جمعة عبد اللهتحاول الكاتبة (منتهى البدران) ان تسلط الضوء الكاشف على الواقع المأساوي، الذي تعيشه المرأة في احضان المجتمع القبلي . الذي تتحكم به السلطة الذكورية، في التمسك بالقشور في الموروثات الاجتماعية والدينية . التي تحرث في خنق ومحاصرة المرأة في الانتهاكات الصارخة . في مجتمع لا يرى المرأة مستورة إلا تحت وصاية الرجل . وان تنظر من خلال ثقوب عباءة الرجل المسموح بها . والباقي الثقوب خطوط حمراء . وبكل بساطة كأنها مظاهر روتينية، ان يضع المرأة في دوامة المرارة والحرمان . في السلب والاستلاب ابسط الحقوق الانسانية والاجتماعية . ان تكون ماكنة لتوليد الهموم والمعاناة، في واقع محافظ جاف بحجة التمسك بالشريعة الاسلامية . كأن هذه الشريعة لا تحترم ولا تحافظ على حرمة المرأة وانسانيتها . شريعة تعطي كل شيء للرجل وتحرم كل شيء للمرأة، هذا الفهم الخاطئ للشريعة. ان تجعل الرجل متغطرس أزاء معاملة المرأة وكيانها النسوي .

هذه حثيثات المسار الحدث السردي . الذي تفاعل النص الروائي في الغور الى اعماق الواقع الاجتماعي في التفاصيل اليومية الدقيقة الى حد الاسراف . لكنه من جانب آخر يسلط كامل الصورة المأساوية للسيرة الذاتية لمحور شخصية الرواية (هدى) . فلم تغب عن الحبكة السردية كل شاردة وواردة بلغة السرد المشوق والمرهف الذي يشد القارئ شداً، في أسلوبية مزجت فيها الاسلوب الكلاسيكي القديم في السرد الروائي، او الاسلوب الحكائي في السرد، لكنه مطعماً بالاسلوب الحداثي في فن الروائي الحديث . في تطعيم مسار الاحداث الجارية والمتسارعة في الحبكة السردية، في توظيف ببراعة شبكات التواصل الاجتماعي النت . وهواتف النقال والمراسلات الايميلية . وكذلك المنولوج الداخلي والخارجي في سيرة حياة (هدى) منذ طفولتها ونشأتها في عائلة دينية محافظة . بسلطة الاب الشغوف والرحيم، في التفاني في تقديم العون والمساعدة للمحتاجين والفقراء، والذين تدور عليهم ماكنة نظام صدام حسين الارهابية والقمعية . فكان الاب (زكي) لا يبالي بالمخاطر رغم التحذيرات بالعواقب الوخيمة قد تصيبه، فكان يصر على هذا النهج الانساني (أن السعادة تكمن في مد يد العون الى الاخرين، وأنها تثمر حين تغرسها في أرض غيرك، لا تغرسها بأرضك فقط، ولاينتفع منها غيرك) ص18 . نشأت (هدى) في هذه البيئة الدينية، حتى اختارت بأرادتها علاقة الزواج من (امير) التي تفانت في الحب في صورته الجميلة والبراقة . فوجدت المبتغى والمرام في وجه (امير) الذي امتلك روحها ووجدت للحب وجهاً جميلاً (رويدا رويدا بدأت أرى أن للحب وجهاً حلواً كالنغم، كرجع صدى الحلم، وجهاً يحمل نقاوة الفجر حين يتنقب بالسحب البيضاء الشفيفة، أراه كالمحاريب المقدسة التي يتجلى في سفوحها الايمان، وجهاً يمثل رئات الحياة التي تتنفس به الصعداء) ص188 . لكن انكشفت الحقيقة المرة بعد مخاض عسير، بأن شخصية زوجها (أمير) شخصية مهزوزة وضعيفة . مسلوب الارادة والقرار يعتمد على سلطة ابيه (الحاج سلطان) المتسلط بالعقلية القبلية المتغطرسة والمتكابرة في التعالي . وهو تاجر متكبر ومهادن بالاحتيال الماكر، لكي يبني ثروته المالية بطرق شرعية ولاشرعية . اضافة ان زوجها (أمير) الذي يعتمد على حياته على سلطة الاب . فهو خاوي في العقلية الثقافية الفارغة واليابسة . ومنذ الايام الاولى من زواجها رأت (هدى) انها غير مرغوب ومرحب بها في عائلة الاب (الحاج سلطان) ، في النظرات والممارسات العدائية تجاهها . وان المناخ العائلي لا يتلائم مع عقليتها وثقافتها . لذلك وجدت نفسها في واقع مأساوي كريه ومنبوذ لها، ومهما تفانيت وقدمت من خدمات في العمل البيتي والمطبخ . فأنها تعزف في فراغ في المعاملة القاسية والخشنة من الابوين، بأنهم يعتبرونها لقيطة وغريبة في مناخهم العائلي والقبلي، ووجدت نفسها تتجرع الصعاب، وتكون ضحية تدفع الثمن دون مقابل، في الارهاق والتعب اليومي المضني . وزوجها (أمير) يكتفي بسماع الشكاوي والالم دون ان يفعل شيئاً في تخفيف وطئة المحنة التي وقعت فيها في قعر الجب . تيقنت بأن حبها يسير من سيء الى الاسوأ حتى بعد رحيلهم من كردستان الى سوريا، ولكن شق المعاناة يكبر اكثرفي التعاسة الحياتية في جدرها الصلب .

 - فكانت تنزاح في تعاملها اليومي في بيئة العائلة الى المنولوج الداخلي، الذي تعبر عن همومها ومعاناتها وتناجي نفسها في سايكولوجية نفسية محبطة ويائسة ومخيبة . لكنها تتمسك بالصبر والتجلد خشية من خسران الحب والحياة، تحاول ان تعالج جراحها بنفسها في مجابهة الصعاب الحياتية ومشاكلها وهي تعيش في بيت الاب (الحاج سلطان) . والمنولوج الخارجي، هي محاولة التكيف وتعايش مع الواقع دون اضرار جسيمة، في بيئة صعبة التعامل، فكانت تماشي رغبات العائلة، ولا تلوح بالتذمر حتى لا تثير المشاكل . ولكن وجدت نفسها في تأزم مستمر، وخاصة بعد تأخر الحمل، رغم انقضاء شهور طويلة ولم تظهر بوادار الحمل عليها . وبعد مراجعة الاطباء تأكدت انها سليمة وان عيب العقم في زوجها . لكن عائلة زوجها رفضت هذه النتيجة الطبية وحملتها مسؤولية العقم وعدم الانجاب، وان ابنهم (أمير) سالماً ومعافى من تهمة العقم، وانه تورط بها، ويجب ان يتخلص منها سريعاً ويرتبط بزوجة اخرى . وزوجها يسمع تذمر ابويه من هذا الزواج العاق وعليه ان يرمية بأسرع وقت . ولكن في قرارة نفسه يعترف بأنه سبب العقم، لانه تعرض في طفولته الى مرض خطير، واهمل من قبل امه دون عناية ومتابعة طبية، ونجى من الموت، لكنه اتلف بالعقم . ومحاولة تجريب فحولته ارتبط بزواج سري مع أمرأة اخرى، فأذا حالفه الحظ بالحمل فأنه يعلن الزواج بشكل شرعي . لكن (هدى) اكتشفت هذه اللعبة . وارادت وضع حد لمحنتها ومعاناتها الانسانية، وطلبت الانفصال والطلاق، وواجهت معارضة قوية حتى من اخوانها بالرفض، بل بالتهديد اذا اقدمت على الطلاق، بأنه عار عليهم وعلى عائلتهم، وخاصة وانهم ذو ثقافة دينية منغلقة . لكن اصرت (هدى) على الطلاق رغم المخاطر الجمة على حياتها، وبالفعل حصل الطلاق، وذهبت الى القاهرة / مصر، في سبيل الحصول على شهادة الدكتوراه، وتقديم رسالتها العلمية العالية . وفي القاهرة ارتبطت بعلاقة حب وزواج من استاذها المشرف على رسالتها الجامعية . حين توفرت الظروف المناسبة للزواج في الارتباط مع (عدنان) الذي صرح برغبته بالزواج من اجل رفع النظارة السوداء المشؤومة حين ترى الاشياء السوداوية التي تحرث في الاحباط النفسي (- أسمحي لي سيدتي أن أقول لحضرتكِ، انتِ واهمة . غيري النظارة السوداء التي تنظرين بها الامور . نظارة تجربتكِ المريرة، أخلعي ثوب الحزن، واكسري قضبان زنزانة ما مضى، وانطلقي مع الريح، لتعيشي الحياة كما ينبغي ان تعاش) ص318 . وحملت من زواجها من (عدنان) وجاءت ساعة مخاض الولادة في اجراء عملية قيصرية . وانجبت الطفلة (أمل) لكن القدر لم يمهلها بفرح الولادة فخطفها وفارقت الحياة، وهي تضع ثمرة عنائها الحياتي بالظلم والعسف والانتهاك . وان ولادة الطفلة (أمل) لتكون شاهد اثبات واحتجاج على ظلم المجتمع وعيوبه القاسية .

- زمن الرواية يفصل في زمنين . زمن قبل الحرب، حيث الحياة الرغيدة الآمنة، وزمن ما بعد الحرب، حيث اعلنت بغداد الحرب ضد الجارة ايران، وتحولت الحياة الى حرب ضروس داخلية وخارجية، على جبهات القتال والموت، وعلى الحرب في الجبهة الداخلية، في ممارسة اسلوب الارهاب والبطش والتنكيل . حيث فتحت السجون والمعتقلات، وبدأت الاجراءات الفورية في الاعدامات والمشانق للابرياء، في حرب عشواء في اساليب التعذيب والبطش لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، سوى العودة الى عصر محاكم التفتيش التي كانت الكنيسة تمارسها لكل من يعارضها ويخالفها الرأي، وفي زمن البعث لكل من يشكك في ولائه لحزب البعث . فمثل ما كان قديماً تقطيع اوصال الجسم، في زمن البعث استخدم ماكنة الثرم لضحية . لذلك تحول العراق الى سجن كبير وزنزانات الموت، سواء على جبهات الحرب، او على حرب الضروس الداخلية . وتعود الى العراق بعد سقوط النظام من قبل المحتل الامريكي، بأن يستبدل الطاغية بمجموعة من الحثالات الحقيرة ويسلمهم مقاليد ومصير العراق (بمجموعة من اللصوص الذين كانوا معارضين للنظام، ومشردين في أزقة أوربا وامريكا يلعقون قصاع الغربيين، ويتسكعون هناك بجباههم التي تركت كثرة الصلوات آثاراً عليها، تسنموا كراسي الحكم بلحى الطويلة ومسبحات ترافقهم في أدارة البلاد، واحياناً يستشيرونها، تقلب خرزاتها أصابع زيتها خواتم من العقيق) ص140.

 

- الرواية: الوجه الآخر للحب

- المؤلف: منتهى البدران

- الناشر: الجنوب للطباعة والنشر والتوزيع . العراق / البصرة

- سنة النشر: نهاية عام 2019

- عدد الصفحات: 350 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

 

تحسين عباس لـــ رعد بركات

في عالم النقد ليس بالضرورة كلُّ الأعمال الجيدة تُطرحُ على مائدة التحليل وإنَّما تُطرحُ الأعمالُ التي تستفزُّ المَلكة النقدية وتقودُها للكتابة عنها أو أنَّ موضوع العمل يتلاءمُ والميولَ الفكرية للناقد التي جاءت مُؤكَّداً من معرفياتِهِ الثقافية وطريقة تذوقهِ للفن الكتابي أو المرئي والسمعي، وهنا سوف نعرف أن الناقد يعمل بمحركين أساسيين هما مجموعة المعرفة وطريقة التذوق، وليس من شأني هنا التوسع بهذين الركنين على أنَّهما الأساسُ في بناء الشخصية الناقدة وما مدى عمق الفهم للمعرفة المكتسبة والتسلسل الصحيح للتذوق الفني عند الناقد، فما أريدُهُ هنا هو تبيان أسباب الاختيار للأعمال الفنية دون غيرها، واليوم وأنا أقلِّبُ المكتبة الصوتية  في اليوتيوب  للفنان الرائد رعد بركات وجدتُ عملاً ملحمياً في النصِّ والتنغيم بعنوان (وطن الهباء) فهو من كلمات الشاعر اليمني القدير عبد القادر صبري ومن أنغام وغناء وتوزيع ومونتاج الفنان الرائع رعد بركات  وقدُ بُنِيَ النص الشعري على نظام شعر التفعيلة من البحر الكامل (مُتَفاعلن، مُتْفاعلن، متفاعلن).

الفكرة :

"نحتاجُ فقط إلى بقعةٍ من(أرضْ) أيّاً  كان حجمها، وحفنةٍ من(جياع) مهما بلغَ جوعُهم، وطُغمةٍ من(طُغاةٍ)مهما بلغَ طُغيانُهم ليكونَ لدينا ما يُسمَّى بـــ(الوطن)"

من المقدمة  نستقرئُ ما في النص من السُخرية الهادفة التي تدورُ حول موضوع (وطن الهباء) أيْ: الوطن الذي يُصنعُ من الشعارات المُزيفة والهتافات التي تُمجدُ الحاكم  الذي يُجوّعُ شعبَهُ لتطويعِهِ في تعضيد مطامعه وبناءِ طغيانه، فالجوع يقتل روحَ المواطنة ويجبرها على الانصياع الى أوامر الطُغاة .

فنرى أن المقطع الأول والثاني دار حول محور (أرض + جياع + طغاة = وطن الهباء) . 

 الفراغ ـــــ  خلو الحيز من المادة ـــ العدم والزيف – أرض جدباء غير خصبة.

 جوع التراب ـــ جثث الموتى ـــ الجياع المساكين ــ تخطيط الطغاة .

 الشهداء ـــ عتاد الأسلحة ـــ طعام الأرض القاحلة ـــ قهقهة الطغاة .

 تعليق الانهار من أقدامها والتدوين في كعب الكتاب ـــ قلب الحقائق ــ تعذيب المعارضين ـــ استمرار الطغاة .

تباريح الجياع ـ الدعاء بالاستعارة – آثار الاضطهاد .

أرصفة المدائن ـــ التسكع والضياع ــ اغتراب في الوطن.

روائح الخوف ــ سيطرة الطغاة ــ ديمومة الظلم .

عقْب سِجَارةٍ ـ منقذ ماكر ــ احتراق الأفراد ــ تجدد الظلم ـ وطن الألم.

لكن في المقطع الثالث يظهر الشاعر بصيغة ضمير المتكلم (أنا) ليتكلم نيابة عن الشعوب المنكوبة لغرض بلاغي في تنشيط  ذاكرة المتلقي ومشاركتِهِ بالمأساة في نفس المحاور الثلاث (أرض وجياع وطغاة)  بــ مجموعة إشاراتٍ مضمرة ليُنْهيها بجملة انشائية باسلوب استفهامي انكاري غايتهُ السخرية من واقع الأوطان المزيفة التي تخدم الطغاة وتأكل الفقراء  " وَطَنٌ بِباليَ أمْ  كَمينْ؟! " 

ثمَّ يرجعُ الشاعر الى الحديث  بضمير الغائب ليتحدث عن ساحات القتال (الفضاء) في المقطع الرابع والبحر في المقطع الخامس والصحراء في المقطع السادس ويختم في المقطع السابع والأخير ملوحاً عن شيء يحدث كلَّ يوم وكلمة يوم قد تكون غيرَ حقيقية وانما كلّ أربع سنين أو بين فترة وأخرى في موضوع الانتخابات وعلاقتها بالندم وصيانة قانون الهتافات الزائفة التي تخدم الطغاة لوطن الهباء والألم .

فكل الاشارات والعلامات الخطابية في هذه القصيدة تدلُّ على المعاناة والمأساة التي تعيشها الشعوب العربية جميعها وكلٌّ بلونٍ مغاير وخاصة (اليمن وسورية والعراق وفلسطين ولبنان وتونس) فلذلك نرى أن هذه الأغنية ارتكزت على مقام النهاوند الذي يعتبر والد المعاناة ومن أبنائه الحجاز والحجاز كار والنكريز الذين استخدمهم المنغِّم في انتقالاتِهِ النغمية .

التنغيم:

يبتدأ التأليف الغنائي بالمقدمة التي تتشحُ بالاطار الغربي الأوبرالي فمن نغم النهاوند من درجة (دو) وبإيقاع swing السوينك بمقياس (4/4) يرسم لنا المنغم لوحة غرائبية متكونة من عدة مناهل، ففيها من اسلوب الكونشرتو وفيها حركات سريعة تحيلنا الى الموسيقى الكلاسيكية في السيمفونيات وهذا ما ينفرد بهِ المؤلف في جميع أعمالهِ الموسيقية، فالمقدمة وان كانت قصيرة لكنها ملفتة للترقب والاستماع  وخصوصاً أن ما يصاحبها في ايصال التعبير اللقطاتُ التي تحملُ فحوى المعنى العام فقد استخدم المونتير (المعادل المرئي) حيث تظهر مع المقدمة لقطات من الأرض المحروقة  ليدخل الغناء بنفس النغم لكن بإيقاع مختلفٍ مُصنَّعٍ خصيصاً لهذا العمل الملحمي فهو يشابه الى حدٍّ ما الإيقاعَ الأيّوبي ويتقارب مع ايقاع الجيرك لكنّه من الأوزان المُصنَّعة بمقياس (4/4) وهذا الوزن يستمر حتى النهاية لأن العمل الحماسي والملحمي لا يستدعي التنوع الايقاعي .

فالغناء يسري بنا متحداً بمعنى النص الى عالم غزير بالمأساة ويأتي المعادل المرئي في الاخراج ليشرح لنا وجهة نظرهِ المضمرة في النسق الفني فحين يغني (لا شيء يولد في الفراغ  سوى الفراغ) يظهر لنا (برج ايفل) خالياً من السياح وتظهر لنا (الكعبة) خالية من الحجاج وكأنها اشارة باطنية لفايروس كورونا الكائن الصغير جداً وكيف أفرغ هذه الأماكن من الناس وأخافها كما أنَّ في داخل هذه الاشارة تحذيراً للإنسان حينَ قهرَهُ هذا الكائن الصغير جداً وافرغ أرصدة الأغنياء وأوقف مصادرهم !! فأنت ايها الطاغي لا تنفعُك شعاراتك الزائفة وتخطيطك لأن تطعمَ جوعَ التراب بجثث الموتى من اليتامى والمساكين وتحتال عليهم فتجعلهم عتاداً للمدافع وتقلب الحقائق على اعقابها وتغوي بصيرتهم لصالح اطماعك .

(لا شيءَ يُولَدُ في الفَراغِ

سِوَى الفراغْ

هذا الذّي 

يُفضي إلى جُوعِ التُرابْ

ويُجَمِّعُ الشُهداءَ كي يَحشو مَدافِعَهُ بِهِمْ

ويُعلِّقُ الأنهارَ من أَقدامِها..

ليُدَوِّنَ التاريخَ في كَعبِ الكِتابْ

يُدْعى الوَطَنْ) .

وتستمر المعاناة مع نغم النهاود من درجة الـــ دو، وثبات الايقاع المُصَنّع نفسِهِ في المقطع الثاني حيث البؤس والجوع والعذابات التي تفترش نقوشها على جباه المساكين حيث لا يوجدُ صدقٌ يمكن أن يصلَ الى السماء سوى صراخِ البطون من ألم الجوع !! حتى أنهم يستنشقون روائح الخوف وجور المستبدين وغطرستهم، وهنا ينتقل المُنغّم الى نغم النكريز من نفس الدرجة (دو) ليُعبّر عن اتساع هذا الخوف وانتشاره؛ ثمَّ يرجع الى نغم النهاوند ليختم بهِ المقطع الأخير مع التقاطة رائعة في التعبير بالمعادل المرئي حيث تظهر صورة اسقاط تمثال الرئيس السابق للعراق في جملة (يحيا العلم) ثمَّ تأتي لقطة الشاب الذي يحمل العلم العراقي في تظاهرات تشرين 2019 فيقتنصُهُ الموتُ برصاصة !!

(لا شَيءَ يَعرُجُ للسَّماءِ

سوى تَباريحِ الجِياعِ منَ الألمْ

تَتَكاثرُ الطُّرُقاتُ في أَصواتِهمْ

وتَنامُ أرصفةُ المدائنِ في الجِباهْ

يَستنِشقُونَ رَوَائِحَ الخَوفِ المُوَزَّعِ في البيوتْ .

يَتَبادَلُونَ الانتِظارَ

لعابِرٍ يُلقي بعقْبِ سِجَارةٍ

تَزهوْ بأَلْوانِ العَلَمْ

 يَحيا العَلمْ

وَطَنٌ أَلَمْ.)

ويأتي الحزنُ بنغم الحجاز من درجة الـصول مع انعطافة الشاعر الى التحدث بضمير المتكلم وهو يُعبّر باستفراد الموت بالشعب اليمني في جملة (وحدي هنا) وكأنها إحالة مضمرة الى معركة الطف في كربلاء ويأتي المعادل المرئي ليظهر لنا الأحياء المُدمرة في اليمن من أثر القصف وشخص شاخص فوق الركام ! ثم َّ يرجعُ نغم النهاوند من نفس الدرجة  ليكمل المأساة حيث الذعر وصوت الهباء وسذاجة الحلم عندما يعتنق مفهوم الوطن بأنّه المكان!! وهنا تأتي مُسحة من جملة موسيقية متكونة من حجازين ويستقر على الـ (دو) خاطفاً،فكانت حلقة وصلٍ بين الحجاز كار صول الذي سيأتي مستقبلاً وبين النكريز والنهاوند على درجة الــ (دو).

 ثمَّ تأتي الحيرة والتيه بين صدقِ الانتماء وهباءِ الواقع في جملة (وَطَنٌ بِباليَ أمْ  كَمينْ؟!) ليتحول الى نغم الحزن الكئيب والحيرة الداكنة في نغم الحجاز كار من درجة الـصول.

(لا شَيءَ يُومِضُ هاهُنا

وَحْدِي ..هُنَا 

ذُعرُ الشِّفَاهِ يسومُني

صَوتَ الهَباءِ

بِلا ثَمَنْ

سَيَمُرُّ من جَسَدِيْ المَكَانْ

لِلَّانِهايَةِ وُجْهتي

لِسَذَاجَةِ الحُلُمِ المُغامِرِ

في دَمِي

فَأنا الذي أَسْدَيُتُه صَمْتَ المِياهِ  ولم أسَلْ

وَطَنٌ بِباليَ أمْ  كَمينْ؟!).

ويُقبل علينا المقطع الرابع بالافصاح عن ساحات القتال وأخطرهنَّ على البشر، ألا وهي ساحة الطائرات وما تقذفهُ على رؤوس الغافلين والمساكين من الأبرياء، يرجع هنا التنغيم الى النهاوند من درجة الـ(دو)، لكن المعادل المرئي لا يَهدأ حتى يشاكس الواقع فقد أظهر صورة البنت اليمنية التي أخرجوها من الأنقاض حين ظنوا أنها ميتة فقالت:أنا بخير وهذه عيني تراكم وقامت بفتح إحدى عينيها لتسخر من الموت وقذائف الطائرات !!

(لا شيءَ يُومِضُ في الفَضاء

غَيرُ ارتطامِ كَتيبَتَينْ

وتَناثُرِ الأحْشَاءِ

في عَينِ الجَبلْ

تَعِبَ الجَبلْ

مَلَّ الوُقُوفَ على الحُطَامِ

يُراقِبُ المُتَحاربينَ

يَوَدُّ لو يَحظَى بكُرسيِّ صَغيرْ

يَرتاحُ فيهْ

حتَّى تَجِفَّ كُهُوفهُ

وصُخُورُهُ المُلقاةُ

في حَبلِ الغسيلْ

وتزولَ آثارُ الحُروب.)

ويستمر نغم النهاوند بنقل وقائع الألم والمعاناة ما بين الشعوب العربية المنكوبة بالحروب في المقطع الخامس فقد استنطق الشاعر البحر حتى أنّه أعربَ عن مَللهِ من نقل الجيوش على ظهر السُفن وأنه أراد أن يستريح من كلّ هذا الهُراء.

(وَ يَوَدُّ هذا البَحرُ

لو يُلقي بما فوقَ السَّفينِ

و بالسُّفُنْ

وبِما سَتَجلبُهُ الجُيُوشُ

من المُؤَنْ

ليَنامَ مُنبَطِحَاً يُحَدِّقُ

في السمَاءْ

يُصغِي إلى شَمسِ الشِتاءِ

وبالصُّخورِ يَحُكُّ ظَهرَ المَوجِ ساعاتٍ طِوالْ.)

وهكذا يستمر النهاوند مع هذه الملحمة في آخر ساحة للقتال وهي الصحراء في المقطع السادس .

(وتَوَدُّ صَحراءُ المَعارِكِ

لو تُسَرِّحُ خَيلَها

و نَخِيلَها

وجِمالَها

ورِمالَها

تَطْوي الخِيامَ ببابِها 

لتَقُودَ واحاتٍ صِغارْ

في نُزهةٍ بَريَّةٍ

تَنْسى مَيادينَ القِتَالْ.)

ويختم الشاعر ملحمتَهُ عن أصابع الندم في الانتخابات وقانون الهباء والزور، ليسخرَ من وطن الهباء الذي تزيِّفُه شعاراتُ الحُكّام، كما يستمرُ نغم النهاوند من درجة الـ(دو) ليُدوِّنَ البؤسَ والشقاء الذي تعيشُهُ الشعوب العربية المنكوبة .

(لكنَّ شَيئاً آخراً

سيظلُّ يَحدُث كُلَّ يومْ

لِيَصُونَ قانونَ الهبَاءْ

وَطنَ الهَباءْ

أرضَ المُحالْ

شعباً تلَطَّخَ بالندمْ.

 يَحيا العَلمْ

وَطَنٌ أَلَمْ.)

التوزيع :استخدم الموزِّع صوت الكمانات المكتبية للتعبير عن الزخم وعِظم الوقائع المأساوية مع ضربات البزيكاتو بالكونترباس وفي أحيان أخرى يأتي صوت الناي معبّراً عن معارك الصحراء كما أنَّ هناك جملاً موسيقية متداخلة في الجمل الأساسية.

الغناء : نجحَ المؤدي لهذا اللون من الغناء الملحمي أن يتقلب من القرار الى الجواب بإمكانية تختلف عما رأيناه في الأغاني السابقة خصوصاً هو من نغّم هذا العمل ويعرف مدى امكانية حنجرتِه ومساحتها النغمية.

 

تحسين عباس

....................

https://www.youtube.com/watch?v=SncsD9L0OkY

 

                          

1724  الخلة والجيران صدرت رواية "النخلة والجيران" * عام 1966 في صيدا . وهي بمثابة المسودة لما ستكون عليه رواياته اللاحقة من حيث النضوج والبناء الفني المتكامل والسرد المتعدد والأساليب الحديثة، والثيمة الرئيسة للرواية هي العراق المحتل من قبل الاستعمار في زمن الحرب العالمية الثانية، العراق البعيد عن موقع الحرب فعلياً وعينياً والداخل فيها ضمنياً وعملياً (حرب أحنا هم دنحارب ... يعني إلا تنفجر قنبلة) – ص194 – وانعكاساتها على طبقة اجتماعية معينة في ويلات فضيعة تعاني منها هذه الطبقة من فقر وغلاء فاحش وبطالة مع تردي الأوضاع السياسية والعلاقات الاجتماعية وانحلالها وتفاوت وتعدد الوعي للشخصيات واختلاف الرؤية تجاه الأحداث، وأغلب النقاد الذين كتبوا عنها باعتبارها أول رواية عراقية متكاملة فنياً مثل:

(إن رواية "النخلة والجيران" أول رواية عراقية بالمعنى الكامل للكلمة) (1) .. الناقد الروسي ستيبانوف

(إن البداية الحقيقية للرواية الفنية، بمنظورها الحداثي .. تمثلت في أعمال غائب طعمة فرمان، ابتداءً من "النخلة والجيران" (2)..).. فاضل ثامر

(لانبالغ إذا قلنا إن تاريخ الرواية العراقية – تقريبا هو تاريخ روايات غائب طعمة فرمان) (3)... الناقد العربي صلاح حزين

(النخلة والجيران .. بناء فني شامخ لا عهد للرواية العراقية بمثله)(4)... شجاع مسلم العاني

(بصدور (النخلة والجيران) عام 1966 كأول تجربة فنية ناضجة خرج فرمان بالرواية العراقية من صيغتها "كحدوتة" طويلة الى بنية متكاملة فنياً)(5)... باسم عبد الحميد حمودي

(ولدت رواية "النخلة والجيران" وسط عقم وفراغ فكان الميلاد المعافى، بشارة اختزلت شوطاً واسعاً قطعته الرواية العربية)(6)... عبد الجبار عباس

الدار الطولة الخان

صاحب الطولة

مرهون السايس ثلاث عوانس

نشمية القوادة

صاحب البايسكلجي

حسين سليمة الخبازة

تماضر محمود ابن الحولة

علاوي

ابو حسين

وزوج سليمة

حمادي العربنجي رزوقي

فراش خيرية زوجة الفراش فتحية بائعة البلاقلاء مصطفى الدلال

رديفة زوجة حمادي

(مخطط بياني للشخصيات والأماكن الرئيسة في رواية النخلة والجيران)

1725 غائب طعمه فرمان

نسي النقاد – أكثرهم تقريباً – انها قبل ان تكون رواية متكاملة المواصفات الفنية تتضمن سيرة ذاتية لكاتبها، أي، رواية كاتبها يشترك في بطولتها مع بقية أبطال الرواية ولكنه غائب فيها، وأنها لا تؤرخ للعراق بقدر ما تؤرخ لكاتبها في مرحلة معينة من حياته .

وأن الإنسان في أدبه هو السيد المطلق، ولم يقم بعزله عن التأثيرات الإقتصادية – الاجتماعية – الفكرية، أي جعله إنساناً تاريخياً يحوم في فضاء التاريخ وفي فضاء (النفس) وجعله يحس بعلاقة قوية متينة تربطه بالعالم، وهو البؤرة التي لا يحيد عنها، فيقول في ذلك: (إن سيد الرواية هو الانسان لا الإنسان بمظهره الخارجي وإنما بارتباطاته المكانية والزمانية وعلاقته مع الأشياء المحيطة به)(7) .

لذا جاءت (النخلة والجيران) مفعمة بالصدق في وصف المرحلة وتاثرها ليس انفعالياً ولا رد فعل انطباعي، ولم تظل على القشرة الخارجية للحياة الاجتماعية بل نفذت إلى صميم هذه الحياة والقيام بإبراز النقاء للإنسان الحقيقي – وهو واقع تحت ظروف قاهرة – الملتصق بالعلائق الواقعية التي يتحكم فيها وعي طبقي محدود، هش غير متبلور، متناقض مع ذاته ومع الآخرين، ولكنه تمكن أن يصطاد معنى الحياة وأن يخلق شخصيات حقيقية شبيهة بالناس الحقيقيين ذلك المعنى المتخفي والذائب في أعمق أعماق الحياة، لكن يبقى الإنسان أيضاً السيد الذي يحصل على إمكانية إعادة ترتيب العالم يما ينسجم ومساعيه في خلق العالم بصورة حقيقية و (الكتاب الذين تأثروا بويلات الحرب الاستعمارية تأثراً بالغاً قد أدركوا بقوة خارقة كم كانت بالغة الأهمية صيانة العواطف البشرية من الازدواجية البرجوازية المتناقضة الملعونة ثلاثاً وبالرغم من الفوارق الكامنة بين روايات تشجب الروح العسكرية كروايات باربوس وهمنجواي وريمارك أو الدنغتون فإن قاسماً مشتركاً بين هذه الروايات جميعاً ألا وهو الإنسان بحاجة ملحة لوجود يد صديقة ولصداقة مخلصة ولحب شامل)(8) .

إن (النخلة والجيران) واحدة من الروايات العربية القليلة التي تحتل فيها الشخصيات الثانية مساحة شاسعة من البنية الروائية، رغم أنها رواية عراقية صميمية نعثر في داخلها على الصراع والتناقض الاجتماعي وعلاقته بالتطور الاقتصادي وتفاوت البنى الأيديولوجية وتصويرها لمدينة بغداد بشخصياتها وشوارعها وأزقتها – التي هي الفضاء المكاني للرواية – وهذا يقودنا الى ضرورة القيام بتحليل جمالي لها والذي بدوره ينطلق من الواقعة التاريخية المانحة لنا متعة جمالية أدبية مع تحقيق رؤية طبقية من خلال زاوية جمالية ونمذج الواقع العيني وأن الرواية التاريخية تحول الرواية الاجتماعية إلى تاريخ حقيقي للحاضر .

وليس من الممكن تناول (النخلة والجيران) بالدراسة – مهما كان المنهج الذي تخضع له الدراسة – دون القيام بتناول شخصياتها وإلا كانت دراسة فقيرة سطحية، موسومة برؤية الوعي الفردي الغامض الذي يعمل على تنحية الحقيقة الموضوعية للشخصيات من مدى الرؤية الجماعية، لذا يبقى البطل في (النخلة والجيران) هو شخصية المجتمع العراقي و (ان الربط بين الشخصية والمجتمع شكل دائماً ارضية ولدت وتطورت عليها الرواية)(9) الواقعية والمعبرة عن الوجدان الفردي المتفتح في العالم الثالث- عالم الروائي- على المأساة الجماعية الملتفة عليه من كل الجهات وما يميز الرواية الغربية – البرجوازية عن رواية العالم الثالث هو ان الاولى تمثل (الانا الذاتية) تمثل ربنسون كروز – السيد، والثانية تمثل (الانا الجماعية) تمثل جمعة – العبد.

والرؤية الواقعية لغائب تمنح الرواية حيوية ضمن جدلية متصاعدة ذات ثوابت متلاحقة من هو الشاهد على احداث الرواية؟ النخلة، ومن هي النخلة؟!.

اعتبر غائب النخلة بمثابة شخصية من شخصيات روايته وخلع عليها اوصاف وتشبيهات بشرية – أي أنسنة الموجودات اللاانسانية والتعامل معها ككينونة – تصل الى حد تجعله يعقد مقارنة بينها وبين سليمة: (نخلة مهجورة، عاقر تعيش معها في هذا البيت الكبير، خرساء صماء) ص7، وأحياناً أخرى تراها سليمة نداً لها: (قابلتها النخلة القميئة وكأنها في انتظارها) ص28، وحين يهم حسين بمحاولة سرقة صندوق سليمة الاسود، لم يكن أحداً شاهداً على فعلته هذه غير النخلة هي المتصدية له: (كانت النخلة القميئة هناك) ص133.

وايضاً حين يحاول حسين القيام بسرقة غرفة مصطفى الدلال المليئة بالسكائر والويسكي والسكر والشاي، يختزل العالم كله في نظر حسين اختزالاً مطلقاً في النخلة: (لاشيء غير النخلة) ص169، وفي موضوع آخر من الرواية نعلم بان النخلة كانت مصدر خوف ووحشة وقلق لسليمة وفي ليلة زواجها ينتهي كل هذا: (هذا آخر يوم لوحدتها لن تخاف النخلة بعد الان) ص192.

آن لنا ان نستخلص من هذه المقتطفات مغزى اخيراً.

يقول غائب عند كتابته مقدمة لرواية عبد الرحمن منيف (الاشجار واغتيال مرزوق) التي صدرت بالروسية في موسكو عن الاشجار (تحمل معنى رمزياً عميقاً- فهي تعني الخضرة والنماء، والخير والعطاء، التقاليد الجيدة الانسانية الممتدة جذورها عمقياً في الارض)(10).

إذاً النخلة تمثل عنده الديمومة بدلالة رمزية مبطنة للصمود والتحدي والروح الثورية التي لاتهتز، الضاربة جذورها في طبقة العمال، فتخضع لتأويلين الاول النخلة = الحزب او النخلة = طبقة الفقراء والثاني النخلة = الروح الثورية لدى العراقيين وهذا مجازاً، فايهما يقصد ؟ ذلك هو السؤال ..... وتلك الإجابة لتبقى على القراءة، ومدى اتساع رؤية ومدارك القارئ، ومما يؤكد نظرتنا فيما ذهبنا إليه قوله:

[نحن لا نعرف عن النخلة شيئاً كثيراً رغم أننا نعيش في بستانها العراق ... إنها سمراء بلون الأرض العراقية، وهي كالإنسان... تمد جذورها عميقاً في الأرض] ص264 خمسة أصوات .

آه من النخلة.. كم هي صبورة.. عنيدة – اصيلة. نقية .. ففي جميع رواياته يتحرش بها كأي طبقة (صلدة) المتحملة شتى صنوف الاضطهاد والعذاب ... وها هو يشبهها بزنوبة إحدى بطلات رواية القربان:

[ جاءت النخلة المحروقة بمشيتها المنكفئة وقالت: (هريسة؟)] ص60 القربان لنتساءل مرة أخيرة وحاسمة .. هل هي طبقة الكادحين

وأخيراً فإن هذا العنوان كان من الممكن للرواية ان تتقبله غير أن ذلك يتطلب سلسلة كاملة من التحفظات والتوضيحات ونحن نستطيع أن نمتلك الرؤية الواضحة من خلال صرخته: (الانكليز ونخلة سليمة الخبازة جو للدنيا بيوم واحد) ص177 فحين دخول الانكليز العراق أنشأوا الصناعات الخفيفة بمعنى ولدت طبقة من العمال فقبل الاستعمار كانت البلد إقطاعية – زراعية فدخول الانكليز غيّر المعادلة الاجتماعية وخلق الصناعات الصغيرة – كصناعة السكائر والسكر . والانسجة ..الخ – وحينما خرج الإنكليز عملت البرجوازية على سحق فئة اجتماعية اللاصناعيين – الهامشيين – (النخلة راح تنكص) ص231 أي قامت بابتلاع الحرفيين الصغار .

ففي (النخلة والجيران) قسم من الشخصيات أصابها التطور أفقياً والبعض الاخر بقي محافظاً على أوصافه فمثلاً حسين وتماضر وسليمة الخبازة تعتبر شخصيات رئيسية في الرواية تطورت نحو (...) أما مصطفى الدلال وصاحب البايسكلجي وحمادي العربنجي ومرهون السايس نراها في مكانها تراوح لم تتجاوز القشرة الخارجية الموضوعة فيها بل بقيت ضمنها محتفظة بأوصافها .

والتطور الذي أصاب الشخصيات تطور سلبي أحياناً هكذا يكون خط مسارها الروائي التي لا تحيد عنه . وليس تطوراً مستديراً وإلا كان يدور في حلقة مفرغة فاقداً لملامحه، بل سلبية تصاعدية .

وخير من يمثل ذلك النموذج شخصية سليمة بمنظورها الطبيعي والفني، فالعالم لديها ليس كعالم سعيد أو عالم كريم غزال إنه عالم نسائي بحت مغرق بالسواد والسذاجة بل لا يتعدى التنور و(تقضي النهار واقفة على التنور وتسهر الليل في تحضير العجين) ص8.

وعلاقتها معه علاقة محدودة مجهولة (كانت تحسب كل بيت مهيب جامعاً وكل حشد من الناس سوق هرج) ص63، محصورة في الحوش ما بين النخلة – هي وغرف الدار يحتويها دائماً (الليل والسكون والوحدة) ص7 .

وغائب في هذا يقذفنا الى عالم المرأة العراقية في هذه الفترة الحاسمة من تاريخ العراق الحديث .. فسليمة أمية، جاهلة، ساذجة، تمتلك وعياً فطرياً تستهدي به، ليس هي فقط تتسم بهذه الصفات بل نساء الرواية، خيرية زوجة رزوقي الفراش (الحكومة الله يسلمها) و رديفة و فتحية بائعة الباقلاء و (العوانس الثلاث) جميعهن فقيرات، بائسات، ووعيهن بذاتهن وبالعالم مفقود تقريباً . هذه هي مشكلتهن . وهكذا أراد غائب رسمهن، وتفترق سليمة عن الند عن النخلة بأنها سوف تخصب ويحتويها حضن رجل (تستشعر بدفئه، في الليل) ص 192 .

أما النخلة فستبقى وحيدة .. وحيدة شاهدة على نفسها وعلى عصرها ..... وشخصية (حسين) تنفرد عن بقية شخصيات الرواية بأنها في ذروة السلبية وحين يحاول الخروج منها يلتصق بها أكثر التصاقاً لا فكاك منه وذلك حين يقوم بقتل محمود الشقي، ومشكلة سلبيته تأتي في أنه لا يعرف ماذا يريد ؟ فهو (باحثاً عن شيء غير محدد) ص372، وليس عنده وعي للحدث او لصيرورة الزمن (ما أريد هاالمستقبل) ص44، فالمال يأتيه عن طريقين، سليمة تمنحه درهماً كل يوم، وربع دينار يأخذ من صاحب البايسكلجي من الثروة الشحيحة الباقية التي تركها له والده المرحوم – علاوي – وهو لا مبالٍ، غارق في تفاهة الحياة اليومية، ولكن خط الرواية يبين لنا أن له علاقتين بعقدتين ويكون هو على رأس كل منهما كالآتي:

حسين حسين

سليمة مصطفى تماضر نشمية

العقدة الأوديبية العقدة الايروسية

لكنه كالملك ميداس يحول كل ما يلمسه إلى خراب متناغم وإلى فشل متتالٍ مع خيبة أمل فهو بطل مأساوي داخل مأساة عصره الملعون بالاستعمار وبالحكومات الرجعية وغياب الوعي .

أما تماضر التجربة المبتورة، فهي (ذات خصر نحيل وصدر ناهد) ص 105 و (الشفتان الممتلئتان المتحركتان في حذر) ص49 ضاعت بين تمردها وسلبيتها بين رفضها لواقعها ورضوخها لهذا الواقع فكانت بطلة سلبية، فالخط البياني لها يتدرج نحو الأسفل نحو احترافها للدعارة بكل دلالات السقوط والجنون والسقوط الاجتماعي بعكس بطلة جورج أمادو (تريزا) التي تتحول من السلبية إلى الإيجابية عندما تقود المظاهرات .

فهي الرمز الفردي الذي يحاول الخلاص بمفرده دون وعي ودون تنظيم فيسقط في متاهات الهاوية الجحيم (= الدعارة)، فالعودة بالنسبة إليها أصبحت بعيدة جداً فموتها الروحي وسقوطها الحقيقي بدأ حينما أجلستها نشمية القوادة على التخت الخشبي (جلست على نفس التخت الذي جلست عليه مع حسين لأول مرة في الليوان، خطر ذلك على بالها، والآن هي مع شخص آخر) ص206 . هنا يصل وعيها إلى قمته بسقوطها وبالموت المجازي، فهي حين هربت من بيت أبيها كانت تنوي الانتحار (ناوية أذب نفسي بالشط) ص122 ولكن انتحارها الجسدي تحول إلى انتحار روحي لأنها (بالليل نمت بحضنه) ص 122 ولأنها (أرادت ان تنتقم من نفسها ومن أهلها) ص 123، فمن تكون تماضر الثابتة والمتقلبة، المخلصة والخائنة .

البريئة والماجنة ...؟

فتماضر تمر بازدواجية الفعل، الفعل الداخلي (السايكولوجي) غير الفعل الخارجي (الواقعي) وبعدم اكتمال الفعل والبطل(12)، وهذه أيضاً أزمة حسين وصاحب البايسكلجي رغم أنه يمتلك حساً طبقياً حاداً لكنه لا يمتلك رؤية طبقية، فرد الفعل تجاه الواقع يخلق شكلاً من الوعي التاريخي .

إن الحرب العالمية الثانية أحدثت تغيراً جذرياً في العراق، وذلك لنشوء صناعات خفيفة شكلت تجمعات طبقية ومواقف طبقية من جميع مسائل الحياة الهامة وللعلم فأن نشوء أحزاب ثورية في الثلاثينيات قد ساعد التجمعات الطبقية هذه على بلورة رؤية طبقية وبتبنيها نهجاً علمياً . لكن غائب لم ينظر للحالة الاجتماعية من هذه الزاوية الواقعية ذات الوجهين بل نظر إليها من وجهة نظر أدبية بحتة قاتمة مظلمة وترك الجانب المشرق لحياة الكادحين الذين يمتلكون وعياً ورؤية طبقية عالية لأسباب فنية وفكرية .

إن أبطال غائب ليسوا على صلة بعصرهم وظروفهم فحسب بل بحياة العالم كله من هذا الجانب في ذلك يقول (عندما أكتب عملاً لا أحدد هويته بل هو الذي يتكون بين يدي.. الكاتب عندما يتحدث عن شخصية فيجب أن يضعها ضمن بيئتها وعلاقتها الاجتماعية ومرحليتها التاريخية)(13).

حسيبة بطلة رواية (ظلال على النافذة) تشترك مع تماضر بطلة رواية (النخلة والجيران) بقاسم مشترك ألا وهو الانتقام من أهل زوجها ومن جسدها الذي أصبح لعنة بتعهيره في البداية يكون العامل النفسي لهن هو المنزلق ثم يتحول بالتدريج إلى العامل الأقتصادي بعدما تتضح الرؤية لهن و (ليست الخرافات الطبقية والعقبات الخارجية وحدها هي التي قضت على سعادة المحبين والأسباب الداخلية أيضاً، والذي يهم لا صراع الخير مع الشر بل اندماجهما الذي لا يمكن إدراكه)(14)، حتى العلاقة الجنسية تحولت من علاقة بين إنسان وإنسان بين ذات وذات إلى علاقة بين إنسان وشيء، بين إنسان وسلعة لها ثمنها – علاقة تماضر والفلاح .

والجنس عند غائب لم يتخذ بعداً جسدياً شبقياً بل أخذ بعداً سوسيولوجياً كما عند تماضر وبعداً نفسياً كما عند سليمة .

إذن تبقى تماضر بلا بيت ولا زوج ولا أصدقاء مخلصين بل إحساسها القاهر بالضياع – ضياع روحها وجسدها (حب؟! وهو أكو حب بالدنيا!) ص121 وراية ترفرف برياح شتوية عاصفة متهرية مثقوبة ونشمية – الشيطان، القوادة، التي رفضت أهلها ووضعها الاجتماعي كله لأنهم (يريدون صخول حتى اشوكت ميريدون يذبحوها) ص101 (إمرأة ناء جلدها بما يحمل من لحم وشحم) ص53، ونشمية تمتلك قذارة العالم كله وعلى إيصال هذه القذارة للحياة والإحساس بتفاهتها ولا توقعاتها ومفاجأتها . وعقدة الديكية تلبسها ويتهدل لغدها وتنتشي عند سماعها باسم الديك .

أما (مصطفى الدلال)، ذو الطموحات الذليلة، فهو بطل لا بطولي منافق معقد ضد كل ما هو وطني (الانكليز مو أعداء ... ماكو عدو ينفع) (كل ما هو أجنبي أصيل) ص111 وإيمانه بالاستعمار، لا متناهٍ (يبقون ليوم القيامة) ص110 هذا الرجل ذو الرقبة الهزلية (والانف الصغير) ص109 (قفص من العظام الطويلة) ص109 والرأس العاري ص112 احتال على سليمة وأخذ منها كل ما تملك من النقود ثلاثين ديناراً فهو يعتقد بأنه عندما يحتال سيصبح غنياً .

لكنه على من احتال ؟ احتال على الفقراء ومنهم الضحية سليمة الخبازة لكنه نسي أن رفسة الحصان كرفسة الأنكليز وأقوى .

أما من الشخصيات المتألقة في الرواية فهي شخصية (صاحب البايسكلجي) الذي يذكرني بقول أنجلس (صيانة طابعها الإنساني إلا بالحقد على البرجوازية والثورة عليها) ولكنه للأسف الشديد لم نره يثور ... ولكن شاهدناه يحقد .. ثم يحقد بلا نتيجة ويقتل على يد شقي نكرة . وبعض النقاد اعتبره الرمز الواعي للطبقة العاملة (15) فهل الرمز الثوري لا يستدل طريقه ؟ ولا يمثل إلا نفسه ؟ فكيف إذن يصبح الرمز الواعي للطبقة العاملة ...؟ .

إنه نقي .. كالبلور .. نقي كالثلج .. نقي كالحب .. يهوذا الاسخريوطي باع السيد المسيح بـ ثلاثين قطعة من الفضة ومصطفى باع سليمة للوهم بـ ثلاثين دينار مالفرق بين يهوذا ومصطفى ؟ كلاهما باعا نفسيهما للشيطان .

صاحب البايسكلجي قتل وكلماته تطير عالياً (بيع الخبر ما يوكل خبز) ص43 والسيد المسيح قتل وهو مطوق بـ (ليس بالخبز وحده يحيا الانسان) صاحب يموت مقابل لا شيء تحقق بينما يموت بطل رواية (الأم) لغوركي مقابل ما حققه من إنجازات .

هل صاحب البايسكلجي يمتلك السر كما يمتلكه بروميثوس؟ وهل باح به كما باح بروميثوس..؟

أكانت تجربته كاملة أم كانت ناقصة ..؟ هل كافح الظلم والظلام ؟ هل استطاع أن يحتمل التجربة ...؟ .

ولكن يبقى صاحب البايسكلجي يحمل صليب .. البطولة .. كما قال رومان رولان (البطولة هي رؤية العالم كما هو وحبه كما هو)(16).

ويبقى مصطفى – الدلال وصمة العار في عيون التاريخ القديم والمعاصر للإنسان والعملة المزورة.

أما شخصية (مرهون السايس) فشخصية ضعيفة مهتزة ضعيفة قانعة بذلة العيش لا تفكر إلا كيف تعيش في الطاولة ؟.

وعندما يسمع مرهون خبر بيع الطولة يتشظ من الخوف واليأس ويخاطب حمادي العربنجي (أنت عربنجي وصنعتك بيدك، بلاكت آني وين رايح ؟) ص33 فقد قام بسد أبواب العمل جميعها الواحدة تلو الأخرى ... ولكن حمادي يجيبه بعظمة متناهية: (لتثخنها .. ماكو واحد مات من الجوع) ص33، لكنه لا يؤمن بهذه الحكمة فهو ملكي أكثر من الملك (كانت الطولة قطعة من عمره كانت بيته وماؤه ومملكته) ص34 .

وشخصية (حمادي العربنجي) شخصية ملونة، زاهية كقوس قزح ألوان حقيقية، مشعة، متلألئة، تطغى على كل ما حولها وتضفي نكهة طيبة، ومفارقته العديدة في استخدام اللغة بصيغة السخرية مع نبرة هازئة:

- يلة ابن الحجية، خل نكمل الجاي ص83 .

أو عندما يخاطب زوجته حين تلح عليه مشتكية من خيرية:(تغركين بالجهنم .. لتخوفين الخيل) ص37 وتصل سخريته للذروة في حواره مع زوجته وهو راجع سكران:

- حمادي .. أشكك هدومي ؟

- أسكتي لج .. تره أطلكج.

- وي، يوم أبيض .

- مروكي جوه كالتي ..

- ونظل عمرنا بيد مروكي؟

ولنقرأ سوياً هذا الحوار المقتطع من (في انتظار جودو) وكيف تعمل اللغة والمفارقة عملها ..

بوزو: لقد فقدت غليوني .

استراجون: (يهتز بعنف من جراء الضحك) سوف يقتلني .

(حمادي) كأبطال بيكت في عز المحنة يسخرون، سخرية لاذعة، رغم أنهم معدومون لكن روحهم الطيبة لم يفقدوها، كذلك (حمادي) يمثل التناقض في حواره مع رديفة موقفاً درامياً بشكل مؤثر، مع سخرية مبطنة، ويكون النص ساخراً على أساس الحد الذي يلقى فيه بالشك سواء بشكل ظاهر ام مبطن ويركز (غائب) على أداء النص لوظيفته على مستوى الدال والسخرية هي الميزة في النظرة الحديثة للعالم .

أحاسيس (نشمية) اللاحسية مع ديكها يحولها غائب إلى نوع من السخرية، وهي تنتشي وتتباهى ويتهدل لغدها عندما يعود ديكها من غزواته لدجاجات الجيران، فهي تحس بهذا الشعور إحساساً عميقاً بأنها هي .. الدجاجات .. وفحلها ..(....) لكن غائب يضمّن ذلك سخرية منها ومن أحلامها الشبقية، الديكية وخاصة عندما تصفه:

- هذا اشلون ديج ! .. أشقياء يهز الكاع هز ! ص56 .

أو عندما ترد نشمية على جارها:

- عود كصوا .. ص56 .

تكون هنا خصائص اللغة فاضحة عن خصائص في الطبع و (نشمية) أصلاً شخصية خليعة، مومس، قوادة وهذا (الطبع) ينعكس على اللغة التي تستخدمها وتؤدي إلى آثار مضحكة وفقاً للتخيلات عندنا، فهي لغة – ساخرة غير مجمدة، لغة واقعية ساخرة .

وشخوصه جاءت قوية، حقيقية، معبرة باستخدامها الحوار العامي (اللهجة البغدادية) ولو لم يفعل ذلك لظهرت مزورة فكيف لإنسان لم يعرف القراءة والكتابة يتكلم باللهجة الفصحى ؟وكيف تكون الصورة في أذهاننا عندما تتكلم سليمة أو حمادي بالفصحى..؟ واتفق مع الناقدين شجاع مسلم(17) وعمر الطالب(18) بأن الحوار العامي نجح في إضفاء الجو العراقي الصميمي على الرواية ولم يجعلها رواية – إقليمية بل شرعت كل الجسور للعالمية ومما يلفت النظر لدى غائب أن أحادية المعنى تجاوزها إلى تعددية المعنى وهذا ما منح القراءة فضاءات متعددة لتشكيل الصور الروائية، لم يجبر (غائب) القارئ على المكوث في خانة واحدة للمعنى بل فسح المجال للتجوال في خانات كثيرة للعثور على معانٍ متعددة ...

أما الشكل، فقد تحدثت عنه في الفصل السابق ولايسعني إلا أن أضيف بأن أروع من أسس جدلية – الشكل في الواقعية الحديثة هو (غائب) وخلق نمطاً عربياً حديثاً، وذلك لهضمه التجارب الروائية العالمية والعربية وهذا مما أتاح له التمكن من صياغته الروائية.

وتبقى رواية (النخلة والجيران) القلب النابض للشعب العراقي .. الذي تعيش فيه .

 

اسامة غانم

......................

الهوامش والإحالات

* النخلة والجيران – منشورات المكتبة العصرية، صيدا/ لبنان،1966 .

1- ستيبانوف – خمسة أصوات – ت د. ضياء نافع ص 59 مجلة الأقلام العدد 4-5-6/1995 .

2- فاضل ثامر – الصوت الآخر – ص65 دار الشؤون الثقافية، بغداد 1993 .

3- صلاح حزين – المرتجى والمؤجل ص104 مجلة العربي الكويتية، العدد 360 نوفمبر 1988 .

4- شجاع مسلم – النخلة والجيران – ص 58 مجلة الكلمة العدد 1 ك2 1972 .

5- باسم عبد الحميد حمودي – تجربة غائب طعمة فرمان – ص56 مجلة الاقلام ع 4-5-6 / 1995 .

6- عبد الجبار عباس – الحبكة المنغمة ص292 إعداد علي جواد الطاهر وعائد خصباك، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1994.

7- المصدر السابق – ص295 .

8- فلاديمير دنيبروف وجورج واطسون – دراسات ماركسية في الشعر والرواية ميشال سليمان ص 170 دار القلم، بيروت، ط1، 1974 .

9- عدد من الباحثين السوفييت – نظرية الأدب ت د. جميل نصيف التكريتي ص 379 المركز العربي للطباعة والنشر، بيروت – دار الرشيد للنشر بغداد 1980 .

10- غائب طعمة فرمان – البحث عن الحرية ص63 مجلة الاقلام ع 4-5-6/ 1995 .

11- د. عمر الطالب – الفن القصصي في الأدب العراقي الحديث والرواية العربية في العراق، ص341 ج1 منشورات مكتبة الأندلس – بغداد يقول د. عمر الطالب [ معظم شخصياته شخصيات مستديرة بمعنى أنه يستطيع أن يعطينا كل جوانب هذه الشخصيات ] ص341 .

12- عدد من الباحثين السوفييت – نظرية الأدب، ص247 .

13- عبد الجبار عباس – الحبكة المنغمة، ص296 .

14- عدد من الباحثين السوفييت – نظرية الأدب – ص253 .

15- مؤيد الطلال – الواقعية الاجتماعية النقدية في القصة العراقية، ص105، دار الرشيد 1982 بغداد .

16- د. سعاد محمد خضر – الواقعية اشتراكية ص85، مطبعة النجوم بغداد 1968 .

17- شجاع مسلم – النخلة والجيران – ص53 المصدر السابق .

18- د. عمر الطالب – الفن القصصي في الأدب العراقي الحديث والرواية العربية في العراق – ص 347، ج1 منشورات مكتبة الأندلس، بغداد .

 

علاء اللاميفي الواقع نحن بإزاء صيغتين متباعدتين أو محتوَيين مختلفين نوعيا للكافكالوجيا "العالم الكافكوي" في مؤلفات كونديرا. الصيغة الأولى والتي يقدمها بسلبية واضحة هي هذه التي انتهينا منها قبل قليل، ولكي تكون هذه الصيغة أكثر وضوحا سنورد تعريفه غير القصدي لها في كتابه المهم "الوصايا المغدورة " لننتقل بعدها إلى الصيغة الأكثر حيادية في كتابه "فن الرواية ".

يكتب كونديرا (خلق ماكس برود صورة كافكا وصورة أعماله الأدبية، وخلق في الوقت ذاته العلم الكافكويkafkologie وحتى حين يود الكافكاويون kafkologues الابتعاد عن والدهم ، فإنهم لا يخرجون أبدا من الأرض التي حددها لهم ..) غير إن كونديرا ما يلبث أن يستدرك وعلى الصفحة ذاتها فيقول (ليس كل ما كتب عن كافكا هو علم كافكاوي) ليعمد بعدها فورا إلى تفكيك الكافكالوجيا كما تقدم تعريفها، أي كخطاب تحويلي مخصص لتحويل كافكا إلى الصورة التي يرسمها عنها العلم الكافكاوي. نحن هنا إذن بإزاء علم للتحويل القسري للدلالات والمغازي بهدف خلق صورة عن أدب وأديب تختلف بل وتتناقض عنها في الواقع الحقيقي والتاريخي الفعلي لأغراض خارج السياق العلمي والجمالي.

أما في كتابه "فن الرواية" فنرى إن كونديرا يعمد إلى تعريف الكافكاوية كشيء مختلف تماما فهو يحاول استنباط "الكافكوية" من خلال أعمال كافكا ذاتها، وقد اختار لها مثالا في رواية "القصر" مقارنا إياها في الوقت نفسه بقصة حقيقية وقعت فعلا في بلده " تشيكوسوفاكيا أيام الحكم الشمولي الستاليني لمهندس تشيكي وجد نفسه في متاهة بيروقراطية مشابهة تلك التي وجد فيها بطل "القصر" نفسه. في الحالة الأولى قدم لنا كونديرا تعريفا منسجما لعلم الكافكوية " كافكالوجيا " كمدرسة نقدية أيديولوجية ذات خطاب قصدي وتحويلي أسس لها ماكس برود، أما في الحالة الثانية فهو يحاول أن يقدم لها تعريفا آخر يمتاز بقيمة نقدية مختلفة و يُعنى بأجواء وثيمات أعمال كافكا نفسه ومن داخل تلك الأعمال لنفهم من ثم الفحوى أو مجموعة المعاني الرئيسية التي يدور حولها أدب كافكا ويمكننا أن نعتبر ما كتبه كونديرا نفسه عن كافكا وأدبه مندرجا ضمن الكافكاوية بمعناها الأخير مع أنه كرر أكثر من مرة أنه لا يعتبر نفسه ناقدا أو مفكرا نقديا صاحب مدرسة خاصة في النقد بل أديبا يجد في نفسه الرغبة للإدلاء بأفكار خاصة تعنيه هو وحده في عالم الأدب.

خلال قراءته النقدية التحليلية، وعلى المسارات التي عرضناها قبل قليل، يتوصل كونديرا إلى نتائج بعضها مهم إلى هذه الدرجة أو تلك، كالخلاصة التي تقول بأن "الكوميديا" في أعمال كافكا لا تنفصل عن جوهر الكافكاوية ذاتها، أو إلى نتائج حاسمة جدا، وتكاد تكون كشفا جديدا للقلب الحقيقي لأعمال كافكا، وإظهارا جليا لجوهرها الإنساني والشعري الباهر، وذلك حين يقول ما معناه إن الثيمة المركزية التي يدور حولها منجز كافكا الأدبي كله ( ليس لعنة العزلة، عزلة الإنسان في العصر الحديث، كما يعتقد كثيرون، بل هي لعنة اغتصاب عزلة الإنسان في العصر الحديث)

فلنحاول استكناه واستجلاء تلك الفكرة التي نعتقد بأنها حاوية لمضمون جديد، أو لنقل بأننا لم نطلع على مثيله أو ما هو قريب منه في جميع الدراسات النقدية التي كتبت عن قصص وروايات كافكا وخصوصا "المحكمة" و"المسخ" خصوصا وربما في أعمال أخرى.لقد تكرر في أغلب تلك الدراسات النظر والتنظير لموضوعة العزلة الإنسانية في مجتمع بدايات القرن العشرين، ومع تمكن وصعود ما بات يدعى "الرأسمالية المتوحشة"بصورتها الإنكليزية البشعة كنمط حياة وإنتاج وتفكير على اعتبار أنها- العزلة الإنسانية - نتاج لعملية التغريب والتشيؤ الذي صار الفرد ضحية لها رغم ضخامة ما حصل عليه من حريات شخصية تبلغ درجة الانفلات من كل طوق قديم والقذف في مدارات الفردانية بالغة الاتساع في مجالات محددة. فهو كما نقرأ في النثر الماركسي المدرسي أصبح غريبا عما يبدعه وينتجه بمجرد انفصال المنتوج عن المنتِج ليكون لكل منهما مدارة وكينونته " الإنطولوجية " ولتكون الكينونة الروحية للفرد ضائعة أومهمشة أو مبتورة. على هذا الأساس تقريبا نُظر إلى شخصيات كثيرة في الأدب العالمي ومنها شخصيات أدب كافكا كصور" وضحايا" لهذه العزلة والتغريب والتشيؤ. يخالف كونديرا الآخرين في هذه النظرة والتحليل مخالفة تامة فهو يقلب الموضوعة رأسا على عقب، فبدلا من القول المعهود: إن روايات كافكا تروي قصة ولعنة العزلة الإنسانية، قال كونديرا بأن اللعنة الحقيقية ليست في العزلة بل في انتهاك واختراق تلك العزلة وتدمير السلام " الفرداني" الذي صار ملجأ للإنسان المتشيء والمغترب عن ذاته. وبمقدار ما تبدو فكرة كونديرا مغرية في تكوين منظور نقدي جديد ينم عن الذكاء والحيوية الفكرية غير أن من اللامجدي أخذها كما هي ودون تمحيص واشتراطات تغني وتوسع وتعمق الاستنتاجات والخلاصات المأمولة منها. من ذلك مثلا، هل ينبغي التفريق أم لا بين تفاصيل الحالات الإنسانية للشخصيات المركزية في أعمال كافكا لتفادي الخروج باستنتاجات تستنسخ وتنمط تلك الشخصيات المختلفة نوعيا؟ وستكون الإجابة بالإيجاب إذ لا يمكن، بأية حال من الأحوال، اعتبار أو افتراض أن سامسا نسخة طبق الأصل من جوزيف ك أو أن معاناة ولعنة الأول من الألف إلى الياء هي ذاتها لعنة الثاني. ولكن كيف يمكننا تبسيط تلك الفكرة دون أن نخسر جوهرها العميق؟ هل يمكننا مثلا أن نقول: لم يكن جوزيف ك، وغريغوري سامسا، يعانيان من العزلة التي وطَّنا نفسيهما على العيش فيها شأنهما شان الملايين من البشر المتشيئين في المجتمع الرأسمالي البيروقراطي، بل قد يمكننا فهم هذه العزلة كنوع من الحل الشخصي والمفروض بل في اقتحام وانتهاك عزلتهما تلك: الأول من قبل الشرطة التي جاءت للتحقيق معه في جريمة " خطيئة "لا يعرف ماهيتها، والثاني في حدث خارق للطبيعة وقوانينها حين استفاق من نومه فوجد نفسه وقد انمسخ حشرة ضخمة؟ وما المقصود فعلا بحدث " الانمساخ" أعني هل يتعلق الأمر برمته وخلاصته بانمساخ الصورة أم الروح؟ الشكل أم المعنى؟ بعبارة أخرى ما الذي كان موضوع الانسماخ أ هو جسد سامسا وعائلته ومجتمعه أم روحه؟ يمكن لنا أن نرضى بهذه الصورة المبسطة لتلك الفكرة، ولكن إلى إي حد يمكن ضبطها، أو ضبط التعامل معها في سياق نقدي متماسك يحاول تقديم قراءة جديدة للعمل أو الأعمال المعنية بالمحاولة دون أن يفرط بالبعد الوجودي الأعم والأكبر من التحديد الزمكاني " أوروبا بدايات القرن العشرين " المنفتح على أسئلة الوجود الإنساني الأشمل والنظرة الأدبية والفنية الأعمق الموجهة نحوه ونحو ما يحايثه من وعي وضرورات وتفاصيل؟ الأكيد هو أن الإجابة على هذا السؤال يمكن الحصول عليها بعد الانتهاء من محاولة المقاربة النقدية وليس قبلها.

كما نجد أنفسنا مرغمين على التوقف عند اكتشاف كونديرا الأكثر أهمية والذي فحواه أن الإنجاز الحقيقي لكافكا وخصوصا في قصته "المسخ"[1] ، حيث لا يهتم غريغوري سامسا الذي فوجئ ذات صباح بأنه تحول إلى صرصر بالكارثة المريعة التي حلت به، بل بحيثية أخرى هي كيف سيصل إلى الباب ويخرج إلى عمله في الوقت المحدد فلا يصل متأخرا إلى المؤسسة البيروقراطية التي يعمل كبائع ملابس متجول تابع لها ليواجه، بسبب ذلك، سلسلة من المشاكل والمنغصات المعتادة مع رئيسه في العمل. إن المؤسسة البيروقراطية وبالتالي المجتمع البيروقراطي الفظ والعازل والمدمر لإنسانية الفرد في رأي كافكا ليس مجتمعا غبيا بل هو مجتمع عجيب حقا في آلياته وفي المآلات التي يصير إليها الإنسان الفرد المتشيئ وأيضا في الطابع العجيب والشعري لكل ذلك الخراب والفظاظة والتدمير والمسخ الداخلي والعزلة. يكتب كافكا إلى ميلينا (ليس المكتب مؤسسة غبية: إنه أقرب إلى العجب منه إلى الغباء.)، ويمكن لنا أن نستشف من هذه العبارة أن ثمة ما يشبه "السحر الأسود" والقدرة الغريبة على الإتيان ما يخرق قوانين الطبيعة والتاريخ في الحياة ضمن المجتمع البيروقراطي الذي أصبح المكتب رمزه السحري وعنوان عالمه الخاص. في هذه العبارة ذاتها يكتشف كونديرا ما يعتبره أكبر أسرار كافكا الإبداعية والجسر الحقيقي الوحيد الموصل إلى فك شيفرات إنجازه السردي الفكرية والجمالية لنستمع إليه يوضح هذه الفكرة بكلمات قليلة وبسيطة (عرف أن يرى ما لم يره أي إنسان: لم ير الأهمية الرئيسية للظاهرة البيروقراطية للإنسان ولشرطه ولمستقبله فحسب بل رأى كذلك – وهو أشد ما يدهشنا – القوة الشعرية الكامنة التي ينطوي عليها الطابع الشبحي للمكاتب ...) وفي موضع آخر يلخص كونديرا إنجاز كافكا بالقول (نجح كافكا في تحقيق ما كان يبدو مستحيل التصور قبله ألا وهو : تحويل مادة مضادة للشعر بشكل عميق هي مادة المجتمع البيروقراطي إلى شعر عظيم للرواية وهكذا تحولت القصر من رواية عن حادثة مبتذلة لموظف لا يستطيع الحصول على وظيفة موعودة إلى أسطورة، إلى ملحمة، إلى جمال لا يعرف له مثيلا من قبل. ص 117 / فن الرواية/ مصدر سابق.

ومادمنا في صدد اكتشافات كونديرا التحليلية، فسيكون من الضروري التوقف عند واحدة من القضايا المهمة التي أثارها في أبحاثه عن كافكا وأدبه ألا وهي الاستقلالية الجذرية لدى كافكا والتي لا تساعدنا على فهم الفرادة والتَمَيّز والجدة التي تطبع أعماله فحسب بل ستكون أيضا مفتاحنا الأهم لفهم عصره وظواهر عصره الاجتماعية والتاريخية الكبرى. فالفحوى الاجتماعية الأبرز والأهم في أعمال كافكا من وجهة نظر كونديرا ليست في قدرته على التنبؤ والاستشراف فحسب وكما فعل بشكل مذهل حين استشرف قدوم الأنظمة القمعية الشمولية ومحارق النازية و فظاعات الحرب العالمية الثانية – مع أن ظاهرة القمع والاستبداد أقدم عهدا من الرأسمالية المتوحشة ولكن كافكا رصدها برهافة الأديب ودقة رجل القانون بوصفه يحمل شهادة في الحقوق - بل في عدم التزامه الأيديولوجي والسياسي المباشر، أي في استقلاليته الكاملة إزاء البرامج السياسية والمنظومات الأيديولوجية والتنبؤات المستقبلية كافة، مع بقائه في العمق منتميا للإنسان ولكن وفق فلسفته الخاصة والتي لا نجدها إلا في النظرة العامة المستوعية والمستوعبة لأدبه كله. وبهذا فسيكون من العبث حشر هذا الأديب المبدع أو حشر أدبه في خانة سياسية أو أيديولوجية ضيقة ما كالصهيونية أو غيرها حيث أن طبيعة أدبه وطبيعته هو شخصيا تتناقض وتتعارض على طول الخط مع كل ما هو أيديولوجي وبرنامجي ومنحاز للقمع والكليانية. يكتب كونديرا معبرا عن وجهة نظر شخصية شكلا ولكنها أعمق من ذلك وأكثر عمومية فيقول ( إذا كنت أتمسك بتراث كافكا بمثل هذه الحماسة، وإذا كنت أدافع عنه كما لو انه تراثي الشخصي، فليس ذلك لأني أعتقد بفائدة تقليد ما يستحيل تقليده واكتشاف الكافكاوية مرة أخرى ( الكافكاوية المقصودة هنا هي المضمون العام لأعمال كافكا كما يرصده كونديرا وليس بمعنى علم التأويل والتحريف الغرضيين لدى برود ) وإنما بسبب هذا المثل الرائع من الاستقلالية الجذرية للرواية " للشعر الذي هو الرواية "وبفضلها تحدث كافكا عن شرطنا الإنساني في عصرنا الحاضر وبطريقة لا يستطيع بها أي تفكير سوسيولوجي أو سياسي ان يحدثنا عن ذلك مثله.

أما طابع الجدة النوعية من حيث الموقف أو الحالة الأخلاقية لأبطال كافكا، فيمكن لنا استخلاص مضمونه من خلال المقارنة الدلالية، على سبيل المثال، بين بطله جوزيف ك في رواية " المحاكمة [2]" وبين بطل دوستويفسكي في "الجريمة العقاب" الطالب القاتل راسكولينكوف . فالأخير يعيش عذابه الخاص بعد ان قتل العجوز وسرق مالها، وهو عذاب الشعور بالذنب الذي أدركه قاتل شاب لا سابقة له في عالم الإجرام، أما بطل كافكا في المحاكمة جوزيف ك فهو يعيش حالة خاصة وعذابا من نوع آخر، لأنه لا يعرف الجريمة التي ارتكبها، بمعنى أنه لا يعرف خطيئته. ولهذا فسيجد جوزيف ك نفسه مضطرا لمراجعة تاريخيه الشخصي كله ونبش زوايا حياته الخاصة الأمر الذي يعني بالتأكيد تحوله إلى جلاد ذاته، بحثا عن خطيئة ما وهذا هو العقاب الذي لم يعشه راسكولينكوف. إن هذا العقاب أكثر جحيمية بكثير من أي عقاب آخر، ولكي نفهم الفرق بين هذه الحالة وحالة أخرى يمكن لنا أن نتصور أن بطل كافكا في المحكمة يبحث " عن براءته؟" داخل احتمال واحد سلبي وأسود وليس ثمة احتمال آخر معاكس. بكلمات أخرى فإن المفروض على جوزيف ك هو أن يراجع حياته من زاوية الخطأ فقط، وليس الخطأ والصواب كما يفعل المحقق والشرطي العادي والمحايد فإما أن يثبت الجريمة على مرتكبها أو أن يبرئه براءة تامة. ثم أن عملية التذكر والمراجعة باتجاه واحد محدد النهايات سلفا عملية عجيبة بحد ذاتها إذ كيف يمكن لإنسان متهم بارتكاب جرم ضخم وخطير أن يحاول تذكر أين حدث وكيف وهو موظف ملتزم يحترمه رئيسه في العمل والآخرون؟ وهنا يبرز سؤال كبير هو: هل ثمة فرق، ومن أي نوع هو، بين ان يعرف الإنسان المعاصر خطيئته على طريقة " راسكولينكوف " فحاول التكفير عنها عبر الشعور بالذنب والعار وبين إنسان آخر لا يعرف أصلا خطيئته "جوزيف ك" ثم يتحول رغم أنفه إلى جلاد يبحث عنها، عن تلك الخطيئة بين تضاعيف حياته الخاصة وأي البطلين يعاني من اغتصاب نفسي ومعنوني وحضاري مضاعف؟

إن هذا كلام عن الكافكولوجيا بالمعنى الإيجابي للمصطلح أي باعتبارها دراسة لمضامين أعمال كافكا ومن داخلها هي، وضمن شرطها وشرطه التاريخي العام، وفي داخل سياق الرواية الأوروبية في بداية القرن العشرين، يناقض في الصميم المعنى الآخر للكافكالوجيا أي بوصفها علم تأويل "تصنيع " كافكا وأعماله كما أسس له ماكس برود. وبالعودة إلى كتب " الوصايا المغدورة " ولغرض توضيح الفارق بين الماهيتين المختلفتين للخطابين نرى إن كونديرا يوضح أسس " الكافكالوجيا البرودية "، على الشكل التالي:

- العلم الكافكاوي " الكافكالوجيا" وعلى منوال برود لا يسعى لبحث ودراسة أدب كافكا في سياق " فن كافكا " والرواية الأوربية الواسع والواقعي، بل يحشره ويستعيض عن كل ذلك بلحظة جزئية هي لحظة الحياة السيرية لمنتجه الفرد. أي عِوَضَ ان يقدم لنا علم الكافكوية أدب كافكا ضمن سياقه التاريخي الخاص بنهر الرواية الأوروبية، نجد أمامنا شخصا مضطربا وسوداويا ومتعصبا دينيا يدعى كافكا. وعوضا عن أنْ تكون الأعمال الأدبية والفنية هي الدروب والمفاتيح الأولية للتعرف على شخصية كاتبها، فقد قلب برود المعادلة وجعل شخصية كافكا الملفقة والمزورة من قبله هي الطريق للتعرف وفهم أعمال كافكا. وهكذا كما يقول كونديرا فإن أبطال أعمال كافكا ليسوا هم جوزيف ك ورولا وشامشا والمساح وجوزفين المغنية والبهلوان بل هم – بحسب طريقة برود في التفكير النقدي المقلوب - وبكل بساطة كافكا ذاته ليس إلا!

- لم يكن ماكس برود وحيدا في مساعيه تلك، بل هناك من يشبهه ...فرومان كارتيس أنهى محاضرة له عام 1963 بالفتوى المسيحانية الفخمة التالية : لقد عاش فرانتس كافكا وتألم من أجلنا ! ثمة أيضا يساريون زعموا ان كافكا كان يتردد على اجتماعات الحركة الفوضوية " الشيوعية اللادولتية "،وهناك استشهاد لأحد الاشتراكيين بقول كافكا لأحد أصدقائه حين سأله عن رأيه بقيام الاتحاد السوفيتي وبناء الاشتراكية هناك بأن " الناس في روسيا يحاولون إقامة عالم تسوده العدالة الكاملة[3] . وثمة أيضا التذكير بمؤتمر قصر لسبليس في براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية سنة 1963 والذي عقد لدراسة كافة أعمال كافكا ومكانته ومكانتها في الدول الاشتراكية وخرج برؤية مفادها أن هذا الأدب هو(أدب طليعي وان مبدعه كافكا كان طليعة للحرية على طريقته الضاحكة الباكية / مصدر سابق ص 13 ). وحتى البير كامو – كما يذكرنا كونديرا – لم يتكلم عن كافكا كروائي بل كفيلسوف وثمة مقال شهير لغارودي حين كان ما يزال ماركسيا يستند فيها مقتبسا ومشيرا أكثر من 130 مرة إلى رسائل ومذكرات كافكا ومحاوراته مع يانوش ولا يذكر أعمالة الروائية المهمة إلا 5 مرات لروية القصر أما رواية أمريكا فلا يذكرها إطلاقا. لكأننا بإزاء وفاء غريب لمنهجية برود التحريفية التزويرية، فكافكا لا يمكن عده ضمن عظماء الإبداع الأوروبي كباسترناك وبارتوك وأبولينير وجويس وبيكاسو وبيكيت لسبب بسيط هو أن ماكس برود قرر قبل سنين أن لا علاقة للقديس غارتا / كافكا بهذا "الانحطاط الأوروبي"!

- وعلى هذا فالعلم الكافكاوي كما أسس له ماكس برود لم يُنتج نقدا أدبيا يتوخى اختراق واستيعاب المنتوج الأدبي والسرد المنجز ذاته بل لفق تأويلا خاصا وشخصيا لمجموعة من الرموز المبثوثة فيه والتي هي في الواقع مُسْقَطَة ومُتَخَيَّلة من قبل الناقد الكافكوي ذاته.فـ "القصر" ليس سوى نعمة الله في نظر برود و"المساح " هو مجرد برسيفال[4] يبحث عما هو إلهي فقط. يختصر كونديرا قراءته التفكيكية لمحاولة برود بالقول: في روايات كافكا لا يبحث العلم الكافكاوي عن العالم الحقيقي الذي حسنته مخيلة واسعة بل هو يوضح الرسائل الدينية ويفك رموز الحكم الفلسفية[5] .ولهذا نضيف نحن فإن عبارة كتبها كافكا في يومياته وتقول (حين أمر بالقرب من الماخور أشعر وكأني أمر ببيت المعشوقة ) سيكون مصيرها الحذف والإعدام من قبل برود .لماذا ؟ لأن هذه الجملة التي تؤكد ما هو بشري وحميمي وسَوي في شخصية كافكا الحساس والمحب للحياة لا تليق "بالقديس من زماننا" وتتناقض جذريا مع صورة المزعومة للنبي الهادي المتعصب والظلامي وقليل الكلام، بل الصامت، التي يريد برود رسمها وتكريسها لكافكا.

يختم كونديرا فصله عن كافكا بالاستشهاد بحادثة مهمة كان شاهدا عليها، بل هو أحد بطليها، حيث يقول أنه التقى بالروائي الشهير ماركيز ذات مرة وقبل عشرين عاما من تأليفه لهذا الفصل من الكتاب، وان هذا الأخير قال له (إن كافكا هو الذي جعلني أفهم انه يمكنني أن أكتب بشكل مختلف) ويشرح كونديرا معنى الاختلاف الذي قصده ماركيز بقوله (الاختلاف هو أن يخترق المرء حدود مشابهة الواقع "vraisemblance" ليس بمعنى الهرب من الواقع على طريقة الرومانتيكيين بل بهدف إدراكه على نحو أفضل).

إن القارئ المتمعن لأعمال كبار الروائيين سيدرك على الفور مغزى هذا الربط بين إدراك الواقع واختراق حدود مشابهته لا الهروب منه رومانطيقيا. غير أن ذلك لا يتم من خلال عملية مبرمجة ومخطط لها سلفا على طريقة راسمي المخططات الروائية الدقيقة، رغم ضرورتها غالبا كأسلوب لتنفيذ العملية السردية، وإنما من خلال عملية خاصة جدا تقوم على الانغماس الشخصي من قبل السارد في لعبة فنطازية ونامية بحد ذاتها، وبشروطها لخاصة، والتي لا تخلو من ضرورات الدقة التحليلية أحيانا، والحلم المنفلت المحوَّل وصفيا إلى بنية مفارقة للحلم وداخلة في بنية السرد ،كما لا تخلو من اللعب المحايث للعملية الفنية الجمالية بما يجعلها تنجح في اختراق جدار مشابهة الواقع مقدمة لنا في الوقت ذاته فنا رفيعا وجديدا هو في حد ذاته تعريفا للرواية ووجودها الأنطولوجي في آن.. يقول كونديرا مستخلصا وملخصا تجربته مع كافكا وأدبه:لقد أفلح كافكا في فتح ثغرة في جدار مشابهة الواقع "vraisemblance" ومن خلال تلك الثغرة تبعه آخرون كثيرون وكلٌّ على طريقته :فيلليني ، ماركيز وآخرون ..

فليذهب القديس غارتا إلى الجحيم ... لقد حجب ظله الخصاء واحدا من أعظم شعراء الرواية على مر الأزمان. ص 56 الوصايا المغدورة /مصدر سابق)

وليس لنا في حقيقة الأمر، إنْ أردنا أن نتعرف على كافكا الحقيقي، إلا أن نكرر صيحة كونديرا هذه ونقول: حقا، إلى الجحيم أيها القديس غارتا! يتبع قريبا.

 

علاء اللامي

.........................

[1] - لا أدري ما الحكمة التي دفعت المترجم المصري الدسوقي فهمي إلى ترجمة عنوان كتاب كافكا "METAMORPHOSIS AND OTHER STORIES " أي " المسخ وقصص أخرى " إلى " الدودة الهائلة " مع أنه نشر عنوانها باللغة الإنكليزية على الغلاف الداخلي كما هو. وبالمناسبة وضمن هذا السياق الذي ننفيه ويتبناه المترجم كما يبدو نشير إلى ان كافكا قد حذر ماكس برود من وضع صورة حشرة على غلاف المسخ لكي لا تفهم على طريقة المترجم المصري .

[2] - بالألمانية Dar prozess و بالفرنسية la procès وترجمت إلى العربية في أكثر من ترجمة " المحاكمة " وهي الكلمة الأدق وتترجم أحيانا بالقضية.

[3] - مقدمة الترجمة لعربية لقصة "مستعمرة لعقاب"/ ترجمة كامل يوسف حسين / دار شرقيات / القاهرة / ص 11

[4] - برسيفال: أحد فرسان الملك آرثر وهو بطل العديد من الحكايات المهمة رغم قلتها، وكان ابن أرملة ومات أبوه في مبارزة أو معركة أو بخيانة، قبل أو بعد أو ولد بوقت قصير. فخافت الأم أن يتلقى الولد مصير أبيه وهربت إلى الغابات لوحدها أو كان معها مرافق أو مع مجموعة من الأتباع المخلصين، فتربى دون أن يعرف اسمه أو نسبه.

كبر الشاب قويا وسريع البديهة ووسيم الطلعة ولكن كان ذا ذكاء محدود وهي الصفة المميزة له، وأمضى أيامه يحارب وحوش الغابة وكان يغلبهم بسرعته أو يقتلهم بالحراب الصغيرة والسهام وهي الأسلحة الوحيدة التي يعرفها.

في أحد الأيام يلتقي بمجموعة من الفرسان في دروعهم، وفي البداية يعبد قائدهم كإله ويأخذهم إلى حيوان غريب لا يعرفونه ثم يسألهم أسئلة ساذجة حول دروعهم ومعداتهم، وقالوا له أنهم فرسان فيصر على أن يكون واحدا ويعود إلى أمه ليخبرها بنيته ليذهب إلى العالم الخارجي ويصبح فارسا. ولبس كفلاح أو مهرج وذهب إلى بلاط الملك (وتقول بعض القصص أن أمه ماتت حزنا). يخطف الأنظار بسلوكه الغريب وجاذبيته وسخر منه السير كاي أما مستقبله فقد تم التنبؤ له بشكل غامض. وقتل أحد أعداء آرثر ويدعى الفارس الأحمر والذي أهان الملك وتحدى الفرسان والذين لم يردوا عليه. ثم لبس درع الفارس المقتول الذي يلبس بصعوبة على ثياب الفلاح التي كان يرتديها ينطلق في عدد من المغامرات والتي تختلف عبر الحكايات المروية عنه. فيصبح بعدها فارسا مقداما وماهرا ويستعيد إرث أبيه.

[5] - الوصايا المغدورة / كونديرا ميلان / ترجمة معن عاقل / دار الأوائل دمشق/ ص48

 

حسني التهاميالهايكو لقطةٌ يعتمدُ الشاعرُ فيها على حواسِه بعيداً عن الوصفِ التجريديِ الغامض . وهذا النقلُ الحسيُ يتيحُ للقارئ إمكانيةَ التخيل والتأمل والتعمق فيما وراءَ المشهد،  ذلك لأن نصَ الهايكو ذو أبعادٍ فلسفية تأمليةٍ عميقة،  يبتعدُ عن المجاز الصريح الذي يذهب ببساطة النص وجمالِ مشهديته . لا أهمية للموسيقى الخارجيةَ في الهايكو،  ربما لأنها تصرفُ القارئَ عن مكامنِ الدهشة الحقيقيةِ في النصِ،  ومنها سحرُ الموسيقى الداخلية . يتكونُ الهايكو من مشهدين، أحدهما أماميٌ والآخرُ خلفيٌ،  ولا يكونُ المشهد ُالأماميُ - كما يقولُ بعضُ الباحثين- ديكوراً لزخرفةِ المشهدِ الأساسي ( الخلفي/ الحدث) بل يأتي لإكمال صورة البهاء في مشهدية القصيدة. لا مجال للحشو والزخرفة في نص غاية في الاختزال والتكثيف؛كل كلمة لها دلالة ومغزى حتى إشارات القطع (الكيرجي) لها دور فاعل ومؤثر في بنية المشهد وتمثل وقفة تأملية قبل الإنتقال إلى المشهد الآخر. تأتي الصورة الكاملة في اللقطة من تفاعل المشهدين معا. من أمثلة ذلك هذان النصانِ لباشو :

بحيرة قديمة ( مشهد أمامي)

"ضفدعة تقفز إلى

صوت الماء". (مشهد خلف)

...

خريف مبكر: ( كيغو / مشهد أمامي)

حقل الرز وماء المحيط

كلاها أصبحا

بلون أخضر. ( مشهد خلفي)

ليس بالضرورةِ أن يكونَ المشهدُ الخلفيُ تالياً للأمامي،  مع أن غالبيةَ النصوصِ التي كتبها شعراءُ الهايكو اليابانيون الأوائل الذين أرسوا قواعدَ هذا الفن،  كان المشهدُ الأمامي يتصدرُ اللقطة،  والخلفيُ قفلةً تُحدث نوعاً من الدهشةُ المنبثقةُ عن المفارقة،  وإحداثُ فجوة توترٍ شعري قادرة على التأثير في المتلقي، وهذه الفجوة هي سمةٌ شعريةٌ لا نكادُ نجدُها إلا في النصوصِ المبدعةِ القادرة على التحليق. لكنْ هناكَ نصوصٌ يكونُ المشهدُ الأمامي قفلة ً انسيابيةً سلسة:

"فتى معدم

يغادر رؤية القمر" (مشهد خلفي)

إلى مطحنة الرز ( مشهد أمامي)

...

"الشعراء مع أقداحهم

ينتظرون: الثلج" مشهد خلفي

لكي يروا لألأة الضوء ( مشهد أمامي)

...

وربما يحتضنُ (المشهد الخلفي/ الأساسٌ ) المشهدَ (الأماميَ/ الثانويَ) المكمل للمشهدِ الخلفي ويأخذه بين ثناياه،  فمثلاً يبدأُ النصُ بجزءٍ من المشهدِ الخلفي،  ثم يجعلُ الهايكست المشهدَ الأماميَ المكملَ في ثنايا المشهدِ الخلفي،  ثم يعودُ ثانية ليكملَ مشهديةَ النصِ الخلفية،  مثلُ هذه النصوصِ تحتاجُ إلى قارئٍ واعٍ يستطيعُ ربط َ خيوطِ المشهدين:

...

تنطلق من قلب عود الصليب

الحلو

نحلة ثملة.

في النصِ يبدأُ المشهدُ الخلفي بالفعلِ المضارع " تنطلق" الذي ينقلُ آنيةَ المشهدِ المباشر ويبعثُ فيه الحيويةَ والحركة،  ثم يأتى الشاعر بالجملة الاعتراضية " من قلب عود الصليب الحلو" التي تعد مشهدا أماميا،  بعدها يستأنفُ المشهدَ الخلفيَ بقفلةَ مدهشةٍ " نحلة ثملة" . وكان بإمكان الشاعر أن يصوغ المشهدَ الخلفي هكذا " تنطلق نحلة ثملة " والمشهدُ الأمامي " من قلب عود الصليب الحلو" لكنه آثرَ أن يُحركَ ذهنيةَ القارئ بهذه الحيلةِ الذكية. فيبعث الحيوية ويسكب بعضا من الجمال الشعري في النص.

...

هناك أيضا نصوصٌ أحادية المشهد،  وهو "الخلفي" بالضرورة،  لأنه يصورُ( اللقطةَ/ الحدث) دون زخرفة أو خلفيات مساعدة ودون تضمينٍ "للكيغو /الموسمية"،  أو ذكرِ مكانِ الحدث أو تعليلِ حدوثه،  وبذلك يضعُ الهايكست قارِئَه في تفاعل مباشرٍ مع الحدث:

الأصدقاء الأبديون

هم إوز بري

ضائع في سحابه

...

شعر طويل

ووجه رقيق وأبيض

هو مطر حزيران. ( مشهد خلفي)

...

أعشاب الصيف

هي كل ما يتبقى

من أحلام الجندي.

(النص بأكمله مشهد خلفي)

...

ولنتأمل النصَ التالي لباشو الذي أرادَ أن تتماهى ظلال اللوحة بتكثيفِ ألوانِ فرشاتِه الإبداعيةِ فيزدادُ النصُ وهجاً وجمالاً من خلالِ مشهد أمامي " في هذا الصباح الجديد " و آخر خلفي ممتد في السطر الثاني والثالث؛ الإحساس بالتغير في الشخصية من خلال قفلة النص "داخل ردائي الجديد" :

فى هذا الصباح

أحسست أن هناك شخصا آخر جديدا

داخل ردائي الجديد ( مشهد أمامي)

***

حسني التهامي

 

وليد العرفي في فنيّة النَّصّ: لا بدَّ في الحقيقة التأسيس على أسئلة أرى أنها ضرورة توجبها المقاربة النقدية الموضوعيّة بعيداً عن المجاملة، والثناءات على النوايا وتوجه الفعل الذي لا شكَّ أنه نبيل وسام ٍ، ولكنَّ الشعر في  النهاية فنٌّ، والفنُّ له ضروراته واشتراطاته الجماليّة مثلما له مساراته الفكرية، واتجاهاته الجماليّة أخلص من هذا لطرح الأسئلة الآتية:

ما ضرورة أن نكتب قصيدة مطوّلة في عصر يعتمد الإيجاز والسرعة في التعبير، والقول، وقديماً قالت العرب البلاغة في الإيجاز؟

ما معنى الاستطراد في الفكرة التي يُمكن أن يُعبّر عنها في بيت عندما نجد أن الفكرة قد صيغت في ستة أبيات أو أكثر؟

رغبة الإطالة والشرح والإسهاب أوقع القصيدة في تكرار الفكرة لكن بألفاظ مختلفة؟

ثمَّة سيطرة واضحة على القصيدة التي جاءت في معظمها نظماً لا شعراً، وهنا لا بدَّ من النظر إلى جماليّة النص بوصفه فناً بمعزل عن الموضوع الذي يتحدَّث عنه؟

السؤال الأهم ما الجديد الذي قدَّمته القصيدة في طروحاتها الفكريّة في تجاوز مساقات عصر النهضة الذي يمكننا فيه أن نجد مثل هذه القصيدة مئات القصائد التي قيلت في موضوعها، وأسلوبها، وليس عليَّ أن أشير في هذاا الصدد إلى شعراء مثل: خير الدين الزركلي وخليل مردم بك والزهاوي والرصافي  حافظ إبراهيم والبارودي وغيرهم ....

وهذا يتفتق عنه سؤال آخر هل استطاعت قصيدة (وطن) أن تتجاوز ما قيل في عصر النهضة مثلاً، وهو أقرب العصور إليها من حيث الزمان، ولن أقارن القصيدة بعصور أكثر قدماً من ذلك؟

أمر آخر يلفت الانتباه، وهو أنَّ الوحدة البنائية التي اشتغل عليها كثيراً فيما يبدو بهدف إلباس القصيدة وحدو أسلوبيّة، وروحاً متجانسة بقيت تشكو من عرج ما في كثير من مظانها !

أخيراً في هذا السياق التساؤلي أشير إلى أنَّ القصيدة أوغلت في لغتها المعجمية في بعض أبياتها التي جاءت فيها القوافي ملوية الأعناق، وإنما هو القالب الجاهز الذي يعرفه نظامو الشعر لا شعراء القصيدة البيتية !

ولعلّي لست في معرض إظهار العيوب والنواقص غير أنَّ ما أشرت إليه كان من باب الحرص الذي يتوجب أن تظهر فيه مثل هكذا قصيدة خاصّة أنها تطرقت إلى موضوعي كبير ومرتبط بعراقة بلد كبير مثل العراق وأورد بعض الأبيات كي لا يبقى كلامي مجرداً من الأدلة، وحسب القارىء أن يتأمل ويحكم:

ألمْ ينبئْكَ مَنْ بالنّصحِ أسدى       بأنّ الحِرْزَ في الأضدادِ زُورُ

استهلال بأسلوب إنشائي مباشر اعتمد تنبيه المخاطب بطريقة تقليدية خالية من الشعرية، وكأنَّ الشاعر صاحب هذا البيت لم يخرج من ذاكرته قول  الرصافي في المعنى نفسه  مع جماليّة تصبُّ لصالح البيت الذي أدوّنه للشاعر إبراهيم اليازجي:

تنبَّهوا واستفيقوا أيُّها العربُ      فقدْ طمى الخطبُ حتَّى غاصتِ الرُّكبُ

ويتابع في البيت التالي على المنوال ذاته في إعادة معان مطروقة وشائعة الاستعمال:

سيُطلِعُ  أنجُمًا غَرقى وصُبحاً                  عراقيًّا بهِ الدُّنيا تغورُ

وفي هذا البيت يبدو الاتكاء على العجز واضحا في محاولة الشاعر أن ينهض بما جاء في الصدر الذي بدا غير منسجم معنى وصياغة وأسلوباً فكيف تكون الأنجم غرقى ويطلع الصبح عراقيا به الدنيا تغور؟؟؟؟ !!!!! كلام ليس فيه من الشعر إلا الوزن

فَلَيْلُ الظُّلْمِ يَعْقُبُهُ صَبَاحٌ                 وَفَجْرٌ، حِينَ تَجْتَمِعُ البُدُورُ

وحرُّ الشّمسِ للأفعى معينٌ             فَتلفظُها منَ الأرضِ الجحورُ

وتلدغُ كلَّ حيٍّ لا تُبالي                 فبئسَ الظُّلْمُ مطلعُهُ الغُدُورُ

وهذه الأبيات تبدو محاولة لتتخذ من لباس الحكمة عباءة، ولكنها جاءت تقريرية ومستهلكة إلى حدذ تذكرنا بكلام شاعرنا ابن أبي سُلمى :

ما أرانا نقولُ إلا رَجِيعًا                       ومُعادًا من قولِنا مكْرُورا

وعُوذُ الأمسِ سوفَ يعيدُ فينا                صباحاً لا تُفارقُهُ الطيورُ

وينبلجُ الصباحُ على وجوهٍ                     كما الأقمارُ في وَهَجٍ تُنيرُ

ليحملَ في ثنايا الروحِ طوداً                   مِنَ الآمالِ يملؤهُ العبيرُ

فألفُ حذارِ مِنْ شعبٍ تفانى                تغنّت في مواجعهِ العصورُ

وكذلك الأمر في بقية الأبيات التي حاولت أن تلجأ إلى تقنية البلاغة في التصوير ؛ فجاءت عادية في تشابيهها، ولم ترتقِ إلى مستوى فنّي يشفع لها بأية جماليّة يُمكن أن تدخلها حيز الشعر ؛ فبقيت في إطار النظم، وشتان ما بين نظّام يُقولّب الألفاظ وفق المعاني وحروف الروي فيقدّم قوالب مبنية جاهزة، وبين الشاعر الذي يمنح الشعر الروح والقدرة على التأثير في المتلقي، وهو ما عبّر عنه الشاعر الزهاوي في قوله قديماً:

إذا الشّعرُ لمْ يهززْكَ عندَ سماعِهِ            فليسَ خليقاً أنْ يُقالَ لهُ شعرُ

وهذ الهزّة الجماليّة، وذاك التأثير الجمالي يتجلّى في هذه الأبيات للشاعر: د.  قصي عسكر كما ورد في موقع الناقد العراقي:

يُطالعُني، وقد ضاقت، منافٍ            وينسى صورتي الوطن الكبير

بلادي لمْ تزلْ تدمى ولمّا                 تُدنّسها الخطايا والشُّرورُ

لتبقى في دمي بركانَ عزّ                أراقبُ لحظةً فيها يثورُ

إذا قالَ العراقُ فقولُ حقّ               وغير حديثهِ كذبٌ وزورُ

هنا نجد الشعريّة، وجماليّة الصوغ، والقدرة على تطويع الكلمات للسياق النصيّ ؛ فلا نجد لي عنق لقافية، ولا كلمة تحتاج إلى معجم ليوضّح معناها، وإنما ثمة يسر وسهولة، وتدفّق ألفاظ، وإذ بالشاعر يعجن الشعر في أجمل شكلٍ، وألذّ نكهة .

 

د. وليد العرفي

 

قاسم ماضيللروائي والقاص العراقي "راسم الحديثي"

هكذا قال

"غادرها الزمان"

وهو يغوص في أدق التفاصيل اليومية، وكأنه طبيب نفسي يغوص في ثنايا أفكارها التي رسمها عبر خريطة شعرية، لما لا، فهو روائي وقاص وله تجارب عديدة في هذا المضمار و" الحديثي " يشتغل على أدوات مختلفة من خلال مشغله الأدبي " السردي " كي يحفز القارئ .

وكل قصصه التي كتبها في فترات سابقة تعالج فيها الدواخل النفس البشرية التي أججت بداخله هذا الرصد اليومي والواقعي، وكأنه يحمل كاميرته الشخصية ويرسم بها لقطاته المتنوعة، ومنها " اللعبة السحرية " الصخرة السوداء " حظي العاثر "مزار فاطمة" دليل عذريتي " منيرة والجن " كلها باقية في ذهنية الآخر المتابع له .

"هدد والدها بالتهجير أو القتل "

 وهو يرسم بحروف كلماته كل ما يجده معيبا في مجتمعه من عادات وتقاليد معيبة في واقعه المؤلم، حيث نسج قصصه عبر لغة سهلة واضحة للقارئ المتابع لهذا الكاتب الذي كتب الرواية والقصة القصيرة .

"هناك تحلم بغلامها الموعود كما تخيلته"

 فهو متخصص في المشاهد الداخلية من الحياة العامة للفرد العربي عموما والعراقي خصوصا، فهذا القاص يعطي المساحة التأملية لكل من يقرأ منجزه القصصي أو الروائي، وكما هومعروف أن علاقة الأدب بالمجتمع هي بالذات تشمل علاقة الأديب بمجتمعه ووعيه بما يجري حوله، وكشفه ما يخص المجتمع وما يخفى على الآخرين ومن المعروف أن الأدب الحي الذي ينبع من المجتمع ويصب فيه صورة حية له، وهناك قول يقول " النفس بحاجة إلى رخاء في غذائها الفكري والعاطفي كحاجة الجسم إلى شيء من النعيم في حياته المادية،وحتى أن أغلب المشتغلين في حقول المعرفة يقولون أن الأدباء والفنانون يجلبون هذه الحقيقة، ويقدمون هذه الوجبة الغنية للمجتمع .

"وأسهبت بتصفح كتابها المقدس"

وحتى لا يغيب عن بالنا أن هذه القصص التي كتبها "الحديثي" لها دلالات واضحة من خلال مسها للواقع وتشخيص سلبياته لخلق الوعي لدى الناس التقاليد البالية، عبر رسم صورة مستقبلية لأمور واقعية غائبة عن الأفراد أو لا يمتلكها هؤلاء الأفراد، حتى أنه عرف اللعبة القصصية عبر قراءة مستمرة ووضعها نصب عينيه والتي هي تحدد مسار أي مختص بهذا المجال واشتغل عليها مثل صياد ماهر بحكمة ودراية الأمر الذي ساعده على إنتقاء الأحداث، الشخوص، الزمان، والمكان، والسرد، وهذا الطرح الفكري والمعرفي في عالم السرد الذي إنطلق منه من خلال نسيجه الواقعي الممزوج بالخيال الواسع وهو يصور ما يدور حوله من أحداث واقعية معلومة زمانيا ومكانيا ويمثلها أشخاص واقعيون، وقصصه القصيرة والمعبرة كما في "إبنة عمه " وغيرها من القصص ومن المؤمل نشرها في مطبوع جديد سيكون بمتناول يدي القارئ قريبا، هي بمثابة دروس معرفية هدفها أو الغاية من كتابتها لتحقيق الفائدة من خلال طرح المشكلات التي تواجه المجتمعات العربية، وهو بالتالي يطرح علينا العديد من التساؤلات لإيجاد واقتراح الحلول لها، كما تكشف أحداث قصصه عن أمور دقيقة ومؤثرة في واقعنا لذلك يهتم بها القارئ .

"حتى قيدها بحبال وسلاسل ليقض بكارتها"

يقول عنه "أ. د. جمال السامرائي" يحاكي القاص والروائي "راسم الحديثي " معاناة الإنسان في زنازين القهر، وأي أنسان، مفكرين، ومناضلين، وكتاب وعسكريين، كانوا كبارا في ميدان الحقيقة الصامتة،ولهم صولات في الصراع من أجل تقويم المسالك الخاطئة، هو يحقق للقارئ فضاءات كثيرة في قصصه ومنها " المتعة " من خلال طريقة بنائها وتسلسل أحداثها، وهو كذلك يصور لنا مجريات قصصه عبر سرد أحداثها ورسم شخصياتها، بالاضافة إلى شد انتباه القارئ، وحتى نقول ومن خلال هذه المقالة أن القصة في اللغة هي عبارة عن حكاية مكتوبة مستمدة من الواقع أو الخيال أو من الإثنين معا، وتكون مبنية على أسس معينة من الفن الأدبي . يمكن القول أن الحديثي تبنى أسلوبا ً حاول من خلاله نسج مستوى لغوي يجمع البساطة والبلاغة كي لا يسقط في فخ اللغة التقريرية المملة، وأعتمد على عنصر المفاجأة في وضع نهايات تلك القصص واستخدم أسلوب تكثيف الأحداث بعيدا عن الترهل والاستطراد الحواري الذي تارة بلسان الراوي،وتارة أخرى على لسان الشخصيات . القصص التي تحدثت عنها في سياق هذا العرض تمثل رسائل حاسمة وبليغة لأفراد المجتمع للتخلي عن قيود التخلف .  

"اختارت الموت بديلا عنه، فكلما إزداد إصراره، كلما عظم عنادها "

وقصصه لها وقع خاص على النفس البشرية حيث يكتبها وأعني قصصه القصيرة بسرديات مستلهمة من الواقع وهذا ما نجده واضحا في قصته المعنونة "إبنة عمه" التي حركت فينا مشكلة الأعراف والتقاليد القديمة والبالية ومن المفترض نحن في القرن الواحد والعشرين أن نتجاوز مثل هذه الحالات السيئة في المجتمع الذي يتراجع إلى الوراء بفضل القبلية والتعصب المذهبي أوما شابه ذلك .وهي بالحقيقة مثل هذه القصص المؤلمة هو الظلم بعينه .

"تحلم بغلامها الموعود كما تخيلته"

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

وليد العرفي من الجلي بأنَّ قصيدة: (وطن) أسميها: (قصيدة الأمل)، ولأنَّها وليدة هذه الظروف الراهنة ؛ فهي تستحقُّ غير مقاربة نصيّة، إذْ إنَّني سأدرس القصيدة وفق مستويات لا بدَّ من التوقف عندها، وهو ما سيكون مجال مقاربات تالية وفق ما تسمح به الظروف، وارتهاننا للوقت والحالة، وإنما أردنا من هذه الإشارة العابرة التي لا تُغني بحال عن النظرة المتأنية التي تدخل عمق البحر سابحة بين أمواجه، لا أن تظلَّ على الشاطىء مُكتفية بالنظر من البعيد والاستمتاع برمله وشمسه

إنَّ قصيدة وطن كما اصطلح على تسميتها في توصيف مؤلفها بداية سأنطلق من فكرة القصيدة للشاعر صالح الطائي الذي تُرفَع له القبعة احتراماً وتقديراً على هذه الروح الوطنيّة التي خلقت القصيدة وجسّدتها عملاً مشتركاً حقق وحدة الثقافة العربية برابطة كلمة الضّاد، وهي بذلك تُحقّق أول منجز لها على صعيد التقاء العرب في إطار وحدة الكلمة، بعدما عجز الساسة عن تحقيق أي تقارب على أي مستوى آخر، وبهذا ننظر إلى القصيدة على أنها تُشكّل إطاراً في العمل العربي المشترك على مستوى الثقافة، وهو ما يُعزّز دور المثقفين، ليكونوا قادة الشعوب بعدما مرَّ زمان على تهميشهم، وجعلهم منفعلين بالأحداث لا فاعلين فيها .

ولا يفوتني في هذا السياق أن أُعبّر عن جزيل شكري للفاضل د. حسين سرمك الذي أرسل إليَّ ـــ على كرم منه ـــ نصَّ القصيدة؛ فمنحني فرصة قراءتها، والتعرّف على شعراء الأمّة من الماء إلى الماء، وما أحوجنا اليوم للاطّلاع على ما يكتب أخوتنا شعراء العرب أينما كانوا .

أوّلاً ــ بذور الفكرة:

وهو ما جاء من خلال التصدير في طبعة القصيدة، إذْ يتحدَّث السيد صاحب دار النشر الشراط عن فكرة القصيدة بقوله: " وجاءت فكرته الرائدة والرائعة المتمثلة في (مشروع قصيدة وطن) وهي بلا شك فكرة مدهشة ورائدة؛ أن يبادر مثقف عربي إلى جمع قصيدة واحدة يشارك في كتابتها كل العرب من الخليج إلى المحيط قصيدة وطن، قصيدة كل الشعراء العرب إلا من أبى..."

وعلى هذا؛ فإن القصيدة أرادت أن تُحقّق حلماً، وأن تُجسّد أمنية، وهوما جاء بمثابة إعلان وتصريح بشكل جلي في  التمهيد الذي جاء في مقدّمة القصيدة: "إن قصيدة وطن التي ولدت في أحلك أيام عروبتنا وازع أخلاقي وقيمي أشهر كل مخزون البطولات التاريخية الذي كان مخفياً تحت تراكمات القهر، وصهرها في كلمات وقوافٍ وأوزانٍ في محاولة جادة لإعادة التوازن لأمة تترنح تحت طعنات الأعداء والأصدقاء وتكابر لتبقى واقفة، ولذا استحق شعراؤها أن تُحنى لهم القامات، وأن يركع بين أيديهم شكر القوافي" .

ثانيَّاً ــ في الوزن والقافية:

نهضت قصيدة: (وطن) على إيقاع بحر الوافر، وهو من البحور المركّبة  إذ يقوم على ثنائية التفعيلة، وهما: مفاعلتن التي تتكرَّر مرتين و فعولن  وهو من البحور الغنائية المستحبّة؛ فيوصف باللين والرقة وأكثر ما يجود فيه النظم به في الفخر والمراثي  .

أما القافية فهي مطلقة ورويها حرف: الراء المشبعة واواً، والراء من الحروف التكرارية الذي يردد صداه، فتكون القوة، وهو اختيار مُوفَّق من صاحب الفكرة ومؤسّس لبناتها الأولى التي بنيت وفق هندستها بقية الأبيات .التي جاءت استهلالاً في ضرورة التنبيه والوعظ:

حذارِ منَ الهدوءِ إذا تفشَّى                        فعندَ الفَجْـرِ قارعةٌ تثورُ

وألفُ حَذارِ مِنْ صَبْرِ التلظّي             هوَ البُركانُ تحضنُهُ الصّـخورُ

ولا تحسَبْ نذيرَ الغُبْرِ نسْماً               بأوجِ العَصْفِ لا تسدي النّذورُ

ففي النسماتِ إشعالُ اللواظي                   وإن الأمرَ يا هذا خطيرُ

وأعلمُ أنَّ ليلَ الصمتِ لصٌّ                وأنَّ الصّبحَ فـــــي دمهِ خفيرُ

وبعدَ الّليلِ تنتفضُ الحكايـــا               ويكشــفُ وجهَ ملحمةٍ ســفورُ

وتورقُ كلُّ أحلامِ الضحايا                 ويبزغُ رغمَ نارِ الجُرحِ نورُ

فلا تَسْـخَرْ بهدهدةِ التّشَــظي              فليسَ الهــــزْءُ يتبعُـــهُ الفُتُورُ

***

د. وليد العرفي

 

 

علاء اللامي(نجح كافكا في تحقيق ما كان يبدو مستحيل التصور قبله ألا وهو: تحويل مادة مضادة للشعر بشكل عميق هي مادة المجتمع البيروقراطي إلى شعر عظيم للرواية وهكذا تحولت "القصر" من رواية عن حادثة مبتذلة لموظف لا يستطيع الحصول على وظيفة موعودة إلى أسطورة، إلى ملحمة، إلى جمال لا يعرف له مثيلا من قبل..) ميلان كونديرا

مع ولادة العلوم السيميائية [1] والمنهجيات التحليلية والتفكيكية والبنيوية الحديثة كفَّ النقد الأدبي قبل أكثر من نصف قرن عن أن يكون شرحا وبحثا عن رموز ومعانٍ معينة يقرر النقاد سلفا أنها موجودة في العمل المنقود، واعتبار قراءة سيرة حياة الفرد المبدع هي الطريق لقراءة وفهم منجزه الإبداعي وليس العكس. هذا التطور الحاسم في ميدانه، كان له تأثيره على تلك القراءات التي تزعم أنها "نقدية"، والتي تجعل صاحب النص أي "الذرة المجتمعية المستذهَنة" هو المحور والهدف الذي يقصده النقد ويظل يدور حوله جامعا الكثير من الحيثيات والنتف المنفصلة عن بعضها من سيرة المؤلف والمنتِج للعمل الفني والأدبي، ولقد تمكنت المنهجيات النقدية الحديثة من قلب المعادلة، أو لنقل بالعبارة الأثيرة لدى الماركسيين تم "إيقافها على قدميها بعد ان كانت تقف على رأسها" فقد أصبح الإنجاز الأدبي أو الفني ذاته هو المنطلق الحقيقي لفهم عوالم الفنان والمبدع الذي أنتجه لا العكس.

ليس هذا فحسب، بل لقد غدا النص النقدي إنتاجا ثانيا، مضافا ومستقلا، للعمل موضوعه، وصار النص السردي ينتج نصا سرديا آخر بما يمثل مستوىً سرديا جديدا، ينظر إليه من خلال، وفي خضم علاقته التطورية مع النص الأول الأساس. وهكذا أشرقت وترسخت النقدية الحديثة مع آلتوسير وجاك دريدا ودي سوسير ورولان بارت وبيرس وغيرهم من رواد ومؤسسي البنيوية وعلوم السيموطيقيا الحديثة. خارج هذا الإطار الأكاديمي فعلت هذه التطورات فعلها، فلم يعد الاشتغال بهذه العلوم اختصاصيا واحترافيا تماما، بل لجأ إليه روائيون وشعراء وفنانون ذوو ثقافات موسوعية ومختلفو الميول والنزعات في مساهماتهم النقدية الشخصية سواء كان الهدف فهم أعمالهم هم أم أعمالا مهمة أخرى لغيرهم. من هذه الدائرة المتسعة باستمرار تأتينا تجربة الروائي والناقد التشيكي ميلان كونديرا ووقفته التنظيرية النقدية لأعمال وشخصية فرانتس كافكا ضمن مجموعة من الموضوعات الأدبية التي اشتغل عليها نقديا:

1714  كافكاوقبل أن نبدأ مقاربتنا لمحاولة كونديرا النقدية حول كافكا وأدبه، نرى من الضروري واللازم أن نتوقف لتسجيل شهادة شخصية حول قبوله لجائزة "القدس" الإسرائيلية الحكومية، فهذا الموضوع قد يبدو للبعض، وهو كذلك بشكل من الأشكال، ذا مساس بموقف كونديرا من كافكا ولا محيص بالتالي من التطرق إليه حتى لا يفسر صمتنا عن ذلك تفسيرا معينا لا ينسجم مع بديهيات الكتابة النقدية ويخرج وبشكل مباشرة إلى سياقات معيارية بعيدة عن الموضوعية وتلتصق بأساليب الوصم وتفتيش النوايا والتحريف. فالواقع إن لوماً وأسفاً وشعورا بعدم الرضا والحرج قد واجه عدد من الأدباء والمفكرين العالمين الذين نالوا هذه الجائزة الإسرائيلية ومن بينهم الفيلسوف والأديب الفرنسي الشهير جون بول سارتر والروائي الياباني هاروكي موراكامي.

نعتقد أن الموقف في مثل هذه الحالة، مهما كان متحفظا أو سلبيا من هذه الواقعة لا ينبغي له أن يتحول إلى موقف سلبي وذي أثر رجعي من الإنجازات الأدبية والفنية لمن ينال الجائزة ليدور كالمعتاد داخل تقاليد الوصم والشطب السائدة في الثقافة العربية المعاصرة. فإن كان موقف سارتر من جملة الصراع العربي الصهيوني ومن مأساة الشعب الفلسطيني التي تسببت بها الحركة الصهيونية ودولتها قد شكل في نظر البعض ما يشبه الارتداد والتراجع الفكري والسياسي فإن هذا الذي يسميه البعض "ارتدادا" أو " تطورا سلبيا" يبقى ذا طابع شخصي بحت، وموضعه السياسة وليس الأدب، ولا ينبغي أن يترتب عليه شطب تاريخ الرجل الذي وقف إلى جانب الشعبين الجزائري والفيتنامي حتى أدى به ذلك إلى السجن والاعتقال من قبل سلطات بلاده بمعية شريكة حياته سيمون دي بوفوار.

أما الروائي الياباني موراكامي، فهو حين وافق على استلام تلك الجائزة، وقدم تبريرات سطحية وغير مقبولة يلخصها رده على الدعوات التي وجهت إليه في بلده اليابان بضرورة رفض تلك الجائزة احتراما لدماء الفلسطينيين التي سفكها الآلة الحربية لدولة إسرائيل، والذي قال فيه " أنا كروائي أفعل عكس ما يقال لي ".. أقول، رغم كل ذلك، فهذا الأديب لم يسكت عن معاناة الشعب الفلسطيني، وذكَّر بتلك المعاناة من باب الدفاع الإنساني، وهذا ما يخفف كثيرا من اللوم الذي يوجه إليه. أما في حالة كونديرا فموقفه - من وجهة نظري- أدعى إلى الأسف، بل هو هفوة كبيرة من قبل أديب ومفكر كبير. ومما يفاقم من هذا الشعور بالأسف، إنه قال في خطابه الذي ألقاه في تلك المناسبة كلاما قابلا للتأويل والتفسير في اتجاهات شتى لن تكون في مصلحة هذا الأديب إنسانيا. وبالمناسبة، فقد حذف المترجم أو الناشر العربي " بدر الدين عردوكي عن دار الأهالي السورية " هذا الكلام من خطاب كونديرا الذي نشره في كتابه " فن الرواية " الفصل الأخير، وهذا تقليد فج ومعهود في القص الحذف يلجأ إليه ممثلو الثقافة الحكومية العربية الشمولية التي تحل مشاكلها على طريقة النعامة بأن تدفن رأسها في الرمال.

إن العبارة التي حذفت من خطاب كونديرا كان قد قال فيها (بتأثر عميق تسلمت الجائزة التي تحمل اسم القدس وعلامة اليهود الكوزموبوليتانية.) وكما قلنا قبل هنيهة فهذه العبارة قابلة للتأويل والتفسيرات المتعددة والمتناقضة فهي تجرد الدولة الصهيونية " إسرائيل" من أية هوية مدعاة أو مزعومة وتصفها بالكوزموبوليتانية، وكأنها – وهي كذلك فعلا وواقعا- مجرد تجمع للمهاجرين الغرباء لا علاقة لهم بالوطن الذي هم فيه والذين لا يجمع بينهم شرط حضاري أو ماهوي مهم وملموس. بل أن كونديرا، وفي موضع آخر من خطابه، يعتبر " إسرائيل " قطعة من أوروبا، بل هي قلب أوروبا المزورع خارج الجسد الأوروبي" على حد تعبيره وهذا بحد ذاته كلام لا يسر الصهاينة وأصدقاءهم فهم يعتبرون أنفسهم جزء وطيدا وعريقا من الشرق ولطالما فاخروا بأن لهم في هذا الشرق عمر " حضاري" يعود إلى آلاف السنوات .. أما كلامه عن إسرائيل بوصفها "الوطن اليهودي الصغير المستعاد" فهو قول مؤسف أكثر من سواه، وينطوي على تبرير مباشر لمزاعم الحركة الصهيونية الرجعية والتي رفضها مفكرون يهود كبار قبل غيرهم والتي يلخصها الشعار الباطل والقائل إن فلسطين هي أرض بلا شعب ويجب أن تأول لشعب بلا أرض. من الطبيعي إننا لا نريد إن نجبر كونديرا على أن يكون جذريا في تأييده لقضية الشعب الفلسطيني مثل الفرنسي جان جنيه و الكولومبي غارسيا ماركيز و البرتغالي خوزيه ساراماغو، أو قسره على أن يكون عروبيا و"قوميا" أكثر من العرب، خصوصا إذا ما علمنا ان بعض الأدباء وأشباه الأدباء العرب صاروا ينافسون أصدقاء إسرائيل في إطرائهم ومديحهم السمج لإسرائيل فهذا كاتب عراقي لم يسمع باسمه الكثيرون يدعى نجم والي هرع إلى تل أبيب وأطرى الكيان الصهيوني كما لم يطره صهيوني متحمس من قبل، بل لقد بلغت به " الحمية ؟ " إنه هاجم الفنانة اللبنانية فيروز لأنها كما قال غنت للقدس و وصفت محتليها بـ"القدم الهمجية"، ولكننا نطالبه- كونديرا- وغيره بالإنصاف والموضوعية في النظرة إلى الصراع الدائر بين شعب مقتلع من أرضه هو الشعب الفلسطيني وكيان مفتعل مدجج بالأسلحة النووية والكراهية هو إسرائيل.

باختصار شديد يمكن القول، إننا، ولكي لا نكرر خطيئة ماكس برود بحق كافكا حين حوله من كاتب إنساني إلى كويتب حزبي يشتغل كمروِّج لبروباغاندا الحركة الصهيونية، لا ينبغي لنا أن نخرج واقعة حصول كونديرا أو أي أديب أجنبي على الجائزة الإسرائيلية الذكورة عن سياقها لنضعها في سياق آخر، ولا أن نبالغ بها، وصولا إلى الشطب على هذا المبدع وأدبه ككل، بل نكتفي بتسجيل الأسف على هذه الهنة الكبيرة التي ارتكبها هذا المبدع الذي أحببنا أدبه وتبقى مسألة استمرار إعجابنا وحبنا من عدمه لهذا الأدب ولمن أبدعه مسألة ذوقية وشخصية إلى حد بعيد. وبهذا نكون أكثر قربا وانسجاما مع المساق الأخلاقي والتاريخي والعلمي لوقائع كهذه ولأبطلها أيا كانوا.

بالعودة إلى مقاربة كونديرا لكافكا وأدبه نلاحظ أنه خصص الجزء الثاني من كتابه النقدي " الوصايا المغدورة " وهو بعنوان " ظِل القديس غارتا .. الخصاء " لكتاب خطير رغم تفاهته الفنية والمضمونية، هو عبارة عن رواية تحمل عنوانا ساذجا يقول "المملكة المفتونة بالحب " لشخص يدعى ماكس برود عرف بأنه الصديق الوحيد تقريبا لكافكا. نشر برود روايته مباشرة بعد الموت المبكر والفاجع لكافكا بعد معاناة طويلة وقاسية مع مرض السل ونوبات الصداع في الثالث من حزيران 1924 .ومع ذلك يسجل كونديرا فضل برود في التعريف بكافكا وأدبه ولكن على طريقته الخاصة و رغم كل شيء حين يقول : لولا ماكس برود، ولولا هذه الرواية لظل اسم وأدب كافكا نسيا منسيا ومجهولا لا يعرف أحد عنه شيئا.

وقد نشر برود ثلاث من روايات صديقه بعد موته كاتبا لها مقدمات وشروحات من ذات النسيج الذي حكم طريقته في كتابة روايته سالفة الذكر، لكنها لم تحدث أي صدى في الساحة الثقافية الأوروبية بله التشيكية فقد عاش كافكا منعزلا، بل، وربما معزولا عن نخبتها وفعالياتها.وحين فشل برود في ترويج نتاج كافكا قرر ان يفتح " حربا حقيقية " كما يقول كونديرا ليفرض نتاج صديقه. ولكنه طبق في ذلك إستراتيجية مقلوبة ومنافقة فكتب مجموعة مقدمات لروايات كافكا : القصر، أمريكا، وصف معركة، مقدمة الرسائل واليوميات،مقدمة مجموعة من القصص، مقدمة محاورات مع يانوش، ثم حول روايات القصر والمحكمة وأمريكا إلى مسرحيات ثم كتب أربعة كتب تلفيقية ذات مضامين تأويلية دينية تقرأ من عناوينها وهي التالية :

- الإيمان والهداية عند فرانز كافكا .

- فرانز كافكا سيرة حياة .

- كافكا الهادي إلى السبيل .

- اليأس والخلاص في إعمال فرانز كافكا الأدبية .

بسخرية مريرة، يلاحظ كونديرا، أن ماكس برود تصرف وكتب ما كتب لا لشيء إلا لترسيخ صورة كافكا كمفكر ديني وظلامي على الرغم من ان برود ذاته يعترف بأن كافكا لم يقدم قط شرحا منهجيا لفلسفته وتصوره الديني للعالم[2]، وعلى الرغم من أن كلمة "يهود" ومشتقاتها لم ترد في نتاجه السردي كله، ولكنه يعاند ويلوي أعناق الحقائق فيزعم أن هذا كله يمكن استنتاجه من أعماله الأدبية. غير أن خيبة برود تطل برأسها حين يحاول تطبيق هذه الرؤية النقدية فيجعل اهتمامه منصبا أولا على تفاصيل حياة كافكا، بوصفها مثالا يحتذى تليها في الوسط مجموعة الحكم التي قالها في مذكراته واستخلصها برود من كتاباته وأقواله الفلسفية ويومياته بطريقة "القصقصة والتلصيق" المنحازة، وفي الأسفل تماما في أعماله الروائية السردية. بمعنى إن برود قام بعكس ما هو مطلوب تماما لتحقيق هدفه ألا وهو إعدام كافكا الحقيقي، كاتب الروايات المهمة، والتي شكلت ثورة في السرد الأوروبي باعتراف عدد كبير من المبدعين، ليحتفل – من ثم - برجل دين كئيب وعصابي اسمه كافكا.

ووفقا لكونديرا فرواية ماكس برود الساذجة والضعيفة فنيا والقائمة على عنقود مصادفات غير مبررة سرديا وأقرب إلى الثرثرة (نشير عرضا إلى أن برود ألف عشرين رواية وصفها كونديرا بأنها "تقليدية بشكل محزن لأن مؤلفها لا يفهم شيئا إطلاقا في الفن الحديث) ولم تترك أثرا أو ينتبه لها أحد طوال تاريخ الرواية التشيكية أو الأوروبية عموما) وتقوم هذه الرواية " المملكة المفتونة .." على الحكاية التالية :كاتب ألماني اسمه "نوي" يعيش في براغ، وهو كما يقول كونديرا صورة شخصية مزخرفة لماكس برود نفسه .يقوم نوي / برود بخداع رجل متزوج فيقيم علاقة غرامية خاصة مع زوجته ويستطيع هذا الأخير وبطرق خبيثة ومتقنة من أن يلقي بنوي/ برود في السجن لأربع سنوات وهكذا يكون الصراع بين الأخيار نوي وعشيقته ضد الأشرار الزوج المخدوع وناقد صارم ينتقد كتابات نوي برود الجميلة .. تنتحر العشيقة ويصبح نوي شخصا حساسا جدا لدرجة أنه يغمى عليه عدة مرات.حتى الآن، لا وجود لكافكا، ولكنه لا يلبث أن يتسرب أو يزج به من قبل المؤلف " برود" كصديق شخصي له ويعطيه اسما هو غارتا الموصوف بأنه قديس من زماننا ..والذي - بلغة برود - يبتغي النقاء المطلق ولا شيء سواه.

يكتب ماكس برود واصفا غارتا / كافكا بالقول (من بين كل الحكماء والأنبياء الذين وطئوا هذه الأرض كان هو الأكثر صمتا"..." وربما لم يكن يلزمه إلا الثقة بالنفس ليكون هاديا للإنسانية). واضح طابع الفخفخة والإطراء الفارغين، والتحوير بل والتزييف في هذا الكلام . غير أن ذلك سيشكل –للأسف - المداميك الأولى في الهيكل الذي سيفلح ماكس برود في تشييده لفرانتس كافكا وقد ساعدته على القيام ذلك عدة عوامل لعل من أبرزها: أن كافكا مات معزولا ومجهولا من قبل النخبة المثقفة والأدباء الشيك وقبل أن تنشر أعماله وقد ساعد على ذلك ندرة معارفه الآخرين إضافة إلى موته المبكر بعد مرض طويل. وفي روايته البائسة يطلق برود أكذوبته التي ستكون الأساس لمجموعة فظة من الأكاذيب التي ستترى فيزعم بان غارتا / كافكا طلب من نوي / برود ان يكون وصيا على نتاجه الأدبي ولكن بشرط غريب وهو أن ينفذ رغبته الأخيرة بأن يمزق ويحرق كل شيء كتبه .والسؤال البسيط الذي يدحض هذه الكذبة هو، ما حاجة رجل يموت إلى وصي يطالبه بتدمير كل شيء أنتجه؟ ولماذا لم يدمر كافكا نتاجاته كلها بنفسه قبل أن يموت ؟ هل أصيب بالشلل؟ لا توجد مؤشرات إطلاقا على ذلك، وليس مألوفا ان يصاب مريض السل بهذا العارض . ثم لماذا واصل كافكا الكتابة وتنقيح ما كتب حتى أيامه الأخيرة إذا كان قد قرر فعلا إحراق وتدمير نتاجه الأدبي؟

في الواقع لقد عمل كافكا نفسه على تنقيح وضبط أغلب أعماله في سنواته الأخيرة، وأهمل و أو عدل أو حذف بعضها الآخر، ولكنه لم يتمكن من إنهاء هذه المهمة، حتى أنه لم يكمل روايته المهمة والتي يصفها النقاد بأنها أكثر رواياته تفاؤلا " أمريكا " ونشرت ناقصة، لتفاقم خطورة حالته الصحية، ولأنه لم يكمل مهمة مراجعة أعماله فربما يكون قد طلب من صديقه برود أن يحرق بعض الأعمال الضعيفة وغير المهمة وهذا ما نجد له تأكيدا له في قول كافكا ان روايته المهمة والتي يعتبرها كاملة هي خمسة أعمال ويعددها بالأسماء في إحدى رسائله.

يحاول ماكس برود بأكذوبته حول طلب كافكا إعدام كافة نتاجه الأدبي، أن يضفي على نفسه صفات المنقذ، والمخلص لتراث كافكا، لأنه رفض تطبيق تلك الوصية المزعومة، وآثر مخالفة الوصية ونشر أعمال صديقه الأدبية. فكيف فعل ذلك ؟ لقد نشر الأعمال كلها، ولم يستثن حتى رسائله الشخصية ولكن مع مقدمات طويلة بقلمه هو، و شروحات تخدم غرضه وتجرد تلك الأعمال من أي بعد غير البعد الديني الكهنوتي الذي يتعصب له برود ذاته. ثم حول برود عددا من روايات كافكا ومن بينها "القصر" سنة 1953، و"أمريكا" سنة 1957 إلى مسرحيات بذات الطريقة، وألف عدة كتب أراد لها أن تكون " نقدية" ولكن محتواها الديني والظلامي لا يخفى على أحد، ولعل عناوينها تبوح بمحتوياتها كما ذكرنا قبل قليل.

لقد فعل ماكس برود كل ذلك بشراسة لا تخفى، وبروح مقاتل فعلا، وبغياب أي شخص آخر يمكنه ان يفند أو يشكك في أفعاله وأقواله لجملة الأسباب التي ذكرناها، حتى نحج في تكريس "كافكاه " الخاص. نعني: كافكا المفكر الديني المتعصب، والمؤيد للصهيونية، كافكا ذا الأدب السوداوي الجهنمي المريض الداعي إلى الموت واليأس والعدم والإحباط! لقد أفلح ماكس برود أخيرا في تأسيس ما يسميه كونديرا " الكافكاوية KAFKOLOGIE " أو علم الكافكاوية الذي يقوم على أساس الخطاب التحويلي المقصود والذي يستهدف تحويل كافكا وأدبه إلى الصورة الشوهاء التي يرسمها له هذا العلم ذاته ليس كما هو في واقعه وواقع وتضاعيف نثره المنجز بل من خلال تمريره عبر "فلتر/ مصفاة" ماكس برود الانتقائي والمغرض.

 

علاء اللامي

............................

[1] - السيمياء هو العلم الذي يدرس حياة العلامات "اللغوية غالبا" وأنظمتها، وقوانين نشاطها . وكلمة سيمياء ترجع إلى السميوطيقيا (علم العلامات) أما السميولوجيا فهي مأخوذة من تعريف دي سوسير (1857-1913) حيث قال: من الممكن تصور قيام علم يدرس حياة العلامات داخل المجتمع. تعتبر السيمياء علماً حديثاً مقارنة مع بالعلوم الأخرى، فقد ظهرت في بداية القرن العشرين، و كانت ولادة هذا العلم ثانية مكانيا وزمانيا، فهي كانت ولادة أوروبية على يد العالم السويسري "دي سوسير" ثم إنها ولادة أمريكية على يد العالم "شارلز بيرس". وهكذا فهي قد شهدت لحظتي ولادة في مكانين وزمانين مختلفين . و قد أشار دوسوسير إلى ولادة علم جديد يدرس العلامات بمعنى أنه يدرس حياة الدلالات داخل الحياة الاجتماعية، وهو يطلعنا على ماهية هذه الدلائل وعلى القوانين والشروط التي تحكمها والتي ستكون قابلة لأن تطبق على اللسانيات .أما العلامة "بيرس " فقد كان يبتكر آنذاك تصوره الشخصي والخاص للسميوطيقيا لكي تشمل طرق تكوين العلامات الرامزة وكيفية حلها، حيث أن الأديب يعمد إلى مادة مبذولة ومتاحة في الحياة اليومية، وفي وظائف الاتصال اليومي كيما يقيم في داخلها نظاماً فنياً جديداً، يعتمد نظام علامات موضوعي وجمالي على النقيض تماما من نظام ورموز اللغة والثقافة السائدة والمألوفة .

[2] - ص 44 / الوصايا المغدورة / كونديرا ميلان / ترجمة معن عاقل / دار الأوائل دمشق .

 

علاء اللامينقدم الآن عرضا مكثفا لرسائل كافكا التي ورد فيها ذكر فلسطين أو الحركة الصهيونية، في محاولة لوضع هذه الرسائل في سياق تاريخي أكثر اقترابا من الواقع، علما بان هناك رسائل كثيرة لا يرد فيها ذكر هذين الموضوعين مع أن هذه الرسائل جميعها، من وجهة نظرنا، وسواء ورد فيها أو لم يرد ذكر هذين العنوانين، ليست بالأهمية التي نُظِرَ بها إليها.. نسجل أيضا، أن الرسائل الشخصية وخصوصا تلك التي لم يرسلها كاتبها تظل ضمن دائرة الأمور الشخصية الحميمة والتي كان ينبغي احترامها أو على الأقل احترام رغبة مَن كتبها ولم يرسلها لسبب ما فتوجب أن تبقى بالتالي ملكا لكاتبها، وهذا أمر لم يفعله ماكس برود مباشرة، بل باع قسما منها للمشترين، وهو الذي فعل بصديقه الأفاعيل بعد موته ومسخه مسخا تاما خدمة لأغراضه السياسية المتعصبة. أدناه عرض سريع برسائل كافكا إلى خطيبته فيليس باور قبل انفصالهما النهائي عن بعض والتي ورد فيها ذكر فلسطين أو الصهيونية وسنهمل الكثير من الرسائل والبطاقات البريدية وهي كثيرة التي لم يرد فها ذكرهما:

- بتاريخ 20 أيلول 1912: رسالة طويلة /يعرف كافكا بنفسه للمرسل إليها، لأنه يرجح أنها لا تتذكره، ولذلك يحاول تذكيرها به، وبأول لقاء لهما بحضور آخرين، ثم يذكرها بوعدها بمساعدته ومرافقته في رحلة إلى فلسطين وينصحها بأن يستفيدا من كل دقيقة من عطلتهما وهي كما يقول "قصيرة جدا بكل المعايير".

- رسالة أخرى متوسطة الطول مؤرخة في 28أيلول 1912 ليس فيها إلا سؤال عرضي واحد قال فيه مستدركا أو مُذَكِّرا، (ولكن آه، ماذا حصل بالنسبة للسفر إلى فلسطين؟ أ في المستقبل القريب أم في المدى البعيد؟ خلال الربيع القادم أم في الخريف ربما؟)

- رسالة مؤرخة في 2 أيلول 1913 متوسطة الطول كتبها بعد نوبة قوية من الصداع جعلته كما قال في الرسالة "يمرغ رأسه في عشب الحديقة"، في هذه الرسالة يكتب كافكا " بأنه سيسافر إلى فيينَّا يوم السبت، وسيبقى هناك إلى السبت الذي يليه. وفي الهامش، يخبرنا إلياس كانتيني، مقدم الرسائل، بأن كافكا لم يخبر فيليس المرسل إليها بأنه سيسافر إلى فيينا لحضور الاجتماع الحادي عشر للمؤتمر الصهيوني، ويصف تصرف كافكا هذا بأنه "بعيد عن اللياقة" ثم يعود كانتيني ليقدم شهادة مهمة جدا مفادها أن كافكا (كان سلبيا خلال المؤتمر الصهيوني الذي حضره، حيث وصف الأيام الذي قضاها هناك بأنها أيام عصيبة، وبأن المؤتمر والناس المشاركين فيه لم يكونوا محتملين بالنسبة له، فأهملهم وحاول التسلي بكتابة بعض يومياته، ثم ترك كل شيء وسافر إلى مدينة البندقية للسياحة).

- بطاقة بريدية قصيرة بتاريخ 9 أيلول 1913 من فيينا يخبرها فيها أنه ذهب إلى المؤتمر الصهيوني على عكس ما قاله كانتيني من انه أخفى ذلك عنها وقال لها أيضا أنه لم يكن له احتكاك مباشر بالمؤتمر.

- في رسالته المؤرخة في 12 تشرين الأول 1912 والطويلة نسبيا لا نعثر إلا على جملة واحدة يرد فيها ذكر فلسطين بعد كلام طويل عن أشواقه للقاء حبيبته ومشاعره نحوها ولهفته لوصول جواب منها، هذه العبارة تقول (هل يمكن لرسالتي أن تظل محجوبة عنك بسبب سفرك الوشيك إلى فلسطين؟) ويمكن لنا أن نفهم من هذه الكلمات ان الآنسة باور ربما تكون قد قررت أخيرا السفر إلى فلسطين بمفردها.

- وفي رسالة أخرى لها مؤرخة في 27 تشرين الأول 1912 وهي طويلة وتقع في ثلاث صفحات ونصف، نقرأ شيئا له علاقة بيومياته وبمعلوماته عنها وهو حين يكتب لها انه علم بأنها تعلمت اللغة العبرية في طفولتها، وانه كان يفضل لو أنها لم تشر إلى ذلك، بل وهو لا يخفي سروره حين فشلت ذات مرة في ترجمة كلمة " تل أبيب " ويخبرها أيضا بأنه لاحظ إنها كانت تود التأكيد على انها صهيونية وهذا يناسبه كثيرا ... ثم ترد جملة أخرى ورد فيها ذكر فلسطين وتقول (نوقشت الرحلة إلى فلسطين، وآنذاك رغبت في مصافحة يدي، إنني ما أزال أتذكر بدقة الطريقة التي اعتمرت قبعتك بها، كانت القبعة عرضة تقريبا وبيضاء اللون...) نقرأ أيضا أن الطقس الماطر حرمه ذلك اليوم من القيام بنزهته اليومية في الطبيعة.

- رسالة قصيرة ذات تاريخين تخمينيين خارج الصدد تماما.

- رسالة قصيرة مؤرخة من 17- 18 شباط 1913 خارج الصدد يخبرها أنه غير قادر على قطع الحبل الذي يربط بينهما لأنها صارت جزءا منه...الخ

- وفي رسالة طويلة مؤرخة في 27 / 28 شباط 1913 يروي كافكا للمرسل إليها انه قابل طالبا من معارفه وكان (صهيونيا شديد الإحساس حاد الذكاء ونشيط وأنيس) وانه وجده (مضطربا، أوقفني ودعاني إلى اجتماع هام ومسائي وفي تلك اللحظة كانت لا مبالاتي نحوه كشخص أو لأي شكل من أشكال الصهيونية هائلة ولم يكن بإمكاني العثور على طريقة اجتماعية معقولة لأقول له وداعا ...) يبدو كافكا واضح السلبية من الصهيونية، حتى أنه ترك الرجل دون وداع، وحتى هنا لا يمكننا، ولا يمكن لغيرنا توظيف هذه الرسائل بأي اتجاه محدد إلا من خلال قراءتها ضمن سياقها الخاص والتاريخي كأشياء شخصية وحميمية لا تصلح لتكون دليلا حاسما على شخصية أديب ما وعلى أدبه.

- رسالة قصيرة في 18 آذار 1913 يخبرها فيها أن هناك عقبة أمام قيامه بالرحلة وهي رسالة خارج الصدد كما يرى المترجم، ولا ندري إن كان المقصود هو المترجم العربي أم الأجنبي الذي ترجم الرسائل من الألمانية إلى الفرنسية أما إلياس كانتيني فيعتبر الرسالة ذات علاقة بسفر كافكا إلى فلسطين.

- وفي رسالة قصيرة بتاريخ 29 /30/ نيسان 1913 يخبر كافكا المرسل إليها بأنه دعي لمشاهدة مسرحة بلغة يهود أوروبا " اليدش " وبأنه أسرع بالخروج من المسرحية قبل نهاية العرض ليرسل لها تلك الرسالة.

- تلي ذلك أربع رسائل مختلفة الأطوال وخارج الصدد، فخامسة موجهة من والدة كافكا إلى والدة الآنسة فيليس باور وهي خارج الصدد أيضا، ثم رسالة مؤرخة في 26 أيلول 1926 ترد فيها جملة واحدة تقول (أصدقاؤك وأخواتك وأمك ما هو موقفهم من بيت الشعب اليهودي؟)

- وفي رسالة بتاريخ 5 تشين الأول 1916 ترد الجملة لتالية (هل تعرفين هذا الاسم؟ انه يلعب دورا هاما في الصهيونية. هوغو بيرغمان)

- وفي بطاقة بريدية مؤرخة في 7 تشرين الأول 1916 يعلق فيه على قول أحد الكتاب أن هناك شيء ما ألماني وجوهري في أدب كافكا القصصي ويقرنه بما كتبه ماكس برود الذي قال (إن قصص كافا تقع ضمن أكثر الوثائق اليهودية النموذجية في عصرنا) فيعلق كافكا بسخرية مريرة (مسألة صعبة، هل أنا خيَّال في سيرك امتطي جوادين؟ وا أسفاه! فأنا لست خيّالا ولكنني أتمدد على الأرض منهكا) واضح أن كافكا يسخر هنا من محاولة برود زجه ضمن الأدب اليهودي والصهيوني، ويبدو أن هذه هي أول محاولة مبكرة لبرود في هذا الصدد. يمكن لنا هنا، على جهة التحديد والحصر، تلمس جذر تلك المحاولة التي استغرقت كل نشاط وحياة ماكس برود. ولكن من الواضح أن كافكا لم يكن وقتذاك يستطيع أن يخمن المدى الذي سيصل إليه صديقه فيما بعد، ولذلك يبدو أنه اكتفى بالسخرية والتهكم تاركا للزمن أن يفعل فعله على سمت الحقيقة. يمكننا أيضا أن نستشف شيئا مهما من داخل الكلمات القليلة التي عبر بها عن سخريته، ومن الصورة المعبرة فعلا والى درجة مدهشة التي وردت في تلك العبارة فقد شبه نفسه، أو للدقة، فهم أن الآخرين ومنهم برود يريدون له أن يكون على صورة خيّال يمتطي جوادين في الآن ذاته: الجواد الأول هو "شيء ما ألماني وجوهي" والثاني هو "روح الوثائق اليهودية النموذجية" بعبارة برود، والإشارة إلى التناقض بينهما بيِّنة لذلك جعلهما جوادين وليس جوادا واحدا. وقد يتساءل البعض لماذا لم يصدر عن كافكا نفي مباشر وصريح لهذا التصور؟ وهل يكفي التهكم والسخرية دليلا على النفي؟ يمكن الإجابة ودون تردد كبير بأن النفي لا يمكننا استشفافه من السخرية المرة وهي واضحة وحسب ولكن أيضا من خاتمة تعليقه حيث تؤشر عبارة " وا أسفاه! فأنا لست خيّالا ولكنني أتمدد على الأرض منهكا" على الحالة التي هو عليها والتي لا تكتفي بنفي تصور نفسه خيالا على هذين "الثيمتين " بل هو منهك ومطروح أرضا من هذا السيرك والهراء الذي قيل، وهذا ما يمكن استنباطه إذا أخذنا الكلام بحرفيته الصارمة، وتلك ليست طريقتنا في رؤية الأمور بل هي طريقة من قرأوا وقدموا رسائل كافكا في هذا الكتاب مع الفارق النوعي في الحدة بينهم.

- في بطاقة بريدية بتاريخ 10 ت1 1916 كتب كافكا انه سيقرأ للمرسل إليها مسرحية جديدة هي "مستوطنة العقاب ". وفي الهامش نقرأ عبارة ماكس برود التي يعترف فيها بأن كلمة يهود أو يهودي لم ترد إطلاقا في أعمال كافكا إلا أن أعماله - كما يضيف مكابرا ومعاندا - تقع ضمن أكثر الوثائق اليهودية النمطية في عصرنا ...هامش/ ص 92

- وفي رسالة بتاريخ 14 ت 1 1916 ترد الجملة التالية (في رأيي فإن التقرير قد أغفل الاعتبار الكافي أو الجزاء للمنظمين والمساعدين فالصهيونية والحماسة (يلاحظ المترجم أن الكلمة entusiasm تعني أيضا التعصب الديني) ليستا كافيتين.

- رسالة بتاريخ 4 ك1 1916 يسجل كافكا أن ماكس برود أطاح بمسرحية أرسلتها فيليس له وهي بقلم صديق لها، وان برود قيمها بشكل سيء، واعتبرها لا تملك أية جدارة أو ميزة وانه - كافكا - كان يحب قراءتها غير أن ذلك لم يعد متاحا الآن. فهل مزق ماكس برود مسرحية صديق فيليس؟ كافكا يبرر لبرود فعلته بالقول انه تعرض لطلبات كثيرة كهذه وانه لم تتح له قراءتها باهتمام.

- أربع بطاقات بريدية خارج الصدد

- 25 تموز 1916 بطاقة بريدية / سؤال خارج السياق في نهاية النص: ماذا عن البيت اليهودي؟

- 26 تموز 1916 بطاقة بريدية / خارج الصدد.

- وفي رسالة بتاريخ 29 تموز 1916 نقرأ قوله (ما يهمني وهو يهمك ليست الصهيونية كشيء بحد ذاتها إنما إلى ماذا يمكن أن تقود) وهذا تساؤل محايد يعبر عن التوق لمعرفة المآل أكثر مما يعبر عن طموح معروف ومحدد مسبقا إضافة إلى تعبيره ضمنا عن عدم اهتمام من النوع السياسي البحت بالصهيونية.

- وفي 30 تموز 1916 بطاقة بريدية / خارج الصدد

- فبطاقة في 2 آب 1916 يعلق فيها على مجلة للاجئين اليهود ويصف صفحة التسلية فيها بأنها مكتوبة بشكل رديء ويظهر فيها ما أسماه "الجو الصهيوني الغريب" ثم يعقب (أنتِ لستِ بحاجة لوخز الضمير بأن البيت اليهودي والصهيونية التي لم تألفيها بصورة فعالة) ثم يختم رسالته بالقول (إن الصهيونية سهلة المنال اليوم لمعظم اليهود وهي على الأقل في فروعها الخارجية المتطرفة الآراء مجرد مدخل إلى شيء ما بعيد وشديد الأهمية)

- بطاقة في 9 آب 1916يختمها بإهداء تحياته إلى الآنسة غريت بلوخ ويسألها عن موقفها من جمعية بيت الشعب اليهودي.

- بطاقة في 18 آب 1916 / خارج الصدد.

- رسالة طويلة في 11 أيلول 1916 تحتوي على كلام غير واضح عن محاضرة للدكتور ليهمان وعن مشكلة ستستمر بالبروز كما يكتب لها "لإثارة الإزعاج أمام الأسس العميقة للصهيونية ".

- رسالة بتاريخ 12 أيلول 1916: يرد فيها نصحه لها بأن لا تتكبر على عملها في تقديم المعونة عبر "بيت الشعب اليهودي" مهما بدا صغيرا، وان حالته الصحية تمنعه من القيام بمثل هذه الأعمال ثم يرد قوله: إن العلاقة بين كل هذا " موقف اليهود في أوروبا "وبين الصهيونية يكمن في طريقة عمل الشباب الصهيونيين، كيف وصلتِ إلى اتفاق مع الصهيونية تلك هي قضيتك وأية اتفاقات معها (اللامبالاة خارج القضية) سوف تكون مبعث سرور بالنسبة لي. ولكنك سوف تشعرين بنفسك يوما في أن تكوني صهيونية وسوف تتأكدين فيما بعد أنني لستُ صهيونيا وسوف يتضح هذا من خلال التجربة أو الفحص) هذه الشهادة أهملت دون أدنى مبرر من قبل المترجمين والمعلقين ...

- بطاقة في اليوم نفسه خارج الصدد.

- بطاقة بريدية في 15/أيلول 1916 خارج الصدد.

- بطاقة بريدية 16 أيلول 1916 ترد فيها شهادة مهمة أخرى هي (هناك غموض مظلم لليهودية التي تتضمن العديد من السمات التي لا يمكن اختراقها. أنا لن أفكر بالذهاب إلى الكنيس. فالكنيس ليس هو المكان الذي يستطيع المرء التسلل اليه وأولئك الذين يحتشدون أمام الكنيس ببساطة لأنهم صهاينة يبدون لي مثل الناس الذين يشقون طرقهم داخل الكنيس تحت غطاء من ميثاق تابوت العهد).علي أن أسجل هنا بأنني لم أفهم الاستعارات والمجازات التي استخدمها كافكا ولكني لا أشك من خلال سياقها العالم بأنها تنطوي على وجهة نظر ليست لصالح الصهيونية و الكنيس اليهودي كمؤسسة دينية .

- بطاقة في 22 أيلول 1916 خارج الصدد

- رسالة طويلة جدا في 30 أيلول أو 1 ت1 1916 تقع في أربع صفحات ونصف مع الهوامش خارج الصدد ولكن يرد فيها اعترافه بأنه وحين سألته إن كان مخلصا لها قال بأنه (عانى مشقة مريرة في الإجابة، ولذلك لجأ لأكاذيب قليلة مفترضا) كما يقول حرفيا (مفترضا انه من الممكن اقتراف أكاذيب قليلة جدا لأنني مخلوق كذوب ) ورغم طابع الدعابة الواضح في كلام كافكا، وجوابه الذي لا نعتقد إن رجلا، أي رجل، يطرح عليه هذا السؤال من قبل حبيبته أو زوجته سيلجأ إليه، إلا أن المترجم يعتبر ذلك دليلا على ثبوت "اقتراف كافكا للكذب" وبأنه كذوب ..الخ .وفي هذه الرسالة يكشف كافكا لحبيبته عن سر رهيب وهو أنه مريض مرضا خطيرا وأنه سيموت لأن السل الذي أصيب به من النوع الذي (لا يمكن لجمه أو الشفاء منه.)

- لم نشمل بعرضنا هذا النصوص التي أضافها المعد والمترجم للكتاب تحت عنوان "مقتطفات حالة" من كتب أخرى ككتاب يانوش " كافكا قال لي "لأسباب تتعلق بالمنهجية النقدية التي نتبناها وآثرنا التركيز على رسائل كافكا فقط ولكننا نورد الفقرة التالية من يومياته لأهميتها:

- ومن اليوميات وبتاريخ 21 آب 1913 نقرأ (إن أوضاعي لا تحتمل وهي تتناقض مع ميولي ورغباتي الوحيدة وأعني بذلك الأدب. الأدب هو كل كياني ولا أريد ولا أستطيع أن أكون غير ذلك). وهذه هي الشهادة هي الأهم والتي توقف عندها ميلان كونديرا وسنتوقف عندها بدورنا مستقبلا.

هذه هي الرسائل التي قيل إنها احتوت على مواقف كافكا وآرائه من الصهيونية والذي ذكر فيها فلسطين، وليس مجرد رحلة لخطيبته إلى فلسطين، وهي بكل المقاييس لا تشكل شيئا مهما وذا بال، ولا يمكن التعويل عليها تحليليا لاستخلاص موقف منسجم وواضح ومتكامل لكاتبها من الحركة لصهيونية أو من فلسطين ذاتها الذي زج المترجم باسمها في عنوان الكتاب. أضف إلى ذلك أن هذه الرسائل تكشف عن تحفظات كثيرة، ونفور قوي من الصهيونية ذاتها. صحيح إننا نجد فيها تعاطفا وتفهما لنشاط جمعية "بيت الشعب اليهودي" الخاصة بجمع المعونات لليهود وتشجيعا للخطيبة للمشاركة فيها، وهذا أمر نابع من حساسية ودماثة كافكا المفرطتين، ولسنا مضطرين لسماع وتصديق مزاعم الخطابات التأثيمية والتشكيكية والتي تعتبر حتى الجمعيات الخيرية وتقديم الغذاء والطعام للناس مشبوهة وذات أغراض، ويكفي للتدليل على وحدة الرؤية والمنطلقات لجميع الحركات والأنظمة والأقلام المتأدلجة تماما، يكفي أن نتذكر كيف نظر الصهاينة أنفسهم إلى نشطاء السلام الأمميين في أسطول الحرية الذين حملوا لأهالي غزة الأدوية والأغذية ومواد البناء وكيف تعاملوا معهم بالرصاص الحي فقتلوا بعضهم من مسافة متر أو مترين واعتقلوا الناجين من المجزرة في سجن بئر السبع الصحراوي.

وحتى هنا، في هذه الرسائل ذاتها، وحين ندقق جيدا ونقرأها بعيون مفتوحة وخالية من كُحل الانحياز الإيديولوجي سنجد أيضا ملاحظات ووجهات نظر سلبية من الصهيونية وناقدة لها وللرموز التي عبرت عنها، كما نجد نفيا صريحا لكون كاتبها أي كافكا صهيونيا، مثلما نجد تأكيدا لحضوره للمؤتمر الحادي عشر لها ولكنه حضور شكلي انطوى على موقف سلبي للغاية منه ومن المشاركين الذين وصفهم هو بأنهم "لا يحتملون فيه". 

لقد قدمنا هذا العرض السريع والذي حاولنا أن يكون استقرائيا ومحايدا قدر الإمكان، فلم نستثن رسالة أو بطاقة ورد فيها ذكر العنوانَين المعنيين، ولكننا نشير إلى أمر نحسبه مهما وهو إننا لم نفعل ذلك في معرض بناء دفاع منسجم ومتكامل عن كافكا إنطلاقا من مجموعة بطاقات بريدية ورسائل شخصية بسيطة وبنت زمانها وقد جمعت كيفما كان، لأننا نؤمن عميقا بأن دفاع كهذا لا يمكن العثور عليه إلا في أدب كافكا الإنساني العميق المناهض للقمع والإكراه والظلم فهذا المنجز الأدبي الفذ يقف بحد ذاته خير دفاع عن صاحبه، ويمكننا أن نجد في روايته " المحاكمة " إدانة للقمع والتمييز والزيف والإكراه والفساد والإفساد وكافة مفردات منظومة ثقافة الكراهية التي قامت الصهيونية وغيرها على أساسها بل وشكلت لحمها الحي، ودماغها المفكر، وذراعها الذي بطش بأطفال فلسطين ولبنان ومصر وسوريا. إن أدبا كأدب كافكا الفاضح للقبح والهمجية، بجمالياته الفنية الجديدة والرائدة في زمانها والشاطب على الظلم والإكراه لا يجمعه جامع بحركة سياسية عنصرية أوجدت لاحقا مجازر دير ياسين الفلسطينية وبحر البقر المصرية وقانا اللبنانية...الخ والتي لم يكن شاهدا عليها ولا عاش في عصرها.

فإذا ما صرفنا النظر مؤقتا عن كتابات بعض المثقفين والكتاب العرب والتي كرروا فيها تهمة صهيونية كافكا كنوع من التعويذة السحرية ذات المفعول التطهيري والطارد للأروح الشريرة، ودون أن يعلموا بأن هذه "الفرية" هي صناعة صهيونية بامتياز من حيث المنطلقات والفاعلين ، نرى أن النازية الألمانية أحرقت كتب كافكا كما فعلت مع كتب مئات الكتاب الألمان والأوروبيين ذوي النزوع الإنساني والتنويري الذين اعتبرتهم معادين لعنصريتها، أما اليهود المتعصبون فقد أحرقوا كتبه أيضا بسبب مسرحيته " حارس المقبرة " التي يتعرض فيها بقسوة لشخصية اليهودي النمطية. الأنظمة الستالينية في أوروبا الشرقية بدورها ساهمت في هذه الوليمة فمنعت كتبه، والكنائس رفضته بحجة أنه سوداوي ويشجع اليأس. اليمين واليسار السياسيين الأوروبيين التقليديين اجتمعا على موقف سلبي منه، وكل هذا حدث بعد سنوات عديدة من موت كافكا مجهولا وغريبا وبعد أن نجح متعصب صهيوني معلن هو ماكس برود من ترويج نسخته الخاصة من كافكا الممسوخ والذي لا علاقة له بكافكا الفنان والأديب الإنساني. ولكن وبالمقابل يمكننا القول والتساؤل ترى ألم يشارك كل هؤلاء جميعا، بفعالياتهم الضدية المتشابهة، ودون أن يعلموا أو يشاءوا في بناء هيكل التميز والفرادة الذي استحقه بجدارة فرانز كافكا وأدبه؟

إن هذه الإضمامة من الرسائل الخاصة والتي كتبها كافكا في فترة محددة ومتميزة من حياته، ولم ينشرها أو يسمح بنشرها، بل حتى أنه لم يرسل بعضها لمن كان ينبغي أن تصل إليهم، تؤكد لنا أمرين مهمين قد لا يكون لهما علاقة مباشرة ومرئية بما يحاول الواقفون وراء نشرها إثباته وهما:

- أنها، وكمجموعة من الرسائل الشخصية الحميمة وذات الطابع اليومي والعادي، لا تصلح أبدا لتأكيد حقيقة أدبية أو سياسية ما، بل إن نشرها والاستعانة بها تنعكس سلبيا على المستعين بها بوصف ذلك الفعل نوعا من التلصص واختراق وهتك خصوصيات أديب مهم في تاريخ الأدب العالمي.

- أنها، وعلى افتراض احتمال الأخذ بها كأدلة ذات قيمة إثباتية معينة، لا تصلح إطلاقا في إثبات ما أرادت إثباته، بل أن هناك الكثير من التفاصيل الداخلية فيها تثبت العكس وتضع الاتهام في موضع الشك والرفض، ناهيك عن الإدانة لكل ما من شأنه هتك واختراق خصوصيات المبدعين الكبار وخصوصا ممن رحلوا عن عالمنا.

وعلى هذا سيكون من العبث واللامنهجي تفحص هذه النتف من سيرة مبدع كبير ككافكا بمنطق وبأسلوب التلطي خلف تفاصيل حياته الشخصية لتأكيد شيء ما يخصه أو يخص السمات الفنية أو المعيارية الأخلاقية أو حتى الفلسفية والفكرية لإنجازاته الأدبية عوضا عن البحث عن تلك السمات في أعماله وانجازاته ذاتها وبأسلوب علمي رصين.

 يتبع قريبا.

 

 

علاء اللامي

 

جمعة عبد اللهمبادرة كبيرة تستحق التوقف والاهتمام والثناء والاعتزاز بالجهود التي اثمرت تحقيق  هذا الانجاز الكبير، بخلق قصيدة وطن موحدة في الابداع الشعري، وموحدة بالجهود الخلاقة من الشعراء المبدعين في القصيدة  والقوافي من العراق  والبلدان العربية. في كتابة قصيدة موحدة تهتف وتصدح عالياً  بأسم الوطن. ربما هذا المشروع الكبير في كتابة قصيدة موحدة بين الشعراء، هو انجاز يحدث للاول مرة في الساحة الثقافية والادبية. في سبيل تحشيد الجهود والطاقات الشعرية في الظروف الراهنة الصعبة والحرجة، التي تحاول بعواصفها الصفراء وغيومها الرمادية المعتمة  في كسر شوكة الوطن، في سبيل تخريب وتهميش وتفتيت الروح الوطنية وثقافتها الحرة، لتعويض عنها  بثقافة الظلام المغلقة، التي تحرث في الشقاق وبذر روح  الفتن والشقاق.  وتأتي الحملة الوطنية الابداعية، لوقف هذا الزحف الظلامي والاسود وتداعياته الخطيرة. وفي سبيل  التغني والترنم في اغاني  الوطن والناس في قصيدة (رائية العرب) قصيدة وطن. لابد من الاشارة بكل اعتزاز وتقدير الى الجهود الكبيرة والمثمرة في هذا الانجاز الكبير، الى الباحث والاديب القدير الاستاذ  صالح الطائي، في جهوده المثابرة حتى اكتحلت بأنجاز قصيدة وطن. وكانت المشاركة والمساهمة واسعة نطاق  في العراق والبلدان العربية. فقد بلغت المساهمات الشعرية 600 شاعراً وشاعرة، اختير منهم 131 شاعراً وشاعرة. وبلغت ابيات قصيدة وطن 371 بيتاً شعرياً. حظى هذا المشروع بدعم واسناد كبير من الكتاب والادباء الافاضل، الذين لبوا نداء الوطن في انجاز قصيدة وطنية واحدة مشتركة، تضم كل الديانات والطوائف والمذاهب والاتجاهات السياسية والدينية المختلفة والمتنوعة. وحقق في انجاز كتاب (قصيدة وطن / رائية العرب) انه بحق مشروع مهم وحيوي، يبعث الامل في الروح الوطنية الوثابة التي لا يمكن ان تموت وتخبو ، فهي تحيى وتتجدد من رمادها كالعنقاء، في المجابهة والتحدي لقطيع ثقافة الظلام والتعصب الطائفي. أن هذا الابداع الخلاق يحمل معاني القيم الوطنية والانسانية. بأن يصدح الصوت الوطني مغرداً بالشعر والقوافي. وتتغنى بصرح الوطن،  فالوطن هو الام الكبيرة التي تجمع اولادها على مائدة الطعام الواحدة. لذلك كانت المساهمات الشعرية من كل ارجاء البلدان العربية، ان هذا الانجاز الكبير يمثل بحق عرس عراقي وعربي معاً وسوية، في براعة القلم والحرف الوطني، بالانشاد للوطن وشهدائه الابرار، الذين بتضحياتهم الجسيمة، خلقوا نجوماً لدروب الوطن المشعة بنور قلوبهم ودمائهم التي سقطت في ثرى الارض الطاهرة . ان هذا الانجاز الشعري الكبير يمثل الولاء والانتماء الى الوطن الذي هو فوق كل الاشياء الاخرى، ان يكون اكثر صلابة وقوة في المجابهة والتحدي، اكثر تفاؤلاً في انتصار راية الوطن لترفرف عالياً، تمثل الاصرار العنيد في تطهير الوطن من الدنس النجاسة ليكون ثوب الوطن نظيفاً وبراقاً. لهذا نثمن مبادرة صاحب المشروع الكبير الاستاذ صالح الطائي. وكل من ساهم وشارك في انجاح هذا المشروع الوطني الكبير. تحية حب وتقدير لكل كاتب وشاعر وشاعرة، من شاركوا ودعموا الحملة الوطنية بخلق قصيدة وطن.

وكذلك لابد من الاشارة الى استاذنا الجليل أيقونة النقد العربي المعاصر الاستاذ حسين سرمك، في دعمه اللامحدود وهو السباق بالجهود المتفانية لكل مشروع وطني أصيل، ولكل مشروع أبداعي اصيل. واشكره من كل قلبي في ارسال نسخة من كتاب (قصيدة وطن / رائية العرب) مشكوراً.

هذا الحلم الوطني تحقق بتضافر الجهود الخيرة والنبيلة. وهو يمثل تكريماً لشهداء الوطن الابرار.  الذين ضحوا بالغالي  والنفيس من اجل ان يبقى الوطن شامخاً كنخلة الله في العراق.

لذلك لابد ان نقطف بعض الابيات من بستان الوطن الزاهي بالثمار والازهار. من قصيدة وطن (رائية العرب)

× سيسطع النجم العراقي وينبثق من وسط الظلام والوجع وآلآم التشظي المعاناة. لمجيء الفجر القادم من وجع الضحايا ودم الشهداء، الذين كانوا يحلمون بوطن النور. بوطن خالٍ من المعاناة والجراح والنوائب، ان موعد صلاة الشعب الثائر تلوح في الافق،  لكنس الباغي والظالم والرذيل والخسيس. ان هذه القشور الهجينة  هي جراثيم تلوث صرح الوطن، فأن موعد كنسهم وطمرهم قريب يلوح في الافق بصلاة الفجر الاتية  :

 فلي وطنٌ  يقيمٌ  دمي صلاة                  ثم يجيرني فيمنْ  يجيرُ

 وبي جرحٌ.... وارثي كربلاء                تميط لثام مسرجتيهِ  نورُ

 لتعلم ما العراق وما لظاهُ                    وان الصبر يتبعهُ  الهديرُ

 فهل كهواكَ.. يطفحُ  بي                    نبوعٌ  وهل كثراكَ يسكنني  ضميرُ ؟

 دياجي الليل راحلةٌ  أذا ما                 أفولُ  الشمس يتبعه الدرورُ

 وأيمُ  الله أسمينا مسيراً                     ضاق بحملها حرفٌ  قديرُ

**

 عراق الاهٍ  ما أدماكَ  جرحٌ              بل الارذال مرتعها القشورُ

 فهم صنوان من نذلٍ  بليدٍ               ومزدلف بطارحهُ  القتورُ

 هم الاوغاد قد ورثوا الخفايا فحاذرْ كيدهم  فهمُ  الفجورُ

 عليك تحومٌ  من بغي ضباع  فما أجترأتْ  وسعفُ النخلِ  سورُ

- هذا العراق الابي حاشاه ذل ونكد العيش. من كل نفس خسيسة وحقيرة، تسلطت وكفرت بالقيم والمبادئ. من كل قزم يحرث في فتائل الفتنة والشقاق، ليحلم بعودة ظلام الكهوف مججداً . فنهايتهم محتومة في مزابل القمامة، ويبقى العراق حياً شامخاً وبغداد تبقى عروسة العراق.  

 عراقٌ لا يرى في الذلَّ عيشاً                  فكيف يذيقهُ خسفاً حقيرُ؟

 يحركُ فتنة ٍ في كل بيت ٍ                    وما سلم الكبيرُ ولا الصغيرُ

 فما الترياقُ ينفع في رؤوب ٍ                     يفجرها فتجرفهُ الفجورُ

**

 عصيُّ الموتِ  من أرست خطاهُ                مالَ السفر ترهبه القبورُ

 عراقيون قدْ ألفوا المنايا                         لهم في كل نازلةٍ حضورُ          

 لهم في كل صفحة التاريخ سفرٌ                كرامُ النفس هم شمٌّ وفورُ

 أذا أغضبوا فويلٌ ثم ويلٌ بيوم  الحشرِ  إن جاء النفيرُ

 فذابَ الجلدُ من طعنات ظلمٍ             مضى رغدٌ واشفقتِ  الصخورُ

- هذا وطن المجد المفدى، فهو يتجلد على جروحه ليقف شامخاً وعالياً يفيض بالنور والحياة. فهو لا ينام على ظلمٍ، ولا يستكين لكل طاغٍ  وباغيٍ ورذيل. فالحذار اذا نهض الحر والكريم بغضبه السعير. فالويل لهم، لانه شعب  عاشق الشمس والنور والحياة . وهي حياته في الشهيق والزفير، لصلاة الفجر تؤذن بقيام ساعة الثورة  لتقوده الى المجد الاثير. في جولات المنايا وبطولة الشهداء من هذا الجيل العظيم الذي حضن المنايا،  ورضع من  حليب الثورة للمجد للعراق.

 وهذا الجيلُ قد حضن المنايا                  ثباتُ  العزم زفرتهُ الوقورُ

 يعيدُ الامس من قرن اذا ما               تلاقي جحفلَ الموتِ  الصدورُ

 وتصهلُ عند غضبته خيولٌ                  وتستوفي بحضرتهِ  النذورُ

 فألهبنا العزائم والسجايا                        تساجلها الحناجر والثغورُ

 فبشرى أيها الشهداء إنا                       على دربٍ  بهِ  سرتم نسيرُ

 سلاماً للعراق وكل ارضٍ                     أضاء بوجههِ  قمرٌ  منيرُ

 أسودٌ أهلها عند التلاقي                    لها في كل ملحمةٍ  زئيرُ

***

   جمعة عبدالله

 

وليد العرفي قصيدة: "المريميَّة" للشاعر: يحيى السَّماوي أنموذجاً


 

الـوقـتُ مـن حَـجَـرٍ

وهـذا الـمـحـجَـرُ الـصـحـيُّ مـنـفـىً

لا أنـيـسَ يـشــدُّ مـن عَـضُـدي عـلـى ضَـجَـري

و"سِــدنـي" لـيـسَ لـيْ فـيـهـا ســوى ذكـرى لـيـالٍ مُـخـمَـلـيـّـةْ

تتبدّى جماليّة الاستهلال، وإن كانت تعبيراً عن حالة ضيق نفسي، وتأزم مرتهن بطبيعة ظرف وحالة غير معتادة، إنها قصيدة ترتبط بالعصر بكلّ أبعادها، ورؤاها التي تظهر منذ البداية التي تجعل الوقت انعداماً للحركة، وهذا العدم يعني الموت الذي يُشير إليه بصيرورة الوقت من الحجر بكل ما تُحيل عليه دلالة الحجر من انعدام الحسّ، وجفاف الشعور العاطفي

مَـرَّتْ مـرورَ الـحُـلـمِ فـي مُـقَـلِ ابـنِ بـاديـةِ الـسـمـاوةِ

يـومَ شــدَّ فـمَـاً الـى شـفـتـيـنِ مـن شــهـدٍ

ومـحـراثـاً الـى تـنُّـورِ صـاحـبـةِ الـجـلالـةِ فـي بـلاطِ الـعـشـقِ

مـن أقـصـى شـمـالِ الأرضِ جـاءتْ

لـلـجـنـوبـيِّ الـسـمـاويِّ الـصـبـابـةِ والـغـوايـةِ والـهـويَّـةْ

يبدو واقع الحال غير الواقع الذي كان، إذ الشاعر يعيش حالة استعادة ما كان وما صار، وهو ما بين واقع كائن، وحالة كانت يُقارن ما كان يأمل فيه، وما يحصل الآن في صورة متناقضات تظهر الحياة في صورتها الحقيقية، وهو ما يبدو في علاقة كل من عطش الكهوف، وما ترمز إليه من ظلام وعتمة، ولفظ الضياء، وما يعنيه من انفتاح وحرية، ورمزيات لفظي: (جوع وبادية)، وما يُحيلان عليه من فقر وجفاف وعدم، مقارنةً بـ: (عشب الربيع) الذي يعني الخصب والتجدد والرفاهية، وبهذا التغيير تتكشَّف أوجه المقارنة من خلال الحقل الدلالي المعجمي الذي يحشد فيه الشاعر الألفاظ الدالة من مثل : (فراديس، الهديل خرير، دلة، الفرات، الصهيل، الفرح )، وقد أراد الشاعر أن يجمع أكثر من حاسَّة في تحقيق غاية الصورة، وإشباع رغبته في التَّماهي مع وصفيَّة المشهد عبر: الصوت واللون والفكر :

كـلٌّ بـهِ عـطـشُ الـكـهـوفِ الـى الـضـيـاءِ

وجـوعُ بـاديـةٍ الـى عـشـبِ الـربـيـعِ

تـلاقـيـا فـي غـفـلـةٍ مـن مـقـلـةِ الـصـحـراءِ

فـاخـتـصـرا الـطـريـقَ الـى الـفـراديـس الـبـعـيـدةِ بـالـسـريـرِ

وبـالـهـديـلِ خـريـرَ دجـلـةَ والـفـراتِ

وبـالـصـهـيـلِ مـسـافـةَ الـفـرحِ الـقـصـيَّـةْ

بـيـنَ الـسـمـاوةِ والـسـمـاءِ

وبـيـن راشِـفِ خـمـرةِ " الأضـحـى "

ومـسـغــبَــةِ الـضـحـيّـةْ

وهو ما يبدو أمراً أصبح مجرَّد ذكرى غير مُمكن التوقّف عندها طويلاً ؛فيرجع إلى الواقع الذي يبدأ بلفظ تحديد دال على اللحظة الراهنة، وقد تغيّر فيها المكان الذي لم يعد كما كان عليه في الماضي:

والآنَ "سِــدنـي" لـم تَـعُـدْ "ســدنـي" الـتـي شــدَّ ابـنُ بـاديـةِ الـسـمـاوةِ

كـأسَــهُ لـخـمــورِهــا

وشــهــيــقَــهُ لـعـبـيـرِهـا

ونُـعـاسَـهُ لـسـريـرِهـا

فـالـوقـتُ مـن حَـجـرٍ

و" آمـورا amora " كـمـا زنـزانـةُ الإعـدامِ : (*)

شــرطـيٌّ وراءَ الـبـابِ

شـرطـيٌّ أمـامَ الـبـابِ

شـرطـيٌّ أمـامَ سَـجـائـري

يحضر المكان مُتجسّداً بفندق العزل: (" آمـورا amora ")، وهو على الرغم مما فيه من مظاهر الرفاهية البادية في معالمه الخارجية إلا أن عالم الشاعر الداخلي، وإحساسه بأنَّهُ أسيرُ هذه الجدران التي لا يحقُّ له مغادرتَها إلا بإذن جعلت الفندق رمزاً لاستلاب الحرية، وشكلاً من أشكال القمع والعبودية التي جاءت ألفاظ: (شرطي، وأمام وخلف الباب ) مُعبّرةً عن عمق المعاناة النفسية الخانقة التي يشعر بها نتيجة المنع ومغادرة المكان خشية أن يكون مريضاً بكورونا، وهنا يُحاول الشاعر أن يُخفّفَ على نفسه على سبيل التقليل من معاناته، ومحاولة تجاوز الحالة النفسية بتسويغ تلك الإجراءات التي يرى فيها ضرورة لتجنيبه المرض، ونقله العدوى إلى أهل بيته، وهو بذلك يُريح نفسَهُ، إذ يقوم بحماية نفسه، وأهل بيته من مرض عصري مُخيف :

فـأنـا أســيـرُ "الاحـتـمـالِ" بـأنْ يـكـونَ الـفـاتِـكُ الـقـتّـالُ "كورونـا"

تَـمَـكَّـنَ مـن مُـصـاحَـبَـتـي

فَـحَـجْـري بـاتَ شِـبـهَ ضـرورةٍ خـوفـاً عـلـيَّ وآلِ بـيـتـي

مـن مـخـالـبـهِ الـعـصـيَّـةْ

*

يـومـانِ مَـرّا مـثـلـمـا دهـرَيـنِ

كـيـفَ أجـوزُ عـشـراً واثـنـتـيـنِ مـن الـلـيـالـي الـمـوحِـشـاتِ

وعـشـرةً واثـنـيـنِ مـن قـلـقِ الـنـهـاراتِ الـشـقـيّـةْ؟

ووفق هذه الحالة يبدو الإحساس المُتنامي يُثقل على الشاعر مرور الزَّمن الذي يجده بطيئاً؛ لما فيه من منع، وتقييد لحركة الشاعر، ولذلك يتبدَّى قلق الشاعر الذي يُطلق أسئلته المستنكرة لهذا الوقت الذي يبدو كأنَّهُ سلحفاة في خُطاه؛ فها هو الشاعر يعدُّ الأيام بالساعات واللحظات، أشبه بالسَّجين الموعود بإطلاق سراحه بعد مدَّةٍ مُعينة، وهي لدى شاعرنا مدة الحجر المقررة بأربعة عشر يوماً، ولما يمضِ منهما سوى يومين اثنين؛ فيتساءل كيف له المقدرة على تحمّل ما تبقّى من تلك المدة ؟!

هـلْ لـيْ بـنِـصـفِ سُــوَيـعـةٍ فـي الـسـطـحِ؟

بـيْ عـطـشٌ لِـكـأسٍ مـن شـعـاعِ الـشـمـسِ ـ قـلـتُ لـحـارسـي ـ

وأضَــفــتُ : أو سـيـجـارةً

ــ إيّـاكَ .. أو شـهـريـنِ سِـجـنــاً ـ قـالَ ـ

فـاغْـتَـمَّ الـصـبـاحُ بـمُـقـلـتـيَّ

يكشف الحوار عن توق الشاعر التخلص من حالة حجره بالانطلاق إلى خارج حدود الغرفة إلى فضاء أكثر اتساعاً، وأفق أبعد مدى يتمثَّل له من خلال الصعود إلى سطح الفندق توقاً إلى مصافحة السماء، والاغتباق بضياء شمس الحياة عبر حوار مع الشرطي يبنى على حاجة متلبسة همس التمني، ونبرة صوت تسدّ الطريق أمام تلك الرغبة بالرفض والتحذير من العاقبة، وهو ما كان باعثاً لتأزم الحالة النفسية لدى الشاعر الذي عبّر عنه باغتمام الصباح في نظره .

الـمَـرْيَــمِـيَّـةُ أشـمَــسَــتْ لـيـلـي

وأيـقـظـتِ اصْـطِـبـاري مـن عـمـيـقِ سُــبـاتـهِ ..

دكَّـتْ جِـدارَ الـصـمـتِ ..

مَـنْ؟

لـلـصـوتِ أصـداءُ الـنـواقـيـسِ / الـمـآذِنِ / والـهـديـلِ

مَـنِ الـمَـلاكُ الـمَـرْيَـمـيـةْ؟

الـخـيـمـةُ / الـنـهـرُ / الـحـديـقـةُ / والـصـديـقـةُ / والـشـقـيـقـةُ

أيـكـةُ الأرزِ الـ "بـهــيَّــةْ "؟

يبدو أنّ حالة النصّ القائمة على السكون وانعدام الحركة بفعل موضوعي خارجي يُمثّله الحجر، وذاتيّ يتجسّد بحالة ضيق الشاعر، وضجره من هذه الوحدة المفروضة التي وجد نفسه مُرغماً على التعايش معها وفق المثل القائل : مكره أخوك لا بطل

تبدو هذه السكونية بفعل مُغاير بسبب من هذه المريمية التي تتبدّى كقطرات ندى تُرشُّ على هدب عيني الشاعر تُوقظ فيه العين التائقة إلى الصباح الأجمل مثلما تفتح نفسَهُ على الحياة بمعناها الأكثر جمالية وسعادة، وبهذا ينفتح السؤال الذي يظهر الاندهاش والانشراح بالقادمة التي تطرق باب حياة الشاعر، وتفتح عليه نوافذ الأمل والجمال، وإزاء هذا القادم ؛فلا بدّ من رد فعل يقوم به الشاعر :

سـأقـومُ مـن مـوتـي الـبـطـيءِ

مُـنَـفِّـضـاً عـن مُـقـلـتـيَّ الـلـيـلَ

بـاتَ الـصـبـحُ طـوعَ تـجـلُّـدي

وهنا لا بدَّ من التوقف عند نقاط عدّة :

الأولى : أنَّ اللفظ جاء بصيغة المؤنث، وهو ممَّا لا شكَّ فيه يعني أنها النصف الذي يُكمّل المذكَّر الشاعر، إذن العنوان هنا يأتي حاجة نفسيّة أكثر منه دلالة نصيّة .

الثَّانية : أنَّ المريميَّة صيغة نسبة إلى السيدة العذراء بما ترمز إليه من نقاء وطهر وعفّة، كما أنها رمز للسلام والمحبّة التي نادى بها السيد المسيح عليه السلام، ووفق هذا البعد ثمّة حالة اتّساق بين الدلالة المرجعية للسيدة العذراء، والشخصية التي كتبت لها القصيدة التي هي أيضاً رسولة السلام؛ فالشاعر إذنْ يربط الصورة التراثية القارَّة في التفكير الديني لدلالات السيَّدة مريم العذراء بصورة الشخصية التي يتحدّث عنها في الوقت الحاضر لحملها الرسالة نفسها .

الثَّالثة: المعنى الدال على المريمية الحقيقي، وهي نوع من أنواع الأزهار ينتشر في شرق أوربا والمغرب العربي، ويُسمَّى (حكيم الحديقة)، وهي نبتة مُعمَّرة، دائمة الخضرة، وأوراقها رمادية اللون، وأزهارها زرقاء أرجوانية، ولهذا الجمال الذي تتَّصف به من حيث دوام خضرتها وألق ألوانها أصبحت تستخدم في أغراض الزينة

مـا كـانَ عـيـداً

غـيـرَ أنَّ الـمَـريَـمِـيـةْ

قـالـتْ:

هـيَ الأيـامُ بـسـتـانٌ ونـحـنُ زهـورُهـا

أمَّـا كِـتـابُ غـدِ الـمـنـى فـالـمـزهـريَّـةْ

وتأتي القفلة في القصيدة مُنسجمةً مع العتبة النّصيَّة التي وسم بها العنوان المريمية، بما تحمله من دلالات، وتُعبّر عنه من وشائج تربط الشاعر بالمريمية، كما ترتبط القصيدة بالعنوان عبر حركة دائريَّة تُعيد الختام على البدء، وتربط الاستهلال بالختام في وحدة عضويَّة حققت للقصيدة ترابطها على مستويي الدلالة والموضوع .

 

د. وليد العرفي

...................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

المَـرْيَـمِـيَّـة / يحيى السماوي

 

ناهض الخياطإن المصطلح النقدي الحديث (مستويات التأويل) في النصوص المبدعة، والذي تتردد أصداؤه كثيرا في أجواء نقدنا، أراه في حقيقته قراءة تشكلها مستويات فهم متباين  لمدارك الناقد وثقافته، وتداعيات لا وعيه، ورغبته. فهؤلاء المرتكزون لآلية المستويات التأويلية المطلقة يتعارضون، بل يتناقضون، أحيانا، مع الكاتب في ما أراده بنصه في طروحاته ودلالاتها، وإشاراتها البليغة الهادفة، فيسمون الألوان بغير أسمائها .. كما أن (لا) عندهم، تعني نعم .. وهكذا !

والمؤسف حقا أن التمسك العائم بهذا النهج في قراءة النصوص، دفع الكثير من المتشاعرين، وضعاف التجربة في مدرجها الإبداعي إلى الاحتماء بدهاليزه المظلمة، فاجترحوا كلاما طائشا في انزياحاته المنفلتة لحد بعيد، ودبجوا له عناوين تُجهد القارئ كثيرا لفهم ما وظّبته لدلالتها حروفهم !

وهنا تبرز تلويحة لابد منها .. تؤكد أن التشكل الجمالي لبنى النص الشعري في إيقاعه وموسيقاه عبر اتساقه الأنيق، بصياغاتها المجازية المتنوعة مع خبرة الشاعر ومقدرته في إظهارها بما يحقق للقصيدة أقصى طاقة لها في التأثير الفكري والجمالي في نفوس قارئيه،

وليس إلى ما يواجهه من صعوبة فهم والتباس ! حيث ينبري المتمسكون بالنهج التأويلي بمستوياته المطلقة، لينهوا المواجهة الحادة بين النص وقارئيه ! ولا يتورعون في إعطاء القارئ الحق في توجيه النص إلى ما يناقض به تأويل آخرين إلى حد مسخه دون أن يقدموا مثالا معقولا لمثل هذا الاختلاف، بدعوى أن للقارئ الحق في فهم النص وتأويله كما يشاء.

وهنا يحق لنا أن نقول أن الكاتب، أيضا، يتحمل المسؤولية في بعث قارئين يجدون في التأويلات المنفلتة متنفسا لكرههم ورفضهم أمرا ما، تصدى له الكاتب برمزية مغلقة، وتهويمات مشتتة تعتيما لأهدافه، ودفعا لأذاه ! ويتمثل هذا الانغلاق المحكَم في السريالية بغرائبيتها في صورها وإشاراتها المضللة ! والنصوص الغارقة برموزها .

لقد انخرط في نهج التأويل المطلق بمستوياته المختلفة العديد من محترفي وهواة التنظير الأدبي، كما احتمى بخيمتهم الكثير من الكتّاب العائمون في أوهامهم وادعاءاتهم المنتفخة، ليحاكوا في ظلها القصيدة في اتساق بنيتها بشعريتها المترنمة بصدقها، وعفويتها، وايحاءاتها المدهشة، فلم يفلحوا، وتلاشت أسرابهم في رياح الإبداع الحقيقي لروح الجمال الطبيعي، وبهاء إحساسه الصادق العميق .

وها أنتم ترون الوردة، ودموع أحزاننا، وأجراس ضحكتنا الصافية ! فلن نحتاج لأي تأويل لها، كما في قول الشاعر (أراغون) في حبيبته (إلزا): (بعد اسمك .. أي اسم أنادي)

لأنها الظاهر والباطن في ما قاله ونفهمه ! ولدى القراء الكثير من النصوص المبدعة التي تتجلى بجمال بساطتها وعمقها وتمثلها دون التباس وعناء، كما نراه في نصوص السهل الممتنع !

ولابد من القول : أن أصالة الشاعر تتمثل بابتكار نص عميق مدهش في وحدة وجمال بنيته، ذلك النص الذي لا يختلف القراء في تقييمه الثمين، لأنه من يملي على القراء معاييره بمستوى معطياته المبدعة في الفكر والروح .

سر الخلود الأدبي-2

السياسة المحدودة بنفعيتها لا تصنع شاعراً، حتى وإن زوّقت أحداً، وجهدت بتسويق كتابته، لإنه بعد حين يركَن في ذاكرة الزمن كشبح كان يوما هنا .

ولو التفتَ المؤرخ الأدبي له، ونفضه من غباره، فلا يجد إلا كلاماً منمقاً باحتراف، ومشحوناً بانفعالات ظرفية ساذجة، أو صائتة بتلفيقاتها المنافقة . وبعكسها النصوص الأدبية التي اجترحت هموم شعبها، وهموم ذاتها في دفاعها عن مبادئها , ومناصرتها الصادقة لعزيمة المناضلين والمقاتلين من أجل حرية شعبهم وقضاياه العادلة .

قد مرت مئات السنين، بل آلافها على المجتمعات البشرية المنظَمَة في جوانب حياتهم، حيث أدرك مبدعوها أهميه العمل في مضاميره المنتجة، وفي آفاق الخيال . فنجم المبدع النبيل الأصيل في سمائنا، وتلاشى المدعون من الذاكرة .

مع هذه الحقيقة الناصعة التي رسختها الحياة بنواميسها الثابتة، ينتفخ إزاءها المتعامون عنها، والذين وضعوا في أفواههم لجام سيدهم طائعين، لتحقيق أهدافه المعيّنة، وحين ينالهم الضعف، ويعجزون، يطلق عليهم رصاصة الرحمة، أو يسرّحهم تائهين .

وتظل النجوم التي تألقت في سماوات إبداعها تنير ليلنا، وتبهج أرواحنا أبد الآبدين، وهم يطلقون حسراتهم عن الحلم الذي يرونه بعيدا عنهم، ويصبون لتحقيقه في القصيدة التي يتمنون كتابتها بعد حين . ومع كل عطائهم، يشعرون بانهم لم يصلوا للقصيدة التي تبرر حب الناس لهم واعجابهم بما أبدعوا، وضديدهم من المتشاعرين يمنحون لأنفسهم الألقاب الذهبية علنا وبلا حياء ! كما يفرش النقاد مناهجهم، ويفتح المنظرون أوراقهم، ليعلنوا عن قدراتهم على اكتشاف ما تخبئه في بواطنها النصوص وفقا لمنهجهم الذي اجترحوه.

فهل ندعو، هنا، المنظّر النابه والناقد اللبيب أن ينأيا عن التمسك المتزمت بالمناهج القارة، والمتجددة التي سرعان ما تقف في حيرة السؤال عن كنه الجمال العظيم في النصوص الحديثة التي تباغتهم بقاماتها الفارعة، أو حين نسألهم عن السر الذي خلد لنا ما احتفظنا به من روائع النصوص قبل آلاف السنين .

لقد درجت مناهج النقد الأدبي في سوحها بأسماء مختلفة كالشكلانية والبنيوية والتحليلية، والانطباعية وغيرها، وهي تتولى قراءة النصوص الإبداعية لتقويمها، ثم تقييمها على مستوى المضمون والشكل متضافرَين معا، أو منفردين، وأحدهما هو محور النص الأساس، أوهو ذاته. وكل منهج منها يمنح لرؤيته السيادة عليها لمعرفته المفترضة بسر العملية الإبداعية في ما يقرأه من النصوص دون مراء !

وقبل أن نبدي انحيازنا للمنهج الذي نراه، هو، الفاتح الكاشف لسر إبداعها، نسأل المريدين والسائرين معهم، هل باستطاعتهم أن يقدموا وصفة جاهزة للمبدع في كتابته، يبقيه حيا مع الخالدين ؟ فإذا ما انبرى أحدهم بقوله : نعم .. أنا ! فسوف تنهض بوجههه النصوص الخالدة التي قدِمت لنا قبل مئات السنين مشعة بإبداعها، فيرتدّون عنها حائرين، ويعيدون النظر في وصفاتهم ليضيفوا لها ما يؤكد صحة رأيهم في مناهجهم السالفة واللاحقة، لعلهم يدعمون بها زعمهم في تمكنهم من الإحاطة بسر إبداعها، ليأخذوا بيد القارئ منتفخين بزعمهم إلى المكمن الأوحد الخفي للحقيقة الخالدة . هذه الحقيقة التي تتجلى لنا بين حقبة وأخرى بإيقاع حراك جديد .

وهنا يمتد عليهم ظل ملحمتنا الخالدة (كلكامش) بدلالات مضامينها التي رسمت تشكلات المجتمعات البسيطة الأولى، وصراعاتها الحادة مع بعضها،في تعارض أحوالها المعاشية، وانعكاساتها عليهم في عاداتهم الملازمة، ونظام سلطتهم، وما يتجلى به وعيهم إزاء حاجاتهم الطبيعية، وغرائهم، وتساؤلاتهم الحائرة عن ظواهر الكون، وخوفهم منها، ومن نهاية وجودهم المحتمة . فوضعوا دستورهم الذي يجب أعتماده في سيرورة حياتهم، وقد اطلعنا على بعض فقراته في حوار صاحبة الحانة (سيدوري) مع (كلكامش) وهوفي طريقه للبحث عن الخلود الذي ما زال يشغلنا .

فمما قالت له: (كل الخبز يا كلكامش، فهو مادة الحياة، واغسل رأسك واستحم، واشرب الجعة، وافرح الزوجة بين أحضانك، ودلل الطفل بين يديك، فهذا نصيب البشر في الحياة) . وطلبت منه العودة إلى حيث كان . فوضعت في حوارها معه بعضا من فقرات الدستورالذي تخللت فقراته سطورَ الملحمة بلغة موحية، بصور شعرية متوثبة بالفن والجمال، لتلهم منظري المناهج النقدية في مراحلها المتعاقبة، ما يزكّون به المنهج النظري والنقدي الأوحد الذي اجترحوه للنص الذي انتقوه بين النصوص . وهم يظنون بأنهم المالكون سر الحقيقة بمناهجهم الضيقة التي لا تتسع إلاّ بأسمائها !

إن ما طرحته، هذه، الخاطرة من رصد وتساؤلات تثير في رحابها سؤالاً أخيراً لها فتقول:

هل أضافت المناهج السابقة واللاحقة شروطاً واضحة لإبداع نص كوني آخر للنصوص العظيمة السابقة، يستلهم حراك الحياة في شرايينها، وملامحها الظاهرة، ويضيف لرؤى الفكر والروح ملامح نابضة أخرى لخلقة نص عظيم، وليس احتراق عود ثقاب، وشمعة ضوء خجول، يداعب الليل قليلاً وينطفي !

وفي حيرتنا هنا، هل لنا أن نقول : إن إبداع الشاعر يكمن في موقفه الفكري إزاء ما يواجهه في وجوده، وفي زاوية نظره إلى ما يراه فيه؟ ولكل إنسان جيناته وبصمته منذ وعْينا في هذا الوجود.

 

ناهض الخيّاط

 

وليد العرفي مرثيَّةُ الشَّاعر: طارق الحلفي

يعدُّ غرض الرثاء في الشعر أحد الأغراض الرئيسة فيه، وهو قسيم المديح الذي يكاد يُشكّل مساحة أكبر من حيث إنه كان يشغل مساحة أكبر في اهتمام الشاعر؛ لا رتباطه بالنفعية الشخصية والمصلحة الذاتية، وهو بذلك يبتعد عن غرض الرثاء الذي يبرز لنا غرضاً سامياً مُنزَّهاً عن كل غاية مبرَّأً من كل شائبة؛  فهو غرض ينبض بالحقيقة، ومرآة النفس الصادقة التي تعكس  حالة فقد صديق، أو قريب .

ينحصر غرض الرّثاء في الشّعر العربي بمضمونه الوحيد الإنسان في أجلّ تساميه، وهو الغرض الذي لا يتغيَّا غاية إلا البوح والتعبير عن مخالجات النفس في لحظة وداع هي أكثر لحظات الوداع مأساة وحزناً؛ لأنها لحظة لا لقاء بعدها، وأمام مشهد الموت تبدو قوّة الإنسان ضعفاً، واتّساع مساحة البوح ضيقة، إذ يبدو الكلام عاجزاً عن التعبير، والعين حاسرة عن تصوير الموقف، وفي هذه القصيدة يعيش الشاعر طارق الحلفي حالة فقد ثنائية تتمثّل بفقد الأخ  وابنته، وهو ما يجعل إحساسه بالفقد أكثر إيلاماً، و يجعل الكلام غير قادر على الإبانة، مثلما ينعكس حزن الذات على الواقع الموضوعي ؛ فيرى المكان أصبح ضيقاً، وهو ما يجعل الشاعر يختار مساحة أخرى يسير عليها في هذا المكان الذي يجد طرقاته في أطراف القلب، وقد أعجزته العبارة، وانعقد اللسان عن الكلام  :

ضيقًا كان الكلام

ضيقًا كان المكان

وأنا أمشي على أطرافِ قلبي

وعلى عيّ اللسان

نائحًا كان حوارُ الروحِ من جور الحكايةْ

وفي ظلّ مأساوية الحالة، وقسوة المشهد اللحظي يحاول الشاعر أن يستعيد صورة الأمس التي تحمل في مضامينها جماليّة تلك الاستعادة بما كانت تحفل فيه تلك الذكريات من خصوصيّة كان فيها الأخ يستلذُّ بمتعة الحياة في مصاحبة أخيه :

لم أكن وحدي على جرفِ الطفولةْ

فأنا أحملُ في خبزِ شعيري ذكريات

دهشتي الأولى وصوتكْ

وامتدادَ الصحوِ في عتمة جهلي

لتنحّي كلّ ما خالجَ روحي

من شرايين التكلس..

طرقاتِ الخوفِ والدغلَ، غبارَ الوحشة،

الماءَ الذي التفت يداهُ ذات يومٍ حول جذعي

لأطير بحمامات الصبا

نحو رؤيايَّ وأرضِ الذكريات

وفي صور الاستعادة يتبدّى لنا رجوع الشاعر إلى ذلك الماضي، وكأنه يعيش فيه تلك اللحظات من جديد، وهو ما يتجلّى بكثافة فعل الحاضر: (المضارع :  يكن، يفزع، أمشي، نصيد ) التي جاءت مقترنةً بأحداث لم تزل حيّةً نابضةً في الذاكرة التي يستعيد الشاعر شريطها، وكأنَّها لحظات تُعاش الآن :

لم يكن يفزعني صمغُ المساء

وأنا بينك أمشي

 في طمى النهر وهمس المستحيل

لنصيد الليل والطلع وأعشاش النخيل

ببقايا الشيطنة

وعلى هذا المشهد يبدو فعل الاستعادة فعلاً مُحبَّباً إلى النفس، وهو حبُّ ممزوج بغصّة بادية، وحسرة تلهب مشاعر الشاعر، وتُوقظ في داخله نار الحنين إلى تلك الأيام حيث يقول :

كم ضَحِكْنا

ضِحْكَنا كان يغطي جثةَ النوءِ التعيسةْ

ونبوءاتِ مرايا كسرَتْ حافاتها اصواتنا

وحُشاشاتِ الكلامْ

قبل أن تكسرَ قلبي

وكؤوسَ الطمأنينة

فوق قبرك

يبدو فعل الفراق المتحقّق برحيل الأخ قد هدَّ عزيمة الشاعر الذي يجد نفسه قد تعرّى من أسباب قوّته التي كان يجدها في أخيه بما يعنيه من مساندة ومؤازرة؛ فيتمثل صورة الفقد بصورة العاري، إنها صورة تختزل كثيراً من عمق الفاجعة التي يريد الشاعر التعبير عنها ؛ فالتعرّي النفسي أكثر إيلاماً، وأشدَّ أسى من تعرّي الجسد في هذه المرثية التي تطفح بأحاسيس الأسى والتفجّع :

 

عاريًا كنتُ ولكني مشيت

نحو أبوابِ المياهِ

كي أندّي شفتيكَ

وأزيدُ الخمرَ خمرًا

لمسافات الطريق

سائرًا نحو شعاعٍ من جبينكْ

علني أمسحُ من شالٍ البناتِ

حنظلَ الطينِ الذي يملأ قلبي

علَّني أسكب من إرث حليبي

قطراتٍ لاستعارات البقاء

علّ يومًا

بعض يومٍ

من ثقوبِ النورِ أنّي ألتقيكَ

قبل أن يفجعني كعبُ رحيلكْ

بالرثاء

ضيقًا كان المكان

ضيقا كان أصيصُ الأمس، كي يحملَ

في منفاي أهوالَ الفراقِ

وضَراعاتِ غدي

يحاول الشاعر أن يقبض على جمرة  الوقت التي أصبحت جحيماً ممتداً في اتّساع دائرة الموت المتجسّد واقعاً، ولكنه يستبعده خيالاً وأمنية يدرك أنها غير متحقّقة، ولذلك يُكثر الشاعر أفعال الطلب بصيغة الأمر : (تريث، اترك، امنح، ادخل  ) وهي أفعال يعي الشاعر أنها يستحيل تنفيذها غير أنها تأتي في سياق الولع التائق باستعادة المفتقد، ولو بالخيال الشعري ؛ فتتعاقب تلك الأوامر بحرف الترجي : (لعلَّ) الذي يكشف عن مُضمرات الذات المتعطشة إلى أمل لا يلوح منه غير سراب يرسمه خيال الشاعر، وتزينه له محبّة تريد أن تستعيد حالة أصبحت من الماضي البعيد، إذْ يطلب الشاعر لحظة توقّف؛ ليستطيع أن يكتب كلمة رثاء،أو يقول جملة في فقد أخيه، وهو يوقن أنَّ غيابَهُ صار حقيقة: فتريثْ!

واتركِ النعشَ وعُدْ منه إلينا

وادخلِ القلبَ وعانقني

فإني في الضياع

وامنحِ الوقتَ لوقتي

علني أكتبُ في مدحكِ جملةْ

جملةً أخرى تخبّي

بين أهدابِ الحروفِ

حبكةَ الموتِ ودمعي

قبلَ أن ترقدَ في قاعِ الغيابِ

بكمةُ الروحِ

وأنت..

قبل أن أصقلَ ألماسَ الحقيقة

...

...

قد تأبطتَ الوداع

وأخيراً نُشير إلى أنَّ قصيدة الشاعر: طارق الحلفي  نهضت بمشهدية الموت ذلك الشبح الذي يُطارد النفس البشريّة بكلّ قسوة ؛ فيُخلّف فيها الأسى والحزن العميقين، وهو ما اتَّشحت به قصيدة الشاعر :طارق  الحلفي ؛ فجاءت هذه المرثية من حيث بناؤها الفنيّ وشاعريّتها من أجمل ما قرأت للشاعر من نصوص سابقة، ولعلَّ أكثر مقوّمات شعرية هذه المرثيّة، ومصدر فنيتها العالية أنها جاءت تعبيراً صادقاً عن معاناة حقيقية، وتجربة واقعية كابد الشاعر معاناتها بأبعادها التي أحاطت به من كل جوانبها؛ فكانت قصيدة شاعر عانى الفقد المُضاعَف المتمثّل بفقد إنسانيين عزيزين على قلب الشاعر، وقريبين منه روحاً وجسداً، وعاطفةً، وهو ما رفع هذه القصيدة إلى مصاف النصوص التي يُمكن أن تكون مراث إنسانية عامّة لا مراث منغلقة على الشاعر في حالة فقده الخاصّة بوفاة بنت الأخ والأخ الذي ترجّل جسداً، ولكنَّ روحه حلّقت، مثلما كان ذلك الموت سبباً من أسباب قوّة النصّ في التعبير، وجناحاً حلّق به الشاعر في فضاء الموت، وتجلّيات آلامه رغم ما في تلك التجلّيات من مرارة لاذعة، وقسوة معاناة حارقة.

 

د. وليد العرفي

.....................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

مترجلا.. ليحلق / طارق الحلفي

 

1698  غئب طعمة فرمان إن رواية القربان* لغائب طعمة فرمان، قابلة كلها لأن تفسر على مستويين الواقعي والرمزي حتى نقوم بفتح مغاليق النص، وليس هذا فقط بل إذا (كان العمل رمزياً فعلى أي من قواعد القراءة نعتمد)(1).

ستكون قراءتنا حينئذ قراءة داخل النص وخارجه(2) ، وهذا بدوره سيجعلنا نتمتع بقراءة جمالية – نصية مفتوحة على دلالات رمزية واستراتيجية للنص تعمل على توزيع الأبعاد المرسومة لها بدقة ووضعها في مكانها الصحيح من أجل التعامل والتفاعل معها لخلق صورة سحرية، لذا كان التمثيل للرمز كثيفاً، وكان اللجوء إليه تهرباً من المباشرة في الطرح التاريخي – السياسي وأن (الإحالة إلى رمز أو إلى ميثولوجيا، لا تعني الإحالة إلى فكرة، فالرمز تجربة إنسانية مكثفة، والعلاقة بين العمل الفني والرموز المحال إليها، ليست علاقة بسيطة كما في الاستعارة أو التشبيه، ولا علاقة راكدة كما تكون العلاقة بين الفكرة والمثال التوضيحي: العلاقة بين الاثنين هي علاقة جدلية معقدة )(3)، وهذا بدوره لا يعني أن النص – الأدبي لم يستوفِ أسسه الفنية إلا بالرمز، والزمن التاريخي للرواية غائب تماماً، وجعله فرمان زمناً مؤولاً من أزمنة متداخلة في الرواية، خلاف الزمن التاريخي الواضح في رواياته السابقة . (النخلة والجيران) أحداثها تدور في أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها (خمسة أصوات) قبل ثورة 14 تموز (المخاض) الفترة القاسمية، وهذا ما يشاهده القارئ من خلال تداخل الأجيال الثلاثة – الجيل الأول دبش / الجيل الثاني مظلومة وصباح وياسر ../ الجيل الثالث عزيز و فتاح(4) – وهذا أيضاً جعل الرواية تمتلك مسارين الواقعي الوهمي المنحرف عن الواقع الحقيقي بلغته وضمنيته، فبدأ هذا الواقع الوهمي الذي ابتدعه فرمان أكثر دلالة تعبيرية وأعمق مغزى من الواقع الفعلي، والواقع الوهمي والرمزي هما في اللحظة ذاتها متداخلان يستحيل على القارئ أو الناقد أن يقوم بفصلهما أو أن يتناول واحداً دون الآخر، فهما بنية واحدة تقودك إلى بعدين مع رؤية مزدوجة ( ثنائية المعنى – ثنائية الدلالة ) .

(اشتعل عود ثقاب في الظلام ) ص7 .

في هذا المفتتح للرواية يعطينا فرمان صورة متحولة إلى استعارة ثم إلى رمز، النور والخير مقابل الظلام والشر، وهذا المفتتح يُعد مخططاً جدلياً أولياً على ما ستكون عليه الرواية .

(ارتعشت يداها وهي تشعل عود ثقاب) ص253 .

يشتعل عود ثقاب في بداية الرواية، ويشتعل عود ثقاب في نهاية الرواية، وما بين البداية والنهاية تربض وقائع وأحداث الرواية، ولكن ما معنى ذلك؟ معناه أن النور والخير يعملان على إزاحة الظلام والشر، معناه أن هناك صراعاً في السر والعلن، صراعاً محتجباً ومكشوفاً، فهكذا منح فرمان روايته رؤيا استشراقية مفتوحة لميلاد أسطورة فـ (الحديث عن الحاجة إلى أسطورة، في حالة كاتب خيالي، إشارة إلى شعوره بحاجته إلى الاشتراك في مجتمعه )(5) .

وكلما يشتعل عود ثقاب يحرق معه شخصية روائية، ففي الاحتراق الأول قتل دبش، وفي الاحتراق الأخير انتحرت زنوبة، فما بين العودين يتجول الموت، فعود الثقاب أصبح يمتلك معنيين ودلالتين الحياة والموت، فكانت بحق رواية سوداء، رواية ملعونة بالموت، وأيضاً يكّون عود الثقاب للقارئ مدخلاً مضاء ليدلف منه إلى عالم الرواية بأجمعه، ثم ليكوّن مخرجاً للرواية، ومؤدياً وظيفة واقعية – رمزية داخل بنية النص وخارجها .

واستطاع فرمان أن يحول الرؤية الروائية إلى معنى جمالي مع ثنائية متضمنة بحرفيتها مع الدلالة الرمزية (مظلومة – زنوبة – الصبي فتاح وعزيز)، إلا أن الرواية إذ تنمو موقفاً بعد موقف تثير جهراً أسئلة عدة ينطوي عليها عنوانها القربان:

- ماذا يعني مقتل دبش؟

- ماذا يعني انتحار زنوبة؟

- لمَ قُتل ياسر؟

- هل مظلومة رمز لطبقة، لشعب، لوطن؟

- ماذا يرمز حسن العلوان في النص – الروائي؟

أسئلة كثيرة تبحث عن أجوبة في فضاء النص – الروائي وكلمة السر لا يعثر عليها إلا بعد قراءة متأنية عميقة .

اللافت للنظر في رواية القربان أنها تخلو من المثقفين (الأنتلجنسيا)، ومن الراوي المتعدد، ومن الحكاية داخل الحكاية، ورغم الرؤية الأيديولوجية لفرمان،، وحياديته واحتفاظه بوجهة نظره قدر الإمكان، فقد جاء العمل الأدبي محملاً بالرمز السياسي، ولكن هذا لا ينفي بأن في كل (إبداع هاجساً سياسياً معلناً أو مبطناً، ليس ثمة إبداع غير سياسي، أي خارج التاريخ)(6) .

يكاد يحتل الفضاء المكاني أهمية قصوى في رواية (القربان)، بل يكاد يبلغ حداً لم يصله في أية رواية لفرمان، وأصبح يؤدي وظيفة قيمية كبيرة ليس ذلك فحسب بل أسبغ عليه بعداً سوسيولوجياً وسايكولوجياً، وبلغ الصراع والتناقض مداه بين الأمكنة والأشخاص (عبد الله / المقهى – السجن)، إن المكان / الفضاء هذا موجود كرمز أكثر منه كفضاء واقع فالفضاء الرمزي – المتخيل يزيح دائماً الفضاء الواقعي الوجودي .

لقد أراد فرمان أن ينقل صراعات وتناقضات مجتمع عراق الخمسينات والستينات، بكل فئاته وأحزابه وطبقاته إلى المحلة البغدادية – بأزقتها ودكاكينها وأسواقها وبيوتها – التي لم تستطع بدورها أن تحتويه، لأنها فضاء مكاني محدد ضيق محصور في دائرة، ولذا لم تنجح عملية اختزال بغداد – العراق إلى المحلة البغدادية، ومن ثم يمكن قراءة صراع الرواية من خلال قراءة الأمكنة وتحسسها والتي تشكل علامات أساسية في بناء الرواية .

إن الفضاء المكاني يُعدّ جزءاً من فضاء النص الروائي، والتفاعل والتأثير بينهما يظهر على الأشخاص والأشياء بوضوح، وهذا يتم رصده واستخلاصه من خلال تفكيك فضاء النص الذي يقوم بدوره بفضح أسرار اللغة السردية المتناسلة فيه، فلقد كانت الرواية تسير في فضاء النص – المفتوح المنتج شخصيات روائية مفتوحة ذوات بنيات متحركة متغيرة، وهذا ما لمسناه في بداية ونهاية الرواية المفتوحة، فالأمكنة المفتوحة منحت الرواية زخم الإيجابية والانفتاح على كافة الأصعدة .

تُعد مظلومة البطلة الرئيسية في الرواية، فهي البؤرة والمحور فيها، وكل شخصيات الرواية مشدودون إليها كلّ حسب العلاقة الموجودة بينهما ونوعية العلاقة، وهذه العلاقة تتحدد ضمن الظروف والمواقف والمصالح السائدة، فعلاقة حسن العلوان بمظلومة غير علاقة صباح، وهكذا فمن هنا نستطيع الإمساك بخيوط اللعبة والتحليق في فضائها، وعلى هذا الأساس نقدر أن نحدد ونؤشر الوعي – الطبقي للأفراد، واكتشاف مدى عمق التناقضات الاجتماعي – الفكرية ونوعية هذا الوعي، وفي أية خانة يكون، أهو مظلل؟ أم لا؟ لأن الوعي يجعلهم يخلقون من جديد ويستعيدون استقلالهم الاقتصادي الذي سلخته منهم القوى الظالمة المستغلة التي حولتهم إلى ظواهر عفوية مُغرّبة ووعيهم يتجدد ويتجذر من خلال صراعهم مع العالم .

عملياً لم تتغير حياة مظلومة في الرواية، ما قبل وما بعد موت دبش، لماذا؟ لأن الثروة التي كانت في حياة أبيها لم تول إليها ولا تعرف عنها شيئاً، إنما آلت إلى الوصي (القسري) – حسن العلوان، فكانت سجينة منذ وفاة – اغتيال أمها المدانة دائماً من قبل دبش بالخيانة، قاصر، لا تمتلك وعياً ناضجاً، علاقتها بالعالم المحيط بها محدودة جداً تصل إلى حد السذاجة ومن الحوار التالي نتمكن من استنتاج أشياء كثيرة:

[ قال دبش لمظلومة:

- سأحبسك طول عمرك أنت عاشقة وأنا لا أدري .

- لا أعرف ما هو العشق .

- أمك خائنة .

- أمي وفية ] ص47

هذا الحوار يجعلنا نبني رؤية واضحة عن علاقة مظلومة بالعالم وبالآخرين وانعكاسه عليها، وكلنا نلمس بأنه لا توجد وشائج حقيقية قوية بينها وبين الآخرين والأشياء، فـ دبش قد قام بتحديد هذه وجعلها محكومة به، لذا أصبحت مظلومة تتطلع وتنظر الى العالم المحيط بها من خلال سادية دبش واضطهاده لها، ومن خلال الرعب والهلع الذي تحيا به والوحدة، شعورها دليلها وليس فكرها ولكنها كانت تحتضن الحياة وأحساسها بالأشياء عميق، فكلما توغلنا في دواخل مظلومة نعثر على رمز ودلالة، فهي الأنثى المستلبة والطبقة المضطهدة، إنها مزيج هيليني من الرموز مستنداً الى الواقع، البعض جعلها رمزاً للعراق فيقول الناقد العراقي الدكتور نجم عبد الله كاظم بأن (أهم رموز " القربان " شخصية " مظلومة " التي ترمز الى العراق )(7)، ويتفق معه في ذلك الدكتور صالح هويدي ( إن " مظلومة " بهذا المعنى إنما ترمز إلى العراق أو إلى " الشعب " العراقي)(8)، ولكن كلمة العراق كلمة مطلقة تتضمن دلالات تجريدية .

أما دبش صاحب الأملاك في المحلة البغدادية من دور ومحلات وحمام وزورخانة ومقهى، جشع لا حدود لجشعه، ظالم، مكروه، وهذه الشخصية تعد شخصية نمطية متكاملة الاوصاف الفنية، عمقت الصراع – الطبقي بالممارسات اللاإنسانية وباستغلالها للآخرين، وهذا النهج عمل على إنضاج الوعي – الطبقي للشخصيات الضد، ولكن هذه الشخصية كانت تحمل في اللحظة ذاتها بذرة فنائها وموتها وانهيارها لأن ( الإنسان على صعيد علاقاته الشخصية يدخل بواسطة الغير في علاقة مع ذاته)(9) . فكانت هذه العلاقة غير أصيلة ممسوخة لا إنسانية، لذا كان لابد من موت هذه الظاهرة ولابد من (مبادرة إذن للاطاحة)(10) بها، فدبش يعد رمزاً واضح الدلالات لموت الأيديولوجية البرجوازية الرجعية .

بعد إزاحة الواقع الر وائي المنظور لمظلومة ودبش تضعها هذه الإزاحة أمام المنافذ الرمزية المطلة على الشخصية الغائبة / الحاضرة حسن العلوان الذي يرجع إليه الفعل في تعميق الرؤية المأساوية للرواية، من خلال تحكمه في الأشخاص الذين يديرون المقهى التي تجري على ارضها الأحداث المهمة والخطيرة، ولم تخرج علاقته عنهم (دبش، ياسر، عبد الله ) لماذا هؤلاء بالذات يستطيع أن يوجههم نحو كل ما هو ضد مصلحة المجموع؟

[- لم يحصّل أحد غير حسن العلوان .

- حسن العلوان !] ص 137 .

ويبقى حسن العلوان علامة تعجب للجميع، بـ فحيح صوته، وبفعله المشبوه دائماً، وأينما يحل يترك وراءه آثار المأساة مع شر متشظٍ، إنه أخطبوط ذو ألف ذراع يمدها في أية زاوية مظلمة، إنه البرجوازية – الطفيلية . أما المقهى فعند تجاوزه للواقع الروائي ونفضه للرؤية يصبح (رمزاً للعراق)(11):

[ اليوم سأذهب إلى المقهى رغماً عنه ..إنه ليس مقهاه، بل مقهى الطرف .. أو مقهى مظلومة إذا أردت الحقيقة] ص102 .

بعد موت دبش يستلم ياسر إدارة المقهى / العراق ويصبح (الكل في الكل) ص114 في إدارتها، ولكن تبقى عنده عقدة مظلومة، فهو يفكر بها وبثروتها ويطمح أن يحقق مطامحه من خلال زواجه منها . ولكن تبقى مظلومة بعيدة جداً عنه وتأتي الضربة القاضية على يد حسن العلوان عندما يروم تزويج مظلومة بأحد معارفه بعد أن باركه ياسر بالشهادة الشفوية للوصية على مظلومة، هنا تتحقق القطيعة الكاملة والتامة بينه وبين الناس ويدخل مرحلة الانذهال والتفاجؤ و(لم يعد راضياً عنهم ولا عن نفسه، شيء يقف كالجدار بينه وبين العالم) ص135 . وأخيراً يلفظ أنفاسه مقتولاً على قارعة الطريق ملفوفاً بوحدته متوشحاً خيبته، إنه القوى التي خسرت نفسها وخسرت العالم، فلقد كان كان يمشي داخل صهريج مليء بالديناميت .

زنوبة، مزيج من العقل والجنون من الخيال والواقع، هكذا صورها فرمان تناقض عميق ولكنها حقيقة عارية وحادة، فالوضع الإنساني لها يتدفق علينا بأنسيابية وهي مرفوضة إذا نظر إليها من زاوية حياتية مع مجمل تفاصيل أقوالها وأفعالها ومقبولة إذا نُظر إليها من زاوية فنية بحتة، وتبقى قيمتها الفنية في حقيقتها رغم أن (الناس الآخرين الذين يعتبرون الحقيقة ضرباً من الجنون أو الغباء)(12) . قبل موت دبش لم نتعرف عليها إلا من خلال مشهد شرائها للفطور لدبش، وبعد موته تبرز بشكل حاد وملموس صدم القارئ بها، لماذا هذا التحول المفاجئ في السرد الروائي تجاه زنوبة؟ إن التغلغل في أعماق نفس زنوبة اللامستقرة واللامنجزة يقذفنا إلى خارج النص الروائي لمعرفة دلالتها الرمزية فـ زنوبة كسفينة (حب في زمن الكوليرا) التي رفعت العلم الأصفر للدلالة على أن مرض الكوليرا منتشر على السفينة من أجل ان يتعاطى العاشقون الحب، فهكذا زنوبة رفعها فرمان في الرواية لكي يشحنها بالدلالات والإيماءات مع إيقاعات رمزية وواقعية فلم تكن رمزيته محض رمزية مجردة شكلية، بل رمزية ممزوجة بالحياة والأشياء والعالم، فـ زنوبة الثورة التي أداروا ظهورهم لها وجعلوها تحبل بالقرارات والأعمال غير الشرعية ولتنتحر وسط الرعب من المستقبل والرعب من الآخرين والتخلي عنها فهي الحلقة غير المكتملة وغير الواعية لظروفها، استغلت أبشع استغلال نتيجة لذلك من قبل الطارئين والتافهين، فحساني الذي غرر بها يعرف نفسه كم هو تافه أحسن من أي شخص آخر، هؤلاء ليسوا أبطالها الحقيقيين هؤلاء كانوا مدسوسين من أجل تلويثها والطعن في نقائها كما فعل حساني بـ زنوبة بمساعدة القوى المضادة التي تتحكم في العلاقات الاجتماعية الطبقية وحلمها لم يستطع اختراق اللاممكن في الواقع المتحول إلى وهم، الذي ألجأها لتمارس العادة في الظلام زمنها المطلق المحكومة به اجتماعياً هو جحيم الأرض .

وبالخيال الذي يتغدى على الحقيقة استطاع فرمان تصوير الواقع، تصوير زنوبة، مبتعداً عن الواقعية – الاشتراكية التي (تتطلب النفاق وتصوير الواقع على نحو رومانسي يغاير تماماً ما يجري على أرض الواقع)(13)، أي مبتعداً عن الواقعية التي تعمل على خلق الأبطال الإيجابيين فقط، أبطال (السوبرمان) كما صرح بذلك في أواخر حياته المفكر والفيلسوف جورج لوكاش، بأنه يوجد أبطال سلبيون كما يوجد أبطال إيجابيون، أي العمل على تصوير الواقع من خلال الخيال الجامح، لا العمل على تزوير الواقع وإضفاء صفات ليست به وتحويله إلى واقع خارق خرافي لا يحتمله الواقع نفسه، فالبطل له حدوده الدلالية الواضحة المعالم: (إنه يفعل، ويعاني، ويفكر، ويعي ضمن حدود وجوده المتحقق أي في حدود صورته الفنية المحددة بوصفها واقعاً حقيقياً إنه عاجز عن التوقف عن كونه ما هو عليه بالفعل، أي عاجز عن الخروج من حدود الشخصية)(14) .

عند قراءتي لمشهد احتضار والدة زنوبة، يذكرني هذا بمشهد ميرسو وهو جالس بالقرب من جثمان والدته المسجى على السرير، يحيط به الموت، بعد مراسيم دفنها، يذهب مباشرة مع عشيقته ماري للسباحة ثم للمضاجعة، فـ زنوبة عند احتضار والدتها تذهب لجلب ياسر وهي تكاد (تطير فرحاً) ص168، وتدخله غرفتها بمراسيم غاية في السرية، والانطلاق والحيوية، لتمتزج برائحة الموت الجاثم بالقرب منها والزاحف في أرجاء الغرفة لتراودها (شهوة شريرة) ص169، فالموت يوحدهما، يطلقهما إلى العالم، يقذفهما إلى المجهول، ميرسو وزنوبة، فمن خلال الموت يقوى نسغ الحياة عندهما، ويزدادان تعلقاً بها فالموت يساوي الحياة عندهما لافرق بينهما إلا بالعمق والصدق والانفتاح على المسارين، الغائية في هذا الموقف هو الحقيقة، كما يوجد موت توجد حياة، هذه حقيقة وعلينا أن نخضع لها بكل صدق، هكذا صور فرمان هذا الصراع، الفناء والبقاء، إشارة إلى الوجود، إلى وجودنا، إشارة إلى الفعل الإنساني المتناقض الذي لا يفسر إلى الظاهرة (الإنسان) المليء بالإشارات والرموز . وفي هذه يستخدم فرمان الإشارة بكل ذكاء إلى أن الثورة – زنوبة، التي تضع النفط في رأسها من أجل القضاء على القمل – الطفيلي الذي يعيش عليها ولا يمكن القضاء عليه، إلا بالانتحار سوياً الثورة والطفيليين،إشارة واضحة إلى الصورة الفنية والواقع الروائي إلى البرجوازية – الطفيلية التي تحيل مكتسبات الثورة إليها وإلى الموت القادم الذي لا مفر منه بتاتاً من أجل التطهر:

- زنوبة، ليش رائحة النفط في رأسك تعط .

- أخاف من القمل) ص70 .

القمل والنفط، وظفهما فرمان لرؤية مزدوجة (ثنائية المعنى) في إشارة ذكية وطبيعية وتلقائية تثير الإعجاب لاستخدامه ذلك مع وجهة نظر طبقية مزدوجة ترى بها (بكل وضوح الفارق من وجهة النظر البرجوازية ووجهة النظر البروليتارية)(15) .

في هذا العمل الروائي تبرز مشكلة أساسية عند الشخصيات الروائية هي أن الأغلبية منهم يعانون من الوحدة السوسيولوجية بشكل مفزع ومخيف مع وحدة سايكولوجية: (وأحس سلمان بالتعاسة وكأن العالم انقلب إلى خواء) ص138 .

وتشعر مع ياسر بأنك وحيد وحدة مطلقة مع ذاتك بقوله: (العالم خواء، لا أهل ولا أقارب) ص30 .

أما مع معلم الرياضيات علي فتُحس كم ثقيلة وتعسة الوحدة: (الوحدة لا تحتمل) ص189 .

لكن رغم الصراع والتناقض فـ غائب طعمة فرمان يقودك من حيث لا تدري إلى مجسات غاية في الذاتية وفي السرية ليعرض الصورة الداخلية للشخصيات وولعهم بـ ("حقيقتهم " هو الذي يحدد موقفهم تجاه الناس الآخرين ويشكل نموذجاً حياً لعزلة وانفرادية هؤلاء الأبطال )(16)، وهذه المجسات تدخل ضمن الصراع الاجتماعي العام، وعبد الله الصانع الثاني لمقهى دبش خير من يمثل (هؤلاء) في قدريته واستسلامه لوضعه الاجتماعي وشعوره بالغبن والمرارة وعدم المساواة، ولم ( يكن أمامه في كثير من الأحيان إلا البحث عن مخرج من السماء)(17)، وحواره مع زوجته يوضح لنا هذه الصورة المرسومة من قبل فرمان:

[- الله كريم .

تأففت الزوجة وقالت:

- كسبنا كثيراً من " الله كريم "

- لطيفة لا تكفري .

واستغفر لها وله ] ص94 .

وضغط الوضع الاجتماعي والتأزم السايكولوجي وضعف الشخصية يؤدي ذلك بعبد الله إلى قطع الخيوط الواهية التي تربطه وإلى الانفصام بينه وبين الآخرين والعالم، وإلى غياب الوعي الذاتي والمجتمعي الى الجنون .

ويبقى القربان والضحية في رواية (القربان) هو المجتمع العراقي .

 

أسامة غانم

....................

الهوامش والإحالات:

* القربان – مطبعة الاديب البغدادية، بغداد / 1975 .

1- رولان بارت – نقد وحقيقة – ت الدكتور منذر عياشي ص80 مركز الإنماء الحضاري، بيروت .

2- أسامة غانم – غائب طعمة فرمان الحاضر في الذاكرة الذهبية ص133 مجلة الواح العدد 6/1999 مدريد – اسبانيا .

3- الاستشهاد لغالب هلسا من الدراسة النقدية للدكتور عبد الرحمن ياغي (رؤية غالب هلسا النقدية) – المنشورة في مجلة الاقلام العراقية العدد 11-12/ تشرين 2 / كانون 1 / 1996، ص46 .

4- موفق الشديدي – القربان – ص123 مجلة الثقافة الجديدة العدد11 (70) تشرين 2 – كانون 1 1975.

5- رينيه ويلك، أوستن وارن – نظرية الأدب – د محي الدين صبحي مراجعة الدكتور حسام الخطيب ص248 – المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية – مطبعة خالد الطرابيشي دمشق 1972 .

6- نجيب العوفي – جدل القراءة – ص128 دار النشر المغربية الدار البيضاء 1983.

7- د. نجم عبد الله كاظم – الرواية في العراق 1965 – 1980 ص 70 دار الشؤون الثقافية، بغداد 1987 .

8- د.صالح هويدي – الرتميز في الفن القصصي العراقي الحديث – ص93 دار الشؤون الثقافية، بغداد 1989 .

9- د.نمير العاني – الرابطة العامة لظواهر الواقع – ص59 مجلة الثقافة الجديدة – العدد 11 (70) تشرين 2 – كانون1 1975 .

10- موفق الشديدي – القربان – ص124 .

11- د.صالح هويدي – الترميز في الفن القصصي العراقي الحديث – ص110 . أتفق مع الدكتور هويدي فيما ذهب إليه من تفسيره للمقهى بأنها العراق، رغم تراجعه عن ذلك بعد سطر واحد وتناقضه لما قاله (لكن هذه الدلالة الرمزية سرعان ما تشهد نكوصاً ..مع ما توحيه)، لأن عبد الله قام بالانتقال إلى المقهى الجديد، لماذا لا نقول بأن العراق دخل مرحلة جديدة مع عبد الله؟

وقد تناول الناقد عبد الجبار عباس هذا التفسير للدكتور هويدي بأسهاب في دراسته الموسومة (الرمز وألوان التوظيف الرمزي في القصة العراقية) القسم الثاني المنشورة في جريدة الثورة 7/1/1989 والمضمنة في كتاب (الحبكة المنغمة) اعداد د.علي جواد الطاهر وعائد خصباك، دار الشؤون الثقافية بغداد 1994 .

وللعلم، فقد فسر الدكتور هويدي بأن مظلومة ترمز إلى العراق (ص93) أيضاً مع أن المقهى مساحة مكانية تتواجد فيها ناس كذا العراق مساحة مكانية يتواجد عليها ناس، وهذا الأقرب والأصوب من جعل مظلومة ترمز إلى العراق وإذا قمنا بقراءة النص – الروائي بتمعن دون تفسيرات مسبقة تكون مظلومة بعيدة كل البعد عن رمز – العراق . وأعتقد أن الدكتور هويدي قد أخذ هذا التفسير دون أن يشير إليه من كتاب (الرواية العراقية) للدكتور نجم عبد الله كاظم ص70 .

12- م باختين – قضايا الفن الإبداعي عند دستويفسكي – ت الدكتور جميل نصيف التكريتي، مراجعة الدكتورة حياة شرارة ص222 دار الشؤون الثقافية، بغداد 1986 .

13- د/ رمسيس عوض، المنشقون السوفييت والواقعية الاشتراكية ص142، مجلة المنار، العدد 61، كانون الثاني 1990 .

14- م باختين – قضايا الفن الإبداعي عند دستويفسكي – ص73 .

15- جورج لوكاش – التاريخ والوعي الطبقي – ترجمة حنا الشاعر ص153 دار الأندلس، بيروت ط2 1982 .

16- م باختين – قضايا الفن الإبداعي عند دستويفسكي ص222 .

17- د. عبد الله حنا – الحركة الثورية العربية بين العوامل الخارجية وموقعها داخل الطبقات الاجتماعية ص342 – مجلة النهج 23/24 العدد الثاني 1989.

 

 

1700  أمان السيدجانب من دراسة مطولة حول المجموعة القصصية "نزلاء المنام"

للأديبة السورية "أمان السيد"


1- ماؤه المقدس: قبل تحليل بعض القصص الجنائزية حيث الموت والقتل واغتصاب الميت! في المجموعة القصصية: نزلاء المنام، لابد من تمهيد جوهري، وإن طال نوعًا ما، بين يدي تلك القصص. وهو ليس استعراضًا ثقافيّا مجردًا من الوظيفة الفنية والنفسية... للنص المنقود.

فبعض الكُتّاب تكثر في أدبهم المشاهد الجنائزية. وقد يكون بعضهم مسكونـًـا بمشاهد الموت أو القتل المختزَن في عقله الباطني منذ الطفولة، أو في أي مرحلة من عمره مما يشكّل لديه هاجسًا جنائزيًا يظهر في الإنتاج الأدبي في مختلف فنونه التعبيرية أو التشكيلية. ولهذه الظاهرة تفسيرات متنوعة.

والإكثار من ذكر مشاهد الدم والقتل في الإنتاج الأدبي والفني يؤدي إلى وظيفة التطهير (الكاثَرسيز) التي تحدث عنها أرسطو في كتابه فن الشعر (وهو يقصد الشعر المسرحي)، إذ تتطهّر نفسية المشاهد من النفور من ارتكاب جريمة شاهدها؛ من خلال إثارة الفن في أعماقه لمشاعر (الخوف والشفقة): الخوف من الوقوع في ما وقع فيه البطل من مأساة، والشفقة على مصيره التراجيدي. كمشاهدة " أوديب" يقتل أباه دون علمه بأنه أبوه. أو زواجه من أمه "جيوكاستا " دون علمه أيضًا بأنها أمه. ثم فقء أدويب عينيه بعد معرفة الحقيقة كلها.

وهكذا يؤدي الفن وظيفة أخلاقية أساسية في الارتقاء بوعي الإنسان وتطهير سلوكه في سعيه نحو الحق والخير والجمال، فيعطيه مناعة من الوقوع في ما شاهده وتفاعل مع خياله ونفسه، وهذا شبيه بالتلقيح الطبي ضد الأمراض المعدية. ونظرية أرسطو من النظريات الكبرى حتى اليوم في النقد وعلم النفس الأدبي.

وربما بعض الكُتاب (يتلذذ ) بارتكاب جرائم في مخيلته الفنية أثناء ممارسة الكتابة، أو أثناء إبداع أي شكل من أشكال الفنون الإبداعية، فتُشكّل لديه الجريمة إرضاء بديلًا لنزعاته النفسية غير السّويّة. وهي نزعات وميول تكون مدفونة في باطن النفس، فيجعل أبطاله يرتكبون الجرائم في عملية التخييل الفني الإبداعي بدلًا عنه؛ فيتحرر هو من هذه الميول أو النزعات. (غوتيه) مثلًا كانت تراوده فكرة الانتحار فجعل (فرتر) بطل رواية (آلام فرتر) ينتحر فتحرر غوتيه من فكرة الانتحار.

وقد يكون المبدع سوِيَّ النفس، نافرًا بطبعه المتأصل فيه من ميول إلى مشاهد القتل وسفك الدم والاغتصاب، فيأتي إبداعه عاكسًا صفاء نفسه التي طهّرها الطبع وتجارب الحياة، محذّرًا، ومُنَفِّرًا من فظائع الجرائم التي يعالجها فنيًّا.

ولا شك في أن أمان السيد من طائفة هؤلاء المبدعين.

في قصة (ماؤه المقدس) تقتحم أمان السيد عالم الأسرار والغموض في النفس البشرية، فنقرأ عن أول(إثمٍ ) أي أول جريمة قتل على الأرض بيد الإنسان، كما في الموروث الديني. ونتعرف على تلك" السّوءَة الأولى التي اعتُقد أنها ستكون الأخيرة التي ستقرع ضمير الأرض" لكنها على ما يبدو لن تكون الأخيرة فالقتل وسفك الدم شريعة البشر منذ وُجدوا.

فنرى القاتل الغرابَ- البشري، وقد راح يواري سوءة أخيه غائبًا عن الوعي الإنساني الذي

" استنهضه فجأة، بعد أن كان فقَده بتقادم الزمان والأحداث"، وبعد أن رأى الغراب- الطائر كأنه رسول إلهي، حفّار قبور، جاء ليعلِّم القاتل الأول كيف يحفر أول قبر ليدفن جثة أول أخ قتيل بيديه.

لكن سوءات الآثام ستتكرر عبر التاريخ البشري. فالغراب، في سرد آخر وفق المحاكم الغابَوية أو حكايات قصص خرافات الطيور التي تُروَى عن عالم الغربان، نراه يصنع من مناقير الأخوة مطرقة لتحطيم الرؤوس الأخرى.ثم تحطم المناقير ما تبقى من رؤوس متبقية بمناقير ذات جشع وسطوة، كالغربان البشرية التي يحطّم بعضها بعضاً منذ القدم، وتتوالد مناقير أخرى" للتنقيب عما سقط من أعشاش فارقها أصحابها ". والعش مهد ولادة جديدة. مهد حياة كانت هنا.

ذلك هو الصراع الأبدي الذي يحاكي قصة الإنسان والطبيعة والكون حوله. وهي فلسفة وجدناها في التراث الأسطوري للشعوب في حضارتها القديمة كالفرعونية والإغريقية والفارسية الزرادشتية...

ففي فلسفة زرادشت يقوم أصل العالم على التضاد بين النور والظلام، بين الخير والشر، وعلى الصراع بين أهرمان إله الخير، وأهورا مزدا، إله الشر. أهورا مزدا، يتصف بالعقل والنور والخير والخلود... وأهرمان هو المُسبِّب للجرائم والخطايا والشرور...

وهذا هو عالم غربان الطيور، وفق أساطير الطير. ومعادله الموضوعي: غربان البشر.

فلقد بدأ تاريخ البشر بالدم، كما في الموروث الديني من خلال صراع الضدين(قابيل وهابيل). فنشأ الطمع والجشع والغرور... وهكذا نجد العالم منذ الخلق الإلهي الأول لخليفة الله في الأرض الذي أراد مضطرًّا أن يعيد النظرفي سوءات إثمه؛ "فدعا إلى اجتماع سريع للملأ حوله، لكنه صُدِم حين وجد القاعة" خالية إلا من سواده". لكنه ليس سواد الغربان، بل سواد شبح الموت، على مستوى الفاجعة الفردية، وسواد الإثم البشري، سواد الدم الأول المسفوح على الأرض.

وعلى المستوى البشري هو سواد مصير الحياة الإنسانية، الذي يوحي، بل ينْبِئ، بأن الدم البشري سيُسفَح إلى الأبد، بيد الإنسان نفسه.

الانتفاخ الذاتي والغرور طبع إنساني ولما شعر الغراب الإنسان أنه "أرضى غروره، نفخ صدره وهو يبارك بمائه المقدس مَن تجمّعوا حوله... أخذ بعدها يرتفع وهو يصفق بجناحين يحملان رطوبة عرقٍ لم يبرد بعد".

الماء المقدس، الرطوبة، العرق: سر الطهارة، والحياة الجديدة المتجددة الخالدة، رغم الموت والخراب والقتل والدم المسفوح...

في الكتاب المقدس، سِفْر التكوين، الإصحاح الأول:

" في البدء خلق الله السموات والأرض، وكانت الأرض خرِبةً وخالية وعلى وجه الغَمْر ظلمة وروح الله يرفّ على وجه الماء..."

وفي الأساطير البابلبة: في البدء كان الأقيانوس".

عيسى المسيح عليه السلام تعمّد بمياه نهر الأردن المقدسة. وهو تقليد معتمَد إلى اليوم، ومن الأسرار الكنسية. والهندوس يتعمّدون في نهر الغانج المقدس. وفي القرآن الكريم: (خُلق الإنسان من ماء دافق..) سورة الطارق: الآية 6

ابن سينا في أرجوزته الطبية يقول:

احفظْ مَنيِّكَ ما استطعتَ فإنه

"ماءُ الحياة" يراق في الأرحام

وكما بدأتُ في مطلع مقالتي فإن أمان السيد تقتحم عالم الأسرار والغموض، مع الألم الذاتي والكوني الكامن في الفكر والنفس والوجدان، عالم يبدو سرياليًّا في الظاهر، لكنه يعكس باطن الأعماق. إنها السريالية المنطقية!!

وهذا يذكّرني بقول غادة السمان في كتابها:  بومة العشق المستحيل:

" أحبك لأنك بسيط ، واضح كالغموض،

ولأنني أجد سرياليتك منطقية"!!!

لاحظوا: الأسرار بسيطة. الغموض واضح. السريالية منطقية!!

قد تكمن الحقيقة في المتناقضات!. أليس الكون كله قائمًا على صراع الأضداد؟

أمّا عن الألم الكامن في ثنايا النص- عبر الكاتبة -  فهو ليس أي ألم، إنه الألم الوجودي المفجِّر للإبداع. ولعله من تجارب الموت التي صدم كاتبتنا في مرحلة أو أكثر من حياتها، حيث وظّفتْ قصة الغراب في السرد الديني، وصراع الغربان في طبائع الطير، وصراع غربان البشر، توظيفًا فنيًا رمزيًا متقنًا منطلقةً من الألم الكبير الذي يفجِّر مكامن الإبداع في النفس التي تعرف كيف ترتقي بفن الألم الفردي إلى فن الألم الجماعي.

وكما قال غارثيا لوركا: (يا له من ألم ألا يكون لك ألم) !. لكنْ ليس أي ألم. وليس أي متألم.

جنائزيات في " نزلاء المنام

(2) الرأس

اشتهت راوية الحدث هنا، من خلال لعبة فيديو شاهدتها، أن تحاكي لعبة قطع رأس. وحانت لحظة "عاطفية" عصفت بها عندما كان رأسه وادعًا في حضنها وقد سلّمها رقبته التي انسابت مثل رقبة غزال على جسدها. رأت أن رأس عاشقها  كان " شهيًا جدًا، ومستسلمًا " لا يدري ما في رأسها من أفكار تغلي فيه. ابتاعت سكينًا حادة الشفرة من سوق الغجر تكفي شطبة سريعة منه لينشطر رأسه بسرعة البرق.. بينما عاشقها يحلم بأنه بعد قليل، كما هجسَتْ " سيخترقني راميًا بكل أشواقه بين أنفاسي ".

انتهى الأمر. وبقي الرأس غارقًا " بتأوهات اللذة التي نبعت من اللذة التي كان يشعر بها، لا من ألم السكين".

وتم دفن الرأس الذي نسّقَتْ له طريقًا جعلتها مائلة بحيث ينساب إلى مرقده الأخير. دفنته  بصمت ودون شهود أو إعلان. مارستْ طقسها الجنائزي وحيدة: " إنه شعور شخصي يخصّني وحدي. فلِمً أشارك به الآخرين فليس الوقت عيد نحر" .

تختم الراوية- القاتلة جنائزيتَها:

" أشعر بالرأس يحدّق بي وهو ينزلق. لم تكن النظرة حقدًا، أو تضرّعًا، أو استكارًا، كان يشكرني لأنني استطعت أن أبتكر له ميتة مترفة لا يحصل عليها مخلوق عادي".

قصة غريبة مثيرة ، مخيفة وغنية الدلالات.

لا بد هنا من وقفة عند النزعة المازوشية masochism(المازوخية، المازوكية) في علم النفس السلوكي التي تُنسَب إلى الروائي النمساوي (ليوبولد فان زاخر مازوخ) مؤلف الرواية الشهيرة: فينوس في الفراء.

والمازوشية نزعة نفسية أو مرض نفسي- جنسي يستعذب فيها المازوشي تعذيبَ الآخرين له .

فالبطلة هنا تناجي نفسها بأن عاشقها يحلم بأنه بعد قليل "سيخترقني" راميًا بكل أشواقه بين أنفاسي" . ما دلالة الفعل "سيخترقني" بضمير المتكلم وبهذا الفعل الحاد؟  هل تشير إلى الممارسة الجنسية الغَصْبية؟  أو قد تكون تحت وطأة النزعة المازوشية عندها أيضًا؟ فالمازوشية والسادية في علم النفس تتداخلان ثم تطغى واحدة على أخرى. علمًا بأن السادية نقيض المازوشية. فعندما قطعت الرأس(المستسلم) رأته (غارقًا بتأوهات اللذة) التي كان يشعر بها! إنها لذة المازوشي. عند القاتل والمقتول معًا. هل هي مثل لذة الراقصة اليهودية: سالومي، وهي تقطع رأس يوحنا المعمدان؟.

وقد نجد في تراثنا بعض المازوشيين كعمر بن أبي ربيعة الذي كان يستعذب بل يحرّض الحبيبة على استبدادها وتعذيبها له:

ليت هندًا أنجزتنا ما تعِدْ   وشفتْ أنفسَنا مما تجِدْ

واستبدّتْ  مرةً  واحدةً    إنما العاجز مَن لا يستبدْ

ففي نفسه وَجْدٌ وحزنٌ وهو يعاني منهما ويطلب الشفاء من حبيبة مستبدة ومعذبة له تعذيبًا لذيذًا، ويتهمها بأنها تكون عاجزة ضعيفة إن لم تفعل ذلك.

ونتذكّر ما رواه المؤرخون من استثمار هارون الرشيد للشطر الأخير في مجابهة البرامكة بالنذير القادم إليهم عندما جمع لهم ما فعلوه من فساد واستئثار بالمال والسلطة في عهده ومن وراء ظهره. فلن يكون عاجزًا. واستبد بهم، وكانوا من المقرَّبين إليه منذ الصّبا.

المازوشية في قصتنا هنا واضحة في ثنايا سرد الحدث.  فلم تكن، كما مرّ سابقًا، نظرة الرأس المقطوع حقدًا، أو تضرّعًا أو استنكارًا، بل كان يشكر قاطعته لأن ميتته كانت مبتكرة ومترفة فقد بقي الرأس المقطوع غارقًا بتأوهات (اللذة) التي كان يشعر بها!.

كذلك نلمح النزعة الساديّة (نسبة إلى الماركيز دو ساد )، وهي التلذّذ بتعذيب الساديّ للآخرين، من خلال متعة قطع الرأس حين حانت اللحظة (العاطفية) التي عصفت بها والرأس وادع في حضنها. فالرأس كان(شهيًّا جدًا ) للقطاف!.

وربما نرى في هذا المشهد الجنائزي الأنثى- المرأة وهي تقتل الذكر- الرجل في أعماقها، وكأنها في عيد النحر. كما كان اللاعب بالرأس في لعبة الفيديو يطلق صيحات " الابتهاج " وكأنه في عيد النحر أيضًا. وحدث الذبح أخيرًا.

هل نرى في شخصية قاطعة الرأس " سالومي" أخرى وهي تقطع رأس يوحنا المعمدان؟

رقصت سالومي عارية. فالرقص فرح. ابتهاج. كما فرح وابتهج قاطع الرأس في لعبة الفيديو. وكما عبرت بطلتنا عن أنها كانت في لحظة عاطفية عصفت بها  حين رأت الرأس شهيًّا جدًا

(للنحر، الذبح ) وهو في حضنها.

وديك الجن الحمصي ، بحسب الروايات التاريخية الأدبية، ذبح معشوقته الجارية " ورْد " وغنّى شعرًا على جثتها، مبتهجًا، حين شرب رمادها خمرًا. قد تكون قصة ديك الجن ملفّقة، وقد تكون حدثتْ. وحتى لو كانت مجرد قصة أدبية فلها أيضًا دلالاتها العميقة النفسية والسلوكية... مثل أي قصة فنية كقصة الرأس هنا.

لكن القاتلة قاطعة الرأس هنا امرأة. وديك الجن القاتل رجل. وأرى أن العنصر الذي يجمع بين القصتين والشخصيتين ليس جنس المجرم، بل هو العشق المرضي المنتقم القاتل. إنه العشق المهووس أو الانتقام المهووس مع ألم اللذة، ولذة الألم.

ربما أكون في تحليلي وتفسيري قد شططْت بعيدًا، وكنت مثل مَن يصطاد عصفورًا بصاروخ ؟.

النص الغني المكثَّف يوحي بوفرة التأويل، الذي قد يتنافى أو يتناقض أو يتعارض مع رؤية الكاتب نفسه، أو مع القارئ الجاد المثقف. وهذا هو النص الغني بوفرة التأويل.

جنائزيات في "نزلاء المنام"

(3) الجثة

الجنائزية الثالثة في مجموعة " نزلاء المنام " مقززة، مقرفة، وحشية، بقدر ما هي مرعبة وإرهابية.

خلاصتها أن هناك جثثًا عديدة، من مخلَّفات زمن الحرب، يؤْتى بها من المعتقلات وتُرمى في حُفَرلا تُردَم عادةً. الذباب يتكاثر في المكان. يتقدّم أحد المسؤولين (وكان معه آخرون) وينكش جثة بعصا رفيعة تعبيرًا عن القرف.

اهتمامه مُنصبّ على جثة أمامه مطموسة الملامح يصعب تحديد انتمائها الجنسي أو العمري. فقأ التعذيب عينيها. وشوِّه أطرافها. جلدها منكمش وجاف.

ولقد سُرَّ هذا المسؤول القادم لأن البطن لم يكن مثقوبًا، أي الأحشاء كاملة. فقد كان همُّه استئصال قلب الجثة. وستُفرَّغ أحشاء الجثث المطروحة على ألواح خشبية ليحملها سماسرة الحرب إلى تجار يعرفونهم جيدًا.

شرّح الجثة واقتلع القلب الذي أوصَوه بأن يكون طريًّا بُعَيد مقتل صاحبها مباشرة.

فجأة، بين مُصدِّق أو متوهِّم خّيِّل إليه أنه سمع أنين الجثة أمامه! بصق على وجه الجثة متحدّيًّا: لنرَ أيها المجرم هل ستخمد صوتك أم لا؟.

انتزع حنجرة الجثة، مصدر الصوت ورماها باستخفاف في طشت جانبه. لكن الحنجرة تصاعد صوتها. جُن جنونه، لكنه أقنع نفسه بأن هذا مجرد أوهام وتخيلات. ثم عبّر عن فرحه بانتزاع القلب من الجثه التي تحوّلت إلى طبل مجوَّف الأحشاء. ولكنْ بقي الخفق والأنين في القلب.

قَلَبَ الجثةَ على بطنها، لعل الصوت يختفي. نسي هاجس الصوت لما رأى ثقبًا أسفل الجثة فشعر بالسرور. نظَّف الثقب بالنصل وكشط ما تراكم حوله من أوساخ.

قهقه وهو يغرس عضوه الذكري في الثقب المتَّسع. صمت الصوت هنيهةً ثم عاد. لكن الإغراءغطّى على هاجس الصوت! كانت المتعة لا تقَدَّر بثمن حين تثبّت من جنس المقتول الذي يُغْتصَب، بعد أن كان يصعب تحديد انتمائها الجنسي أو العمري.

فراح يهلل للحرية! ...

لخّصتُ جوهر القصة ليتابع القارئ التحليل والنقد، ولإبراز شناعتها وغرائبيتها وتوحًّش أحداثها وأصحابها ومغزاها وشخصياتها في زمن مثيري الحروب المجنونة المتاجرين حتى بالجثث، فهي غنيمة حرب تُباع أعضاؤها للسماسرة الأوغاد لأغراض شتَى.

لقد هلَّل القاتل للحرية!! أية حرية هذه؟ هل هي حريّة المنتصر على مجرد جثة كانت معادية لطغيانه؟. أوهي حرية الاغتصاب المهووس؟ أو حرية الممارسة الجنسية الشاذة، مهما كانت، وكيفما كانت. ومع من كانت، حتى لو كانت جثة رجل!

حريته في الواقع حرية ذاتية مجنونة ومزيفة. فالجثة– الموت، سياسيًّا، هي الحُرّة؛ فنبض الحياة كان يخفق فيها. نبض الحياة لا يموت بموت الجثة!. يظل صوت الموتى الضحايا لعنةً، وبوقًا مدوِّيًّا في أسماع القتلة المستبدين.

والجثة، أخلاقيَّا، وهي جثة رجل، تعبير عن الانحطاط السلوكي، والتدهور الأخلاقي الذي كان من أسباب انحطاط الحضارات كما تحدث كثير من المؤرخين العرب والعالميين، مثل أبي حيان التوحيدي في كتابه الرائع: الإمتاع والمؤانسة، وهو على غرار ألف ليلة وليلة، وبالذات في الليلة السادسة. حين ربط بين القيم الإنسانية والطفولة الحضارية للشعوب، تلك الطفولة التي يسميها "مبدأ السعادة" حين تكون الشعوب في مرحلة الفطرة البدائية السليمة، بعيدة عن فساد المدنية كما في عصرنا في كثير من دول عالمنا اليوم: الحر، المتقدِّم.!

والتوحيدي يرى أن انحلال الحضارات إنما يتم حين تنحل أخلاق الشعوب وتضطرب قيمها.

وتحدث التوحيدي عن (أصل كبير) كما سمّاه وهو أن " كل أمة لها زمان على ضدها " فكل أمة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد وأمجد " ويطبق هذا " الأصل الكبير" على جميع الأمم حتى ينتهي إلى الإنسان الفرد، وفلسفته في مفهوم الحرية، كما (هلّل للحرية) ممارس الوحشية الجنسية الشاذة في قصة الجثة.

ويلتقي أبو حيان مع فلاسفة الحضارة الحديثين في هذا المجال أمثال جانباتيستافيكو صاحب نظرية الدورات التاريخية. ومع أوزوالد اشبتنغلر في: تدهور الحضارة الغربية. واشبتغلر مؤسس ما يسمى (مورفولوجيا الحضارة ) أي علم حياة الحضارة، وموتها حيث أكّد كثيرًا دور الانحلال الخلقي في السقوط .

وأخيراً  إدوارد جيبون الذي أبرز دور انهيار الحضارت في انهيار القيم الأخلاقية، في كتابه : سقوط وانحلال الإمبراطورية الرومانية. وأمان السيد تضع هنا يدها على فلسفة حضارية دقيقة في تصوير الانهيار الأخلاقي في عالمنا المعاصر، وكأنها تنفخ في صوْر النذير.

الجثة بأنينها، والحنجرة المقتلّعة من رقبتها بصوتها المتنامي، هما بطلتان أساسيتان في هذه القصة الجنائزية المتوحشة، الأليمة، المقززة...

أمواج الصوت، حتى علميًّا، ثبت أنها لا تفنى فهي تنداح بتموجاتها في الفضاء اللامتناهي. وقيل إن العلماء يجرون منذ مدة طويلة تجارب على استرجاع التموجات الصوتية وسماعها من جديد. وفي هذا خيال علمي تجريبي مذهل يفتح آفاقًــا لا محدودة من التخيُّل على مستويات عدة.

فعلى مستوى التحليل السياسي لقصتنا وفق عذا المعطى العلمي، لا يستطيع الطغاة إخماد صوت الحرية. فحنجرة الضحية الحرة يبقى صداها يتعاظم مدوِّيًا ولو اقتلعوها من رقبة جسدها. كما بقي القلب يخفق وينبض بالحياة بعد استئصاله من الجثة.

وعلى المستوى الأخلاقي ستدفع الأمم التي تبيح الحرية الانفلاتية ثمن إباحيتها،  بتقنين شذوذ أفرادها تحت شعار ضيق للحرية، كتقنين اللواط والسحاق في الكثير من المجتمعات الغربية، ومحاولات بعض هؤلاء التشريع القانوني لشذوذهم، كما علت أصواتهم ومسيراتهم العلنية في لبنان مثلًا.

أما اغتصاب الجثة فهو يعكس في علم النفس السلوكي مرضًا نفسيًّا جنسيًّا. وهو هنا يعكس انتقامًا سياسيَّا استبداديًّا  توحُّشيًّا....

اغتصاب الموتى، نساءً أو رجالًا، قضية مثيرة حدثت في كثير من المجتمعات الغربية، وغيرها، وعُرِضت في كثير من أفلام الرعب المستندة إلى وقائع من الحياة وغرائبية البشر. ويحدث هذا الاغتصاب، أو الشذوذ لواطًا كان أو سحاقًا، مع أحياء أو أموات، وغيره من الفظائع، حيثما وُجِد الإنسان. فالإنسان مفرد بصيغة الجمع؟.

وسوف أستطرد هنا تاريخيًا، ليس خروجًا عن الموضوع بل لرفده بدليل يؤكد غرائبية الإنسان في اغتصاب الجثة عبر التاريخ.

فعندما زار المؤرخ اليوناني هيرودوت مصر، تحدث عن كثير من قضايا الفراعنة من علوم وعادات وتقاليد وأساطير... وكان من أوائل من شرح بالتفصيل عملية تحنيط الموتى. فذكر أن للتحنيط حوانيت خاصة بالطبقات الاجتماعية العليا ولها مواد وطرق ومدة خاصة بجثث نبلاء القوم نساء ورجالًا. وللملوك محنطون خاصون. أما موتى الطبقات الوسطى والشعبية فلهم عكس ما سبق.

يقول هيرودوت: " أما زوجات مشاهير الرجال، والنساء الفائقات الجمال، البعيدات الصيت، فلا يُسلَّمن مباشرة ليُحَنّطن إلا بعد انقضاء ثلاثة أيام أو أربعة على موتهنّ، ليمنعوا المحنِّطين من التمثيل بالجثث؛ لأنهم قبضوا على محنِّط متلبّسًا بمواقعة جثة امرأة حديثة الموت من طبقة النبلاء. وقد أبلغ عنه زميله في العمل".

فالمحنّط الفرعوني هنا ينتقم طبقيًّا من نساء نبيلات لا يحلم بمس أيديهن وهن أحياء. تمامًا كما حدث مع مغتصب الجثة في قصتنا: "...الحرية سوّغتْ له أن يطلق ما كان ليجرؤ على إطلاقه أمام الملأ في ظروف أخرى..." إنها حريته الخاصة، في ظروف خاصة، وهو اغتصاب جبان، سرّي، رمزي، مهووس.. على المستويات كافةً.

هذا النوع من القصص الجنائزية عند أمان السيد يثير كثيرًا من القضايا الحساسة والخطيرة والمذهلة من حيث الغرائبية والتقاط مدهش ومثير لحوادث سرية، واقعية من حياتنا الاجتماعية والسياسية والإنسانية العامة. قد يبدو المشهد هنا سرياليًّا. وهو بالفعل كذلك.

والأدب هو الواقع من خلال رؤية فنية موحية للمبدع.

القصة هنا سردية خبرية بامتياز. وفيها صنعة حبكٍ فنّيٍّ قصصي موحٍ ومتقَن وممتع، وحققت الإثارة والدهشة والمفاجأة والغرائبية.

 

بقلم الشاعر والناقد أ. مصطفى سليمان

 

عبد الرزاق داغر الرشيدللشاعرة أمينة ساهي

(أشجاني السومرية التي رافقتني طويلا وعبرت معي محطات ومطارات الهجرة وتحملت علقم الغربة الذي لا يطاق..) بهذه الكلمات المؤثرة ساقت الشاعرة العراقية المغتربة أمينة ساهي إصدارها الجديد (ببليوغرافيا الأشجان السومرية)  الصادر في بغداد عن دار جلجامش للطباعة والنشر (ناشرون ومبدعون).

الذي يتصفح المجموعة المتضمنة 59 نصاً شعريا تبهره أول وهلة المفردات المتلاصقة كأنها  قوس قزح في عوالم انثيالات امرأة ما زالت تتصدى غير آبهة بثقل كوابيس المعاناة (أنا امرأة شاب الحلم في عينيها) لتعانق الحزن وتترك (عصافير الفرح) ليبتهج بها الآخرون.

عناوين قصائد المجموعة الشعرية تتوزع بين الحلم والحنين والتشظي والصمت والجراح  والتهجد والهجرة لتستقر في تراويح ذاكرتها العراقية:

(رحلتُ لوطنٍ

ليس فيه نخلة أبي

ولا فواخيتها النائحة)...

هكذا وجدت ان الغوص في الحزن المحمل بالعبق العراقي السومري يتناغم مع  فيدريكو  غارسيا لوركا حين قال: (آه يا لها من أحزان عميقةٍ ‏لا يمكن تجنبها .. ‏تلك الأصوات المتوجعة ‏التي يغنيها الشعراء.)

صوغت امينة ساهي  الشعر جزءا من الأحلام، والشاعر لا بدّ أنّه حالم  ويمتلك القدرة للتعبير عن ذواتنا، عن إنسانيتنا، وأحلامنا التائهة، هكذا. ولعل التوصيفات المتناثرة في قصائد المجموعة تشد المتلقي ومعطيات التذوق (المضمون، البناء، اللغة، الصورة، الإيقاع) احساسا مشتركا من خلال واستمرار التواصل بين المتلقي والنص الشعري.

1691  داغر

ولابد من الاشارة الى ما ذهب إليه الناقد  د.جليل البيضاني وهو يتصفح  نصوص (ببليوغرافيا الأشجان السومرية) من خلال الوقفات التالية:

* الحنين  للعراق في قصيدة (الشبّوي):

من ضجيج الذاكرة البائسة/ رغم حسرات الغياب/ اتنفسك/ أشم ضوع (الشبّوي) / فيك ياعراق ..(الشبوي نوع من الزهور المنتشرة في العراق)

* رحلة الاغتراب:

تحاصرنا وحوش آدمية/ لامكان للإختباء/ أو لمجرد شهيق أليف/ فينشب الرعب مخالبه الدبقة/ بمخمل الروح .

*وفي قصيدة ( أرواح مذعورة ) وصفت الشاعرة المشهد اليومي للحياة في قصيدتها...

نخلٌ عارٍ/ هجرته العصافيرُ/ قارسٌ شتاؤهُ/ أناسٌ رماديون/ عالقون في الأسى/ أصابتهم فتنةٌ/  كل الآفاق لديهم خاوية

*وفي رحلة القلب تبدع الشاعرة في صورها فتقول :

حبك زنابقٌ بريةٌ/ ما صاغها قبلك عاشقٌ/ ولا ارتدتها قبلي حبيبة

* وهناك مجموعة اخرى من قصائد الحكمة منها:

اغمض عينيك في صمت الظلمة / وتأمل حوار الروح والجسد/ فما أن يحتويك الصمت/ حتى تلمس جوهر الحقيقة.

*وربما تصل الشاعرة الى درجة اليأس في بعضها :

وما انا سوى فكرة/ ترزح تحت قيدها/ ولدت من ظلام / وتنتهي الى ظلام .

 

عبد الرزاق داغر الرشيد

 

 

ابراهيم مشارةمحمد الماغوط (سلمية، حماه  1934/ دمشق2006) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو ليس كغيره من الشعراء الذين تخرجوا من أرقى المعاهد والكليات ولا من الذين أوصى بهم الأمراء والوجهاء إنه شاعر شحذته المواقف وتعهده الجوع وأوصى به الفقر فكان رجل مواقف وشاعر إباء خاض تجربة قصيدة النثر في وقت اشمخرت فيه صروح شعر التفعيلة برغم اعتراضات النقاد الكبار عليه ونخص بالذكر الراحل الكبير عباس العقاد الذي كان يسمه بالشعر السائب ويحيل قصائد الشعراء الشباب في ذلك الوقت من أمثال أحمد عبد المعطي حجازي ونزار قباني وصلاح عبد الصبور على لجنة النثر للاختصاص إمعانا في السخرية وفي عدم الاعتراف بهذا اللون من الشعر، أرض جديدة إذا قطعها الماغوط،أرض بكر لم يقتحم مجاهلها رائد من قبل  بمعية يوسف الخال وأدونيس في مجلة شعر وفي مدينة التجريب والمغامرة بيروت  التي دخلها سرا  في الخمسينات ولكن الماغوط مهر قصائده بنضاله وإبائه ورفضه وهكذا لم تعد المنابر هي الأماكن التي يتلو فيها قصائده ولا صالونات الكتاب التي يوقع فيها البيع بالإهداء بل المقاهي والأرصفة هو إذا شاعر المقاهي كما هو شاعر الرصيف،الرصيف الذي صار له ديوان فخم في الشعر الحديث ومن الرصيف استمد لغته الشعرية فحبك بين ألفاظها بعرق الأجير وكدح الفلاح وأنات المسجون وأحلام الشباب العربي المجهضة،قاموس شعري بسيط بساطة الإنسان المدافع عن عرضه ووطنه والحالم كغيره من خلق الله بعالم أكثر عدالة ورحمة، المتشبث بأرضه،وبقدر بساطة ذلك القاموس حد المباشرة  يمتلك كل صفات الشعر ومعاني الرفض والتمرد والإباء والسخط وما شئت من ألفاظ الإباء وحقله الدلالي، لون كابي ونغم حزين تطالعك به دواوين الماغوط الكثيرة ك"شرق عدن غرب الله" و"سياف الزهور" وغيرهما فهو الشاعر الذي عزف مواويل الحزن والتمرد بين جنبات السجون (وقد دخل السجن أكثر من مرة)،وشبع في هذه الدنيا تسكعا على الأرصفة فهو بحق ملك الأرصفة وإمبراطور الصعاليك ومن عرف سر صعلكته أحبها وشغف بها عشقا إنها صعلكة نبيلة فيها كبرياء وعزة ونبل وطهارة وصدق مع النفس ومع العالم،لم يتعلم الماغوط تعليما منتظما عاليا يبرر به ذلك الإبداع العظيم الذي خلفه فقد ترك المدرسة صغيرا بسبب فقر والده ولكنه بموهبته الشعرية وحسه الجمالي الكبير استمع إلى صوته الداخلي صوت الفطرة الذي فتح بصيرته على الحق والعدل والخير والجمال فعزف أروع النوتات بين جنبات السجون وعلى أرصفة المقاهي إنه تروبادور حزين متجول يحمل كنانته ويرمي بسهام من قارص اللفظ فتصيب المقاتل منا، إنه لاجئ في هذه الدنيا يبحث عن الحرية والخبز والنار والنور. هو ديوجين العربي الذي سكن برميلا وحمل شمعته  في وضح النهار ورائعة الشمس يجول عبر الطرقات ويجوس خلال الديار  سائلا أين الإنسان؟ أين العربي؟

المقهى كان منبر الشاعر والرصيف معلمه، وللمقاهي حكاية لا تنتهي فقد قال الكاتب الإيرلندي جورج مور قبله:

"إنني لم ألتحق بجامعة أكسفورد ولا بجامعة كمبردج ولكنني التحقت بمقهى أثينا الجديدة، فمن أراد أن يعرف شيئا عن حياتي ينبغي أن يعرف شيئا عن أكاديمية الفنون الرفيعة هذه لا تلك الأكاديمية الرسمية الغبية التي يقرأ عنها في الصحف"".

وفي المقاهي العربية الحديثة ك"الفيشاوي" في القاهرة و"الرصافي" في بغداد ومقهى" تحت السور" في تونس و"ستار باكس" في بيروت و"الهافانا" في دمشق تاريخ لا ينتهي من الإبداع والحميمية والتمرد كذلك فقد كانت منابر مفضلة لكثير من المهمشين والرافضين على السواء مثلما كانت مقاهي الغرب ك "فلور" و"لي دو ماجو" و"ليب" منبرا سياسيا وفنيا وثقافيا كما هي فضاء تقتسم فيه الحميمية والدفء والفرجة. لكن الماغوط جعل المقهي ديوانا فخما في الشعر العربي الحديث وفي نصوصه لا تنقطع حقوله الدلالية.

هل كان المقهى والرصيف إيذانا بأزمة الجامعة وفشل النخبة وتحول المثقف إلى لاهث وراء المغنم والشكليات كالألقاب والمناصب ونهاية مجتمع المعرفة وطلبة الموقف والإبداع إلى طلبة الشهادة والخبز والاجترار والأمية الثقافية – وهي غير الأمية الألفبائية؟ وفي تقديرنا إن ذلك يصح كثيرا فقد انتهى دور المثقف الصانع وحل محله المثقف المتفرج،انتهى دور المثقف المتن وتم طرده بقوة الطرد المركزي إلى الهامش وحل محله السياسي البهلوان  ورجل الأعمال ولاعب كرة القدم ونجمة الإغراء ومغنية  الملاهي والواعظ خمس نجوم مثل قصاص المساجد زمن عبد الملك بن مروان أو أبي جعفر المنصور !

واقع عربي محبط في كل ظواهره بدء بالسياسة التي عرفت نكبة فلسطين والخذلان العربي وانتهاء بتقسيم السودان والحرب على العراق وبين نكبة ونكبة قمم عربية للخطابة وقمع سياسي ضد الشعوب العربية جعلت أوطانها أشبه بالمحتشدات في غياب الكرامة والحريات بله ولقمة الخبز في حين تملك تلك الأوطان كل مقومات الحياة الكريمة وتكالب غربي على تلك الشعوب وعلى أوطانها تحت مسميات قمع الإرهاب تارة والإصلاحات الاقتصادية تارة أخرى وجحافل من الشباب العربي الهارب إلى الضفة الأخرى أو الساكت على الضيم إيثارا للسلامة الفردية وواقع ثقافي متسم بالشكلانية المفرطة تارة والجري وراء المكاسب والمناصب في الحكومات وقصور الثقافة تارة أخرى انتهت فيه الثقافة إلى سلم يرتقي به الموصوف بالمثقف إلى متزلف ناشد كرسي أو طالب غنيمة أو جائزة أو ميدالية أو تكريم أو ترقية جامعية أو مؤتمرا مدفوع الرسوم والتكاليف  في هذه الأرض العربية اليباب وفي كل هذا التخلف وهذا الخراب كل هذه الظروف شحنت قريحة الشاعر بالشعر وملأت نفسه الرافضة الأبية إباء وشموخا على حساب صحته النفسية والبدنية وحريته الشخصية فمن السجن إلى الرصيف والمقهى ومن هذه الأمكنة التي جعلها ديوانا فخما حديثا في الشعر العربي وصل شعر الماغوط إلى كل زاوية عربية يلقى آيات القبول والرضا من لدن كل القراء.

لأنه شاعر الموقف، شاعر الصراحة اقرأ وهو يقول عن نفسه وعن الوطن،هذا مطارد من قبل البوليس وذاك من قبل الطامعين من الغزاة:

ولن أنام بعد الآن

في مكان واحد مرتين متتاليتين

وكالطغاة أو الأنبياء المستهدفين

سأضع شبيها لي

في أماكن متعددة في وقت واحد

لا لتضليل الوشاة والمخبرين  فلقد صاروا آخر اهتماماتنا

ولكن لتضليل القدر

وإني بهذه المناسبة

أنصح هذا الوطن الخرف العجوز

أن يقوم بنفس الشيء

ولا ينام في خارطته مرتين متواليتين

وماذا يتبقى من الأوطان بعد أن بيع كل شيء تحت مسمى الخصخصة والشراكة مع الأجانب وفلول الإقطاع والفساد وأمجاد التاريخ الغابر:

كل ماحولنا يتصدع ويتداعى

أين الأنقاض

هل باعوها سلفا؟

ربما كان التمرد العربي ومقاومة الاستعمار والبغي هو الصفحة الناصعة في تاريخنا العربي المملوء بالانكسارات والخيبات والخيانات كذلك ولكن حتى الشهداء لم يسلموا من الضيم ومن الخذلان ومن التحريف ومن انتحال مجهودهم والتلاعب بدمائهم الزكية:

الشهداء يتساقطون على جانبي الطرق

لأن الطغاة يسيرون وسطها

وللحرية حضور الأسد في دواوين الماغوط فهو شاعر الحرية كما هو شاعر الرفض والسخط والكابية والحزن ومن خطب الحسناء لم يغله المهر كما قال شاعرنا القديم .الحرية التي مارسها في الإبداع فتمرد على عمود الشعر ثم على شعر التفعيلة وتمرد على فخامة اللفظ ونصاعة الصور الشعرية واختار جمهورا من الناس هم العامة أولا فقد عهدنا الشعراء يتوجهون إلى خاصتهم تارة بالمدائح وتارة أخرى بالغزل الذي أوجعوا به رؤوسنا أما هو فيوميات العربي وألفاظه :السجن، الخبز، التحقيق، البوليس، الحب، الله، الرصيف، القهوة، الكرسي، الخريطة، الخوف، الجوع، العري، الاستغلال........:

كلما أمطرت الحرية في العالم

سارع كل نظام عربي إلى رفع المظلة فوق شعبه خوفا عليه من الزكام.

لقد فك الماغوط  شيفرة العلاقة بين الشاعر والحاكم – وقد فعل كثير ذلك وابن بلده نزار خير مثال - فلم تعد العلاقة دلالا وغنجا في حضرة الحاكم لقد عهدنا الشاعر القديم يقوم بالتدليك بأشعاره لجلدة الحاكم ولعل هذا ما جعل نقاد التاريخ العربي من مستشرقين يقولون بتفاهة كثير من الشعر العربي لأنه لا يخرج عن مدائح لم يفعلها ديوان شعر أمة من الأمم فاسمع جريرا يقول لآل مروان:

يا آل مروان إن الله فضلكم فضلا **عظيما على من دينه البدع

أو:

ألستم خير من ركب المطايا** وأندى العالمـــــــين بطون راح؟

واسمع الفرزدق يقول في الوليد بن عبد الملك:

صلى الذي الصلوات الطيبات له** والمؤمنون إذا جمعوا الجمعا

إن الوليد أميــــــــــر المؤمنين له** ملك عليه أعان الله فأينعــــا

وأعشى همذان يقول كذلك في الحجاج الذي قال فيه عمر بعد العزيز: "لوجاءت كل أمة بطغاتها وجئنا بالحجاج لرجحناهم":

إذا وعد الحجاج أو هم أسقطت** مخافته ما في بطون الحوامــــــل

بسيف  به لله تضرب من عصى**على قصر الأعناق فوق الكواهل

ويقول مرة أخرى بكل وقاحة:

أبى الله إلا أن يتم نــــــــوره** ويطفئ نار الفاسقين فتخمـــــــــــدا

فما لبث الحجاج أن سل سيفه**علينا فولى جمعنا وتبـــــــــــــــددا

ويقول الشاعر ربيعة بن عامر الدارمي:

ألا ليت شعري ماذا يقول ابن عامـــر** ومروان أم ماذا يقول سعيد؟

بني خلفاء خلفاء الله  مهلا فإنـــــــما** يبوئها الرحمن حيث يريـــــد

إذا المنبر الغربي خلا ربـــــــــــــــه** فإن أمير المؤمنين يزيــــــــد

وأبو تمام الذي مدح أميرا مرة  بقوله:

إقدام عمرو في سماحة حاتم **في حلم أحنف في ذكاء إيــــــــاس

فلما استدرك عليه الكندي عدم بلوغ المشبهين بهم رتبة المشبه استدرك الشاعر عفو البديهة:

لا تنكروا ضربي له من دونه ** مثلا شرودا في الندى والبــــاس

فالله قد اختار الأقل لنــــــــوره** مثلا من المشكــــــاة والنــبراس

وانتهاء بابن هانئ "متنبي الغرب" الذي بذهم جميعا في السفاهة والتفاهة فقال مخاطبا المعز لدين الله الفاطمي:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار** فاحكم فأنت الواحد القهار

فكأنما أنت النبي محمد** وكأنما أنصارك الأنصـــــــار

علاقة أساسها التدليك والنفاق من قبل الشاعر والتكبر من قبل الحاكم  والطغيان وبذل أموال بيت مال المسلمين لهؤلاء المرائين ولهذا تغيب الجماهير في الشعر العربي، يغيب الكادحون والفقراء ويحضر الملوك واللصوص والأغنياء والجواري والراقصات  وهي ظاهرة تصم كثير ا من الأشعار العربية وإن عجبت فاعجب لمن يتشدق بحفظها والإشادة بفخامة ألفاظها وروعة صورها بل ويؤلف فيها الكتب والرسائل الجامعية وهي بذاءات وهراء ساهم في تخلفنا الحضاري ولعله مرض الشعر وقد حلل الراحل علي الوردي هذا المرض في كتابه البديع "أسطورة الأدب الرفيع" كما تناول أمراض الشعر الكاتب والناقد عبد الله الغذامي في تحليله الرائع للأنساق الثقافية وبعض المنجز الشعري  أو النثري العربي يصدق عليهما قول الشاعر القديم:

تلك المكارم لا قعبان من لبن** شيبا بماء فعاد بعد أبـــــوالا

وقد روي أن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز كان يحب أن يتمثل بهذا البيت فهل كانت ذائقته الشعرية استثناء كما كان حكمه كذلك استثناء بعد الخلفاء الراشدين؟ ولم يسمح  للشعراء المتملقين بالدخول عليه.

فالعلاقة بين الماغوط الشاعر والحاكم العربي أيا كان علاقة يحكمها التوتر والتمرد والسخط ولو على حساب اللقمة والحرية مضحيا بكل الامتيازات التي يجلبها الولاء هاهو يخاطب ابنتيه شام وسلافة :

معظم المبدعين والثوار العظام

يحملون أطفالهم مسؤولية التنازلات المتوالية

أمام الرغيف

والحذاء وقسط المدرسة

والدروس الخصوصية

وثياب العيد

وحبكما علمني تحمل الجوع والعطش والألم

تحت الشمس والمطر والثلج والمشانق

والصمود أمام المقابر الجماعية ودبابات الطغاة

نكهة السخرية مع اللون الكابي ونيران السخط وألفاظ التمرد هي مايعطي لشعر الماغوط السياسي سحره وألقه وجاذبيته واندغام القارئ في ثنايا نصوصه إنه يجد نفسه الموؤدة وروحه المغتصبة وحقوقه المهضومة وحريته المغيبة اقرأ سخريته من الأداء الحكومي العربي:

وشكلت حكومة ظل وطوارئ ورشحت لها

كل أنواع الورود في العالم لوزارة الشباب

والقمر لوزارة الكهرباء

والمطر لوزارة الري

والسنونو لوزارة المواصلات

ونسرا لوزارة الخارجية

وببغاء لوزارة الإعلام

والرياح لوزارة التخطيط

وسكيرا لوزارة التربية والتعليم

وغجريا لوزارة الإسكان

وأبو النواس لوزارة الأديان

وأبو السياف للسياحة

والحجاج لوزارة العدل

وطفلا لوزارة الأعياد والأراجيح والحلوى

وأبو هريرة أمينا عاما للحزب الحاكم ولمجلس الوزراء

ولاتحاد الكتاب والمعلمين والمهندسين والعمال والفلاحين ولأي اتحاد أو نقابة أو مؤسسة فيها سر من الأسرار

ويأخذك العجب كل العجب أن تسمع بأشكال القمع والرقابة ثم تجد هذا الزخم من الإبداع والاعتبار والقيمة ونحن لا ندافع عن أحد ولا نزكي نظاما ولكننا نحار فيمن يتباكى على  الحريات  في الشام من إخواننا العرب في حين يعيشون في دياحير العصور الوسيطة بالنسبة للحريات الأساسية  ولعل المثل العربي ينطبق عليهم "من كان بيته من زجاج فلا يرمي الآخرين بالحجر" نقول هذا لبيان جودة الإبداع في الشام وصدقه مع ما يعاني الشوام مثلما يعاني العرب جميعا من تضييق وتقتير وخنق وعسف وفساد.

لكن الماغوط الرافض الذي لا يساوم على موقفه اضطرته الأقدار إلى العمل الصحفي في دولة نفطية وهو الشاعر الذي قال مرة: "قبر مفتوح على البحر ولا قصر في الصحراء "إمعانا في نقد ثقافة النفط والسطحية  اضطر إلى قبول العرض فلما روجع في ذلك كيف يقبل هذا المنصب قال ساخرا:" الفم يساري والمعدة يمينية "وعاد لانتقاد جائزة نفطية سخية القيمة كان قد نالها. إن هذا لا يشي بسلوك الشاعر ولا مواقفه التي لا يساوم عليها ولكن يكشف فاجعة الملتزم والنزيه والمسئول عن شعره ومواقفه كيف يغدو مسمارا تطرقه مطارق الحاجة والعوز في وطننا العربي.

وتعد فاجعة رحيل زوجته سنية صالح 1935/1985فاجعة إنسانية وشعرية بامتياز فالشاعر المحب لزوجته أم بنتيه شام وسلافة والمقدر لعاطفة الحب والوفاء الزوجي سيظل جريحا كالصقر فقد سقط جدار كان يِلوذ به في صحراء الحياة وترك في وجدانه لهيبا وسيظل يندبه لأخر رمق، هل اتفق القدر على الشاعر؟:

آه ياحبيبتي

الآن يكتمل جنوني كالبدر

كل أسلحتي عفا عليها الزمن

كل صحبي تفرقت

وحججي فندت

وطرقي استنفذت

ومقاهي تهدمت

وأحلامي تحطمت

وقصيدته في رثاء زوجته الشاعرة سنية صالح"سياف الزهور" من أجود المراثي في الشعر الحديث لانحس فيها إلا بلهيب الحب وزفرة الأسى وأشواك الطريق، كما تتشمم بحاستك الشعرية والإنسانية مشاعر الوفاء والاعتراف والولاء للزوجة الحبيبة.

وفي علاقة الشاعر بالمرأة علاقة أساسها الاحترام والمحبة والوفاء والموقف والروحانيات الأكثر جاذبية وإغراء في المرأة والتي تعين بصبرها وإخلاصها وفكرها ومواقفها على السير بصمود في صحراء الحياة على العكس تماما من نزار الذي كرس مرضا ثقافيا في غزله لايفتن إلا المرضى والمقموعين جنسيا ومن يعانون من داء الغلمة "إنه نسق الفحولة" كما يسميه الناقد السعودي عبد الله الغذامي شاعر دون جوان يتباهى بفتوحاته في أجساد النساء وقد أنتج هذا الركام من القصائد فشكل صالونا نسويا في شعره قراؤه نساء وطقوسه الغنج، والتفاهة، والسطحية والشبق والميوعة وفحيح الشهوة

اقرا إحدى إنجازاته الشعرية:

لم يبق نهد  أسـود أو أبيض

إلا زرعت بأرضه رايــاتي

فصلت من جلد النساء عباءة

وبنيت أهراما من الحلمـــات

يا سلام على إنجازات الشاعر وفتوحه ماذا نفعل نحن- العرب المقموعين والجوعى - بهذه الحلمات وفيم تفيد أمتنا؟ ومع احترامي لقامة نزار الشعرية ومواقفه الشامخة  فهذا الكلام ابتذال وسخف وسطحية ورداءة.

وهذا ماجعل الشاعر السعودي غازي القصيبي يقول  إن نزار انتهى منذ زمن  وظل يكرر نفسه على طريقة رامبو 1 ورامبو 2 ورامبو3  وليس في هذا غض من قيمة الشاعر فنزار قامة شعرية وقصيدته في رثاء زوجته بلقيس من عيون شعر المراثي في الأدب الحديث وقصائده السياسية ومواقفه إكليل غار على جبينه ولكن لا داعي للتعمية والمبالغات لأهداف تجارية أو مشبوهة من قبل بعض الجمعيات النسوية أو الحركات الثقافية  أو الاجتماعية التي لا تعرف الكوع من البوع.

ولا يكتمل الحديث عن الماغوط الشاعر والإنسان دون الحديث عن الماغوط المبدع في المسرح السياسي الذي له فيه صولات منذ "ضيعة تشرين" و"غربة"  وهي نصوص تتميز بالسخرية مع مواصلة روح الاحتجاج ونفس التمرد والرفض  تماما مثلما كتب في نصوصه الشعرية.

سلام لروح الماغوط الشاعر الإنسان والذي أظنه يسخر منا جميعا من مرقده الأبدي وسلام لروح الشاعرة سنية صالح التي قضت بالسرطان وتحية شامخة باذخة  للشام الذي أمطر أرض العرب بسحائب الفكر والفن والجلال من لدن جمال الدين القاسمي وميشال مغربي وجورج صيدح  ومحمد الماغوط وأدونيس وزكريا تامر ولؤي كيالي وياسر العظمة  ويوسف العظمة ومحمد سعيد رمضان البوطي وعبد السلام العجيلي  وممدوح عدوان وحنا مينة وصباح فخري ودريد لحام وعبد الباسط الصوفي وسعد الله ونوس والطيب تيزيني وصادق جلال العظم ونزار قباني وعمر أبي ريشة  وكوليت خوري وبرهان غليون ومنى واصف على سبيل الذكر لا الحصر.

 

إبراهيم مشارة

 

جمعة عبد اللهتأخذنا قصيدة شاعر الأشجار د. سعد ياسين يوسف (مجرة المجر) بتناولها الواسع إلى عتبات ومنصات عديدة ومتنوعة تدل على الابتكار والخلق في التناول الشعري والاستلهام الواسع والتناص والرؤية المستخلصة من التناول والطرح، كما تأخذنا هذه الصياغة الشعرية غير التقليدية إلى أطر عميقة عبر التناص الحضاري والديني والتراثي بما فيه الموروثات الشعبية التقليدية التي تتجلى في صورها التعبيرية الملهمة في هذا الشغف الشعري الذي يتدفق عذوبةً وتوهجا في أنواره المضيئة بما يدل على التمكن من الصياغة والفكرة الخيالية المشبعة بالرؤية الفكرية والفلسفية في استلهام هذا التناص في انزياحاته المتعددة والمتنوعة .

إنَّ القصيدة بقدر ماهي سفر تكوين المكان فهي تختلط أيضاً بقدسية الحبّ لهذا المكان من خلال التباهي به بوصفه بمجرة الله التي خلقت في المكان المحدد بالضبط (المجر) جنوب العراق،وهذه المجرة من المجرات السماوية في نجومها المضيئة والمشعة بجلالة نور الله .

أراد الشاعر أن يدلل بطريقة واعية وذكية وبلغة قدسية إنَّ هذه المجرة الإلهية خلقت في فردوس الأرض ببركته ونعمته الواسعة،في فردوسها القائم في جنّة الله على أرض العراق الجنوبية،بقدرة الخالق وبعصاه المقدسة ونعمة نهرين من عسل وحليب مجسداً هذا الاعتزاز عبر التباهي بفردوس الله في أرضه مَجرة (المجر):

(من نهري عسلٍ وحليبِ الجنَّةِ

استلَّ عصاهُ المقدسةَ

رماها على جرفي نهريها ...

وقالَ لها : كوني ....

فأنبتتْ حقولاً من قصبِ السُّكرِ)

هي مصدر الثراء الحضاري التليد الذي نشأ في هذه البقعة الجنوبية المقدسة . والتي يحق لها الاعتزاز بمعالمها الشعبية والتراثية التي تميزت بها وأصبحت علامة فارقة في مكانها الحضاري المشعّ في أنواره وهي أنوار الله الربانية تتمثل في حوريات نسائه كأنهن حوريات الجنّة لترقص فوق قبابها :

(فأضاءتْ مدىً شاسعاً من سماءٍ وماء،

"خزّاماتٍ" وأساطيرَ و"يشنٍ"

ترقصُ حورياتُ النّورِ

فوقَ قبابِها).

هذا تأكيدٌ بأن الجنوب منبع الحضارة السومرية ومنبع العشق الإلهي في وفرة بركاته، وفي بركة حقول قصب السكر ووفرة الماء المقدس، في حياضها العامر، في تجلي نور الله في هذه البقعة المقدسة، قال لها الخالق : كوني فكانت كأروع ماخلق الله على الأرض:

(رماها على جرفي نهريها ...

وقالَ لها : كوني ....

فأنبتتْ حقولاً من قصبِ السُّكرِ

ضفائرَ عمَّدها المسكُ، القرنفلُ،

غاباتٍ من يشاميغَ سومر...)

وفي آنيتها الخلّاقة وفي نسائها حوريات مجرة الله اللواتي تعطرت ضفائرها بالمسك والقرنفل وتأزر رجالها الأبطال ب(اليشماغ السومري ) ليكونوا أمتدادا لسومر في الجنوب العراقي رمز قوة ومنعة في مواجهة الصعاب والغزاة عبر العصور .

(ضفائرَ عمَّدها المسكُ، القرنفلُ،

غاباتٍ من يشاميغَ سومر... )

هذا الإبهار الشعري ليدل بأحسن تعبير،عن مدى عمق جريمة الغزاة في انتهاك حرمة الله المقدسة ومدى الخراب الذي أشاعه التتار الجدد في هذه الأرض المقدسة، التي شكلَّها وصنعها وخلقها الله في أحسن تقويم وأحسن فتنة من الجمال الساحر الذي تجسد تراثاً حضارياً وشعبياً مذهلاً .

إن هذه الأرض التي هي رمز للعراق وعبر الزمن لم تهادن الغزاة البرابرة الذين توقعوا استقبالهم بأحسن حلة وبأفخم لباس، كما تصور الشاعر اليوناني (قسطنطين كفافيس) غير أنَّ استقبالهم كان على يد أحفاد سومر كان بألف لعنة ولعنة والمصير الاسود والمشؤوم كان بانتظارهم لانهم تعدّوا على هامات النخيل ورطب الله المقدس، في هذه الجنّة الإلهية ولأنهم ارتكبوا أكبر معصية لله والسماء ولهذه المجرة السماوية .

(تصهلُ الرِّيحُ إذا ما تأزَّروا بها

للغزاةِ ...

وهاماتٍ من نخيلٍ كلّما مرَّ بها خائفٌ

تسَاقَطَ عليهِ رُطبُ الأمانِ ...

حلّقَ في الأغنياتِ مع أسرابِ "الحِذّافِ")

هذا الدفء في القدسية للمكان في التناول الملهم في هذه التحفة الشعرية جاء وكأن القصيدة تشخص سفر تكوين الجنّة في حضارتها، وسفر تكوين المجد في براعته عبر منصات الإيحاء والرمز . لكي يدلل بأن هذه المجرة السماوية في (المجر) ولدت من غصون شجرة الله المقدسة، التي خلقها في أحسن تقويم ومنحها الله النور المقدس . هذا التألق الشعري بالتناول والطرح غير التقليدي وغير المألوف، في التعاطي مع المقدس والاعتزاز القدسي للمكان ليؤكد انتماء الشاعر وانحيازه إلى مجرة الله المقدسة عبر تناول شعري انطلق من فسائل الرؤية التي تملك براعة الابتكار والخلق في التدليل على المكان الذي هو أصل التكوين والحضارة في جنّة تجري فيها الأنهار من عسل وحليب .

وعلى ما أعتقد أن الشاعر وضع ثمة إشارة غير مباشرة على تواني الأحفاد الذين خالفوا وصايا الله في هذا المكان المقدس، الذي يحمل الدفء والكرم والضيافة في دقَة فناجين القهوة ورائحة الهيل وهي إشارة مبطنة إلى معصية الأحفاد وتوانيهم عن أن يكونوا بعظمة الأجداد وربما هو تحفيز لأن يكونوا كذلك لتستمر حركة التأريخ

(مَضِيفاً للنورِ وكوناً، دفئاً

لا يشبهُ إلا دفءَ القهوةِ

دعاءَ الأبوينِ

دفءَ الجنّةِ

وكلماتِ اللهِ الأولى ...

إذْ ألقى عَصاهُ على الأرض!!!

***

بقلم : جمعة عبدالله

.....................

مجرةُ المجر

د. سعد ياسين يوسف

مذ خلقَ اللهُ مجرَّتَها...

وأجرى على الأرضِ نهريها

شَقَّ بمِرود أمِّنا حواءَ

عينيها فكانتْ مجرَّةً للسماءِ

تلألأتِ النجومُ في أعماقِها

فأضاءتْ مدىً شاسعاً من سماءٍ وماء،

"خزّاماتٍ" وأساطيرَ و"يشنٍ"

ترقصُ حورياتُ النّورِ

فوقَ قبابِها .

من نهري عسلٍ وحليبِ الجنَّةِ

استلَّ عصاهُ المقدسةَ

رماها على جرفي نهريها ...

وقالَ لها : كوني ....

فأنبتتْ حقولاً من قصبِ السُّكرِ

ضفائرَ عمَّدها المسكُ، القرنفلُ،

غاباتٍ من يشاميغَ سومر...

تصهلُ الرِّيحُ إذا ما تأزَّروا بها

للغزاةِ ...

وهاماتٍ من نخيلٍ كلّما مرَّ بها خائفٌ

تسَاقَطَ عليهِ رُطبُ الأمانِ ...

حلّقَ في الأغنياتِ مع أسرابِ "الحِذّافِ"

المتسلقِ نهرَ "العدلِ" * إلى "صحنِ الله"*

حيثُ أعتادَ الواهبونَ على التصغيرِ

ليشيعوا الألفةَ .

ألفة بيتِ القصبِ حينَ يصيرُ

مَضِيفاً للنورِ وكوناً، دفئاً

لا يشبهُ إلا دفءَ القهوةِ

دعاءَ الأبوينِ

دفءَ الجنّةِ

وكلماتِ اللهِ الأولى ...

إذْ ألقى عَصاهُ على الأرضِ ....!!!

***

 

......................

* المجر: مدينة من مدن محافظة ميسان، تقع على حافتها بعض أهوارالجنوب .

* نهر العدل: من أنهار المجر وكان طريقاً مائياً إلى هور الصحين .

* صحن الله: المقصود هور "الصحين" وسميت كذلك لوجود فضاء دائري في وسطها .

 

 

تعتبر رواية خمسة أصوات (النموذج الفني الأكثر تعقيداً)(1) وذلك لازدواجية الوعي والايديولوجية، لوجود وعي لخمسة أشخاص مع أفكارهم المتعددة أيضاً على خط متوازٍ، فالمؤلف وأبطاله يمارسون الوعي (وعملية الوعي) مع أنهم أصحاب مذهب آيديولوجي كلهم، ولكن مما يجعل المؤلف يفترق عنهم أنه وعياً داخل الوعي بمعنى أنه يحمل وعيه هو ووعي أبطاله، ولكن وعي غائب، وغائب نفسه لا يتجادل مع أبطاله ولا يتفق معهم. إنه لا يتحدث معهم بل عنهم مع أن كل واحد منهم له وعيه المواز للآخر، وهذا ما يقوله باختين بخصوص هذا [مؤلف الرواية المتعددة الاصوات مطالب لافي أن يتنازل عن نفسه وعن وعيه، وإنما أن يتوسع إلى اقصى حد أيضاً في إعادة تركيب هذا الوعي وذلك من أجل أن يصبح قادراً على استيعاب أشكال وعي الآخرين المساوية له في الحقوق](2).

وهي في الأصل منولوجات مستقلة وواضحة و (ان هذا المونولوج حاسم لانه يبدو ان كل شيء في الرواية قائم عليه او منبعث منه)(3)، لذا سميت بالاصوات، كل صوت له تجربته الخاصة به وله تفكيره وشخصيته وله طابعة الخاص به، وصراع الاصوات الايديولوجية في أساس الشكل الفني للرواية وفي أساس أسلوبه.

وأبطال غائب يشتركون جميعهم… في صفة واحدة هي أنهم يحملون الوعي المأساوي بواقعهم وبالحياة، ويحاولون الخروج من مفهوم الواقع للانطلاق نحو الواقع المفهوم – وهذا يمتلكه المؤلف – المستمر بذاته في انسيابية كثيفة وتنحية الافكار اللاعقلانية اللاواعية، لكنها تبقى افكار مثقفين – برجوازيين لم يتجاوزوا الحاجز النفسي المصنوع من خيوط اللاتجربة العملية بالحياة والانحدار الطبقي واستيعابهم للمضمون الاجتماعي لم يكن كاملاً لذا لم يصبحوا اناساً كاملين، ولم يستطيعوا خلق العالم بصورة حقيقية، لذا كان عليهم الاصطدام بطريق مسدود. معاناتهم لم تصل الاعماق رغم انها حقيقة بل تتحرك ضمن دائرة المحافظة على توزان طرفي الخيط.

إن (خمسة أصوات) رمز لازمة المثقفين التي عانى المثقفون العراقيون في الخمسينات منها لانعدام الحريات وللحالة الاقتصادية المتدهورة والاجتماعية المختلفة ولا يجمعهم في هذا الوسط المديني سوى البؤس والفقر والتذمر وليس لديهم تصور شامل للتغيير ولا تصور سياسي ذو وزن متبلور رغم امتلاكهم لثقافة رصينة.

ففي رواية (النخلة والجيران) كانت الشخصية المحورية هي المجتمع العراقي اما في (خمسة اصوات) فالشخصية المحورية هي شريحة المثقفين البرجوازية الصغيرة والمتبرجزة الصغيرة رغم تناول غائب طبقة الفقراء ومواقعهم وبيئتهم لكنهم يظلون خلف الصورة المرسومة.

أما الطريقة السردية التي يتبعها غائب في الرواية فهي الانتقال من شخصية إلى أخرى ولكل منها فصل مستقل، ولم يتدخل غائب فيها وظهرت وجهة نظره متخفية غير ظاهرة مما أتاح الحرية الكاملة لشخصياته، لذا بقينا نسمع في الرواية خمسة أصوات او منلوجات داخلية أصبحت المحور الرئيسي لها، مكونة التحاماً بنائياً متجانساً في فصولها.

والرواية تتكون من سبعة وثلاثين فصلاً كل فصل باسم شخصية طارحة وجهة نظرها باستثناء فصلين تلتحم فيهما الاصوات الخمسة التحاماً فنياً مذهلاً يبرز فيهما السرد المتداخل(*) بوضوح، والفصلان هما السادس عشر والفصل الاخير حيث تتزاوج فيهما الرؤى ووجهات النظر وهذا ما تميز به غائب من اسلوب السرد المتداخل، ويذكرنا هذا البناء الفني للرواية بمبدأ تعدد النغمات وتداخلها في الموسيقى.

إن غائب قد استفاد من تجارب روائية عربية وبشكل خاص من رواية نجيب محفوظ (ميرامار) من حيث تعدد الاصوات فقط، ونحن لانقول بانها استفادة حرفية او مطابقة تامة، لا فكل رواية لها وشمها الخاص بها، ولها اسلوبها وبناؤها الروائي.

والملفت للنظر، وهذا يجب ان يوضع بالحسبان بانه لايوجد صوت نسائي ابدأ لدى غائب في هذا الرواية. انها رواية متعددة الاصوات رجالياً، أي عالم رجالي، والنساء فيها مهمشات او في مواقع دون الثانوية، صورهن تخطيطات شاحبة باهتة مظللة بظلال قاتمة لاتنفذ منها الالوان، سطحية لان (كل فتاة عراقية تقضي اغلب عمرها حبيسة الجدارن) ص34، ومسحوقات اجتماعيا ونفسياً، بينما نشاهد ان هذه الصورة تتغير وتكون اكثر انفتاحاً ومشاركة اجتماعية للمرأة في رواية (المخاض)، التي يعطيها المؤلف حرية اوسع كمشهد حفلة الوكالة. والسبب في هذا هو تطور الوضع الاجتماعي – الاقتصادي للمرأة العراقية نسبياً بعد ثورة 14 تموز.

هذا بينما المثقف العراقي يعيش بين نقيضين، حالة الانتماء والاغتراب في وقت واحد، فالانتماء لدى المثقف العراقي هو بالضرورة يعني التغيير، يلازمه شعور حاد بالاغتراب بسبب ما يحيط به، أي عدم التمكن من الاندماج والتآلف مع المجتمع فيكون وهذه الحالة "المنتمي المغترب".

ومن هذا الفهم والتصور لرؤية فرمان نستطيع الاحاطة بشخصيات الرواية الخمس المثقفيين او نتوغل في دواخلهم باضاءة جوانب كثيرة معتمة فيها، واستخراج طروحات مبعثرة موجودة بين الكلمات ولتزداد قرباً وتحسساً لسبر أغوارها الدفينة وللدخول إلى الدائرة ذات البوابات النصف مواربة والنصف مضاءة.

من هنا تتدفق الرواية بالتفاؤلية والسوداوية والسخرية والادانة الصريحة لوضع قائم ولتتحول مشكلة المثقفين الخمسة الحياتية ومعاناتهم اليومية لتصبح هموم وطن أوسع وأعمق يتسم بالقلق المسكون المترقب، ولازاحة استار الذات والموضوع ولاستئصال زوائد الداخل والخارج وللتواصل بين الجزء والكل، هكذا تكون قراءة الواقع في الرواية لينبثق منها قراءة رواية من الواقع.

يقول غائب عن رواية (خمسة أصوات):

(اما "خمسة أصوات" فهي ايضاً مرحلة من المراحل التي ارتبطت بها حياتي، فمرحلة 1954 القوية لاتخفي أهميتها بالنسبة لتاريخ العراقي أحسست ان أعبر عن فترة قوية وحساسة في تاريخ العراق)(4). ان البوابة العريضة التي نلج منها للرواية هي بوابة السياسة ولايمكن ان نسلخها عنها والا جاءت كالرأس المقطوع، وليس من الممكن استخلاص رؤية جدلية صحيحة لزمنها الواقع دونها، فلقد تركت ظلالها على مداخل ومخارج الرواية رغم تحيز غائب لعلاقة الخارج المحكوم بالنص المتحرر الخاضع للجدل المفتوح بين النص والتاريخ اكثر من علاقة الداخل المحكوم بالنص المقيد الخاضع للجدل المغلق بين النص وذاته.

ومن خلال هاتين العلاقتين، علاقة النص المتحرر المفتوح على التاريخ بالنص المقيد المغلق على الذات تنشأ علاقة جدلية بينهما وهي ما أراده غائب من أن لا تطغي ولاتنفي جمالية العمل الادبي.

البعض من النقاد حاول ان يطبق عليها تنظيراته النقدية الغربية على وفق قياسات قسرية، لتأتي النتيجة تجريدية مفرغة من محتواها الإنساني لذا نقول ان أي ابتعاد عن هذا الجانب المهم الا وهو الجانب السياسي لتلك (المرحلة) يكون حكماً نقدياً غير رصين ومجحفاً في حق العمل الادبي والتاريخ، خاصة ان (لسنة 1954 في تاريخنا السياسي والثقافي خصوصية و (كثافة) لاسباب معروفة)(5).

ينسحب هذا على الاصوات – الخمسة المثقفة التي تعيش حالتين غير متوازيتين، الحياة الفكرية / الحلم والحياة العملية / الواقع وما بينهما من صراع وتناقض وتطلّع والمواقف المتباينة ازاءهما وأول الشخصيات (سعيد) شخصية ايجابية ملتزمة لكنه متردد في اتخاذ القرارات الحاسمة، وخجول تعوزه (الثقة بالنفس) ص25- كما يصفه ابراهيم – وأنه (لايدير شيئاً ولايحل اصغر مسألة) ص20، وسط هذا الواقع / الحلم تاه وبدأ يبحث عن نفسه (لو أعرف من أنا؟) ص115، وتفاءله بالشعب العراقي لاحدود له لكنه تفاؤل ساذج ورؤية ثورية مغرقة بالرومانسية لاتخضع لأسس موضوعية: (لماذا لم تتحسن حياة الشعب العراقي بشكل بناسب تذمره، فالتذمر كما يقولون أول خطوة نحو التغيير، والتذمر كان عنوان الشعب العراقي. ومرضه منذ البداية) ص26.

ورغم ان سعيد يعمل في احدى الصحف الوطنية المعارضة للسلطة الرجعية، الا انه خير من يمثل شخصية وهموم ونفسية البرجوازي – الصغير في تطلعاته ومواقفه وهمه هو أنه: (مهدد دائماً، وأعيش ثقافياً على ما يرسمه الآخرون لي، وأحاط بالممنوعات والمحذورات، والحكام ينظرون إلي كمشبوه) ص56.

ومحاولاته تباء بالفشل في اصلاح ذات البين بين حميد وزوجته وهذه المحاولة تأخذ حيزاً كبيراً من بداية الرؤية حتى نهايتها.. بحيث تصبح مشكلته هو .. من دون أن يدري تكون معه في البار في الجريدة.. وهذا يعطينا دلالة على أن سعيد مفرط في حساسيته تجاه الاحداث والمواقف وتنتهي بموت الطفلة وطلاق الزوجة ورحيل سعيد الى …

وفي الفصل الاخير… يفصح سعيد عما يعتلج في نفسه من قهر واضطهاد في حديثه مع أمه عن الوضع العام في العراق وهو يشكل ذروة ايجابيته.

(لماذا يتدخلون هم ويحكمون ولانتدخل نحن?) ص296.

ويعزز ذلك سفره أو هجرته نحو الداخل نحو البحث عن الهوية الحقيقية لإنسان سحقته الظروف الاقتصادية والاجتماعية ثم السياسية الرجعية.

قد يتساءل قارئ الرواية لِمَ لمْ يبق سعيد في بغداد / مدينته ومع اصدقاءه للوقوف والتصدي لكافة الظروف كما تصدى للفيضان. أهو جبان حقاً كما يقول عنه عبد الخالق ام شجاع لاتخاذ قراره الحاسم؟.

هو هارب ام مناضل يترجح بين الاختيار والضياع؟ أم يود أن يتحرك ويحطم الجمود الجاثم على حياته؟.

الصوت المتميز والمتوازن والاكثر عقلانية وايجابية هو (ابراهيم) الصديق المقرب لسعيد الذي يعمل معه في صحيفة (الناس) ذاتها نائب رئيس تحرير بينما سعيد مسؤول عن صفحة شكاوي الناس أي المسؤول عن المنبر الحر لقضايا الشعب الآنية، ويتعرف بنا ابراهيم في الفصل الثاني من الرواية، وهو متلبس للخروج من دائرة اللا استقرار وللدخول إلى دائرة الاستقرار، لبناء اسرة واتخاذ زوجة ليتدفأ بحضنها مستعيضاً عن دف الخمرة. (سيتزوج هو، سيخرج من خط بليقس، والسهر خارج البيت ويستعيض عن دفء الخمرة المحموم بدفء جسد إنساني) ص141-142. هذه النظرة البرجوازية المؤمن لها ابراهيم، تقابلها نظرة عملية – عقلانية عندما يقول ان (مشكلة المثقفين ليست القراءة بل معرفة الحياة) ص13، نظرة واقعية ومهمة في آن، فالاصدقاء الخمسة يشتركون جميعهم في خاصية (القراءة) بمعنى أنهم ينظرون ويتعاملون مع الحياة مع الواقع اليومي من خلال الكتب، لا من خلال الحياة وطقوسها المتنوعة، لذا فعندما تحتك هذه المفاهيم بـ الاغلبية تهتز(6).

انا لا اتفق مع الدكتور نجم عبد الله كاظم بأن ابراهيم يسعى و(يكافح من أجل تحقيق أهدافه … السياسية)(7)، فـ ابراهيم لديه موقف سياسي هو واصدقاءه، ولكن ليس التزاماً سياسياً، هذا الموقف نشأ نتيجة رد فعل لقراءتهم وظروفهم المادية، ولم نعثر من خلال قراءتنا للرواية بأن أي واحد منهم كان منتمياً لاي حزب سياسي قط، رغم ايمانهم بالتغيير، وخاصة ابراهيم فالتغيير لديه (يعني زوال السلطة) ص171، فهي (حماسة سياسية إلى التغيير)(8).

شخصية شريف شخصية متناقضة بينهما وبين العالم وبينها وبين ذاتها، له عالمه الخاص به جداً، له معبده الذي يتلو صلواته بمفرده به، عالم متوحد وهو (شخصية حسية واضحة المعالم، ومعروف جيداً أن هذه الشخصية الروائية تستلهم سيرة الشاعر الراحل حسين مردان)(9)، يعيش في العالم الذي اختلقه من الوهم: (أنا بودلير العصر) ص13 ص38.

والعالم الواقعي المحيط به أو المقذوف به حسب التعبير الوجودي لايعرفه الا من خلال النساء والشعر والخمرة وهو يقول (خلقت لأعربد كما فعل بودلير في زمانه) ص40.

والقارئ يحس بالأفكار الوجودية وتأثيرها على شريف حين يقوم بوصف الظلمة، التي تعني عنده الظلمة التي تتوجه إلى الداخل إلى ذاته الزاحفة من الخارج:(كانت تملأ حواسه، يشمها يتلمسها يحس بها كائناً حياً يزحف على جسمه)ص41، لايفصله عن العالم الا ستارة شبيهة بستارة عشيقته المومس صبرية وعند ازاحتها كأنما تزاح (عن كل قذارة العالم)ص43.

فهو الطفل – النقي غير الملوث بقذارة العالم والشيء الذي يربطه به هو بودلير وصبرية والعرق، رغم هذا فهو يشعر بوطأة العالم عليه الذي يجعله دائماً في حالة من السأم الثقيل (كان السام، هذا الحيوان الخرافي ذو الألف والسبعمائة ذراع يطوقه بقوة حتى يكاد يخنقه) ص120.

حتى تعامله مع الآخرين تحس به يتهكم به ويسخر مع مسحة لتأكيد الذات (الأنا) مع شعور حاد بالتفرد الحوار التالي الذي يدور بينه وبين صبرية المومس:

[- هل تعرفين بودلير؟

- اعرفه يمثل في سينما الحمراء. سمين مثلك

- كفرت ياخنساء

- ومن هو؟

- شاعر عظيم

- يعني ممثل.] ص93.

هل قام شريف برفض العالم؟ لا أظن ذلك وخاصةً كما قلنا سابقاً انه يعيش عالمين ومشدود اليهما بقوة رغم تفوق احدهما لذا فإن (البطل الذي يفترض أنه يرفض المجتمع لم يقم في الحقيقة الا برفض رؤيته)(10)، وهذا ما لم يؤمن به ، انما آمن بأن (الإنسان يعيش حياة واحدة فيجب ان يعيشها ممتلئة طافحة إلى الحافة بكل شيء)ص29.

وشخصية حميد تلتقي مع شخصية شريف في خطها العام من حيث تمردهما ولكن يختلفان في التفاصيل، شريف متمرد على الوضع العام برمته، لكنه اكثر انفتاحاً على ظلمته غير المتفاهم معها بينما حميد متمرد على وضعه الشخصي فالعام لايعنيه البتة أكثر انغلاقاً على وحدته المتفاهم معها.

و(حميد) الشخصية الرابعة (خفاش من خفافيش الليل، ملك متربع على عروش الحانات، ويسهر حتى الساعة الثانية عشرة.. وبعدها يهيم في الشوارع)ص18، انتهازي يفتقد الصراحة والوضوح والصدق يعيش في كذبة كبيرة من حيث تمثيله لشخصيتين مختلفتين، الأولى رب اسرة قاسي جدا بخيل عليها غير مبال بها بحيث يموت له ثلاثة اولاد ولايهتم ولا يرمش له طرف ولايعود إلى البيت الا في ساعة متأخرة جداً ويخرج مبكراً انه مأوى لقضاء ليله فقط. يعيش مع زوجته كـ (غريب) ، يقول لـ سعيد معللا ذلك:

(ما تسميها عائلتي ليست عائلتي، بل من مخلفات والدي الذي زوجني وأنا صغير) ص204.

وشخصية حميد تلتقي مع شخصية حسين في (النخلة والجيران) من حيث إنهما يخسران كل شيء حتى نفسيهما.

والثانية عازب، كريم، مرح، واقع في الحب يسهر حتى منتصف الليل، كل ذلك ينقلب عندما يعلم بأن سعيد يعرف سره بعد أن كانت حياته سراً وملكه الخاص (ولا أحد من اصدقائي يعرف أني متزوج) ص112 ، وأزمة حميد أزمة مختلفة كما يقول له سعيد:

- أنت تخلق لك مأساة وهمية ص112.

كذلك يشير عبد الخالق إلى إزدواجية حياة حميد حينما يقول:

- أنت شخص تضحك على مأساتك محاولاً إخفاءها وراء سنك الذهبية ص107.

ولكن رغم هاتين الشخصيتين يعيش حميد الوحدة بكل أبعادها كبطل رواية سارتر (الغثيان)، روكنتان، حينما يفكر بانه (ملقىً ومتروك في الحاضر. أما الماضي فأحاول عبثاً أن أتصل به: انني لا أستطيع أن أفر)(11).

فالوحدة تؤام لـ روكنتان، جزء منه اما عند حميد فالوحدة وحش خرافي مخيف (اللعنة على الوحدة، لو كانت وحشاً لقتلته) ص113 ويكرهها ويخافها (أنا أخاف الوحدة) ص100.

ومن هذا التناقض تكون سلبية حميد العميقة التي تؤدي إلى الضياع والتشرد ويفقد عمله ويدمن على الخمرة، ويسير في نهاية الرواية إلى الموت وحيداً.

أما الشخصية الخامسة الاخيرة فهو (عبد الخالق)، يمتلك ثقافةً عالية ووعياً عميقاً، ونضوجاً فكرياً. لكنه غير مندمج في المجتمع فهو مستوعب المجتمع والمجتمع غير مستوعبه من هذا ولدت الرتابة والملل لديه:

يوم آخر من حياتي، يوم لن يختلف عن يوم

أمس وما قبله … ثم رفع ساقه المتوترة

واولجها في بنطلونه، وترك سترته تلبسه) ص53.

وفي مقطع آخر يتكلم بحرارة وشعور بالانسلاخ عن الحياة:

(أحس بأنني أعيش حياة مستعارة مزيفة….

وأحس بالغربة في بيتي) ص58.

ويحس بشعور خفي بان شيئاً ما سيحدث في العراق وهو شخصية ايجابية مبدعة يكتب القصة ، لكنه يعرف بأن (قراء الفأل يحظون بشعبية أكثر من أي كاتب) ص108.

متفائل بالرغم من كل الاخفاقات والنكسات التي يمر بها البلد ويحمل صليب الايمان نحو الجلجلة / المستقبل.

في (خمسة أصوات) ينعدم الرمز تقريباُ. فهي رواية مباشرة صريحة لاتحمل الكثير من التلميحات والاشارات والدلالات الا ما ندر مثل الفيضان الذي يجتاح بغداد فهو يمثل اجتياح القوى الرجعية للبلاد وتشريد الآف المثقفين خارج العراق:

ومشهد التابوت والمهد الذي يواجه سعيد وهو ذاهب إلى زوجة(حميد). انه جاء عفوياً وغير مقحم وغير متعمد مما أكسبه زخماً فنياً ناجحاً.

والرواية (يمجملها صورة روائية فنية للمجتمع العربي ولفئة المثقفين بخاصة، وللزيف الذي يعيش فيه معظمهم ومحاولتهم الهرب من الواقع بالانغماس في الخمرة او الجنس، وللغربة التي يشعرون بها في مجتمعه)(12).

 

أسامة غانم

..........................

الهوامش والاحالات

1- م. باختين- قضايا الفن الابداعي عند دوستويفسكي – ت د. جميل نصيف، ص390 دار الشؤون الثقافية، ط1، بغداد، 1986.

2- المصدر السابق، ص97.

3- مالكم برادبري- جيمس ماكفارلين، الحداثة جـ2 مؤيد حسن فوزي، ص212، دار المأمون، بغداد، 1990.

(*) أطلق الناقد تزفتان تودوروف على هذا الاسلوب اسم ((التناوب)) وهو يعد من الأساليب الحديثة المستخدمة في الرواية الحديثة. ولكني أرى أن تسميته بالمتداخل أكثر صوابية وموضوعية لأنه يأخذ طابع الحوار المجازي ويقول في هذا الشأن باختين (ان الرواية المتعددة الاصوات ذات طابع حواري على نطاق واسع).

4- د. نجم عبد الله كاظم- الرواية في العراق، ص227. دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1987.

5- د. عبد الجبار عباس- الحبكة المنغمة، ص293- دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1994.

6- فاضل ثامر، الصوت الآخر، ص77، دار الشؤون الثقافية، ط1، بغداد، 1992.

7- الرواية في العراق، المصدر السابق، ص59.

8- طراد الكبيسي، كتاب المنزلات، جـ2، منزلة النص، ص49، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1995.

9- فاضل ثامر، الصوت الآخر، ص77 ومحمد الجزائري، خمسة اصوات صرخة في الوعي، جريدة الوان، العدد 14 في 27/12/1997.

10- عدد من الباحثين السوفييت، نظرية الادب، ت. جميل نصيف التكريتي، ص381، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1980.

11- جان بول سارتر، الغثيان، ت. سهيل ادريس، ص51، منشوؤات دار الادب، بيروت، ط2، 1964.

12- جورج سالم، المغامرة الروائية، ص149، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1973.