1765  حنان الشيختعمل رواية (حكاية زهرة) لحنان الشيخ على تفجير قوة داخلية هائلة، داخل الجسد/ المرأة، ناشئة من اصطدامها بالوعي / الأنثى، الوعي الذي يكتسب من الجسد/ المرأة، وجوداً مغايراً، يمتلك حريته خارجه، ليشكل ملامحه ورؤيته تجاه الآخرين والعالم، بعين طفلة – امرأة، مع تحويل الجسد إلى شفرات مؤسطرة، دون الوقوع في دائرته، ولكن باتحادهما تكتمل الصورة لـ الجسد – الأنثى، ويتسم الجسد عند حنان الشيخ بالقمع، والكبت، والاضطهاد، والتدنيس بشكل بارز وحاد، لان النص عند الروائية جسد امرأة متشظ، بل نص منسوج من رؤية ثنائية للبطلة والكاتبة، نص يتألف من جسد زهرة ووعي حنان، وهذا الجسد لا تتحقق هويته إلا بالتحامه وتداخله مع الجسد/ الآخر، فعندئذ تتحقق هوية جسد/ الذكر ايضا، وعند غياب أحدهما تغيب الهوية، لان أحد الجسدين لا يشكل (كينونة مكتفية بذاتها، انه يحتاج الآخر وتمييزه وتعرفه وفاعليته القادرة على التشكيل)(1) (باختين)، فهما يخضعان لمبدأ العثور على الذات في الآخر، مع بقاء خصوصية كل منهما مستقلة، متفردة، متميزة، ولكنهما يعيشان نمطين من الحياة (واحدة كانت رسمية وجدية، وأخرى : سوقية بطريقة كرنفالية، حرة ومليئة بالضحك المكافئ بين الأضداد وبالتجديف، وبتدنيس كل ما هو مقدس)(2)، والنص الروائي هو موضوع مفتوح على تذوق جمالي لا نهائي، ولحظة جمالية مفتوحة، تتصف (بانثنة) الوعي وتوعية الجسد.

تقسم الرواية إلى قسمين، الأول يحتوي على خمسة فصول، ثلاثة بصوت زهرة، والرابع بصوت هاشم (خالها) والخامس بصوت ماجد (زوجها)، وتقع أحداث الفصول في بيروت باستثناء الأول في أفريقيا، المنفى الذي تُهرّب اليه جسدها خوفاً من الفضيحة، وليكون حربها الداخلية(ان الحرب قد اندلعت في داخلي) ص36، ولتكون فيها سجينة جسدها، المتقززة منه، ولا تستطيع السيطرة عليه(آه اني لا أقوى على جسمي) ص122 في آن واحد.

والقسم الثاني، يحتوي على فصلين، بصوت زهرة، يكونان حربها الخارجية، (أريد ان أكون لنفسي، ان يكون جسدي لي) ص99، حربها مع العالم لرسم خرائط جسدها فوق قارة نون النسوة، وتكون فيها متحررة من جسدها، مسيطرة عليه، ولتكتشف أسراره وخباياه.

يمثل القسم الأول: الأنثى خارج الجسد، ويمثل القسم الثاني: الأنثى داخل الجسد، تحكمها علاقة جدلية – حوارية، لان الرواية(ذلك النوع الملحمي الكبير، ذلك التصوير الحكائي للكلية الاجتماعية)(3)، الكلية التي تكون الحكاية فيها استرجاعا لواقع المرأة العربية وكشف الرؤية الذكورية لها في المجتمع العربي.

ورغم تعددية الأصوات في الرواية، وعدم اندماج أشكال الوعي ببعضها، ورغم حواريتها القوية، الا ان صوت زهرة يطغي على الآخرين، ولكنه صوت يمتلك تأثيرا متبادلا تأما معهم ضمن المستويين الدلالي والتكويني، وفي تناصية الأشخاص، وعليه يتأسس متن جديد يقع وراء المتن المقروء، يعمل على سحب كبسولات المتن الملغوم- المقروء.

بالإضافة إلى ذلك توجد قراءة بصرية لسرديات الصور الفوتوغرافية الموجودة على الغلاف الأمامي للرواية، وهذه الصور تعطي إيحاءات متنوعة للقارئ في إيجاد المعاني، وإيجاد القيمة الدلالية للشخصيات التي تقص، وتُخبر في النص- الروائي، وهذه القراءة المزدوجة، تشكل المدخل للتغلغل إلى الآخر، لا بوصفه موضوعا بل بوصفه ذاتا فاعلة، وميزة القراءة البصرية اذ تعطي معاني مشتركة فورية بين الروائية والقارئ، بعكس القراءة – النصية التي تمنح القارئ حرية في تعددية التأويل في القراءة.

ويكون الخوف المحور الأساسي في الرواية، ويتمركز فيها بكثافة، ويسود في النص ويظهر ذلك جلياً على زهرة ( فمنذ وعيت وأنا في حالة اضطراب دائمة حالة خوف) ص125، بحيث يصبح الخوف ظلها الذي لا يفارقها حتى النهاية (أنا وحدي فقط مع الخوف)ص159، ففي البداية يستعبدها بالخضوع للحياة، وفي النهاية تتحرر منه بالانتماء للموت/ الظلام، بمعنى ان موت الجسد(هو وحده القادر على تحريره: (بعد موتك، تصير الهاً). ادونيس – الصوفية والسوريالية)، (العتمة قد تحولت إلى خوف وجسمي قد تحول إلى خوف)ص227، وما بينهما يتناسل الخوف بشتى الأشكال، مخترقاً لغة النص، ويأتي الخوف في القسم الثاني بشكل مضاعف، لتداخل خوف الحرب الأهلية مع خوف زهرة الدائم، ولان الحرب لا تجري في الواقع فقط، بل تجري وتنتشر في الذاكرة ايضا، لذا ففي هذا القسم يمتزج التاريخ الفردي مع التاريخ الجماعي، وتعبر لفظة الخوف هنا برمزها عن ابعاد عديدة تكاد تكون مفتاح الرؤية النقدية للرواية، فيصبح الخوف/ رمز – دلالة- وعي- أسطورة، وأحيانا يتخذ صيغة مواجهة في النص، فعند زهرة يكون مواجهة مع الذات المستلبة، المقهورة، ومع الجسد/ المرأة، وعند هاشم علوش مواجهة مع السلطة القمعية، وعند ماجد مواجهة مع المجتمع الذي نبذه، احتقره، أدانه لانحداره الطبقي العمالي، ولقد وضعتهم الشيخ في مواجهة اخرى، مواجهة الكبت والعنف، والعمل على إنضاج العلاقة غير المتكافئة بينهم لكي تعري(النفوس البشرية المرعبة، وكأنها في الجحيم)(4).

وتتلبس بالخوف منذ البداية وهي طفلة، (وقفنا خلف الباب نرتجف) ص9، وتتصاعد استراتيجية الخوف كلما توغلنا في الرواية، وكلما توغلنا في الحلول في جسد زهرة، إلى حين تساقط قطرات المطر في النهاية (إني خائفة) ص125، ليغرقه المطر في الموت، موت زهرة، عند ذلك يغادرها وهي غارقة ما بين الماء والدم، ما بين الحياة والموت، ما بين العبودية والتحرر، ما بين الانطفاء والانبعاث، وعودتها إلى حالة التوازن بعدما كانت قد فقدته، في حروبها المتعبة، وعودة الخارج / الوعي إلى الداخل/ الجسد، (انها تمطر، وقلبي يمطر، وعقلي يمطر) ص113.

ونقطة الانطلاق في الرواية، هي الكراهية، والاشمئزاز من الواقع الذي ترصده في عناية فائقة بكافة أشكاله الإنسانية والسايكولوجية، وبالأخص رصد المشكلة الخطيرة للمجتمع الا وهي تهميش وتغييب المرأة، ورصد الرؤية الذكورية التسلطية في العلاقة معها، ورصد النظرة المتخلفة عنها، وتناولت ذلك عن طريق توظيف البنية الجنسية المقترنة بالأبعاد الاجتماعية – الاقتصادية- النفسية- الثقافية، ومن خلال هذه البنية نتطلع إلى الأبعاد لاكتشافها، ومعرفة مدى ارتباطها بالحركة التاريخية- السوسيولوجية، وتثمين قيمة المرأة/ الأنثى في كلية المجتمع الشمولية، وفي اللحظة ذاتها تبين حنان الشيخ حدة التناقض بين المرأة والرجل، وبين المرأة والمجتمع، وعملت بإعطاء زهرة خصوصية إنسانية/ جسدية – أنثوية، غير اعتيادية، غير طبيعية، مع تعميدها من قبل أمها منذ الصغر بالخوف والخيانة(أدخلتني مغطس الحيرة والتساؤلات والسحر وأنا ما زلت صغيرة) ص12، فالأم خانت زوجها لتوكيد ذاتها، أما زهرة فخانت جسدها لانفصاله عنها، مما أنشأ تقاطعا بين الجسد والأنوثة، واختلال توازنهما، ليؤدي بها إلى حالة فقدان التوازن مع العالم، وليتحد الخوف مع الجسد في سلبية مخيفة، اذ تفقد هويته حتى مع الآخر، وتكون واقعة ضمن مغامرة التابع والمتبوع، فلا الجسد تابع للأنثى، ولا أنثى مالكة لجسدها، لذا قام الخوف بقذف زهرة خارجه كشاهدة تجاه الجسد(كنت شاهدة منذ البداية حتى النهاية، حتى الآن انا متفرجة، ثم شاهدة على خرق عذريتي فوق السرير القذر، وعندما حملت كنت شاهدة على هذا جسمي وعلى طاولة الدكتور العجوز، وممرضته) ص118.

وتتحدد علاقة زهرة الجسدية في ثلاثة محاور/ رجال، ومن خلالهم تتشكل صورة زهرة السايكلوجية وتكون العلاقة بينهم علاقة حوار لغة الجسد، لا صوت ينبعث منهم، كل واحد يخاطب ذاته، والتحاور يكون معها بلغة الجسد فقط، لأنها هي أصلاً لا تجادل الآخر ولا تتفق معه ( ربما ظن أني لا اقرأ ولا اكتب، وإلا ما كنت هنا اتعاطى لغة الجسد) ص178، حتى وجهة نظر الشخصيات الرجالية الثلاث لا يتم الكشف عنها من قبل المؤلفة ولا من قبلهم، فقط عرفتنا بهم من خلال علاقتهم الجسدية مع زهرة، فمالك استغل طيبتها ليغرر بها ويفض عذريتها، أما ماجد فأراد إخفاء نقصه الداخلي، وعقده بها، فتزوج منها، واخيراً القناص الذي تمتع بجسدها، وعندما اخصّب قتله( هل قتلني لأني حبلى ام لأني سألته اذا كان قناصاً) ص226. فالاقتناص هنا دلالة رمزية لمسخ إنسانية الإنسان، وإدخاله دائرة الحيوان.

ومما يزيد تعقيد إضاءة هذه العلاقة او الولوج فيها لاكتشافها، ان زهرة لا تقوم ببيع جسدها مقابل المال، ولا تعرضه لشبقية به، ( ومرة سحب من جيبه مئة ليرة وحاول ان يضعها داخل حمالتي، ارتجفت ذقني وأجهشت بالبكاء، وددت يدي ابحث عنها حتى أعيدها) ص162، حتى لا تربطها بهم علاقة حب او عشق (لا. لم أحبه. لم أطقه)ص118، ولو تعمقنا أكثر في دراسة مثل هذه الفقرات، ستجعلنا نكون في الموضع الصحيح والقراءة الصحيحة وستضيء مفاصل النص الرئيسية التي بدورها ستضيء المساحات المظلمة للنص لاستبطان أسراره الدفينة.

والقارئ الذي لا يرى في لقاء زهرة بالآخر/ الرجل، الا بنية سردية جنسية مفضوحة لا يمكن ان يدرك القيمة الدلالية- الجمالية في النص، ويخلق إشكالاً تفسيرياً، ولا يمكن ان يستخرج المضامين الإنسانية والتناقضات الذاتية والطبقية والطائفية( فأحمد ورفاقه يقولون انهم يحاربون الاستغلالية، ويريدون لفت النظر إلى مطالب الشيعة المغبونة)ص153، ولا يمكن ان يحيط باستراتيجية النص الشاملة، فالجنس لم يتخذ بعداً شهوانياً عند حنان الشيخ، إنما وظف كبعد إنساني، لأجل الإدانة والتغيير، فالحس الجنسي- الإنساني( يندمج بالمحتوى اندماجاً عضوياً حياً، وبالطريقة التي يتخذ بواسطتها هذا المحتوى شكله، وهو يحمل إلى الأثر الفني الحياة التي ما كان يبلغها ابداً إلا إذا خاطب الكائن البشري بكامله)(5)، بمعنى عدم تجريد الجنس او الفعل الجسدي من محتواه الإنساني، وجعله مجرد متعة رخيصة ورغبة محمومة، لان هذه النظرة تنجح في تشويه العمل بكامله وتكريس الاستلاب للمرأة.

وتوجد في الرواية أربع وظائف مختلفة ترتبط بأربعة مستويات، وتكون مهمة الربط المتواجدة في النص، تثبيت الوظائف الملتحمة بالمستويات التي تكون متوازية ومتداخلة ببعضها، وتؤدي ذلك إلى انفتاح المعاني المغلقة، والعمل سوية في اتجاهين متعاكسين مع النص وما وراء النص وهي :

1- وظيفة كرنفالية على المستوى الواقعي.

2- وظيفة تدميرية على المستوى السايكولوجي.

3- وظيفة خيانة على المستوى الأخلاقي.

4- وظيفة مغامرة على المستوى الشخصي.

والمعنى العام يظهر في الرواية، من الفعل الجسدي المتعدي على الفعل الرمزي، الاجتماعي، النفسي، فهكذا يلتقي الفعل الجسدي مع الفعل التدميري لمدينة بيروت، ومع الفعل الكرنفالي بالالتقاء بالآخر، ومع الفعل الخياني في تدنيس الجسد، والفعل المغامري في تفجير

الجسد، وهنا يتميز الفعل الجسدي بكونه بنائياً من الداخل، ومتشظياً من الخارج، مع بقاء العلاقة الجدلية بينهما، لان بدون هذه العلاقة تتيه المعاني، ولا نمسك بأسباب التمزق الداخلي لزهرة، وغرائبية الحرب الأهلية اللبنانية.

ان جوهر الرواية يكمن في تجربة زهرة في الطفولة، تجربة اغترابية تفتتح بها الرواية، تجربة مزدوجة ما بين الأم والبنت ومختلفة، فبالنسبة للأم احتفالية، أما لزهرة فتكون متسمة بالغرابة والخوف، في غرفة مزيفة ودكتور مزيف.

يقول هيدجر: البداية هي الأكثر غرابة والأشد قوة، فعندما تشاهد الطفلة- زهرة أمها تقفز عارية من بين شراشف الرجل الغريب، فما هو رد الفعل الذي سيتركه هذا المشهد؟! وما هو الانطباع الذي سينحفر في الذاكرة ويوشمها به ؟ وما هي الآثار السايكلوجية التي ستخلفها هذه التجربة وراءها مستقبلاً ؟

ومن ثم تنقلنا حنان الشيخ من عالم الطفولة- زهرة إلى عالم المرأة – زهرة فوراً بلا أي تمهيد وبأسلوب التداعي في بداية الفصل الثاني، من خلال جملة اخبارية تخبرنا فيها زهرة بانها فقدت عذريتها، ، واجهضت مرتين، وما بين المشهد الاول والجملة الاخبارية تقع مئات الصور الغائبة او المفقودة عن ذهن القارئ، بحيث تجعله في حالة ارتباك للوهلة الاولى، ولكن بعدئذ تستقر الصورة وتتوضح، ولكي يعيد بناء المشاهد في مخيلته، وليسد الفراغ الموجود بينهما، نلاحظ مع اوبير بانه (اذا ما أريد لقراءتنا ان تكون قراءة متماسكة وشمولية فلا بد لها من العمل في اتجاهين اثنين، متحركة مع تيار الكلمات وعكسها، وتكون النتيجة واضحة)(6)، عليه تتشكل الصور الممتلئة بالمعاني.

وابتداءاً من شخصية زهرة وبقية الشخصيات الروائية: الأم – الأب – احمد – مالك – الخال – الزوج – القناص، كل واحدة من هذه الشخصيات انما هي مركز رؤيتها لان كل منها يطل على عالم غير عالم الاخرين، ونحن على اطلاع تام على هذا العالم، انها مراكز مستقلة متفاعلة في اللحظة ذاتها، وهذا ما حصل لزهرة بطلة رواية " ميرأمار" لنجيب محفوظ، فهي المركز الرئيسي للمراكز الأخرى، وهذا جعل بعض النقاد يسبغون عليها رمز مصر، ولكن وجهة نظر زهرة "ميرمار" لا توجد، لان نجيب محفوظ لم يفرد لها فصلاً خاصاً بها، بينما " حكاية زهرة " كانت الراوية في جميع الرواية باستثناء فصلين.

وتعبر حنان الشيخ عن تجربة شخصياتها، وتكشف عن صعوبتها وثقلها على حياة الإنسان، وتعمل على ان تشاركهم خصوصيتهم بعين مراقب، وبالذات زهرة( حين كان بلزاك يتكلم عن قصته سارازين عن مخصيّ بزي امرأة كتب هذه الجملة " كان المرأة بكل مخاوفها المفاجئة، كل نزواتها الطائشة، واضطراباتها الغريزية، واجتراحاتها من غير سبب، وتبجحاتها، ورقة مشاعرها" )(7)، ولكن حنان الشيخ عملت على إضفاء بعد دلالي – رمزي لبطلتها، في تأويل البنية الواقعية لجسد زهرة، وهذا يدفعنا إلى الغوص عميقاً على لا نهائية المعنى الرمزي، لان العمق هو الجوهري، ولأن التأويل يعطي المتلقي حرية المشاركة بفعالية في البحث والتنقيب في النص، لاستخراج المعنى الرمزي/ الاشاري من الواقعي الأيديولوجي، مما جعل الجسد يأتي منحرفاً في النص، وهو ما سعت اليه الروائية، ومن خلاله إحالتنا إلى الرمز الاجتماعي- السياسي، وإلى الحرب الأهلية اللبنانية، رغم ان سلطة الجسد مفقودة، ولكن رمزيته موجودة بكثافة، وهذه الإحالة تضعنا أمام رواية مخيفة تحكي عن تمزق الجسد: الإنسان والمدينة، وتمزق ألحكي، وكأنها بذلك (تلملم أجزاء الجسد الاجتماعي- النفسي: جسد البشر والمكان، جسد الروح والعيش)(8)، وهنا يشكل التمزق والخوف عنصرا توحيدياً بين الجسد/ زهرة وبين المدينة/ بيروت للشروع في عملية للعثور على الذات خارج نفسها( فكما يتكون الجسد ابتداءً في رحم الأم ( جسدها) كذلك يتفتح الوعي الإنساني ويستيقظ محاطاً بوعي الآخرين) باختين.

وقد كتب الباحث احمد الصمد عن الرواية اللبنانية المتأثرة بالتقنية الفرنسية الحديثة، وكيفية الاستفادة منها في تصوير الحرب الأهلية وانعكاساتها على تفكك البيئة الاجتماعية- الاجتماعية- الفكرية، وتفكك بنية النص الروائي وانعكاس ذلك على الشخصيات الروائية، بما فيها الشخصية الرئيسية التي جاء فعلها غرائبياً وموتها طبيعياً في " حكاية زهرة " :

موجة تفتت فيها الشخصيات والنصوص وانتقل السرد من التردد والقلق إلى التداعي والإبهام والتهافت، لكأنما تقنيات الرواية الفرنسية الجديدة، قد وجدت في رعب الحرب اللبنانية وتخبط المثقفين في دوامته وضياعهم في متاهاتها واحتراقهم في اتونها، الأرض الخصبة التي نبتت وتنضج، حنان الشيخ في " حكاية زهرة "(9).

ولكن حنان الشيخ تميزت عن بقية الكتاب اللبنانيين بان أضافت عنصراً مهما إلى هذه الموجة، بتناولها مشكلة المرأة المحاصرة بالشوفينية الذكورية، والرؤية الاجتماعية المتخلفة باعتبار ان جسدها لعنة عليها، وعورة لها، ومدنسة به، من خلال مزاوجتها بهذه التقنية والحرب الأهلية الوحشية، التي عملت على إعطائنا معطيات خطيرة لوقوع المرأة في دائرة الاستلاب والقمع والخوف، لذلك جاءت الرؤية عميقة مكثفة لسيادة الأيديولوجية الرجالية في الأوضاع العائلية، والبنية السياسية، والتركيبية الطبقية- الطائفية.

والإيقاع الجمالي للجيد يشبه إلى حد كبير إيقاع الرقص بالجسد، فكلاهما لديه طريقة لاختراق دائرة الفهم، للوصول إلى تفهم الآخر والعالم موضوعيا بمعنى اكتشافه ومن ثم اعادة بنائه بطريقة إنسانية جمالية فنية، حيث يتحول الفعل/ حركة الجسد إلى لغة عالمية تفعل فعلها، كالموسيقى، والرقص، هنا الجسد ليس محتاجا إلى كلام، لان كل الكلمات تتساقط، تتعرى، تضمحل، يبقى فعله، فالجسد يفصح عن نفسه، عن نزعته، عن ثورته، عن انبعاثه المطلق، مع كونه وسيلة للإبحار إلى دواخل الآخر والعالم والذات، وهذا ما أدركه اغلب الروائيين العرب، فهذا الروائي الياس فركوح في رواية " قامات الزبد " يبين مدى فاعلية الجسد في الوجود الإنساني، ومدى حضوره في تلك اللحظة(10):

جاء صوت خطواته اولاً . فتح الباب فدخلت. تلاشى الانتظار وحضر الجسد.

سألته، وما كان جسداهما قد تعارفا بعد: ومن أنت؟

وأحيانا يتوازى الجسد مع الفكر، او يلتقي في علاقة جدلي الفعل- الوعي، ويكون في مستوى واحد في تحمل المسؤولية السوسيولوجية، وهذا ما نشاهده عند الروائية المغربية خناثة بنونة في رواية " الغد والغضب "(11).

- من المسؤولة الآن، رأسي أو نفسي؟

- وأجبت :

- لعله الآن جسدي

ووظف جسد المرأة في الأساطير القديمة لأهميته الكبيرة فيها، ولكونه يمتلك قوة عظيمة في تغيير الإنسان وجذبه إلى المدينة، وتركه الصحراء، كما فعلت البغي- الجسد السومرية في انكيدو، البطل- المتوحش:

هذا هو أنها البغي " شمخة " فاكشفي عن نهديك.

اكشفي عن عورتك لينال من مفاتن جسمك.

لا تحجمي، بل راوديه وابعثي فيه الهيام.

فانه متى ما رآك انجذب إليك.

انضي عنك ثيابك ليقع عليك

علمي الوحش الغرّ فنّ (وظيفة) المرأة (12).

يبين لنا هذا النص السومري، عمق سحر الجسد وسلطته على الآخر وقوته الأسطورية عليه، والكشف عنه بكونه مساوياً للمعرفة، بحيث تتحقق فيه معادلة غائبة هي ان الكشف= المعرفة، انه تجربة السفر في الحلم والخيال، واكتشاف عشبة الخلود التي فقدها كلكامش، لبناء رؤية شمولية للعالم، ضمن حوارية الجسد، التي اعتمدت الروائية عليها في بناء الرواية، وعلى سردية اللقطة السينمائية المتداخلة مع بعضها، بالاشتغال على تقنية السرد المتوازي / المتزامن لتصوير عدة حالات في آن واحد، وهذا مما شحذ النص الروائي بحوارية جدلية متكاملة في مقطع واحد، يقع تحت تسمية ذاكرة وذكريات:

ماجد الزوج الغريب عني، ماذا يفعل إلى جانبي في السرير؟ ماذا أفعل أنا إلى جانبه؟ ماذا يفعل فوق جسمي؟ يا أبن خالتي قاسم . ابعد يديك عن أسفل بطني، لا أريد ان أعكر نوم جدي، يا خالي كيف تنبض عند فخذي. هربت من لبنان إليك. لماذا أعدتني إلى تلك الغرفة الحقيرة حيث كنت أرتجف كلما سمعت عجلة سيارة فوق الأرض، في الغرفة التي رأتني عارية؟ ووالدي وخياله فوقي، وأمي في فراش واحد مع الرجل الذي كان يعطني الدمى، وفخذ الدجاج، يا مالك هل لا زالت تحاضر، هل لا زالت تأخذ الفتيات إلى المقهى، مقهى الهاربين ؟ ص103.

وفي حكايات " ألف ليلة وليلة "، كلما تتوغل شهرزاد في القص، كلما تبتعد عن الموت وتقترب من الحياة، فعند انتهاء القص تبدأ حكاية شهرزاد خارج القص لتصبح حكاية غير مقروءة، أما في " حكاية زهرة " كلما تتوغل زهرة في ألحكي، كلما تقترب من الموت وتبتعد عن الحياة، لذا فعندما يبقى ألحكي مفتوحاً، تكون حكاية زهرة منتهية ولتصبح حكاية مقروءة ذات دلالات رمزية.

في نهاية الرواية يتساقط المطر على زهرة / الراوي ( نقاط مطر خفيفة أخذت تتساقط وكلما لامست وجهي وقدمي. ازداد الألم) ص255.

مما يدفعنا للتساؤل ما الدلالة – الرمزية للمطر الذي يغسل زهرة كما غسل الدكتور خليل في رواية " باب الشمس " للروائي الياس خوري. عندما وقف مخاطباً يونس ألأسدي الذي مات في نهاية الرواية:

أقف هنا والليل يغطني، ومطر آذار يغسلني، وأقول لك لا يا سيدي، الحكايات لا تنتهي هكذا، لا (13).

المطر يعمل على التطهير، مع العمل على تعميدها بالماء والضوء والدم للوصول إلى بوابات الشمس، بوابات جسد بيروت المشرع على قارات الانسان السبع، بكل لغاتها وأجناسها وأشكالها وألوانها.

كونت الروائية حنان الشيخ تشكيلة نهلستية، باتحاد جسد / المرأة مع جسد / اللغة الذي أعطى نتائجه في جمالية النص- الروائي " حكاية زهرة " والذي جعلنا نلاحظ (ثمة انتصار كبيرة لهوية المرأة بإعطائها الهوية الصوتية – الفكرية، بدلا من الهوية الجسدية)(14).

 

أسامة غانم

............................

الهوامش والاحالات:

1- تزفيتان تودوروف – المبدأ الحواري : دراسة في فكر ميخائيل باختين- ت فخري صالح ص124، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1992.

2- م باختين- قضايا الفن الإبداعي عند دستويفسكي – ت د . جميل نصيف، ص189 دار الشؤون الثقافية، ط1، بغداد 1986.

3- جورج لوكاش- الرواية كملحمة برجوازية- ت جورج طرابيشي، ص9، دار الطليعة، بيروت 1979.

4- م باختين، المصدر نفسه، ص213.

5- هنري لوفيفر – علم الجمال – ت محمد عيتاني، ص74، دار الحداثة، بيروت.

6- ال. ال. جيمز – النص وما وراء النص- ت- د. محمد درويش ص85، مجلة الأقلام العدد الرابع/ تموز – آب/ 2001.

7- رولان بارت- نقد وحقيقة- ت- د. منذر عياشي ص15، مركز الإنماء الحضاري، دمشق.

8- يمنى العيد – تحول في التحول: مقاربة للكتابة الأدبية في زمن الحرب اللبنانية، ص29، دار الآداب بيروت 1993.

9- مصباح احمد الصمد- الرواية الفرنسية الجديدة وتقنيات التجديد- ص214- 215، مجلة عالم الفكر، العدد الرابع 1990.

10- الياس فركوح- قامات الزبد (رواية) ص69، مؤسسة الابحاث العربية، بيروت 1987.

11- خناثة بنونة- الغد والغضب (رواية) ص77، دار الشؤون الثقافية، بغداد / دار النشر المغربية.

12- ثلماستيان عقراوي – المرأة : دورها ومكانتها في وادي الرافدين، ص191- 192 منشورات وزارة الثقافة والفنون، بغداد 198.

13- الياس خوري- باب الشمس (رواية) ص537، دار الآداب، بيروت 1998.

14- حسن ألنصار- اكتمال هوية الأنثى، مجلة تايكي، العدد السادس، صيف 2001.

(*) حنان الشيخ – حكاية زهرة (رواية)، بيروت 1980.

* نشرت في جريدة الاديب الثقافية العدد 53 في 29 / 12 / 2004 .

 

سوران محمدإميلي ديكنسون انموذجا

ان للشعراء والادباء دورا فاعلا  أثناء الحروب الأهلية، حيث لا يقف الشعراء مكتوفوا الايدي عن التعبير الوجداني الخالص لرفض اراقة الدماء داخل وطن واحد، وقد قدم بعض  الشعراء العالميين أكثر من مجرد كلمة عابرة للتعبير عن مشاعرهم بشأن الحرب، ولم يرضخوا  للتأثير السياسي أو كسب  مادي مقابل بيع أقلامهم ومواقفهم في نفس الوقت، وهذا ما ينتظره الجمهور دوما من الشعراء.

وكما يعتقد البعض بأن  الشعر له غرض ورسالة. سواء أكان ذلك لإقناع المخاطب، أو   للتذكير بأحداث مٶلمة وأخذ الدروس منها أو لنقل استجابة عاطفية وهكذا... كان الشعر ومايزال يعتبر نوعًا شائعًا وفعالا من التعبير الأدبي. وخلال الحروب الأهلية  أكثر ما بين الشعر موقفه رفضا واستنكارا، بل حتى استخدم الشعر لحشد  موقف الرفض أو الدعم، أو التعبير عن الولاء أو لتجسيد مآسي الحرب. بينما يجد كل شاعر في نتاجه غرضًا مختلفًا، فعلى سبيل المثال لقد استخدم الشعراء خلال الحرب الأهلية الأمريكية الشعر للتعبير عن رفضهم أو دعمهم وابراز جانب القسوة والرعب  فيها حتى الوصول الی درجات اليأس المزرية داخل النفوس.

لم تظهر الی الملأ نتاجات إميلي ديكنسون إلا بعد وفاتها. غالبًا ما يشار إليها بأسم غريبة الأطوار، حيث أبقت منعزلة  جل وقتها في غرفتها، وغالبا تفاعلها الاجتماعي كانت حصرا مع الزوار من خلال الترحيب بهم داخل غرفة منزل عائلتها. وبالرغم من افتقارها إلى التواصل الاجتماعي، لكن ديكنسون تعتبر واحدة من أكثر الشعراء الأمريكيين إنتاجًا وتعقيبا للأحداث.

كانت مواقف  ديكنسون ضد التفرقة ومع الاتحاد، وحافظت على المراسلات مع العقيد هيغينسون، الذي ادلی بتصريحه لاحقا في "الأطلنطي الشهري". قائلا ان فترة الحرب الأهلية كانت الفترة الأكثر غزارة لديكنسون، وقال بدوره أنها كتبت على الأقل نصف قصائدها أثناء مرحلة الحرب الاهلية. وبسبب طبيعتها المنعزلة لم تكن قصائدها مرتبطة بالحرب مباشرة ولم ترها بأم أعينها أو شاركت فيها.

هنا في مقطع الاول من هذه القصيدة تكشف ديكنسون عن الرعب الذي شعرت بها  أثناء   الحرب، وقد رقمت القصيدة بـ  ٤٤٤   وكتبتها الشاعرة في عام ١٨٦٣:

"من الخزي أن تكون على قيد الحياة -

عندما يموت الرجال الشجعان  - "

هنا ترجمة كاملة للمقاطع الخمس لهذه القصيدة الرباعية التي راعت فيها الشاعرة الوزن والقافية:

***

- القصيدة رقم ٤٤٤ –

من الخزي أن تكون على قيد الحياة -

عندما يموت الرجال الشجعان  -

و يحسد المرء  الغبار المتميز

عندما تسمح -  بالشروع في المعركة –

.

الحجر الذي يخبر عن الدفاع عن من

وضع هذا الاسبارطي بعيدا

كم نملك قليلا منه

رهنا من أجل الحرية -

.

الثمن رائع - مدفوع بشكل ممتاز -

هل نستحق - شيئا -

تتراكم تلك الارواح - مثل الدولارعلى البعض -

قبل أن نحصل عليها؟

.

ها نحن ننتظر - بقيمة كافية -

لمثل هذه اللؤلؤة العظيمة

لأن حياتنا - ذابت   -

في وعاء الحرب الرهيب ؟

.

قد يكون –   شهرة  حياة -

للرجال الذين ماتوا -

أولئك غير المساندين - المنقذين -

 وان الاله حاضر

***

جدير بالذكر ان تأريخ كتابة هذه القصيدة تصادف العام الذي وقع فيه أبراهام لينكولن على إعلان تحرير العبيد، ولكن بعد بضعة أشهر وقعت أكثر المعارك دموية في الحرب الأهلية - معركة غيتيسبيرغ. 

تتأمل  هنا ديكنسون في الأثر العبودي لسفك الدماء والأرواح التي فقدت في قضية "الحرية" الساخرة. حيث دارت الحرب الأهلية حول موضوع العبودية: الحق في امتلاك العبيد وجني الفوائد الاقتصادية من الآثار المدمرة للعبودية على البلد وحقوق العبيد أنفسهم من جهة أخرى. ومع ذلك، فهي لا تتحدث عن الجهة التي خاضت الحرب من أجلها وهل كانت تستحق  كل هذه التضحيات واراقة الدماء.

نعم فان الجنود الذين يموتون من أجل مصير بلدهم تطلق عليهم "بيادق الحرية". لكن إجابة السؤال عن من هم  رواد الحرية الذين يموتون من اجل نيلها، فهذه النقطة ستبقى غامضة في القصيدة. عندما تسأل ديكنسون عما إذا كانت "نحن ننتظر" .. تستحق الثمن الهائل المدفوع بالدم؟ فهي تشير إلى العبيد الذين ينتظرون التحرر. إنها تستخدم البلاغة في الجثث المتراكمة  عندما تشبهها بـ: "أوراق الدولار على البعض" لتوضيح وجهة نظرها حول مسألة العبيد، تشير ديكنسون أيضًا إلى الاسبارطة الذين ماتوا ببطولة في غزو تأريخي مع الفارس. هل تساءل المدنيون اليونانيون الذين حاربوا، أجرا وثوابا؟ هل أثمنوا المزارعون والرعاة وأهل البلدة أنفسهم بـ "القيمة الكافية وكانوا على قدر مسٶلية الاحداث؟".

في نهاية المطاف ، تضع  ديكنسون  نفسها في مكان أولئك الأمريكيين الذين شاركوا في الحرب من اجل التحرير ولا تزال تسأل نفسها عما إذا كانت الحرية تستحق  اراقة الدماء "و خلق جو من الرهبة". وفي النهاية لا نعرف ما كتبه العقيد هيغينسون إلى ديكنسون عن معاركه وقواته، ولكن رسائله ربما قد زرعت هذە الافكار في مخيلة الشاعرة.

أستنباطات النص:

١- الحرية هدف سامي وانها تستحق التضحية، اذا لم توجد بدائل.

٢-لا يمكن تبرير الوسيلة أيا كانت، من اجل الوصول الی الغاية المرسومة.

٣- هل يمكننا ايجاد بدائل عن الحروب من اجل الحفاظ على كرامة الانسان وتجنب التدمير؟

٤- ليس هنالك المستفيد من الحروب وقد تٶدي الى التشريد والافزاع والكوارث.

٥- لا يموت من يستشهد من أجل قضية عادلة، بل دائما يتردد ذكراهم على الالسنة.

٦- ان حياة الانسان ذات قيمة لا بديل لها، فمن الافضل ايجاد حلول سلمية للنزاعات.

٧- تجنب الحروب الاهلية ايا كانت مبرراتها وانها بالنتيجة ستٶدي الى الخراب والتخلف.

٨- بما ان الشاعرة لا تتدخل في تفاصيل الحرب الاهلي ولا تميل الی أي جماعة الا انها عبرت عن استنكارها لها، وهذه هي الرسالة السامية للأدب علی مدار القرون.

 

سوران محمد

........................

المصادر:

genius.com/Emily-dickinson-it-feels-a-shame-to-be-alive١- 

 engquiringminds.wordpress٢-

  Wikipedia/ Emily-dickinson٣-

 

علاء اللامي(لقد تعرض  فرانتس كافكا  للتجاوز، وهو تجاوز فكري، بمعنى محاولة إزاحة نمط الحقائق باتجاه معين. فالصهيونية كحركة فكرية وعرقية، عملت على رأس هذا التوجه، حيث وظَّفت تفسيراتها لأدبه لصالح بنيتها الفكرية من منطلق كونه يهودياً، وكاتباً كبيرا ً ومتميزاً بآثاره الأدبية/ الناقدة العراقية د. بديعة أمين)

مع مقالة "صهيونية كافكا واستلاب المثقف العربي" للناقد المصري محمد محمد البشتاوي[1] تبلغ عقلية وخطاب التقليد والتكرار والتسطيح لدى مناوئي كافكا وأدبه ذروتهما. ففي هذا النص الطويل ثمة تكرار واجترار شبه حرفي لمقالات كثيرة أخرى نشرت في هذا السياق. وفيها، لا نضع أيدينا على فكرة جديدة أو تحليل منسجم وعميق يوحي بشيء مهم، بل ثمة وحسب المعلومات والأحكام القاطعة الباترة ذاتها، مع إضافة جديدة هي أن البشتاوي لا يترك أحدا يفلت من سياطه ممن يحاولون تأكيد عكس ما يراه من قناعات.

فبعد فقرة حول علاقة كافكا الابن بابيه تاجر التحف بحسب البشتاوي (والجزار أو بائع اللحوم بحسب آخرين) يناقش البشتاوي رسائل كافكا محاولا ان يقيم الدليل من خلالها على صهيونية الرجل، قافزا من الرسائل إلى ما كتبه ماكس برود من خواطر عن مشاهير يهود واضعا بينهم اسم كافكا ليستنبط – البشتاوي - من ذلك دليلا آخر. وبعد قليل من ذلك، وكأني بالبشتاوي قد صدَّق نفسه أيما تصديق، نجده يعبر عن غضبه ليس من "كافكا الصهيوني " الذي "ضبطه متلبسا" في رسائله التي ناقشها في بضعة أسطر مرتبكة، بل من المثقفين العرب الذين لا يرون رأيه فيه فيكتب بتشنج لا يخفى (ورغم عدم التباس النصوص السابقة، واتضاحها جيداً، إلا أن عدداً كبيراً من المثقفين العرب، يقفز عن هذه الحقائق، ويصف كافكا بالمناضل والفيلسوف المتحرر والمقاتل في سبيل الإنسانية، ما يعني أن حالة الاستلاب لم تعد تمثل التبعية للثقافة الغربية، وإنما الترويج لثقافات معادية للعرب عموماً، بما فيها الثقافة والفكر الصهيوني) ثم يفرد البشتاوي فقرة خاصة للعرب في قاموس كافكا، مركزا على القصة البسيطة إلى درجة التسطيح، والمشكوك بنسبتها إليه، والتي تحمل عنوان " بنات آوى وعرب "، حيث لا يبخل النص بالصفات السلبية والمهينة بحق العرب، فيما يتم تجاهل نقده الجذري للشخصية اليهودية وللإنسان الغربي بل الحضارة الغربية في مسرحيته "حارس المقبرة"، ولكن البشتاوي يصطدم بمشكلة "صغيرة" تبدد ابتهاجه بهذا الصيد السمين، وهي أن النص، وبالتالي كاتبه المزعوم كافكا، لا يبخل بالشتائم والتحقير على اليهود المرموز لهم ببنات آوى، فكيف سيحل البشتاوي هذه المشكلة؟ إنه يجد الحل لدى الناقد فيصل دراج وهو ناقد يساري عربي معروف بتنظيراته المتواشجة مع الأصول والتقاليد النقدية للجدانوفية في نسخة عربية متخففة كثيرا من أثقال الأيديولوجيا، ويستخدم من ترسانته مفهوم "التحقير ذي البعد البرغماتي". فما المقصود بهذا الاصطلاح أو المفهوم ؟

يشرح لنا البشتاوي هذا المفهوم على الشكل التالي (نظرة التحقير لـ اليهودي ..يجد كل من الدكتور فيصل دراج ومحمود موعد سبباً لها، مشيرين إلى تقبل كافكا لهذهِ النعوت مقابل البعد النفعي (البريغماتي)، والديني من ناحية أخرى، فهذا القبول ليسَ مجانياً وإنما مقابل التعالي، لأن اليهودي صاحب مهمة تاريخية ورسالة إنسانية (الناحية الدينية)، أما البعد النفعي فهو يكمن بقبول النعوت حتى نهاية الجولة، فالمهم أن يربح بغض النظر عن الطريق أو الشكل الذي يسلك، فابن آوى عندما هاجم الجثة لم ينهض عنها رغم تلويح الأعرابي بالسوط، مقابل النعوت سابقة الذكر فإننا سنجد رؤية توراتية داخل بنية النص، منها البعد التاريخي الذي دفع بنات آوى لانتظار المخلص جيلاً بعدَ جيل، النقاء ورفض الآخر الذي يظهر جليًّا من خلال رفض العرب بـ المطلق: "نريد هواءً نقيًّا، وأفقاً لا أثر لهم فيه"، واللجوء إلى العنف من خلال الدعوة للقتال، كما ونجد إشارة إلى ضرورة تجميع قوى النبل للنيل من القذارة حيث ينقسم العالم إلى قسمين. أما العربي الذي حظي بـ نعوت كثيرة تكاد تشابه اليهود في الطرح القصصي لهذا النص، فهم قذرون، قتلة، متخلفين يفتقدون لحكمة العقل.. الخ، وهذهِ النعوت تسعى لجعل الدم العربي مستباحا، نظراً لما يمثلهُ العرب من رجعية...) واضحٌ الطابعُ المتهافت والمتناقض لهذا المفهوم الذي لا يقوم على أي سند علمي بل هو أقرب إلى الفكرة المسقطة على واقع حال لا علاقة له بها، بل هو مثال شديد الوضوح على النموذج الرغبوي "الإرادوي" في الكتابة النقدية حيث يجهد كاتب النص ليس لمحاكمة الوقائع ومواجهتها بالوقائع بل بقصقصة الوقائع واختراع صور إضافية لـ" حقائق " أخرى ذات صبغة ذهنية وأشبه بالفقاعات. إنها باختصار محاولة لتدوير الزوايا ليس إلا، ويتبين لنا خطل هذه المنهجية "اللامنهجية" والتي يحركها الغضب والمشاعر الشخصية وليس العلم والفعالية البحثية العقلانية من خلال طرح سؤال بسيط هو: إذا كانت الشتائم المهينة التي يوجهها النص إلى العرب تشبه، أو تكاد تشبه تلك التي يوجهها إلى اليهود، فلماذا يعتبر البشتاوي ومَن يستنبط عنه مهاراته النقدية هذا السلوك استباحة أو تبريرا لاستباحة دماء العرب فقط وليس استباحة لدماء اليهود الذين شُتِموا أيضا؟ أليست المقدمات المتشابهة تؤدي إلى نتائج متشابهة في المنطق الشكلاني " الصوري" على الأقل؟

نترك السيد البشتاوي وهو يصرخ  في قاعة المحكمة بحكمه المبرم القائل بالكلمات التالية: لم يعد كافكا غامضاً ومبهماً بعد ما تكشف من صلات وثيقة تربطهُ بالحركة الصهيونية، لاسيما "بيت الشعب اليهودي" -أحد أطراف الصهيونية، إلا أن المستغرب ما يحدث من جدل وصخب في الوسط الثقافي العربي، الذي يضع حقائق بالغة الأهمية على رفِّ النسيان، دون أن يتناولها بالتحليل العميق ليقدمها إلى الجمهور العربي، وهو ما يفسر حالة الاستلاب التي أصيبَ بها المثقف العربي، ولهذه الحالة طرفين؛ الأول دونية الذات العربية، والطرف الثاني ارتقاء وتعالي الذات الغربية، الأمر الذي يجعل كثيراً من المثقفين العرب يعيشون حالة استلاب مرضية. أعتقد أن أخطر ما في الأمر، أن يكون الاستلاب للمضامين الصهيونية، كما هو الحال في كافكا، أو مضامين التغاضي عن الحقوق العربية في الطرح الغربي، كما هو الحال مع جون بول سارتر الذي تنكر للحقوق العربية في الأراضي المحتلة – الفلسطينية والسورية ) نودعه إذاً، تاركين إياه يعالج وبطريقته الخاصة "مثقفيه العرب" من حالة الاستلاب المرضية التي وصمهم بها وكأنها نوع من الزكام الذي يصاب به المرء بمجرد تعرضه لنفحة هواء بارد وهو خارج من الحمام، زاجا "بالمتنكر للحقوق العربية جون بول سارتر" بينهم، ونحاول الآن أن نلقي نظرة على محاولة نقدية أخرى أكثر أهمية تنتمي لما يمكن أن نطلق عليه مجازا معسكر المبرِئين[2] :

ألفت الباحثة العراقية المتخصصة في الشؤون اليهودية والحركة الصهيونية د. بديعة أمين عددا من الكتب العلمية ذات السوية الرفيعة أولها صدر عام 1974 في بيروت بعنوان: " المشكلة اليهودية والحركة الصهيونية ثم تواصلت في كتب لاحقة هي: الصهيونية ليست حركة قومية سنة 1978 فكتاب "في نقد فكر الستوية " سنة 79، وبعدها أصدرت كتابها الذي سنتوقف عنده والذي يحمل عنوانا معبرا عن مزيج من الاستهجان والسخرية والرفض هو "هل ينبغي إحراق كافكا؟ سنة 83، أما كتابها "الأسس الأيديولوجية للأدب الصهيوني" فقد صدر في  حزيران سنة 1989  وعناوين كتب هذه السيدة لا توحي بأية احتمالات في أن تكون مؤلفتها مهادنة للحركة الصهيونية ومشمولاتها في ميدان الأدب والفكر ولا حتى محايدة أو تصطنع الحياد لكي يسهل ذلك من عملية وصمها وتشويه سمعتها كمقدمة لاتهامها بالتهمة الشائعة والتي تعرضنا لمثال لها قبل قليل، أي الاستلاب المرضي من قبل الصهيونية بل هي عناوين تؤشر وتشير إلى النقيض التام لهذا التوجه، ولكنها اختارت أن تكون في صف من ينظرون إلى كافكا بمنظار آخر غير المنظار البرودوي الصهيوني.

يهمنا ان نتوقف عند كتابها ذي المساس مباشر بموضوعنا وهو كتاب " هل ينبغي إحراق كافكا؟"

تعتمد د.  بديعة أمين منهجية تقوم على استقراء كوامن النص المقروء ومحاولة تفكيكها واستيعابها عن طريق إقامة حوار علمي مع تلك النصوص بوصفها نتاج حقيقي لحياة حقيقية. وتتم عملية الاستيعاب والتحاور عبر مقاربة البنية الجمالية للنص أولا، ومقاربة المضامين الأيديولوجية له ثانيا سواء كانت ذات منحى ديني أو أدبي أو فكري بحت.

يكتب جاسم عاصي[3]، أحد الذين تعرضوا  بالقراءة التحليلية لكتاب د.أمين، وتحت عنوان فرعي هو " الدفاع من داخل النص " ما يلي، ملخصا فكرة رئيسية طرحتها د. أمين ( لقد تعرض  فرانتس[4] كافكا  للتجاوز، وهو تجاوز فكري، بمعنى محاولة إزاحة نمط الحقائق باتجاه معين. فالصهيونية كحركة فكرية وعرقية، عملت على رأس هذا التوجه، حيث وظفت تفسيراتها لأدبه لصالح بنيتها الفكرية من منطلق كونه يهودياً، وكاتباً كبيراً ومتميزاً بآثاره الأدبية. لكن الذي يثير التحفظ هو انجرار النقاد العرب في توجيه قراءتهم لأدبه على وفق ما خطط له الآخر، ذلك لأنه مر عبر قنوات متعددة أهمها تغييب القراءة أو ربما تعطيلها، أو خضوعها لموجهات مسبقة. أو كما ذكرت الباحثة؛ من أننا اعتمدنا على ما روجه العقل الصهيوني عن (كافكا)، وإعراضنا عن قراءة أدبه قراءة موضوعية..)

ويلخص عاصي الأسس التي اعتمدتها السيدة أمين في دفاعها عن كافكا بأن تلك الأسس تقوم على حقيقتين:

الأولى هي خطورة تبويب ودمج أدب كافكا بأهداف الصهيونية.

والثانية هي توفير النقيض الموَّثَق لما تدعيه الصهيونية في أدبه.

وهذه المنهجية تتطلب ان تكون الدراسة لهذا الشأن( ذات نمط تحليلي وموضوعي، وعلمي، من أجل اكتشاف العلاقات والظواهر الخفية فيها، وارتباطها العضوي بالخلفية الثقافية والفكرية والفلسفية، وعلاقتها بالبيئة الاجتماعية والظروف الاقتصادية، أي الكشف عن العلاقة الديالكتيكية وتفاعل الأدب والبيئة)[5] كما تكتب السيدة د.أمين، وهذا يتطلب الانطلاق في الجهد التحليلي من باطن النص الأدبي المقروء إلى خارجه وظاهره. وقد درست الباحثة يوميات كافكا بذات المنهجية التي اعتمدتها كاشفة عن التحريف والتحليل المغرض الذي اعتمده ماكس برود في تقديم وشرح تلك اليوميات لدرجة انه نسب إليه أقوالا لم يقلها ووجهات نظر ذات مضامين عرقية وعنصرية رفضها بقوة وبصوته الخاص كما في قوله (ما الذي يجمعني واليهود؟ ليس هنا أي شيء تقريبا ً يجمعني ونفسي أنا. إن علي ّ أن أختبئ بهدوء في زاوية ما، راضيا ً بحقيقة أنني قادر على التنفس)

لقد أكد كافكا في مناسبات كثيرة أمرا كاد أن يتحول إلى شعار حياته وتميمته الشخصية، وهو انه خُلق للأدب، وأنه مخلوق من الأدب وحسب، ولا يصلح لشيء آخر سواه، وقد ورد ذلك في رسائله الشخصية إلى خطيبته  فيليس باور، وفي يومياته، حتى أنه كره عمله البيروقراطي في شركة التأمينات لأنه يتعارض مع توجهاته وهواجسه وطموحاته الأدبية. ويوضح الباحث جاسم عاصي هذه الحيثية بالقول (إن كافكا كان على التصاق حميم ومصيري بالأدب، فأنه يرفض أي ارتباط بفكر مسّيس، ضمن مجموعة أو تشكيل عنصري. وهذا ما أكدته رسالته لوالد خطيبته " إن عملي أمر لا يحتمل بالنسبة لي، لأنه يتضارب ورغبتي الوحيدة، ومهنتي الوحيدة التي هي الأدب، وحيث أنني لا شيء غير الأدب، ولا أريد أن أكون شيئاً آخر، إن كل شيء ليس أدبا ً يبعث فيّ السأم، وأنا أكرهه، إذ أنه يسبب لي الاضطراب، أو أنه يؤخرني ". من هذا التصريح الواضح يمكننا أن نقف على حقيقة مهمة في كون دافعه لرفض كل ما هو ليس بأدب، كان مرتبطا ً بحالة خارج إرادته. فكلامه هنا، وبهذه الحدّة، يمكن اعتباره ردا على محاولة ما، ربما لزجه في ما هو ليس أدبي، وهو ما يؤكد مصداقية عدم ارتباطه بأي منظمة، أو توجه سياسي أو عرقي، ويمكننا أن نمضي أبعد قليلا بمساعدة التخيل البناء فنرى في كل عبارة من العبارات السالفة ردا مباشرا على ما حاول الزاعمون إلصاقه بكافكا، فهو حين يقول:

 

إن عملي أمر لا يحتمل بالنسبة لي ...فهو ينفي بشكل مباشرة أي مزاعم عن ارتباطات وطموحات سياسية أو تجارية لديه.

وهو حين يقول:

مهنتي الوحيدة هي الأدب... يؤكد ما سبق قوله، ولكن بعبارات لا تقبل اللبس حيث جعل الأدب مهنته وليس مجرد هوى أو هواية. فهو هنا لا يشطب على عمله كحقوقي في شركة تأمينات فقط بل يشطب على كل ما عداها باستثناء الأدب.

وهو حين يقول:

وحيث أنني لا شيء غير الأدب، ولا أريد أن أكون شيئاً آخر.

فهو يقدم لنا استقالة مسبقة ومختومة من أي مجد أو طموح آخر، سياسيا كان أو غير سياسي، وسواء تعلق بالحركة الصهيونية أم غيرها من حركات وأحزاب واتجاهات، بل هو يجعل حتى وجوده الكياني الانطولوجي[6] مشروطا بوجوده الإبداعي كأديب: أنا لا شيء دون الأدب!

وهو حين يقول:

إن كل شيء ليس أدبا ً يبعث فيّ السأم، وأنا أكرهه، إذ أنه يسبب لي الاضطراب، وأنه يؤخرني، فهو يستبق وبشكل أقرب الاستشراف والتنبؤ ما سوف يفعله المأدلجون به وبتراثه الأدبي وفي مقدمة هؤلاء يانوش وبرود وغيرهما.

في هذه الكلمات القليلة قدم كافكا شهادة براءة شديدة الوضوح في حسمها من أية مزاعم تتعلق بشخصيته وتوجهاته واهتماماته وطموحاته فطلق كل شيء وتزوج الإبداع الأدبي فقط زواجا كاثوليكيا لا انفصام له.

في كتابها موضوع قراءتنا هذه  تقترب الباحثة د. أمين من المفهوم الماركسي، أو للدقة من النسخة السائدة مدرسيا ورسميا لمفهوم للاغتراب الروحي  في المجتمع الطبقي الرأسمالي مستنتجة أن جلَّ أدب كافكا هو (عبارة عن انعكاس لإحساسه وشعوره بالغربة عن واقع متناقض تشوبه العلاقات الرأسمالية، مجسدة لرؤيته للعالم وعلاقاته، وطبيعة الاستبداد والعبودية التي يعاني منها الإنسان، جرّاء تسلط الطبقات المستغلة - بكسر الغين - وهيمنة الأنظمة الاقتصادية التي ولـّدت صراعاً دائماً، هو في جملته صراع طبقي أفرز كثيراً من الظواهر. لذا فكافكا ينحاز عبر وجهة النظر هذه إلى عكس مثال هذا التناقض وهذا الصراع. وقد عبّرت رواياته (القلعة – المحاكمة – المسخ - سور الصين - مستعمرة العقاب) خير تعبير عن هذه الظواهر، ملبية بذلك نداء الغربة الروحية الكامنة في ذاته كفنان مرهف الإحساس.)

إذا ما ضربنا صفحا عن عدم التمييز الاصطلاحي السائد بين "الغربة" المتعلقة عادة بما هو مكاني وجغرافي وبين "الاغتراب" المتعلق بما هو روحي وعقلي ونفسي في كلام د. أمين، خصوصا وأنها قد أسندت المفردة " الغربة " إلى صفة " الروحية " فأجهزت نقديا على أية احتمالات مختلفة أخرى، إذا ما فعلنا ذلك،  سنجد إن السوية العلمية الهادئة والعميقة لأطروحاتها تجعل من هذه الأطروحة وبجدارة المحاولة الأولى عربيا التي شكلت تجاوزا حقيقيا لما ساد الساحة الثقافية العربية من وجهات نظر اتهامية وسطحية تحتج بالقشور والحيثيات المعزولة عن سياقاتها بل والمحرفة أو الملفقة لأغراض خاصة. وهي، بهذا المعنى تُسَجَل كأول محاولة نقدية تعتمد منهجية منتِجة ودقيقة لتكريس وإثبات الافتراضات النظرية والمقدمات التي انطلقت منها على العكس من الكثير من المقالات والنصوص الإنشائية الخطابية المهجوسة بالسياسي والتحريضي أكثر مما هي مشغولة ومشتغلة بالبحث عن الحقيقية ومقاربتها علميا. ومع ذلك، ظل كتاب د. بديعة أمين، رغم أهميته النقدية الفائقة، وما أثاره حين صدوره من أصداء، أشبه بجزيرة غنية غمرتها رمال الزمان وصار حريا تقديم قراءة جديدة له وإطلاق قراءات شقيقة له في ميدانه، أو في ميادين قريبة أخرى وليس الاكتفاء به كما يدعو البعض وجعله كتابا مُنزلا لا يأتيه الباطل من خلفه أو من بين يديه فهو الأول والأخير وما بينهما، الأمر الذي لا نظن بأن المؤلفة ذات العقلية النقدية والقدرة التحليلية الفائقة توافق عليه أو تقبل به.

مقالة مهمة أخرى يمكن التعرض لها وهي بقلم الناقد أكرم الشيخ مهدي مقلد والتي على الرغم من المقدمات الصحيحة التي تنطلق منها، والعرض النقدي المفعم بالحيوية الذي تقدمه، لا تنجو من الاستسلام المجاني للقناعات البرودية - نسبة إلى ماكس برود - الزائفة والسائدة بفعل مجموعة من الأسباب سلف التطرق لها ومن تلك القناعات اعتقاده بأن كافكا كان ضد نشر إبداعاته الأدبية بل هو يصدق دون فحص أو تمحيص أكذوبة برود القائلة بأنه طلب من هذا الأخير قبل وفاته إحراق جميع مؤلفاته، فناقدنا كتب بنوع من الاستسلام والتصديق اللذين لا علاقة لهما بأية منهجية نقدية قائلا (لم يكن راغباً حتى في نشر قصة ولكن صديقه(ماكس برود)كان يدفعه لذلك دفعاً. وينشر في حياته قصصاً لا تتعدى السبعة في مجلات مختلفة. وكانت وصيته لصديقه (ماكس برود) هي ان يحرق كل ما كتبه. ولقد وقف ماكس حائراً ثم قرر في النهاية ان ينشر جميع قصص كافكا وفاءً لذكراه، ولم تمض على وفاته سوى أعوام قليلة حتى، كانت قصصه منتشرة في ألمانيا ثم في أوربا الوسطى إلى أوربا الغربية، وتلقاها الفرنسيون والانكليز بترحاب كبير).

لا ندري كيف نفسر هذه الثقة التي يطلق بها الكاتب هذه الأحكام والتفاصيل القصصية حتى لكأنه يستعرض لنا شريطا سينمائيا وثائقيا عن حياة كافكا، أو أنه كان صديقا شخصيا لكافكا وبرود وعاش معهما أو قريبا منهما فعرف تفاصيل التفاصيل المتعلقة بعلاقتهما. لقد سبق وتوقفنا عند أكذوبة وصية كافكا لبرود بإحراق مؤلفاته الإبداعية، وخلصنا إلى القول بأنه ظل ينقح أعماله ويتلف ما يعتقد انه ضعيف وناقص ولا مستقبل له، ويعتني بأعماله الرئيسية والمهمة بعكس ما قاله ماكس برود بعد وفاته. هذه المعلومات والمعطيات موثقة ومؤكدة سواء في يومياته أو في مذكرات من عرفوه وعاصروه - خصوصا من صديقاته النساء- على قلتهم أو في مخطوطات أعماله المنشورة وغير المنشورة، أما ما يتعلق بنفي طلبه تدمير وإحراق كل منجزاته الروائية والقصصية فهو أمر يمكن استنتاجه بسهولة كما تقدم.  ومما يعطي صدقية إضافية لما قلناه هو أن الصيغة التي قالها كافكا لبرود بحسب إحدى أشهر الروايات التي يذكرها الكاتب العراقي فاروق يوسف[7] في مقالة تعاني من مبالغات جمة  هي الأخرى في استسهال تصديق افتراءات وتزويرات ماكس برود ورد فيها قوله (احرق هذه الخربشات)، و يمكننا أن نفهم بيسر  أن المقصود بعبارة "هذه الخربشات" تحديدا هي الأعمال الضعيفة وغير الناضجة وغير المكتملة من وجهة نظر مؤلفها وإلا لورد الطلب بصيغة أخرى كان يقول " احرق كل شيء" أو "اتلف جميع مؤلفاتي " ثم  لماذا لم يكتب كافكا رسالة مهمة يبرر فيها طلبه لهذا الانتحار الأدبي الشامل والذي جاء على شكل طلب بإبادة جميع مؤلفاته من قبل ماكس برود ؟ولماذا لم نقرأ له تلميحا مهما كان ضئيلا وباهتا إلى أنه قد يفكر بارتكاب هذه الفعلة - إحراق كتاباته - في يوما ما قبل مرضه؟ ولماذا لم يُقْدِم هو ذاته على هذه الفعلة ويحرق كتبه بنفسه وهو الذي لم يعجز بدنيا عن القيام بذلك خلال فترة مرضه الأخير إذا كان مقتنعا به شديد الاقتناع؟ أما قول مقلد (لقد كانت محنة كافكا في الحياة نعمة على الأدب العالمي فمن خلال ألم ومعاناة كافكا بصفته إنساناً، أبدع بروائعه الخالدة والتي أغنت الأدب العالمي، فقد التجأ إلى الكتابة ليهرب من جحيم الآخرين. في دنيا لم يحبها ولم يعرف لماذا وجد فيها.) فهو قول ينطوي على شيء من الصحة إذا وضع في سياقه الطبيعي، سياق حياة أديب شاب سوي ومبدع ابتلى بمرض خطير، وإذا اعتبرنا ان إصابته بذلك المرض الخطير، الذي سمم حياته وعلاقاته العائلية والغرامية المضطربة، كانت سببا في تعميق إحساسه بالألم المأساوي الأمر الذي عمق من تجربته الأدبية الإبداعية. أما التمادي في هذه الحيثية وبناء الكثير من الخرافات والاستنتاجات الخارقة على أساسها، كما يفعل الكثيرون، والسير على هدى مبالغات ماكس برود وصولا إلى مسخ كافكا وتحويله إلى شخص عصابي وعدواني، ظلامي وسوداوي يكره الحياة ويعادي الناس والمجتمع فهي تتحول دون شك إلى مجرد هذيانات بولغ في التعبير عنها بقصد ونوايا سيئة لا تمت بصلة لكافكا الحقيقي الإنسان المبدع والمحب للحياة إلى درجة الشراهة والوله .[8]

نختم ها الفصل بالتوقف عند شهادة خفيفة الظل، قد لا نجد فيها ما هو مفيد وعميق على الصعيد المنهجي، ولكنها قد تعطينا انطباعا معينا وواضحا عن طريقة تقييم كافكا من قبل بعض الكتاب العرب. هذه الشهادة هي  للروائي المصري جمال الغيطاني حول أدب كافكا فهذا الروائي الذي تميز بأسلوب خاص في الكتابة الروائية كتب بمناسبة إصدار عدد خاص بأدب كافكا من مجلة "أخبار الأدب" المصرية ما يلي  ( ما زلت أذكر انبهاري الشديد عندما اكتشفت فرانتس كافكا في الستينيات من القرن الماضي، أنا مدين للدكتور مصطفى ماهر بتعرفي على عالم هذا المبدع العظيم والذي أعتبره إحدى العلامات الأساسية في الفن الروائي المعبّر عن الوضع الإنساني تجاه الوجود المحدود واللامحدود..)[9] ويبدي الغيطاني انتباهة خاصة وشديدة الجِدة حين يدقق في نوعية وخصوصية أدب كافكا حين يجمع بين غرائبية وكابوسية هذا الأدب وبين ألفته فيقول (رغم غرابة عالمه وكابوسيته يبدو مألوفاً، وكأننا جزء منه. يستيقظ بطل المسخ ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة ضخمة، ورغم غرابة التحول إلا أن هذا يبدو منطقياً في إطار العمل الفني، بل إننا من خلال التفاصيل الدقيقة الواقعية التي يوردها المؤلف ولكن في بنية مغايرة للمألوف يشعر كل منا أنه تلك الحشرة. التفاصيل شديدة الواقعية، إنها مفردات واقعنا، غير أنها مصاغة في سياق مغاير يخلق واقعاً خاصاً، غريباً، لكنه جد مألوف لنا، شيئاً فشيئاً نشعر أننا جزء من هذا العالم.) ويسجل الغيطاني انه استطاع بمساعدة الدراسات الأجنبية حول أدب كافكا من وضع يده على سر وخصوصية التكنيك الكتابي وطبيعة ووظيفة اللغة عند كافكا فيقول (عندما قرأت "القضية" و"القصر"، أدركت خصوصية اللغة عند كافكا، وعندما قرأت الدراسات الأجنبية عنه فهمت بالتفصيل ما أدركته في مجمله. إنها لغة مباشرة، في صفاء البلّور كما يصفها رونالد جراي في كتابه عن كافكا) ولكن الغيطاني ورغم هذه الحدسية النقدية الإيجابية لم يكن في منجى من خيوط عناكب ماكس برود فيكرر مع الزاعمين ما صار في عداد "البديهيات " وهو ليس إلا افتراءات وذلك حين يكتب (وقرب نهاية حياته القصيرة طلب من صديقه ماكس برود أن يحرق كل ما كتب. موقف يذكرنا بما أقدم عليه أبو حيان التوحيدي عندما أحرق بنفسه ما كتب. غير أن ماكس برود حافظ على الأعمال ولم يحرقها، وبذلك أنقذ تراثاً إنسانياً رائعاً كان ممكناً أن يفنى.) ولسنا مضطرين لتكرار ما قلناه قبل قليل في صدد تفنيد هذه الخرافة البرودوية ولكن الغيطاني يختتم شهادته بالكلمات العبرة التالية (إنني أعتبر كافكا واحداً من أعظم المبدعين في تاريخ الإنسانية، ولا يعنيني من يهوديته إلا أبعادها الثقافية كما ظهرت عنده، ولا أتفق مع الآراء القائلة بصهيونيته. أفق كافكا ورؤيته وإبداعه أشمل بكثير، إنه كوني الموقف بكل المعاني.) ورغم الطابع البلاغي والمناسباتي  لهذه الكلمات  في مقالة خفيفة ولكنها- تلك المقالة- تحوي قدرا ملحوظا مما صار واقعا ناميا باستمرار ومعاكسا للطريقة التي كان ينظر بها لكافكا وأدبه والتي كانت في عداد البديهيات غير القابلة للمراجعة أو النقاش أو التساؤل مع أنها أبعد ما تكون عن ذلك، فأن تذكر أو تتذكر كافكا فأنت مدفوع للكلام عن كافكا الذي حاول أن ينتحر أدبيا ولكن صديقه " الطيب " أنقذه ورفض تنفيذ وصيته..وأصبحنا نذكر ونتذكر كافكا الآخر كافكا المستعاد من نمطية مفتعلة وذات أغراض لا علاقة لها بالإبداع الأدبي والفني بل هي ليست من نسيجه.

 

علاء اللامي

.................................

[1] - مجلة الثقافة العربية، من نسختها على النت عدد 110 ومواقع أخرى  .

[2] - الطريف، وهي طرافة قد تشي بالأسى وتثير التساؤل هنا هو أن المبرِئين لكافكا من تهمة الصهيونية هم في أغلبهم غربيون، أما المتهمون المتشبثون بتلك التهمة، والتي اخترعها الصهاينة، هم وفي أغلبهم من العرب. باختصار: الصهاينة يخبئون وثائق كافكا التي تبرئه ونقاد عرب ينبشونها ويفسرونها في مصلحة الصهيونية. شيء طريف ولكنه محزن وسببه كالمعتاد: سيادة عمى الألوان النقدي والأدبي في الساحة العربية وتغلب الخطابة الطنانة والبلاغة الفارغة على إعمال العقل النقدي.

[3] - عاصي جاسم " بديعة أمين..... رحلة النص بين الجمال والفكر " عن مجلة الثقافة الجديدة العراقية .

[4] - فضلنا كتابة الاسم الأول لكافكا بالزاي كما يلفظ في اللغة العربية " فرانز " ولكننا أبقينا عليه كما هو حين يرد بالصيغة الألمانية " فرانتس" في الاقتباسات عن الآخرين للأمانة في النقل .

[5] - بديعة أمين، هل ينبغي إحراق كافكا ؟ دار المهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بدون تاريخ

[6] - الأنطولوجيا: هيّ المبحث الفلسفي الذي ينظر ويختص في "الوجود من حيث هو موجود" على حدّ عبارة أرسطو. و عليه فإنّ الأنطولوجيا هيّ دراسة الأشياء في ذاتها أي من حيث وجودها الفعلي . وحين نتحدّث عن قسمة أنطولوجيّة أي عن الفرق الذي يميز بين نوعين من الموجودات أو أكثر كالقسمة الأفلاطونيّة بين عالم المُثل " جمع مثال أي القيم جمع قيمة " والعالم المحسوس، فهي قسمة أنطولوجيّة باعتبار أنّ وجود الُمثل ليس من نفس قبيل وجود المحسوسات. ويمكن أن نقابل بين المبحث الأنطولوجي والمبحث الإبستمولوجي الذي يتٌخذ من المعرفة موضوعا له ويمكن أن يتعلٌق الأمر بالمعرفة بوجه عام، أو بالمعرفة العلميٌ بوجه خاص. ويمكن أن نميٌز بين المبحث الأنطولوجي أي ذاك الذي يتناول الأشياء من حيث وجودها، مثل أن نقول " العقل جوهر بسيط مفارق". والمبحث الإبستمولوجي وهو الذي يختصٌ بدراسة المعرفة مثل أن نقول العقل هو ملكة إدراك الأفكار المجرٌدة. والإبستمولوجيا هيٌ لفظ مكوٌن من لفظين يونانيٌين "إبستمي" :  أي المعرفة والعلم. و"لوقوس" : أي البحث والدّراسة.

[7] -. فاروق يوسف "القدس العربي" (لندن)، 10/7/2005

[8] - مرور سريع وخلود دائم في عالم القصة / أكرم الشيخ مهدي مقلد /جريدة  "الجريدة " / العراقية7 آب 2009 / على النت

[9] - جمال الغيطاني "أخبار الأدب" (القاهرة)، 5/7/2005

 

 

صادق السامرائيأعرفه ثقافيا وفكريا، وأتعلم من قراءاته النقدية  للنصوص التي يغوص في فحواها، ويكشف عن رمزياتها الكامنة في الكلمات والعبارات وما تخفيه من دلالات.

ومن وجهة نظر نفسية بحتة، فأن هذه القابلية تنمّ عن موهبة جديرة بالنماء والتطور والعطاء الوفير، لتنير دروب الأقلام فوق السطور.

وكأننا أمام ظاهرة نقدية أصيلة لديها طاقة لسبر أغوار النصوص والوصول إلى جذر أفكارها ومنطلقاتها، وهذه القابلية تتوطن الذين يمتلكون عدة الغوص في بحار الكلمات ومحيطات العبارت، وفضاءات الأفكار الصدّاحة.

وعندما يسلط منظاره النقدي على النَص، يمنحه عناصر جديدة للحياة، ورؤية جليه لذاته، ومراجعة كينونته بمفرداتها المتنوعة، وبهذا يساهم في تنمية قدرات كاتبه، ويقدم له صورة إرتقائية ومحسِّنة لأسلوبه ومطوِّرة لأدواته التعبيرية، فتحسب ما تقرأه إبداعا مضافا على إبداع.

وتتميز كتاباته النقدية بالجرأة والموضوعية والأسلوبية المؤثرة، فهذه التفاعلية التنويرية تحرك تيارات الثقافة، وتعيد أمواج الفكر والمعرفة إلى مجاريها الدفاقة في أنهار العصر المتصاخب الإبداع.

على مدى سنوات لم أنتفع من القراءات النقدية لبعض ما أنشره من نصوص، لكني عندما أخذتُ أقرأ له، وجدتني أمام مدرسة نقدية تمنح النَص قيمته الحقيقية، وترشد كاتبه إلى مواطن الضعف والقوة وما هو أفضل.

فالساحة الثقافية تتشوق للنشاطات النقدية الجادة الرصينة التي تضع النقاط على الحروف، وتؤجج الإبداع وتطلق ما فيه من جواهر الأفكار، وجمان المكنونات التعبيرية القادرة على صناعة حاضر أزهى ومستقبل أجمل.

فالثقافة بأصنافها لا قيمة لها إذا ركدت حركة النقد، والواقع الثقافي يشير إلى أن الحركة النقدية قد خمدت منذ عقود، وأصاب المبدعين اليأس والقنوط، وفقدت إبداعاتهم دورها وتأثيرها، بل أن الكلمة أضاعت رسالتها، لكن إنطلاق الإرادة النقدية الجادة الناشطة متمثلة بما يقدمه الأستاذ جمعة عبد الله من أمثلة متواصلة، أعادت الأمل والروح للثقافة.

قد يرى بعض الأخوة غير ما أرى، لكن الكتابات النقدية التي تُشعرك بأنها قادرة على تنمية الوعي وتطوير الإبداع نادرة، وما أجده في كتاباته يختلف تماما عمّا أقرأه لمن يتصدى لبعض النصوص، فأكثر الكتابات النقدية تميل للمجاملة والمديح ولا تقدم ما هو جدير بالإنتفاع.

فالنقد بحاجة لجرأة وإقدام وموضوعية، ولرؤية أو نظرية ذات مرتكزات معرفية للتفاعل الخلاق مع النصوص.

فهل ستنطلق في ربوعنا تيارات نقدية تعيد للإبداع مكانته وهيبته الحضارية؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

علاء اللاميالناقد والمترجم العراقي جودت هوشيار، والذي كان واحدا ممن ساهموا في ترجمات أعمال كافكا في السبعينات من القرن الماضي كما يذكر، نشر مقالة حول رسائل كافكا الأخيرة[1] ورد فيها العديد من الآراء واللمحات الصحيحة ضمن توجه نقدي مفارق للتوجه السائد في الساحة الثقافية العربية، رغم أنها لا تخلو من الهنات الجدانوفية التي تنظر بكثير من التبسيط والتسطيح لموضوعة الاغتراب الإنساني في المجتمع الرأسمالي مما هو مكرور في الكتابات الستالينية التي كانت سائدة في فترة خلت ومن ذلك قوله (أن كافكا، ومهما كان الموضوع الذي يكتب عنه، فأنه في حقيقة الأمر يتحدث إلى نفسه وعلاقته بالواقع الاجتماعي الذي كان يعيش فيه، والشيء الذي لم يكن يعبر عنه حتى النهاية في رواياته وقصصه نجده في مسودات مؤلفاته وفى ويومياته ورسائله، فقد كان المحور الوحيد الذي تدور حوله أفكاره وأحاسيسه هو المصير المأساوي للكاتب نفسه بكل ما فيه من معاناة وتوتر نفسي وعذاب وألم. وهذا المصير هو الذي يوحد على نحو متكامل كل ما يسرده الكاتب في موضوع واحد كبير هو اغتراب الإنسان في مجتمع يعج بالمتناقضات والمفارقات الحياتية. لم يكن اغتراب كافكا اغترابا طبقيا" حسب المفهوم الماركسي أي اغتراب العامل عن قوى الإنتاج ووسائله وعلاقاته بسبب عدم حصوله إلا على جزء هامشي من ثمار عمله وجهده ذلك لأن الأغتراب الكافكوي اغتراب روحي عميق الغور لا يفارقه إلا في بعض اللحظات القصيرة البهيجة وكانت مثل هذه اللحظات نادرة في حياة كافكا ...) فالقراءة الأولى لهذه الفقرة تعطي الانطباع بأنها صحيحة لأنها تفرِّق بين اغتراب خاص " روحي وعميق " يعاني منه كافكا واغتراب آخر فلنسمه عاما، ويسميه هوشيار " اغترابا طبقيا " يعاني منه الآخرون أي العمال المغتربون عن قوى وعلاقات ووسائل الإنتاج. نحن ممن يعتقدون، أن اغترابا طبقيا كهذا الذي يتحدث عنه جودت هوشيار لا وجود له في الواقع الحياتي، ولم يتكلم عنه وبهذه الطريقة والمصطلحات لا ماركس ولا الماركسيون الرواد بل هو من منتوجات الماكنة الأيديولوجية الستالينية التي أسس لها جدانوف وزملاؤه بعد ان هزموا القيادات الماركسية النقدية دخل الحزب البلشفي من أمثال ليون تروتسكي وبوخارين وزينوفيف وغيره. فالاغتراب هو واحد من حيث النوع، مع ضرورة التفريق بينه وبين الغربة التي تأخذ منحى مكانيا وجغرافيا وليس روحيا كالاغتراب، ولكنه قد يختلف من حيث العمق ويمكن إيجاز تعريفه بأنه: شعور إنساني روحي عميق بالانفصام والاختلاف والتنافر بين الذات والموضع ، بين الأنا والمحيط ، إنه شعور عارم بالغربة عن النفس والعالم، تتحول الذات الإنسانية  المفردة بسببه إلى مجرد شيء لا عمق ولا قيمة له في مجتمع استهلاكي أفقي ومسطح، أو مجرد رقم في سلسلة معقدة من المعادلات الخالية من المعنى والفحوى والهدف.

 ومع ذلك، بوسعنا تسجيل حقيقة أن الكاتب يبتعد من الناحية التطبيقية عن هذا الفهم السطحي لموضوعة الاغتراب حين يحاول في موضع آخر أن يعطيها عمقا مختلفا نوعيا ومقتربا بشكل من الأشكال من ذلك الذي قاربناه قبل قليل حين يكتب (لم يستطع كافكا قط أن ينسجم مع مجتمع مشوه تسوده العلاقات اللاإنسانية، لأن سريرته النقية واعتزازه بالقيم الأخلاقية والكرامة الإنسانية وأمور أخرى كثيرة كانت ترغمه على الابتعاد عن الوسط الفاسد الذي كان يحيط به وتخلق نوعا من الانفصام الروحي بينه وبين الآخرين. كان البيروقراطيون يقولون عنه، أنه إنسان " غير طبيعي "، ولكن كافكا علق على هذا الزعم الباطل بسخريته اللاذعة قائلا: أن تكون إنسانا (غير طبيعي) ليس أسوأ ما في الحياة لأن الناس يعتبرون الحرب العالمية أمرا" طبيعيا"...)!

والعبارة الأخيرة لكافكا تحتوي على نوع من الطرافة والفكاهة الكثيفة، على ما فيها من إدانة واضحة وصريحة للحروب التي كان الغرب يُغْرِق فيها العالم بين الحين والآخر، قبل أن يستقر منذ نصف قرن على نوع جديد من " السلام الأناني " حيث نجح في تصدير حروبه إلى العالم الأدنى " غير الأوروبي والأمريكي " لينشغل هو ببناء " مدنيته الاستهلاكية البلهاء ويصونها من الدمار والتخريب ويجني المزيد من الأرباح عن طريق صناعة وتجارة الأسلحة الفتاكة من جميع الأنواع.

 يمر الكاتب على اتهام كافكا بالصهيونية فيعلق بالقول (كانت اللغة عند كافكا وسيلة تعبير عن النفس في المقام الأول، ولم تستهوه قط الأفكار الدينية أو القومية الضيقة، وكان يتجاهل أي مسعى من هذا القبيل مهما كان مصدره، على النقيض من مزاعم بعض النقاد العرب ومحاولتهم إلصاق تهمة الصهيونية بكافكا زورا و بهتانا، و نتيجة للتأويل الخاطئ المتعمد لبعض قصصه مما يدل دلالة قاطعة على انحيازهم الفاضح و مدى سذاجة أفكارهم المسبقة وعدم استيعابهم لأدب كافكا وعجزهم عن فهم عالمه الروحي...) ونحن هنا بإزاء حكم معياري عجول وعموميات هائمة تخلو  من التعليلات الكافية رغم أن ظاهرها صحيح ومتساوق كخلاصة مع الاتجاه المنهجي الذي ندعو إلى تبنيه في التعرف على عالم كافكا ولكن خلاصات من هذا النوع يمكن اعتبارها تسجيل شهادات حول الموضوع لا أكثر. والحق فإن الكاتب وعد بوقفة أطول قال بأنه قد يقوم بها مستقبلا ولا ندري إن كان وفى بوعده وأين أم لا. أما استعراضه لرسائل كافكا الذي خص له مقالته هذه فهو رغم انسجامه ودقته لا يأتي بجديد يمكن أن نضيفه إلى القراءات الأخرى المحايدة لتلك الرسائل.

يحاول الناقد جودت السعد في مقالته "رموز تحت الرحى"[2] أن يسلط أضواء أخرى، ومن زوايا مختلفة على شخصية كافكا وأدبه. إنه يبدأ بداية موفقة وعقلانية حين يقدم خلاصة مكثفة لبدايات كافكا الأدبية ولعلاقته باليهود واليهودية موجها وابلا من الأسئلة المهمة والمنتِجة كتوطئة لقراءته التحليلية تلك، محاولا الدمج بين طريقة استقراء النصوص والأحداث والتأويل   والاستنتاج الممنهج. ويسجل الكاتب ملاحظة شخصية مهمة، مفادها أن أغلب المصادر التي قرأها عن كافكا عربية ـ مترجمة إلى العربية ـ أو مترجمة إلى العبرية، وفي كل تلك المصادر يُعتبر – كافكا - إما أنه يهودي أو متعاطف إلى حد التلاصق مع اليهود. ويضيف السعد قائلا : وسواء كان الرجل يهودياً أم لا فقد امتصته الآلة الإعلامية الصهيونية حد الثمالة، وما زالت تلوك بقاياه لعل فيه الحلو أو الرطب. يشرع الكاتب بعد هذه الملاحظة بالحديث عن بدايات كافكا فينقل لنا صورة موثقة وجديدة عنه نعلم منها أن كافكا نشر كتيبا يقع في 23 صفحة لم يبع منه أكثر من 69 نسخة، ولم يستطع تسويق سوى عدد قليل من الكتب في حياته، منها المسخ والمحكمة ومستعمرة العقاب وطبيب ريفي والحكم.

إن هذه المعلومة  تعني- ضمن ما تعني- أن عزلة ومجهولية كافكا في الساحة الأدبية كانتا السبب في عدم انتشار أدبه، وثانيا فقد كان لماكس برود فضل التعريف به وليس تسويقه لأول مرة كما كان يعتقد سابقا، غير ان الثمن الذي دفعه كافكا لقاء انتشاره لاحقا على يَديْ برود كان وبالا عليه وعلى أدبه. يكتب السعد معلومة مهمة أخرى بهذا لخصوص تقول (ارتفعت مبيعات كتب كافكا بعد وفاته بحوالي نصف قرن إلى ملايين النسخ وسجل وكيل أعماله "ماكس برود" دخولاً هائلة وأرباحاً خيالية لم يكن كافكا يحلم بها..)

كما تؤكد المعلومات التي يوردها السعد ما سبق وان أوردناه عن مصادر أخرى أن ماكس برود أعاد نشر أعمال كافكا بشكل اعتباطي  وعلى غير هدى، أو بعد تعديلها وإعادة صياغتها حسبما تقتضيه الظروف الآنية المحيطة.‏إن صورة وشخصية كافكا ومنها (يهوديته) باتت رهناً بالطريقة التي يعرضها أو يطرحها (برود)، ومن هنا تكوّن التناقض في الأحكام أو الوصول إلى نتائج من مقدمات قائمة على مغالطات فكان الاستنتاج من صنف المقدمات وبذلك تداخلت المفاهيم. غير أن سؤالا ملحا يبقى دون إجابة شافية، وهو: لماذا فشل كافكا في تحقيق انتشاره ككاتب بمواصفات نوعية جيدة وجديدة حين كان على قيد الحياة مع أنه بذل جهده في هذا الصدد فطبع ووزع عددا من كتاباته؟ هل يتعلق الأمر بسوء فهم تاريخي لما كتب، لنوع ما كتب؟ أم أن الفشل يعود إلى ضيق الدائرة المتاحة والإمكانيات البسيطة تقنيا التي شرع كافكا في التحرك فيها ومن خلالها؟ وهل يتعلق نجاحه اللاحق بالحملة واسعة النطاق التي قام بها صديقه ماكس برود في فترة تاريخية لاحقة كانت تحبذ وتتناغم مع التوجهات التي حرص هذا الأخير على تروجيها، أو إن شئنا الدقة، أن يروج كافكا على أساس انتسابه المزيف لها؟ يمكن لنا أن نميل إلى التعليلات التي تتضمنها أو تلمح لها  تلك الأسئلة، ولكنها لا تبدو كافية لنا، وقد يصح اعتبار الجهد الهائل الذي بذلة برود من أجل نشر "كافكاه" الخاص فعالا وكبيرا في عملية الانتشار بحد ذاتها، وأيضا في عملية المسخ التي استبطنتها، وأيضا في عملية كشف وتعرية عملية المسخ ذاتها ولكن بعد زمن طويل . لقد كان علينا أن ننتظر سنين طويلة حتى يتم استرجاع كافكا الآخر، كافكا الذي نعده حقيقيا والذي لم يتأثر سلبا أو تنكمش دائرة انتشاره فهو مازال مقروءاً جيدا في عصرنا الحاضر ومركز اهتمام الدراسات والعلوم الإنسانية الحديثة والفعاليات الثقافية العالمية.

ولعل من أهم ما يمكن التوقف عنده من استنتاجات وردت في مقالة السعد هو ذلك القائل بعدم يهودية كافكا أصلا، وأن والده كان مسيحيا أو للدقة: يهوديا متنصرا كالكثيرين من أبناء جيله من أتباع "مندلسون"، الذين يدعون إلى التمسك باليهودية كدين، والانخراط في أطر المجتمعات التي يعيش اليهود فيها.وهذا أمر غاية في الأهمية لم يتوقف عنده الكثيرون. إن الكاتب يخرج بهذا الاستنتاج من خلال تأكيد الناقد الصهيوني (مردخاي شلف) الذي تولى كتابة سيرة حياة كافكا الأكثر تفصيلا وأهمية من بين العديد من السيَّر التي كتبت عنه، على أن هذا الأخير ( يعتبر مواطناً يهوديا، نَهل من المصادر الفكرية اليهودية) ويستنتج الناقد العربي من ذلك - وإن بشيء من المبالغة والمجازفة النقدية-  أن هذا القول لشلف (يؤكد لا يهودية كافكا، فلم يقل عنه "شلف" أنه يهودي بل - قال إنه - يعتبر مواطناً يهودياً نهل من المصادر الفكرية، وحسب نصوص التوراة حتى الكافر الذي يطلع على التوراة يصبح مقدساً مثل أنبياء اليهود. ويضيف شلف لقد بدا كافكا شخصية يهودية، ولم يقل "أنه" كان بالفعل "يهوديا"، ومن المؤكد أن كافكا كتب الكثير لصالح اليهود مما جعلهم يكافئونه بالاحترام والتقدير وإشاعة كتاباته.) ثم يمط السعد هذه الفكرة نحو تخوم أخرى لا يمكن القبول بها دون تمحيص أو تدقيق ، من ذلك قوله أن كافكا كان مشدودا روحيا ومتأثراً بشخصية الملك التوراتي شاؤول، وهو أول ملوك التوراة الذي أفنى عمره يقاتل الفلسطينيين، حاملاً تابوت العهد الذي دمرته سنابك خيول الفلسطينيين في إحدى المعارك، وقد يكون المعجب الحقيقي بالملك شاؤول هو (برود).‏ ولنا أن نعتبر شكوك السعد في أن يكون برود،و هو المعجب والمتأثر بالملك التوراتي شاؤول وليس كافكا،  نوعا من التمحيص الاستدراكي، خصوصا وإن سيرة وكتابات برود تنحو هذا المنحى وتؤكده بما لا يقبل الشك.

يناقش السعد نصا على قدر من الأهمية لكافكا هو المحكمة ، وتتضمن هذه المناقشة معلومات هامة منها أن التشكيك بذمة واستقامة ماكس برود لدرجة الشك في انه زوَّر وحرَّف وعدَّل كتابات كافكا لم يكن حكرا على المدافعين عن كافكا من غير الصهاينة، بل اشتركت فيه صحيفة هاآرتس الصهيونية الأوسع انتشارا في إسرائيل، وتحديدا عند مناقشة المصطلحات التي نسبت لكافكا، كتبت هاآرتس (وضع كافكا مصطلحات "رجل من الكيبوتس" أو رجل من فلسطين" ليبرهن على قدراته في الاقتباس كما استخدم مصطلح "شعب البلاد" بدل "شعب فلسطين" نقلاً عن يديشية[3] الجيتو. وفي يومياته 26 –11 –1911 رسم كافكا صداقاته مع اليهود الغربيين، وكان "القانون" المعبر الذي أوصل "أربعة يدخلون الجنة" إلى مغامرة محسوبة. إن بصمات برود واضحة على كتابات كافكا هذه ...) أما بخصوص مكانة وموضع فلسطين في قلب وكتابات كافكا، فلم يكن مرضيا ولا مُشجِّعا كثيرا لدى الصهاينة، فها هو أحدهم يكتب في هاآرتس (العتاب الذي وجه إلى كافكا من النقاد الصهيونيين أن فلسطين لم تكن حلمه، ولا حلم الكثيرين من اليهود ومثقفيهم كما أنه لم يُشر في كتاباته إلى أرض الميعاد والعودة إليها والتي حددها هيرتزل بوضوح). هذه الفكرة يكررها الناقد العربي ويستنتج منها خلاصة أخرى مهمة وأكثر وضوحا من سابقاتها فهو يقول (تميزت كتابات كافكا بتطابقها، شكلاً ومضموناً مع أسلوب ومصطلحات برود، وهذا ما يظهر جلياً في قصة "سبب الاضطهاد"، ففلسطين لم تكن هدفاً لكافكا، قد يكون لها أهمية وموقع من نفسه، لكنه لم يفكر أن تكون وطناً لـه، والموضوع لا يعدو أكثر من توظيف من قبل برود خدمة لمسيرة الحركة الصهيونية التي تلاقي عنتاً في إيجاد مهاجرين إلى فلسطين. ولأن أعمال كافكا كلها بين يدي برود، وكافكا في عالم الأموات كانت حرية التلاعب بالنصوص سهلة، وذات قيمة مادية كبيرة في كثير من الأحيان.) وإذا كان تدخل برود في أعمال كافكا أمرا شبه محسوم بموجب تحليلات ومعلومات السعد فإن علاقته بأبيه خضعت هي الأخرى للاستقراء والتحليل الذي ينحو منحى نفسيا مسلطا الضوء على تحكم عدد من العقد النفسية كما يعتقد الكاتب بسلوك وتفكير كافكا كعقدة أوديب التي قول بأنه لم يشف منها وظلت تلاحقه كرها بالأب وحبا للأم والذي فسره آخرون كما يعتقد السعد كنوع من الهيام بالأرض الموعودة لتطابق صفاتها مع الحلم الأنثوي تجاه الأم . كما يعرج السعد على عقدة أخرى يتعقد أنها تحكمت بكافكا وهي عقدة " الخصاء اللاشعوري " التي كانت تضغط كوابيسها عليه والتي نجمت من شدة رعبه من والده والتي ( أدركها "ماكس برود" وعرف كنهها وجوهرها، ولما مات كافكا مبكراً وظفها في خدمة التوجه الصهيوني السياسي والأيديولوجي.‏) ولعل أقل ما يقال عن هذه التحليلات الاحتمالية هو أنها تفتقد للدقة والمبررات العلمية الكافية إذ لا يكفي أن يعيش الكاتب أو المبدع أي مبدع كان حالة خلافية أو صراعية مع أبيه أو أمه ليستنتج الناقد أو المؤرخ وكاتب السيرة - من ثم – وجود سلسلة من العقد النفسية التي تشكل مجمل سلوكه وتفكيره وإنتاجه الأدبي وليخرج أخيرا بالحكم الغامض وغير المبرر من الناحية العلمية  التالي (أن المشاعر الدونية – لدى كافكا - هي نفسية بالدرجة الأساس، وفي هذه النقطة يتساوى كافكا مع أي يهودي ) وهكذا يضيع الفرق بين النقد والخليط!

غير أن ما سيلي من استنتاجات يتوصل إليها السعد يعيد لهذه الدراسة النقدية توازنها ويخرجها من المبالغات النفسانية التي مالت إليها، وخصوصا حين يلخص بالكلمات المعبرة التالية نتائج الدور الذي لعبه ماكس برود في حياة وأدب كافكا. إن (ما قام به ماكس برود قد شوّه كافكا وأفقده أصالته وخصوصيته وعبقريته وحولـه إلى دمية قابلة "للقولبة" وتغيير شكلها وأوضاعها، والدمية تكون عادة الانعكاس المعلن لحالة صاحبها. فالشروح والتحليلات والتفسيرات والنشر والتعليقات التي مارسها برود أفقدت العمل الإبداعي أَلَقَهُ وهويته وغدا الأدب والأديب – أي كافكا –ممسحة ينظف بها الأوساخ الصهيونية.‏ عندما أصبح كافكا رجل المبيعات الأول، كان المحتكر الوحيد لأعماله اليهودي الجشع ماكس برود فهو من يبرم العقود مع دور النشر وهو بالتالي من يقبض الريع والمبيعات. من جهة أخرى أدرك برود أن كافكا كاتب نخبة، والنخبة قادرة على قيادة العامة، والحركة الصهيونية إلى ما قبل وعد بلفور كانت ما تزال نخبوية، ومعظم قادتها أدباء لهم حضورهم على الساحة الأدبية والفكرية الأوروبية، فلا غَرو إذا وجد في كافكا ما يخدم فلسفتهم وخططهم المستقبلية سواء أكان يهودياً أم لا وسواء وضع النص أم وُضع النصُ له...) غير أن المساواة الضمنية الواردة في هذه الفقرة بين أن يخدم كافكا النخبة الصهيونية عن طريق نصوص وضعها هو أو وضعت له ونسبت وألصقت به يتضمن ظلما من الناحية المعيارية والأخلاقية لكافكا، خصوصا إذا كان الكلام باتجاه تحميله مسؤولية ما فعله الآخرون باسمه وهو منه براء . أما إذا كان الكلام يتعلق بالحالة الوصفية، التي تتعلق بواقع ما حدث، والتي تذهب إلى أن كافكا، أو للدقة أدبه وما نسب له من نصوص، يكون قد استعمل من قبل الحركة الصهيونية ونخبتها المثقفة فهذا تقرير لواقع الحال لا يمكن نكرانه وهو ما نحاول أن نقيم الدليل على انه حدث فعلا وبالضد من العمق الإنساني لمجمل أدب كافكا والنزوع التحرري المناوئ للقمع والإكراه والقسوة والتغريب الذي يضج به منجزه الأدبي كله.

 

علاء اللامي

...........................

[1] - الحوار الممدن العدد 1254

[2] -  عن موقع اتحاد الكتاب العرب على شبكة النت . awu-dam.net

[3] - اليديشية: لغة خاصة باليهود الأوروبيين " الاشكناز " حين كانوا يعيشون في غيتواتهم " جمع غيتو وهي المعازل " وهي لغة خليط من عدة لغات وليست هي اللغة العبرية القديمة.

 

رياض الناصريتعد تجربة يوسف الخال الشعرية، تجربة إيجابية في جانب مهم من جوانبها إذ تقوم على معرفة (الله والإنسان والوجود)(1)؛ وتصطدم هذه التجربة بخلو الحياة من عنصر الموجودات الأول (الله)، فتظل لاهثة عطشى تبحث عن هذا المفقود الذي هو المطلق والملئ والكامل، والذي تريد النفس الإنسانية أن تتوحد به، لتعلو عن ضعفها المعتاد، وذلك بتثوير كوامن القوة فيها، لتتغلب على عنصر الخطيئة الذي اجترحته منذ بداية وجودها.

هذا الفقدان جعل الأشياء تفقد حيويتها، وعوامل قوتها، جعلها مفازة، مفازة في الزمن والمدن والوجوه والأشياء(2)، وهذا الإحساس بموت الأشياء وفقدانها ذاتيتها، حفز الخال للوقوف ضد هذا الموات، ومحاولة البعث لكوامن القوى في الروح الفردية والجماعية، عن طريق التوحد بالمطلق/الحل الأمثل لأشياء الوجود، ألا وهو(الله)، الغاية النهائية للموجودات. فالإحساس بالانفصال والغربة في هذا الواقع، لم يكن متأتياً من إحساس بالمجهول وفقدان الثقة بالغد، إنما هو إحساس مصدره عاملان: فقدان العوامل الروحية في المجتمع، وطغيان المادة الذي جعل من الأشياء فاقدة لمعناها. هذان العاملان أفرزا عوامل صراع عدّة بينهما، كانت عائقا على طريق الوصول إلى الحل النهائي لمشكلته الوجودية. مما جعل الخال يصرخ ضدها، يصب عليها جام غضبه، ليعطي أشياء الوجود مظهرا فاجعا وإحـساسا بالخـراب. غير أنه يستطيع أن ينتزع نفسه من براثن الخراب، الذي يعم الأرض، لأنه ليس الصفة الوحيدة لها، فالتجدد عن طريق الفداء والتضحية، سيضرجها(3)، والإنسان مهما اشتط في الخراب والموت والتيه مزروع ثانية وممتزج بدم الفداء والتضحية، ولابد من هذا الدم، لأنه علامة الحياة في استمرارها وديمومتها، وعلامة للفرح والاستباق والتخطي، ولأنه سبب المغفرة التي سوف توحدنا بالإله، وتفتح باب العودة، هذه العودة بأوجهها الثلاثة عند الخال: العودة إلى الله، أو التشبه بالمسيح، أو إلوهية الإنسان، وثلاثتها في الواقع واحدة(4)، هذه العودة هي غاية صراع الإنسان مع الموت ومحاولة الانتصار عليه، لاستمرار حياته وديمومتها وتحقيق الخلود الذي هو دافع رئيس للاتحاد بالله أو بالمسيح.

إن تجربة يوسف الخال هذه كانت تحدياً للواقع باتجاهات عدة، ومحاولة الانتصار عليه، وفي بعض حلقاتها كانت ردّة فعل تجاه الأحداث والأشياء، ولم تكن في أي من لحظاتها انسجاما مع الواقع، فهي في أحد أطرها الرئيسة- محاولة الشاعر ليندمج بالآخر(المسيح) - إفصاح عن عدم القدرة الذاتية على التكيف مع الواقع بصورة انفرادية، فيهرب للانضمام إلى أشياء الكون جميعها، ليكونها، وليكون في حالة اتحاد معها، ليعبر عبرها إلى أفق آخر. وبذلك يحقق نوعا من الطمأنينة الداخلية التي تهب القدرة على الاستمرار في الحياة، هذا الموقف يقول عنه الباحث عبد الواسع أحمد الحميري:

"هو موقـف غير مسـوغ من العالم لأن الذات لا تستجيب خـلاله للواقع الاجتماعي أو التاريخي، بل لما فوق الواقع "(5) وهو" موقف سلبي من العالم، لأن الذات تعمل فيه إلى المواجهة  بالفرار،  لا بالفعل أو بالتخطي، هو القفز لا بالاختراق أو الهدم"(6)  ويبدو أن الباحث استند في موقفه هذا أو استنتاجه إلى أحد ركني تجربة يوسف الخال القائمة على:(البئر، والبعث، والله)، فأشاح بوجهه عن دعوة الخال إلى "بعث" كوامن القوى في الذات والمجتمع، وتناسى أو غاب عن ذهنه سيرة الخال النضالية، من أجل الارتقاء بمفردات الثقافة والحياة، في فترة كانت تعج بالظلام وأصوات الموت، واللا انبعاث " إنها حياة اختلال وسديمية، يسودها وضع غير حضاري وغير إنساني لأنها جحيم وكابوس "(7)إذ لم تكن هذه الرؤية (البنية- الجدل) في حلها للاندماج بالمطلق، رؤية ذات منفصمة عن الواقع أو التاريخ، كما يضمها إلى تجربة "أدونيس" و"قاسم حداد" في هذا الباب، ذلك أن للخال القدرة على قلب هذه الأفكار والمواقف إلى "مشاعر" وتحويلها إلى حالات ذهنية تؤرقه وتهز كيانه، وبالتالي تجعلها "موقفاً"، والموقف لا يكون خارج العالم الواقعي والتاريخي أياً كان شكله. وربما أمكننا القول أن الخال أراد أن يجعل من "الله /المسيح" عنصرا موضوعيا في البناء الاجتماعي، وأن يبقى الدين(ذا وظيفة أبدية للروح الإنسانية)، وهي رؤيا نشأت في وجهها الأساس عن تبرم واشمئزاز من العالم:" وإنني أميل ميلا شديدا إلى الاعتقاد بأن الميتافيزيقيا نشأت على تبرمنا بالعالم الذي يحيط بنا، واشمئزازنا من الحياة التجريبية "(8)، إن الروح الميتافيزيقية التي تشيع في شعر يوسف الخال، هي روح كل إنسان يبحث عن القيم الروحية في الحياة. وليست روح المسيحي أو الشاعر فحسب، إنما هي روح الإنسان في صراعه مع الحضارة المبنية على العوامل والأسس المادية وحدها وفي جميع أوجهها.

هذا الإيمان الغيبي عند الخال جعله يفارق آخرين لم يكن عندهم مثل هذا الإيمان "كخليل حاوي مثلا" في رؤياهم للانبعاث الحضاري وأملهم في تحققه، مما حماه من أن يدور في حلقة مفرغة من اللاجدوى والعدمية، التي تجعل الواقع مأساة لا تحتمل(9).

إن يوسف الخال بمحاولته(بعث) الإنسان، و (بهجرته) إلى الله، و(تمجيده) للحرية "كل نظرية وكل عمل لا ينهض على أساس الحرية إنما هو عمل ضد التاريخ، بل خارج التاريخ، قد يصول ويجول حينا من الزمن، لكنه لا يلبث أن يزول"(1.).إذ إن "من لا حرية له لا رأي له". و(انتصاره) للحركة الثورية "إن الصراع الحقيقي ليس صراعا عسكريا، والنصر الحقيقي ليس نصرا في معارك السلاح. الصراع الحقيقي هو صراع العقل والروح، والنصر الحقيقي هو النصر في معارك المعرفة والنور"(11). كان في كل ذلك قد (مزج) الفكر الصوفي بالماركسي بالوجودي، من أجل الإنسان وقضاياه المصيرية، ليحرره من الفساد والنقص والاغتراب، وباحثا له عن الخلود.

-2-

عاش يوسف الخال عملية تغيير فكري في مجال الفن وقضايا الجمال الأدبي، تبعها تغيير إبداعي، لكن ذلك لم يدع للطروحات الأولى، أن تكون مركونة على الرف تماما، فهي تطالعنا بين حين وآخر، في أشد حالات النفس عزلة عن الماضي: فالفكرة الصغيرة اللائحة من قبل قد تطورت وأصبحت عملا فنيا ورؤيا كبيرة، فبذور الديوان الأول(الحرية) أصبحت ثمرا في (البئر المهجورة) و(وحي الأربعين) و(قصائد لاحقة)، فالثيمة الشعرية ذاتها تسود في الدواوين الثلاثة الأخيرة وإن اختلفت شكلا وأسلوبا، لذلك تطالعنا ومنذ البداية ثنائية(الأمل واليأس)، (الإقدام والتراجع)، الإيمان والشك على فترات)؛ هذا التأرجح والقلق يكاد يكون سمة تغطي شعر الخال وحياته .

-3-

وأخيرا يمكننا القول، إن يوسف الخال كما هو إليوت، كان محافظا في الإطار العام لفكره، إذ أن عالمه الداخلي كان محكوما بثقافة فنية حديثة مغروسة بتراث ديني قديم. وهو في المحصلة النهائية يتفق مع(الوجودية المسيحية) التي تتفق مع مقدمات سارتر المطالبة بعمل إيجابي للإرادة! "لكنها تعتقد أن هذا العمل هو مسألة اختيار ديني، ويجب أن تؤدي بالنهاية إلى الله"(12). لقد ظل يوسف الخال الإنسان والمفكر والشاعر، شاعراً ذا فكر جديد على الشعر العربي، وذا إحساس إنساني كبير، كانت تؤرقه قضية الوجود الإنساني ومصيره، آمن بكرامة الإنسان، وبالحق الطبيعي بالحرية، غير أن الضغوط الإيديولوجية التي عاشها الخال، سواء أكانت حياتيه معاصرة مثل تبنيه لقضايا الحداثة، أم عقائدية دينية قديمة، كانت قد أسكتت الشعر عنده في النهاية.

(1)

المفـازة

أكثر من نصف قرن مرَّ ونحن نجتر مرارة المفازة، على الرغم من كل ما تحقق، فما زلنا عند تلك اللحظة التي تصور فيها يوسف الخال حياتنا على أنها "مفازة"، في كل شعابها وصورها، فالتشتت العربي ذاته إن لم يكن قد ازداد، والتفوق الغربي ذاته، و العزلة والتقوقع وفقدان التواصل مع العصر، وعدم التوازن في القضايا الوطنية والعربية والإنسانية. فالهيمنة الاستعمارية بشتى صورها عادت من جديد. ومتى غابت؟ لتقتل كل ما هو حي في روحنا، ولتقلع الجذور من تربتها، ليصبح العرف والتقليد والروح العربية طقوسا ميثولوجية، وتنتشر وجوه جديدة، شكلها يوحي (بالعالمية)، لا صفة لها ولا طعم ولا لون، من بيئتها، من وطنها وتاريخها، من عقائدها وطقوسها وعشقها الرومانسي لها. ولتتخلى عن روحها الصادقة الطاهرة النقية. ها هو الصوت الآمر الناهي، وهاهي الألاعيب السياسية العالمية، تعود ثانية، لقطع أجزاء أخرى من أرواحنا ومن أرضنا و من تاريخنا لتعود:

وجُوهُنا مَفَازةٌ

مَشَتْ عليها قَدَمُ البوَارِ(13)

من جراء هذه التجربة/اللعنة، الضخمة،العاتية العنف، التي تتضاءل دونها تجارب مئات من السنين من تاريخنا. الموت؟ القتل؟ التشريد؟ النسف؟ الجوع؟ أدت في النهاية إلى صرخة الغضب. والكذب الجماعي المتصل بالوهم، الذي ركب شعبا بكامله حقبا طويلة، أنفضح أخيراً منشقا عن وجه خدّدّه الألم، وعرقته أنياب الخيبة، فانطلقت منه صرخة الغضب. لقد جعلنا بعد الجرح والألم بعد أن جوبهنا بالبتر في فلسطين، نكتشف أنفسنا وما حولنا. لنكتشف الغدر الكاذب في العقول والأنامل. ولنتحسس نبضنا الخافت، ونستقصي التمزق في خلايانا، التمزق الذي لا يتبعه النسغ والإلتئام إلا بعد القضاء عليه، لنقتل مفازة الوجوه، مفازة المدن، مفازة الزمن، لنبعث مكانها وجوها ومدنا وزمنا جديدا.(14) إن يوسف الخال لم يصور الجدب من نواح عديدة حسب وإنما صور "هذه النواحي بالرمز التموزي القديم، وهو رمز، كأكثر الرموز الدينية، دائم المعنى آنيّ الخطورة، لأنه مستمد من تجربة الإنسان الأولى للحياة والخوف والإيمان والموت" (15). فشعره بقصائده كلها، يكاد أن يكون قصيدة واحدة، تتنوع عملية اكتشاف الجدب فيها، في النفس الفردية والجماعية:

نحنُ يَا صَاحِبِي، حَنِينٌ إلى المَاضِي

وَتَوْقٌ إلى غدٍ وَصَلاةٍ (16)

لقد جعلنا حاضرُنا نهرب إما إلى الماضي لنجتر ذكريات مجد غابر، أو نجتر أحلاما ترسم لنا صورة مستقبل ضبابي، والخال حين يتحدث عن الماضي السعيد ويحلم دائما بالعودة إليه، فإنما هو تعويض عن قسوة الحاضر، وليقيم صلة زمنية بين لحظات حياته، متوغلا في مفازة  المدن الميتة، بحثا عن حياة الإنسان والنبات، موحداً الاثنين على الطريقة السامية القديمة، مستمدا من تجربة الإنسان الأولى، صورة لتجربة الإنسان المعاصر، في عريه وضياعه ووحشته ووحدته(17):

في الصيفِ تسألُ الجذورُ عن مَصِيرهَا،

والنَهرُ لا يُجِيبُ:

غَصّتْ بِهِ العيونُ في الجّبال أمْ

تَلَقّفَتْهُ في الهَجير ترُبة؟ فمن

يجيب هذه الجذور عن مصيرها؟

يحضنها في زمن الخريف؟ يدفع عنها

قسوة الشتاء يا ترى؟(18)

يستغل الشاعر هنا رمز الشجرة القديم بتنويع موسيقي، شاحنا فيه معاني تجربة اليوم تجربة العطش والخطيئة، التي تشده رغما عنه إلى تجربة الماضي، تجربة الكفر بالأخ والموت في الروح، ومثل هذا (السؤال/المصير) واجهنا من قبل في ديوان "الحرية":

وأمّحت شعلة فساد ظلام

في بلادي، وطأطأ الفكر عيّا،

يحمل القيد في يديه ويمشي

في عبودية الضلال شقيا:

موجة آسيوية راعها النور

فأرخت حجابها البربريا.(19)

يلتقي إنسان يوسف الخال هنا، بإنسان عبد الوهاب البياتي، فكلاهما (يستقرئ الأرض ويمضي باحثا عن الجذور)، وما يسود في شعر الخال من حنين إلى هذا الجذر البعيد، أو إلى عوالم غير مرئية لم يكن أمراً جديداً في الأدب الحديث "لاسيما أن نقاد ثقافتنا منذ روسو وبليك إلى إيمرسون وفوكو، يطلبون، وعبر اللغة التي يستخدمونها ذاتها، التضحية بالوجود الحالي، من أجل رؤية مستقبل محتمل تم تصميمه استنادا إلى صورة ماضي ما، قد صور دنيويا وجماليا من ماضي ديني وأسطوري(2.) ذلك أن الوحشة العميقة التي يتصف بها الوجود جعلت الإنسان يتخبط بصورة عشوائية فيها، مضروبة عليه عزلة رهيبة، وهو يواجه فقدان الأشياء لمعانيها وروحيتها، فيظل يمشي بخطى وئيدة حائرا نافرا من كل شيء، باحثا عن قربان التضحية والفداء،عن طريق يخرجه من لا نهائية الأشياء إلى نقطة البدء، حيث يمكن أن يكون للمسيرة اتجاه وهدف، فإن:

الورق الذي يهر جسد

والسر في الجذور،

وفي الجذور أمسنا

وفي الجذور غدنا،

هنا الثمار بلح، وهناك

عنب يعصره السقاة خمرة،

وحيث يكثر الجراد لا ثمار بل حصى،

وعبثا نصيح: نحن كالرياح

حرة تجىء من مكانها وحرة تروح.

فنحن يا رفيقي الغـريب نعمر الثرى.(21)

فالفكرة الدينية القائلة بأننا من تراب تندمج هنا برمز التراب، كبيت رحم، وبرمزه الآخر ككفن، فتصبح الأرض "الولادة والموت والولادة من جديد". " وحدها البقاء "(22):

لنا التراب بيت رحم وكفن،

وفي التراب نهبط الجذور صعدا،

فالأرض مولد وحصاد.(23)

وهذا البقاء يتمثل في قدم الإنسان( فهي من التراب)، التي هي (هياكل ومدن)، والتي يهرب الفضاء من حولها، لأنها في حركة دائمة.إنها القدم المغروزة في التراب مع الجذور: الماضي والمستقبل:

هنا هنا على التراب جبهتي

وفي التراب قدمي،

وقدمي هياكلٌ ومدن

ودمعة هي الفرات تارة

وهي البحار تارة

وقدمي دم وقبلة

وقدمي صلاة،

رباه دعني ههنا

رباه دعني ههنا لديك، دعني

ههنا على التراب: هذا الكوكب

الذي صنعت آخر:

زنابق الحقول لا تريده

ولا الخراف في حظيرتي تريده

ولا أنا أريده،

وأنت يا من شئتني

من التراب لا تريده.(24)

إن محاولة دمج الماضي الإلهي والإنساني، بالحاضر الإلهي والإنساني، كانت تمثل بالنسبة للخال، هدفا يبغي من خلاله إلى حل التضاد بين الماضي البريء والحاضر الآثم، وإيجاد نوع من الوفاق الأبدي بينهما، عبر شبكة الشعر، بصهرهما ببوتقة واحدة. وبذلك يكون يوسف الخال شاعرا شموليا للماضي والحاضر، للدين أو الإله، وللإنسان والتجربة الإنسانية، وهذا يفسر لنا ما يظهر عنده من تأرجح بين الحلم والواقع، ويضفي على "الدين" أو "الله" صفة "اللازمنية"، ليلتقي مع الفن العظيم الذي هو كل فن "لازمني" أي الذي يصح لكل زمان ومكان، فتتحقق عبر ذلك الوحدة بين "الله" و "الفن" بأعلى صورها. " لنتاجنا الشعري في هذه المرحلة التاريخية، بعد خاص، يجب أن نعيره وعيا خاصا. إنه البعد التاريخي؟ البعد الذي يفرز ويحدد، البعد الذي يقطع ويحسم،من هنا، يجب أن يكون الإعجاب بشعرنا المعاصر، إعجاب تساؤل ودهشة، لا سرور و رضىً، وإعجاب قلق وتطلع لا طمأنينة وراحة " (25). فالأرض والمياه هما تموز الذي هو أكثر الرموز الدينية القديمة استعمالا في الشعر العربي الحديث، وهو الرمز الذي لا يطبق على الإنسان مصاريع اليأس و الظلمة، بل يفتح له في آخر رواق العذاب والألم، باب النجاة، فالأرض الخراب يأتيها الدم أخيرا ليبعث القمح والعنب، والتراب الذي هو "كفن" هو أيضا "بيت رحم" فالأرض ليست مقبرة الأحياء في النهاية بل هي "مولد وحصاد" (26). و"تموز" هو المسيح (الإله الميت - الحي)، والمسيح وهو الأنموذج للعذاب الإنساني ومنبع للخلاص، هو الإنسان المعاصر، هذه المعادلة الرمزية هي الأساس في كل قصيدة تقريبا، ولكن كل قصيدة تجربة لكل مقطع من هذه المعادلة الأساسية.(27)

عرفت إبراهيم، جاري العزيز، من زمان.

عرفته بئرا يفيض ماؤها

وسائر البشر

تمر لا تشرب منها، لا ولا

ترمي بها، ترمي بها حجراً .(28)

فإبراهيم هو الإنسان مصدر الخصب، أو الله الذي هجره الإنسان فعادت حياته جرداء لا تشرب الماء، ولا ترمي به ولو حجرا. إنه يجسد الآن الألم بقدر ما يجسد اللذة، ويجعل من كليهما مشكلة دينية بالمعنى الفلسفي الأعمق، نجد فيها رمزا لمعاناة الشاعر وأبناء جيله، بنكبتهم المريعة، وأملهم الكبير:

يقول إبراهيم في وريقة

مخضوبة بدمه الطليل، ترى يحول الغدير سيره كأن

تبرعم الغصون في الخريف أو ينعقد الثمر،

ويطلع النبات في الحجر؟.(29)

غير أن هذا الأمل الكبير، يصده تيه الإنسان في المفازة/الخطيئة التي تمنع أوراق جروح الشاعر أن تندمل، ليبقى على الرعب والذل والظمأ والموت، كما في "الحوار الأزلي" (3.):

وفي دربي

تماسيح وأشباه تماسيح،

وبوم ملأ الدار، وغربان،

وغيم أسود ينذر بالطوفان، بالموت

على قارعة الدرب: عظام يبست

في الذل، وفي الوحدة، في الآن.

وهذا الزاحف العاري أ إنسان؟

أ إنسان على شاكلة الله؟

أراه قُدّ من لحم الشياطين،

أراه ذبح التنين في الغاب وأجرى

دمه في الأرض يروي

غلة الظامئ للفتح، لكونِ

يبدأ البدأ به بعد

**

عروق لم تعد

تنبض بالحب أو البغض،

لسان ناطق إلا

بما كان له النطق

وعقل تاه في الدربِ، ولا دربُ.(31)

هذه العروق التي لم تعد تنبض بالحب، وهذا الإحساس العنيف بالعطش، بضرورة استجابة النهر/الله، جزء من الصلاة الحزينة مرة، والغاضبة مرة، التـي تتخلل شـعر يوسف الخال كله.(32) وهذا العطش، رمز الجدب الأول، يتحول بشكل سحري إلى أشكال عديدة من الم الإنسان الصارخ إلى السماء، المتوجه في النهاية إلى الله.(33)

"هو ذا الريحُ تعريني، تعري

جسدي، تلهب روحي.

وصراخي بح في الغربة. آه،

..... وأطفالي

حفاة فوق جفني."(34)

هذا الصراخ كان ضد عوائق الطريق التي تحول دون الوصول إلى الحقيقة ومعانقتها، فالحقيقة موجودة قبل البحث عنها، وقبل السير للالتقاء بها، وقد رآها الشاعر ليس على المستوى الذاتي فحسب بل في العالم الخارجي أيضا، لكن ما أن يبدأ سيره نحوها حتى يصرخ مذهولا مسمّرا: "ما أحرج الطريق"، فالوجود حولنا ملىء وفارغ، حاضر وغائب في آن واحد، إنه يلفنا بحضوره الغامر، لحظة يرمينا في هوّة الغياب(35):

رجلاي في الفضاء والفضاء هارب،

وليس لي جناح.

الشمس لا تدفئني،

ولا تغطي جسدي الرياح.(36)

والشعور هنا في شعر الشاعر بدل أن يأتي ويذهب في عالم الداخل أو الذات، يؤثر أن يأتي في عالم الخارج، فلم يكن حواره داخليا موجها إلى ذاته، فلا نكاد نجد إسقاطات المفازة داخل هذه الذات، لتصطرع وتتصادم وتفرز إحساساتها الخاصة، بل كان الحوار دائما مع الوجود وأشيائه، فهو في العموم خطاب إلى الآخر، لقد كان الخال يشق غبار ذاته على استحياء، لذلك ندرت القصائد التي  تعبر عن مخزونه الذاتي، ورغباته وشهواته بصورة مباشرة "والذي اعتقده أن غياب هذا الأثر الشخصي، هو الذي جعل بعض القصائد تبدو جافة لا حرارة فيها، ضعيفة الإيحاء، إذ اقتصرت على حمل أفكار ومواقف الشاعر من المشاكل الإنسانية الخالدة"(37) بيد أن الخطاب للآخر كان ينطوي في الأغلب على أحاسيس ومشاعر مستترة، متغلغلة مع الفكر، ترتدي ثيابا فكرية، غير أن أحاسيسها المشتركة تنبض نبضة واحدة، ففي الشعر الحديث "تنشط الأحاسيس والفكر جنبا إلى جنب، يتشابكان، ولا يستطيع الشاعر أن يميز بينهما، فيضطر إلى إبراز شكلهما الموحد، في لحظة من الإشراقة الخلاقة. ربما نعتقد في هـذه الحالة أن أفـكار الشاعر، تتقمص وضعا مجازيا، غير أن هذا يؤدي إلى إساءة فهمه. الحقيقة هي أن مشاعره تتغلغل في داخل أفكاره، إلى حد يشكل الإنسان فيه كلا واحدا "(38). فما يعطي شعر يوسف الخال هذه الصفة( عدم الإيحاء) هو أن الشعر ينبني عنده على فكرة آرنولد القائلة: إن في الشعر تكون الفكرة هي كل شي… في الشعر تكون العاطفة لاحقة للفكرة إذ لم يكن عنده، في أحسن شعره، ثمة تفريق بين الفكرة والشعور.(39) لكن من المهم أن يظل الشعر شعراً، أي فناً، الوعظ ممارسة قديمة.(4.)

إن الخال لم يحاول صياغة قصيدته صياغة جمالية تزينيه " لأنه يعيش برودة العالم واحتمال سقوطه، ولأن جمال الشكل، جزء من هذا العالم، القائم في الفراغ، المهدد بالسقوط. فليس الجمال غايته في الشعر، وليس وسيلته التي يرينا العالم من خلالها"(41) فتجربته لم تكن تجربة انفعالية فقط، بل حاولت أن تكون تجربة فعل في العالم، ومحاولة لتفجيره وتغيره:

لو كان لي أن أنشر الجبين

في سارية الضياء من جديد

فهو يؤكد هنا. ما وعد به (عزرا باوند) من قبل:

لك الوعد: أنا،

سنبني بدمع الجبين

عوالم للشعر من عبقر

مفاتيحهن.(42)

ولكن ما يضفي الحرارة على هذا الشعر، ذلك التذمر والتمزق الرهيب من أغلاله، إذ يصلي ليمد له(جسر خلاص)، وهذا التذمر تؤوله الباحثة خالدة سعيد على أنه رفض للتراث "إن يوسف الخال رفض التراث نهائيا واستدار في دعاء حار صوب البحر"(43) وربما كان هذا التقرير بعيدا عن الصحة بعض الشى، فمن المسح الشامل لمجمل أعمال الشاعر النثرية والشعرية يظهر أنه غير رافض للتراث نهائيا، إنما هو رافض لامتدادات التراث حاضراً، بمعنى إعادة بناء الحياة على وفق الأسلوب والفكر التراثي حصرا، فهو يريده لبنة من لبنات عدة، يبنى عليها الحاضر، وليس اللبنة الوحيدة، تكون هي الجوهر والمحيط، إنه يريد خلط أوراق المفازة (التراث) بأوراق البحر، ليخلق الحياة الحضارية المتقدمة "فالبحر في شعره هو الطريق إلى العالم، وهذا رفض للانعزال الفكري الإنساني الذي أطبق علينا طويلا"(44) كما تنص الباحثة نفسها:

عبيد نحن للماضي، عبيد نحن للآتي

عبيد نرضع الذل من المهد إلى اللحدِ

خطايانا؟ …… يد الأيام لم تصنع خطايانا……(45)

يعبر الشاعر هنا ويتحدث بصوت الجماعة، ضاما نفسه إليهم، وهذه العبودية، إن دلت على شي إنما تدل على ثبات جماعته على قيمهم وأعرافهم ماضيا و حاضرا ومستقبلا كخاصية، لا يسعون إلى إبدالها أو الإضافة إليها. و لا يسع الخال بدوره إلا أن يقر " إن الأرث الذي استعبدنا، هو وحده الذي سيحررنا. رفضه مستحيل، ومستحيل كذلك قبوله على علاته. علينا أن ندحرج الحجر ونقوم "(46) كما فعل المسيح. وهكذا يظل الشاعر يتقاذف نفسه في صميم الأمواج بين المحل والمطر، تبعا لمد المأساة وجزرها، دون أن يوجز لنا الموضوع، في وقفة المبشر المدرك سلفا إن وراء المعصية القربان، وخلف الظلمة الفجر(47) فلا مكان للقنوط والشرود:

هذا العالم أنثى

لعبت بالغيمة فاضطجعت

فيئاً في الربع الخالي(48) .

ويشعر خلال ارتمائه في المفازة التي هجرها الإله، وأسقطه فيها اللصوص بعد ما (سلبوه ومزقوا ثيابه) أن:

أقفر الطريق

وها أنا بلا رفيق

كان صغيرا وحديقته (بلا سياج) ولما كبر

كان يبني قصباً وغرفة

فصار حجراً وغرفاً(49)

فنحن (غرباء) لأننا (خاطئون) لا لأننا (مظلومون) فهو كبودلير كان في أقصى درجات التفاؤل يؤكد على ذنب متأصل في الإنسان:

سأوقظ الصباح، من

سيوقظ الخطيئة؟

جراحي التي حملت، هاكها

في راحتي، لم تزل طريئة:

بلا خطيئة،

بلا يد جريئة.(5.)

وهكذا يبقى ويستمر الجو العام في المفازة، ترسمه، صور العقوق والخطيئة والتحجر، وانسداد المنافذ، وانكسار الماضي في الحاضر، والبحث الضائع عن المخلص المنكسر، والبئر المهجورة، والعقم في الشجر والإنسان وفي الحروف والرمل. حيث " لا حياة ولا موت، حيث المأساة ليست في أن المؤمنين بالمسيح التهوا عنه، بل أنهم في الأصل لم يعتنقوه " (51):

أقوم وأرحل عن صحرنايا

عن الظل عند ارتفاع الظهيرة

ووقع السلحفاة وأقدامها

على جسد الورق الميت في

زوايا الخريف الأخيرة

أقوم وأرحل عن صحرنايا

وأنفض عني الغبار

وفي العطفات الأخيرة حيث

تغيب ويسقط خلفي الستار

سأنسى وجوه الحجارة، أنسى

حشائشها كروؤس الأبر

تعلقن بالبرك الآسنات

يعللنهن وما من مطر

وأنسى غراباً رأيناه حط

بها، فتحرك، ذيل السكينة

يفتش عن جيفِ: لاحياة

ولا موت في تلك، تلك المدينة . (52)

ولم تكن هذه المدينة سوى مفازة أخرى، إذ إن الحس الحضاري والتمدن غائب فيها، فيحس إحساساً فاجعاً بالاغتراب عن الحضارة، والضياع في مدن التيه والتخلف،  أملت عليه أن يطابق الشاعر الغربي في موقفه من المدينة، ليروا فيها (أرضاً يباباً)، كانت عند الشاعر الغربي، بسبب الحضارة المادية، وفقدان العنصر الروحي، وعند يوسف الخال كان الفقدان للحضارة والروح معاً، هذه الرؤية كانت نابعة من ضرورات نفسية، واجتماعية وأخلاقية، هي نتاج العيش في تلك المدينة فـ " دراسة تحليلية لموقف شاعرنا الحديث من المدينة ؛ لاسيما ريفي النشأة . تصور لنا بدقة متناهية، أنه لم يكن ضد الحضارة بطابعها التقدمي، بل كان واقفاً تحت وطأة الإحساس الحاد بالتضاد القيمي والمعرفي، بين القرية والمدينة، القرية بكل وضوحها وشفافيتها وبساطتها وألفتها وهدوئها، والمدينة بكل غموضها ودبقها وتعقيداتها وشراستها وصخبها. فكان موقفه منها اغترابياً مشوباً بالدهشة والحذر والحيرة " (53)

ويتحد هذا الموقف من المدينة، بعد أن خبر حياتها في المدنيتين–الغربية والشرقية- مع الموقف من الزمن بحيث يتعذر فصلهما، فأنه لم تكن لديه عقدة

"ما" من مدينته إلا تخلفها الحضاري و خلوها من القيم الروحية، لأنها لا تؤمن بالمسيح، والحضارة المادية هي بدورها بحاجة إلى حضارة روحية تطفئ حر لهبها، وتسمو بها إلى المثل والقيم العليا وفي كلتا المدينتين، وما صورة المفازة الآهلة بالخراب، والرعب والموت على المستويين الذاتي والاجتماعي إلا ثورة على من أفقد الأشياء روحها التي أنتجت صراعاً بين الواقع والمثال عنده ليستعيد بذلك الصراع ذاته المفقودة كما يحاول السلفيون، وأن (يبدع) هذه الذات في الوقت ذاته، كما يحاول دعاة الحداثة"واستعادة الذات أو إبداعها، يتوخى في النهاية" تحقيق الذات العربية المعاصرة"(54)والعودة إلى إنجاز الماضي ومحاولة الاقتراب منه وعياً وبناء " تمثل التجاوز أكثر مما تمثل السكون، فاستحضار شاعر الحداثة العربي للماضي والعمل على تفجير البؤر الخلاقة فيه، كان ضرورة ملحة، لتحفيز زمنية الشعر العربي المعاصر، نحو السير بخطى واثقة في طريق لا تراجع فيها، نحو تأسيس البنى الجديدة، التي ليس لها بعد الآن أن تركن للسكون"(55). فرحيل الخال نحو الماضي هو في الحقيقة بقاء ورسوخ في الحاضر:

أقوم وأرحل عن صحرنايا

وأسلك دربي إلى منتهاه

هنالك أحضن وجه التراب

أسمع صمت الإله(56)

فهو ليس رحيلاً، كما أنه ليس تمركزاً مطمئناً، لأن الشاعر وإن بقي على رجائه، لم ينجح في كسب العالم لهذا الرجاء، وفي وقايته-مثلما هو-ذباب الضجر والقحط؛ إنه الآن ناسك،  يمضغ ابتهالاته ومرارته .(57)

ولم يجعل الخال لنفسه مدينة" ما " يلجأ إليها من قحط العالم ووعورته وصعوبته،  مثلما فعل السياب الذي جعل من " جيكور "حلماً أو رمزاً لكل مكان يتوق الإنسان للعودة إليه وليحتمي به، ذلك أن مدينة الخال وحلمه وضفاف راحته هو" الله ":

أقوم وأرحل عن صحرنايا

حزينا ومالي رفيق

وفي صحرنايا ولدت، وفيها

على حائط ساجد في الطريق

شنقت إلهي، وفي الرمل

في ظلمات الحروف العقيمة

طويت سلاحي، طويت جناح وجودي

طويت الجريمة .

وفي صحرنايا وأدتُ بناتي

وكنتُ الضريح،

وفيها تشوه وجهي، تناءى

فدارت به كل ريح .(58)

فهذه المدينة/المفازة، بأرضها الميتة وأشيائها الفاقدة للحياة، على الرغم من عدم ركون الخال إليها كملجأ وحيد، إذ لم تكن ذاته مرتبطة بها ارتباطاً مصيرياً، إلا أنه كان موتاً للخال أيضاً:

الليل جالس معي

ينتعل الدخان من لفائفي،

والصمت كل ما أقول

في بياض صفحة،

هذا الذي أحب جاءني

أوائل الشتاء

وما على الغصون

ثمر، ولا غناءٌ،

يريد أن يعيش في

ولادة الفناء.(59)

فكل شئ يوحي بالموت في هذه التجربة إلا الموت، فأنه الأمل في أن يقوم الإنسان بعده، وتبعث الحياة من جديد، فالقصيدة الواحدة في شعر الخال، يتصارع فيها دائماً، الشوق إلى الانطلاق مع الرسفان في القيود، ويتجاور فيها الخصب والبوار، تريد أبداً أن تخرج من عنت المفازة، رفاهاً جديداً، ونسغاً للحياة. هذه الثنائية المتضادة في القصيدة، من ازدراء للمفازة وشهوة بعثها، أفرزت توتراً عند الخال، قد يفسر بعض تناقضاتها عنده؛ مثلما قد تفسر لنا روح الخال المرتبطة بالمطلق والتائقه للحرية بعض وجوه النفور عنده من المجتمع أو السلطة التي تود أن تفرض قوانينها على كل شئ:

هذا النداء، ياسماءُ

آخر النداء،

هليّ

نكاد نرشفُ الدموع من عيوننا

ونشرب الدماء (6.)

إن فكرة جدب الحاضر وخلوه من المعنى، وأن"الفردوس الوحيد" فردوس مفقود، هي فكرة كان الشعر العربي قد طرقها وتغنى بها كثيراً، فكان يوسف الخال شأنه شأن الشعراء التموزيين: جبرا إبراهيم جبرا، وأدونيس، وخليل حاوي، وبدر شاكر السياب،  في مسح "المفازة" بحثاً عن الماء والبذر، بأسلوب مراسيمي متقارب" فبويب" السياب هو" البئر المهجورة " عند يوسف الخال .(61)

وربما استمد الخال تجربة(المفازة) من تجربة العبرانيين حيث " الظاهر أن الصحراء ظلت تجربة ميتافيزنقية ضخمة في حياة العبرانيين ولونت كل تقييم صدر عنهم " (62) فإن الكتاب المقدس بشقيه" العهد القديم " و" العهد الجديد" كان مصدراً مهماً من مصادر ثقافة الشاعر، ومزامير داود التي كانت نشيداً عبرياً يحاول بعث الأمل والفرح في نفوسهم التي ظمأت كثيراً في التيه، لا تفتأ تحرك أحاسيس شاعر لم يبعد عنها كثيراً، فتأتي العديد من قصائده تحمل طابعها الابتهالي:

" عرفني سبل الحياة

وأملأني فرحاً بحضورك،

فمن يمينك دوام النعم " (63)

ويقول الخال:

" ألا مَنْ يُنجىِّ،

مَنْ يعيد الرجاء غيرك يا بحر،

دعوناك فاستجب لدعانا " (64)

* * *

لنخرج من جب المفازة، التي تحاول أن تقتل كل شئ فينا، أن تمسح الذاكرة، تحولها إلى بيداء. حيث الماضي والحاضر والمستقبل لا يحمل إلا صورة واحدة صورتها هي، فتعود تكرر نفسها في الصورة ذاتها والمعنى ذاته الفاقد لتألّقه، ومفردات الحياة التي تصنعها اللحظة الراهنة، لم تعد لها صلة بالماضي الذهبي أو بالمستقبل، لا ذاكرة فيها ولا رؤيا لها. إنها حبيسة بين جدران أربعة، لا يلجها النور، ولا تعرف الدفء، ولا عشق الربيع، إنها مظلمة داكنة كئيبة، وإذا ما أنتجت حرفاً فأنه عقيم، أقرب إلى البوار منه إلى النمو:

وملء أناملنا اللمسات ولا مَنْ يحسًّ

ولا مَنْ إذا

تباطأ وانحدر الصاعدون

يهبّ بجرحِ، يقول

ويفتح جمجمة الأرض: لا،لا

وجدت هنا السائرين

على مهل، ولا من رثاء

لأطفالنا

يعزّي، يشدّ الاكف، يذكّر

إن البطولة شيء مباح.

هو اللارجوع

وتحصد حلم آشور ببابل ً

نرفع فوق الرؤوس

حدائقنا

لأن الظلال بنا هاجرت

لتسكن، بين القبور

علامة لهذا الزمان . (65)

إنها مرثية حزينة الأنغام لماضٍ مزدهر في حاضر كئيب، في ذهن لا يكل ولا يمل من تصوره ماضياً ذهبياً سعيداً، برغم كل فجواته الحاضرة، وموت الإحساس به عند من حول الشاعر، فقد بقي الشاعر متشبثاً به تشبثاً عنيداً وعاتياً إلى النهاية .

لقد زاوج يوسف الخال بين صور الزوال والفناء في الأسطورة القديمة وبين زوال الحياة في الحياة الحاضرة، وأخذ كلا الجانبين في الحياة (الموت/والحياة)، والحياة تنبثق وتنشق من براثن الموت، من أجل مستقبل، مادام يريد الماضي صورة وانجازاً، فهو متوحد به ومنبثق منه، لتكون المدينة الفاضلة، هي صورة الماضي في الحاضر من أجل المستقبل. فشعر يوسف الخال لا يربطه بالواقع إلا البحث عن النور، ومحاولة بذر البذور الحضارية الجديدة والقديمة، في الفكر وفي الواقع، ولم يكن مثل هذا الأمر حيلة فنية فقط إنما هي روح تشع وتؤمن بما تتصور وبما تحلم. فهناك المزاوجة المتبادلة المواقع بين الواقع والكلمات، حيث أن التقدم في الكلمة يعني التقدم في الواقع، ورسم مثال أعلى بالنسبة للكلمات يعني رسم مثال أعلى لما يجب أن يعتد به الواقع بكل مفاصله، من أجل تحقيق تقدم في الواقع والموضوع، فأن رؤية الخال للأشياء "كمفازة" لم تكن مثل رؤيا بايرون التشاؤمية الناجمة عن كراهية للجنس البشري، بل كانت رؤيا ناتجة عن رغبة في التغيير، التي تصطدم بواقع يرفض هذا التغيير، ولا يريد الجديد، وهو واقع مؤلم أمام صورة الماضي الجميل في الذاكرة الإنسانية، لاسيما صورة الماضي المسيحي عنده، ومقارنة بواقع الحضارات المتقدمة في العصر …  فلنودع هذا الشتاء القارس، شديد الوطأة، الممتلئ بالغثيان والضجر، لنشهد مرحلة " البعث" عبر نافذة وبوابة البحر، ولنؤمن كما أراد لنا يوسف الخال أن نؤمن بأن:

" ... االربيع مقبل،

لابد مقبل،

من القبور والحقول مقبل " (66)

وهذا هو موضوع قراءتنا القادم لشعر الخال (البعث).

 

د. رياض الناصري

...........................

الهوامش

1- ينظر: قصائد مختارة، يوسف الخال جمعها وقدمها أدونيس، دار مجلة شعر، بيروت،ط2، ب، ت، ص9.

2- ينظر:النار والجوهر، جبرا إبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط3، ص1982،37.

3- ينظر: مسيحية المنطق وعبثية الإيمان، أنسي الحاج، مجلة شعر، بيروت، ع2.، 1961ص19.

4- ينظر: النار والجوهر، ص42.

5- الذات الشاعرة في شعر الحداثة العربية، عبد الواسع أحمد الحميري،مجلة "نزوى"، عمان، ع11، 1997ص115.

6- نفسه والصفحة نفسها .

7- قصائد مختارة ليوسف الخال، ص16.

8- العزلة والمجتمع، برديائيف،ترجمة: فؤاد كامل، وزارة الثقافة والاعلام، بغداد،ط2، 1986، ص24.

9- ينظر:أدبنا الحديث بين الرؤيا و التعبير، ريتا عوض، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1979، ص168 وما بعدها.

10- دفاتر الأيام، ص79.

11- نفسه، ص83.

12- دليل القارئ إلى الأدب العالمي، ليليان هيرلاندز وآخرون، ترجمة:محمد الجورا، دار الحقائق، بيروت، دمشق، ط1، 1986،ص616.

13- مجلة شعر، ع 7- 8، 1958، ص57 .

14- ينظر: النار والجوهر، ص37.

15- نفسه، ص38.

16- الأعمال الشعرية الكاملة، ص: 55 .

17- ينظر: النار والجوهر، ص4. .

18- الأعمال الشعرية الكاملة، ص2.7 .

19- نفسه، ص115 .

20- ايديولوجيا الرومانس، حالتان نقديتان معاصرتان، أوهارا دانييل، ترجمة: باقر جاسم محمد، مجلة الثقافة الأجنبية، بغداد، ع2، 1997، ص31.

21- الأعمال الشعرية الكاملة ص2.7، وما بعدها .

22- النار والجوهر، ص41.

23- الأعمال الشعرية الكاملة، ص2.8 .

24- الاعمال الشعرية الكاملة، ص211، وما بعدها .

25- (حول قصائد في الاربعين وحملة التزوير والاستغلال)، ادونيس، مجلة شعر، ع18، 1961، ص176

26- ينظر: النار والجوهر، ص38 .

27- نفسه والصفحة نفسها .

28- الاعمال الشعرية الكاملة، ص2.3 .

29- نفسه، ص2.3، وما بعدها .

30- ينظر: النار والجوهر، ص45 .

31- الأعمال الشعرية الكاملة، ص222وما بعدها .

32- ينظر: النار والجوهر، ص42.

33- نفسه والصفحة نفسها .

34- الأعمال الشعرية الكاملة ص217- 218 .

35- ينظر: قصائد مختارة، يوسف الخال، ص21. .

36- الأعمال الشعرية الكاملة، ص211 .

37- البئر المهجورة ليوسف الخال، ص143.

38- التجربة الخلاقة، س. م. بورا. ترجمة: سلافة حجاوي، دار الشؤن

39- الثقافية العامة، بغداد، ط2، 1986، ص12.

40- ينظر: ت. س. إليوت، الأرض اليباب، الشاعر والقصيدة، د. عبد الواحد لؤلؤة، مكتبة التحرير، بغداد، ط2، 1986، ص197.

41- من لقاء مع يوسف الخال أجراه كاظم جهاد، مجلة اليوم السابع، السنة الثانية، العدد73، 1985، ص33.

42- البئر المهجورة، يوسف الخال، ص139 .

43- الأعمال الشعرية الكاملة، ص197 .

44- البئر المهجورة، ليوسف الخال، ص142 .

45- الأعمال الشعرية الكاملة، ص224 .

46- دفاتر الأيام، ص68 .

47- مسيحية المنطق وعبثية الإيمان، ص91 .

48- الأعمال الشعرية الكاملة، ص244 .

49- الأعمال الشعرية الكاملة، ص331 .

50- نفسه والصفحة نفسها .

51- مسيحية المنطق وعبثية الإيمان، ص94 .

52- الأعمال الشعرية الكاملة، ص 293 وما بعدها .

53- الخطوة الضائعة والموقف من المدينة، محمد صابر عبيد، مجلة الأقلام، ع 6، 1986، ص41.

54- الحداثة في الشعر العربي المعاصر، بيانها ومظاهرها، محمد العبد حمود، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1986، ص 276.

55- الشاعر حميد سعيد ناقداً، د. بشرى البستاني، مجلة الأقلام، ع2، 2... ص48.

56- الأعمال الشعرية الكاملة، ص295.

57- مسيحية المنطق وعبثية الإيمان، ص93، وما بعدها.

58- الأعمال الشعرية الكاملة، ص294 وما بعدها .

59- نفسه، ص324وما بعدها .

60- الأعمال الشعرية الكاملة، ص278 .

61- ينظر: الاتجاهات الفكرية والجمالية للقصيدة العربية الحديثة، د.منيف موسى، مجلة الآداب،ع11- 12، 1988، ص57 .

62- ما قبل الفلسفة، الإنسان في مغامراته الفكرية الأولى، هنري فرانكفورت وآخرون، ترجمة:جبرا إبراهيم جبرا، دار مكتبة الحياة، بغداد، 196.، ص 273.

63- الكتاب المقدس، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، العهد القديم، الاصدار الثاني، ط4، 1995، ص687.

64- الأعمال الشعرية الكاملة، ص231 .

65- الأعمال الشعرية الكاملة، ص356وما بعدها .

66- الأعمال الشعرية الكاملة، ص213 .

 

سعد ياسين يوسفقراءة نقديّة في مجموعة "على أثير الجليد" (1)

تشكل الغربة المكانيّة ممثلة بالإغتراب عن الوطن " ظاهرة إنسانيّة عامه لا ينفرد بها جيل دون جيلٍ آخر فهي موجودة منذ وطئ الأنسان هذه الأرض وبدأ طريق المعاناة " (2)

ويبدأ الإحساس بالغربة عند الإنسان منذ لحظات الولادة الأولى ومغادرتة رَحِمَ أمه الذي مكث فيه لأربعين أسبوعاً قبل أن يُقطع الحبل السِّري ويدخل الهواء لأوّل مرة في رئتيه مشكلا له صدمةً وإحساساً غريباً، دافعاً إياه لإطلاق الصرخة الأوّلى.

وعلى مدى سني عمره يتكرر هذا الإحساس ولكن بشكل آخر وبدرجات متفاوتة عند الإنسان فيعبر عنه بصراخ ٍ من نوع آخر وقد ينعكس على سلوكه وردّات فعله وطرق التعبير عنها.

غير أنَّ تجلّيات هذا الشعور عند الشعراء يأخذ منحىً إبداعياً بعد أن يفقد الغبطة الحقيقية بعيداً عن وطنه وقد "قيل لأحد الأعراب ما الغبطة ؟ : قال : الكفاية مع لزوم الأوطان والجلوس مع الأخوان، قِيل له: فما الذلّة؟ قال: التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان (3)

وقد لازم الإحساس بالغربة الشعراء منذ القصائد الأولى التي  خطتها يدُّ الإنسان معبراً عن حنينه لأرضه ولأحبائه وللغبطة المُفتقدة، وأمتدَّ ليتجسد بالأساطير الرافدينيّة، وليس أدلّ على ذلك من غربة كلكامش بعد أن فقد صديقه أنكيدو، لتستمر هذه الظاهره في الأدب الجاهلي والتي تمثلت بالبكاء على الأطلال، وما برز بعد ذلك في العصور الأمويّة والعباسيّة وصولاً إلى الأدب في العصر الحديث، ليظهر مفهوم (المكانيّة) في الأدب العالمي والتي وصفها غاستون باشلار" ...بأنَّها الصورة الفنية التي تذكرنا بذكريات ماضية " (4)

ولأنَّها ماضية ومهشمة فإن الشاعر يلوذ بالحلم ليحقق توازناً عبر كتابة القصيدة فالشعر على حدِّ وصف باشلار "حلم مكتوب "

وفي مجموعة (على أثير الجليد) للشاعر العراقي المغترب (عبد الستار نورعليّ) تتجلى معاني الغربة بأوضح صورها عبر نصوصه التي تراوحت بين القصيرة والطويلة والمتوسطة.

سيميائيّة الغلاف وتجلّيات العتبات النصيّة:

1754  عبد الستار نورعليمنذ النظرة الأولى يمنحك الغلاف شعوراً بالغربة، وبمدى الألم الذي تكتنزه الرموز والإشارات المرئية فيه حينما يتسع الجليد، ويتشكل ككائن الفقمة الذي يرفع رأسه إلى السماء وقد تجمّد جسده المكتنز، ومن زاوية أخرى  يبدو كقاربٍ غرقَ في الجليد لترتفع مقدمته إلى الأعلى على خلفية تتساوى في فضاءاتها الزرقاء الأرض بالسماء لولا فاصلٍ من خط ضوءٍ شحيح هو كل ما تبقى من مساحة الأمل بعد أن تجلّل العنوان واسم الشاعر باللون الأسود تعبيراً عن حزنه لما فقده، وما فقده كان كبيراً، عالمه، أرضه، ووطنه، فسعى إلى لملمة حلمه المكتوب، وليكون "العنوان خلاصة دلالية لما يظنّ الشاعر أنَّه فحوى قصيدته أو الهاجس الذي تحوم حوله، فهو إذاً يمثّل تفسيرالشاعر لنصه " (5) وهو من العتبات النصيّة الأوّلى التي تحدد معالم المجموعة ومرجعياتها الإبداعيّة.

وقد عرّف علماء الألسنية العناوين: " بأنها مجموع الدلائل اللسانيّة من كلمات وجمل وحتى من نصوص تظهر على رأس النصّ لتدلَّ عليه، وتهيئهُ وتشير لمحتواه الكلي، ولتجذب جمهوره المستهدف "(6)، وهذا ما يؤكده نصّ الشاعر الوارد في مقدمة المجموعة تحت كلمة (استهلال) والذي جاء فيه:

" حين تضيق السبل، يشعّ من الداخل ضياء يطفو لينير...حلم أنْ ترى الحروف سبيل النهار. الحروف التي عبرت مضائق المعاناة، واجتازت صخور الألم المدببة الملساء، تدمى أقدامها، تنزلق، ثم تنتصب، لتنطلق همسةً، صرخةً، من أعماق سيزيف، لا أنْ تنام في الظلِّ ملقاةً، يسامرها الغبار...." (7)

وجاء الإهداء ليضيف عتبة أخرى تؤكد لنا الإحساس ببرد الفقد وضياع الغبطة (والكفاية في لزوم الأوطان) كما قالها الجاحظ، ليلوذ شاعرنا بوطن ٍ ابتكره لنفسه وضاق به عليه هو وأسرته والتي أسماها وطنه والحضن الأثير وشعبه الأعزّ ليصنع غبطة ً وليذيب بعض الجليد كي تتسعَ مساحات النور.

وتأتي قصيدة المجموعة  (أغنيات تُبثُّ على أثير الجليد) التي اجتزأ منها الشاعر العنونة والمؤلفه من عدد من المقاطع بعناوين فرعية لتؤكد تجلّيات غربته بكلِّ وضوح وتمنحنا إحساسا باللاجدوى والألم ومقدار الإحباط الذي عاشه الشاعر كما في نصّ (المغني):

"صعد المغني مسرحَ الكلامِ،

غنّى...

ثمَّ غنّى

طربَ الناسُ،

انتشوا،

فبكى...

وتوارت كلماتُه ..."(8)

فما بين فرح الناس وطربهم ونشوتهم، يأتي بكاء المغني وهذا الشعور كافٍ أن يزرع الغربة في الروح في وقت لا يستطيع أن يبوح بما في قلبه وروحه.

ويأتي نصّ (الغريب) ضمن مجموعة النصوص المندرجة تحت عنوان (أغنيات تُبثُّ على أثير الجليد) لتمثل تصريحاً واضحاً على ما ذهبنا إليه :

 

"وكلُّ شيءٍ يُشعل الضجرْ

نحملُ فوق القلبِ والرقابْ

حقائبَ السفرْ

فكلَّ يومٍ نختفي عن أرضْ

ونلتقي بأرضْ

ترفضنا الخطوط بين الطولِ...

بين العرضْ ..." (9)

وكذلك نصّ (القفز) يظهر لنا أثر الاغتراب والبعد عن الوطن في تفاقم الشعور بالقلق والألم وعدم الاستقراروهذا ما يزيد إحساس الشاعر بالغربة وهو الساعي إلى الاستقرار والركون إلى أرضٍ تحتويه.

"قفزتَ بين الأرض والأرضِ...

والأرضِ..

وسُحْتَ

فتخطيتَ المكانْ

قلْ لي متى تشعرُ بالأرضِ

وبالأمانْ؟! " (10)

لقد عبّر شاعرنا هنا عن أحاسيسه والتي وصلت إلى ذروة التأجج حينما يتوجه بالسؤال لنفسه قائلا: " قلْ لي متى تشعرُ بالأرضِ وبالأمانْ؟!" فهو بين الفعل الظاهر وهو القفز بين الأرض والأرض،وبين الكثير من الألم الذي لم يعد ظاهراً، بل كشف عنه السؤال المرير لنفسه، يحقق تواجد  "خصائص العناصر التي تجعل من الشعر شعراً... العناصر الظاهرة والخفية... " (11)

وجاء مقطع (الأمان) بما يشبه مقطع (القفز) من حيث المعنى والأفكار ولتأكيد المعاناة في رحلة الشاعر للبحث عن الأمان :

" لا شيءَ يستاهلُ أنْ تحملَهُ إلا الأمانْ

فكلُّ ما مرّ على الانسانْ

في كلِّ عصرٍ وأوانْ

البحثُ عن مكانْ

ينعم فيهِ بثياب الحبِّ والأمانْ" (12)

تجلّيات صخرة سيزيف:

في قصيدته (الأحجار) يستدعي الشاعرهنا ثلاثة رموز الأول أسطوري اغريقي وتجسّد ب(سيزيف) ورمزين تأريخيين عربيين هما (عمار بن ياسر) وأمه (سميّة) من مشاهير الصحابيات في الإسلام، ليعبّر من خلاله الشاعر عن ألمه وسخطه على هيمنة القوة والسلطة، وما ينجم عن ذلك من ظلم ٍ، فسيزيف يرفع الصخرة من أسفل الجبل إلى أعلى قمته وتسقط ليعود فيرفعها دلالة على ديمومة المعاناة والألم والعذاب الأبديّ، أما عمار وأمه سميّه فقد وُضعت الحجارة الكبيرة على صدريهما وهما مشدودان إلى رمال الصحراء الساخنة وتحت أشعة الشمس المحرقة ليوجه أبو جهل طعنة مميتة إلى قلب سميّة  فماتت تحت أنظار ابنها لتكون أوّل شهيدة في الاسلام... وكلاهما تعرض لغضب الأرباب، فسيزيف حصل له ماحصل بسبب غضب الآلهه لتمرده عليها، وكذلك للرمزين العربيين بتمردهما على دين أسيادهما وإيمانهما بالإسلام وبقيمه السمحاء وهذا ما أختزله الشاعر في هذا النص ّ:

"يحمل فوق الكاهل حجراً

يتسلق جبل الآلامْ

يصعدُ...

يهبطُ...

في دائرةٍ، والأفقُ ظلامْ،

عمارٌ يحبسُ صرختهُ

سيزيفُ دؤوبٌ، مصروعٌ كالدولابْ

..........   ......

وسُميّةُ

فوق الصدرِ الضامرِ حجرٌ

ما أثقلُهُ !  "  (13)

وقد اختصر الشاعر النصّ بكلمتين وصف فيهما غربته وهما (الأفق ظلام) تعبيراً عن اليأس واللاجدوى وهما شكل من أشكال الغربة والابتعاد عن الحلم، الذي طالما سعى إليه وهو يبحث عن حياة آمنة مستقرة  .

إن الشاعر بهذا الاستخدام الرمزيّ لم يسعَ إلى التوثيق وكتابة هذه القصة تأريخيا، بل سعى إلى تمرير رؤاه الفلسفيّة في رفضه لغربة روحه حينما يكون مستلبا ومسحوقا بقوى عليا مهيمنة وبكل ما يمس كينونة الإنسان وسعيه إلى تحقيق أحلامه وخلوده حتى لوتطلب منه ذلك، وقوفه بوجه الآلهة. وبهذا الصدد يقول الفيلسوف أرسطو وهو يتحدث عن قيمة الشعر: " بأنَّه أقرب إلى الفلسفة وأسمى مرتبة من التاريخ "(14) ..... ”وإنَّ الشاعر في محاكاته  للأشياء يسبح في الكليات بدلاً من الجزئيات التي ألفَ التاريخ قولها" .(15)

ولوعدنا إلى قصيدة (الغريب) لوجدنا ثمة تماثل وتطابق بين الشاعر و( سيزيف) في المعاناة حينما تتحول حقيبة السفر إلى صخرة سيزيف التي تثقل كاهله، وهو يحملها من بلد إلى بلد .

"وكلُّ شيءٍ يُشعل الضجرْ

نحملُ فوق القلبِ والرقابْ

حقائبَ السفرْ ..." (16)

فهو ذات المشهد السيزيفيّ الذي يعيش معاناته الأبديّة شاعرنا، ولكن في رحلة البحث عن الأرض والأمان لتترك (الحقائب – الصخرة ) أثرها ليس فوق الكاهل فحسب بل في القلب لأنَّ التعب ليس جسديا ً فحسب وإنما هو تعب روحي وفكري وعاطفي يتجسد في غربة الروح الباحثة عن غبطتها المفقودة عبر الترحال .

وفي قصيدته (قال الحكيم بيدبا) يلبس الشاعر قميص سيزيف، ولكنَّه جاء به هنا عبر  تناصّ آخر ألا وهو مقولة الإمام عليّ (كرّم الله وجهه)  المعروفة " ذقت الطيبات كلّها فلم أجد أطيب من العافية، وذقت المرارات كلّها فلم أجد أمَرّ من الحاجة إلى الناس،ولقد حملت الصخر والحديد فلم أجد أثقل من الدَين ." (17)

وهكذا ينحو الشاعر هذا المنحى في وصف مكابداته فيقول :

"إني حملتُ الصخرَ

والفولاذَ

والقِمَمْ

والحرفَ

والأنوارَ

والكلِمْ

فلم أجدْ أثقلَ منْ

كلام دجالٍ حَكَمْ ...."(18)

إنَّ مجرد إحساس الإنسان بأنَّ رقبته بيد الحاكم الذي يفعل به ما يشاء وكأنَّه مَدين له تمنحهُ شعوراً صادماً من الألم والغربة والخوف مِن أنْ يقطع سيف الحاكم رقبته لا لشيء إلا لأنَّه رفض منطقَهُ .

وتطلّ فكرة الصخرة السيزيفيّة برأسها مرة أخرى وبقوة في مقطع من قصيدة (شهادة) :

" قد حملتُ الصخرَ والفولاذَ في الوادي السحيقِ،

بين لوع الشجر الملتفِّ والأغصانِ والزهر الحريقِ،

صاعداً نحو المسلّاتِ " (19)

تعكس هذه التكرارات المرجعيّة الثقافيّة لشاعرنا (عبد الستار نورعليّ) واهتمامه بالموروث البلاغيّ الإسلاميّ والذي تحول في لا وعيه إلى مهيمنات فكريّة تتجسد صوراً في شعره يعيد تشكيلها للتعبير عن غربته وألمه ومعاناته وحريقه الذي هوحريق البلاد (العراق) عراق الحضارات ومسلّات العلم والمعرفة البشريّة الأوّلى، وهنا يتوحد عنده الخاص بالعام والذاتيّ بالموضوعيّ في عزفٍ سمفونيّ حزين يكون شاهداً على الخراب الذي حلَّ بالوطن .

وفي نص ّ (الرحيل) لجأ الشاعر إلى التضمين من التراث الشعبيّ تعبيرأ عن حزنه من فقدان الأرض والأهل عبر دوامة التنقل في محطات غريبة لم تطأها قدمه سابقا ولا تمثل له طموحه ولا تمت لذكرياته ولروحه بشيء مما جعله أمام غربة لا متناهية حينما يقول :

"يا فشلة الملهوف ويدور هله بمحطات"

صرنا محطاتٍ

حقائبَ ...."(20)

السندباد ومفارقة حلم العودة:

يعدُّ السندباد شخصية أسطوريّة من شخصيات ألف ليلة وليلة وهو بحّار من بغداد. عاش في فترة الخلافة العباسيّة، ويقال إن السندباد الحقيقي تاجر بغدادي مقيم في عُمان (21).

زار السندباد الكثير من الأماكن السحريّة وواجه الكثير من الصعوبات أثناء إبحاره في سواحل أفريقيا الشرقيّة وجنوب آسيا في رحلاته السبع، ومن هنا يأتي استحضار السندباد من قبل الشاعر لعقد مقارنة بينه وبين الصعوبات التي مرَّ بها الشاعر والسندباد على حدٍ سواء، وإظهار فقد الشاعر لحلم العودة إلى الوطن، والإندثار في غربته القاتلة منطلقاً من تقابل الفكرة وتشظي الرمز وإعادة تشكيله في ضوء ما يعكسه من معانٍ ودلالات:

" تحملُ الزادَ وتنأى عن سواقيكَ....

فترحلْ،

ترسمُ الشوقَ على الريحِ...

على الماءِ...

على النخلِ...

على الضلعِ... وتشهقْ

(....  .... )

سندبادٌ أنتَ؟

لا... فالسندبادْ

حلمهُ طيفُ المعادْ،"(22)

فقد رسم شاعرنا النصّ بثنائية واضحة حينما قرن نفسة بالسندباد، سوى بالحلم، فالسندباد متاح له تحقيق حلم العودة إلى وطنه وقد فعل لينعم بالدفءِ على عكس الشاعر الذي تعذرت عودته وبهذا فقد فكَّ اقترانه بالسندباد، ليعود إلى غربته التي ألفها.

ويُظهرلنا الشاعر عبر هذا النصّ كيف فُرضت عليه الغربة والتي لم تكن حلمه، وخارج سقف توقعاته ولذا فهو يتوجه لنفسه بالسؤال فيقول:

" سندبادٌ أنتَ؟!

هذي رحلةٌ ليستْ على خارطةِ الحُلْمِ

على ما كانَ ينوي السندبادْ،

سندبادٌ أنتَ منْ أشتاتِ أرضٍ ..." (23)

ويتأكد هذا المضمون ـ أي الهجرة القسريّة والترحال ـ في قصيدة  (رشدي العامل) والتي يصرح فيها عن رفضه للهجرة والترحال :

" في كلِّ يومٍ هجرةٌ،

فشاعرٌ يحطُّ بينَ غابةٍ

تلتفّ بالأشباح والأضدادْ"

......  ......

"وشاعرٌ ماتَ مع المساءْ،

في كلِّ يوم هجرةٌ...

منفىً... رؤىً..صمتاً... واختفاء،" (24)

تُظهر لنا هذه القصيدة بكلِّ جلاء اندفاع الشاعر إلى غربته ورحلاته السندباديّة  قسراً بفعل الأشباح والأضداد الذين يحاصرون الشعر والشعراء في غابة اسمها الوطن. ولذا فللشاعر كلّ يوم منفى واحتمال موتٍ وهذا ما حصل للشاعر العراقي رشدي العامل.

ويأتي استدعاء هذا الرمز الثقافي في المجموعة إلى جانب رمز ثقافي آخر هو المبدع (بلند الحيدري) الذي وصفه بأنّه شيّد جسراً بين وجهين وأقام صرحاً لرسوخ الحبّ  ليطلَّ بعدها من خلال رمزفكري ثالث وهو (الحلاج) على موضوعة الثبات على قول الحقّ والمبدأ، حتى لوكلف ذلك الإنسان أن يهرب إلى منفاه، أو حياته بالصلب والذي اختاره الحلاج مزهواً:

"هو ذا الحلاجُ مصلوباً،

ويزهو

دون أنْ يعرفَ للخوفِ طريقاً

أو رفيقا..." (25) .

الملاذ الآمن ... المرأة:

على مدى مجموعته على أثير الجليد تختفي المرأة في شعر(عبد الستار نورعلي) إلا من إشاراتٍ نادرة وكأنَّه أراد أن يخوض حربه مع الحياة ومواجهة الغربة لوحده متحلّياً بخلق الفرسان في أن يتصدى لهذا الموضوع بكلِّ شجاعة دون أن يقحم الحبيبة فيه، بل جعل الحبيبة ملاذهُ الآمن بعد أن ينتهي من معركته ويلقي بجسده تحت ظلال نخلتها متأملاً أعذاقها حالماً بتمرها، وليبث لها وجده وما عاناه في رحلته السندباديّة في مواسم الهجر والبعد والمنفى ومعاناته الأبديّة وهو يحمل صخرة الغربة والترحال على كتفه كما في قصيدة (ذريني):

" دعيني ألمسُ الأعذاقَ في نخلي،

لعلّي أحصدُ التمرا،

فأغرقُ ضفةَ الشطينِ بالأشعارِ والشهدِ

كلاماً عامراً بالحبِّ والوردِ

دعيني، فالمرايا تعكسُ الأصداءَ في وجهي

تجاعيداً طواها الدهرُ في الجلدِ

أقامَ مواسماً للهجرِ والبعدِ

دمي شريانُ أغنيةٍ.." (26)

ويعكس عدم اقحام الشاعر المرأة في رحلاته وأهواله التمسك بمنظومة القيم الشرقيّة والمرجعيات الثقافيّة والاجتماعيّة التي تسعى لصيانة المرأة وإبعادها عن المصاعب حيث يتكفل فارسها بالدفاع عنها وتحقيق ما يصبو إليه بشجاعته ومثابرته ليعود إلى دفئها وهي تضمّد له جراحاته وتُنسيه أهوال غربته.

وإذا اعتمدنا تأريخ كتابة القصائد كمرجعية لفهمنا لقصائد المجموعة سنجدها تشير إلى حقبة صعبة في حياة الشاعر، وهي حقبة تسعينيات القرن الماضي وما شهدته من تطورات سياسية ضاغطة على الإنسان العراقي بعد أن خرج من حرب شرسة مع ايران ليُزج مع بداية التسعينيات في حرب أخرى، أعقبها حصار دولي مما دفع الكثيرين إلى الهجرة وركوب أهوال الغربة والضياع والتشتت في المنافي إذْ نجم عنها شكل من أشكال الأدب الجديد الذي يعكس إحساس الأنسان العراقي بالغربة، وبالمقابل برز هذا الإحساس حتى لدى من بقيَ في الوطن بعدما حالت الظروف عن خروجهم من أتون الحياة ليعيشوا غربتهم في داخل الوطن ولينعكس ذلك في نتاجهم الأدبيّ .

ولو تناولنا النتاج الشعريّ والسرديّ خلال فترة التسعينيات للمبدعين العراقيين الذين لم يهاجروا لوجدنا الكثير من النتاجات التي تتشح بالغربة والمعاناة، غربة الوطن وغربة الروح لما حلَّ بهم، والذي يوازي الإحساس بالغربة الناجم عن ترك العراق.

عتبات جانبية:

-  لقد غلبت التفعيلة على قصائد المجموعة بشكل واضح جداً وكثيراً ما كان الشاعرُ يفخّم موسيقاها بالقافية مُعلياً صوت الإيقاع المتفجر في القصيدة ليوازي إيقاع روحه المتفجرة ألماً وثورة على واقعٍ مرير، فيما لم نلمس ذلك في منجزه المتأخر الذي مال إلى التروي والتكثيف والإبتعاد عن الإيقاعات العالية والتي تندرج ضمن توصيف قصيدة النثر وقصيدة (نصّ خارج النصوص) خير دليل على ذلك، وحسناً فعل الشاعر في ذلك لمواكبة تطور القصيدة العربية الحديثة التي أشتغل روادها، السياب، نازك، ومن ثم أدونيس، على النهوض بها لتواكب حركة الشعر العالميّة .

أما لغة القصائد فقد كانت سلسة ومنسابة تبتعد عن كل ماهو غريب وناتيء في اللغة، سعت بجِرسها إلى أنْ تمنح المتلقي حرارة ودفق إحساس الشاعر. ويتظافر الجِرس الموسيقي مع جمال الصورة الشعريّة لتقدم للمتلقي مشهداً شعرياً اشتغل عليه شاعرنا بمهارة الشاعر الستينيّ، إضافة إلى وجود مقاطع شعرية عالية التكثيف كما في قصيدته (معزوفات غير موسيقيّة للفرح) .

إن الشاعر عبد الستار نورعليّ من خلال مجموعته الأولى هذه استطاع أن يكون شاهد عصر، ومسلّة رفض لما لحق بشعبٍ بأكمله بعد أن وظف وعيه وقدراته الإبداعيّة ومنظوره الفلسفيّ في إطلاق نشيده "على أثير الجليد" وليذيب جليد حزنه منطلقاً إلى آفاقه الإبداعيّة الرحبة .

 

د . سعد ياسين يوسف

..........................

(1) مجموعة شعرية للشاعر عبد الستار نورعلي، مركز أنشطة

الكومبيوتر في أسكلستونا / السويد 2000، ط1

(2) فاطمة محمد حميد الموسوي، الاغتراب في الشعر الأموي، مكتبة

مدبولي ط1، ص7.

(3) عمرو بن بحر الجاحظ، الحنين إلى الأوطان، ط2، دار الرائد

العربي 1982ص 38- ص39.

(4)  غاستون باشلار، جماليات لمكان، غالب هلسا (مترجم) ط2،

بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات، 1984، ص6.

(5) عبد الله الغذامي، ثقافة الأسئلة (مقالات في النقد والنظرية) دار

سعاد الصباح، ط2،1992، ص 48.

(6) رشيد يحياوي، الشعر العربي الحديث، دراسة في المنجز

النصّي،أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1998، ص115

(7) عبد الستار نورعلي ّ،على أثير الجليد، المصدر السابق ص5

(8) على أثير الجليد المصدر السابق  ص23

(9)المصدر نفسه ص26

(10) المصدر نفسه، ص29

(11) أحسن مزدور. مقاربة سيميائيّة في قراءة الشعر والرواية. ط1،

مكتبة الآداب، القاهرة، 1425هـ - 2005م. ص65.

(12) على أثير الجليد المصدر السابق  ص32

(13) المصدر نفسه  ص37

(14)  أرسطوطاليس في الشعر، نقل أبي بشر متّى بن يونس القنّائي،

حققه مع ترجمة حديثة، شكري محمد عياد، القاهرة، دار الكاتب

العربي للطباعة والنشر، 1967. ص64.

(15)  ينظرالمصدر نفسه. ص ن.

(16) على أثير الجليد المصدر السابق  ص26

(17)  ينظر نهج البلاغة،تحقيق محمد عبده،دار البلاغة – بيروت،

ط5، 1412 هجرية .

(18) على أثير الجليد المصدر نفسه  ص40

(19) المصدر نفسه  ص71

(20) المصدر نفسه  ص47

(21) د.عبد الرحمن عبد الكريم العاني، تاريخ عمان الإسلامي، مطبعة

العاني، بغداد، 1985، "أطروحة دكتوراه" ص 23

(22) على أثير الجليد المصدر السابق  ص53 .

(23) المصدر نفسه  ص51

(24) المصدر نفسه  ص66

(25) المصدر نفسه  ص77

(26) المصدر نفسه  ص96-70

 

 

استوعبت رواية (متاهة العدم)،للروائي والشاعر العراقي متاهاته جميعها، لتأتي كالجامع النهائي، والمفصل الموجز أن امكن الجزم .

فلا نعلم هل هذه المتاهة هي الأخيرة حقاً، أم سيفاجئنا الشاوي بولادة متاهة جديدة، لتكون الحفيد الأول، والأبتداء الأولي لما سبق من متاهاته .

وليكون الجيل الجديد من الأحفاد، والحفيدات، بنفس المستوى، أو اكثر تمرداً، وخروجاً على الممنوعات، وخرقاً للتابوات، هذه التنظيرات، والأقتراحات لانملك لها جواباً، لتبقى اسئلتنا في محور المغلق الباحث عن الأجابة في الزمن القريب.

شخصيات عدّة متداخلة، ومتشابكة فيما بينها، ليجد القارىء ذاته في متاهة حقيقية تنطبق مع العنوان الأبتدائي للرواية .

فبين المبتدأ الثابت- ادم-، والخبر المتغير-البغدادي، الأكويني، المجنون،، الضعيف، الجيزاني، الأعمى، الغوريلا، سر الخواتم...الخ-، وبين المبتدأ النسوي الثابت-حواء-، والخبر المتغير-ذو النورين، سر الخواتم ...الخ،  نسجت الرواية شخصياتها الذكورية، والأنثوية، والتي تجاوزت 250شخصية موزعة بين (ادم، وحواء)، وعلى الرغم من هذه الكثرة المتشعبة في الرواية، والمتاهات التي سبقتها إلا أننا نصل إلى نهاية مقفلة، نجهل فيها من هو الكاتب الحقيقي لهذه السلسلة الطويلة من المتاهات، ليكون الجواب عند من نسجها فقط.

و(العدم) في مفهومه اللغوي يحمل معنى : الفقر، والمرض،أما المعنى الأصطلاحي لها هنا جاء من مركب مختبري، يجري فحوصاته الفيزيائية، من منظور كوني، يحمل من الفلسفة، وميتافيزيقا الشيء الكثير.

.المترادفات هي الأخرى أتت لتشكل ثنائيات متوازية الصياغة كـ

الوجود/ العدم، المرئي / اللا مرئي، الصوفية / الروحانية،المادي/ اللامادي، الوعي / اللا وعي، الغموض/ التناص.

وتطرح سلسلة طويلة من الاسئلة الوجودية، والحفر في فكرة خلق الكون، وكيف نشأ ؟ ومن هو الخالق؟ وكيف بدأت الخليقة ؟ وهل هناك وجود لبشرية قبل خلق الخليقة؟ هذه الاسئلة وغيرها كانت المحور الأولي والأساس في الرواية وشخصياتها

اعتمدت الرواية اسلوب المقطعات التفصيلية، تسع مقطعات شرحت التفاصيل بالشرح الوافي، والدقيق، وعلى الرغم من كل هذه الدقة الوافية، إلا أننا نجد ذاتنا القارئة في متاهة داخل المتاهة، للتشعب الكبير في الشخصيات، والأحداث.

أما لغة الوجود، والمحرم بإنواعه جميعها، فقد جاءت بصورة مباشرة ابتعدت عن التورية، والمواربة،" واخبرتني ايضاً بأنها تعرفت على الكثير من الرجال عبر وسائل الاتصال الاجتماعي (الفيسبوك)

و(السكايب) وأقامت معهم علاقات جنسية صوتية، وكتابية "، وهذه السمة المعلنة والمعروفة عن الروائي، وهو ماأسس المنع للكثير من روايته، وعلى وجه الخصوص المتاهات.

فمن محاججاته للخالق القول:" أليس هو الذي خلق الشر قبل آدم وحواء. ألم يأت في العهد القديم بأنه خلق جنة عدن، وخلق شجرة المعرفة . شجرة الخير والشر، كما جاء في سفر التكوين العهد القديم !!؟ أي أن الشر كان موجوداً في الجنة في شجرة المعرفة !! ومع ذلك طردها الرب..."

ومن الخروقات المعلنة،والخروج على السلطة العليا، سلطة الخالق، المحاججة الصريحة بالقول:" استغرب احياناً حينما يقولون إنك نور السماوات والأرض، بينما العلم يقول :إن الكون مظلم".

والمتاهة تنم عن ثقافة الروائي، وهي كسابقتها من المتاهات، إذ إن الروائي يعمد إلى الأستشهاد بالدلائل الثابتة، ويعمد إلى التشكيك، ومحاججة الخالق يقول: "حسب النص التوراتي فقد كان الظلام والمياه قبل ان يخلق الله النور، وكانت الأرض خرقةً وخاليةً ...".

والرواية ركزت ايضاً على الفعل الطائفي، وعواقبه الوخيمة، وكيف هشش هذا الفعل المشين الترابط الأجتماعي، ومزق اوصاله.

واعتمدت الفلسفة الجزء الأكبر في صياغة حيثيات الرواية، وبناء هيكليتها، عن طريق فلسفة الأمور، ومناقشتها بصورة بايولوجية فـ " الحياة ظالمة . هي تظلم بلا رحمة، لكن ماهي الحياة؟ أليست هي حركة وجودنا البايولوجي، والنفسي في الزمان، والمكان، والظلم يأتي ممن حولنا، ومعنا..!".

اخيراً اضيف، الرواية نسيج كتابي مفتعل من كاتبها، تقدم الأفكار، وتطرح الأحداث، وتواكب تطورات العصر المعاش، وما علينا كقراء إلا القراءة وابداء الرأي، ولا يحق لنا محاسبة الكاتب على أي ثغرة في إفكاره، وخروقاته المعلنة، وماعمل النقد والناقد إلا تقديم عرض نقدي لما قام بقراءته، والشاوي معروف بهذا النهج الكتابي المباشر، والمعلن، الخارج على أي ممنوع، وهو نهج يحسب للكاتب لا عليه ؛ لأنه يتبع  قاعدة " انا اكتب لكي لا اخاف، أكتب الخوف ضد الخوف" .

وبهذه الرواية اكون قد ختمت قراءة المتاهات جميعها، وعلى الرغم من الكثافة، والكمية الكبيرة في الحجم الكتابي، إلا أن المتاهات جميعها تستحق القراءة.

 

د. وسن مرشد

 

 

احمد بابانا العلويقراءة في فلسفة الرواية العرفانية

تقديم: لا مراء أن فن الكتابة أصدق مجالا تتجلى فيه المشاعر والأحاسيس، والمواقف...

فالكاتب يقدم أفكارا ومعاني ورؤى وصورا، وحقائق، والكتابة الروائية أداة للمعرفة، تقربنا من الأحداث الاجتماعية، وتشكلاتها وفهم أسبابها العميقة والدفينة...

فالرواية، تسبر وتكشف وتعكس المراحل الأكثر أهمية، في حياة الشعوب، كما تؤشر على الانتقال من عصر إلى عصر، ومن حضارة إلى أخرى.

إنها المرآة التي يرى فيها الناس أنفسهم ويقرؤون أفكارهم، وأحلامهم وطموحاتهم وهي أداة معرفة تخاطب العقل والوجدان معا، وتتوجه إلى الأحاسيس، وتصقل الذهنيات، وتحرض الإرادات...

والروائي شاهد على عصره، يسعى من خلال الكتابة إلى نسج رؤية خاصة للكون والحياة... تتوفر له القدرة على التعبير عن هذه الرؤية لأنه يدرك العوامل المتحكمة في التطور الإنساني عبر العصور من خلال جدلية الجغرافية والتاريخ، وما تبلور عن ذلك، في دائرة الاجتماع من حضارات وصراعات وأفكار وعلوم...

فعمل الكاتب ينحصر في الإعراب، عن المعاني، والبحث عن الحقيقة، وبالتالي فكل كتابة إنما هي طريقة وأسلوب في التفكير والتعبير عن حقيقة الحياة والوجود ..

سوف نتناول الأسس الفلسفية والصوفية في الرواية العرفانية كعمل أدبي، يحقق لونا من ألوان الحركة الشعورية الجمالية والمعرفية.

إن السرد الفني يعتمد على القدرة الخلاقة للتخيل، فيرتاد فضاءات، وينسج علاقات، ويكشف عن حقائق ومعاني، تسهم في خلق وعي بالعالم والآخر..

-1-

أدب الرواية العرفانية

تندرج الرواية العرفانية ضمن مشروع أدبي للكاتب عبد الإله بن عرفة[1]يقوم على الحروف المقطعة النورانية التي توجد في مفتتح بعض سور القرآن الكريم. وعددها أربعة عشر حرفا...

يرى الأستاذ بن عرفة أن مشروعه الروائي ينتظم ضمن معالم أدب جديد، قوامه اللغة الأدبية الرفيعة والمعارف المختلفة مع الاستفادة من التراث الروحي الإنساني .. وتوظيف "الخيال الخلاق" باعتباره أوسع مجال لإدراك الحقائق والمعاني والصور ..، مستضيئا بأسرار الحروف النورانية..

فالأحداث والشخصيات، والوقائع التاريخية، التي تناولها وشرحها في قوالب فنية سردية، خيالية لا تفهم إلا في إطار الأفق المعرفي والعرفاني، والجمالي ...، من منطلق أن الحكمة فضيلة خلقية ومعرفة بالوجود...

فالأدب الذي ينشده يؤسس لنموذج في المعرفة والفلسفة الأخلاقية في الإصلاح وتهيئة النفوس لتسمو وتتأهل لتلقي علوم الأسرار.

الأمر الذي يتطلب قارئا عاشقا، سالكا متذوقا للحكمة الذوقية الجمالية.

فالكتابة الإبداعية عند المؤلف تهدف إلى التربية والترقية الروحيين، والتنوير وجودة الأسلوب، وذلك بإحياء مفهوم للأدب، من خلال إعادة الاعتبار إلى اللغة الأدبية التي تستمد نورانيتها من التيه والجهل إلى نور العلم والوجد..

فالحضور يحقق إنتاج المعنى، ومقياس ذلك الحضور نستخلصه من مدى فهمه وتحول وجوده.فالقارئ ، حاضر ، متبصر ، يسهم في إنتاج المعنى، ويتحقق به  من الحضور .

مما يتبلور عنه (أدب الحضور) و(أدب المعنى) وقد اقتبس المؤلف مفهوم " الدازاين) من الفيلسوف هيدجر، بمعنى الحضور "هنا والآن" أي الحضور الدائم لكونه يشمل الوجود الظاهر، والوجود الباطن.

وتركز الكتابة النورانية على تحديد الفهم " للمعنى" و" الحقيقة" فالمعنى متعدد لأن هناك مستويات للفهم وهناك مستويات متعددة للحضور... (رواية الحواميم ص 10).

إن الكتابة العرفانية تستحضر العلاقة بالماضي، لأن قراءة الماضي يجب أن تصدر عن حضور كامل حيث هو فتح لإمكانية المستقبل الكامن فيكل ماض..  فالحضور يجعل المرء مسؤولا عن الماضي وعن الإمكانات المستقبلية الواردة فيه ( الحواميمص13.).

-2-

العلاقة بين الإبداع والتاريخ

لقد شكلت الخلفية التاريخية بعدا أساسيا في التجربة الإبداعية لابن عرفة، فالعلاقة بالماضي إنما تبرز مدى حضور الماضي في الحاضر ضمن المنجز السردي..

فالعلاقة بين الإبداع والتاريخ تتمحور حول طلب الفهم لاستكشاف ومعرفة أحوال الماضي ولفهم حقائق الحاضر، ووقائعه والتطلع إلى معرفة ملامح المستقبل.

إذا كانت الكتابة التاريخية أو الإبداعية تبحث في الاستقصاء عن حقائق الأشياء والأحداث والوقائع الاجتماعية... فإن التاريخ كعلم يدرس دور الأشخاص في الأحداث المتعاقبة وكذلك ما يحدث من وقائع اجتماعية مؤثرة في حركة التاريخ والعمران البشري.. إن الموضوع الحقيقي للتاريخ يتمثل في النتائج الواقعية التي أحدثتها الأفعال، ولايمكن فهمها إلا بمعرفة كيفية حدوثها، وبمعنى آخر ربط الخبر التاريخي بظواهر الاجتماع، وبهذا الصدد حرص ابن خلدون على التمييز بين ظاهر التاريخ، وباطنه، فالتاريخ في ظاهره إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، أي عبارة عن خبر عن أحداث الماضي  وبحث في أحوال البشر ووقائعهم .

أما في باطنه، فإن التاريخ نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابهاعميق ..[2] فهو بذلك علم يهتمبالصيرورة التاريخية.والبحث في تعليل الوقائع لمعرفة كيفية حدوثها، والكشف عن الأسباب المحددة لها.

فمهمة المؤرخ تأكيد مطابقة الأخبار للوقائع ويعتبر ابن خلدون المطابقة قانوناً في فلسفته الاجتماعية..

وغني عن البيان أن قانون المطابقة مرتبط بطبائع العمران وأصول الاجتماع وقواعد السياسة.

لقد كشفت المنهجية الخلدونية العلاقة الجدلية، بين الماضي والحاضر، وخلصت إلى أن فهم أحداث الحاضر تتوقف على الرجوع إلى وقائع الماضي، ومن خلال هذا الربط وضع ابن خلدون معيارا صحيحا يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلون من أخبار..

إن مطابقة الخبر ل" طبائع العمران" هي أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار. مما يجعل من التاريخ شاهدا على نفسه وليس مجرد حوادث تتعاقب في الزمان، دون خضوع لعوامل معينة، بل هناك خيوط تنظم هذا التعاقب وثوابت توجه مسراه ومجراه وفق قوانين معينة.[3]

إن ابن خلدون يهدف من دراسة الظواهر الاجتماعية إلى ما يحدث في العمران البشري بمقتضى طبعه. فعلم العمران البشري يبحث على الجملة (ضرورة الاجتماع والسلطة) وتأثير الهواء في أخلاق الناس، وتأثير الخصب والجوع. وتأثير العالم العلوي.) ومادة العمران الاجتماع وصورته الدولة.

فلا دولة بدون عمران، والعمران بدون الدولة متعذر.[4]

ومن الواضح أن تصور ابن خلدون للعمران البشري، كان قائما على أساس نظرته إلى الكون والإنسان .. لقد حاول إظهار التكامل بين ما هو روحي، وما هو مادي بين ما هو طبيعي وما هو اجتماعي بين ما تقتضيه طبائع العمران، وما تقرره المشيئة الإلهية، وبالجملة فقد حاول أن يجعل من مجموع الظواهر العمرانية (البداوة والحضارة والدولة والملك، والتجارة وأنواع الكسب والعلوم وأنواعها.) حاول أن يجعل من كل ذلك مظاهر خاضعةللمعقولية قابلةللدراسة والتفسير، لأنها كلها تخضع للمشاهدة والتجربة والاستقراء..[5]

تبحث فلسفة ابن خلدون التاريخية في الوقائع التاريخية وتسعى لاكتشاف العوامل الأساسية التي تؤثر في سير هذه الوقائع وتعمل على استنباط الأحكام العامة التي تتحكم في سير الحركة التاريخية، بأحداثها المتعددة والمتداخلة.

فالوقائع التاريخية لا تقع بالصدفة، ولا تخضع للاحتمال فالذي ثبت من الوقائع هو الذي يفسر ويحلل ويتعرف على دلالته وآثاره الراهنة والمستقبلية..[6]

إذا كان علم التاريخ يقوم على مشاهدة الوقائع، وبيان الرابطة التي تربطها فإن المؤرخ يبحث عن الوقائع ويصل إليها عن طريق الملاحظة الدقيقة للنصوص،أما الكتابة الأدبية فإنها تقوم على التخييل lafiction"" باعتباره المفتاح لدخول عالم الوقائع ..

فالوقائع المادية والأفعال الإنسانية الفردية والجماعية، والوقائع النفسية كلها موضوعات تُتخيل. إن الوقائع التي يتخيلها الأديب ويتناولها في روايته، ليست كلها خيالية، بل هي ذاتية بالضرورة، لكن الذاتي subjectif ليس مرادفا لما ليس بحقيقي أو غير واقعي irréel""  فالذكرى ليست إلا صورة، لكنها ليست مع ذلك وهما، بل امتثال لحقيقة واقعية مضت..[7]، فلا يقال عن خلائق الخيال أنها  تطابق الواقع أو لا تطابقه، وإنما تصدق أو لا تصدق بمقدار تعبيرها عن خوالج النفس التي توحيها، ومقدار براعتها في الرموز إلى معانيها..

وعلى عادة الخيال بتمثيل المعاني بالمحسوسات فإذا قيل بأن هذه الخلائق الخيالية أنها صادقة فإنما يقال إنها خيال صحيح التعبير ورمز صادق الدلالة..

الكتابة الأدبية ليست محاكاة " لوقائع" وخطاب الأدب يلملم شتى المعاجم، والسجلات، ويرتاد أكثر من فضاء، ويوظف المسموع والمرئي ، وينسج عن وعي، ولا وعي علاقة المبدع بالأدب إلى جانب  علاقته بالعالم والأخرين، وبذاته قبل كل شيء...[8]

الأدب العرفاني يصهر هذه الاتجاهات والوقائع التاريخية، والصور الفنية الخيالية في بوتقة واحدة كما يتناول سرائر النفس الإنسانية بحسب رموز التصوف وأسرار الحروف النورانية..

-3-

إضاءات نظرية حول مشروع الرواية العرفانية

انطلق مشروع الرواية العرفانية، برواية " جبل قاف" سنة 2002 التي تتناول سيرة الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي باعتباره الملهم للمؤلف في عالم الإبداع العرفاني يقول المؤلف بهذا الصدد وهو الذي سقاني من رحيق محبوبيته وألبسني، خلعة سيادته فلهجت بما أعارني من بنات كشفه، فلست سوى اللسان والترجمان..[9]

وقد تناول في رواية " بلاد صاد" سيرة وحياة الشيخ أبي الحسن الششتري( ت 668هـ)

وليس غرضنا الإحاطة بكل جوانب المشروع المعرفية، والجمالية .. وإنما نروم أننقدم بعض الإضاءات النظرية حول مشروع الرواية العرفانية والكتابة السردية التي تستلهم أسرار الحروف النورانية، لتؤسس لتصور معين للكتابة، باعتبارها شهادة حضور، تعالج أحداث حضارية وتاريخية كبرى وفق المنظور المعرفي، والعرفاني والجمالي..

فرواية " الحواميم " تعالج مأساة طرد المورسكيين من الأندلس ورواية طواسين الغزالي تعالج سيرة هذا الإمام العبقري  كما تعالج رواية "ابن الخطيب في روضة طه" سيرة  الوزير الأديب ابن الخطيب..، وهكذا في باقي الروايات (ياسين قلب الخلافة). حول السلطان عبد الحميد، وطوق سر المحبةعن ابن حزم والجنيد الم المعرفةعن الإمام الجنيد، وخناثة ألر الرحمة عن أم السلاطين، الأسرة العلوية الحاكمة في المغرب.

إن الغاية المتوخاة منأدب الرواية العرفانية بمختلف أنساقها البيانية، والمعرفية هي أن يحصل العرفان على  الكمال، طبقا لنموذج "حي ابن يقظان" الذي وضعه الفيلسوف ابن طفيل، ليقرب الفلسفة إلى الخليفة الموحدي (يوسف بن عبد المومن) فجعل البطل ينتقل من المعرفة الحسية إلى المعرفة العقلية البرهانية، وينتهي إلى المعرفة الروحية العرفانية.

إن البناء الجمالي والقيمي للرواية العرفانية، قائم على الحروف النورانية المقطعة، التي توجد في مفتتح بعض سور القرآن الكريم، وعددها أربعة عشر حرفا، اختلف المفسرون حول المعنى المقصود بها، فيرى البعض أنها من أسماء الله الحسنى..

وفي القرآن تسع وعشرون سورة تبدأ بحروف الهجاء المقطعة ..، منها ما يبدأ بحرف واحد، أو حرفين، ومنها ما  يبدأ بثلاثة حروف، ومنها ما يفتتح بأربعة حروف..  .

ويعتبر جمهرة العلماء الحروف المقطعة من الآيات المتشابهة (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ ) ال عمران الآية 7.

والرأي الراجح أنه لا يمكن القطع بمعانيها وأسرارها البيانية..

إن قراءة أهل الظاهر للنص لا تقر بتأويلالمتشابه. لأن تأويل الآيات المتشابهة يجعلها في حكم المحكم، ولا يقبل ابن عربي بالتأويل العقلي الذي تبناه ابن رشد، لأن الفكر غير معصوم من الخطأ..، (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗوَمَايَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) يعني متشابهه، ومحكمه، فإن أشهده الله مآله فهو عنده محكم، وزال في حق هذا العالم العارف التشابه لما ألهمه الله به..، فهو وإن عرف تأويله فلم يزل حكمه متشابها..[10] فالصوفية بحسب ابن عربي أحق بشرح القرآن من علماء الرسوم والفلاسفة، لأن شرحهم يكون تنزيلا من عند الله على قلوبهم ..فلا سبيل الى معرفة الله  الا بالله نفسه وبالتالي فان  المعرفة بالله معراة  من الاسماء الالهية وتجلياتها ليست بمعرفة حقيقية ..

المعرفة الاشراقية  لا تكون الا بتلقي التجليات النورانية تحققا وتخلقا  وتعلقا ..

الحروف موضوع شائع، بين علوم الحكمة والتصوف والقرآن والتفسير واللغة، وكل علم يتناوله على طريقته، يؤوله الفلاسفة والمتصوفة ويتحير فيه المفسرون.

كتب ابن سينا "رسالة في الحروف" وعقد له ابن عربي باباخاصا، في الفتوحات المكية، بعنوان " في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم، وما لها من الأسماء الحسنى ومعرفة العلم والعالم والمعلوم" ويشير ابن عربي إلى أن الحروف المتفرقة في أوائل بعضالسور، لها معان تخفى على الأنظار وليس عبثا او غير مفهومة..[11]

إن منهج تحليل الحروف يقوم على التحليل والمشاركة بين النص والقارئ حتى تحدث عملية الفهم.

إن ابن عربي في تناوله للموضوع، يحول نظرية   العلم إلى نظرية الوجود، فاللغة ليست فقط أداة للتعبير والإيصال، بل هي " منزلة الوجود" التعبير عن طريق الكون وحركات الكلمات التي تطابق حركات الوجود..

إذ يتسم الخلق باللغة،جماع الحروف والكلمات والمعاني، والأشياء، فالوحدة الأولى في الكون هي اللغة واللغة تبدأ بالحروف وألفاظ حروف، "إن الحروف أئمة ألفاظ"...[12]

إن معرفة مراتب الحروف تحيل إلى معرفة العلم والعالم والمعلوم، إحالة المعنى وهو العلم على الشيء والمعلوم أو العالم حامل للعلم، في لفظة أوفى معناه. والغرض هو إظهار إشارات من أسرار الوجود.

والقرآن،نزل على سبعة أحرف، ليس بمعنى القراءات أي المعنى الصوتي للحرف، بل بمعنى الأعماق في الفهم ومستويات المعرفة طبقا لمستويات الوجود..[13]. فالحرف له وجودان وجود في اللسان ووجود في فن الكتابة ..

والحروف لها معنى خاص في اوائل السور ومعنى عام في اللغة ..

-4-

تاويل الحروف النورانية عند ابن عربي

يستند المؤلف إلى مذهب للشيخ الأكبر ابن عربي  في تاويل الحروف من منطلق ، بأن القرآن منزل من حيث الفرقانية "بمطابقة تفصيل الوجود، فإنه بآياته التي فصلت ما بين أصوله التفصيلية ..لذلك يتجه من الحرف الى الروح ومن التنزيل الى التاويل ومن الظاهر الى الباطن مثل كل المتأولين من الفلاسفة والمتصوفة ..

وتحيل الأحرف إلى مراتب هذا الوجود. وأسرار الأحرف هي حقائق الموجودات، كما أنها تعبر عن حقائق الموجودات التي تتجلى خارج التوالي الزمني..

ويربط ابن عربي بين الأسماء الإلهية، ومراتب الوجود من جهة، وبينها وبين حروف اللغة من جهة أخرى، ويؤكد على أن الصفات الإلهية، وأسماء الله الحسنى لا تحصى في الحقيقة، لأنها تعبر عن الجوانب المختلفة للذات الإلهية اللامتناهية..

لقد نشأ الوجود كله حروفا في النفس الإلهية والإنسان الكامل هو الوسيط بين الذات الإلهية والإنسان...

إن النسق المعرفي لابن عربي ، يدور حول التجليات ومفهوم الأسماء، والصفات وغاية العارف  هي إدراك  تجليات الله، بأسمائه وصفاته في ظواهر الوجود، وقوانينه وحركة التاريخ حيث تفصح الإرادة الإلهية عن  ذاتها، في تجلياتها بأسمائها  وصفاتها اللامتناهية.. ضمن هذه الرؤية الجمالية والعرفانية نسج المؤلف مشروعه السردي الروائي .. فيختم السلسلة الثالثة من المشروع، وهي السلسلة المتعلقة بالفواتح الثلاثية ( ط سم- ألم- ألر) طوق سر المحبة، والمعرفة – الجنيد  والرحمة " خناثة .. فقد خصص الرواية الثالثة (خناثة) لقيمة الرحمة بعد (ط- سم)  لقيمة المحبة و (ألم) لقيمة المعرفة ( الجنيد)..

ويرى المؤلف أن الشخصية المركزية في الرواية العرفانية هي الفواتيح النورانية (أي الحروف) أما الشخصيات الإنسانية ، فليست سوى مظهر  من مظاهر هذه الشخصية الكلية وترجمة  لها، في عوالم الإنسان..[14]

ويترتب عن هذا وجود سيرتان في الرواية العرفانية، سيرة تاريخية روائية للبطل أو الشخصية (ابن الخطيب الغزالي السلطان عبد الحميد، ابن حزم، الجنيد، خناثة أم السلاطين..) وهناك سيرة عرفانية عليا للفاتحة النورانية، يحققها الحديث، عن تجلياتها في مختلف مراتب الوجود..، هذا التمييز يجب أخذه بعين الاعتبار بين ما هو تاريخي أو إنساني بشري، وبين ما هو عرفاني من عالم المثل، والفضائل والكمالات..

ولا شك بأن هذا الوضع قد يربك القارئ المتعود على إنساق الرواية التقليدية ، ولتجاوز هذا الوضع لا بد من قارئ شريك في العملية الإبداعية ، ولا بد  أيضا من تحرير الإبداع من كل إلزام ووصاية، أو انحياز أو إخضاع، وأن تكون الغاية من الإبداع الجمالي شهادة على الحاضر والمستقبل...

فالأدب الرفيع  تعبير صادق عن تجارب الحياة الزاخرة .. ينفذ الى روح الموضوع  ويحيط باصوله و مقوماته وهو القادر على الحضور في كل الأزمنة التاريخية والعرفانية،لأنه سفر في الوجود والأزل..

-5-

خاتمة

إن أدب الروايةالعرفانيةيضع مفهوما محددا للسرد كأداة للتربية والترقية، روحين، والاستضاءة بعلم الحروف، واستبطان المعارف الروحية،  بالذوق..

بهذه المقاييس يستطيع القارئ ولوج عوالم هذا الأدب والتحقق بحقائقه..[15]

العمل السردي، ليس استنساخا للأحداث والوقائع التاريخية، إنه بناء مستقل يمزج الوقائع التاريخية بالخيال الروائي..  الذي يتشكل من مجاز اللغة والخيال...

فانفتاحه على الوقائع والأحداث التاريخية الغرض منه توسيع دائرة الخيال، بحيث يصبح المحكي التاريخيبأحداثه وشخوصه وتفصيلاته وأبعاده الشعورية والنفسية، ينتمي إلى الخيال الخلاق..

والخلاصة أن تجربة الرواية العرفانية تجربة أدبية خصبة، متعددة المداخل،ورحبة الآفاق، تمزج بين النظر الفكري والتأمل العرفاني والذوق الجمالي لتجعل من الإبداع شهادة على أحداث العالم ومفارقاته ...

لا ريب ان الرواية مرآة يرى فيها الناس أنفسهم والرواية العظيمة لا تخلو من الفن، لأن الفن ينشأ من الروح، فإذا انتهى العصر بقيت الترجمة لأنها ترجمة عن الإنسان الخالد.الرواية العرفانية،قراءة للماضي من خلال حضور كامل، وفتح لإمكانيات المستقبل الكامنة في التراث الحي في طوايا النفوس والذاكرة الجمعية للأفراد والجماعات،غايتها استنهاض الهمم وإيقاظ الضمائر وحث الإرادات من أجل الصلاح والإصلاح، والانخراط في حركة الحضارة الإنسانية.

الادب كالحياة فلا يستوعبه ولا يستغرقه أسلوب.. انه بحر من الأفكار الخلاقة والخواطر البديعة الهادية لعلم الأسرار الذي ينير القلوب..

و الفكر الحق تعبير عن الحس الصادق والراي الجريئ والعزيمة الصارمة والبصيرة النافذة  التي تستبقي ما هو جدير بالبقاء ..من العقائد الصالحة  التي خلصت من الشوائب  وتهيأت للتوفيق بين حقائق الحياة .. وذلك بالفن الخلاق الذي يجمع بين صدق اللباب والجوهر..وفضائل الكمالات ونورانية العرفان..

 

أحمد بابانا العلوي

....................

[1] بدأ المشروع برواية جبل قاف سنة 2002 ثم بحر نون 2007، بلاد صاد 2009، الحواميم2010،  طوااسين الغزالي 2011، ابن الخطيب في روضة طه 2012، ياسين قلب الخلافة 2013، طوق  سر المحبة 2015، الجنيد ألم المعرفة 2017، خناثة الر الرحمة 2018.

[2] ابن خلدون ، مقدمة ابن خلدون ، ج.1، ص351.

[3] محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون العصبية والدولة ، ط8-2007، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 100.

[4]ابن خلدون،المقدمة، ج 3، ص 883.

[5] العصبية والدولة، ص 118.

[6] خالد القحطاني، الكتابة التاريخية ، دار طوبقال للنشر ط 1/2012، ص 14.

[7] النقد التاريخي ، ترجمة عبد الرحمن  بدوي ، دار النهضة العربية ، ط4/1981، ص173.

[8]محمد برادة ، من أجل النسيان ، لعبة النسيان، امرأة النسيان دار الشروق ، ط1/2010، ص298.

[9]عبد الإله بن عرفة، جبل قاق، منشورات ضفاف، ط1/2013، ص 5.

[10]محمد غراب ، رحمة الرحمن في تفسير القرآن 1989، ص313.

[11] حسن حنفي،تأويل الحروف عند ابن عربي، في كتاب الرمزية والتأويل فيفكر الشيخ ابن عربي، دار ننوى ، ط 1/2017.ص29

[12] المصدر السابق، ص31.

[13] المصدر السابق، ص 33.

[14]عبد الإله بن عرفة، خناثة – ألر- الرحمة، ط1 / دار الآداب 2018- ص 263.

[15] محمد التهامي الحراق، في الرواية العرفانية في تجربة عبد الإله بن عرفة ط 1/2012، جمعية سلا، المستقبل، ص 17.

 

 

المصطفى سلامتقديم: تنتمي قصة "هو الذي رأى" إلى المجموعة القصصية : "هو الذي رأى" للكاتب المغربي حسن البقالي والتي تتضمن اثنين وستين قصة قصيرة . وقد ورد النص موضوع التحليل في الصفحة 93- 94. فماهي خصوصية الإخراج السردي لهذا النص؟ وما هي أبعاده الدلالية؟

في المتن:

"بالسماق رسم قرصا على كف الطفل المبسوطة، وقال له: أنظر جيدا . هو لم ير غير بقعة سماق على الكف، لكن الفقيه ينتظر منه أن يرى الشهباء مربوعة القد التي تؤذي أمه...لا تقل إنك لا تراها، أنت تراها دون شك، أنظر جيدا، ماذا ترى؟

كان لا بد أن يرى، الشهباء مربوعة القد، الشهباء البغيضة، المؤذية، التي تتوسل بالسحر كي تخطف أباه من أمه. ثم رأى كل ما أوحى له الفقيه برؤيته، وشط به الخيال أبعد من ذلك، رأى السحر نفسه مدفونا تحت العتبة، ينبض كقلب دافئ يغري بالاحتضان، رأى الدرب الضيق، والفضاءات البعيدة حيث تركض أحصنة بيضاء لم يمتطها أحد، رأى مباني أثرية في مصر الفرعونية، رأى موسى والسحرة، وصيحات قتال تند عن أودية التاريخ...ثم رأى أمه يلتمع في عينيها بريق، وتخرج من صرتها ما تمنحه للفقيه: شكرا أيها الفقيه، لقد عرفت الآن غريمتي. ثم لم يعد يرى شيئا حتى مر عليه وقت ليس يدري عدده. قال له: أنت ولد طيب .و فتح لهما باب الخروج."

في البناء السردي:

من خلال التأمل في طبيعة التماسك البنائي لأحداث الحكاية في هذا النص، يمكن لنا أن نستكشف طريقة إخراجها وتمثيلها سرديا، وبالتالي منحها شكلا تدرك من خلاله .فبدون الشكل لا قيمة للحكاية كحكاية . هكذا يمكن أن نرصد المسار السردي وفق ما يلي:

1 – الأمر بالنظر: في بداية النص، يأمر فقيه طفلا أن ينظر في يده بعد أن خطط فيها راسما دائرة بمادة كيماوية خاصة، ويكشف ملفوظ النص ذلك: " أنظر جيدا "

2- الاستجابة: حيث يستجيب الطفل لأمر الفقيه، إذ نظر إلى يده وأعرب عما يراه ؛ رأى يده فارغة إلا مما خطه الفقيه سابقا. وهذا رد غير مرض للفقيه. وقد عبر السارد عن ذلك قائلا: " هو لم ير " .

3 -الإلزام بالمنظور: لقد ألزم الفقيه الصبي أن يرى ما يريده أو يرغب في أن يراه . والإلزام هنا ليس مساعدة للطفل على تخطي المباشر والمادي أو المرئي من أجل الولوج إلى عالم غير مرئي. عالم غيبي. وإنما هو رسالة من الفقيه إلى الأم التي تراقب عملية الخروج من عالم الشهادة إلى عالم الغيب. بما يوحي به من آثار أو يثيره من دهشة أو اندهاش عند الأم. هنا ألزم الفقيه الطفل أن يرى من تسعى إلى خطف والده من أمه وفصله عنها. الفقيه هنا يسعى إلى إقناع الأم باعتبارها زبونة تقصده لحل مشكلة أو علاج مسالة لديها. وبالتالي التأثير فيها. ومن جهة ثانية التأكيد على أهليته وقدرته على حل معضلة الأم.

4 – رؤية ما لا يرى: هنا امتدت رؤية الطفل في الغيب، واتسعت عينه لترى في الماضي السحيق عوالم وفضاءات عجيبة غريبة. لقد تنوعت منظوراته: سحر مدفون وفضاءات غريبة وأحصنة بيضاء ومباني فرعونية ثم موسى والسحرة ...

5 – رؤية ما يرى: الطفل هنا أصبح موزعا بين الحضور والغياب، بين المرئي واللامرئي، بين الفقيه والأم، وقد انشدت عينه إلى أمه ليرى اندهاشها والبريق في عينيها وفرحتها من معرفة عدوتها ...

6 – الانقطاع عن الرؤية: أو انطفاء العين، إذ في هذه المرحلة انقطع الطفل عن رؤية الفقيه والام معا، واصبح في حضرة الغياب، إما بتأثير عوالم الغيب والسحر أو تأثير الفقيه عليه أو عدم قدرة الطفل على ذلك ...يقول السارد: ثم لم يعد يرى شيئا، حتى مر عليه وقت ليس يدري عدده....

لقد انبنى هذا النص سرديا على مشهد أو رؤية، حيث مساحة الحكاية هي مساحة الرؤية، وعمق الحكاية هو عمق الرؤية، وإطار الحكاية هو إطار الرؤية . وموضوعات الحكاية هي موضوعات الرؤية ...و وتيرة سرد الحكاية هي دينامية الرؤية ...و يكشف النص عن ذلك من خلال ملفوظاته:

- هو لم ير .....أنت تراها ......كان لا بد أن يرى ......

- ثم رأى ......ثم رأى ..........ثم لم يعد يرى شيئا ....

هذا التقطيع في الرؤية هو سبب تمفصل الحكاية إلى مشاهد أو متواليات .

مسار الرؤية/ مسار الحكاية:

تأسست الحكاية في هذا النص على برنامج ثلاثي، يمثل الطفل فيه الفاعل الرائي من الدرجة الثانية أو الرائي الوسيط . بينما الفقيه فهو الفاعل الرائي من الدرجة الأولى، ويمكن اعتبار الأم رائيا من الدرجة صفر، ولكل فاعل هنا مسار رؤيوي من حيث موقعه في بنية الحكاية.

أ – برنامج الفقيه أو رؤيته:

تتأسس رؤية الفقيه على المسار التالي:

1 – الادعاء: حيث يدعي معرفة عوالم السحر وأسرار الغيب، يزعم أن له فقها وعلما ودراية بها، أي بأسرار السحر وقوانينه، بناء وهدما، تركيبا وتفكيكا ...

2 – الاحتمال: حضور المرأة لديه شاكية ومدعية أن امرأة ثانية قد تخطف منها زوجها هو احتمال من بين احتمالات كثيرة . وهذه الشكوى تؤكد ما يدعيه الفقيه من جهة، كما قد تكون مناسبة لاختبار معرفته بالسحر وعوالمه.

3 – التوسط: إذا كان من الصعب جعل الادعاء والاحتمال ينتقلان من حالة الشك إلى حالة اليقين، وجبت الاستعانة بدليل توسطي أو تسخير طرف ثان وفق شروط معينة من أجل إضفاء طابع اليقين والحقيقة على الادعاء والاحتمال. وهنا يستعين الفقيه بالطفل كسند مادي وروحي ربما توفرت فيه بعض الشروط التي تسمح بذلك أو يجيزها الولوج إلى عوالم الغيب والسحر. إضافة إلى شكل الكتابة ومادتها على الكف. هذه الإجراءات هي التي ستنقل الفقيه من حالة الادعاء والشك إلى حالة اليقين والحقيقة، أي نقل ما يقوله ويدعيه من الشك إلى اليقين.

4 – اليقين: حيث عندما يخبر الوسيط ويعبر عما يراه في كفه بوحي من الفقيه أو إيعاز منه: تأويل علامات وأشياء وأحداث ترى في الكف التي أصبحت مرآة، يتحقق اليقين عند الأم / المرأة بأن ما كان لديها من وهم أو شك هو حقيقة وأن ما كان الفقيه يدعيه قبلا من معرفة وخبرة هو يقين كذلك .

5 – الجزاء: يشكل الجزاء هنا نهاية البرنامج الخاص بالفقيه من جهة أولى . حيث سينال جزاءه أي أجرا ماديا أو معنويا مقابل ما أنجزه من عمل: كشف ما يهدد حياة المرأة أو ما يمكن أن يكون شرا لها أو ضررا محتملا يتمثل في امرأة شهباء قد تكون تخطط لخطف زوجها منها وبالتالي تركها في حكم المطلقة. وهنا الفقيه لم يحدد نوع الجزاء الذي سيناله لأنه لم يتفق قبلا مع المرأة حوله بل ظل غامضا ومبهما. إنه في النهاية هو الذي سيفرض نوع الجزاء. وبالعودة إلى النص نلاحظ أن القصة أسفرت عن نوع وأعرضت عن آخر:

شكرا أيها الفقيه، لقد عرفت الآن غريمتي ..."

فماذا أخرجت المرأة للفقيه من صرتها؟ نقودا؟ ذهبا؟ شرفها؟؟ وبماذا توحي الصرة هنا؟ ألا تكون قد منحت الفقيه ذاتها أو عرضها أو شرفها؟ بعد أن كشفت عنه؟ مادام ليس هناك ما يمنع الفقيه من أن ينال جزاءه بالصورة والصيغة التي يريد؟ وما دام ليس هناك من يمنع المرأة من أن تكشف عن عرضها للفقيه؟ والذي يوحي بذلك ما ورد في النص:

ثم لم يعد يرى شيئا، حتى مر عليه وقت ليس يدري عدده؟

الطفل هنا هو المانع من أن ينال الفقيه جزاءه من عرض المرأة وشرفها، لكنه اصبح في حالة غياب أو عطالة، أي أن الفقيه ألغى دليل تهمته " الطفل" والذي يؤكد ذلك قوله في النص:

أنت ولد طيب؟؟

ب- برنامج الطفل أو رؤيته:

يتأسس برنامج الطفل هنا من خمس مراحل تتوالى في الزمن وتختلف في الموضوعات:

1- الرؤية في الدرجة صفر: حيث في هذه المرحلة تتحدد رؤية الطفل بالإطار المادي للرؤية أوالنظر، إذ رأى ما خطه الفقيه على كفه: " هو لم ير غير بقعة سماق على الكف ..."

2- الإكراه على الرؤية: الطفل هنا لا يملك سلطة على الفقيه أو على أمه، بأن يعلن بكل حرية عن موضوع رؤيته، لكنه مرغم هنا أن يرى ما يريده غيره ان يراه والفقيه هنا اتخذ من الطفل وسيطا لأن يعلن عما يراه . واكد ذلك النص: كان لا بد أن يرى ...

3- الرؤية بالوحي أو الإيحاء: يفيد الوحي معاني مثل الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي والسرعة والعجلة والإلقاء في الروع إلهاما وبشدة ليبقى أثره في النفس ...كما يفيد وجود طرف أول أو قوة أولى تكون مصدر الكلام او الخطاب، بينما يكون الطرف الثاني الموحى له الناقل فقط أو الوسيط الذي يوصل الرسالة فقط دون تغيير أو تبديل . ثم هناك الطرف الثالث الموحى به أي إنه مضمون خطاب او كلام الطرف الأول الذي يرغب في أن يوصل رسالته إلى غيره عبر وسيط، ويمكن أن نضيف الموحى إليه أي الجهة التي ستستقبل الرسالة وتكون معنية بها أو تخصها. وهنا في النص يمثل الطفل وسيطا وجب عليه أن يبلغ أو يعلن ما أوحي له به، وهذا يكشف خضوعه للفقيه الذي ألزمه بتبليغ ما رأى من أشياء لأمه. يكشف ما أوحى به الفقيه للطفل تجاوز الحاضر والولوج إلى عالم الغيب، كما أن الطفل هنا لم يعد يرى ما يدركه بصره أو إحساسه، بل فقط يعكس ما يراه غيره .

4- الرؤية بالأثر: أو رؤية تأثير ما رآه على غيره، أي كيف استقبلت الأم ما رآه طفلها وما أخبر عنه من أشياء وأحداث ليست في الحاضر وإنما هي في الغيب، لقد اثرت الموضوعات الموحى بها والتي كشف عنها الطفل في المرأة وأثارت استغرابها واندهاشها. كما أحدثت فيها انفعالات خاصة وجعلتها تستجيب لأمر الفقيه بأن تسرع إلى مكافاته على كشفه أو عمله." ثم رأى أمه يلتمع في عينيها بريق وتخرج صرتها ...."

5- الرؤية في الدرجة تحت الصفر: بعد أن أعلن الطفل عما أوحى به الفقيه من مضامين وموضوعات غريبة عن الحاضر ويسعى من خلالها الفقيه إلى التأثير في الأم كي ينال مراضه أو يحقق غايته، انقطع الطفل عن عالم الشهود وانفصل عن عالم الحضور، أي عالم المرأة والفقيه ولم يعد يدرك ما يفعلان أو يمارسان من افعال أو انفعالات،انفصل عنهما زمنا ليس بالقصير أو المديد " ثم لم يعد يرى شيئا ..."

هكذا كان برنامج الرؤية عند الطفل برنامجا متحكما فيه، وموجها لغاية أو غرض من يملك سلطة النظر والرؤية والتأثير، اي الفقيه. كما أن الإرغام والإيحاء يكشفان عن هيمنة قوة / طرف على طرف آخر.

ج- برنامج المرأة أو رؤيتها:

يتأسس برنامج الرؤية لدى المرأة على ما يلي:

1- أن تسمع / أن ترى:

عند حضور المرأة رفقة طفلها عند الفقيه، علها تجد حلا لمعضلتها، والمتمثلة في توهمها أن امرأة ثانية تخطط لخطف زوجها منها، اعتمادا على تأويلها لمجموعة من التصرفات والمواقف التي أصبحت تميز سلوك الزوج، بدأت تسمع ما يتلفظ به طفلها بوحي من الفقيه:" لا تقل إنك لا تراها، تراها دون شك ..." وهنا أصبح السمع بديلا عن البصر، والأذن عوضا عن العين، فكان ما تسمعه تأكيدا لما كانت أو تتوهمه أو تظنه .

2- أن ترى / أن تعرف:

بعد أن سمعت المرأة ما أعلن عنه الفقيه من خلال الطفل، تيقنت المرأة من أن شكها كان في محله وأن توهمها كان صوابا وأصبح الآن حقيقة ويقينا . وذلك لما تعتقده من قدرة لدى الفقيه في الكشف والبيان ومعرفة عوالم السحر. كما تيقنت من غريمتها وعرفتها فما كان لها إلا أن تشكر الفقيه على إنجازه: " شكرا لك أيها الفقيه، لقد عرفت غريمتي ..."

شكر الفقيه بين التهمة والبراءة:

يحمل ملفوظ الشكر الوارد في النص دلالات مختلفة، يمكن أن نقف عند بعضها:

أ- شكرا لك أيها الطفل أنت ولد طيب: يشكره على توسطه بين عالم الحضور والغياب، بين المرئي واللامرئي، يشكره على تدليله على كون ما يدعيه الفقيه ويزعمه أن حقيقي ويقيني. الطفل هنا هو الشاهد والبينة لدى الفقيه ليجعل أوهام المرأة حقيقة وأن ما كان عندها ظنا وشكا هو يقين.

ب- أنت ولد طيب: طيبة الولد أو طيبوبته في براءته من جهة وفي خضوعه واستسلامه لتأثير الفقيه من جهة ثانية. كما أن طيبته تكمن أيضا في غفلته وعدم قدرته على تكذيب الفقيه ودحض ادعاءاته. وغفلة الطفل عما حدث بين الفقيه والام بعد أن تعطلت رؤيته وانقطع عن الوجود مدة من الزمن، تستحق الشكر من الفقيه لأنه لم يعرف نوع الجزاء الذي ناله الفقيه، لكيلا يكون شاهدا على جريمة الفقيه أو خيانة الأم.

ج- أنت ولد طيب: تعبير يتضمن غبطة الفقيه وانتشاءه بقضاء مآربه، ليس رضى عن عمله، لأن ما قام به ليست له حماية قانونية أو أنه مؤطر قانونيا وفق مساطر مضبوطة كما هو الشأن في مدونة الشغل أو المهن . فهل ما يقوم به الفقيه مشروع ومرخص له؟ هل يؤدي ضرائب للخزينة مثل ما هو الشأن في باقي المهن؟ هل يتحمل الفقيه أخطاء مهنته؟ هل يجوز استغلال طفل لقضاء مآرب وغايات؟

خاتمة:

إذا كانت للفقيه باعتباره إطارا اجتماعيا وثقافيا ودينيا وظيفة بالغة الأثر في النسق الاجتماعي التقليدي، فإن ذلك لم يجعله بعيدا عن المساءلة والانتقاد ولو بطريقة غير مباشرة . والسبب في ذلك أنه قد ارتبطت بممارسات الفقيه في البيئات الاجتماعية بعض الأخطاء والخروقات التي اعتبرت جنحا يعاقب عليها القانون مثل النصب وبيع الوهم والاستغلال والاغتصاب والخيانة والقتل أحيانا ...و تأتي قصة " هو الذي رأى "في سياق الأدب الذي تناول هذه الظاهرة من خلال الآليات الفنية السردية وتبقى طبعا للقارئ حرية التأويل وتفكيك رموز القصة وتفكيك بنياتها من أجل بناء معاني وتشييد دلالات جديدة .

 

إنجاز: د. المصطفى سلام

 

 

للنقد دور ملهم يصاحب الإبداع الأدبي، ويلقي الضوء على الأعمال المهمة البارزة فيه، ويقدمها للقراء بلغة تكشف عن ملامحه الخاصة، وتعالج سلبياته. والمداخلات التي تأتي الى الموضوعات الفكرية والنصوص الشعرية ينبغي ان تكون في خدمة الموضوع وخدمة النص الشعري، وليس لخدمة الكاتب او الشاعر في صيغة مديح وإطناب في التمجيد او مبالغة فاضحة في اضفاء الصفات على الكاتب او الشاعر اكثر مما يستحق شعره، وحتى احياناً يرقى ذلك الى مستوى الاستهانة بأصول الشعر وقوانينه وبحوره وموسيقاه وصوره بحيث يتحول الموضوع الى إشكالية تحملها لغة خاصة دون ان تعالج سلبياته ومستعصياته. ليس الامر مرتبط بثقافة المتلقي وعمق ثقافته او اتقانة صناعة اللغة وصياغة مفردات النص الى مستوى الإبداع الأدبي فحسب، بل له علاقة صميمية بروابط اخرى تؤكد الشخصنة الذاتية التي لا علاقة لها بروح النص ابداً .. قد يكون النص فاجراً او يسبح ضد التيار او بعيداً عن الواثع المعاش، ولكن المداخلات في بعض منها وهي كثيرة تأتي وهي مأخوذة بالشخصنة الذاتية ودوافعها التي قد تكون سياسية او دينية او آيديولوجية تفرض احكامها محابات وتمجيدات وتفخيمات ومباركات ومديح مبالغ فيه لحد القرف على حساب الموضوع او النص الشعري، الأمر الذي يضع الأدب والشعر على وجه الخصوص في أزمة بين الشاعر وبين المتداخل على النص الشعري او الفكري .. وليس كل الذين يمارسون المداخلات نقاداً او يمارسون احتراف النقد الأدبي، إنما شعراء او ذواقون وقصاصون وأدباء وروائيون ومحللون سياسيون، إلخ .

لا يجب ان تكون الشخصنة بشكلها وقامتها متسلطة على النص بفعل التقارب مع الكاتب او الشاعر .. النص هو الأساس الذي يجذب المداخلات وليس صاحب النص إذا اردنا الموضوعية من جهة، والإسهام في كشف خبايا الإبداع في النص وجمالية صوره الإبداعية وإيقاع موسيقاه ومدى محاكاته لواقعية الجمال فيه، وجمال الواقعية التي يفرزها النص . وعلى هذا تتنوع مسارات النقد وتتعدد، من أجل استجلاء جماليات النص وتكشف عن جوهره الثري، والوصول إلى محاولة تلمس دواخله بحيث تصبح المداخلة النقدية ذاتها إبداعاً موازياً من جهة، ورؤية للعالم من جهة ثانية . فالنقد الأدبي لن يخرج من أزمته إلا إذا تخلى الناقد أو المتداخل عن سلبيته تجاه المبدعين، ووضع نصب عينه أن يكون في خدمة العمل الأدبي، وليس صاحبه.

وظيفة الناقد تفكيك المفردة المثارة في البناء الفكري او الأدبي للنص ولا علاقة له في ذلك مع الكاتب او الشاعر.. والوظيفة هذه هي شغف الفن وقوته وسحره حيث يتجلى سحر النص الشعري ووهج النقد من خلال اعتماده المعرفة والخبرة وتراكماتها الفكرية والجمالية، حيث يكون كل شيء صالحاً للحضور، لكن تظل الشروط خاضعة للتوظيف الجمالي والتخيل والابتكار. من هذا يكون النص الشعري مفتوحاً على الذات ومفتوحاً على الحياة في عالم يتسع للتراكم والتجديد والإبداع .

ثمة سؤالاً مركزياً يجب أن يقف أمامه الناقد، وهو النقد الذي يجعل من الشمول معياراً حيوياً للأدب الواقعي حين يتلازم مع أطروحات الحداثة وما بعدها، ويتجدد عبر مفاهيم أكثر ابتكاراً وأفقاً مختلفاً دون أن يتوقف كثيراً أمام الوعي الجمالي الذي يبقى مزيجاً بين الأصيل والرصانة في توصيف مدلول النص نفسه.

من هنا ينفتح أمام النص مخزون هائل من الخبرات الحياتية، والهواجس، لتتخذ صيغاً متعددة، وأشكالاً مختلفة، ومن ثم فلا يمكن حصرها في سياق، ولا تقييدها بمسار. فهي فقط تحتفي بالجمال والحرية، وهو ما يبرز من خلال روح النص، وجوهر النقد وقلب الناقد، كما تنفتح أيضاً على جملة من المداخلات السردية المختلفة، التي لا تبقيها على حالها، بل إنها تبرز بوصفها مجمع لعشرات التصورات عن الموضوعات والهواجس والصيغ الجمالية . فالنص ينبغي ان يكون وليد التنوع والاختلاف، وربما يشكل انفتاح النص الشعري على مجمل خبرات الحياة، كالأحلام، والانكسارات، والهواجس، والإخفاقات وهاجس الثورة على واقع راكد يعمل ضد تيار الحياة، فهو يشكل ملمحاً مهماً للحاضر والمستقبل . وإذا كان النص، بوصفه استحضاراً لوجود الجمال في فناء متخم بالقبح، فهو في جوهره يعد بحثاً أصيلاً عن هذا الوجود. وعلى هذا تتنوع مسارات النقد من أجل استجلاء جماليات النص والكشف عن جوهره الثري، بحيث تصبح المداخلات والنقد ذاته إبداعاً موازياً من جهة، ورؤية للعالم من جهة ثانية، ولكن عبر التحليل ونزوعه العلمي\والجمالي.

النقد والناقد هما مسؤولان عن التغيرات التي طرأت في بنية الأدب، سواء الكلاسيكية أوالواقعية أوالرومانسية أوالطبيعية، والحداثة وما بعد الحداثة، والبنيوية، فهل استطاع الناقد أن يغير أدوات النقد، ويضيف إليه التجديد؟ هناك علاقة جدلية بينهما، تتصارعان من أجل حرية النص وحرية النقد وإلتزامات الناقد

فالسياق العام الذي يسيطر على العلاقة بين الناقد والشاعر، رغم أن الأدب يعتبر المنتج الرئيسي، حيث يقف الناقد في منصة الحكم المبدع، لكنه يجب أن يلعب النقد دور المحلل، ويتتبع ملامح النص، ويظهر ما فيه من جوانب جمالية ابداعية ذات مدلولات ثقافية وفكرية واجتماعية وسياسية.

 

د. جودت صالح

26/08/2020

 

ثامر الحاج امينلم تسنح لي فرصة الأطلاع على المنجز الابداعي للشهيد القاص والروائي العراقي "علاء مشذوب عبود" الذي اغتالته يد الارهاب في شباط 2019 الا من خلال مجموعته القصصية (ربما اعود اليك) الصادرة عن دار الينابيع 2010 والتي اهداني اياها في عام صدورها . ومن خلال قصص هذه المجموعة البالغة خمس عشرة قصة نكتشف حجم المعاناة التي عاشها الكاتب قبل رحيله نتيجة الشعور بالاضطهاد ومن ثم هاجس الموت اللذان انعكسا بشكل واضح على أبطال ومسار قصصه، فسطور الاهداء التي عبرت عن احباطه بحلم الحرية الذي لم يتحقق جاءت لتشعرنا بالواقع المرير الذي سيقودنا الكاتب اليه، ويبدو من فكرة القصة التي استهل بها مجموعته ان هذه المعاناة لم يتلظى في جحيمها وهو حي فحسب انما لازمته حتى وهو في رحلته الأبدية فالبطل الميت في قصته (وهم) يظن انه في فسحة القبر نال الراحة الأبدية لكنه في حواراته مع ياقي الموتى يكتشف ان وجوده اصبح بين (نفس الشياطين الموجودين في الحياة الدنيا ونفس المضايقات المعنوية وقلة الراحة وعدم الاستقرار ص 7)، والحال نفسه في قصة (تداعيات) حيث يعيش البطل فوبيا الخوف من المجهول الذي ينتظره والذي يحيله الى كائن بائس لا أمل لديه والحياة والموت أصبحا عنده سيان وذلك بسبب مايشهده من صراع مذهبي حول (أيهما أحق بالحكم والتسلط على الآخر ص 10) ويرمز للظل الذي يلازم البطل في هذه القصة بالموت الذي يرافقه اينما ذهب لذا فهو حين يجد مصيره معلقا برفع قدمه عن اللغم الأرضي الذي قاده اليه حظه العاثر وقبل ان يتناثر جسده يتوسل اليه قائلا (لا اريد ان أفنى الآن فأنا في مقتبل العمر واريد ان استمر بالحياة ص 11) .

 ويبقى هاجس الموت هو الأبرز في قصص المجموعة، فقصة (حلم) تستعرض تفاصيل الحياة اليومية لبطلها التي هي عبارة عن شريط من مشاهد مؤلمة لجثث منتشرة على الأرصفة وكتل كونكريتية تقطّع أوصال الشوارع وعمليات سلب ونهب وينتهي هذا الشريط التراجيدي بصدمة البطل وهو يقرأ على باب بيته ورقة كتب عليها (ارحل من هنا والاّ فدمك ومالك وعرضك مباح ص14) .

لقد ذيّل الكاتب نهايات قصصه بتواريخ تشير الى زمن كتابتها في الوقت الذي كانت موضوعات القصص كافية للافصاح عن زمن الفوضى والاعمال الوحشية والانتهاكات التي اعقبت التغييرعام 2003 وقد استلهم الكاتب جل موضوعات قصص هذه المجموعة من احداث هذه الفترة المضطربة وظهر الانفعال وردود الفعل واضحين على اسلوبه ومعالجاته من خلال المباشرة والخطابية في سخطه و نقده للمظاهر التي اشاعها فرسان التغيير، ففي قصة (المرآة والضمير) تلمس التقريرية والمباشرة عند وصفه للفوضى بـ (اصبحت كلمات الحب والأمل والسعادة سوقا سوداء مطاردة من كل البنادق والسيارات المفخخة والعبوات الناسفة واصبحت التجارة الرابحة التي يمارسها خيرة قياداتنا الدينية والوطنية والسياسية وهي تجارة الموت والقتل والتهجير ص17) .

كما يلجأ الكاتب في قصة (سبب موتي) الى التحليل السايكولوجي لشخصية الارهابي محذراً من زيف الانتماءات الدينية والطائفية وخطورتهما على مستقبل المجتمعات، وتستمر قصص المجموعة الدوران في فلك الأرهاب والصراع المذهبي واستعراض الخراب الذي طال المدن ومانتج عن ذلك من فواجع وموت مجاني تنتهي بالبكاء على ضياع الوطن وهوما تضمنته قصص (اضغاث)، (انت وآدم)، (ربما أعود اليك) .

لقد اتسمت قصص المجموعة بالواقعية والتركيب الفني البسيط البعيد عن التعقيد ولغة هي اقرب الى اليوميات حاول الكاتب ان يجعل منها مسرحا لعرض شهوات القتلة واستهتارهم بحياة الانسان ففي قصة (اللوحة ) أراد الربط بين زمنين من القسوة مع بقاء الموت هو القاسم المشترك الذي يجمع بينهما، فهذه القصة تستعرض حياة ثلاثة اصدقاء يشتركون في هموم سياسية ومعاشية اعتادوا الجلوس في المقهى لتزجية الوقت بالحديث عن الحياة وتناقضاتها حيث يقوم احدهم بسرد حلم يُفسرسياسيا وعلى اساسه يعتقل وتتم تصفيته فالقصة تشير الى زمن النظام السابق وكأنه أراد بها القول ان الموت واقف للعراقي بالمرصاد وان اختلفت الانظمة والأزمنة، كذلك في قصة (القارع) فهي الاخرى تنتمي الى ذلك الزمن حيث تكشف عن انتهاكات وتجاوزات رأس النظام السابق الذي يرمز له بـ " صيهود " في المدينة المقدسة " مكرودة " ــ كربلاء مدينة الكاتب ــ ومنها قيامه بمصادرة املاك الناس وتوزيعها على اصحابه بحجة عدم موالاتهم الى حزبه .  

لقد نجح الكاتب من خلال هموم شخصية تقديم بانوراما جلية لبؤس الواقع العام، كما ان مشاعرالاحباط وخيبة الظن ومظاهر الخراب الذي طال البلاد والتهديد المستمر كلها عوامل ساهمت في تعميق ازمة الكاتب وجعلت منه قريب من عالم الموت وانعكس هذا بشكل واضح على ابطال قصصه وموقفهم اليائس من الحياة، فلا استقرار ولا شعور بالامان الا بالهجرة من البلاد وهذا ما ارادت قوله قصة (ربما سأتي اليك) التي تسرد قصة حب بريئة بين " غسان " و " اخلاص " اللذان عاشا اوضاع البلاد المضطربة والحروب المتلاحقة ولم يشعرا بطعم اللقاء الا خارج الحدود، في حين لم يتمتع بهذا الاستقرار بطل قصته (فسحة قبل الموت) الذي لم يجد في انتظاره الا الموت عند هروبه من اوضاع البلاد واختيار المنفى .

وحتى عندما حاول الكاتب احداث توازن في موضوعات قصصه نجد ان الموت بقي مهيمنا على عالمها ولم يتمكن من تجاوزه، فقصة (فاطمة والطفل) التي تعد الأطول في قصص المجموعة أراد لها الكاتب ان تبدو مختلفة عن سياق قصص المجموعة عندما تناولت اشكالية الصراع بين الطموح والحب لكن شبح الموت سرعان مايظهر في مشهد نهاية الزوجة بمرض السرطان . كما يتكرر مشهد الموت ثلاث مرات في قصة (كبش ابراهيم) فـالقصة تتحدث عن " فيحاء " فتاة طموحة تسعى لنيل شهادة القانون لكنها تجبر على ترك الدراسة والزواج من ابن عمها الذي يستشهد في الحرب وعندما يتجدد الأمل عندها في اكمال دراستها تجبر ثانية على الزواج من شقيق زوجها الذي يستشهد هو الاخر في الحرب وعندما تقترن بعد معاناة بزوج ثالث معاق يختطف هو وسيارته وتنقطع اخباره .

ان قصص (ربما اعود اليك) تمثل شهادة عن حقبة تاريخية موغلة في الدماء والقسوة، فهي تحكي سيرة عراقي عاش الاضطهاد والخوف والملاحقة عبر أزمان وانظمة مختلفة وانتهى بالموت على ايدي ضباع شكا وحذّر منها في قصص هذه المجموعة .

 

ثامر الحاج امين

 

 

توفيق الشيخ حسينللشاعر حسن أبو دية

ذئب ٌيمضغ عتم الليل

يتدثرّ صقيعا ً.

يتوهج جمر الحلم بأنفاسه

لا توقف عواءك المبحوح أيها الطريد في المنافي .

لا تصمت

كن يحيى

وكل الأنبياء

جمرة ٌتتوهج بين الكلمات، وتطرد عتمة الجوف المبعثرة فوق أرصفة المنافي، تتلعثم خطواته وينتظر شراع النبض في غربته، حيث تتلاشى أفاق الروح ويغدو القلب أرجوحة على أجفان الليل، مع همسات تقتل الشمس حين تغفو على صدر الفجر، لموج ٍ ممتد عبر آفاق الروح يتوق لأرض تحتويه، يسكن الوطن فيه عبر غربة أمتدت بين شرايين الروح .

(التوقيعة – الومضة الشعرية) لحظة أو مشهد أو موقف أو أحساس شعري خاطف يمر في المخيلة أو الذهن يصوغه الشاعر بالفاظ قليلة وهي وسيلة من وسائل التجديد الشعري أو شكل من أشكال الحداثة التي تحاول مجاراة العصر الحديث، معبرة عن هموم الشاعر وآلامه.

يقول الدكتور حسين كياني:

"عرّف الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة / 1964 " التوقيعة " والتي أعتبرها " ومضة " هي قصيدة قصيرة جدا ّ من نوع " جنس الحافة " تتناسب مع الأقتصاد والسرعة، وتتميز بإلايجاز والتركيز وكثافة التوتر، عصبها المفارقة الساخرة والإيحاء والإنزياح والترميز ولها ختام مفتوح قاطع أو حاسم أي أن لها

"قفلة " تشبه " النقفة " المتقنة، تحكمها الوحدة العضوية المتمركزة حول ذاتها"

الكتابة لدى الشاعر " حسن أبو دية " هي ممارسة حياة، تعلم العطاء بلا حدود للوطن وبقلمه يحاول تلمس روحه المتمردة التي لن تعرف السكينة طالما هي في الغربات والمنافي .

عندما تتعرى الألهة يوقد ما أغتالته الأيام ويعري نسمة الخصام ويمنح للبحر ما تبقى من دمه .

1750  حسن ابو ديةومضة:

عندما تتعرى الآلهة

سنبحث عن فلك ندور فيه

ونعاود نصب المقصلة

X     x     x

ومضة:

عندما تتعرى الآلهة

ينبثق فجر الشعراء

وتتمرد القصيدة

X    x     x

في سفر الزلزلة يزهر الموج على شرفات التائبين عبر ظل يوقد شعلة الألهام في الروح ويفرش فضاءات التيه بالضياء .

ومضة:

في سفر الزلزلة

لا ظل يؤوي

الا ظلال الجموع المتعبة

X      x    x

ومضة:

في سفر الزلزلة

تتوهج الطرقات

ويسمو الشهداء قوافل

X   x   x

في سفر القيامة يبقى القلب مثخنا ً بجراح المنافي عبر حناجر الفقراء التي تزهق ذكراه بعد صرخة ٍ عارية .

ومضة:

في سفر القيامة

حتى الجحور تلفظ فئرانها

وتغدو ظلا لنا جنانا ً

X   x   x

ومضة:

في سفر القيامة

وحدهم الفقراء

يرقصون نزفا ً على الصراط

X   x   x

ظهرت قصيدة النثر في ذروة الجدال بين المهتمين حول قصيدة التفعيلة وتصنيفها ودلالاتها، فبدأ الأمر كأن قصيدة النثر تعرب عن ذاتها على إنها الشكل والبديل للقصيدة، فتسببت في إحداث جدال وعراك ثقافي لم ينته حتى الساعة .

" قصيدة النثر ليست نبتا ً من كوكب آخر، ولا هي دخيلا ً غير مألوف في الشعر العربي، بل هي نتاج تطور طبيعي لمكونات الثقافة وبنيتها وهويتها وأدواتها وآلياتها، تطور أختراق جدار الجمود والسكينة في الشعر العربي، وأحدث أهتزاز في ركود القصيدة الموروثة .. (حسن العاصي) " .

من هنا دخل الشاعر " حسن أبو دية " في كتابة قصيدة الومضة " التوقيعة " وقصيدة النثر التي تحتل مساحة من تجربته الشعرية عبر ديوانه الشعري

" عندما تتعرى الآلهة " / 2019 الصادرة من مكتبة كل شيء – حيفا  وتشمل

" سفرالتعري – سفر الزلزلة – سفر القيامة – سفر النبؤات والوصايا " نبؤات، وصايا، ترنيم " .

بصمت يمسح عن وجه الشمس براعم ضوء تدق في جدران العتمة، يرسم في كل فجر وطن يضم ظله في صدره وفاء ً لأصابع الزيتون التي تطرز بالدم قصيدة يجمع فيها ما تناثر من نزيف الذكريات التي تمنح للبحر ما تبقى من دمه، يطرزّ بالدم على جسد العتمة مواويل وأشتياق، تستوقفه رياح الجراح والغيمة الحُبلى بوجع المنافي .

لِمَ الحزن

ووطن يضفر جرحه لك قصائد حب

ويدثرك بها في ليالي الحنين ؟

هناك

أصابع الزيتون تعد الأماسي الحزينة

وترسم كل فجر بسمة للصغار

تضم ظلها لصدرها كلما مر ّ الغريب

يترك ظله ويسير في دروب الذكريات يفتش عن مدينته الممتدة عبر آفاق الروح، يتأمل المسافات في سكون وقلق، وحده يقتفي مدارات الرؤيا عبر بوصلة القلب الممزق، على قارعة الموج الممتد لكل المرافىء، أرهقته السنين كجمرة ٍمتوقدة في قلبه النابض ويعيش الحياة كغريب انطفأت بداخله .

هناك على الجدار تركت ظلي

وسرت في الدروب

اتأبط الأفق المنسي

ويمامة تعلم ّ سماء القصيدة لغة المجاز

أحلق في مدينة تتقن فن ّ الفوضى

وتنقش على ساعدي سر الغروب

صوت يعلو في العتمة يبحث بين الكلمات المبعثرة عن مدينة تتقن الحزن التي تجوب الأمكنة عبر تراتيل متخمة بالصمت، يقرأ الحكايات الطويلة عند جفون الرحيل، لأوجاع ٍ تمر بدربه كالخنجر عندما تذوب قدماه في صقيع الأرصفة، يوقد جمرا ً على الجسد المثخن بجراح المنافي فوق كثبان أمل لا يخفيه المطر .

غرباء

ننتظر ما غفلت عنه الريح

وتسرب ما بين أصابعها ليداعب شراع النبض الراقص في وجه

الشمس الآفلة

هنا تتلعثم خطواتنا تحت إيقاع الغياب

فنرقص رقصة الطير الأخيرة

ونمنح البحر ما تبقى من دمنا

 

عقية تلك الدروب بين سماوات يخنقها الضباب، تحط ّ الرحال بإرض ٍ تزهر براعم ضوء في وجه الريح والرمل الذي يعانق كبد السماء، يرسم بدمه ظلالا ً يروي به ظمأ الروح المعطر ببخور سنابل تزرع الأحلام وردا ً لتمسح عن وجه الشمس غبار السنين، بعد تنهيدة رفرفت في الذهن كأصوات تغرس جذور الوجع في التراب .

لا شفه للقمر المهاجر

ليطبع قبلة على النافذة المشرّعة للريح

ظل روح في إطار

والحكاية إنسان

وشباك

تصطادها العاصفة

هذا جسدي .. ومطر الحنين

تشيب فيه اللحظة الحالمة

ويغدو ظلا ً على زجاج النافذة

يجمع ما تناثر من الذكريات المتساقطة على حمائم الرحيل، ويبحث عن مأوى بين خطوط الحقيقة الراحلة عبر بوابات المنافي، ويحفر أخدودا ً لسنوات العمر الممتلئة بإحاسيس عبق طيف ٍ يعانقه في وجه الشمس الآفلة، لوطن يضفر جرحه كقصيدة ترسم فجرا ً على جسد العتمة عبر سراج ٍ يجوب أزقة المدن التي تطوّق عنق السماء .

 

بقلم: توفيق الشيخ حسين

 

 

جمعة عبد اللهللاديبة مريم لطفي

السرد الروائي يتناول حوداث كثيرة في محنة الوطن والمواطن. عندما سقط صرح الوطنية، واعتلت الطائفية بسرطانها الخبيث والخطير على زمام الامور. وبهذا التبديل الخطير في الانتماء فقد الوطن والمواطن نعمة الامان والسلام. ووقع في حوافر المعاناة والجحيم، واصبح مصيره لعبة حظ لعصابات الموت والاختطاف. وبالتالي يندفع الى احضان تجار البشر من المهربين، الذين يبعيون اوهام الاحلام في الوصول الى الجنة الاوربية الموعودة والمزيفة. هؤلاء المهربين يتنعمون بالثراء المالي على معاناة المواطنين واحباطهم بالخيبة بالوطن الملاذ المفقود. ان تكون حياتهم رخيصة بين تجار الموت والاختطاف، وبالتالي تكون الارواح البريئة طعماً لحيتان بحر (أيجة) ضحايا القوارب المطاطية، في زهق للارواح البريئة. هذه ثمار سرطان الطائفية التي غزت العراق بعد عام 2003. ان يكون المواطن غريباً وهجيناً في وطنه. هذه حكايات السرد الروائي يتناول حكايات مأساوية، في المدن التي طالها الخراب او التهجير الطائفي، في التهجير والتشريد من ديارهم. وهذه عينة في حكايات المتن الروائي من آلآف الحكايات المأساوية التي حدثت فعلاً، في الكثير من المدن ومنها: ديالى. بغداد. الموصل. سنجار في مذابح الطائفة الايزيدية. ومدن السورية التي غزاها الارهاب الاسود. بعدما ما كانت ملاذ العراقيين بعد الغزو عام 2003. وكذلك في مدينة كوباني (عين العرب). ان العراق فتحت عليه صندوق (باندوا) وانطلقت الاوبئة والفيروسات الخبيثة والخطيرة من رحم الطائفية. تحول الوطن الى دويلات طائفية مغلقة. في الخراب والدمار والعنف الدموي، وانتشار عصابات الخطف. مثلاً بغداد ضربتها عواصف التفجيرات الدموية الارهابية، التي تطال الاماكن المزدحمة. الاسواق، المستشفيات. الجوامع. الكنائس، والاماكن المزدحمة الاخرى شأنها شأن مصير المدن العراقية الآخرى. ان تكون ضحية التفجيرات الدموية . أن تتطاير أشلاء الارواح البريئة في الهواء لتنزل اشلاء متفحمة، بالارهاب الدموي الطائفي. حتى لم تسلم المعالم التراثية والثقافية حتى دور العبادة كالجوامع والكنائس. كثيرة هي الحوادث الدموية المفجعة، لنقتطف بعض من  العينات، حكايات السرد الروائي :

- حكاية عائلة (عادل كريم / ابو نورس) سائق تكسي يقضي يومه في العمل المتواصل، وفي آخر النهار يرجع الى عائلته المكونة من (زوجة وثلاثة ابناء، دعاء. نورس. دنيا) كلهم تلاميذ المدرسة الابتدائية. وفي احد الايام تأخر عن المجيء، فأثار هذا التأخير القلق والخوف في روح زوجته . وبدأت تمر الساعات الثقيلة التي تنهش روحها، واخير في الساعات الاخيرة من الليل، وجد سابحاً في بركة من الدماء يلتقط انفاسه بصعوبة، وهو في حالة يرثى لها. لانه صادف وجوده قرب التفجير الدموي العنيف في احدى المحلات الكبيرة (سوبر ماركت) وهو يروم الدخول الى احدى المحلات لشراء حلويات الى اطفاله، وهز المنطقة انفجار دموي هائل (أودى بحية العشرات. دمار.. خراب. أشلاء متفحمة، رائحة البارود واللحم البشري المشوي تزكم الانوف منه، خرير السخام ينزل من السماء......... رائحة الموت تملاء المكان، وتحرق الرئتين وتثير الرغبة بالقيء، واستفراغ كل شيء ختى الاحشاء. فزع، ورعب، وامهات وأباء يبحثون عن آثار أبنائهم، الذين امتزجت أشلائهم مع الركام) ص12. هذه الحادثة من مئات الحوادث المأساوية في التفجيرات الدموية. اضافة الى اعمال عصابات الاختطاف يختطفون الضحية مهما كان: طفل أو أمرأة أو رجل، من اجل الفدية المالية وحينما تدفع عائلة الضحية المال، تستلم ابنها مقتولاً مرمياً في حاويات الازبال. اضافة الى العصابات الطائفية التي تمارس الارهاب والتهديد، في تهجير وتشريد المواطنين من ديارهم، في عمليات التصفية الطائفية والعرقية، التي ضربت العراق في سرطانها الخبيث. مما يضطر المواطن ان يهرب من داره ليفتش عن مكان أخر آمن لعائلته. وحتى الاعياد المقدسة لم تنجو من حقدهم الطائفي. فهذه كنيسة النجاة كانت مسرحاً لتفجير دموي بمثابة مذبحة بشرية هائلة لاخوتنا المسيحيين. كان في يوم الاحد عيد الميلاد وتجمع عدد كبير من الناس حاملين الورود والزهور، ولكن داهمتهم شاحنتين محملة بالمفجرات وليس شاحنة واحدة، هذا يدل على حجم الحقد الطائفي العنيف والمرعب. ان يتحول العيد الى مأتم كبير. وهذا التفجير الدموي هو جزء من الحوادث الكثيرة في التفجيرات الدموية التي طالت بحقدها الاقليات الدينية. وكذلك ماحدث في سنجار في مذبحة بشرية دموية للطائفة الايزيدية، وتحولت نسائها وفتياتها الى السبي وبيع في سوق النخاسة .

- حكاية عائلة (ابو سرمد) في مدينة ديالى التي كانت رمز التعايش السلمي. حيث يعيش فيها بسلام. العربي والكردي والتركماني والسني والشيعي. لكنها تحولت الى بؤرة للارهاب الدموي والتهجير الطائفي، والقتل على الهوية. فكان (ابو سرمد) تاجراً ميسور الحال يملك شاحنة وسائق خاص. لكن تعرض لتهديد بالموت اذا لم يترك داره، واضطر الى الهروب الى بغداد. ولكنه وقع في قبضة عصابات الاختطاف. فخطفوا ابنه الصغير عندما خرج من مدرسته الابتدائية، وطالبوا بفدية مالية كبيرة، اضطر (ابو سرمد) ان يبيع ما يملك حتى الشاحنة من اجل انقاذ طفله من الموت. ودفع الفدية واستلم طفله بين الحياة والموت.

 - الموصل الحدباء: المدينة الحضارية والاشورية العريقة، في معالمها واثارها الحضارية والاسلامية. في معالمها الشاخصة في الاثر الاسلامي في الجامع النوري الكبير، وهو اقدم اثر اسلامي عند الموصليين. وخاصة منارته الحدباء. ضربتها الارهاب الدموي المدمر. وتهدمت مع الجامع وتحولت الى الانقاض، وكانت الموصل مسرحاً للمذابح البشرية، هكذا فعلت غربان السود في حقدهم الانتقامي.

- مدينة كوباني (عين العرب) المدينة الكردية كانت مسرحاً للخراب والدمار والمذابح العرقية طالت الجميع من الارهاب الاسود. مما اضطر السكان الى الهرب من ديارهم، وبعضهم خاض غمار مغامرة الهجرة الى تركيا، بهدف الوصول الى البلدان الاوربية، عبر الجزر اليونانية القريبة من السواحل التركية، عبر الابحار في القوارب المطاطية بواسطة تجار البشر من المهربين.

- أسطنبول : تجمعت الآف العوائل العراقية والسورية المشردة من جحيم الموت والطائفية والارهاب. ومنهم عائلة (عادل كريم / ابو نورس) ليتخلصوا من العصابات الطائفية، ليقعوا في قبضة تجار البشر من المهربين. في ارسال الضحايا في قوارب الموت المطاطية. وكثير من الحوادث المأساوية بتعرض هذه القوارب الى الغرق في بحر (أيجة) بحجة العبور ثم طلب اللجوء الى البلدان الاوربية (كل اللاجئين مساكين، وكل المهربين يتشابهون بالوعود، بعضهم يفي، وبعضهم ينكث، وهكذا فالامر مرهون بالصدفة، وراجع الى كم تدفع) ص70. حاول (أبو نورس) ان يجرب حظه في قوارب الموت المطاطية. رغم خشية زوجته، لانها تخشى المخاطرة، هكذا يلوح لها الغراب الاسود المشؤوم. الذي يظهر لها مع كل حادثة مأساوية ودموية. ولكن اصرار زوجها على مغامرة الإبحار الى الجزر اليونانية القريبة واتفق مع أحد المهربين. في ليلة الموعودة في الابحار كانت المفاجأة والصدمة في العدد الكبير، الذين  يحملهم القارب المطاطي (- يا ألهي كل هذا العدد ؟، لكن القارب لا يتسع لكل هذا العدد، اربعة عشر شخصاً والقارب يتسع لثمانية كيف هذا ؟! هذا لا يجوز، انها مجازفة كبيرة) ص78.. ولكن اجبروا على الابحار وكان الحدث المتوقع حين انكشفت انوار الصباح، على الفاجعة المأساوية بغرق من كان بالقارب المطاطي (وفي الصباح وجدت الجثث، وكأنها زهور تزين الشاطئ، وطافت عليها النوارس تصلي وتبتهل، فقد تركت كل شيء هناك، وجاءت لرؤية النوارس البيضاء) ص82، وفقدت عائلة (ابو نورس) كلها في انقلاب قارب الموت المطاطي عليهم، وصعدت ارواحهم الى الفردوس الاعلى.

- الرواية: النوارس المهاجرة / رحلة الموت

- المؤلف: الكاتبة مريم لطفي الالوسي

- تاريخ الاصدار: نهاية عام 2017

- الناشر: دار عدنان للطباعة والنشر والتوزيع / بغداد

- عدد الصفحات: 160 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

 

سعد جاسملقد لاحظتُ ومن خلال قراءاتي ومتابعاتي الحثيثة هنا وهناك: ان هناك ظاهرة أدبية تدعو للتأمّل والحوار والنقاش والجدل؛ الا وهي ظاهرة استهجان وعدم تقبّل وتلقي واستساغة {شعر الهايكو} وتكاثر الشعراء الذين يقومون بكتابته في الوسطين الثقافيين العراقي والعربي.

ويمكنني أَن أُشير: الى أَنَّ {البعض} من الادباء والكتّاب وخاصة المتضخمي الذوات والأناوات وعباقرة النقد والتنظير التفكيكي والبنيوي والابستمولوجي والبوتيقي} قد راحوا يُعلنون بمناسبة وبدونها عن استغرابهم وعدم قناعاتهم كوننا نحن مجموعة من الشعراء العراقيين والعرب قد اتفقنا وقررنا؛ كما يدّعون ويُروجون هنا وهناك؛ بأننا قد هجرنا وتركنا كتابة الشعر العربي بكل اشكاله وأنماطه وتياراته. ومن ثم توجهنا وهاجرنا بكل اهتمام وشغف ومثابرة لكتابة شعر {الهايكو} الذي هو نوع وشكل وتيار وفضاء شعري ياباني الاصل؛ بمعنى انه شعر {مستورد} .

وإزاء هذه الظاهرة والقضية الادبية والثقافية التي اعتقدها مهمة ومثيرة للدهشة والتساؤل والاستغراب؛ استطيع القول بكل وضوح وصراحة:

ان هذا {البعض} يتناسى وربما يجهل ويتجاهل ان كل الشعر العربي الحديث والمعاصر بقصائده ونصوصه من شعر التفعيلة وقصيدة النثر والنص المفتوح وقصيدة الومضة والسونيتات وغيرها؛ هو في الاصل اوربي وغربي الجذور والنشأة والقواعد والاسس والمنطلقات والتجارب والرؤى الفنية والجمالية.. فهل معنى هذا انه شعر {مستورد} ايضاً؟

وليس بضاعة ادبية عربية شرعية النشأة والابتكار والصنعة .ولايُخفى ان هذا الشعر الحديث والمعاصر؛ قد حدثت وحصلت له في بدايات انطلاقته حالات كثيرة من عدم الاستساغة والاستهجان والتشكّي من عدم القدرة على التلقي والتذوّق والقبول حتى؛ ولهذا فقد جرى تغييبه ومصادرته واتهام منتجيه من الشعراء الرواد بتشويه الشعر العمودي والاساءة للتراث العربي واللغة العربية أَيضاً . اذاً وإزاء هكذا واقع حال فاننا نريد أن نتساءل: تُرى ماالذي اختلف او تغيّر في الامر ايها السادة النقاد والمُنظّرون العباقرة؟

أليسَ هي ذات القضية التي كان الشعر المعاصر والحديث قد عانى منها في بدايات انطلاقته وحتى صيرورته الصعبة والشاقة ومن ثم رسوخ وجوده وكينونته كحقيقة ادبية وثقافية ولدت بعد عملية قيصيرية عسيرة جداً نتيجة لطبيعة وظروف وتحولات ذلك العصر الصاخب والمُلتبس الذي كان من المنطقي والطبيعي ان تحدث خلاله مجموعة من التحولات والتغيرات الادبية والثقافية والفكرية والمعرفية؟

وقد صدقَ مَنْ قال: ان كل جديد مرفوض ومطرود ومنبوذ في عالمنا العربي الذي يعاني انسانه أولاً ومثقفه ثانياً من الكثير من العُقد والامراض الجسدية والنفسية؛ ناهيك عن الجهل والتخلّف والأمية والدونية والذل والخنوع وووو الخ ... الخ. ويبدو حقاً أن شرُّ البلية مايُدعونا للضحك الذي يشبه البكاء على واقع حال ثقافتنا العربية الراهنة التي تعاني من الجمود والركود والتردي والتراجع المحزن؛ وكذلك يدعونا هذا المصير الموجع والقاسي والغامض الى القلق والأسف على احوال ومصائر ادبائنا وكتّابنا ومثقفينا الذين يبدون انهم مازالوا يعيشون في عصور ماقبل ظهور ونشوء وانطلاق المذاهب والتيارات والاجناس والانماط والثورات الشعرية المعاصرة والحداثوية وماوراء الحداثوية ونزعات المغايرة والمغامرة الابداعية التي ابتكرتها وإحترفتها وانجزت من خلالها كل ماهو ابداعي وجمالي مجموعة من الشخصيات المبدعة والمتحضرة والمثابرة والجادة والمجتهدة؛ وكذلك فان هذه الشخصيات قد جاهدت واجتهدت وسهرت من اجل ابتكار وانجاز أهم وأشهر المذاهب والتيارات والحركات والنتاجات الادبية والفكرية والمعرفية والفلسفية في العالم.

 

سعد جاسم

22-8-2020

 

 

علاء اللامي(...ففلسطين لم تكن هدفاً لكافكا، قد يكون لها أهمية وموقع من نفسه، لكنه لم يفكر أن تكون وطناً لـه، والموضوع لا يعدو أكثر من توظيف من قبل ماكس برود خدمة لمسيرة الحركة الصهيونية. ولأن أعمال كافكا كلها بين يدي برود، وكافكا في عالم الأموات كانت حرية التلاعب بالنصوص سهلة، وذات قيمة مادية كبيرة في كثير من الأحيان/ الناقد جودت السعد)

كثيرة هي الكتابات التي قدمتها أقلام عربية معروفة في الثقافة العربية المعاصرة، والتي تناولت كافكا وبعض جوانب أدبه وأفكاره وحياته الشخصية. في تلك الكتابات تكرر الانقسام الحاصل في الساحة الأدبية والفكرية الغربية بصدد كافكا وأدبه كما قلنا في موضع آخر من هذا الكتاب، ولكن بشكل أكثر تأزما وحدّة، رغم أنه لا يخلو من السطحية والتناول الأيديولوجي نظرا لخصوصية الصراع بين العرب والحركة الصهيونية ودولتها مما أعطى الانقسام والاختلاف حول كافكا "مذاقا عربيا" بامتياز.

ولقد كان منطقيا أن يتخذ هذا الانقسام والاختلاف بين الأقلام العربية بصدد كافكا موضوعا رئيسا  محددا يمكن اعتباره  أحد الإفرازات والنتائج المتوقعة التي أدت إليها عملية المسخ والتشويه التي قام بها ماكس برود وأمثاله، والتي توفقنا عند العديد من صورها في الصفحات الماضية من هذا الكتاب، ومن أبرزها نصيحة كافكا لماكس برود بعدم نشر صورة حشرة ضخمة على غلاف قصته " المسخ" لأن نظرته للمسوخية  أعمق من تلك النظرة السطحية والمتداولة والتي نصادفها في أغلام وروايات الرعب الرخيصة، فكان أن فعل برود العكس تماما، الأمر الذي ينسجم مع عقليته التوراتية عن المسخ والمسوخية،  وذلك الموضوع الرئيسي والمحدد هو علاقة كافكا بالحركة الصهيونية الرجعية في أوائل القرن العشرين. ومع إننا توقفنا بإسهاب عند هذا الموضوع لدى مناقشتنا لرسائل كافكا التي جمعت في كتاب باسم " فلسطين في رسائل فرانز كافكا "، لكننا سنلقي الآن نظرة أوسع على هذا الموضوع، ولكن من زاوية أخرى ألا وهي كيف تبدى هذا الموضوع وبشكل ملموس في النصوص التي قدمتها الأقلام العربية المنقسمة ذاتها؟

تعود أول التقسيمات بين القائلين بصهيونية كافكا وتأييده لها والمدافعين عنه والرافضين لأية علاقة له بهذه الحركة إلى بداية السبعينات من القرن الماضي وتحديدا بعد أن ترجمت رواية " أمريكا " إلى العربية. ففي معسكر المتهمِين لكافكا نجد نقادا وأدباء عديدين من بينهم كاظم سعد الدين وسعدي يوسف وسعيد الحكيم وفيصل دراج و أنور العناني ود. محمد موعد أما مؤيدو كافكا والساعين لتبرئته من تهمة الصهيونية فنجد نقادا ومبدعين كثر من بينهم د. بديعة أمين والروائي واسيني لعرج وصلاح حاتم و د. عبدة عبود.

غير أن السجالات والكتابات التي تمخضت عن هذا الانقسام لم تكن على تلك الدرجة النوعية من المردودية والفائدة العلمية. ولعلنا ندرك بان السبب الرئيسي الذي يفسر تلك النتائج المخيبة للآمال لتلك السجالات هو إنها كان تخوض – ومن الجانبين - في ميدان لا علاقة لكافكا وأدبه به ألا وهو الميدان السياسي والأيديولوجي. وقد هجس أحد المشاركين في تلك السجالات وهو د. عبده عبود بهذا السبب وقارب فحواه حين كتب قائل (إن كافكا لم يكن أديبا سياسيا بالمعنى المألوف للكلمة، ولم تكن له آراء ومواقف سياسية يمكن اعتبارها مقياسا لتقييم أدبه أو مفتاحا لفهم ذلك الأدب..) والأكثر دقة، كما نعتقد، هو القول بأن كافكا لم يكن أدبيا سياسيا لا بالمعنى المألوف ولا بأي معنى آخر. ويؤشر د. عبدة على نقطة مهمة أخرى كانت من نتاج ذلك الاتهام الذي تحول لدى البعض إلى قناعة راسخة ورأي "صائب" لا رجوع عنه بالقول (ليس من مصلحة الأدب العربي ولا العالمي طرح أديب عالمي مثل فرانتس كافكا بكل يسر وسهولة في حضن الصهيونية التي لا تقصر أبدا في استخدام هذا نتاج هذا الأديب لصالح أغراضها الدعائية.) لقد استمرت الأقلام العربية التي تطرقت لهذا الشأن في السنوات اللاحقة في تكرار الخطوط العريضة التي سارت عليها سجالات السبعينات، ولكنها من جهة أخرى سلطت الضوء على مواضيع جديدة وحيثيات ظلت مهملة لزمن طويل.

سنحاول في الصفحات التالية تقديم قراءة قد تبدو سريعة ومكثفة ولكنها تطمح لشمول نماذج معينة لما كتبته أقلام عربية حول كافكا وأدبه، ليس بهدف تقييمها نقديا وحسب، بل و محاولة لرسم حد فاصل وجديد بين الطريقة القديمة وغير المنتجة في مقاربة كافكا وأدبه وبين طريقة جديدة تطمح إلى تقديم نفسها عمليا عبر النقد ومن داخل موضوعها، ونعترف أن اختياراتنا لهذه النماذج على ما فيها من عشوائية وعفوية لا تخلو من الطابع الانتقائي بمحض الصدفة أو عبر الانحياز البدئي عند التحليل والاستقراء وهذا أمر سيضر يقينا ببعض مفاصل منهجيتها النقدية المعتمدة والتي تحرص على أن تَنْشَدَ إلى ما هو واقعي ومقارب للحقيقية أكثر من انشدادها لتسجيل نقاط ضد خصم أيديولوجي موهوم، فالانتقائية هنا تبرهن من جهة أخرى على  عدم وجود طابع غرضي أو فكرة مسبقة أيضا فهي ايجابية في هذا الموضع أو هكذا تبدو لنا.

سنبدأ بأحدث ما في الساحة الثقافية العربية بهذا الخصوص، فقد ترجمت وأصدرت هيئة متخصصة بالتراث في أبو ظبي "يوميات كافكا الممتدة بين 1910 و1923" وهي اليوميات التي أهداها إلى صديقته ملينا يسنسكايا، وكان ماكس برود قد حصل بطريقة ما على قسم من هذه الرسائل ونشرها سنة 1937 ثم نشرها كاملة في أوائل الخمسينات.

في استعراض صحفي لهذه اليوميات المترجمة إلى العربية يسجل الناقد المصري محمد شعير[1] عددا من الانتباهات والملاحظات المهمة والجديدة على المعهود النقدي العربي بخصوص كافكا، فرغم إنه لم يتساءل عن مبررات هذه "الصحوة" الخليجية المفاجئة والتي لا سابق لها على أدب كافكا من "هيئة تراث إمارة أبو ظبي" ولكنه يسجل أن  هذه اليوميات تقدم لنا صاحبَها (بصورة غير التي عرفها النقاد. هو هنا ليس الكاتب الحزين المتشكك دائماً، المنعزل العاري في "مواجهة قوى خفية" فقط، بل ثمّة كافكا آخر، ساخر وعاشق نكتة وشغوف بالمجلات الجنسية وبكل ما هو حياتي وواقعي وممتع). هنا بالضبط، في عبارات هذا الناقد، الذي رغم أنه اعتاد على الصورة النمطية لكافكا الخارج من معطف ماكس برود، نشعر بقوة المفاجأة وحيويتها وذلك حين أطل على الصورة الأخرى لكافكا الآخر، كافكا المختلف جوهريا عن كافكا العابر من خلال "فلتر" برود. ومن الجدير بالانتباه أن اهتمام كافكا بالجنس ومشمولاته من مواخير ومجلات إباحية لم يعد مجرد همسات أو إشارات باهتة قال بها نقاد نادرون بل تحولت إلى اكتشاف أدبي نشرته وسائل الإعلام ولإعطاء صورة أكثر وضوحا سنورد خبر هذا الاكتشاف في صيغة تشي وتقول الكثير عن السبب الذي دفع بورثة وكتب سيرة كافكا إلى عدم تشجيع نشر هذا الاكتشاف لأنه سيضر – كما ورد حرفيا – بصورة "الإيقونة الأدبية " التي صنعوها من كافكا أو جعلوا كافكا على هيئتها ( وقع الأكاديمي والخبير في شؤون كافكا، جيمس هيوز صدفة، على نسخ من هذه المجلات الجنسية أثناء أبحاث أخرى كان يقوم بها في المكتبة البريطانية في لندن وفي مكتبة بورليان في جامعة أكسفورد التي احتوت على مواد إباحية، سيتم نشرها في كتاب سيصدر له في وقت لاحق  بعنوان "التنقيب عن كافكا"، ويسعى هيوز في كتابه إلى تبديد عدد من الأساطير المحيطة بهذا الكاتب الأيقونة وصورة "القديس" التي ظلت تلازمه وتتعارض مع الصور التي تثير الصدمة التي احتوت عليها تلك المجلات التي كانت محظورة.

وتكمن الأهمية الإضافية لهذه الصورة، في أن ناشرها الدكتور فرانس بيلي كان أيضاً هو أول من نشر عام 1908 كتاباً عن كافكا الذي كان عبارة عن سلسلة من القصص القصيرة جمعت لاحقاً في كتاب بعنوان "التأمل".

ويعبّر هيوز وهو الأستاذ الجامعي وخريج أكسفورد عن إعجابه بعبقرية كافكا. ويجادل بأن هذه المكتشفات الجديدة ذات الصلة بالمجلات الإباحية ليس من شأنها سوى إظهار أن كافكا أكثر إنسانية من الصورة الشعبية – النمطية؟-  له. وهو يعتقد ان إخفاء تلك الحقيقة مررّه إلى تقييم بالغ الحساسية لأعماله، ولكن كانت له في النهاية نتائج عكسية.

ويقول الدكتور هيوز إنه حتى اليوم فإن الأعمال الإباحية توضع في أماكن مخصصة للبالغين بعيداً عن متناول الأطفال، مشيراً إلى أن ناشر كتبه الأميركي لم يرغب في نشر حكاية المجلات الإباحية أولاً، ويضيف: "هذه ليست صوراً لسائحين على الشاطئ، إنها صور إباحية دون أدنى شك، وبعضها فاضح جداً كصور حيوانات تلعق الأعضاء التناسيلة وفتيات يمارسن السحاق مع بعضهن، إنها صور بغيضة حقاً.

ويشير د. هيوز إلى أن الأكاديميين كانوا يتظاهرون بعدم وجود هذه الصور، فالصناعة التي تتولى أعمال وارث كافكا لا تريد لمثل هذه الأشياء أن تُعرف عن هذا الكاتب – الأيقونة.[2]) . لقد أوردنا هذا الاقتباس بشيء من الاستفاضة لتأكيد عدد من الأمور، منها ما تقدمت الإشارة العابرة له، ومنها ما سنتوقف عنده في الصفحات التالية، مذكرين بأن الكُتّاب وبخاصة كُتّاب الروايات يطالعون ويقتنون غالبا كتبا وموسعات غريبة قد لا نجد مثيلها لدى مبدعين آخرين في مجالات الشعر والرسم والنحت. فأحد الروائيين المعروفين سجل ذات مرة أنه طالع عشرات الكتب عن الخيول ومثلها عن الزهور والأعشاب الطبية لأن العمل الأدبي الذي كان يشتغل عليه يتطلب ذلك، وروائي آخر قرأ كتبا عديدة عن الجنون والأمراض العصبية ثم تمارض وعاش في أحد المصحات العقلية لعدة أشهر قبل أن يكتب عملا روائيا في هذا السياق. لا نريد التبرير بأن كافكا كان يقتني تلك المجلات الإباحية لأنه اشتغل على عمل من هذا النوع حصرا، مع أنه كتب العديد من المشاهد الغرامية "الإيروتيكية" الحميمة كما في روايته " أمريكا"، ولكننا نكرر مع هيوز أن هذا الاكتشاف يساهم في تحطيم جزء، وإن بدا صغيرا لغيرنا، من إيقونة الراهب الديني الكئيب والغامض التي رسمها برود وأعاد شيئا من كافكا إلى بشريته وإنسانيته، أو أعاد شيئا من بشرية وإنسانية كافكا إليه. وما دمنا بهذا الصدد فيمكن أن نُذكِّر بالمشهد الذي يكتشف فيه جوزيف ك مجموعة من المجلات الإباحية يحتفظ بها أحد القضاة في درج مكتبه وهكذا يتأكد وجود هذه الحيثية في حياته اليومية كما أكد اكتشاف هيوز وفي تضاعيف عمله كما مشهد مجلات القاضي ليضفي ضوءا جديدا على فكرة التساوق والتقارب بين الإنسان الكاتب ومادة الكتابة التي يبدعها.

إن حكاية د. هيوز مع كافكا الأديب والإنسان تلخص حكاية الكثيرين ممن اطلعوا على كافكا وأدبه كما هما وقد خرجا توا من فلتر ماكس برود، أو كما هما وقد تكرسا كأيقونة معلومة المواصفات تحيط بها الأساطير الزائفة من جميع الجهات ومع أن المبالغة بهذا التفصيل أو الاكتشاف الذي قد يبدو صغيرا  قد تؤدي إلى نتائج مبالغ بها أيضا ولكنها تكشف للناقد المدقق عن جانب مهم على الصعيد الإنساني وبما يضمن ويسهل الانتقال بكافكا من عالم الإيقونة الدينية المحاطة بالأساطير إلى عالم الأديب الكبير المبدع والإنسان السوي والباحث عن التفاصيل الصغير في ما هو يومي وحياتي.

أما عن طريقة كافكا الفريدة في الكاتبة والسرد القصصي والروائي فلا يتردد الناقد المذكور في القول (هناك شيء مشع جداً. لا يمكنك أن تسميه خبرة كتابة فقط، أو حتى خبرة حياة، بل مزيجاً من الاثنين. كاتب يستطيع أن يحوّل كل شيء حوله إلى فكرة، يستطيع أن يفكر لك، وأن يدفعك إلى التفكير، ويجعلك إنساناً كما لو أنّك تبصر الحياة من نظّارة كاشفة.) هذه الإرهاصات المبثوثة في هذا النص الصحفي القصير لمحمد شعير تنبئ  عن تحسس واضح وقوي للصورة الحقيقية لكافكا الكاتب كما هو في واقعه وحقيقته، ربما لا يمكن اعتبار هذه العبارات كافية لرصد عملية الكتابة وخصوصا من جانبها التقني الفني لدى كافكا ولكنها كما نعتقد نجحت في توصيل الفكرة الأساسية التي احتوتها والتي تذهب إلى أن قدرة كافكا الحقيقية هي في إدارته لعملية الكتابة من الناحية التقنية اعتمادا على تجربته الشخصية في الكتابة والحياة معا وسوف نتعرض بشكل أسهب لهذه اللفتة في فصل قادم حين نرصد كيف وصف كافكا نفسه حالته النفسية والعقلية حين كتب إحدى رواياته المهمة في ليلة واحدة.

هذه الصورة التي لمحها الناقد شعير هي صورة كافكا قبل تمريره عبر مصفاة ماكس برود، وحتى حين يحاول الكاتب تفسير بعض المفردات الصفاتية ذات القيمة المعيارية لعالم كافكا فإنه يفعل ذلك بعيدا عن الخلفيات المعتادة والمكرسة. مثال ذلك نجده في ربطه الصحيح بين الحالة المرَضية التي وقع فيها كافكا وتفاقمت في سنواته الأخيرة، وبين انتشار كلمات من قبيل الموت والخوف ومشتقاتهما. فهو يقول مثلا (الأمل الباهت الذي كان يلوح من حين إلى آخر يتحوّل إلى يأس عميق، والإحساس بالسلام الداخلي الهش يغدو لوناً من الاضطراب، والرغبة في مجابهة العالم تصير لوناً من التوحد، تماماً مثلما يصبح هاجس الموت مسيطراً بعد سقوط كافكا فريسةً للمرض. هكذا، نجد أنّ كلمة "الخوف" تتردد بقوة في اليوميات. إن الخوف لا يمنح الإنسان سوى "سعادة منقوصة"، وعندما يحبّ "سيدفن الحب تحت الخوف وتأنيب الذات"...) غير أن قراءة متمعنة لدلالات عبارات من قبيل: السلام الداخلي الهش، الأمل الباهت، اليأس، الرغبة في مواجهة العالم ... تشير بوضوح وقوة إلى حالة كافكا النفسية والروحية آنذاك وهي حالة رجل يواجه قدرة العاتي بيدين عاريتين ولا يجد حرجا من الاعتراف بأنه على وشك الهزيمة فـ"الأمل باهت" بمصير آخر لمريض السل الذي تفاقم مرضه ولم يعد قابلا للعلاج والشفاء. هنا ثمة الكثير من التفاصيل التي تذكرنا بتجربة فريدة خاضها الكاتب المسرحي العربي سعد الله ونوس والذي واجه موته الخاص بجرأة وصلابة لا مثيل لها، وكتب أهم أعماله المسرحية على الإطلاق خلال فترة صراعه مع مرض السرطان والتي استمرت خمس سنوات وانتهت بوفاته. الأكثر إدهاشا في هذا الصدد أن ونوس كان قد توقف عن الكتابة بعد الغزو الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت سنة 1982 وعاد إلى الكتابة في بداية التسعينات ليستمر في الكتابة حتى الرمق الأخير، بل إنه في أيامه الأخيرة، وحين كان يعجز عن الكتابة بنفسه، كان يستعين بإحدى طالباته في المعهد الفني في دمشق ويملي عليها ما يريد كتابته كما تروي زوجته. لقد كتب ونوس أهم أعماله المسرحية خلال ثلاثة سنوات تقريبا انتهت بوفاته وتلك الأعمال الضخمة هي:

منمنمات تاريخية (1994)

طقوس الإشارات والتحولات (1994)

أحلام شقية (1995)

يوم من زماننا (1995)

ملحمة السراب (1996)

الأيام المخمورة (1997)

بالعودة إلى ملاحظة الناقد محمد شعير سالفة الذكر نقع على إشارة واهنة، ربما لم يقصدها الكاتب، حول التقنية التي كان كافكا يعتمدها في الكتابة الروائية والتي أطلق عليها كونديرا "فن الدعابة السوداء"، فهو يقتبس من يوميات كافكا قوله (إنّ معظم الكلمات التي أكتبها لا ينسجم بعضها مع البعض الآخر. إنني أستمع إلى الحروف الصامتة وهى تحتك بعضها ببعض على نحو صفيحي، وإلى الحروف الصامتة وهي تغنى كأنها زنجي في معرض. إن شكوكي تحيط مثل الدائرة بكل كلمة... يتوجب علي أن أخترع كلمات تكون قادرة على نفخ رائحة الجثث في اتجاه لا يصيبني مثلما لا يصيب القارئ مباشرة) فالهدف من هذه التقنية الكتابية واختيار الكلمات بحسب كافكا هو ذو شقين: الأول صبغ النص بلون شاحب وسوداوي ومتفسخ لتكون الكلمات قادرة على "نفخ رائحة الجثث" في النص، والثاني هو المحافظة على الكاتب والقارئ على مسافة معينة من شرور السوداوية ورائحة الجثث العدمية.

بخلاف هذا نص المعبر عن الكثير، والحاوي للكثير من اللمحات العميقة على قصره، للناقد شعير، نقع على نص آخر أقرب ما يكون إلى تقرير أمني يفوح برائحة الوشاية والترصد بقلم كاتب و"شاعر" مغربي يدعى نجيب كعواشي[3]. هذا النص في الواقع هو تلخيص سيء وشبه حرفي لتقرير إخباري آخر لا يقل ارتباكا نشرته جريدة " الجريدة البيروتية " يتعرض لخبر نشرته جريدة "هاآرتس" الإسرائيلية حول العثور على وثائق جديدة تخص كافكا. فصاحب المقالة التلخيصية – كعواشي -يخبرنا بأن كافكا (نفسه يكشف في رسائله إلى أصدقائه وعائلته، أنه حضر وشارك في كل أعمال المؤتمر الصهيوني الحادي عشر. ويعترف أنه مقتنع تماما بالحركة الصهيونية ويؤيدها. والغريب أن الذين ترجموا كافكا إلى العربية لم يكشفوا لنا أي ضوء عن كل هذه الأمور التي تكشفها رسائله. ولم يقولوا لنا مثلا إنه كان مهتما بالبيوت اليهودية. وإنه حضر كل المؤتمرات الصهيونية التي عقدت في برلين وفيينا ...) هكذا، وببضعة أسطر يجري كعواشي تحقيقا بوليسيا ثم يقرر فيحكم على كافكا بالصهيونية بل وهو يعاتب، وربما ينقم على مترجمي كافكا إلى العربية، أنهم لم يحذروا القراء - العرب الطيبين حد السذاجة كما يبدو - من هذا "الصهيوني المتستر". الطريف أن كعواشي حين يعثر على نقد لكافكا موجه للصهيونية أو لفساد الحاخامات اليهود يستنتج فورا بأن هذا النقد يؤكد -  لا أحد يدري كيف ولماذا - صهيونية كافكا، وها نحن بإزاء قسمة الأرنب والغزال مجددا!

يؤكد كعواشي أن كتابات كافكا جزء من الأدب الصهيوني دون أن يقرأ ما كتبه ذلك الأديب أو بعضا منه، ولكنه وبعد أن يفسر ويوبخ ويدين ويقرر، يختم مقالته بالتساؤل التالي "فهل يمكن أن ننعت أدب فرانز كافكا وهو يتناول مثل هذه الموضوعات بمثل هذا الأسلوب أدبا صهيونياً؟ )

بالعودة إلى "التقرير الأصلي" الذي قصقصه كعواشي على طريقته الخاصة، نجد الخلطة القديمة ذاتها مع التذكير بما كتبه غارودي وسعدي يوسف وغيرهما. ولعل ما كتبه الشاعر العراقي سعدي يوسف اعتمادا على ما أورده يانوش في كتابه "كافكا قال لي " يصلح لأن يكون مناسبة لتأكيد الطابع الملفق والمشكوك به لما كتبه هذا الرجل ونعني يانوش، فهذا الشخص الذي تحول بطرفة عين إلى مرجع من المراجع التي يقصدها الباحثون في أدب وحياة كافكا، كان شابا يعمل مع كافكا في شركة التأمينات نفسها. وكان صغير السن آنذاك، ومعروف أن كافكا كان كتوما ومتحفظا فيما يخص تفاصيل حياته وأفكاره وتجاربه الشخصية إلى درجة معروفة لجميع من عرفه وحتى مع أقرب الناس إليه، فكيف يمكن أن نصدق بيسر إذاً أنه كان يمضي وقتا طويلا مع الشاب يانوش ويفضي إليه بأفكار وأخبار وتحليلات خطيرة ومهمة لم نجد لها أثرا حتى في أكثر كتاباته ورسائله حميمية؟ لتأكيد الطابع المشكوك فيه لما كتبه يانوش ونسبه إلى كافكا، علما بأن ما كتبه تحت العنوان سالف الذكر " كافكا قال لي " نشر بعد سنين عديدة على وفاة هذا الأخير، نقرأ التالي بقلم يانوش  ( أرى أن كافكا كان مؤمناً بآراء الحاخام هيرش كاليتشر الذي اقتفى هرتزل أثره، ومفادها أن خلاص اليهود لن يكون على يدي المسيح المنتظر، بل جميع اليهود المشردين في الأرض المقدسة... ) الأكثر إثارة للاستغراب والعجب هو أن الشاعر سعدي يوسف، المعروف بحصافة آرائه النقدية وهدوئها  وميلها – في ميادين الأدب خاصة - إلى التأمل العميق والتساؤل المنتج  أكثر من إطلاق الأحكام  والتقريرات الباتة،  يستنتج أن كافكا كان صهيونيا متحمسا، اعتمادا أيضا على ما كتبه يانوش حيث ورد في تلك المقالة ( سأل يانوش كافكا عن معنى دياسبورا diaspora ومعناها المباشر اليهود المشتتين بعد السبي البابلي في 685 ق.م فقال: "إنها تعني تشتت الشعب اليهودي كالبذور. وكما تمتص بذرة القمح الأشياء من حولها وتكتنـزها، وتحقق نماء أكثر، كذلك كتب على اليهود: أن يمتصوا كفاءات البشر ويطهروها.) لا ريب أن كلاما ومفردات كهنوتية من قبيل (الشعب اليهودي كالبذور ... وامتصاص كفاءات البشر من قبل اليهود لتطهيرها) لا مثيل لها في كل ما كتبه كافكا في قصصه ورواياته ورسائله، فلماذا نصدق " ما ينقله يانوش " ولا نصدق أدب كافكا القاطع في عدائه لثقافة الإكراه والقمع الكهنوتي والتغريب اللاإنساني؟ وعرضا نقول إن الشتات مفهوم توراتي جوهري وهو – كما يعتقد أحد النقاد – أقرب إلى البذور، ومع أن أجواء كافكا سواء في أعماله الشهيرة أو في رسائله ويومياته بعيدة كل البعد عن هذه المسحة التوراتية الكهنوتية ولكن ماكنة التحريف والصَهْيَنَة كانت قد بدأت العمل منذ زمن.

لنعد إلى الخبر الذي تقدمت الإشارة إليه، والذي نشرته صحيفة إسرائيلية والخاص بالعثور على وثائق جديدة تعود لكافكا في شقة في مدينة تل أبيب، ولنقرأه نصا (قالت الصحيفة إن هذه الوثائق سلمها كافكا إلى صديقه ماكس برود الذي نشر أعماله في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني. بعد وفاة برود عام 1968، ورثت سكرتيرته "استير هوفي" هذه الوثائق ومنعت الباحثين من الاطلاع عليها. باعت عدداً منها ونقلت أخرى لتضعها في صناديق في مصارف في سويسرا.) انتهى الخبر، ولنا أن نتساءل: ترى، هل يدل هذا الخبر على أن كافكا كان صهيونياً أم لا؟ قد لا يكون نشر الخبر بحد ذاته مؤكِدا لصهيونية كافكا، وربما لم يدر هذا السؤالُ بخلد من نشره ولكننا نطرحه وبقوة لأنه ينطوي على حقيقة مهمة لا يمكن طمسها، ولتوضيحها نطرح التساؤل التالي: بعد كل الذي فعله ماكس برود والصهاينة الآخرون بكافكا وأدبه وتقديمه كمناصر لمشروعهم السياسي العنصري، هل يمكن لنا ان نتصور أن برود قد أقدم على إخفاء وعدم نشر هذه المجموعة من الوثائق والكتابات التي كتبها كافكا لو كانت لصالح مساعيه لصهينة كافكا؟ لماذا خبأ برود ومن بعده سكرتيرته هوفي إذن تلك الوثائق والكتابات؟ ولماذا أرسلت بعد العثور عليها وبعد مرور كل هذه السنوات إلى خزائن المصارف السويسرية ليحكم عليها بالظلام الأبدي؟ سنكرر التساؤل بعبارات أخرى: لو كانت الوثائق التي عُثِرَ عليها تؤكد صهيونية كافكا أو مواطنته في دولة إسرائيل كما استنتج أو توقع البعض من المبالغين، فهل كان ماكس برود والمؤسسات لصهيونية الثقافية الموجودة اليوم ستتردد للحظة واحدة في نشرها وحسم الجدل حول كافكا وعلاقته بالصهيونية وبدولة إسرائيل؟ يتبع قريبا.

 

علاء اللامي

..........................

[1] - الأخبار / اللبنانية عدد الجمعة ٢٩ أيار/مايس ٢٠٠٩

[2] - صحيفة القبس 22/8/2009 و مواقع على الشبكة حزيران/ 2010

[3] -  صفحة دروب الإلكترونية  على شبكة النت

 

 

صالح موسى الطائيلقد استوقفتني هذه القصيدة الرائعة المتميزة حيث انها جعلتني اعيد قراءتها عدة مرات إعجاباً واندهاشاً بما تحتوي من صدق عميق متوج بعناصر وبأدوات فنية شعرية غزيرة وبتراكم لغوي واسع قلّ نظيره مما جعل الشاعرة المبدعة الموهوبة انعام كمونة ان تكون قادرة وبامتياز في اختيار المفردات التي تليق بحالتها الشعرية والنفسية في لحظة الايحاء الشعري التلقائي الانسيابي الرائع الجميل... ولهذا قد كنتُ مترددا جدا في كتابة تعليق عابر او اشادة قصيرة في هذا الجمال الشعري الكبير حتى ارتأيت لنفسي ولذائقتي الشعرية ان امسك القصيدة بما ساوضحه الان مستخدما التحليل المبسط ومعتمدا على بعض العناصر والادوات الفنية المهمة التي من الضروري جدا ان يمتلكها العمل الادبي لكي يتوج بالنجاح او لكي يكون جديرا بالدخول الى عالم الابداع:

1- الصورة الشعرية:

ان هذه القصيدة الاستثنائية يقودها خيال خصب للشاعرة المبدعة إنعام كمونة، هذا الخيال الواسع الذي شكل صورا شعرية متلاحقة تبوح بامكانية ذهنية متوهجة لم تستسلم للموروث الفني الذي يتعكز عليه الكثير من الشعراء...فلقد كان التصوير الفني هنا حديثا ومبتكرا وجميلا جدا غير مستهلك يحمل في طياته لوحات خلابة مصحوبة بمهارة تنفيذية خاصة مختلفة كما في:ــ

دونتْ سلسبيل أوجاعي فوق عري الجباه *

بعكازٍ ضائــــــــــــــــــــــــــــــــــــع ..!!!!

لما تسكبُ أنفاسك قوارب بحر غاسق *

ويفترشَ هلال سجودكَ رملٍ صائدٍ..!؟

أ... أضمتك دموع موجة بين حناياها صارخة لرضاعك..!؟ *

أ... أهدهدتك فراشات السواحل بكركرات احلامك..؟

2 - الايحاءات والرموز:

إن هذا العنصر هو من الادوات المهمة جدا والتي تفوقت بها القصيدة بامتياز

فلم تصل الى الحد الذي يؤدي الى فقدان التوازن في المعنى او الاغراق في التعمية او في الطلاسم التي يصعب على المتلقي تفكيك شفراتها فلقد كانت الشاعرة موفقة وقديرة جدا في ايصال الفكرة عن طريق ايحاءات ورموز مناسبة وفعالة .

3- التلقائية والصدق في الاحساس:

لم يكن هناك اي افتعال او صناعة ملحوظة في الجمل الشعرية والمفردات بل بالعكس فقد كانت التلقائية متأتية من منطقة اللاوعي المتزن للشاعرة التي تبدو انها تمتلك مخزون ثقافي وخبرة شعرية كبيرة مكنتها من توظيف صدقها في الاحساس بأجمل صيغة لانها اعتمدت في ذلك على ادواتها الفنية المتنوعة وعلى خيالها الواسع مما أدّى الى ان تكون القصيدة بعيدة عن المباشرة وفي نفس الوقت بعيدة عن الانفلات الذهني الذي غالبا ما يجعل الشاعر يغرق في الهذيان .

4 - لغة القصيدة:

لقد لفت انتباهي ان لغة الشاعرة المبدعة إنعام كمونة هي لغة شعرية غير تراثية وتمتلك مسارا جديدا في التعبير عن خصوصيتها كذلك ان لها سيطرة كبيرة لاحتواء الرموز والايحاءات بكل رشاقة واقتدار واحب ان اضيف هنا ان الشاعرة لم تلجأ الى مفردات معجمية منتقاة لا تعبر عن حاجة المتلقي انما استخدمت لغة معاصرة كي تكون اهلا للتفاعل والانجذاب او كي تقلص الفجوة الكائنة الآن بين الكاتب والجمهور .

5 - الموضوع:

وأخيرا أود أن أشير الى ان الموضوع مهم جدا في اي عمل ادبي وتعتمد درجة اهميته على المعدل الاعلى الذي يقرّبه الى ما هو عام ومشترك.. فعلى سبيل المثال ان كتابة موضوع عن مخدة او عن شجرة ميتة تكون اهميته اقل بكثير جدا من اهمية الكتابة عن ثورة جياع او عن احتلال وطن حتى وإن كانت المعالجة الشعرية او الفنية متكافئة او متقاربة بين الاثنين، اما بالنسبة للعمل الادبي الذي يكون خاليا من اي موضوع او هدف فأعتبره مجرد لصق مفردات معجمية مع بعضها على شكل كولاج لغوي حيث لا عاطفة ولا وجدان .

وهنا احب ان اوضح ان موضوع هذه القصيدة البديعة يتصدر الدرجة الاولى في الاهمية فليس هناك أهم وأكثر الما من فقدان إنسان او غرق مجموعة بشر.

الشكر الجزيل للشاعرة الخلاّقة المبدعة إنعام كمونة على هذه القصيدة الرائعة رغم الالم والحزن الشديد الذي ينبض في اسطرها .

للاطلاع على قصيدة الشاعرة في صحيفة المثقف

استعجلت الرحيل يا ولدي /  إنعام كمونة

 

الشاعر والتشكيلي صالح الطائي

...........................

انعام كمونةاستعجلت الرحيل / يا ولدي

إنعام كمونة

(عن غرق أطفال المهاجرين في البحر)

اهتزت عروش البراءة ...

بتيجان نورك الصاعق

وأنت ..تتوسد قداس فجـــــــــــــرك

بأحضان صعيدٍ غارق

لتدخل جنتك بنعليك …

تنثر خطوك عناقيد الياسمين

تظللُـــــــــــــك أغصان زيتونة

لا شرقية ولا غربية

تُلاطمني أمواج شهقاتك.. بصدى لهفتي البوهيمية المرافئ

لما تسكبُ أنفاسك قوارب بحر غاسق

ويفترشَ هلال سجودكَ رملٍ صائدٍ..!؟

أيحتسي حروف عمرك ويدي مهاجرةً

لفراغ فائــــــــــــــــــــــــــــض..!!

ترنحت مواويل أمومتي

تناغي ملكوت طيفك

بهدير صمتي الخانع

وجداً حنيناً يبكيك بمشيمة مصائب

دونتْ سلسبيل أوجاعي فوق عري الجباه

بعكازٍ ضائــــــــــــــــــــــــــــــــــــع ..!!!!

فيــــــــــــــــا صوم لهفتي ورميم جوانحي

أيهزُها مهدَ النوى بزفيرٍ ماحق..!؟

يا ويل لحضني القائظ..!!

لم أودعك بقبلة اغتراب..!

ولا ضمــــــــــــة بتنهيدة مفارق..!

تبا لعذري الخانق..!!!

أ...أضمتك دموع موجة بين حناياها صارخة لرضاعك..!؟

أ...أهدهدتك فراشات السواحل بكركرات احلامك..؟

كيف لي أن أُصدق ولعبتك بين يدي تعانـــــــــــــــــق..!!

استجار البحر بطيفك ..

رفع راياته البيضاء

ببسمات حتفك الباسق ...

سرمدي هدير ذكراك... ينتـــــــــــــشي..

ونحن.......

نحن ننطفئ لا هوادة

ذبـــــــــــــــولاً نكابد...

خذني اليك ..ئدني بثغر صدرك ما زلت معاند..!!

هذه كفي... أِنقذني

أِنقذنــــــي…. خُذ روحي لك

مُد روحك لي

عانقني...

عانقني لأغرق...

بدلا عنـــــــــــــــك.

***

إنعام كمونة/ العراق

 

 

صادق السامرائيهذه قراءة بعيون نفسية لقصيدة إبن سينا المشهورة عن النفس، ويبدو فيها وكأنه لا يعرف ماهية النفس، ويحاول أن يصل إلى ما يراه معرفة وإدراك للنفس بإقتراب فلسفي، ووفقا لمنظومة تفكيره المتأثرة بالفلسفة اليونانية القديمة.

كما أنه يستلهم من القرآن ما يعينه للوصول إلى وهْمِ معرفة النفس.

والكثيرون قد حمّلوا القصيدة أكبر من طاقتها وفحواها، وأخذوها إلى آفاق ومديات ما خطرت على بال كاتبها.

ومَن يتأملها بهدوء يرى أن إبن سينا يعبّر عن تخبطه وحيرته، وعدم ثقته بتصوراته بعد أن جعل النفس موضوعا فلسفيا لا غير.

والبعض يرى في القصيدة نوازع عرفانية وصوفية ورمزيات ودلالات وغيرها من الإسقاطات التأويلية، لكنها قصيدة بلغة عصرها ومفردات زمانها، ولا تتحمل التعليلات السفسطائية .

إنها إقتراب فلسفي من النفس والروح، وتحققَ خلط واضح بينهما.

وبسبب ما تم إضفاؤه عليها، تحولت إلى نص مقدس لا يُسمح بالنظر إليه والتفكر به ونقده، بل المطلوب الإمعان بتعظيمه وأخذه إلى آفاق علوية سامية.

هبطت إليك من المحل الأرفع

ورقاء ذات تعززٍ وتمنــــــــعِ

جاءت من منبعها وحلت في بدن وكأنها وديعة مسالمة متمنعة متعززة، لكنها أرغِمَت على الحلول في بدن المخلوق.

وقد أضفت عليها الشروح توصيفات إلهية وحلقت بها في علياء الوجود، وما هي كذلك ولا هو كان يسعى بها بهذا الإتجاه، بقدر ما يحاول التعبير عن حيرته ودهشته بلغة فلسفية بحتة.

محجوبة عن كل مقلة عارفٍ

وهي التي سفرت ولم تتبرقع

ولا يمكن رؤيتها ومعرفتها، لكنها تظهر بالأفعال والسلوكيات البادية على المخلوق.

الذين أمعنوا بالتحليق في القصيدة يرسمون البيت بعبارات لا تمت بصلة إليه، ويذهبون به إلى مدارج الصوفية والإدراكية والعرفانية، وما يتكشف ولا يتكشف، وهذا محض هذيان وتسطير لكلمات لا تخبرنا عن فكرة أو معنى.

وصلت على كره إليك وربما

كرهت فراقك وهي ذات تفجع

يتصور إبن سينا أن النفس قد أُجْبِرَتْ على الحلول في المخلوق، وهذا في حدّ ذاته تأكيد على عدم فهمه للنفس، وشدة الصعوبة التي يواجهها في إستيعابها ووعيها.

ويقولون أنها كانت في صوامعها العلوية المقدسة فهبطت مكرهةً للحلول بالبدن، وكأن البدن قد تكون وإكتمل ثم جاءت إليه النفس، وما هي إلا رفيقته منذ تكوّن أول خلية ساعية لهندسة كيانه الخَلقي.

أنفت وما ألفت فلما واصلت

آيست مجاورة الخراب البلقع

ويرى أنها المكروهة التي تتأبى وتتقزز من الحلول في بدن من التراب المُخَلّق، ولكي يبرر بقاءها فيه يذهب إلى أنها كالآسير الذي تآلف مع آسره، وما عاد يرغب بمفارقته.

فالنفس لا تأنف ولا تألف وإنما هي جزء جوهري في ماهية الموجود الحي.

وأظنها نسيت عهودا بالحمى

ومنازلا بفراقها لم تقنع

وكأنه يقول بأنها توحلت وتدنست بالبدن وأمعنت بمساوئها، حتى نسيت ما كانت عليه من رفعة ونقاوة وطهارة وسمو.

وهذا تصور خيالي ومحاولة لإقناع نفسه بما يرى ويتصور عن النفس.

حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها

عن ميم مركزها بذات الأجزع

ويستحضر رؤيته الفلسفية ويرسم صورتها التي لا وجود لها إلا في الخيال، ويحسب أنها تمازجت بتراب وجودها الأرضي المزدحم بمفردات وعناصر السوء والشرور.

وفي هذا تناقض، فهو يحسبها قد تناست وإستوطنت حالة أخرى سيئة وتعودت عليه، وكأنه يصف السلوك البشري وما يعتري الإنسان بتأثير الظروف المحيطة به، فيخلط ما بين الواقع والخيال.

علقت بها تاء الثقيل فأصبحت

بين المعالم والطلول الخُضّعِ

كلام فلسفي لا محل له من الإعراب، لكنه يجري وفقا لمنهج نظرته للنفس، وكأنه يثبت بأنه لم يدرك معنى النفس وطبقاتها التي أوضحها القرآن، وأكد عليها مرارا وتكرارا.

فهي لا ثقلت ولا تدنست، وإنما تنجم عن تصارع القوى الثلاثة الرئيسية الفاعلة في الأعماق البشرية.

وفي ما يذهب إليه محاولة لإدغام العلم بالفلسفة للتغطية على عجز المعرفة.

تبكي إذا ذمرت عهودا بالحمى

بمدامـــــــــــع تهمي ولما تقلع

هذا أشبه بالهراء على أن النفس تنوح وتذرف الدموع لأنها معتقلة في البدن، وكأن المخلوقات بأسرها عبارة عن معتقلات وزنازين عذاب وشقاء لهذه النفس التي يتصورها ويتوهم توصيفها

وتظل ساجعة على الدمن التي

درست بتكرار الرياح الأربع

تخيلات فلسفية ذات رمزية مجافية لطبيعتها، وكأن النفس تنوح وترثي حالها لأنها قد وقعت في مصيدة البدن الموبوء بالدونيات من الأفعال، وما هو إلا مادة أو مطية تسيّرها هذه النفس وتمتهنها وليس العكس كما يرى.

إذ عافها الشرك الكثيف وصدّها

قفص عن الأوج الفسيح المربع

يتجلى في هذا البيت إضطراب الفهم والحيرة التي تدفع إلى تصورات فلسفية للخداع والتضليل، فهو يتوهم بأن البدن فيه كل ما هو سيئ، وأن النفس الكريمة السامية العفيفة النقية الطاهرة قد تمحنت فيه وتعذبت، والعكس هو الصحيح.

وغدت مفارقـــــة لكل مخلف

عنها حليف الترب غير مشبع

ويتوهم أيضا بأن معركة محتدمة بين النفس والبدن، أو بين ما هو غير ترابي وترابي، وأن النفس ستنخلع وتعود إلى أصلها متحررة من قيد التراب الذي رزخت في أجيج ويلاته.

سجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت

ما ليس يدرك بالعيون الهجـــــــــع

ويرى أنها جاهدت وقاومت ولا بد لها أن تنتصر وتنطلق إلى علياء مقامها البريئ، وفي هذا إسفاف في الخيال والتصور الفلسفي، الذي لا يستند على أي رصيد واقعي وعلمي ومعرفي، فهو يمعن بتصور أن عقولا نادرة ستبصرها وتعبّر عنها، وهذا محض وهم وهذيان!!

وغدت تغرد فوق ذروة شاهقٍ

والعلم يرفع كل من لـــم يرفع

وهنا إسقاطات صوفية لا علاقة لها بالنفس، حاول حشرها فيها لحيرته وعدم تأكده مما يبحث فيه، فالإختلاط يبدو واضحا فيما يشير إليه بأبياته التي وضعها في وعاء تصوره، وصنع منها خليطا غير متجانس.

فلأي شيئٍ أهبطت من شامـــــخٍ

عالٍ إلى قعر الحضيض الأوضع

وكإستنتاج لما تقدم يطرح هذا السؤال الذي لا محل له من الإعراب، ولا معنى فيه، فهو قد بنى ثيمة القصيدة على أن النفس في عرش بعيد، وقد هبطت إلى بدن مدنس بآثام التراب، والإفتراض الخاطئ ينتهي إلى إستنتاج خاطئ.

إن كان أهبطهــــــــا الإله لحكمةٍ

طويت عن الفطن اللبيب الأروع

وكتفاعل فلسفي مع الإفتراض الذي بنيت عليه القصيدة، فلا بد من القول بأن الإله قد أنزلها لحكمة تجهلها الألباب الفطينة.

فهبوطها إن كان ضربة لازب

لتكون سامعة بما لم تسمــــــع

ويرى أن هبوطها كان حتميا ويفسره على أن عليها أن تخوض تجربة فتتعلم ما لم تعلمه من قبل، أي أنها أرسلت للأبدان لتخوض تجربة وتستنبط منها معرفة.

وهو تفسير فلسفي وتعليل منطقي لغرص الإقناع وحسب.

وتعـــــود عالمة بكل حقيقة

في العالمين فحرفها لم يرفع

ويمضي في تبرير تأويلاته وإسنادها بالحجج المنطقية، لكي يصل إلى حالة الإقنناع الموهوم، ويرى أنها قد تضررت وما إستفادت كثيرا مما جرى لها، فما هي الحكمة من هبوطها المزعوم.

وهي التي قطع الزمان طريقها

حتى لقد غربت بعين المطلع

ويقرن النفس وفقا لتصوراته بالزمن ويرى أنها تتغير بموجب ذلك، وقد يحصل لها الكثير من التبدلات والإنطفاءات، لكنها تعود وتجمع قدراتها وتنطلق في مسارها من جديد، وهو تصور لا بأس فيه وكأنه يقول أن الطاقة لا تفنى ولا تأتي من العدم.

فكأنها برق تألق بالحمى

ثم انطوى فكأنه لم يلمعِ

ويريد تبرير عدم قدرته بمعرفتها والإمساك بسرها، لأنها كالبرق الذي تألق وغاب فجأة فما إستطاع تأمله بإمعان وإستكناه ما فيه.

ويبدو هذا البيت إعترافا واضحا بعجزه عن التوصل إلى ماهية النفس وحقيقتها، وكما تشير أبيات القصيدة السابقة!!

ويمكن القول أن القصيدة محاولة فكرية فلسفية ضمن منظومة عصرها، وما يهيمن على التفكير من مذاهب فلسفية يونانية قديمة تداخلت مع المعارف الدينية والأدبية، فأضفت عليها تعقيدا وغموضا وأوجدت مهربا من الجهل وعدم العلم بالشيئ.

فالفلسفة القديمة قد وفرت ما يلزم من الأدوات التضليلية للتحرر من الجهل بأي موضوع، وذلك بإدراجه في مسلة الفلسفة وسبلها العتماء، فيتوهم القارئ أن المتحدث بها يعرف لأنه لا يفهم ما يتكلم به، وهذا أحد أسباب إبتعاد الناس عن الفلسفة في مجتمعاتنا، التي صارت فيها الفلسفة عباءة يتغطى بها الذين يدّعون المعرفة.

فهل قدمتْ شيئا نافعا عن معرفة النفس؟

الجواب الموجع يكون بالنفي، بل هي أوهمت القارئ على أن النفس كما أراد تصورها، بأنها بعيدة عن الإدراك والتجلي وستبقى غامضة ودفينة، وهذا ما تدحضه نظريات وقوانين العلوم المعاصرة المتصلة بالنفس والسلوك وهي في تطور مضطرد.

كما أنها تقدم لنا مثلا على التمسك بما لا ينفع وتقديسه بعد وصله بالغيبية الفاعلة فينا،  والإنصفاد في متاهاتها الغثيانية التي لا تقدم ما هو عملي ونافع للناس.

فالنفس واضحة ساطعة متجسمة بالسلوك الفردي والجماعي، ولا علاقة لها بما جاء في القصيدة المعفرة بالغموض والرموز والتوهم بالإشارات الإدراكية!!

وفي الختام قد يقول قائل، مَن أنتَ لتتجرأ على إبن سينا وتتحدث عن قصيدته في النفس التي أذهلت العقول وطيَّرت الألباب، فالموضوع ليس كذلك، وإنما من واجبنا أن نقرأ بعلمية وموضوعية ووضوح مجرد من عواصف الإنفعالات والتصورات البهتانية.

وبحكم إختصاصي وتجربتي العملية، ربما أمتلك بعض الشجاعة لإعادة النظر فيما أراه يستحق النظر.

 

د. صادق السامرائي

20\7\2020

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن جورج سارتون وأطروحته عن ليوناردو، يقول سارتون : كان ليوناردو ميكانيكاً بالفطرة، وكذلك رساماً، ونمت ميوله الميكانيكية في أستوديو فيروكيو، وكان فيروكيو مثالاً ورساماً وحداداً ؛ وأشهر عمل له هو تمثال "بارتولوميو كوليوني" الفارس في فينسيا، ولعله أعظم أثر من نوعه في العالم، وتضمن تنصيب هذا الأثر حل الكثير من المشاكل الميكانيكية .

وكان ليوناردو في خلال سنوات مراهقته يتأمل باستمرار الآلات المتنوعة التي ستجعل مهمة إشباع حاجات السلام والحرب إسهاماً، وكان المصدر الوحيد المتاح للطاقة هيدروليكياً، وكان من الضروري حفر القنوات التي كانت أفضل وسيلة، لنقل المواد الثقيلة، وباء طواحين المياه علي الأنهار الجارية .

إن رسومات ليوناردو مليئة بمشروعات ميكانيكية مرسومة بتفاصيل كاملة ودقيقة جداً، لدرجة أنها تبدو أحياناً، مثل الرسومات الميكانيكية الحالية، وفي الحقيقة أنه كان من الممكن إعادة بناء الآلات التي اخترعها، ولكن هل اخترعها هو؟. إن هذا الأمر غير مؤكد وغير وارد ؛ لقد كان هناك الكثير من المخترعين في القرن الخامس عشر، بل وحتي من قبل القرن الرابع عشر، ومعظمهم كانوا أميين، وفي حالات كثيرة كانت السرية هي حمايتهم الوحيدة .

ومن الهيدروليكا انتقل ليوناردو إلي الديناميكا الهوائية، وقام بعدد كبير من الملاحظات المفصلة والدقيقة بخصوص طيران الطيور، وكانت مشروعاته تشبه مشروعات ديدالوس وايكاروس، ولكنها بالأحري، كانت تشبه مشروعات مهندسي القرن التاسع عشر الذين حاولوا حل مشكلة طيران الإنسان قبل اختراع المحركات، وسأل ليوناردو نفسه سؤالاً معقولاً جداً : وهو لماذا لا يستطيع الإنسان أن يحلق في أجواز الفضاء كما تفعل الطيور؟ وفكر قائلاً أنه لتقليدها ينبغي أولاً أن نكشف كيف تفعل ذلك بالضبط، وملاحظاته في هذا الموضوع لم تكن تضاهيها أية ملاحظات حتي في القرن التاسع عشر.

لقد كان ليوناردو يتساءل دائماً، كيف تحلق الطيور في أجواز الفضاء؟ وكيف تطير مع أو ضد الرياح ؟ وكيف توجد طيرانها وتصل إلي هدفها؟ ولاحظ توافق لأجنحة وانثنائها وأنواع الريش المتنوعة وحركة الذيول، وكيف تستخدم هذه الوسائل للصعود لأعلي والهبوط لأسفل والتحليق والتوازن والحط دون أن تكسر رجليها ؟ وباختصار فإن ليوناردو فعل كل شئ يمكن فعله في عصره . ومن الخطأ أن نطلق عليه أنه كان سلفا لكوبرنيكوس أو هافي ولكنه يستحق تماماً أن يعتبر أحد رواد الطيران .

وسيكون من المضلل جداً أن نتصور أن ليوناردو يشبه مخترعاً من مخترعي الوقت الحاضر، هدفه في الغالب جمع المال، فقد كان رجلاً عملياً، ولكنه كان أيضاً فيلسوف يحب أفكاره كثيراً جداً، لدرجة أنه فقد الاهتمام بتحقيقها . وكما نعرف جميعاً، أنه عندما تطرأ فجأة فكرة عظيمة لمخترع، فإنه ليس هذا هو نهاية الأمر، ولكنه البداية؛ وأصعب مهمة هي الذي ستأتي بعد ذلك، وعليه أن يتوصل إلي تفاصيل لا حصر لها، وأن يتحقق من الإمكانيات الصناعية والتجارية، وأن يوفق خططه مع الواقع .

ولم يكن بمقدور ليوناردو الذي لم يكن لديه أي صبر، وأي موهبة لهذا النوع من الأشياء أن يصبح مخترعاً ناجحاً، وكان يشبه قليلاً أولئك الرجال الذين يحبون العبث مع النساء، ولكنهم ينسحبون إذا وجدت ملاحظاته للنساء ترحيباً وقبولاً، لا يريدون أن يتورطوا .

كما كان ليوناردو فيلسوفاً أكثر منه مهندساً،وكان مهتما بالمبادئ النظرية أكثر من اهتمامه بتطبيقها، ولكن لسوء الحظ فإن مبادئ الميكانيكا في عصره لم تكن واضحة بعد. وواصل ليوناردو التقاليد القديمة التي يمكن إرجاع تاريخها إلي أرسطو وأرشميدس ولكنها كانت غير منظمة وغير سرية للغاية

والسؤال الأول الآن، هل عرف ليوناردو الكتابات القديمة والوسيطة عن الميكانيكا؟

نعم لقد عرف عن تلك الكتابات، فهو يذكر أرشميدس عدة مرات، كما أنه يذكر بياجيو بيلاساني والبرت السكسوني، وكل هذه الكتابات كانت بالغة اللاتنية كانت إلي حد ما تجريبية ومجزئة، وحيث أنه كان إيطاليا كان بمقدوره أنه يفهم جملة لاتينية، ولكنه كان أمياً تقريباً يقرأ القليل جداً ولا يقيم بالمرة وزناً للمراجعة .

وعلي الرغم من المزاعم التي تناقض ذلك، فإنه لم يكن عالماً رياضياًً دقيقاً،وإن كان يحب الرياضيات بالأسلوب الأفلاطوني، ولكن ليس بصورة جدية للغاية. وكان ميكانيكياً بالغريزة وحاول طوال حياته أن يفهم ظواهر الاستاتيكا والديناميكا؛ بل أن هحاول أن يفهم قواعد الهيدروليكا والايروديناميكا، ولكن بدون جدوي، استطاع أن يكتب : " أن الميكانيكا هي فردوس الرياضيات لأنها تعطينا ثمار هذا العلم "، وكانت هذه مقولة شعرية وحدس يدعو للإعجاب، ولكن الثمار لا تزال بعيدة جداً عن النضج، وكان من غير الممكن حل المشاكل الجوهرية لأنه لم يكن من الممكن صياغتها بعد، وواصل ليوناردو بشجاعة الخضانة القروسطية (أي الأخذ عمن سبقوه من العصور الوسطي)؛ ولم يكن من الممكن أن تحدث الولادة إلا في زمن أو عصر " سيمون ستيفين " وجاليلو، وبدأت الميكانيكا تنضج فقط بالقرب من نهاية القرن السابع عشر مع " هويجنز " "ونيوتن".

وفي مجال الميكانيكا الرائع، استطاع ليوناردو، رغم عبقريته أن يشق طريقه فقط كرجل أعمي . وفي مجال آخر - مع ذلك - كان من الممكن الحصول علي نتائج قيمة في الحال، وكان هذا المجال هو علم التشريح . وهنا مرة أخري كان يواصل التقاليد القروسطية، لأنه من الخطأ الاعتقاد بأن التشريحات كانت محرمة طوال العصور الوسطي، فقد كان هناك مشرحون متميزون مثل موندينو دي لوزي وجويدو دا فيجيفانو، علي التشريحات البشرية كانت نادرة ومنظمة تنظيما سيئا . وجاءت الصعوبات من المدرسة السكولائية أكثر من الدين (أي أنها حرمت التشريح أكثر من الدين)، وكانت روح التجريب تكاد لا تكون موقظة والأسوأ من ذلك، هو أن منهج الملاحظات بدقة وبدون تحيزات كان غير معروف تقريباً، فقد كان جالينوس وابن سينا يسيطران علي الاطباء لدرجة أنهم كانوا غير قادرين علي الرؤية بأعينهم وهناك كشفت عبقرية ليوناردو عن نفسها رغم أن الرؤية في هذه الحالة كانت ناقصة ومجهضة .

ومع ذلك يمكننا القول، بان التشريح الحديث أسسه رجلان هما "ليوناردو الإيطالي" و"اندرياس فيساليوس الفلمنكي"، علي أن هناك فرقاً أساسياً بينهما، فقد قام ليوناردو بتشريح نحو ثلاثين جثة، وترك عدداً وفيراً من الملحوظات والرسومات، ولكنه لم يقف أبداً بتأليف بحث في التشريح، بعكس فيساليوس الذي نشر في عام 1543 عملاً عظيماً تحت عنوان " تركيب جسم الإنسان وهو حقاً أساس علم التشريح الحديث . أما بالنسبة لليوناردو فقد ظلت ملحوظاته ورسوماته مجهولة تقريباً حتي هذا القرن الذي نعيش فيه، في حين أن كتاب فيساليوس أثر تأثيراً في كل المرشحين الذين جاءوا بعده، ويجب أن نستنتج أن " فيساليوس " وحده هو علم مؤسس علم التشريح الحديث .

ومع ذلك، فإنه علي الرغم من أن تأثير ليوناردو في التشريح يكاد لا تذكر، إلا أن أعماله التشريحية كانت مذهلة، وإذا كان فيساليوس بحكم كونه طبيبا وأستاذا للتشريح، كان يجري كثيراً من العمليات التشريحية، فإن ليوناردو كان مثله، حيث أجري كثير من التشريحات، وأجراها بنفس الجودة التي أجري بها فيساليوس تشريحاته، وإن لم يكن ذلك بصورة نظامية أو منهجية .

إن التشريحات التي يجريها الطلاب اليوم في معامل التشريح بكليات الطب سهلة جداً ؛ فالماء الجاري والتبريد والمواد المخدرة، قد قللت هذا العمل بدرجة كبيرة . إن أي من وسائل الراحة هذه لم يكن متاحا لليوناردو وإنجاز مهمته المفروضة ذاتيا كان يتطلب قوة إرادة هائلة .

وعلاوة علي ذلك، فإنه في حين أن فيساليوس كان يساعده فنان محترف هو " جون ستيفن "، كان ليوناردو مضطراً في مراحل مختلفة لمهمته الفظيعة أن يقطعها، ويبدأ في الحال نوعاً آخر من العمل ذي رقة مفرطة، راسما ما يراه بدقة بقدر الإمكان . إن بعض رسوماته التشريحية لم تكن تضاهيها أبداً أية رسومات أخري .

إن حب استطلاع ليوناردو ذهب إلي ما وراء حب استطلاع غيره من الرسامين والنحاتين أو المثالين الذين كانوا مضطرين إلي امتلاك بعض المعرفة بالتشريح الفني، أي تصميم وتخطيط العضلات السطحية الظاهرة وقد درس في فلورنسا علي الذين كانوا مصممين أكثر من رسامين بالألوان هذا النوع من التشريح بحماسة . وتطرف أنطونيو بولايولو في هذا التقليد ثم أعيد إلي الإعتدال بواسطة فيريكيو وليوناردو . إن نموذج المثال أو الرسم التخطيطي للرسام يجب أن يكون دقيقا بدرجة كافية وشديدة للحساسية ليبين وجود العضلات، ويجب أن يكون المشاهد قادرا علي اكتشاف وجودها بالحدس والبديهة دون أن يكون شاعراً بها أو مدركا لها .

ومنذ بداية الفن سادت الاعتبارات الرياضية والصوفية والتشريح الفني، وقد أدي حب التناسق والإعداد بالفنانين من كل العصور إلي اكتشاف العلاقات الرياضية بين أحجام أجزاء الجسم المختلفة، ووضع قاعدة للجمال البشري، وقد وجدت هشة المشاغل في مصر القديمة والهند واليونان . ولم يكن ليوناردو مهتماً ليس فقط بجمال جسم الإنسان، ولكنه كان أيضاً يبحث عن الجمال في الممالك الثلاثة للطبيعة، وترك وراءه كثير من الرسوم التخطيطية لحيوانات ونباتات وقواقع وصخور، وتصف بعض بحوثه اليوم في مجالات الجغرافية الطبيعية، وعلم المعادن والجيولوجيا، ورسوماته تجعلنا نفكر في رسومات راسكن الذي كان شغفه بالفن، وكذلك العلم قوياً ومعقداً أيضاً. وكان أحد الأوائل الذين أعطوا تفسيرا للحفريات ؛ فالفواقع التي وجدت مطمورة في صخور الجبال كانت بقايا مخلوقات عاشت في البحار أو علي الشواطئ ورفعت لأعلي فيما بعد . وكان أحد أوائل الرجال في الغرب الذين استكشفوا جبال الألب المرتفعة ليس فقط كفنان، ولكن أيضاً كرجل علم، وكانت شعوب أوروبا بوجه عام تخشي الجبال التي كانوا يتخيلون أنها مسكونة بالجن، أو العفريت، والأقزام الخرافية، والشياطين .

ولم تكن المسيحية قد نجحت في إزالة وتقليل تلك الخرافات، في حين أن البوذية كانت قد شجعت علي خرافات مناقضة لها، فبوذية الصين واليابان قد ربطوا دائماً القمم العالية بقوة إلهية، وبنيت أشهر معابدها فوق منحدرات أو قمم الجبال .

ومن وجهة النظر هذه كان ليوناردو شرقياً، فأفكاره عن الفن والطبيعة تفتن القراء الهنود أو الصينيين أو اليابانيين، وسبب شرقيته، هو أنه إلي حداً كبير قد قلل خرافاته وموانعه الغربية، وانشقاقه كان انشقاق رجل عظيم حقا، إذ لم يكن مقصودا ولكنه كان تلقائياً وطبيعياً .

وكان تفكيره علمياً وعقلانياً من تفكير الغالبية العظمي من معاصريه، ولكن لم يكن متحرراً تماماً من التحيز، وتكاد لا تكون هذه الحرية ممكنة في عصرنا، وكانت مستحيلة تماماً في عصره . وإذا كان من المعروف أن العباقرة لديهم عقل أكثر حرية ورؤية أوضح من الناس الآخرين، إلا أن هناك حدا لوضوح رؤيتهم وحريتهم . ولقد كان عقل ليوناردو يقيده نوعان من التحيز يمكن أن نسميها : التحيز الأفلاطوني والتحيز الجالينوسي .

والأول كانت تمثله أساسا فكرة العالم الصغير (الإنسان) والعالم الكبير (الكون)، التي شرحها أفلاطون في محاوره " طيماوس " ثم نقلها علي نطاق واسع الأفلاطونيون المحدثون . إن العالم الصغير لجسدنا هو نسخة ناقصة جداً من العالم الكبير للكون، فعظامنا مثل الهيكل الصخري للأرض، وتوجد لدينا بحيرة دم تشبه البحار، وإيقاع تنفسنا ونبضنا يشبه إيقاع المد والجزر، والدورة الدموية تشبه دوره المياه، وفرو الحيوانات وشعرنا وريش الطيور يشبهون الأعشاب وأوراق الشجر، وقرقرة الأمعاء تشبه زلزالاً .. وهلم جرا . وهذه التشبيهات التي يمكن مدها بلا نهاية كانت عادية في عصره علي الأقل بين المثقفين .

وليس من الضروري أن نفترض أن ليوناردو أطلع علي محاوره طيماوس أو علي أي كتاب من الكتب الكثيرة المشتقة منها، لأن هذه الأفكار كانت سائدة ومنتشرة وذائعة في عصره ؛ فقد كان قد سمع الناس يشيرون إليها أو يناقشونها في أستوديو فيروكيو وفي أماكن أخري .

إن التشبيهات الغامضة والفخمة مثل تشبيهات العالم الصغير والعالم الكبير ستغري خيال الشعراء والفنانين بسهولة، وبالفعل شكلت التأثيرات الأفلاطوني كل فكرة خلال عصر النهضة في حين كان التأثير أو التحيز الذي فرضه جالينوس كان أقل شيوعا . فحركة الدم التي يكشفها النبض فسرها جالينوس ليس كدورة حقيقية (ممكنة فقط في مسار مغلق) ولكن كحركة إيقاعية للخلف والأمام . وحتي إن كان الأمر كذلك، فإنه لتبريد تفسيره، كان مضطرا إلي افتراض أن الدم يخترق البطين الأيمن يمر من خلاله الجدار (الجدار القلبي الفاصل)، وهكذا يصل إلي الجزء الأيسر من القلب، وكيف كان يمر من الجدار الفاصل الذي يبدو أنه لا يسمح بنفاذ الماء من خلال فتحات غير مرئية .

وكان ليوناردو مشوشاً برأي جالينوس المبتدع بدرجة ميئوس منها جداً، حتي أنه كان غير قادر فقط علي رؤية هذه الفتحات غير المرئية ولكن أيضاً رسمها . وسيكون من الصعب العثور علي مثال أفضل لحدود أي شئ حتي العبقرية . إن ليوناردو كان عقلاً حراً وعبقرية عظيمة، ومع ذلك خدعة سحر الأفلاطون وسلطة جالينوس لدرجة رؤية أشياء لم تكن موجودة وبيانها للناس الآخرين .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

حيدر عبدالرضاالرؤية من الخلف الزمني وعلاقة تمثيلات رواية الصوت الواحد

المبحث (4)


مدخل:

حين نتصفح فصول وفقرات رواية (سيدات زحل) تباشرنا تقنية (الرؤية من الخلف) كحالة استعادية من وظيفة مسرودية محكيات السارد المشارك في النص، فهو يرى الأحداث الحاضرة من جهة ما من خلال بؤرة مركزية تشع من تفاصيل العالم والحقب التأريخانية . فالشخصية حياة البابلي كما قلنا سابقا، تحيط بكامل تفاصيل موضوعة الرواية الماضوية، كما لو أنها تباشر علاقة مزامنة أخذت تتبنى رؤية ذاتية غير محددة من أفق بواطن (السرد الذاتي / الزمان المكان = خلجات الراوي الأوحد) وهكذا تتابعا نجد الشخصية حياة البابلي تشكل بذاتها تلك الجملة من العلاقة التدويرية الواقعة ما بين نقطة الشخصية الروائية وموجهات مسرودية أحداث الشخوص الأخرى من الرواية .

الصورة السردية وعنف جغرافيا المدينة

بطبيعة حال فصول رواية (سيدات زحل) نواجه تجارب السارد المشارك، وهو يتمثل أقصى درجات استعادة وولادة التواريخ والأسماء والمواقف الغيرية، لتتحول حلقات المستعاد من الخلف إلى ترجيعات موقعية خاصة ومستبطنة في حدود تتخطى حسية تعاملات المحاور الحاضرية، من عين لغة المماثلة مع أهواء استعادة صور الماضي: (و أنا في سرداب البيت .. يختض جسدي .. أعجز عن التحكم فيه .. أتدثر ببطانيات ومعاطف وأرتجف  أشرب شايا ومغليات أعشاب أهيء حساء ساخنا فلا تتوقف رجفة الهلع .. من كابد رعب الحروب سيدرك ما أتحدث عنه . / ص28 الرواية) تقدم الشخصية حياة البابلي بسلاسة فائقة صورة تصلب بنية الوعي الأنساني لدى المرأة، خاصة في مستوى امرأة خاضت تجارب شاقة على مدى عقود مشبعة بالحروب والدمار والاعتقالات ووحشة الزنازن، وهذا الأمر جعل منها صورة ذاكراتية تستوعب كل أحوال التعايش والمعايشة والامتلاء بكل أسباب الحب والحرب والحلم بكينونة العشق المتسربل في أعماقها يمازجه طعم وروائح الموت وتسجيلات تفاصيل علاقة الأشياء: (في لحظات القنوط المريعة تلك تشهيت الموت .. قلت أموت وينتهي عذاب توقع الموت كل آونة .. وكنت أخرج من البيت .. أضيع نفسي في طرقات بغداد وأسواقها المهجورة وخاناتها العباسية وجوامعها الموصدة .. أصيح بين الأنقاض .. فلا أهتدي لشيء ولا أتعرف لغير الفناء يسري في الجدران والشجر أتمنى أن تنهار قواي من تعب وسط المدينة المذبوحة لأتلاشى فيها وتمتزج عناصرنا ففيها بدأت حياتي وبها أنتهي . / ص28 الرواية) .

1- الوظائف السردية ودلالات منظور السارد:

تنفرج العلاقات السردية في الرواية، عبر عشرات التفاصيل والأحداث والوقائع الجزئية، لتخلد في انقيادية الاستجابة اللاشعورية الكامنة في مسرود الذات الشخوصية حياة البابلي، فيما يبقى الرصد التصويري للروائي يشكل في ذاته اقترانا بواقع المدينة وبالعزلة الذاتية، تبعا إلى حالة الحضور التي قامت بها الشخصية حياة من قبل الشخصية حامد أبو الطيور: (ساعدني حامد أبو الطيور في مد سلك يوصل الكهرباء من المولدة إلى السرداب عبر النافذة الصغيرة .. وعندما يشتد القتال في الليل أضع شريط موسيقى في المسجل كي أغفل برهة عن الموت . / ص29 الرواية) وبقدر تخلص المحور حياة البابلي من وحشة أصوات الموت والظلام في قعر السرداب، فأنها صارت محكومة بالتخفي بمحكومية أقنعة الأسماء والترويج لها بأسماء مخالفة، وهكذا غدا لها أمر البحث عن عمها الشيخ قيدار بمثابة الأحجية الصماء، بعد أن يكون هو الآخر قد قام بنقل حقيقة أسمه وكنيته إلى جهة من المحسوبية الأسمائية المتنكرة: (في بغداد ما عدنا نملك براهين لأثبات من نكون حقيقة .. فالأسماء ما عادت تدل على معنى أو أحد .. كل الأنساب عرضة للطعن وكل الأعراق مرصودة لمكائد أعراق وطوائف . / ص29 الرواية).

2 - مفارقة تحولات الأسماء والعلامات النصية:

تنطوي مجموعة فقرات وحدات سرد الرواية، بما يكشف لنا عن مستوى حجم التغيير والاختلاف في شوارع مدينة بغداد بعد سقوط النظام الحاكم فيها، فالشخصية حياة البابلي أضحت تواجه مغايرات التفاصيل واختلاف أسباب ومبررات الأسماء والعلامات من شوارع مدينتها بغداد، امتدادا إلى مستوى انفعالاتها الذاتية المنفعلة والمندهشة من كيفية اختلاف المصائر والمقامات الآخذة في الانكسار والفقدان والخيبة من مدى أهوال ذاتها المفجوعة بمواقف حجم تلك التغييرات: (لا أعرف إلى أين تتجه خطاي .. مدينتي استحالت متاهة حين اختفت جميع العلامات والاسماء من طرقها .. أتخذت الشوارع أسماء جديدة وأختلطت الجهات.. أزيلت الساعات العامودية من الساحات واستبدلت صور الحاكم المهزوم بصور رجال ملتحين بعمائم ونظرات جامدة وعباءات وحلت محل شعارات الحزب الواحد عبارات دينية وطائفية تبشر وتنذر وترهب . / ص30 الرواية) ومع كل هذا الصخب من الدمار والانطباع المميت الذي غدا مغروسا في دواخل الشخصية حياة البابلي، تبقى مساحة استبطانات لحظات الأمل والحلم والحكي، تتصارع مع اختلاجات ذائقتها، اقترابا باختلاف موضوعات الحكايا المنتقاة، هي الأنثى التي تتحايل على موتها القادم، عبر مشهد قص الحكايا على لسان حالها داخل ووسط صمت جدران السرداب، وتتكرر لديها في كل مرة استعادة شريط رؤياها من الخلف الزمني الحاضر وعبر الزمن الذاكراتي الذي يختصر مغزى حكاياتها في صياغاتها اللحظوية الكامنة في الزمن الموحش: (لبثت أروى الحكايا للجدران والساعات والمرايا في السرداب وانصت إلى صوتي يتكرر مثلما تتكرر الصور في المرايا المتقابلة حتى لا تضيع حكاياتنا / لابد من وجود مستمعين أو حتى مستمع واحد ليثبت لي أنني حية وأن حكايتي تبلغ مسامع الآخرين وأنني سألقى الأمل في قلوب من ينصتون إلي وأبدد بعض وحشتي .. أطياف أهلي كانت تدور حولي في السرداب وتصغي إلي .. أسمع همهمات وآهات وبعض ضحكات تدحض بعض مخاوفي . / ص33 الرواية) فالعلاقة بين أنا الشخصية وفضاء المكان والذاكرة، هي علاقة الكل بالجزء، ذلك لأن الفضاء المكاني راح يتسع في مرايا اللوحة الذاكراتية، خاصة مع اختلاف دوافع الذات المستذكرة في تجاويف قعر السرداب . فيما تبقى حدود هذه الذاكرة تشكل في ذاتها الشخصية ابعادا جوهرية مؤلفة مزيدا من الإيحاءات والثغرات التبئيرية بكل وصلة ما من وصلات الآصرة المكانية والذاتية لدى الشخصية حياة البابلي .

المسرود العرضي والرؤية مع

تتبنى حلقات فصول رواية (سيدات زحل) المسرود العرضي في حدود استجابة توقعية خاصة، نعاين من خلالها سرد الشخصية المشاركة، أحداثا استباقية من زمن الحكي . فالروائية الدليمي تقدم ورقة مساوية لمعرفة الشخصية حياة في شأن حيوات ومصائر شخوص روايتها، لذا نجد من خلالها استقدام المادة الروائية، تواصلا ومحكيات الوعي الشخوصي لدى حياة البابلي ذاتها، كحال ما يبرز لنا في هذه الفقرات من النص: (حامد الأخرس أبو الطيور سيختفي بطريقة غامضة في عام 2007 بعد مغادرة راوية مع رجل مجهول تزوجته بصفقة ليخرج بها إلى الأردن  دون أن تخبر أحدا منا .. توليت رعاية قبائل طيوره التي ضربها اليتم مثل نساء بغداد بعد أن رعيت راوية وهالة ومنار وفقدتهن تباعا .. طيور الحب الصغيرة النزقة مرضت بعد اختفائه .. وكل ما مات أحدهما أنتحر الثاني من وحشة القلب .. الببغاوات قاومت لكنها لم تتقبل غياب حامد .. نتفت ريشها بغضبها وحزنها حتى ظهر جلدها المزرق . / ص35 الرواية) من الواضح أن الروائية لطفية الدليمي، كانت تتحكم بمرويات الزمن من خلال منح شخوص روايتها ذلك المد التدريجي الخاص من زمن تفاصيل حكايات حياة البابلي، التي قامت بتدوينها على هيئة كراسات روائية . فيما تبقى حياة البابلي في الرواية بمثابة البؤرة المركزية، التي من خلالها أو من خلال روايتها المكتوبة في الرواية، نستدرك ملامح هوية الزمن المضمر والمعلن من ظلال أحداث الرواية، ومن هذا المنطلق بالذات يصير بمقدورنا أن نرى لوحات وأمكانيات التمثيل السردي على أساس من حالة رؤية الواقع الروائي، ومن خلال حكايات الشخصية الكاتبة حياة البابلي، اقترانا بمرجحات الرؤية من الخلف الزمني، تزامنا مع علاقة تمثيلات رواية الصوت الواحد .

الكفاءة السردية في واقع الزمن المروي

أن مجليات الكفاءة السردية في أحداث الرواية، لربما تعيدنا إلى ذلك الزمن المستعاد من واقع المروي من شخصية حياة البابلي ذاتها، وعلى النحو الذي باتت تبلغنا فيه حياة البابلي حول إمكانية رحيلها إلى عمان، وسنرى كيفية إجراء إمكانية (الكفاءة السردية) في شكلها التقطيعي الفاعل والمتوحد وحدود تعاقبية مزامنة إلى موضوعة الشخصية حامد أبو الطيور وعادل شقيق لمى: (ست حياة .. عزيزتنا إذا غبت أو مت تكفلي برعاية طيوري .. ستحبك الطيور وبوسعك كسب ودها .. أنت التي غمرتي الجميع بحنانك وحلقت بنا في عالم من أحلام . / ص36 الرواية) في الحقيقة كانت هذه هي نصية رسالة حامد أبو الطيور إلى حياة البابلي وهي خارج محل إقامتها في بغداد، في حين أنها بعد مغادرتها لبغداد أعهدت مهمة رعاية الطيور إلى الشخصية هشام الذي أساء رعاية طيور حامد في واقع الأمر، كما تخبرنا الرواية، وتبعا لهذا نرى كيفية تواصل حياة البابلي في سرد أحداث الرواية داخل محفوظات مذكراتها الروائية، فهي تبين لنا حادثة سماعها إلى شقيق لمى عادل حين سماعها لصوته صباحا: (عندما استيقظت ذلك الصباح أفزعني صوت رجل مجروح يناديني ويولول لدى باب حديقتنا .. كان عادل شقيق لما:  ست حياة، ست حياة، أختي لمى ماتت .. أنتحرت .. ست حياة تعالي أرجوك .. خرجت مخبولة:  ماذا تقول؟ لا يمكن، كيف؟ لمى لن تفعلها، مستحيل، . / ص36 الرواية) يتبين أن الشخصية لمى من خلال محكي الرواية، هي من أضرمت النار في ثيابها تاركتا رسالة توضح فيها عن كيفية توصلها إلى قرارها في الانتحار، وعلى حد تعبير الرواية نكتشف بأن لمى كانت قد اختارت موتها بإرادتها خيرا لها من الموت على أيدي القتلة: (اخترت نهايتي بنفسي .. لا تحكموا علي ولا تدينوني . / ص37 الرواية) على أية حال تخبرنا الشخصية الساردة حياة البابلي بعد قراءة وصية رسالة لمى لها بدفن أو إعطاء آلة الكمان إلى فرقة السيمفونية، إلا أنها أي حياة البابلي أثرت الاحتفاظ بها خلافا لوصية لمى لها، مع آلة عود عمها قيدار .. وعلى هذا النحو من السرد، أخذت حياة البابلي تسرد لنا حكاية مرورها عبر سطح دارها إلى قعر السرداب في سياق بات يشكل دليلا على وحشة تلك اللحظات من أطياف حياتها المكبوتة ما بين صوت الأنا الشاهد وكفاءة سردية السياق النصي المرصوف إلى جهة علاقة الموت والحياة .

الراوي المشارك ومسافة تدوين وجهات الحكي

الملحوظ من أحداث رواية لطفية الدليمي، أنها تجسد مساحات من الزمن السردي ضمن علامات الحكي ووجهاته في صوت السارد المشارك، إي حدوث تداخلية للزمن ذاته في إطارية السرد العام، رصدا لتمظهرات البناء الحكائي، وليس إلى تدرج السرد في بناء الافضية الزمنية ورصد خطية الأحداث، والملفت في أحداث الرواية أن الغلبة في خطاب عائدية الصوت الواحد الذي هو حينا يسرد ويبئر وحينا آخر يقوم بتنظيم عملية كفاءة السرد بين باقي الشخوص والأحداث الروائية . غير أن هذا التمازج بين السارد والمبئر  أي بين الذي يتكلم والذي يرى  قد ينفصلا ليحل دور الناظم بسرد الأحداث من خلال منظور شخوص الرواية والأنا الشاهد . كما هو الحال في هذه الفقرات من النص: (وسط الهلاك الكبير لا شيء يبقيني حية سوى ترنحي بين الرؤى والذاكرة وأحلامي .. حلم لقائي المرتجى بناجي وحلم عثوري على عمي الشيخ قيدار .. وفي انتظار ذلك كنت أعمل في المؤسسة الأعلامية البغيضة التي لا أملك عنها بديلا لكسب عيشي وأنشغل بتدوين أحداث حياتنا .. وناجي هناك يعمل على كتاب  بغداد  الذي طالما حلم به إقرارا بعشقه لمدينة أحلامنا المتهاوية . / ص40 الرواية) تبدو رواية (سيدات زحل) في دليل مشروعها (الميتارواية) وكأنها حالة من حالات افتقاد الهوية الآنوية في مباحث رواية الممتد في مدار ومسار المصدر التأريخاني في مشروع الموؤل للرواية، والذي يعمل علة إيقاظ كوامن الشعور بفقدان الأصل المصدري، ولعل حالات بحث الشخصية حياة البابلي عن عمها الشيخ قيدار أو ناجي، تشكل لحالة من محاولة استعادة أصول البلاد أمتدادا إلى ما كانت عليه في سابق عهدها، ولقد حاولت الروائية الدليمي تحيين مشروطية انتاج ذلك الزمن ووصفه ضمن مؤشرات إحالية من تحولات أفعال ذوات مغيبة بالقوة التأشيرية للتأريخ، لذا غدا وصولها في المسرود المحكي، كواصلة مجردة في أفتراضية اللازمن: (سقوطها لم يبدد ذلك الحلم بل جعله ممكن التحقق ودفع ناجي للتشبث به فلم يتوقف عن بحوثه حول أشهر عشاقها في عصورها المختلفة الأخيرة واحتلالها .. وقال أن العشاق الذين عاشوا في عصرها الذهبي وعصرها الفضي وعصرها البرونزي والحديدي وعصر الرماد كانوا يسلمون جوهرتها من عاشق لآخر فلا ينال منها الغزاة والمحاربون والقتلة الذين ينشغلون بالنهب وتدمير المباني والقلاع والحصون ويردمون الأنهار ويدمرون الجسور ويحرقون بساتين النخيل .. ويلبث سرها محفوظا في قلوب العشاق . / ص40 الرواية) أن جوانية شعور السرد بالمسرود، يشكلان ذلك الفعل الذي يقوم به الوعي الروائي في أبعاد المشار إليه . فالشخصية المشاركة في مسار نمو السرد، تحيلنا نحو نقطة للبداية أو اللحظة التي ندرك من خلالها أمكانية استعادة ذكرى الأشياء عبر منظور (الأنا السارد) كفاعلية تجسد داخل المحكي منظورية التحيين الزمنية التي من شأنها تقديم خلاصة متميزة ومرتكزة في وظيفة دال (الشاهد التدويني) وصولا إلى استرسالية الحكي كمعادل بطريقة مرسل الحكي ذاته إلى جهات من الاشتغال بوحدات المسرود إليه: (وعدته أن تكون الأخبار والقصص والأساطير التي جمعتها من كراسات عمي قيدار وأخوتي وقصص البنات كتابا هو توأم كتابه عنها .. وما سأكشفه عن بغداد في كراساتي وما تضمنته طوالعنا تحت نحس زحل وأفلاك الحروب وحظوظ الغرام  سيكون خاتم ارتباطنا وسفر مصيرنا وقد يكون الكتابان بيتنا أن استحال لقاؤنا على أرض الأحياء . / ص40 ص41 الرواية) .

تعليق القراءة:

أن أحد القضايا الكبرى في رواية (سيدات زحل) للأستاذة الروائية الكبيرة لطفية الدليمي، هو ذلك التعلق بمادة وتقنية (تمثيلات رواية الصوت الواحد) غقترانا بوحدة المزامنة الذاتية في دليل التعاقب الزمني والمكاني في النص الروائي، فجملة وحدة الزمان والمكان وصوت الرواية الواحد، يشكلان أمكانية تحيينية في توجيه تتابعية الصوت الروائي داخل مناورات محطات الأزمنة والقصد التأريخاني وصولا إلى أواصر التمثيل السردي والتماثل في معرض الحصول على الكيفية الروائية الجادة كموضوعة تواصلية وتوصيلية مكثفة . أن استراتيجية المنظور السردي في حلقات فصول الرواية، مبعثها الأساس مجموعة مدونات داخل كراسات روائية، من شأنها الحديث والتنقيب في علاقة (الأنا الجمعية) بأواصر موقع تشكيل الذات الروائية في مشاهداتها للعالم، اعتمادا على اساس تلك التقنية من (الرؤية من الخلف) وامتدادا إلى مسكونية قلق السؤال والألتباس في وظيفة تجميع أزمان معنى مدينة بغداد في ماضيها وحاضرها كجهتان تحتلان من السرد الثنائية (البرانية  الجوانية) من قيمة الحكي الزمني الذي راح يشتمل على حاضرية عين السارد المدون لأفعال القول والحكي والشعور في بنية الزمكانية الاستعادية من إيقاع القلق والأغتراب الشخوصي لطرح الأسئلة القابعة في قلب حكاية تمثيلات رواية الصوت الواحد المتبلور بين نكبات تأريخ المدينة وإشكالية هويتها الدامية في فصول من جحيم الدم والنار .

 

حيدر عبد الرضا