في النفس أن غياب التحليلات النقدية عن الساحة العربية المترعة بالقديم والحديث، ساعد في نشر الجهل الأدبي الأكاديمي بمعارف النص والتنصيص ومفـــاصل العمل الأدبي، الشعري والنثري، وما ساعد على ذلك، هو التمرد على التجنيس، ذلك المسلك الذي أشاع الفوضى والقبح بشكل النص العربي الجميل ... كانت الذرائعية الحل الأمثل لكونها رؤية نقدية تطبيقية مستندة على أطر ومداخل علمية كل شيء يذكر خلالها، ولا تتيح خرما للإنشاء الفارغ والكفيف وغير المستند على قواعد نقدية رصينة)

كما يقول أيضا:

(كانت الذرائعية، الحل الأمثل لكونها رؤية نقدية تطبيقية مستندة على أطر ومداخل علمية لكل شيء يذكر من خلالها، ولا تتيح خرماً للإنشاء الفارغ والكفيف، وغير المستند على قواعد نقدية رصينة، فهي مثقلة بنظريات نفسية وفلسفية تساعد المتلقي والناقد بالدخول إلى أي نص بشكل ذرائعي علمي، وباعتمادية إدراكية واعية بالتحليل العميق لعناصر العمل الأدبي المتقن، بشكل دقيق ومدروس، يساعد الناقد على الغوص في مكونات النص باحترام وحرفية عميقة، ولا تقوم الذرائعية بتخريب قشرة العمل الأدبي الخارجية الجمالية، كما تفعل بقية النظريات النقدية، بل تهتم بالشكل والمضمون بشكل متواز و احترام واتزان نقدي متباين، ولا تعمل كالنظريات النقدية المادية، التي لا تنظر إلى أي نص بتكامل"

إذا فإن المنهج الذرائعي يعتمد على عدة مداخل نقدية تمكن الناقد الذرائعي من التنقل بينها قصد سبر أغوار النص ودراسة ديناميكياته المختلفة، وآلياته الإنتاجية فضلا عن بيئته المنتجة وكاتبه، وهذه المداخل هي:

المنظور الاستنباطي والتعمقي

المدخل السلوكي

البناء الجمالي والبلاغي

المدخل العقلاني

المدخل اللساني

درجة العمق والانزياح نحو الخيال

الموسيقى الشعرية

المدخل البصري

الخلفية الأخلاقية

تجنيس النصوص

البؤرة الأساسية الثابتة في النصوص.

ثم المدخل المدهش في النظرية وهو التحليل الرقمي الذرائعي الثابت.

كل هذه المداخل قد طبعت النقد الذرائعي بالموضوعية و الدقة العملية وبهذا يكون المنهج الذرائعي منهجا متكاملا قادرا على احتواء النص الأدبي من عديد الجوانب المتعلقة به.

 

كتبت عقيلة مراجي

 

علي القاسميالإنسانية والسرد: السرد جزء من النشاط الإنساني، قديمٌ قِدم اللغة نفسها. فمنذ أن نطق الإنسان ورواية الأحداث تشكِّل قسطاً كبيراً من فعاليَّته اللغوية. وأدى تقدّم الإنسانية إلى ظهور الأشكال الفنية للسرد: قصة، رواية، مسرح، سينما، تلفزيون، يوتيوب، إلخ. وقد عرفت الحضارات القديمة أنواعاً من السرد، شعراً ونثراً. فقد أبدع الأدب السومري "ملحمة جلجامش" شعراً (حوالي 2700 ق.م.) ودوّنها بالخط المسماري على الرقم الطينية، وأبدع الأدب الفرعوني قصة " بحّار السفينة الغارقة" نثراً (حوالي سنة 2000 ق.م.) ودوّنها على الورق البردي.

القصة القصيرة قطعة من السرد النثري المكثف يمكن قراءتها في جلسة واحدة؛ فهي تتناول أحداثاً قليلة وشخصيات محدودة، وتركِّز على تطوّر حدث واحد لتنتج أثراً واحداً. وعناصرها الأساسية هي: الافتتاح أو تقديم الفضاء والشخصيات الرئيسة، والحدث الذي يثير الصراع، والأزمة وخيارات البطل، والذروة، والحلّ. ومن حيث الشكل، تقع القصة القصيرة في وسطِ مربعٍ أضلاعه: الشعر، والرواية، والمسرح، والريبورتاج الصحفي. وقد يقترب شكلها من أحد إضلاع هذا المربع أكثر من غيره.

والقصة القصيرة نوعٌ أدبي جديدٌ نامٍ ما يزال يتطور، ولم يستقر بعد. ولعل هذا هو السرُّ في قوته. فقد نشأت القصة القصيرة الحديثة في أوربا خلال القرن السابع عشر من تقاليد الحكي القصصي الشفهي ذي الجذور العربية. وسجّلت حضورها في أمريكا خلال القرن التاسع عشر . ويرى بعض النقاد أن كتاب السرد الأمريكيين في النصف الأول من القرن التاسع عشر استعاروا شكل الحكاية القصيرة من الكتّاب الألمان مثل فيلهلم كلايست، وإي. تي. أي. هوفمان وغيرهما وطوروه ليلائم الصحف الأمريكية بحيث وصلوا إلى نوع القصة القصيرة الذي نعرفه اليوم. ومن أبرز كتّاب القصة القصيرة في أمريكا في القرن التاسع عشر ناثانيل هوثورن (1804 ـ 1864)، وإدغار ألن بو (1809ـ1849) الذي يُعدُّ أبا القصة البوليسية وأبا قصة الخيال العلمي.

وفي مطلع القرن العشرين، كانت هنالك عشرات الدوريات التي تحتفي بالقصة القصيرة وتفرد زاويةً خاصة لها وتدفع المال لكتّابها، ومن أشهر هذه الدورات: أتلانتك مونثلي، هاربرز مكزين، ذي نيويوركر، سكرابنرز، ذي ستردي إيفننغ بوست، أسكوار، وبوكمَن؛ وكانت تنشر قصة قصيرة على الأقل في كلِّ عددٍ من أعدادها.

وفي بداية القرن العشرين، اشتهر أو هنري (وهو الاسم الأدبي للكاتب وليم سدني بورتر (1862 ــ 1910). بقصصه التي لقيت رواجاً وإقبالاً شعبياً. وكان قد بدأ بكتابة القصة في السجن بعد أن أدانته محكمة سنة 1898 باختلاس أموالٍ عندما كان يعمل في أحد البنوك في مدينة أوستن. وعندما كنتُ طالباً في جامعة تكساس في أوستن حوالي سنة 1970 زرت داره التي حوّلتها الدولة إلى متحف، فقالت لي عجوز تعمل في المتحف وكانت في طفولتها جارة للكاتب، إنه رجل شريف وبرئ ويتهمه الناس بالاختلاس، لا تصدّقهم. والآن يقول النقاد الأمريكان: “ ليس من المؤكد إذا كان قد اقترف الجريمة فعلاً”، وخلّدوا ذكره بإنشاء جائزة للقصة تحمل اسمه.

الجيل الضائع والقصة القصيرة:

الأمريكيّون مولعون بإطلاق الأسماء على تجمُّعاتهم الأدبيّة وحركاتهم الفكريّة. وفي تاريخ الأدب الأمريكيّ خلال القرن العشرين، نلفي مجموعتَين من الأدباء الذين أَثْروا هذا الأدب وأثَّروا فيه، وهما: " الجيل الضائع" و " الجيل المُتعَب".

أُطلِق مصطلح " الجيل الضائع" على مجموعة من الأدباء الأمريكيِّين الشباب الذين رأوا أنَّ الثقافة الأمريكيّة لم تصبح ثقافة عالميّة متنوّعة، وإنَّما كانت آنذاك ثقافة انكلوـ سكسونيّة بروتستانتيّة حصراً، فحزم بعضهم أمتعتهم ورحلوا إلى باريس والمدن الأوربيّة الأخرى، ليستمتعوا بالحرِّيّة الفكريّة والثقافة العالميّة، وذلك بُعيد الحرب العالميّة الأولى (1914 ـ 1918)، وكان معظمهم قد اشترك في معاركها، وأُصيب بخيبة أمل ومرارة بسبب النتائج الإنسانيّة الكارثيّة التي تمخّضت عنها تلك الحرب التي اشتعلت نيرانها بسبب المنافسة بين الدول الاستعماريّة الكبرى، وتمّ خلالها تعبئة حوالي 65 مليون جندي ، وبلغ عدد القتلى العسكريِّين الذين سقطوا إبان المعارك أكثر من 8 ملايين جندي. فالحروب تصيب قطاعات كثيرة من الناس باضطراب في التفكير، وتغيُّرٍ في العواطف والأحاسيس، ما ينتج عنه تبدّلٌ في القيم والسلوك، ورفضٌ للقواعد السائدة التي أدَّت إلى الحرب والقتال.

واستقرّ معظم هؤلاء الأدباء الأمريكيين في باريس بعد الحرب العالمية الأولى أو زاروها في العشرينيات من القرن العشرين حينما كانت العاصمة الفرنسيّة عاصمة المذاهب الفنِّيّة الحديثة في الرسم والنحت والأدب وبقية الفنون، كالمدرسة الانطباعية والمدرسة السيريالية وغيرهما. ويسمّي الفرنسيون تلك الفترة بـ " سنوات الجنون" Les années folles أو الحقبة الجميلة La belle époque في فرنسا، وكانت تكاليف المعيشة منخفضة فيها آنذاك بالمقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكيّة حتى وقعت الأزمة الاقتصادية الكبرى في أمريكا سنة 1929. ويقول همنغواي في روايته “ الوليمة المتنقلة” إنه كان يكفيه أن يكتب ثلاثة قصص في الشهر، ليسدد نفقات إقامته وزوجته وطفله في باريس..

وصار هذا المصطلح (الجيل الضائع) يُطلق على جيل الأدباء والفنانين الأمريكان والبريطانين الذي بلغوا سن الرجولة أثناء الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)، أي الذين ولدوا في المدة من 1883 إلى 1900.

من أدباء وفناني الجيل الضائع: القاصّ الروائيّ إرنست همنغواي ، والروائيّ القاصّ أف. سكوت فتزجيرالد، والشاعر الناقد عزرا باوند (1885 ـ1972)، والقاصّ الروائيّ شيروود أندرسون (1876 ـ 1941) ، والرسّام والدو بيرس (1884ـ1970)، والروائيّ الفنّان جون دوس باسوس (1896ـ1970)، والكاتب جون شتاينبك (1902 ـ 1968) والموسيقار كول بورتر (1891ـ1964). ويضاف إلى هؤلاء، عدد من الأدباء البريطانيين الذي أقاموا في باريس بعد الحرب العالمية الأولى مثل الشاعر الأمريكي البريطاني تي. أس. إليوت (1888ـ 1965) ، والروائي الإيرلندي جيمس جويس (1882 ـ 1941) اللذين سكنا باريس في تلك الفترة ، وغيرهما.

ولعلَّ أشهر أعمال الجيل الضائع الأدبيّة رواية " غاتسبي العظيم" لسكوت فيتزجيرالد، ورواية " الشمس تشرق ثانية " لهمنغواي، وقصيدة " الأرض اليباب " لإليوت التي يصوّر فيها مشاعر الضياع والخيبة بعد الحرب العالميّة الأولى.

وعلى الرغم من أنَّ الكاتبة الأمريكيّة التي كانت تعيش في باريس،غيرتيتود شتاين، هي التي استعملت هذا المصطلح " الجيل الضائع" لتصف به الأدباء الأمريكيِّين الشباب الذين كانوا في باريس آنذاك، فإنّها ليست من هذا الجيل، على الرغم من أنَّ بعض النقاد يعدّونها منه.

إنَّ الذي أشاع مصطلح “ الجيل الضائع” وروّجه هو إرنست همنغواي، فقد استعمله في الاستشهاد الذي صدَّر به الطبعة الأولى من روايته " الشمس تشرق ثانية" (1926)، كما كتب عنه فصلاً في روايته السيرذاتية " الوليمة المتنقلة". يقول همنغواي في ذلك الفصل عن أصل هذا المصطلح:

" كان لديها [لدى غيرتيتيود شتاين] بعض المشاكل في نظام التشغيل بالسيّارة التي كانت تقودها وهي من نوع فورد تي القديم، ولم يكُن الشابُّ المكلّف بإصلاحها في الكراج، والذي كان قد اشترك في الحرب خلال السنة الأخيرة، بارعاً في المهنة، أو ربَّما لم يخرق أولوية السيارات الأخرى ويباشر إصلاح سيارة الآنسة شتاين الفورد. وعلى أي حال، فإن الآنسة شتاين لم تعدّه جاداً وشكته لصاحب الكراج الذي أنّبه بقسوة قائلاً له: " إنَّكم جميعاً جيل ضائع."

ـ " هذا هو شأنكم. هكذا أنتم جميعاً." قالت الآنسة شتاين: " جميعكم أنتم الشباب الذين شاركتم في الحرب. إنكم جيل ضائع.

قلتُ لها: " حقاً؟"

ويميل أدباء هذا الجيل إلى استخدام موضوعات مشتركة في قصصهم القصيرة ورواياتهم، وهي موضوعات مستقاة من خبراتهم الشخصية أثناء مشاركتهم في الحرب العالمية الأولى والسنوات التي أعقبتها. ومن هذه الموضوعات المشتركة حياة الأغنياء المتفسخة والطائشة، وموت الحلم الأمريكي بسبب الفساد والجشع، إضافة إلى تصوير سيرهم الذاتية بشكل أسطوري.

وكان كثير من هؤلاء الأدباء يكتبون قصصهم ورواياتهم في مقاهي باريس في العشرينيات من القرن العشرين. وقد تشكّى القاص الروائي الناقد جون أبدايك في مقدِّمة الكتاب الذي أعده بعنوان “ أحسن القصص الأمريكية في القرن العشرين” من أنَّ معظم الأدباء الأمريكيّين ينتمون إلى الطبقة البرجوازيّة المُترفة التي تعيش في المدن الكبرى، ويأنفون ويترفَّعون من الخوض في مشكلات الشرائح المحرومة من العمّال والفلاحين في قصصهم القصيرة، وأنَّ بعضهم كان يزاول الكتابة في مقاهٍ باريسيّة فاخرة، كما كان يفعل أرنست همنغواي وسكوت فتزجيرالد وغيرتيتود شتاين وغيرهم فيتناولون حياة الناس البسطاء في أمريكا بصورة شعبويّة مصطنعة بعيدة عن الواقع الفعليّ. ولهذا لم يصرّ أبدايك على واقعيّة القصّة معياراً للاختيار بقدر ما كان يتوخّى في القصّة التي ينتقيها أن تثير انتباهه إلى أنّها قصّة حيّة، جميلة، مُقنِعة، ومهمّة من حيث كشفها عن الطبيعة البشريّة.

وينبغي الإشارة إلى أنَّ مصطلح " الجيل الضائع" قد استُعمِل ليدلَّ على مفاهيم مختلفة مع تباين المكان والزمان. ففي بريطانيا يُطلَق هذا المصطلح على مجموعة الأدباء والشعراء الذين قُتلوا في الحرب العالميّة الأولى، مثل الشاعر روبرت برووك (1887 ـ1915)، والشاعر ويلفرد أَوين (1893 ـ1918) الذي قُتل قبل أُسبوع واحد فقط من الإعلان عن نهاية الحرب. أمّا في أمريكا في الوقت الحاضر، فيطلَق مصطلح " الجيل الضائع " على آلاف الشباب الذين فقدوا أعمالهم ووظائفهم بسبب الأزمة الاقتصاديّة العالميّة 2008 ـ2009.

القصة القصيرة الأمريكية في النصف الأول من القرن العشرين:

في النصف الأول من القرن العشرين، كان فرسان الرواية والقصة القصيرة في أمريكا ثلاثة : سكوت فيتزجيرالد، ووليم فولكنر (1897ـ 1962)، وإرنست همنغواي، وقد حاز فولكنر وهمنغواي جائزة نوبل، كل على انفراد. ولكن طريقتهما في كتابة القصة القصيرة مختلفة. فقصص فولكنر أقرب إلى الحكاية المُضمَّخة بعطر الماضي، أما قصص همنغواي فهي أقرب إلى صور قلمية تستثمر الرموز الأسطورية (الماء، السمكة، الجروح، الولادة). وكلاهما ينتمي إلى المدرسة الواقعية مع ظلالٍ من الانطباعية.

وقد أثَّر ظهور السينما وتطورها الهائل خلال النصف الأول من القرن العشرين، على القصة بطريقتيْن:

الأولى، إنتاج عددٍ هائل من الروايات والقصص سينمائياً ودفع مقابل مجز لكتّابها، حتى إن بعضهم شارك في كتابة السيناريو أو تفرغ له، كما فعلت الكاتبة دوروثي باركر (1893 ـ 1967) وزوجها.

الثانية، إن السينما أثّرت في القصة الأمريكية بنفس الطريقة التي أثَّر الفن الفوتوغرافي في الرسم. فقد أخذ الرسامون التقليديون يبحثون عن أنماط وأساليب لا تستطيع المصوِّرة (الكامِرة) مضاهاتها، ولهذا وجِدت مدارس فنّية مثل الانطباعية والسيريالية في الرسم. وهكذا فعندما استولت السينما على الوظيفة السردية للقصة، حاول بعض كتاب القصة التركيز على جوانب أخرى لفن السرد في محاولة لإلغاء الواقعية السردية. ففي النصف الثاني من القرن العشرين، نجد كتاباً مثل دونالد بارتلم (1931 ـ 1989) الذي ينتمي إلى مدرسة ما بعد الحداثة، يعمل مثل فنّان تلصيقي ومحلِّل للثقافة الشعبية. أي أن بعض كتاب القصة القصيرة ابتعدوا عن الواقعية السردية وحاولو ما لا يمكن للسينما تصويره. بيدَ ان بعض كبار كتاب القصة القصيرة التزموا بالواقعية مثل الكاتب الشهير جون أبدايك (1932 ـ 2009)، أو بما يقرب منها كالوافعية القذرة التي أبدع فيها توبياز وولف (1945 ـ) الذي ترجمنا قصة له في كتابنا “ مرافئ على الشاطئ الآخر” ، وريشارد فورد (1944 ــ)، وإدوارد جونز(1951 ــ) اللذين ترجمنا بعض قصصهما في هذا الكتاب.

الجيل المُتعَب:

ذكرنا أن الأمريكيين يميلون إلى استعمال مصطلح ما يُجمِل خصائص مجموعة من السكّان في فترة معيَّنة. فمثلاً يطلقون مصطلح " جيل ما بين الحربَين " على الأشخاص الذين كانوا إبان الحرب العالميّة الأولى أصغر من سنِّ التجنيد فلم يُجنّدوا، وأصبحوا أثناء الحرب العالميّة الثانية أكبر من سِنّ التجنيد فلم يُجنَّدوا. وهذا الميل هو الذي قاد إلى ظهور مصطلح " الجيل المتعب".

يُطلَق مصطلح " الجيل المتعَب" على مجموعة من الشبّان الأدباء الموهوبين المنتمين إلى الطبقة الوسطى الموسرة الذين كانوا يلتقون في حي جامعة كولومبيا بمانهاتن في نيويورك خلال النصف الثاني من الأربعينيّات والنصف الأوَّل من الخمسينيّات في القرن الماضي، ويشتركون في ملامح أربعة هي:

أوَّلاً، رفضهم للثقافة المادّيّة الأمريكيّة وقيمها السائدة آنذاك،

ثانياً، شذوذهم الجنسيّ، والكشف عنه في كتاباتهم،

ثالثاً، ولعهم بالمُسكرات والمخدّرات وتجريب أنواع جديدة منها،

رابعاً، انجذابهم للنزعات الروحيّة الشرقية.

ويلاحَظ أنَّ أعضاء هذه المجموعة من الأدباء متضامنون، يساعد بعضهم بعضاً، مادّيّاً ومعنويّاً. كما سيتَّضح لنا.

وكانت النواة الأولى من " الجيل المتعَب " قد تشكَّلت في جامعة كولومبيا في نيويورك التي كانت في طليعة الجامعات الأمريكيّة آنذاك، حيث التقى الشاعر ألن غينزبرغ (1926ـ1997) والشاعر الكاتب جاك كيرواك (1922 ـ 1969) اللذان كانا يدرسان هناك، والروائيّ وليم باروز (1914 ـ 1997) الذي كان يدرس في جامعة هارفرد ويتردَّد على نيويورك للالتقاء بجماعة الشواذ الجنسيِّين. وهؤلاء الثلاثة هم المؤسِّسون الأوائل لجماعة " الجيل المُتعب".

في أواسط الخمسينيّات انتقل كبار أعضاء "الجيل المُتعب"، ما عدا باروز، إلى مدينة سان فرانسيسكو وأُطلِق عليهم مصطلح بيتنكس Beatniks وعقدوا صداقات مع جماعة " نهضة سان فرانسيسكو". وكانوا يلتقون في مكتبة أضواء المدينة City Lights Booksellers التي أسَّسها الشاعر الرسام لورنس فيرلنغتي سنة 1953، الذي يوصف بأنَّه من نهضة سان فرنسيسكو والجيل المتعَب معاً. وبقيت هذه المكتبة حتّى اليوم تحتضن الثقافة المناهضة للسلطة والقيم السائدة، كما هو واضح من الكُتب التي تنشرها أو تعرضها.

وبعد انتقال جماعة " الجيل المتعَب" إلى سان فرانسيسكو، توسَّعت الحركة ونالت شهرة كبيرة خاصّة بعد القراءات الشعريّة التي نظّمتها في معرض فنّيّ، وأصابها شيء من التحوّل في الستينيّات، ففسحت المجال لما يُسمّى بالثقافة المضادّة، الرافضة تماماً للقيم الأمريكيّة السائدة، وتحوَّلَ مصطلح بيتنكز إلى هيبيز Hippies. وأخذ هؤلاء الهيبيون يفضّلون العيش المشترك والجنس المشاع أحياناً، ويكوّنون تجمُّعاتهم ومستوطناتهم لا في الولايات المتّحدة فحسب، وإنَّما في أنحاء العالم أجمع. وعلى الرغم من أنَّ الهيبيز جماعة هامشية، فإنَّ لهم تأثيراً وازناً في الفنِّ والأدب، بسبب انخراط كثيرٍ من الفنّانين والأدباء الشباب في حركتهم لما لها من جاذبية للشباب حيث ترفَع جميع أو بعض القيود عن الممارسات الجنسيّة وتناول المخدّرات والمسكرات، وعن القيم المنظِّمة للحياة الاجتماعيّة.

وأذكر أنني عندما كنتُ طالباً في جامعة تكساس في أوستن في مطلع السبعينيات، حضر الشاعر ألَن غينزبرغ إلى الجامعة وجلس على الأرض وألقى عدداً من قصائده المعارضة للحرب التي كانت تشنها الولايات المتحدة على فيتنام، وطالب بإنهائها.

ولكن لا يوجد موقف موحَّد لقادة حركة " الجيل المتعب " من القضايا السياسية المطروحة، ففي حين يناهض ألن غينزبرغ الحرب الفيتناميّة ويلقي قصائده النارية في مظاهرات المحتجِّين على الحرب، نجد أنَّ جاك كيرواك يؤيِّد تلك الحرب.

في تلك الفترة ذاتها، كان يُطلَق على الأدباء السوفييت الذين يناهضون الخط الرسمي للحزب الشيوعي وقيمه وممارساته، اسم " الجيل الصامت". وقد أُلقي القبض على عدد من أعضاء هذا الجيل وزُجّ بهم في السجون أو أُرسلوا إلى المنفى في سيبريا، وفي مقدمتهم الشاعر الروسي جوزيف برودسكي (1940 ـ 1996)، الذي سجن ثمَّ نُفيَ فذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحاز على جائزة نوبل.

أصل المصطلح " الجيل المتعب":

كانت بداية جماعة "الجيل المتعَب" تتألَّف ـ بالإضافة إلى مؤسِّسيها الثلاثة الأوائل غينزبرغ وكيرواك وباروز ـ من عدد من الشواذ الجنسيِّين الذي يتعاطون المخدرات ويمارسون الكتابة. وتضمُّ هذه الجماعة القاتل لوسيان كار (1925ـ 2005) الذي طعن رجلاً حتى الموت يدعى كاميرر كان مغرماً به، والمجرم الكاتب اهيربرت هونك (1915ـ 1996)، والسارق الكاتب الشاعر نيل كاسادي (1926 ـ 1968) الذي اعتُقِل عدّة مرّات لسرقة السيارات والمحلات التجارية وغيرها، واللص الشاعر غريغوري كورسو (1930 ـ 2001) الذي كان أصغر الأعضاء سناً، والشاعر الكاتب المسرحي ألن أنسين (1922 ـ 2006)، والكاتب الشاعر الأستاذ الجامعي جون هولمز (1926 ـ 1988) الذي لم يكن نشطاً في فعاليات الجماعة بقدر ما كان مهتماً بالتعرّف عليها وتوثيقها، ولهذا كان يطلَق عليه اسم " المتعَب الهادئ"، وأضرابهم.

وقد استعمل كيرواك مصطلح " الجيل المُتعَب " أوَّل مرّة أثناء محادثة له مع الأستاذ جون هولمز سنة 1948، حين قال له:

ـ" أتدري أنَّ هذا جيلٌ مُتعَب فعلاً ".

فنشر هولمز مقالاً في مجلة " نيويورك تايمز" (العدد 16، نوفمبر 1952) عنوانه " هذا هو الجيل المتعَب "، ذكر فيه أنَّ المصطلح من وضع جاك كيرواك الذي اقتبس الفكرة من هيربرت هونك.

في سنة 1952، أصدر جون هولمز روايته " انطلق" Go التي كانت أوَّل رواية للجيل المتعَب، وهي تروي أحداثاً من حياة صاحبها وعلاقاته بأصدقائه مثل جاك كيرواك ونيل كاسادي وألن غينزبرغ، موضحاً قيمهم وشارحاً طموحاتهم.

وفي سنة 1958 تولى أرفينغ روزنثال (1930 ـ) تحرير مجلة جديدة في جامعة شيكاغو، عنوانها مجلة شيكاغو Chicago Review أصبحت فيما بعد من أشهر المجلات الأدبيّة في أمريكا. ونشر روزنثال في أوَّل عدد منها صدر في ربيع 1958 مجموعة من القصائد لشعراء "الجيل المتعَب" مثل جاك كيرواك، ولورنس فيرلنغتي (1919 ـ)، وألن غينزبرغ، وفيليب والن (1923 ـ 2002)، وفيليب لومانتيا (1927ـ2005)، وجون وينرز (1934ـ 2002)، وروبرت دنكن (1919 ـ 1988) . كما نشر في هذا العدد الفصل الأوّل من رواية " الغداء العاري" لوليم باروز . وبذلك أعطى روزنثال دفعة قويّة لأدب الجيل المتعَب ونهضة سان فرانسيسكو.

وفي عدد الشتاء من " مجلة شيكاغو"، نشر روزنثال فصلاً آخر من رواية " الغداء العاري" لباروز، وفي تلك الأثناء، قامت عدّة صحف بمهاجمة المجلّة واتهمتها بالإخلال بالآداب العامّة، فقرَّرت الجامعة إيقاف توزيع العدد، وهكذا فقد روزنثال وظيفته. فانتقل إلى نيويورك واصدر بمساعدة زميل له مجلة " Big Table" ونشر في عددها الأوَّل جميع مواد عدد الشتاء من " مجلة شيكاغو" الذي لم يوزع.

وفي نيويورك توثَّقت علاقة رزونثال بجماعة " الجيل المتعب"، وبعد أن انتقل باروز إلى مدينة طنجة قام وليم روزنثال بزيارة هذه المدينة وأعجب بها، وعاد إليها وسكنها من سنة 1962 إلى 1964. وخلال تلك الفترة كتب روايته الشهيرة Sheeper التي نشرتها Grove Press سنة 1967 والتي يعدّها بعض النقاد واحدة من أهم أربع روايات أنتجها الغرب في القرن العشرين. وهذه الرواية، ليست رواية بالضبط، وليست مذكِّرات بالضبط، وليست أطروحة جامعيّة عن الأديب الأمريكي هرمان ميلفيل Herman leilMelv- (1819 ـ 1891)، ولكنّها كلُّ ذلك وأكثر من ذلك، لأنَّك ستجد فيها فقرات عن تعاطي الحشيش وإشاعات عن ألن غينزبرغ وهربرت هونك ووليم باروز وجماعة " الجيل المتعَب".

وعلى الرغم من أنَّ بول بولز الذي عاش خمسين سنة في طنجة، يشترك مع أعضاء " الجيل المتعَب " برفضهم لقيم المدنيّة الصناعيّة، وبالشذوذ الجنسي، وبتناول المخدرات، وعلى الرغم من علاقاته الحميمة مع كبار المتعَبين مثل وليم باروز، وجاك كيرواك، وألن غينزبرغ، وجيزن، فإنّه لا ينتمي إلى "الجيل المتعَب"، فهو يختلف عنهم في العمر وفي الأسلوب، وقد صرَّح في مقابلة له قائلاً: " لم أكن من كتّاب الجيل المتعب، ووصفي بذلك هو جهل خالص.".

بَيدَ أنَّ بول بولز كان مركز جذب لأدباء الجيل المتعَب وفنّانيه الذين كانوا يتأثِّرون بكتاباته عن طنجة أو يأتون إلى طنجة لزيارته، فتعجبهم المدينة فيقيمون فيها مُدداً متفاوتة. ومن أولئك المتعَبين الشاعر الكاتب الناشر المصوّر منتج الأفلام الأمريكي إيرا كوهن Ira Cohen (1935 ـــ) الذي وصل إلى طنجة سنة 1961 على متن باخرة شحن يوغسلافية وعاش في المدينة مدَّة أربع سنوات، ونشر مجلَّة متخصِّصة في التعزيم (طرد الأرواح الشريرة) عنوانها "كناوة" Gnaoua ولكن لم يصدر منها سوى عدد واحد. كما نشر باسم مستعار هو " بنما روز" كتاباً عنوانه" كتاب طبخ الحشيش" ، The Hashish Cookbook وسجَّل موسيقى جيلالة لإحدى الطرق الصوفيّة المغربيّة. ثمَّ سافر إلى إفريقيا والنيبال واليابان والشرق الأقصى، وعاد إلى نيويورك حيث يعيش الآن، ويأتي لزيارة طنجة بين آونة وأخرى.

مؤسِّسو الجيل المتعب:

سنلقي نظرة سريعة على سِيَر مؤسِّسي الجيل المتعب:

أولاً، ألَن غينزبرغ (1926ـ1997):

ولِد ألن غينزبرغ في مدينة نيووارك في ولاية نيوجرسي لأبويين يهوديَّين. وكان والده لويس غينزبرغ مدرِّساً في مدرسة ثانوية ويتعاطى الشعر. وكانت أمّه التي تعاني مرضاً نفسياً لم يُشخَّص، تنتمي إلى الحزب الشيوعي وتصطحب ولدها ألن وأخاه إيوجين معها لحضور اجتماعات الحزب. وقد ذكر ذلك في قصيدته "أمريكا" حيث قال: " اسمعي يا أمريكا، كنتُ شيوعياً في طفولتي، ولست آسفاً على ذلك.".

أظهر ألن ميولاً أدبيَة مبكرة فكان، وهو ما زال في المدرسة الثانوية، يبعث برسائل إلى جريدة " نيويورك تايمز" حول قضايا سياسيّة متنوِّعة مثل حقوق العمال والحرب العالميّة الثانية وغيرهما.

وعندما أنهى مدرسته الثانويّة انتقل إلى نيويورك ودخل جامعة كولومبيا بمنحة من جمعيّة يهوديّة. وللحصول على ما يحتاجه من نفقات أثناء دراسته، اشتغل في البحريّة التجاريّة، ثمَّ اشتغل في مكتبةٍ لبيع الكتب، فتعرف أثناء عمله هناك على عدد من الأدباء والمثقفين.

وخلال السنة الأولى في جامعة كولومبيا، تعرَّف على طالب يدعى لوسيان كار (1925ـ2005)، فعرّفه هذا على عدد من أصدقائه الذين أصبحوا فيما بعد من كتّاب الجيل المتعَب، مثل جاك كيرواك، ووليم باروز، وجون هولمز.

وفي نيويورك، أظهر ميلاً للنزعات الروحيّة الشرقية، وسافر إلى الهند. كما التقى مصادفةً في أحد شوارع نيويورك بترنغبا رنبوشي ، وهو أستاذ من التبت في طريقة التأمُّل البوذيّة، وأصبح صديقه وتتلمذ عليه. وبعد ذلك، صادق المدعو سوامي بهوبادا، صاحب طريقة " كرشنا" في الولايات المتَّحدة الأمريكيّة ، وساعده ماديّاً وأدبيّاً على نشر طريقته. كما اتّصل بشعراء البنغال خاصَّةً ملاي روي شاودري الذي عرّفه على شعار السمكات الثلاث برأس واحد الذي اتخذه أمبراطور الهند المغولي جلال الدين محمد أكبر (حكم من 1556 ـ 1605) ليرمز إلى تعايش جميع الثقافات والأديان.

وفي نيويورك، أُدخِل ألن غينزبرغ في مصحّة عقلية، وهناك التقى بنزيل آخر هو الكاتب الأمريكي كارل سولومون (1928 ـ 1993) فأصبحا صديقَيْن. وقد تعاطف معه ألن غينزبرغ كثيراً حتّى إنّه أهدى إليه قصيدته " عواء".

في سنة 1954 انتقل ألن غينزبرغ، وعددٌ من قادة الجيل المتعب، إلى سان فرنسيسكو. وفي أواخر تلك السنة التقى بالشاعر بيتر أورلوفسكي (1933 ـ) الذي أصبح شريك حياته حتّى وفاته.

وفي سنة 1957 حضر ألن غينزبرغ مع شريك حياته أورلوفسكي إلى طنجة لزيارة صديقه وليم باروز، ثمَّ أنضم إليهم الشاعر غريغوري كورسو (1930ـ2001) وهو أصغر أعضاء " الجيل المتعَب" سناً عند تأسيسها، وكان مقيماً في باريس. وبعد أن أمضيا بضعة أسابيع في طنجة، رحل الزائرون الثلاثة إلى باريس، ونزلوا في فندق رخيص في الحي اللاتيني يُسمى اليوم بالفندق المتعَب The Beat Hotel . وبعد مدَّة قصيرة، لحق بهم وليم باروز حيث قام غينزبرغ وكورسو بوضع رواية باروز " الغداء العاري" في شكلها الأخير، اعتماداً على أوراق الرواية الأصليّة التي كتبها وليم باروز في طنجة.

وعلى الرغم من أنَّ جماعة " الجيل المتعَب" قد تأسَّست في نيويورك، فإنَّ ألن غينزبرغ كتب أشهر قصائده، "عواء" ، في مقهى في مدينة بيركلي، وصدرت في مدينة سان فرنسيسكو سنة 1956 في كُتيب عنوانه " عواء وقصائد أخرى"، عن " مكتبة أضواء المدينة " التي يملكها الشاعر لورنس فيرلنغتي. وقد أصبحت " عواء" أوَّل قصيدة من قصائد الجيل المتعَب، وتضارع قصيدة " الأرض اليباب " لإليوت من حيث أهمِّيَّتها ورمزيَّتها، كما تعدّ هذه القصيدة " عواء" ورواية " على الطريق " لجاك كيرواك (1957) ورواية " الغداء العاري" لوليم باروز (1959)، أهمّ الأعمال الأدبيّة للجيل المتعَب.

تتناول قصيدة " عواء" مواقفَ مستقاةً من تجربة الشاعر وتجارب جماعته من الشعراء والفنانين وموسيقيّي الجاز، والمتطرِّفين سياسيّاً، والمدمنين على المخدِّرات، والمرضى النفسيِّين، والمثليين، الذين كان الشاعر ينتمي إليهم ويلتقي بهم في أواخر الأربعينيّات وأوائل الخمسينيّات، وفيها إشارات إلى عدد من أصدقائه مثل نيل كاسادي، ووجاك كيرواك، ووليم باروز، وبيتر أولفسكي، ولوسيان كار، وهربرت هونك. وتذكر القصيدة العلاقات الجنسيّة اللوطيّة، وتوجِّه نقداً للمدنيّة الصناعية الأمريكيّة. ومطلع القصيدة هو:

" رأيتُ أفضل العقول من أبناء جيلي يُدمَّرون بالجنون،

عراةً مهووسين جائعين،

يجرجرون أنفسهم في أزقة الزنوج في الفجر... "

وقد صادرت شرطة الجمارك حوالي خمسمائة نسخة من الكتيب قادمةً من المطبعة في بريطانيا، واعتُقل الناشر الشاعر فيرلنغتي بعد مدَّة قصيرة بتهمة الإخلال بالآداب العامّة. وكان سبب التهمة ما ورد في القصيدة:

" ويدعون أصحاب الدراجات النارية

ينكحونهم من دُبر، وهم يصرخون من اللذة..."

وبعد محاكمة طويلة أثارت جدلاً واسعاً في الصحافة الأمريكيّة، دعم خلالها "اتّحادُ الحرِّيّات المدنيّة الأمريكيّ" الشاعرَ فيرلنغتي في المحاكمة، وبعد شهادة تسعة من خبراء الأدب لصالحه، قرَّر القاضي الذي نظر الدعوى واسمه كلايتون هورن أنَّ القصيدة ليست مخلَّة بالآداب. وهكذا أصبح هذا الحُكم سابقةً في عدم ملاحقة النصوص الجنسيّة.

ثانياً، وليم سيوارد باروز (1914 ـ 1997)

وليم باروز روائيٌّ كاتبٌ رسّامٌ ناقدٌ اجتماعيٌّ. ولد في عائلة بارزة ميسورة في مدينة سان لويس في ولاية ميزوري. وكان جده وليم سيوارد باروز قد أسَّس شركة الآلات الحاسبة في سان لويس التي تطوَّرت بعد ذلك إلى مؤسِّسة باروز.

بعد أن أنهى وليم سيوارد باروز الثاني دراسته الثانويّة سنة 1931، التحق بجامعة هارفرد للحصول على شهادة في الآداب. وأثناء دراسته في الجامعة عمل مراسلاً لجريدة. ولكنَّه لم يحبِّذ ذلك العمل، وأخذ يقوم برحلات إلى نيويورك للتعرُّف على جماعة الشواذ جنسيّاً والمدمنين على المخدِّرات، وفي جامعة كولمبيا، عرّفه صديقه وابن مدينته لوسيان كار بزميلَيه في الجامعة ألن غينزبرغ وجاك كيروك.

عندما تخرّج في جامعة هارفرد سنة 1936، خصص له والداه منحة شهرية قدرها مائتا دولار، ظلَّ يعيش عليها مدَّة ربع قرن دون أن يمتهن عملاً. وسافر بعد تخرجه في الجامعة إلى أوربا وأمضى وقتاً في النمسا وهنغاريا، يرتاد تجمعات الشواذ جنسيّاً والهاربين من وجه العدالة. وفي كرواتيا التقى بفتاةٍ يهوديّة اسمها ألسي كلابر، فتزوّجها رغم معارضة والديه، من أجل مساعدتها على الحصول على تأشيرة دخول أمريكيّة، وعندما وصلت إلى نيويورك طلَّقته. وبعد أن عاد إلى نيويورك أصاب القلق والديه بشأن حالته النفسيّة، إذ قطع إحدى أصابع يده في عام 1939 لينال إعجاب رجل كان مغرماً به.

وبعد الهجوم اليابانيّ على بيرل هاربر سنة 1942، التحق باروز بالجيش الأمريكيّ، فصنّفوه جندياً في المدفعيّة ولم يمنحوه رتبة ضابط، فأُصيب باكتئابٍ، ما دفع والدته إلى إخراجه من الجيش بحجّة أنَّ انخراطه في الجيش كان خطئاً منذ البداية، لأنَّه كان مصاباً بعدم الاستقرار العقليَّ آنذاك. فذهب إلى شيكاغو واشتغل في أعمال متنوعة.

وعندما انتقلَ صديقه لوسيان كار والرجل المعجَب به ديفيد كاميرر إلى نيويورك، التحق بهما باروز. وفي سنة 1944 أخذ يعيش مع زوجة جندي كان يقاتل في الجبهة اسمها جوان فولمر آدمز وابنتها في شقةٍ يشاركه فيها صديقه جاك كيرواك وزوجته الأولى أدي باركر. وعندما عاد زوج جوان فولمر من الحرب، وأطلع على أفعالها طلَّقها، فتزوّجها باروز عرفيّاً، وولدت له طفلاً فيما بعد، اسمه وليم باروز الثالث. وقد توفي هذا الابن في سن الثانية والثلاثين بسبب الإدمان الشديد على الكحول والمخدرات.

في تلك الفترة في نيويورك، كان الكاتب باروز يتناول المورفين فأدمن عليه، وأخذ يبيع الهيروين للحصول على المال الذي يشتري به المورفين. كما أن زوجته هي الأخرى أدمنت على المخدرات. فحصلت له مشاكل مع السلطات الأمنية بسبب إدمانه ولعدم تبليغه عن جريمة القتل التي اقترفها صديقه لوسيان كار وراح ضحيتها الرجل المعجب به ديفيد كاميرر. وقد اعتقلت الشرطة كيرواك بوصفه " شاهداً مادياً" في هذه الجريمة. واعتُقل باورز وحكِم عليه بالسكن مع والديه لرعايته في مدينة سان لويس، وأُدخِلت زوجته مستشفى الأمراض العقليّة. وبعد عودته من سان لويس، أخرج زوجته من المستشفى وانتقل بها إلى ولاية تكساس حيث عمل في زراعة القطن والميروانا. وهناك بدأت مشاكله مرَّة أُخرى مع رجال الشرطة الذين عثروا في داره على مراسلات بينه وبين ألن غينزبرغ تتحدّث عن تسليم كميات من الميروانا.

لكلِّ هذه الأسباب، هرب باروز إلى المكسيك عام 1951 مصطحباً زوجته جوان فولمر وابنه. وأخذ يدرس اللغة الإسبانية في كلِّيّةٍ هناك. وفي شهر أيلول من ذلك العام وأثناء حفلة سكر مع عدد من الأصدقاء، قام باروز بلعبة وضع الكأس على رأس زوجته وإطلاق النار ـ وهو سكران ـ على الكأس، فأصابت الرصاصة رأس زوجته فقتلتها في الحال. وأُدخل السجن وبعد 13 يوماً وصل أخوه إلى المكسيك ودفع الرشاوى إلى الشرطة والمحامين والقضاة، فأطلقوا سراحه بكفالة لحين محاكمته. وجاءوا بشهود زور قائلين إنَّ الرصاصة انطلقت من المسدس أثناء تنظيفه، ودُفِعت الرشوة للخبراء لتأييد هذه الشهادة، وطالت المحاكمة. وفي هذه الأثناء كتب روايته القصيرة Queer. وفي انتظار المحاكمة التي كانت تؤجل كثيراً، هرب محامي باروز من المكسيك بسبب مشاكل قانونيّة أُخرى، فقرَّر باروز مغادرة المكسيك إلى أمريكا، وصدر الحكم عليه غيابياً بالسجن مدّة سنتَين.

وقد أثَّر حادث مقتل زوجته فيه كثيراً فاحترف باروز الكتابة للتخلُّص من أزمته النفسيّة. وفي عام 1953 عاش فترةً مع والديه في بالم بيتش في فلوريدا، ثمَّ مع ألن غينزبرغ في نيويورك، وبعد ذلك سافر إلى روما للسكن مع الشاعر الكاتب المسرحي الأمريكي ألن أنسن (1922 ـ 2006) الذي هو كذلك عضو في حركة "الجيل المتعب". وعندما ضجر من العيش في روما، انتقل إلى طنجة بعد أن قرأ رواية بول بولز " السماء الحانية " وكتاب الأديب الأمريكي غور فيدال (1925 ـ 2012)" الحكم على باريس". وبعد أن عاش في طنجة بضعة أشهر، عاد إلى الولايات المتّحدة. ولكنَّ أموره هناك لم تكُن على ما يرام، فرجع إلى طنجة في نوفمبر 1954 وعاش فيها مدة أربع سنوات، انكبَّ خلالها على كتابة روايته " الغداء العاري" كما كتب بعض المقالات التجارية عن طنجة لم تنشَر في حينها، وإنَّما نُشرت سنة 1989 في مجموعة قصصيّة عنوانها "Interzone ".

في طنجة تعرّف وليم باروز على الرسّام الكاتب البريطانيّ الكنديّ بريون جيزن (1916ـ1986). وكان جيزن قد انتقل من فرنسا إلى طنجة سنة 1950 بعد أن زار المدينة القديمة مع بول باولز وأُعجب بها. وفي طنجة اشترك جيزن مع الرسام المغربي محمد الحمري (1932ـ2000) في تأسيس مطعم " ألف ليلة وليلة" الذي كان يقدِّم فرقة موسيقى هزجوكة لزبائنه الدوليين وكان منهم وليم باروز. وقد تعلَّم باروز من جيزن تقنية التقطيع في الرسم وطبقها على الكتابة. فأنت تأخذ مقاطع من نصوص مختلفة وترتِّبها في نص هجين.

كان باروز يكتب في طنجة وهو تحت مفعول الميراوانا المعروفة في طنجة باسم " المعجون"، وكذلك مخدِّر ألماني اسمه " أيكودوت". ولهذا كانت موادّه غير مترابطة. وصل كيرواك إلى طنجة سنة 1957 لزيارة باروز ومكث فيها مدة شهر، وساعده على طباعة وترتيب مواد كتابه Interzone، وما إن غادر كيرواك طنجة حتى حلّ بها ألن غينزبرغ وشريك حياته أورلفيسكي وغيرغوري كورسو ونزلوا في فيلا منيرة وهي عبارة عن نُزل يتوفَّر على حديقةٍ صغيرة وتسمح شرفته برؤية الشاطئ، ويقع بالقرب من شارع باستير، فساعدوا باروز على ترتيب وطباعة مواد روايته " الغداء العاري". وعندما غادر هؤلاء الثلاثة إلى باريس، لحق بهم باروز، بعد مدة قصيرة، ونزل معهم في " الفندق المتعب" وهناك ساعده غينزبرغ وكورسو على وضع روايته " الغداء العاري" في شكلها الأخير.

كان غينزبرغ قد بعث بفصل من رواية " الغداء العاري" إلى إرفنغ روزنثال، محرّر مجلة شيكاغو الذي نشر الفصل في عدد الربيع من تلك المجلة. وقد فقد روزنثال وظيفته بسبب نشر ذلك الفصل، بعد أن كتبت الصحف عن الخلاعة والتهتك فيه. ولم يجدوا ناشراً أمريكياً يجرؤ على نشر الرواية، فأصدروها عن مطبعة أولمبيا في باريس سنة 1959، ثم ظهرت في انجلترا سنة 1964، وفي أمريكا بعد ذلك.

" الغداء العاري" رواية سيرذاتية، تصوّر نشاط بطلها " وليم لي" وحياته في أمريكا، والمكسيك، وطنجة. وجميع أحداثها مستقاة من حياة وليم باروز نفسه وخبراته في تلك الأماكن، وإدمانه على المخدرات، الهيروين والمورفين في أمريكا والمكسيك، ومعجون الميراوانا في طنجة. وتُعرّي الرواية رعبَ الواقع الذي كان يعيشه البطل. وتضمُّ خليطاً من القصة البوليسية، والخيال العلمي البيولوجي، والتخيّلات المقززة، والنكات الساقطة، وتحاول تقديم مقولة فلسفيّة عن المخدرات والشذوذ الجنسيّ. ولهذا قال روزنثال عن هذه الرواية: "إنّها أقرب إلى اللاشكل من أيِّ كتاب يمكن أن يكون". ويعدّها نقّاد الأدب الأمريكيّ اليوم من أمهات الروايات الأمريكيّة المؤسِّسة في القرن العشرين، كما يعدّون باروز من أهم الروائيِّين التجريبيِّين الذين أثَّروا في الثقافة الشعبيّة والأدب الأمريكيّ.

في أواسط الستينيّات، انتقل باروز إلى لندن وواصل علاجه من الإدمان وكتب عدة أعمال أدبية، وفي السبعينيّات عاد إلى نيويورك واستأنف تناول الهيروين. وفي الثمانينيّات استقر بوصفه كاتباً مقيماً في المدينة الجامعية في لورنس كنساس، وأخذ يمارس الرسم، وتوقّف قلبه في مدينة لورنس سنة 1997.

ثالثاً، جاك كيرواك (1922ـ1969):

كاتبٌ شاعرٌ رسّامٌ أمريكيٌّ. ولِد في بلدة لويل في ماساشوستس لأبوَين كنديَّين من مقاطعة كيبيك ناطقَيْن باللغة الفرنسيّة. وكان كثيرون من أهل كيبيك يهاجرون في ذلك الوقت إلى منطقة انجلترا الجديدة في أمريكا للحصول على عمل. فالفرنسيّة لغة أُمٍّ لجاك كيرواك فقد كانت عائلته تتكلّم الفرنسية في المنزل، ولم يتعلّم الإنجليزيّة حتّى دخوله المدرسة في سنِّ السادسة من عمرة. ولهذا فإنّ جاك كتب بعض أشعاره بالفرنسيّة.

وعندما كان جاك في سنِّ الرابعة، توفي أخوه جيرار الذي يكبره بخمس سنوات، فأثَّر فيه ذلك كثيراً وانفعل وجدانه بالحادث، ووصف مشاعره تلك في روايته " رؤى جيرار" .

ونظراً لتفوّقه في الألعاب الرياضية مثل الجري وقفز الحواجز وكرة القدم الأمريكيّة، حصل على منحةٍ من كلية بوسطن وجامعة كولومبيا في نيويورك. ثمَّ اضطر إلى ترك الدراسة في الجامعة بسبب خلافاته المتكرِّرة مع مدرِّب فريق كرة القدم.

في جامعة كولومبيا ربطته صداقة مع ألن غينزبرغ، ولوسيان كار الذي قدّمه إلى وليم باروز حينما جاء هذا الأخير من جامعة هارفر لزيارة صديقه لوسيان والالتقاء بجماعة الشواذ جنسيّاً.

في سنة 1942، التحق جاك كيرواك بالبحريّة التجاريّة الأمريكيّة، وفي سنة 1943، انضمَّ إلى القوات البحريّة الأمريكيّة، ولكنَّه سُرِّح منها لأسباب نفسيّة حيث وجِد أنّه " ذو طبيعة لا مبالية ويعاني ازدواجيّة الشخصيّة..."

وعندما قام صديقه لوسيان كار بطعن المدعو ديفيد كاميرر حتّى الموت، لأنّه كان يضايقه جنسياً، حسب ادعّائه، اعتُقِل جاك كيرواك بوصفه " شاهداً مادّيّاً" سنة 1944 ورفض والده دفع الكفالة لإطلاق سراحه، فاقترح على صديقته الكاتبة إدي باركر (1922 ـ 1993)، وهي من جماعة " الجيل المتعب" كذلك، أن تدفع الكفالة ووعد بزواجه بها بعد خروجه من السجن، ففعلت وتزوّجها، ولكن بعد حوالي سنة واحدة أُبطِل الزواج. وقد كتبَ عنها في روايته " المدينة والبلدة " وتحدُّث عنها كذلك في روايته الشهيرة " على الطريق" .

تزوَّج جاك كيرواك مرَّة ثانية من جوان هافرتي التي ولدت له ولده جان بعد أن انفصلت عنه ببضعة أشهر.

وقد ذكرنا أن كيرواك زار صديقه وليم باروز في طنجة سنة 1957 وأمضى معه شهراً في المدينة.

وعندما توفّي كيرواك في عمر السابعة والأربعين بسبب إدمانه المفرط على الكحول والمخدرات، كان يعيش مع زوجته الثالثة ستيلا سامباز، بيدَ أن أُمَّه هي التي ورثت معظم مخلَّفاته.

تعدّ روايته " على الطريق" واحدة من أهم الأعمال الأدبيّة للجيل المتعب. وقد صدرت سنة 1957 عن دار الفايكنغ بعد أن طلبت الدار حذف كثير من المقاطع الجنسيّة من الرواية. وقد حقّق نشرها شهرةً أدبيّةً لكاتبها. وهي كذلك رواية سيرذاتيّة تستقي مادّتها من رحلات كيرواك وأصدقائه في أمريكا خلال منتصف القرن الماضي، وتستلهم الثقافة الأمريكية في نيويورك بعد الحرب العالمية الثانية كالجاز والمخدرات، والشعر. وكان كيرواك قد بدا كتابتها بالفرنسيّة ثمَّ عدل عنها إلى الإنكليزيّة. وبنصيحة من صديقه نيل كاسادي، استعمل في كتابتها كيرواك " النثر التلقائي " وهو نوع من أسلوب تيار الوعي.

وكان كيرواك ينشر مقاطع من رواية " على الطريق" ، قبل نشرها، على شكل قصص قصيرة، ففي سنة 1955 نشر قطعة منها بعنوان " الفتاة المكسيكية" التي وقع عليها الاختيار لتكون ضمن كتاب " أحسن القصص الأمريكية لعام 1956"، وقد ترجمناها في هذا الكتاب.

وبعد النجاح الهائل الذي حظيت به رواية " على الطريق"، شجعه الناشرون على نشر كتاب آخر، فكتب The Dhama Bums الذي يتحدّث فيه عن تجربته الخاصّة مع البوذيّة. وكان كيرواك قد عثر على كتاب مقدَّس بوذيّ سنة 1954، وانغمس في دراسة الفكر البوذيّ وممارسته.

وقد أثّر أسلوب كيرواك السلس الواضح في كثير من كتّاب الجيل المتعب بمن فيهم ألن غينزبرغ في قصيدته "عواء"، ولهذا يلقَّب كيرواك بـ " ملك المتعبين"، إضافة إلى أن كثيراً من النقّاد الأمريكيين يعدّونه أباً لحركة " الجيل المتعب".

هل يوجد ما يماثل الجيل المتعب في تاريخ الأدب العربيّ؟

يحدّثنا تاريخ الأدب العربيّ عن مجموعة من الأدباء والشعراء والإخباريِّين الشباب الذين اشتهروا بالخلاعة والمجون وظهروا في الكوفة خلال العصر العباسي الأول (132ـ231هـ/750ـ847م)،. وتُعرِّف كتبُ اللغة الخلاعةَ بالاستهتارِ والتهتُّكِ باللهو والشراب، وعدم مراعاة الدِّين والحياء. أمّا المجون فهو ارتكاب الأفعال القبيحة والفضائح المخزية دون المبالاة بعذل الآخرين وتقريعهم.

ويبدو أنَّ سلوك أولئك الأدباء جاء نتيجةَ الخيبة التي أصابتهم بسبب غياب العدل الاجتماعي في ظلِّ الحكم الأمويّ الذي كان يميّز ضد الموالي، فقد كان معظمهم من الموالي، وكذلك بسبب ما نتج عن القتال عند سقوط الدولة الأمويّة وتولّي العباسيين الحكم. وكان سلوكهم تعبيراً عن تحول المجتمع العربي من خشونة البداوة إلى نعومة المجتمع الحضري وملذّاته. وتضمُّ هذه الجماعة والبة بن الحباب (ت 170 هـ/ 786م)، وهو أستاذ الشاعر السكّير الشهير أبي نواس، والشاعر مطيع بن إياس (ت 161هـ/783م)، والحمّادين الثلاثة: الشاعر حمّاد عجرد (ت 161 هـ/778م)، والشاعر حمّاد الراوية (ت 155هـ/771م)، والشاعر حمّاد بن الزبرقان النحوي (القىرن الثاني الهجري)، وكذلك يحيى بن زياد بن عبيد الله الحارثي (ت 160هـ/776م) وغيرهم.

ويشترك هؤلاء الموهوبون بجملةٍ من الملامح الخاصّة بهم أهمّها ما يأتي:

1) الإدمان على المسكرات والمبالغة في تناولها، وجعلها محور أشعارهم.

2) الولع بالغلمان والتغزُّل بهم في أشعارهم وكتاباتهم، إضافةً إلى الجواري.

3) خروجهم عن نواميس المجتمع ورفضهم لنهجه السائد وقيمه، واستخفافهم بالتقاليد المرعية والعادات المحكمة، من دين وأخلاق وسياسة، بوصفها قيوداً على عقل الإنسان وغرائزه، وعائقاً أمام حريته وملذّاته. ولهذا تعرّضوا أحياناً لمضايقات السلطة لأسبابٍ دينيّةٍ وسياسيّةٍ واجتماعيّةٍ.

4) التعاطف والتراحم والتعاون فيما بينهم، فيدافع بعضهم عن بعض ويعمل على إعلاء شأنه، فقد " كانوا يتنادمون ويتعاشرون [أجمل عشرة] وكأنهم نفس واحدة"، كما قال عنهم ابن قتيبة في كتابه " الشعر والشعراء".

ولما كان الولع بالغلمان نادراً في المجتمع العربي قبل العصر العباسي الأول، فإن الجاحظ الذي كان معاصراً لهذه الجماعة الماجنة، قد ردّ هذا النمط من السلوك الجديد، في رسالته " مفاخرة الجواري والغلمان"، إلى تأثير الموالي، خاصة الفرس، في المجتمع العربي.

ولعل أبيات آدم بن عبد العزيز التالية تبين لنا موقف تلك الجماعة الماجنة من الولع بالشراب، واستخفافها بالدِّين، وعدم إصغائها لنقد النقّاد أو لوم اللائمين:

اسقني واسقِ خليلي ... في مدى الليلِ الطويلِ

قهوةً صهباءً صـرفاً ... سُبيت من نـهر بيــلِ

قُلْ لمِن يلحاكَ فيـها ... من فـقـيهٍ أو نبيـــلِ:

أنتَ دعها وارجُ أُخرى ... من رحـيقِ السلسبيلِ

تعطـشُ اليوم وتُسـقى ... في غـدٍ نَعْتَ الطلولِ

أمّا التعاطف والتكافل والإخاء بين أفراد الجماعة فتصوِّره لنا أبيات قالها الشاعر مطيع بن إياس في صديقه يحيى بن زياد:

كنتُ ويحيى كَيــَدٍ واحـــدهْ نرمي جميعاً وترانا معا

إنْ عضَّني الدهرُ فقد عضَّهُ يوجعنا ما بعضنا أوجعا

أو نامَ نامت أعينٌ أربـعٌ منِّا وإن أسْهَرْ فلن يهجعا

يَسرُّني الدهرُ إذا ســرَّهُ وإنْ رمـاهُ فَلَـنا فجَّــعا

ونلاحظ في النماذج القليلة التي سقناها من أشعارهم أن أسلوبهم يميل إلى وضوح اللغة وسهولة التراكيب، في وقت كان معاصروهم من الشعراء الكبار يمتازون بجزالة اللفظ وصعوبته. فمن شعر مطيع بن إياس وهو يصف رحلة سكر مع مغنِّية تُدعى جوهر، قوله:

خرجنا نمتطي الزهرا ونجعل سقفنا الشجرا

ونشـربها معتقـةً تخال بكأسها الشررا

وجوهرُ عندنا تحكي بدارة وجهها القمرا

يزيدك وجهها حُسناً إذا ما زدته نـظرا

فهنا نرى أن الشاعر أتى بصورة مجازية في كلِّ بيتٍ تقريباً، دون أن يستخدم ألفاظاً حوشيّة أو تراكيب معقَّدة.

وإذا كان مركز هذه الجماعة الأصليّ هو الكوفة، فإنّها انتشرت إلى مدن عراقية أخرى كالبصرة وبغداد.

طنجة الخلابة: أدباء أمريكا يستلهمون طنجة:

بعد أن وصلت القوات الأمريكية إلى طنجة سنة 1942، انضمت الولايات المتحدة إلى الإدارة الدوليّة لطنجة التي فرضتها الدول الاستعمارية على المغرب سنة 1923؛ وصارت الإدارة الدولية تتكون من أمريكا وإسبانيا وفرنسا وإنجلترة. وكانت هذه الإدارة تميل إلى التسامح مع متناولي المخدِّرات والشاذِّين جنسيّاً من الغربيِّين. إضافةً إلى أنَّ كتابات بول بولز صوّرت طنجة على أنّها مدينة الغرابة، حتّى إنَّ الصحف الأمريكيّة أخذت تصف طنجة بأنّها " أكثر المدن غرابة وغموضاً في العالم."

لكلِّ تلك الأسباب أضحت طنجة مركز جذبٍ لعددٍ من أدباء الجيل المتعب مثل: وليم باروز، وإيرا كوهين، وإيرفنغ روزنثال، وبريون جزين، وألن غينزبرغ، وجاك كيرواك، وغريغوري كورسو، وغيرهم. وفي طنجة كتبوا عدداً من أروع أعمال الجيل المتعب الأدبية مثل روايتي " الغداء العاري" لباروز و " الغنّام" لروزنثال .

ولم يؤثِّر الجيل المتعب في الآداب والفنون الأمريكيّة فحسب، وإنما أثّر كذلك في الآداب والفنون المغربية، وهكذا نجد إشارات في النقد الأمريكيّ إلى " مشهد طنجة المتعب" Tangier Beat Scene الذي يضمّ إضافة إلى الفنّانين الأمريكيِّين بعض المغاربة مثل الكاتب محمد شكري والرسام محمد الحمري والقصاص الرسام محمد مرابط، وغيرهم من الذي تأثَّروا مباشرة بمضامين أدب الجيل المتعب وأساليبهم، بل حتّى بطريقة حياتهم وسلوكياتهم.

ولا ننسى أن عدداً من أدباء الجيل الضائع الذين كانوا يقيمون في باريس، زار مدينة طنجة، لا لقربها من باريس ولكن لجمالها وسحرها المُلهِمَيْن. كما زارها وأقام فيها عدد كبير من الأديب الأمريكيين، مثل الروائي القاص المؤلِّف الموسيقي بول بولز Paul Bowls (1910 ـ 1998) الذي أخذ بنصيحة الكاتبة الأمريكية غيرتيتود شتاين فترك باريس واستقر في طنجة ابتداءً من سنة 1947 ولحقت به بعد سنة واحدة زوجته الكاتبة المسرحية جين بولز (1917 ـ 1974) وبقيا في طنجة حتّى وافتهما المنية؛ والصحفيّ الأمريكيّ وليم بيرد (1888 ـ 1963)، الذي استقرّ في طنجة بعد الحرب العالميّة الثانية وأصبح محرِّراً لدورية Tangier Gazette حتّى إغلاقها سنة 1960؛ وأشهر كاتب مسرحيّ أمريكي في القرن العشرين تنسي وليمز (1911ـ 1983) الذي زار طنجة لرؤية صديقه بول بولز وكتب عنه محمد شكري كتابه " تنسي وليمز في طنجة " الذي ترجمه إلى الإنكليزية بول بولز؛ والكاتب الموسيقار ترومان ِكابوت (1924 ـــ 1984) مبتكر الرواية اللاسردية الذي قدِم إلى طنجة سنة 1948، كذلك لزيارة بول بولز وزوجته؛ والممثِّل كاتب السنياريو سين غوليت (1968 ـــ) الذي يعيش في طنجة ويصدر مجلَّته Entertainment Weekly التي ينشر فيها قصصه.

ولقد كتبتُ ذات مرة عن مدينة طنجة قطعة انطباعية جاء فيها:

طنجة مدينة برزخيّة، تلتقي على أعتابها الأرض والسماء، ويتعانق في تخومها الجبل الشامخ والموج الهادر، ويتهافت على أديمها البحر الأبيض والمحيط الأطلسي ليغسلا قدميها. ويلتقي في فضائها الملائكة والشياطين، فيعتنقون ويهبطون يتنزَّهون في وهادها ووديانها وأحيائها وحدائقها وأزقَّتها، ويخلدون إلى مقاهيها ومطاعمها وفنادقها. ولأنَّها صرّة العالم، تجتمع عندها القارات، وتتحاور في حضرتها الثقافات، كلُّ من قبّل ثراها منحته الخلود والحياة، وكلُّ من فارقها مات كمداً وحزناً وآهات.

كان اسمها، منذ القدم عطراً ساحراً، يتنقّل على أجنحة النسيم شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، فينتشي كلُّ مَن يشمّه، ويهيم بها عشقاً وغراماً. استنشقه الأنبياء والقديسون، والزهّاد والعبّاد، والقادة والمغامرون، واللصوص والمجرمون، وجميعهم وقعوا صرعىً بحبِّ طنجة وراحوا يهذون باسمها حتّى الإغماء. احتشدَ على أبوابها الفنّانون والشعراء والعلماء والأدباء، لعلّها تهبهم شيئاً من سحرها فيوافيهم الإبداع ويتيسّر لهم العطاء.

في الزمن الأسطوريّ الأوَّل، في فجر التاريخ، سمع بحسنها الفتّان، نبيُّ الله نوح، أبو البشر الثاني، وهو في مدينته شورباك في بلاد سومر جنوبي العراق، فعقد العزم على الوصول إليها والارتماء في أحضانها؛ فأفنى العمر كلّه، يصنع فُلكه ليبحر إلى مرافئ الحبيبة الموعودة. عَبرَ الأنهار، ومخرَ البحار، وقطع المحيطات من أجل عينيْها. كان يبعث بيماماته البيضاء بين آونة وأُخرى بحثاً عن طنجة، فكانت اليمامات تعود إليه خائبةً. وعندما أطلقها بالقرب من البوغاز، ورفرفت أجنحتها في سماء طنجة، أصابتها سهام الحبِّ، وسقطت على صدر الحبيبة الناهد بجبال الريف ولم تعُد إليه.

وعندما سمع عباقرة البحر الفينيقيّون بها، عقدوا العزم على الوصول إليها. جهَّزوا سفنهم العملاقة وانطلقوا، ولكنَّ طنجة كانت بعيدة المنال. استراحوا في الطريق وبنوا مدينة أوتيكا (العتيقة) ومدينة قرطاج (القرية الجديدة) مقراً لهم للراحة والتزوُّد بالمؤونة في طريقهم إلى طنجة. وعندما بلغوها، أَسَرتهم عيونها حبّاً وهياماً، فاتّخذوها سكناً ومقاما، ومنها انطلقوا إلى أوربا شمالاً وإفريقيا جنوباً وأمريكا غرباً.

هاجمها قطّاع الطرق من الإغريق، قاصدين قطف تفاح طنجة الذهبي، فضربهم حنابعل، القائد الجبار، بسيفه البتار ضربةً شقّت البحر بين أوروبا وإفريقيا، لكي يحمي طنجة من اللصوص والصعاليك والمغامرين. بيدَ أنَّ حبّ طنجة كان يستولي على أفئدتهم ويعبث بألبابهم، فتوافدوا تباعاً وارتادوها جماعة وأفراداً. قصدها الأباطرة والملوك من الرومان والبيزنطينيّين والوندال، كلُّ يمنّي نفسه بالوصال. وغازلها قوّاد البرتغال وملوك الإنجليز والإسبانِ، حاملين لها أغلى الهدايا وأحلى الأماني، طالبين يدها، فكانت طنجة تسخر منهم جميعاً، وظلّ قلبها مغربيّاً خالصاً.

بين الفينة والأخرى، عندما يرتجُّ عليّ القلم، ألجأ إلى طنجةَ، أحتمي برمال شواطئها، أستظلُّ بوارف أشجارها، استنشقُ هواءها المنعش، أرتوي من مائها العذب، أجلسُ في أحد مقاهيها قبالة البحر، التفتُ إلى يميني فأرى جبال الريف مثل سيدة مستحمَّة مستلقية على شاطئ طنجة. التفتُ إلى يساري فتنعشني نسمات قادمة من مغارة هرقل. أنظر أمامي فأرى وجوه أهل طنجة المشرقة الطافحة بالبشر والمحبّة والكرم. وعندها ينفعل وجداني وتنثال الكلمات على ستارة قلبي مثل مطر غزير.

القصة الأمريكية المعاصرة:

في النصف الثاني من القرن العشرين لوحظ تحوّل في القصة الأمريكية القصيرة في مضمونها وشكلها، مفاده أنّها تخلَّتْ عن تصوير أوضاع المجتمع واتّجهت إلى تصوير حالات الفِكر، وانتقلت من سرد الأحداث والوقائع إلى تحليل المشاعر والعواطف، ولم تعُد الحقائق التي تقدِّمها القصص سافرة واضحة بل مغلَّفة باللغز ومحجبة بالرمز، وأخذ القصاصون ينافسون الشعراء في استخدام الأخيلة الشعريّة واللغة الموحية المموسقة.

وحينما قرأتُ كتاب " أحسن القصص الأمريكية لعام 2015 " الذي تولّى تحريره الروائي القصاص الأمريكي تي. سي. بويل –(1948 ـ)، أستاذ الأدب في جامعة جنوب كاليفورنيا، والذي يضم 20 قصة قصيرة اختارها من حوالي 2000 قصة قصيرة نُشِرت في السنة السابقة في الدوريات الأمريكية والكندية، خرجتُ ببعض الملاحظات أهمها:

أ ـ من حيث الحجم، أصبحت القصة الأمريكية أطول بكثير مما كانت عليه في النصف الأول من القرن العشرين، كما تدل عليه الأعداد الأولى من سلسلة " أحسن القصص الأمريكية لعام ــــ "، فمثلاً في كتابنا السابق عن القصة الأمريكية " مرافئ على الشاطئ الآخر، نجد أن قصة " أحادي القرن في الحديقة" للقصاص جيمس ثيربر (1894 ـ 1960) تتألف من صفحة واحدة، وقصة " شيخ عند الجسر" لأرنست همنغواي تتألف من صفحتين فقط. أما معدل قصص كتاب " أحسن القصص الأمريكية لعام 2015" فحوالي 20 صفحة. ولعلَّ ذلك يعود إلى تصاعد الاهتمام بالجوانب النفسية لشخصيات القصة ومحاولة تحليلها ومعرفة تأثيرها على الحدث، بصورة مُقنِعة.

ب ـ أن المرأة أخذت تقاسم الرجل في مجال السرد الأمريكي، ففي حين كانت النساء القاصّات البارزات في النصف الأول من القرن العشرين، معدودات على أصابع اليدين، نجد أن كتاب " أحسن القصص الأمريكية لعام 2015" يشتمل على 10 قصص للنساء و10 قصص للرجال. ولم يعتمد الاختيار على جنس الكاتب، بل على جودة القصة. وقد لاحظنا زيادة عدد النساء القاصات المجيدات بصورة تدريجية في هذه السلسلة. ففي أواخر القرن العشرين ، نجد في كتاب " أحسن القصص الأمريكية لعام 1996" 10 قصص للنساء من مجموع 24 قصة. وفي كتاب عام 1997، نجد 8 قصص للنساء من مجموع 21 قصة. وتُعزى هذه الزيادة إلى عدة عوامل أهمها مشاركة المرأة للرجل في أمريكا في جميع المجالات بما فيها الكتابة الإبداعية، وأنتشار الأقسام التي تعلّم تقنيات الكتابة الإبداعية في الجامعات الأمريكية، وموهبة المرأة في القصِّ، فهي حفيدة شهرزاد التي كانت تحكي لتحيا.

ج ـ إن كتاب " أحسن القصص الأمريكية لعام 2015" اشتمل على ثلاث قصص تتناول حياة المثليّين (الشواذ جنسياً) المتزوجين ومشكلاتهم. واستخدمت هذه القصص استعمالات لغوية غير مسبوقة أو كانت تعدّ خطأ تركيبياً ومنطقياً، مثل " هي وزوجتها" و " هو ورَجله ، أي وزوجه" ، و " الأم الأولى والأم الثانية" (بالنسبة لبنت ولدت في منزل للزوجية مكوّن من سيدتيْن) وغير ذلك. وهذه الاستعمالات اللغوية الجديدة يُعنى بها المعجم التاريخي الذي يرصد التغيّرات التي تطرأ على اللغة عبر الزمن. ومعروف أن هذه القصص المثلية هي نتيجة لسنِّ قوانين في معظم الولايات الأمريكية تبيح زواج المثليّين، رجل برجل أو امرأة بامرأة، وتسمح لهم بتبني الأطفال أو ولادتهم بالنسبة للنساء. ومن وظائف القصة القصيرة تسجيل الظواهر الاجتماعية والمشكلات الاجتماعية.

وكما ذكرنا، فإن القصة القصيرة نوع أدبيٌّ نامٍ، ما يزال في دور التطور والنمو، ولهذا نتوقَّع تحولات عديدة في القصة في بلد مثل أمريكا يمارس فيه آلاف الأدباء كتابة القصة القصيرة.

 

بقلم: الدكتور علي القاسمي

..........................

- نُشرت هذه الدراسة بوصفها إحدى مقدّمتين عن القصة القصيرة في كتابي، " مشاعل على الطريق: أبدع وأروع القصص الأمريكية الحديثة" الذي صدر عن المركز الثقافي العربي في بيروت والدار البيضاء، 2018.

المراجع:

ـ إرنست همنغواي، وليمة متنقلة، ترجمة: علي القاسمي (القاهرة: مكتبة الأسرة، 2009) الطبعة الرابعة.

ـ نبيل الفرجاني، المظاهر الجمالية عند ظرفاء العرب، من الحجاز إلى بغداد (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2005)

-   The Beat Generation, in: www.honors.umd.edu/Honr2691/bibFeats.html

-   Levi Asher, “ The Beat Generation” in : www.litkicks.com/beatgen/

-   The Authorized Paul Bowles Web Site, in : www. Paulbowles.org

-   Ann Charters, Beat and Company, Portrait of a Literary Generation (New York: Bolphin Doubleday, 1986.

-   John Holmes, “ This is the Beat Generation” , The New York Times Magazine, Nov. 16, 1952. Copied in: www.litkickes.com/text/ThisisBeatGen.html

-   Ann Waldman (ed.), The Beat Book (Boston: Shmbhala, 1996)

 

 

 

 

محمد تقي جوناللغة  العربية واضحة الحركات والسكنات فهي تبدأ بمتحرك ولا تبدأ بساكن بعكس اللغات لوضوح الحركة والسكنة فيها.

وبهذا فالوزن العربي قام على عدد محسوب ودقيق من الحركات والسكنات، وعلى ما يلفظ فقط. وقد ساعد العرب على هذا اعتمادهم الشفاهية، فهاجس واحساس الكتابة غير موجود عندهم ولاسيما عند نظم الشعر.

وقد اهتدوا الى وضع ايقاعات تناسب كل حالة بما امتلكوه من رهافة حس. كما ان وضع الوزن قد يكون فرديا في البداية حتى اذا اشتهر تبنته المجموعة او اجرت عليه التعديلات المناسبة للنضوج. وربما وضع شاعر وزنا فلم يقلده احد فيه فظل شعره النموذج الوحيد او القليل عليه مثل:

هل بالديار ان تجيبَ صَمَمْ       لوان ربعا ناطقا كلَّمْ

ومثل:

اقفر من اهله ملحوبُ    فالقطَّبياتُ فالجنوبُ

فهذه اوزان فردية لم يكتب عليها، وحينما وضعت كتب العروض حاولت ان تجد لها مخرجا عروضيا.

المهم هذه المحاولات والتجاريب كثيرة، وهي أكثر مما رويت في كتب الادب والعروض، فأغلبها نُسي وضاع لعدم تبنيه من الشعراء ولعدم اهميته الفنية. وبهذا صار عندنا اوزان كثيرة مثل بضاعات مصنعة، منها ما اكتسب الثقة فنفق، ومنها ما لم يكتسب الثقة لقلة الجودة فبار. وهكذا هذه الاوزان اهملت وبقيت نماذج من الشعر قليلة محفوظة عليها.

وكانت أسواق الشعر مصانع لصقل الاوزان والايقاعات الشعرية التي تنسج عليها الاشعار، كما انها الحكم في جودتها وجدواها، فنحن نجد الاوزان الضعيفة تكثر في البوادي وتقل في الحواضر بسبب وجود هذه الاسواق والحكم عليها، كما ان بلاطات الممدوحين من  الحواسم في هذا المجال، فالشاعر بحاجة الى كسب ود الممدوح بشعر مؤثر، والوزن الضعيف لا يساعد الشاعر في ذلك، بل هو يقتل الفكرة والخيال ويستنزف كل طاقات الشعر، والشاعر المجرب ينتهي به المطاف في هذا البلاطات الى البحث عن الوزن المستحكم.

ان استقراء الاوزان في العصر الجاهلي يؤكد ان الاوزان لم تخرج من بحر الرجز كما يظن البعض، ولا ان الرجز سبق تلك الاوزان؛ لسبب هو ان فكرة الوزن لم يبتكرها العرب، فكل اشعار الارض موزونة ولكن طريقة الوزن تختلف، وتكون منسجمة مع طبيعة اللغة. وما اجتهد به العرب ليس اختراع فكرة الوزن، وانما اختراع اوزان قادرة على منح الكلمات سحر الموسيقى.

ويتفق الدارسون ومنهم ابن قتيبة على ان الكثرة من شعر العرب قد ضاعت، بل ضاعت اسماء شعراء كتبوا تلك الاشعار. فابن قتيبة يذكر ان (ابا ضمضم) انشد شعرا لمائة شاعر اسمهم (عمرو). ولم يستطع الاصمعي وخلف الاحمر تذكر اكثر من ثلاثين شاعرا بهذا الاسم، علما ان ابا ضمضم ليس راوية محترفا. وهناك من سقط شعره ولم ينقل، ويوجد رجاز ثلاثة (منذر ونذير ومنتذر) كانوا مشهورين ولكنهم عاشوا في البادية وماتوا فيها فنسي شعرهم. وحتما مع هؤلاء يوجد شعراء لم ينقل شعرهم وبقي رهين بواديهم فضاع.

وهذه الاشعار الضائعة ليس يدرى على اي الاوزان نظمت. وليس يقطع بأن الاوزان السليمة هي التي وصلت فقط، وان الاشعار التي لم تصل ليس فيها ما كتب على وزن منسجم وقوي الايقاع غير مشهور مما نعرفه من عروض العرب. بل على الضد من ذلك ارى ان اوزانا جيدة ضاعت مع ما ضاع من الشعر. والدليل ان بحر (المديد) مات في العهد الاسلامي، فلم يفلح الشعراء المسلمون ابقاءه حيا على الرغم من محاولاتهم. وهذا يؤكد ان اوزانا كثيرة ماتت لسبب أو آخر.

العروض الجاهلي او العروض الذي سبق وضع كتاب العروض يختلف عن العروض الذي وضعه الخليل. الفرق الاهم ان العروض السابق هو عروض عملي وتناوله الشعراء وعاناه الشعراء، فهو عروض متحرك فاعل منتج ولود. اما علم العروض فهم يخص التعليم والعلم ولم يوضع للشعراء وهو جامد استقرائي عقيم، بل انه حاول ان يضع حدا لابتكار اوزان جديدة من شعراء عباسيين اكثرهم عجم مثل ابي نواس وابي العتاهية ورزين العروضي وابن السميذع الذي جعل كل شعره على اوزان ابتدعها. وارى ان الخليل كلفته مؤسسة الخلافة بوضع اطار للأوزان العربية وما خرج من هذا الاطار ليس عربياً. وبالفعل فان بعض المتشددين لم يعترف بالاشعار التي كتبت على غير الاوزان العربية.

وتطول قائمة الاوزان المستحدثة منذ عروض الخليل الى يومنا هذا، لان الشعراء يظلون يبحثون عن انغام جديدة تلائم عصرية شعرهم وحتما تظل علاقة بين حركة العروض وحركة الحياة. والعصر العباسي كغيره انتج موسيقى الا ان تسيد الشعراء العجم في العصر العباسي الاول وابتكارهم اوزانا أخاف بلا مبرر من انزواء الاوزان العربية. وهذه الحساسية نسيت ان ابتكار الاوزان غير مقصور على العنصر العجمي، فهناك شعراء عرب قد يبتكرون اوزانا ايضا. كما ان اكتشاف الوزن قضية فنية انسانية، وهي حتما تضيف الى الشعر العربي. وقد اثبت الواقع ان الاوزان غير العربية التي عبرت من نقطة تفتيش كتاب العروض وهي : المجتث والمضارع والمقتضي والمتدارك لم تكن بقوة ورصانة الاوزان العربية الجاهلية وقد ماتت في عصرنا عدا (المتدارك) والمتدارك بقي واشتهر بفضل شعبيته وليس شاعريته.

ونخلص الى ان الخليل بن احمد اخرج ستة عشر بحراً، منها اثنا عشر بحرا جاهليا عربيا، ومنها اربعة بحور عباسية منحها العروبة لانها دارت في دوائرها التي وضع لها اسس معينة تقوم على التقليب، وهي نفس الاسس التي وضعها لمعجمه العين. وان بحور العروض ليس هي كل البحور العربية، فكثير من البحور العربية ضاع واندثر لقدمه ولعدم وصوله الى عصر التدوين. كما ان من بحور كتاب العروض ما هو غير عملي مثل المديد الاصلي (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن) لان نغمته لم يقدر عليها الاسلاميون كما يقول ابن المعتز، وبحر المضارع سقيم الوزن عقيم الايقاع لم يلحقه الخليل بالبحور الا لانه امتلك شروط الخليل وليس شروط الفن، ومن الخطأ الفاحش والاثم الموسيقي الكبير ان يعد المضارع بحرا شعريا ولم تكتب عليه قصيدة واحدة.

 

أ. د. محمد تقي جون

 

تمتلك الرحلة في رواية "رحلة الضباع" (المجلس الأعلى للثقافة –2013 ) للروائية سهير المُصادفة، بعدين متوازيين هما البعد التاريخي/ المجازي والبعد الواقعي / الاستكشافي، المستندة على المرجعية التاريخية – المعرفية والمتكئة على الواقع، لتشكيل رؤية مندمجة متفاعلة مع النصَ والمتلقي، فالمجازي يتمدد على رقعة زمنية تقارب ألف وأربعمائة عام مضت، تحديدًا بعد الهجرة النبوية بنحو خمس وثلاثين عامًا، تبدأ بالفتنة الكبرى وذلك بمقتل الإمام عثمان محققة نبوءة الإمام علي بن ابي طالب "أحذرك أن تكون إمام هذه الأمة الذي يقتل فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس أمورها عليها ويتركها شيعًا لا يبصرون الحق لعلو الباطل، يموجون فيها موجًا ويمرجون فيها مرجًا"*1، أما الواقعي فهو حكاية – رؤية رجل نحو المرأة التي هي زوجته، هذا الطرح المرتكز على الدم والجنس جعلته سهير المُصادفة يتداخل ويتنافذ فيما بينهما، وتتداخل أحداث الرواية بين التاريخي والتخييل من حيث يقوم الحاضر بالعبور إلى الماضي وبالعكس، مما أعطى هذا التنافذ الرواية زخمًا شعريًّا جماليًا وتحولاً حداثيًا في سرديات نصْ الرحلة.

واذا علمنا أن الرحلة مشتقة من الارتحال وهي تعني الانتقال من مكان لآخر، لتحقيق هدف معين، ماديًا كان ذلك أو معنويًا، فان دافع "رحلة الضباع" كان لسبيء النساء بغرض إستغلال أجسادهن والتمتع بها، والسيطرة عليها "- آهٍ، لو كنتِ تعرَفتِ إلى سيد هذه الدار منذ أيامٍ وهو يزعق مثل ديك الفجر في أهله بأنه ذاهب الى نصرة الله والحق، والمصيبة أن جميع أهله وجميع الناس يعرفون جيدًا إلام هو ذاهب.. لاشيء سوى جمع الغنائم والاستيلاء على المزارع وأسر الجواري – ص 116 /117  الرواية"، وذلك لايتحقق إلا بالقتل وسفك الدم فرحلة الضباع ماهي إلا عبارة عن رحلة العربي في التوغل في الدم العربي وإهانة واضطهاد وقمع المرأة عبر القرون، فالاستعارة للضباع استمدتها سهير المصادفة من قتل الواحد للآخر ومن الرؤية الدونية للمرأة "وكانوا هم مثل قطيعٍ من الضِباع أثناء رحلته ما إن يسقط أحدهم حتى يأكلوه ثم يواصلوا العدو خلف الأنجم – ص 166 الرواية.

وفي رحلة الضباع نعثر على رحلات إضافية، فهنالك رحلة "السوداء بنت الرومي" في الرواية – الحكاية تبدأ منذ البداية، في السفر في دروب المسلمين، حاملة معها مئزر وحيد ونبوءة سوداء فوق أكتافها، وروحًا قلقة ملتاعة، وحبًّا بالاستكشاف:

ـ كان عليَ أن أخترق قلب الصحراء لأصل إلى الربذة وفيد والثعلبية والأساود وذي قار ومنها إلى الكوفة، سأسير في الدرب نفسه الذي سيختاره بعدي ابن الإمام 2، ص101 الرواية.

كذلك "نرمين" تبدأ رحلتها حين مغادرتها للشقة وهي مطلقة، نحو التغيير، نحو انعطافة جديدة، حاملة معها ذاتها فقط، وحبًّا بالاستكشاف والحرية:

ـ ما زال عليكِ قطعُ أميال من الألمِ المرير واذا ما أردتِ اختصارها ياسيدتي فكوني شجاعة، ص 232 الرواية.

لقد قامت الروائية بالاشتغال على تقنية رواية داخل الرواية، كما في حكايات "ألف ليلة وليلة" حيث تشتغل حكاية داخل حكاية، محكي داخل محكي، زمن الحكايات متداخل متشابك لايشعرك باختلافه حتى لو كان هنالك اختلاف فيه.

تتكون الرواية من سبعة فصول، كل فصل مسبق بهامش عن وصف طبائع الضباع مستمد من كتاب الجاحظ "الحيوان" بدون عنوان ثانوي، حيث يصبح الهامش هنا جزءًا أساسيًا من المتن، وإضاءة له، موضحًا اقتران صفات الرجال بالضباع، بعكس رواية "لَهْو الأبالسة" وضعت عنوان ثانوي على كل الفصول العشرة اسمته "سمكة الجيتار" والهامش مستقل تمامًا عن المتن، ولايمت له بصلة، وكانت رواية واحدة، أما في "رحلة الضباع" فقد وضعت الروائية العنوان الرئيس مرتين، مرة على كل الرواية حتى قبل الإهداء والمرجعية (طه حسين وفتنته الكبرى- الأصفهاني وأغانيه –  الجاحظ وحيوانه -  الجبرتي – المقريزي)، ومرة أخرى وضعته داخل الفصل الرابع ابتداءً من صفحة 99 حتى صفحة191، هذه القصدية في كتابة عنوان الرواية هكذا، تدلل على أن رحلة الضباع لم تنتهي لا في تراثنا ولا في زمننا المعاصر رغم الأمل الذي سربته إلينا في نهاية الفصل السابع.

تبدأ الرواية ومنذ السطر الأول بداية استفزازية مبطنة بهلوسات الزوج المدعو "جمال إبراهيم" / الراوي ونظرته الذكورية المتخلفة والمحقرة لزوجته بشكل خاص وإلى النساء بشكل عام – إن البطل "جمال إبراهيم" قد رسمته الروائية كنموذج حي للرجل الشرقي بكل أفكاره وأوصافه وتصرفاته – "قررتُ منذ عام تقريبًا أن أرمي يمين الطلاق على هذه الحيوانة الصغيرة – ص 9 الرواية" ، وعلينا قبل أن نتوغل في الرواية أن نتعرف على هذه الشخصية المركزية والمحورية من خلال لسانها والتي هي "جمال ابراهيم" / الراوي، صحافي يعمل مصححًا لغويًا في جريدة "أندلسية"، عديم الموهبة، محدود التفكير، ضيق الأفق، كتبه التي في مكتبته لم يقرأها، بل موضوعة في المكتبة كديكور، تجاوز الخمسين من عمره، جعلته سهير المصادفة يصف نفسه بخبث لكي تكشف باطنه أمام المتلقي في تجسيده صورة الضبع أو المثقف المزيف:

ـ في الحقيقة لم أخلق لأكون صحفيًا فأنا كسول للغاية ومخي لا يبدع أي شيء جديد وهناك عطب ما في مشاعري، ص 15 الرواية.

ـ أتأمل بازدراء عضوها التناسلي بعد الانتهاء منه، ص 46 الرواية.

ـ لا أريد الآن إلا أن أستسلم تمامًا لهذه النفس الخربة التي أمتلكها، ص 79 الرواية.

ـ يبدو أنني لم أقرأ شيئًا من الكتب التي أقتنيها على الاطلاق، ص 196 الرواية.

يقع "جمال ابراهيم" فريسة للشك والارتياب في "نرمين"، وتجتاحه وساوس وأفكار غير سوية البتة، ومما يزيد شكه وارتيابه بها، هو استدراجه إلى الفراش كل ليلة باستماتة من قبلها:

ـ هل تخونني هذه الحشرة؟ ماذا وراء تلك العاقر التي جعلتني طوال سنوات أعتقد أنها تحبني حتى العبادة ولا أفكر إلا في مصيرها بعد أن أهجرها.. هل ستنتحر مثلاً؟ هل ستمرض بالسرطان من جراء الحسرة وتموت؟ هل ستدفن نفسها في حجرة ما حتى تجن تمامًا؟ ص 10 الرواية.

ثم يتفجر الموقف عند عثوره على قصاصات ورقية في سلة المهملات بخط يدها، فيلتقطها ويعيد ترتيبها بعد أن يقوم بكويها ورصها ولصقها بشريط اللاصق الشفاف، وهو يظن أنها خطاب إلى عشيق ما، ولكن يا لهول المفاجاة له، حين يتبين أنها فقرات من حكاية جارية عربية مسافرة في الصحراء،  تغتصب من قبل إمرء ما من دبرها – كم من الدلالات التأويلية في هذا الفعل الجنسي الشاذ، حينما تغتصب المرأة من دبرها وليس من فرجها، فالدبر لخروج الأوساخ بينما الفرج لانبعاث الحياة، ففي هكذا ظاهرة نعثر على العقلية السادية، المأزومة، المشوهة، وهنا في هذه اللحظة ينهار تحت وطأة المتركمات السوسيولوجية ـ التاريخية الذكورية المرتكزة على المركزية القضيبيَة*3 في العقلية العربية، والموروث الثقافي الجنسي الأصولي، حينما يظن أن زوجته "نرمين" هي المؤلفة، فالمرأة الكاتبة أشد خطورة وأعمق خطيئة من المرأة العاهرة في نظر مؤسسة الفحولة التخييلية، وليس من الممكن أن تكون المرأة مبدعة موهوبة، وهي منقبة محجوزة مهجورة:

"هل تنقل هذه الحشرة طوال فترة غيابي عن البيت أوراقًا من مخطوطات النثر العربي الممتلئة بكل الموبقات والممنوعة من التداول في المكتبات العربية – والتي حرصتُ على اقتنائها بصعوبة – ثم تمزقها بعد نقلها؟ من أين جاءت الفاجرة بتلك الكلمات؟ ظللت أؤخر عودتي ولقائي بها، وظللت أقترح كل الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة ولكنني لم يرد بخاطري أبدًا أنها هي المؤلفة، ص 31 الرواية".

عندئذ تتلبس جمال ابراهيم / الراوي حالة معرفة واكتشاف ماتفعله زوجته في الشقة أثناء غيابه، عليه يقوم بنصب كاميرات مراقبة في الشقة ليخترق أفعالها ويطلع عليها، ولو كان باستطاعته لقام باختراق أفكارها والاطلاع عليها، ولكنه لايشاهدها إلا وهي تكتب ثم تكتب، فالكتابة في هكذا حالة تصبح فضاءً لا محدودًا من ممارسة "فعل" الحرية المفقودة، ففي الكتابة تحقق حياتها وتثبت وجودها الذي يحاول زوجها الغاءهما،  وفي الكتابة أيضًا تتحرر منه وتنتصر عليه:

ـ هل ستكتب الآن امرأتي؟ هذه المرأة تكتب! ماذا تكتب هذه المرأة التي لم تخرج من عباءاتها ثم لم تخرج من جدران بيتي؟ ماذا تعرف عن الحياة لتكتبه؟ وإذا كنت أسخر من الكُتَاب من الرجال الذين خبروا الحياة وخبرتهم فماذا عساني أن أقول عما تكتبه تلك الناقصة العقل والدين؟ ص 68 الرواية.

ويصور الراوي مخطوطها الذي يعثر عليه في أحد مجلدات "ألف ليلة وليلة" والذي لم يتعد تسعين صفحة، والذي يحكي حكاية امرأة اسمها "السوداء بنت الرومي" التي لم يعرف أحد سنوات عمرها، حكاية شفاهية تناقلت ألف وأربعمائة عام عبر لسان الحريم، بشروط تتسم بخبرة نسائية، على أن تحكى الحكاية من قبل الجدة لحفيدتها من ابنتها لا من ابنها، وقبل موتها بثلاثة أيام، "قالت الجدات حفيدات الجدة عبر قرون" حتى لاتبقى الحكاية/ الشفاهية محفوظة في سلالة واحدة، وتمنع الوصول إلى ذكور القبيلة، هكذا وبهذه الطريقة وصلت الحكاية إلى "نرمين" من الجدة الكبرى "السوداء بنت الرومي" التي حكتها لحفيدتها هاجر ابنة بنتها الحبابة، ولكن عندما تسئل نرمين جدتها أسئلة كثيرة منها أنها عاقر وكيف سوف تستطيع إيصال الحكاية، ولمن؟ تقول لها جدتها بحزم:

ـ للمرأة يا بنتي دروبها الخاصة التي لم يطأها سواها إلا الأبالسة، ص 97 الرواية.

وللحكاية لعنة لا أحد يستطيع الخلاص منها أبدًا إلا بأن تُحكى، فكيف بآخر حفيدة عاقر، لا حفيدة لديها، فتتخذ قرار حاسم بأن تحول الحكاية الشفاهية إلى نصَ / مخطوط مكتوب – هذا القرار كان نتيجة المعاملة اللا إنسانية لـ "نرمين" من قبل الزوج "جمال"، ونتيجة عزمه الزواج بأخرى رغبة في الإنجاب رغم أن الحكاية قد نُقلت إليها منذ خمسة وعشرين عامًا وبالضبط قبل زواجها بعامٍ وموت جدتها بثلاثة أيام - وبهذه الطريقة تحول التاريخ الشفاهي السري المهمش للنساء إلى تاريخ مدون معلن يفضح المسكوت عنه، ليقرأه الجميع، ولتعثر على دربها الخاص بها في نقل الحكاية، وبهذا العمل تلغي "نرمين" شروط الحكاية وتجعلها مستباحة للكل، مثلما كانت الجدة "السوداء بنت الرومي"  مُباحة لجميع الرجال.

أما نبوءة الجدة الاولى فكانت مختلفة عن لعنة الحكي التي لعنت بها الجدات، فبينما كانت في خبائها تنشق الأرض أمامها ويخرج كائن بلا ملامح ويأمرها بتبليغ المسلمين بالتوقف عن القتال فيما بينهم، وبعد هذا الظهور تشعر بأنها منحت قدرة على رؤية ما مر من أحداث سابقة وما سوف يمر منها.. "كنت أعرف أنني صرت قادرة على رؤية ما أشاء من سابقات الحوادث، ورؤية ماهو قادم منها بإذنٍ من الله.. لاحظت أن زواحف الأرض السامة وحشراتها تبتعد عني دون أن تمسسني بسوء كأنني صرت فجاة محصنة ضد كل ما يؤذي في الحياة، ص 105 الرواية"، وعلى اثر منادتها للمسلمين وتحذيرهم بالابتعاد عن الفتنة التي أصبحت متجذرة فيهم، وذلك بالاصغاء والاستماع للآخر، وتحريم سفك الدم، ولكن تنبيها لا أحد يستمع له، لأن ليس هناك من يسمع، لهذا يفتح على هذه الأمة القتل والقتال إلى يوم الدين، ويطلقون عليها نعت "الرائية" ص 112 ويصبح عملها وهي في خضم الحروب الضروس الحاصلة بين المسلمين الإخوة في الله أن تواريهم التراب ص 113، ومن أجل الخلاص ومن أجل حبيبها "عمر بن عدي" الذي هجرها ومضى على أساس الجهاد في سبيل الله تسلك درب الكوفة لتلحق به ولكنها تتيه سنوات وسنوات ـ يتبين أن "عمر بن عدي" يتاجر بالأسلحة والدروع بين الفرق المتحاربة، ولوضاعته عندما تعثر عليه أخيرًا يقوم ببيعها كجارية للقعقاع بـ ألف دينار وبرذونة وناقة، لكن نبوءتها تنتشر في أرجاء الصحراء وتصل إلى المتحاربين، ولكن..

"لم أفهم شيئًا مما خطته يدها على الإطلاق هل هذه رواية؟ ص 195 الرواية."

هل هو حقًا لم يفهم "مضمون" المخطوط؟ ومن الذي قال له أن هذا المخطوط هو رواية؟ ماكان يود أن يقرأه في المخطوط توسلاتها وآهاتها وتوجعها ومشاعرها وضعفها وإنكسارها، ولكن ذلك لم يحصل، بل نرى أنها تقول شيئًا مغايرًا ليقيناته وثوابته، تقوله "نرمين" على لسان السوداء:

"ضيعتُ عمري كله خلف سرابٍ.. خلف ضبعٍ من ضِباعهم بَري قلبي بريًا. ص 184 الرواية."

لقد بنى تصوراته وأرائه على الفعل الجنسي، أي على الممارسة الجنسية التي كانت تحدث بينهما المغلفة بهلوساته وتصوراته المنبعثة من قمقم مارد "ألف ليلة وليلة"، ومن دار "السبع بنات"، عبر مركزيَة لاهوتيَة ـ قضيبية متراكمة في السوسيولوجية – التاريخية تعمل على نشوء خطاب ثقافي دينيَ يكرس العنف السادي تجاه المرأة والنظرة اللا إنسانية:

"إزاء يقيني بأن كلَ أجزائها ملكي، مزقت للمرة الأولى في حياتي معها كلَ ماكانت ترتديه بكل ما استطعت من قوة فتناثرت الفيونكات الحمراء الحريرية الصغيرة التي تزين حمالات قميصها الوردي، تحسست بهدوء مثير صدري.. شددت شعرها وأكلت شفتيها أكلاً وابتلعت تأوهاتها التي لم أسمعها بهذا العنف من قبل أبدًا وأنا مفتوح العينين، ثم توقفت لأتأمل كل جزءٍ من جسدها العاري، كنت أحاول أن أدخلها من كل فجاجها علني أختفي فيها، كان صراخها العاتي يهزني وعلى إيقاع يدها التي تضرب ظهر السرير اكتشفت أنني يمكنني الاستمرار هكذا وإلى الأبد إذا تحكمت في انقطاعي عمًا أفعل فجأة أو استغراقي في محاولة الإجابة عن سؤالٍ واحدٍ: مِمَ صُنع هذا الكائن الفاتن؟ ص 235 الرواية.

هذه رؤية الزوج تجاه "نرمين"، رؤيته الأنانية، فهو لم يحاول يومًا أن يتعرف على مشاعرها وأحساسيها، ولم يتقرب منها نهائيًا وهي المجروحة والغارقة في المهانة، والتي أصبحت خارج حياته، لأنها هي ليست طريدة لكي تحتاج إلى صيادٍ، بل هي امرأة كاملة تحتاج إلى رجلٍ، ولذا نرى أن وصفها للعملية الجنسية تأتي من قبلها مختلفة تمامًا بل مناقضة لرؤيته  وتصوره، بل تكون على الضفة المغايرة الأخرى:

"أنه واجبه المقدس أن ينكب فوقكِ لاصقًا صدره بصدركِ خانقًا إياك ضاربًا بعرض الحائط كلَ وصايا ابن حزم في ممارسة الحب ومشرعًا رأسه لأعلى لُيخفي وجهه بعيدًا عن وجهكِ ولكي يتحاشى بالمرةِ تقبيلك ودونما كلمة واحدة ودونما همسة محبة ودون أن يشير من بعيدٍ أو قريبٍ إلى أنه يرغبُ في ملامسة حتى يدكِ أو أنه يحبُ أن تحتضنيه هكذا سيدخلك ممددًا عليكِ صامتًا ولن يُسمع في الفضاء إلا هديلك دون أي صدى، ليس لأنه وصل إلى ذروة محبته، وإنما لأنه أدى واجبه ولسوف ينهض عنك مخلفًا إياك جائعة لإنجذابه الأوَل وولعه الأوَل بجسدكِ، وقد تروحين وقتها في تخيله وهو يفتش في أعضائكِ عضوًا عضوًا عن أكثر من باب للدخول، ص 225 الرواية.

دون قبلة دون همسة محبة دون لمسة حنان، يدخلها، وهكذا كان "عمر بن عدي" مع جدتها "السوداء" عندما يعتليها، ويحول جسدها إلى ضلع من ضلوعه – رؤية الأسطورة التوراتية نحو المرأة بأنها خلقت من أضلاع الرجل ـ ثم لينفضها من تحته فجأة ويركلها كأنها كلب أجرب وهو الذي كان ينكحها منذ لحظات، وهو الذي حرثها ـ أي نكحها حسب تعبير الروائية – خلال عام واحد خمس وسبعين ليلة متفرقة، تناقض في الفعل وفي الرؤية وفي الموقف.

الصور السردية تتناغم متلاحمة في البنية الحكائية المتواجدة في مخطوط "نرمين" مع بقية الرواية المكتوبة من قبل سهير المُصادفة، وتشترك جميعها عند تناولها في المنظور "الفنتازي" و"المتخييل" و"الواقع"، فالحكاية التراثية المتخيلة تلتقي مع الحكاية الراهنة المتخيلة في الكتابة، بل أن "السوداء" / المخطوط  و"نرمين" / الحاضر والروائية /الرواية يتحررن عن طريق الكتابة، ففي الحكي الشفاهي تتحرر "السوداء":

ـ لم أعد أدري الآن يا بنيتي كم لبثتُ في كنفه أتمرغُ في الحرير وأتثاءب من السعادة وأساعده في كتاب الأخبار التي يمكنُ كتابتها على لوح الزمان بعد أن علمني الكتابة. ص 190 الرواية.

كذلك "نرمين" تحررها ينبثق من كتابتها لمخطوطها المنتسب لسلالة النساء / الجواري فقط:

"لقد وضعتِ في مخطوطكِ: لحظاتِ الأسرَة كلها، ووجع البلاط من فرط كثرة وثقل خطواتكِ عليه، وتعب المرايا، ونيران غضبكِ التي تشتعل في وحدتكِ، أحلامكِ التي لملمتها بحرصٍ بالغٍ من ليالٍ شديدة السواد وحبستها الى الأبد في سطوركِ. ص 230 الرواية.

وهي في انفصالها عنه تصبح روائية مشهورة، وتشارك شباب مصر في شهر يناير 2011 النوم في ميدان التحرير، أما الزوج فيدرك بعد فوات الآون كم هو غبي وأحمق، ولكن الندم لايفيده في شيء، ولا يفيده تتبع حواراتها على الفضائيات، ولا مراقبته لها وهي مع زوجها تجلس على مقهى الفيشاوي بالحسين، وهي تشرب الشيشة التي طلبها لها زوجها، فهو كما يقول عن نفسه صارخًا:  "أنا طائر الحباري"، الطائر الطريدة الأولى والتراثية للصقارين في صحاري الجزيرة، وهو يشكل التحدي الكبير لهم ولصقورهم، واصطياده يعطيهم الإحساس بالفخر والنصر.. فهو طريدة نفسه، وطريدة العقلية الظلامية.

يقول "أدونيس": "تاريخ الإنسان هو تاريخ حريته"، وحرية الإنسان في أن يكون ذاته ـ مثلما عملت "نرمين" عند مغادرتها للشقة عندما ارتدت بنطلون جينيز واسعًا وبلوزة زرقاء وجاكيت أسود، عاقصة شعرها بدبوس شعر كبير فالتغيير لم يكن وليد الصدفة أو اللحظة، لا لقد حصل التغيير منذ زمنٍ طويل من الداخل، وبما أن الحرية تقترن بالكتابة، فإذًا تصبح الكتابة جزءًا مهمًا من الحرية، والكتابة بهذا المعنى كتابتان: كتابة تعمل على غلق النص، وتتوقف في زمن معين، وكتابة تعمل على فتح النص، وتجعله دائمًا محايثًا، وبين هاتين القراءتين، تقع مسألة الحداثة، فإن كتابة وقراءة هكذا نص، هي لذة، وهذه اللذة ليست قطيعة مع المتخيل التراثي، ولا مع اللحظة الراهنية، بل هي امتدادًا لهما، وتجذيرًا وترسيخًا فيهما، وأخيرًا سوف أتساءل كما تساءل "رولان بارت": "إذا كنت أقرأ هذه الجملة بلذة، وهذه القصة، أو تلك الكلمة، فلأنها كتبت ضمن اللذة (فهذه اللذة لا تتعارض مع عذابات الكاتب). ولكن ما هو قولنا في العكس منها؟ هل الكتابة ضمن اللذة، تضمن لي – أنا الكاتب – لذة قارئي؟*4.

 

أسامة غانم

....................

الهوامش والإحالات

1–  ابن الاثير – الكامل في التاريخ، تحقيق الشيخ خليل مأمون شيحا، ج 3 دار المعرفة، بيروت – لبنان، ص128.

2– الإمام الحسين بن علي (رض).

3– هذا المصطلح قمنا باستعارته من كتاب "بنيان الفحولة: أبحاث في المذكَر والمؤنَث" للدكتورة رجاء بن سلامة، دار المعرفة للنشر – تونس.

4– رولان بارت – لذة النص – ترجمة: د. منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري، حلب ـ سوريا1992 . ص25.

 

 

السيد الزرقانيللشاعرة مني جلال

- كما تعودنا منها دائما،تأتي إلينا في الوقت المناسب بتحفة شعرية من الحياة اليومية منطلقة إلي أفاق أوسع  من العام الي الخاص ثم تأخذنا إلي المخصوص كما كان يفعل شعراء العامية العظام "بيرم التونسي "في رائعته" المجلس البلدي " وشاعرنا العظيم "احمد فؤاد نجم "في قصيدته  الرائعة "البتاع "هاهي الآن تأتي إلينا بقصيدتها الرائعة "صباح الخير" تلك هي القصيدة الجديدة للشاعرة المتألقة " مني جلال "وهي من قصائد اللحظة الشعرية المتدفقة في لحن موسيقي ،متناغم مع المشاعر اللحظية التي يعيشها جموع المصريين في أزمة الوباء، الشاعر اختارت العنوان "صباح الخير " كناية عن فجر جديد سيهل علي الوطن،بعد ليل طويل كان مظلم  علي الجميع، كان كابوس اثار الرعب والقلق إلا أن هذا الصباح عند الشاعرة كان عاما علي ربوع الوطن في الصحراء المتسعة والوادي مع اختلاف اللهجات والعادات الا انهما مشتركان في تلك التحية التي اعتقد أنها من صنع وإبداع المصريين  فنجدها تقول في مطلع القصيدة:

صباح الخير على بلادي

على الصحرا وع الوادي

على المصري اللي في الأزمة

بيبقى شخص غير عادي

- ننظر إلي التعبير الرائع في نهاية المقطع "بيبقي شخص غير عادي"وتلك هي عظمة هذا الشعب الذي يظهر معدنه الأصيل وقت المحن والأزمات ففي وقت الفيضان قديما كان المصريون يبدعون بكل السبل والطرق لمقاومة تلك الكوارث الطبيعية وهاهو الشعب المصري يظهر جوهره الثمين في تلك المحنة الطبيعية التي اجتاحت العالم إلا أن مصر بفضل قيادتها وشعبها نجحوا في التقليل من الآثار المدمرة  فنجد الشاعرة في حث متدفق لا شعوري من رحم الأحداث تقول :-

صباح الخير

على الشعب اللي إيد واحدة

على الألفة وع الوحدة

على قلوبنا اللي وقت الجد

بتبقى ف لحظة متحدة

- تنتقل بنا الشاعر من مرحلة العموم إلي مرحلة التخصيص،حيث أظهرت تلك المحنة نوعيات معينة كان لها الدور الأعظم في تجاوزها، بل وحماية الجبهة الداخلية للوطن من ويلات الإرهاب حتي لو وصل الأمر الي التضحية ونجد ذلك متمثلا في الشرطة والجيش  فنجدها في لحظة وفاء ترسل التحية أليهم فتقول:

صباح الخير

على الشرطة معاها الجيش

وناس بتموت عشان نحيا

هدف واحد وغيره مافيش

على جنودنا اللي بيضحوا

عشان انا وانت بس نعيش

-ثم تنتقل بنا إلي المرحلة الثالثة والهامة وهي تخصيص المخصوص أي تلك الجنود التي ظهرت معادنها الأصيلة في أزمة الوباء وهم كل رجال الصحة والتي أطلق المصريون عليهم اسم " الجيش الأبيض "الذين رفعوا شعار الوطن أهم واغلي وحياة المصريين أهم من أي شيء فظهرت بطولات ومازالت هناك أسرار وحكايات سيجلها كل طبيب وممرض خاض معركة خاصة من نوع خاص في سبيل اجتياز الأزمة وتجلت تلك البطولات في المواقف الإنسانية التي تطايرت الي بعض وسائل التواصل  وتجلي معها الروح والعزيمة في تلك الملحمة الإنسانية لرجال الطب فاستحقوا التحية من الشاعرة التي تقول:

صباح الخير

على جنودنا اللي مجهولة

وجيش ابيض بيتفانى

جهود جبارة ومهولة

بيتحدوا الخطر والموت

بكل شجاعة وبطولة

صباح الخير على القادة

على الناس اللي شالوا الهم

بكل عزيمة وإرادة

في وقت الصعب بنشوفها

ورغم الشدة سدادة

- مع اشراقة اليوم الجديد تتجلي الآمال والبشائر في أرواح  المصريين لأنهم تعودوا انه من رحم  الموت تولد الحياة، الشاعرة تعد المصرين بان الأزمة ستمر كما مرت غيرها من الأزمات،وسيعود المصريين مرة أخري ألي التلاقي كما كانوا دائما فنجدها تقول :-

صباح الخير

هنتقابل في كل مكان

ونرجع تاني نتلاقي

دا شيء عادي وفي الإمكان

نقول اهي شدة وانزاحت

وتصبح قصة كان يا ما كان .

- وأخير علينا ان نقر بان الشاعرة تمتلك موهبة فطرية وإحساس مرهف،وتمتلك من الثراء الأدبي ما يجعلها تمتلك زمام الحرف والكلمة، تعتمد علي الأسلوب السهل  البسيط الذي يعبر عما بداخلها، لديها القدرة علي إحداث الدهشة والانبهار لدي المتلقي، تمتلك لحن موسيقي  مثير للاستمتاع، وصور جمالية رائعة في قصيدها، لديها القدرة علي الانتقال من فكرة الي فكرة دون الإخلال بالبناء الفني في القصيدة،وهذا عهدنا بها في إبداعها  الأدبي منذ طلت في الوسط الثقافي لتضع قدميها علي الطريق الصحيح من اجل الصعود إلي ذروة الإبداع الشعري.

 

بقلم  د. السيد الزرقاني

 

حسني التهاميعلى عكسِ معاصرِيهم من الشعراء التقليدين، رفض الصوريون المشاعرَ التي امتلأ بها الشعرُ الرومانسي والفكتوري. ودعوا إلى العودةِ إلى القيمِ الكلاسيكية، كالعرضِ المُباشرِ للأفكارِ والاقتصادِ في اللغة، والقدرةِ على تجريب أشكالٍ شعريةٍ حداثية؛ لذا فقد خاضوا غمارَ الشعرِ الحر. وأهم ميْزةٍ للحركةِ الصورية هي العكوفُ على عزلِ صورة واحدةٍ للكشفِ عن جوهرها. تعكسُ هذه الميزةُ التطوراتِ المعاصرة في الفن الطليعي، وخاصةً التكعيبية. على الرغم من أن الصورية تعزلُ الأشياءَ من خلال استخدام ما أسماه إزرا باوند بـ"التفاصيل المُضيئة" (1). عرَّف باوند الصورةَ على أنها "تلك التي تقدم عُقدة فِكْريةً وعاطفيةً في لحظةٍ من الزمن". وتابع قولهَ: " تقديمُ صورةٍ واحدةٍ يمتد أثرها أفضلُ من إنتاجِ أعمالٍ ضخمة".(ص30) (2)

اهتم الشعراءُ بكيفيةِ بناءِ القصيدةِ وأثرُ هذا البناءِ على المعنى.وكلما كان بناء الصورة بسيطا، كانت المعاني واضحة وأكثر عمقاً. يرى توماس هوبز أن الصورةَ مهمةٌ في العمليةِ الإبداعيةِ، فهي بمثابةِ الجِسرِ الذي يربطُ بين "الخبرةِ والمعرفة". (Frazer، in Petrzykowska، 2002، p.141). تقومُ الصورةُ باستدعاءِ الحواسِ لدى القارئِ، لكن استجابة تلكَ الحواسِ بالتأكيد ستكون مختلفة من قارئ لآخرَ تجاه الصورةِ المنعزلة. لا يستطيعُ الشاعرُ التحكمَ في استجابةِ القارئِ للصور، كلُ ما يُمكنُ أن يتحكمَ فيهِ هو شكلُ الاستجابة. فعندما يُصورُ الشاعرُ مشْهداً أو لقطةً فريدة في لحظةِ من الزمن، يتركُ انطباعاً وأثراً في ذهنيةِ القارئِ لفترةٍ أطول . سوفُ ينتهي المشهدُ حتْما بانتهاء الحدثِ على أرض الواقعِ، لكنهُ سيظلُ حياً في النصِ الشعري. 

وعادةً ما تكونُ الصورُ الشعريةُ مُبتكرةً وغيرُ مألوفةٍ، مما يَجْعلُها أكثرَ جاذبيةً للقراء. ويظلُ القارئُ غيرَ العاديِ قادراً على رؤيةِ الأشياءِ والتمعنِ فيها بطريقةٍ مُختلفة، وذلك لأنَّ لديه القُدرةَ على الملاحظةِ الدقيقةِ وعلى استكشافِ الأشياءِ بشكلٍ أعمق . يقومُ الشاعرُ برسمِ الصُورةِ بنوعٍ من "الغرابة" على حدِ تعبيرِ الناقدِ (شلوفسكي 1965 ص 19) وهذه التقنيةُ الفنيةُ تجعلُ القارئَ أكثرَ فُضولاً، وتعطيُ أهميةً للموضوعِ ذاته إلى جانبِ الإحساسِ بالغموض. يؤكدُ شلوفسكي أنَّ الهدفَ من الصُورةِ هي خلقُ تصورٍ و"رؤية" حول الشيء وليست وسيلةً معرفية. كما يبينُ هولكولم تفوقَ الخيالِ الأدبيِ على الاكتشافاتِ العلميةِ والتحليلِ العقليِ للأشياءِ لأنَّ المخيلةَ الشعريةَ توفرُ نوعاً من المعرفةِ، ويؤكد أنَّ الصورةَ تزودُ القُراءَ بـ `` فورةِ الإضاءةِ التي تتجاوزُ المخاوفَ العادية '' وتُعطي للقارئ نوعًا من "الإحساس" الذي لا يمكن العثور عليهِ في الحياة اليومية. (هولكولم 2007). كما يُوضح إزرا باوند أهميةَ الصورةِ وتأثيرها في ذهنية القارئ . والصورةُ الناجحةُ هي تلكَ التي تتركُ لدى القارئ انطباعاً مُعيناً لفترةٍ من الزمن " من الأفضل إنشاء صورة تدوم مدى الحياة بدلاً من أعمال كبيرة لا تترك أي انطباع على الإطلاق" (Hughes، 1960، p. 2).

إن الصورةَ الشعريةَ ذاتَ أهميةٍ كبيرةٍ عند شعراء الحركة الصوريةِ في تشكيلِ النص، فهي التي تجعلُ المفاهيمَ أو الظواهرَ أشياءَ ملموسةً،إنها تجسيدٌ لفكرةٍ ما . إنها تقومُ بالتعبيرِ عن الأشياءِ بطريقةٍ أكثرَ جاذبية . يجبُ على الشاعرِ أن يُقدم للقارئِ صورةً حسيةً وحَيَّةً بشكلٍ مُباشرٍ وبصورةٍ واضحةٍ بعيداً عن اللبس والغموض، ذلك لأن الغُموضَ لن يترك أيَ انطباعٍ في ذهن القراء . وإذا لم يتمكنِ النصُ من تركِ الأثرِ العميقِ والانطباعِ الذي يعلق بذاكراتهم. وعند تأمل الصورة الحسية تحدث ذلك الأثر العميق عند القارئ، ويمكنُه استكشافُ تفاصيلِ العوالمِ السِحريةِ الكائنة بالنص . 

في نصِ "حورية" الذي نشر عام 1915 للشاعرةِ هيلدا دوليتل تلتقطُ الشاعرةُ مشهدَ دوامةِ البحرِ في لحظةٍ ما، وتنتهي هذه اللحظةُ واقعياً عند هدأةِ البحر، أوعندَ انصرافِ الشاعرة عن رؤيةِ المشهد . لكنْ عند قراءةِ النصِ تتحركُ أما القارئ صورةُ البحرِ في هيَجانِه، وتظلُ عالقةً ومحفورةً في ذهنِه لفترةٍ طويلةٍ من الزمن:

تدافعْ -أيها البحر، (3)

ألق صنوبرك المدبب الهائلَ،

رشه

فوق صخورنا،

القِ باخضرارك فوقنا

غطنا بأحواض التنوب.

والمتعمقُ في نصِ "حورية " نلحظُ اقتصاداً لافتاً في اللغة، أو بمعنىً آخرَ ليسَ ثمة كلماتٌ زائدةٌ غير معنيةٍ بتشكيلِ صُورةِ النص، وهذا يَدلُ على أن الشاعرةَ التزمتْ البَيانَ العامَ الذي صاغَه إزرا باوند. ركزتِ الشاعرةُ على صُورةِ (ارتطام الأرض بالبحر)، ولم تُستدرجْ إلى انزياحاتٍ أُخرى تَصرِفُ القارئَ عن جماليةِ الصورة. إنَّ وصْفَ هيوز لـلشاعرةِ باعتبارِها تجسيدًا مِثاليًا للحركةِ هو انعكاسٌ للوعي بما نادى بهِ باوند، حيث كان استخدامُها للصورِ دائمًاً مُوجزًا ودقيقاً.

إن عنوانَ القصيدةِ المأخوذَ من الأسطورةِ الإغريقية، والذي يَعْني "حورية الجبل" يُفسرُ الإشارةَ إلى شجرةِ "التنوب" في القصيدة وهي من فصيلة الصنوبريات . تُخاطبُ تلك الحوريةُ البحرَ وتتوسلُ له أن "يُحلِّق" فوق الصخور، ويُغطيها بأمواجهِ التي شبهتْها الشاعرةُ بـ "بأحواض التنوب". تتماوجُ اللغةُ والإيقاعُ مثلَ موجاتِ البحرِ اللطيفةِ، ولا نكادُ نَحسُ هذا الإيقاعَ المُوسيقيَ إلا في لغتِه الأصلية. لنتأملْ مثلاً استخدامَ الشاعرةِ لما يُشبه الجِناسَ الناقصَ في لغتِنا العربيةِ في الكلماتِ التالية:" “ whirl up” في السطر الأول و“whirl” في السطر الثاني و”hurl” في السطر الخامس . وهذه الكلماتُ تُحدثُ نوعاً من الموسيقى الظاهرةِ إلى جانبِ المُوسيقى الخفيةِ في النص. والموسيقىُ الداخلية في القصيدة تنتجُ في الأساسِ من تصويرِ حالةِ الانصهارِ بين الصنوبرياتِ والبحر: تطلبُ الحوريةُ من الأمواجِ /"الصنوبر المُدبب" أن تدورَ فوقَ الصخورِ،تمامًا مثلَ "أحواضِ التنوب". لقد حدثَ بالفعلِ هذا التمازجُ بين الماء والأرض. في هذا النصِ المُختزلِ تُقدم الشاعرةُ صورةً عبارةً عن مزيجِ من الفِكر والعاطفةِ في لحظةٍ من الزمن. واستخدامُ الشاعرةِ لكلمةِ الصُنوبر،وهو نباتٌ يوجد في التضاريس الجبلية، واستدعاءُ كلمةِ "أوريد" أيضا هو استجلابٌ للمشهدِ الأسطوري . وكلمة "الصنوبرُ" تُشيرُ إلى " شِدةِ واستمرارِ التوْقِ، خاصةً لشيءٍ بعيدِ المنال". في نهايةِ النص التقاءُ الأمواجِ بصخورِ الساحلِ هو لقاءٌ مُتفجرٌ يتسمُ بالقوةِ والتآلفِ والسَكِينةِ. تقولُ الناقدةُ سُوزان فردمان:

  "إن تكثيفَ التِقنيةِ الصوريةِ يُحققُ فقط هذا الاندماجَ بينَ الأضدادِ في قصيدةِ"حورية". جمعت الصورةُ في النص تضاداً بين الأرضِ والبحر. فـ "حورية الجبل" هي الأرضُ، وبالتالي تتعرفُ على الشاطئِ وتُخاطبُ الأمواج . وباعتبارِها روحَ الأرض، فإنها تطلقُ بشكل مفهوم على سوائلِها عباراتِها الخاصة: فالأمواجُ هي أشجارُ الصُنوبر المُدورة التي تدورُ وتتعطلُ وتصنعُ أحواضاً من التنوب. هذا النمطُ من الفِكرِ غيرِ العقلاني يُعطي الحركةَ والغضبَ والسكونَ المائِيَّ للأرضِ؛ على العكسِ من ذلك، فإنه يُعطي مكانةً واستقراراً للبحر. لكنَّ هذه الصِورَ تكثفُ الأضدادَ وتُؤكدُ وتنكرُ في آنٍ واحدٍ تقسيمَ الأرضِ والبحر."(3)

على الرغم من أن "حورية " نصٌ قصيرٌ جِداً إلا أنَّه يَجْعلُ القارِئَ أمامَ تَجارِبَ إنْسانيةٍ مُتعددةٍ وتأويلاتٍ عِدَّةٍ: تناقضُ الذاتِ مع "الآخر"، الرغبةُ والمثابرةُ في نيْلِ الأشياءِ البعيدةِ والحاجةُ المُلحة إلى التنفيسِ والملاذ وكل هذه المعاني العميقة تتولد من خلال الصور المتدافعة بالنص.

وعلى الرغم من أنَّ النص يخلو من الملامح الرومانسيةَ، إلا أنَّ الصورةَ الشعريةَ استطاعت أن تثير العاطفةِ لدى القارئِ ودعوتِه للتفكيرِ والبحثِ عن معنى خاصٍ به. تعملُ الصورُ الشعريةُ كمُحفزٍ للرؤيةِ والسمعِ واللمسِ وغيرها من الحواس عبر الكلمات التالية (تدافع / رش/ البحر / اخضرارك / أحواض التنوب) . تنشأُ الصورةُ الكليةُ في النص في ذهن القارئِ، وفي أي وقتٍ يمكنُ للقارئ استدعاءَ هذه الصورةِ التذكاريةِ المُثيرة. استخدمت الشاعرةُ اللغةَ الحِسيةَ لتشكيلِ الصُورةِ . وكُلما كانت اللغةُ بسيطةً وساحرةً، سَهُلَ على القارئِ التعمقُ في المعنى وتخيلُ الصورة واكتشافُ تفاصيلِها المُضيئة.

 

حسني التهامي: شاعر ومترجم مصري

.....................

(1) https://tmpoetry13.weebly.com/imagism-poetry-movement.html

(2)Majorie Perlof , Differentials: Poetry, Poetics, Pedagogy , The University of  Albama Press copyright 2004 P47.

 (3)https://www.gradesaver.com/oread/study-guide/summary-oread

 (4) Susan Stanford Friedmanو Psyche Reborn: THE EMERGENCE OF H.D.P.57

 

عبد الرضا عليللفنَّان: عبد الربِّ إدريس

للملحِّنينِ الكبارِ طرائقُهم الخاصَّة في التعاملِ مع النصوصِ التي يُلحِّنونَها، لاسيَّما إذا كانت قد أثارتْ إعجابهم، وأراحت ذائقتَهم الوجدانيَّةَ، أو لعِبتْ على أوتارِ قلوبِهم الموجوعة، فنراهم يزيدونَ في مفرداتِها كي يجعلوا لوازمَ مردّداتها المضافة تملأُ ما كان من فراغٍ في بعضِ جملِهم اللحنيَّة. وخير مثالٍ يتَّضحُ لها في ما كان قد فعلهُ الفنّان كوكب حمزة في أغنية (يا نجمة) التي كتبها كاظم الركابي، وغنّاها المطرب حسين نعمة.

فالشاعرُ استهلَّ نصَّهُ بالدارميّات :

متعليةْ وتشـوفينْ  عونج ينجمه

مُستفعِلُنْ فـعْلانْ  مُسـْتَفْعِلاتُنْ

نامت كلوب الناسْ  كلبي شينيمه

وهي ملتقطةٌ بدقّة، لكنَّ الملحّنَ لم يلتزمْ بها،إنَّما أضافَ لها مفرداتٍ ساعدتْ لحنَهُ الجميلَ على الإثارةِ، وجعلت الموسيقى تزدادُ إدهاشاً، فضلاً عن أنّه قدَّم في النصِّ وأخَّرَ، وأضافَ لازمةً هي: [النوب النوب النوب] وجعلها تتكرّر في جميعِ المقاطع، إلى جانبِ إدخالهِ كلمة [يدادةْ] على نحوٍ بدت وكأنَّها من نسيجه:

ينجمةْ عونج يا دادةْ عونج يا نجمةْ

متعلــيةْ وتشــوفيـن يـدادةْ

النـــوبْ النــوبْ النـــوبْ

***

هذا إذا لحَّنَ الفنّانُ نصَّاً مكتوباً ، لكنَّ بعضَهم الآخرَ يقومُ بوضع اللحنِ، ثمَّ يُركِّبُ عليه كلاماً بسيطاً قد لا يرتضيه، لكنَّه يفعل ذلك حفاظاً على الإمساكِ باللحنِ حتّى يعثرَ على الشاعرِ الذي ينظمُ له كلاماً شاعريّاً جميلاً يترجمُ لحنَـهُ، ويعيشُ دواخله، ويعبّرُ عن أحاسيسه النغميّة، كما فعلَ الموسيقار المطرب عبد الربِّ إدريس في أغنية [ليلةْ.. لو باقي ليلةْ]، فقد وضع لحنَ هذه الأغنيةِ، قبلَ أنْ يجدَ الكلامَ المناسب لها، لكنَّه أمسكَ اللحنَ الجميل بكلامٍ لم يكن فيه خيالٌ شعريٌّ، ولا عاطفةٌ مثيرة، ولا تعبيرٌ يجسِّدُ حالة الموسيقى المثيرة، فكانَ ذلك الكلامُ البسيط (على وفق ما ذكره الملحّن نفسه) كالآتي:

أوّلكْ.. أفـراحُ وعشـرةْ

وآخركْ .. أحزان وحسرةْ

لكنَّهُ حين التقى في القاهرةِ بـ الأميرِ الشاعرِ بدر بن عبد المحسن أسمعه اللحنَ، وطلبَ منه صياغة قصيدةٍ عليه، فما كان من الشاعرِ (بعدَ أنْ أُعجبَ باللحنِ) إلاّ أن كتبَ القصيدةَ على ضوءِ اللحنِ، فكانت (ليلة .. لو باقي ليلة) من الأغاني الشجيَّة التي كانَ لها القدح المعلّى في الأداءِ واللحنِ على نحوٍ لم تصله أغنية في ذلك الوقت.

وهنا يجب أنْ نُشيرَ إلى أنَّ الكلامَ الذي يتمُّ تركيبهُ على اللحنِ يستجيبُ للجملِ اللحنيّةِ حتى إنْ كان ذلك يسبِّبُ خروجاً على الإيقاع (الوزن العروضي)، لهذا كانت تلك الاستجابةُ قد أخرجت (في بعضِ أشطرها) النصَّ عن تفعيلتهِ الإيقاعيّةِ، وشكَّلت تداخلاً مع بعضِ التفاعيل المتقاربة، مع أنَّ النصَّ كان على وحدةِ المتدارك (أو الخبب) باستثمارِ كلِّ ما تتيحهُ الأضربُ من تنويعاتٍ، سواءٌ أكانت التفعيلة كاملة (فاعلن) أم مخبونةً (فَعِلُن) بكسرِ العينِ، أم مخبونةً مضمرة (فَعْلُن) بسكونِ العين، أم كانت مضمرةً مرفّلة (فعْلاتُن)، وهذه الأخيرةُ غير مستعملةٍ الآن .

***

وإليكم التقطيع قبل سماعِكم للأغنيةِ ، فقد يرغبُ في معرفته بعضُ الراغبين:

ليلةْ لو باقـي ليلةْ

فعْلُنْ فعْلنْ فعْلنْ فَعْ

= فعْلُنْ فعْلنْ فعْلاتُنْ..(ترفيل)

أو= فعْلُنْ فَعْلُنْ مفعولنْ

 

عمري أبيه الليـلةْ

فعْـلُنْ فعولن فَعْـلُنْ

 

واسـهر فـي ليلِ عيونكْ

فعْلُنْ فعْلنْ فعْلنْ فَعْ

= فعْلُنْ فَعْلُنْ فعْلاتُنْ...(ترفيل)

أو= فعْلُنْ فَعْلُنْ مفعولنْ

 

هي ليـلةْ عمرْ

فعْـلُنْ فـاعلنْ

 

يــا الله يـا الله

فعْلُنْ فاعْ فعْلُنْ فاعْ

= مفعولان مفعولان

 

واشكثرْ انتِ جميلةْ

فاعلنْ فعْـلُنْ فعولُنْ

أو= فاعلاتن فاعلاتن

 

وشكثر أنا أحب

فاعلنْ مفاعلنْ

 

أحلمْ أحلمْ بـك دايمْ

فعْلُنْ فعْلنْ فعْلنْ فَعْ

= فعْلنْ فعْلنْ مفعولن

 

جنبي وانا صاحي ونايمْ ..

فعْـلُنْ فعِلنْ فعِلنْ فَعْ

= فعْلنْ فعِـلنْ مفعولن

 

يلِّي أيامــي بدونك

فعْلُنْ فعْلنْ فعْلنْ فَعْ

= فعْلنْ فعْلنْ مفعولن

 

مـاهي مـن العمرْ

فَـعْـلُنْ فـاعِلـنْ

***

صوتكْ همسكْ بيتي وسفري

فعْـلُنْ فعْـلنْ فعْـلنْ فَعِلُنْ

 

قمري وشمسك ليلي وفجري

فَعِـلُنْ فعْـلُنْ فعْـلنْ فعْـلنْ

 

وانتِ يا عيونـي انـتِ

فعْلُنْ فعْلنْ فعْـلنْ فَعْ

= فعْلنْ فعْـلنْ مفعـولن

 

قلبـي وين مـا كنتِ

فعْـلُنْ فعْـلنْ فعْلنْ

 

يلِّـي سـواد عيونك

فعْلـُنْ فعُولُنْ فعْلنْ

 

أفديـه العمـرْ

فعْـلُنْ فـاعلنْ

***

وكلُّ هذا التداخل الإيقاعي الذي حصل، كان بسبب تركيبِ النصِّ على اللحن، وإليكم الأغنية:

https://www.youtube.com/watch?v=CLjge5R-J-U

 

 

أ.د. عبد الرضا عليّ

 

 

جبار ماجد البهادليمخاضٌ لجدليةِ (العزلة والسفر)

قراءة نقدية في قصيدة: (تحليق بين أربعة جدران)،

للشاعر يحيى السَّماوي .


القصيدة:

تـحـلـيـق بـيـن أربـعـة جـدران

وحـدي وظِـلّـي

بـيـن أربـعـةٍ ونـافـذةٍ تُـطِـلُّ عـلـى الـحـديـقـةِ

حـيـثُ لا شَـجَـرٌ ولا وردٌ ســوى

شــوكِ الـقـلـقْ

*

وحـقـيـبـةٍ فـيـهـا مـن الـكُــتُــبِ الـكـثـيـرُ

وبـعـضُ ألــبــســـةٍ مُـغَــلَّــفــةٍ ـ هـدايـا ـ والـقـلـيـلُ مـن الـعـطـورِ

وشَـمْـعَــدانٌ بـابـلـيٌّ  لـيـسَ أصـلـيَّـاً

ولـكـنَّ الـنـقـوشَ الـبـابـلـيـةَ لا أدَقْ

*

شــقَّ الـخـيـالُ طـريـقـهُ

فـوجَـدْتُـنـي مُـتـفَـيِّـئـاً أفـيـاءَ بـسـتـانِ الـحـبـيـبـةِ ..

جـاءنـي ظـبـيُ الـقـصـيـدةِ

فـافـتـرَشـتُ لـهُ ســريـراً مـن ورقْ

*

ونـصَـبـتُ مـائـدتـي  ..

شـربـتُ مـن الـنـدى كـأســاً

وأخـرى  صَـبَّـهـا لـيْ مـن سُـلافـتِـهِ الـشــفَـقْ

*

فـثَـمـلـتُ ..

وابـتـدأ الـنـعـاسُ يُـشـاكِـسُ الأجـفـانَ

نـمـنـا عـاريَـيـنِ أنـا ومـولاتـي الـتـي دكّـتْ جـدارَ الـلـيـلِ

فـارتـحَـلَ الأرَقْ

*

نـمـنـا مـعـاً حَـدَقـاً وأجـفـانـاً

فـمـا  أدري أأجـفـانـاً أنـا أصـبـحـتُ

والـقـمَـرُ الـمُـشِـعُّ أنـوثـةً كـان الـحَـدَقْ ؟

*

أمْ أنـنـي حَـدَقٌ تـشـعُّ صَـبـابـةً

رأتِ الـمـلاكَ الـسـومـريـةَ تـرتـدي ثـوبـاً أشَــفَّ مـن الــنـدى

تـمـشـي فـيَـتـبَـعُـهـا الـرصـيـفُ

ويـسـتـضـيءُ بـهـا الألـقْ ؟

*

داجٍ كـبـئـرٍ كـان قـبـلَ مـجـيـئِـهـا الـبـسـتـانُ

لـكـنْ

حـيـنـمـا خَـلـعـتْ عـبـاءَتـهـا ائْــتـلَــقْ

*

كـشـفـتْ عـن الـشـمـسـيـنِ فـي الـعـيـنـيـنِ

والـيـاقـوتِ فـي الـشـفـتـيـنِ

والــقَــمَــريــنِ فـي الــنـهــديــنِ

والـقَـدّاحِ فـي الـسـاقـيـنِ  (**)

والــرَّيـحـانِ فـوق الـرُّكـبـتـيـنِ

وتـحـتَ سُــرَّتِـهـا الـحَـبَـقْ

*

وأنـا كـشـفـتُ عـن الـجـنـونِ الـسـومـريِّ

فَــشَــبَّ فـي حَــطــبــي الـشـبَـقْ

*

أطـلـقـتُ سـهـمـي نـحـو قـوسِ الـسـومـريـةِ

فــاخـتـرَقْ

*

تـفـاحـةَ الإثـمِ الـحَـلالِ بِـفِـقـهِ أوروكَ الـجـديـدةِ

حـيـثُ يـغـدو الـعِـشـقُ خـبـزاً

والـتـهـيُّـمُ مُـعـتـنـقْ

*

والـلـثـمُ مـاءً لـيـس أعـذبَ مـنـهُ فـي شـفـةِ الـظـمـيءِ

ولا أرَقْ

*

عَـبَـرَتْ بـيَ الـسـبـعَ الـطِـبـاقَ

وســافـرَتْ بـيْ فـي بـحـارٍ لـمْ يـزرهـا الـسـنـدبـادُ

ولـيـس يـنـجـو مـن زلازِلِ مـائِـهــا الـضَّـوئـيِّ

إلآ مَـنْ غَـرَقْ

*

حـتـى إذا كـفَّ الـحـصـانُ عـن الـصـهـيـلِ

نـهـضـتُ مـن نـومـي

أُلـمْـلِـمُ مـا تـبـقّـى فـي ســريـري

مـن رحـيـقِ زفـيـرِهـا

عـنـد الـغَـسَـقْ

*

لأعـودَ ثـانـيـةً أُفَـتِّـشُ فـي رمـادِ الـوقـتِ

عـن غُـصـنِ الـمـكـانِ بـنـارِ حَـيـرتِـهِ

احـتـرقْ

*

وحـدي وظِـلـي بـيـن أربـعـةٍ ونـافـذةٍ تُـطِـلُّ عـلـى الـحـديـقـةِ

حـيـثُ لا شَـجَـرٌ ولا وردٌ

سـوى زِقٍّ مـن الـشـوقِ الـمُـعَـتَّـقِ فـهْـوَ

مُـصـطـبـحـي  (***)

ودَنٍّ مـن هـديـلِ حـمـامـةِ الـقـلـبِ الـمُـخَـضَّـبِ بـالـتـبـتُّـلِ

مُـغـتَـبَـقْ

*

وحـقـيـبـةٍ أكـمـلـتُ مـن شــهـرَيـنِ شَــدَّ حِـزامِـهــا ..

مـا إنْ أراهـا

أسـتـعـيـذُ مـن الـرَّهَـقْ

***

يعيش السّماوي في هذه الأيام العصيبة من حياته التاريخية تحليقا وتعليقا بين جدران أربعة وباب موصد، كلّما حركته الريح صرّ في حالة جبرية من العزلة القسرية التي فرضتها زمانيا واقعة جائحة كورونا العالمية، وازَّمتها مكانيا ظروف تواجده عالقا بين منبت رأسه مدينته الوادعة السَّماوة، وغيابه القاريّ البعيد عن أسرته، حيث الأهل والأحبة والخلان في أستراليا. كلّ هذه التداعيات الداخلية والخارجية كانت سببا مباشرا في أن يعيش الشاعر سجنا منزليا مفروضا رهينا بين محبسين، محبس الرغبة في السفر إلى أهله، ومحبس ما يحُول دون تحقيق هذه الرغبة المؤجّلة باستمرار ، لا يَدٌ له فيها مهما حاول طالته أقدار الرفض، فكانت مخاضا عسيرا لوحدته الشعرية التي عبّر عنها قائلا :

وَحدي وظلّي بين أربعةٍ ونافذةٍ تطلُّ على الحديقةِ

 حيثُ لا شجرٌ ولا وردٌ سوى شوكِ القًلقْ

 وقد انعكست ظلال هذه الأزمة وتداعياتها الشعورية على نفسية الشاعر كثيرا حتّى غدت قلقا وهاجسا يوميا مُلحّا، اختمرت أبعاد ورؤى ثيمتها الفكرية في تخلجاته الشعورية، فأحبَّ الشاعر من خلال تجربته الشعرية العريقة أن ينتهزها فرصةً إبداعيةً، ليترجمَ أفياء هذه الواقعة التاريخية وأرخنة ظلالها شعريا على تخوم واقعه اليومي المحيط (الماحول) في مصفوفةٍ شعريةٍ عشقيةٍ يمتزج فيها الواقع المرئي بالخيال الشعري اللاشعوري، ليُعيدَ لنا إنتاج المعاني الحسيّة والدلالات السياقية للنصّ في بوتقة إبداعية يلتحم فيها نموذجان من صور الإزاحة الفنيّة لوحدة الموضوع في تماسكه النصّي، وبنائه الشعري الجمالي. حيث تتمظهر تشكّلات صور الإزاحة اللغوية لمعاني الكلمات والألفاظ والعبارات في تماهٍ مستمرٍّ مع صور تشكّلات إزاحة الواقعة التاريخية لقيمة الموضوع ، والّتي هي -أساسا- حاضرة أو موجودة في الفضاء الخارجي للشعر، وتشكّل مركز المثير الشرطي لاستجابات مُسْتَقْبِلِ الشاعر في انثيالاته الشعورية وتدفقاته الشعرية التي بُنيت عليها القصيدة بهذه الشاكلة من جدلية الشعر العشقي الغزلي الرقيق في لغته ومعانيه وصوره ودلالاته السياقية والجمالية:

وحقيبةٍ فيها من الكتبٍ الكثيرُ وبعض ألبسةٍ مغلّفةٍ -هدايا- والقليل من العطور وشمعدانٌ بابليٌ ليس أصليّا

ولكنّ النقوشَ البابليةَ لا أدَقْ

هكذا يجسّد السّماوي جمال اللقطة الشعرية حسيّا وجماليا، فيمنحها روحا جديدةً بعد ان كانت شكلا ، جسدا ميّتا لا روح فيه كالشمعدان البابليّ الذي استعاد روحه وحياته الأسطورية والحضارية المفقودة من خلال وشم نقوشه الأصيلة الدقيقة التي أكّدها الشاعر فنيّا. وهنا في نصّ هذه القصيدة : (تحليق بين أربعة جدران).، نلحظ اشتغالا خاصّا بالشاعر السّماوي يحاول أن يعززه فنيّا من خلال مقاطع القصيدة المتلاحقة. لقد كانت مقاطع هذه القصيدة مقاطعَ صور حسيّة (نصوص صورة)، أي أن شعريتها تعتمد أساسا على تقنية التصوير الشعر ي والمفارقة الشعرية في ثلاثية من (الصوت والحركة والصورة )، فضلا عن تصعيد فعل المخيلة الشعرية للواقعة الموضوعية أكثر من أي شيء آخر نتيجة احتدام المشاعر الملتهبة، وازدحام الصور بفعل أسلوب القصّ الشعري الذي تتحرك فيه الأفعال وتتضامن الأسماء في تخليق الصورة وتحسينها فنيّا ، لإدهاش المتلقّي والتأثير في نفسه. إن السّماوي يعمد في تعشّقاته الغزلية الرقيقة لغةً ومعنىً إلى توسيع وبناء فضاء نصّ التصوّر اللاشعوري بتشكّلاتٍ لونيةٍ حسيّةٍ متجددةٍ في دلالاتها ومعانيها الحسيٍّة المتوالدة اعتمادا على ما يمتلكه من ثراء خزٍينهِ اللغوي، وسعة أفق مخياله اللامرئي الذي يزخر به معجمه الشعري بين حاضرة (التراث والمعاصرة). فضلا عن استعداده الثقافي المكتسب، والتقاطات عدسات نصه المرئي لجوانب صورية متعددة عن روح التجربة المعاشة أو الواقعة مصدر أنساقه وتصوّراته الفكرية بكلّ تجلياتها اليومية والتاريخية، فينسج من خيوطهاقصيدة أو نصّا شعريا يمكن لنا أن نسمّيه جماليا نصَّ (الواقعة العشقية) المعاشة الذي هو بطبيعة الحال غير النصّ الواقعي الذي يرتبط بأشياء الواقع اليومي التداولي المألوف. إن مفهوم الصورة الإنزياحية يتشكّل عند السَّماوي في هذه القصيدة، وفي غيرها من نصوصه الشعرية الأخرى حتّى يصل في متخيله اللامرئي إلى أضواء من مستويات الصورة الحُلُمية التي يقدمها للمتلقّي واقعا حقيقيا محسوسا. وكما واضح في مطلع هذا المستهل المحوري من قصيدته الذي تقصّد الشاعر افتتاحه بضمير الأنوية الشاعرية(أنا)، لتعزيز دلالته الذاتية وتقويتها بهذه الثقة الكبيرة التأكيديةمع هوية الآخر الأنثوية :

وأنا كشفتُ عن الجنونِ السّومريّ

فَشبَّ في حَطبي الشَّبَقْ

فحينَ نتأمّل دلالات هذا المقطع الانزياحي الاستهلالي المكثّف، نلحظ أن أضواء الصورة الشعرية الكاشفة تكمن في صورة (الشبق) الذي صيّرهُ حطبا يشبُّ ضراما حارقة في نفسه، وهي صورة مخيالية (فوق الواقعية)، ترتقي فنيّا في الميتا شعر الحداثوي إلى مستوى (الحُلٌمِ) أو (الرؤيا) أو اللاواقع غير المرئي حسيّا. وإن المحرك المساعد على تصعيد التأثير الانفعالي لهذه الصورة الشبقية المخيالية مؤثران للإزاحة التصويرية، مؤثّر الإزاحة المعنوي أي (إزاحة معنى) الدلالي، ومؤثر الإزالة اللّغوي أي (إزاحة لغة)جمالي تمثّل في جملة: (فيشبُّ في حطبي الشَّبق). وهكذا يُخلِّقُ السَّماوي صوره العشقية في قصيدته هذه عبر فيوضات شعرية روحية من الإزاحات التصويرية التي تتصاعد فيه مخيلة الشاعر وتنشط صوريا ، فالشاعر يروم من وراء قصدية ذلك تأكيد حقيقة معروفة في النقدية الشعرية، هي أن الشعر فعل تخييلي صوري، ومرآة عاكسة عن اللاوعي الشعوري النفسي ، بيد أن مثل هذا الاتجاه المخيالي التأكيدي لا يهمل -حقيقةً- صورة الواقعة الفكرية للمشهد الشعري الذي تتابع أحداثه الموضوعية .وهذا ما نتحسسه ماثلا في هذا المقطع الانزياحي للدفقة الشعورية التي يصوّر فيها خياله:

شَقَّ الخيالُ طريقُهُ فوجدْتَني متفيِّا أفياءَ بستانِ الحبيبةِ.. جَاءني ظبيُ القصيدةِ فأفترشتُ لهُ سًريرا من وَرقْ

فالسَّماوي لا يطمح في مثل هذا المقطع التخييلي إلى تفعيل روابط أطراف الصورة الشّعرية المبتكرة في عشقيات الشّعر الحسّي ( شقَّ الخيالُ طريقهُ/جاءني ظبيُ القصيدةِ )، فحسب، بل يسعى جماليا إلى أنسنة الأشياء المعنوية التي تُعبِّد الطريق لها ، وتؤثّث المكان ، لتُعيدَ لها الحيوات النابضة وتمنحها الحركة الصورية الفاعلة على الديمومة والاستمرار. كما نلحظ في القصيدة هناك تأكيدات أخرى على معانٍ انزياحبة ولغوية مقاربة لهذا المعنى التصويري، مما يؤكّد هنا اهتمام الشاعر السَّماوي بوظيفة (الأنسنة والحَيواتية) التي تفرضها ظروف الواقعة مشفوعةً بفعلٍ تخييلي أكبر من ذي قبل :

داجٍ كَبئرٍ كانَ قبلَ مَجِيئها البُستانُ

لكنْ حينما خَلعتْ عَباءتَها اِئتلقْ

فالشاعر يحاول أنسنة (البستان) هذا الجماد التخييلي الذي تقنّعَ به، إذ أراد أن يمنحه القُدرة على صفتي (الإشراق والظُلمة) أي صورة (الائتلاق والدُّجى)، كما أراد أن يُمَلِّكَهُ القدرة على الإرتواء كي يكون قادرا على العطاء والكرم بـ (الماء) أساس الحياة كونه بئرا .. فالأنسنة المخيالية للجماد فعل تخييلي تصوّري في حين أن (مجيؤها/خلعتْ عباءَتها) الدلالتان اللّتان تُشيران إلى المعشوقة هما واقعة حدثية غرضية، موضوعيا أراد الشاعر من خلالها أن يؤكّد صورة هذه المعشوقة التي بعثتْ فيه الحياة من جديد ، فلولا فعل مجيئها وخلع عباءتها، لكان هالكا في ظلام دامس لا حياة له، أو إشراق يتنعّم به في حياته... فالشاعر من لذة الانتشاء والإمتاع الروحي مندهش تماما وحيران لا يدري ماذا أحلّت به هذه الملاك السومرية من ذهول؟!حتّى كاد أن لا يُفرِّقُ من هول واقعة العشق وتأثيرها أهو جَفنٌ أم حدقٌ؟! إنه حلم لا يمكن أن يحدث لأي معشوق نائم حالم بين وعي أو يقظة :

نِمنا مَعا حَدقا وأجفانا فما أدري أأجفانا أصبحتُ

والقمرُ المُشعُ أُنوثةًكانَ الحدقْ؟

ويبلغ السَّماوي الذروة في عشقياته وانتشائه الحسّي، حتّى وصل إلى أقصى درجات صور التماهي الروحي مع معشوقتة الأثيرة الملاك السومرية، وكأنه فارسٌ أسطوري خيالي أو ملك سومريّ او بابليّ مُعتّق بخمرة العشق وثمالته الروحية في هذه الملحمة الأسطورية النبيلة من أفانين العشق وأساطيره المخيالية، بل هوَ شهريار العشق المُرُوَّض بخمرة شهرزاد المُتجددة في كلِّ لياليها المِلاح حتّى أُفول اللّيل الحالك وانبلاج فلق الصباح ... لا أدري كيف استطاعت عدسات السَّماوي الشعرية الساحرة أن تلتقط لنا من فضاء العشق ومُناخاته الداخلية صورا شبه فوتوغرافيةً مُجسّمةً، تكاد تضاهي جماليا في تصويرها الفنّي صور الواقعية الحقّة للكشف عن تضاريس حسيّة هذا العشق وطبيعته الإغوائية التي تُعجِزُ في تلوينها الشعري براعة فرشة رسّام ماهر بفنّه، أو إزميل نحات صانع للجمال بكلّ معانيه الفنيّة والإنسانية. إنه – حقّا - رسم و تلوين بالشعر من دماء القلب المتدفقه وفيضه إلهامي، ونحت من تباريح الروح المستهامة وقدسيتها العرفانية التي جادت بها لوحة يحيى السَّماوي الشعرية عبر تموجات ضوئية من فنارات الجسد وغواياته الحسيّة الكاشفة لأقانيم هذه الأضواء وآفاق ارتداداته الانفعالية. حتّى رسمت لنا مخيلة السَّماوي الحُلُمية صورا ونفائس مبهرةً في هذه القلادة الجِيديةِ الرائعة في صياغتها الجمالية، بهذا النوع من التكوينات الثنائية المتفرّدة من أجزاء الجسد وأعضائه،وبموازاة صورية كعتبات مساوية لها :

كشفتُ عن الشّمسين في العينين ِ

والياقوتِ في الشّفتينِ

والقمرينِ في النّهدينِ

والقداحِ في السَّاقينِ

والرّيحان فوقَ الرّكبتينِ وتَحتَ سُرَّتِها الحَبقْ

هذا المقطع الأُغوائي الآيروتيكي الحسّي لجماليات الجسد الإباحي المحظور هو الذي كشف لنا فنيّا عن مغاليق الجنون السومري في مفتتح القصيدة الأول، وأزاح السِّتار عن ذلك الشبق الآيروسي الذي شبَّ حطبا ملتهبةً في نار الشاعر المتأجِّجَةضراوة واشتعالا . ولم يكتمل وقع هذا الجنون السومريّ للواقعة الحدثية الكبرى إلّا بعد تصويبه بسلاحه الهدف المرصود، واختراق حدود الأُنثوية المحرّمة بسهمِ رميةِ رامٍ يُعيدُ له توازنه الحسّي الكبير وانتشاءه الروحي المفقود بهذه الجذوة الجمالية الخاطفة التأثير :

أطلقتُ سًهمي نَحوَ قوسِ السُّومريّة فاخترقْ

 لم يَرعوِ الشاعر الظمآن ارتواء من كلّ هذا الجنون السومريّ الخارق لصورة الأنثى السومريّة معشوقته الحبيبة ليس إشراكا أو تكفّرا منه، بل أباحَ لنفسه من تابو الإثم المحرَّمِ او المحظور أخلاقيا أن يُشرٍّع حلالا في الحبِّ، ليغدو العشق في هواه غذاء جسديا نقيا شافيا، ويتصيّرُ التهيُّمُ في فقه أوروك السومريّة معتنقا روحيّا تحجّ إليه النفوس الرهيفة وترتاح إليه تشوقا وعبادةً:

تُفاحةُ الأثمِ الحلالِ بِفٍقهِ أوروكً الجديدةِ

حيثُ يغدو العشقُ خُبزا والتًهيُّمُ معتًنَقْ

وبعد هذه الرحلة السندبادية الشّاقّة في بحار العشق ومخاطره الكونية المحفوفة، يُضاف إليها مراكب الأسفار عبر سمواته السبع الطباق التي لم تطأها قدم أي سندباد من قبل، أو ينجو منها مسافر إلا وقد مسهُ ضُرُّ الغرق، كَفَّ الجموحُ الهائجُ وتروّض الحصان عن الصهيل وعن جذوة نار الشّبق، فكان قاب قوسين أو أدنى من بلوغ الغسق كناية عن تحقيق صور اللّذه ومحسوس التمنّي :

حتّى إذا كفَّ الحصانُ عن الصهيلِ

نهضتُ من نُومي أُلملِمُ ما تبقى في سَريري

من رَحيقِ زفيرِها عندَ الغًسقْ

يا لها من إزاحة تعبيرية صارخة عن صورة ذلك الوباء الأغوائي الذي يكمن تحت جلودنا ويُغلِّفُ نفوسنا بألم اللّذة الحسيّة ونشوة الجسد المحسوس . فهذا الترويض الانطفائي لجذوة النفس الأمّارة بالسِّحرِ المحرّمِ تُحفّزُ الشاعر وتُنشّطُ مخياله الشعوري الصوري من أجل العودة في التحليق ثانيةّ للتفتيش في بقايا الزمن والبحث في رماده بعد الاحتراق :

لأعودَ ثانيةً أُفتِشُ في رمادِ الوقتِ عن غصنِ المكانِ

بنارِ حيرتهِ احترقْ

التفتيش في رماد الوقت المنطفئ، وتقفّي آثار غصن خضرته المكانية المحترقة من أساليب جماليات التصوير الفنّي الإدهاشية التي تلفت النظر إلى المتلقّي وتشُدّه إلى التأمل والكشف عن مكنونات هذه الصورة الانحرافية الإبداعية التي أضاءت النصّ. وتعود دائرة التحليق الجدراني بمخيلة الشاعر مرّةً أخرى من حيث ما ابتدأت دورتها الطبيعية الآسرة، لتؤكّد بأسىً شفيفٍ وحزنٍ عميقٍ ذلك الشعور الإنساني الذي يُباغت عقل الشاعر ويثقل كواهله بشآبيب الألم وأمطاره الهامية في ساحة العشق الروحي، فيكون المخاض عسيرا والسفر مرتهنا أسيرا :

وحقيبةٍ أكملتُ من شهرينِ دورتها شدّ حزامها ...

ما إن أراها أستعيذُ من الرَّهقْ

وبمثل هذا الدوران الشعري التحليقي لجماليات شعرية العشق وتجلياته الأسلوبية أسهمت نصوص مقاطع هذا التحليق بين أربعة جدران بإيقاع قافيتها الصوري الساكن المهموس رويا والموقّع تموسقا وعذوبةً في تأسيس مناطق شعريةٍ العشق الروحي المحسوس قابلةً للتحوّل والتوالد الصوري المخيالي عبر فعل شعري شعوري معبّر عن صدق التجربة الشعرية وعمق ترسيخها فنيّا وجماليّا.

 

بقلم: د. جبّار ماجد البهادلي.

 

 

صالح الرزوقتعتبر روايات الدكتور شكيب الجابري محاولة مبكرة مع الخيال الفني. فقد ابتكرت شخصيات متكاملة ذات أبعاد نفسية. وكانت مرشحة للصدام مع واقعها الغريب ومع عالم المستجدات. اختار الجابري أسلوب الرحلة العلمية ليبني عليها حبكته. وهي حكاية طالب علم يسافر إلى الغرب، وهناك يكتشف الدروب الخلفية للحضارة، ويبدأ بعملية التصنيف والفرز: بين ما لا يدركه وما يرغب به. ويمكن القول بكل بساطة إن مادة الحبكة هي التناحر المتواصل بين المعايير. ولنكون أكثر دقة بين إدراك الشخصيات لهذه المعايير بناء على موقفها من معنى الحضارة. ولكن لسوء الحظ مع أن الدكتور الجابري تحلى باليقظة الفنية الكافية لعزل الشخصيات عن صوته الداخلي، لم يتورع عن إسقاط إملاءات فرضها الضمير الشعبي العام على كل الشخصيات الوطنية، التي ارتبطت بعلاقة مع حكومات الاستقلال. ويمكن أن تقول بكل بساطة إن حدود تفكيره كانت تتراجع أمام عدة أنواع من الضغوط الشعبوية. وربما هذه هي ملحمة أبطاله بالأساس.. أن يتنكروا أمام أنفسهم بدعوى حراسة الأخلاق الحميدة، وأن يرفعوا جدرا شفافا بينهم وبين الجذور الاستعمارية لثقافتهم. فبطله إيفان كوزاروف، في “نهم / 1937 ” أولى رواياته، لم يفهم العلاقة بين المؤنث والمذكر بنفس طريقة الراهبة إيفلين. وكذلك بالنسبة لأبطال ثاني أعماله “قدر يلهو/1939”، كان لعلاء موقف مختلف من الأخلاق بالمقارنة مع إيلزا. بمعنى أنه لم يكن على دراية تامة بصراع الحضارات. بل كان مشغولا بإملاءات من ذاته التقليدية المتورمة. وهو ما يتناوله بكل وضوح في قصته المعروفة (هكذا سنقاتلكم في فلسطين). وفيها يلتقي عربي مع يهودي في ألمانيا، أثناء حفلة راقصة، ويدعوه للنزال أمام الحضور، غير أنه يترك النهاية مفتوحة، مثلما فعل في رواياته. فقد كان الشك والتأجيل هما أبرز صفات الحياة الدرامية لشخصياته، ولذلك أكثر من استعمال مفردات غامضة، وتحتمل أكثر من معنى، ويغلب عليها الحدس والتكهن، أو الإحساس والدهاء بلغته في رواية نهم ( ص 2 - 1) * . وهذه كلمات ظنية، وإن دلت على شيء، تدل على تحسس الشكل الفني الدرامي من مضمونه الرومنسي. فقد اكتفى الجابري بالاحتماء تحت مظلة الفضيلة والشرف الرفيع. بمعنى أن خطاب الشرف (الرمز الموضوعي لعصر الفروسية والنبالة) هو الذي تحكم بدوافع شخصياته المهاجرة. لقد كانت رواياته ميدانا للحرب بين متطلبات المعرفة وفروض الهوية، أو أنها نزال مباشر بين تجارب الذاكرة وتجارب الواقع. وبالنتيجة تطابقت عنده الذات مع الأرض، ودخلت في صندوق البدائل التي لا تقبل المقايضة. وهذا يتعارض مع فكرة لوكاتش الذي يرى أن الرواية هي تعبير فني عن إرادة الطبقة البورجوازية الصاعدة. مثلما يتعارض مع فكرة إدوارد سعيد أنها نتيجة الفراغ الاجتماعي الذي نشأ بسبب الغزو. فقد كانت أعمال شكيب الجابري، بمجملها، بحثا عن هوية مستمرة (أو عن معنى شمولي لا يقبل التغيير ويعمل من فوق الواقع الطبيعي). وهي بأفضل الأحوال هوية مقاومة لظروف الحضارة الجريحة. بمعنى أنها مقاومة لظروفها وليس لمغزاها. ويكفي أن رسالة روايته (نهم) هي بشكل أساسي عن تآكل الروح. وربما لهذا السبب فقط كانت الشخصيات حبلى بالمضمون النفسي، فقد كانت النفوس هي التي تتصارع. أما من ناحية البنية الفنية فقد كانت شخصياته مكشوفة، كأنها مكبر صوت ينقل ما يدور في ذهن الراوي من أفكار. وهكذا أخذ الرهان، بين الماضي والحاضر، شكلا معكوسا، وأصبح رهانا على إلغاء ذاكرة الاثنين. وأعتقد أن أحدا لم يسبق الجابري لهذه الميزة. فكل الأعمال التي مهدت له وسبقته عزفت على نغمة من لحن واحد (بمعنى أنها قدمت لنا صوتا واحدا له عدة أسماء). فهي إما أنها رهنت مستقبلها بالانقلاب على ماضيها، أو سقطت في فخ الحاضر، واضطرت للتعايش معه، وقدمت لنا رواية تتوسع أفقيا أو تتراكم ولا تتطور. ولنأخذ كمثال (تخليص الإبريز/ 1830) ثم (وقائع تليماك/1851) للطهطاوي. لقد اتخذ هذا الرائد التنويري موقفا عدائيا على وجه الإطلاق من الماضي، ورفضه جملة وتفصيلا على مستوى بنية العقل (الحضارة)، وعلى مستوى الفكر الاجتماعي (البنية). وأخيرا على مستوى التعبير الفني (البلاغة). وربما هو أول راديكالي في تاريخ الرواية العربية. وقد سمح له هذا الموقف بالابتعاد عن المساحة الروحية والاقتراب ما أمكن من المعاني الملموسة للروح. لقد فهم معنى الحياة بمنظور الاختلاف وليس التكرار (إذا استعرنا لغة دولوز). وتوجد محاولة مشابهة عند ابن حجر في نسخته عن (الإسراء والمعراج/ 1350)، هذا إن وافقنا جدلا أنها ببنيتها ووعيها نوع من أنواع السرد. فقد حملت رمزية الرحلة، أفقيا وعموديا، تصورات تعبيرية عن إرادة الإنسان في التغلب على تصوراته، ووضعت الخيال البشري أمام إمكانات لا محدودة، ونقلت مايمكن أن نفكر به إلى صور مادية. وساعد ذلك على تحويل المجاز العاطفي إلى كناية عاطفية أو معرفة. وكرر المعري هذه المحاولة في (رسالة الغفران/ تقريبا عام 1033) ثم الغزالي في (المنقذ من الضلال/ 1007). لقد وضعت مثل هذه الرحلات الوعي الفردي أمام حالة شك بالواقع، أو إنكار لصوره وظاهراته، ودعتنا لتنشيط موضعنا في العالم، والانتقال به من حالة نمطية لحالة تمايز نوعي، سواء عن طريق الإيمان (ابن حجر) أو الخلاص الذاتي (الغزالي) أو التوجس (المعري). وربما تدين بدايات الرواية العربية لهذا المنطق. فقد اهتمت بتمثيل الوعي لهوية المكان وليس بتطور الوعي المعرفي كما هو شائع، سواء في الرحلات الميتافيزيقية، أو في حبكة الروايات المبكرة وما جاء بعدها. وأعتقد أن ما شجع على ذلك جملة مفارقات.

الأولى فشل مشروع الواقعية الاشتراكية التي نظرت لمكان الخيال الفني وكأنه معادل لوجدان الشخصيات وعلاقاتها. الثانية تدويل الثقافة العالمة، وانحياز ثقافة الأضعف لثقافة الأقوى. وساعدت هذه الظاهرة على إنتاج موجات متحركة من الأفكار. وسرعان ما تحولت لشكل تيارات متواصلة. ومدفوعة بسياسة الأمر الواقع للهجرة من الموضع الخامل لموضع النشاط والإنتاج. بتعبير آخر كان الرواد من بين الرحالة أو من بين المهاجرين بعقولهم. ولم يبرأ ولو واحد منهم فقط من مشكلة المؤثرات الوافدة. المفارقة الثالثة هي خروج طبقة كبار الملاك من الحكم ودخول طبقة أبناء الريف المهاجرين إلى المدينة. فقد تشكل وفق هذه المنظومة رؤية سلبية لدكتاتورية الأرضن وحل محلها شعار تحرير الأرض من الاستعمار أو الاستغلال. والمفارقة الرابعة هي في علاقة الأمة بالدولة، والابتعاد التدريجي ولكن المفجع للطرفين بعد أن كانا بمعنى واحد. وفرض ذلك على الحبكة نوعا من الحركة الإجبارية أو الهجرة بالموضوع أو الهجرة بالذات. بتعبير أوضح إن استحالة إنجاز مشروع دولة الأمة أجل المشروع أو عاد به لحالة التردد والشكن أو أقله ألقى عليه ظلا من الإبهام والغموض. وما كان واضحا ومباشرا تحول لتمثيل رموزي أو لمجاز فني يخفي في طياته الواقع المتحول. وآخر مفارقة، وهي التي تصنع فرقا بين جيل الرواد وجيل التأسيس، أن الطرف الأول نظر للرواية على أنها جزء من المعنى. بينما الثاني نظر لها كطريقة تقودنا إلى هذا المعنى. بتعبير آخر كان الرواد يتكسبون برواياتهم الجزء الغائب من الرغبة. بينما عمل المؤسسون (وبالأخص الجابري) على إعادة تعريف ما لا يعرف، ولذلك تطورت رواياتهم من النظر من خلف الجدار العازل إلى الانغماس بكل جوانب الواقع. وهذا ما فرض على الجابري ما لم يفكر به الطهطاوي أصلا. أقصد الانتقائية في المعايير، ووضع شروط وكوابح للمعرفة، مثلا أن يشترط على الحرية الاقتران بالفضيلة.

لم يكن الطهطاوي (ومثله علي مبارك ومعروف الأرناؤوط) انتقائيين. فمصير الواقع يتحدد لديهم بأفراد وصور كاملة وبنفس الاستراتيجية التي اكتشف طريقها الخيال الإسلامي بواسطة الترميز أو فيضان الروح الكلية على الصور الجزئية. بينما انفرد جيل التأسيس (عند الجابري وتوفيق يوسف عواد وآخرين) بانتخاب ما يمكن للشخصيات الفنية (وكل منها على حدة) أن تقاوم به أسباب دمارها. بمعنى أنها كانت مهمومة بضرورة البقاء أو بإحياء الأفعال التي تسمح لها بتأدية وظائف التنمية والتطور.

 

...................

* المطبعة العلمية. حلب. 1937

 

عبير خالد يحيىفي مجموعتها القصصية (نزلاء المنام)

"الكتابة حالة إنسانية تشعر بها دون أن توزّع صراخك على جيرانك" عبارة منسوبة لكاتب سعودي هو (عبده الخال)، أوردتها إحدى المجموعات الأدبية على الفيسبوك كإستبيان للرأي، هل توافقه أم تخالفه الرأي؟! وقفت عند الجملة مستغربة! كيف يمكن للأدب أن يكون منعزلًا ومتضائلًا إلى الحد الذي يبقيه حالة إنسانية لا تتجاوز عتبة الشعور! كيف لا يكون صرخة مصيرها أن يتردد صداها ولو في الخلاء؟!

إن كان القلم سلاحًا كيف لا يُسمَع رصاصه؟! وإن لم يكن فلماذا يُلاحَق بعض من يحملونه؟!

كيف تكون الكتابة صوتًا صامتًا وفيها آهات المعذّبين، ونواح الثكالى، وآلام المذبوحين، وكوابيس المحكومين، وغربة اللاجئين، وذعر الأطفال، في أوطان توحّش فيها الموت باطشًا بحياة من فيها؟! وهل يستطيع الكاتب أن يكتب ذلك كتابة صامتة؟! على الأقل الكاتبة السورية أمان السيد لم تستطع أن تكتب هاته الكتابة الصامتة.

السيرة الذاتية للكاتبة:

 أمان السيد

سورية الوطن، مقيمة في أستراليا.

أستاذة لغة عربية، قاصة، وشاعرة، وصحافية.

من أعمالها: تدريس اللغة العربية بين سورية، والإمارات، وأستراليا خلال مسيرة حياتها المهنية.

حاصلة على دبلوم في التأهيل التربوي من جامعة دمشق عام 1982، وإجازة في اللغة العربية من جامعة تشرين في اللاذقية عام 1980.

سبق لها أن عملت في إعداد وتقديم برنامج في إذاعة " صوت الوطن العربي الكبير" في ليبيا بين عامي 1983- 1984.

عضو في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات.

تتنوّع كتاباتها بين المقالات، والدراسات الأدبية، والشعر، والقصص القصيرة، وهي تنشر في المجلات، والصحف العربية، والإماراتية، والأسترالية، والمواقع الألكترونية المختلفة، منها: دبي الثقافية، والصّدى، وجريدة الرؤية، والخليج، والاتحاد في دولة الإمارات، والتلغراف، وصحيفة المثقف والمستقبل في أستراليا.

في أثناء إقامتها في الإمارات العربية المتحدة خصّص لها عمود في جريدة "الرؤية" في دبي حمل عنوان " نوافذ بحرية".

 لها أكثر من حوار أدبي، ولقاء تلفزيوني، وإذاعي ما بين المجلات العربية، والقنوات الفضائية في الإمارات، وإذاعة مونت كارلو في فرنسا.

 شاركت، وتشارك في الملتقيات الثقافية والأدبية ما بين الإمارات وأستراليا.

تصنف حتى اليوم أول أديبة سورية تقيم أمسية شعرية في أستراليا، وكان مقرّها قاعة بلدية "كانتبيري/ لاكمبا" في سيدني عام 2016 وقد حملت الأمسية عنوان" غابات الفرلق" رتلت فيها الأديبة قصائد لوطنها المنكوب، ولمدينتها الساحلية.

 فازت بالمركز الأول عن قصتها "عيون تنشد الأمان" كتقدير من مؤسسة "كلمة" في القاهرة، والقصة منشورة ضمن مجموعتها القصصية " ذكورة المنافي".

كرّمت بدرع تقدري" كأفضل أديبة وقاصة سورية لعام 2010" ضمن مسابقة أقامتها مؤسسة "كلمة" في القاهرة، حملت عنوان "جائزة نجيب محفوظ للقصة القصيرة"، كما ذكر اسم الكاتبة ضمن ديوان خاص يحمل آثار عدد من المبدعين العرب المشاركين.

كرّمت عن " دائرة الثقافة والإعلام" في الشارقة ضمن إصدارات "كتاب الرافد" عن مؤلفها السردي

"أبعد من القيامة".

كرمت عن جريدة "الرؤية" في دبي ضمن حشد كبير عن مقالتها الأولى التي نشرت في الجريدة، والتي حملت عنوان " نمنمات إنسانية".

إصداراتها في السرد:

" قدري أن أولد أنثى" صدر عن في القاهرة/ الناشر شمس للنشر والتوزيع عام 2008

 "سيراميك" صدر في القاهرة عن مؤسسة الكلمة عام 2010

"ذكورة المنافي" صدر في سورية/ اللاذقية عن دار الحوار للنشر والتوزيع عام 2011

" أبعد من القيامة" صدر ضمن " كتاب الرافد" عن حكومة الشارقة دائرة الثقافة والإعلام عام 2014

"نزلاء المنام" صدر في طرابلس/ لبنان عن دار جروس برس ناشرون عام 2019

للكاتبة قيد النشر:

ديوان شعري، وعمل روائي

التبئير الفكري:

بعد قراءتي - وأكثر من مرة- لهذه المجموعة القصصية (نزلاء المنام) وجدت المجموعة مزيجًا لقصص بمضامين مختلفة، استطعت تصنيف القصص وفقًا للمضامين في ثلاث مجموعات:

1- نصوص مضمونها اللجوء هي: أمينة المجنونة- الجثة- تعويذات- سبورت كلاب- وصية الجسد، العازف- أتساقطُ - سبق أن دخلت جلدي- شيء ما في الصورة - نزف الدمى- خيوط اللعبة- في متاهة- الوفاء- خيمة لا تعرف النوم – دمية الحافلة- المقبرة الفرنسية- سر الحذاء- شوارب في سوق المدينة- كيدون الأرمن – حارس الماهونجي- نزيل "بينكي"- صلاة دائرية- ستة عشر تمثالًا حجريًّا- اللجوء ما قبل الأخير.

2- نصوص رمزية: ماؤه المقدس- الرأس- عودة الرأس- شغف- جوعان- أوّل المعزّين.

3- نصوص سريالية هي: المرأة رقم 6- مكابرة- عقربا الساعة الخامسة

لذا يكون الجنس الأدبي لهذه المجموعة مشتركًا، أدب اللجوء والأدب الرمزي والسريالية، قد أتعرّض لبعض النصوص الرمزية التي تحمل أعمدة رمزية وقرائن تصب في مضمون اللجوء، لكن لن أتكلم عن النصوص السريالية، وسأكتفي بما سأورده عن نص المرأة رقم 6: الذي بدأته الكاتبة برمزية وأعطته رموزًا ثلاث: المرأة رقم6 – الغراب- شجرة " يوكالبيتوس" والتي حدّدت مكانية الحدث القلق، من خلال متابعتي لحركة تلك الرموز في الحبكة بقي النص مغلقًا حدّ السريالية، متأرجحًا بين الرمزية المغلقة والسريالية، إذ أن الكاتبة بقيت تستل رمزًا من رمز آخر، وتبني أحداثًا متقطعة عديمة النهاية وكأنها تقذف حجرًا في الظلمة، فلم تعط شيئًا لمتلقٍّ ينتظر قضية إنسانية يقدّمها الأدب من منطلق أن الأدب عرّاب للمجتمع.

نتكلّم عن أدب اللجوء، عن الصراع المرير الذي ينهش صدور اللاجئين (السوريين ) ويؤرق نومهم، اللجوء الذي كان القرار القسري والحتمي للنجاة بحياتهم من حرب استعرت في بلدهم سوريا فتحوّل من بلد حاضن للعديد من اللاجئين الذين توافدوا إليه من زمن التغريبة الفلسطينية، على مرّ سنوات القرن الماضي، وإلى أوائل القرن الحالي، لينقلب الحال، ويغدو وطنًا يلفظ أبناءه إلى الأقاصي، من بقي فيه سُجِن منفيًّا في حصاره، ومن غادره سُجِن في كوابيسه وغربته، ومن توسّط بين المكانين عاش في خيمة تشرّده وشقائه، عبر أدب اللجوء إذًا تأخذنا الكاتبة، في مجموعتها لنقف على أدب معاصر حديث، أخذ مكانه المميّز، في السنوات القليلة السابقة، وتحديدًا قبل حوالي سبع سنوات، أدب انفرد به أدباء سوريون تحديدًا بتجربة خاصة، وإن كانت تتشابه في أعمدتها الرئيسة مع باقي التغريبات السابقة، إلّا أنها في التجربة السورية – على المستوى الثقافي- وبمعطياتها الاجتماعية والسياسية، فتحت المجال فسيحًا أمام سيل جارف من الكتابات الأدبية – سردًا وشعرًا- أغنت المكتبة العربية وحتى العالمية، بكتابات تميّزت بقيمتها الفنية والجمالية، لفتت اهتمام النقّاد، إذ تبلورت السمات الخاصة لهذا الأدب من خلال الروايات والقصص، بالإضافة إلى الشعر، وكلّها وثّقت الكارثة التي حلّت بهم شعبًا وأرضًا.

و أدب اللجوء، يختلف عن أدب المهجر، ويقترب من أدب المنفى، بفروقات يمكننا رصدها من خلال الوقوف على التعاريف والمصطلحات والسمات الأدبية لكل نوع من الأنواع السردية الأدبية تلك.

إغناء:

أدب المهجر:

هو الأدب الذي أنتجه الأدباء العرب في بلاد المهجر(أمريكا الشمالية والجنوبية)، الذين أجبرتهم الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية في بلادهم على الهجرة، وأطلق على هؤلاء الأدباء مصطلح أدباء المهجر، وانتشر هذا الأدب وصار له مدرسة أدبية خاصة تدعى مدرسة المهجر، التي نشأت من مجموعة من الروابط الأدبية وكان الأشهر والأكثر استمرارًا فيها الرابطة القلمية والعصبة الأندلسية، وإن من أهم أدباء المهجر إيليا أبو ماضي وجبران خليل جبران، وكان هذا الأدب بمعظمه شعرًا.

أدب المنفى:

وهو أدبان: النفي في المكان، والنفي عن المكان، ولعل رواية (في المنفى ) للجورج سالم هي الرواية الوحيدة في الأدب السوري التي تقارب وضع المنفى في المكان، وليس عن المكان، والنفي في المكان تغلب عليه مشاعر الحصار والتضييق والرهبة والعزلة الشاملة، أما النفي عن المكان فيحتاج إلى ذاكرة استرجاعية تستطيع أن تعيد خلق الأمكنة المفقودة، فطبيعة النفي هي التي سوف ترسم، بطريقة ما، مخيلة المكان، شكل حضوره في النص الإبداعي، في الغالب فإن النفي في المكان يظهره بغيضًا وعدوًّا، أمّا النفي عن المكان فيقدّمه في صورة الفردوس (العربي الجديد – أدب المنفى: مطرودون ومشتاقون – يوسف عبدلكي / سوريا – 6 نوفمبر 2015 )

أدب اللجوء:

هو فرع قاس انفصل عن أدب المهجر بسبب الضغط المسلّط عليه بثقل الغربة وخسارة الوطن. وأدب اللجوء ليس مشروطًا بأن يكون خارج البلد، على عكس المهجر الذي تأسس في الخارج، إن اللاجئ يمكن أن يكون في حدود بلده بأن يخرج من بيته ويلتجئ إلى منطقة أو محافظة أخرى بحثًا عن الأمان والرزق، وهذا هو اللجوء الداخلي، وهناك اللجوء الخارجي خارج حدود الوطن في بلد أجنبي أو في مخيمات على تخوم الوطن. وهنا يقترب من أدب المنفى.

وبالنظر لتقارب مفهومي النفي واللجوء، مع ملاحظة أن النفي قد يعود بزوال المسبب، لكن اللاجئ قد لا يعود، وذريعتنا، اللاجئون الفلسطينيون الذين مات الكثيرون منهم دون أن يعودوا إلى وطنهم، ووطنهم لا يزال يتآكل يومًا بعد يوم، لذلك يعتبر أدب اللجوء أقسى من أدب النفي باحتمالية انعدام الأمل بالعودة، ويوازيه بالحرمان من الوطن وضغط الغربة.

الثيمة العامة للكاتبة:

 الأديبة أمان السيد تكتب باستراتيجية وطنية، إنسانية، ولكنها تشاؤمية pessimist، فقد استخدمت (الغراب) كرمز عام لمجموعة من النصوص، وسنجد أن مضمون أدب اللجوء هو تشاؤمي بالمجمل، بضغط الغربة وخسران الوطن، ولكنها ثقبت استراتيجيتها الإنسانية بنص سريالي لكون السريالية هامش للأدب وليس أدبًا حقيقيًّا، والسبب أن السريالية غموض مظلم، لا يسند استراتيجيتها الإنسانية والوطنية المتوافقة مع المبدأ الذرائعي الأدب عرّاب المجتمع، والذي اتخذته الكاتبة مسلكًا في توضيح معاناتها ومعاناة شعبها الوطنية والإنسانية.

مواضيعها كلّها متناصة بذات المفهوم، تشير لمبدأ واحد وهو الظلم الذي أنتج النفي عن الوطن. وذريعتي في هذا المنطلق أن الحدث هو محرّك للاتجاه السردي الذي يشير نحو نتائج سلبية أو إيجابية تحدث في المجتمع، ديباجته الحياة وأحداثها، وانعكاساته ما يحدث للكاتب والقارئ، فهو بذلك يكون ثلاثي التكوين: أحداث الحياة- تجربة الكاتب الخاصة- تجارب الآخرين، فلا نص غير متأثر بآخر أو مؤثر بآخر، لذلك نجد أن مواضيعها جميعها يتوحّد فيها المضمون (الظلم)، فقط تختلف عن بعضها بانعكاساته على الناس الذين اختارتهم الكابتة أبطالًا لقصصها، حيث انتقتهم من فئات وطبقات اجتماعية متعددة.

الخلفية الأخلاقية:

بدافع استراتيجية الكاتبة الوطنية، فهي بالتأكيد أخلاقية، لأن الوطن جوهرة لا يمكن التفريط فيها، والظلم ضغط قاس أخرجها من عنق زجاجة الوطن نحو اللجوء، واللجوء أقسى غاية للظلم، لأنه يشكّل حرمانًا كاملًا من الوطن وأنسة الحياة فيه، فالكاتبة أصوليًّا بعيدة عن العرقية والعنصرية والطائفية والمذهبية، مستهجنة لكل الانتهاكات التي تخترق المنظومة الأخلاقية، ولا تقبل فيها أية مبررات مساقة بضغط الظروف مهما ثقلت.

ومن هذه البؤرة الثابتة، أنطلق لدراسة هذه المجموعة ودراسة التجربة الأدبية للكاتبة عبر المستويات الذرائعية التالية، والبداية من:

1- المستوى البصري:

الغلاف الأمامي:

أول عتبة بصرية، يكفي النظر إليها لنقف على حجم الصراع اللوني والشكلي القائم فوق صفحة يُفترض أنها كانت بيضاء، لوحة فنية جمعت العديد من الرسومات بريشة الفنانة التشكيلية عتاب حريب، لوحة جامعة لمعركة انتصر فيها الخوف والمرض والموت، بالدلالات اللونية الأزرق والأصفر والأحمر، لوحات فنية كثيرة، لوجوه فقدت معالمها، إلا وجهًا واحدًا لامرأة اتسعت عيناها، والتحمت شفتاها، واستطالت رقبها، واستحال اللون فيها أزرقًا ليعلن الخوفُ انتصارَه، وصورة لأنف ينزف، وصورة لطفلين في القماط أو الكفن، وصورة لوجه امرأة أكلها الحزن، وملامح وجوه تركها أصحابها في مقابر جماعية صفراء حمراء زرقاء، صورة لطفلين تعفّر وجهيهما برماد الحرب والحرمان، لوحات احتلّت طوليًّا ثلثي الغلاف، و بينما الثلث الحر مصبوغ باللون الصفر، تمدّد عليه اسم الكاتبة (أمان السيد) ، وتحته العنوان (نزلاء المنام) ونوع العمل (قصص قصيرة) كلّها باللون الأسود .

الغلاف الخلفي: أيضًا باللّون الأصفر، بثلاث فقرات وشهادات لأدباء باحثين عرب معروفين: وديع سعادة، رغيد النحاس، وغسان علم الدين، في هذا العمل (نزلاء المنام) وبالتجربة السردية للقاصّة أمان السيد بالعموم.

اختيار الغلاف اختيار موفق جدًّا، متوائمًا مع الصراع الدرامي لقصص المجموعة.

العنوان: نزلاء المنام

 جملة اسمية مبتدأ نكرة، مضاف ومضاف إليه.

نزلاء: اسم وهو جمع نزيل، والنزيل هو الضيف- المشارك في المنزل أو الوطن، ونزيل الفندق: المقيم فيه، نزلاء المشفى: المرضى المقيمون بالمستشفى، نزيل السجن: السجين.،.

المنام: اسم مكان من نام/ موضع النوم، ومنام: نوم ، حُلْم .

 التعريفات القاموسية تحدّد المعنى السيميائي للعنوان (نزلاء المنام)، فهو يشير إلى المقيمين أو الضيوف الذين يتشاركون ذات المكان بإقامة دائمة أو مؤقتة، يحدّد طبيعة هذه الإقامة المكان المضيف، وهو إمّا موضع النوم أو الحُلم.

أما المعنى الذرائعي للعنوان فيحيل إلى أؤلئك الأشخاص المنفيّين (في المكان وعن المكان) الذين ينتابهم ذات الحلم أو الكابوس اليومي، عن حياتهم المذعورة، والشعور الدائم بالحصار والتشرّد، والرغبة المحمومة بالكلام عن أصل النكبة، ونتائجها الكارثية على كلّ المستويات، والعجز عن فعل ذلك تحت ضغط الخوف والتهديد، وعدم القدرة على استيعاب ما حدث وما يحدث، فتكون المنامات هي المنفذ الذي تتفجّر من خلاله خرّاجات دواخلهم، علّها تطرح قيحها، تتعافى، تندمل، وتتماثل للشفاء.

العتبة الداخلية: ومضة سردية شاءت الكاتبة أن تقدّم بها مجموعتها:

من يطفئ تلك المصابيح،

مَن يعبثُ بالضوء حولي؟

أوقدوا المصابيحَ،

أريد أن أنام.

وهي مكوّن نصّي مكثّف، فيه مفارقة، وهو متسلسل من العنوان، وكأن العنوان والإهداء نص قصير مكثّف، بنهاية مباغتة، تبدأ بالتساؤل عمن يطفئ المصابيح(الحقيقة) ومن يعبث بها، ثم تطلب إيقادها، لأن المُؤرَّق يريدُ أن ينام! متى كان ضوء المصباح مؤهبًا للنوم...؟! مفارقة أكثر من رائعة!

ثم العتبة الداخلية الثانية: الإهداء:

لابنتها همسة: رقّة متناهية خفّفت بها من حدّة التوتّر الذي انتاب المتلقي من العتبات الخارجية:

" همسة"

وحيدتي،

زغب الأحاسيسِ،

وخَدرُها الجميل .

ثم لأخيها أيمن: تعيدنا فيه إلى الموطن، وكأنها تدخل بنا إلى متن العمل الأدبي:

" أيمن"، أخي..

غرسُ أمي، وأبي

في الأرض البعيدة

التي لملمتنا.

ثم إلى " غسان": وأحسبه زوجًا غيّبه الموت، تنهي به خلاصة تجربتها كنهاية مفتوحة تحتمل أوجهًا عديدة:

" غسان" آخر الأصفياء،

سأحمل معي وجهَك المُحتضَنَ براحتيك،

وعينيك المطبقتين تصلّيان، وأنا أستبيح أمامك حروفي.

 

 

العمل يقع في 117 صفحة توزعت عليها 36 قصة قصيرة متفاوتة الطول، بعضها لا يتعدّى الصفحة الواحدة، وبعضها ينبسط على أكثر من10 صفحات، المنظر العام للصفحة مرتب ومنسّق تنسيقًا ممتازًا من حيث الهوامش والفقرات، أدوات الترقيم منضبطة، لم أعثر على أي خطأ نحوي أو إملائي، الألفاظ بليغة ومنتقاة انتقاءً مدروسًا بحيث لا يجد المتلقي كلمة واحدة غير موظّفة في خدمة النص، والكاتبة تعتمد على نظام المتوالية العددية في تنضيد الألفاظ لفهم المعاني، بمعنى أن هناك علاقة حسابية بالاطراد بين الألفاظ لإدراك المعاني، فلا يمكن أن نفهم النصوص إلّا من خلال هذه الفرضية الحسابية، هي تعتمد على هذا النظام التسلسلي حتى في ترتيب القصص، لذلك حرصت الكاتبة على ترتيبها وفق تسلسل ، استهلال – نهاية وما بينهما العديد من القصص تبدو وكأنها حبكًا فرعية تصب في مجرى الحبكة الأساسية لما يشبه الرواية، لم يخرجها عن ذلك سوى بعض النصوص التي كانت أقرب إلى القصص القصيرة جدًّا، فقد بدأت الكاتبة المجموعة بقصة (ماؤه المقدس) لتحكي قصة الموت والجريمة الأولى، بطلها أول حفّار قبور (الغراب) وقاتل على ظهر البسيطة:

الغراب الذي أخذه الحماس أمام الإثم، راح يواري سوءة أخيه أثر وعي استنهضه فجأة ......

 لتسلسل بعدها القصص التي تتالت بالتناص على طول الفترة الزمنية للحياة التي ما زالت مستمرة وستبقى حتى قيام الساعة، وأنهتها الكاتبة بنص (اللجوء ما قبل الأخير) انفراجًا ونهاية مفتوحة ومدوّرة على البداية التشاؤمية، وتلك سمة رئيسية نجدها مهيمنة على أدب اللجوء بالمجمل، فما من بارقة أمل تلوح في أفق الواقع، ابتدأت بالغراب وانتهت بالسلحفاة التي تعيش عمرًا طويلًا في سباقها مع أهدافها، وتدخل في سبات طويل متكرّر ورتيب، وعلى رأسها الصغير بصغر رأس الدبوس، والذي لا تخرجه إلا لمَمًا، نضع آمالنا بحريّة صعبة المنال، إن لم تكن مستحيلة، إذ كيف لرأس دبوس أن يبقر بطن ابن آوى؟!:

... وكأنه بذلك يريد أن يكون شاهدًا قويًّا على الحرية التي نتشبث بها معًا، فيصير له سطح كظهر السلحفاة، ورأس أشبه بذيل دبوس أصهب جميل، ربما أراد ان يكون الدفقة الناصعة التي تقبّل الحياة، أو السلاح الذي سيبقر بطن ابن آوى ليرويَ حكاية لجوء قد لا تكون الأخيرة .

2- المستوى اللساني:

هذا المستوى يبحث في البنية اللغوية للنصوص، ويكشف عن:

- الثقافة الأدبية الشاملة للكاتب:

 أعني بها الألفاظ المهنية والعلمية والتاريخية والسياسية وغيرها، التي تشكّل مدّخرًا ثقافيًّا عند الكاتب، نلمس فيها مدى قدرة الكاتبة على توظيف تلك المكتسبات الثقافية في مضمار عملها الأدبي، وتشهد على مصداقية التصاقها الثقافي بمجتمعها، ومقدرتها الإبداعية في الإفادة من ذلك، استطعت أن أقتنص من المجموعة ألفاظًا مهنية تخصّ الكاتبة كمدرّسة للغة العربية، منها:

- عربيّتي تتشبّث بضدّي المستجد هنا

- أغدو عينين تتوسطان تاء تعقد ذراعيها لتطويني في بهو تتناثر فيه فيه مناضد عاجية أجالسها.

- يتحوّل النادي إلى سبورة بيضاء حيث كانت تسرح كفي دهرًا طويلًا، وأنا أشرح لطلابي الدروس.

وألفاظ أخرى تعكس ثقافتها الأدبية والفنية:

- قد سقت إلي الحالة فكرة سترتدي حدثًا جديدًا بين حروفي.

- كان يهبط عليّ نقطة تسبح في نون متشظية، فيأتيني رامبو، وديستويفسكي، والتبريزي، وشوبان، وجو داسان، ومولانا الصوفي في مزيج من الرحيق والغوص.

استخدمت ألفاظًا أجنبية متداولة في مجتمعنا من غير تعريب، ووضعتها ضمن أقواس للإشارة إلى غرابتها:

 (سبورت كلاب)، (البوكر ماشين)، (الابرجيني)، (راديو ترانزيستور)، (فانيلا) ...

وأوردت أمثالًا شعبية: (الفاضي بيعمل قاضي) .

 - البنية اللغوية من مفردات وتراكيب وسياق:

انتقت الكاتبة ألفاظًا ومفردات بليغة، وصاغتها بتراكيب وجمل مترابطة ومتماسكة، أحسنت استخدام أدوات الربط، من غير ترهل، كما أجادت وضعها في سياقاتها اللغوية النحوية السليمة.

 - البنية الإشارية (الدلالة والمفهوم):

تلقي الكاتبة دلالات، وتترك للقارئ أن يبحث عن مدلولاتها، وتساعده في ذلك، من خلال توجيهه باتجاهها، في البداية تكون المدلولات كثيرة وعامة، ثم تبدأ الكاتبة بتوجيه عناية القارئ نحو مدلولات محددة مسوّرة بالمفهوم الذي قصدته:

في نص (وصية جسد): تتحدّث الكاتبة عن حالة علينا إدراكها من خلال الدلالات التي تلقيها الكاتبة:

والدلالات هي ما أشرت تحته بخط:

حالة تعتريني كل عشر سنوات، أشعر بأني أعلّق سفينة بعنقي، أسحبها نحو اليابسة....

المدلول هنا: تقدّم الإنسان بالعمر

ولكم أن تطلقوا العنان هنا، وتستحضروا كل ما شاهدتموه، وشهِدتموه من الفواجع في حياتكم، أو من تلك التي ابتكرتها أخيلتكم في بواطنكم، وأنتم تتابعون مستثارين عمليات الإعدام تلك....

المدلول: التجارب الحياة القاسية.

إذًا ، فالعملية أسخف مما يدور في أذهانكم، أن أسحب جسدي الذي تحوّل إلى السفينة الضخمة نفسها، وراح يتعثّر وهو يحاول السير فوق اليابسة، ومما أدهشني في سيري ليست المشقة التي كنت قد هيّأت نفسي خلال السنوات التي كانت تنتابني فيها تلك الحالة

المدلول: هرم الجسد فوق ساحة الحياة، ولكن أن الرقاب جميعها التي كانت تحمل تلك الرؤوس كانت مطأطئة بوجوهها ناحية الرمل

المدلول: الرهبة من الموت القهري .

وبما أني كنت رثّ القلب فقد كنت أتوقف لأوجّهها نحو السماء...

المدلول: التقوّي بالإيمان

بل يعنيني أن أصل إلى المحيط بهذا الجسد السفينة، وأن أتركه هناك لينتحر. لقد أخبرني أن هذا هو مطلبه الأخير، فكيف أمتنع عن تلبيته، وهو الذي به خدمت حياتي، أليس من اللائق أن أكرمه في وصية غالية

كهذه؟

المدلول: توق الجسد الهرم المنهك للموت.

كل هذه المدلولات، والتي يمكن أن تكون غير محدودة عن حالة الجسد ضمن الزمن، سوّرتها الكاتبة بمفهوم: الموت كنهاية حتمية لجسد أنهكته الحياة، وهنا حددت طريقة الموت بالانتحار، فالحالة هي رغبة بالانتحار.

- البنية الجمالية ومتعلقاتها البلاغية – علم البديع وعلم البيان

استخدمت الكاتبة الاستعارات والتشابيه والكناية، ورسمت بها الكثير من الصور الجمالية.

3- المدخل السلوكي Behaviorism Theory:

التساؤلات التي طرحتها الكاتبة في النصوص كمحفزات، وأخفت إجاباتها بالتضمير والتضمين، وتركت للمتلقي فرصة البحث عن إجاباتها، تنوعت التساؤلات بين التساؤلات التهكمية الاستنكارية، كالسؤال الذي طرحته البطلة على شاب (شبّيح) في قصة (تعويذات): تساؤل يلقي الضوء على سلوك شاذ يتبعه بعض الشباب (الشبيحة) الذين يلجؤون إلى وشم جلودهم بعبارات أو رسومات أوحتى أسماء، وهو سلوك مقزّز، غريب على مجتمعاتنا المحافظة والتي تؤمن بالطهارة، وبأن الوشم نجاسة، فتلاحقه بطلة القصة بسؤال تهكّمي:

- ما الذي دفع بك يا " علي" إلى أن تنقش الاسم على جلدك بهذا الشكل الدامي، ألعلك خشيت أن يسقط عنك سهوًا، أو لعلك خشيت عقابًا إلهيًّا إن لم تقم بذلك؟!

أيضًا تساؤل وجودي، في نص(الوفاء)، تطرحه الصحفية وهي تستمع لعاهرتين تشكوان قلّة الموارد المالية في ظلّ الأزمة التي شلّت نشاطهما، وتتبعان شكواهما بالاتكال على الله وطلب الفرج والرزق منه، تتساءل هل هو ذات الله للمؤمنين والعصاة، للفقراء والأغنياء، للضعفاء والمتجبرين؟! سؤال يضمر اختلاف البشر في اعتقادهم بالله، كلُّ يلوذ به ويختلف بعبادته، وتخبئ إجابتها خلف حروفها لنجد أنها تقرّ أنه الخالق ذاته، ولكن عباده متفاوتون، بين فلاح يزرع خيرًا أو شرًّا، وحاصد يجني رزقه أو رزق غيره، وحاكم يستبد أو يعدل:

الله الذي كان ماثلًا بشدة في حديث النسوة الثلاث، ما رأيه بما يجري، وهل هو الله نفسه الذي أركع، وأصلي له كل ليلة؟ هل يكون للفقراء، والمحتاجين، والمنبوذين ربّ آخر غير الذي لأولئك المتجبرين والمستغلين؟!

4- المستوى الحركي في التحليل Dynamic Level:

أدرس هذا المستوى بعص عناصر البناء الفني والبناء الجمالي للقصص، ونبدأ ب:

- البناء الفني وعناصره:

العنصر الأول: العنوان:

وقفنا مطولًا على العنوان الرئيسي للمجموعة، أما بالنسبة للعناوين النصوص فكانت متنوّعة، بعضها عن الجسد مجزّءًا، حاكت فيها الكاتبة وضع التشرذم والتشتّت الذي يعيشه اللاجئ متشظّيا، غريبًا حتى عن أجزاء جسده، نذكر من هذه العناوين(الرأس- الجثة- وصية الجسد- عودة الجسد- سبق أن دخلت في جلدي)، بعضها أسماء أماكن جرت فيها أحداث القصة، (سبورت كلاب – المقبرة الفرنسية – خيمة لا تعرف النوم – دمية الحافلة، ضيوف الشرفة، نزيل " بينكي"، في متاهة، شوارب في سوق المدينة، كيدون الأرمن)، عناوين لجمادات (شيء ما في الصورة- نزف الدمى – خيوط اللعبة- - سر الحذاء- ستة عشر تمثالًا حجريًّا)، وعناوين بأسماء أبطالها(أمينة المجنونة- العازف)، عناوين من لفظة مفردة نكرة أو معرفة تصف حالة (تعويذات – شغف- الوفاء – مكابرة – جوعان، أتساقط )، عناوين جملة اسمية (ماؤه المقدس- أوراد يومية – أول المعزين- صلاة دائرية – اللجوء ما قبل الأخير).

هل كانت الكاتبة موفقة في اختيار العناوين، نعم، إلى حد جيد، فقد اختارت عناوين قصيرة، ومعظمها تشكل دلالة لا تنفصل عن متن النص.

العنصر الثاني: الاستهلال:

إن الاستهلال الجيد هو القاعدة العريضة التي يبدأ منها نسج خيط التشويق بعد أن يعقد عقدة البداية على مسمار العنوان، وهو الذي سيحدّد مقدر الكاتب الإبداعية ومهارته كنسّاج ونصّاص محترف يدرك أسرار صنعته، تستهل الكاتبة قصصها وكأنها تلقي طعمًا، مفردة خفيفة، يتبعها تعريف أو إخبار عنها، يتلقفها المتلقي ويتتبّع خيط النسج بعدها، عبر الجملة الفعلية التي تبدأ منها الأحداث، يؤكّد يوسف الشاروني على أهمية التشويق وضرورة أن يعرف الكاتب بأبطال قصته: "وعلى القاص أن يعرّف بشخصياته في المقدمة، وبعض ملامحهم وصفاتهم، وذلك بطريقة فنية تثير اهتمام ومشاعر القارئ وتدفعه إلى متابعة قراءة النص، ولا تعدو المعلومات التي يقدّمها القاصّ في مقدمة قصته، بل تكون مجرد أضواء خافتة تنير الطريق إلى مخبوءات النص الذي سيكتشفه القارئ كلّما تقدّم في القراءة......) وهو استهلال ملاحظ في العديد من قصص هذه المجموعة، منها مستهل نص(الوفاء)، تستحضر فيها البطلة جارة لها هي إحدى الشخصيات الرئيسية:

هي جارة بواكير الصبا، شعر ناعم، أنف إغريقي دقيق، وعينان واسعتان.... ص 53

استخدمت استهلال مكاني في نص (المقبرة الفرنسية)، لأنها ستعتمد تقنية التدوير، أي تدوير النهاية على البداية:

الزاوية نفسها التي نتأت منذ دهر من رصيف متسخ يواجه المقبرة ....ص 76

وهناك استهلال حدَثي وقولي وزماني.....

العنصر الثالث: مواضيع القصص وزمكانيّتها:

كما أشرت سابقًا، لقد سلسلت الكاتبة قصصها بحيث تبدو وكأنها رواية، ثبّتت فيها قصة البداية (ماؤه المقدس) وقصة النهاية (اللجوء ما قبل الأخير) وما بينهما قصص متن، مع تكامل أركان كلّ قصة، بشكل مستقل، بعد قصة البداية، تأتي قصة (أمينة المجنونة ) كأول قصة متن، بطلتها أمينة المرأة الصهباء المجنونة التي كانت تسكن في مدينة الحفة التابعة لمحافظة اللاذقية، في فترة أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي، سردت الكاتبة قصتها بأسلوب الحكاية، حكاية مجنون البلدة التقليدية، تحكي ما يتناقله الأهالي عن أسباب جنونها، تسهب في وصف مظهرها، جسدها وملابسها الغريبة، التي تضع عليها صورة لزعيم عربي لم تسمّه الكاتبة بالاسم، لكن واضح جدًّا أنها الرئيس المصري (جمال عبد الناصر) الذي كان يتمتّع بجماهيرية كبيرة كزعيم عربي قومي كبير في تلك الحقبة التاريخية، وفي تلك المنطقة تحديدًا، وكانت أمينة تحمل راديو ترانزيستور تتابع من خلاله خطاباته الحماسية، لحظة التنوير في تلك الحكاية جاءت بها الكاتبة في النهاية، فيما قاله الأهالي حين موتها قرب السد وهي تحتضن الصورة و الراديو:

إنها مجنونة، والمجانين أحرار في أن يصلوا بمشاعرهم إلى من يحبّون، ويهوون مهما علت بهم المناصب، والكراسي.

من هنا تبدأ قصديّة الكاتبة، بنقلنا عبر الزمكانية من الأزل إلى الماضي القريب، لتبدأ قصة الشعوب في العبودية للزعامات، وكيف وُلِد مفهوم الحرية، مجنونًا مشوّهًا.

في قصة (الرأس) تتحرّك الزمكانية متسارعة لتصل إلى الزمن الحالي، قصة رمزية تجريدية، فالرأس الذي يحمل كلّ الأفكار الموروثة والمكتسبة، يدخل لعبة القتل التكنولوجي، كيف لا وهو أشبه بالكرة التي تركلها الأرجل، وتوجّهها كيف تشاء، كحال الأدمغة التي لا يملك أصحابها حق الثبات، مغسولة قسرًا بمقتضى المصالح المتغيّرة، فكيف لا تستحق ميتة مبتكرة؟ الموت نحرًا ككبش فداء، شهادة جديرة بها الأفكار المتناحرة التي أنهكتها الركلات:

أشعر بالرأس يحدّق بي وهو ينزلق، لم تكن النظرة حقدًا، أو تضرّعًا، أو استنكارًا، كان يشكرني، لأنني استطعت أن أبتكر له ميتة مُترفة لا يحصل عليها مخلوق عادي.

في قصة (الجثة) تحرّك الكاتبة الزمكانية إلى قلب الفجيعة الإنسانية، تدلّل على حجم الجريمة المقزّزة التي تجعل من أعضاء الجثث تجارة يتاجر بها تجّار الحروب، ابتداء من تجّار السلاح إلى تجّار المسالخ، حدث هذا في البلد، امتلأت السجون بالمعتقلين، وقُتِلَ المعتقلون، ومثّل بجثثهم، وسُرقت أعضاءهم النبيلة، ومارس الجزّارون مع جثثهم الرذيلة بحرّية لم يجرؤوا على الهتاف بها يومًا، بينما بقيت حناجر الجثث تطلق أنينها.

في منتصف النهار كانت الجثة قد تحوّلت إلى طبل مجوّف بعد أن جرّفت من الأحشاء جميعها، لكن الخفق والأنين اللذين يصدران منها لم يتوقفا...

ثم في (تعويذات - وصية الجسد) تقترب الكاتبة بكاميرتها من التفاصيل، تفاصيل المشهد السردي، وتفاصيل الشخصيات، فصار للشخصيات أسماء، وتوصيفات، اقتربنا من شخصية الشبّيح، هي الشخصية التي طفت بوضوح على سطح مشهد الأحداث في بداية الأزمة، كذلك الشخصيات التي قضت غرقًا وهي تفرّ من نار الأرض والسماء، مع اشتداد أحداث الصراع.

في قصص تالية، تتغيّر الزمكانية، ليغدو المكان بلد اللجوء، والزمان هو الحاضر الحالي، تخفّ فيه حدّة الانفعالات، لتنظر الكاتبة بدهشة واستغراب إلى عالم جديد، تحاول أن تعرّفنا عليه بشيء من المرح، بروح جديدة تحاول أن تعيش الحياة كما ينبغي، ولكن هيهات، ما تكاد تفعل ذلك حتى تغدو الأماكن مزارات للغربة والذكريات التي تعود بها إلى الوطن وما يشبهه من بلدان تزفر آلامها، فقصة (العازف) تبدأ هكذا، مرحة ممتلئة بالحياة،

دو ري مي فا صولا سي، أخيرًا هدأ العزف الذي أوقعني أسير نغماته منذ أن سكنتُ في هذه الشقة قبل شهور حملت ثقل دهر....

جارٌ عازف، ونظرة إلى الحديقة المقابلة الممتلئة بالنوارس والببغاوات والطائر المقزّز(أبو منجل) ، تثير في نفس البطلة مشاهد للوحة فنية متحرّكة، لتباغتها الصورة النقيض، في عوالم تحتضر بكوارثها الفكرية والتاريخية، لتسترجع تاريخ رحلة العبيد من الأبريجينيين:

يستحثّني إلى ذلك الاستمتاع بالتصافي فيما أشهد من مخلوقات، وأقارنها بعالم يَصِم من عُلويته طائرًا بالمقزّز، ويحكم على ثائر للحق بالقتل، وعلى شاعر بالإعدام، وعلى امرأة بالسبي، وعلى من يخالفه في معتقده الديني بالحرق.

وهكذا.. تنتقل الكاتبة من العام إلى الخاص، لتعود إلى الرأس الذي قطعته في قصة سابقة، (عودة الرأس)، قصة رمزية، تحكي الكاتبة عبرها قصة العبودية العربية ومتطلباتها للعيش بأمان، إذ لا يكفي أن يكون الرأس مقطوعًا خاويًا من الأفكار حتى ينعم صاحبه بالاطمئنان، بل لا بدّ من قطع اللسان أيضًا حتى يضمن العيش وسط القطيع، تحت أمرة البطش:

وبعدما مارستُ عبوديّتي بإتقان، غلبني النوم، لأجدني، أعوم وسط ألسنة لا حصر لها زُرعت فوق بحيرة صافية تشبّ منها تماسيح مخيفة، كُنتُ مُلاحقًا منهما معًا، وأنا ما ازال أصرخ: ألسنة مقطوعة، رؤوسها مطمئنة!.

في قصة (أتساقط)، أيضًا الزمكانية هي بلد اللجوء بالزمن الحالي، ورصد مفهوم المأوى للاجئ، وما يشوبه من إحساس بالغربة ينغّص عليه فرحه بلقياه، وخصوصًا إذا كان اللاجئ كاتبًا يحيا بالكتابة، لا بدّ له من أن يتجاوز الضباب الذي يحجب عينيه عما يكتب، عليه أن يتجاوز كل ما رأته عيناه من أهوال في رحلة لجوئه، ليتمكّن من رؤية ما يراه غيره فقط، فهل يستطيع؟!

...ولن أستطيع بعدها أن أغرق فيما لا يراه غيري، ولا أن أهتف للشمس حين تضمحل من حياتي، ولا أن أشتكي من الشتاء وما يثيره فيّ من الشجون، ولا من السجون، ولا من الديكتاتور الذي استبدّ بروح ما أكتب، ولن تستثيرني العواصف الثلجية وهي تدفن الفارّين في خيام متهتّكة لا تعني النّظارة،ولا جماهير المتفرّجين، ولا السقوف وهي تتهاوى فوق رؤوس الغافلين....

على هذا النحو تمضي بنا الكاتبة، لا تستطيع أن تتجاوز في مواضيع قصصها كوابيس نزلاء المنام، فلا يكاد الحلم يبدأ حتى يتحوّل إلى كابوس يقض مضجع صاحبه.

في معظم القصص يختلط الواقع باللاواقع، وما الواقع إلا خطوة واحدة يكمل اللاواقع مشوارها بخطوات عديدة ينتهي بصدمة الوعي، تجسّد ذلك جليًّا في قصّة (المتاهة)، التي بدأت بحدث واقعي لكاتبة تنتظر حكم موظفة بالجريدة على اعتماد مقالها أو لا، يتناوشها الخوف من الخلط بينها وبين كاتبة أخرى ممنوعة من العودة إلى الوطن، هذا الخوف يجرّها إلى هلوسات تزجّ بها في متاهات الملاحقات الأمنية، لتنتهي مستيقظة على هذه الحقيقة المرّة، مدينة كل ما فيها منهار، والمدينة بلد:

... كنتُ الشخص الحاضر الغائب في مكان لست أدري كيف أنّي فيه، وكان الظلام قد بدا يخيّم على مدينة كلّ ما فيها متداعٍ، ومنهار.

والحقيقة أن المجموعة تحتوي على عدد كبير من القصص، حوالي 36 قصة، كان من الممكن جدًّا أن تقسّمها الكاتبة على مجموعتين مكتفية بحوالي عشرين قصة في كل مجموعة، كان هناك قصص من صفحة واحدة، بتكثيف قليل يمكن أن تكون قصص قصيرة جدًّا.

الشخصيات:

اعتنت الكاتبة باختيار شخصيات قصصها، وتلاعبت بأبعادها، فنراها تسطّح عن قصد بُعدًا أوبُعدَين من أبعادها الثلاث، وغالبًا ما يكون البعد الجسدي، وتركيزها على البعد النفسي، وهذه سمة من سمات الأدب المعاصر، بينما نجد البعد الجسدي حاضرًا وبالتفصيل في نص (أمينة المجنونة)، لأن بعدها الجسدي عمودًا رئيسيًّا يخدم تداعيات الحدث السردي:

فارهة الطول، صهباء، بشعرها الغزير الملقى بلا اكتراث فوق كتفين عريضتين، أما فستانها البرتقالي المزركش....

وهكذا، شخصياتها بالمجمل شخصيات نزقة، موتورة، محبطة، مأزومة نفسيًّا، بدرجات متفاوتة، ومنها ما يصل إلى درجة المرض النفسي أو المتلازمة، وهي تمثيل حي لمستويات إنسانية متفاوتة في طريقة تلقّيها وتأثّرها بالأزمة التي خلّفها الظلم ملقيّا بظلاله على شرائح اجتماعية مختلفة، فالبطلة في قصة (خيمة لا تعرف النوم) هي امرأة لا تسمع إلا صوت جسدها الجائع الذي حرمته الثورة مِن مَن يطعمه، مات الشريك شهيدًا غير عابئ بها، هو يراها ثورة يحتّم عليه الواجب أن يكون من ضمن ثوّارها، وهي تراها فتنة حملت لها ولأمثالها القهر والحرمان، لتنتصر لشهوة جسدها التي جعلتها تقع في مستنقع تجّار الحروب بسلعهم المتنوعة التي كان نصبيها منهم تجّار الدعارة.

نوّعت الكاتبة بتقنياتها السردية، وناوبت بين السارد العليم والسارد المشارك في سرد النصوص، ونصوص السارد المشارك كان لها الحصة الأكبر، هناك قصص خرجت عن التكثيف باتجاه السرد الإخباري المطوّل مثل (الوفاء)، ربما لأن الواقع فيها كان طاغيًا، فنص (الوفاء) البطلة فيه صحفية تمّ استدراجها من قِبَل جارة الصبا للكتابة عن مغامرات عاهرتين مع رجال معروفين في المجتمع، ليكونوا مادة دسمة للتشهير، فجاء السرد في النص سردًا إخباريًّا صحفيّا، يسرد حقائق منطوقة ومسموعة.

 والأدب انعكاس للجمال لو قورن مع العلم، فالعلم يبرز الحقائق، والأدب يبرز الجمال، والحياة هي مسرح التكامل بين العلم والأدب، أي بين الحقائق والجمال، وهذا يقود للصراع الجميل الشفاف بين الواقع واللاواقع، أو بين الحقيقة والخيال، وعلى الأديب أن يجنح نحو الجمال والخيال أكثر، فيلقي على الحقيقة المقززة غلالة شفيفة من الألفاظ البليغة الموحية أكثر منها كاشفة، وللكاتبة قاموس باذخ الثراء في ذلك.

ختامًا:

هي جولة سريعة في مجموعة قصصية تستحق الدراسة على كل المستويات الذرائعية، نبارك للقاصة والأديبة الراقية هذا الإصدار، وننتظر منها إصدارًا روائيًّا مميّزًا، فهي تملك أدوات الروي والسرد الطويل بشكل واضح، تحياتي وجلّ احترامي.

 

د. عبير خالد يحيي

31 مارس 2020

 

 

الكبير الداديسيفي الوقت الذي فرض فيه فيروس كورونا إغلاق أبواب متاحف العالم في وجه عشاق الفن، ومحبي التحف، نفتح لقرائنا نافذة صغيرة نتسلل من خلالها إلى تلك المتاحف عبر بوابة الرواية العربية، في رحلة قد تكون الأولى من نوعها عربيا...

فعلى قلة الروايات التي عالجت الفن التشكيلي، وموضوع المتاحف في الرواية العربية المعاصرة سنحاول استقصاء بعض التجارب والنبش فيها لنسافر بكم  في هذه الرحلة الرمضانية إلى متاحف افتراضية كما تخيلها الروائيون العرب، ما كنا لنعرف ما بداخلها لولا هذا السفر  الروائي مع مخيال الروائيين... فشدوا أحزمتكم وهيا ونسافر معا لنقف على تحف خالدة روائيا ونتجول في أروقة المتاحف العالمية محاولين الإيجاز والاقتصار على أمثلة بعينها:

من الروايات العربية التي عرجت على عدد هام من المتاحف نبدأ برواية "سوناتا لأشباح القدس" للروائي الجزائري واسيني الأعرج الذي تجول بقارئه في عدد من المتاحف والمعارض الأمريكية والعالمية التي عرضت أو اقتنت لوحات بطلة الرواية "مي"، نذكر منها متحف بروكلين للفنون الحديثة، متحف أليس أيلند بنيويورك، ومتحف سان فرانسيسكو للفنون الحديثة وقد تسلّـلت الرواية إلى  تلك المتاحف بطريقة سرديّة من خلال لوحات البطلة... كلوحة سباعية "حداد الذئاب" وهي سبع لوحات مائية لكل واحدة منها عنوان فرعي هي (سرير الموت/ العزاء/الأزواج والزوجات/ماجدة وسارة/كم نحبك لو تدرين/ مطعم شرق/ بيانو ليتل/مام) التي "اعتمدت فيها "مي" على فنّ الغروتسك التي تجرّبه للمرّة الأولى في لوحاتها، والسباعية اقتناها متحف سان فرانسيسكو للفنون الحديثة تحت رقم(SFMA.BR.WOL.MAYKON/70-45)"(1)، أما لوحتها "الأرض الميّتة"  التي اعتمدت فيها على اللونين السود والرمادي فموجود روائيا "بمتحف طوكيو لفنّ القرن العشرين. في الرواق العاشر قسم الفنون المعاصرة رقمها في المتحف(MTCA-S/90654TOK)"(2)،  في حين اللوحة الثلاثيّة "عدوى الأرض" وهي عبارة عن ثلاث لوحات ( تربية النور/ الأرض المغتصبة/  الأرض الأخرى) عناوينها باللغة الفرنسية وتتميز بتنويعات تنزاح ألوانها من الحار نحو البارد، بسلاسة كبيرة وهي "من مقتنيات متحف نيوجرسي للفنون البصرية رقم التصنيف

(NJ.RRL.6785RT-ER)"(3)، فيما لوحة "الأندلس جنتي الملتبسة" ف"اقتناها المركز الثقافي الإسباني بنيويورك"(4). وتصور فيها تهجير المسلمين من الأندلس "ألاف الوجوه مرمية على سواحل ألمارية تنتظر سفن القراصنة الإيطاليين لترميهم نحو العدوة الأخرى"  وللقارئ متعة تخيل حجم هذه اللوحات ومحتواياتها، وموقعها في كل متحف...

هذا وتضمّنت الرواية إشارات إلى متاحف أخرى زارها البطل "يوبا" وأمّه "مي" الفنانة التشكيلية الفلسطينية،  مُقارناً بينها ومقدّماً وصفاً دقيقاً لمعروضاتها؛ ومنها متحف سانتا كروث الذي قال فيه: "عندما دخلت متحف سانتا كروث ذهبت مباشرة نحو لوحة غريكو: المسيح يودّع أمَّه... بدت سماحة المسيح ملائكية، وكان واضحا أنه يتجه لا محالة نحو الموت الأكيد، لم تلتفت مريم نحوه، ولكنها كانت تنظر إلى أفق بعيد لا شيء فيه إلا الظلمة القاسية، هي نفس الظلمة التي خطَّ بها غريكو لوحته: منظر طليطلة التي رأيتها قبل سنة في متحف نيويورك ميتروبوليتان ميوزيم أوف آرت"(5)،...هكذا يمكن أن يتخيل القارئ محتوى اللوحة وحجمها ، وموقعها داخل المتحف،

وزار البطل "يوبا" وأمه "متحف الفنون الحديثة" بنيويورك فقال :"عندما ذهبت أنا وأمّي إلى المتحف دخلتْ ثم جلستْ في صدر المتحف تتأمّل تفاصيل أناست أفينون لم تستطع أبداً أن تخبّئ دهشتها من التفاصيل الهامشيّة التي كانت تزخر بها اللّوحة"(6). ومن خلال الزيارة يتعرف القارئ العربي على هذه اللوحة الزيتية الكبيرة التي رسمها بيكاسو صور فيها خمس عاهرات عاريات في بيت للدعارة ببرشلونة، وتبرز الرواية سر تعلق "مي" بهذه اللوحة لما يجمعها وبيكاسا من أصول متوسطية وتضبف: " ربما بيني وبينه رماد الحروب الأهلية" ص72

ولم تكتفِ بعض الروايات بعرض ما بداخل المتحف بل قد قدّمت معلوماتٍ عامَّةً، عن الفنانين التشكيليين، وتفاصيل حياتهم معارضهم، لوحاتهم ويكفي الرجوع  لرواية "جيرترود" لحسن نجمي ليعرف القارئ تفاصيل حياة  معظم عمالقة الفن التشكيلي الذين عاشوا في القرن التاسع عشر، والمعارض التي نظموها أو زاروها،... فالرواية تتضمن وصف دقيقا لمعظم أعمال بيكاسو، وتعريجا على لوحات سلفادور دالي وغيرهما، كما تسافر بالقارئ في عدد من المعارض وتقدم له لوحات خالدة وموقف النقاد وتفاعل الجمهور مع بعض اللوحات في رواية جمعت كما هائلا من التشكيلين يصعب جرد أسمائهم ولوحاتهم كلها وتكفي هذه الإشارة لعدد من المهتمين بالتشكيل الذين حضروا حفلة بمنزل جيرترود بعد اعتذار بيكاسو وزوجته يقول السارد: "الآخرون كلهم هنا. ماتيسْ وإيميلدا ماتيسْ، خوان غري، أندري غرين، أ. أ. كامينغ، روبير دولوني، ماريا لورانسان، جان كوكتو، بيير ريفيري، ماكس جاكوب، شيروود أندرسن، فرنسيس سكوت فيتزجرالد الذي جاء وحده هذه المرة بعد أن تخلّت عنه زيلدا مفضلة طيارا شابا (...) سيلفيا بيتش بشعرها الأسود الناعم (...) فورد مادوكس فورد، هينري- بيير روشي، أندري سالمون، رومان بروكس، جون دوس باسوس، سيسيل بيطون، مارسيل دوشان، مينا والو، فاليري لاربو، مان راي مثل ذئب في البراري حاملا مصورته اللاّيكا الخاطفة، دجونا برانس، إيريك ساتي، نتالي كليفورد- بارني، جيل سوبيرفيل، روني لالو، مابل دودج، الشاعر والمنجم كونراد موريكاند صديق بيكاسو (...) بول- أوجين أولمانُ الرسام الأمريكي المقيم بباريس وزوجته ألِيس وودز، الكاتبة والصحفية، كانفايلر، كولفيس شاغو. وجاء الموسيقي فيرجيل طومسون الدي عرفناه بنقدِه الموسيقى لحساب صحيفة "نيويورك هيرالد تريبيونا" وناقد التايمز كارل فان فيختن، كما جاء للمرة الأولى سيرج جاستربزوف (...) صاحب مجلة "لي سواري دو بَّاري" وأخته البارونة، واستجاب للدعوة هذه المرة الرسام الكاطالاني رامون بيشو وجيرمين زوجته (...) وكانت معها أختها مدام طورنورود أنطوانيت طورنورود وهي أيضا زوجة رسام، رودولف طورنورود (...)"(7)  وبعيد عن معارض أوربا  يقتفي البطل أثر لوحة جيرترود لبيكاسو ليكتشف أنها معروضة بمتحف الميتروبوليتان بنيويورك ويزور هذا المتحف الذي قال فيه: "ذلك المتحف الكوني الهائل الذي يتوفر على أكثر من مليوني قطعة ولوحة(...) ويمتد على مساحة واسعة تصل إلى مائة وثلاثين ألف متر مربع(هل تتصور؟) ويزوره حوالي خمسة ملايين زائر سنويا "(8).

وبما أن رواية "اللون العاشق"  للروائي المصري أحمد فضل شبلول أقرب إلى سيرة حياة الفنان المصري محمود سعيد(9) فقد نقلت الرواية قراءها إلى  عدد من المتاحف التي تردد عليها بطل الرواية منها المتحف البريطاني الذي زاره عدة مرات يقول في إحدى زياراته: "ظللت أقطع ردهات المتحف البريطاني (...) مررت على حجر رشيد الموجود بالجناح المصري بالمتحف منذ 1802 لكن لم أتوقف أمامه مثل كل زيارة"(10)، و متحفي ستوكهولم بالسويد و ومتحف هامبورغ بألمانيا حيث أعجب بلوحتين  يقول فيهما: "الأولى لرسام من  أصل إيطالي جوزيبي كاستليوني تحمل  اسم (ثلاث فتيات صينيات يلعبن الضاما(الدومينو) وقد شاهدتُها في  متحف هامبورغ واقتنيت نسخة منها، وقد نال الفنان إعجاب أباطرة الصين، وغدا مصوّرا بالقصر الإمبراطوري في بكين"(11)، "أما اللوحة الثانية فقد شاهدتُها في متحف ستوكهولم القومي– للفنان ألكسندر روزلين وهو فنان سويدي عاش في فرنسا واكتسب شهرته من تصوير بورتريهات أفراد البلاط والطبقة الأرستقراطية والمجتمع الراقي، حتى أصبح مصور بلاط الملك لويس السادس عشر وعضوا بالأكاديمية الفرنسية عام1753"(12)، إضافة إلى متحف تاريخ الفنون بفيينا حيث وقف على لوحة الحكماء الثلاثة للفنان الإيطالي جورجو بارباريللي يقول: وقد شاهدتُ تلك اللوحة أثناء زيارتي لمتحف تاريخ الفنون في فيينا، ويتّضح فيها سر الحركة في الضوء وتحوّلاته".(13)

هذا وقد حاولت روايات أخرى إبرازَ تفاعل الأبطال مع بعض المتاحف واللوحات وما خلفته في النفس من أثر تقول "مي" بطلة رواية "سوناتا لإشباح القدس" للروائي الجزائري واسيني الأعرج لابنها: "يوبا... يجب أن تعرف أن الفعل الذي خلّفته فيَّ تلك اللوحات كان كبيرا (...) أنظر مثلا الليلة المرصعة لفان غوخ، وقد ترك فيَّ شوقا كبيرا للنور(...) آنسات أفينون لبيكاسو شيئاً آخر بهندستها وشكلها وألوانها(...) وهي تبيّن إلى حد كبير بحث بيكاسو على الأشكال الحيّة ورغبته في التجديد، هذه الطريقة هي التي قادت الفنَّانين نحو التَّكعيبية، الإيقاع نفسه نجده في الرقصة لماتيس لوحة عملاقة أنجزها صاحبها في 1909(...) أحدثت زوبعة كبيرة عندما قدّمت في معرض الخريف بنيويورك"(14).

وتحمل رواية "سلالم النهار" لفوزية سالم الشويش القارئ لأحد المتاحف الموضوعاتية بفرنسا إذ تصف الساردة كيف أخذها زوجها إلى متحف اللوريتزم المتخصص في المعروضات الجنسية، تقول: "ليريني الحياة الجنسية منذ بدء خليقتها ومن اللحظة الأولى... المبنى الغريب خصصت كل طوابقه المثيرة للعرض الجنسي كل ما فيه مرصود لتثبيت العلاقة الجنسية منذ فجر البدائية"(15)، و"لكل شيء معنى للإيروتيكية: قبضة الملاكم، خرطوم الفيل، رأس الحية، كعب عالي، مقدمة سيارة قديمة، فتاحة علب، مسدس، يد التليفون القديم، الحبال، السلاسل صبابة البنزين(...) هل الحياة في حقيقتها ليس لها أي معنى خارج الفعل الجنسي؟ نظرية والدي أيضا تثبت هذا المعنى"(16).

ولعل من أكثر المتاحف حضورا في الرواية العربية المعاصرة متحفُ اللوفر بباريس الذي تردد اسمه في عدد هام من الروايات، منها رواية "اللون العاشق محمود سعيد" والتي ذكر فيها البطل  زياراته لهذا المتحف منها قوله وهو يتحدث عن تكريم الانجليز للفنانين في شخص السير جوشوا راينولدز" ومن لوحاته الأخرى البديعة في فن البورتريه الموجودة في متحف اللوفر بباريس والتي شاهدتُها هناك، لوحة السيد هير الصغير )ابن ربّة البيت( Master Hare"(17).

منه ما ورد في إحدى رسائل طلال لغادة برواية "لم أعد أبكي" حين يذكِّر حبيبته بزيارتهما لمتحف اللوفر بباريس: "أتذكرين يوم سافرنا معاً إلى باريس، فقد حرصنا على زيارة متحف اللوفر ووقفنا من بعيد نطالع لوحة الموناليزا، من كثرة الناس المحتشدين حولها. ليتني كنت رسّاماً لأرسم صفحة وجهك وأنت بين ذراعي، وألقي نفسي أتأمّل مشدوهاً هذه اللوحة الفنيّة الرائعة بكلّ تعابيرها العفوية"(18)، هذا وقد تعوّد بعض الفنانين العرب التردّد على "اللوفر" في كل زيارة لباريس يقول محمود سعيد سارد "اللون العاشق"  " اقترب وقت عطلتي الصيفية التي لا أقضيها غالبا في الإسكندرية، وقد قرّرت هذا العام أن أقضي العطلة في أوروبا وأبدأها – كالعادة –من فرنسا، حيث أزور اللوفر وأطّلع على أحدث اللوحات التي ينتقيها المتحف للعرض أمام الجمهور، ثم أتجوّل على بقيّة المتاحف والمسارح والأوبرا والسينما"(19).

ونعود لمتحف نيو جيرسي ونقف أمام لوحة "ثلاثة أجساد في الدوامة" وهي " لوحة صغيرة، في شكلها مرقمة Free.col/067/Mak وضعت تحت إنارة صفراء داكنة، في معرض نيوجيرسي فزادت من عزلتها، وأغوت كثيرا من الزوار للذهاب نحوها كانت بحجم الجوكندا فقط"(20)

ولم تكتف الرواية العربية المعاصرة بتصوير المتاحف الموجودة بل انفتحت على المستقبل مبشِّرةً بمتاحف موضوعاتية ستفتح مستقبلا منها التبشير بمتحف خاص بالمآثم، سيضمّ لوحات "مي" كلوحة "مأتم عائلي" التي " اشتراها رجل أعمال مكلّف بشراء كل ما له علاقة بالمآتم، لمصلحة أحد الأغنياء الذي يؤسّس للمتحف الأسود. الذي يجمع كل اللوحات التي تجسّد المآتم، إلى اليوم لا أحد يعرف متى يفتح هذا المتحف على الرغم من أنّ الصحافة لا تتوقّف عن الحديث عن قرب افتتاحه، صاحبه الذي يشتغل في بورصة النفط اشترى أكثر من ثلاثمائة لوحة من هذا النوع. رقم الشراء PRIN.COLL.FAM.FUN/MAK/123&0067"(21).

مقابل هذا الحضور للمتاحف العالمية، فإن الرواية العربية المعاصرة تشير بحياء إلى المتاحف العربية، وربما السبب يكمن في حداثة ثقافة المتاحف في العالم العربي، التي لا زالت تعيش على الهِبات والهدايا، والنظر إليها كوجهات مخصصة للأجانب والسياح، ومن الإشارات التي وقفنا عليها، هذه الإشارة لمتحف الفنون الجميلة بالجزائر في سياق حديث رواية سوناتا لأرواح القدس عن  "لوحة أمي"  لبطلة الرواية وهي لوحة "موجودة في متحف الفنون الجميلة بالجزائر العاصمة ضمن مجموعة الفن العالمي المعاصر في الرواق الرئيسي من المتحف(MBAA.Mother.face.MAYISK/56-65) هديّة من الفنان محمد إسياخيم إلى المتحف، قدمّها في عام 1987 قبل وفاته بمرض عضال بسنة واحدة"(22)، بل إن عددا من المناطق العربية لا زالت تعيش على أمل افتتاح متاحف كمتحف رام الله:" الذي ورد ذكره مع  لوحة "ذئب في هيئة حمل" اشترتها سيّدة ثريّة من أصل فلسطيني(...) تملك غاليري خاصّاً بالمقتنيات الشرقية العتيقة، وعدتْ أن تهديها لمتحف رام الله الجديد الذي هو الآن في طور الإنشاء"(23).  ولمّا باعت "مي" لوحة "شرفات أرشليم" "اشتراها فلسطينيّ ثريّ من جنسية نيوزيلندية. قدّمها لمتحف القدس الخاص الذي يتم إنشاؤه في الجهة الشرقية من المدينة مرقّمة تحت (PC.BALCONY.JERUS/MK/067CC)"(24)، ومع الإشارة إلى نشوء بعض المتاحف الخاصّة، ورد ذكرها في سياق الحديث عن لوحة "ثلاثة أجساد في الدوامة" وهي " اشترتها سيدة لصالح ثريّ خليجيّ أنشأ متحفا خاصّا رقم الشراء المزادي.

(PC/T.Bd.WIND/Mk/65-543-&23)"(25).

وبع اروايات عرجت على بعض المتاحف بسرعة في تطور أحداثها كزيارة بطل رواية "أوراق" لعبد الله العروي  لأحد متاحف باريس : "ذهب إلى متحف السينما زنقة أولم ورأى مُنشئه (هنري لانجلو) ببذلته السوداء المهلهلة الدسمة وأظفاره الطويلة الزرقاء، وشعره المدهن المتدلّي على كتفيه"(26)

وفي رواية " الهدية الأخيرة" للروائي المغربي محمود عبد الغني، عرض لعدد كبير من المعارض المرتبطة بالتصوير الفوتوغرافي غير أنّ  بعض الروايات وهي تقارن بين المتاحف في الغرب والمتاحف العربية ترى أن المتاحف الغربية غنية ب "ما سرقوه من كنوز ثقافية في مستعمراتهم" وأن " كل الأوروبيين لصوص آثار؛ الإنجليز مثلا سرقوا محتويات المدافن المصرية ونقلوها إلى متاحفهم في لندن. والفرنسيون سرقوا ذاكرة المغاربة، والنمساويون سرقوا الأزتيك(...)"(27).

وعلى الرغم من وجود متاحف كبرى خاصّة في مصر والعراق، فإن الرواية العربية تلامس هذه المتاحف باحتشام، وقلما حاول الروائيون العرب نقل أحداث رواياتهم إلى أروقتها، ونظر للدور الذي أضحت تحتله الرواية اليوم باعتبارها ديوان العرب المعاصر، فيستحسن انفتاحها على المتاحف لما لها من دور في تنمية الذوق، وتهذيب النفس إضافة إلى دورها في صيانة والحفاظ على التحف ، لهذا لما أنهى بطل رواية قيامة البتول تمثاله وخاف عليه من الضياع لم يجد وسيلة للحفاظ عيه أحسن من تقديمه للمتحف وأن اقتضى ذلك أن يضحي بنفسه فحمل تمثاله في نعش وانتهت الرواية به وقد "سقط على الأرض، مضرّجا بوطنه، نازفا، مشيرا بإصبعه إلى النعش، لحظتها، اقتربوا منه، نظر بعضهم إليه، وكأنّه يقرأ كتابا، أو يشاهد لوحة غريبة، وقبل أن يغمض عينيه، سمع صرخة مدوّية من أحد الحرَّاس:

- سيّدي! سيّدي! في الصندوق تمثال!"

وحتى وإن حاولت بعض الدول إنشاء متاحف لها علاقة بالرواية كافتتاح متحف نجيب محفوظ الذي يضم كل رواياته ومقتنياته، فلازالت ثقافة المتاحف عندنا دون المأمول، ولا زلنا أبعد على إنشاء متحف خاص بالرواية، وأكثر بعدا عن إنشاء متحف خاص برواية واحدة، كما فعل الروائي التركي أورخان باموق الحاصل على جائزة نوبل للآداب سنة 2006 لما افتتح معرضاً يضمّ كل الأشياء والأشكال الهندسية المذكورة في روايته (متحف البراءة) الصادرة سنة 2008 والذي يتردد عليه عدد كبير من الزوار سنويا.

الرويات المعتمدة في هذا المقال:

- أحمد فضل شبلول: اللون العاشق، الآن ناشرون وموزعون، عمان، 2019.

- حسن نجمي: جيرترود، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2011.

- زينب حنفي: لم أعد ابكي، دار الساقي، بيروت، دون سنة الطبع.

- طارق الطيب: أطوف عاريا. دار العين للنشر، القاهرة، 2018.

- عبد الله العروي: أوراق، ط2 المركز الثقافي العربي،الدر البيضاء، 1996.

- فاتحة مورشيد: الملهمات، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،2011.

- فوزية سالم شويش: سلالم النهار، دار العين للنشر، القاهرة، 2012.

- محمود عبد الغني: الهدية الأخيرة، المركز الثقافي العربي، بيروت/ البيضاء 2012.

- واسيني الأعرج: سوناتا لأشباح القدس، دار الآداب، بيروت، 2009.

- واسيني الأعرج: شرفات بحر الشمال، دار الآداب بيروت، 2001.

- زياد كمال حمامي: قيامة البتول الأخيرة: الأناشيد السرية،ط1 نون 4 للنشر والتوزيع، حلب 2018

 

الكبير الداديسي

...........................

هوامش

(1) _ واسيني الأعرج: سوناتا لأشباح القدس، ص373.

(2) _ المرجع السابق، ص383.

(3) _ المرجع السابق، ص411.

(4) _ المرجع السابق، ص419.

(5) _ المرجع السابق، ص435.

(6) - المرجع السابق، ص72.

(7) – جسن نجمي: جيرترود، ص187- 188.

(8) – حسن نجمي: جيرترود، ص.299

(9) – فنان تشكيلي مصري عاش ما بين 1897 و1964

(10) - أحمد فضل شبلول: اللون العاشق، ص223.

(11) - المرجع السابق، ص73.

(12) - المرجع السابق، ص74.

(13) - المرجع السابق، ص137.

(14) – واسيني الأعرج: سوناتا لأشباح القدس.

(15) -  فوزية السالم:سلالم النهار، ص114 .

(16) - المرجع السابق، ص115.

(17) - أحمد فضل شبلول: اللون العاشق، ص125.

(18) – زينب حنفي:لم أعد أبكي، ص149.

(19) - أحمد فضل شبلول : اللون العاشق، ص194.

(20) – واسيني الأعرج سوناتا لأشباح القدس ص 477

(21) – واسيني الأعرج: سوناتا لأشباح القدس، ص281.

(22) – واسني الأعرج: سوناتا لشباح القدس، ص202.

(23) – المرجع السابق، ص318.

(24) – المرجع السابق، ص344.

(25) - المرجع السابق، ص477.

(26)- عبد الله العروي: رواية أوراق، ص173.

(27) – محمود عبد الغني: الهدية الأخيرة، ص113.

 

 

لطيف عبد سالمقراءَةٌ في ديوان (عُشْبة الخُلُود) للشاعِر ناظم الصرخي

بفرحٍ غَامِر تلقّيتُ من صديقي الشاعِر ناظم الصرخي مجموعته الشِعريَّة التي أصدرها سنة 2014م عن دار الحوراء في شارع المتنبي ببغداد، والتي وسمها باسم (عُشْبة الخُلُود). وحين تصفحت الديوان للمرة الأولى قصد معاينته, وجدتني متفاجئاً وفرحاً في الوقت ذاته بعد أنْ ظهر ليّ أنَّ جميعَ قصائد الديوان كتبت على أسلوب التفعيلة في الشِّعر؛ لأني عرفت الصرخي  شاعِراً مهتماً بقصيدة العمود. وهو أمر يعبر عن قدرته على النظم بمختلف أنواع الشِّعر.

لعلَّ أول ما استوقفَني في ديوان الشاعِر الصرخي هذا، هو الإيقاعُ في عُنْوَانه النابض بحَتْميَّة حمل الإنسان أوجاعه، والسعي جاهداً في مهمة البحث عن عوالمٍ مفعمة بألوان التفاؤل التي بوسعها أنْ تعيدَ إليه عذوبة الأمل في الحياة، فلا رَيْب أنَّ الأمرَ الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة عند قراءة العنوان المذكور أو سماعه هو اتصال عُشْبةَ الخُلُود بتراثٍ أسطوريّ يتجسد بملحمةِ جلجامش السومرية التي تُعَدّ عملاً إبداعياً اسطورياً شِعرياً ينظر إليه العديد من الباحثين بوصفه أقدم قصة كتبها الإنسان. ومما هو جدير بالإشارة أنَّ مجموعةَ الحكايات الأسطوريَّة والبطولية، فضلاً عن الأعمالِ الخارقة التي تضمنتها تلك الملحمة - المكتوبة بخطٍ مسماريّ على أحد عشر لوحاً طينياً - تتمحور حول السعي المستميت للملك جلجامش الذي عاش بمدينة أوروك (الوركاء) الواقعة في وادي الرافدين إلى معرفةِ سِرّ الحياة الخالدة.

ليس خافياً أنَّ الصرخيَ استمد عُنوان ديوانه هذا من قصيدةِ (عُشْبة الخُلُود) التي عمد إلى جعلِ موقعها في مُقدمةِ نصوصه الشِعريَّة التي ضمنها إياه. ويبدو أنَّ ذلك مرده إلى تيقنه من أنَّ قصيدتَه عُشْبة الخُلُود تلخص الملامح العامة لمحتوى ديوانه موضوع بحثنا، والذي زينه بواحد وأربعين نصاً من شّعرِ التفعيلة، إذ يتضح من التمعن في تلك القصيدة التي استهل بها ديوانه أنَّه كان يَحدُوه الأملُ في أنْ تنهضَ حاضرة الدنيا (بغداد) قوية صلبة في وجه من يناصبونها العداء، وتتجاوز كبوتها لتعود كما كانت عاصمة العلم والثقافة، وأميرة زمانها، بعد أنْ دنستها خيول المحتل، وأفقدتها بريقها كما أضاعتْ الأفعى آمال بطل ملحمة جلجامش بعد أنْ سرقت نبتة الخُلُود.

***

1470 ناظم الصرخييا رشفة الظمآن في مجمرة الهجيرْ

وروضة تزهو بها الأطيار والغديرْ

بغداد يا شهية الثمار

ضنَّ عليكِ الغيمُ والنهارْ

فأجدبتْ واحاتكِ الخضراء حيث استُلِبَ النُضارْ

وغادرت حمائم الأفراح سعفَ نخلةٍ

برْحيّة الأعذاق والظلالْ

واحتَضرَ الهَزارْ

مِنْ حيفِ مَنْ دنسها بوطأة الشنارْ

***

مثلما فُجع جلجامش بفقد صديقه الحميم (أنكيدو) الذي رافقه في رحلة البحث عن نبتةِ الخُلُود، استهلَّ الصرخي مجموعته الشعرية المذكورة بإهداءٍ جميل جداً إلى شقيقه الشهيد رزاق (طيَّبَ الله ثراهُ) في صورةٍ رمزيَّة تعكس اعتراف الشاعِر بالجميل، وإقراره بالفضل، وحفظه الود إلى مَنْ نذروا أنفسهم دفاعاً عن تراب العراق وكرامة شعبه، إذ أنَّ الشهيدَ يُعَدّ بوصفه الأجدر بالإهداء والتنويه. ولا أراني مُبالِغاً إن قلتُ: إنَّ الإهداءَ المذكور يعكس شيمة الوفاء التي تشكل الثيمة الغالبة في الديوان.

تصفحتُ النصوص التي تضمنها ديوان عُشْبة الخُلُود، فوجدت أنَّ الصرخي قد صدح بما جادت به القَرِيحَة من شِّعرِ تفعيلةٍ سعياً في التعبير - بدلالاتٍ ورموزٍ وإيحاءاتٍ تجمع الكثير من المشتركات ضمن إطار الصورة الكلّية - عن موقفه تجاه قضايا وطنه؛ لإدراكه أنَّ الشِّعرَ رسالةٌ إنسانية بوصفه خطاباً مؤثراً يمتلك من الآليَّات المؤثرة ما يجعله قادراً على بناءِ تصوراتٍ بوسعِها المُساهمة في تأصيل مهمة نهضة المُجتمع وتقدمه من خلال تعزيز الوعيّ بما تباين من المُشكلات التي تواجه المُجتمع، بالإضافة إلى التحدياتِ والتهديدات الخارجيَّة والداخليَّة التي تحيق بالهويةِ الوطنيَّة. وفي هذا السياق يمكن القول إنَّ الوطنَ يُعَدّ بوصفه القضيَّة الرئيسة التي تمحورت حولها ثيمة أغلب قصائد الديوان الحالي؛ تعبيراً عن فخرِ الشّاعِر بتراث بلده وثقافته، فضلاً عن اعتزازه بهويته الوطنيَّة، والذي يعكس وعيه الانتمائي بالمكان.

في قصيدتِه الموسومة (وطن).. ص 69، منح الصرخي عواطفه الجياشة مساحة تعبيريَّة وهو يتغزَّل بالعراق، معبراً برمزيةٍ عن دلالاتِ عراقة تاريخ بلده وحضارته وعظمة إنسانه، إذ توحي الصور الشِّعريَّة التي نسجها بأنَّه يتغنى في جمالِ وطنٍ لا يمكن أن يماثله جمال، ولعلَّ من المناسب أنْ نقتطعَ بعض أبياتِ القصيدة المذكورة للاستشهاد بها:

***

وطنٌ يسكنُ ضوءَ المقلتين

تارةً يُلبسُني ثوبَ البهاءْ

تارةً يمسحُ عن عينيْ البكاءْ

وطنٌ يمنحني البسمةَ

فليُجزْى بآياتِ الوفاءْ

***

وطنٌ يشدو به المجدُ

صباحاً ومساءْ

قابساً من جذوة الفخر أئتلاقْ

يتمنى أنْ يكنى

بالعراق

***

خلال تجوالنا في أروقة غابة الشّاعر الصرخي الشِّعريَّة، يتضح لنا جلياً أنَّ الإحباطاتَ التي تعرَّض لها، لم يكن بوسعها إيقاف نزف قريحته باتجاه الوطن بوصفه الحضن الذي لم، ولن يجد أحنّ منه. وفي تعبيرٍ رَمْزِيّ عن مشاعرِ الحب والعلاقة الحميمة التي تربط الفرد بوطنه، جاءت قصيدته الموسومة (الحان الوطن المحروق).. ص 91 محملة بهدير التأوُّهات والوجع، فأبياتها التي تحمل في طياتها نبرة الحزن والألم تكاد تبتلع آهات الوطن ممزوجة بحسراتٍ مفجوعة:

***

اسْـودَّ القمـــح وزال النـــــــور

وأقواس القـــزح اليوميــــةِ

حـُجـِبت بدخانٍ مسمــــــومٍ

ذَبُــــل الـــــــورد

أنتــحـــــر الآس

وتداعىَ ضِحك الأطفــــال

وأسارير الحــــب تلاشــــــتْ

صـُبـِغتْ بريـــاحٍ سـوداءْ

مطرقـــــة من حممٍ تلهث

أشباح قاتمة اللـــــــونِ

باتت تلتحف الأشيـــاءْ

(نيرون) الآثم  في قصرهِ

يتلذذُ رائحة النارِ

عن بعـُدٍ يرسل حطاباً

مدسوساً

كي يذكى النار

يستمتع أبناء العـمِّ

بشياط اللـــحمِ المحتـــرقِ

بعويــــل الأطفال اليتــــــمِ

وتناثر أتربة الــــــهدمِ

يستأسدُ منهم أجلافٌ

برعوا تقبيلاً في أيدي

موشومة بالـــدمِ والعهــــرِ

***

اللاَفِتُ لِلنَّظَرِ أنَّ رَمْزِيَّةَ الخطاب الشِّعريّ كانت حاضرة في ديوان الشّاعر الصرخي هذا، فعلى سبيل المثال لا الحصر وجدتُ في العديد من قصائده، وبخاصة الموسومة: (اعرني دموعاً، تاج مائي، أميرة الإلهام، تراتيل، دفء البوح، قران) أنَّه اعتمدَ مناجاة الأحبّة - ممثلة بالمرأة - في إشاراتٍ رَمْزِيَّة تعبيراً عما ألمَّ بوطنه من آلام ومواجع، بالإضافة إلى ما أحاقه من أخطارٍ تسببت في ضياعِ الكثير من آمال شعبه، إذ اجتهد الصرخي هنا في تصويرِ المرأة رَمْزاً للوطن، ولعلَّه من المناسب أنْ نقتطع نصاً من قصيدته دفء البوح.. ص 125:

***

ما أجمل البوح إذا

أثقل قلب العاشق الضنى

القمر الساحر للنجومْ

الأرض للشمس بلا انحسار

البلبل الغريد للأيكة للنضارْ

المطر المحبوس للغيوم

وعشبة الصحراء للهموم

الجفـْنُ للدمع الذي أرهقه الهطولْ

فانداح في السهولْ

يُلهب في وجنتها الحريق

يلتهم الفصولْ

***

ما أجمل البوح إذا كان على يقينْ

ملتحفًا ملاءة الأشواق والحنينْ

الصدق لا المكر الذي يفجّرُ الأنينْ

يشرّبك الآمال بالظنونْ

ليرتقي المأفون والخؤونْ

فيخمد البروق في أروقةِ السنينْ

ينتصر الدَجـَنْ

يسرّبل الأفراحَ في كفنْ

مشاعرُ خيبة الشعوب العربيَّة المرتوية بآثام قياداتها السياسيَّة، والتي نضجت ثمارها حتى سقطت، لم يَعُدّ بوسع الصرخي الاحتفاظ بها في قلبه، فكان أنْ عمدَ إلى البوح بها شِّعراً في إشارةٍ رمزية إلى الخذلان العربيّ الذي لم ينفع معه الركون إلى الصّبر أو التظاهر به. وقد ظهرت تلك الانفعالات بشكلٍ واضح في قصيدة حوارية الجمر.. ص 77 التي عبر فيها عن زيف ما يسمى بـ (الربيع العربي)، والتي نقتطع منها النص التالي:

***

مددت يديْ

الى جمرٍ

كساه رماد خيباتٍ

ثلوج أثقلت صدر البراعم في خطيئاتٍ

أصابع زادها الإجحاف إصرارًا

بنبضٍ واثقٍ سَغِبٍ

نبشت ورايتي أُفقي

وأسيافي نبؤاتي

رجائي بانبجاس الصخر يروي ماؤوه جدْبي

ولكن ْ صاح بي صوت ٌ

ألاَ تترك أنحائي ؟؟

فأن النبش في مقبرة الماضي بلا جدوى

دع النيّام في أوهامهم سكرى

غزا المكرُ أجنّتكم

وأضحى يومهم ْ دهرا

فزادت أنْةُ الوادي

أطاح بدفئنا عصف ٌ من الدجل ِ

فضاع الوهج من عيني

وضاع توقدي ْ المرجى

وضاع المبتغى من نزف أجيالي

أعد لي ما أزاحته

أصابع توْقك اللهفى

فليس لديَ آمال لأفنيها

فقد أجهضتم البشرى

وناء توقد الأيام بالحسره ْ

***

إنَّ القراءةَ المتأنية لديوان الزميل الشاعِر ناظم الصرخي، توضح لنا أنَّه أديب متمكن، ومثقف اعتاد الإقبال على المطالعة بنَهم من أجل البحث والاطلاع الذي مكنه من مواكبةِ مسار الحياة الأدبية، وما شهدته من تطورات. وقد بدا ذلك واضحاً من خلال جمالية الصور الشِعريَّة واهتمامه بالمفردة التي تعكس شغفاً بلغة السحر والبيان. ويبدو أنَّه وجد في واحة الشِّعرِ ضالته التي فتحت له آفاق التعبير عن ذاته وآماله المرتبطة بهموم وآلام وتطلعات شعبه. ويمكن الجزم بأنَّ إيلاءَ الصرخي الاهتمام بقضية الوطن في ديوانه هذا تُعَدّ استجابة لما تَحمّله شعبه من آلامٍ وهموم وتضحيات وهو يتطلع إلى تحقيق البسيط من آماله.

أباركُ للصديق العزيز الشاعِر ناظم الصرخي على هذا الجهد الطيب، متمنياً أنْ يبادرَ إلى إعادة طبع ديوانه عُشْبة الخُلُود؛ لأجل تأمينه لمَنْ لم تسنح له فرصة الاطلاع عليه من القرّاء مع تمنياتي بدوام العطاء الإنسانيّ المتجدد.

***

المجموعة الشعرية: عُشْبة الخُلُود.

المؤلف: الشاعِر ناظم الصرخي.

دار الحوراء  للطباعة - بغداد

تاريخ الاصدار: 2014م.

عدد صفحات الديوان: 140 صفحة.

 

لطيف عبد سالم

 

مادونا عسكرقراءة في قصيدة "نجمٌ شحيح الضّوء" للكاتب والشّاعر الأسير كميل أبو حنيش

أدنو وأنأى عن تضاريسِي القريبةِ والبعيدةِ

كيف لي دربٌ أسيرُ عليهِ

في هذا الزمانِ الرخوِ

تغويني الدروبُ الأُخرياتُ فلا أُبالي

أنزوي خلفي

وأبحثُ فيِّ عن دربٍ قليلِ الخطوِ

عن جهةٍ تحُاصرُني وتملأنُي

إذا صارت جهاتي الستْ

يملؤها الخُواء .

*********

أرنو وأُغمض مقلتي فلا أرى بحراً أمامي

كي أشُقَّ مياهَهُ بعصا هيامي

أرتقي هذا الصعودَ

أنامُ مُكتظاً بحلمٍ ظل يغشاني طويلاً

ثم أغرقُ مُشرِعاً أملي

لعلي أقتفي أثر النسورِ الطائراتِ بحبلها نحو السماء .

***

أسمو وأهبط في كِياني

ليس لي أُفقٌ أطيرُ إليه

كي أمضي عن الإسمنتِ والأبواب

من حولي فأغفو ثُمَّ أحلمُ

أن هويتي تغولُ لِقِّمةً منثورةً بالياسمينِ

فلا أعودُ لصخرتي في الهاوياتِ

ولا أكِرُّ إلى الهبوطِ أو الصعودِ

وينتهي عهدُ الشقاء

***

أطفو وأرسو في مياهي

ليس لي أرضٌ تُسَّمِرُني

فأرنو للسماءِ

فينجلي نجمٌ شحيحُ الضوءِ في أُفقي المحاصَرِ

يستثيرُ عزيمتي ويحُثُني

كي أستقيمَ مواصلاً

درب السباحة للأمام وللوراء .

***

أغفو وأصحو

باحثاً عن سلمٍ للإرتقاءِ لعالمي

والإ

الانعتاقُ من الدوائرِ والدهاليز

التي تُرخي سدولَ ظلامِها

في مُقلَتيَّ

وأحتفي متلمّساً

أثرَ الدروبِ المُفضياتِ إلى البهاء

- القراءة:

في لحظات التّيه الإنساني تضيق أعماق النّفس حدّ الإطباق على أنفاس الإنسان حتّى وإن كانت الأماكن رحيبة. وفي لحظات التّيه تجتمع الأضداد لا لتشكّل حالة الصّيرورة، وإنّما لتعبّر عن تخبّط قاسٍ وحركة محدّدة بالمكان والزّمان والأعماق الإنسانيّة، فلا يعود يختلف الدّاخل عن الخارج، ولا الظّاهر عن الباطن. كذلك هي حالة الشّاعر الّتي تترجمها الأضداد دلالة على حركة مشلولة في فراغ ضيّق، إلّا أنّه فراغ يبعث على مواجهة الذّات:

أدنو وانأى عن تضاريسِي القريبةِ والبعيدةِ

كيف لي دربٌ أسيرُ عليهِ

في هذا الزمانِ الرخوِ

تدلّ هذه الافتتاحيّة على الأنا المسجونة في اللّاحركة حتّى وإن استخدم الشّاعر الفعلين المتضادّين (أدنو وأنأى) رابطاً إيّاهما بالتّضاريس القريبة والبعيدة. فهو لم يستخدمهما إلّا كحالة شعوريّة وقد غاب عنه الدّرب والسّبيل إلى الدّنوّ أو الابتعاد. فالفعلان لا يعبّران عن فعل إراديّ كما سائر الأفعال في النّصّ بل إنّ الأفعال في النّصّ شابهت المقاومة للواقع، لكنّها مقاومة تعارضها الحركة الجسديّة والنّفسيّة. يقاوم الشّاعر بالحالة الشّعوريّة المحاصرة بزمان يسيل دون قدرة على السّيطرة عليه. يقاوم بالأضداد الّتي تراوح مكانها  في كيانه دون أن تخلق حركة انتقال (من إلى). فهو يدنو ويبتعد، يرنو ويغمض، يسمو ويهبط، يطفو ويرسو، يغفو ويصحو، في آن. والدّرب المفقود دليل على تيه قاحل في صحراء قاحلة، يرجو الخلاص الخارج عن الزّمان والمكان.

يبحث الشّاعر عن درب سابع أو جهة سابعة، إشارة إلى الخروج من نطاق الوجود ككلّ، إذا استدللنا على حالة النّقص في العدد (السّت) وحالة الكمال في العدد (سبعة). ولا ريب أنّ الشّاعر يرى في الجهة السّابعة امتلاء وحركة بسيطة (درب قليل الخطو) تمكّنه من الولوج في عمق أعماقه. فالشّاعر المتعب أو المحاصر أو الزّمن المتاح أو الآتي لا يسمح بخطوات كثيرة لبلوغ المبتغى. وكأنّي به لم يعد يملك إلّا ذلك المكان القصيّ في أناه حيث لا حركة ولا سمع ولا كلام ولا حسّ (أنزوي خلفي). هو المكان الكامن في داخل الأنا غير المعروفة بالنّسبة للشّاعر لذلك ينزوي خلف ذاته.

لعلّ تيه الشّاعر بلغ ما بلغ من حدّ عدم التّعرّف على ذاته أو على الأنا الحقيقيّة، وبالانزواء في ركن بعيد عنه/ عنها يستشف الجهة الّتي ستملؤه وتعيده إلى ذاته. إلّا أنّ هذه الجهة تحتاج إلى معجزة كما تصوّر لنا حالة العجز الّتي يصفها لنا الشّاعر في القسم الثّاني من القصيدة. (أرنو وأُغمض مقلتي فلا أرى بحراً أمامي/ كي أشُقَّ مياهَهُ بعصا هيامي). وتظهر الحاجة إلى المعجزة من خلال  التّناص مع الآية القرآنيّة في سورة الشّعراء "فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ"،  لكنّ موسى كان يرى البحر أمامه ويعتمد على الوحي الإلهيّ وعلى العصا كرمز للقدرة الإلهيّة. لكنّ الشّاعر يفتقد إلى هذه العناصر، فكيف سيكون الخلاص؟ 

أمل الشّاعر حلم يمتلكه ولا يملك سواه. ولحلم الشّاعر دلالة الحرّيّة المرجوّة، الحرّيّة من المكان والأنا والزّمان. يغرق فيه على أمل أن يتحرّر من الوجود (ثم أغرقُ مُشرِعاً أملي/ لعلي أقتفي أثر النسورِ الطائراتِ بحبلها نحو السماء) أو لعلّه يريد أن يتحرّر فينظر إلى الوجود من علٍ  فيتحرّر من أضداده. وهو الّذي لا يملك أفقاً يطير إليه ولا أرضاً تسمّره يتخبّط في شقاء هذا الفراغ ويرنو إلى السّماء الرّحبة المحررة حيث ضوء شحيح يحوّل التّضاد من تخبّط إلى حركة انتقال من حالة إلى أخرى. من حالة النّوم إلى حالة الصّحو، من الأسر إلى الحرّيّة، من الفراغ إلى الامتلاء، من الموت إلى الحياة والحركة الدّيناميكيّة. وذاك الّضوء الشّحيح يعزّز قدرة الشّاعر على المقاومة ويثبّت عزيمته ويستخرج من عمقه بهاء الأنا الحيّة. أو لعلّه أسكت الصّوت الّذي يردّد في داخله عدم قدرته على المقاومة، وقاوم بالشّعر ليصمت الصّوت إلى حين، ويحتفي بالدّروب المفضيات إلى البهاء.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

حاتم جعفر (الى روح الصديق مصطفى گلاز)

هو رسم من الكلمات أو لحن على الماء أو هو من الإثنين معاً، هكذا وصفه أحدهم. وآخر رآه نغما شرقيا أصيلا، يصول ويجول بين أوتار العود عند وقت اﻷصيل أو ساعة السحر. أمّا أنا فبيني وبينه ورغم بعد المسافات التي تفصلنا وصل من الحنين والمحبة، وحبل سري، لم ينقطع وصله أو تشوبه إحدى نوائب الدهر وطوارئه. وإذا أردتم المزيد من الوصف فنقول: إن كان حاضرا معنا فهو أول مَنْ سنلتفت اليه بل هو سيد ديوان جلساتنا وصدره، وإن غاب فهو مُقَدَّمٌ في الإستذكار من غيره. َتألفهُ حَرِكاً، يدندن في أذن هذا وَيُسمعُ ذاك بآخر اﻷلحان وأعذبها. وعن مكانه من الجسد فهو  ملامس لشغاف القلب أو أي مكان يشاء. ورغم تعذر اللقاء به طوال ثلاثة عقود من الزمن الاّ انه وجوده بين ظهرانينا كان كما الطيف، يدور ما بيننا.

ما من حديث يدور بين إثنين من أحبته الاّ ويكون معطرا بذكره وبدعاباته التي لا تتوقف. ولا من حدث إستحضرناه في لحظة من الخمر، الاّ ويكون( أبو التوف) أحد أطرافه وهو حاملا كأسه عبر أثير من الحب وسلطنة على مقام الصبا القريب الى قلبه ولنا، بل هو دورة اسطوانة لا تتوقف عن عشق الموسيقى. رغم رهافته، فالتناسق لم يكن مرهقاً بالنسبة له، حيث آلَفَ وبقدرة فائقة وبرشاقة العارف، بين علاقته بشتراوس وسيمفونية بيتهوفن التاسعة من جهة، وبين أغاني أهلنا في الفرات اﻷوسط والغربية وصوت سعدي الحديثي، وهو يغني واحدة من أجمل قصائد الشاعر الفذ مظفر النواب من جهة أخرى.

رحيل صديقنا اﻷعز  مصطفى گلاز، دفعني الى إعادة قراءة بعض من فصول التأريخ الذي أمسى بعيدا، مستذكرا ما كاد يُنسى، خاصة تلك الصفحات التي جمعتني به وبأخوة مشتركين، كانت اﻷرض قد شتَّتتهم على بقاع أطرافها بعدما ضاق بهم تراب وطنهم وضاقت بهم سلطة تكره اﻷغاني وأحاديث الطرب والسلطنة. فعن أي ذكرى أحدّثك يا مصطفى؟ أتتذكر تلك اﻷيام، حين كنّا نجدف سوية وفي مركب واحد وعلى إيقاع منسجم متناغم، محصنين بالبراءة وطيب النوايا، هادفين بلوغ الطرف الثاني من النهر، حالمين بمرفأ آمن حيث الراحة والسكينة، ويوم وقفنا وعلى قلة حيلتنا وطراوة تجربتنا وعودنا، بوجه تلك النذالات التي أرادت أن تسحق الزهرة.

ربما إبتعدت قليلا عمّا رمتُ الخوض فيه ولكن للإستدراك بعض نصيب أيضا، وحضوره بين ثنايا النص قد يمهِّد الى ويُحسِّنُ من شروط الوصول الى ما نبتغيه، وبأدوات أحسبها ضرورية ولا مندوحة منها. أمّا عن فاتحة الكلام فخيره هو حلوه: فمصطفى، الحاضر الغائب بل قُل الحاضر القوي رغم غيابه، كان موضع غبطتنا وبهجتنا في آن، كانت عيوننا ترنو اليه بغير حسد، ولذلك أسبابه، إذ لم يكن طيب الذكر والثرى على شبه بغيره من بين تلك الباقة العطرة التي باعدتها الغربة، فهو عمودها وغصنها الذهبي، جمع بين يديه ما عجزنا عنه وما لم نستطع اللحاق به، وكم من مرة أردنا السير على خطاه، غير انّا لم نبلغ ربع المسافة التي قطعها والتي أوصلته  ليتربع على عرش من الطهر والتسامي ومن دون منازع. وإذا أردتم  من الصفات أكثر، فقليل عليه القول: انه اﻷنيس والجليس وما هو أسمى، وهو النديم كذلك، لذا سمّى ولده البكر نديما وأراده أن يشبَّ ويثبَ على سرِّه. تُرى هل سيحمل وليده من بعده آلة العود أو الكمان ليعزف هو اﻵخر ويصدح صوته للسلام والحرية؟.

ما فات ذكره من تعريف بشخصه قد لا يفي بالغرض أو قد يبدو ناقص الدلالة، أو لا يشير لإسمه على نحو واضح ومنصف، لذا إرتأى أصدقائه ووفاءا له وعرفانا بجميله وجمال حضوره، ولمن لا يعرفه أو لم يعاصره، إرتأوا أن يدونوا في مفكرة مدينتهم بضع كلمات جاءت على النحو التالي: هو أحد أغصان شجرة سامقة، يانعة الإخضرار، تطلُّ على نهر مدينته، بل هو أكثر نضارة وبهاءا من بين ذلك الجيل الفتي الذي دخل عالم السبعينات واختط له طريقا، يدرك مدى وعورته ومآلاته ومذ وضع خطواته اﻷولى، لكنه أقسمَ على تكملة المشوار.

في سبعينات القرن المنصرم، أصغى مصطفى لصوت ماريام ماكيبا يوم غنَّت للجزائر الثورة أغنيتها اﻷثيرة والخالدة (أنا حرة)، ليرقص على أنغامها أحرار العالم وفي مقدمتهم نيلسون مانديلا. وأصغى كذلك وبكل جوارحه للجزائر الدولة التي فتحت لتلك الثائرة اﻷفريقية أبوابها بعدما أسقطت عنها دولة التمييز العنصري (اﻷبارتايد) في جنوب أفريقيا الجنسية عنها، لتمنحها حق الإقامة والتمتع بجواز سفر كامل الصلاحية، مطرز بأحرف من نور وبهجة، لتجوب به أركان العالم الحر بمحض إرادتها ومتى شائت، مُعرِّيةِ تلك النظم السافلة والمنحطة.

 وفي تلك السبعينيات أيضا سمع مصطفى ومن مكان آخر من العالم بأن سلفادور الليندي، الإشتراكي الإنتماء والولاء واﻷمل، والرئيس الشرعي المنتخب لدولة تشيلي، قد جرى إعتقاله وتصفيته، وان هناك شخصا اسمه فكتور جارا، الأستاذ الجامعي والمخرج المسرحي وكاتب اﻷغاني الثورية، قد إخترقت جسده ونخرته سلطة الإنقلاب العسكرية الفاشية، بأربعة وأربعين طلقة، إنتقاما لولاءه للثورة ولشعبها وﻷغانيه الشهيرة المحرضة والتي كان مدارها حقوق أبناء جلدته.

وليس بعيدا عما يحيط به، فقد سمع بأحمد قعبور وهو يغني لفلسطينه: شمس المشرق بتدفي، شمس المغرب ولعاني، وأنا ما بعرف من الشمس الاّ شمس اﻷغاني، ولا بعرف شمس فلسطين  ولا شروق الشمس بيافا. وكان لمارسيل خليفة نصيبا ملفتا في إهتمامات مصطفى، ولعل أغنيته الشهيرة التي راجت وانتشرت وبشكل ملحوظ بين ساحات وأزقة الدرابين العربية الفقيرة، انها أغنية منتصب القامة أمشي. وراح مكررا مصطفى الإستماع عليها حتى حفظها عن ظهر قلب وبسرعة قياسية: منتصب القامة أمشي، مرفوع الراية أمشي، في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي، قلبي قلبي أحمر، قلبي بستان، فيه فيه العوسج، فيه الريحان، شفتاي سماء تمطر نارا حينا حبا أحيان.

ولعل من أكثر اﻷغاني الوطنية التي أثَّرت وشكلَّت ذائقة مصطفى الفنية، هي أغاني الشيخ إمام وشاعرها الكبير أحمد فؤاد نجم. فبين بين فترة وأخرى وكلما إلتقينا على مائدة من الخمر والحماسة، كان يتحفنا بترديد بعضها. ومما يستحضرني منها: أبوك السقا مات والخواجه اﻷمريكاني واﻷوله آه وغيرها. غير انه كان يركز بشكل خاص وعلى قاعدة ختامها مسك، على ما يعتبرها من أهم اﻷغاني والقريبة الى قلبه الا وهي البقرة حلوب، وكنا حينها نرددها معه بحرفة وإنسجام تام ومتعة.

إعتاد وفي كل زيارة كان يقوم بها الى عاصمته الحبيبة بغداد، أن يمر على كنيسة مار يوسف وفي منتصف النهار تحديدا، ليصغي الى ضرب النواقيس، وهي تعزف لحنا من السكينة والراحة وللمسيح المخلص، هنا سيقول في سره: من هنا تبدأ الوحدة واللحمة الوطنية، فهم أصحاب حلٍّ وعقد  كما أخوتهم في الحديقة الكبيرة المسماة أرض النهرين. إذن جُبِلَ مصطفى على ذلك الإرث الوطني والموسيقي، وعلى تراكم نوعي متنوع، فقد جمع بين جناحيه وبين جهتي القلب مختلف المشارب والمدارس، والتي كان قاسمها المشترك واﻷحلى واﻷجمل هو ذلك الإصغاء الى صوت الإنسانية المعذبة، وهي تصحو وتنام على جراح صعبة الإلتئام إن لم تكن مستحيلة. كل هذا لم يذهب سدى بل ظلَّ راسخا في ذاكرته، حافظاً له وبه سيستعين عند إقتضاء الحال، وهذا ما إنعكس فعلا وبدا جليا في أعماله، فقد لَحَّنَ وغنَّى وكتب أجمل الكلمات.

 

 

في آخر اتصال هاتفي بيننا، والذي جرى قبل قرابة الشهر من رحيله، راح مصطفى يسرد لي حلمه: لعلها الوحيدة المطلة على نهر خريسان، انها شجرة الزيتون، لقد  كبرت على نحو ملفت. هذا ما قاله مَنْ كان يرافقني حلمي، ثم أردف ذات الشخص متسائلا، بماذا سقيتموها؟ أجبته: سقيناها بخمر ومحبة وصبر سنين، وما يفيض منها كنّا نعبئه بدن من الجلد ونمضي به خلسة  مساء كل خميس بعد إنكسار الضوء وَبِدأ تواري الشمس خلف سدير من النخيل، فاسحة في المجال لقمر سيأتي بعد حين، متخذين من درب البساتين وجهة، ومن الغروب العذب ستارا ومن ريحها الطيبة نشوة ،حتى يجن الليل ويبلغ أشده، وسيغدو حينذاك أليفا كعادته كي يشاركنا السهر والسمر. ومن قبل ذلك سنطرق الباب على سيد المكان أو قُلْ صاحب الحانة كما يروق له من تسمية، ليطل علينا بوجهه الضاحك صديقناسعد إبن حبيب. وإن غاب أو تعذر حضوره فسنلاقي رباح إبن حسن وعن أي رباح أحدثك، وبحضورهما أو بأحدهما سيكتمل العقد وتحل البهجة.

 بعد أن أنهى سرد حلمه، قلت له ما الذي ذكَّركَ بصديقينا سعد ورباح بعد رحيلهما ومنذ ما يزيد على السنوات العشرة؟ فقال هم أحبتي وأنا في شوق لهم. ثم غلق سماعة الهاتف على مضض بعدما طالني نصيب من نحيبه. وعود على بدأ، فلم تمضِ على تلك المكالمة كما سبق القول سوى شهر واحد وحسب الاّ ويأتينا الخبر الصدمة: لقد رحل مصطفى، تاركا ورائه باقات من الورود واﻷغاني والقبلات، لينثرها على مَنْ تبقى من أصدقائه. أمّا عن وصيته فقد جاءت مبتسرة وبعبارة واحدة: إرفعوا نخبي عاليا وفي أول لقاءسيجمعكم، ولا تنسوا أن ترددوا ما قاله الشاعر الصوفي إبن الفارض:

شَربنا عَلى ذكر الحبيبِ مُدامةً    سكرنا بها، من قبل أن يُخلق الكَرمُ.

 

حاتم جعفر

السويد ـــ مالمو