عدنان حسين احمدصدرت عن المركز الثقافي للكتاب في الدار البيضاء رواية "انعتاق الرغبة" للشاعرة والروائية المغربية فاتحة مرشيد، وهي الرواية السادسة في رصيدها السردي الذي يدور في مجمله في فلك المغايرة والاختلاف. ولعلّ القارئ الذي يطلّع على "مخالب المتعة" و"المُلهِمات" و"التوأم" سيدرك حجم جرأة الكاتبة، وشجاعتها في التعاطي مع الموضوعات الحسّاسة التي لم تُطرق إلاّ ما ندر كما هو الحال في هذه الرواية التي عالجت ثيمة التحوّل الجنسي، والمِثليّة، إضافة إلى الثيمات المؤازرة مثل القمع، والاغتصاب، وتحوّل الطُغاة إلى ذئاب بشرية تنهش في أجساد النساء، وتنتهك أعراضهن جهارًا نهارًا.

تنطوي الرواية على تقنية ميتاسردية تتمثل بالدَفْتَرَين اللذين تركهما الوالد عزالدين عند صديقته فادية، إضافة إلى الصور  التي كانت تبعثها شقيقته ربيعة سرًا، وهناك صور أخرى تؤرشِف لمرحلة التحوّل الجنسي التي أصبح إثرها الأب عزالدين امرأة تحمل اسم "عزيزة" بعد أن تخلصت من معالم ذكورتها ونبذت الجسد الخطأ الذي كانت تسكنه روحها.

ليس من السهل على زوجة عزالدين أن تتقبّل فكرة الجنس الثالث، واعتبرت زوجها خائنًا، وكان عليه أن يخبرها قبل الزواج بهذا السرّ الخطير الذي خبأه عنها زمنًا طويلا. فما الذي سوف تقوله لابنها عندما يكبر؟ أتقول له أنّ والده كان امرأة؟ هذه الإشكالية هي التي صنعت من عزالدين أو عزيزة لاحقًا شخصية مستديرة ومعقدة في آنٍ معًا، والأهم من ذلك أنّ القرّاء يتعاطفون معها، ويتفهمون حاجتها المُلحّة لهذا التحول الجنسي. يطلّق عزالدين زوجته، ويتنازل لها عن كل شيء، ويرحل إلى بلجيكا أول الأمر ثم إلى كندا لاحقًا حيث يوثق فيها كل شيء، حياته قبل وبعد التحول الجنسي. وقبل أن تتوفى "عزيزة" إثر قصور في القلب والأوعية الدموية تترك رسالة مهمة عند صديقتها الحميمة "فادية" تطلب منها إيصال الدفتر الأول إلى ولدها الدكتور فريد السامي وثمة دفتر آخر ينتظرها في مونتريال.

تكتظ هذه الرواية بالمفاجآت والقصص الجانبية المؤازرة للثيمة الرئيسة لكن البنية التصاعدية للنص السردي تخبرنا بأن الدكتور فريد يقرر السفر إلى كندا، وهناك يقابل "فادية" التي يعتقد أنها ليست غريبة، وبين تفاصيل الذهاب والعودة تزودنا كاتبة النص الجريء بعملية التحوّل الجنسي التي يتناول فيها المريض هرمون الأستروجين أو جرعات الأنوثة التي تُبرز الصدر، وتُقلّص العضلات، وتُفقِد الصوت بعضًا من خشونته، كما تُغيّر نوع الشَعر، وشكل الخصر، وتمنح قسَمات الوجه رِقّة مُضافة. أمّا الهدف من هذه العملية فهو الإحساس بهوية متكاملة، وإحداث تطابق كامل بين الجسد والنفس يُفضي إلى التخلّص النهائي من اضطراب الهُوية الجنسيّة.

قسّمت الكاتبة فاتحة مُرشيد روايتها إلى أربعة أقسام وقد احتشد القسم الثاني بمصادفات عديدة منها أنّ الجد إبراهيم السامي أطلق على ولده عزالدين لقب الفرس، وهو الواحد من الخيل، ويُطلق على الذكر والأنثى، كما أنه من برج القنطور، وهو كائن نصفه الأعلى إنسان، والأسفل فرس، وهكذا تتوالى المصادفات والمفاجآت لكننا كمتلقين نمسك بجوهر المشكلة حينما نكتشف أن عزالدين كان يحب منذ طفولته تقمص الأدوار الأنثوية، والتشبّه بالفتيات لأنه يشعر في أعماقه بأنه امرأة مقيّدة بجسد رجل. وعندما يتزوج يرتدي قمصان زوجته، ويتشممها في غيابها لرغبته الجامحة في أن يجسّد دور المرأة ويتفادى دور الرجل. تؤكد الروائية بأن هناك دولاً عديدة اعترفت بالجنس الثالث وضمنت حقوقهم الاجتماعية والمدنية مثل الهند والباكستان لكن هناك العديد من رجال الدين مازالوا يخلطون بين  المثلية، والانحراف، والتشبّه، والتحوّل الجنسي مع أنّ هذا الأخير هو مجرد اضطراب في الهوية الجنسية ويحتاج إلى علاج سريع وناجع.

وبما أنّ البطولة جماعية فلاغرابة أن تتناوب الشخصيات الرئيسة في النص السردي على الروي، فبعد أن سرد الوالد عزالدين حكاية تحوله الجنسي وأعتق تلك الرغبة الجامحة التي كانت تحتل مساحة كبيرة من تفكيره، جاء دور فادية لكي تروي قصة اغتصابها من قِبل القذافي، وهذا الأمر لم يقتصر على فادية فحسب، وإنما على الكثير من الفتيات العذراوات التي أُشيع أنّ "بابا القائد" كان يستعمل دم بكارتهنَّ لممارسة الشعوذة والسحر الأسود. لقد أفادت فاتحة مرشيد من كتاب "فرائس في حريم القذافي" للكاتبة الفرنسية أنيك كوجون ومَنْ يدقق في التفاصيل سيكتشف أن "عائشة" التي وردت في الرواية هي "مبروكة" التي تنتقي للقذافي الفتيات من المدارس والجامعات، وربما تكون "صُوريا" هي الوجه الآخر لفادية أو عالية أو غيرهن من الضحايا اللواتي كان يفترسهن الوحش طوال 42 عامًا من أعوام حكمه الأسود. سوف تهرب فادية مع صديقتها فوزية إلى تونس ومنها إلى بلد غربي يحترم المرأة كإنسان يعيش الحياة التي يختارها بنفسه. وكانت أسرع إجابة تلقتها هي من امرأة عربية تُدعى "عزيزة فرس"، تُقيم في مونتريال، وسوف تعاملها كصديقة حميمة وأمٍ رؤوم.

مثلما لم تستوعب الأم مريم قصة التحوّل الجنسي لزوجها عزالدين حيث طلبت منه الطلاق والتواري عن أعين الناس لم تحتمل صوفيا زوجه الدكتور فريد أن يكون جد أولادها امرأة فلا غرابة أن تطلب منه الطلاق، عندها يقرر الهجرة إلى مونتريال بعد أن ضمن عقد العمل في إحدى المستشفيات الكندية بمساعدة البروفيسور برنار لأنه قرر أن يتخلى عن جراحة التجميل التي اختارتها له أمه، ويبدأ في جراحة التحوّل الجنسي. فالتجميل بحد ذاته ليس عملاً جبارًا وإنما هو تصحيح هوية جنسية، ومصالحة جسد بروح، وهو ولادة جديدة، ومأثرة علمية لم يتذوّق طعمها من قبل.

لا يزال فريد يتحدث بضمير المتكلم الذي سيفعل أشياء كثيرة تربطه بفادية التي أحبها، وسيركع لها كأي رجل محترم، ويقول لها أحبك كما أنتِ من دون رتوش، وأُحب فكرك، وجسدك، وقلبك الطيب، وأطلب يدك للزواج من أهلك إن قبلتِ بي زوجًا وشريك حياة. ربما توقظه المطبّات الهوائية فيستفيق من أحلامه الوردية ليتذكر ما دوّنته عزيزة في دفترها الأثير الذي قالت فيه:"أن تستقبل المجهول هو أن تستقبل الحياة".

طعّمت الكاتبة فاتحة مرشيد نصها السردي بالعديد من الشذرات الفكرية والدينية والأسطورية، بل أن المعلومة الطبية والنفسية والأخلاقية قد وجدت طريقها إلى متن الرواية وتعالقت معها خالقة جوًا فريدًا لا يستوعبه إلاّ العمل الإبداعي القولي الذي يمكن للسارد أن يبوح به إذا لبِس لبوسًا أدبيًا قشيبًا يستسيغه القارئ ويستمتع به من قبيل أن الروح هي الأصل، أما الجسد فقابل للتغيير والتجميل، وقصة آرون الذي تمّ إخصاءه ليصبح آرونداتي ويُباع للغورو فيديا، وفتوى الخميني التي تُجيز إجراء عمليات التغيير الجنسي لكن حكومته كانت تعدم مئات المثليين إذا ضبطتهم متلبّسين بالجرم المشهود، والقذافي الذي كان يغتصب العذراوات، ويستعبد النساء جنسيًا، ولا يجد حرجًا في مواقعة بعض السياسيين كي يفرض سيطرته الأبدية على الشعب والساسة في آن معًا، ومع ذلك فقد تحققت نبوءة فوزية، الضحية المُغتصبة التي كانت تردد دائمًا:"لكل شيء نهاية، ولكل ظالم عقاب". وفي الختام لابد من القول إن "انعتاق الرغبة" هي رواية يتآزر فيها الخيال الجامح مع الواقع الأسيان الذي يلذع القارئ ويفتح عينيه على أفق غريب لم يرهُ من قبل.

 

عدنان حسين أحمد

 

906 سعد الساعديالحاجة لطرح اية قضية صنعت قوة واقعية يتبناها الشاعر كرغبة انسانية من الخيال والحلم والامنيات التي ينطلق بها متجاوزاً الوجود  الى جنة يستحقها الفقراء الجياع من أجل سعادة حتى وإن جاءت متأخرة عبر اللامكان الذي هو المعنى الحرفي لليوتوبيا، وما جاء في اشعار الشاعر  عامر الساعدي تعبيراً جمالياً مليء بالحزن وصور الابتلاء مما يعانيه الفقراء البؤساء .

إنْ أمكن تجاوز عقبات واقعية حقيقية عن طريق الحلم الى المستقبل المنشود مع كل مواقع الازمات، خالية من تفاصيلها الكمية والكيفية بوصف المأساة وما يتخللها حضورياً بقصيدة، أو رؤية فنية، أو طريقة تُحل بها مشاكل مجتمعية اقتصادية كانت سبب البلوى ؛ فان ذلك أهم ما تسعى اليه اليوتوبيا في البناء الدرامي والوصفي الشكلي العام كفلسفة موقتة من جانب تضع التصور المطلوب للمشكلة، وطريقة تمازجية تنشد الخير بعيداً عن ضدها مدينة الفساد والقهر والجوع والاستبداد، أو ما يعبر عنها النقيض (الديستوبيا) .  

قد يكون الخيال أحد الاركان التي أرتكز عليها الشاعر عامر الساعدي باجزاء  من قصائد ديوانه السردية (الخامسة جوعاً) الصادر عن دار المتن عام ٢٠١٨ للدعوة بتبني جنة أرضية للفقراء الجياع تعجز كثير من الموازين عن تحقيقها واقعياً بوجود مجتمع فاسد ينتقص لقيم العدالة والمساواة، وكغيره ممن كتب في هذا المجال يحاول ترجمة نصوصه الى حالة انسانية تتنبأ بعيش كريم، يقترب من مجتمع يسعى للخير رغم اختلاف معايير قيم الخير من مكان لآخر ومجتمع لآخر، لا شرّ وقحط وجوع فيه  وليس التنبؤ بنهاية قاتمة مرعبة تنتهي عندها كل صور الجمال لتضمحل وتذوب لاحقاً؛ وهنا الشاعر لا يسعى لخلق مدينة فاضلة أو جنة الخلاص الموعودة بقدر ما يدعو للتخلص من ظلم الفاسدين، والثورة على قيمهم البالية بانتفاضة شعرية تحدد معالم طريق الخير والسعادة ؛ بكلمات هادئة، كمفكر ابن يومه وواقعه و كصحفي يعرض تقريره بشكل موجز وصادق من أجل كشف الحقائق للرأي العام بوجود ضغط واقعي وصعوبة في التغيير  وليس بثورة بركان عظيم تسحق كل من يقف أمامه، لذا فلن تتوقف هنا أو هناك تلك اليوتوبيا مادامت هواجس النفس ومشاعرها تتجدد كل حين وهي تتصارع من اجل الانعتاق ونجاح المشروع التنويري .

نحاول هنا استلال بعض المقطوعات حين نقف على بعض النصوص ونتعرف على ماهياتها كمتوقع مُتَصور، وأمنيات خالدة قادمة من بعيدة كتبها الشاعر أحلاماً تنتظر الضياء ..

في النص الذي يحمل عنوان (شبح الضوء الميت) نجد صوراً كثيرة لأمنيات المدينة الفاضلة ومن أهمها نهايات النص:

(أرسمُ ربيعاً يلعبُ فيه إخوتي وهم يرسمونَ طموحَهم بعيداً عن الحربِ بأقنعةٍ ضاحكةٍ تبتهجُ بوجهِ مذيعِ نشرةِ الأخبارِ اليوميةِ وبلحظةِ صمتٍ يذيعُ خبرَ موتِ الفصولِ، أرى النجومَ تركضُ خلفي كنهرٍ من الضوءِ، يصدرُ  صوتُ النهاياتِ بوجهِ المسافةِ الممتدةِ بين الكتمانِ والعلنِ؛ بين الخديعةِ والدهشةِ . أرى كوكباً مضيئاً يركضُ في مداراتٍ نائيةِ العتمةِ، غامضاً دون اسمٍ يذكرُ في سجلِ الفلكيين لكن من أينَ جاءَ وهو يدخلُ مجرتَنا) .

في (الطقس) يصور لنا الشاعر اتجاهاً آخر من مدينته الفاضلة  أو لنقل اُمنياته المتخيلة ويرصفها مع الانتظار الذي لا تعرف ساعة نهايته، والوصول الذي لا تعرف ساعة مقدمه :

(تَقُولُ اِبْنَةُ المدِينَة: الصَّوتُ القَادِمُ مِنْ خَلفِ الأَسْوَارِ، صَوتُ رَجُلٍ شجِيَ النَّغْم، يُرَدِّدُ مَعَ العَصَافِيرِ أُغْنِيَّةَ الصَّبَاحِ، كَعُصْفُورٍ يَضرِمُ النَّارَ بِالأَقفَاصِ، رَجُلٌ وَجْهَهُ كَاِنْفِجَارِ الضَّوءِ المُلَوّنِ، تَحتَ جِلدِ النَّهَارِ، متأججُ الحُبِّ مُشتَعِلُ الجُنُونِ يَحْكُ أَصَابِعَهُ بِكَتْفِ الشَّجَرَةِ  لِيُوقِظَ نَقَّارَ  الخَشَبِ مِنْ كَسَلِهِ النَّائِمِ  لَكِنْ مَنْ يَفُكُّ حُزْنَ مَدِينَةٍ دُمُوعُهَا بَلَّلَتْ الأَرْصِفَةَ المُمَزِّقَةَ مِنْ الاِنْتِظَارِ؟) .

في (أفواه بثوب الحداد) تتغير الصور وتأخذ منحى ثانياً في التدرج واللون والمعنى، لكنها ضمن صيرورة البناء العام والسرد المفعم بالأمل والغارق بالمأساة :

  (رُحْت أجْمَعُ الخَبزَ، حِينَمَا سَقَطَ على بَابِ اللهِ ليلاً) .. (أرغَبُ بِرُكُوبِ القِطار  الذي يَمرُّ على المُدُنِ المُنتَعِشَةِ بِالأطْفَال) ..         (عُذراً أيهَا الرَّبّ لَمْ أدرِكْ إلّا الآنَ أنَّي بِذِراعٍ واحِدَةٍ وقلبٍ كسيح بَعضُ نَبَضاتِهِ تَذهَبُ بِأدراجِ الرِّيحِ، لكِنَّي أحَاوِلُ أنْ أزرَعَ فتَّاتَ الخُبَزِ بِذِراعي الأخرَى ريثَمَا تَخرُّجُ على شَكلِ شَجرةٍ) ..(أفكِّرُ بِطَرِيقةٍ لِلحصَّادِ كي أجمَعَ بَقِيَّةَ العَصَافِيرِ ..) .

في حين نجد الشاعر كيف وظّف رمزية معينة في رسم نص صوري للجوع فيه مكان، وللحياة فيه مسلة، وللبشر فيه اختيار. في نص (الخطى) وصل الشاعر الى حالة حاول من خلالها الخروج عن المألوف في كل شيء حين احتلت السلحفاة (كرمز) موقع البطولة:

(لِتُسَيِّرَ صَوْبَ قَسْمِ الخُلُودِ، صَوْبَ اللاشيء المَفْقُودِ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ أَمْنِيَّةٍ، صَوْبَ كَنْزِ الأَمْنِيَّاتِ وَهِيَ تَعْصِرُ لَيْمُونَ الدَّهْشَةِ المتناسلِ بِالأَشْجَارِ الغافيةِ بِالأَحْلَامِ) .

في (خبز برائحة الدخان) نجد كذلك مشهد مكرر لحلم وربيع قادم:

(سَأُخَلِّعُ جِلْدِي اليَابِسَ بِدُخَانِ الكَوْكَبِ المُحتَرِقِ قَبلَ أَنْ تأْكُلَهُ جُمُوعُ الجَرَادِ الأَخْضَرِ، قَبلَ أَنْ تَسْتَفِيقَ الطَّبِيعَةُ لِتَدْفَعَ بِصَدْرِهَا كَارِثَةً علَى كَفِّ مَآتِمِ المَدِينَةِ ..) .

ورغبة بحياة بعيدة عن الزخارف والبهرجة: (وَأَحْرقَ بَعْضَ الحَطَبِ لِأُغَطِّيَ عُيُوبَ دَمعِ العِينِ، بَعِيداً عَنْ اعتلاءِ العُرُوشِ وَاِقْتِنَاءِ الجَوَارِي، وَاِرْتِدَاءِ التِّيجَانِ، وَالتَّزَيُّنِ بِحَرِيرِ القَزِّ  سَأَعْتَلِي الرَّغْبَةَ علَى حِمَارِ الأَسْفَارِ دُونَ لِجَامٍ ..) .

أما في (نشوى مرتبكة) هناك تجريد واضح الانطلاق اراده الشاعر بلا تكلف، وباختيار متقن وصف العشق والجمال المتماوج بين لون ولون، وبين الرغبة المختبئة تحت أزمنة اجساد ممزقة تنتظر الأمل يختمه بقفلة فيها نهاية موسومة بشيء اسمه خطوط متعرجة:

(سَأرسُمُ لونَ السماءِ حَولَ جسد  الأرض، وأدَغدِغ بِريشتي أصابِعَ الصحــــــراء، بَعدها أتَعرى مِن خَجلي لأنامَ بِحضنِ الغابة أتصورُ أغصانَ أشجارِها ذِراع حسناء .. (وأرسُمُ وجهَ حَبيبتي وأرسُمُ جَسدها على لوحةٍ مُجردة بِشكلِ خُطوط مُتَعرجة) .

يمكن لنا في كل نص من نصوص الخامسة جوعاً أن نجد الحلم في حياة فاضلة ومدينة فاضلة ؛ بين الاخلاق واللامبالاة، والغريزة والعاطفة، وشهوة الروح للانعتاق من الذلّ والهزيمة، وشهوة اللذة الحميمة القابعة بين طيات الجسد، وبين كل ما قيل عن مأساة البشر، أي بشر مهما كان جنسه يحيى فوق هذه الارض، لأنه انسان ارتبط مصيره بها، كما لو أنه ابنها البار الذي يستحق منها كل خير وهناء، لكن الشرّ هو من أهاج ريح الدخان فالتهبت الأرواح تبحث عن خلاصها، واضحى الجميع ينتظر بريق الشمس بلا مواربة تامة ..

 

سعد الساعدي

.........................

المقال جزء من دراسة نقدية لديوان الشاعر الخامسة جوعاً تحت عنوان انتفاضة الشعر..

 

ثائر العذاريكنت قد تعدت في مقالي الأخير أن لا أرد بعد الآن على ما تكتبه زميلتنا د.نادية هناوي،  وهذا ليس ردا بقدر ما هو تأكيد لما توصلت إليه في المقال السابق، ولعل التنبيه مرة أخرى إلى ما تفعله الترجمة أحيانا من قلب للمفاهيم يسهم في التعامل مع يترجم بحذر والتفكير في السياق قبل أخذ النصوص المترجمة.

كتبت د.هناوي في مقالها المنشور في المدى في ١٠/٤/٢٠١٩ الآتي:

 (وشلوفسكي هو الذي اعترف في مقدمة كتابه (نظرية النثر 1925) بتأثير الظروف الاجتماعية على الأدب والقصور عن رصد علاقات الادب المتشابكة بالظواهر الثقافية والاجتماعية المختلفة، قائلا:" لقد شغلت في دراساتي النظرية بالقوانين الداخلية للادب واذا كان لي ان استخدم عبارة ماخوذة من المجال الصناعي فانني كنت مثل من لا يشغل بوضع القطن ومنتجاته في الاسواق العالمية والسياسة الاحتكارية المتبعة فيه وانما يركز اهتمامه على مشاكل الغزل والنسيج من الوجهة الفنية" حتى جاء كتابه (المصنع الثالث 1926) محاولا التوفيق بين نظرية الادب من جانب والبحث الاجتماعي والنفسي من جانب اخر وهذا يدلل على معاناة شلوفسكي الروحية والمنهجية.)

وهذا رابط المقال من موقع الجريدة:

https://almadapaper.net/Details/217725

905 ثائر 1وفي ردي على المقال أشرت إلى قضيتين:

الأولى أن الدكتورة استلت هذه العبارة كلها وليس نص شكلوفسكي فقط من كتاب محمد عزام تحليل الخطاب الأدبي من غير إشارة والمشكلة ليست في الإشارة حسب لكن بناء العبارة يوهم أنها قرأت كتاب نظرية النثر وكتاب المصنع الثالث بينما هي لم ترهما أصلا.

الثانية هي ان العبارة المفترض أنها اقتبستها من كتاب نظرية النثر تتناقض تماما مع الكتاب نفسه لأن كتاب شكلوفسكي كتاب شكلاني مؤسس، فكيف يقول في مقدمته ما يناقضه!

وهذا رابط مقالي:

https://almadapaper.net/Details/218293/

وعندما ردت د.هناوي في مقالها في المدى كتبت:

"الأداة التي اعتمدها د.ثائر في اتهامي بالسطو والإغارة وعدم التوثيق والغلط كانت من قبيل( الضرب بالودع) زاعماً أني اعتمدت على محمد عزام ومدعياً التصحيح، ممارساً دور العرّاف الذي يعرف الغيب، والمنجم الذي انكشف له المجهول، خادعاً نفسه قبل غيره. وهنا أقول إن ما أثبته في مقالي السابق عن شلوفسكي كان من ترجمة الدكتور صلاح فضل عن الاسبانية في كتابه (نظرية البنائية في النقد الادبي) الصفحة 104. وإذ لم أذكر المصدر فلسببين : الأول ضيق المساحة التي ينبغي أن يكون المقال في حدودها؛ والثاني أن هذا الكتاب مرجع في التنظيرات الشكلانية والبنيوية، لذا لا يخفى على أبسط طالب دراسات عليا؛ فكيف بعد ذلك يخفى على صاحب لقب ليحتار أياماً ثم يقول وجدتها."

905 ثائر 2وهذا رابط مقالها:

https://almadapaper.net/Details/218495/

وهنا لا مناص من توضيح ثلاثة أمور:

أما الأول فهو عذرها بأنها لم تذكر المرجع لأنه معروف، وأنا أتساءل هل مانت ستقبل هذا من أحد طلبتها؟ نحن نعلم طلبتنا أن يذكروا السورة ورقم الآية حين يأخذون من القرآن الكريم وهو المحفوظ في الصدور.

أما الثاني فهو ان ما ذكر في كتاب أستاذنا د.صلاح فضل هو عبارة شكلوفسكي فقط وفي ص ٧٠ لا ١٠٤ كما أشارت، وقد تكون رجعت لطبعة لم أرها. اما انا فكنت أتحدث عن كلامها الذي اقتبسته كله لا عبارة شكلوفسكي حسب.

وأما الثالث فهو أخذها علي اني لم أوثق والحقيقة أني ارسلت الوثائق إلى الجريدة لكنها لم تنشرها، وهنا صورة الصفحة ٤٤ من كتاب عزام ويستطيع القارئ الكريم ملاحظة بناء العبارات والكلمات التي استعملت وذكر كتاب 905 ثائر 3المصنع الثالث الذي لا ادري ما الذي جاء به هنا، فهذا كتاب سردي أقرب للسيرة الذاتية يتحدث فيه شكلوفسكي عن انتقاله من الأدب إلى النقد ثم إلى السينما، كتاب أدبي صيغ بلغة شعرية، ولا علاقة له بنظرية الأدب، بينما اوهمتنا عبارة د.نادية أنها قرأته من الجلد إلى الجلد.

ثمة مشكلة جديدة دلني عليها مقال الدكتورة، وعلى الرغم مما فيها من حرج فانا مضطر لذكرها.

أعد د.صلاح فضل استاذي وأجله أيما إجلال، وقد تشرفت بزيارته ومجالسته في بيته الجميل بالقاهرة غير مرة، فضلا عن لقاءاتنا في الجلسات الأدبية في مصر، وعلى الرغم من انه كان يعاملني كصديق فإني لم أستطع التخلي عن تصرف التلميذ تجاه أستاذه. لكننا هنا بإزاء قضية علمية لابد من توضيحها.

ارفقت مع هذا المقال صورة الصفحة التي وردت فيها عبارة شكلوفسكي التي جاءت في سياق مختلف تماما عن السياق في كتاب عزام، لكنها ترجمة خاطئة بل مضادة للعبارة الأصلية كما يتضح في الصورة من كتاب شكلوفسكي بالانكليزية. وحين نذهب إلى مراجع د.صلاح فضل سنجد أمرا غريبا جدا كما يتضح في الصورة.

الكتاب الذي وضعت عليه الرقم ١ هو كتاب شكلوفسكي الفن بوصفه اداة الذي ضمنه فيما بعد في كتابه نظرية النثر فكان الفصل الأول، والنسخة التي رجع إليها أستاذنا هي الترجمة الإسبانية كما هو واضح.

أما الكتاب الذي وضعت عليه الرقم ٢ فالمفروض انه كتاب نظرية النثر وفيه اشياء غريبة، فالعنوان ليس اسبانيا ولا روسيا ولم اتعرف على لغته عدا كلمة prozy التي تعني نثر بالروسية ولكنها كتبت هنا صوتيا ولم تكتب بالحرف الروسي.

وفي توثيق المرجع ايضا ذكرت مدينتان هما موسكو وبرشلونة ولم تذكر دار نشر. فضلا عن ان توثيق عبارة شكلوفسكي يشير إلى أنها في ص ٦٠، والحقيقة انها ترد في مقدمة قصيرة كما يتضح في الصورة في اول صفحات الكتاب.

يمكن للقارئ ايضا ان يلاحظ ان اسم شكلوفسكي كتب بصورة مختلفة في المرجعين، وانا أؤكد ان اسمه شكلوفسكي وليس شلوفسكي.

وبالعودة للنسخة الانكليزية سنجد ان المعنى الحقيقي مناقض تماما للترجمة التي وقع الثلاثة ضحيتها فهو يقول:

"أنا بوصفي ناقداً أدبياً مهتم بدراسة القوانين الداخلية التي تحكم الأدب، وإذا كان لي أن أستعير لغة الصناعة، فسأقول لا حالة أسواق القطن الآن ولا سياسة اعتماد القطن تهمني، شيء واحد أنا مهتم به هو عدد (الخيوط) التي تؤلف نبتة القطن والطرق المختلفة لنسجهاً ولهذا السبب كرست هذا الكتاب بكامله لدراسة التغيرات في الشكل الأدبي"

 

د. ثائر العذاري

 

عدنان حسين احمدتشكّل "سواد"، المجموعة القصصية الجديدة الصادرة عن دار "نينوى" بدمشق انعطافة حادة في تجربة القاص والروائي العراقي سعد هادي الذي وَفَد إلى الفضاء السردي من عالم الرسم والنحت  والسينما وتاريخ الفن فلا غرابة أن تشتبك جملته السردية باللقطة السينمائية أو تتلاقح مع أحد العناصر التشكيلية التي تُثري النص القصصي، وتُضفي عليه أبعادًا جمالية قد لا نألفها في القصص القارّة المُكتفية بفضائها السردي.

تتضمن المجموعة ثماني قصص غريبة شكلاً ومضمونًا، ولو تأمّلها القارئ جيدًا لوجدها محصورة بين أنا الراوي وقرينه أو مثيله، فكلنا لدينا أنداد ونظراء متعددين يظهرون لنا من حيث لا نحتسب، ويأخذوننا إلى المنطقة الرمادية أو الحدّ الفاصل بين الحقيقة والوهم، ذلك الحيّز الغامض الذي يضطّرنا لأن نقبل بنظرية "الواقع الخيالي" أو "الخيال الواقعي" الذي ينطوي على مستويات متعددة تُقنع القارئ ولا تقف حائلاً أمام تجلياته وشطحاته الذهنية الخلاّقة. فكل الرواة في هذه القصص يواجهون أندادهم من دون أن يعرفوا ذلك، وهذا هو سرّ اللعبة الفنية التي أتقنها سعد هادي وكرّرها علينا ثماني مرّات من دون أن تفقد بريقها أو تتخلى عن قدرتها على الإبهار. أما الثيمات فهي عجائبية في مجملها يتداخل فيها الواقع بالخيال، ويمتزج فيها المرئي باللامرئي، ولا تخضع لقوانين العقل واشتراطاته المعروفة. ولو شئنا التعميم لقلنا إنّ الرواة في هذه القصص الثماني يحاولون تدوين أحلامهم وكوابيسهم.

تحتاج قصة "مبكى الغرباء" لإعادة ترتيب الأحداث بغية إزالة الغموض الذي يكتنفها، فالراوي هنا "ساردٌ غير عليم" ويعاني من فقدان الذاكرة amnesia ولا يستطيع أن يتذكّر تلك النزوة التي راودته ذات يوم في أن يكون ممثلاً وكانت السبب الرئيس في تدمير حياة الأسرة برمتها. ثمة أحداث ووقائع مختلفة تشير بالدليل القاطع إلى المناخ الديستوبي الذي يسيطر على شخصيات القصة، فالراوي لا يتذكر الأحداث المفجعة التي أصابت أفراد أسرته وهزّته من الأعماق، كما لا يتذكر زوجته أو منزله أو صورته في فيلم "مبكى الغرباء" الذي اشترك فيه. غير أن الطامة الكبرى تحدث عندما يرى المشاهدون  أنفسهم في صورته والكل يصرخ: "هذا أنا!"، وحينما تظهر زوجته يصيح أكثر من مُشاهِد "هذه زوجتي!" ويدعي بأنها كانت تعيش معه، وقد هربتْ منه، وتركتهُ وحيدًا. إنّ هذا التماهي مع شخصية البطل الضائع، والوحيد، والفاقد للذاكرة يشي بأننا "معشر النظّارة كُنّا وسنظلُ متشابهين في التعاسة ولا جدوى الوجود".

توحي قصة "أنا ذئبك يا صاحبي" بنَفَسها البوليسي أول الأمر لكنها سرعان ما تنتظم في ثنائية "الأنا ومثيله" ولو أعدنا تجميع العناصر المتفرقة لهذه القصة "السوداوية" لبرز لنا الراوي الفاقد للذاكرة بفعل صدمات حرب الثماني سنوات التي خلقت من مقاتليها ذئابًا بشرية. أقسى مايتذكّره الراوي هي تلك الدورية القتالية التي قُتل فيها صديقه، وقد دوّن في إفادته الرسمية بأنّ ذئبًا انقضّ عليه، وسقط معه إلى الهاوية، وظل أحدهما يأكل لحم الآخر حتى تحوّلا إلى كائن مُلتبس في زمن أهوج صنعته الحروب والعقول المريضة الفاسدة التي أفضت بنا إلى اليأس، والخراب العميم.

تأخذنا قصة "ماتريوشكا" إلى الفضاء العجائبي الذي تصنع فيه الراوية الرجل الذي تريده من مسحوق تقتنيه من آلة في البار ثم تسكب عليه كأسًا من الماء وتحرّك مزيجه حتى يتخثر ثم تضعه في الثلاجة لمدة عشر ساعات بعدها يصبح رجلاً صغيرًا تضعه إلى جوارها لتحظى منه بلمسة أو قبلة أو ما هو أكثر من ذلك شرط "أن تعرف المرأة كيف تحرّك غرائز مخلوقها".

تنطوي قصة "باص بوجه قط سمين" على مضمون كابوسي يتداخل فيه الواقع بالخيال، وبطل القصة هو موظف حكومي أُعطيت له صورة الرئيس حين شارك في مسيرة لتأييد إحدى قراراته حتى تحولت الصورة إلى لعنة أبدية لا يستطيع إنزالها أو التخلّص منها إلى أن جاء رجل عجوز وأخبره بأنّ كل شيء قد تغيّر. في موقف الباص يلتقي برجل عجوز آخر يشبه الأول ولا يملّ من الاصغاء وسماع التفاصيل فيروي له حكايته الغريبة المبهمة ويخبره العجوز بأن الباص رقم صفر سيأتي بعد قليل وقد دُمغَ بالرقم صفر "لأنه لا يذهب إلى أي مكان، يشبه آلة تنظيف تخرج في الليل لمسح أخطاء الماضي". أما النهاية المدروسة فتتجسد في الأسطر الأخيرة من هذه القصة الكابوسية التي أبدع سعد هادي في صياغة حدثها الختامي الذي يتمثل في انطفاء أضواء الباص، وإحساس الراوي بالهواء الثقيل المشبّع برائحة المطهِّر الطبي حين يقول:"رأيت نفسي بعد لحظات أدور وسط أسطوانة مسنّنة تتلاحق فيها وجوه أناس آخرين، ربما كانوا صورًا أو خيالات مجرّدة أو لعلهم كانوا من التائهين بين الأزمنة والأمكنة مثلي".

تتكرر تقنيه الشبيه في قصة "حديقة شيرازي البعيدة"، فالحوار الذي يدور بين الجندي الذي انتقلت وحدته من "رأس البيشة" والجندي الذي قدِمَ من تلال "الشيب" يكشف عن وجود هذا الشبه الكبير حيث يمضي الأخير باستذكاراته قائلاً:"كان معنا جندي غريب الأطوار. . . قُتل للأسف في ليلة الهجوم تلك . . .يواصل القراءة في ضوء شمعة ويردّد أشعارًا . . . كان يشبهك تمامًا كأنه أنت".

في قصة "إيرينا" نقف أمام شخصيتين تحملان الاسم ذاته إحداهما قادمة من الفردوس وأخرى منبثقة من أعماق الجحيم. وحينما توارت الأولى أصبح كحوليًا وبدأ يهدد بالانتحار إلى أن جاءت امرأة وجلست بجواره، فتبيّن أن اسمها إيرينا وهي روسية أيضًا. وبعد مدة قصيرة ترجّلت من السيارة امرأة ضخمة فأخبرها الساقي:"لقد أَعادَ زوجك يا لاريسا قصة الملائكة من جديد ولكنه جعل اسم المرأة التي يعشقها هذه المرة إيرينا، أتعرفينها؟" حين تعود هذه المرأة الضخمة تشرب الكأس المتروكة على المائدة وتتجشأ ثم "تبدأ بسرد حكاية ما عن شياطين ورجال بلا أسماء وذكريات ملتبسة من ماضٍ بعيد".

تتحول الكتب في قصة "حياة مُستعمَلة" إلى قنافذ، وفراشات هلامية، وسكاكين، وأكواب، وملاعق لكن هذا المشهد العجائبي سرعان ما ينتهي حين ترفعه إحدى الأيادي وتُلقي به من الباب المفتوح بينما يستمر السائق بمواصلة الرحلة إلى غايتها المنشودة.

تصل الفانتازيا إلى ذروتها في قصة "سواد" حيث يسرد الراوي حكاية درويش الذي يكتب قصائد رثاء للأشخاص الذين كانوا يقيمون في هذه العمارة ورحلوا أو فارقوا الحياة. كان درويش يتواطأ مع الراوي، ويتلذّذ بمشاركته إياه في أسراره، ويتيح له النظر من الكوّة إلى داخل الغرفة التي تجري فيها أحداثًا مروِّعة من القتل والحرق والإعدام لكننا سنكتشف تباعًا عدم وجود هذه الكوّة ولم يكن الراوي يشاهد سوى خيالات درويش وأحلامه وكوابيسه وأنّ الإنسان بالنتيجة ليس سوى آلة لصنع الأحلام.

سبق لسعد هادي أن أنجز مجموعتين قصصيتين وهما "طبيعة صامتة" 1990، و "الأسلاف في مكان ما" 2004، كما أصدر أربع روايات بين عامي 2005 و 2014 وهي "ليلى والقرد"، "تجريد شخصي"، "عصافير المومس العرجاء" و "سلاطين الرماد".

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

في رواية سيدات زحل للطفية الدليمي

تعد رواية (سيدات زحل سيرة ناس ومدينة) للكاتبة الكبيرة لطفية الدليمي رواية نسوية كونها اتخذت من الصوت الانثوي فاعلا مركزيا قي التحبيك والوصف. وأعطت له الأولوية في المبادرة والتصعيد بعكس الصوت الذكوري الذي لم يكن له مثل هذا الدور.

 وهذا الاشتغال على ثيمتي الانوثة / الذكورية بناء على ثنائية المركز/ الهامش كان مقصودا من وجهتي نظر فنية وثقافية، كشفت عنهما الساردة حياة البابلي بوصفها البطلة التي عاشت مع صاحباتها في عالم نسوي منغلق بالاستلاب والإخفاق والتقييد والمنع والبحث بلا جدوى والحيرة بالتساؤلات المتوالية باستمرار.

اما الشخصيات الذكورية فهي مؤسلبة في عالم ضاعت فيه الرجولة أما بالموت أو الاخصاء أو الاستسلام والهجرة أو القتل والسفاح.

ولأجل أن تدعم الكاتبة وجهة النظر الثقافية هذه بوجهة نظر فنية؛ فإنها تراهن على قلب معادلة الإخفاق لصالح المؤنث جاعلة المذكر قابعا في الإخفاق إلى الأبد كنوع من المراهنة على لا فاعليته التي أصابها العطب والعنت.

لا خلاف أن ذلك القلب ليس ثأرا أو نبذا أو تحاملا أنثويا على الآخر، وإنما هو تعبير عن فكر تحرري فيه الانثوية تحاول أن تفرض نفسها، مخلخلة ما اعتادت سرديات الحداثة على تمثيله متجهة صوب التمثيل ما بعد الحداثي.

وإذا كانت الإعاقة في أدبيات الحداثة هي الجنوسة الموجودة في جميع جوانب الثقافات والمجتمعات والممارسات والمؤسسات والتجارب والمواقف التي فيها المرأة تابعة بأنثوية مفرطة وبالشكل الذي يوصل الى التشيؤ الجنسي لكن هذه الإعاقة تتحول مع أدبيات ما بعد الحداثة إلى اللااعاقة، داخلة في ثقافة سبرانية تهاجم الجنس الآخر.. بينما تعطي للمرأة الفاعلية مروّجة للإنتاج الايجابي وليس الاستهلاك السلبي وهكذا تراهن الكاتبة على هذه السمة الثقافية معطية المركزية للمؤنث موظفة اللاإعاقة.

وهذا ليس مقصورا على البطلة فقط وانما كان معكوسا أيضا عند الشخصيات المؤنثة الأخرى فهن فاعلات وقد هجرن العالم السطحي الزائف وعرفن بحدسهن الأنثوي أنهن قادرات على لعب دور مرّكزي، بمقصدية المناهضة للإعاقة والجنوسة مع معاداة كل ما هو ذكوري استعماري يتعالى على الأنوثة وينكر دورها في التغيير ..

وقد عبرت حياة البابلي عن نبذها للإعاقة من خلال استعراضها لتاريخ الانثوية ..وهدفها فهم أسباب اضطهاد الذكورة للانوثة أولا، ومحاولة توكيد لا تبعيتها كونها ثانيا هي هدف المعرفة وليست مجرد ذريعة ..

ومن ثم تقع البطلة حياة البابلي تحت طائلة البحث عن الرجولة المفقودة ممثلة بحازم وهاني ومهند وحامد أبو الطيور والشيخ قيدار الذين كانت الحرب قد ألتهمتهم كلهم كضحايا حرب حتى ضاعت الرجولة وصارت زائفة ومجرد صوت في مدينة أكلتها الحروب والميليشيات بالخطف والموت.

ولذلك تصاب البطلة بالتشظي الزماني والمكاني والهوياتي، فلا تعرف اسمها هل هي حياة البابلي ام آسيا كنعان. ويعمل الصمت والهذيان والنوم والغفوة والخدر والافاقة والتيه والصحوة على قلب الإعاقة إلى اللااعاقة، من خلال توظيف الحافز بمفهوم فلاديمير بروب لتصبح البطلة قادرة على التغلب على الآخر/ المعيق.

 وهكذا يتحول إلى صوت حميم وقرين يخترق ذاتها فيوقظ فيها الشهوة والحكمة واليقظة والرغبة ممثلا بناجي الجمالي" أغمضت عيني رضخت لغواية صوت الرجل بدأت هيأته تتشكل وتكتمل أمامي ..كأنني أعيد تكوين قسماته فيتخذ وجهه سيماء حارس الوعود او سادن مقامات الأمل نظرته شبيهة الندى تتقطر على قلبي فمه يرنم اسمي نشوانا هل هو اسمي حقا ؟" ص7

ويصبح ناجي مقصد االبطلة ومطلبها لكن أنّى لها أن تجده وهو مجرد طيف وفراغ,. ولهذا لا يكون أمامها إلا الأحلام التي هي حافز آخر سيمنعها من الاستسلام للاعاقة رافضة النضوب والتلاشي مغادرة شللها الذي اعتراها طيلة مكوثها في سرداب البيت لتعلو إلى السطح متجاوزة بالاحلام واقعها الذي سيغدو بمثابة المكان السردي المتسع فيمتد من بغداد الى طنجة وقد وجدت بعضا مما تبحث عنه" حين عدت لبغداد من طنجة واصلت كتم الحب كي لا يفوح من رائحتي خنقت الرغبة فلا تنسدل من نبراتي موهت نظرتي فلا تفتتضح اشواقي تحت المصابيح  الواشية والعيون الراصدة" 165ـ166

وتغدو الانثيالات بديالكتكية التساؤلات والمونولوجات والتداعيات صورة أخرى محفزة على التحرر والحلم بالآخر كمنقذ وشريك، متغلبة على الأزمة ومجابهة الموت والتلاشي والتشويش، شاعرة أنها ما زالت على قيد الحياة" آه لو كانت لدي الشجاعة فانفصل عن ذاكرتي السائلة المشتبكة التي تعذبني ..قلت لا بأس سأقاوم الذاكرة وانتظر خلاصي واخاطر بما تبقى لي واعتنق الحب في زمن الموتى" 51

أما بحثها في تاريخ الأنوثة وتفتيشها عن نساء ماضيات عشن تعيسات جنبا إلى جنب نساء حاليات اللائي يصارعن العنوسة والترمل والطلاق ضمن حيز مكاني محتدم بالحب والحرب، فإنه سبيل تحفيزي آخر على التعايش مع الحيرة والحرمان وهن ينتظرن المصير المجهول فلا يجدن إلا السرداب خير مكان للاحتماء والنبش في تاريخ بغداد تحديدا وتاريخ العراق عموما عبر حقب مختلفة وحكام متعددين عثمانيين وانكليز وملكيين وجمهوريين.

وهنا يبزغ الآخر كحلم به تستعيد حياة توازنها نافضة عنها ما اعتراها من الجنون والنسيان" اسمع نبرته في همهمة الريح واشم رائحته في طلع النخيل صوته كامن في الهواء سحابة نجوم تمطر من نظرته وهو يناديني :حياة حياة" 60

ولئن كانت ذاكرتها قد تشوشت بفعل الواقع المرير، فإن الكتابة ستكون المحفز لعدم الإعاقة " انا حياة وهذه كراساتي التي شرعت بكتابتها منذ سنوات ودونت فيها حكاياتنا حكاية عشقنا الصاعق ..عار الخصاء وبتر اللسان خزي اغتصاب البنات.." 17

وتنتعش ذاكرتها فتأخذ باسترجاع إحداث ماضية ممارسة دورا مركزيا في جعل الشخصيات النسوية( راوية وهيلين ومريم خانم ولمى وبرسكا برنار وست فريدة ومس بيل وامل ابنة الحاج ياسين الخضيري وهنادي عبد المسيح وبهيجة التميمي) فاعلات وقد وزعت عليهن أدوارا مركزية معطية لهن فرصة البوح ليكن ساردات بضمير الأنا والنحن إفرادا وجمعا" أردنا أن نثبت للناس قدرة النساء على العيش دون رجال في بلاد الحروب التي تلتهم ابناءها أردنا أن ننشيء حياة متوازنة وحنونا ومحمية بالفن" 33 وكان استعمال الساردة لتقانة الرسائل قد حقق لها مساحات من الاستبطان الذاتي بالكشف والاستغوار.

وما كان للبطلة رد الاعتبار للأنوثة لولا هذه الملامح الغالبة للإعاقة التي بها استطاعت الصمود بالمواجهة، مناوئةً التشدد ومقاومةً التضييق ورافضةً المنع لعلها تعثر على الرجولة فتنتشلها من الضياع والفقدان..

لكن المفارقة أن الذكورة في ظل الحرب هي نفسها في ظل الإرهاب كونها تظل معيقة للأنثى وسالبة لإمكانياتها مع تغيير طفيف" بعض الرجال بهائم وبعض النساء حمائم "ص141 و" معظم الرجال بهائم وكثير من النساء غنائم وغمائم" 142

 ومثلما جعلت البطلة التاريخ أنثويا، فكذلك أحالت المكان مؤنثا وقد صار الشارع يسمى شارع النساء وبغداد غدت امرأة تهرأت غارقة في مياه تكونها وقد اجتاحها الاختطاف والاغتصاب والاتجار بالأعضاء والتعذيب والاخصاء والمافيا والتجسس والخيانة.

ويظل انتظار الرجولة وأمل اللقاء الملتبس والحلمي بها شكلا آخر لتمثيل اللااعاقة لعل اللقاء المرتقب بين حياة وناجي يتحقق ... دلالة على أن الحياة ستستمر وستنجو الرجولة من الموت بحتمية بحث الأنوثة عنها.

وهو ما سيسفر عنه انفراج الحبكة في ختام الرواية بطريقة رمزية وقد اجتمع فيه الاثنان الرجولة والأنوثة لا كضدين متحاربين فيه الأول استغلالي والآخر استباحي بل كشريكين نقيين يعاضد احدهما الآخر ليصنعا مصيرهما معا متصفين بالنقاء الروحي والصفاء الوجداني وهذا ما مثله الظهور المفاجئ للشيخ قيدار ومعه القس جبرائيل.

والشيخ هو واحد من الرجال الذين بحثت عنهم حياة البابلي وهو عمها الذي كانت تراه مثالا وأنموذجا وقد عاد يطالبها بمخطوطات كان قد أودعها في السرداب ناصحا لها بالرحيل الذي به ستجد الرجل المبحوث عنه" تعالي معنا يا حياة ناجي سيعرف السبيل إليك أينما تكونين  طالما أنت مؤمنة به وهو منقطع الى حبك" 313 لكن قرارها يظل غير معروف.

 ولا خلاف أن في عدم الإفصاح عنه قصدية ثقافبة.. لتغدو حياة رمزا لا للأنوثة المحتجبة والناقمة وإنما لاستمرار الآخر وبقائه.

 وما إصرارها على اللقاء بناجي إلا توكيد لحقيقة أن في بقائها نجاة الآخر وكإلماح خفي أيضا مفاده أن في استهانة المذكر بالمؤنث اندحارا له مثلما أن في اعتراف المذكر بالمؤنث انتصارا له وبذلك تتحقق الإجابة عن تساؤلات البطلة التي شرعت توجهها لنفسها على طول الرواية وعرضها..

 وما مقصدية الإصرار على المجابهة بدل الاستسلام ورفض الهجرة والاغتراب بالبحث والبقاء إلا توكيد لمركزية الأنثوية مقابل ضياع الذكورية وهامشيتها ..

ولا مناص من القول إن ترك خاتمة الرواية مفتوحة تصحيح لعلائقية المركز بالهامش كونه عكس حقيقة هذه العلاقة التي هي تصالحية لا نبذ فيها ولا ثأر ولا تهميش كما ليس فيها غلبة أو إقصاء ولا مصادرة ولا إلغاء.

بعبارة أخرى أن غلبة المركز هي غلبة للهامش.. لتكون المعادلة في صورتها النهائية ليست المراهنة على الأنثوية وحدها وإنما المراهنة على الذكورية أيضا بطريقة تشاركية فيها البطلة هي الأمل الذي سيستعيد الرجولة من الفقد ويستردها من الضياع.

هذا الأمل يجعل المؤنث في موقع المانح للآخر فرصة الاستحواذ مجددا على كينونته، فهل سيعيد التاريخ نفسه وينفرد المذكر مستغلا تسامح المؤنث أم أن التاريخ لا يعيد نفسه ليكون للمذكر وجه آخر تصالحي وتفاعلي ليس فيه استحواذ ولا انتهاك ..؟ ذلك ما تتركه الرواية طي الكتمان برؤية أنثوية متجهة بتفاؤل نحو عالم ذكوري قادم. 

 

د. نادية هناوي

 

احمد الشيخاويتقوم الممارسة الإبداعية لدى الشاعر المغربي أحمد بياض على معجم يتجدد، ويكتسي ثراءه من لعبة كلامية تعتني جيدا بمعطيات التصوير الفني الذي تذوب معه، الحواشي ما بين القصيدة واللوحة، إلاّ فيما ندر، من المواقف والتصريحات التي يقتضيها السياق السردي، وهي مزاوجة أنيقة ودافقة، تتيح للكتابة جاذبية المغازلة باللون الذي قد تغدق به معاني المفردة.

حتّى والتيمة ترفل في خطاب الموت، وتتكفّن بمشهدها الخريفي الجنائزي.

إنه بوح الألوان، في ارتكاز إلى فعل إبداعي ذهني صرف، يرصد نبضات التصالح مع الجذر الإنساني، الموغل في صفحات الذاكرة المثقوبة بالتمام.

نطالع لصاحب ديوان "مناجم في حوض الشتاء" مثل هذا الموقف الوارف برؤية هشّة، الإلهام فيها وعبرها للألوان فقط، تجزم بالجوانب التأملية، وليس تفسح للدندنة أو النوبة الهذيانية، بسوى الجرعة، تلكم المعيارية الدالة على الرمزية المبالغ فيها، والضمني المترنّم بالبعد القيمي كأقصى ما تكون الكناية المدغدغة بثنائية الغياب والحضور، داخل حدود منظومة مفاهيمية تتغيا فلسفة خاصة للانتماء، يقول:

[قطاف /على لحن الشوق /جرعة انتفاضة /أديم / ينثر البقاء /بين مخالب القيظ وأريج الحنين].

بحيث ما بين دوال " البقاء" و" الحنين" الذي يعنيه ضرب من الغياب، تنرسم لوحة تدشين صفحات العذرية، ومحاولات التصالح المتكررة مع الجذر/ الوطن.

ثمة فلتة أخرى، تورق بتجليات اللون المراوغة، وكيف أنها تدين قتل الأنبياء / الشعراء، عبر إشاحة الظهر لمآذنهم وصمّ الآذان عن ثرثرتهم، يقول أيضا:

[زهرة المآذن /حبر شتاء /سعي شروق /وليد الضحى /أساطير /تقتل القمر /وفي زلال عينيك/ تتغذى /وصايا النور /ويترجم غبار /الخطوات /صدى الأنبياء /وموت /كم

من رسول /ورسول / وأقرأ /لغة الأرض /أقرأ لغة دجلة /على بريد الأنهار /أقرأ سيلان التيه

في سراديب الأزقة /وأشيد /في الدروب / ما تخفيه / الرايات المنكوسة...].

هكذا، وتبرّكا بهذا المقلب التعبيري، تُكسر جملة القواعد الرسمية المستفزة بتابوهات الثقافة المسوّقة لديدن تمجيد زيف الأرض، كي يحلّ بدلها خطاب مكاشفة وإماطة الأقنعة عن حقيقة مرة، تلهج بها" لغة الأرض" على أصولها، قصد فضح اللبس، ونسج المرثاة على مقاس زمن انتكاس الرايات، أقساطا تحمل على الانكسار الروحي الرهيب الذي قد تكابده الذات الشاعرة، طعنا برسالة يعنى بها جيل بأكمله.

يضيف مفارقة جوهرية وفاصلة، تقذف في دوامة الحيرة، وتضع الذات إزاء مرايا عاكسة للارتباك الإنساني، والاستسلام الكلي، للمعاناة والمكابدة، وجودا وشعرا.

بحيث تغدو المعلقات قاتلة ومقتولة في آن، أي شعر يجدد ذاته ويطوّرها، بما قد يتيح لمبدعه أوهام الخلاص، ما بين ماضوية ضاغطة، وحداثة جاذبة و غير رحيمة .

[وتختفي / الاقانيم /في البراري الغامضة /ويشيد /بريق الشمس الباقي /ما خلفه /ديجور الأشياء /ويتآكل /جفن السمار / بحلم الذبول / ويلجأ الشاعر /إلى المعلقات القديمة /بعد ما /ماتت البحور].

هذا الاختناق الذي تولّده، مقامرة البحث في الغائية الإبداعية، إجمالا، وههنا يرتقي الخطاب بالأرض، مثلما ترتقي هي، بسياقه وأنساقه، يغتدي المنبت شهوة تفجّر في الذات شعرية إدمان الحرف وتلحينه وتجميله، علاوة على شعرية وجعنا الوجودي الذي لا ألوان له ولا معاني، بدون عتاب يرشق هذه الأرض في بضع من سلبيتها ونقصانها.

[شهوة الأرض / هلال الطلع /ورحيق الفجر /هول من الشرق/ باسم الاقانيم /وشوق الأطفال /إخصاب رمل /على صفحات الذاكرة /وإليك /تعود /أوتار من حديد /بلحن الفراق].

هو لحن الفراق، دوما، إذ يؤكد غيابا بمعنى الحضور، ويسجّل غضبة خفيضة، تنضج أسرار الحياة والوطن والشعر.

[على خريف المتاهة /سيرة الكلمة /على تمزق السطور /ندبة جرح /لرضيع أمل معصوم/

رثاء لوركا /للقمر الغجري /حديقة الأيام السبعة /في موطن الجفاف /شرفة ظل /ترتج

بريح السعال].

إن هذه اللوحة التعبيرية التي تعبر بالمتلقي من ذات قلقة شكاكة مفخخة بأسئلة الانتماء، كي تسلّمها لفصول تُعاش داخل ذاكرة المشترك الإنساني، متاهة الغجري لوركا، لهي صانعة كامل هذا العرس الحياتي النابض بنبوءات الشعر وأصداء مآذنه المنتسبة إلى تاريخ تغييب الشعراء.

[تحدق /في الفضاء الهارب /نجمة /سهاد طليقة /تغازل /نشوة البحر /شتاء صيف /يبلل الأزقة /كأس شاي / على رماد المدخنة /تعاويذ / على رفات الحكاية /أنين صباح /متفائل

يكسو /دمعة الأرجوان...].

إنه استطراد ينقر كوة في زوايا عتمة الذات والحياة والأرض، مبقيا على شعاع من أمل، ما دام الشعر صوتا يحقّق للذات المجلودة، صور الغياب الذي هو بمعنى الحضور.

تفاؤل إنساني قائم، تتلعثم به القصائد المترنّمة بميتة لوركا المفتية بخيارات خلود الإبداع المنتصر لإنسانية الكائن، تصون هوية سدنته رغما عن التجاوزات والتشوّهات.

[بدون وصية/يا أم هارون /البحر الذي أمامنا /بدون ثوب موج /رماد /يخدر شرفة العين /ووصية /تعزف على شرفة الأديم /مزهرية الكون /وانتفاضة/نخب التلاوة /سديم

على ريح الضباب /حلم لا نهائي /ينمحي جسدك /ليعالج / ضوء القمر...].

لعلّه بهذا الطرح، يكون شاعر مذعن لغلبة اللون في نصوصه، على باقي المكونات التي تسمو بالفعل التعبيري، كما لدى شاعرنا المجدد، الدكتور أحمد بياض، تُطاق نوبات مجابهة حقبة الموت الجارف الذي لم تسلم منه، بدورها القصيدة، وهي تعيد ترتيب أوراق المصالحات مع جذور الذات الظمآنة لطقوس البعدية، أو الماوراء، فيما تحمله من جوانب للبراءة الوجودية، المباهية بعتباتها ومضامينها، ولادة ثانية، كالتي يعيشها أحمد بياض في ثرثرته القلبية بطفولة وانسيابية قلّ نظيرها.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

 

تتجاوز رواية التاريخ بوصفها اجناسية سردية تنتمي إلى أدب ما بعد الحداثة التصورات المعتادة للتاريخ وتحديداته الثيماتية وتتعداها متعالية عليها بالكتابة السردية على اختلاف تقاناتها وأشكالها.

وإذا كانت الرواية التاريخية تتخذ السرد مسرحا لتمثيل التاريخ بوصفه حدثا ماضيا؛ فإن رواية التاريخ تتخذ التاريخ مسرحا تسلتهم عبره الحدث التاريخي معيدة كتابته من جديد سرديا متعاملة معه فاعلا نصيا حيا يتجاوز حدود الماضي الى الحاضر وما بعده وذلك حسب معطيات التوظيف السردي والميتا سردي معا.

وهذا الانفتاح في الأزمنة والتنويعات التخييلية في الاحداث التاريخية هو الذي يوِّلد من التاريخ تواريخ ويجعل مؤلف رواية التاريخ كاتبا في مجموعة كتّاب يجتمع في داخله المؤرخ والروائي والفيلسوف والمتنبئ والثوري والتربوي والمصلح الأخلاقي.

ولا تستهدف رواية التاريخ القارئ بقصدية الاستهلاك والتقبل الاعتيادي وإنما بمقصدية جعله منتجا فاعلا ومشاركا يتحداه الكاتب ويستفز فكره وقدراته .

وقد شبّه هايدن وايت التخييل السردي وفاعليته في كتابة التاريخ بصورة الكلب وذيله و" أن الذيل في التاريخ يحرك الكلب"، وناقش في كتابه( ما وراء التاريخ) كيف تميل المؤلفات التاريخية إلى أن تمثل عقدا أدبية يمكن تمييزها مأساويا ورومانتيكيا وهجائيا وأن التاريخ يتقاسم وكثير من التخييل الواقعي تقاليد لغوية معينة فالسارد لا يتحدث بصوته الخاص أبدا وإنما يسجل الأحداث معطيا القراء الانطباع بأن ليس هناك حكم شخصي أو شخص يمكن تعيينه قد شكّلا القصة التي سُردت. وأن بوجود التقاليد التي يتقاسمها التاريخ والتخييل قد لا يكون ضروريا أن نجادل حول واقعية الرواية.

وكان الروائي ميلان كونديرا قد شبَّه سلوكه إزاء التاريخ بسلوك المخرج المسرحي الذي يتدبر أمر مشهد تجريدي بعدد من الاشياء التي لا غنى عنها للحدث، (فن الرواية) ص42

وحدّد فريد سباير في كتابه" التاريخ الكبير ومستقبل البشرية" أمرين يسهمان في تقديم إعادة بناء تاريخية مقنعة إلى حد معقول هما: 1) كشف حقيقة ما حدث في البيانات منذ نشأتها بما في ذلك اكتشافها بواسطة البشر 2) كشف حقيقة ما تخبرنا به هذه البيانات حول الماضي، وتساءل في ملحق كتابه أعلاه: هل من الممكن العثور على مرايا بعيدة في السماء قد تعكس الضوء المنبعث منذ زمن طويل مضى لو أن هذه المرايا موجودة قد تتيح لنا من حيث المبدأ رؤية لماضينا الخاص؟!!.

ولا يتوقف التعاطي مع التخييل في رواية التاريخ عند حدود معالجة وقائع ماضية وشخصيات غابرة واستحضارها ومدها بالحياة فحسب؛ وإنما يقتضي أيضا براعة فكرية في أدمجة التخييل بالفلسفة، كي يطبخا على نار هادئة كما يقول جاك لوغوف ومن دون خوف ولا تردد. والبغية صناعة تاريخ جديد هو تاريخ الهامشيين والمعوزين والمغلوبين والمهزومين والمستضعفين والمنفيين والمحرومين والمجذومين والمجانين والصعاليك والمنبوذين، الذي سيزيحون أصنامهم ثائرين على سلطاتهم ناقمين من جبروتهم الذي أذاقهم صنوف البلايا والرزايا والمحن والتشرد وظلف العيش والحرمان والكبت.

وثورة الهامش وانقلابه على المركز لا يوثقها التاريخ الرسمي الذي لا يُكتب إلا تحت عباءة السلطة/المركز وإنما يكتبها تاريخ محكي يبزغ لنا سرديا من تراكمات الذاكرة الحية المودعة في اللاوعي الجمعي وفي إطار علاقة جدلية لا تعرف حدودا لما هو متخيل وواقعي كما لا تقر بزمن ولى وحاضر أتى وقادم مجهول، لأن الازمان تتداخل فيما بينها ومن ثم يتناسل محكي التاريخ الذي أبطاله هامشيون في أشكال مختلفة فهناك تاريخ الجسد وتاريخ الامراض وتاريخ الازمات وتاريخ السلوك الجنسي وتاريخ الجنون وغيرها ولكل تاريخ من هذه التواريخ تحولاته الخاصة.

ويرى جان كلود شميت أن للهامشيين في نظر المجتمع المهيمن صورة سلبية فهم ممن ليس لهم مقر دائم اذ يوجدون في كل مكان وهم ممن ليس لهم اعتراف وأن فحصا بسيطا لمجال الهامشية يكشف عن وجود نسيج مواز من العلاقات التي يصعب على الآخرين اقتحامها.

وهذا النسيج الموازي هو الذي يضمن للهامشيين أن يكونوا أداة حية للثورة والتكفير عن ذنوب الآخرين ومثلما أن التاريخ المتخيل هو إرهاب للمؤرخ فكذلك يكون تاريخ الهامش إرهابا لتاريخ النخبة.

وهذا ما تحرص رواية التاريخ على تمثيله جاعلة من الثابت الهامشي متغيرا تاريخيا ينتصر لأولئك الذين تعرضوا للظلم الاجتماعي وكابدوا ويلات الاستبداد حتى مورست بحقهم شتى صنوف الرضوخ والاستعباد.

وفي رواية التاريخ وبسبب إغراءات الفلسفة واتساع مديات التخييل فإن لا وجود لحقيقة مطلقة يمكن إثبات صحتها والسبب أن التاريخ قد خرج من الدهليز إلى ما فوق السطوح على حد وصف ميشيل فوفيل الذي دعا الى دراسة البنى الاجتماعية سطحا وقاعا. والهدف عنده ليس الحركة الاجتماعية وإنما القيمة الاجتماعية انطلاقا من كون التاريخ الحق هو تاريخ الشعوب.

هذا التفكيك المقولب لبنية التاريخ الرسمي هو الذي ينتج التاريخ المحكي الذي لا يوازيه فحسب بل ويهيمن عليه من خلال أبطاله الهامشيين. وهو ما نجده ماثلا في رواية التاريخ (الملك في بجامته)  للروائي العراقي خضير الزيدي والصادرة عن دار الرافدين ببيروت 2018 التي تستلهم حدثها التاريخي من واقعة اقتحام قصر الرحاب يوم الرابع عشر من تموز عام 1958 والذي به انتهى عهد الملكية في العراق وابتدأ عهد الجمهورية.

والحدث التاريخي في الرواية مشكوك في أمره تتعدد روايته وتتنوع تفاصيله وتتذبذب مصداقيته وتحوم الظنون حوله وهذا ما يجعل السارد الذاتي خالد الشيخ يستعين بالمخيلة غربالا يرشح عبره حكاية الحدث على وفق نظرية تاريخية يتبناها، مشيدا عليها معماره السردي.

ولأن النظريات التي تفلسف التاريخ كثيرة فإن نظرية التمثيل والأداء المسرحي هي التي بها سيستعيد الحدث التاريخي بطريقة التبني والمحاكاة ولا يخفى أن القسوة ستكون سمة هذا الاداء ولهذا السبب ورد ذكر انطونيو ارتو اكثر من مرة في الرواية، فهل سيتمكن التحبيك السردي من اثبات صحة هذه النظرية وأن التاريخ يستعيد نفسه؟

إن توظيف التاريخ في خدمة التحبيك السردي هو الذي سيثبت العكس بمعنى أن الحدث التاريخى لن يستعيد نفسه وانما يعاد انتاجه من خلال التخييل ليغدو التاريخ غير نفسه.

وتتوزع شخصيات الرواية بين طبقتين الاولى عليا يمثلها الملك فيصل الثاني وخاله عبد الاله وزوجته ورئيس حكومته نوري السعيد والاميرات الثلاث والثانية الطبقة الدنيا التي يمثلها الهامشيون الذين مكانهم قاع المجتمع وهم جميل قره تبي والبستاني عباس الزنكي وقدوري افندي وبائع الشعر بنات ورواد مقهى المعتزلة والسيد المنذري والعوانس والكاتب المغمور.

وسيكون لعباس زنكي او العباسي دور في اتمام مهمة الانقلاب على الملك واسقاطه لكن المفارقة أن عباسا يُقبض عليه بتهمة الخيانة العظمى ويحاكم من السلطة الجديدة بالاعدام شنقا ومعه جميل قره تبي في اشارة الى ان الهوامش هم فواعل التاريخ الرسمي وابطاله الحقيقيون الذين صادر المركز احلامهم وغيب فاعليتهم حاكما عليهم بالخيانة، وهذا التحصيل يعبر عنه الكاتب بطريقة ساخرة" كانت مؤخرة الزنكي مكشوفة عندما كان يحلم بالوصول الى القمة وعندما تكون مكشوفة فقد يفسد ما يتحقق من الحلم "ص197

 ويعمد الروائي في سبيل كتابة تاريخ الهوامش الى البحث عن المغيب والسري مما أخفاه التاريخ الرسمي وهو يوثق لحادثة قصر الرحاب وهذا التاريخ تاريخ جديد يفضح المركز ويعري نخبويته منتقما لكرامة الهامش ثائرا على من امتهن إنسانيته.

وتوظف الرواية مختلف التكنيكات السردية من تقارير اخبارية ورسائل وأسلوب عرض مسرحي ومخطوطة روائية عنوانها( الملك في رحابه) كان مؤلفها عماد الاغا قد مات بالوباء الذي اصاب بغداد تاركا الفصل الاخير غير منجز في ترميز ايحائي الى أن النهايات يتممها مؤرخو التاريخ بطريقة سردية دراماتيكية" كل الملوك والرؤساء يقتلون ويسحلون بتخطيط مدروس بعيدا عن المصادفة" ص125

وهذا ما يتطلب من القارئ دورا انتاجيا يربط خيوط الاحداث ويوصلها بالشخصيات كما يستوجب من السارد التفكيك بحثا عن حقيقة الحدث التاريخي جاعلا اياه حيا نابضا، وهذا ما يقوم بادائه المحرر الادبي خالد الشيخ الذي توكل اليه مهمة السرد فيبدأ من النهاية حيث محاكمة جميل قره تبي بتهمة الخيانة لينطلق بعدها مسترجعا الاحداث بطرائق السرد المعروفة.

وباستعمال الميتاسرد توكل للسارد الذاتي مهمة خارج سردية فيكون هو الذات المؤلفة التي تتغلغل في تضاعيف السرد كاشفة للقارئ عن خفايا المسرود.

والطريقة السردية التي بها يصنع الحدث التاريخي تقوم على وجود قصة اطارية هي حدث اقتحام قصر الرحاب وفيه ثلاث قصص ضمنية القصة الاولى تنتمي الى الحاضر هي عبارة عن عرض مسرحي يتدرب عليه طلبة معهد الفنون الجميلة محاولين استعادة اللحظة التاريخية لاقتحام قصر الرحاب وهنا يتعذر عليهم معرفة الحقيقة في كون الملك قد نزل وقت الاقتحام بكامل قيافته ام نزل ببيجامة النوم وفي هذا ترميز الى ان التاريخ الرسمي لم يكن امينا وهو ينقل تفاصيل الحدث ويسجله لحظة بلحظة.

اما القصة المضمنة الثانية فهي تنحو منحى ما بعد سردي يجعل السارد خالد الشيخ يؤدي مهمة ثانية الى جانب مهمته الاولى كسارد ذاتي وهذه المهمة الجديدة هي كتابة الفصل الاخير للمخطوطة.

والقصة المضمنة الثالثة هي قصة تدور في اطار الحدث الماضي بطلها جميل قره تبي الموظف في دائرة البريد التابعة لحكم الملك فيصل الثاني الذي يعيش بعيدا عن السياسة وحبائلها منتشيا بحياة القاع والملاهي والراقصات لكنه يسهم ومن دون وعي منه في اتمام عملية الانقلاب لكنه كعباس زنكي سيحاكم من قبل السلطة الانقلابية نفسها ويتهم بالتجسس وينتهي أمره بالإعدام شنقا ولا يشفع له قول الحقيقة، وبإعادة انتاج التاريخ يكون محكي التاريخ صادما وهو ما عبر عنه الفصل الذي حمل عنوان مشهد الصعقة الذي فكك المسكوت في التاريخ وفضح زيف التاريخ الرسمي المزوق وأقام بدله تاريخ التشويه الذي طال المصلوبين والمحروقين والمعدومين ومقطعي الوصال حتى صارت لهذا التاريخ رائحة كريهة.

وما موت الروائي المغمور وتركه مخطوطة( الملك في رحابه)  شاهدا على التاريخ الا تعبير عن حقيقة ان لا منسي في التاريخ وأن الحقائق ستظهر للعيان مهما اخفيت وتشوهت معالمها( الملك في بيجامته)، ومقصدية مجابهة التاريخ بتاريخ جديد ذي نهاية مفتوحة توكيد فني ان السرد هو الذي سيكشف المشوه ويعري المزيف، وكأن مزلق اللحظة التاريخية يصححه السرد المتخيل بمحكي تاريخي فيه الذاكرة حية غير معطوبة شفوية كانت أم صورية وفيها اختبأت الحقيقة التي أضمرتها مرويات التاريخ الرسمي ولم تدونها.

وتعكس نهاية الحدث الممسرح بمشهد دراماتيكي، النهاية السوداء للتاريخ الرسمي الناتج عن ضياع الحقيقة، ولذلك يُبقي السارد أمر عباس زنكي مغيبا فقد شوهد عام 2003 بينما الوثائق تقول انه مات عام 1971 وتشير نهاية الحدث المفتوحة باستمرارية رقصة الولد الكوني الجنونية والجملة المضارعة التي ختمت الرواية " ما زال الرمي متواصلا حتى هذه اللحظة" 276 الى ان الحركة التاريخية ستستمر كاشفة بطولة الهامشيين في الانتقام والثأر.

 ولعل انثوية الحركة ورائحتها الكريهة الناجمة عن التشويه والاخفاء تجعل الاحتمال بأن تكون الشخصية المتخفية باسم ( ذو الرائحة الكريهة) امراة ممكنا فهي أولى الهوامش التي صادر التاريخ الرسمي فاعليتها، ناهيك عن ربط السارد قدرته السردية بحاسة الشم للاجساد الانثوية وهو ما أعاد الكاتب أثباته نصيا في الغلاف الخلفي كتوكيد على فاعلية المؤنث في رواية التاريخ.

 

د. نادية هناوي

 

عبد الله الفيفيكثيرٌ من اللغة العربيَّة قائمٌ على عاملين، لا يعيهما كثير من الناس، أو لا يقدرونهما حقَّ قدرهما، هما: الإيجاز، والمجاز، وكلاهما قائمٌ على عدد من الآليَّات، من أبرزها: عامل الحذف، الذي يندرج ضمن ما يُطلَق عليه بالمصطلح الحديث: الفراغ النَّصِّي، والذي قال فيه (عبدالقاهر الجرجاني)(1): «هو بابٌ دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيهٌ بالسِّحر، فإنك ترى به ترك الذِّكر أفصح من الذِّكر، والصمت عن الإفادة أَزْيَد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتمَّ ما تكون بيانًا إذا لم تُبِن. وهذه جملةٌ قد تُنكرها حتى تَخْبُر، وتَدفعها حتى تَنظُر.» وكثيرًا ما يقع بسبب هذين العاملَين التأويل البعيد، أو تخطيء المتحدِّث أو الكاتب. ذلك أن مِن الناس مَن إذا لم تأته الجملةُ كاملة، بأفعالها وأسمائها وأحوالها وصفاتها، ارتبكَ عقله، فذهب إلى الخطأ في فهمه، أو إلى تخطئة غيره. فإنْ أَردفَ ذلك شغفٌ بالتنطُّع اللغوي، رأيت هنالك العجب العجاب!

لإيضاح المسألة نسوق مثالًا دارجًا، تتكرَّر كلَّ عامٍ تخطئةُ استعماله. هو تبادل الناس التهنئة بعبارة «كلُّ عامٍ وأنتم بخير!». إذ يهبُّ في وجهك بعض فقهاء اللغة قائلين: ما هذه الواو؟ يجب القول: «كلُّ عامٍ أنتم بخير!». ولو كانت العربيَّة في الصوغ والإفهام على هذا النحو السطحي العقيم، ما كانت ذات بلاغة، بل ما كان فيها شِعرٌ قط، ولا كنايات، ولا أمثال، ولا خطابة، ولا أساليب تعبيريَّة ملتبسة، تومض بالمعاني إيماضًا، وتتطلَّب التخريج ومراجعة الدلالات والقراءات. ومَن أَنِسَ بكلام العرب، وعرف أساليبها، وخَبِر تنوُّعها، لم يستشكل مثل تلك العبارة، ولا شكَّ في صحَّتها، كما لن يغفل عن مقدار الفساد الذي يلحقها بحذف واوها. ذلك أنها عبارة قائمة على إيجاز الحذف، محتملةً تقديرات، كلها صحيحة سليمة، ولها نظائر من كلام الفصحاء، وبلا حصر. من ذلك أن يكون التقدير، ببساطة: «[ليأتِ] كلُّ عامٍ [بخير] وأنتم بخير». ولو قلنا: «[ليأتِ] كلُّ عامٍ وأنتم بخير»- على أن كلمة «أنتم» معطوفة على «كلّ عام»- لصحَّ. أو يمكن أن يكون التقدير «ليعود عليكم كلُّ عامٍ وأنتم بخير»؛ فتكون الواو حاليَّة من فعلٍ محذوفٍ مفهومٍ من السياق.

وهكذا يتضح أن مَن يخطِّئ مثل هذا التعبير إنما ينتظر أن يتخلَّى له الناس عن لغتهم، فيسوقون الجُمل مرهَّلةً بالتفصيل والشرح، وإلَّا فإن صاحبنا لن يفهم، وسيحكِّم عجزه عن الاستيعاب، أو يسخِّر مبادئه اللغويَّة الأوَّليَّة الساذجة في تخطئة خلق الله، والتعالُم عليهم، والتظاهر بالغيرة على سلامة اللغة؛ فإذا هو ينظمُّ إلى حزب (قُلْ، ولا تقُلْ)، بباطلٍ أو بحق! وما كذلك لغة الضاد. وما خلا العربُ بعدُ- حتى في عاميَّتهم- من السليقة الأصيلة في التعبير، ولا من سُنن العربيَّة الأولى، التي لا تُحصَّل بعلم النحو المدرسي الجامد، أو علم اللغة الشكلاني البارد- اللذين يحفظ أربابهما شيئًا وتغيب عنهم أشياء- ولكنها تُحصَّل بمعاقرة النصوص من كلام العرب، وتُكتسب من أدبهم، وبالاستعمال اللغوي الفطري السليم.

هذا، وإن النحو قد يغدو مضلَّة اللغة السليمة، حتى لدى النحاة أنفسهم. فكم من نحويٍّ لا يُحسِن العربيَّة إذا استعملها! وكم منهم من تُوقِعه قواعده النظريَّة في الاضطراب التطبيقي واللبس الصياغي!(2) وأنت إذا قرأت قواعدهم في مسائل بدهية- أَلِفْتَها منذ الطفولة، ودرجتَ على التعبير السليم فيها بلا خطأ- أخذتَ تتردَّد، وتتلعثم، وتتلجلج، مستحضِرًا تشقيقاتهم التي طفِقت منذ القرن الثاني الهجري ويبدو أنها لن تنتهي إلى أن يُنفخ في الصُّور! ذلك أنهم أسرفوا في اصطناع ما لا حاجة إليه من التقعيدات المتناسلة. ولو أنهم اقتصروا على الضروري منها، وتركوا سائرها لاكتساب المتعلِّم تلقائيًّا من خلال النصوص، لكفى ذلك المتعلِّمَ مؤونة الوقت والجهد في ما لا جدوى منه، بل ما ضرره أظهر من نفعه أحيانًا. ويظل الداء المزمن في هذا الميدان تحوُّل النحو العربي إلى تنظيرٍ بلا تطبيق وقواعد رياضيَّة بلا تربية نصوصيَّة.

-2-

أمَّا الأدب، فيزيد على خصائص البلاغة اللغويَّة خاصيَّةَ التعدُّد الضروري في المعاني. وفي ذلك سِرٌّ من أسرار التعبير الفنِّي، ولاسيما في الشِّعر، يجهله غير الشُّعراء، أو حذَقة النقد. نضرب على هذا مثالًا: فلقد عيب قديمًا على الراجز (العَجَّاج) قوله: «وفاحِمًا ومَرْسِنًا مُسَرَّجًا»؛ لتعدُّد معنى «مُسَرَّجًا»: تُرى أهو من «السُّرَيْجِيّ»، المنسوب إلى رجلٍ اسمه سُرَيْج، كان يصنع السيوف، يريد: أنه مستوٍ كالسيف السُّرَيْجِيّ؟ أم بمعنى: «مُشرِق»، كالسِّراج؟ وقد ترى أن هذا هو الوجه المُرَجَّح؛ لأن البيت في سياق وصف جمال المرأة، حيث قال العَجَّاج:

ومُقلَةً وحاجِبًا مُزَجَّجا

وفاحِمًا ومَرسِنًا مُسَرَّجا(3)

فأراد تصوير التقابل اللونيّ بين شَعر المرأة الفاحم ووجهها المشرق، معبِّرًا عن الأخير بالمَرْسِن، وهو أرنبة الأنف. لكن المعنى الأوَّل واردٌ كذلك. إلَّا أن أصحابنا البلاغيين عابوا الرجل في الفصاحة للَّبس في معنى صفة «مُسَرَّج» هذه، وأرهقهم التأمُّل فيها طويلًا، وانشغلوا وأشغلوا، وحَشَوا مجلدات كتبهم بالسهر جرَّاء عجاج العَجَّاج والاختصام فيه.

هنا يصبح معنى «الفصاحة»: الوضوح المطلَق، وواحديَّة المعنى. وهنا تصبح «الفصاحة» بضِدِّ «البلاغة»! والحقُّ أن لا عيب في الكلمة فصاحةً، ثمَّ هي- شِعرًا- من طبيعة التعبير الشِّعريِّ تمامًا، بمعنيَيها المحتملَين كليهما. غير أن البلاغة العربيَّة ظلَّت نافرةً من التباس الكلام، فضلًا عن الغموض فيه. لأنها- ببساطة- تقيس الشِّعر بمقاييس الخطابة، ولغةَ التأثير بلغة التفكير! وتلكم النكبة البلاغيَّة التي واجهها (أبو تمَّام) وأضرابه وأحفاده مع هؤلاء.

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

.................................

(1)  (2004)، دلائل الإعجاز، باعتناء: محمود محمَّد شاكر (القاهرة: مكتبة الخانجي)، 146.

(2)  انظر، مثلًا، كيف تناقَضَ صاحب كتاب «النحو الوافي»، (مصر: دار المعارف، 1974)- ربما لخطأ طباعي- بين قوله، (1: 281): «وإنْ كانت [ياء المتكلِّم] منصوبة بالحرف (لعل) جاز الأمران [=حذف نون الوقاية أو إثباتها]، والأكثر حذف النون»، وقوله (1: 283): «فإنْ كان الحرف الناسخ هو (لعل) جاز الأمران، والأفصح الإثبات!». أي أن الأفصح أن نقول: «لعلَّني»! وهذا بنقيض الصواب، وإنما الصواب أن حذف نون الوقاية هو الأكثر الأفصح بعد (لعل): «لعلِّي». وهو أمر يعرفه كلُّ طفل حفظ بعض آيات القرآن أو تلقَّاها. غير أن «المتنحوي» قد يقع على هذه العبارة الخاطئة في كتاب النحو «الوافي» فيظنها صوابًا، ثمَّ يذهب إلى تطبيقها، والدعوة إليها، والإلزام بها، غافلًا عن النصوص والاستعمال الفعلي للغة، وهما بضِدِّها.

(3)  انظر: العجَّاج، (1971)، ديوانه، رواية الأصمعيّ وشرحه، تحقيق: عبدالحفيظ السطلي (دمشق: المطبعة التعاونيَّة)، 2: 33؛ الخطيب القزويني، (2003)، الإيضاح في علوم البلاغة، باعتناء: إبراهيم شمس الدِّين (بيروت: دار الكُتب العلميّة)، 14.

 

محمد المسعودييعد يوسف جوهر أحد المبدعين الكبار الذين أسهموا بدور فعال في تأصيل فني القصة القصيرة والرواية في أدبنا العربي الحديث إلى جانب أدباء كبار من جيله مثل نجيب محفوظ وعبد الحميد جودت السحار وعبد الحليم عبد الله وعلي أحمد باكثير.. وغيرهم. وإذا كان بعض هذه الأسماء قد نال الشهرة وحظي بالاهتمام، فإن يوسف جوهر لم ينل حظه الكافي من المتابعة والقراءة النقدية نظرا إلى عزوفه عن الأضواء وميله إلى الانزواء والتفرغ إلى العمل الأدبي والسينمائي. وقد تعددت انشغالات الرجل ما بين كتابة الرواية والقصة وكتابة سيناريو أغلب ما أنتجته السينما المصرية في أوج ازدهارها وعطائها خلال الأربعينات والخمسينات. غير أن ما يعنينا من كل ما أبدعه الرجل هو الوقوف عند مجموعة قصصية من مجاميعه الكثيرة، هي: "دموع في عيون ضاحكة"، وذلك من خلال تجلية كيفية اشتغال المفارقة في قصصها، وترصد بلاغة السخرية في بناء فنية القصة لدى يوسف جوهر. إذن كيف تشتغل المفارقة في قصص يوسف جوهر؟ وكيف تسهم في بناء متخيل نصوصه؟ وما أشكال بلاغة السخرية في هذه النصوص؟ وكيف تؤدي دورها في تشكيل متخيل النص؟

إن من يطلع على قصص "دموع في عيون ضاحكة" يلفت نظره اشتغال المفارقة في تشكيل النص وبناء متخيله منذ القصة الأولى التي حملت عنوان: "قوام رشيق"، وهي قصة أدت فيها المفارقة دورا هاما، وكانت مكونا جوهريا من مكونات البعد الفني والدلالي في النص. تحكي القصة عن رؤية السارد امرأة شابة في الثلاثين من عمرها، وهي أرملة وأم لطفل بلغ الحادية عشر عاما. عرف السارد المرأة من بعيد لأن صديقه ورفيقه في السكن الدكتور أحمد أحبها وكان يرغب في الارتباط بها، لكن "إيناس" رفضت الزواج من الطبيب الذي كان يسهر على علاج زوجها المصاب بسرطان المعدة. وها هي الصدفة تجمع السارد بالمرأة بعد عشر سنوات لترافقه في ديوان واحد وقاطرة واحدة من قاطرات القطار المتجه إلى المدينة. عرفها ولكنها لم تعرفه، واستعاد في ذاكرته حكاية صديقه الدكتور أحمد. ولما وصلا المدينة كان صديقه في انتظاره لدى باب المحطة فأسرع إليه حتى يبعده عن "إيناس" وحتى لا يراها فتنبعث من جديد آلام الماضي، غير أن المرأة والطفل مرا بهما فعلق السارد: "انظر.. إنه لقوام رشيق"، فردد الطبيب كلامه وهو ينظر إلى المرأة التي ابتعدت نظرة طويلة وكأنه يبحث عن شيء في ذاكرته. وفي البيت سيقول لصاحبه بعد وجوم وطول تفكير: "خاطر سخيف مر برأسي.. [لما قلت لي "إنه قوام رشيق"].. كأن ذلك الشبح القديم الذي دخل حياتي مرة عاد إلى الظهور. لكن كلا.. إنه وهم من الأوهام". (ص.21)

بهذه الكيفية تبدو المفارقة القائمة على صدفة اللقاء، وعلى توزع دواخل الطبيب بين استرجاع الذكرى وحسبان ما رآه أمامه شبحا ووهما من أوهامه. ولكن المفارقة لا تكمن في خاتمة هذه القصة الجميلة، وإنما تتمثل في الموقف الذي اتخذه كل من المرأة (إيناس) والرجل (الطبيب أحمد) من الحياة، فهي فضلت أن تظل أرملة وأن ترعى ابنها، بينما أصر هو على البقاء أعزب ولم يفكر في خوض تجربة حب أخرى. وكانت المفارقة الساخرة أن هواجس المرأة وخشيتها من أن يقال عنها إنها خسيسة ونذلة إذا ما تزوجت طبيب زوجها بعد موت هذا الأخير، انتصرت على حبها للطبيب. وأن الطبيب، بدوره، عد المشاعر التي يحملها للزوجة والتي نبعت في بيت الزوج أثناء تردده عليه لعلاجه، نوعا من الخيانة، فهو دخل البيت طبيبا وما ينبغي أن يخرج منه عاشقا. ولهذا تقبل رفض المرأة الزواج منه وظل وفيا لذكرى صارت تتمثل له شبحا وأوهاما. وبهذه الشاكلة كانت المفارقة ثاوية في صلب القصة تصنع مصير الشخصيتين، وتبني عوالم هذا النص العميقة الدلالة في انتصارها لقيم الوفاء، والخضوع للضمير المهني، والتغلب على أهواء النفس ومتطلباتها، والتشبث بالتضحية بمعانيها الواسعة. أما السخرية فقد انبثقت داخل النص كشرارات طفيفة، لكنها أسهمت في إضاءة جوانب من النص، وبلورت نظرة الراوي لما يجري حوله، ولعل أول تجليات السخرية تمثلت في تصوير ناظر محطة القطار في القرية، يقول السارد عنه:

"وفضل الناظر أن يقتل الوقت بالنعاس في كرسيه. وسرعان ما صدر من أنفه صوت بينه وبين صفير القطار قرابة قوية، حتى خيل لي أن القطار سيجيء ويمضي دون أن يفيق.. ولذلك دهشت لما رأيته يفتح عينيه فجأة، إذ اقتربت من مكتبه خطوات خفيفة لسيدة يصحبها طفل، تقدمت لتطلب تذكرتين. وأدركت أنه اكتسب من المران تلك القدرة الفائقة على التنبه والإغفاء حسب الظروف فإنه لم يلبث أن أقفل عينيه بعد تسليم التذكرتين، وسرعان ما تصاعد الصفير من أنفه، معلنا أنه بدأ من جديد رحلته إلى نعاس مستغرق، لا حلم فيه.. ورمقتني السيدة بنظرة باسمة، لتشاركني العجب من هذا التمساح النائم.." (ص.9)

بهذه السردية الدقيقة في ترصد أفعال ناظر المحطة، ووصف ما يدور حوله يتمكن السارد من تقديم صورة قصصية قوامها السخرية ومدارها روح الدعابة والفكاهة، ولعل ورود هذه اللمحة الساخرة كان تمهيدا لما سيأتي من تركيز على مفارقة السلوك الإنساني، وغوص في فهم الكائن البشري في توزعه بين رغباته وبين ما يمليه ضميره، أو ما يمليه المجتمع من قيم. وقد كانت بسمة المرأة إشعاعة مضيئة في ظلام ليل القرية وفي محيط المحطة، كما كان قوامها الرشيق بعثا لذكريات مشرقة حركت ركود حياة الطبيب أحمد. وبهذه الشاكلة كانت هذه اللقطة الساخرة -التي اتخذت من نوم ناظر المحطة بؤرة ارتكازها- ذات وظيفة دلالية وفنية هامة في سياق القصة، وأدت وظيفة بلاغية لا يستهان بها، لأنها هيأت المتلقي لتقبل ما سيسرده الراوي على مسامعه من مآسي تتعلق بالمرأة رفيقة القطار وزوجها الراحل وصديقه الطبيب. ولعلها كانت اللمحة الوحيدة التي وشت بنوع من الفرح وسط واقع مؤلم ومفارقة كئيبة، كما بينا أعلاه.

وتكثر مثل هذه الإلماعات السريعة، والبوارق المشعة التي تنقدح فجأة في مسار القصة وتؤدي دورا هاما في الكشف عن بؤر خفية ما لدى يوسف جوهر في مجموعته القصصية هذه، كما نجد في قصص: الوزير والراقصة، وأربعة ذئاب ..ونعجة!، وكله تمام !، وعاصم بك نائب محترم!.. وغيرها؛ إلا أننا سنقف عند قصة جميلة من قصص "دموع في عيون ضاحكة"، وهي قصة: "سيدة..فاضلة جدا!"، وهي قصة توحي منذ عنوانها بالمفارقة وتشي بتشكل متخيلها انطلاقا من تشغيل المفارقة وتوليد السخرية لتشكل العوالم القصصية. والحكاية، أيضا، تبدأ في قطار، وتنتهي بالنزول منه، تماما، كما رأينا في القصة الأولى التي وقفنا عندها: "قوام رشيق"، غير أن لقاء السارد، هذه المرة لم يكن بسيدة، وإنما بزهرة جافة محفوظة بعناية بين دفتي كتاب شعر منثور. وعبر محكي هذه الزهرة، المتصل بها، والمرتبط بسيدتها الأولى، وبصديقتها "ليديا"، نكتشف أسرار الواقع الاجتماعي بما يعج به من ملاهي في خضم مآسي، ومن مفارقات عجيبة، ووقائع ساخرة.

هكذا تضطلع الزهرة بمهمة الحكي، في سياق فانتاستيكي واقعي، عن ولادتها وترعرعها في قصر، وعن عاشقها البستاني الذي كان يحرص على قطف أخواتها وتسليمهن للوصيفات ويبقي عليها ويخشى أن تمتد إليها يد سيدة القصر. ومن خلال أحاديث الوصيفات والخادمات والبستاني عرفت الزهرة حقائق كثيرة عن سيدتها "سميرة هانم". وهي امرأة ذات وجه جميل كله طهر وبراءة، ولكن ما تسرده الزهرة عن المرأة يكشف مفارقة الظاهر والباطن، واختلاف ما تعلنه السيدة عما تفعله وتمارسه. وترجع بنا الزهرة إلى ماضي سميرة هانم التي كانت في ريعان صباها عاملة في محل حلوى تبيع الفطائر الساخنة مصحوبة بابتسامتها الشهية. هذه الابتسامة التي استمرأها سياسي كهل، فأكثر من أكل الحلوى، ومن ثم وقع في فخ صاحبة الحلوى والابتسامة. ومن هذه المحطة ابتدأت رحلة "سميرة هانم" في عالم أسر القلوب وحشد العشاق وتحقيق المآرب. تقول الزهرة مخاطبة سارد القصة والقارئ معا:

"وحذار أن تظن السوء بسيدتنا ذات الوجه الملائكي.. فإنها لم تبذل شيئا أكثر من ابتسامتها الشهية، التي سحرت أحدهم فوضع اسم الزوج العزيز، عندما كلف بتشكيل الوزارة، في رأس القائمة. وحرص أن يأخذ رأيه –ورأيها- في بقية الزملاء!..

 وهكذا أصبحت "سميرة هانم" قرينة صاحب معالي.. وسكنت قصرا.. ومن الحق أنها ملأت مركزها، وصار يضرب بها المثل في الحشمة والوقار(..) ولا أريدك أن تنسى سياسينا المحنك.. أن السكرتير –ذلك الجندي المجهول- الذي كان يكتب لسيده المقالات النارية صار يكتب الخطب الرنانة، وكانت الزوجة لا تجد من زوجها هذه الفصاحة في أحاديثه معها، فأدركت أن في الأمر سرا.. وكان السكرتير كتوما، ولكن "سميرة هانم" ما زالت تتربص به، حتى ضبطته يضع الشكل على حروف خطبة عنيفة.. ومنذ فطنت إلى أن السكرتير يملي على زوجها تصرفاته، ويحشو فمه بالكلام، انتقل إعجابها من الببغاء إلى الملقن.."(ص.57/58)

بهذه السردية الساخرة، وعبر تتبع مسار حياة سيدة القصر "سميرة هانم" وتنوع مغامراتها: ما بين الزوج السياسي وسكرتيره والرياضيين الأربعة وحلاقها "ميتشو"، وما حققته من مكاسب وما أدته من دور عبر جمعيتها الخيرية التي تؤكد من خلالها براءتها وحشمتها ووقارها، أو بالأحرى فضيلتها الموهومة، يكشف السارد عن مفارقة الصورة الظاهرة لشخصيته وحقيقتها الباطنة التي تتنافى مع الفضيلة التي كانت صفة مقترنة بالسيدة.

ومن خلال هذه السردية القائمة على التضاد يعمل السارد على تعرية عفن الواقع والسخرية من طبقة المتسلقين للمناصب والمراتب، وما يقدمونه من أوجه زائفة تخفي حقيقة أمراضهم النفسية والعقلية. ولم تكن "سميرة هانم" بدعا في هذه القصة، فإن هذا الزيف يشمل باقي الشخصيات المحيطة بها والدائرة من حولها: الزوج والسكرتير والأصدقاء وميتشو.. وغيرهم، بما يدل على أن العفن استشرى في الجميع وشمل مختلف الفئات الاجتماعية. وقد كان يوسف جوهر لماحا في إشاراته التصويرية ووقوفه عند مفارقة السلوكات الإنسانية الخفية وتعارضها مع الأفعال والأقوال المصرح بها عن سبق إصرار وترصد لتجميل الصورة وإيهام الناس بفضيلة لا وجود لها. وكأن الكاتب يضع اليد على داء ارتبط دائما وسيظل أبدا متصلا بمن يرتبط بعالم المال والسلطة والنفوذ، وبمن يصل إلى بعض المناصب أو الأوضاع الاجتماعية بدون كفاءة ولا استحقاق.

وبهذه الكيفية كانت المفارقة عنصرا أساسا في تشكل متخيل هذه القصة التي روتها زهرة كانت تتوق إلى العودة إلى صاحبتها: صاحبة كتاب الشعر المنثور "ليديا" الصبية الحالمة البريئة البعيدة عن عالم الكبار ومفارقاته وزيفه، وكان على السارد أن يبحث عن الفتاة ليحقق رغبة الزهرة.

ولا تبتعد نصوص قصصية أخرى في مجموعة "دموع في عيون ضاحكة" عن رصد تناقضات المجتمع واختلالاته، وتعارض الظاهر والباطن، وخاصة حينما يمعن الكاتب في تصوير الفئات المتنفذة سواء في القرى أو المدن، كما نلمس في قصص: الوزير والراقصة، وأربعة ذئاب.. ونعجة!، وعاصم بك.. نائب محترم!. ففي هذه القصص تؤدي المفارقة دورا تكوينيا لبناء عوالم النص المتخيلة، وكشف طبائع الشخصيات وتناقضاتها وحقيقتها الخفية المتعارضة مع ظاهرها المعلن. غير أننا بوقوفنا عند القصة السابقة "سيدة ..فاضلة جدا!" نكون قد ألممنا بجوانب من اشتغال المفارقة أثناء تناول تيمات امتلاك النفوذ والسلطة والمال، ومن ثم سنقف عند أفق تخييلي آخر، يرتبط هذه المرة، بأجواء أخرى للوقوف عند أوجه تشغيل المفارقة في "دموع في عيون ضاحكة"، ومن ثم اخترنا قصة "رحلة صيف" لتكون محور اشتغالنا في هذا الحيز.

تحكي هذه القصة عن حشمت أفندي الموظف البسيط الذي عاد من عمله مكدودا مرهقا، ليجد زوجته (فهيمة) تحدثه عن عزمها على إرسال ابنتيه (ناهد) و (نوال) في رحلة صيف تقضيانها بالإسكندرية رفقة أسرة جاره الموظف مثله، والذي فتح الله عليه وترقى وصار ميسور الحال؛ فقد كانت زوجته سعاد تلح على أن تأخذ البنتين معها إلى الإسكندرية وستكونان في ضيافتها. وقد سعت زوجة حشمت أفندي أن تبين له أهمية هذه الرحلة، فهي قد تعود عليه بالنفع، إذ ستسنح الفرصة لفتح موضوع ترقيته وطلب إنصافه، لأن أخ سعاد هو سكرتير الوزير، ولأن الوزير سيسهر عند سعاد ويرى البنتين ويعطف عليهما. كان حشمت أفندي مترددا، لكنه في الأخير رضخ مشترطا أن تسافر الأم معهما. وفي محطة القطار همس الموظف في أذن زوجته (فهيمة): "حافظي على البنتين وافتحي عينيك جيدا"، فردت عليه المرأة: "التعرف بسكرتير وزير فرصة لا تسنح كل يوم.. اطمئن.. قلبي يحدثني أنني سأعود بغير ناهد أو بغير نوال"(ص. 162)

فهل فعلا عادت (فهيمة) من غير إحدى ابنتيها؟ وهل تحققت أماني الأب (حشمت أفندي) في الترقية وتحسين وضع أسرته؟

لعل المفارقة تتولد، في هذه القصة الطريفة، من هذه العبارة التي نطقت بها (فهيمة) فشكلت بؤرة السخرية وعمق المفارقة، إذ إن مجريات الأحداث ستمضي في أفق غريب غير متوقع، لأن سكرتير الوزير (محسن) سيقع في حب أم البنتين الشابة الجميلة، وسيستولي عليها ويقنعها بالتخلي عن زوجها وابنتيها، لتعود (ناهد) و(نوال) من الرحلة بدون أمهما التي لم يعرفا لها طريقا. وحينما يلفظهما القطار العائد إلى القاهرة لن تجدا والدهما المكلوم في انتظارهما لأنه عجز عن تقبل الصدمة، وعند وصولهما إلى البيت وارتمائهما في حضنه سيسلم حشمت أفندي نفسه إلى رحلته الأخيرة. هكذا تتولد المفارقة بين رحلتين، ومصيرين لم يكونا متوقعين.

وبهذه الكيفية كانت المفارقة جوهر هذه القصة التي تثوي فيها المأساة في رحم الملهاة. وعلى هذه الشاكلة كان المتخيل القصصي في هذه القصة يقف عند غموض الأقدار وسخريتها، والتباس المشاعر والأهواء والآمال في النفس الإنسانية. وهكذا كان اشتغال المفارقة قائما على غير المتوقع وعلى أفعال وردود أفعال تخرج عن سياق المعقولية في الغالب.

انطلاقا من كل ما سبق، ومن خلال وقوفنا عند بعض النصوص التمثيلية لتجلية اشتغال المفارقة في مجموعة "دموع في عيون ضاحكة"، نؤكد أن كل قصصها اشتغلت ارتكازا على هذه الخاصية الفنية، وأن بعضها نحت مناحي السخرية، بينما جلت قصص أخرى أوجه المأساة المضمرة في كنه المأساة، وهي بذلك عملت على كشف اختلالات المجتمع وتناقضاته، كما عملت على تشريح طبائع الإنسان ودواخله.

وقد كتب يوسف جوهر قصصه باحترافية فنية عالية، وصياغة سردية فاتنة، ولهذا كان اسما لا ينسى في السردية العربية الحديثة. ومن هنا كانت هذه القراءة تذكيرا بمبدع قاص وروائي يحتاج إلى إعادة قراءته وتمثل فنية إبداعه الراقي في جمالياته وأبعاده الإنسانية الرفيعة، وليكون نبراسا تهتدي به الأقلام الجديدة التي تجهله.   

 

د. محمد المسعودي

..........................

هامش:

تتم الإحالة على النصوص المستشهد بها من كتاب يوسف جوهر، دموع في عيون ضاحكة، سلسلة اقرأ، عدد 350، القاهرة، فبراير 1972، داخل متن القراءة. وللإشارة، فإن قصص هذه المجموعة كتبت بين سنتي 1940 و1965 كما يثبت الكاتب داخل المجوعة، وهي، ولا شك، أخذت منه جهدا ووقتا كبيرا للكتابة والصياغة مما ينبئ عن مدى عناية الرجل بفن القصة واهتمامه بها.

 

   

يمنح توظيف الصمت في قصيدة ما بعد الحداثة هويتها، انطلاقا من مقصدية تحقيق التوصيل الميتالساني، الذي يحيل ما هو صوتي إلى كيان مرئي، وبذلك تقلع الأذن عن أداء وظيفتها كقناة توصيل جزئية ويستعاض عنها بكليانية توصيلية ممثلة بالجسد الذي سيكون بمجموع أعضائه القناة البديلة التي توصل ما لا يوصل بالحواس الخمس أو باثنتين منها والسبب أن الاصوات والصور ما عادت قادرة على أداء ما تبغي الذات الشاعرة توصيله للمتلقي..

وفي مقدمة ما تبغيه هذه الذات الافتتان الذي تهيم فيه النفس، بلا ارتدادت تحكم شغفها ولا ذبذبات تحدد ولهها. إنها الآن بحاجة إلى ما هو أوسع من أن تضمه الترددات واكبر من ان تحتويه الذبابات.

وليس الصمت في القصيدة ما بعد الحداثية خرسا لسانيا، بل هو استعاضة ما بعد لسانية انه كتمان سماعي حصيلته افتتان بما هو متجسد وعياني وتوله بما هو حسي، وتعبيرا دامغا عن ازدراء الواقع وانعكاسا عمليا للفهم الغائر في الوجود وهو ما تطمح قصيدة ما بعد الحداثة إلى تمثيله وتوجيه الأنظار إليه.

والمراهنة على المصموت هو نوع من التعبير عن انتفاء حاجة الذات إلى الصوت، واضعة ثقتها بالمرئيات واللامرئيات معا متجاوزة السماع الذي أثبت عجزه عن الانتفاض والرفض.. وأنه مهما طغت الاصوات فإنها لن تحيل الوجود إلا ضوضاء صاخبة ، تشتت العقول وتصدع القلوب فتغيب الحقيقة ويتبعثر الفكر ويتلاشى المضمون.

وفي خضم الصخب والهرج تفقد الاصوات قدرتها على أداء دورها في التأمل ويخيب مسعاها في أن تسمو بالنفوس أو تصمد أمام الزيف والانهيار والحضيض.

وإذا كان الصوت في القصيدة الحداثية يتجاور مع الصمت في ثنائية يكافئ أحدهما الآخر، فإن في قصيدة ما بعد الحداثة سينتفي الازدواج الثنائي وتتم مصادرة التلاحم لصالح احادية الصمت التي تتجاوز التضاد رافضة الازدواج.

إن الصمت في شعر ما بعد الحداثة، عالم لوحده يفرض رهبته على الماديات مسموعات ومرئيات وملموسات ومشمومات فلا يعود لصخبه المشوش قدرته على جعل الانسان مغيبا فيه متلاشيا في العجيج ومتشائما من الضجيج محتدما في الغلو.

وليس أمام الشاعر إلا أن يختزل الكلام بالصمت ويختصر الهوس بالخرس ويحول الأنين إلى إنصات ويكبت النطق كي تنطلق الأضواء في عالم لم يعد يملؤه؛ إلا الهمس على وجل والتأمل على خفر بلا نهر ولا إيماء وتصير الصور منطوقات بالعين لا باللسان.

وبهذا تفرض القصيدة حضورها الطاغي الذي به يتهادى العالم من مادية فانية إلى سرمدية دائمة فيرى الوجود عالما من الملكوت وهكذا يضمحل الاستغلال والاضطهاد الذي كان قد عم العالم الأرضي بالسواد ليتحول إلى صفاء وسلام في ظل عالم علوي مزده بالبياض.

وعلى الرغم من قدرة الصوت على التجسيم والتشخيص؛ فإن الصمت في شعر ما بعد الحداثة لن يكون هو التجرد والجمود، بل سيغدو بمثابة القبس الذي يقدح شرارة التطلع والاستبصار فلا يختبئ الشاعر خلف استعارية الكلمات وكنائيتها، انه الآن يتمظهر ولا يتوارى يقدم القصيدة وهو أمامها ولا يتوانى من أن يصارح ويكاشف غير آبه أن تكون ذاته هي موضوع القصيدة وأساسها وكيانها ..

وهذا هو التحول الذي تعمدت قصيدة ما بعد الحداثة صنعه وهكذا يغدو مسعى القصيدة أنها تريد الشاعر هو القصيدة والقصيدة هي الشاعر ككيانين يبزغان كي يقلبا العقل ويقوضا شكه ويدفعانه إلى اللاعقل.

وما ذلك إلا لان حضور المبدع لا يضاد غائية القصيدة، كما أن غيابه لا يعني نجاح القصيدة كون الإبداع هو البغية والمنال الذي ينطلق من رحم المبدع ومثلما أن الشعر ليس هو الرحم الذي يصنع القصيدة فكذلك الشاعر ليس وليد القصيدة، بل القصيدة هي الوليد.

وهذا ما لا يبرهن عليه إلا بالصمت كما لا يمكن إثباته إلا بالتأمل وبهذا تنتفي الحاجة إلى الكلام، ولا يعود للصوت أية أهمية.

وهذا لا يعني عودة الهيمنة المركزية للشاعر على القصيدة بالمفهوم السياقي ولا هي لا مركزية المبدع بالمفهوم البنيوي المحايث؛ بل هما معا اعني مركزية المبدع والقصيدة من خلال اتحادهما ببناء ابستمولوجي ميتا شعري.

وليس الصمت وحده هو القادر على إثبات هذه الفرضية التصورية للوظيفة الميتاشعرية إنما هو أهم التوظيفات وأكثرها مواءمة وبما يحقق مقاصد شتى.

وتتوقف ملاءمة الشكل الشعري لهذا النمط من التوظيف على قدرة الشاعر وإمكانياته الفنية والتقنية في توجيه الشكل الشعري باتجاه ما بعد حداثي كاستعمال القصيدة الإسمنتية أو الشعر الكونكريتي والشعر التجسيدي الصوري ناهيك عن قصيدة النثر والقصيدة الحرة وقصيدة التابلو.

 وهذا الشكل الأخير هو الأسلوب البنائي الذي اعتمده الشاعر الانكليزي المعاصر اندي كروفت الذي جعل القصيدة في شكل تابلو يتمحور كلوحة تعج بالصور السمعية، ذات الهول والوقع والقوة لتتحول من الجلب والهياج إلى الهمس الذي يطغى عليه الخفر والخفوت متحدية الإيقاع بنبراته وتوزيعاته واتساقاته الذي سيغدو عبارة عن جرس خفوت يشيع السكون لا الحركة.

وهذا ما نلمسه في قصيدته (خرافة تليماونيتك) التي يتفنن فيها الشاعر اندي كروفت على المستوى الموضوعي، مراهنا على الصمت جاعلا المستوى الفني منصاعا لهذه المراهنة، عبر القصيدة التابلو التي التزمت التوزيع الصوتي المتزن في ثمانية مقاطع وفي كل مقطع أربعة اسطر ينتظمها وزن واحد وتفعيلات متساوية.

وما كان للشاعر أن يوجه القصيدة وجهة ما بعد حداثية إلا بقصدية واقعية جعلت الصور ملأى بالأصوات المهولة والعنيفة بصخبها وضجيجها كانعكاس منطقي لحياة ما عاد فيها الانسان قادرا على تلقي عنف تردداتها الا بان يكتم ملفوظاتها ويحولها الى صوامت لعلها في سكونها ولا سماعيتها قادرة على أن تكون محسوسة لا بالقنوات الفيزيقية الخمس بل مدركة بالحدس الذي سيسعفها في ادراك الوجود وما وراءه وهذا الحدس هو الذي سيشتت الصوت ليتجاوز العالم المادي متلاشيا في فضاء سرمدي.

وهذا الاشتغال هو بمثابة لعب معرفي لا لغوي أو كلامي فيه الصمت حاجة تقتضيها التأملات العميقة في بواطن الموجودات وبما يجعل من الصوت الفيزيقي صورة ميتافيزيقية.

وهذا يعني ان الشاعر ما ولج عالم السماع إلا لأجل ان يكتشف العالم اللاسمعي بحثا عن صمت يتيح له التأمل كلعبة اليغورية تجعله يمارس رياضة روحية وكأنها يوغا شعرية تسبح فيها الذات في عوالم لا نهائية وتتلاشى فيها الحواس ليستيقظ الحدس فينبري العقل مشاكسا ومتمردا لعله يقتنص الحقيقة ويظفر بها فهي بغيته أولا وأخيرا.

ان الصمت عند اندي كروفت هو عماد القصيدة وهو القالب الذي تصهر فيه الأحاسيس في بوتقة ميتا حسية، فتغدو الموجودات جميعها وكأنها صيرورة سحرية، تكشف عما وراءها في سعي معرفي وتأمل كهنوتي من طراز خاص يتحول فيه الشعر من اطراد موسيقي إلى عبث ميتا موسيقي.

وهذا ما أتاحه شكل القصيدة التابلو الذي استطاع أن يخترق الموجودات مغادرا الحواس الفيزيقية إلى عوالم الصمت الشجية الساحرة ليصنع منها ملاذا كتابيا يودع فيه صوره الغارقة في ضجيجها لتستكين هادئة وتهمد متصالحة

وإذ تعجز الصور الصوتية عن أداء وظيفتها السمعية تتمازج الأضواء في حزمة واحدة فتوقظ الموتى وتحيل وحشة الظلام نورا فيتحول الخوف إلى انتشاء والوجع إلى استمتاع واقباس ضياء منبعثة من الصمت المنعكس من الصخب والضوضاء لينبعث في الروح سموا ويجعلها تحلق في عوالم لا نهائية من الرؤى الجنائنية في صورة إحياء وقد خرجوا من موتهم..

وهنا لا يعود الصراخ صخبا ولا الرصاص احتداما ولا الفزع صراخا وانتحابا ولا الأغاني نشوة أو انتصارا، فلقد تحول الصراخ والرصاص والفزع من صور سمعية بقوالب هامدة ساكنة إلى رؤى تتبصر بهوادة متأملة بتمعن وتمحيص ولا ينفك الإيقاع الوزني من أن تعاضدها بانسيابية تجعل التابلو عبارة عن قطعة مناجاة وغناء قداسي وتتحول القصيدة من مجرد أصوات مسموعة إلى منظورات صورية فتتلاشى الاصوات ليبزغ الضوء منسابا بومضات وانبثاثات بديلة عن فعل الترددات ومستغنية عن صنيعها.

ويتحول التأوه ووقع أقدام الجيش ووساوس الشيطان المريعة إلى زخم وسكينة نفس وصفاء بال، وما من سبيل إلى ذلك كله إلا بالصمت الذي يظل الشاعر اندي كروفت متمسكا به كعمود فقري يشيد عليه نصوصه الثمانية، ليصنع تابلوا بصريا على أنقاض صوتية متسقة لكنها هادرة فتنبلج صورا صماء لكنها متاحة الولوج للحواس كلها

ولا عجب ان التوزيع الصوتي المتزن للكلمات سيوظف أيضا في خارطة التابلو ويسهم في صنع متخيل صوري لا سماعي فنقيق الضفادع وصوت الذبح وقرع الطبول هي مسموعات تولِّد الصمت الذي هو رؤيا العالم وهذا ما تعززه القافية والفعلية (سمعنا/ سمعوا/ استمعنا) فالصمت أداة شعرية تسهم في توصيل المعنى على المستوى الموضوعي وبما يتيح للشكل أن يقدم رؤيا العالم واذا عددنا القصيدة الحداثية فقدت يقينها بالوجود، فان القصيدة ما بعد الحداثية استعادت هذه اليقين متسامية إلى العدم ممدة بصرها إلى الأمام رافضة الرضوخ للوجود الذي ليس هو الملاذ.

أنها رؤية العالم التي تتعالى على عالم المكان منزاحة إلى اللامكان، ومن الوجود إلى خارجه انه الانتشاء الروحي اللامكاني هربا من الضياع المادي:

وكما استمعنا إلى الطبول القاتل

من وحشية، يتمرد محمومة،

كنا نعلم أنه كان الجيش الهندي قادمة.

وإلا فإن من الشيطان.

وبهذه الألاعيب الفنية على مستوى الصمت والنزعة الواقعية الموضوعية تدخل القصيدة في خانة الشعر ما بعد الحداثي الذي أهم سماته وملامحه مفارقة اللعب الفني لشعر الحداثة عبر الاستعاضة عنه بلعب آخر ليس فيه لصراع الأضداد حضور ولا لجدل الثنائيات مخاتلة تهادن بها القصيدة الآخر أو تراوغه..

والسبب أن الذات لا تصارع إلا أناها وهي تنزوي فيه عن قنوع ورضوخ إحساسا منها أن الصمت ليس هو التضاد مع الصوت؛ بل هو منفذها الوحيد للهرب من الزيف إلى الحقيقة التي بها تكتم لجاجة الاصوات وتحيل المنطوقات إلى مخروسات.

وما أن يؤدي الصمت وظيفته التوصيلية حتى يزال الصخب بالرحمة وعنف الضوضاء بالرضا غير مكترث للآخر الذي افتقدت روحه هذا الإحساس فظل سادرا في غيه وما ملاذه إلا الحروب والدمار، ولقد جعلت سوداوية الواقع ومراراته، الصمتَ عند اندي كروفت صمتا محسوبا مموسقا انه صمت وجودي مقموع يعبر عن الحيرة متأملا في متاهة ليس فيها إلا الحزن والعنف والتعسف ولا مناص فيها للذات إلا أن تحلق لائذة في الصمت هربا من المكابدات ومواساة للوعات.

 

د. نادية هناوي

 

 

كريم مرزة الاسديحفّزنّي حافزٌ أن أطرق هذا الموضوع، ولله في خلقه شؤون!

لا يتخيل القارئ الكريم أن شعر التفعيلة سهل المراس، ينظم فيه من يشاء كما يشاء!! دون ضوابط، ولا هم يحزنون، مجرد تسطير كلام، أو تفعيلات عشوائية مرتبة ، ومشّي الحال ...!!

كلّا - يا حبيبي!!- ما هكذا تورد يا سعد الأبل !!

ربّما ضوابط شعر التفعيلة - وأنا أتكلم عن أوزانه- أصعب من الشعر العمودي؛ وإن أتعب الشعر العمودي العربي القدماء والمحدثين والمعاصرين.

شعر التفعيلة يأتي على ثمانية بحور على العموم ، وهي:

أ - البحور الصافية، وعددها ستة:

وهي البحور التي لها تفعيلة واحدة متكررة - :

1- البحر الكامل : متفاعلن / متفاعلن / متفاعلن

2 - البحر المتقارب : فعولن / فعولن / فعولن / فعولن

3 - البحر الهزج : مفاعيلن / مفاعيلن / مفاعيلن

4 - البحر الرمل : فاعلاتن / فاعلاتن / فاعلاتن

5 - البحر الرجز: مستفعلن / مستفعلن / مستفعلن

6 - البحر المتدارك : فاعلن / فاعلن / فاعلن /فاعلن

من حق شاعر التفعيلة أن يختار قصيدته من تفعيلة لأحد هذه البحور، ( أو إحدى جوازاتها ، كما أقرّها علماء العروض)، ويستعملها مرّة واحدة في الشطر، أو يكررها في الشطر الواحد حتى اثنتي عشر تفعيلة، ومن حقّه أن يدوّرها؛ أي يجعل جزءًا من التفعيلة في  شطر، ويكمل بقيتها في الشطر التالي.

وأحيانًا ينتقل الشاعر من تفعيلة بحرٍ إلى تفعيلة بحر آخر قريب له في النغم. كتفعيلتي المتدارك ( فاعلن)، والمتقارب (فعولن)، وهما من  الدائرة الخامسة (دائرة المُتَّفِق).

ب - البحران : السريع والوافر:

وهما من البحور المركبة -أي تلك البحور التي تتركب من تفعيلتين مختلفتين

7 - البحر الوافر : مفاعلتن / مفاعلتن / فعولن

من حق شاعر التفعيلة أن يكرر ( مفاعلتن)، أو إحدى جوازاتها، وينهي الشطر بـ ( فعولن).

مفاعلتن مفاعلتن فعولن

مفاعلتن فعولن

مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن فعولن

مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن فعولن

مفاعلتن فعولن

8 - البحر السريع : مستفعلن / مستفعلن / فاعلن

ومن حق الشاعر هنا أن يكرر (مستفعلن) ، وينهي الشطر بـ (فاعلن)

مستفعلن مستفعلن مستفعلن فاعلن

مستفعلن فاعلن

مستفعلن فاعلن

مستفعلن مستفعلن فاعلن

ج - استخدم الشاعر الخالد السياب- وغيره- بحور الطويل والبسيط والخفيف، وحتى المديد يصلح،  في شعر التفعيلة؛ ولكن لا يجوز في هذه البحور الأربعة  تكرار تفعيلة واحدة منفردة مباشرة؛ وإلا سيخرج الشاعر من بحرٍ إلى آخر؛ فتسقط القصيدة في المحرمات:

- البحر الطويل : فعولن / مفاعيلن / فعولن / مفاعيلن

فعولن / مفاعيلن

فعولن / مفاعيلن

فعولن / مفاعيلن فعولن / مفاعيلن فعولن / مفاعيلن

فعولن / مفاعيلن فعولن / مفاعيلن

فعولن / مفاعيلن

لا يجوز تكرارفعولن أو مفاعيلن؛ وإلا سيخرج الشاعر إلى بحر آخر، فيسقط الشعر، وكذلك في البحور الآتية، يستطيع شاعر التفعيلة  أن يستخدم التفعيلتين الأوليتين، أو يكررهما عدّة مرات في الشطر الواحد، أو إحدى جوازاتهما:

- البحر المديد : فاعلاتن / فاعلن / فاعلاتن / فاعلن

- البحر البسيط : مستفعلن / فاعلن / مستفعلن / فاعلن

- البحر الخفيف : فاعلاتن / متفعلن / فاعلاتن

نكرر قولنا في هذه البحور للفقرة (ج)، لا يجوز تكرار تفعيلة واحدة مباشرة، أي لا يجوز في  استعمال البحر الطويل أنْ ننظم هكذا :

فعولن فعولن  / مفاعيلن

فعولن / مفاعيلن مفاعيلن

فعولن / مفاعيلن / فعولن  فعولن / مفاعيلن

نكرر هذا لا يجوز؛  لأن الشاعر ينتقل من بحر إلى آخر، فمثلًا: فعولن فعولن تخرجنا من البحر الطويل إلى البحر المتقارب؛ وإذا  تكررت : مفاعيلن مفاعيلن، نخرج من البحر الطويل إلى البحر الهزج!!

مجرد خاطرة  سريعة وردت على ذهني، والله الموفق لكل خير.

ترقبوا الحلقة الثانية بعد أشبوع: ( أمثلة لتقطيع شعر تفعيلة من كل تفعيلات الشعر العربيالمستعملة).

 

كريم مرزة الأسدي

 

احمد عواد الخزاعيعرف جيرالد برنس الحدث الروائي بأنه (مجموعة من الوقائع المتصلة والمتسلسلة، تقسم بالدلالة وتتلاحق من خلال بداية وعقدة وحل).. هذا التعريف لا يخرج عن حيز الثوابت الأرسطية لأي نص سردي يتبع منحى كلاسيكيا في صناعة الأنساق الحكائية، التي تتخذ شكلا هرميا متناميا، مع توفر السببية المنطقية لنشوء الحدث، بما يتلائم مع البيئة العامة الحاضنة لذلك النص .. في رواية (نافذة العنكبوت) للروائي شاكر نوري والصادرة سنة 2000 عن دار الفارس، نلاحظ وجود تعالق مشيمي بين سببية الحدث المركزي والوقائع التأويلية المترتبة عليه، التي أخذت منحى تصاعدي في تفاعلها مع هذا الحدث، تحولت هذه السببية إلى مبرر لسلوك البطل السارد، والبطل المحوري عبد الرحمن، الذي تميزت شخصية الأخير بكونها مرجعية (مؤدلجة) حسب تصنيف فيليب هاملتون، أي إنها أخذت معناَ واحداَ ثابتاَ فرضتها ثقافة ما.

كانت السببية التي تعكز عليها النص هي (الحرب) وتجلياتها  وانزياحاتها النفسية والاجتماعية، لذا تعد نافذة العنكبوت جزءا من أدب الحرب، الذي عده النقاد أولى الفنون الأدبية التي عرفها الإنسان، كما في الرسوم الموجودة على جدران الكهوف التي تمثل مهد الإنسان الأول، والتي كانت تشير إلى هذا المعنى، فأدب الحرب اخذ حيزا كبيرا في العقل الجمعي الإنساني منذ مهد البشرية، فهو عملية جلد للذات تمارسها الشعوب كي لا تتكرر مأساة الحروب .. تناولت الرواية الحرب من جانبها الآخر الغير مباشر والغير مرئي للعيان، ووقعها النفسي والاعتباري على الفرد والمجتمع، حتى في أكثر الأمور خصوصية، فشكل العجز الجنسي هاجسا حرك مفاصل النص وتحول إلى قطب رحى دارت عليه وحوله الإحداث، هذا العجز الذي سببته الحرب لعبد الرحمن، وشح النص بسوداوية قاتمة غاب عنها الأمل، بعد أن عجز عن فض بكارة عروسه شيرين، ليدور النص في هذا الفلك دون تشظي أو محاولة تضمين قصصية تخرجه عن مساره الوئيد والحزين، لتأخذ الرواية منحا جنسياَ في التعبير عن أصل المشكلة، وتحدث عملية  تلاقح متناغمة بين الحرب والجنس، والذي أضفى الأخير على النص بعداَ غرائزياَ بعد أن احتل مساحة كبيرة منه ، لكن شاكر نوري وفق في إدارة النص بطريقة مكنته الخوض في الجنس والتحدث عنه بطريقة فلسفية تأويلية، أشعرتنا بحضوره وفعاليته، دون الحديث فيه بطريق مباشرة وتفصيلية.

عبد الرحمن الشاب النحيل الجسد والأخ الأصغر للبطل السارد، حُرم من ذكورته بشظية أصيب بها في إحدى الحروب التي خاضها العراق، ليشكل هذا العوق سر من أسراره الدفينة والذي فضحه زواجه من شيرين، التي مثلت رمزية غاية في التعقيد، استخدمها الروائي لجعلها إيقونة لجميع المتناقضات والإرهاصات التي تنتجها الحروب، ليحل بيته البسيط الكائن في إحدى قرى العراق مسرحا بديلا عن ساحة الحرب، وتدور الأحداث فيه وفق نسق حكائي متدرج (الأمل، الشك، الترقب، اليأس، الانتحار والموت)..هذه التراتبية خضعت لمتوالية اجتماعية بسيطة بإطارها العام، لكنها معقدة ومتشابكة في وسائل التعبير عنها والتعاطي معها، فبعد أن شكت الأم في عجز ولدها عبد الرحمن، أخذت تراقبه هو وعروسه من ثقب في جدار غرفتها، ليقوم البطل السارد والأخ الأكبر بنفس الفعل لكن مع اختلاف الغايات والنوايا بين الاثنين، في عملية تناص مع رواية (الجحيم) للروائي الفرنسي هنري باربوس الصادرة سنة 1918 كون بواعث الفعل هذا كان يقف ورائها الجنس.

يستمر النص بهذا التداعي الحر لمجمل الإحداث وحركة الشخوص فيه، حتى ينتهي بطريقة دراماتيكية، حين يقوم عبد الرحمن بقتل شيرين والانتحار، أو هذا ما يمكن فهمه، كون النص تميز برمزيته العالية التي وصلت إلى السريالية في بعض محطاته، وكان يحتاج إلى هريمونطيقية (تأويلية) لفك شفره، على الرغم من إن شاكر نوري حاول لملمة نصه في الثلث الأخير منه، عن طريق وصية عبد الرحمن التي أنزلت النص إلى ارض الواقع، وأفشت بعض أسراره.

أهم مرتكزات الرواية:

1- العنوان: يعد العنوان العتبة الأولى للنص، والنافذة الاستشرافية لمعرفة بعض شيء عن قصديته، وقد يتحول في بعض الأحيان إلى نص موازي للمتن الرئيسي، وقد أشار الروائي إلى قصدية العنوان (نافذة العنكبوت) في نهاية الرواية كمحصلة نهائية لما آلت إليه الأحداث، وجاء ذلك على لسان البطل السارد (لقد أصبحت انظر إلى العالم عبر نافذة العنكبوت، لأن المنافذ كلها على ما يبدو قد انغلقت أمامي بإحكام في تلك البقعة النائية، مدينتي).

تميزت الرواية  باحتوائه على عناوين ثانوية داخلية لفصولها أخذت اتجاهين تعريفيين:

الأول: يشير إلى سير الأحداث بنسقيها الأفقي والعمودي، وهو تسلسل زمني لم يتجاوز التسعة أشهر مدة حمل شيرين في الطفل الخطيئة.

الثاني: يشير إلى طبيعة الأحداث التي ستجري داخل هذا الفصل، ومثل عتبة استهلالية تأويلية.

2- السارد: صنف الناقد سعيد يقطين السارد بحسب موقعه من النص، فيما إذا كان غير مشترك فيه (سارد خارجي) وهو سارد عليم يعرف كل شيء عن سير الأحداث، وما كان وما سيكون، والذي غالبا ما يكون الروائي نفسه.. وآخر مشترك في النص (سارد داخلي) وهو سارد ضمني، يعرف عن الأحداث بقدر علم القارئ بها، أو بحسب موقعه من النص وتأثيره فيه .. في رواية (نافذة العنكبوت) نجد إن الروائي قد لجأ إلى أسلوب مغاير لهاذين التوصيفين، وذلك باستعانته بسارد داخلي هو الأخ الأكبر لعبد الرحمن، حيث شكل جزءا مهما من النص وسير الأحداث، لكنه في نفس الوقت كان يلعب دور السارد العليم في روايته للأحداث وتداعياتها، فكان يعرف كل شيء عما يدور من أحداث وهواجس وأفكار الأبطال، وماذا يفعلون في خلواتهم، فكان الأخ السارد يمثل (الأنا الشاهد) على الأحداث و(الأنا المشارك) فيها، وهذا الأسلوب يمثل حضورا متواريا للروائي داخل نصه.

3- الواقعية السحرية: طغت على الرواية واقعية سحرية أضفت عليها طابعا تشويقياَ، كونها خرجت عن المألوف في التعاطي مع أصل المشكلة .. فقد وظف الروائي مدرستين مهمتين في الواقعية السحرية هما: المدرسة اللاتينية والمدرسة الألمانية .. فقد استخدم المدرسة اللاتينية في تصوير الأحداث ورسم المشاهد، وتأثيث مكان الحدث السردي، وهذه المدرسة منبثقة من الواقع الاجتماعي ومعبرة عنه بعفوية، كونها جزء من بنائه التكويني، وصورة أخرى له تشكلت تحت وطأة التراث (الدين والعادات والأعراف الاجتماعية) كما في مشاهد غرفة العناكب، ومشهد محاولة الأم معرفة سبب عجز عبد الرحمن والبحث في شجرة العائلة عن قرين له أورثه هذا العجز الجنسي، وذكر الغجر بكل دلالاتهم الميثولوجية والغرائزية.. وأما المدرسة الألمانية والتي تنزع إلى الرؤى الفلسفية في تفسيرها للواقع وتفاعلها معه، فنجدها حاضرة وبقوة في اللغة وطريقة التعبير عن الواقع المعاش.

4- اللغة: شكلت اللغة عنصرا مهما في إدارة النص الروائي والتعبير عنه، فكانت لغة فلسفية في معظم محطاتها تلجأ إلى إثارة التساؤلات الجدلية، لكنها كانت مرنة سلسة في مفرداتها، مع ندرة الحوارات والتي ارتقت إلى مستويات نخبوية متقدمة واعية، لم تراعي المستوى الثقافي والمعرفي لبعض المتكلمين، كما في هذا النص الذي يمثل حديث للأم مع ابنها السارد: (شيرين حبلى برياح الخريف !).

5- المكان: كان عنصر المكان معادياَ في اغلب مشاهد الرواية، فقد خيم عليه الظلمة والرائحة العفنة والسكون، وكان مصدر للخوف والترقب، وشكل هاجسيا ماديا وحسيا فعالا في حركة الأبطال، وتأثيره في سير الأحداث، على الرغم من محدوديته كونه لم يتجاوز حدود منزل العائلة الصغير، لكن الروائي عمد على إعطاء خصوصية لكل جزء منه وفق دلالته القصدية:

(غرفة الأم) كانت ملاذا لها، باعثا على الأمل المفقود في شفاء عبد الرحمن من عجزه الجنسي، فهي محطة للصلاة والدعاء ومراقبة سير الأحداث من خلال ثقب الجدار، (غرفة الأخ السارد) كانت محطة استراحة فكرية للملمة شتات أفكاره وتصوراته وتحليله للأحداث ونتائجها، (غرفة عبد الرحمن) مثلت حلما جميلا لم يكتمل، (غرفة العناكب) التي لجأت إليها العروس شيرين بسبب عجز زوجها عبد الرحمن، هي على الأغلب كانت مكاناَ افتراضيا حسيا وليس ماديا، في مقاربة مع (الواقع البديل) لقصص محمد خضير .

6- الزمن: كان زمن السرد مقيداً بفترة حَمل شيرين، وكان موازياً لسير الأحداث، أي إن السارد الضمني الذي انتحل دور السارد العليم، كان يسرد الوقائع لحظة حدوثها، في عملية تزامن آني مع البناء الهرمي للنص، لذا تعد نافذة العنكبوت رواية (متزامنة) حسب تصنيف جيرار جينت، وذلك لتطابق زمن الأحداث مع زمن كتابتها، كما في هذه النص (خُيل لأمي رعاها الله ....)..وهناك إشارة أخرى تبين إن ما يحدث هو قراءة لنص كتبه الأخ السارد، كما جاء في وصية عبد الرحمن (ليست مهمتي أن أفند آراءه أو أن أعطي حكما قاطعا على ما كتبه عني في نمط الرواية التي اجهل أصولها....).

7- الرمزية: لجا الروائي إلى الرمزية كتقنية للتعبير عن الواقع المعقد والمأزوم في ظروف الحرب، وذلك لقدرتها على تصوير الواقع المعاش بطريقة أكثر نضجاَ وشمولا .. فقد مثلت شيرين رمزية عالية لمتناقضين : الأول الحرب بكل تجلياتها وماسيها وتأثيراتها على الفرد والمجتمع، لذا كان عجز عبد الرحمن اتجاهها ماهو إلا موقفه من هذه الحرب، وعدم قدرته على التعايش والتعاطي معها، والطفل الخطيئة الذي أشار البطل السارد على انه من صلبه، وأشار عبد الرحمن في وصيته على انه نتيجة لعلاقة غير شرعية، بين شيرين ومقاتل فُقد في جبهات القتال، مثل هذا الطفل رمزية لكل إفرازات الحروب ونتائجها السلبية، والقرين السيئ الذي رافق العراقيين بعد انتهاء تلك الحروب،  (وهكذا تهيأت شيرين وتأهبت لقذف الجنين من عرشه الأمومي إلى حضيض ارضي، افقه حروب لا أهداف لها سوى إغراق بيادق البشر الهائمين في عجز جنسي لا حدود له).. وفي جانب آخر مثلت شيرين رمز للمرأة العراقية التي عانت من ويلات الحروب ونتائجها، وأما غرفة العناكب فقد مثلت ارض الوطن، الذي أغرقته الحروب بطوفان من الدماء والأيتام والأرامل والمعاقين:

هذه البقعة الملعونة من الأرض : غرفة العناكب.

ورددت الجدران فجأة صدى العبارة:

- هذه البقعة الملعونة من الأرض!

وتجرأت أن ارفع صوتي وأكابر:

- كيف تصبح ارض الأنبياء ملعونة ؟!.

 

احمد عواد الخزاعي

 

 

هي القصيدة التي تميل إلى النظر إلى الاشياء من زاوية واحدة فلا تتضح بغيتها بسبب الابهام الذي يكتنفها ما بين اليقظة والحلم ولا يتضح مرادها بسبب غلالة الترميز التي تحيط بها وعادة ما يوظف فعل النظر فيها لا بقصد الإبصار؛ بل التبصر.

ويغلب هذا النوع من قصيدة النثر على الكتابات الشعرية التي هي أقرب للخواطر والانثيالات الشعورية ذات النقلات الدلالية من دون ضابط أو معيار حيث الأنا تتحرك في شكل شطرنجي من حال الى حال متقلبة هائمة حائرة ومتضاربة تتشتت أفكارها وتزوغ مدياتها فلا تكون رؤياها للعالم متضحة.

وعادة ما تشيع هذه الكتابة الشعرية في النصوص التي تحمل صوتا نسويا سواء كتبها الرجل أو كتبتها المرأة مادام للأنثى فيها حيز مركزي.

والقصيدة الناظرة من ثقب الباب، قصيدة تغاير المنطق في إدراك الاشياء وفهمها وهي تجد للمحسوسات بعدا يقلب المرئيات إلى لا مرئيات، بمعنى أن النظر كفعل فيزيقي تواصلي يتحول من تداوليته الاشارية المباشرة الدالة على الابصار والرؤية الى دلالة أبعد غورا تتعلق بفعل تجريدي يحمل أبعادا تفكرية تأملية تنساح في الما ورائيات. ومن أمثلة هذا المبنى في كتابة قصيدة النثر مجموعة( أحاول دحرجة الايام) للشاعرة فرح الدوسكي فتقول مثلا في نص( بغداد):

انظر اليك بارتباك

من ثقب عباءة الغرباء

أرى ممالك الفقراء مفتونة برواية

لا تستيقظوا

والفراغ عندها هو المؤنس والمطلب ويظل الاختفاء هو اللعبة الأثيرة التي بها تتلمس الذات حقيقة وجودها في قصيدة( أراجيح متكئة) التي تتوسل فيها الذات بالسماع كوسيلة توصيل لإدراك ما حولها، لكن الاصغاء لنداء الذات نفسها هو الذي يخرج الانصات من وظيفته السماعية الحسية الى وظيفة تفكرية تدبرية لا حسية تتجرد فيها الذات من أي شعور بالـ( ما حول) لتنشغل بالتأمل الذي يحمل الانصات على بلوغه وإدراكه والبغية الظفر بكنه الروح الحقيقي: أين كانت ؟ وما تكونه ؟ وما الذي تتأمل في تكوينه ؟ لعلها تجد ذاتها وتحس بما حولها فتعرف موقعها من نفسها ومن الآخرين

إن الخيبة من الزمان ومكابدة لوعة الفراق والحنين تجعل القصيدة نسوية تسير نحو اللازمان واضعة ثقتها بالمكان الذي يستبدل الزمان( الغد ) ويحل محله.

 وقد تهادن الذات ما حولها حالمة بيوتوبيا من النجوم والفراشات على أديم من ورود وندى، لكن كآبة الأنا الفردية تجعلها رهينة سجن ليس فيه إلّاها، مشتتة ميتة وحية معا، باحثة عن ملاذ ينقذها من عزلتها، فلا تجد بدا من النظر من ثقب الباب.

وقصيدة النثر ذات المبنى الناظر من ثقب الباب هي في الأغلب قصيدة نسوية لكنها لا تقتصر على الشواعر وحدهن؛ بل يمكن أن تنطبق على ما يكتبه الشعراء أيضا كون التوصيف بالنسوية ليس رهنا بالكاتب كمذكر أو مؤنث إنما هو رهن بالقصيدة نفسها وما يحويه نصها من دلالات تتموضع في سياقات أنثوية.

 وقد نلمح في قصيدة النثر تقولبات شعرية لها شكل انزياحي دال وموح، والسبب أن الذات سابحة في عالم يوتوبي حالم حيث لا زمان لها ولا مكان.

وعلى الرغم من أن الذات الشاعرة لا ترى إلا من ثقب الباب وقصيدة النثر لا تتجاوز عندها التعامل مع ما هو مرئي إلا إن هذا الجزء الواقعي المرئي هو ممر الى رؤية ما هو تخييلي لا مرئي وبما يوصل الذات الى رؤيا العالم..

 فيتحول تشظيها الى الآخر الذي تراه ناقصا إن لم يكن متلاشيا ولن تشعر بحضوره إلا مستلبا بكينوتها مصادرا وجودها وبسبب هذه الاسلبة تصبح قصيدة النثر ناقمة على الاخر الذي ستتعدد صورته وقد تتسرب في ذاكرة الانا المؤنثة كغائب غير حاضر.

وما بغية القصيدة الناظرة من ثقب الباب إلا تتصالح مع العالم متوخية الاعتناء بنفسها مع عدم الاكتراث بغيرها متلفعة بالغياب ومتوارية بالغموض صانعة لها صرحا من المثالية وعالما من اليوتوبيا فيها الاشياء موصوفة ومرتبة بحسب ما تريد تلك الذات في عالم خاص ليس فيه للادلجة أي مكان. 

وعادة ما تتشكل قصيدة النثر الناظرة من ثقب الباب نصا سرديا كل شيء فيها يتحرك وينبض وينطق ويهتف وأما تفاصيل اليوم المعيش فانها صالحة للشعر ما دامت العين الراصدة تلتقط تفاصيل مكانية تسيح فيها اللحظة السردية في رؤية هلامية حيث لا تتوضح أبعاد المشهد إلا من زاوية واحدة، والسبب أن الانا ترى من ثقب الباب

وهذه القصيدة لا تنتجها الا ذات ترى حالها بالانزواء وهي تخاتل الآخر مفردا وجمعا بوعي يشوبه الغموض وعقل يتدارى خشية ووجلا. والزمن القادم كابوس أليم وعادة ما لا تفارق حدود هذه القصيدة حيز المكان المعيش كالغرفة مثلا او اي حيز تعتاده بشكل مكرر، مسجلة يوميات الشاعر كلحظات يقظته ونومه أو طبيعة حركاته وسكناته ملتقطة صمته وسكونه راسمة هدوءه وعربدته تعقله وجنونه.

ولا تخلو كتابة هذه القصيدة من واقعية لكنها واقعية موهومة أو واهمة بسبب سوء الفهم الناجم عن اللااكتمال في الرؤيا التي تبصر الاشياء من جانب واحد.

هذا ما يجعلها بالنسبة للذات الشاعرة كيانا حيا نابضا ومتحركا تحاول الذات أن تبني معه شراكة او صداقة أو لعل هذه الذات تتمكن من أن تتبنى القصيدة كوليد أو ربيب تعاهده بالرعاية وتتكفل بكل متطلباته.. والهدف ألا تضيع الذات وأن يكون لها ما يربطها بالوجود ويشعرها بالأبوة او الأمومة فتركن إلى واقعها وتتفهم منغصاته بلا عصاب أو توتر.

وهكذا يبدو هذا النوع من قصيدة النثر لا كنص من كلمات وبنى.. وإنما ككائن أثير وهلامي وجزء صميم من تكوين الذات. وهذا الكائن الحميم حدوده البيت ومرتعه الغرفة فهو الطفل أو المرأة أو الابنة، ولأن القصيدة تظل تنظر من ثقب الباب لذلك لا يتعدى الالهام فضاء الذات وحضنها وحدود الكتابة فيها لا تتجاوز الغرفة التي تظل المكان الاثير لولادة القصيدة ولعل تسميتها بالقصيدة الغرفة سيكون ملمحا من الملامح المميزة لقصيدة النثر ذات المبنى الناظر من ثقب الباب لتنغلق على نفسها داخل فضاءات كتابتها منشغلة بخصوصيات صغيرة وشخصية تجد فيها الذات إرهاصات ابداعها التي تنصهر فيها شعرية النص ضمن حميمية المكان ليكون المنتج وليدا فتيا لكنه أصيل، فهو جزء من فضاء البيت وأثاثه وموجوداته .

 

د. نادية هناوي

 

اسست السردية الروائية حضورها المعلن على النتاجات الأبداعية جميعها، وتفوقت في قراءة الواقع المعاش بظروفه الضاغطة، والمعتمة، وقدمت نقدها المعلن لكل ماهو ممنوع ومحظور، لنجد ذاتنا امام سردية ناطقة لذاتنا الغائبة، ولنكمل قراءة الفكرة قبل الوصول اليها ؛ لأن المتن السردي انطلق من عقم الواقع المعاش.

و باتت هذه الظاهرة محوراً رئيساً في عديد من الكتابات الروائية، لتتحول الرواية إلى واقع معاش تحمل جانباً كبيراً من الشجن، وهي في الوقت نفسه رواية ذات بُعد ثقافي،  إذ تتنوع الآراء والمداخلات بين شخصيات الرواية لكن التقاء هذه الآراء يصب في منبع واحد هو نقد ضغط الواقع المعاش تحت سطوة السلوك والممارسات السياسية.

وتسجل الراوية الواحدة محاور عدّة تنطلق من فكرة أساس وتجتمع في الفكرة ذاتها، فداخل المتن السردي الواحد نرصد  نقداً للواقع، ونقداً للسلطات الضاغطة، ونقداً للواقع اليومي، وجلها جاءت من ايمان حقيقي بفكرة النقد بوصفه نقداً صادراً عن قناعة راسخة في الذات الكاتبة بفكرة نقد الممنوع .

وتقترب رواية (طشاري)  مع مثيلاتها من الروايات في تقديم قراءة لواقع اجتماعي معاش،فـ (الدكتورة وردية) بطلة الرواية تجسد معاناة الإنسان العراقي ما بعد (2003) الذي يعاني اجبارية الخروج من وطنه بفعل الطائفية القاتلة، التي هي من صنع السياسة الموظفة لرداء الدين، الذي حقق وجوده المعلن والطوعي عهلى الشارع العراقي، وهمش الكثير من القوميات العراقية الأصيلة.

كانت الدكتورة وردية قد ذهبت إلى فرنسا، والذاكرة الاسترجاعية  من الوعي لديها دفعتها، للقول: ̏ جزار تناول ساطوره وحكم على اشلائها أن تتفرق في كل تلك الأماكن. رمى الكبد إلى الشمال الأمريكي، وطوح بالرئتين صوب الكاريب وترك الشرايين طافية فوق الخليج ̋ .

ومثلت الدكتورة وردية الشخصية المحورية  في عرض فكرة المتن السردي، وتقديم قراءتها لسوداوية المشهد المعاش، وعقم الشارع العراقي، الذي تحول إلى معدوم، ومسيطر عليه من الغير، الذي يملتلك(الساطور)، والفكرة استمدتها من (ابو طبر) الذي سيطر على شوارع بغداد ماضياً، وها هو الماضي يعيده الحاضر بالصياغة ذاتها، ولكن بفكر ايديولوجي حديث.

و(براق) ابن الدكتورة وردية شخصية رافضة لسلوك وممارسات لعبة الاقتتال الطائفي بين الطبقات الاجتماعية، إذ كان أحد المساهمين في (المواكب الحسينية)، ̏ يبدو براق في الصورة مرتدياً دشداشة في الموكب الحسيني ̋ .

فـ (طشاري) من الروايات التي تألفت في نسيجها مع صورة الواقع لاسيما في قولها: "ملثم وبعضهم مسلح وبعضهم ملتح والباقي يبدو أنه في ورطة وجودية فـ "لا" أحد يعرف لمن يأمن وممن يخاف والشوارع مقسمة حسب الطوائف".

فالخوض في هذا المجال يولد لدينا بُعد نظر وإدراك لفنية الروائية في استثمار الواقع الاجتماعي في بناء سردية تنقل واقعنا المعاش.

فالمتن السردي خص القول بـ (البعض) وليس (الكل)، وعمدت إلى هذا التصنيف؛ لأن النصف الثاني في (ورطة وجودية)، ووظفت الفعل المضارع ( يأمن، يعرف، يخاف) وهو إشارة إلى استمرارية المشهد المأساوي.

أمَّا رواية (امرأة القارورة)، فقد عمد (الراوي) فيها إلى سرد الواقع المعاش ايضاً، قائلاً: ̏ هل من الضروري أن تسحق روحي وتنقطع أوصالي، لكي يجلس القادة المحترمون في النهاية إلى طاولة المفاوضات لنقاسم بضعة كيلومترات عند حدود ملطخة بدماء ملايين يائسة،  ثم هل تضمنون لي أن هؤلاء القادة، بعد الانتهاء من مفاوضات الحدود،  سيتفاوضون مع الرب لارجاع حياتي التي نهشتها دباباتهم وبعثرتها قنابلهم ؟ ̋.

فأكثر ما يحاكيه المتن السردي هنا هو المجتمع، ويجسد النص حالة الاستبداد السياسي والبؤس الفكري والحضاري للحكام المستبدين.

ويمثل المتن السردي ثورة تحريضية يفضح صمت الاستبداد والظلم والضغط السياسي؛ لأنه يعاني المرارة والألم السياسي بوجه العموم، والألم الشخصي للإنسان المضطهد بوجه الخصوص.

وينقسم المتن السردي على قسمين يجمعها استفهام واحد، وكأن القارئ يقرأ جملة استفهامية واحدة، مقسمة على مقاطع داخلية استفهامية:

1- (هل من الضروري أن تسحق روحي وتنقطع أوصالي؟).

(هل تضمنون لي أن هؤلاء القادة، بعد الانتهاء من مفاوضات الحدود، سيتفاوضون مع الرب لارجاع حياتي...؟) وعليه فالنص يذهب ليقدم  نقداً من نوع جديد، ويرسم مصالح الحكم،عن طريق توظيف الفعل المضارع (تسحق، تنقطع، يجلس، تضمنون، سيتفاوضون)،الذي يحمل عنصر الديمومة بالتسلط والطغيان

يكشف النص عن حاجة، هذه الحاجة = مصلحة التمسك بالحكم      نهب الثروات، زيادة الطغيان، التعسف بالرأي، فرض الاستبداد..الخ.

أضيف، القراءة التي تقدمها السردية العراقية، لم تأتِ من فراغ، أنما من وعي تام من كاتبها، وكاتبتها، وقراءة نابعة من سوداوية المشهد المعاش، الذي سيطر عليه السذج.

 

بقلم: د. وسن مرشد

 

893 اوماالشعر ضرب من الجنون المتواصل، اكتشاف للكهوف البلورية القابعة في ذواتنا، تلك الثقوب السوداء المستترة في أعماقنا، لا سيما عندما يكون العشق موضوعا شعريا، مثلما هو الأمر في ديوان "أناديك قبل الكلام" للشاعر إبراهيم قهويجي، الصادر عن منشورات اتحاد المبدعين المغاربة، فما تجليات حضور العشق في الديوان؟ وكيف يوحّد العشق ذوات متعددة لتنصهر في ذات واحدة؟

- تراجيديا العشق/المرأة

الحب درجات وأنواع كما قال ابن حزم الأندلسي، وهو الخيط الناظم لقصائد الديوان، منبع لا يكف شاعرنا من التزود منه باستمرار، وهو يحضر بأشكال مختلفة، غير أن أولى تجلياته تتبدى من خلال الشكوى والتغني بألم الهَجر والبُعد، وصعوبة الوصل أو استحالته كما في قصيدة "ذات الأجنحة الأربعة"، حيث يقول الشاعر:

يا ذات الأجنحة الأربعة

هل ينبغي أن أسافر... ص 17

في السطر الشعري الأول، وظف الشاعر أداة نداء البعيد ليخاطب قريبا منه، قُرب مادي أو معنوي، حضور فيزيائي أو على صورة طيف أو ذكرى أو شبح، وقد أنزله شاعرنا منزلة البعيد، وإن كان قريبا، إما لغفلته أو إعراضه عنه، وهذا ما جعل القصيدة برمتها انزياحا شعريا، مجازات واستعارات وتشبيهات، كلها للتعبير عن محنة الشوق والانتظار وألم البعد، نداء البعيد، نداء للقابع في ذات الشاعر، البعيد الذي يوّلد حرقة الأسئلة، وصعوبة سلك الجسر الممتد بينهما:

كيف أبدد... ص 21

فهل نزغك من نوري له انفصال؟ ص 22

هل أضعت مفتاح باب المغفرة؟ ص 25

هكذا يتحول البعد وحرقة الأسئلة إلى انكسار في قصيدة النسر الملكي، انكسار وتيه، فقد طال البعد، واصطدم الصراخ والأنين بآذان صماء، وبهذا تردى شاعرنا في هوة سحيقة، ولوج لعوالم قصية غير مأهولة:

أنا النسر الملكي المتسلل إلى ذاكرة اليباب

لا أملك غير عش تعشقه الرياح... ص 27

أي عش هذا الذي تعشقه الرياح؟ إنه اللاستقرار، واللاجدوى، واللامعنى، ويستمر العشق، ويستمر الانكسار والتيه في قصيدة "أناديك قبل الكلام" و"حبيبة فوق العادة"، فهاهو يقول:

رأيت بيني وبينك ألف مقام

ولما اقتربت من واحد

احترقت.... ص 32

هكذا يحافظ العشق على وجوده في ظل هذه المسافة الفاصلة بين ذات الشاعر ومخاطبه، فهذه الحواجز والمتاريس هي التي تبقي على العشق، إنه حب تراجيدي، حب مأساوي، فما أجمل قوله:

وتمضغني أغنياتك

وتحتفلين

أنا اللاهث خلفك

والسنين... ص 38

- تراجيديا عشق المكان والهوية والإنسان

يستمر العشق والشكوى وتباريح البعد في الجزء الثاني من الديوان "أغنية لأرض قديمة"، عشق المكان غزة "ردي الكلام"، إن إبراهيم قهويجي يتنفس عشقا، هذا العشق الذي ينتصر للإنسان في زمن الفوضى، العشق الذي نعرف به أنفسنا، يقول:

غزة يا أمي

موصدة المعبر

والصمت عميق... ص 43

وهو نفس البعد الذي يفصله عن المرأة/حبيبته، وهي المسافة نفسها التي تغذي عشقه المنهمر في أرجاء القصيدة، بل يستمر عشق القصيدة واكتشاف الذات، عشق الغائب والذكرى، عشق الرحيل والغربة. هكذا يتجاوز العشق علاقة الرجل بالمرأة، معشوقات الشاعر كثيرة ومتعددة، ويستحضر بعضها في هذا الديوان "أناديك قبل الكلام" انتصارا للإنسان في عصر يمكننا أن نطلق عليه ما بعد الإنسان.

 

عبيد لبروزيين

 

ثائر العذاريعلى الرغم من الطاقات الجمالية الهائلة التي يتمتع بها تكنيك السرد بضمير المخاطب فإنه لم يحظ بما يناسب ذلك من الدراسة والتنظير، وقد يكون أهم ما كتب في الموضوع ورقة براين ريتشاردسون (The Poetics And Politics Of Second Person Narrative) التي نشرها عام ١٩٩١ وترجمها إلى العربية د.خيري دومة في سياق اهتمامه الكبير بالموضوع وهي متاحة على صفحته في موقع أكاديميا، ولكننا نعتمد في هذا المقال النص الأصلي.

يبدأ ريتشاردسون ورقته بشكوى مرة من إهمال من اشتغلوا بنظريات السرد لهذا التكنيك، ويلوم بعضهم بالاسم كما فعل حين ذكر واين بوت، ثم يستعرض الكثير من الأعمال السردية المهمة التي كتبت بضمير المخاطب ويحاول تصميم تصنيف يستطيع استيعاب طرائق السرد بالمخاطب.

ولا يمكن إغفال كتاب د.خيري دومة (أنت، ضمير المخاطب في السرد العربي) لأنه الوحيد في بابه، ويشير في مقدمته إلى أهمية الموضوع وسعته، حتى أنه يرى أن كتابه سيظل مفتوحاً لإضافة فصول أخرى. وهو يبني الكتاب على فكرة (الحديث) أو توجيه الخطاب إلى مخاطب مفترض وهي فكرة قارة في الأدب العربي القديم التي بلغت أقصى نضجها- كما برى- في كتاب التوحيدي (الإشارات الإلهية)، تم ينتقل إلى تمثلاتها في السرد العربي الحديث كما رصده في أعمال طه حسين ويوسف إدريس.

ونريد في هذا المقال التركيز على الشكل الأكثر جمالاً من هذا التكنيك، حيث نرى العالم بعيون المخاطب نفسه فيكون هو بطل العمل السردي كما فعل ميشيل بوتور في رواية (التحول) التي نشرها عام١٩٥٧ وترجمتها إلى العربية د.هناء صبحي عام٢٠١٠ والتي توقف عندها ريتشاردسون طويلاً:

وضعت قدمك اليسرى على الفرضة النُحاسية وبكتفك اليمني تحاول عبثاً أن تدفع الباب المنزلق، أكثر قليلاً.

تدلف عبر الفتحة الضيقة وأنت تحتك بحافتيها، ثم تنتزع حقيبتك المغلفة بجلد مُحبب غامق في لون قنينة دكناء، حقيبتك الصغيرة جدا لرّجل تعوّد الأسفار الطويلة….

يبدو في هذه البداية أن الراوي يحدث المخاطب عن نفسه كما تفعل العرافات، لكننا نكتشف مع تقدمنا في القراءة أن الراوي هو البطل المخاطب نفسه، فضلاً عن احتمال إحساس القارئ بأنه هو المعني بالخطاب. وهكذا يصبح الراوي والمروي له والقارئ واحداً، وهنا يكمن جمال هذا الأسلوب السردي.

ثمة أنماط متعددة لتوظيف السرد بضمير المخاطب، قد يكون أهمها ما سماه ريتشاردسون النمط المثالي، الذي يبدو فيه الراوي كما لو أنه ضمير البطل فيخاطبه بنبرة محاسبة، كما فعل طالب الرفاعي في متواليته القصصية (الكرسي) التي كتبت كلها بضمير المخاطب:

"لا يمكن.."

صرخت تكلم نفسك كالمجنون وأنت تلمح الساعة الثامنة والنصف.. نهضت، لم تستطع البقاء جالسا في مكتبك، خرجت

تغلي بغيظك:

"سأقتله الليلة".

 هذه بداية القصة الأولى التي يعيش بطلها ضابط الأمن موقفاً درامياً بين رغبته في تعذيب معتقل سياسي ورغبة في اللحاق بموعد مع فتاة في شقته، غير أن السرد يضمير المخاطب أعطى القاص إمكانية محاسبة الراوي للبطل، مع أنهما ذات واحدة، فنحن لا نرى إلا ما يراه البطل نفسه حتى أن بالإمكان إعادة كتابة القصة بضمير المتكلم، لكن أسلوب الخطاب أعطى القصة بعداً آخر يعبر عن إزدواج الذات الإنسانية بينما نفعل و ما ينبغي أن تفعل. ويغلب على هذا النمط أن تعلو فيه نبرة الوجدانية وأن يكتب بالزمن الحاضر فيصور ما يحدث الآن.

أما النمط الثاني فهو ما يمكن أن نسميه الإيهامي، وفيه يذكر الراوي وهو يخاطب البطل أشياء لم يكن البطل قد رآها، وفي هذه الحالة سيقع القارئ فى حيرة السؤال عن كنه الراوي وهويته، والمثال النموذجي هنا هو رواية (خرائط) التي نشرها الروائي الصومالي نورالدين فا رح عام ١٩٨٩ بالإنكليزية و ترجمها إلى العربية سهيل نجم عام ٢٠٠٥، وفيها:

عند الفجر، حين أفشت المرأة سر عثورها عليك لبعض الجيران، تولى الرجال أمر دفن أمك. لاحظت مصرا، وهي تخلو بك، أن عينبك مشحونتان بالريبة. إنهما تحدقان فيها، تركزان النظر على يديها بشك!

لا يمكن هنا أبداً إعادة صياغة المقطع بضمير المتكلم لأن هذه أحداث لم يرها البطل، بينما يمكن صياغتها يضير الغائب. مع أن معظم الرواية تتحدث عن العوالم الداخلية للشخصيته، وهكذا يونعنا فا رح في لعبة الضمائر التي يتخفى بوساطتها بطل روايته لأننا نكتشف فيما بعد أن كل ما مر ليس سوى تيار وعي البطل صيغ بصيغة المخاطب.

أما النمط الثالث وسنسميه نمط الأمر والتوجيه، إذ يستغل السارد هنا إمكانات الأمر والتوجيه التي يتيحها ضمير المخاطب، فيصدر الراوي اوامر للمخاطب ويتخيل ما سيحدث في الخطوات التي تلي تنفيذ الأمر، وهذا هو الأسلوب نفسه الذي استعمله التوحيدي في (الإشارات الإلهية)، وهو الأسلوب نفسه المستعمل في الإعلانات التجارية مثل (استعملي حبوب التنحيف كذا وبعد أسبوعين قومي بقياس خصرك وسيذهلك الفرق)، ومثال هذا النمط المقطع الذي اقتبسه ريتشاردسون من قصة (كيف) للقاصة لوريا مور:

إبدئي بلقائه في الصف، أو في البار، أو في مهرجان تخفيض أسعار، قد يكون مديرا لمحل قطع الحواسيب، أو رئيس عمال معمل الورق المقوى، سيكون راقصا جيدا، وستكون تسريحة شعره مثالية…

ومع أن القارئ لن يشعر بالتطابق مع هذا البطل فإنه لن يستطيع التخلص من محاولة التماهي معه.

ثمة إمكانات وأنماط أخرى يتيحها السرد بضمير المخاطب، لكنها جميعا تشترك في إحداث هذه المفارقة، الراوي والمروي له والبطل كلهم واحد، لكنه واحد تشظى ليصبح ثلاثة.

 

د. ثائر العذاري

 

أمام توالي الهزائم العربية والانفتاح على الثقافة الغربية وخصوصا الاطلاع على أعمال كارسيا ولوركا وتوماس اليوت ,, توفر للشعراء العرب قدر من الحرية الابداعية وأصبح لزاما عليهم البحث عن أشكال شعرية جديدة تتناسب وطبيعة المرحلة، فكانت الثورة على النموذج التقليدي شكلا ومضمونا، حيث برز جيل من الشعراء الشباب الذين حملو مشعل الثورة نذكر منهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور ويوسف الخال وعبد الوهاب البياتي،ويعد محمود درويش أحد الشعراء الذين تبنوا نظرة المعاصرين والحداثيين في نظم الشعر، وخير دليل على ذلك قصيدة (جواز السفر) لمحمود درويش الماثلة أمامنا والتي اخترناها نموذجا للتحليل. فإلى أي حد تمكن محمود درويش من خلال هذه القصيدة من التعبير عن النموذج الشعري الجديد من حيث البناء والتركيب والدلالةا؟ .

إن المتمعن في عنوان القصيدة (جواز السفر) الذي يشير إلى تأشيرة الدخول إلى بلد جديد؛ غير البلد الأصلي. يتأكد من حضور موضوعة التنقل من مكان إلى آخر بما يعنيه من غربة وضياع وعزلة ووحدة في البلاد المستقبلة، كما أن الدلالة النصية تفصح عن ذلك من قبيل (تمتص لوني في جواز السفر- جرحي عندهم معرضا لسائح يعشق جمع الصورر- كل العصافير التي لاحقت كفي على باب المطار البعيد- عار من الاسم من الانتماء- في تربة ربيتها باليدين..) ولفظاعة الأمر لجأ إلى النفي الذي خرج عن دلالته الحقيقية إلى دلالة جديدة استلزمها السياق تتمثل في (الإنكار) في قوله:

لا تجعلوني عبرتين مرتين

لا تسألوا الأشجار عن اسمها

لا تسألوا الوديان عن أمها

إنها حقيقته التي تعلو جبهته (ومن جبهتي ينشق سيف الضياء- ومن يدي ينبع ماء النهر- كل قلوب الناس جنسيتي)، وكان لابد أن يصيح صيحة مدوية ؛ صيحة آمر مظلوم ليفك قيده، ويصبح بالتالي حرا في أرضه، ويسقط عنه جواز السفر الذي يقيده، وتحط عنه حقائب الترحال والتنقل من بقعة في العالم إلى أخرى (فلتسقطوا عني جواز السفر) . إن المعنى العام للنص لا يقف عند حدود تتبع مقاساة الشاعر ومعاناته مع التهجير، بل ينفتح على دلالة حضارية عامة تمس حالة الإنسان المعرض لاستبداد القوة الظالمة التي تعتو فسادا في الأرض، وخاصة الإنسان الفلسطيني الذي ذاق ومازال يذوق مرارة الإبعاد عن أرضه على مرأى من العالم، وهكذا يتجسد في النص البعد الكوني الذي ينطلق من قضايا الذات ليعبر عن معاناة الإنسانية .

 

وتجلو هذه الدلالة العامة للنص الشعري من خلال عدد من الحقول الدلالية المسخرة في القصيدة من قبيل: حقل السفر (جواز السفر- باب المطار البعيد- قد أسقطوها من جواز السفر- كل الحدود- عار من الاسم- جنسيتي)، وحقل المعاناة (لم يعرفوني- شاحبا كالقمر- كل السجون- كل الحدود- كل القبور البيض)، وحقل الطبيعة (الظلال- شمس- الشجر- القمر- العصافير- حقول القمح)

وقد تضافرت هذه الحقول الدلالية لتُعري البؤرة الدلالية للقصيدة المؤسسة على الغربة والضياع والمعاناة حتى أن عناصر الطبيعة شاهدة على ذلك، لأنها رافقت الشاعر، بل يجدها في طريقه أثناء تنقله ورحيله في وقت غاب فيه المشفق والرفيق، كما غابت فيه كل القوى الحية الإنسانية والدولية. وقد احتفى النص بطابعه الإخباري المؤسس عن طريق مجموعة من الأساليب الخبرية التي سعى من خلالها الشاعر إلى نقل حالته وحالة شعبه المأزومة، وفي ذلك أيضا تعريف بقضيته الإسلامية والإنسانية، وتتجلى في قوله: (جرحي عندهم معرضا لسائح يعشق جمع الصور- كفي بلا شمس- لأن الشجر يعرفني- تعرفني كل أغاني المطر)، بيد أن سيادة الطابع الإخباري على القصيدة لا يحجب ظهور الأساليب الإنشائية المؤكدة للنفي الإنكاري الذي ذكرناه سابقا (لا تتركني شاحبا كالقمر- لا تجعلوني عبرتين مرتين- لا تسألوا الأشجار عن اسمها- لا تسألوا الوديان عن أمها). فكل هذه الأساليب يستنكر بها الشاعر عما تعرض له من ظلم ويطلب بها التخفيف من معاناته من خلال إنكار سؤال الأشجار عن اسمها، وسؤال الوديان عن أمها، لأن تلك الحقيقة معروفة ولا شيء يحجبها، كما أن ما آلت إليه حالته دعته إلى التعجب في قوله: (لا تتركيني شاحبا كالقمر!- قد أسقطوها من جواز السفر!- لا تجعلوني عبرتين مرتين! فلتسقطوا جواز السفر!)، والنداء الذي شمل الغائب (يا سادتي الأنبياء) الذي لا يرجى منه العون في ظل موت الحي.

فكل هذه الأساليب الإنشائية خرجت عن دلالتها الحقيقية إلى دلالة جديدة اقتضاها السياق لتدل على إنكار ما يتعرض له الشاعر من تهميش وإقصاء وإبعاد عن وطنه، وقد تبلور الفعل المضارع الدال على التحول والدينامية في القصيدة ليبرز حالة الشاعر الموصوفة بعدم الاستقرار والثبات في المكان في الحاضر والمستقبل نحو قوله (يعرفوني- تمتص- يعشق- يعرفني- تتركني- تسألوا- تجعلوني- ينشق- ينبع)؛ وهي التنقل من مطار إلى مطار، ومن بلد إلى بلد طلبا للجوء، وفي المقابل نجد الأسماء شاخصة، بل وشاهدة على ما تعرض له الشاعر من اضطهاد في أرضه ومن غربة في أرض غيره، وهي مواقف صرح بها عدة مرات مثل قوله (حقول القمح- السجون- القبور البيض- الحدود- المناديل- قلوب الناس- أيوب صاح)، وقد دعمت هذه الأسماء بعدد من الكلمات المكررة خاصة لفظة(كل) الدالة على العموم والتي تكررت عبر القصيدة ثمان مرات، وإلى جانبها نجد كلمات أخرى مكررة (يعرفوني- جواز السفر- سادتي- تسألوني..). وللحذف في القصيدة أهمية كبرى في تعرية الدلالة، وذلك بجعل القارئ يؤول ما تبقى من المعاني التي يسعى الشاعر إلى تبليغها، وقد شغل في النص حيزا لا بأس به، حيث لامسناه في خمسة أسطر شعرية هي:

لأن الشجر يعرفني...

تعرفني كل أغاني المطر...

كل السجون...

كل الحدود...

كل قلوب الناس...جنسيتي

وللصورة الشعرية قوة إقناعية وتأثيرية وتعبيرية، وجمالية أيضا في الشعر الحديث بصفة عامة وفي القصيدة على وجه الخصوص نظرا لطبيعتها الانزياحية ونظرا للوظيفة الايحائية والرمزية التي أصبحت تؤديها اللغة في الشعر الحديث، حيث أصبحت اللغة المهيمنةهي لغة الإشارة والرمز لا لغة الوضوح، كما أضحت تقول ما لم تتعود قوله على حد تعبير أدونيس، ومن الأمثلة على ذلك في القصيدة:

كفي بلا شمس

لأن الشجر يعرفني...

لا تتركيني شاحبا كالقمر

كل العصافير التي لاحقت

كفي على باب المطار البعيد

من جبهتي ينشق وجه القمر

ومن يدي ينبع ماء النهر

فالصورة الشعرية في الأمثلة تقوم على الإسناد، حيث علق الشاعر صفات لموصوفات لم تكن لها في الأصل، فقد أسند الشمس للكف والمعرفة للشجر والملاحقة للعصافير، وفعل انشقاق وجه القمر للجبهة، وفعل نبع الماء لليد، وهذه الأشياء تكون في الأصل للإنسان الذي تتوفر في الصفات الآتية [+ كائن حي، + يتكلم، + عاقل، + إنسان]، فألحقت بغيره(الشمس، الشجر، العصافير) التي تتسم بكونها [- عاقل، + كائن حي، - يتكلم، - عاقل، - إنسان). وبفعل هذه الصور الشعرية الجديدةا ستطاع الشاعر التعبير بصدق ووضوح عن معاناته المتجلية في طرده من وطنه وتركه عرضة للضياع بين الحدود والمطارات التي شهد عليها الشجر والشمس والعصافير، وقد دعت هذه المعاناة الشاعر إلى التحلي بالصبر والتفاؤل الذي تجسد في رمزية أيوب الذي صبر على المرض والعدو حتى أتاه الله بالفرج في قوله (أيوب صاح ملء السماء). فحمولة الرمز الدلالية لا تبتعد عن تعميق الدلالة، وإعطاء الشاعر آفاقا أرحب في التعبير عن المآسي التي تلاحقه، وكأنه شبه نفسه بأيوب الذي ابتلاه الله بذلك المرض الخبيث، فهو صابر صبر أيوب رغم التعذيب والتهجير والتغريب الذي دلت عليه رمزية عناصر الطبيعة أيضا، لكونها ترافق الشاعر وهو على تلك الحالة (الشجر، العصافير، حقول القمح، السجون، القبور البيض).

وقد تشكلت معالم الإيقاع في القصيدة من خلال اختيار الشاعر لتفعيلة وزن الرجز ذي التفعيلة (مستفعلن) والذي يعد من الأوزان الصافية كالوافر والكامل والمتدارك والمتقارب، لكن الشاعر تعامل مع هذا الوزن تعامل مخالفا لتعامل القدماء كما سنوضح من المثال الآتي:

1- لم يعرفوني في الظلال التي

مستفعلن/ مستفعلن/ مستعل

2- تمتص لوني في جواز السفر وكان

مستفعلن / مستفعلن/ مستعل / متفع

3- جرحي عندهم معرضا

لن/ مستفعلن / مستعل

يتضح جليا أن الشاعر اعتمد بنية إيقاعية تتسم بالجدة في تشكيل معالم النص، فبفعلها لم نعد نتحدث في القصيدة عن الجزء، بل عن كل متكامل، كل جزء له أهمية كبرى داخل هذا الكل المتماسك العناصر وهذا ملمح من ملامح معمارية القصيدة الحديثة المتسمة بما يسمى بالكون الشعري الذي تغيب فيه الفكرة أو الصورة أو البيت الشعري المستقل بمعناه، وقد تحقق لها ذلك بسبب اعتماد تقنيات إيقاعية تتمثل في توزيع التفعيلة على الأسطر الشعرية بشكل متفاوت، حيث نلاحظ في المقطع الذي اعتمدناه نموذجا للتدليل على الإيقاع أنه يتكون مما يلي: (السطر الأول ثلاث تفعيلات، والسطر الثاني أربع تفعيلات، والسطر الثالث ثلاث تفعيلات..)، ثم اعتماد التدوير الذي يظهر في التفعيلة الأخيرة من السطر الثاني(متفع) التي تنتهي في السطر الثالث(لن) ثم اللجوء إلى الوقفة العروضية التي تنتهي بانتهاء العروض، والوقفة الدلالية التي تنتهي بانتهاء الدلالة والتي نلاحظها عند نهاية المعنى، وكثيرا ما يُغلب الشاعر أحد الوقفتين على الأخرى ففي قوله:

تمتص لوني في جواز السفر وكان

جرحي عندهم معرضا

لسائح يعشق جمع الصور

نلاحظ أن المعنى في السطر الأول انتهى عند كلمة (السفر)، لكن العروض لم ينته، لذلك غلب الشاعر الوقفة العروضية على الوقفة الدلالية، ومثل هذا كثير في القصيدة، غير أن المتحكم فيه هو ما يسمى بالدفقة الشعورية التي تتحكم في قوة مشاعر الشاعر وضعفها، وبذلك تطول القصيدة أو تقصر. وإلى جانب ما ذكرنا نسجل أن الشاعر أكثر من الزحافات والعلل كالخبن (مستفعلن أصبحت متفعلن)، الطي (مستفعلن أصبحت مستعلن)، والقطع (مستفعلن تحولت إلى مستفعل)، كما نلاحظ أيضا أنه نوع في القافية(الصور- المطر- القمر- البعيد- البيض) والروي (الراء- الدال- الضاد- التاء- النون ...)، واعتمد عددا من الكلمات المتقاربة في صيغها لخلق نوع من الإيقاع الداخلي للقصيدة (يعرفوني- تعرفني- تتركيني/ لوني- جرحي- جبهتي/ السجون- القبور- الحدود- العيون..

تأسيسا على ما سلف اتضح أن محمود درويش يعد أحد رواد الشعر المعاصر الذين عملوا على تطوير القصيدة بانتشالها من رتابة نظيرتها الكلاسيكية على مستوى بنائها ورؤيتها للعالم،وقد شكلت هذه القصيدة نموذجا يُحتدى في التعبير عن تكسير البنية في الشعر العربي، حيث انطلق الشاعر من الذات وهمومها ليعالج القضايا الحضارية الكبرى، وأهمها قضية الشعب الفلسطيني التي أضحت قضية كونية، تجسد الظلم وانتهاك حقوق الإنسان على مرأى ومسمع القرارات الدولية، إنها رؤيا شعرية تجاوزت مفهوم الغرض الشعري الموجه لشخص بعينه، كما أن الشاعر تخلى عن الصورة التقليدية التي تتغيى التوضيح عن طريق التجسيد المادي المحسوس إلى صورة انبنت في أساسها على لغة جديدة تقصد التعبير عن طريق ما أضفاه عليها الخرق الدلالي من قوة هائلة في التعبير، وما ألهمها الرمز من تعميق دلالي كبير، بالإضافة إلى القوالب التي زينت شكلها العام كالسطر الشعري والتنويع في القافية والروي، واعتماد التفعيلة الموزعة بنوع من التفاوت بين الأسطر الشعرية المتفاوتة الطول والمحكمة التماسك عن طريق التضمين والتدوير والوقفتين العروضية والدلالية. وبكل هذه المقومات التي ذكرنا.  يحق لنا القول بأن قصيدة محمود درويش(جواز السفر) تعد بحق من أفضل النماذج الشعرية التي تعبر عن تكسير البنية وتجديد الرؤيا في الشعر العربي الحديث.

 

بلال الدواح باحث من المغرب

 

علي القاسميالغزالة

بقلم: علي القاسمي

ألفيتني، والقمرُ بدرٌ في ليلة تمامه، أُطيلُ النظرَ إليه من فُرجة الخيمة المنصوبة في العراء، فيبادلني النظرَ ويزداد توهُّجاً واقتراباً من الأرض حتّى  يلامس نهاية الأفق بحافته الدائريّة. وجدتني، وسكونُ البادية يشحذ حواسِّي، أستجلي لونَه الفضيّ، أتملّى حُمرته الذهبيَّة، فتستدير حدقتا عيني مع استدارته. ينغرز فيه بصري، يغوص في أعماقه، ويندمج فيه. أبصرتني مأخوذاً بأشعّته المتهادية نحوي، تغسل وجهي برفق، ويستحمُّ فيها جسدي، وتنسكب في  عينَيّ، وتتسرَّب منهما إلى أعماقي، فتنبثّ خيوطُ ضوئه في أوصالي دونما صوتٍ ولا نأمة. رأيتني مشدوهاً بسناه، مخدّراً بنوره، وهو يتغلغل بنعومةٍ إلى باطني، ويذوب فيَّ مثلما يذوب قالبُ سكّر في ماء دافئ، فأشعر بسكِينةٍ تلفُّ أحاسيسي، واسترخاءٍ يهدهد بدني، كطفلٍ على وشك النوم في مهده المتأرجح.

كنتُ أظنّ أوَّل الأمر أنَّني أحدّق في سطحٍ مستوٍ مشعٍ، غير أنّني أخذتُ أتبين رويداً رويداً تضاريسَ وظلالاً كالوشم في وجه القمر. ثمَّ تبدّى لي في وسط القمر أو قدّامه،كائنٌ حيوانيّ يتحرَّك قليلاً، ثمَّ يكفّ عن الحركة. ولم أدرِ تماماً ما إذا كان ذلك الكائن يكمن في القمر نفسه أم إنّه يقف على الأرض في نهاية المسافة الممتدَّة بيني وبين القمر. وراح ذلك الحيوان يَتًّجه صوبي فاتّضح لي  رأسٌ جميل يعلوه قرنان صغيران وتتوسطه عينان واسعتان، ويتّصل به جسمٌ ضامرٌله سيقان رقيقة. إنّها غزالة تتحرَّك نحوي ببطءٍ وتَرَدُّد، والقمر يؤطِّرها من خلف، حتّى صارتْ تغطّي معظمه. وأخذتْ تدنو منّي شيئاً فشيئاً، ثمَّ توقّفتْ إزاء خيمتي، وهي تنظر إليَّ فتلتقي عيوننا في صمت.

لم أَذُق طعاماً يُذْكَر طيلة ثلاثة أيامٍ في تلك الصحراء الشاسعة القَفْر الخالية من أيّ نبات أو حيوان أو أيّ شيء آخر ما عدا كثبانٍ رمليَّةٍ تنتشر فيها على مدى البصر مثل انتشار الأمواج العالية على سطح البحر. لقد نَفَدَ طعامي وأوشك مخزونُ الماء على النفاد، فلم أستهلك منه إلا قطراتٍ في فتراتٍ متباعدةٍ، تبلُّ شفتي ولا تكاد تبلغ ريقي. ولم تَعُدْ سيّارتي تساوي حبةَ رملٍ، بعد أن توقّفتْ عن الحركة لانعدام الوقود. ولم تكُن خيمتي المنصوبة في قلب الصحراء، كرايةِ حدادٍ منكّسة، قادرةً على حمايتي من لفح الشمس التي كانت تصهر كلَّ شيءٍ تحتها، وتحيله إلى رمل مسحوق. وهكذا انقضَّ عليّ القلقُ نسراً ينهش عصافير الأمل الفَزِعة في نفسي، وأخذ صِلُّ الخوف يدبُّ في أوصالي.

وهبّتْ في أعماقي ريحُ الحنين إلى المدينة وشوارعها ومقاهيها وحدائقها ونافوراتها. وعجبتُ لنفسي كيف تضجر بين الحين والآخر من صخب المدينة وزحمتها، وتتوق إلى صمت الصحراء وفضائها الغارق في السكون. هكذا كنتُ دوماً، حياتي كلُّها سلسلةٌ متصلةٌ من التناقضات. أَترعُ كأسَ الرغبة بالشوق، ثمَّ في لحظةٍ واحدةٍ أُهْرِقه على بساط الملل؛ أُحلِّق على جناح الأمل إلى قِمَم الفرح، ثمَّ سرعان ما أهوى متشظياً إلى سفوح البؤس؛ أُغنّي للوصل أحلى الأغاني، وفجأةً أقطعها لأنشج بكائيات الهجر والحرمان.

ودبّتِ الساعات بطيئةً ثقيلةً مثل سلحفاة خائفة منكمشة، وكَلّت عيناي من التحديق في  الصحراء التي تحاصرني من جميع الاتجاهات، وتحيط بي كثبانها الرمليّة مثل قلاع منيعة يستحيل اختراقها. وتحت وطأة الجوع الذي كان يعضّني بضراوة، وبفعل العطش الذي كان يجففني مثل قطعةِ لحمٍ قديد، هامَ عقلي في سراب من الهواجس والرؤى. ورحتُ أجترُّ خوفي وأمضغ قلقي. ومن ربوةٍ رمليّةٍ صغيرةٍ تشبه الرمس، ارتفعَ شبحُ والدي بكفنه الأبيض، مُمتطياً صهوة جواده الأدهم، متقلِّداًبندقيته، كما لو كان في طريقه إلى الصيد. واستقرَّ على كتف أبي، بومٌ أسودَ بدلاً من صَقْره المدلَّل. وراح كلبُه السلوقي يعرج بإحدى قوائمه المبتورة، وهو يتلفّتُ إلى الجواد الذي فُقِئَتْ عيناه. وعندما اقترب أبي منّي أوقف جواده، وانحنى عليّ، ومدَّ يدَه إليَّ، ورفعني من الأرض وأردفني وراءه على الجواد كما كان يفعل في صغري، ثم عاد من حيث أتى وأخذ جواده يغوص في ذلك الرمس الرمليّ وأنا معه، فأشعر بذرات الرمل تندس في أنفي وتخنق أنفاسي. 

نظرتُ إلى الغزالة الواقفة أمامي. عيناها الجميلتان تذكرانني بعينَيّ الحبيبة الكحيلتين؛ فيهما معاني المحبّة ورقّة الاستعطاف. ولها لفتة الجيد ذاتها كذلك. غير أنّ هذه الغزالةَ هي أملي الوحيد في الصمود بعض الوقت ريثما تصل نجدة ما أو تمرّ قافلة. رمقتُها بنظرة ولهى على استحياء. يا إلهي، كم أنا بحاجة لدمها يروّي ظمئي! وما ألذَّ لحمها! . التفتُ إلى البندقية الملقاة على أرض الخيمة، فتذكرت أنّها هي الأخرى لا تساوي حبة رمل، فقد أَمْسَت مجرد قطعة من خشب جامد وحديد بارد بعد أن نفدت ذخيرتي، بسبب محاولاتي المتكررة الفاشلة لإصابة ذلك الضَّبّ اللعين. كان يمرق أمامي كالبرق ثم يختفي في جحر من جحوره المتعددة في قَلْب الكثبان الرملية، فأظلُّ أُطلق النار بجنون على الرمل. وفي كلّ محاولة لم أحصل على شيء سوى دويّ هائل سرعان ما تشربه الرمال، وأبقى أردد بصوت عال متوتر عبارة "وضعي أعقد من ذَنَب الضبّ".

حدجتُ الغزالة المنتصبة أمامي بنظرة متلهّفة. توهّمتُ أنّ قوّة خفيّة  ساقتها إليّ لإنقاذي. نظرتُ إليها ثانية نظرة انكسار واعتذار. تحسَّستُ خنجري المشدود على بطني الخاويّ. لا بدّ أن أُمسك بها أوّلاً. مددتُ يدي على مهل تجاه فَمِها، كما لو كنتُ أقدّم إليها شيئاً تأكله. لا بدّ أنّ الجوع هو الذي دفعها صوب خيمتي. أَدْنَتْ رأسها من يدي وهي تشمُّ كفِّي الفارغة. نهضتُ بحذر، فجفلتْ وتراجعتْ إلى الخلف بخفّة ثم توقفتْ. تقدَّمتُ صوبها ببطء. اقتربتُ منها مادّاً يدي نحوها. تراجعتْ مرّة أخرى وأنا أتبعها حتّى ابتعدنا عن الخيمة وصرنا في وسط العراء.

التقتْ نظراتنا مرّةً أُخرى. لم أرَ منها غير عينيْها هذه المرَّة. استرعى انتباهي احمرارٌ شديدٌ أخذ يكسوهما، ويُخفي تلك النظرة المنكسرة الحنون. وبدلاً منها لاحت لي نظرةٌ قاسيةٌ مريبة. انزلقت عيناي عن عينيْها إلى بقية وجهها، فأدهشني وأفزعني في آنٍ، منظرُ أنيابٍ حادَّةٍ يكشِّر عنها الفكان. وسرعان ما صدر عواءٌ خافتٌ متقطِّعٌ يُنذر بالشرِّ. وقبل أن أستجمع شتات فكري المشدوه، أَحْسستُ بمخالبَ حادةٍ تنغرز في صدري وبطني، وبأنيابٍ شرهةٍ تمتدُّ إلى وجهي. وفي طُوفان الرعب الذي اجتاحني بفعل المفاجأة، اختلطت الأمور في ذهني. غير أنَّ الشيء الوحيد الذي تأكَّد لي هو سقوطي على الأرض مستلقياَ على قفاي، وفوقي ذِئْبٌ شرسٌ على وشك أن ينهش وجهي، ويقطّعه إرباً بأنيابه الحادَّة. وألفيتني أُطلق صرخةٌ رعبٍ تمزِّق سكون الليل، يتراجع على إثرها الذئب قليلاً، ليتأهَّب للانقضاض عليّ في هجمةٍ جديدةٍ حاسمة.

وفي غمرة اضطرابي، امتدتْ أَصابعُ يدي المرتجفة إلى خنجري، فاستللتُه من غمده، ثمَّ أمسكتُه بكلتا يديّ، وأسندتُه إلى صدري،كأنّي أحتمي به. وفي تلك اللحظة، انقضَّ الذئبُ عليَّ، بقفزةٍ هائلةٍ، فانغرزَ نصلُ الخنجر، في موضع القلب من صدره. ووجدتني في حالةٍ من الهيجان والصراخ، وأنا أغمد الخنجرَ، أكثر فأكثر في جسده، لينبجس الدم الحارُّ منه، فيغطّي وجهي كلَّه، ويندلق في فمي،ويُطفئ ظمئي.

.....................

من مجموعة قصصية عنوانها "دوائر الأحزان"، الطبعة الخامسة (الدار البيضاء: دار الثقافة 2019) الطبعة الأولى (القاهرة: دار ميريت،  2005)

***

سحر الحكاية في قصص علي القاسمي.. قراءة في قصة "الغزالة"

صعوبة القصة القصيرة:

بادئ ذي بدئ ينبغي أن نعترف أنه ليس من السهل أن تكتب قصة قصيرة، فتجارب العديد من الكتاب تشهد أنهم استهلوا حياتهم الأدبية بفن القصة القصيرة، وحين استحوذ عليهم الفشل وضاقت بهم السبل تحولوا إلى الرواية والشعر أو ممارسة النقد. ولعل نجيب محفوظ في مصر وإدريس الناقوري ونجيب العوفي في المغرب خير مثال على ذلك ورغم ذلك نجد بعض الكتاب امتطوا صهوة التحدي وأصروا على سبر أغوار هذا الفن واقتحام أدغاله مؤثرين المعاناة والمكابدة على السير في طريق معبدة. ومن هؤلاء نجد الدكتور علي القاسمي الذي نشر في الآونة الأخيرة العديد من القصص القصيرة في المغرب وفي المشرق على السواء. والغريب أن النقد لم يلتفت إلى ما صدر عن هذا الرجل رغم توافر العديد من عناصر الجدّة والجودة فيه، وكأن النقاد أبَوا أن يعترفوا به كاتبًا للقصة القصيرة، وفضّلوا أن يبقى في المجال الذي مارسه وبرع فيه ونعني به علم المصطلح وما يتعلق به. وقد صدرت له مؤخراً قصة قصيرة بجريدة يمنية قدم لها الشاعر الناقد الدكتور عبد العزيز المقالح بعبارات شديدة الإيجاز لكنها تحمل من غنى الدلالة وقوة المعنى  ما ينطق صراحة بنضج القصة واستواءها فنيا وبتنوع واتساع ثقافة صاحبها. يقول الدكتور المقالح متحدثا عن تطور الفن القصصي في الوطن العربي بعد أن استبد به الإعجاب بقصة الدكتور علي القاسمي وبقصص أخرى :    " ويكفي أن أقلية متميزة بدأت تكتب القصة القصيرة بمفهومها الأحدث وقد تحولت كتابة القصة عند هؤلاء من هواية إلى رغبة عميقة وإلى محاولة تتجاوز السائد في هذا الفن ليس على الواقع المحلى وإنما على المستوى العربي أيضا وأمامي وأنا أكتب هذه الومضات نماذج ترقى إلى أفضل مستويات القصة القصيرة في الوطن العربي والعالم بعد أن تخلت عن العبارات الإنشائية والوصف الفضفاض، واعتمدت الكلمة  الدالة الموحية، وهذا ما يجعلني أكرر مقولات سابقة حاولت أن تؤكد على حقيقة أن القصة القصيرة هي قصيدة العصر الحديث وأنها استطاعت بما امتلكه كتابها من موهبة وثقافة واسعة أن يأخذوا أجمل ما في الشعر وهو اللغة وأجمل ما في القصة وهي الحكاية ويخرجوا إلى القارئ بهذا المزيج البديع الذي يسمى بالقصة القصيرة المعاصرة."

وفي الحق أن حكم الدكتور المقالح ليس وليد قراءة عجلى وسريعة ولا نابع عن محاباة ومجاملة.

تستوي قصة الغزالة على رقعة مكانية صغيرة إذ غطت ربع صفحة لا غير، أي  ثلاثة أعمدة لا يتجاوز طول الواحد أربعين سطرا وكل سطر يتكون من بضع كلمات  لا يفوق عددها خمسا أو ستا على الأكثر وعمودا رابعا يتعدى الثلاثة بقليل. وتستغرق قراءة القصة ربع ساعة في أكثر الأحوال، وهي تنهض على موقف واحد تناوله الكاتب بكثير من الكثافة والتركيز اللذين تتطلبهما وحدة الزمان والمكان وهو ما أهلها أن تتمدد على سرير القصة القصيرة بجدارة واستحقاق ومن دون حاجة إلى الاستنجاد بسرير بروست .

سحر الحكاية:

باسم الحداثة، قام الكثير ممن يسمون أنفسهم كتّابًا بإخراج نصوص تتشكل من جمل متناثرة لا رابط بينها ولا معنى لها وسمّوها قصصا قصيرة تروم بناءً حديثاً يسعى إلى التجاوز و خلخلة أنماط السرد التقليدي وزحزحة أفق انتظار القارئ.  وعوض أن تجتذب هذه القصص القارئ وتستهويه حدث العكس، لأنها تفتقد تلك المتعة التي كانت توفرها كل أنواع السرد والتي تنهض أساسا على الحكاية ، صحيح أن الأجناس الأدبية في حاجة إلى التغيير والتطوير، لكن من غير أن تتلاشى المبادئ الأساس التي تكوّنها . فالتجاوز يتم في إطار القواعد نفسها التي يقوم عليها كل جنس .

إن الدكتور علي القاسمي شديد الوعي بهذه المسألة لذلك تجده يحرص كل الحرص على إضفاء طابع الجدة على كتاباته من غير أن ينزلق في متاهات الغموض، متسلحا بكثير من تقنيات الكتابة القصصية، وتجده أيضا يصر على إمتاع القارئ وإهدائه لذة القراءة من خلال حكاية مشوقة يمتزج فيها الواقعي بالمتخيل ويأخذ فيها العجائبي بعدا رمزيا.

العجائبية:

يحاول كثير من كتاب القصة والرواية توظيف العنصر العجائبي في أعمالهم الإبداعية ولكن نادرا ما ينجحون في ذلك لعجزهم عن جعله عنصرا فاعلا في السرد يلتحم مع باقي العناصر ليشكّل لوحة سردية واحدة ذات بناء متراص ومتكامل، فتتحول نصوصهم إلى عناصر متفككة تبدو عليها كثير من علامات التكلّـف والتصنّع، ولا تحمل أي مدلول ولا تبشر برؤية واضحة أو هدف مرسوم. وحين نقرأ قصة "الغزالة" للدكتور علي القاسمي نكتشف قدرته البارعة على تجاوز هذا المنزلق، ونقف على نجاحه في بناء عالم عجائبي تتقاسم فيه البطولة أجناس مختلفة، وتتصارع فيه الشخوص صراعا يجذبك إلى فضاء يشعرك بكثير من التردد والدهشة وأنت ترى الأحداث تنمو وتتفاعل في اتساق وانتظام، فيأخذ الواقعي والعجائبي بُعداً واحداً، وتمتزج الأشياء وتختلط وتصير شيئا واحداً، إذ تنمحي الحدود بين الإنسان والحيوان ويشتركان في القسمات والعلامات، ويتحد الثابت والمتحرك ويتساويان في الصفات والأفعال، وهكذا  لا نميّز في البطولة بين البطل الإنسان والغزالة والذئب، ولا نفرّق في المكان بين الصحراء والخيمة والمدينة ، إذ تسهم هذه العناصر جميعها في بناء القصة وتتضافر من أجل أن تعطينا نصا له نكهة خاصة تتأسس على مفهومي " الانقلاب والمفاجأة " (1)، وهذا يذكرنا بنصوص مبدعين كبار نذكر منهم أحمد بوزفور في رائعته " حدث ذات يوم في الجبل الأقرع " التي توجد ضمن مجموعته القصصية " النظر في الوجه العزيز" مع اختلافات طبعا في طريقة الحكي وملامسة القضايا والإشكالات.

إن الدكتور علي القاسمي نجح في تجاوز تقنيات الوصفة والمعايير وتجاوز مستوى الانتماء التصنيفي وخص نفسه بخطاب وصنعة تلفّظ منفردة من خلال علاقة تحويل لا علاقة استنساخ.(2)

البعد الرمزي:

إن المتأمل في قصة الغزالة يلاحظ ورود كثير من الرموز التي وظفت في أدبنا العربي قديمه وحديثه: الصحراء، والغزالة، والذئب، والدم. ومن الذين وردت هذه الرموز كثيراً في أشعارهم نذكر الشاعر العذري قيس بن الملوح الملقّب بمجنون ليلى والذي وجد النقّاد في أشعاره مجالاً خصباً لتجريب مناهجهم الحديثة وبخاصة المنهج النفسي. وإذا كان قيس بن الملوح قد نقل " مأساته وصوّرها في هذا المشهد الصحراوي صراع بين ذئب عاد وظبي  جميل مع انتصاره هو للظبي وانتقامه من الذئب" (3)، فإن الدكتور علي القاسمي قام باختزال الصراع الذي يعيشه الإنسان مع ذاته ومع الآخر في ظل التحولات السريعة والمعقدة التي يشهدها العالم المعاصر، تاركاً باب تعدد القراءات والتأويلات مفتوحاً على مصراعيه، ما دام النص قابلاً لكل الاحتمالات.

جمالية اللغة:

رغم أن الكاتب يؤلف باستمرار في مجال علم المصطلح وصناعة المعجم، ورغم دأبه على حضور الندوات واللقاءات العلمية وحرصه على إثراء النقاشات بآرائه، ورغم أن هذه المشاركات تتطلب لغة علمية دقيقة ليس فيها إيحاء أو مجاز أو رمز، فإن صاحبنا حين يخلع عنه بردة العالم ويرتدي لباس الأدباء، تتغير لغته أيضاً وتأخذ تلوينات وأشكالاً مختلفة وتصبح لغة مجازية فيها إيحاء وفيها انسياب وفيها ماء ورونق، على حد تعبير البلاغيين، إذ يتعذّر أن نصادف كلمة تخالف الذوق أو تعبيراً  معقداً أو فكرة غامضة؛ كل شيء يخضع لميزان السهولة والوضوح في غير إفراط، وانزياح في غير تفريط.

 

الدكتور عبد الحميد العبدوني

..........................

أستاذ النقد الأدبي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في مكناس ـ المغرب

(1) إدريس الناقوري ، ضحك كالبكا (الرباط: دار النشر المغربية، 1985) ط1،ص 120

(2) محمد برادة،  لغة الطفولة والحلم (الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986.

(3) محمد غنيمي هلال، "مجنون ليلى بين الأدب العربي والفارسي" في مجلة "فصول" العدد الثالث 1983، ص 151

 

 

معراج احمد الندويالملخص: انتهل الدكتور نجيب الكيلاني من مناهل الشرق والغرب ولكنه مثل في كتاباته الواقعية الإسلامية، لا الواقعية الأوربية، لأنه رأى أن الواقعية الأوربية هي محكومة بروح الإسلام. برز هذا الأديب العبقري كرائدا من رواد الفكر الإسلامي المعاصر والقصة الإسلامية في العصر الحديث. له اسهامات جيدة في تطوير الأدب الإسلامي عن طريق القصة والرواية والمسرحيات ألف روايات تاريخية مستمدة من التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية وعالج القضايا الإجتماعية والسياسية عن طريق رواياته وقصصه لإبراز الإتجاه الإسلامي.

 المدخل:

كان الدكتور نجيب الكيلاني عبقريا من عباقرة الإسلام ورائدا من رواد الفكر الإسلامي المعاصر والقصة الإسلامية في العصر الحديث. استقى نجيب الكيلاني فكره الإسلامي من ينابيع االأصلية القرآن والسنة ورأى أن الإسلام هو دين المساواة، ودين العلم ودين الأخلاق والفضائل، ودين العزة والكرامة، لا دين الضعف والخرافات والبدع. ومن سمات رواياته أنه يضمن الحوار الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. تظهر براعته في الوصف وتشخيص الأحداث وسرد الحكايات. فهو يستلهم أحداث التاريخ وشخصياته ويشيرا في نفس الوقت إلى احداث الواقع وشخصياته. ولم يسمح نجيب في رواياته أن تخل الفكرة التي يدعو إليها وينتصر لها أحيانا بل التزم بالشكل الفني للرواية. 

مولده ونشأته:

 ولد نجيب الكيلاني بن الكيلاني بن إبراهيم بن عبد اللطيف في قرية "شرشابه" في محافظة غربية من محافظات مصر في أول من يونيو عام1931م في أسرة متوسطة ليست لها سمعة في الثروة والثقافة.[i] بدأ القراءة والكتابة على كتاب القرية وحفظ أكثر من سور القرآن الكريم. دخل في مدرسة سنباط للدراسة الإبتدائية الرسمية ثم التحق بمدرسة "طنطا" للمرحلة الثانوية. قصد إلى جامعة فؤاد الأول وهو يريد الدخول في كلية الآداب أو الحقوق ولكنه مع رغمه الشديد إلى الأدب دخل في كلية الطب. وفي أثناء دراسته انضم إلى جماعة الإخوان وبينما كان في السنة الرابعة في كلية الطب القى القبض بسبب صلاته بجماعة الإخوان. قضى في السجن مدة أكثر من ثلاث سنوات وبعد اطلاق سراحه أكمل دراسته. لم تظهر في بداية أمره ميوله إلى الأدب ولكنه كان مغرما بالقراءة لدراسات الأدباء والشعراء من أمثال الشهيد سيد قطب ومصطفى صادق الرافعي وتأثر بهم تأثرا عميقا. وبعد التخرج من كلية الطب بدأ حياته العملية والمهنية في الوحدات المجمعة في وزارة النقل وثم التحق بمجمع السلك الحديد الطبي في مصر. ولكنه لك تطب هذه الوظيفة فتركها وسافر إلى الكويت طلبا للحياة الناعمة وللرزق المرتاح. ثم غادر إلى الإمارات العربية المتحدة وعمل هناك كمدير للثقافة الصحية في وزارة الصحة. شارك في بحث الحلول لقضايا الأمة الإسلامية المعاصرة. أدرك أهمية الأدب وتأثيره على أذهان الناس ودوره في بناء المجتمع. فدعا إلى أن يكون للمسلمين أدب متميز. لقد استمر الدكتور نجيب الكيلاني في إقامة منهج إسلامي في الأدب بنشر مقالاته وبحوثه حتى أتاه اليقين في القاهرة.

فاز بجائزة التراجم والسير عن كتابه "اقبال الثائر"عام 1957م. وفي عام 1958م فاز مرة أخرى بعدد من جوائز من وزارة التربية والتعليم. ففي مجال الدراسة الفسية والإجتماعية فاز كتابه "المجتمع المريض" وهو دراسة متميزة عن مجتمع السجون. وفي مجال الرواية فازت قصته "في الظلام" كما فازت بجائزة مجلة "الشبان المسلمين" في مسابقة القصة القصيرة التي أعلن عنها عام 1957م. وفي عام 1959م فاز بجائزة القصة القصيرة لنادي القصة القصيرة الميدالية الذهبية كما فاز في 1960م بجائة المجلس الاعلى لرعاية الفنون والآدب على روايته " اليوم الموعود". 

أثاره العلمية والأدبية:

تنوعت مواهب نجيب الكيلاني الفنية وتعدد انتاجه الأدبي بين الشعر ةالمسرحية والرواية والقصة. وهذا التنوع في أدب نجيب الكيلاني يؤكدأنه قد أصدر في أدبه عن ألوان متعددة وأنماط مختلفة من أشكال التعبير الأدبية من الرواية والقصة والمسرحية والبحوث والدرسات والمقالات والكتب الطبية. يبلغ عدد رواياته 43 رواية. وله مسرحيات استلهمها من التاريخ.

الواقعية الإسلامية في رويات نجيب الكيلاني:

قد انتهل الدكتور نجيب الكيلاني من مناهل الشرق والغرب ولكنه مثل في كتاباته الواقعية الإسلامية، لا الواقعية الأوربية لأنه رأى أن الواقعية الأوربية هي محكومة بروح الإسلام. أما ميزته الأدبية القصصية فهي إبراز الواقعية الإسلامية. يقول الدكتور محمد حلمي في هذا الصدد: "أن الواقية لدى نجيب الكيلاني تعني الإنتماء لقضايا الأمة والاهتمام بشؤون الناس وأمرهم مواجهة المشكلات الخطيرة التي يعانوها بطريقة جادة واثقة، لذا دارت أحداث رواياته في بيئة يتعرض أهلها عادة للظلم والقهر ويعانون الفقر والقمع، ويعيشون بين مطرفة الخوف وسنوان النفاق. وقد قدم الكتب نماذج لشخصيات مؤمنة تجعل غاياتها إرضاء الله قبل إرضاء الناس.[ii] كان نجيب في آثاره صاحب فكرة وصاحب رسالة يدعو إليها ويسعى إلى خدمتها ويسلك في سبيلها كل الطرق ما دامت سليمة من الخطل، بعيدة عن المزالق التي لا تؤدي إلى إلى خير، دون أن يخالف في ذلك لومة لائم. وليس اتجاه نجيب إلى النتاريخ الإسلامي في رواياته هروبا من الواقع، بل هو محاولة لفهم التاريخ والتبصر فيه والاتعاظ به والاستفادة منه لإحياء التراث الإسلامي. يقول سماحة الشيخ العلامة أبو الحسن علي الندوي: "إن حياة الدكتور نجيب الكيلاني حافلة بالعطاءات الأدبية. وقد خلد بقلمه آثارا قيمة نالت الاعتراف من رجال الفن والأدب وغطت أعماله جميع أقسام الأدب. فقد كان كاتبا قصصيا. له اتجاه خاص في القصة. ولم يكن الكاتب كالأدباء الآخرين مصورا لواقع الحياة وإنما كان معالجا ومحللا لقضايا الحياة.

نجيب الكيلاني وروايته "نور الله" نموذج إسلامي في الرواية الحديثة:

هذه الرواية رواية تاريخية تستمد أحداثها من التاريخ الإسلامي وتمتد من البعثة المحمدية إلى فتح مكة. صور المؤلف فيها أهم الأحداث من السيرة النبوية مثل الهجرة من مكة إلى الحبشة وصلح الحديبية وأحوال يهود بني قريضة وبني قينقاع وبني نضير وقصة عمر رضي الله عنه كيف أنه اسلم وما إلى ذلك. وظلت الرواية تلتزم بالنزعات الإسلامية في عرض كل من الأحداث التاريخية التزاما تاما مع مرااعاة الفنية واختيار اللغة المناسبة لفن الرواية. ويرتسم من خلالها ملحمة الصراع بين الحق والباطل كما يبرز الكاتب سماحة تعاليم الإسلام وموقفه مع التعايش السلمي مع أعداه. والجدير بالذكر أنه مزج الفن بالتاريخ دون أن يغطي أحدهما على الآخر.[iii] استعرض الكاتب الوقائع التاريخية الإسلامية وجعل الشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي أبطالها. نجد كل المحاسن الفنية في هذه الرواية كالوحدة في الموضوع والتشويق من البداية إلى النهاية. زين صاحبه لغته بإستخدام الألفاظ القرانية والتراكيب المستمدة من آيات القرآن والحديث الشريف. تميز الدكتور الكيلاني عن الكتاب الآخرين بفكرته السليمة وعرض الدعوة الإسلامية وترسيخ دعائم العقيدة وإبراز الجوانب المشرقة للحضارة الإسلامية.[iv] دعنا نقرأ كيف يصور عن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في الحوار بين بطلي الرواية وهو يقول: " هذا ما أمرنا به رسول الله الكريم، محمد بن عبد الله.. ومحمد يا أم عبد الله.. رجل.. طيب.. شريف.. صادق.. ليس في يده سوط، ولا يسوق الناس بالقهر والإذلال. إنه لا يملك غير الكلمة المضيئة، والحجة الدامغة، والسلوك البا هر. إنه حبيب القفراء والعبيد والمسكين.. أجل.. أقول الكلمة المضيئة، إنها شيئ كبير يا إمرأة.. ألم تعجز السيوف عن إطفاء نورها، لكأن المعذبين والمضطهدين منا زيت يمد تلك الكلمة بمزيد من الضياء والقوة.. لا إله إلا الله محمد رسول الله."[v] ومن سمات رواياته أنه يضمن الحوار الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. تظهر براعته في الوصف وتشخيص الأحداث وسرد الحكايات. فهو يستلهم أحداث التاريخ وشخصياته ويشيرا في نفس الوقت إلى احداث الواقع وشخصياته. ولم يسمح نجيب في رواياته أن تخل الفكرة التي يدعو إليها وينتصر لها أحيانا بل التزم بالشكل الفني للرواية. 

الحب في رواية" نور الله":

يستعمل الكاتب في هذه الرواية عنصر الحب وذكر الجنس لعرض الدعوة الإسلامية من خلالها ولإصلاح المجتمع ولإنفاذ الأقدار السليمة. يجعل الكاتب الحب سببا للخير والسعادة. وفي هذا السياق نقرأ الحوار الذي دار بين الحبيبين حول الموضوعات الملتزمة وهو يقول: "قالت هند وقطرات الدمع تبلل أهدابها.. آمنت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا.. ثم انكفأت على ذراعه وأخذت تقول في براءة وهي تبكي: سامحني با رابح.. لقد ارتعدت مفاصلي من ذكر الموت.. إني أحبك يا رابح، وأتمنى أن نظل معا في الدنيا والآخرة.. أن نحيها، وأن نموت معا، وأن نبعث معا.. إن وجودك إلى جواري متعة ما بهدها متعة.. أعذرني أيها الحبيب.. حدثني كثيرا عن الله.. عن محمد.. عن دين الله.. أريد أن أكون مثلك.. بل ليتني استطيع أن أحمل سيفي وأعلو به هامات المشركين والمنافقين.. إن الموت الذي تتحدث عنه رائع حقا.. إنني في مسيس الحاجة لأن يقوى إيماني أكثر وأكثر.. أن أنسى كل شئي تافه ولا أذكر سوى الأشياء العظيمة التي يعلمنا إياها رسول الله.. وتمتم رابح: لقد قال الرسول يا هند "لن يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.. قالت هند: وهي تجفف دموعها: وهذا هو السر الذي جعلكم نتدفعون وراءه في شوق جارف تاركين ورائكم الدنيا بكل ما فيها من مال وزخارف وأهل وولد.. لقد كنت أحب الرسول حبا كبيرا.. أما حبي له الآن فقد نما وازداد .. إنني أحبه لأنه الرسول.. وأحبه أيضا من خلالك.. إن الرجل الذي تزوجني من صنع كلمات محمد.. أعني أنه سوى فكرك، وشكل قلبك وروحك .. وهذب سلوكك وكلماتك.. وأنت من تكون؟؟؟ أنت الفكر والقلب والروح والسلوك.. هذا ما أحبه فيك.. انفجر رابح ضاحكا وهو يقول: تتكلمين وكأنك عجوز في الستين.. وأنت تتحدث وكأنك فيلسوف في الثمانين.."[vi]

وفي هذه الرواية يقدم أم عبد الله كإمرأة مؤمنة مكافحة صابرة. فإن الكيلاني يؤمن بأن المرأة هي نصف المجتمع و صانعة الأجيال ولذلك يصور المرأة في معظم رواياته كالمرأة الملتزمة بالقيم الإسلامية والشرقية ويعرض الحياة الزوجية الصحيحة دون الإضطرابية والمتخاصمة. قد بدأ للدارس من خلال هذه الرواية حشد كبير من المظاهر الإسلامية تتجلى من خلالها ثقافته الدينية ورؤيته الإسلامية.

نتيجة البحث:

 لقد حاول نجيب الكيلاني في روايته أن يبرز من خلالها الفكر الإسلامي والقيم الإسلامية في صورة فنية ممتعة. ومن أهم منجزاته الدعوة إلى قيام أدب إسلامي فجعل الفكر الإسلامي من فلسفة لأدبه ومنهجا لحياته وتعمق فيه تعمقا كبيرا. وظلت دراسته للفكر الإسلامي باقية يقوتها إلى آخر حياته ولم يتخيل عن فكره الإسلامي بل ظل متمسكا به ومتحمسا له ومدافعا عنه بفنه وأدبه. استقى نجيب الكيلاني فكره الإسلامي من ينابيع االأصلية القرآن والسنة ورأى أن الإسلام هو دين المساواة، ودين العلم ودين الأخلاق والفضائل، ودين العزة والكرامة، لا دين الضعف والخرافات والبدع. وهو يؤمن أن الإسلام هو قوة روحية ومدنية كبرى، وأن الإنسانية الحائرة تحتاج دائما إلى الاهتداء بنوره. يتجلى اتجا هه الإسلامي والتزامه في آثاره الروائية والقصصية والمسرحية بصورة واضحة. واليوم أخذ اسمه يتردد في أنحاء العالم الإسلامي والعربي حيث أصبح علما مدرسة الأدب الإسلامي.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

....

الهوامش:

[i] د.عبد بن صالح العريني: الإتجاه الإسلامي في أعمال نجيب الكيلاني ص42

[ii] د. حلمي محمد القاعود، الواقعة الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني، عمان، 1996 ص 131

[iii] دكتور محمد طارق الايوبي الندوي، الأدب الإسلامي رؤية وتاريخ، مركز الثقافة والتحقيق، عليجراه، الهند 2014م، ص 234

[iv] المصدر السابق،ص 236

[v]  الدكتور نجيب الكيلاني، نور الله، ص18

[vi] المصدر السابق، ص 258

 

 

مادونا عسكرقراءة في نصّ للشّاعر التّونسيّ يوسف الهمّامي

- النّصّ:

يَذْكرك الماء

عند ظلاله..

يجدّد لك

تحت كلّ شجرة بَيْعة

..

منزلة النّور

دفقة حليب في خمرة الظّلمة..

فصاحة العشق

ضحكة عشب في العينين

منذ أن أنشأ الله

شجرةَ الخلق

وأنا ألملمك في ابتسامتي..

..

عند سَهْوِي

تخاطبك باسمي الأشياء

تعرب لك عن خلاصة روحي ..

عند نَوْمِي

تأتيك روحي على شكل إلاه شَدْوٍ

تغنّي لك في الرّحاب

..

الصّمت يغرقني فيك

يغرقك

وطأة الكون ترتفع..

تثرثرني التّلال

تومئ بي الحقول

إذْ يتّقد شَيْبُ خضرتها ..

..

خاب ظنّ الأرضيّين جميعا

وَصَدَقَتْ نجمتي:

اسْمُكِ قبل البدء كان يوسف

- القراءة:

"ليس النّص بالشّيء المغلق على ذاته، بل هو مشروع كون جديد منفصل عن الكون الّذي نعيش فيه"

(بول ريكور)

يشتغل الشّاعر في هذا النّص لا على مشروع كون جديد منفصل عن الكون الّذي نعيش فيه وحسب، بل إنّه يرى ذاته في الوجود الأصل، منبع الوحي والإلهام وموطن النّور. فينفتح النّصّ على عالم الأنوار العلويّة في افتتاحيّة تتماهى والنّور الحاضر في قلب الشّاعر وذهنه.

تجتمع في النّصّ ثلاثة عناصر وهي في واقع الحال عنصر واحد: الماء، النّور، الله. ويعي الشّاعر تماماً هذه الوحدة فيما بينها، إلّا أنّه يبيّن حالة خاصّة أرادها  كوناً مفتوحاً يُخرج القارئ من ذاته ليتعرّف على كون الشّاعر من جهة، ومن جهة أخرى ليستدلّ على كينونة الشّاعر الحاضر في العالم القدسيّ. فيمتزج الشّعر في ما يشبه النّبوّة أو الرّسوليّة ليتحدّد للقارئ قيمة النّصّ الشّعريّ الممتزج بالعالم العلويّ. بمعنى آخر، لا يكون الشّعر شعراً إلّا إذا مازج الأنوار العلويّة، بل إنّ هذه الأنوار هي منبعه ومصدره.

لعلّ افتتاحيّة الشّاعر في السّطور الأولى مرتبطة بالآية القرآنيّة "والله خلق كلّ دابّة من ماء". لكنّ هذا العنصر، أي الماء، يخفي ضمناً المرافقة الإلهيّة للشّاعر (يذكرك الماء). فينبّه القارئ إلى تصوّف خاص أو اختبار خاصّ معني به  يعبّر من خلاله عن خصوصيّة العلاقة مع الله الّتي تفيض شعراً. (يذكرك الماء/ عند ظلاله). لفظ  (الظّلال) عائد إلى الله المحتجب في رمز الماء الّذي يذكر الشّاعر. "أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (الفرقان/ 45)، ولفظ (الشّجرة) الدّالّ على النّفس بحسب التّعريف الصّوفيّ يظهر رسوليّة الشّعر أو الشّاعر نفسه حيث يقول: (يجدّد لك تحت كلّ شجرة بيعة). وما هذه العبارة إلّا دلالة على انفتاح الشّاعر على النّور الإلهيّ، ليكون الشّعر شعاعاً يعكس بعضاً من الأنوار ولكن بحالة متجدّدة ومستديمة.  فكأنّ النّور الإلهيّ يفيض عليه بغزارة يعبّر عنها التّجدّد، وإن أحالت القارئ إلى حادثة "بيعة الرّضوان" ودلالتها الإيمانيّة القويّة بين الرّسول محمدّ وأصحابه، وورد ذكرها في القرآن الكريم: "لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا"/ الفتح (18). إنّ للآية رجعا كذلك في العمليّة الشّعريّة الّتي تتّخذ نزعة الإلهام والفتح الإلهيّ.

يتبيّن حضور الشّاعر بشعره في هذا الكون حضوراً سماويّاً، أو بمعنى أصحّ يرى الشّاعر نفسه من خلال هذه الحالة العلويّة. (منزلة النّور/ دفقة حليب في خمرة الظّلمة)، الحليب شراب أهل الجنّة بحسب القرآن الكريم، وهو لفظ يشير هنا إلى دفق الخير في ظلمة النّفوس أو ظلمة العالم، يستكمله  بتحديد هذا الحضور الكائن في فكر الله (منذ أن أنشأ الله/ شجرةَ الخلق/ وأنا ألملمك في ابتسامتي.. ) فالشّاعر حاضر في فكر الله قبل الخلق كأيّ إنسان، لكنّ التّميّز هنا في قدرة الشّاعر على الانفتاح  القلبيّ على النّور ليصير شاعراً.

نتلمّس في العبارة (وأنا ألملمك في ابتسامتي) صوتاً خفيّاً مخفيّاً يدلّ عليه الشّاعر بضمير المتكلّم (أنا). لعلّه صوت الإنسان المكتشف لكينونة الشاعر كفعل تأمّل بحالته الصّوفيّة وما بلغه من استنارة.  أو لعلّه  شعور خاص عصيّ على اللّغة. أم إنّه صوت آخر نابع من عمق الشّاعر، لكنّه ليس صوت الشّاعر. وإنّما هو صوت هادئ ساكن يمازج صوت الشّاعر. وكأنّي به تنكشف له أسرار لا ينطق بها. فيخفيها في ظلّ ابتسامة صامتة عميقة تحيلنا إلى لحظات الخلق الأولى الّتي تسبق المعصية. فالشّاعر أتى على ذكر شجرة الخلق دون ذكر الأكل منها.

عند سَهْوِي

تخاطبك باسمي الأشياء

تعرب لك عن خلاصة روحي ..

عند نَوْمِي

تأتيك روحي على شكل إلاه شَدْوٍ

تغنّي لك في الرّحاب

لا ينفصل هذا المقطع عمّا سبقه. فهو مرتبط به ضمنيّاً. فالصّوت يتمدّد في نفس الشّاعر مانحاً إيّاه الطّمأنينة والأمان؛ لأنّ مصدره نورانيّ (تأتيك روحي على شكل إله شَدْوٍ/ تغنّي لك في الرّحاب) وإن دلّت هاتين العبارتين على أمر، فهما تدلّان على كونيّة الشّاعر وحضوره الصّامت المتمدّد في الكون. لكنّ هذا الصّمت فاعل ومدوٍّ، وهو الّذي جعله منصتاً إلى صوته الدّاخليّ، فكانت القصيدة. (الصّمت يغرقني فيك / يغرقك/ وطأة الكون ترتفع..)، بقدر ما يشتدّ الصّمت تتوهّج القصيدة ويغرق الشّاعر في كونه ويقوى حضوره الشّعريّ (تثرثرني التّلال/ تومئ بي الحقول)، ويتّحد بالصّوت الّذي يكشف عنه في نهاية القصيدة. إنّه الصّوت العميق في قلبه الّذي عرفه وعرّفه سرّ الحضور الّذي تاه عن محيطه.

خاب ظنّ الأرضيّين جميعا

وَصَدَقَتْ نجمتي:

اسْمُكِ قبل البدء كان يوسف

يعيدنا  القسم الأخير من القصيدة إلى بدايتها مكرّساً الحضور السّماويّ. فباستخدام الشّاعر للفظ (الأرضيّين) انفصال عن الكون الّذي يعيش فيه. ترافقه نجمته الّتي حضرت  في القصيدة كلّها إلّا أنّها لم تظهر بوضوح إلّا في الختام. لكنّ حضورها يمنح النّصّ آفاقاً جديدة مفتوحة على الأعماق السّماويّة. هي الّتي تعرفه لأنّها  هو. فالاثنان معاً منفصلان عن الكون اللّذان يعيشان فيه. هما اثنان في الظّاهر، واحد ضمناً (نجمتي) "لأن النّجمة الّتي في السّماء هي النّجمة الّتي في القلب." (أنسي الحاج)

 

مادونا عسكر/ لبنان