رحيم الغرباويلعل الرومانسية أخذت اشتغالاتها من الطبيعة في الذات، بعدما قامت بثورة على الكلاسيكية التي أوغلت في الموضوعية والعقلانية حد الإسفاف في نظر الرومانسيين، فضلاً عن أنَّها مثَّلت ردة فعل على الواقع الذي لم يجد فيه الشاعر ضالته فراح يرمي بنفسه في أحضان تلك الطبيعة بعيداً عن ظلامات الواقع المعيش  كما يستشعرها في نفسه، فيتغنى بالجداول والغابات، والسهول والجبال والطيور  وهو يضفي عليها من خياله الجامح أجواءً ساحرةً وعواطف إنسانية جياشة .

والرومانسية فيما يبدو اعتمدت على الخبرة الشخصية  حتى أصبحت مذهباً له سماته وخصائصه، لكنها أخذت تتشعب إلى اتجاهات وارتباطات بمذاهب أخرى ومن اتجاهاتها الرومانسية السياسية، كما أخذت بتفعيل " مظاهرها في المجال الفلسفي والديني والقانوني والتاريخي  " (1)، أما ارتباطاتها، فقد صارت الرومانسية ممثَّلة بالسريالية والدادائية والبرناسية والرمزية وغيرها، لكننا لانعدم أنَّ الرومانسية الأدبية هي الأصل كما طرحها النقاد في بداية نشأتها في العصر الحديث ويمكن لنا أن نطلق على الرفض فيها أنه لم يتوقف على رفضها للكلاسيكية إنما رفضها يؤكد لنا تعبيرها عن حالة الثورة ليس على الواقع أو الاتجاهات فيه بل حتى على الشعور حينما لاتتقبل الذات الشاعرة معطياته من الآخر؛ كي لانبخس مفهومها الشامل والواسع حتى داخل صيرورة الذات الإنسانية .

والأدب بصورة عامة مالَ إلى الاتجاه الرومانسي منذ مطلع الحضارات حين كان الشاعر يتغنى بالطبيعة من خلال ترجمة ما يعتمل وجدانه من مشاعر وأحاسيس تجاهها . إلا أنَّها في العصر الحديث ومع تطور الاتجاهات الثقافية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي أُرسيت مبادؤها، فصار لها مذهب أدبي قائماً بذاته، بوصفها تمثل أحد مبادئ البناء الشعوري في الثقافة الحديثة .

ولعلنا في هذا المقال لانريد أن ندرس اتجاهاتها بقدر ما يمكن أن نوضح دقائقها  لاسيما ثوريتها الشفيفة عبر ما يعتمل الذات شعور يرفض بعض مظاهر المجتمع السيئة، ومنها صفة الخيانة التي عادة ما تدفع بالشعور إلى أن يقيم ثورته معبِّداً طريقه نحو الصلاح، رافضاً كلَّ مدنَّس هدفه الإعاثة بالنفوس؛ لأجل خلق مجتمع تسوده المحبة، وتعتري فضاءه نسائم الوئام .

ويبدو أنَّ شاعرتنا (نجاة الماجد)، وهي تكتب شعورها تجاه تلك الظاهرة الاجتماعية تنكر على كل من يسيء لحقوق الآخرين أو يجرح مشاعرهم، ماهو إلا إنسان فقد إنسانيته، ولا بدَّ أنْ يُطرد من حقول الإنسانية الرحيبة وشواطئها المؤثَّلة بالنبل والوفاء، ويمكن عدّ قصيدتها (سياط غدرك) من النصوص التي تعالج ظاهرة الغدر والخيانة التي تفشَّت في عصرنا الحاضر، إذ نراها تقول: 

لا أنت تتبعُني ولا أنـــــــا أتبـــــعُ ... لملِم غرامَـــك لاتحـنُّ وترجــــعُ

ولّى الهوى ولّى زمـــانُ صبابتي  ... ماعُدتَ عصفوراً لشدوِكَ أسـمعُ

قد جئتَ تشـكو لي خيانةَ صاحبٍ  ... فجعلتُ قلبك من وفائي يرضــعُ

واليـــومَ واأســفى أراكَ تخـونُني  ... واليومَ وا أســفى بغدرِك تصفـعُ

ماهكذا يجزي المحـــبُ حبيبــــهُ  ... إلاّ لِمـــن فيــــهِ الخيانـــةُ تنبـــعُ

ولعل القيم الاعتبارية هي ميزان الإنسان الطامح لحياة مستقيمة، ولو قلَّبنا الأبيات لوجدنا معانيها قد حُبِكتْ بفنية السبك العالي الذي يشير إلى صدق الإحساس، وإنَّ التكرارات والطباقات والمترادفات من الألفاظ قد تفشت في النص وهي: (تتبع - أتبع، ولَّى – ولى، وآسفي – وآسفي، تخونني – تخونني . خيانة – وفاء . تحنُّ – ترجع،  تخون – تغدر) ويبدو أنَّها تعاني قسوة الفعل الذي يسود اقترافه اليوم في مجتمعاتنا ممن يدَّعي الحب دون أنْ يجتنى روحا أنيقةً تطرب لها معاني الإنسانية، وشاعرتنا تعبر عن رفضها لذلك بل وتمقته حد التعنيف، ولعل قراءة النصوص بعيدا عن قائليها يعزز الروح العلمية للتحليل من خلال النص، إذ نراها تنازع قراراتها بالنفي مرة والإثبات مرات؛ لتقوية معاني الرفض وملامح الثورة في شعرها، فنجد أداتي النفي (لا، وما) تكررت خمس مرات؛ لتأكيد ثورتها ضد من خانها، بينما أوردت صوت الهمزة ثمان مرَّات، وهو من أصوات الإطباق؛ ليدل على شدة الارتكاز على قرارها الحتمي، أما ورود صوت الكاف سبع مرات وهو يمثل الكلف والانكسار لما كان مأمولاً من المخاطب الذي لم يحسن الوفاء، و اتخذت حرف الروي العين للدلالة على التياعها من هذا الفعل المشين .

ولو طالعنا بقية أبيات القصيدة سوف نجد المعاناة تتنامى وتتكرر بعض المفردات لتأكيد المعاني التي بني عليها موضوع القصيدة، إذ تقول:

حتى بإحســـاني منحتُك مهجتي ... وجعلتُ عينَك في عيوني تهجعُ

واليــــوم وا أســفى أراني بغتةً ...  بسياطِ غدرِك والخيانةُ أُلســـــعُ

ماجتْ بنا الأمواجُ دارتْ دورةً ...  واليـــوم مركبُنـــا هنــاك نودِّعُ

ياذلِك الصيَّــــــــاد يكفي قسوةً ...  أطلِقْ فؤادي لاتـــروعُ وتفــزعُ

البحر يــــاهذا يضمُّ بدائـــــــلاً ...  يمِّمْ شـــباكك هاهناك ســــتجمعُ

دعني نـــعم دعني فقلبي قانعٌ  ...  من بعـد غدرٍ في الهوى لاأطمعُ .

والذي يجعلنا أن نحكم على أنَّ النص يشي بالصدق هو انسجام أصوات الألفاظ مع الحالة الشعورية التي تقف عندها الشاعرة مع كلِّ شعور تعبِّر عنه، ومن ذلك  الشطر الأول من البيت الأول حين تصف حالتها، وهي تعيش الراحة إزاء نبلها تجاه الحبيب بتكرار صوت الحاء ثلاث مرات، والتاء ثلاث مرات أيضاً، والميم مرتان، وهي من أصوات الهمس التي تمثل لطافة الشعور، بينما البيت الرابع حين تصف من غدر بها تصور شعورها بنزعته الثورية، فهي تطلب التحرر من ذلك الصياد الذي اصطاد قلبها بمشاعره المعسولة، فتكرار الكاف والقاف والعين مرتان وجميعها من أصوات الإطباق العالية الصدى وما فيها من حشرجة والتياع، والصاد والطاء، وهما من الاصوات الصفيرية وفيهما دلالة البطش والصرامة، بينما الفاء وردت ثلاث مرات؛ لتدل على التأفف والتأوة ، والتاء مع الراء ومع الفاء؛ لتؤكد ما للراء والفاء، فالأولى لشحذ الفعل بما يمتلكه من دلالة الترويع، والأخرى؛ لتعميق دلالة الفزع، وهذا ما يؤكد صدق المعاناة التي عاشتها شاعرتنا؛ لتهبَّ منتفضة ضد الجناة الذين يرتكبون الحماقات تجاه المشاعر الإنسانية النبيلة .

وهكذا " فإنَّ الشعر هو السمو ذاته بالفضيلة، وإنه يسبح ضد تيار نهر النسيان ويدرك بريق الأصول ويسلم الروح إلى أحاسيس العالم العامة، ويظهر معارضته للحقيقة المصغرة الكاذبة، وهكذا يظهر البعد الرؤيوي الثوري للشعر كرومانسية نمط من نوعية القوة التي فيها الأنا الأدنى تتماثل مع الأنا العليا ... إنَّ الشعر هو نفسه سليل انصهارنا الأخلاقي يذكي جمرات الفضيلة النائمة، لأنَّه يدعو لامحدودية ما فوق ذاتنا إلى الشعور، والمطلق ما فوق الواقعي لماهيتنا، إنَّ الشعر يحرر؛ لأنَّه رومانسي " (2)؛ لهذا نجد شاعرتنا قد حققت برومانسيتها تحررها من قيود الإذلال والتبعية؛ مما هو عديم الإنسانية بأفعاله التي لاتتماشى مع الفضيلة والنبل الأخلاقي .

 

بقلم: د. رحيم الغرباوي

.....................

(1) الرومانسية الثورية، ترجمة د . كامل العامري: 16

(2) المصدر نفسه: 143 .

 

 

 

بلغت المسرحية في اليونان درجات عالية من الرقي على يد شعراء الإغريق العظماء (اسخيلوس، وسوفوكلس، ويوربيدس، وقد وضع (ارسطو) في كتابه (فن الشعر) تعريفاً للتراجيديا، وجود عناصرها الأساسية، فضلاً عن دراسته الأنواع الشعرية، حيث قام بدراسة وتحليل المنجز الإبداعي لأولئك الشعراء وحلل مستخلصاً منه الأسس النقدية التي أصبحت فيما بعد قواعد منهجية يتبعها نقاد الأدب والدارسون .

وانطلاقاً من تعرف ارسطو للمأساة على أنها محاكاة لفعل جاد تام في ذاته، وله طول معلوم في لغة مشفوعة بكل أنواع التعريف الفني وتتم المحاكاة في شكل درامي لا في شكل سردي . بأحداثٍ تثير الشفقة والخوف، وبذلك يحدق التطهير ويشير هنا التعريف إلى العناصر التي تتكون منها المأساة، وهي كما يأتي :ـ

(1. الحبكة 2. الشخصية 3. اللغة 4. الفكرة 5. المرئيات المسرحية 6. الغناء)

ومشكلة هذه العناصر في مجموعها وحدة متكاملة مترابطة لا تكاد تنفك عن بعضها البعض فلا وجود لأحدها بمعزل عن الآخر، وقد أولى ارسطو العنصر الأول وهو الحبكة أهمية خاصة وهي تعرف ببناء الأحداث أو أنها التنظيم العام لأجزاء المسرحية أي ترتيبها إلى بعضها في أسلوب ما،لذلك فأن براعة الكاتب تتمثل في عملية بناء الإحداث (الحبكة وإيجاد العلاقات بين كل هذه العناصر فإذا اعتبرت الحبكة التنظيم الكلي والكامل الذي يحاول الكاتب تحقيقه، فأن العناصر الخمس الأخرى يمكن اعتبارها كأجزاء هذا الكل ومن جهة أخرى، إذا كانت الحبكة تعتبر هدفاً يجاهد الكاتب في الوصول إليه في بناءه المسرحي فأن الأجزاء الخمسة الأخرى يمكن اعتبارها الوسائل لتحقيق ذاك الهدف ولأجل الوصول إلى هذا الهدف على الكاتب أن يراجع كل صغيرة وكبيرة من خلال وضع تصور تام للأحداث بكل تفاصيلها كأنها حادثة أمام عينة وهذا من شأنه أن يمكن الكاتب من كشف ما يحتمل وقوعه من تناقضات وأن يدخل في أهاب شخصياته المتعددة والمختلفة، كي يستطيع التعبير عن انفعالاتها المتباينة تعبيراً صحيحاً . كما ينبغي عليه ـ قبل كل شيء ـ أن يضع تخطيط للقصة التي ينوي مسرحها . وبعد أن يتيقن من إبعاد هيكلها وملامح شخصياتها، يقوم بتوسيعها وكتابه مشاهدها الملائمة

وللحبكة مداها المحدد الذي لا يمكن التجاوز عليه فليس للكاتب أن يبدأ كيف ما يشاء وينتهي كيف ما يشاء، إذ أن (ارسطو) يرى أن الفعل في الدراما هو فعل تام في ذاته أي الكامل المكتفي بنفسه والكامل هو ما لديه بداية، ووسط، ونهاية، والبداية هي التي لا تعقب بذاتها أي شيء بالضرورة ولكن يعقبها بالضرورة شيء آخر، أو ينتج عنها . و(النهاية) على التخصيص من ذلك نهي التي تعقب بذاتها ـ وبالضرورة ـ شيئاً آخر، أما بالحتمية أو الاحتمال ويمكن لا شيء آخر بالضرورة، كما يعقبه شيء آخر ولكن من البداية والوسط والنهاية أهميته وفائدته فالكاتب لابد أن يعرف من أين يبدأ فمن سمات المسرحية وهذا ما يميزها عن الملحمة هو أنها تبدأ من حيث لحظة الأزمة فليس ثمة شروحات أو مقدمات أو سرد عن خلفيات الحدث، وأن هذا الترتيب للبداية والوسط والنهاية أطلق عليه أسم خط البناء الدرامي أو (الخط الدرامي) وأن التطور في هذا الخط ينشأ عن تغيرات في التوازن بين الإرادة الإنسانية ومصيرها المحتوم، أما الخط الدرامي نفسه فيمكن تلخيصه في الخطوات التالية : أ. المقدمة ب. فعل يؤدي على التصاعد ج. الذروة د. فعل يؤدي إلى تخفيف التصاعد هـ. الحل ويرى ارسطو أن العلاقة بين البداية والنهاية علاقة جدلية تحدد الصفة النوعية للدراما من حيث كونها مأساة أم ملهاة، واستناداً إلى طبيعة البداية وطبيعة النهاية يمكن الحكم على الحبكة من حيث كونها حبكة محكمة أم غير ذلك .

ويقسم ارسطو الحبكة إلى نوعين بسيطة ومعقده ويأتي هذا التقسيم على أساس مبدأين إذا ما حوت عليها المسرحية سميت بالمعقدة أو المركبة وهذان المبدآن هما التحول، والتعرف أو(الاكتشاف) . والتحول كما يرى ارسطو هو تغيير مجرى الفعل إلى غير اتجاهه .. وفق قاعدة الاحتمال والحتمية . وهو تغير الإحداث أو الموقف من النقيض إلى النقيض وفقاً لقانون الاحتمال والضرورة، وقد يؤدي التحول في المسرحية إلى أن ينقل إنسان من السعادة إلى الشقاء أو العكس .

أما التعرف فيعرفه ارسطو بأنه الانتقال من الجهل إلى المعرفة مما يؤدي إلى المحبة أو الكراهية واستناداً إلى رأي (ارسطو) في تقسيم الحبكة، فلا فرق بين الحبكة البسيطة أو الحبكة المركبة سوى احتواء الثانية على العرف أو التحول . في حين يرى أحد الباحثين غير ذلك إذ أنه يغير الحبكة المركبة أو ما يسمى بالحدث المركب، فهي تلك الحبكة التي يعتمد في تركيبها قصة رئيسية تغنيها قصة فرعية أو أكثر . أي أن الحبكة البسيطة هي تلك الحبكة التي تحوي خطاً رئيسياً واحداً لتطوير الحدث، أما في الحبكة المركبة فهناك خيوط أخرى أو أكثر تسير جنباً إلى جنب مع الخط الرئيس يغذيه ويقوى منه أما الاتفاق أو المعارضة ويتفق الباحث مع هذا الرأي لان تشابك الأحداث وتعدد لحظاته التأريخ يخلق حالة قوية من التوتر والشد والانتباه مما يجعل لحظة التحول أو يتعرف أقوى وأكثر إدهاشا وهذا ما يجعل الحبكة المركبة تحتاج إلى مقدرة فنية كبيرة من جانب الكاتب المسرحي حتى يحافظ على وحدة الحدث بيد أن الحبكة البسيطة لا تقل صعوبة عن الحبكة المركبة، فليس من السهل الإمساك بانتباه المتلقي وشد تركيزه على خط واحد، إذ أن هذا يتطلب مهاره فنية ومقدرة عالية من قبل الكاتب .

وثمة علاقة مترابطة بين الحبكة باعتبارها روح المسرحية والشخصية القائمة بفعل المسرحية، والشخصية أو (الأخلاق) تدل على الجانب الأخلاقي الذي يصدر عن الشخصية ويحدد نوع إرادتها ومقدراتها الفعلية .

وتأتي العلاقة بين الشخصية والحبكة من خلال كون الشخصية المسرحية تتعد خصائصها من خلال الحبكة، وأن الحبكة تتطور مادياً من خلال الشخصية وهذا يستند إلى رأي ارسطو في تعريف المأساة على أنها محاكاة لفعل .. فلا يحاكا الفعل وإنما القائمون بالفعل وهم الشخصيات فلا فعل بدون شخصيات ولا دراما بدون فعل ينمو من خلال تصارع الإرادات لشخوص المسرحية . ويرى الناقد الإنكليزي وليم ارتش : أما الحدث يجب أن يوجد لخدمة الشخصية، لا العكس، لان الشخصية هي المادي الأساسية، ويمكن القول أن الشخصية تصنع الحدث الذي تجسده وتنميه، وتأتي أهمية الشخصية في المسرحية باعتبارها صانعة الحدث فلا حدث بدون شخصية مرسومة رسماً فنياً جيداً ولا ترسم الشخصية الدرامية على أساس علاقتها بالواقع بل على أساس علاقتها بالآخرين في المسرحية، أي على أساس العلاقة الدرامية من خلال ما يعرف بالتفاعل أو التشابه، وهما يشكلان المفارقة التي توجد في أفعاله الشخصيات وعلاقاتها ودوافعها .. وينبغي عند رسم الشخصية الدرامية أن تكون مصورة من الداخل والخارج معاً وأن تكون واضحة متعددة الإبعاد لا أحادية البعد، حيث أن لكل شخصية ثلاثة إبعاد بعد مادي جسماني وآخر اجتماعي متأتي من علاقة الشخصية بالشخصيات الأخرى في الحدث الدرامي وكذلك إبعاد في المجتمع الواقعي، كذلك البعد الوجداني النفسي المتعلق بدوافع الشخصية وطباعها ومشاعرها . ولابد أن تتطور الشخصية تطوراً فنياً متصاعداً .

وهذا يتركز في الشخصية الرئيسية إذا أن الشخصية المركزية التي تسعى وراء هدفها هي التي تدفع بالفعل الدرامي إلى أمام ويحدد لنا ارسطو جملة صفات أو خصائص للشخصية الدرامية وهي :ـ

1- الصلاحية الدرامية .

2- الملائمة أو صدق الدوافع حيث أن ا تفعله مطابق لشخصيتها متماشي مع طبيعة نمطيتها أي أنها تحمل الخصائص العامة لوضعها الوظيفي والطبيعي .

3- مشابهة الواقع إذا تشابه الشخصية المصورة مع الشخصية التقليدية .

4- ثبات الشخصية أي عدم تعرضها للتغيرات المصاحبة لتطور الشخصية .

وعملية رسم الشخصيات ليست بالعملية السهلة فلا بد للكتاب المسرحي أن يكون عارفاً بشخصياته وطباعها .

وأهدافها وطموحاتها، وحتى أمراضها . لكي يتمكن من رسم إبعادها الجسيمة والاجتماعية والنفسية بدقة عالية، وتظهر براعة الكاتب المسرحي حينما نجد أن كل شخصية من شخصياته المسرحية تتصرف بنفسها وتتحدث بلسانها لا بلسان الكاتب نفسه . ولابد للكاتب أن يكون عارفاً بما يريد أن يحمل شخصياته، وبدقة أكثر عارفاً بما تستطيع الشخصية أن تحمل، فإن ما زاد عليها يربكها ويخفي ملامحها، وما نقص عنها يجعلها مبهمة منغلقة . أن الإلمام بدراسة الجانب المادي المتمثل بالكيان الجسماني، يحدد ما من شأنه معرفة كل من (جس الشخصية عمرها، قولها، وزنها، حتى لون الشعر والعيون وأكثر من ذلك العيوب والتأثرات الوراثية، وكل ما له علاقة بسير الحدث وبناء الحبكة، على أن هذه التحديدات تخلق التباين بين الشخصيات, وبما أن الشخصية محصلة البناء المادي المار الذكر مضاف إليه تأثيرات البيئة والمجتمع (مجتمع الحدث المسرحي، فلا بد للكاتب أن يكون على دراية بما للجانب الاجتماعي من أثر في تكوين الشخصية من حيث الطبقة التي تنحدر منها، والعمل والتعلم، والدين والهوايات،والمشاركات السياسية، والمكانة الاجتماعية ولكي يجعل الكاتب شخصياته مقنعة فلا بد من أن يشابهها بالواقع، وهذا ما يسمى (الإيهام بالواقع) الذي تحدث عنه ارسطو) .

 

الدكتور باسم علوان الهاشمي

 

كاظم نعمة اللاميتأليف الكاتب: ابراهيم الحارثي

(من الذي يستطيع أن يترك طفلا وامرأة في هذا المكان الذي تقف على أبوابه شياطين الوحشة و الخوف).

تميزت توهجات الأديب المسرحي العربي إبراهيم الحارثي بسعة الأفق الدرامي الجدلي المتمحور فلسفيا، وهو يناصر الحرية أينما كانت، مستحضرا الواقع باستثمار الميثولوجيا ومتعلقاتها، ناقرا جدارها بمثقب البحث والكشف لكل مستعص شائك، مهاجما بمعول الحضارة العادات والتقاليد البالية الموغلة في اعماق النفس البشرية وسلوكياتها، باعثا رسائله المشفرة من بين طيات سطوره بطريقة التحليل السريري لشخصياته، من خلال بوحها وتنامي وجودها المعرفي الفاعل من ناحيتها، المنفعل من ناحية الآخر، وفقا لنظرية الفعل ورد الفعل، وبكل مرجعياته بطريقة الكشف عن المسكوت عنه واقتحام الممنوع، وذلك بخلق نصوص تنبض بالحركة الداخلية الدافقة الخالصة نحو السيرورات والظواهر النفسجسمانية، مع توثيقه للحقيقة التي لا يريد البعض لها ان تكون حقيقة. لذلك نرى الحارثي مع كل نص يعيش إرهاصات الكاتب الواعي بمحيطه الاجتماعي والمعرفي.

تميزت أغلب أعماله المسرحية بمعالجات ذكية بطريقة (التحليل الرجعي)؛ ونقصد هنا بالتحليل الرجعي: أن هناك حدثا، بل أحداثا جرت قبل بداية العرض النصي، والتي تبنت مسؤولية ما سيجري لاحقا. وهي منهجية كتابية أُعْتُمدت لتُعطي الزمن سيرورته الطبيعية في منح القارئ او المتفرج الفرصة في التفاعل وتبني القناعات الجديدة مع منحه القدرة التأليفية لصياغة ماض غيبي من الأحداث يتكئ عليه النص الناشئ.

ولو ألقينا نظرة مقتضبة على عنوان النص الذي نحن بصدد تحليله لوجدنا ما يعضد هذه القراءة بخصوص جزئية التحليل الرجعي (المشهد الأخير لوداع المهاجرة) أي أن هناك مشاهدا كثيرة سبقت هذا المشهد المعروض في بنية النص. أي أن هناك حياة أخرى في مكان آخر هي من خلقت هذا المشهد الأخير وهي من دفع بالشخصيات لأن تتواجد في ثلاثية موحدة: الزمن، والمكان، والموضوع.. وهذا ما سنفصله لاحقا في قابل تحليلنا.

((من الذي يستطيع أن يترك طفلا وامرأة في هذا المكان الذي تقف على أبوابه شياطين الوحشة و الخوف))

انطلق بنا الحارثي من هذه الخانة الِمحْنَويّة والتي تعكس ردة فعل امرأة بنت ذاك الزمن وكل زمن، عانت الاستلاب الشخصي، والركن في زاوية البيت كقطعة أثاث مهملة، حيث وجدنا أن وجود هذه السيدة في أي وسط اجتماعي يثير إشكاليات عدة، ترتبط إحداها بحيز التهميش القسري للعنصر النسائي في تاريخ الأديان، وبرؤية استعلائية دينية قاصرة للمرأة بنعتها بالأمَة المنبوذة.

وهذا الأمر دفع بالحارثي إلى تحفيز مشرطه الجراحي وتسليط أضواءه الكاشفة اتجاه بعض الأخطاء الشخصية الذاتية في الميثولوجيا التي وجدت طريقها لأن تكون مقدسة يتعبد بها الناس في واقعنا الحالي حيث أصبحت تابوهات مغلقة شأنها شأن رفات القديسين، محاطة بسور عال من الميناتورات المفترسة لكل من يحاول تسلقها، ولا يُسمح بمناقشتها او التشكيك بصاحبها.. وهنا يأتي دور المسرح عموما، والكاتب إبراهيم الحارثي خصوصا في طرق وفتح هذا الباب المُلَغَّم على مصراعيه وإزالة جميع الأسوار المنتصبة بلا وجه حق أو مبرر فكري من أجل الخروج بحقيقة ناصعة.

يتواجد اليوم بين أيدينا نصٌ متوهج للحارثي بعنوان (المشهد الأخير لوداع المهاجرة) وهو النص الحائز على المركز الثالث في مسابقة الهيئة العربية للمسرح/نصوص الكبار. تَعَرّض هذا النص لحادثة تاريخية دينية، بطلاها هاجر وزوجها إبراهيم النبي، بالعرض والطرح والمناقشة كما هي، حادثة يعرفها الكثير، تواجدت بقوة في الميثولوجيا العربية والعالمية ودياناتها المختلفة .. حيث قَدِمَ إبراهيم بزوجته الثانية هاجر بصحبة ابنهما الرضيع من فلسطين الى الحجاز وتركهما هناك لمواجهة مصيرهما بحجة أوامر إلهية أقنعتها كأنثى ساذجة وأقنعت عديد المتعبدين بمثل هذه الروايات. طرح النص هذه الحكاية التاريخية الدينية كما هي مع بث حقيقي لاعتراضات واضحة لهاجر، التي سماها الحارثي بـ (الممثلة) في مقابل تسمية ابراهيم بـ (الممثل)، بانت وتوضحت تلك الاعتراضات من خلال الحوار والمساجلة بين هاجر وزوجها وهي تستشكل عليه هذا القدوم المخزي بقولها ((من الذي يستطيع أن يترك طفلا وامرأة في هذا المكان الذي تقف على أبوابه شياطين الوحشة و الخوف)) .. واستطاع الحارثي بهذه التسمية أي الممثل والممثلة ان يأخذنا بعيدا عن أصل الحكاية ليقول لنا أنها حكاية مر بها أكثرنا وليست واقعة اختص بها إبراهيم وهاجر، بل هي حكاية كل زمن، ولابد لكل زمن من إبراهيم جديد و هاجر جديدة.. إبراهيم لا يجد غضاضة في رمي زوجته في مهب الريح،  وهاجر صابرة محتسبة قد أدمنت الاستسلام للآخر .

ومن طرف خفي اشار الكاتب لحقيقة رائدها عبارة (إياك أعني واسمعي يا جارة) وكأن الحارثي يريد القول: هذا نبي يحظى بقبول الجميع وهو لا يجد حرجا في ترك امرأة ورضيعها في أرض موحشة لم تطأها قدم، فكيف برجال معاصرين مثلكم لا يملكون من الحصانة ما يؤهلهم ليكونوا حضاريين؟ لذلك تميز فعلكم بالتناسل وتحري الموروث الإستعلائي فكنتم نسخا متعددة بهوية واحدة رغم ان أكثركم يحملون لافتات يجوبون بها الأمصار بها تناهض العنف والاستلاب النسائي لشخصياتهن.

حقيقةٌ اجتماعية أراد الحارثي توكيدها في هذا الزمن ملخصها: أن المرأة مجرد دمية لدى السلطة الذكورية وهذا ما كان موجودا في الثقافة التلمودية التي سارت على منوالها الديانات الأخرى في جزئية حقيقة مكانة المرأة لدى مجتمعها، ومنها ذلك التوجه السلبي، فكانت هذه الحقيقة الإجتماعية تدعو الرجل ليقول في صلاته اليومية: الحمد لك يا رب أنك لم تخلقني امرأة، فتردِّد المرأة وراءه في صلاتها خانعة: الحمد لك يا رب أنك خلقتني بحسب مشيئتك!..

المرأة في نظرهم لا تصلح إلا للحب والشهوات رغم كفاحها وملازمتها للرجل في إثبات الذات ومسؤوليتها الكبيرة في البناء الأسري. حتى ان البعض يربط حسن و سوء سلوك الإنسان من عدمه بأمه، فيصف سلبيته وإيجابية من خلال القول (رحم الله/لعن الله حليب امك)، وهو قول دفع الكون بأجمعه على أن يُحَمِّلَها هذه المسؤولية العظيمة، وفي نفس الوقت يحجب عنها شمس القيمة الانسانية الحقيقية التي تستحقها كلبنة  اساسية في البناء.. ومن هذا المنطلق تعامل الممثل وبفوقية ازدرائية مع زوجته الممثلة وابنه الرضيع، والدليل على هذا التعامل الفوقي للممثل وحسب التحليل النفسي لطبيعة الشخصيات في طيات هذا الحوار:

الممثل: كيف تريدين مني أن أكون كما تريدين و أنت..

الممثلة: دخيلة؟؟!!، قل بأني دخيلة جئت بيتك حتى أنجب لك ذكرا ..

فضلا عن هذا الحوار ادعاء الممثل ان القوى الغيبية الإلهية هي من أمره بالقدوم ماثلا بالممثلة وابنهما وزرعهما في أرض لا خضرة فيها، ولا ماء.. وهذا استهتار بالبعد الفيزيقي للمرأة وطبيعتها التكوينية وتعريضها لهذه المعضلات التي تفوق طاقاتها بحجة صناعتها تدويريا وإنتاج امرأة أخرى عظيمة الشأن تحت يافطة الاختبار  والابتلاء، فضلا عن قدرة عجيبة على المواربة وتزييف الحقائق. ونزولا عند التحليل الرجعي للأحداث، والقدرة الفوقية لزوجته الأخرى التي بقيت هناك في المدينة الآهلة بالحياة والنعيم والمسؤولة عن كل ما ترتب في هذه الظروف، فبعد يأسها من الإنجاب يتأكد لنا بأنها هي من ألزم الممثل بالزواج من جارية مهيضة الجناح تكون كالدمية بينهما لتنجب له طفلا، وهي من أشار عليه بنفيها حيث الوحشة .. نعم هي من ارادها دمية يلهوان بها ساعة ويركلانها امتعاضا ساعة اخرى..

من الثوابت العقلية والنقلية في الحكاية الأصلية و نتيجة للمسخ الكلي للمرأة في طيات الرجل وفي ثنايا جبته- كان واضحا أنَّ هاجر لم تعترض، ولم تحاور او تناور بل استقبلت الأمر برحابة صدر، لكن ومن باب درامي إشكالوي مسرحي أخرج الحارثي  لنا صوتها المبحوح على لسان الممثلة، الصوت المعترض الجدلي، صوت الإنسانية، صوت كل القوى المغيبة، وذلك حينما بدأ بعرض المشكلة والعقدة وأسبغ علينا المناقشة بالرأي والرأي الآخر الذي نشط جوانب الحكاية ليتحول الخبر المرسل الى بناء دراماتيكي متقن رصين توهج بشكل تفصيلات وهواجس وسرد ارتكزت بقوة على حجج الممثلة التي أتت دامغة تحكي لسان حال الكثيرات من بنات جنسها، ومنها هذا الحوار:

الممثل: بيننا الرب، يراكم و يضعكم نصب عينيه

الممثلة: (بحزن و بصوت يقطعه لحن البكاء) يا دليلي في هذه الأرض، رحماك و أنت تراني هنا أطوف في ذاتي، أدور كما تدور الرياح التي تُسكن غضب النار، أتلاشى كما تفعل النار التي تحتضن الماء، رحماك و أنت تراني من البعيد ..

هنا أعطى الحارثي إشارة المشاهدَة لهذه القوة العظيمة لحال الممثلة وابنها مع تحديد مكانها بالبعد الذي أتى فوقيا، لكنها لا ترى ساكنا يتحرك ولا متحركا يواصل حركته، فقالت شبه ساخرة (رحماك وأنت تراني من البعيد) بنفس استفزازي وكأنها تحكم على دعائها بالهامشية واللاجدوى، فهي تطلب الرحمة من بعيد يرى، لكنه يتلذذ بهذا الحال في تعكير حياة امرأة وابنها الرضيع تحت شعار الأوامر الألهية

الممثل: الشيطان يتنفس عجزك، و يمرر لك رسائله لتفشلي

الممثلة: الرب يحميك أنت، أما أنا فلست ضمن الأمور التي تكفل بحمايتها، أنا فقط مجرد سامعة طائعة، لو حاولت أن أعترض فأنت ستكون لي بالمرصاد، تقف في وجهي ..

وهنا استطاع الحارثي، و بطريقة الوخز العلاجي، أن يمرر لنا أفكاره وأفكار المتحررين من ربقة الفكر الديني المتشنج الذي جعل الرجل سيفا يرهب فوق رقاب النساء حتى أصبح خضوع وخنوع المرأة أمام الرجل تعبدا. لذلك نخلص بالقول: وفقا للقسرية البغيضة التي تعامل بها الممثل، ومن خلفه القوى الفوقية الغيبية، مع الممثلة، يتفجر تساؤل بقصدية معرفية و بحدس صوفي من اعماق الممثلة ..

((لماذا لم يبقى الممثل مع ابنه ويتكفل برعايته ويعفو الممثلة من هذه المسؤولية الكبيرة او على الأقل يتواجد معهم في نفس المركب لمواجهة أمواج البحر الهائجة؟))؛ لكن الجواب يأتي تحت عنوان الإلتزام بالأوامر دون نقاش. ونتيجة لهذه الأوامر العليا و وجوب احترامها و تنفيذها حرفيا، تتولد الحسرة والحسد لدى الممثلة و بزوغ جزئية حسد القضيب التي ابتليت بها العديد من النساء في أن الرجل هو المفضل لدى القوى الغيبية، ومن جميع النواحي، وما يميزه عنها، خصوصا، وفي كثير من الأحيان هو ذلك الشيء الماكث في منتصفه، وكما وصف فرويد الحالة بـ (حسد القضيب) لتعيش الأنثى في جحيم مستعر من الظنون، وخواء بنات جنسها نتيجة لهذه القسمة الضيزى، وتمنيات واهية بامتلاك هذا الشيء بطرق مختلفة تعكس في النهاية مدى تأثير هذا الواقع على نون النسوة في قمع امكانياتهن العقلية والبدنية من خلال الموروث الديني والاجتماعي البغيض والذي حاول الكثير من المتحررين، ومنهم الحارثي، أن يبددوا الظلمة عن الحقيقة، وإنصاف المرأة .. كما أن الحارثي مرر إلينا حقيقة معتد بها وبطريقته السيميائية في توهج المعنى من خلال العلامات الحثية، تمثلت باعتراض وجودي مفاده (لِمَالمرأة هي من يجب أن تختبر و تجرب و تعاقب بالإزدراء في حال فشلها في التجربة؟ ولِمَ كتب عليها أن تنسى كلمة (لا)، بل يجب أن تكون لاؤها نعم في كل الأحوال لإرضاء الكيان الذكوري العابث؟)

الممثلة:  كل هذه الوحشة ستجعل مني أنثى مختلفة؟

فعلا نجح الكاتب في تضمين هذه الاعتراضات ليقدم لنا وثيقة مهمة تطالب بالحرية، الحرية التي ذُبحت على محراب التدين و الحفاظ على التقاليد.

تموضعت بعض الثيمات الدلالية في النص منتصبة بقوة كطقوس و فعاليات لشعيرة الحج المتعارف عليها كشعيرة طقسية إسلامية والتي أتت تاريخيا من مخرجات ناتجة عن الحادثة نفسها والتي أكدها الكاتب بإمعان واضح لاجتلاب فكري في توثيق هذه الفعاليات الدينية و تواجدها حقيقة في زمن أصل الحكاية. وهي، وإن بدت زحزحة للشمولية وللعمومية الواجب إتيانها في مثل هذا النص المتمرد باتحاذها من الموروث نقطة انطلاق لا نقطة نقاش وختام، أتت بجمالية حوارية قريبة من الشعر نشطت المعنى بشكل ونسق دلالي ممتع، حيث استطاع الكاتب تعديل رؤيته كفرد، خالقا متغيرات وسط تلك الثوابت الموروثة و بمجرد ذكرها في النص، فهو يؤكد سخريته منها لينتقل المفهوم لديه من كونه رؤية ذاتية إطلاق اصطلاحي و إلى معالجة كونية، مع تعدد التبنيات السيميولوجية، والانتقال من مجرد موقف خاص إلى تصور معرفي مشترك. هنا تتأكد القراءة السيميولوجية للموروث، التي تبناها الحارثي بتقصي الإشارات وتحليلها لينتج نصا متسقا مع المتعة و الجمال و اكتشاف الحقائق مع انقلاب على الموروث في المضامين بتمرد موضوعي هويته الوعي وإن بدا للبعض مروقا فكريا... كما أن هذا التحول المفاهيمي لدى الحارثي أكد سيرورة فلسفية راجحة عند  الكاتب مفادها هاجس الإنتقاء الموضوعي بإثارة إشكاليات وإن خرجت عن النسق المعرفي لأصل الموروث، لكنها تعضد الواقعة بما يدعمها فكريا؛ كما يظهر جليا في التالي...

الممثلة: ترمي بالحجارة حولك، سبعة أحجار انطلقت من يدك، ألم يجيء في عقلك ولو خطأ بأن تأخذ حجرا و تهديه لرأسي (تصرخ)  أرغب في الخلاص.

وهي إشارة لرمي الحاج لجمراته السبع باتجاه الشيطان، لكن الممثلة المحت إلى أن هذه الطقوس لا تغني من الأجر شيئا كونك قد اخطأت بحقنا قولا وفعلا فأتت حجاراتك السبع في راسي وانت ترميني هذه الرمية المريرة.

انفصل النص في خطابه الجدلي عن محاكاة الموروث متحولا إلى خطاب الفعل والحركة، وجدلية الوجود الأنثوي القلق وسط الهشيم الذكوري والرجعية المستدامة بكل ألوان الظلم.. هذا الإنفصال أتى من خلال هذه القدرة الواعية لدى الممثلة التي اوهنت دفاعات الممثل فكانت ندا قويا له.. وهي من ساعد النص على السير بمساق دلالي متنوع لتتأكد قيمته كنص مهم فيما احدثته توهجاته السيميائية من أثر في انضاج الحدث وملامحه الدرامية لغاية فكرية عبر تطوير التجربة الحية الملفوظة سلفا ليدفع كل ذلك في اتجاه تطوير تجربته ككاتب يجيد التحدث بلغة المعالجة الحية باقتناص اللمحة بمفهوم التجديد والمعاصرة ليثبت صحة فرضياته التفسيرية من خلال تسليط الضوء على الزوايا المبهمة في شخصية الممثل والممثلة.

ومن هذه الإلتقاطات التي نفذ بها الحارثي إلى المقدس لمناقشة جواز قدسيته من عدمها هو الوقوف عند عتبة الإعجاز، و الكرامات، و القدرة السوبرمانية، وحصرها في شخصيات معينة دون غيرها، حيث استثمر الماء الشحيح الموجود في القربة التي أتى بها الممثل معه ليتركها للممثلة وابنها بعد مغادرته، مما دعا الممثلة لأن تثأر لكرامتها، التي اهدرها الممثل بتصويرها ساذجة حد الغباء بأن لا تقلق من وجع سياط الوحشة وشحة المياه التي في حوزتها.. لذا ردت علية بإثارة مشكلة نصية بقيم دراماتيكية أججت حدة الصراع فأنتجت محنة أخرى شديدة الوطء، وظلا ثقيلا على الممثل وهو يتقلقل بين فكي كماشة زمانية تراثية وزمانية معاصرة أتت بنسق الضرورة والاحتمال.

الممثلة: قربة الماء الصغيرة باتت شحيحة، لم تغمرها الكرامات التي قلت لي عنها ..

وفقا للتراجيديا النموذجية، نرى وعلى الدوام الكاتب إبراهيم الحارثي يقفز عاليا في صناعة توليفة رائدها الخيال بين زمن تراثي وزمن عصري أكدتهما إرادتان: الإرادة الاولى للممثل ببعده التراثي، وهي ما ترتب عن المقدس؛ والإرادة الثانية للممثلة ببعدها العصري، وهي ما ترتب عن وعي الكاتب وإحساسه بمظلومية المرأة.

الممثلة: ماذا سأقول له حينما يسألني عنك !!

ولمنع التوتر الناتج من الصراعات النفسية الداخلية للممثل تراه يلجأ الى ميكانزمات الدفاع النفسي او الحيل العقلية (النكوص / الابدال / التبرير) من خلال أنماط سلوكية حاولت أناته استخدامها  للدفاع عن مرجعياته الفكرية في سبيل إعادة التوازن لشخصيته التي اختل توازنها أمام سيل حجج الممثلة؛ لذلك واجهها بالكذب الجامع للـ (النكوص / الابدال / التبرير) محاولا إقناعها نتيجة لمناعة طبيعية في نفسه بمواجهة الكثير من هكذا مشاكل قبلا وقد خرج منها بنجاح متخذا إزاء ذلك السلوك المناسب للخروج من قضبان الأزمة.

الممثل: قولي له سيعود، اجعلي لسؤاله اليابس جوابا يبلله

الممثلة: لا أعرف هل يمكن أن يستوعب عقله حجم المسافة بيننا خصوصا حين أقول له: تركنا هنا، و سيعود مجددا، لا تقلق يا صغيري !!

هنا ردت الممثلة بصرخة مدوية اتجاه الممثل وفقا للحوار السابق لها وكأنها تقول (وهل تريد ان تجرني لتعلم مواهبك في المواربة والتدليس حينما اقول له تركنا هنا، وسيعود مجددا، لا تقلق يا صغيري).

الممثل: لن يسأل سؤالا شائكا، هو يعلم بأنني سأعود لاحقا

الممثلة: أسئلة الأطفال مصائد للكبار

لتنهي هذه الجزئية من الصراع بقولها وهي تصف كل ما جرى منذ ان حطت رحالهم عند هذه الوحشة (خدعتنا بحلمك يا سيدي). وللعلم، كثيرا ما نراها تردد كلمة سيدي للممثل، وهو ما يؤكد الصراع النفسي الذي تعانيه الممثلة في سقوطها في براثن الازدواجية بين القبول و الرفض، وهي مساحة توقع للكاتب وفق مبدأ الضرورة والاحتمال أوجدها لعلمه بطبيعة المرأة الفيزيقية السايكلوجية.

في رغبة بدت باردة، وتأكدت من سياق الحدث ونتائجه من قبل الممثل، في طلبه لتوديع طفله، والذي حدا بالممثلة لمواجهته بتشكيك ساخن يدين كل رجل يحاول تلميع دوره في الحياة من خلال الكذب والتدليس.. لذلك أجابته بصفعة تحسَسْتُ أثرها على خدي أنا، والكثير من جنسنا الذكوري:

الممثلة: ودِّعْه دون أن تخبره بكذبة أخرى، ليس الوقت صالحا لخديعة أخرى

الممثلة: أنتم الرجال قادرون على الكذب

المُعَوِّل الأساسي على اشتداد الأزمة ونضوجها هو تشظي الشخصيات بتمظهراتها المتحولة في انتاج خط درامي آخر يقود لانفراج تلك الأزمة أو  استمرارها بعمق أكبر يتيح للمتفرج صياغات فكرية من صنعه. ومن بين هذه التشظيات الشخصية، وبعد خسارة الممثل لكثير من دفوعاته في مواجهة الممثلة التي ولَّدَتْ وألحقت به الكثير من الآثار السلبية المروعة و الكوارث الروحية المؤلمة، تحول بعد اليقين بما سيؤول إليه حال الممثلة وابنها في البداية، إلى شاك يخاف الخذلان بعد ذلك، لذا ألَحَّ بالدعاء في محاولة منه للخروج بأقل الخسائر الممكنة... كان في البداية مصرا على عقوبتها والامتثال لأوامر بشرية عليا، ثم تحول إلى الدعاء من أجل تبديد حيرته والنكوص عما أتى به من ظلم لها. ثم التحنن لهما، ثم المكوث معهما، وهنا المفارقة والتحول الكبير الواجب تواجدهما بما ينافي السيرة؛ لكن الحارثي استمر حتى النهاية بإتيان السيرة كما هي بترتيبها المعروف حيث جعل الممثل يكتفي بالدعاء وعودته أدراجه.. وفي رأيي أن الحارثي فضّل الشق الثاني من الحل كي يمعن في الإدانة للرجل وهي الحقيقة الغائية التي خلق من أجلها النص رغم أن نداء الجهد الدرامي يدعو الى تحوير الحل والخاتمة .. وهنا دعونا نرى التحول الذي لازم الممثل في لحظة الشعور بفقدان كل شيء ومحاولة لتلميع الذاب أو على الأقل الهروب من إدانة الممثلة المسمرة:

الممثل: أقسم بك عليك أن ترحمها، و أن تغفر لها سخطها، فأنا الذي أوصلتها إلى هنا

الممثل: يا رب أرجوك ارسل لي صوت ملائكتك

الممثل: رب اجعل هذا بلدا آمنا

في المقابل ما زالت الممثلة ترزح تحت تأثير الممثل رغم انجلاء الغمة وكشف الحقيقة معتقدة حتى آخر لحظة بعد أن غادرها الممثل من غير وداع ولم يستجب لندائها الإنساني معتقدة بأنه سيتراجع عن قراره وسيمكث معهم، وهي نقطة سلبية لاحت شخصية الممثلة بسبب هذا القلق المحبط الذي جعلها تعيش هذه الازدواجية التي هي من سمات المرأة عموما.

الممثلة: انتظرني فقط،  أبحث عن والدك، ربما اتجه ليجلب لنا ماء نستطيع أن نشرب منه ..

الممثلة: لا تبك، قلت لك لا تبك، سيعود والدك سريعا، لن يتركك دون ماء، لا يعقل أن يتركنا دون ماء

المفارقة في الختام أرادها الحارثي دينية بحتة. حيث أن الممثلة طيلة زمن السرد كانت تتوسل من الممثل إسعافها وهي تحايله للبقاء معها، فضلا عن عديد إشاراتها بشِحّة الماء، لكن دون جدوى، حيث لم تجد أذنا صاغية بالتراجع عما أضمره وأراده و لكن، ومع دعائها ورجائها لله، لاحت تباشير الفرح بإنقاذها فأتت النجدة وانبجس الماء من جوف الصخر؛ كل ذلك لدفع المتلقي إلى الإعتقاد بجدوى الإله و أن لا مشيئة إلا مشيئته:

الممثلة: يا رب السموات، يا من يسمع دعائي، أقسمت بك عليك أن ترحمني و ترحم طفلي، يا رب .. يا رب ضائعة أنا، ضائعة فدلني لأقرب باب أستطيع الدخول منه إلى الحياة،  يا رب أعني أن أحمي نفسي و طفلي، يا رب و ابعد ما يؤذينا و آتنا من لدنك رحمة.

عند هذه الإنعطافة الدرامية لم يخرج الكاتب عن مسار الحكاية التاريخية فإبراهيم النبي والممثل كلاهما تركا بضعة منهما عند تخوم هذه الوحشة، و الإنقاذ والنجدة أتيا من رب رحيم وبقدرة غيبية .. كما إن الكاتب لم يدع أو يترك للممثلة خيار الاعتراض في الختام على كل ما جرى لها لتكون بصمة للعنصر النسوي في توثيق الحقائق في الرفض لواقعها المزري، كما في مسرحية بيت الدمية لهنريك آبسن التي وافقت ظروفها بمقاربة نسبية مع ظروف الممثلة والتي أنهت حكايتها بصفق الباب كجملة سيميائية تلميحية بدلالات واعية وإعلان رفضها لهذا الواقع حتى تردد صدى هذه الصفقة في أرجاء أوربا. وفي رأيي ووفقا للقول المأثور (الأعمال بخواتيمها) وهي ما يتمثل في وعي الأنسان والمتلقي ويحارب من اجل المكوث ثابتا في جماليات الذاكرة.. لذلك يجب الاهتمام بجدية بأن تكون الخاتمة غير تقليدية ومغايرة شكلا ومعنى.

في النهاية أجد وبكل ثقة أن الكاتب إبراهيم الحارثي قيمة جمالية كبيرة وهو يقدم لنا ابداعاته الممتعة بنصوص تتحدث عن صاحبها من خلال الألفة التي تجمع القارئ، وأنا أحدهم، مع كافة فرضياته المسرحية والتي تجلت كثيرا طيلة معرفتنا به. كما أنه وبصناعة محترمة وباستحقاق متميز نحت اسمه وسط القامات الفارعة في الوطن العربي تأليفا وإبداعا وأصبح رقما صعبا يزين بيبلوغرافيا الأدب الرصين.

***

بقلم الكاتب / كاظم نعمة اللامي

 

أتخذت رواية (أوراق المجهول)عنونة تقترب من الشجن والضياع؛ لأنها أقترنت بـ (الإوراق) التي تحمل معنى السجل الثابت الدائم، وفي الأحيان اغلبها الغير قابل للتبديل والأختلاف، والمجهول: الذي يحمل معنى الضياع، والرواية جاءت مكونة من(18ورقة).

أما التابو: فهو الممنوع والمحرم، ويمتزج مع سلطة القبيلة ليشكل تابو من أخطر التابوات، ويتفوق على (تابو السياسة، وتابو الدين، وتابو الجنس).

أسهمت سلطة القبيلة بشكل أو بأخر في الوقوف تجاه القانون العام للحياة أو القانون المدني، ألا وهي (سلطة الأعراف والتقاليد والقبيلة)، والتي تتجه نحو نقد القوانيين الدستورية .

و أصبحت الممارسات القبلية،أقرب إِلى أَنَّ تنظم إِلى قائمة التابوات، وفي العراق بصورة خاصة والعالم العربي بصورة عامة نعيش اليوم عصر( تابو القبيلة)، لدرجة أصبح فيها التصدي لهذا التابو يندرج ضمن المحضورات ؛ لأنها من الموضوعات التي يصعب مناقشتها؛ لأنها تقترب من الركائز الثلاث (السلطة،والدين، والعرف العشائري)، واستغل ممارسيها الدين وردائه لفرض وجودهم على الذات والذات الأخرى.

وقد لأتثبت السلطة فرضية وجودها وقمعها إلا عن طريق سلطة القبيلة ونفوذها؛ لأنها تشكل قوة، والقوة تتوفر عند القبيلة، وهي ظاهرة من ظواهر التاريخ وسلسلته المعتمة على الشعوب اغلبها، فالدول الحاكمة تعمد إلى أدخال العناصر جمعيها.

فسلطة الدولة كمشروع تفسح المجال لتدخل العديد مَنْ العناصر، أي ليس فقط (السياسة، الدين، الجنس، القبيلة)، بل الأيديولوجية ككل والفلسفة ومختلف أنواع المذاهب لنجد في كل مرة ينتصر رأي على رأي و تستمر سلاسة الحكم والتسلط، فالسلطة ليست بحاجة إِلى الدين، فهي علاقة لا تمثل علاقة ترابط أو اندماج ؛ وكون الاندماج بمفهومه المتداول في أوساطنا الثقافية يشير إِلى إيدلوجيا توحد بين السلطتين - أي علاقة تبادل مصالح بين سلطة الدين وسلطة القبيلة -، ليجد المستحوذ على الحكم نفسه حاكماً دينياً، وهذا ما يجعل الدين بقبضته ليضطهد ويحكم باسم الدين ككل، فمصلحة الاستبدادي تسير باتجاه مصالحه بالدرجة الأساس، من دون تجاوز هذه المصالح على الذات .

وعليه فسلطة الأعراف والتقاليد والقبيلة ترتبط بالسلطة السياسية والدينية .

عمدت الرواية الى نقد هذه الظاهر السلبية إلى تسير باتجاه السلم التصاعدي،" كان المضيف الكبير على سعته مليئاً بالعمائم والياشماغات والعقل والرؤوس الحاسرة، كانت الوان العمائم وكبرها تشي عمن يلبسها.."، من هنا بدأت الرواية بالنقد المعلن لهذه الظاهرة المجانية.

فقد كان " موت الشيخ الكبير هو الحقيقة التي ستجر وراءها حقائقاً اخرى".

عمدت الرواية الى الأشارة إلى شخصية (الشيخ الكبير) فقط من دون أن نعرف ماهي تسمية هذا الشيخ، والذي بموته ابتدأت الرواية بنسج خيوطها.

إما راضي وفوزية (فوزة)، واخت راضي(خيرية) فقد ضاع حبهم جميعاً، بسبب العرف العشائري" إما راضي وفوزة فلم يعلم بقصة حبهما ولقاءاتهما سواي وخيرية؛لأنهما كانا من عائلتين بينهما مشاحنات وبغضاء ونفور على الرغم من أن جديهما لابيهما أبناء عمومة"، وقصة حمل الزوجة الرابعة للشيخ الكبير، لنكتشف فيما بعد أن اعلانها للحمل كان أكذوبة اتخذتها بغية الحصول على قسط من الأرث الذي كان يملكه الشيخ الكبير، والذي لم يترك لها أي شيء منه؛ لأنه كان يسير تحت سلطة والدته،فضلاً عن أنه لم يمتلك الذرية ؛ لعقمه.

وقد أكتشفت زوجته الرابعة هذا الأمر بعد فوات الأوان، وبعد أن وهبت شبابها لخدمة من اكبر منها سنناً، وغضبها على والديها اللذين لم يخبراها بعقمه بسبب فقر حالهم، فكان زواجها من الشيخ الكبير صفقة لاتعوض.

أضيف، الرواية انطلق مشروع كتابتها من مادة مجانية معاشة في الدول العربية أغلبها، ونجح الروائي في الربط بين قصة الحب والعرف العشائري، وبين استغلال صغار السن من الفتيات الفقيرات وتزوجيهن لكبار السن.

وأهم مااشارت اليه الرواية هي استغلال (الدين وردائه) في فرض السلطة على الذات والذات الأخر، لتنطق الرواية بالقول: " تسليم الراية من سارق إلى سارق".

 

بقلم: د. وسن مرشد.

 

محمد تقي جونالمقدمة: جاء مصطلح (قصيدة النثر) صادماً في المشهد الشعري. فبدا مثل تقبل واقع مرير، أو قرار اضطراري، أو ضرورة لاستمرار الحياة الشعرية. ولا أراها إلا أمراً لابد أن تصل إليه القصيدة العربية لأنها أصبحت منذ العصر العباسي تتحول مضمونا إلى النثر، وبقي الشكل الشعري الذي حوله دعاة قصيدة النثر إلى النثر، فحطموا الجزء الشعري الأهون.

إن الإطار العام لتبرير قصيدة النثر هو تعقل ونضج الإنسانية بعد كدح طويل عاشته بأحادية الطفولة الشعورية. وقد أنتجت في المرحلة الأولى بقدرتها على الغيبوبة الخيالية شعراً خالصاً، كالملاحم الإغريقية والشعر الجاهلي. وحين نضجت لم تقدر على الغيبوبة الخيالية فكتبت شعرا بعقلية نسبية أو بنثرية نسبية؛ فهو غير خالص الشعرية مهما كان تقديره واسم شاعره، وهو المتمثل بشعر العصور الوسطى الغربية والشعر العباسي.

وما زال الشعر تقل نسبته لصالح النثر حتى وصلنا إلى نثر بهيئة الشعر (نثر مشعور) ثم صرنا إلى (شعر منثور) و(قصيدة نثر). وشتان بين الشعرين؛ فالشعور الخالص المتحرر من إملاءات العقل وحده ينتج الشعر الشاعر، أما العقل وكوابحه فهيهات يسمح بالكثير من التحليق. انه المؤشر العام باتجاه انتهاء المرحلة الشعرية وابتداء المرحلة النثرية في العالم كله.

كان الغرب في القديم بالإطلاق يكتب بشعرية خاصة تلائم طبيعة لغاته (المعنوية) وهي التي مثلها الشعر على نمط نشيد الإنشاد ومزامير داود أي بلا قواعد عروضية، فلما أضيفت له القواعد العروضية ولاسيما القافية المستوردة من البلاد العربية صارت تثقله، كما فعلها الشعراء الفرس في العصر العباسي حين كتبوا شعرا فارسيا بعروض عربي[1]، ولم يستقم شعرهم حتى نبذوا تلك القواعد في العصور اللاحقة لعدم انسجامها مع طبيعة وذوق اللغة الفارسية.

وشيء آخر يخص القواعد العروضية، هو ان الشعر غير العربي غير منضبط على الوزن تقول سوزان بيرنار " في الأشعار المغناة، كان نبر الصوت أو النبر القواعدي (الذي يقع على آخر كلمة أو آخر مجموعة كلمات) يختفي لصالح النبر الموسيقي: لقد غنَّت القرون الوسطى كلها أبيات الشعر بالتوقف عند نهاية الشطر والقافية، على الرغم من كل العناصر المنطقية أو الانفعالية"[2]. وهو ما رصده الجاحظ في شعر الفرس " العرب تقطّع الألحانَ الموزونة على الأشعار الموزونة، فتضع موزوناً على موزون، والعجمُ تمطّط الألفاظ فتقبض وتبسُط حتّى تدخل في وزن اللحن فتضعَ موزوناً على غير موزون"[3].

وهذا يعني أن الشعر الأجنبي عموماً بلا عروض أفضل منه بعروض، فكان وصوله إلى قصيدة النثر حتمياً، بينما الشعر العربي بعروض أفضل منه بلا عروض، وإنما صار وصوله إلى قصيدة النثر حتمياً لاستحواذ الأساليب النثرية عليه منذ العصر العباسي واطرادها في العصور التالية.

فثورة النثر متوقعة ومنصفة للتراث الغربي، وقد أنتج الشعر النثري وقصيدة النثر أعظم شعرائهم وأبدع أشعارهم. أما بلادنا العربية فابتدأت بالشعر العروضي واستمرت عليه إلى أعتاب العصر الحديث، وأعظم شعرائه وأبدع قصائده هي العروضية.

كان العصر العباسي عصرا مختلفاً تماماً عن تواريخ العرب، لان زمامه كان بيد العجم، فأضافوا إليه أسلوبهم وذائقة لغتهم (المعنوية) شأن لغات الغرب، وهي ذائقة تختلف عن ذائقة اللغة العربية (اللفظية)، فأنتج المولدون شعراً متدرج النثرية، وقد قالوا: إن دولة بني أمية حلبة الشعراء ودولة بني هاشم حلبة الكتاب[4]. وفيه لاول مرة تطرح تسمية الشعر القديم والشعر الجديد. وقد استحوذ هذا الجديد المولدي (الشعر المتنثر) على المشهد الشعري العربي بعد ان أصبح يمثل ذوق العصر، وصار يستبدل قوالبه الشعرية بقوالب أخرى نثرية حتى صار مملولا ممجوجاً لا روعة فيه، وهبطت أهمية الشعراء لترتفع أهمية الكتاب قال الثعالبي " لا تزال طبقات الكتاب مرتفعة عن طبقات الشعراء"[5] فقد صار النثر أكثر حيوية وصدقا فنيا من (نثر) مختفٍ خلف قناع قصيدة شعر، فانتهى المضمون وبقي الشكل.

لقد صار الوزن والقافية بعدما لم يسيرا ديناميكيا مع نمو القصيدة وتتابع أفكارها بتحليق شعري (رحى تطحن قروناً)[6]، وصارا كالعوارض على المتسابق أن يجتازها ولا يضعها في اهتمامه وهو يريد إكمال طريقه إلى النهاية ويحقق الفوز، بينما كان الوزن والقافية في عصرهما الذهبي من إشراقات القصيدة واهتمام الشاعر، ولا يجود الشعر العربي بدون هذين المحركين. ولابد من بيان ان الوزن لا يقصد به القوالب العروضية المسماة بحورا اذا لم يحقق الشاعر من خلالها موسيقى اضافية تنفخ الروح في الكلمات، وكذلك القافية اذا لم تكن متماهية مع الوزن تاتي باردة وزائدة على الموسيقى بل منشزة وقطعها أفضل. وحتما عدم القدرة على تحقيق الوزن والقافية كما ينبغي اسقط في النثرية ودعا النثريين إلى التخلص من العروض، أو كما تقول بيرنار: الدعوة إلى التفريق بين (الشعر) و(فن نظم الشعر)[7] لعدم إمكان تحقيق شعر بهما من الكثيرين أو الأغلبية؛ فأرنولد ماثيو (ت 1888م) من الشعراء الكبار " لم تتعشق قواعد نظم الشعر مع شعره بشكل جيد"[8]، وكثير من الشعر العباسي جاء العروض فيه بارداً. وهذا بمجمله قاد إلى (قصيدة النثر).

ويرد الدكتور عثمان موافي الخصومة بين القدماء والمحدثين الى محاولة المحدثين الخروج بالشعر عن ميدانه الحقيقي الى ميدان النثر، بإلغاء الفروق الفنية الدقيقة التي تميز كل فن قولي منهما من الآخر"[9].

إذن قصيدة النثر حتمية ونتيجة لإخفاقات ومسببات وتطورات مختلفة جعلت الشعر العروضي يفقد بريقه وجمهوره، وما عادت متطلبات العروض الصعبة يحققها الشعراء بفنية، كالرقصات البدائية التي هجرتها الشعوب المتحضرة لصعوبتها، وصار الشعر بين خيار شعرية عروضية مستهلكة وشعرية غير عروضية حيوية.

يؤشر هذا البحث التحولات النثرية في الشعر العباسي، ويحددها، ويعددها، ليخلص إلى أن الشعر العباسي يعد المقدمة والانطلاقة الحقيقية أو الانحراف الأول الذي أدَى إلى قصيدة النثر العربية وتقبلها؛ لأنه شعر جديد حائد عن الشعرية العربية المتوارثة: الجاهلية والأموية، وان خروجه من قناة الذائقة اللغوية الأجنبية (المولدية) جعله (يتنثر)؛ فاللغات الأجنبية كلها تكتب الشعر بنثرية لاشتغالها على المعاني بشكل أكبر فالتفكير الشعري لديها معنوي، على الضد من التفكير الشعري اللفظي العربي الذي صنع شعراً خالصاً.

وحسبنا أنا أثرنا موضوعا جديداً في الدراسات النقدية، يربط بين الشعر العباسي الذي استحدثته مدرسة المولدين وصار طابع الشعر العربي العباسي وما بعده، وهو مختلف عن المدرسة الجاهلية، وبين اكبر صرخة أو موضة للشعر العربي ممثلة بقصيدة النثر. ويظهر البحث ان الشعر العربي وفق معطيات ما وصل إليه الشعر العربي من تجديد وعالمية صار متقبلا لقصيدة النثر، وربما لو لم تصدر إلينا لاستوردناها نحن أو أحدثناها، وسابقا كان للشعر العربي تجربة تقترب من النثر وهو شعر البند. متمنين أن يغوي هذا البحث لمزيد من الدراسات في جزئيات تخص النثرية في الشعر العربي القديم.

مظاهر النثرية في الشعر العباسي

المعاني والألفاظ غير الشعرية

 قام الشعر العربي الجاهلي والأموي على الألفاظ الجزلة والمعاني المتصلة بها، وكلا الألفاظ والمعاني شعري. الألفاظ مركز الثقل، والمعاني لا يسمح لها بالهبوط إلى الكلام اليومي السوقي، لذا لم تكن معاني الشعر الجاهلي تلك المطروحة في الطريق التي  يعرفها العجميُّ والعربيُّ، والبدويُّ والقرَوي، والمدنيّ، أي العامة، بل هي معان شعرية يعرفها الشعراء فقط ويلبسونها ألفاظها التي تطبعها بطابع الشعر المميز. فالشاعر العربي يكتب شعرا ويتكلم كلاما غير شعري، أي تختلف لغة الشعر عن اللغة الاستهلاكية اليومية. بينما قلت الفوارق بين لغة الشعر ولغة الكلام في العصر العباسي، لذا قال أبو العتاهية : "لو شئت أن أجعل كلامي كله شعراً لفعلت"[10].

 ويرجع سبب هذا الاختلاط إلى صعود النثر مقابلا إبداعياً في العصر العباسي. ويرجع طه حسين سبب ذلك إلى الحياة العقلية في العصر العباسي " أن هذه الحياة العقلية غلَّبت العقل العربي على الخيال العربي، ورفعت شأن النثر على شأن الشعر، وأكثرت الكتاب وقللت الشعراء"[11]. فالنثر صار يلذ العقل والشعور وغلب الشعر في في اخص الأشياء به وهو الموسيقى[12].

وكلما تقدمنا في العصر قوي النثر وضعف الشعر الخالص ليعوض نقصه الشعري بالنثرية. وازدهار النثر الفني أغرى الشعراء بتقليد الكتاب واخذ معانيهم واستعمال أساليبهم. فابن الرومي اخذ معاني الكتاب في وصف الشطرنج واعتمد ألفاظهم في قصيدة له في العتاب[13]. وإذا قرأنا رسالة التربيع والتدوير نحار في مكنة الجاحظ من الهجاء بأكثر من مئة صفحة في كل سطر معنى وصورة تجعل من رسالته ملحمة هجائية وهو ما لا يستطع أي شاعر تحقيقه.

إن قراءة الشعر العباسي تظهر أن غالبيته ينحصر تفكير الشاعر فيه بالمعنى، فهو يقدمه على اللفظ بعكس الشاعر الجاهلي والأموي. وهذا جعله يستخدم ألفاظاً غير جزلة بل حضرية ومولدة ودخيلة وعامية فاثر ذلك في الصياغة الشعرية اذ أصبحت أشعارهم اقرب إلى النثر منها إلى الشعر[14] كقول ابن الرومي:

عَلَّني أحمدٌ من الدُّوشاب       شَربةً بَغَّضَتْ قِنَاعِ الشبابِ

لو تراني وفي يدي قدحُ الدوشاب أبصرتَ بَازيارَ غُرابِ[15]

وجرهم الولوج إلى موضوعات غير شعرية كالتاريخ والفلسفة والتصوف وغيرها إلى استخدام ألفاظ تلك العلوم وأساليبها وهي نثرية بالطبع، فأسقطهم ذلك في النثر وهم لا يشعرون. ومن ذلك استخدام أو تورط الشاعر بتاريخ أحداث عصره وقضاياه كالكاتب والمؤرخ؛ فاثر في صياغته الشعرية وأصابها بعدوى النثرية؛ فالسرد التاريخي يجعل من الشعر اقرب شبها بالمنظومة التاريخية منها بالقصيدة الشعرية"[16]. ومن ذلك منظومة علي بن الجهم في بدء الخلق ومنظومة ابن المعتز في تمجدي أسلافه العباسيين. ولا يقل عنه إيراد أحداث معينة خلال الشعر كقول ابي تمام:

لَهُم يَومُ ذي قارٍ مَضى وَهوَ مُفرَدٌ       وَحيدٌ مِنَ الأَشباهِ لَيسَ لَهُ صَحبُ

بِهِ عَلِمَت صُهبُ الأَعاجِمِ أَنَّهُ        بِهِ أَعرَبَت عَن ذاتِ أَنفُسِها العُربُ

هُوَ المَشهَدُ الفَصلُ الَّذي ما نَجا بِهِ       لِكِسرى بنِ كِسرى لا سَنامٌ وَلا صُلبُ[17]

وفي هذا الصدد يقول أرسطو " إنَّ المؤرخ والشاعر لا يختلفان بأن ما يرويانه منظوم أو منثور، بل يختلفان بأن أحدهما يروي ما يقع على حين أن الآخر يروي ما يجوز وقوعه. ومن هنا كان الشعر اقرب إلى الفلسفة وأسمى مرتبة من التاريخ[18]

ومثله إدخال الفلسفة في الشعر كقصيدة النفس لابن سينا، والحكمة المتسلسلة عند ابي العتاهية وصالح بن عبد القدوس، فالحكمة هي كيلة من العقل ثقيلة تلقى على جناح القصيدة مما يجعلها تسف إلى النثرية. فسوق المواعظ والحكم يكون في لغة تقريرية واضحة، وتعبير صريح مباشر، تعوزه اللمحة الدالة، ويفتقر إلى شيء ليس بالقليل من صفات التعبير الشعري كالإثارة والتفنن في الصياغة والانفعال القوي والعاطفة الصادقة[19]. ومن ذلك حكمية أحمد بن محمد السكري المروزي:

مَن رام طَمْسَ الشمسِ جَهْلاً أخْطَا         الشمسُ بالتَّطْيِين لا تُغطَّى

أحسنُ ما في صفةِ الليل وُجِدْ        الليلُ حُبْلَى ليس يُدْرَى ما يلِد

نال الحمارُ بالسُّقوطِ في الوحَلْ         ما كان يهْوَى ونَجا من العملْ

مَن لم يكنْ في بَيْتِه طعامُ           فما له في مَحْفِل مُقامُ

كان يُقال مَن أتى خُوَانَا              من غير أن يُدْعَى إليه هَانَا[20]

كما أدى الإغراق بالبديع إلى استخدام ألفاظ لا خصوصية لها في الفصاحة والجرس والجمال فبدا الشعر المكتوب بها كأنه نثر خالص ليس فيه من الشعر الا الوزن الظاهري الخالي من الإيقاع كقول ابن الفارض:

نعم بالصبا قلبي صبا لأحبتي         فيا حبذا ذاك الشذا حين هبتَِ

سرت فأسرت للفؤاد غدية         احاديث جيران العذيب فسرتِ

أيا زاجراً حمر الاوارك تارك الموارك من أكوراها كالأريكةِ[21]

 الأوزان غير الشعرية

فرَّق الشعر الجاهلي بين الشعر وغير الشعر في الوزن؛ فجعل للشعر (القريض) الاوزان المعروفة كالطويل والكامل والبسيط...الخ، وجعل لغير الشعر بحر الرجز، توسعا في الشعر لشغفهم به. وانما سموه الرجز بمعنى ان قيمته في الصوت فقط، فكان الراجز يثير اهتمام المقابل بما يضجه من صوت مكثف تخدم الكلمات فيه هذا الضجيج الذي يحدثه تكرار القافية في كل شطر، واختيار حروف شديدة فضلا عن حروف مد لمد الصوت ورفعه. وهو ما انشدوه في الحروب كقول هند بنت عتبة:

نحن بنات طارقْ

نمشي على النمارقْ

والدرُّ في المخانقْ

والمسكُ في المفارقْ

إن تقبلوا نعانقْ

أو تدبروا نفارقْ

فراق غير وامقْ[22]

فواضح أنها اختارت القاف الشديدة، وجعلت القافية مؤسسة لاستخدام حرف ألف المد، وبتكرارها في كل شطر أحدثت الضجة الصوتية المطلوبة في جلب اهتمام الجنود وحثهم، وكانت معاني الأشطار في خدمة الموضوع وتوجيهه. وكذلك جعلوه لقضايا غير شعرية آنية كقول صخر بن الشريد لزوجته حين منعته أن يعطي أخته الخنساء من خيار إبله:

تالله لا أمنحها شرارها

وهي حَصان قد كفتني عارها

وإن هلكتُ مزقت خمارها

واتخذت من شعر صدارها[23]

 وعلة جعل الرجز بحرا لغير الشعر هو كثرة زحافته، وتفريع نغتمه، وعدم رصانة إيقاعه، وهذا كله يجعله أقرب إلى النثر بل يجعله خاصا وخالصا للنثر، لذا لم يعتد به في الجاهلية فما كتب عليه ليس بشعر. وعلى الرغم من تطويله في العصر الأموي وكتابة أراجيز بأغراض الشعر عليه إلا أن طبيعته ظلت على ما هي عليه، فسمي كاتبها راجزا ولم يسمَّ شاعراً، كما تدنت مرتبة الراجز عن مرتبة الشاعر كما قال المعري:

وَلَم أَرقَ في دَرَجاتِ الكَريمِ       وَهَل يَبلُغُ الشاعِرَ الراجِزُ[24]

في العصر العباسي وبسبب الاقتراب من روح النثر كتب الشعراء على بحر الرجز بتغيير طبيعته إلى القريض. وقد فات الشعراء ان القضية ليس تحويل الشطر الواحد إلى شطرين، وانما هي طبيعة وجبلة خلق عليها الرجز هكذا، وانه مهما غيّر يبقى نثرياً، ويسحب كل ما يكتب عليه إلى النثرية، وادخال الرجز في القريض احد أهم أسباب تفشي النثرية في الشعر العباسي. ونلاحظ نثرية هذه الأبيات بسبب كتابتها على بحر الرجز:

ما أجَلُ الهاربِ عنه هارباً       لا بل يَزيدُ طَلباً إذا هَربْ

ما تَبرحُ الآجالُ من مكانِها       فلا تُضِعْ فُرصةَ ذِكرٍ يُكْتَسَبْ

فَخْراً إذا عُدَ أبوه سافراً       حتّى إذا ما ذُكرَ الابِنُ انتقَبْ[25]

فهذه الأبيات لعبت موسيقى الرجز غير الثابتة والرصينة على اضفاء النثرية القوية عليها. وقد ازدهر هذا البحر الجديد فكتب عليه الفحول كابي تمام والبحتري والمتنبي فضلا عن أواسط الشعراء وصغارهم، ولكن المقياس انه لم تشتهر ولا قصيدة واحدة لاي شاعر على هذا البحر. وقد اطرد هذا البحر في الاستعمال مع تقدم العصر حتى كتب عليه ابن المغربي مطولة مشهورة تنيف على مئتي بيت عارضها الشاعر محمد مهدي الجواهري، ومن هذه القصيدة قوله:

يا دبدبه تدبدبي         أنا علي بن المغربي

تأدبي ويحك في         حقِّ أمير العربِ

وأنتِ يا بوقاته         تألفي تركَّبي

وابتدري وهدِّري         ونقِّري وطرِّبي[26]

وفضلا عن تحوير الرجز، فقد ابتدع العباسيون او الاعاجم منهم بحورا جديدة كلها ذات نفس نثري او تحيل بقصر نغمتها إلى النثر وهي كثيرة الا ان المشهور منها والذي ضمه عروض الخليل اربعة: المقتضب، المضارع، المجتث، المتدارك. فهذه البحور ساعدت كثيرا على كتابة شعر نثري بسبب ضعف نغمتها وعدم إمكان الأشعار من التحليق وتحقيق الموسيقى الشعرية الكافية لها. واكثرها نثرية أشهرها وهو بحر الخبب أو المتدارك على اختلاف في التسمية. فموسيقى الخبب تشبه موسيقى الكلام اليومي الذي تقوله العامة بموالاة ساكن فمتحرك في الأكثر وهو ما تحكية تكرار تفعيلة (فعْلن) مثل:

إِن الدنيا قد أَغوتْنا         واستغوتنا واستهوتنا

لسنا نَدرِي ما قدَّمنا         فيها إِلا لو قد مُتنا

يا ابنَ الدنيا مهلاً مهلاً      زِنْ ما يأتي وزناً وزناً

ما من يومٍ يمضي عنا       إِلاَّ أَوْهى منا رُكْنَا[27]

فأنت تحس ان نغمة هذا الشعر تشبه نغمة الكلام اليومي الذي يقال، وهذا يجعله على مستوى الخطاب النثري مهما حاول وضع آليات شعرية لتسمو به كالاستعارة والصورة وغير ذلك.

كما عملت مجزوءات البحور العباسية على إشاعة النثرية لعدم قدرة اغلب الأوزان القصيرة على تحقيق الموسيقى الشعرية المطلوبة، فكان تقصير الإيقاع محبطا ومثبطا للشعر مهما حاول الشاعر وكانت قدرته. وإذا استجابت بعض الأوزان القصيرة كمجزوء الكامل فالأغلب لا يستجيب شعريا كمجزوء الرمل والمديد والخفيف. ومن مجزوء الخفيف المشهور ويبدو فيه الشعر كلاما يوميا قول عبد الله بن الزبير:

اقتلوني ومالكاً         واقتلوا مالكاً معي؟[28]

رتابة  القافية

 " تعمل القافية على زيادة النغم الذي يصنعه الوزن الشعري، وتنظيم وضبط الوزن الشعري من خلال طرقات حرف الروي الثابتة الزمن"[29]. فالقافية جزء من الوزن الا انها جزء مثير ومنظم للايقاع، ولا يستطيع الا الشاعر من استثمار القافية نغمياً بجعلها جزءا من الوزن ومتفاعلة معه ومضيفة اليه, وعدا ذلك تكون مجرد نهاية غير طبيعية للبيت الشعري، ويكون حرف الروي فائضا عن الحاجة او مبعثرا للايقاع. والنوع المطلوب من القوافي يكون صارماً وقوياً ولذيذاً، فالاذن تنتظر القافية بفارغ الصبر لتطرب بضرباتها المدوية في اعماق النفس. ومن امثلة ذلك قول لبيد بن ابي ربيعة:

تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما         وهل أنا إلا من ربيعة أو مضرْ

فإن حان يوماً أن يموت أبوكما         فلا تخمشا وجها ولا تحلقا شعرْ

وقولا هو المرء الذي لا حليفه         أضاع، ولا خان الصديق ولا غدرْ

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما         ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذرْ[30]

وكقول المتنبي:

طَرَدتُ مِن مِصرَ أَيديها بِأَرجُلِها       حَتّى مَرَقنَ بِنا مِن جَوشَ وَالعَلَمِ

تَبري لَهُنَّ نَعامُ الدَوِّ مُسرَجَةً       تُعارِضُ الجُدُلَ المُرخاةَ بِاللُجُمِ

تَخدي الرِكابُ بِنا بيضاً مَشافِرُها       خُضراً فَراسِنُها في الرُغلِ وَاليَنَمِ

مَكعومَةً بِسِياطِ القَومِ نَضرِبُها       عَن مَنبِتِ العُشبِ نَبغي مَنبِتَ الكَرَمِ[31]

فأنت تشاهد القافية قوية مكينة ولذيذة تفعل بالنفس الطرب وكأنها تضيف معنى على المعنى. إلا أن كثيراً من شعراء العصر العباسي لم يستطيعوا تحقيق ذلك كقول أبي العتاهية:

أَينَ الَّذينَ عَهِدتُهُم       قَطَعوا الحَياةَ تَلَذُّذا

دَرَجوا غَداةَ رَماهُمُ       رَيبُ الزَمانِ فَأَنفَذا

سَنَصيرُ أَيضاً مِثلَهُم       عَمّا قَليلٍ هَكَذا

يا هؤلاءِ تَفَكَّروا       لِلمَوتِ يَغدو مَن غَذا[32]

فالقافية كما يبدو بوضح ليست كقافية المتنبي قوة ولذة، بل تأتي وتمر دون أن تحرك المشاعر ولا تؤثر فيها. وهذا البرود جعل القافية كالفاصلة في النثر، وجعل مثل هذا الشعر اقرب إلى النثر منه إلى الشعر. وقد سما النقاد القافية القوية المؤثرة (متمكنة)، والضعيفة (مستدعاة ومجتلبة ونافرة وقلقة) أي انها جلبت رغماً وتكلم ابن ابي الاصبع في ذلك فقال " يمهد الناثر لسجعة فقرته، أو الناظم لقافية بيته، تمهيداً تأتي القافية به متمكنة في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافرة ولا قلقة، متعلقاً معناها بمعنى البيت كله تعلقاً تاماً، بحيث لو طرحت من البيت اختل معناه واضطرب مفهومه"[33].

 ان الكثرة الكاثرة تفتقد القافية الشعرية، فقوافيها غير شعرية، ومنها ما هو مكرور مستهلك، كما ان الشاعر العباسي صار يكتب القوافي أولا ثم يكتب الشعر، بينما شعراء العرب كان يقول الشعر وتأتي القافية وحدها بمشيئتها وليس بمشيئة وإرادة الشاعر القسرية. وقد صرح بذلك ابن طباطبا العلوي في كتابه عيار الشعر[34].

تحطيم هندسة الشطرين

 الشطران والقافية الموحدة من أساسات الشعر العربي الذي استقر أفضل صورة يمكن أن تكون عليها الشعر العربي بعد متطاول الزمن، ومن ثم ليس من حق من جاء متأخراً أن يعبث بهذا البناء العملاق المجرب. ان النماذج التي طرحها العباسيون بسبب ضيق الطبيعة او النفس كلها غير شعرية.

 " نظام الشطرين يعني شطر الفكرة إلى شطرين بتناظر وزني تام. وعلة اختيار الشطرين إن الشاعر يبدأ بالفكرة في الشطر الأول فيهيئها ليكملها في الشطر الثاني، كما انه يأخذ نفـَسَه ويستفزُّ قريحته للبحث عن القافية التي سيرشحها تمامُ الفكرة" فكل كلمة في الشطر لها صميمة وحميمة بالشطر الاخر، وهي لا غيرها يجب ان يكون موجوداً، وبهذا فنظام الشطرين يحقق التلاحم الشعري وينضج التفكير الشعري كقول المتنبي:

على قدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ         وتأتي على قدْرِ الكرامِ المكارمُ

فتعظُمُ في عين الصَّغيرِ صغارُها         وتصغر في عين العظيمِ العظائمُ[35]

فكل كلمة في الشطر الأول لها علاقة وتمهيد في الشطر الثاني وكل كلمة في الشطر الثاني فيها كمال وإكمال لكلمة تناظرها في الشطر الأول، ويجتمع الشطران باكتمال فكرة البيت ونضوجه الشعري.

 ونعد تحطيم نظام الشطرين تهديم لركن ركين من الشعرية العربية. وهذا التحطيم مثل الوزن والقافية قد يأتي تحطيماً من الداخل أو الخارج. فكثير من الشعر الذي نعده موزوناً هو بلا غطاء نغمي حقيقي، كالمنظومات التاريخية والنحوية، فهذه فضلا عن بعدها عن روح الشعر لم تحقق الموسيقى الفاعلة بل حظها من الوزن ظاهر البحر الشعري، ومثله القافية. وكذلك نظام الشطرين؛ فهناك قصائد كثيرة ولاسيما المتأخرة حققت الشطرين ولكنها لم تحقق فعل الشطرين الذي ذكرناه، وهو شطر الفكرة والتفاعل بين الشطرين وصولا إلى القافية التي فيها تتم العملية الشعرية كلها او تصل إلى ذروتها.

ما عُبَيْدُ اللّهِ مِمّنْ       نالَ بالعَزْلِ خَساره

هو لم يُعزَلْ ولكنْ       عُزِلَتْ عنه الوِزاره

وكأنّي باللّيالي       ولقد تَكْفي الإشاره[36]

فهذه الأبيات لا يوجد تفاعل بين الفاظ الصدر والعجز، بل هو استرسال في الكلام من الصدر إلى العجز كما يكتب الكاتب نثرا فيسترسل من سطر إلى سطر وكأنه قال (إن عبيد الله) (لم يخسر بعزله) وهذا غير ما ألفناه من نظام الشطرين، فلو قال الشاعر (ما عبيد الله) وسكت لا نتكهن بأي نسبة تكهن بما سيكون عليه العجز لان كلمات العجز لا تتعلق بكلمات الصدر باي نسبة تعلق. بينما لو قال المتنبي (على قدر أهل العزم تأتي العزائم) لتكهنا بنسبة معينة بما سيكون عليه العجز، لوجود تعلق بين كلمات الصدر والعجز. ومن تحطيم نظام الشطرين داخليا اضافة قوافٍ داخلية، فهذه القوافي تشغل عن تفاعلية الشطرين مثل قول الحسين بن علي النحويّ:

طلعت سحراً وبدت قمراً         فبكى درراً لهم الرَّجل

أرقاً قلقاً سئماً ألماً         بهم زمناً فبه الخبل[37]

وجاء تحطيم الشطرين شكلا عبر أشكال عباسية ابتكروها كالمسمط والمربع والمخمس والمزدوج وغيرها.

التقليدية (الإخلاء أو الغسل)

وصل الشعر العباسي في وقت متأخر إلى عتبة مخيفة من عدم الابداع، وهي خلو الشعر من أي صورة ابداعية، لا في لفظ الا معنى ولا اسلوب ولا موسيقى، وكأنه كيان شعري جسدا بلا روح، مثل انسان ميت جسد فارقه الروح. ولاسيما في العصر السلجوقي الذي شهد فيه الشعر كسادا فنيا مريعاً. وقد صار الشعر عبارة عن قوالب جاهزة او كليشهات الا ما قلَّ وندر.

فكثير من القصائد بل الدواوين تجدها فارغة من الابداع، وقد اطلق النقاد على هذه الظاهرة (الإخلاء). وأرادوا به أن الشاعر يأتي بأبيات طويلة لا طائل تحتها. قال البحتري: دعاني علي بن الجهم فمضيت إليه، فأفضنا في أشعار المحدثين إلى أن ذكرنا أشجع السلمي، فقال لي: إنه يُخلي، وأعادها مراتٍ ولم أفهمها، وأنفت أن أسأله عن معناها، فلما انصرفت فكرت في الكلمة، ونظرت في شعر أشجع السلمي، فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولةً ليس فيها بيت رائع، فإذا هو يريد هذا بعينه، أنه يعمل الأبيات فلا يصيب فيها ببيتٍ نادرٍ، كما أن الرامي إذا رمى برشقه فلم يصب فيه بشيءٍ قيل أخلى[38]. وفي قراءتنا لدواوين هذه الحقبة وما بعدها وحتى قصائد من الحقب التي قبلها سنجد شعراً مغسولا كثيراً. وهذا الغسيل الشعري يعني في ابسط توضيح له انه وقع في النثرية، فليس سوى (نثر عروضي) لم ينفعه العروض ولم يضره. ومن ذلك قول ابن سناء الملك:

صحَّ من دهرِنا وفاةُ الحَياءِ       فليَطُلْ منكما بُكَاءُ الوَفاءِ

ولْيَبن ما عقدتُماه من الصبرِ بأَن تَحْلُلا وِكَاءَ البُكَاءِ

وأَهِيَنا الدُّمُوعَ سَكْباً وعَطْلاً وهَبا أَنهن مِثْلُ الهَباءِ

وامْنحا النَّوْمَ كلَّ صبٍّ ينادي       من يُعيرُ الكَرَى ولَوْ بالكِرَاءِ

ليست العينُ منكما لي بِعَيْنٍ       أَو تعاني حَمْلاً لبَعْضِ عنَائي

فقد علق عليها الدكتور عبد العزيز الاهواني بقوله " وحسب الإنسان أن يقرأ هذه الأبيات ليحس أنها في ألفاظها وجملها أشبه بالنثر المنظوم منها بلغة الشعر[39]. والاهواني يجعل شعر ابن سناء الملك والشعر الأيوبي قاطبة ضعيفاً عقيماً[40].

 ويتكلم الفيلسوف جان بول سارتر عن الحدود بين الشاعر والناثر فيقول: " ان الناثر اذا أفرط في تدليل (منح الدلالة) الكلمات فان صورة النثر تتحطم وتقع في الفراغ، واذا تصدى الشاعر للحكاية او للشرح او للتعليم صار الشعر مدموغاً بطابع النثر وحسر دوره"[41].

 

أ. د. محمد تقي جون

.........................

[1] فنون الشعر الفارسي: 13.

[2] قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا، سوزان بيرنار:29. 

[3] البيان والتبيين: 1/ 385

[4] أخبار أبي تمام،أبو بكر الصولي: 109.

[5] نثر النظم وحل العقد، عبد الملك الثعالبي : 6.

[6] الوافي بالوفيات: 1/ 260

[7] قصيدة النثر من بودلير الى أيامنا:33.

[8] دليل القارئ الى الأدب العالمي: 31.

[9]  في نظرية الأدب من قضايا الشعر والنثر في النقد العربي القديم: 1/ 36.

[10] كتاب الأغاني: 4/ 13.

[11] من حديث الشعر والنثر: 54.

[12] من حديث الشعر والنثر: 63.

[13] من حديث الشعر والنثر: 65.

[14] من حديث الشعر والنثر: 135.

[15] ديوان ابن الرومي: 1/ 395.

[16]  في نظرية الأدب: 318.

[17] ديوان أبي تمام: 1/ 187- 188.

[18] فن الشعر كتاب أرسطو طاليس، ترجمة وتحقيق شكري عياد : 64.

[19] في نظرية الأدب: 321.

[20] يتيمة الدهر، الثعالبي: 4/ 100.

[21] ديوان ابن الفارض: 1/ 208، 209، 212.

[22] شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي (ت 363هـ)، تحقيق: محمد الحسيني الجلالي، ط2 (قم، مؤسسة النشر الاسلامي، 1414هـ): 1/ 273.

[23] المحاسن والأضداد، الجاحظ : 123.

[24] لزوم ما لا يلزم:: 2/ 6.

[25] ديوان الارجاني: 1/ 95.

[26] فوات الوفيات: 2/ 100.

[27] رسالة الصاهل والشاحج: 192.

[28] سير اعلام النبلاء:4/ 35.

[29] أنا الشعر- دراسة في أساسات الشعر الجاهلي وصلاحيتها لعصور الشعر العربي: 62.

[30] يتيمة الدهر، الثعالبي: 4/ 100.

[31] شرح ديوان المتنبي: 4/ 287- 288.

[32] ديوان أبي العتاهية: 80.

[33] تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر: 192.

[34] عيار الشعر: 11.

[35] شرح ديوان المتنبي: 4/ 94.

[36] ديوان الارجاني: 1/ 368.

[37] الوافي بالوفيات: 13/ 11.

[38] أخبار أبي تمام،أبو بكر الصولي (ت 335هـ)، تحقيق: خليل محمود عساكر وآخران (بيروت، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع): : 63.

[39] ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار في الشعر، د. عبد العزيز الاهواني (بغداد، دار الشؤون الثقافية، 1986): 43- 44.

[40] ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار في الشعر: 17.

[41] ما الأدب، جان بول سارتر، ترجمة: محمد غنيمي هلال (القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية، 1961): 44.

 

خالد جودة احمدللناقد "د. أحمد يحيى علي" تعبيره اللطيف حول قضية (المتن / الهامش) قائلًا: "حياتنا مثل صفحة كتاب ... في هذه الصفحة تجد تقسيمًا لها –في الغالب- إلي متن وهامش".ويستعرض خصائص كل نوع منهما وارتباطهما ببعضهما البعض، يقول "بتصرف": "هذا الهامش كما هو معلوم أسفل الصفحة وبخط أصغر من خط المتن، حتي يتسني للعين القارئة أن تركز عدستها الرائية علي المتن أكثر (..) هكذا الحياة وما فيها من بشر تنقسم إلي أناس يعيشون في دائرة الضوء ينعمون بالاستقرار والنعيم والراحة، وإلي جوارهم في الصفحة نفسها مجموعة أخرى تم إقصائها ليسكنوا في منطقة الهامش، لا ينظر إليهم ولا يعبأ بهم كثيرًا". ويتابع في تصوره الطريف الموجع في تفسير هذه الملحمة المأساوية، وهذا الإقصاء والتوحش، يقول: "ولعل السر في هذا الحال السلبي يعود –بدرجة كبيرة- إلي هذا الخط السميك الذي يفصل بين المنطقتين داخل الصفحة .. إنه خط مأساوي شديد القسوة يكتم صوت الصرخات ونداءات الاستغاثة الصادرة عن هؤلاء المهمشين ويحجب رؤيتهم".

والهامش تتقزم أحلامه وتتلاشي -إذا وجدت له أحلام في الأساس- لهذا أتي التحديث في الأدب المعاصر بفكرة "أدب الهامش"، وهو في حقيقته رؤية مغايرة يجعل من هذا الهامش الإجتماعي المتن الإبداعي ذاته، بتوجيه الضوء إلي هذه الطبقة المسجونة تحت الخط الغليظ أسفل الصفحة، أو بتعبير الناقد عن الفن: "الذي يحاول أن يدغدغ هذا الخط الفاصل الذي يحجب رؤية البعض لهم، يعبر عنهم في تحقيق فني". ونأتي لتطبيقات حول المفهوم:

- ان الفكر العربي في التأليف في العهد الزاهر ساوى بين المتن وما يستتبعه بطريقة "قول علي قول"، أو مفهوم اراه في المجايلة البناءة، حيث يبني اللاحق علي النتائج المحققة بواسطة الجيل السابق له (نفي فكرة الجيل يتيم الأساتذة)، فكانت الحاشية علي المتن، وتحققت المساواة بين "المتن" الذي مثل الأصل المقدر وموضع المراجعة والتفسير، وبين "حاشية" تأخذ المتن لرحاب تثمير جديد.

- وفي تطبيق آخر نجد تحرير مفهومي: "التعددية الثقافية" و "التنوع الثقافي"، فصفحة الحياة تشمل مجتمعات متباينة لها سماتها وحياتها الخاصة، وهذه التعددية الثقافية في إطار كون الثقافة طريقة فهم للحياة تؤثر في منتوجات هذه الحياة في جميع المجالات في الوقت نفسه. لكن تلك التعددية قاصرة في ذاتها إذا لم يتم تطويرها لتحقق التنوع الثقافي، والمفهوم الأخير في حقيقته هو تعددية ثقافية منضبطة تنفي الإقصاء والتهميش. ونستعين في إيضاح الفكرة بنموذج "الشللية الضارة" في شتي مناحي الحياة، أو فكرة "الأقليات المتساندة"، وهي أقليات لأنها متلاشية متآكلة كقطعة ثلج ذائبة، لا تجتذب أحدا وبلا قيمة، بداية لأنها تستعلي علي الآخر لمجرد أن له رأيًا مختلفًا، وتحاول الطعن بكل السبل في أصالته، والتدنية من شأنه، وتشويهه، وبث ترويج إعلامي يطلق عواصف الغبار والدخان حول منجزه، وتبتكر المبررات الخاصة بها والمخدرة حتي لا تقف هذه الفئة أمام ذاتها العارية من دعاوي إنصافها للآخر، وقشرة ثقافتها التي تغلف قلب مر وضمير أسود.

- وتطبيق آخر حول أن الوسائط التكنولوجية الحديثة كسرت الخط الغليظ الفاصل بين المتن الثقافي المستعلي والمهيمن علي منابر المعرفة والنشر والإعلام، وبين هامش ثقافي يحاول أن يبزغ فجره من أسفل الفاصل الغليظ، هذا رغم آفة الوسيط في شأن حفظ الملكية الفكرية، وهل من شيء ليس له آفة، ولكن السكوت أشد من آفة البوح.

- التطبيق الرابع من رحاب الحراك في صفحة الحياة، أن بعضًا من سكان الهامش قد يتسربون للمتن، كنبات كريم –لا يذبح مبادئه- يجتهد ليؤسس ذاته، ويحقق معني تنمية الحياة، فتسعي "الصفوة" إلي سحق هؤلاء المتسللين، وإعادتهم مرة أخرى للهامش دون الخط الثقيل، من خلال فعل سلبي يحمل رسالة مضمرة تقول لا تنسوا أنكم متسربين وأن دوركم فقط يقتصر أن تكونوا جمهورًا للمتن يسبح بمزاياه، ومرجعًا دالًا عليه، فلستم بشعب في أي سياق للتاريخ أو الصفحة.

- التطبيق الخامس وجدته في رحاب نصوص من أدب الخيال العلمي، حيث يتجسد الخط الفاصل الغليظ ليشكل أسوارًا في المستقبل طبقًا لخيال كتاب هذا النوع الأدبي، بحيث أصبح ظاهرة مستقرة، ومنها روايات "يوتوبيا" للراحل "د. أحمد خالد توفيق"، ورواية "مدن السور" للروائية "هاله البدري"، ورواية "ملاذ – مدينة البعث" للروائي الشاب "أحمد المهدي"، ورواية "2063" للروائي الشاب "معتز حسانين".

 

خالد جودة أحمد

 

احمد الشيخاويداخل كواليس هذه المسودة، يبدو الشاعر المصري عصام سامي ناجي، ملتزما بالطقس الغنائي، الواخز بخريفية الذات وجحيميتها، كأنما يحاول إيجاد معنى ليأسنا العربي، تحت نير ما يهزّ أوطاننا من زلازل سياسية، من الطبيعي أن يكون وقعها، وقياسها في سلمّ ريختر، أصعق وأقوى، بالنسبة لقلب الأمة النابضة، أرض الكنانة مصر، أبني زعمي هذا على أسّ تاريخي، يفتي بدور مصر في رفع راهن الذل والهوان، عن بقية بقاع العروبة، من الهامش إلى المركز، ومن المحيط إلى الخليج.

يأس طال، وبديهي ألاّ يناطح بسوى الهروب الضمني، إذ يضمنه تعاطي الإبداع إجمالا، بغية التقعيد لثقافة نضالية توبّخ عالم السلبية والنقصان، وتتّهم الزعامة المؤلّهة .

كتابة تستثمر في شتى دوال الثوري، المانح انطباعات مراوغة، تفيد ظاهريا نبرة الانهزامية والاستسلام، بيد أنها في العمق، تناور بذات واعية ومتصالحة، تمرّر الرؤى على نحو مموه، يلبس مختلف الأقنعة، كي يحافظ على مسافة كافية ما بين واقع هذه الهزّة الوجودية وصفحات اللغة المبطّنة بفلسفة الحلم.

 يقول في موضع ما، من سردية تعلن تهادي الذات، وتقاذف أضرب المعاناة لها، ثقافية وأيديولوجية ومجتمعية، مثالب تثري ريش طائر الشؤم والفتن، المتربّص بسماء عروبتنا:

[هل يأتي يومٌ ونُكسّرُ

 تلك الأغلالَ الوهميّةْ

ونعودُ لذاكرةِ الدنيا

نحملُ عنوانــًا وهويّةْ

نرفعُ راياتٍ قد سقطَت..

نزرعُ أشجارَ الحريّـة.

ونزيلُ ستائرَ أعمتنا

في زمنِ الفِـتَـن العربيةْ ](1).

من خلفية اليأس المفرط، مذيلا بإرخاء فصول النزوع صوب ما هو إنساني، راشقا بالحلمية، فوق منصّة لا تعترف بغير منطق إحراق الشعر واستنفاذه، ليكون في مستوى هذا التجاوز، وعلى درجة هذه الموسوعة من اغتيال مواطن الجمال والنبل والهشاشة فينا.

تتفتّق الأسئلة، قلقا وتشكيكا، بحبر الكوميديا السوداء، العاكسة لانكتاب هوياتي، عند أقصى حدود الأزمة، في تغلّفها، بمعجم عمى الألوان.

يردف شاعرنا، في مناسبة أخرى، لسرد وجع ذات تلتحم بأسباب محاباة الجذر، وتسارع الانشغالات النرجسية باتجاه تصاعدي، تحاول من خلاله تلقّف انتساب عروبي بلبوس إنساني انتهاء، يقول:

[عبثا تحاولُ أن تقدّمَ أجْوِبهْ

والكاذبُ الدجالُ

قد وهبَ القيودَ لمن يشاءْ

هل تجرؤ الآنَ علي رفض الهبهْ

قامرت بالحُلمِ المزخرفِ بالدِّما

من أجلِ بعضِ الأتربهْ.

والآن يرتعُ في دِمانا

الهمُّ

والأشباحُ

والجُرْذَانُ

والفتاوى المُرعبهْ

يأيها الوطنُ المُسجّى من عقودٍ

عُد لنا

أو كُن هنا

فالفارسُ العربيُّ باع حصانهُ ] (2).

ويقول ذودا عن أحقية الكائن المضطهد، في التشبث بثقافة الحلم، ونسج الملمح الوجودي، بألوانه الزاهية وإن تك بإسفاف ومبالغة في منافقة الذات المجلودة، واختراع سلال التحايل على أوراق الآني الدامي:

[رغم البنادقِ والمشانقِ

واختلاسِ الحُلم يا وطني الحزين

ستظل مرفوع الجبينْ

سيظل وجهُك قبلةً للعاشقين

سيظل اسمك في الورى

سلوى الحيارى المتعبينْ ] (3).

دوما، ضمن شخصية عصام سامي ناجي، الإبداعية، ترمي بثقلها فكرة الهدم الباني، بحيث لا تتحقق قفلة القصة لديه، قصة اغتصاب الهوية، بما ينقد دورنا الفرجوي الذي نجابهه بها، وتكتمل خيوطها، إلاّ داخل خطاب ما بعدية حرق القصائد، وتأمّل رماد الشعر:

[بدون وجودك

سيدتي

سأظل أعاني

أتمزق .......

يحترقُ فوادي / وجداني

فتعالي كي نكمل قصتنا

نعشق بتفاني

من أجلكِ أتنفس عشقا

وتسير دمائي بشرياني

وجهٌ يترعرعُ في ذاتي

يجتاحُ كياني

قد أيأس من كل الدنيا

لكني لن أسأم منكِ

فملاذي أنتِ وعنواني ] (4).

ذات مكبّلة بإلزامية الحلمية، المقترحة لنوبات انفلات وتملّص من إسمنتية الواقع، وعزفه على أوتار مآسينا.

تنذر للنار تشظّيات ذات الذات، وفق أسلوب مركّب يضاعف العزلة والأزمة والمعاناة.

المهمّ أن تكسب الذات الشاعرة، من هذا القربان، قسطا يدفع فهم الشعر على أنه ترف وافتقار إلى حرارة وصدق التجربة.

هذا الفهم المغلوط الذي يخوّل للحلم، صولة واهمة، غالبا ما تهبّ وتلفح بحسيسها الحارق، وتشرب جوهر وجودنا العربي المتسربل بنبض إنساني صرف.

كتابة وإن توعّكت بكمّ من الثغرات، كالزوائد اللغوية، وشحّ التصوير، وهيمنة الجرد اليباس والجاف لأحداث مصادرة الفكر وضياع العمر العربيين، بيد أنها استطاعت نوعا ما، تصحيح مثل هذه المغالطات، ومكّنت لتمريرات تعبيرية ترصد الشرخ، وتتصادى مع قضايا العروبة في هويتها الإنسانية، وموسوعية رؤاها المباغتة.

[ويعود التاريخُ بروما

وبنيرون لكي يحرقها

وبهولاكو في بغدادْ

الليلُ أراهُ

على أوراقي

أمس جدودي

وعيون الأحفادْ

هل حُسنُ النيـّةِ يا وطني؟

لن تجدي حسن نواياكْ

ودماؤك يرتعُ فيها الليل الأفاك ](5).

تفسد واو العطف صفحات الشعر، ويبقى استخدامها ههنا، ضرورة قصوى، كون هذه اللمسة إنّما عمّقت من دلالة الخيط الناظم ما بين عتبة المجموعة، وسائر ما يتفرّع عنها من أفكار مؤثثة لبؤر هذه المعالجة المقصودة والممعنة في الجرح العربي وقد نتن قيحه حدّا، يفجّر أبشع صور الابتزاز، تماهيا مع ثالوث هوياتي تاريخي ذاكراتي.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

..................

هامش:

(1) من نص الصبح الأرمد.

(2) من نص عبثا نحاول.

(3) من نص اختلاس الحلم.

(4) من نص تعالي نكمل قصّتنا.

(5) من نص وطن وتاريخ وليل.

 

جمعة عبد اللهالاديب يمتلك القدرة والمهارة في تنوع اساليبه الابداعية في أصناف واشكال السرد القصصي، في الاتجاه تدعيم رؤيته الفكرية في المتن النص، في الدلالة التعبيرية الدالة، ان يؤطرالنص في الابعاد الرمزية البليغة، في الايماء والايحاء والمغزى، في اسلوبية واضحة يقدمها الى القارئ، بوضوح التعبير الرمزي الدال، في متانة الصياغة في الحبكة الفنية، في التكثيف والتركيز، على تجليات المعنى التعبير الرمزي، في ابتكار حكاية شعبية وتوظيفها، في تسليط الضوء الكاشف في تعرية ماهية الدولة الشمولية ومقوماتها، واسلوب تعاملها مع المواطن . وكذلك تسليط مخالبها الضارية عليه، لتنزع منه ادق تفاصيل خصوصيات حياته الخاصة، في الانتهاك والاستحواذ، وسلب قيمته الانسانية، حتى تركيعه بأذلال، ليكون تابع ذليل، ذيل خانع ومطيع للنظام الدكتاتوري الطاغي، ليتجرع مرارة وقسوة النهج المتسلط في الارهاب والبطش، حتى يجرده من كرامته وانسانيته . ليكون بوق ذليل يمجد بالعظمة والتقديس، نظام دولة العائلة المتوارث، الذي يرث الحكم بالوراثة لعقود طويلة من السنين . حيث (تذهب اجيال وتورثها اجيال، والحكم ثابت الاباء يورثون الحكم للاولاد والاحفاد، شعب يطيع ملوكه الى حد العبادة، فله الارض والثروة، وله على الارواح والاملاك السيادة) بهذه البراعة يوظف بؤرة النص السردي، بحكاية شعبية، يبتكرها ويصوغها لتتناسب مع الواقع الدولة الدكتاتورية بدون رتوش، في التحليل والتشخيص اساليبه ونهجه الباطش ضد المواطنين، بأن يصبح الدكتاتور (الملك العظيم) في شريعة الامتلاك الشامل (أنا الدولة والدولة أنا) . هذا الواقع في دلالته الفعلية، كما كان الحكم الشمولي بالامس، وكذلك اليوم يستنسخ صيغته بطبعة رديئة وسخيفة بالمهازل والمهاترات الوقحة والصلفة، على حساب المواطن . هذا التوظيف الفعلي لدلالة الرمز وتعابيره البليغة، وهي لا تنفصل عن ممارسات الامس واليوم، ولكن ألاساليب تتغير والاقنعة تتبدل، حسب المناخ السياسي العام والسائد، في استخدام اسلوب القمع والترهيب، اسلوب القتل والزنازين والسراديب الموت . حتى يفرض ارادته بالقوة الغاشمة . نظام يعتمد على قبضة الاذلال والتركيع للمواطن، حتى يكون تابع ذليل، لا يعرف سوى لغة التمجيد والتعظيم والتهليل والتطبيل، للملك المعظم (القائد المقدس) يلوكها بمناسبة او غير مناسبة . ان تكون مقاييس المواطن الصالح، حسب طول وقصر ذيله في مؤخرته، وكلما كبر ذيله في مؤخرته، عظم شأنه بالاخلاص والوفاء والطاعة العمياء، كلما اقترب من النظام الباطش، ويغدق عليه المنح والهدايا المالية والمناصب، لذلك فالمواطن في دولة العائلة الاستبدادية، يقاس بذيله في مؤخرته . وهذا يدل في بعده الرمزي، بأن المواطن محاصر بخناق، بطوق حديدي مطوق حول عنقه كحبل المشنقة من حكم (ملك الزمان . المختار بأمر بالله) . وما على المواطن إلا ان يسلم بجلده ويحفظ عنقه من حبل المشنقة، ان يضع ذيلاً في مؤخرته . هذه براعة الخيال الفني، بأعادة صياغة الواقع من خلال الرؤية الفكرية، التي تستند على الحكاية الشعبية، المبتكرة، بناصية الابداع المتمكن، ولاسيما وان الاديب من خلال تجربته الابداعية في الادب وفي سوح النضال ، اتخذ طريق الكفاح طريقاً ومنهج سلوك، يكافح من اجل الانسان وللانسان والى الانسان، خلال عمره الطويل . في فضح الاساليب الدكتاتورية بالامس واليوم، بأن يجعلوا المواطن عبداً ذليلاً مهاناً، يلهث وراء الخبز المر .لذلك يتوسع من ناحية الكشف، ابعاد هذه التعرية للانظمة الدكتاتورية التي تتناسخ وتتوارث بوجه ذئب شرس، او بالنفاق والاحتيال في اظهار الوجه الوديع، ولكن يكمن في داخله ذئب ضاري وشرس وجشع، هذا المعنى الدال في دولة الذيول، التي تتناسخ وتتفقس بيوضها الثعبانية، مرة بالزي الزيوتي، ومرة في جبة العمامة الدينية . الشكل يتغير والمضمون والجوهر ثابت لا يتغير . ولكشف ماهية دولة العائلة والملك المعظم، يحاول صحفي مغامر من العالم الديموقراطي، ان يقتحم عرين دولة مملكة الحكم الشمولي، ويوافق على الشروط يفرضونها عليه، واية مخالفة لخرق الاتفاق، يكون رأسه ثمناً للمخالفة التعليمات . اول ما يجد في جولته في مملكة الملك المعظم، ان الحرس والامن والمواطنين، لهم ذيول في مؤخراتهم . وهذا الترميز، يدل على بشاعة التبعية والركوع والمهانة، في الدولة الطاغية التي يحرسها (التيوس) من اصحاب اللحى الطويلة بذيولهم الطويلة . كما يكشف الصحفي، عن قيام عمليات غسل الادمغة، بالتربية الجديدة والتدريب القائم على قدم وساق . من اجل اظهار الذيول في مؤخرات المواطنين . اما الطائفة المنبوذة، التي لم تظهر الذيول في مؤخراتهم، يعتبرونها طائفة (الشواذ) المنبوذين، الذين لاحق لهم العيش والحياة في دولة الذيول، في دولة الملك المعظم (المنصور بالله) . في هذه الدولة التي تعتبر عيدها الكبير والعظيم في في الاول من نيسان !! عيد ميلاد الملك المعظم والمقدس (لذلك يحتفل ليوم محدد من كل عام، هو الاول من نيسان، كعيد ميلاد الملك، يحتفل به عموم المملكة من اقصاها الى اقصاها، فتتعطل الدوائر الرسمية والمعامل وتتعطل كافة الاعمال ليوم واحد ....) . وكذلك يعرج المتن السردي في تناول زمر من بعض الكتاب المطبلين في حفلات الاعلام التهريجي، المطعون بهزالة السخف التافه والهزيل من النفاق الانتهازي . وهو يقصد الاعلام المأجور، المكرس لتبجيل القائد المقدس والمعظم . ايضاً لهذه الزمر والشراذم لهم درجات في تصنيف صفاتهم واسماءهم واعمالهم ومهامهم حسب خدمته الذيلية للنظام ورأس النظام في مملكة الذيول (ما سميت قطعان (الكلاب النابحة) مهمتها، ترديد التهم والشتائم للاعداء، كما يشخصهم الملك، وهناك قطعان (القردة) فمهمتها ان تلهج بأسم الملك، وتتدرب وتدرب الناس على اساليب الخضوع واستجداء عطف الملك واسعاده واضحاكه.. وهناك قطيع (الثعالب) و(الخيول) و(الذئاب) .... الخ) اما قطيع (الغزلان) فهي تتكون من اجمل نساء المملكة (فمهنتن أسعاد الملك واسرته وتلبية رغباتهم وطلباتهم، في اي وقت، وفي أي مكان لهم وحدهم لا شريك لهم) يعني بالقلم العريض الدعارة تحت شريعة دولة الذيول . اما (التيوس) فهي مهمتها حفظ أمن وسلامة (التيس الكبير والعظيم) فهم حراسه الامناء . أما طائفة (الشواذ) والشاذين فهم الطائفة من المغضوبين عليهم، وهي الطائفة المنبوذة في المملكة، لا يحق لها العيش والحياة، لانها لا تملك ذيول في مؤخراتها، ويجب التخلص منها وتطهير المملكة من هذه الطائفة الشاذة والمنبوذة، التي لا تؤدي فروض الطاعة والسجود والصلاة للتيس العظيم، لذلك قرر الملك العظيم، لابد من التخلص منهم، عبر اتفاقية المقايضة، او عقد اتفاقية المقايضة (بعقد اتفاقية طويلة المدى لمقايضة شواذ مملكة (الذيول) مع ممالك (الشواذ) في العالم، ببضائع تسد حاجة الملك العظيم... لتحتفل كل قطعان بهذا المنجز العظيم، وخلاصهم من الشواذ، اول بأول من آلآن فصاعداً..) بهذه السخرية التهكمية في التراجيدية الكوميدية . يقدم لنا الاديب روعته في شغاف التعبير الرمز البليغ والدال في اشارته التعبيرية

 

 جمعة عبدالله

 

641 طلال الغواروسط موجة الكتابات الشعرية، المتفاوتة في جودتها وبنيتها النصية، ومفردات الشعرية الحسية، وانزياحاتها، وأوزانها وقوافيها، وصورها، ورؤاها،وثيماتها، ووحدة موضوعاتها،حتى صار أمر الحصول على نصوص شعرية تمتلك الجودة العالية أمر يحتاج إلى فحص وتمحيص وتدقيق ، ورغم وجود نخبة طيبة من الشعراء امتلكوا ناصية التكوين الشعري وتشكيله وفق سياقه الفني الصحيح، وعبر مساره الصحيح النابع من وعي وخبرة ودراية الشاعر بأدوات بناء القصيدة، سواء كانت تلك القصيدة عمودية أو تفعيلة أو نثرية، ولكل نمط من هذه الأنماط أدواته الأساسية التي تشكل بناء النص،ولم يتوقف الأمر إلى هذا الحد، فلا يعني إجادة بناء القصيدة الأمر الضروري الذي يتطلب من الشاعر إتقانه، وإنما الأهم من ذلك هو ملاحقة موجة التطور الحاصل في تلك الأنماط الشعرية، واللحاق  بها والسير معها، وفي المجموعة الشعرية (احتفاء بصباحات شاغرة) للشاعر طلال الغوّار، نحصل على هذا النموذج الذي ينتمي الى تلك النخبة التي خبرت فن صناعة القصيدة بكل أنماطها، فهو يقدم لنا القصيدة العمودية، وقصيدة النثر، بشكلها وتكوينها وبناءها الذي يمنحها بكل جدارة روح الشعر وعالمه وكل ما يتعلق بتدوين القصيدة، ومن الجدير بالذكر وكما أشرت في جلسات أدبية متعددة،أن من يمر على صياغة القصيدة العمودية التي تعتمد على الوزن والقافية والبحور والإيقاع والموسيقى، وكذلك من يمر على قصيدة التفعيلة، سيكون موفقاً تماماً في امتلاك مقومات صناعة قصيدة النثر بشعريتها وإحساسها وإيقاعها وموسيقاها، لأنه قد نمى الذائقة الشعرية داخله وصارت المفردة أينما وجدت وأينما كتبت تمتلك هذا الحس الشعري العميق المتأصل والناتج عن تلك التجربة، وهكذا فإننا نجد في هذه النصوص هذه السمات التي منحتها صفة القصيدة الشعرية، كون الشاعر طلال الغوّار لم ينحرف من كونه شاعر لكل أنماط الشعر، وأنه يستطيع تدوين أي نص شعري وفق متطلبات بناءه، حيث ما اقتضت الضرورة لذلك، هذه الثيمة، وهذا الموضوع، وتلك الإنثيالات الشعرية المتدفقة لا يمكن أن تصل إلا بقصيدة عمودية موزونة، وتلك الفكرية وتلك الانطلاقات الحسية الشعرية لا يمكن لها إلا أن تكون قصيدة نثر، وهكذا هو الشاعر يتحكم بأدواته التي تشكل بناء النص وفق ما يجده ضمن السياق الفني الصحيح، فتوافدت الى هذه النصوص الثيمات، والتدفقات الشعرية والهواجس الحسية الشفافة، لتتشكل وتتنوع وكأنها باقة ورد تحمل جميع الألوان وتعبق بكل العطور، حيث نجد طواف واسع وكبير لكل نواحي الحياة، وتداعيات كبيرة وكثيرة تتعلق بالحب، والشوق، والهيام، والوله،وكذلك نجد تداعيات الذات المنكسرة التي تتأسى على ما حل بنظام الحياة القويم، وفي البلد، وفي بغداد،وحتى في العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة، ويمر على الفساد والخراب، ويدعوا إلى صباحات مشرقة ويتوق للوصول إليها، وهكذا فإننا سوف نشهد طواف متسع يحمل تنوع كبير، ولكنه لا يخرج عن واحة الشعر الأصيل الذي يناسبه بإيقاعه وموسيقاه وهو يخرج من الوجدان ليدخل الوجدان، وها نحن نشاركه هذا الطواف، حيث نقف مع قصيدة (بغداد) التي حملت شحنة من الأسى والألم لما وصلت إليه:

أما آن لي

أن أكسر عروة مساءاتكِ

فأرى دجلةَ

تفتحُ أحلامها

في كتاب الضفاف

أما آن لي

أن أرى

جسرك الممتدُ من قلبي

إلى رصافة أحلامكِ

يستعيد عشاقه

وفي القصيدة الشعرية القصيرة (شوق) نجده أيضاً يناجي قريته بعد عودة من غياب طويل:

كلما جئت قريتي

اقتادتني خطايَ

إلى طفل ما زال ينتظرني

خلف شجرة

منذ خمسين عام

لكني لا أراه

كما أود أن أشير هنا إلى أن خير من ينسج قصائد الغزل، والحب، والشوق،والانثيالات الوجدانية التي تتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة، هو الشاعر طلال الغوّار، كوننا نحسها انطلاقة حسية عاطفية مفعمة بالأحاسيس الجياشة التي تتصل بهذا الجانب المهم، وهذا ما نجده في مطولته المرقمة (تشرقين في قصائدي) إذ نجدها إشراقة موفقة:

1

كلمّا

تهجّيتُ حبكِ

زهرةٌ

زهرةٌ

وقلتُ إنِّي وصلتُ ايكِ

اتّسعت أمامي

حقول المعاني

وغاب الطريق

16 –

لأنِّي أحبّكِ

كل صباح

أنحرُ بين يديك

قصائدي

20 –

أفتح أزرار بهاءك

وفي لغة الأصابع

أكتبكِ

قصيدة عارية

أما قصيدة (بلادي) فأنها تأخذنا بحس مفعم بالوطنية، ومملوء بالأسى  في رحلة مع ما آلت اليه لحوادث في البلاد:

بلادي

شاحبةٌ وحزينةٌ

ليس سوى الخرابُ

يمشي في طرقاتها

وتنشر في مراياها الشروخُ

لم نعد نراها

كما هي في أعماقنا

لقد فخخوا فيها الصباحات ِ

وعن الربيع المزعوم نكون مع القصيدة الشعرية (ربيع مدمى) الذي يضع فيه أمامنا هذا الربيع المزيف:

نبكي نجوماً كثيرةٌ

وملامحنا هاربة

كلماتنا لا يخرج منها غير الدخان

فتخط أوجاعنا

على صباحات مقطعة

ونعيش مع الليل والشاعر والقصيدة، في النص الشعري (قصيدة)

آخرٌ الليلِ

وحدها القصيدةُ

تصغي الى نزيفِ الكلمات

وتقلبني

حرفاً

حرفاً

كما لو أنها

تقلب تاريخاً طويلاً

من الجراح

بعدها نكون مع قصيدة (عناد) التي تستعرض أمامنا عناد الحبيب لحبيبته بلغة مفعمة بالاصرار:

سأظل ألوحُ لكِ

يا حبيبتي

با الصباحات العنيدةِ

ألوّحُ لكِ

بالقصائد الجميلةِ

حتى تستيقظ

الأنهار

والجزرُ

النائمةُ تحت وسادتك

وفي قصيدة (إحتفاء بصباح شاغر) نكون مع اشراقة من صباحات الشاعر وهو يخاطب محبوبته:

في مرايا صباحاتك

أجدني وحيداً

وأنا أبدأ خطواتي

في طرق لا أعرفها

هل كنتُ أكتشف وجهي

كلمّا أوغلُ فيك بعيداً

كان للشجر نوافذ

تفتح أوراقي للغيبِ

وللأقاصي إيماءة

وهي تلحن أحزاني

وفي قصيدة (وحشة) نعيش الوحشة لفراق الحبيبة بنسق شعري متناسق وقصير:

أمسُ

رأيتُ الحديقةَ

تجهش بالغربةِ

في شجرة بلا ظل

كخطواتي

- كم كان غيابكِ قاسياً

يا حبيبتي

يبدو أن حالة الانكسار النفسي الكبير الذي ألم بالشاعر عندما عاد إلى قريته بعد غياب خمسين عاماً، فلم يجدها كما تركها، ولم يجد حلم الطفولة فيها، ولم يجد أشياءه الذي تركها، كل شيء تغير وصار لا يشبهه، وهذا الحس الهادئ المؤثر كانت له مسحة محببة على النصوص الشعرية، حيث نجد حالة الاستغراب قد غلفت الصور الشعرية بدلالاتها المعبرة، وهذا ما يتضح لنا ونحن نعيش خيبته في قصيدة (خيبة):

حينما زرت قريتي

التي لم أراها

منذ خمسين عاماً

رأيتني

أهزُّ بجذعِ الذكرى

فتساقط طفولتي

حلماً

حلماً

وأنا أقرأ

في حفيف الشجر

أحزان الريح

وفي قصيدة (شارع المتنبي) يضعنا الشاعر أمام حقيقة أن ليس كل ما يكتب شعر، بل أحياناً أنها محاولات شعرية فاشلة، وكأنه يخاطب هؤلاء الشعراء أين الشعر، ويشعر بالزهو كونه يجد أن قصائده وحدها تسير الى جانبه:

في شارع المتنبي

رأيت دخان الشعر

يتصاعدُ كثيفاً

لكن

أين النار

.....

في شارع المتنبي

لم أرَ

غي قصائدي

وحدها هي التي

تسير إلى جانبي

ضمن هذه المجموعة الشعرية العديد من النصوص الشعرية التي تطرح عبر بنيتها النصية ثيمات كثيرة.

المجموعة الشعرية( احتفاء بصباحات شاغرة) للشاعر طلال الغوّار، رحلة شعرية حافلة بالعطاء الشعري الأصيل،حيث نجد فيها ما يروي ظمأنا من رحيق هذا العالم الرحب، وقدم القصيدة النثرية شكلها الذي ينسجم وسيابقها الفني الاصيل، مضيفاً اليها الحسية الشعرية الأصيلة، التي تنطلق من واحة الشعر لتستقر في ثنايا النص، وكان ذك شأن الأنماط الأخرى من الشعر التي ضمتها المجموعة.

 

يوسف عبود جويعد

....................

من إصدارات امل الجديدة طباعة، نشر، توزيع، سوية، دمشق لعام 2017

 

 

 

محمد المسعوديصدرت للكاتب المغربي محسن اليزيدي باكورة أعماله القصصية التي حملت عنوان "مشاهير في مطعم" عن مطبعة سليكي أخوين، خلال شهر يوليوز من السنة الجارية 2018. وقد اشتملت هذه الإضمامة القصصية على اثنتي عشرة قصة، وهي حسب ورودها بين دفتي الكتاب: مشاهير في مطعم، البيت الجديد، دكان العياشي، إبليس وفخامة الرئيس، مزرعة السيد حاكم البلدة، الفاطمي، اللحم، سيرين، حمادة ولد عبد السلام الجيار، زقاق سعيد بن جُبير، رجل العمارة، الرجل الغريب. وهذه النصوص بعض مما دبج قلم الكاتب وسطره عبر مسيرته الأدبية، اختار منها أهم ما كتب، وبعضا مما نشر في مواقع مختلفة. وتتميز قصص المجموعة بقدرتها على اقتناص لحظات طريفة من واقعنا المعاصر بما يعج به من مفارقات وتناقضات، ويقدمها في حس ساخر، أحيانا، وفي سياق درامي حزين، أحيانا أخرى، ولكنها تستند جميعها إلى توليد المفارقة والانطلاق من هذه السمة لتشكيل متخيلها السردي المتميز.

فما تجليات جمالية المفارقة في المجموعة؟ وما طبيعة السخرية فيها؟ وكيف تُسهم هاتين اللمحتين الفنيتين في تشكيل المتخيل القصصي، وبناء الدلالة في نصوص القصص التي يشتمل عليها الكتاب؟

تبدو المفارقة منذ النصوص الأولى في هذه المجموعة القصصية، وتستمر حاضرة إلى آخر نص فيها. ولعل القصة الأولى التي حمل الكتاب اسمها "مشاهير في مطعم" أول تجل يكشف عن التوظيف الفني المتقن لسمة المفارقة لدى محسن اليزيدي. تحكي القصة عن صاحب مطعم مغرم بوضع صور الشخصيات الهامة والبارزة التي تناولت طعامها بمحله، واعتزازها بالدفتر الذهبي الذي تخط فيه بعض هذه الشخصيات كلماتها في مدح المطعم، ونظامه، وفنون أكله، ونظافته. وتمضي القصة في كشف معدن "با إدريس" ومغامرته في جعل أسفل بيته الموجود بزقاق ضيق غامض وسط مدينة أصيلة المغربية مطعما خاصا بالسمك، وكيف آمن بفكرته على الرغم من نصح بعض معارفه من التجار بترك هذا المشروع لفشله المحقق. ولكن الرياح جرت بما اشتهت تطلعات "با إدريس" وأكثر، بحيث صادف افتتاح مطعمه تنظيم مهرجان أصيلة الشهير الذي يحضره رجال الفكر والأدب والفن والسياسة، فكان بعضهم يتردد عليه، ويتناول وجباته عند الرجل الذي لم يدخر جهدا في أخذ صور لهؤلاء المشاهير رفقته، أو منفردين، ثم يختار أجود اللقطات ليزين بها مطعمه الذي أضحت جدرانه مزينة بالكامل بصور المشاهير. غير أن لحظة أقبلت، وحدثا غريبا طرأ على المطعم، إذ صارت بعض هذه الصور تختفي فجأة من أماكنها التي علقت بها. شك "با إدريس" بالعاملين في مطعمه، فصار يترصدهم، ويتملى أفعالهم وردود أفعالهم دون أن يعرف حقيقة ما يحدث. وكاد يزرع في محله كاميرات تراقب ما يحدث فيه، لولا أن نصحه أحدهم بعدم الإقدام على ذلك، لأن الشخصيات البارزة التي تتغذى بمطعمه تعتبر هذه اللحظة من خصوصياتها، ومن ثم ستتخلى عن التردد إلى محله. وبعدما عجز عن معرفة سارق لوحاته وعجز عن الوصول إليه بنفسه حتى يداري فضيحته التجأ إلى الشرطة. وهنا ستتضح المفارقة في أجلى صورها، وتتشكل جمالية توظيفها لتكشف عن غير المتوقع. وعبر هذا التوظيف ينجح الكاتب في تصوير اختلاف وجهات النظر إلى الواقع والحياة، وإلى السياسة بين جيلين: بين الأب (با إدريس)، وابنه الأصغر. كان إدريس الذي لا يعرف في السياسة شيئا يهتم برزقه ورزق أبنائه ورزق عماله المخلصين، وكان حرصه على وضع صور الشخصيات البارزة من وزراء سابقين، أو غيرهم فوق جدران المطعم من باب منح صيت لمطعمه وإغراء الزبناء، وليس وراءه أي غرض سياسي أو مكسب من أي نوع، أما الإبن فكان يأخذ صور الساسة الذين يكرههم ويكره ممارساتهم السياسية لا ليبيعها وإنما ليلقي بها في القمامة، وكان رمي هذه الصور في الزبالة يريحه ويرضيه، وهكذا تؤكد القصة مفارقة بينة بين منظور الأب المسالم الذي لا يهتم سوى بكسب لقمة عيشه، ويرضى بأمر الواقع ويتكيف معه، ورؤية الإبن الجامعي الرافضة المتمردة على ما يقع سياسيا، وما يجري اجتماعيا على الرغم من أن رفضه واحتجاجه تم في سرية وصمت، ولكنه استطاع أن يعكس وجهة نظره تجاه تلك الشخصيات المتنفذة في الحياة المعاصرة.

بهذه الكيفية كانت المفارقة الثاوية في صلب الفعل القصصي سمة تكوينية أساس في تطور الأحداث وانبناء وجهات نظر الشخصيات المختلفة، وتولد الصراع الذي يعد عنصرا فعالا في تحقيق جمالية المفارقة السردية.

وفي قصة "الفاطمي" ينقلنا الكاتب إلى سياق آخر، وعوالم حكائية تتصل هذه المرة بالمدرسة وأجواء الفصل الدراسي. وعبر رصده جوانب من سيرة الأستاذ "الفاطمي" وسلوكاته، ومن خلال تصوير طبيعة ممارسته التعليمية يجعلنا السارد نقف عند اختلالات التعليم، والمفارقات الناجمة عن أفعال المدرسين والإدارة من جهة، وعن مكر التلاميذ ودهائهم وهم يتعاطون مع الظواهر المضطربة والمقررات الكاذبة والمعلومات المغشوشة التي يخضعون لتلقيها، من جهة ثانية. وهكذا كانت جمالية المفارقة نابعة هنا من تركيز الكاتب على تتبع غش المدرس الفاطمي، وإدلائه بشهادات طبية كاذبة تعفيه من مزاولة مهام التدريس آخر كل شهر، حينما يعلم بأن رواتب الموظفين قد مرت في حساباتهم البنكية، وهو يكون في هذه الأثناء يعاقر الخمر في حانات المدينة رفقة صديقه الطبيب. وتمضي القصة لتطلعنا على مواقف التلاميذ مما يتم عرضه عليهم من دروس. وهكذا كان درس مادة "التربية على المواطنة" والمتعلق بموضوع "العدل"، وبقراءة محتوى النصوص المتصلة به، بابا لتوليد السخرية، وانقداح المفارقة في أجلى توظيفها الفني. وعبر ما يمعن السارد في الكشف عنه من خلال ردود فعل التلاميذ وتعليقاتهم الذكية، وإدلائهم بآرائهم حول ما يجري حولهم، تُسفر القصة عن مفارقة الممارسة التربوية التعليمية، وعن إدراك التلاميذ لا جدوى ما يتلقونه، وعسف ما يمارس عليهم من طرف الإدارة والأساتذة والمجتمع. وقد نجح الكاتب في تلمس الاختلالات العويصة التي يتخبط فيها المجتمع ويكون ضحيتها الأطفال الصغار، كما يكشف وهم المنظومة التعليمية وإغراقها في مثاليات لا تجدي نفعا أمام بؤس الواقع وبشاعة الحياة المعاصرة.

وتنقلنا قصة "سيرين" إلى مستوى آخر من مستويات تجلي المفارقة في الحياة الاجتماعية. تحكي القصة عن ظاهرة انخداع الشباب بحركات وسلوكات بعض الفتيات المتظاهرات بالعفة، بينما حقيقتهن غير ذلك. إن المفارقة تكمن في هذا السلوك المزدوج، وهذا التناقض بين إظهار الحشمة والعفة والرغبة في امتلاك بيت، وتأسيس أسرة، وبين حقيقة العهارة والتفسخ والانحلال التي تكون الأصل الخفي. وتركز القصة على غفلة الشباب الذي يسعى إلى التحصن وسقوطه ضحية إغراء الجمال الجسدي ومكر الأنثى. وهكذا نجد الشاب جمال الذي فشل في زواجين سابقين من روسية وألمانية يسعى إلى زواج ثالث من مغربية مثله يفترض فيها الصلاح والعفة، وفعلا تم له ذلك، فتزوج سيرين، وأخذها معه إلى ألمانيا، وأنجب منها طفلة، وكانت حياتهما تمضي كحياة أي زوجين، غير أنه سيكتشف في مقهى بشاطئ طنجة –خلال عطلة صيفية عاد ليقضيها في مدينته- حقيقة زوجته التي كانت مومسا سابقة، وسيعرف لماذا كانت توهمه بأنها لا تحب مقاهي كورنيش المدينة التي تتميز حسب قولها بالتسيب والوقاحة. ومن ثم لم يجد أمامه من مفر سوى أن يعود في أقرب وقت إلى بلد إقامته، مفوضا لمحام مباشرة إجراءات الطلاق بالثلاث.

بهذه الشاكلة كانت هذه القصة التي تعزف على نغمة الأمل، والرغبة في إقامة الأسرة على أساس الصدق والوفاء، قصة مفارقة خالصة لأن بين طياتها سكن اليأس، واستتبت الخديعة والكذب والمكر. وبهذه الكيفية غاصت القصة في تصوير جانب من أخطر ما أصاب المجتمع المغربي، ومجتمعات أخرى، من علل وأوصاب، واختلالات وأعطاب. وقد وفق السارد في جعل المفارقة أساس هذا النص السردي الممتع، وأن يوصل رؤيته القصصية إلى المتلقي بأسلوب سردي سلس، وببناء فني متقن.

وإذا تأملنا نصوصا أخرى في الكتاب نجد السخرية تشكل بعدا جوهريا من أبعادها، وعنصرا فعالا في تأسيس جمالية المفارقة فيها، وخاصة تلك التي اتخذت من معالجة قضايا السياسة منطلقا لها، كما نرى في قصص: إبليس وفخامة الرئيس، ومزرعة السيد حاكم البلدة، والرجل الغريب. غير أننا سنتناول بالتحليل نصا آخر من نصوص المجموعة شكلت السخرية فيه سمة تكوينية جوهرية، هو نص "حمادة ولد عبد السلام الجيار"، وهو نص شكلت المفارقة فيه دورا حيويا، وأدت السخرية فيه دورا هاما. تحكي القصة عن شاب اسمه حمادة، يبلغ من العمر أربعة وثلاثين سنة، يزاول مهنا مختلفة لكسب بعض الدراهم التي تعينه على تلبية حاجاته ورغباته. هو فتى تعثر في دراسته، فصار يتدبر أموره بطرق عدة. وهو صاحب غرائب لا يكف عن الحركة والمغامرة. وترصد القصة بعض طرائف حمادة وعجائب ما يقع له، فكم نجى من موت محقق حتى اشتهر بين الناس بأنه كالقط له سبع أرواح. وكم وجد في نقم الناس نعمة، فحين أعلنت الإذاعات وقنوات التلفزة عن "أنفلوانزا الطيور"، وصار الناس يخشون أكل الدجاج، كان حمادة يدعو ربه أن يديم نعمة الأنفلوانزا، وأن يطيل مرض الدجاج لأنه أصبح يبتاع كل صباح فروجا ليذبحه في بيت والديه، ومن ثم يتنعم به بعدما تعده أمه، وتطهوه كما يحب ويشتهي. ويمضي السارد في تتبع طرائفه ومغامراته، غير أن حمادة -الذي سرق صندوق شباك رقم ستة من صناديق السرك الإسباني الذي عمل فيه أثناء مروره بمدينته- سيصير شخصا آخر مختلفا تماما حينما سيذوق تجربة السجن، وسيعيش بين جدرانه سنتين كاملتين. إذ خرج من السجن وهو في سمت جديد بحيث اكتحل وأطال شعره، ولبس القميص الأبيض وقصر الثوب، وتغيرت مشيته من السعي والهرولة إلى التثبت والبطء، واستحالت نظراته المستفزة الساخرة إلى نظرات هادئة داعية إلى التوقير، وزايل الهزل والمزاح وكف عن مخالطة الآخرين..

بهذه الكيفية ترصد هذه القصة الساخرة مفارقة هذا النموذج الاجتماعي الذي صارت تشهده مدن وبلاد كثيرة، بحيث يكون السجن مكانا لتحول الشخصية إلى درجة النقيض. وتصبح الشخصية صارمة حادة الطباع، تغيب عنها ليونة الطبع المنفتح المتسامح. وبهذه الشاكلة كانت المفارقة عنصرا هاما في تبيان طبيعة هذه الشخصية واختلال موازين النظر لديها، كما تبين جوانب من اضطراب المجتمع وتناقضاته. وقد وفق السارد في جعل السخرية بابا نحو كشف طبيعة هذه الشخصية، وجعل المفارقة بين الطبع الأول الهازل المرح، والطبع الثاني المتشدد الصارم عنصرا جوهريا في رصد تحولات الشخصية، وتحول نظرتها إلى الحياة والمجتمع من حولها.

وتتميز كل نصوص المجموعة بتمكنها من تصوير واقعنا المعاصر في أفق متخيل يمتلك حسا جماليا راقيا وأبعادا دلالية ورمزية غنية. ويوظف الكاتب محسن اليزيدي المفارقة والسخرية أساسا لتشكيل عوالمه الحكائية، وتأثيث رؤيته لما يجري الآن وهنا في حياتنا المختلة المضطربة التي غابت عنها القيم الرفيعة، وطغت عليها مظاهر الزيف والخداع والكذب والنفاق وانعدام احترام الآخر، واحترام الذات، كما حاولنا أن نبين من خلال النماذج التي تناولناها سابقا.

ومحسن اليزيدي كاتب متمكن من أدواته القصصية ولغته الأدبية تمكنا ينبئ عن ميلاد أديب جاد ومبدع ينضاف إلى لائحة المبدعين المغاربة الجادين المجتهدين الذين يأثثون المشهد القصصي المغربي بأزهار سردية يانعة ذات شذى آسر ومنظر خلاب وتجذر أصيل في تربة الإبداع الأدبي الحق. والقارئ المغربي والعربي ينتظر منه أعمالا أخرى لا تقل عن إضمامته الأولى من حيث الإتقان الفني والغنى الدلالي والرمزي.

 

محمد المسعودي

....................

محسن اليزيدي، مشاهير في مطعم، منشورات سليكي أخوين، طنجة، يوليوز 2018.

 

عدنان الظاهرلم يردْ ذكرُ المجوس والمجوسية في القرآن (ذكر الإنجيل المجوس: إذا مجوسُ من المشرق ... / إنجيل متّي) "1" فكيف عرفهما الشعراء العباسيون الكبار دون شعراء العصر الأموي؟ لم يرد ذكر المجوس ـ على حدّ علمي ـ في الشعر الجاهلي ولا في شعر العصر الأموي. ورودهما في الشعر العباسي يعني أنهما كانا معروفين ومتداولين في ذلك العهد فما كانت مصادر تلك المعرفة؟ طبيعي أنْ تكون المصادر محصورة في نطاق الشعراء والكتاب والفقهاء والمفسرين وعلماء اللغة الأعاجم من غير العرب في الأصل في طليعتهم ابن المقفع وربما الجاحظ والشعراء بشار ابن بُرد وأبو نؤاس وأبن الرومي وأبو تمّام اللاتينيّ الأصل كما هو معروف عنه. وماذا عن المتنبي وأبي العلاء المعرّي وهما عربٌ أقحاح؟ كيف عرفا الديانة المجوسية واستخدماها في شعريهما مجازاً أو مباشرةً بل وذكرها المعري أكثر من مرّة  في ديوانه سقط الزند "2" . عرف عرب الجاهلية الديانتين اليهودية والنصرانية بفضل وجود اليهود والنصارى في جزيرة العرب وقريباً منها في اليمن ثم الحبشة .. والمجوسية كما تذكر بعض المصادر فضلاً عن الديانة الحنيفية التي ذكرها القرآن مراراً. عرف تجّار قريش النصرانية خاصة من خلال رحلاتهم الصيفية للإتجار في بلاد الشام حيث الغساسنة النصارى هناك والكنائس والأديرة والصومعات المنتشرة على طول الطريق الذي يربط الحجاز بأرض الشام.

أبدأ بأول مّن ذكر المجوس من بين الشعراء أعني بشار ابن برد . نقرأ في كتاب " شرح ديوان المتنبي "3" تأليف أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري ت 468 هجرية " في الصفحة343 ما يلي:

(حدّثنا أبو الفضل العروضي إملاءً قال: حدثنا أبو نصر محمد بن ظاهر الوزير قال: أخبرنا سعيد بن محمد الذهلي عن العنبري قال: بينا بشّار في جماعة من نساء يداعبهنَّ قلن له: ليتنا بناتك فقال: وأنا على دين كسرى) يعني أنه مجوسي فالمجوسية كانت ديانة كسرى وقومه حينذاك. والمجوسية تبيح الزواج بين الآباء وبناتهم.

الشاعر الثاني في هذا المسلسل هو أبو تمام القائل " 4 ":

بأبي مَنْ إذا رآها أبوها

شَغَفاً قالَ ليتَ أنّا مجوسُ

وثمّةَ شاعر آخر" 5 " لا أعرف بالضبط تأريخ حقبته الزمنية هو عبد الصمد بن المُعذّل كان قد قال في جاريته (كان يسميها بنته) بضعة أبيات أقتطف منها ما يلي:

أُحبُّ بُنيتي حُبّاً أراهُ

يزيدُ على محبّاتِ البناتِ

....

....

أرى حُكمَ المجوسِ إذاً لدينا

يكونُ أحلَّ من ماء الفُراتِ

يُحل الشعراء ممارسة الجنس مع بناتهم ولكن حسب شريعة المجوس ! لم يكتفوا بأزواجهم الحليلات ولا بالجواري والسبايا والفتيات والغلمان وما ملكت أَيمانهم فأحلوا ممارسة البنت زوجاً أو خليلة محظية بانتحال المجوسية ديناً !

وماذا عن شاعرنا أبي الطيّب المتنبي .... هل تناول المسألة المجوسية في شعره ووظفها في أمور تخدم أغراضاً محددة؟ الجواب نعم ولكنْ؟ لم يُخالف الشعراء الذين سبق ذكرهم في توظيفه لمفردة المجوس لكنه استعملها إستعمالاً خاصاً وفي موضع أشد خصوصية لا علاقة له به من حيث إباحة زواج البنت من أبيها والأخت من أخيها فمعروف عنه أنه لم يقترن بأية إمرأة بعد وفاة عقيلته أم مُحسّد. قال المتنبي "6" في قصيدته الذائعة الصيت التي هجا فيها إسحق بن إبراهيم بن كيغلَغ التي مطلعها:

لهوىِ القلوبِ سريرةٌ ى تُعلمُ

عَرَضاً نظرتُ وخِلتُ أني أسلمُ

يا أُختَ مُعتنِقِ الفوارسِ في الوغى

لأَخوكِ ثَمَّ أرقُّ منكِ وأرحمُ

 

يرنو إليكِ مع العفافِ وعندهُ

أنَّ المجوسَ تُصيبُ فيما تحكمُ

إختلف شُراح ديوان المتنبي وغيرهم في تفسير هذه الأبيات ففيهم من شرّق ومنهم مَنْ غرّب وشطَّ من قبيل (قال ابنُ جنّي / يرميه باخته وبالأُبنة ..) ... (قال أبو الفضل العروضي: شبب بإمرأة أخوها مُبارز قتال هو على قساوة قلبه وإراقته الدماء أرحمُ منكِ ...) ... (وقال ابن فورجة:شبب بإمرأة ومدح أخاها ...  ثم قال لحبيبته: أنتِ قاسية القلب وأخوكِ على بسالته إذا لقي العدو كان أرحم منك لي وأرق منك عليَّ، ثم أراد المبالغة في ذكر حسنها فقال: أخوكِ يودُّ لو كان دينه دين المجوس فيتزوج بك، والنهاية في الحسن أنْ يودَّ أخوها وأبوها أنها تحلُّ له ولآجل هذا قال أبو بكرٍ الخوارزمي " تخشى عليها أُمُّها أَباها ". علي بن إسماعيل بن سيّدة المُرسي الأندلسي 398 ـ 458 هجرية " 9 " أحد أذكياء قدامى نقّاد الشعر من حيث الموضوعية والرصانة وبعد النظر فيما يقول وهو فيه متفق مع ما قال كلٌّ من العروضي وإبن فورجة سالفي الذِكْر. أنقل عنه ما قال بشأن هذين البيتين من الشعر ففيما قال نسف لتفسير إبن جنّي لهما وسوء فهم أو سوء نيّة بعض شرّاح ديوان المتنبي الآخرين. قال ((قيل: يخاطب محبوبته، جعلها أختاً تعفّفاً عنها وتنزّهاً عن الفجور بها. " لأخوكِ " يعني نفسه (لا يعني المتنبي نفسه ! إنه قصد أخاها ... مُعتنق الفوارس / ملاحظتي، عدنان) ـ ثّمَّ ـ أي في موضع القتال واعتناق الفوارس أرقُّ منكِ في الهوى وأرحمُ، ذلك على قساوته في الحرب. " يرنو إليكِ مع العفافِ " أي أنَّ أخاكِ ـ وهو يعني نفسه ـ ينظر إليكِ فيُعجبه حُسنكِ إلاّ أنه يعفُّ تشرّفاً لا تديّناً وعنده مع عفّته أنَّ المجوسَ تُصيبُ في حكمها الذي هو نِكاح الأخوات. يتابع إبن سيّدة فيقول: وإنْ شئتَ قُلتَ إنه يتغزل بأخت رجلٍ شجاع فيقولُ لها أخوكِ على شدّته وبسالته أرقُّ منكِ وأرحمُ، ثم أخبرَ عنه أنه يرنو إليها مع العفاف الذي توجبه منافرة الطبيعة لنكاح الأخوات فيذمُّ نفسه على ذلك العفاف الطبيعي وعنده أنَّ المجوسَ تُصيب في نكاح الأخوات. وقد قيل في هذين البيتين قولٌ لا ينبغي أنْ يُلتفتَ إليه لسُخفه)).

ما رأي القرّاء الكرام وخاصة الشعراء ونُقّاد الشعر ومحبيه في تفسير أبيات المتنبي هذه؟

هل في الأمر أُبنة وهل لتهمة الأبنة هذه علاقة بصورة المتنبي الشعرية المُذهلة في قوله [يا أُختَ مُعتَنِقِ الفوارسِ في الوغى]؟ أين دلالات الأبنة؟ مُعتنق الفوارس تعني في نظري المشتبك بالفوارس الذي يباغت عدوه بالهجوم عليه وضمه إليه بقوة ليغرز في قلبه أو بطنه أو ظهره خنجراً أو أية آلة مدببة جارحة وقال مثل هذا الإيطالي ميكيافيللي بعد قرون في كتابه " الأمير " [عانق عدّوك ثم اغرزْ في ظهره خنجرك]. كيف ولماذا يذهب بعض النقاد وبعض قرّاء شعر المتنبي هذا المذهب الغريب في تفسيراتهم؟ لقد ذهب هذا المذهب الغريب حتى بعض قرّاء ومترجمي ملحمة كلكامش إذْ زعموا أنَّ علاقة جنسية مِثلية كانت تربط هذا بصديقه أنكيدو !! المتنبي يتغزل كعادته في مطالع غالبية قصائده العظمى ولا علاقة لغزله هذا بإسحق بن إبراهيم الذي قال هذه القصيدة في ذمّه، لذا فالأُبنة ـ إنْ كانت موجودة ولا أحسبها كذلك ـ لا تخص الرجل المذموم إنما تخص الفارس الذي تغزل المتنبي بأخته:

يا أُختَ مُعتنِقِ الفوارسِ في الوغى

لأخوكَ ثَمَّ أرقُّ منكِ وأرحمُ

يرنو إليكِ مع العفافِ وعنده

أنَّ المجوسَ تُصيبُ فيما تحكمُ

في هذه اللوحة عناصر ثلاثة رئيسة هي: أخت قاسية ظالمة وأخ فارس مقدام رقيق رحيم يجد في العنصر الثالث " الدين المجوسي " ما يخوّله حق النظر إلى أخته نظرة المتشهي الراغب فيها زوجةً حسب الشرع المجوسي. إنها لوحة لا ريبَ معقدة شائكة تثير في البعض الهواجس والشكوك والريب لكنَّ هذا هو شأن ودأب المتنبي في أغلب شعره ففيه التحدي وفيه شئ من السوريالية الحديثة. رقّة فارس شجاع جسور تقابلها قساوة وظلم أخت هذا الفارس الشجاع ... فالمتنبي هو الأمير في شأن جمع المتناقضات في شعره.

الآن، وقد فرغنا من أمر شعراء الحقبة العباسيّة وما قالوا في المجوس والمجوسيّة أرى من الطريف أنْ أذكر شاعراً عراقياً عاصرناه لعقود حتى فارقنا مأسوفاً عليه ... أقصد المرحوم الشاعر عبد الوهاب البياتي فما خطبه؟ كيف تناول موضوعي المجوس والمجوسية وبِم اختلف مع ما سلف من قدامى الشعراء بخصوص هذين الموضوعين؟ سنرى أنَّ الفرق هائل وجسيم لا علاقة له بالزواج من البنت والأخت بل وربما حتى بالأم. هل أنَّ البياتي يميلُ إلى مسألة النار وعبادتها لدى المجوس وما الذي يُغريه في النار وما دلالتها بالنسبة له وهو كما هو معروف عنه رجل عراقي عربي مسلم يميل للمتصوفة وغير معروف الطائفة .. هل هو شيعي أم سُنيّ؟ له فيديو يصلي في حضرة عبد القادر الكيلاني في بغداد.. هل فعل ذلك لأنه سُني الطائفة أم لأنه من أتباع الكيلاني ومدرسته القادرية في التصوف؟ إني مع التفسير الثاني الذي لا ينفي التفسير الأول. على أية حال...  إنه بيّاتي وكفى... رجل مستقيم نزيه يعاقر الخمرة خفيفةً لكنه، كالمتنبي، لا يصوم رمضان ولا يزني ولا يلوط ولا يلعب القمار، مخلصاً لزوجه وابنة عمّه السيدة أم علي، لم يعرف من النساء بعد زواجه غير هذه الزوجة الصابرة المخلصة المتفانية وبهذا فإنه مخالف للشاعر نزار قباني الغارق في عالم النسوانيات إلى أعلى من أُذنيه.

قصيدة البياتي " المجوسي "  7 " هي بيت القصيد، نجد بعدها مباشرة قصيدة للشاعر تحمل عنوان "هكذا قال زرادشت " وزرادشت هو نبي الديانة المجوسية ! وعنوان القصيدة هذه هو بالضبط عنوان كتاب شهير للفيلسوف الألماني نيتشة " هكذا تكلم زرادشت " .. وقد سبق وأنْ نشرتُ مقالة عنه ناقداً مواقفه من المرأة عموماً. لست أنوي نقد قصيدة المجوسي للبياتي فهذا ليس أوان نقدها ولا مكانه لكني سأنتقي من أبيات هذه القصيدة ما يلائم ويخدم منهجي في مقالي هذا وسنرى أنه غير معنيٍّ بمسألة الزواج من البنات والأخوات والرجل ليس مزواجاً مكتفياً بما لديه. كل ما قال البياتي في قصيدة " المجوسي " لا علاقة له بالمجوسية كديانة ولا بنبيّها زُرادشت سوى أنه كتب في مطلع المقطع الثاني من هذه القصيدة ما يلي:

المجوسيُّ من الشرفةِ للجارِ يقولْ

يا لها من بنتِ كلْبةْ

هذه الدنيا التي تُشبعنا موتاً وغُربةْ

كان قلبي مثل شحّاذٍ على الأبواب يستجدي المحبةْ

وأنا لم أتعدَّ العاشرةْ

فلماذا أغلقوا الأبوابَ في وجهي؟

لماذا عندليبُ الحبِّ طارْ

عندما ماتَ النهارْ

نقرأ في المقطع الرابع والأخير:

 

وجدوهُ عند باب البيتِ في الفجرِ قتيلْ

وعلى جبهتهِ جُرحٌ صغيرٌ وقمرْ

وتعاويذَ وقطراتِ مطرْ .

 

أيعود الضمير في الفعل الماضي " وجدوهُ " إلى المجوسي أم إلى الشاعر نفسه؟  أين المجوسية كدين وأين صاحبها زُرادشت النبي؟ لم يضف البياتي شيئاً والظاهر أنه لم يجد ما يقوله حول المجوس والمجوسيّة لا في بيوت نيرانهم على رؤوس الجبال ولا في تحليلهم الزواج من البنت والأخت إذاً: ما سبب اختياره للعنوان المثير المغري بأمور لم يتناولها البياتي في هذه القصيدة. أتذكر أنَّ البياتي قال في واحدة من قصائده إنَّ أباه مجوسي ! سأبحث عنها للتثبت من صحة وقوة ذاكرتي. كلمة " المجوسي " التي جعلها البياتي عنوانَ إحدى قصائدة أراها لفظة فارغة جوفاء خالية حتى من الهواء فكيف يقبلها منه قرّاء شعره؟ في الإمكان وضع أي عنوان لهذه القصيدة من غير أنْ يتغير شئ في مضمونها الذي لا علاقة له بالمجوس والمجوسية (المجوسيُّ من الشرفةِ للجارِ يقولْ) ... في مقدورأي شخص مهما كان دينه أنْ يقول للجار ما يشاء أنْ يقول فلماذا المجوسي هنا وأنا لا أعرف مجوسياً في العراق أو هل في العراق مجوسيون؟ هل يتغير مضمون القصيدة إذا كان مُكلّمُ جاره بوذيّاً أو هندوسيّاً أو ملحداً أو مسلماً أو مسيحياً أو ... أو ...؟

تتكرر ذات الظاهرة مع قصيدة " هكذا قال زرادشت " .... قال البياتي في بيت واحد فقط:

فمتى يهبطُ "زارا " ويناديكَ كما ناداهُ أطفالُ المجوسْ

لا من علاقة تربط باقي هذه القصيدة بما في كتاب " هكذا تكلم زرادشت " ولا بالديانة المجوسية !!

إذا كان الشئ بالشئ يُذكر فلا من بأس في أنْ أذكر الشاعر اللبناني المنتحر خليل حاوي الذي ذكر هو الآخر المجوس في المجموعة الكاملة لدواوينه الشعرية " 8 " فما قال الحاوي وهل أضاف أو سلط ضوءاً جديداً غير مسبوق أو معروف؟ لا شئ ! كصاحبه البياتي سوى ملاحظات قوية ذكيّة ينتقد فيها بعض وجوه حضارة ومدنية العالم الرأسمالي في أوربا .. ليته رأى ما في أمريكا !. نقل في مقدمة الجزء الخاص بعنوان " المجوس في أوربا " ما قرأنا في إنجيل متّي سابق الذكر أو شيئاً قريباً منه: (وإذا مجوسٌ من الشرق يتقدمهم نجمٌ ... ولما رأوا الطفلَ خرّوا وسجدوا له). أنقل بعض ما جاء في هذا المقطع الموسوم " المجوس في أوربا "

يا مجوسَ الشرقِ هل طوّفتمُ

في غمرةِ البحرِ على أرض الحضارةْ

لتروا أيَّ إلهٍ

يتجلى من جديدٍ في المغارةْ؟

مِن هنا الدربُ هنا النجمُ

هنا زادُ المسافرْ !

ساقنا النجمُ المغامرْ

عَبْرَ باريسَ .. بلونا صومعاتِ الفكرِ،

عِفنا الفكرَ في عيد المساخرْ،

وبروما غطّت النجمَ، محتهُ

شهوةُ الكُهّانِ في جمر المباخرْ

ثمَّ ضيّعناهُ في لندنَ، ضِعنا

في ضباب الفحمِ، في لُغزِ التجارةْ !

ليلةَ الميلادِ، لا نجمَ

ولا إيمانَ أطفالٍ بطفلٍ ومغارةْ

ليلةَ الميلادِ .. نصفَ الليلِ .. ضيقٌ ..

....

ذكر الشاعر في هذا المقطع كلمة " المغارة " خمسَ مرّات وواضح أنه يقصد المغارة التي وُلِد فيها المسيح في مدينة بيت لحم. ذكر كلاً من باريس وروما ثم لندن أكبر العواصم في أوربا وأكثرها شهرة وعراقة فباريس مدينة الفكر والفلاسفة وجنرالات الحروب .. أما لندن فهي مركز التجارة والصناعة والفحم الحجري والبخار والكهرباء وقاطرات السكك الحديد وأخيراً روما الفن والأباطرة العظام ومركز الفاتيكان والكاثوليكية. أوربا المعاصرة لا يُنقذها ميلاد مسيح جديد بل ليست بحاجة إليه وإلى مّن يهديها سواء السبيل [[ليلةَ الميلادِ لا نجمَ ولا إيمانَ أطفالٍ بطفلٍ ومغارة ..]]. باريس ولندن وروما ليست بحاجة إلى أنبياء ورُسل أنبياؤها كهنة فاسدون وتجارة وضباب وفحم فمن بحاجة إلى مريم وعيسى جديد؟

أوربا ليست بحاجة إلى مّن يتنبأ بميلاد نبي ولا إلى نجمة تدلّ السحرة والمنجمين على مكان ولادته. .. الصناعة والتجارة والسلاح والمال هي أنبياء هذا الزمان.

 

عدنان الظاهر

.........................

المصادر

1ـ العهد الجديد، إنجيل متّي الإصحاح الثاني، دار الكتاب المقدّس في الشرق الأوسط 1985 وقد تُرجم من اللغة اليونانية (ولما وُلِدَ يسوعُ في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك إذا مجوسٌ من المشرق قد جاءوا أُورشليم قائلينَ أين هو المولودُ ملكُ اليهود. فإننا رأينا نجمةً في المشرق وأتينا لنسجدَ له.. حينئذٍ دعا هيرودس المجوسَ سرّاً وتحقق منهم زمانَ النجم الذي ظهر.....).

2ـ  أبو العلاء المِعرّي، ديوان سقط الزند دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت1980 م

قال في القصيدة التي رثى فيها والدته  " سألتُ متى اللقاء " الصفحة 40:

إذا الحِرباءً أظهر دينَ كسرى

فصلّى،  والنهارُ أخو صيامِ

ونقرأ في حاشية هذه الصفحة: أظهر دينَ كسرى أي أظهر عبادة الشمس، فعل الفرس. وهذا خطأ .. فالفرس المجوس لم يعبدوا الشمس إنما عبدوا النار ودين كسرى هو المجوسيّة.

ثم قال في قصيدة " دِرعٌ كثوب الحيّة " الصفحة 270:

كإنما حِرباؤها عائمٌ

في لُجّةٍ سالمةِ العومِ

 

يصلى، إذا حاربَ، شمسَ الظُبى

فِعْلَ مجوسيِّ الضُحى، المُسلمِ

نقرأ في حاشية الصفحة 270 ما يلي: أراد بالمجوسي الحرباء، اي الدويبة المعروفة ... نعتها بالمسلم لإعتباره أنها تُسبّح الله .... وبالمجوسي لإعتباره إيّاها تعبد الشمس.

3ـ شرح ديوان المتنبي، تأليف أبي الحسن عليّ بن أحمد الواحدي النيسابوري ت 468 هجرية، دار ابن الجوزي، القاهرة ط1ـ القاهرة 2010 . الصفحة 343 .

4ـ المصدر الثالث الصفحة 343 .

5ـ المصدر الثالث الصفحة 343

6ـ المصدر الثالث الصفحة 342

7ـ ديوان عبد الوهاب البياتي المجلد الثاني، دار العودة، بيروت، الطبعة الرابعة 1990 الصفحة 215 .

8ـ  ديوان خليل حاوي، دار العودة ـ بيروت الطبعة الثانية 1972، ديوان نهر الرماد،

X III

بعنوان " المجوس في أوربا " الصفحة 109 وما يليها.

9ـ شرح مُشكل أبيات المتنبي، تأليف أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيّدة المُرسي الأندلسي 398 هجرية ـ 458 هجرية، تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين. دار الطليعة للطباعة والنشرباريس / الجمهورية العراقية، وزارة الإعلام الطبعة الأولى، صدر بمناسبة مهرجان المتنبي بغداد تشرين أول 1977. الصفحات 186 ـ 187 .

 

عبير خالد يحيىتأخذ الذرائعية النص الأدبي وتغوص فيه بشكل متتالي بمستويات واستراتيجيات علمية (نفسية وبحتية) متتابعة كثيرة، لتحصي كل شاردة وواردة فيه، بنقد علمي إغنائي يثري النص والنصّاص معًا، ويفلتر ما يفيد المجتمع من نفحات الأدب، لذلك هي تفصل بين النقد العلمي والانتقاد السلطوي الإنشائي الذي نراه الآن في ساحات الأدب العربي، تحت اسم انطباعي، فهي تغرق النص في كل مستوى من المستويات الذرائعية المتعددة لتتفحّص جزئياته بدقة واحترام واحتراف متناهي:

1- مستوى التبئير Core Level:

ارتكزت الفلسفة الأوروبية من([1] ) عهد (أفلاطون) على مبدأ أحادي رغم وجود فلسفات ثنائية وتعدّدية وثائرة على كل نظام، إلا أن البارز منها في سوح الجدل الفلسفي هو التيار الأحادي، ويبطن تلك النظرة الأحادية البعد  تمركزها على الوعي، وهو مركز الحضور في حدّ ذاته، أو الوجود المسمى بـ(الذات)، وهذا الحضور الذي سماه (هايدغر) بـ(التحديد الأنتولاهوتي للوجود)، وعلى أساسه، أصبح الوعي أرضًا غير آمنة لمدلولات المعنى، وقد بينت ساره كوفمان في كتابها "قراءة دريدا" ([2] ) ذلك بوضوح، حين أعلنت بأن  فرويد -الذي رفض نظام الوعي اللاهوتي- فهم اللاوعي كنظام لا مكان له، لكونه لا يتّسم بصفة الحضور، وأنه يولد اللانظام في عالم الأنا  كمفهوم الكتابة أو الاختلاف عند (دريدا)، الذي يهزّ كيان  الميتافيزيقا السوسيرية  بقوة...

ويعدّ سوسير أول من فهم أهمية الاختلاف وأعتبره أساس في عمل الدوال، فاللغة عنده نظام من الاختلافات، ولا وجود لبنية دون اختلاف في وحداتها، وتعمّد  دريدا بعدم تبرير  كتابته لكلمة "اخت(لا)ف"(difference-deferrence) بهجاء غريب، وخاص خاطىء، ليثبت أن تلك الكلمات تلفظ كلفظ هجائها، وهي في الوضعين الهجائي الصحيح والخاطىء، لكن معناها سيكون مختلفًا عن دلالتها المكتوبة في الحالتين أيضًا، لأنه ليس حبيس منطق جدلي، والمبرر المنطقي في ذلك، يتجلى بإمكانية قراءة وكتابة هذا الاختلاف الإملائي من قبل الآخرين، ولكن ليس بالإمكان سماعه، فقدرة الاختلاف تتجاوز كل الأشكال الثنائية بدليل أن الحرف الأول من الأبجدية اللاتينية يغيب أحيانًا، ودريدا يعتبر الاختلاف استراتيجية ومغامرة، فالاستراتيجية تشير إلى عدمية وجود حقيقة ترنسندنتالية (transcedentalism) تحكم الكتابة، لكون الكتابة ضد كل أشكال الأنتولوجيا واللاهوت. والمغامرة، لأن الكتابة لا تسجن نفسها بهدف معين أو باستراتيجية تسعى للبرهنة على صحة امتلاكها من جديد، لذلك فالاختلاف ليس مسكنًا جديدًا للحقائق والمدلولات، بل زحفًا تفكيكيًّا ضد سوسير وبنيويته . فالدال عند سوسير يظهر للوجود لحظة غياب الموجود، لذلك فهو ثانوي والاختلاف نتيجة ذلك ليس له إلا وجود مؤقت، ويحاول دريدا تجاوز هذا الاختلاف المؤقت الذي يظل حبيس الحضور، ولسانيات سوسير، رغم احتفاءها باللغة وبالدليل، تظل سجينة الميتافيزيقا حسب رأي دريدا، وهكذا برهن دريدا أن الكتابة ضد الوعي ، لكونها أنثى، والوعي يخشى كل ما هو أنثوي، ويخشى تحويله إلى كتابة، لأن ذلك يفقده قدسيته وتعاليه، فالكتابة إيذان بموت الإله وتجاوز لمنطق الهوية.....

وهكذا يهدّ داريدا المدّ اللاهوتي ويسحق البنيوية، ثم يبدأ بتيار جديد يدعى (ما بعد البنيوية) لمجابهة الميتافيزيقية السوسيرية، حين يقرّ فكرة ديناميكية المعنى وحركته المستمرة، وبذلك ينفي  التمركز في المعنى بنيويًّا، ويرى أن " البنيوية تبدأ من البنية، لذلك يشكّك بالعلامات الدلالية، لأنها تنتج تزامنًا مسبقًا قداسيًّا يتعلق بخلود الله الثنائي في المستويين المحكي والمكتوب، ولذا يهتم دريدا بتمزيق البنية وتفكيكها، وينفي قطعيًّا وجود  بنية أو تمركز داخل النص، بل يحاول بنيانه خارج النص وداخله، فتنتج تلك الفكرة تناوب بين التمركز واللاتمركز، قاد ذلك نحو تفتيت الميتافيزيقا البنيوية السوسيرية، ونظام المتعارضات البينية الذي سلكه المنهج البنيوي، الذي يفضي نحو تطبيقات أيديولوجية، ومنها يبدأ برسم حدود ثابتة بين ما هو مقبول ومرفوض، وذات ولا ذات، صادق وكاذب، معنى ولامعنى، عقل وجنون، محوري وهامشي، سطحي وعميق ووعي ولا وعي وحضور وغياب...

ومن ذلك أظهر داريدا بأن المنهج البنيوي ذو أبعاد ميتافيزيقية أيديولوجيًّا،  وقرن دريدا هذا المفهوم بفلسفة الحضور والغياب، ودريدا في تفكيكه الذي مارسه على مستوى المقولة السوسيرية عن (الاختلاف)، يصل  إلى مقولته التي ترفض وتتناقض بالكامل مع

مقولات "سوسير" عن حدوث الدلالة([3])، التي تتحقق بمطابقة الدال لمدلول معين، ولكي تتحقق الدلالة قال "سوسير" بأن اللغة نظام علامات( signs) تحكمه علاقات الاختلاف، فالعلامة تكتسب معناها بسبب اختلافها مع علامات أخرى، لا لصفة في ذاتها، لكن هذا التطابق عند"دريدا" لا يحدث أبدًا، لأن الدال لا يستقر عند مدلول معين، منتجًا بذلك لمعنى أحادي أو حقيقة ثابتة، طالما أن المدلول في حالة مراوغة دائمة للدال، فإن ذلك يعني انفتاح النص على التأويل(interpretation) وإعادة التأويل لو كتب، أو تأجّل زمنيًّا خلف لحظة التكلّم، في حين أن العلامة اللغوية بالنسبة لدريدا تؤكد الغياب، لذلك نجد (الغالبي) في ذرائعيته يخرج عن مراوغة الدال للمدلول بتجاوز ديناميكية المدلول نحو إستاتيكية المفهوم، مادامت كل علامة تؤدي وظيفة مزدوجة في حركة المعنى من الاختلاف والتأجيل، وهذا يعني إن المعنى سيدخل عملية التأويل أي توالد المدلولات، وينتج بدوره توالدًا ذرائعيًّا لانهائيًّا للمعنى المسوّر بالمفهوم، وتلك الحقيقة الديناميكية تؤسس  لذرائعية الاحتمالات المؤجلة(prospective meaningful situations)، ليس من خلال الدال والمدلول بشكل مباشر، بل بحلقة دائرية لإنتاج معنى المعنى  في النص الأدبي، لأن الأدب حسب رؤية(الغالبي) ديناميكي التكوين بواقعه ومنطقه وحضوره،  فهو يحتضن بين جنبيه الخيال والكذب والرمز ومهارة التكوين والإعجاز في اللغة، كما العلم منطقه الحقائق العلمية، أي أن بنية العلامة فيه هي الاختلاف الذي يغني تشظي المعنى نحو التعدّد، ويثبت هذا الرأي عند إمكانية التحليل في الحركة التي يتمركز فيها المعنى في قلب المدلول في الفسحة الإيحائية (inspiration gap)  ليكون مهيئًّا للتوالد الذرائعي إدراكيًّا، ومن هذا الجدل  ينتج أن التفكيك هدم لا يخدم المعنى أو يتوافق مع مكونات ومكنونات النص العربي المترع بالمعاني المتمثلة بالمثل والأخلاق العربية الإسلامية، ويرى (الغالبي) حين نظر للقضية بمنظور معاكس تمامًا: إن المعاني المؤجلة عند الذرائعية هي الهدف، فهي لا تشكل بنية كاذبة، بل سلسلة من معان واعية وحاضرة، واعتبر هذا الغياب التفكيكي حضورًا ذرائعيًّا ديناميكيًّا في المعنى لسلسلة من حالات تأويلية لمعاني عديمة النهاية مضمرة في مخزون اللغة الساندة (discourse Language) في الذهن الإنساني، تستدعي حضور المدلولات الذرائعية التي تتجه نحو مفهوم (  (conceptيسوّرها ليمنعها من الخروج من نطاقه المقفل، لكونها أوضاعًا لغوية(meaningful situations) لسانية ذرائعية رديفة، تحكمها نيّة المتكلمين في التواصل، ومصنوعة بدقة وجمالية فائقة في المكتوب، وهذا يبرهن ويثبت أن النص المكتوب ماهو إلا مزيج من وحدات ثابتة (static) (سيمانتيكية) وأخرى متحركة (ذرائعية) (dynamic)، لهذا السبب يكون النص نسبي في درجة الانزياح،  وهو أكثر وأدق صياغة وجمالية وتوثيقًا بمدلولاته من النص المنطوق، فهو بنفس الوقت يبرهن حضور فاعله بمعكوس عدمية الخلق وموجودية الخالق ...

لذلك يستهل المنظر العراقي (عبد الرزاق عوده الغالبي) ذرائعيته ببؤرة ثابتة ( Core) ([4])بذريعة الثيمة (theme or gist)،  ليعطي منطلقًا ملخصًا، ينقل فيه روح النص نحو بقية المستويات المختلفة للرؤية الذرائعية، مشيرًا بتجذير فلسفي بأنه صناعة إنسانية يقوم بها (نصّاص) مختص يبني نصه على بؤرة ساندة ينتقيها من هموم الناس في المجتمع، منطلقًا من المنظور الذرائعي) الأدب عرّاب المجتمع (يقابل الفائدة بالإسناد الأنثربولوجي للمحرك الإنساني في الحياة  لكل فرد داخل المنظومة الإجتماعية، وتلك قضية من موجبات الأدب الرصين أهملها بعض الأدباء العرب تأثرًا وإيغالًا أعمى في المدارس الأجنبية التي لا تمتّ بصلة للواقع العربي الإسلامي كالسريالية وغيرها، يشترك فيها ضفتي نهر الديمومة العلم والأدب، بحفظ المعرفة الجارية في استمرارية الوجود بين تلك الضفتين، بعد تزكيتها بنقد علمي بناء، حاملًا للسلوكيات البشرية التي تصب بمحيطات الإنسانية، لذلك تناقض الذرائعية  فكرة التمركزعلى (اللاغوس) (logocentric  )،  مقابلًا للصوت (phonocentrism)، التي مركز عليها التفكيكيون نظريتهم، ومجّ (الغالبي) التمركز التفكيكي على الكتابة (graphocentrism) والدخول بمتاهات الاختلاف والإرجاء، واعتبر التفكيك هدامًا لتبنيه مسلك المعارضة لأولوية الروح وسلطة الوسيط، وتحدّيه لما هو أخلاقي، والانغمار في الحياة الدنيوية، والدعوة لاختفاء الرب أو موته...

ويعدّ (الغالبي) ذلك هدمًا لأخلاقيات النص العربي، وهروبًا نحو التعقيد والجدل غير المثمر بالنتائج، وقد أبرز المنظّر العراقي بنظرته المعاكسة والمستندة على مبدأ تمركز ذرائعيته على القرآن الكريم  سيد النصوص المكتوبة، والمنصوص بيد الخالق، والذي يقرّ وجوده بالوعي والبرهان والحواس، بأن حضورالإله مقرور ذاتيًّا بالوعي والعقل، وبالقول المكتوب وليس الملفوظ، حين يأمر  أصحاب اللغة وينهاهم عن فعل لا يرضيه في (سورة الشعراء :(الآيات 224 و225و226و227) منطلقًا له من هذا الحضور المقرور مسبقًا وعيًا وحسًا ووجودًا، وليس فيزيائيًا بموجودية فعله وأوامره المكتوبة، وهذا يجرّنا إلى أن النص المكتوب، هو برهنة دلالية لحضور كاتبه، لكون الحضور هنا يعد حسيًّا وعقليًّا مثبتًا بمقبولية الفعل المنجز في الواقع، وليس جسديًّا، فما عُرف الخالق إلا بالعقل وليس بالتجسيد، لكونه تحصيل حاصل في كل الأحوال، ويبدو (الغالبي) وكأنه يروم القول للتفكيكيين: (أنكم تريدون من الله أن يخاطبكم لسانًا في كل مرة يوجّه فيها أمره لخلقه ليثبت وجوده لكم، مادامت دلالاتكم محكية)، وهذا الخطاب الذرائعي يخلق عقبة أمام الناقد لا شأن له بها، حتى وإن كان اعتقادهم الراسخ بأن كتابة النصوص - وحتى المقدسة منها- تعدّ في نظرهم اختلافًا أحاديًّا تشير نحومفهوم وجودي متدني بموت الإله، وتلك جدلية معتمة وطريق مغلق أراد داريدا فيه إثبات فكرة وجودية، بفحوى قوله : من أن الكتب المقدسة السماوية أقرت موت كاتبها، لكونها حين تخضع للتفكيك تظهر شروخًا ونواقصًا وتناقضات في مضامينها ([5])، وهذا الرأي بعيد عن آلية تعقب المنقوص بالنظرة الأحادية في نقد النصوص، والحقيقة اللغوية تثبت بأن تسمية النص تُبَرْهن بنعته عند كتابته وليس بلفظه، لأنه في لفظه إعلانًا لغيابه  واضمحلاله بعد لحظة التكلم مباشرة، وهذا الرأي أو الاعتقاد بحدّ ذاته يعدّ خروجًا جدليًّا معقولًا ومحايدًا من المأزق الوجوديًّ في الفلسفة الأوربية الأحادية وفلسفة الاختلاف والإرجاء التفكيكية باتجاه الساحة الذرائعية العربية الإسلامية، بتوافق معقول مع الواقع العربي الإسلامي المتدّين بالخلق والإنسانية، تثبته سورة الكرسي وسورة الإخلاص  وسور وآيات كثيرة  في القرآن الكريم والكتب السماوية الأخرى بما يخصّ خلود الإله وصمديّته‘ أما ما يخصّ الكاتب وموته فما يخرج عن هذا الرأي مطلقًا، فالنص العربي المكتوب لا يبرهن موت كاتبه، بل بالعكس ،فهو يعد خلودًا دائميًّا ثابتًا لسلوكه الأدبي، يتجاوز فلسفة الحضور والغياب، وها هو امرؤ القيس يعيش بيننا ولا نعرف حتى متى ولد بل نعرف (قفا) حرفًا حرفًا، لكون النص كيان من دلالات حيّة لا تمسها يد في التغير وإن مات كاتبها، طبقًا لمبدأ التضاد النسبي في الوجود والغياب، تظل مدلولاتها ومفاهيمها مخزونة في عقول الأحياء، تنتقل من جيل الى آخر وهذا ما يشهده ويبرهنه الواقع والتراث الأدبي والمعرفي الإنساني المكتوب والمطبوع والعكس تمامًا في حصة الملفوظ...

وخلاصة القول، فإن داريدا صاحب التفكيك هو رجل فيلسوف وليس ناقدًا أدبيًّا، وضع أسس فلسفة الحضور والغياب بمبدأ حضور الإله (اللوغوس) الذاتي وغيابه، ولكن زجّه الفلاسفة والباحثون في متاهة النقد الأدبي بكتاباتهم المستمرة عند حياته، حتى كسر ظهر الدلالة بغرافية التمركز والاختلاف، باعتباره أن الدلالة اللغوية المكتوبة تصبح ظلًّا للدلالة اللغوية المنطوقة التي تمثل ذاتية حضور الإله، والأخرى المكتوبة تبرهن موته، فهي إذًا تنتج اختلافًا في المعنى يتجلّى في الإرجاء والأثر، وقد يجيء مغايرًا لها حين تكون منطوقة ، ومن هنا انطلقت الذرائعية بتثبيت أقدامها على أرضية النص المكتوب، بشكل مغاير تمامًا لما ثبته داريدا آنفًا بنتيجة موت الإله.. وذلك باللجوء لحيثيات تسلسل المعنى بشكل يعكس حالات لغوية ذرائعية ومفاهيم منفصلة، تعطي أوضاعًا اجتماعية  تتجلى صوريًّا (فالصورة اللغوية اليوم ترسم كالصورة الفتوغرافية، بعد أن دخل الأدب حيز الفن، وتقرّ قوة النص بصورته الجمالية طبقًا لعلم الجمال وعلم البلاغة)، وتدرك في قناة التواصل (communicative chanel ) والفسحة الإيحائية بشكل مختلف حسب إدراك التأويلات السياقية التي توجهها اللغة الساندة (الرديفة) (Discourse Language) داخل العقل البشري طبقًا للسلوك البشري في إدراك النصّاص العقلي، والتوليد التشومسكي في مركز اللغة في المخ البشري بالعمليات الفسيولوجية العقلانية حسب مراحل آلية الإدراك في المستوى العميق للرؤية الذرائعية.....

يتبع....

 

 د. عبيرخالديحيي

................................

المراجع:

1-رشيد  بوطيب- دريدا: تفكيك فلسفة الحضور - مقالة

2-- Derrida lesen » Sarah Kofman، aus dem Französischen von Monika Buchgeister und Hans-Walter Schmidt، Edition Passagen، Seite :53

3- الأستاذ مجدي عز الدين – مقالته – المنشورة في موقع الحوار المتمدن محور الفلسفة- تفكيكية جاك دريدا: نقل سؤال الحقيقة إلى مجال التأويل (4) عن فلسفة الحضور والغياب – رابط الموقع http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=295919

4- عبد الرزاق عوده الغالبي – الموسوعة الذرائعية – المجلد الثالث – الموسوم الذرائعية في التطبيق – المستويات الذرائعية الطبعة الثانية المنقحة – دار النابغة للطبع والتوزيع – جمهورية مصر العربية

 

جمعة عبد اللهيقتحم الاستاذ (حسين سرمك) الموسوعي في خبرته الواسعة في الجوانب التالية (طبيب . ناقد . أديب . مفكر) عالم الرواية من اوسع ابوابها الابداعية . في تقديم رواية نوعية في انجازها الابداعي المدهش . رواية غير تقليدية، بل اعتقد انها افضل نتاج روائي من أدب الحرب . رواية صادمة تصدم القارئ من أول وهلة، ويدخل في مناخها المرعب في السريالية المدمرة، يعيش اعماق كوابيسها السوداء، المفزعة والمروعة، ويستفز بالسؤال الصادم . ماذا بعد الجحيم؟ أنها روية مختلفة في الطرح وتحليل وتشخيص،  آثار الحرب المدمرة، بالجرأة والشجاعة التي عرف بها الاستاذ (حسين سرمك) . بالرؤية الفكرية الموضوعية، التي تسلط الضوء الكاشف، في بانوراما الحرب المدمرة بالموت والهلاك، والاحباط النفسي، الذي يقود الى الجنون، في تدمير الانسان من الداخل، ان يجعله فريسة الكوابيس السوداء، ان يخرج من طور عقله السوي الى طور الجنون والعدوانية، الى المعاناة التي تحطم وتفتت الحديد والصخر . لذلك يسلط الضوء برؤية طبيب نفسي، سايكولوجية دمار الانسان، ان يكون مثالب الصراع الاحباط والانكسار في الانهزام والتقوقع في شرنقة الذات المضغوطة من اثار الحرب، التي هي هلاك للانسان والحياة والمجتمع معاً، ان يدخلهما في سريالية مدمرة، تنسفه نحو الدمار والمعاناة، في السلوك والتصرف، والتعامل في جزئيات الحياة وتفاصيلها . لاشك ان الاستاذ الموسوعي (حسين سرمك) استثمر واستغل بذكاء وفطنة فذة، معاناة الحرب من افواه التي عانت الجحيم، لكي يجسيد هذه الاهوال البشعة في المتن السردي،ان قصص الحرب المدمرة  تخلق اضطرابات وصراعات نفسية قلقة وعدوانية وانطوائية كابوسية، تجعل الفرد  يفقد بوصلة العقل . لاشك ان وظيفته كطبيب نفسي، لابد وان مروا على عيادته الطبية، مئات من الحالات المماثلة، بالاحباطات النفسية المدمرة، يشكون فيها من الصراع والخناق النفسي المهلك . يجعلهم يتصرفون بغرابة، تجاه محيطهم،  وتعاملهم القاسي حتى مع عوائلهم، ان يدخلوا في نزق الجنون والتعامل القاسي بالخشونة في تصرفاتهم، حتى مع اقرب الناس اليهم، او الى احب الناس اليهم . مثل تصرفات الجندي (شامل) الذي عانى الاهوال والويلات من سنوات الحرب الطويلة في جبهات الحرب، ان يفقد عاطفته وحنانه وحبه الابوي و مع عائلته وزوجته (صديقة) رغم ما يملك من الحب والحرص الكبير كامن في داخله، ولكن نوازع القسوة والخشونة، تفتت حبه الكبير الى أبنه (احمد) والى زوجته (صديقة) التي يعتبرها قديسة (هذه اليد المقدسة، أضعها على رأس . أنتِ البركة يا صديقة المقدسة) وبدواعي الحرص الشديد على مستقبل أبنه (احمد) يتفجر بسلوك فظ وخشن تجاهه، ويفقد صفاء العقل والتعامل الحسن  . لكنه حين يعود الى رشده، وتختفي صور الحرب الماساوية من ذهنه، تلعب في ذهنه الرقة الانسانية والصفاء الروحي تجاه عائلته . ويحاول ان يكيف نفسه، لا شك الغياب الطويل عن عائلته، الذي يفيض بالشوق الحارق اليهم، وكذلك يلعب دور حرمانه الجنسي، بتواجده الطويل في خنادق الموت، وتلعب به الشهوة الجنسية الحادة الى زوجته، فيكون لقاء الحب والمعاشرة الزوجية، لتفريغ شهوته الجنسية الملتهبة، فيحتضن زوجته (صديقة) بلهفة مرهفة، ويقول لها بدلال (- سأمزقك اليوم) (- أرجوك، اجل الموضوع الى الليل) (- جئت من الموت وأنتِ تطلبين التأجيل .... مستحيل) (- اذن، انهي الامر بسرعة ... فدو ... الاطفال يحسون) (- أي أطفال؟ سبعة واربعون يوماً في المعركة ولا رفيقة لي سوى البطانية العسكرية) يقول هو يفح بشهوته الغريزية (- كيلو حليب صافي) (- نزول عليك . كنت أظن ان الحرب سوف تعقلك) (- من الذي سلب عقلي غيرك؟ تعالي) . ولكن حين يفرغ شهوته الجنسية، ينزوي ويجهش في البكاء، بفعل الصدمات المفجعة، من اهوال وبشاعة الحرب المهلكة والمأساوية، تجعله يتقوقع في اليأس والاحباط والانكسار النفسي والروحي المهزوم . من المشاهد المروعة التي لا يحتملها العقل . من الجثث المتفحمة المتناثرة حول خنادق الموت، لتكون في نهاية المطاف طعما للكلاب السائبة، كأنه يعيش في عالم من الكوابيس المرعبة، لقد صدمت روحه من المشاهد المرعبة (لقد صدأت روحه من مناظر الجثث المتفحمة من الموت والدمار، الذي عصف بحياته في الجبهة . كأن جنوناً ويوم قيامة، وليس معركة سبعة واربعون يوماً من الجنون الدامي . منْ يقول ان الانسان لديه عقل؟ )، تصرعه هذه الكوابيس وتخرجه عن طوره السوي، الى الجنون السريالي في عدوانيته (أنا مجنون واحارب في (مجنون) واتعامل مع مع مجنونة، ولي ولد مجنون . أعيش في عالم الجنون) لذلك يطرحه هذا الارهاق النفسي الصادم، ويعجز في التعامل والتكيف الحياتي مع الواقع، ومع عائلته، ويحاول الهروب من هذا العالم المرهق والمؤلم بالضغط النفسي الهائل من الصدمات النفسية التي تنهكه وترهقه بعذابها، كأنها ترافقه كظله، بان يتخذ معاشرة الخمرة وسيلة للخلاص والهروب، لكنها توقعه في ازمة متوترة جداً مع عائلته، يتفتت في اعماقه، ولا يعرف كيف يتصرف، بل يعاني الاحتقار الروحي (أريد ان اسكر، اريد اهين هذا الجسد المتجبر . احتقر هذا الجسد) هذه تأثيرات الحرب المدمرة، ان تجعل الحياة تافهة وحقيرة ورخيصة . حياة لا تطاق يتفتت بها الصخر والحديد، لانها تنتهي في طوافات بالعذاب والموت المجاني، تصبح الحياة عديمة لا ضمان لها، بل ان الكلاب السائبة حياتها، هي افضل من حياة الجنود في خنادق الموت والدمار . ان الجندي (شامل) يعاني الصدمة المروعة والهائلة في تصدع روحه وفتتها، بفعل موت صديقه الجندي الشاعر (سلام) قرين روحه يواسيه في خنادق الموت، في مداولات بالشعر والادب. لكن فجأة تخطفه قذيفة طائشة، تحوله الى اشلاء متفحمة، وتتفسخ جثته حول الخندق، وتصبح طعماً للكلاب السائبة . ولم تفارق ذهنه الصورة المروعة والبشعة، صورة الكلب الاسود، الذي نهش الجثة، ويسحب مصران (سلام) لعدة امتار، هذا الفزع المرعب، يتصور بأنه لا محالة ينتظر ابنه (احمد) الذي فشل في دراسته، واذا رسب سيساق حتماً، الى الخدمة العسكرية، ويذهب الى جبهات الموت، ليكون بعد ذلك طعماً للكلاب السائبة، انه لا يتحمل هذا المصير المرعب والاسود الذي ينتظر أبنه (احمد)، لذلك يشدد في قسوة معاملته الخشنة الى العدوانية المفرطة، رغم ما يحمل من حب وحنان ابوي له، فكان في خلوته في خندق الموت، يخرج صوة ابنه (احمد) ويجهش في البكاء المر، لانه يدرك بأن أبنه، سيفشل في الامتحان ويرسب في سنته الدراسية الاخيرة، فيساق الى جبهات الموت، وهو شاب غض وصغير وغرير، لهذا فأنه يعامله من دافع الحرص الابوي، لكي يحاول ن يجنبه المصير الاسود الذي ينتظره، لكن في معاملة عدوانية قاسية، تفشل وتخفق في مرامها، ويعترف ان بفشل محاولاته في تجنب ابنه المصير الاسود . فيبتعد عن عائلته ولا يزورها في الاجازات، حتى يرسل الراتب بيد الجنود، فقد اتخذ قراراً ان يبتعد عن عائلته، لان معاملته القاسية، اصبحت لاتطاق له ولهم، رغم انه يؤنب نفسه، بأنه يقترف اسلوب المعاملة العدوانية، تجاه عائلته وابنه، وانه يحملهم عبء وذنوب فوق طاقتهم، دون وجه حق . و(شامل) لم يعرف بأن زوجته مصابة بالسرطان وتعالج بالكيمياوي،انه في الفترة الاخيرة اخذ ينتشر في جسمها رغم العلاج الكيمياوي، فقد اخفت عنه خبر مرضها بالسرطان، حتى لا تزيد احمالاً اخرى في همومه ومعاناته في خنادق الموت  . وزوجته (صديقة) تدرك حجم الحب الكبير الذي يكنه لها والى ابنه (احمد)، وتعرف انها وحيدة ويتيمة، ليس لها في الدنيا معين ونصير، سوى زوجها، وابنها (احمد) وأبنتها الصغيرة (سناء) . لذلك تدعو يومياً في صلاتها الله ان يحفظه ويعيده سالماً من جبهات الموت . ويحاول (احمد) اصلاح علاقته مع ابيه، بعد سيق الى جبهة الحرب في (بنجوين) وتكتب (صديقة) الى زوجها، بأن (احمد) اصبح رجلاً شهماً ذو ادب واخلاق عالية، وانه قرأ كتبه، واصبح اديب مرموق ينشر قصصه في الجرايد، ويتمتع باحترام الناس، في سلوكه الطيب وانه يسعى الى مواصلة دراسته . وان لابد للعائلة ن تجتمع سوية، وان يعيد أليها الوئام والصفاء العائلي، بفتح صفحة جديدة من التفاهم، وتمتلك رغبة اللقاء الحميم والحار، بين الاب والابن، فيسافر الابن الى ابيه في الجبهة الجنوبية الى (مجنون) ويسافر الاب في نفس الوقت، الى (بنجوين) لملاقاة ابنه الحبيب، لكن القدر الاسود كان لهما بالمرصاد في الاستهتار بالجنون السريالي، في قذيفة طائشة تحول الاب الى اشلاء متفحمة، ونفس القذيفة الطائشة كانت بالمرصاد الى ابنه لتحوله ايضاً الى اشلاء متفحمة، في الموت العبثي والمجاني، ان يمزق حياتهما الى الابد، والنهاية بعد الجحيم، لايتوقف مسلسله المرعب والسريالي، بأن (صديقة)، تستعد لمواجهة الموت المحتوم، بعد تغلب عليها مرض السرطان . في نهاية تراجيدية للجحيم (صديقة القديسة أكملت صلاة الشكر مع بزوغ شمس الصباح الجميلة، وضعت المصحف الذي بللته دموعها تحت وسادة صغيرتها، ونزعت ثوب الصلاة الابيض الواسع الطهور، ولبست دشداشة ملونة بزهور حمراء كبيرة، واشعلت البخور وفتحت الشبابيك والابواب، استعداداً للقاء الحاسم، الذي صممته الحرب) .

هذه فاجعة الاحزن في ملحمة ما بعد الجحيم، في سريالتها الجنونية، التي تتطابق في التشابه والتطابق، مع ملحمة الجحيم العراقي، الذي نعيشه اليوم، بأن العراق مصاب بمرض السرطان في جميع انحاء جسمه، ولا يفيده العلاج الكيمياوي، بل انه يسير الى الموت المحتوم، ولكن يستفز السؤال الكبير . ماذا بعد الجحيم؟؟!!

 

جمعة عبد الله

 

معراج احمد الندويتحتل الرواية العربية الحديثة منزلة سامية في الثقافة العربية المعاصرة وترتبط ارتباطا وثيقا بنبض الإيقاع الداخلي للحياة العربية في ابسط صورها وأعقد تجلياتها فحملت بذلك أحاسيس الانسان العربي وانفعالاته وانشغالاته بقضاياه. فإن لدينا من الروايات العربية التي أرخت جماليا لمسيرة الإنسان والمجتمع في القرن العشرين مما جعلها تتمتع بميزة ديوان العرب.

إن حياة العرب مرت بمراحل مختلفة عبر القرون والعصور. كانت حياتهم ساذجة محدودة في العصر الجاهلي مع ذلك كانت أدابهم على ذروة الفن والكمال. ثم جاء الإسلام فأثر على حياتهم تأثيرا عميقا في كل ناحية من نواحي الحياة ووسع نطاق ثقافتهم وآدابهم وحكوماتهم في العصر من الأموي والعباسي حتى عد عصرا ذهبيا للمسلمين ثم تضاءلت هذه الأنوار واللمعان وتفككت الحكومة وأنشئت حكومات طائفية في مختلف الأقطار العربية. ظلت مصر وسائر البلاد العربية في انحطاط وتخلف شاملين زهاء ثلاثة قرون تحت حكم الأتراك والعثمانيين سادت فيه الفوضى وعدم الاستقرار وغلبت الشعوبية العربية على أمرها بما شاع فيها من الفقر والجهل والمرضى والذلة والانحلال.

وكانت فترة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فترة حاسمة في تاريخ الأدب العربي الحديث ووقعت في هذه الفترة تغيرات كبيرة وتقلبات عظيمة لا تزال تذكرها في التاريخ العربي. وكذلك حدث فيها حركات وطنية واتجاهات أدبية كثيرة. وكانت تتميز هذه الفترة من الزمن بانقلابات هائلة في العلوم والفنون والتكنولوجيا والصناعة والمستجدات المتنوعة. وكان هناك تبادل كبير بين الثقافات والحضارات المختلفة التي أثرت إحداها على الأخرى. فكان من الطبيعي أن يخضع الأدب العربي لهذه التطورات.

فإثر هذا الاقتحام تغير مجرى التاريخ وانقلب تيار المجتمع المصري. شعر المصريون بتخلفهم وتأخرهم في جميع مجالات الحياة ولفت المصريون إلى ما أصاب الغربيون من تقدم في العلم. فكان دخول نابليون في مصر نقطة انطلاق من التخلف إلى التقدم ومن الجمود إلى الحركة. تطورت مظاهر الحياة فيها على اختلافها في مجال المادة والمعنى. وكانت هذه الفترة التي فيها ذاقت معظم البلدان العربية طعمة الإستعمار ولوكانت الاستعمار الفرنسي أو الاستعمار الإنكليزي. وبالرغم ذلك كله فقد كانت لهذه الفترة ميزاتها وخصائصها ، وذلك لأن في هذه الحقبة من الزمن إندلعت من الحربان عالميتان لم يشهد لها هذا الكون مثيلا. ومن الميزات الأخرى لهذه المرحلة من التاريخ هي نشؤء الوعي القومي الذي يعد من التيارات الأدبية والفكرية الحديثة في الأدب العربي المعاصر. قد تأثروا الأدباء والشعرا كثيرا من خلال الاحتكاك بالأفكار الحديثة والثقافة الغربية وساروا في دربها في انتاج أدبهم نثرا وشعرا. فهذه الكلمات تفيدنا بأن أدباء القرن العشرين تأثروا كثيرا بالأفكار الحديثة والثقافة الأوروبية وساروا في دربها.

بدأت حركة شاملة للترجمة والنقل من الآداب الغربيةإلى العربية عندما أبدى محمد علي رغبة شديدة في ترجمة الكتب العلمية والتكنولوجية. وقد أولى عناية بوجه خاص على الترجمة في المدارس كما ألزم على الطلاب المبعوثين إلى الغرب بترجمة النصوص التي يدرسونها في المدارس الأجنبية في أوربا لأن الغرب أصبح أسوة تحتذي ونموذا يقتدي ولكن مع الاحتفاظ باصالة الثقافة العربية. وتعتبر الفترة ما بين 1834-1934م أخصب الفترات من ناحية الترجمة. ثم أخذت الترجمة تتسع في كل ناحية من أنحاء البلاد وشاعت حركة الترجمة في عهد إسماعيل وكثرت الكتب الأدبية المترجمة من الآدب الغربية إلى العربية وبخاصة القصص والروايات.

الرواية العربية من الفنون النثرية الحديثة والمعاصرة التي ازدهرت في أدب العربي بسبب ازدهار الوسائط الجديدة كالطباعة والصحافة والترجمة والتعليم. قد أجمع النقاد والباحثون على أن الرواية هي نتاج تواصل تاريخي متمازج من حركة الترجمة والمحاكاة والخلق والإبداع. وتعتبر الرواية الفن الأحدث بين انواع القصة والأكثر تطوراً وتغيراً في الشكل والمضمون.

تطورت الرواية العربية خلال القرن العشرين تطوراً ملحوظا واستقطبت اهتمام القراء والنقاد على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم كما تنوعت أساليب كتابتها واختلفت أشكالها وتعددت أنواعها وتياراتها وصيغ تقديمها. تحتل الرواية العربية الحديثة منزلة سامية في الثقافة العربية المعاصرة وترتبط ارتباطا وثيقا بنبض الإيقاع الداخلي للحياة العربية في أبسط صورها. هكذا تتمثل الرواية كسجل واقعي دقيق لحياة الإنسان ترتسم على صفحاته تاريخ الإنسان وتاريخ الحضارة بكل جزئياته وتفاصيله.

 دخلت الرواية في أدب العربي من جملة ما دخل في حياة العرب من مظاهر وأثار الحضارة الغربية ومنها تطورت الرواية وبرزت أولا بالترجمة من الآداب الغربية وكانت الترجمة مصدرها الأول حتى إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. ثم توجه بعض المؤلفين إلى التأليف للرواية وازدادت حركة التأليف زيادة كبيرة بعد الحرب العالمية الأولى وحصلت عليها الآن تطورا كبيرا في ميدان التقدم وهي جاءت إلى العربية بالترجمة في بداية الأمر.

إن ميلاد الرواية الفنية في الأدب العربي الحديث إنما جاء على يد محمد حسين هيكل. وفي هذا الصدد يقول الدكتور حمدي السكوت "إن التاريخ الحقيقي للرواية المصرية والعربية بالمعنى الدقيق للكلمة إنما يبدأ بعام 1913م حين ظهرت رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل بعنوان "زينب" مناظر وأخلاق ريفية بقلم فلاح مصري.

ازدهرت الرواية العربية في مصر في فترة الثلاثينات وبرزت على الساحة عديدا من الأسماء مثل المازني، وتوفيق الحكيم، وطه حسين، وعباس محمود العقاد ثم ظهر اسم نجيب محفوظ في  مجال الرواية. وكان له أثره في تطوير هذا القالب الأدبي في لبنان وفي كل الأقطار من البلدان العربية الأخرى. ولا يختلف اثنان في أن نجيب محفوظ أعظم وأبرز الشخصيات التي ظهرت في القرن العشرين في تاريخ الرواية العربية. ولم يستطع أحد أن يقترب ما أنجزه محفوظ في غزارة الإنتاج وتنوعه وأصالته وجديته وابتكاره.

أخذت الرواية العربية من مصر أرضا خصبة ومسرحا نشيطا لها بعد أن فتحت عيونها في بلاد الشام ثم توسعت في الخمسينات وبعدها انتشرت في جميع الأقطار العربية. ابتدأت الرواية العربية مرحلة جديدة في تاريخ الرواية العربية بظهور نجيب محفوظ في المشهد الروائي الذي أصدر ثلاث روايات منذ 1939م إلى 1945م ثم أخرج ثلاث روايات في الواقعية الاجتماعية وأثبت جدارته على صعيد العالمي.

مرت الرواية العربية بمرحلة الطفولة والشباب حتى بلغت نضجها في الخمسينات على يد نجيب محفوظ. وكما أن واليوم قد بات واضحا أن الروائيين العرب منذ خمسين سنة الماضية قد اتقنوا فنهم وأظهروا قدرة على تقديم رؤية أكبر وأوسع تمكن الأدب من تخطي حدود الزمان والمكان. ثم بدأت الرواية العربية مرحلة جديدة في تاريخ الرواية العربية بظهور نجيب محفوظ في المشهد الروائي الذي أصدر ثلاث روايات منذ 1939م إلى 1945م في الواقعية الاجتماعية وأثبت جدارته على صعيد العالمي. اليوم، فإن لدينا من الروايات العربية التي أرخت جماليا لمسيرة الإنسان والمجتمع في القرن العشرين مما جعلها تتمتع بميزة ديوان العرب. ففي هذا التفاعل السياسي والاجتماعي والفكري ولدت الرواية العربية الحديثة وتطورت ونشأت حتى أصبحت ديوان العرب واحتلت مكان الرياسة في جميع الفنون الأدبية.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا -الهند

 

631 رماح الملائكةالواقعية الاجتماعية إحدى الأنماط السردية الأكثر شيوعا في عالم الرواية، كونها تمثل نافذة حية نطل من خلالها على الواقع المعاش، لكن برؤية فنية تتفاعل مع الملتقي بطريقة أكثر تقبلا واستساغة من الواقع الفج، عن طريق صناعة الخيال، وهذا ما عبر عن ذلك الروائي نجيب محفوظ بقوله (الفارق بين الحكاية المحضة والقصة الفنية هو الخيال).. في رواية (رواح الملائكة) للروائي إبراهيم حسين حسن، الصادرة عن دار سطور 2019 .. نجد سيادة هذا النمط السردي على السياق العام للنص، عبر أحداث اجتماعية واقعية، تتخللها رؤى وأحلام، تنطلق من معاناة ذلك الواقع وإسقاطاته على العقل الباطن، الذي لجأ الى صناعة الخيال كوسيلة دفاعية، للهروب إلى الأمام لتغيير هذا الواقع المأساوي الذي يعيشه البطل السارد (جواد)، والذي كان  المحور الرئيسي في صناعة الحدث الروائي وتدويره، والمحرك الرئيسي له وللأبطال الآخرين، على امتداد البناء الهرمي للنص، فقد استعان الروائي بتقنية السارد الضمني لخلق ما يعرف اصطلاحا (وهم الإقناع) أي جعل السارد جزءا من النص لإيهام القارئ بجدية وصحة مايجري داخله، بل ذهب إلى ابعد من ذلك، حين لمح في أكثر من موقع في الرواية إلى إن البطل جواد ماهو إلا الروائي نفسه، وان ما نقرئ ماهي إلا عملية اجتزاء لمشاهد حياتية عاشها الكاتب، ووضعها في قالب سردي روائي، لذلك يمكن اعتبار رماح الملائكة رواية (اتوبيوغرافية) أي تعبيرية، لحضور الروائي فيها بقوة وفعالية.

يبدأ النص بعتبة سردية اختلط فيها الواقع بالخيال، عبر رؤى لم تخرج عن حيز الموروث الاجتماعي الشعبي، وتراكماته في العقل الجمعي للمجتمعات الشرقية، حين يتنبأ الإنسان بقرب اجله، ودنو ساعته، وعندما يتحول الأطفال الموتى إلى ملائكة وطيور جميلة.. مدخل سردي صادم وموغل بالحزن والوجع، لطفل مريض يحتضر في أحضان أمه المفجوعة به، يُحدثها عن رؤى يعيشها وهو يطالع نافذة الطائرة التي أقلتهما عائدين من رحلة علاج غير مجدية، ينتهي المشهد بموته بطريقة دراماتيكية، ينتقل بعدها السرد إلى تفاصيل أكثر واقعية  يمكن أن تمر بها أي عائلة عراقية في مثل هكذا ظرف صعب وحزين، ثم يكسر الروائي هذه الرتابة، بحادث مأساوي آخر، وهو موت الأم حزنا على فقدها لطفلها .. يقف النص عند هذه العتبة،  ثم ينطلق من زاوية جديدة، تمثل محور النص وفلسفته، حين ينتقل عبأ ماجرى إلى جارهم (جواد) الرجل الذي شارف على التقاعد من وظيفته، وحمل شخصية، ساكنة، مرتبطة بثوابت المكان، مسالمة، متدينة، مستسلمة لاقدارها، حاول الروائي أسطرتها وكسر هذا القالب الروتيني لها برؤى خيالية، ومنحها كل هذا الاهتمام والمسؤولية.

الطفل مليك الذي توفي في أحضان أمه، يتحول إلى كائن خيالي يشبه الملاك، ويصبح زائرا مواظبا يؤنس ليالي جواد التي تسودها الظلمة والترقب، لغد قد يكون أفضل من سابقه.. فقد تحولت نهارات جواد إلى محطات انتظار مضنية تشوبها المتناقضات ( اليأس والأمل، الحزن والسعادة ) لليل سيتمكن فيه من رؤية مليك الطفل الذي أحبه وتعلق به في حياته.. تسيدت هذه النهارات على الوجه العام للنص وشكلت الجزء الأكبر منه، وعضدت هرميته بتفاصيل تكررت كيوميات عراقي يعيش محنة الفوضى والإرهاب ونقص الخدمات، حتى وصلت حد الإسهاب، واعتقد إن الهدف الذي كمن وراء هذا التكرار، هو لإعطاء صورة كاملة لحالة البطل النفسية والذهنية المأسورة لهذا الواقع، والتي قادته لهذه الرؤى والأحلام.. كما عبر عن ذلك هنري جيمس بقوله (إن مهمتي التي أحاول الاضطلاع بها هي أن أجعلكم ترون).

من الملاحظ إن البطل (جواد) حاول جاهدا على طول الامتداد الأفقي والامتداد العمودي للنص، إثبات مصداقية مايحلم به للآخرين، من خلال حوارات ماراثونية تبريرية مع زوجته أم رباب، وتستمر هذه الحوارات لتنتهي بعملية (سرد ممسرح ظاهري) قام به أمام مجموعة من أقاربه في مدينة العمارة، لعب فيه دور الحكواتي، عبر تقنيات (الاستذكار والاسترجاع والتلخيص) كان الهدف منها لملمة شتات نصه وبيان دلالته، وإقناع الحضور بجدية وحقيقة رؤاه .. لكن مثل هكذا نصوص سردية يختلط فيها الواقع بالخيال ويتداخلان بطريقة تفاعلية، لاتحتاج كل هذا الكم الكبير من التفسير والتبرير ومحاولة ايجاد مخارج منطقية لاحداثها من قبل الروائي، بل كان الأجدر ترك النص حرا يعبر عن نفسه كيفما يشاء، دون ممارسة كل هذه السطوة عليه من قبل الكاتب، فالجيش الذي شكله الطفل مليك مع مجموعة من الأطفال القتلى ضحايا الإرهاب، لمقاتلة الإرهابيين والثأر منهم، كانت نتائجه الملموسة تبدو واضحة للعيان على ارض الواقع، لكن بتجليات وسببيات أخرى، لم يكن يدركها سوى جواد نفسه، وهي بالمنطق غير قابلة الحدوث، لذلك كانت محاولة إثباتها عملية غير مجدية .. لذا فأن الرؤية الأدبية التي يعدها الناقد تودروف ( بأنها أهم شيء في العمل الأدبي)، نجدها هنا قد توحدت في هذا النص بين البطل جواد والكاتب إبراهيم حسين، وهذا جعل من الأحداث تُفسر بوجهة نظر واحدة وأفق ثابت، حتى تداخل السارد الخارجي العليم الذي يعرف كل شيء عن الأحداث، وماجرى وما سيجري، مع السارد الداخلي الذي يعرف جزء من الحقيقة.

في رواية رماح الملائكة، استخدم الكاتب نوعين من  التكنيكات السردية، الغرض منهما تعضيد نصه وهما:

1- صناعة (القرين) أو مايعبر عنه سينمائيا بالبطل الظل، الذي يتشارك مع البطل في جزء مهم من أفكاره ورؤاه وهمومه، أو يشابهه في ظروف حياته وأقداره، فقد كان (سوار) حفيد البطل (جواد) قرينا استعان به الروائي ليثبت صحة مايراه بطله الرئيسي (جواد) ويدركه، فكان سوار يرى بعضاً من رؤى جده، ويعيش شيء من معاناته، وهو يرى مليك وأصدقائه الموتى. 

  2-  القصص جانبية التي تشير إلى نفس المعنى العام للنص الرئيسي، وهي دلالات توضيحية للجو  الذي يحيط بالبطل، مثل (قصة الطفلة دنيا التي قتلها الإرهاب، قصة الطفل سهيل الذي كان ضحية للإرهاب، قصة سالم ابن جواد ومقتله في حرب الخليج الثانية) حيث هيمنت القصة الأخيرة على الوعي القائم للبطل، وكانت سبباً رئيسياً في تولد الأحلام والرؤى التي عاشها وتأثر بها.

كانت لغة النص بشطريها السرد والحوار، نخبوية بعض الشيء، انطلقت من بيئة ثقافية ثابتة، لم تراعي المستوى الثقافي والتعليمي للأبطال، وهذا مطب سردي يقع فيه اغلب الكتاب، حتى الكبار منهم.. لكنها في نفس الوقت كانت لغة سلسة مرنة غير متناقضة ولا متكلفة، قادرة على إيصال سيميائية الصورة والحدث بدقة وعفوية.. إضافة إلى أن الروائي اعتمد مقاربات واستعارات قرآنية، واستخدم فيها الأفعال الإخبارية الماضية، والتي تفيد التقرير، أي تجعل من أحداث الرواية يقينية واجبة الحدوث ..لذا يمكن أن نطلق على (رماح الملائكة) بالرواية الواعدة، التي تبشر بظهور روائي له القدرة على صناعة الحدث الروائي بطريقة غرائبية، وباستطالة سردية أفقية تغطي هذا الحدث وتغنيه.

 

احمد عواد الخزاعي

 

احمد شحيمطإبراهيم الكوني الروائي الليبي في سردياته انهمام بالصحراء وعشق للطبيعة والذات . الصحراء البكر برمالها وسكونها وليلها الذي يرخي سدوله للإنصات للوجود . في قلب الصحراء كائنات. الإنسان والحيوان والنبات . في أجوائها يهتدي الإنسان للراحة وسكينة العيش . الفضاء الذي تسكنه الألفة والمحبة . يزيد الإنسان إحساسا ببساطة العيش وتنفس الحرية . الصحراء فردوس مفقود والواقع حسب الكوني أن العرب تنصلوا لرسالة الصحراء . ففي سرديات الكوني الصحراء روح وتجربة حية لإنسان لا يبرح المكان ويعود إليها من جديد عند الالتقاء بالمياه. هذا المكان المسكون بالعشق وعدم الفرار من الحياة في الصحراء دليل على تكيف الإنسان في قلبها . ليس المكان مرادفا لشظف العيش والقهر والرياح الهوجاء بل في المكان سحر لا يتمثله إلا من شربت نفسه عذوبة الصحراء وترسخت في أعماق اللاوعي نبضات المكان المفعم بالحياة والعطاء.

في تأملات الكوني الصحراء فضاء للرحيل والانتقال والعبور من مكان إلى آخر . انتقال لا يعني السكون والاستقرار بل انتقال بالأجساد والنفوس في أمكنة من الصحراء للبحث عن هناء الضمير والعيش الرغيد بحثا عن دواء يروي ظمأ الإنسان وكائنات الصحراء. انتقالا تغذيه نواميس وأعراف وتقاليد الإنسان في عدم الاستكانة والمكوث في مكان زمن أطول. حالة الرحل على مرة الزمن في الترحال والتجوال . القبض على الزمن في حياة سكان الصحراء والالتفاف على المكان ووصف العيش في قلبها من مهام الروائي في تبليغ رسالة فحواها أن الزمن هنا لا يقاس بالساعات واللحظات والمكان ليس الفضاء أو الحيز بل في وحدة الزمان والمكان إيقاع للحياة السريعة والممتعة . فالبحث عن المكان الذي منه انطلقت الرسالة الإسلامية للعالم في العبور نحو السهول والجبال والأودية . رؤية الكوني للعالم والحياة إنسانية وفلسفية .وبالأدب يرتفع الكوني نحو تأملات عميقة في الوجود والموجود . ويسخر القلم للكتابة للتعبير عن تنصل العرب لرسالتهم التي انطلقت من الصحراء وتنصل السياسة للهوية المنبثقة من التراب والأرض . الصحراء غدير ينبض عطاء وسخاء. ألفة ومحبة في سبيل ذلك يعود الكوني ليعيد استنبات الأصيل في ثقافتنا من البيئة برؤية أدبية ممزوجة بالفلسفة وذاكرة حية مليئة بأحداث من المكان . ويستعيد الزمان ليروي الحكاية من عبق التراث الفكري والعلاقات الإنسانية في الصحراء .

من قال أن ميزة القبيلة في الصحراء الصراع والتناحر . لكن الكوني يفند الرؤى السلبية من قلب الصحراء ومجتمع الطوارق عندما يحكي عن الجزء المنسي من الحكاية . الجميل في سرديات الكوني أن الرواية حكاية تحكى معه من البادية وخصال البدو الرحل وليس من المدينة .وليست كملحمة بورجوازية بتعبير جورج لوكاش . الرواية هنا عكسية من الصحراء تحكي وتعبر عن حياة غنية بكنوزها وأساطيرها وقيمها . الصحراء التي يتغنى فيها الكوني هي الفضاء الذي عرف ميلاد حضارات ودول وكيانات ومنها كان العبور إلى بلدان أخرى . حضارة الطوارق التي أنصفها ابن خلدون في كتاب " المقدمة " وقال أنها امة عظيمة . أقيمت فيها دول وكيانات . فالكوني لا ينفي الجذور وهو يقيم في سويسرا الباردة ويعبر بقلمه واليات الكتابة السردية المقتبسة من القراءة المتشعبة للسرديات الغربية والعالمية كذلك .

النهضة المفقودة يعيد إنتاجها الإنسان . والحرية لا بديل عنها فهي جوهر الإنسان الذي سكن الصحراء . والرحيل استجابة لنداء وجودي . نداء الحقيقة على طريقة مارتن هايدغر . نداء لانكشاف الحقيقة والإنصات للوجود بدل الموجود . الكوني بصراحة ليس روائيا أو شاعرا فقط بل فيلسوفا يحسن الإنصات للوجود ويعتبر أن الصحراء مكان ضائع يؤسس للوجود والموجود . الحرية جوهر ونداء يبحث عنها الإنسان في ذاته وفي الرحيل والالتقاء والعبور من هنا إلى هناك .يرحل الكوني من الفضاء الأصلي إلى روسيا ومنها إلى سويسرا ويعود للصحراء من جديد ويعيد السفر إلى أمكنة متعددة .يعثر على ذاته العزلة والعودة من جديد . وفي قوة سرديات الكوني حضور قوي للرموز الدينية والأساطير والتاريخ والتراث . شعرية المكان وسيميائيته يضفي لمسة دلالية على الفضاء الذي ولد فيه الكوني وشب في أحضان الجماعة وقيمها .وبين الفينة والأخرى يعود إليه من جديد من سفر طويل في الغرب .

ناموس الصحراء تلك القيم النابعة من عمقها . ولما ينقسم الناس في الصحراء بين الاستقرار والعبور بفعل دخول القيم البديلة .والصفائح الإسمنتية والبيوت العالية . حيث اقتلعت رمال الصحراء بفعل الجرافات والآلات الباحثة عن خيرات الأرض في سوائلها . الغاز والنفط مصادر في تدمير العيش وفق ناموس الصحراء . نداء ما كان بعيدا عن أهل الصحراء وبطولاتهم في الدفاع عن منطق الصحراء إلى حدود المياه . شدة الناس ولينهم مأخوذة من محبة الخير وكراهية الظلم . والنساء تسري عليهن الحرية وعشقهن للشعر والشعراء مبدأ قويم في الأنوثة . ولو خيرت المرأة بين البطل والشاعر وأصحاب المال لاختارت الشاعر بلا تردد . فالصحراء خلاء مشغول بالفراغ . في الصحراء لا يتقيد الإنسان بالزمان . السير والسهر واللقاء في الليل واحتساء الشاي والقول المتين في مرامي اليومي وتأملات في السماء . في الصحراء أكثر الكنوز هي الحرية وفرار الإنسان من عبادة للإنسان. لذلك قال إبراهيم الكوني في كتاب " نزيف الروح "  قولة مأثورة " في الصحراء لا يوجد شيء .

في الصحراء يوجد كل شيء "السكون . والعرف والتقاليد . والألفة . وحيوان الودان . ونداء الحقيقة في سكون الصحراء. في المكان الضائع يخلق الكوني حوار بين الغريب في قواعد الصحراء يرسل الأبله لاستطلاع الحقيقة وعند العجز ترسل الحسان ويسميهم الكوني بأسمائهن : تفران . تمريت . تامنوكالت. تاهلا . تامولي . تديكت . زهور الرتم . فالغرباء بطبعهم متكتمون في طبائعهم وخفايا نواياهم . غامضون وعابرون للمكان . الغريب لا يملك القدرة في إخفاء ذاته أمام دهاء النساء وينتهي الكوني من كل حكاية لإبراز ناموس الصحراء دون قيود القوانين الوضعية أو السير على خطى المدنية المعاصرة. لا يصنع المكان كفضاء متخيل للسرد على مقياس السرديات المعاصرة بل المكان حقيقي يضفي عليه الروائي لمسة جديدة من الكلمات والشخصيات المتخيلة . والأحداث التي تنفلت من الوصف والسرد . فالكوني يميل الى استعمال ترسانة من الكلمات المفعمة بلغة شعرية فياضة للوصف ورؤية مثالية وإنسانية في القبض على المكان الضائع من الرواية .

حديث الكوني عن الروح والنزيف ومظاهر العيش والتنقل والفرار والكائنات الموجودة في الطبيعة هو بالفعل كلام في التناغم والسكون . الطوارق يعشقون الصحراء عشقا صوفيا لان الصحراء رمز للبساطة والسعادة . ونداء الحقيقة في عمقها يوجد الإنسان بعيدا عن التيه والاغتراب . يسكنها ولا يبرح مكانها إلا للانتقال والسفر في دروب الأمكنة والأزمنة والعودة إليها من جديد. هنا يوظف الكوني الرموز والأساطير والقيم الدينية المختلفة للتعبير عن شجون الإنسان واغترابه في عالم الماديات والمظاهر .ويبحث عن إمكانية القبض على تلك الوحدة بين الزمان والمكان في الصحراء . في مجتمع الصحراء الحرية جوهر الكائن . الصحراء هي الانتماء والأصل والانبعاث والاستمرارية في مقابل مجتمع التبر . هكذا يعبر إبراهيم الكوني في تأملاته عن الوجود والموجود في فضاء الصحراء .المكان الضائع في ترسيخ قيم الحرية والمحبة وانتشال الإنسان من التيه والاغتراب بفعل التحول من القيم الأصيلة للقيم المادية . ومن المجتمع البسيط إلى المدن الإسمنتية . والأكيد حسب الكوني أن ما يعانيه العرب اليوم من أزمات سببها بالأساس تخليهم عن قيم الصحراء . ومن يقرأ في روايات عبد الرحمان منيف عن خماسية مدن الملح في كل أجزائها يدرك نتائج التيه عن بوصلة القيم واختيار التبر وحياة الرخاء على السكون والألفة  . وعندما كان يسأل عبد الرحمان منيف عن ذلك في المبالغة من المخاطر المحدقة بالعالم العربي يكون جوابه في غالب الأحيان أن الانتقال من البداوة إلى الحضارة كان يمكن أن توازيه صحوة في الوعي وبناء الحضارة وفق معطيات القيم المحلية . والتأثر بالحضارة الغربية ينبغي أن يكون متوازنا .

يعتبر إبراهيم الكوني روائي كبير يكتب بلغة الضاد ويعبر من المكان البعيد – سويسرا- عن ذكريات وتجارب الإنسان في الصحراء في قوة المشاهد والحكايات المروية من عبق التاريخ الفردي والجماعي  يصنع عالمه الخاص في اختيار شخصيات من المكان وينزوي بالذاكرة في العودة للذات وللمعيش . فالمكان الذي يسكنه الشخص مرآة للطبائع والسمات النفسية والثقافية وحياة الشخصية الفردية والجماعية تعكسها بصورة دقيقة المكان . وما يميز إبراهيم الكوني الإنسان كلامه القليل في السياسة واستلهامه المعرفة من مصادر متنوعة من القران الكريم وسفر التكوين والعهد القديم ومن الأساطير . وفي نداء الحقيقة يكشف الكوني عن طبائع أهل الصحراء ومنها الرفض المطلق للعبودية والاستعباد . ومن يتأمل في مرامي سرديات الكوني يخرج بانطباعات أن الكوني نتاج للسفر والترحال بين الأمكنة والأزمنة .وان كان قوله يأتي من بعيد فان الرجل سكن الصحراء وسكنته رمالها وليالي انسها وجمال طبيعتها . وفي سردياته انهمام بالذات والوجود بحثا عن ما هو أصيل في قيمنا على شاكلة ما يرمي إليه الفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر . وأخيرا يمكن القول أن الكوني في أعماله الروائية واستناده في وصف الصحراء وقانونها الداخلي وطبائع البشر فيها يعتبر بالفعل فيلسوف الكينونة بامتياز .

      

بقلم احمد شحيمط - كاتب من المغرب

 

احمد الشيخاويفي ديوانه" طقوس المكان" للجزائري بادر سيف، المعروف بغزارة نتاجه الشعري، يذهب بنا إلى عوالم، أقل ما يقال عنها أنها تجديف في بحبوحة الوهم المدغدغ اللذيذ.

معجم سيف في مجمله من المعيشي واليومي الطافح بمعاناة الكائن، ومكابداته، بدء بأولى قصائده المفجّرة لأوبئة مجتمعية عديدة، وتجوالا في محطات الكينونة الهامسة، الملغومة على امتداد رفع الصوت الشعري، وتسريع إيقاعاته، عبر تلوين المنجز بقصائد انقلابية، تمتح من عنكبوتية تداخلات الهواجس والانشغالات، مابين الذاتي والمشترك الإنساني والكوني.

بحيث تكتسي تجربة سيف رائد الشعرية، طابع الفرادة والاستثناء، من طاقة الذات المبدعة القادرة على التوغل في الجرح الإنساني، ملامسة صميمه.

من خارطة بوح ينساب ويتدفق بعفوية، دونما كلفة، أو إسفاف، ليغازل المتلقي بجدّة المعنى وثراء المشهدية والصور، وعمق الرؤى وتنويعات الايقاع.

استهلالا بنص" بوح لزند المعنى" والمتلقي يتوهّم معه، موقع سقوط الطلقة، بوص الكلمة رصاصة، من نوع وعيار خاص، ألم يقل بحقها أحد الشعراء القدامى العرب فيما معناه أن النار بالفم توقد وبه تُطفأ أيضا.

كناية عن المعنى في وظيفتيه القاتلة والباعثة المحيية، على حدّ سواء..؟

[على خيط دخان

نعم أعرض في الشارع جلد أفعى

أجنحة المشانق

أعبر النهر حافيا باكيا، لا بد أن أعبر النهر

إلى ضفة الأبجدية

حيث السنابل ووسائد العشق

ملاءات الغنج ونسك الشعوب

وراء التخوم](1).

وإذن...ما الوراء المتخيل ههنا؟والمتاحة معه فرص اقتناص حظوظ ومعاني الحياة الموازية، هنا/هناك، بعيدا/ ٌريبا/ حاضرا/غائبا، في الضفة الأخرى.

تلكم جريرة إدمان الكتابة، وحدها كفيلة بمنح العبور الإنساني مخملية وغنجا من طراز خاص، تجاوزا لراهن الأوبئة الموغلة في إدماء إنسانية وروح الكائن.

[لا تكن قيدا للرغبة

لتكن سمائها الحزينة، تحبل قرب سرة الدروب

كن منحدر الفضائل

رقصة السكر

واحرس طريق الليل

من وشوشات التحري

كن كما كانت الريح

عازفة لحن السلام، وهي مشنّفة بشناعة الضياء

واجعل من رقصة البحر

ملمسا لطوب النكاح

كي تهدهد غصن الوسن] (2).

في هذا الاحتمال، مثلما هو مستلهم من عتبته، نفطن إلى أن استعمالات سيف للمفردات المجلجلة والنافرة نوعا ما، ضئيل جدا، ولا يتمّ إلاّ عند الضرورة القصوى، مثلما هو وارد في سطر" ملمسا لطوب النكاح"، كونه استعمالا محظورا، أقول محظورا تبعا لقاعدة رمزية ضمنية، قد لا تستشعرها سوى الأذن الموسيقية للمتلقي، والحدوس النقدية المتقدة، فقد زان مثل هذا التوظيف الذكي للمفردة" نكاح" طوب النكاح، بعدا طوباويا غامزا بمعاني الاحتمالات المثقلة بها عتبة النص، بالنهاية.

[ألفع ثوب الحبر العابر للظن

أعصر الرّفض

تأتي الشمس ضيفة طيعة

يبكي نهاري المطوق المنعزل

ما هذا الهجر؟ اليأس اليأس

مدن تنام في قعر الجبّ

البجع مكانس لمدائن اليباس

وفعل الشواطئ عود إلى تاريخ الحضرة

الآدمية ](3).

فنصوص تتوالي وتطّرد، ممعنة في بهرجة مثل هذه الفسيفساء الكلامية، وفتحها على حيوات موازية، أظلّ أسمو، صوت المدينة، العاشق، الرائي، المتّهم، إقامة، بطاقة عبور، تعاليم من جهد الزنابق، تهويمة، أمواج، رايات، موسيقى لضفاف الشمس، فمطوّلة وسن تحت ظل الصهيل.

[في المدن المنسية، لا التاريخية

بابل، بغداد، سرمن رأى، أقصد خربشات الأغاني

زمن الوصل

عيون العذاب

هذا الجنون الذي يلطّخ السحاب

بأماني تضحك جدران الأسى

يرسم برعما على هيأة الوردة، يلسعه

يأمره:تحرك، دب، كن

ما لا يقدر عليه ولا يجب

يمر طير فوق النوافذ المهشمة

يلهو بغبار النساء وزبد الراحة](4).

حيازات للمعنى في النصف الآخر من الذات، أو الضفة الآدمية الثانية، حيث الحياة موازية، مترعة باستدعاءات الموروث الملحمي والديني والإنساني، ومترفة بوصايا الاحتفاء بمكامن النبل والجمال والنضارة والعنفوان في إنسانية الكائن.

صرخة على مقاس التحريض على العود إلى الحضرة الآدمية، مثلما مرّر في أكثر من مناسبة، إمّا بشكل مباشر، أو إيحائي، هذا الشاعر المتّهم، وهو يستثمر في مفردات إثراء لغة الحذف، منبّها إلى قوة وجبروت الصوت داخل دوائر ودهاليز ما لم تغتصبه الألسن بعد، ليظل متروكا للبياض، في عذريته وإلهامه، كونه الأفصح في التعبير إلى حاجة غائرة في النفس البشرية الملدوغة بوجع كوني متوحّش، تفيد حجم غبننا إلى حياة نقية قليلة الانتهاكات، تعبر بنا إلى أفق المكسب الروحي، ضمن ثقافة إنسانية جامعة.

وهل هذه الطقوس، طقوس المكان الديوان ههنا في حالة الشاعر الجزائري الجميل سيف رائد، وبمعنى من المعاني، إلاّ محطات تحدّ وانتفاض وفرض للذات، محطات ثلاث تصبغ العمر الآدمي، مثلما هو ملغوم بها بالتمام، وأقرّته شعرية الديوان: الولادة، الدينامية، الكينونة..؟

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

....................

هامش:

(1) نص بوح لزند المعنى

(2) نص ربما.

(3) نص الرائي.

(4) نص طقوس المكان.

 

جودت هوشيارعاش الكاتب المصري صنع الله إبراهيم بضع سنوات في موسكو في مطلع عقد السبعينات طالبا في معهد سينمائي بمنحة سوفيتية لأحد الأحزاب العربية اليسارية . وقد أصدر في عام 2012 أي بعد حوالي أربعين عاما من إقامته في موسكو، وأكثر من عشرين عاما على تفكك الإتحاد السوفيتي   رواية بعنوان " الجليد "، وهي على شكل يوميات موزعة على 126 مقطعا، بعضها أقل من نصف صفحة، وبعضها الآخر صفحة واحدة أو أكثر قليلا، بطل الرواية شكري طالب دكتوراه مصري في معهد (التأريخ المعاصر) ويقيم في المنزل الطلابي (الأبشجيتى)، ولا يحسن من اللغة الروسية سوى بعض الكلمات والعبارات الدارجة. ويعيش في دائرة مغلقة ضيقة هي غرف المنزل الطلابي، ومرافقه الخدمية، أو الشوارع القريبة من المنزل . يومياته متماثلة، فهو يفعل اليوم ما فعله بالأمس من دون أي تغيير يذكر .

الراوي رجل في الثالثة والخمسين مصاب بالتهاب البروستاتا، ولكن هذا لا يمنعه من اقامة علاقات حميمة عابرة مع عدد كبير من الطالبات من المنزل الطلابي الذي كان يسكن فيه، وأحياناً حتى مع نساء اخريات تعرّف عليهن في المقاهي والمطاعم .

الرواية مكتوبة بضمير المتكلم (أنا) . والراوي في الرواية الحديثة هو في العادة غير المؤلف، ولكن شكري يشير في احدى يومياته الى انه صاحب رواية " امريكانلي " وهذه احدى روايات صنع الله نفسه . ونفهم من ذلك ان " "الجليد" هي يوميات المؤلف / الراوي صنع الله.  الراوي لا يهتم الا بالجنس، ولا نرى في يومياته أي تجليات للروح والعاطفة والشعور، وكل شيء يجري على نحو آلي، ليس ثمة لهفة لقاء أو خفقان قلب . العلاقة التي تبدأ في كل مرة بالتعارف، ثم شرب الفودكا او الكونياك، تنتهي غالبا في الفراش . يوميات لا تتغير فيها شيء سوى اسم الطريدة (مادلين، زويا، اميليا الإيطالية، فاليا،، تاليا، فيرا اليهودية، أولجا، ناتاشا، لامارا، ليديا، ايزادورا، لاريسا، هيلين اليونانية، سفتلانا التشيكية، أنار الكازاخية، دينا الأوزبيكية التي يسميها دينكا، تمارا، لينا، يوديت المجرية وغيرهن) .

" الجليد " رواية آيروسية، ولغتها بورنوغرافية خادشة للحياء، وبوسعنا أن نقف عند مقطعين –بعد حذف الجمل الفاحشة منهما – لنتعرّف على هذا الأسلوب التسجيلي المكشوف:

" وفى الخامسة وفدت مادلين . كانت برازيلية فى منتصف العشرينيات، دقيقة الحجم، سوداء الشعر، أسنانها العلوية بارزة بعض الشىء. وكنت قد تعرفت بها هى وماريو أثناء دراسة اللغة. احتضنتها وأحضرت أبريق الشاى من المطبخ. أرتنى فى انفعال أسطوانة روبرتو كارلوس البرازيلى الذى يغنى بالبرتغالية وأهدتى عطرا رجاليا رشاشا. وضعنا الأسطوانة فوق «البيك أب» الصغير وأغلقت الباب بالمفتاح. خلعت بنطلونى... " .

" كانت زويا تجلس بجوار هانز فوق فراشه واستلقت تاليا بعرض الفراش المقابل مسندة رأسها إلى الحائط. وجلست أنا على المقعد الوحيد بجوار المائدة. اقترحت زويا إطفاء النور وأشعلنا شمعة. جذبها هانز ليرقصا فاستسلمت لأحضانه. لم أتحرك من مكانى. كان بصرى معلقا بوجهها وساقيها العاريتين "

تزييف واقع الحياة في المنازل الطلابية وفي موسكو عموماً،على هذا النحو، يذكرني بما كتبه ليف تولستوي في مقدمته الرائعة  لأعمال موباسان الروائية والقصصية  : " إن الكاتب الذي يصف الشعب على النحو الذي فعل موباسان، والذي لا يصف بتعاطف الا " الأفخاذ والنهود " والخادمات البريتونيات فقط، يقع في خطأ فني كبير، لأنه يصف الموضوع من جانب واحد فحسب، هو الجانب الممل، الجانب الحسي، ويهمل تماماً الجانب الأكثر أهمية – الجانب الروحي الذي يشكل جوهر الموضوع. "

ويقول ايضاً : " ان الشعب الفرنسي لا يمكن أن يكون على هذه الصورة التي يصفونها . واذا كانت ثمة فرنسا التي نعرفها بأبنائها العباقرة الحقيقيين، وبتلك الأنجازات التي حققها هؤلاء العظماء في العلم والفن والحضارة والتكامل الأخلاقي للأنسانية، فأن الشعب العامل - الذي حمل ولا يزال يحمل على أكتافه فرنسا التي تعرفها بأناسها العظماء  - يتألف ليس من البهائم  بل من أناس يتحلون بصفات روحية عظيمة " .

وبطبيعة الحال لا يمكن مقارنة نتاجات صنع الله المتواضعة بنتاجات كاتب عظيم مثل موباسان . ومع ذلك أقول أن الواقع الروسي لم يكن على النحو الذي يصفه صنع الله بنظرته الشرقية الذكورية.

لقد اتيح لي أن أعيش لسنوات عديدة في المنزل الطلابي التابع للجامعة التي كنت طالباً فيها، ولفترات اطول من اقامة صنع الله في أحد المنازل المماثلة العائدة للمعهد الذي كان يدرس فيه.

كل المنازل الطلابية اكانت تخضع لضوابط صارمة : الطالبات في الطوابق العليا والطلاب في الطوابق السفلى . وكان يمنع على الطلاب المبيت في الطوابق العليا، ولا يسمح لأحد بدخول المنزل، الا بعد التحقق من شخصيته، وترك هويته او جواز سفره لدى المناوبة أو كما يسميها الراوي (صنع الله)  حارسة الباب. وكان باب المنزل يغلق في الساعة الحادية عشرة مساءً . واذا تأخر أي زائر أو زائرة عن موعد الإغلاق تأتي المناوبة وتطلب خروجه او خروجها من الدار على الفور .

رب قائل، ان الواقع شيء والرواية شيء آخر، وهذا صحيح . ولكن الرواية الفنية الحقيقية تتسم دائما بالصدق الفني، وتبدو منطقيا ومقنعا. وثمة خطر جسيم يلازم نسج الأكاذيب، فقد لا يصدقك الناس .

غياب البنية الفنية

لا تتوافر في رواية (الجليد) مقومات العمل الفني، فالرواية ترقى وتسمو بقدر ما تمثل من الحياة الداخلية لا الخارجية، يوميات شكري تسجيل مباشر لأحداث وأفعال يومية عادية لمراهق خمسيني من دون أي محاولة لتحويلها الى عمل فني، فلا حبكة ولا نمو في شخصية البطل، أو في الشخصيات الثانوية، ولا سبر لأعماق عوالمها الداخلية وعواطفها وهمومها، ولا افكار جديرة بالتأمل . رواية (الجليد) تعتمد على السرد التسجيلي المباشر من دون الحوار، الذي يعد من أهم تقنيات الفن الروائي . وبوسعك أن تبدأ بقراءة اليوميات من أي نقطة، أو صفحة تختارها، حيث لا يوجد فيها أي تسلسل للأحداث، ولا ذروة تحتدم عندها المواقف . يوميات لا تتبدل فيها سوى أسماء الطالبات والنساء، اللواتي لا يرى الراوي  فيهن سوى دمى لإشباع نزواته .

كتب صنع الله عن موضوع لا يعرفه، وحاول إيهامنا أنه اطلع على الأدب الروسي، ولكن كل ما عرفه الراوي عن الأدب الروسي كان عن طريق أصدقائه وصديقاته دون أن يكون قد قرأ شيئا من هذا الأدب باللغة الروسية، لأنه ببساطة لا يعرف هذه اللغة بما يكفي لقراءة وفهم الأعمال الأدبية . ومعظم المعلومات التي يوردها خاطئة وسنكتفي بمثالين فقط

يقول الراوي :" فتحنا زجاجات الشمبانيا والفودكا وتبادلنا الأنخاب. عرضت علينا (إيرما) ألبوم صورها وديوان شعر إسحق بابل الذى تعرض للتعذيب فى لوبيانكا، مبنى المخابرات السوفيتية سنة 1939

ولكن اسحاق بابل لم يكن شاعراً قط، ولم ينشر له سواء خلال حياته او بعد اعدامه اي ديوان شعر، ولا حتى قصيدة واحدة، بل كان كاتباً قصصياً شهيراً.

ويقول الراوي :" فلاديمير فيسوتسكى، وهو نجم سينما شاب وممثل مسرحى حقق شعبية واسعة بين الشباب . قالت زويا إن بعض أغانيه تتناول موضوع معسكرات العمل فى سيبيريا، حيث قضى بعض الوقت قبل عام 1955"

فيسوتسكي المولود عام 1938 لم يعتقل، ولم يقض في أي معسكر للعمل ولو يوما واحدا، خلال حياته، وقبل عام 1955 كان صبيا لا علاقة له بالسياسة .

العيش خارج الزمن

عاش الراوي في موسكو في وقت كانت فيه موجة الشعر الروسي الجديد طاغية على الحياة الثقافية السوفيتية، والجيل الجديد المتطلع الى التغيير والتجديد يقرأ بنهم لرواد هذه الموجة (يفغيني يفتوشينكو، أندريه فوزنيسينسكي، بيلا أحمدولينا وغيرهم) . ولم يكن يمر اسبوع دون أن يلتقي شاعر أو كاتب ذائع الشهرة بالجمهور الظاميء الى الكلمة الحرة الجديدة . ومن عاش في موسكو في عقد السبعينات، ولو لعدة أشهر، يعرف انها كانت في هذه الفترة زاخرة بالأنشطة الثقافية، حيث تقدم على مسارحها الفنية الراقية عروض مسرحية رفيعة المستوى، وتقام على قاعات الفنون التشكيلية فيها، معارض لرواد الإتجاهات الفنية ولفنانين شباب تجريبيين، كما أن موسكو غنية بمعالمها الحضارية ورموزها الثقافية . لا أثر لكل هذا في يوميات طالب دكتوراه في التأريخ . فقد توارت اهتمامات الراوي الثقافية والعلمية، ولا توجد أي إشارة حتى الى ما كان يدور في أروقة المعهد، ولا أي إهتمام بالتأريخ، بل إننا لا نعرف حتى عنوان رسالته العلمية، ولم يعد يبحث في عاصمة هائلة ومعقدة مثل موسكو، سوى ما يشبع هوسه الجنسي، حيث حوّل هذه المدينة العظيمة الجميلة الى " ماخور"، فهو لا يري في زميلاته الطالبات أو في صفوف النساء في المدينة سوى مومسات رخيصات .

الحب والجنس في موسكو

لم تكن ثمة في موسكو في الحقبة السوفيتية ما يسمى بحياة الليل، فقد كانت كل المطاعم والمقاهي والبارات تطفيء أنوارها وتغلق أبوابها في الحادية عشرة مساءً . يفال ان سائحا غربيا استوقف رجلا من موسكو وسأله : أين أقرب كابريه ؟ فأجابه الرجل : في هلسنكي . وقد زار الكاتب والناقد الراحل د.لويس عوض روسيا في عام 1971 أي في السنة ذاتها التي التحق فيها الراوي بمعهد التأريخ في موسكو. يقول عوض في كتابه " رحلة الشرق والغرب: " أربعة عشر يوما قضيتها في روسيا بين موسكو ولينينغراد وبعض الريف . لم أر فيها متعطلا او شحاذا او رجلا او امرأة في أسمال أو بغيّا تنساب بيت مصابيح الشوارع . ولا شك أن هناك نماذج من من هؤلاء  وأولئك، ولكنها نادرة لا تراها الا العين المترصدة، ولم أر مخمورا رغم شهرة الروس في قريعة الفودكا " .

بالطبع كان هناك جنس في روسيا كأي بلد آخر في العالم . ولكن الغالب على العلاقات العاطفية بين الجنسين كان الحب الحقيقي المتبادل . كان النظام السوفيتي متزمتاً جداً، لا مشاهد قبلات في الأفلام أو في العروض المسرحية، ولا أي وصف صريح للعلاقات الحميمة بين الجنسين في الروايات . وكان ثمة حذر من الأجانب زرعه النظام في النفوس . ولم يكن من السهل ان يقيم الطالب الأجنبي علاقة حميمة مع طالبة سوفيتية رزينة، الا بعد لقاءات عديدة حيث يتعرف كل منهما على الآخر جيدا،وينشأ بينهما علاقة حب، لذا فإن إيفانوفا قالت عين الحقيقة .

غالبية النساء السوفيتيات كن محتشمات في ملابسن وسلوكهن، وهذا لا يعني عدم وجود البغاء أو النساء المنحرفات، ولكن الدولة كانت تحارب مثل هذه الظواهر بشدة وقسوة.

المرأة السوفيتية بالأمس والروسية اليوم تتمتع بكامل حقوقها اسوة بالرجل .ولكن النظرة الشبقية المتخلفة الى المرأة كوعاء ولعبة للرجل لا تقتصر على المتزمتين في بلادنا، بل تشمل – ويا للمفارقة – بعض الكتّاب الرائجين .

 

جودت هوشيار

 

ضياء نافعصدرت هذه الرواية عام 2016 في القاهرة بترجمة عن الروسية مباشرة، والتي قام بها الاستاذ الدكتور محمد نصر الدين الجبالي – رئيس قسم اللغة الروسية في كلية الالسن بجامعة عين شمس المصرية الشهيرة . تقع الرواية في (261) صفحة من القطع الكبير، وهي من تأليف الكاتبة الروسية المعاصرة يلينا تشيجوفا (ولدت عام 1957 في مدينة بطرسبورغ)، والرواية هذه هي اول عمل ابداعي لها ينشر بالعربية، وقد صدرت الرواية عن الهيئة المصرية للكتاب ضمن (سلسلة الجوائز)، وهي سلسلة تعنى بترجمة الاعمال الادبية الحاصلة على جوائز من محتلف اللغات . لقد بدأت بقراءة رواية (زمن النساء) صباحا، وانهيتها مساء، وبعد الانتهاء من القراءة خنقني الحزن، اذ ان هذه الرواية كانت تدور حول نفس ذلك الزمن، الذي كنت انا فيه ايضا في موسكو، وتذكرت طبعا كل الاحداث التي عشناها في فترة الستينات، عندما كنّا نقلّي البطاطا بعد عملية تقشيرها مثل هؤلاء النساء في تلك الرواية، من اجل ان نتناول العشاء (الفاخر اللذيذ !)، وكنّا نغسل ملابسنا بايدينا ونغليها بسطل خاص بعض الاحيان في المطبخ مثل ابطال تلك الرواية، وكنّا نقف بالطابور وقتا طويلا جدا لشراء اللوازم الضرورية مثل ابطال تلك الرواية، وكنّا نقرأ الشعارات المعلقة في كل مكان عن المستقبل الوضّاء الذي ينتظره ذاك الجيل، الذي سيعيش في ظل النظام الذي سيأتي قريبا، حيث سيأخذ كل مواطن فيه ما يريد حسب حاجته ورغبته، ويمنح المجتمع كل ما يستطيع حسب طاقته وقدرته الذاتية دون اي رقابة من الآخرين، اذ ستختفي حتى الدولة نفسها !!!.

وتذكرت ما كتبه الشاعر العراقي احمد الصافي النجفي عندما عاد الى مدينته الحبيبة بغداد وهو اعمى (بعد سنوات طويلة من الغربة عنها) وقال بيت الشعر الذي ذهب مثلا وهو – (يا عودة للدار ما أقساها ++ اسمع بغداد ولا أراها).

لقد عدت أنا ايضا (اثناء قراءة صفحات تلك الرواية) الى مرحلة شبابي قبل اكثر من خمسين عاما، عندما كنت طالبا في موسكو، وكنت (اسمع!) مثل احمد الصافي، موسكو، ولا اراها، ولكني رأيتها فعلا على صفحات رواية (زمن النساء)، عندما كانت النساء يقشرن البطاطا ويقلونها لتناول العشاء، وعندما كانت النساء يغسلن الملابس باليد، او يغلونها في سطل خاص في المطبخ، وعندما كنّ يقفن بالطابور عدة ساعات للحصول على الطعام، وكيف كنّ يخفتن اصواتهن عندما يتكلمن خوفا من الوشايات وكتابة التقارير، وعندما كنّ يستمعن الى نشرات الاخبار الموجهة في جهاز التلفزيون، الذي حصلن عليه بعد اللتي واللتيا وبالاقساط ...

الرواية تسير بهدوء، واحداثها بسيطة للغاية، فهي تدور حول حياة ومصير ثلاث من السيدات العجائز مع طفلة بكماء ولدت نتيجة علاقة خداع قام بها رجل مع بطلة الرواية انطونينا ولاذ بالفرار، وتموت الام بمرض السرطان وتترك ابنتها في رعاية تلك السيدات الثلاث، اذ انها لا تريد لها ان تذهب الى حضانات الدولة وهي بهذه العاهة وذاك التاريخ غير الشرعي المعيب. وتتمحور كل الرواية في الحياة اليومية لمجموعة النساء، وهي الحياة السوفيتية في الستينات، والتي لا يفهمها ولا يتصورها على حقيقتها الا الذين عاشوها فعلا، هذه الحياة المليئة بالصعوبات الانسانية، والتي ترسمها كاتبة الرواية – وبمهارة وموهبة - عبر تلك المعاناة اليومية الصغيرة . ولا يمكن لي ان اكتب خلاصة او مضمونا وجيزا لهذه الرواية سوى القول، ان القارئ الذي يريد ان يعرف كنه الحياة السوفيتية في النصف الثاني من القرن العشرين، عليه ان يقرأ هذه الرواية البسيطة والعميقة والرائعة بكل ما تعني هذه الكلمات .

ختاما، اريد ان احيي مترجم الرواية أ.د. محمد نصر الدين الجبالي على هذا العمل الترجمي الممتاز،اذ استطاع فيه ان يصل الى المستوى الذي يحلم ان يصل اليه كل مترجم حقيقي وأصيل، وهو ان يمنح للقارئ نصا عربيا سليما، بحيث لا يشعر القارئ بانه يقرأ نصا مترجما، ولولا بعض المفردات الروسية البحتة (والتي وضّحها المترجم بهوامش دقيقة)، فان القارئ – اكرر- لا يشعر بان هذا العمل الابداعي الجميل كان مكتوبا باللغة الروسية . اضافة الى ذلك، فاني اريد ان احييه ايضا على تلك المقدمة العلمية والموضوعية والشاملة حول الادب الروسي المعاصر وكل السمات التي يمتاز بها هذا الادب الجديد (وهي سمات وصفات جديدة كليّا بالنسبة للقارئ العربي المعاصر)، والتي كتبها الجبالي من الصفحة رقم (7) الى الصفحة رقم(15)، والتي يمكن تسميتها ببحث علمي واضح المعالم . واخيرا، اريد اشير الى اني وجدت بعض المقاطع في تلك الرواية وكأنها مقاطع من الشعر (وهي طبعا تأكيد رائع لموهبة المترجم)، واختتم هذا العرض بمقطع من تلك المقاطع التي تمتاز بهذه الروح الشاعرية –

(الذكرى الاولى من طفولتي – الجليد .. باب كبير وفرس نحيل أبيض، وأنا وجداتي نمضي متثاقلات خلف عربة أحصنة . الحصان ضخم، ولكن متسخ لسبب ما، وهناك ايضا جرافات طويلة تنخر في الثلج المتراكم، وثمة شئ ما داكن يتمدد في العربة . تقول جداتي انه نعش . أعرف هذه الكلمة، لكني أ تعجب من ذلك، لأن النعش في نظري يجب ان يكون شفافا ومصنوعا من الزجاج، حتى يمكن للجميع أن يروا امي وهي نائمة، ثم يرونها عندما تصحو بعد قليل . أعرف ذلك لكني لا أستطيع التعبير..)

 

أ. د. ضياء نافع

 

627 اوراق فارغةالإفصاح عن ما يجول بخجلات النفس من إرهاصات تتصاعد وتيرتها على مر الزمن بدخول المتلقي والمتتبع إلى معترك أخر غير الذي خرج منه بالأمس، هذا الإفصاح يختزل صوراً بضميرها الوجداني ويعرضها بشكل صور معانات تتنامى بهيئة الحلم الذي يفكر أو يكون محط التفكير للخروج من دوامة الأجواء المضطربة التي تتصاعد في هواجس الكاتب ليبلغ أجواء التمرد بإلحاح والمعاندة وفق شكل اللغة الناتجة عن تنامي خارطة كيانه بإنتقاله من الفرد الى الجمع ليعرض للآخرين ذاته المتأزمة وهكذا تتبلور لدى الكاتب لغة جديدة تولد مستعصية بعض الشيء ببساطتها الموغلة بالواقع والمباشرة متضمنه الكثير من الفعل الصوري المنطلق من موهبة قابلة للتطورالسريع .

رعد الكرعاوي: اسم يدخل دائرة الكتابة النثرية ببصمة واضحة ومستمرة بالأداء الدائم الذي يجمع بين التعبير والنص الذي تلهو به العواصف والبشر ويثار بينهما التساؤل اللامفضي، الكاتب رعد الكرعاوي أصدر كتابه الاول بعنوان أوراق فارغة نثر على فضاءات الفن الطبعة الاولى 2019 ضم اكثر من ثمانين نص راجعتها أكثر من مرة وقد كانت لي وقفه أوجزها في القراءة التالية :

مازالت هنالك تجربة وعشق مرير إذاً هناك أحزان رقيقة وناعمة ولكن ليست مريرة هناك إنعكاس جميل بالإفصاح عن المشاعر التي تستعرض هذه التجربة التي ستكون منهاجاً للعمل الجديد والخطوات الجديدة وسوف لن أدخر وسعاً وجهداً إلا وإستعرضت من خلاله الصور الفنية وعناصرها المفارقة والجهد الشعري والتوظيف والنص.

في ص 15: (فأنتِ انا وأنا بروحك الغاضبة فلك حكم لقمان وصورة يوسف ونغمة داوود وعفة مريم، ولي حزن يعقوب ووحشة يونس وآلام أيوب وحسرة آدم)

استخرج الكاتب عنصر جوهري في بنية النصوص الابداعية وتلقيها وكثف فاعلية اللغة وتماهيها .

في ص 18 وضمت نص (أكرهك لأنك تشبهينني أكرهك كثيراً) ثمة أسطر بمثابة قصة قصيرة جداً وهي (في غيابك تيممت برائحتك ورتلت فرائض عشقي حتى كسر احدنا الجرة، تلك التي كانت تحتوي مدخرات هائلة داخلها يعج بالسرية مطرزة بالجمال والحب والذكريات لا تمحى، ثم تصبح فيما بعد خزف حزين)

ثمة لغة سرد يشوبها العبث الذي ظل ملازماً لنصوص الكاتب وهي بمثابة عنصر من عناصر النص القصصي فهو يقول في (السهم المسموم) ص 19

(ما الذي أسقاك سهم العشق بكأس الحياة حتى سئمتِ الكتابة ؟ فأصبحت ترى حروفك كمدينة حل بها الحطام من الداخل لتملأها غضب وحزن وأمل ضائع وأمل وحنين) وجدانيات ومشاعر لها طعم الإستراحة عند التأويل لأغراض الحكمة لها دلالات تتكثف أحياناً أبعادها كل ذلك في النص الذي أخذ المنجز إسمه أوراق فارغة ص 22

(حتى المشاعر أحياناً تتغير حيث يحدث لك موقف صادم فإما أن تتقدم أو تجعلك تكتفي بنفسك)

إحتوى نص أوراق فارغة حرف الجر عن ثمانية عشر مرة قد تكرر ما يعكس أنها أوراق ليس فارغة كون التساؤل يأتي بعد حرف عن دائماً أنها أي النصوص حية ونشطة تتم عن وجود لا ينطفئ .

في ص 35 وضمن نص (صنوبرة عمري)

يخرج الكاتب من دائرة الضجر الذي ألم به وغربته، الملازمة له إلى عالم يعيد الثقة بالذاكرة الجمعية فيتوفر مع بذرات روحية لفعل إنبعاث مستقبلي في التعامل مع الحياة والآخرين فيدخل في حالة من الوعظ وفيها يذكر .

(فإياك والنظر للخلف فمن يرحل عنك فلك التهاني وله العزاء ومن يطعنك من الخلف دع الجرح يطيب وتماسك.. ومن يطعنك في القلب اخرج خنجره بيدك خبأه في الذاكرة وعد إليه كلما شعرت بالضعف أو زارك الحنين لتتذكر طعناتك وترفع رأسك وتتابع سيرك إحمل كرامتك كعرشك وإياك أن تحملها كنعشك ..

نص عقول مذبوحة بشفرات الأرواح ص 58 هذا النص له أبعاد فلسفية يستعرض الكاتب في متنه العلاقة بين الروح والعقل وهو يؤكد ان الروح أي العاطفة وإعتقادي جازم بقصده وَهْمٌ بالنسبة لمنطقية العقل بل ويجزم الكاتب أن مصيبته إجتماعهما أي العقل والعاطفة .

أخيراً أن الكاتب رعد الكرعاوي دخل دائرة الأدب من باب النصوص والكتابة النثرية وبنفس قادر على التصوير والتصور والتعبير لهموم الزمن ووجع الإنسان اليومي وأنا على ثقة أن أوراقه هذي متخمة بالحيوية والنشاط الإبداعي الكتابي وبلغة بسيطة مشحونة بالحياة .

 

 ساطع الجميلي