786 بستان الياسمينيختتم الروائي ناطق خلوصي روايته (بستان الياسمين)، بان الشخصية المحورية الرئيسية في الرواية (الشاعر مسعود) يقرأ مانشيتا عريضا في الصحف العراقية (ان حوت المال العام سميح الوادي يصاب بالشلل قبل حضوره جلسات التحقيق معه بتهم الاستحواذ غير المشروع على المال العام) ص213.

يطالب بمحاكمة نفسه على انحرافاته وانزلاق (استلقى على سريره ووجد ان عليه هو الاخر ان يبدأ بمحاكمة نفسه الآن).

السؤال:

من هو (سميح الوادي)؟؟ ومن هو (مسعود)؟؟

(سميح الوادي) وزوجته وابنته الكبرى العاقر السيدة سالي وابنته الصغرى ينتمون الى الطبقة السياسية الحاكمة والمتنفذة في الحكومة القائمة في العراق بعد انهيار النظام الديكتاتوري في 2003 على يد اسياده ومصنعيه الامريكان سادة الرأسمال العالمي بعد ان استنفذوا كل طاقاته في خدمتهم وخدمة مصالحهم في المنطقة، وشعروا انه بدأ يتفرعن ويحاول ان يكسر عصى الطاعة ويعمل لصالحه الخاص.

اما (الشاعر مسعود) فهو من فئة المثقفين من الطبقة الوسطى .

ومن خلال معرفة الطبيعة الطبقية للمجتمع العراقي يتمكن الدارس ان يشخص طبيعة الطبقة السياسية الحاكمة في مجتمع ريعي استهلاكي باعتبارها طبقة خليط من اقطاعية مهزوزة وبرجوازية طفيلية تابعة يمكننا ان نطلق عليها بالطبقة (الاقطوازية)، ولدت وصنعت في رحم المستعمر الرأسمالي منذ ولادة (الدولة) العراقية الاولى على يد الانكليز حاملة معها عجزها البنيوي منذ ذلك الوقت ولحين التاريخ وهي تعيش ازمة هيمنة طبقية حادة تجسدت في العديد من الانقلابات العسكرية والصراعات الدموية بين رموزها للامساك بصولجان السلطة والجلوس على كرسي الحكم، ونتيجة لطبيعتها هذه فهي طبقة فاسدة غير وطنية تابعة جاهلة ومتخلفة ومتحللة او منحلة اخلاقيا، رغم صراخها بالنزاهة والوطنية والقومية والعفة والشرف .

اما (الشاعر مسعود) فابن طبقة متوسطة مصنعة من قبل الطبقة الاقطوازية لادارة مؤسسات دولتها، وليست حصيلة حراك طبقي واجتماعي كما في بلدان العالم الاول .لذلك فهي طبقة هشة متلونة ركيكة تحلم بالحداثة والتقدم ولكنها عاجزة جبانة مترددة غالبا ما تلجأ الى الصعلكة والهروب من الواقع وخلق مبررات زائفة لخياناتها وترددها، خصوصا وان الطبقة النقيض طبقة رثة ضعيفة ومشتتة الا وهي الطبقة العاملة في مجتمع ريعي استهلاكي تابع، غالبا ما تعيش ارهاصات فاشلة ومحبطة ولم تتمكن موضوعيا ان تكون طبقة لذاتها ومن امثلتها (تايه) الحارس الامين لضياع الاغنياء والمروج للسماسرة في سوق العقارات وماشابها، وأفراد الشرطة والأمن الصغار كلاب صيد الاسياد والمتخلقين بأخلاقهم كما علمناهم في سيطرات التفتيش لايجيدون سوى اختلاق الاكاذيب والمكائد والتحرش الجنسي يتنمرون على الضعيف ويتأرنبون ويتقردنون امام القوي في الوقت الذي يغضون النظر عن ارتكاب جريمة اختطاف وقتل تحدث اما مهم كما شاهدتها (رفيف) مما يدل الى فساد وعدم التزام بعض القوى الامنية بواجباتها لحماية امن المواطن .ومن ضمن هذه الفئة الخاطبات وسمسارات النساء ك(نسرين)، و القوادات وبائعات الهوى ك(ربيعة وابنتها ميس)، وسائق (سميح الوادي).

هذا هو توصيف (سميح الوادي) فاسدا، مدعيا فارغا، شبه امي تمكن من خلال الثعلبة والقردنة ا يصل الى منصب وكيل وزير ضمن وزارة متعفنة يسودها الفساد والحرمنة والتبعية والجهل، بعد ان كان مطرودا لاتهامه بالاختلاس، فالتحق ب(المعارضة) في امريكا ..

و(مسعود) الشاعر المثقف الذي لا يمتلك الحصانة والمناعة الذاتية الكافية والمبدئية الاخلاقية ليتجنب الانزلاق نحو الخيانة والرذيلة، فهو شخصية غير مستقرة تتأرجح بين مبادئ الفضيلة ومغريات الرذيلة النابعة من طبيعة طبقته الهشة وتبعيتها للاقطوازية الفاسدة المأزومة، على الرغم من ان بعض افراد هذه الطبقة (المتوسطة) يحاول الافلات من شرك التردي والانحدار صوب الرذيلة ولكن غالبا ما يصاب بالفشل والخذلان لعدم وجود الحامل الفكري لطموحاته وافكاره وتطلعاته نحو عالم افضل في وسط كتلة بشرية تسمى مجتمع وحكومة فاسدة تابعة لقوى كبرى ..

فغالبا ما يكون زعماء الحركات والاحزاب الوطنية واليسارية التقدمية من هذه الطبقة وقد تعرضوا للقتل والتعذيب والتشريد وملاحقة كلاب السلطة من الناس اللذين يناضلون من اجل حريتهم وكرامتهم ورفاههم ..

الهوس الجنسي |

في مثل هكذا مجتمع مستهلك، يكون جل اهتمام هذا الانسان الفارغ فكريا والكسول الغير منتج والاناني ضيق الافق نحو غرائزه الحيوانية وفي مقدمتها الجنس وظاهرة (الزنا بالمحارم) والإفراط في الاكل واللباس واقتناء الاملاك والسيارات والركض وراء المودة بالنسبة للطبقة الحاكمة المستحوذة على الثروة الوطنية ..

في حين نرى المحرومين والفقراء اشبه بالقطعان التابعة لرموز منافقة تدعي الزعامة باسم الدين او العشائرية او القومانية المزيفة، لايعون مصالحهم، يعيشون الفقر والجهل والحرمان ومسخ الذات .

والسمة الثانية لهذه الطبقة الحاكمة وتوابعها هو سيادة سلوك الخيانة وخصوصا في الوسط السياسي وحواشيهم من الحكام وتوابعهم فالرفيق يخون ويغدر برفيقه، والصديق يخون صديقه، والتابع يخون متبوعه، والزوج يخون زوجته والزوجة تخون زوجها، كون هذه الفئة استولت على سدة الحكم ومفاتيح الثروة من خلال خيانة وطنها وشعبها وعبر اساليب القردنة والثعلبة وخيانة للمبادئ العالمة والخاصة .ولسنا بحاجة لذكر العديد من الامثلة بالنسبة للأحزاب والزعامات السياسية في العراق كمصداقية لما ذكرنا، اذ يكفي استذكار الاحداث السياسية العراقية منذ تموز 1958 ولحين التاريخ .

لذلك تفشت في هذه الطبقة الخيانة الزوجية كما هو حال (سالي)ابنة سميح الوادي، وزوجته، وسائقه، وسهير زوجة وائل ووائل ومسعود ..الخ

ان هذه الرذيلة البرجوازية ان صح التعبير اصابت المثقف الشاعر (الواعي) فكانت له صولات جنسية رغم ستينيته مع زوجة سميح ومع بائعى الهوى زوجة الشهيد (ربيعة) وابنتها الشابة (ميس).وهنا وقفة الم ولوعة ان تنحدر زوجة شهيد مضحي بحياته من اجل مباديء سامية ان تنحدر الى هذا المنحدر القذر.

الانكى من كل هذا ان هذا الشاعر المثقف لعب لعبة قذرة مع زوجة ابنه وائل (سهير) العطشى للجنس دوما والمصابة بمرض(جنون الغلمة) كما يسميه بعض المختصين، والتي تتطلب سلوكيتها تحليلا نفسيا خاصا يكشف عن سلوكياتها الشاذة والمتهتكة دون لرعاية لمحرم او صغير سن او قريب، وقد حاول ان يهم بها وحاولت ان تهم به لولا بعض رواسب المبدئية وكره الزنا بالمحارم في مخزونه القيمي، وهو الذي سمح لنفسه مشاركة زوجة ابنه في مشاهدة فلم اباحي ومشاهدة لقطات فاضحة في غرفته، فقد كان سلوك الشاعر مع (سهير) مثيرا للتساؤل ودالة على شذوذ في السلوك دال على خلل نفسي في شخصيته، حيث كان يمهد لزوجة ولده طريق الخيانة متمتعا بهذه اللعبة القذرة، وعندما تقترب (سهير) من ارتكاب الخطيئة يشد الحبل ليحول دون ذلك وكأنه يقوم بعملية سباق ورهان يكسبه في النهاية محققا انتصارا لذاته المريضة عند ذلك يوقف اللعبة مما يصيب الشابة بالانكسار وكما يقال في المثل الشعبي (يشتهي ويستحي)، مما يشير الى مدى هشاشة قيمه ومناعته ضد الانحراف لذاته ولغيره ممن يفترض ان يكونوا تحت رعايته ..

لم تسلم من الانحراف والخيانة سوى (رفيف) ابنة (مسعود) زوجة (نبيل) المهندس الوسيم الذي انتهكت نبالته من قبل (سهير) وقد ورطته في ممارسة جنسية لم تكن له على بال .

كما تميز(مسعود) بالحلول الترقيعية للمشاكل الاجتماعية والاخلاقية كما هي نصيحته لعائلة (سميح الوادي) باخذ ابنتهم الصغرى لترقيع بكارتها في احد دول الخارج بعد ان افتضها سائق والدها الخاص في شقة والدها وكأنه يقول - اعتمدوا على اسيادكم في الخارج لترقيع وستر فضائحكم .

كما كانت له احلام وحلول البرجوازية الصغيرة من الطبقة الوسطى للخلاص عبر هروبه الى اطراف المدينة وبناء دار (بستان الياسمين) على غرار البيت القديم دليل تمسكه بالقديم رغم تطلعه نحو الجديد، ظنا منه ان بإمكانه في هذا الهروب التخلص من ما يجري في المجتمع من حالة تردي، وظاهرة العنف، دون التفتيش عن الحلول الجذرية الثورية لهذا الواقع الاجتماعي القائم والتخلص و من النظام الفاسد المتسلط ...كما هو حال ولده (وائل) وهروبه الى لندن، وهروب الغانية (ريبعة) الى دمشق فبيروت لممارسة الدعارة كقوادة تمدها الحروب بالمزيد من الشابات ضحايا الحرمان والكبت والتضليل الاخلاقي وانحراف السلوك، حتى ان ابنتها لم تسلم من طمعها لكسب المال والثروة .

هذا نموذج للفئة المثقفة الذي يقف في الوسط متلحفا بالحياد الزائف والحلول التوفيقية الترقيعية .

اما النموذج الثاني

فهو النموذج الانتهازي المتملق الراكض وراء المال والشهرة لمممثلي الطبقة الحاكمة ممثلا بشخصية (الدكتور اشرف) المشرف على رسالة (سالي) ابنة (سميح الوادي) وهو الكاتب الفعلي لرسالتها لنيل الماجستير مقابل الحصول على المال وكسب رضى المتنفذ (سميح الوادي) وربما ممارسة الجنس مع (سالي) المطلقة العاقر المشروع الاسهل لإقامة مثل هذه العلاقات كما تصفها الخاطبة (نسرين).

اما النموذج الثالث \ فهم الاساتذة اعضاء لجنة مناقشة رسالة الماجستير ممثلي المبدئية وعدم قبول الرشاوي، والجرأة في رفض تهديدات السلطوي والد (سالي) وعدم التهادن او المساومة في الامور العلمية والأكاديمية لذلك رفضوا اطروحة (سالي) مما اصابها بالصدمة هي وزوجها ومشرفها دكتور اشرف الذي هرب من قاعة المناقشة .. وهذا موقف نادر جدا في ظل واقعنا الحاضر ولكنه دلالة امل ارادها الروائي لبقايا قيم ومبادئ .

كذلك هناك نموذجا للطبقة لمهمشة من حثالة البرولتاريا والفلاحين الفقراء نموذجهم (تايه) الذي كان رهن اشارة هؤلاء الاثرياء، ومروجا متحمسا لسماسرة الاراضي والعقارات، والمتربص للحصول على فضلات الطبقة الثرية من اكل وعطاءات لاطعام افواها جائعة، وقد كان الروائي دقيقا تماما بتسميته بالتائه فهذه الطبقة الكبيرة تعيش حالة من الخدر والتوهان تحت عصائب التجهيل والتضليل العرقي والديني الطائفي والعشائري للطبقة الحاكمة، باستثناء اقلية واعية تعاني التهميش والإقصاء والملاحقة والتشريد وحتى القتل حينما ترفع صوتها وتحاول تنظيم صفوفها من اجل حياة افضل، ولكن الروائي لم يصرح ولم يفصل في دور ومكانة هذه الطبقة في المجتمع .

الجدير بالذكر في هذه الرواية ان الروائي اعطانا توصيفا دقيقا على لسان الرواي العليم (مسعود) وبضمير الغائب والمتكلم لشخصياتها حول الوضع السائد وصور لنا الحال كما هو عليه طبعا بأسلوب ادبي وفني رفيع ولا غرابة بالنسبة لروائي واعي متمرس مثل الاستاذ ناطق خلوصي، ولكنه لم يؤشر ولو من بعيد الى شخصيات ايجابية فاعلة من عامة الناس تشكل بصيص امل او الضوء في اخر النفق لمثل هذا الحال ما عدى موقف الاساتذة اعضاء لجنة مناقشة رسالة (سالي)وفي نطاق المثقفين فقط .

ومتناسيا دور الطبقات الشعبية في الحراك الاجتماعي والاقتصادي او وجود رموز نضالية تكافح لمقاومة هذا التردي المريع في المجتمع العراقي والإيغال في الفساد بالنسبة للطبقة الحاكمة .

كما ان تقديم (سميح الوادي) للمحاكمة لانه مرتشي لاشك انه من النوادر في ظل حكم المحاصصة والفساد السائد الا اذا كان قد انهار حزبه او خسرت كتلته مكانتها في السلطة الحاكمة، حيث لم نشهد ولو حالة واحدة على محاسبة سارق او مرتشي و سجن وهو من الطبقة السيا سية الحاكمة، شكرا للرواي لذكره هذه النادرة ليبث في نفوسنا شيئا من أمل ..

لا نظن اننا بحاجة للإشارة على جمالية السرد وجمال المفردة ودقة التعبير وامتلاك ناصية اللغة بالنسبة للروائي ناطق الخلوصي، ولا الى اتقان حبكة الرواية ودقة نسج خيوطها بشكل جميل ومتقن يليق بروائي قدير وواعي ولماح لما حوله .

وكما يقول محمد برادة:-

(الروائي يستطيع ان يلتقط بالمعاينة والتامل والحدس، ظاهرات لها صفة الشمولية التي تجعل منها معرفة تضيء السلوك البشري) الرواية العبية ورهان التجديد – محمد برادة ص70.

 

بقلم :- حميد الحريزي

 

ابراهيم رحيمقراءة في مجموعتي ثغور ولسعات، الألوان العطور الأصوات، لعبد الله نجم محيسن

(ماهية الشّعر، تستقر في الفكر) ..هيدغر.

(كما أن الشّعر يتضمن الصّياغة الفنية الفريدة والموسيقى الكلامية، يتضمن أسمى الأفكار الإنسانية وأكثر السّلوكيات النّفسية تعقيداً) .. توماس استرنز إليوت.

المفاهيم والقضايا الفكرية ساهمت بتطوير الشعر الحديث، أن الشّعر يمكن أن يحتوي بداخله - من بداياته حتى نهاياته- رموزاً، استعارات وتناصات ذوات طابع فكري أسطوري وممّ لا شك فيه، بلغة لا تخلو من كنايات وربما كانت مملوءة من غموض الإيهامات، للحديث عن عالم الشّاعر المتخم بالوجع والعذابات بالرّموز والإيحاءات. ومن هنا الشّاعر الحديث يحتفل بالفكر إلى جانب العواطف واللغة الشّاعرية، كما يذكر هيدغر أن اللغة هي من تكتبنا وكل محاولاتنا الشعرية وغير الشعرية تندرج برغْبة اللغة في الظهور، فكيف لا وإذ ينشدها ببيت الكينونة.

في هذا الاطار يمكننا القول أن الشّاعر الحديث يدمج بمتناقضين، لطالما كان من المستحيل جمعهما في خانة واحدة، الخيال الشّعري هذا الطائر الفينيقي والمنطق العقلي المنظم، بسحر اللغة.

فيما يخص العناوين المختارة لدواوينه:

أجزم أن فيما وراء اختيار العناوين، شفرةً، لمشاركة العناصر المفتتّة في صنع نسق جديد، مركب من جزيئيات متناسقة وأخرى غير متناسقة، ليكون ذا ابعاد متكثرة تحتضن الأطياف المتباعدة وتتناغم مع التّنوع الحضاري العالمي، ثغور ولسعات (الدّفتر الأول)، الألوان العطور والأصوات (الدّفتر الثّاني) وعناوين كتبه الأخرى، النّوم على الرّمال - مجموعته الشّعرية الثّالثة (لم تطبع بعد)- ، المنازل (أدبي فلسفي) إلخ... محاولة سامية من الشّاعر لإظهار هوامش کانت منسیة، مغفولاً عنها؛ إذ بثقافته الشاربة من كأس الفلسفة الغربية وعقليته الشّرق أوسطية يحاول لملمة هذه الهوامش وإظهارها من جديد بمرآة اللغة الشّفافة طوراً والغامضة في أطوار أخرى وعند كلها بحُلة جديدة مركزية تدعو إلى الوسطية ليقوم بعالمه الذّاتي، إثر دمقرطة نصوصه الشّعريّة ومشاركته إياها بعالمنا الأوسع ذي الثّقافات المتعددة...

فكما يقول ذاك الفلسطيني: هنا هامش يتقدم أو مركز يتراجع!

الحديث عن الذّات حديثٌ عن قلقٍ وجودي مصحوب بالفكر، يصل لمنصة الشّعر بعد معاناة باطنية متأثرة بعالم الخارج ومعالمه الفكرية، فالشّعر قلق كلامي عميق، حين تتوقف اللغة بالظهور في شكل مألوف.

 و من هذه الأحاديث:

۱- تکرار مضامین الحيرة، الظّن، التّردید، الشّك، الخوف، الرّهبة، الوهم، الضّياع والضّيعان

فجأةً / خارج حيرة الأفعال/ يحررني شعورٌ/

بقبلة ساخنة(نغمات وردية- الدّفتر الاول)

وهمَ حدثٍ دون بعد/ ربما رهبة/ أو ربما غطسة في ربما!(همس المواكب- الدّفتر الاول)

إذ أضعتها أنا/ في ضجيج وردي(البّقاء والذّهاب- الدّفتر الاول)

و ربما/ أمل/ معلق/ كنفسي!(إغواء- الدّفتر الثّاني)

معلق/ تشابكت/ فيما بين زمنين/

لا هذا ولا ذاك(التّعلیق- الدّفتر الاول)

وأنا الذي/ ارتدّ من نفسه/ وفي کثرة الآثار ضاع! (أنا- الدّفتر الاول)

إن من هذه العناصر المتكررة بكثرة، نستخلص أن ذات الشّاعر لم تكن لتذوق صمت الارتياح إلا بعد صخب الأوجاع تلو قلقٍ فكريٍ قار - هل، أما، أين، أيكون؟-

۲- الحديث عن المفاهیم الدّينية والإشارة إلى الاساطير

إنّ للشاعر أن يصحب شعره بإشارات أساطيرية، من شأنها أن تقلل من حدّة ثرثرة الكلام غير المجدي، وأن يبلغ مبلغ التّأثير المضاعف على ذهن المتلقي وإثارة فكره بيد الإيحاءات هذه، بغرض اضافة مساحات تمثيلية في شعره وبالطبع فرض السّطوة الشّاعرية بصنعة الايجاز. استخلصنا من بعض اشعاره هذه الإشارات:

في الدّفتر الأول: في شعر عالم آخر (ابراهيم، الرّسل، القمح  أو التّفاحة، محمد، الصّليب، المعجزة، الفينيق،) / في شعر رجوع اوديسيوس (تضمين الآيات الأولى من سورة الواقعة، اللعنة الإلهية، القيامة، عالم الموت، الوسوسة، الخلود، الآلهات، العبودية، ملحمة طروادة، لعنة الآلهات، ملحمة الياذة، اوديسيوس، حصان طروادة)/ في شعر إعجاز(عصا موسى، إعجاز النبي)/ في شعر ثلاثة نقاط في الشّفق(البّرزخ ،الشّهيد، الأقنوم والصّليب)/ في شعر العروج (تاج الشّوك، النّبي عيسى، العروج)/ في شعر التّحديق (المعجزة، النّبي، شق القمر) / في شعر القيامة (يوم القيامة، الأموات)/ في شعر حقیقتي (ابراهيم، نمرود، اسماعيل، الذّبح والتّضحية، الصّنم، جبل النّار).

في الدّفتر الثّاني: في شعر فرح (نهاية العالم، الإيمان، صوت الإله، الأخ الأصغر، الفأس، الصّنم الأكبر، الجنة)/ في شعر بمفترق الطّريق (الهجرة، تضمين فكانت هباءا منبثا، البّرزخ، الألوهية والحطيط، الصّنم والفأس، المدينة والصّحراء، تضمين قسم البّلد الأمين، الكوميديا الالهية، دانتي)/ في شعر تسعة وعشرون (النّار، الكمال، الضّيعان، اوديسيوس، ملحمة طروادة، بيت المقدس، تضمين برداً وسلاما) / في شعر الخبز والشّراب(العشاء الأخير، الصّليب، الخبز والشّراب).

۳- الحديث عن الإنفعال الحركي والإنتظار في نقطة ما(اللامكان):

أن تقف في مركزية العوالم والأشياء، فيتردد من حولك الصّغير والكبير، أنت الخالد والآخرون يغترفون من بحرك ما يَطِل أعمار مواسمهم، أنت البدايات ومصب النّهايات.

تعالَ/ ما¬زلت منتظراً (في إنتظارك - الدّفتر الاول)

ستجدني/ في ذلك النّوم الأبدي (قلب شاغر - الدّفتر الاول)

يصيح بالخريف/ هلمّ/ هلم(خريف - الدّفتر الاول)

في بداية القصة ونهايتها (ثلاثة نقاط في الشّفق - الدّفتر الاول)

حتى يسمع من الأزمنة الآتية/ دوي اللوغوس البعيدة (رجوع اوديسيوس- الدّفتر الاول)

لأنني أرى/ نهاية العالم... / ليس النّهاية فحسب/ بل البداية (فرح - الدّفتر الثّاني)

و كأنّ، عند شاعرنا البداية والنّهاية سواء، كل شيء قد حدث قبل أن يحدث وهذه هي عقيدة زينون الرواقي إذ كان يقول أن الحركة ليست سوى وهم!

كما يقول الفلسطيني:

ربما نسي الأوائل وصف شيء ما إلخ حتى يقول - يسبقني غدُ ماضٍ-.

4-  الحديث عن الفكر واستخدام الالفاظ والمصطلحات الفلسفیة:

الفكر، السّجادة السّحريّة التي توظفّها الفلسفة، لبلوغ ما يبلغه المفكر الشاعر، بواسطة امكانات اللغة والشّاعر العظيم هو من يجيد استخدام هذه الأدوات فيروّض خيل الخيال الجامحة ويسرجها بسرج الفكر لتنير نصه الشّعري كسراج لا تطفأ شعريته للأبد.

نذكر على سبيل المثال بعض هذه المفاهيم:

الف) مفهوم القياس:

من المنطلق، الارسطي افضل طرق الاستدلال من الطّرق الثّلاثة هي القياس ولكن شاعرنا يسخر بهذا الاستدلال بكناية لطيفة في صورة شعرية عجيبة:

في شعر مقدمات القیاس (الدّفتر الاول):

مازلت عاجزاً في مقدمات القیاس / قطرة قطرة / أصيغ المطر/ الكبيرة تلو الصغيرة

و يضيف في النّهاية:

راكباً عجلة الاستدلال الباطلة / بنفسي أنقض نفسي

فكيف ينسج المطرُ الحياةَ بكامل تفاصيلها - من أصغر الأمور حتى أكبرها- وهل يكون هذا من ضرب المنطق البحت؟

ب) قاعدة الواحد لایصدر عنه إلا الواحد:

تضمين قاعدة الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد في شعر(تسعة وعشرون) وتعني: بسبب الثّبوت وعدم تغيير ذات واجب الوجود لا يوجد فيه أي تشتت أو تفتت وإلخ.

ج) مفهوم اللوغوس:

 في رأي الاغريق وفلاسفتهم هو المنشأ للغة، العقل، المعرفة، الفهم والمعنى.

تسخر مني/ الآلهات/ أنا/ أنا إله ضجور

في هبوط النّسيان / يجلس على سرير الجنون/ حتى يسمع من الأزمنة الآتية/  دوي اللوغوس البعيدة (رجوع اودیسيوس- الدّفتر الاول)

همسة في البعيد/ هناك حيث اللوغوس/ ليس هذه اللغة ولم...(بمفترق الطّريق- الدّفتر الثّاني)

د) الاشارة إلى فلسفة هيجل في كتابه - ظاهريات الروح-:

كان يؤمن أن هنالك، إرادة تسير بالعالم والتّاريخ دون التّأثر من إرادة الإنسان، وبهذا، هي في طريقها لمعرفة نفسها حتى تتم المعرفة وينتهي التّاريخ.

أنا الذي مخاطبا نفسه قال أنت/ وفي تَرداد حدیث النّفس

تردّد/ ارتدّ من نفسه/ وفي کثرة الآثار ضاع! (أنا- الدّفتر الاول)

يستخدم الشّاعر في هذا الشّعر الرّومنطيقي هذا المفهوم ليقول لمحبوبته ها أنت أنا وهذا ما قرّبنا!

ه) الطّغیان على مفاهیم الفلسفة الاساسیة كالعدالة والحرية.:

كريرُ صدرٍ/ أو نعرةٌ/ على سلالة تسري في روحي/ ضد العدالة/ ضد الحرية

ضد هياكل معنى، نحتناها بشهد العناء (لا شيء - الدّفتر الاول)

و) استخدام فكرة الرجعة الأبدية لنيتشه:

تعني " أن كل فترة يمر بها الكون، هي صورة مضبوطة للفترة التي سبقتها". أي البناء الجديد يتدارك القديم أو كل مرة يظهر، بمعنى جديد ولكنه يظهر بالتأكيد.

سنرجع/ كغرباء أقرباء

محدقي النّظر/ وجه في وجه/ بشعور ممزوج

و¬ملطخ بالحيرة/ سنعبر من أحدنا الآخر(لا شيء- الدّفتر الاول)

و¬هذه المرة أبي/ يتكرر بي/ في قيامة مبكّرة(طلوع الليل- الدّفتر الاول)

أقلّب أوراق التّاريخ/ وُلد جرحٍ جديد (الجرح الجريح- الدّفتر الاول)

في عدة موت وحيوات (کلام الأوراق- الدّفتر الثّاني)

سوف أنسى

...

يا ليليّ الرّملي/ أبسط الزّمان

و أوِّلني لشيء آخر(ليليّ الرّملي - الدّفتر الثّاني)

5- الأضداد والمفارقات

كيف يظهر الفكر دون تضادات وكيف تتم المعرفة؟ المعرفة هي ربط الأمور المتفككة بواسطة الفكر وتوحيد الأمور التي تتراءى لنا مفككة بادئ الأمر. ففي البدء كان الاختلاف.

الأضداد من سمات الشّعر الحديث والقديم كذلك، فالشّعر الذي يأتي بالأضداد والمفارقات نتيجة انكماش الفكر والخيال، خصب بقدر القراءات المتعددة له وذو انتاجية أكبر وذو تأثير أبلغ على المتلقي.

على ضوء المنهج التّفكيكي، النّص يولّد نفسه كل مرة بيد الأضداد الثّنائية، فإن عرفنا هذه الأضداد والمفارقات، استطعنا أن ندخل النص ومعرفة بنيّته الممزّقة المفكّكة، كي نكتبه من جديد في كل قراءة جديدة:

كغريب قريب/ أحدق بك وجهاً لوجه (لا شيء- الدّفتر الاول)

موسم ميت/ ماذا أفعل بين الأحياء؟ (نغمات وردية- الدّفتر الاول)

وحده السّفر مقصدي (نغمات وردية- الدّفتر الاول)

أهو نقطة أو وجهة هذا السفر!

كأرواح سعداء/ يدعون أهل الجحيم لضیافة المرايا (نغمات وردية- الدّفتر الاول)

تسعد أرواحٌ وتدعو من حكم عليهم بالنّار للمشاركة في ضيافة ما!

عنوان شعر جنة الفينيق من الدّفتر الثّانی:

الفينيق الذي يرى النّار جنانه ويبحث فيما وراء الحرقة بالنّار، ولادته الجديدة. الشّاعر هنا معلق فيما بين السّماء والأرض - الموت والولادة- كهذا الفينيق، لكن المفارقة أنه لا يتحرك ولا يجد هذه النّار الخالقة كما يصفها أدونيس.

لا خطاب/ لا سلام يتلوه لعنة (أنا- الدّفتر الاول)

عالم ليس فيه السّلام/ لعنة (عالم آخر- الدّفتر الاول)

أو ملوثاً بتلوثٍ/ هذا الحظّ الأبيض (ثلاثة نقاط في الشّفق- الدّفتر الاول)

بياضاً متلوثّاً أو تلوثّاً في بياض!

ففي استخدام هذه المفارقات، تكمن شاعرية الفكر والذّات الشّاعرية كذلك، إذ يفسح المجال أمام الأضداد ويسمعنا أصواتها معاً، كما أنها حالة مثالية؛ من دمقرطة الشّعر وإفساح المجال وتوحيد الفكر والخيال.

6- استخدام مفردات اساسية توحي بالحياد الفكري كالوسط والوسطية:

 في أشعار عبدالله كل أمر كالحياة وحتى الوقوف في العالم، نقطةٌ، تبدأ الأمور منها وتفضي إليها. النّقطة التي لا تظهر حتى تصبح كل شيء أو تربط به وإن كانت مغادرةً من قبل هذا إياه، فيسمّيها الوسط والوسطية من كل شيء، فمنها السّفر وإليها:

نجد هذا الأمر في اختيار عناوین بعض اشعاره ك :

أنصاف/ قصيدة نصف مكتملة/ في منتصف الطريق

 وفي نصوص أشعار أخرى مثل:

شعر الإبتسامة والذّهاب:

عطش أنا / حينما حتى الذّهاب يكون ذاهباً

(النّقطة مسافرة،أي توقف الشّاعر في مكانه ولم يصل لعربة الحياة من آمال وأمنيات وتحتّم عليه أن يبقَ عطشاً مدى الحياة)

شعر کلام الأوراق:

و جرح توقّف أعلى جرح ثان

(لا إختلاف في الجروح، مهما بلغت من غور، فإنها تكون كالرّكام على تلال الرّوح)

شعر البيت واللعنة:

يبحث عن شيء/ ليس بشيء /لا شكل له لا حدود

(لا حدّ لها ولا حدود، أنها الكلمة الوسطية التي يرنو إليها الشّاعر)

 

شعر نسبة ما:

أنا نسبة / معطوفة بشيء/ بأحد/ نحو وجهة ...

(لديه كينونة عاریة لا تنتسب لنفسها بل تكون كأداة وسطية للصلة فيما بين أشياء، كالحرف في بنيان الجُمل)

7- مضمامین الموت، الزّمان والأبدیة:

الموت، الزّمان والأبدية، الشواغل الأسطورية القديمة التي شغلت ذوات الفلاسفة وعامة الناس وشكلت وطورّت افكار العالم بكل الأزمنة والأعاصير، إثر لهيب القلق النّاشئ من التّفكير بهذه الأمور، ولا شك أنهن أصبحن موتيفات متكررات عند أكثر الشّعراء علموا هذا أو لم يعلموا.

في عدّة موت وحيوات/ بعد ملايين السّنين

في عدة أقوال وأحاديث(کلام الأوراق- الدّفتر الثّاني)

هطلت أمطار/ مواسم تعدّت/ ملايين الملايين من السّنين

الطّيور والمعجزات/ أتت ثم ذهبت(تحديق- الدّفتر الاول)

أطلُقُ عليها الأبديّة/ إن تلاقت أنظارنا في ثانية ما (الأبدية والقدر- الدّفتر الاول)

ما أجمل الأبدية إن كانت إلتقاء النّظرتين.

أيها الموت/ أيها الجار الهادئ/ ماذا تريد في ضباب العناء هذا

و خوف ممتد/ خلفه لا شيء

و لكن خلف اللا¬شيء/ أ¬نوم طويل؟ (التّبعید- الدّفتر الاول)

تعال لنفكر بالموت/ بالنّهاية/ بالخلاص/ نحن فقط!(نهايات جميلة- الدّفتر الثّاني)

8- الحديث النِّسوي:

هذا الحديث الذي يشغل الأواسط الأدبية هذه الأيام وأصبح لديه، أدباً، منهجاً نقدياً، فكرياً، شعرياً ذا طابع اجتماعي. في شعره، البحث عن الأنوثة ليست البحث عن الجنس والجنسیة، ولكن كفكرة أبعد منها، للتناغم مع العالم من حوله، كأمرٌ أبعد مسافة، من الحدود المألوفة:

عند استدعاء معجزة/ إلى النّهاية / أركضُ حافياً في سهول جسمك (عالم آخر- الدّفتر الثّاني)

في مطلع الفجر/ أبحث عن إمرأة / مودوعة فيها سخطي/ في هيبة وطن/ ربما بيت/ وجدته خراباً منذ الولادة (إغواء- الدّفتر الثّاني)

..

أيتها المرأة الضّائعة/ ليس لك من عنوان/ غير إلتواء هذا العطر/ يا عديمة النّظير/ ما أبعدك!(الذّهن المعطّر- الدّفتر الاول)

كحائط/ كإبتسامة/ يحاصرني في الرّيح / غناء إمرأة من البعيد

إمرأة من سلالة لا أحد

لا تشبه أي شيء رأيت (الإبتسامة والذّهاب- الدّفتر الثّاني)

فأن هذا الطّابع النّسوي في شعره، كتلك التّفاحة الذّهبية التي أطلقتها أريس، فإفتعلت الحروب بين جميع النّساء، لتأتي المنشودة في أشعاره وتقضم من تلك التفاحة ولتنتهي الرحلة بعدها، نحو اللامكان.

 

إبراهيم رحيم - الأهواز

.......................

* عبدالله نجم محيسن مواليد 87 ميلادي شاعر وكاتب أهوازي درس الفلسفة، يكتب بالفارسية، لديه مجموعتان شعريتان وكتاب أدبي فلسفي تحت عنوان (المنازل).

 

رحيم الغرباويلعل تقابل الأضداد يمثل جوهر المعرفة الإنسانية وبدونه تبدو لنا تلك المعرفة غير منسجمة وعشوائية، وبذا لايمكن لها أن تُدرَك، والتقابل عند غريماس ما يمنح التجربة الإنسانية والعالم شكلاً إذ نرى مخططاته قد بنيت على فكرتي الضد والنقيض (1)، ويبدو أن النقيض لايمثل الكلمة وضدها فقط في الشعر إنما الصراع المستديم بين عناصر الخير والشر أو الفضيل والمدنس، كما أنَّ في الشعر التجديد والشاعر الكبير لايقبل بما هو ثابت ومستقر، إنه كالفيلسوف الكبير ثوري، أي ما ينطبق عليه هو وصف الخلَّاق كما يرى نيتشه حين قال: " الخلاق يكسر اللوحات القديمة ... الذي لايُسمَّى يُعمَّد والذي لايُقال يُنطَق به، الشاعر الحق كالفيلسوف الحق مُخَرِّب على نحوٍ جذري " (2)

كما أنَّ الشاعر " يرفض القيود التي تواطأ عليها المجتمع، والتي يشعر أنَّها تكبِّل إبداعه الذي يريد أن يسبح في بحر لا ساحل له " (3)، والشاعر الدكتور وليد جاسم الزبيدي واحد من الشعراء الذين منحوا القصيدة سرَّ طرافتها، بوصفه يحاكي عوالمه المحيطة وواقعه المأزوم بالرفض عن طريق استجابته لما هو ضده، فنراه ينأى بعيداً عن الواقع، ليعيش اصطفاف الأماني في داخله، فنراه يقول:

في بلادٍ

ليست كمثلِ البلاد

كأيِّ بلادٍ

قروناً تصدَّتْ

ودهراً تحدَّتْ

فكانتْ رمادْ

بخيطانِها تُغزَلُ المُعضلاتْ

بشطآنِها تُركَبُ النائحات

فدرباً إلى الشمسِ، تذرُ السنين

دروباً تشظت بصمتِ الحنينْ .

إذ نجده يصف بلاده القوية التي تحدَّت الأزمنة، وهي ليست ككل بلاد، بوصفها لاقت مالاقت من صعاب، لكنها صارت رماداً بفعل المآسي التي دهمتها، يؤكد ذلك قوله: (بخيطانِها تُغزَل المعضلات، بشطآنها تُركَب النائحات) فعلى الرغم من ذلد إلا أنَّ جهتها الشمس، وهي تذر السنين التي حملت ما حملت من الأوزار عليها، بينما (دروباً تشظت بصمت الحنين)، وكأنه يرسم صورة ماضيها بعد مواتها، لكنها ستخضر حسب رؤية الشاعر بدلالة الرماد الذي يمثل انبعاث الحياة من جديد .

للآن في رأسِكَ الأمنيات

كطلعِ النخيل،

كذاكرةِ الورقِ المُبتَلى

بفيض المِدادْ،

ونبض السهادْ .(ص 59)

ثم ينتقل ليخاطب ذاته التي تمثل رمز القوة والتحدي وهو ابن تلك البلاد، متمنياً التغيير كطلع النخيل وهو يزهر بعد موات، إشارة إلى أفكاره المنتجة، وكذاكرة الورق المبتلى التي يرمز بها إلى المخطوطات التي حفظت لنا تراثنا على الرغم من طوارق الزمن، كذلك فيض المداد الذي يومئ به إلى تدفق الأفكار، ومن يحمل الأفكار لابدَّ من شيء كبير يعتمله، لذلك أردف هذا المعنى بـ (نبض السهاد) . إذ نراه يضاد بين حالين: الأول: دهماء الزمن بمعضلاته التي أرهقت بلاده، والآخر: الأمنيات المزروعة في رأسه التي تقف بوجه كل ما يشوب أمنياته تجاه نهضة الوطن من جديد .

ومن قصيدته (ليس كمثله شأن) يقول:

أرجوحةٌ غافيةٌ

أسرابُ أحلامٍ على

سِدرةٍ عاليةْ

...

كم صاحبٍ نحتاج وسط عوالمٍ

تشكو النخاسةَ والخِداعْ .

كم صادقاً نحتاج في بحرِ الأكاذيب

التي

قد أغرقتنا بالفضيحةِ والحرامْ

بل كم نبياً سوف يُبعثُ من جديد؟

أ فهل كفرت؟

فنحنُ أحوج للنبوةِ من جديد

تُهنا سفيناً والزمان ولا معين

ليس كمثلهِ شأنٌ

يدوخ بنا المكان

...

فمتى ستجري الساقية؟

ومتى ستأتي الباقية؟

ومتى ... تحررنا النواعير التي

ظلت لحزنكَ باكيةْ؟

ومتى تقول لها ارجعي

هي لم تكن بالمطمئنةِ

لم تكن بالراضية !

...

فمتى تدور الشمس

يبزغُ فجرُنا ؟؟

ومتى تدورُ حياتُنا... ناعورُنا ..

ومتى سنحيا

أو سترجعُ

مطمئنةَ راضيةْ؟

بل كم نبياً سوفَ يُبعَثُ من جديد؟

ويبدو أن الشاعر يرفض الواقع، لما فيه من المخادعين وأهل النخاسة، فيتساءل عن كم صادق يحتاج للتغيير، فهو يطابق بين المتضادات، بين الكذب والصدق، ولعل الكذب هو المتفوق في عصرنا، مما جعله ينتظر الخلاص، ليحيا مطمئناً حالماً، فننراه يتساءل عن وقت التغيير بوصف النبي لابد عائداً، ليمضي في طريق النور، فالساقية والنواعير وحركتها تمثلان التغيير، ولعل الزمن كفيل بالمتغيرات، أما الشمس فتمثل الحياة الجديدة، فعندما تعود مرة أخرى بعد ليل دامس، ذلك ما يرمز به إلى الانطلاق والتحرر، ولعل بزوغ الفجر يمثل مرموزاً لحياة جديدة .

يبدو أنَّ الجديد لدى الشاعر هو الممازجة بين صورتين صورة الوطن وصورته التي تمثل أبناء الشعب، وهي مكملة للأولى، ليجسد بها قوة الوطن بأبنائه إذا ما دهمته قوى الشر، إذ لابد أن يعود من جديد بفعل الخيرين من أبنائه .

وقد وظف الألوان، للمطابقة بينها على الرغم من اختلافها، فأخذت مساحةً  في مجموعة الشاعر الشعرية ومن بينها اللون الأحمر الذي يمثل دلالات عدة منها ما يمثل العنف والإجرام ومنه قوله:

لاتثريب عليك فإني

أعرفُ غضبَ السلطة

وقهر الشرطة

فالأحمر لون الهيجان

يعتصر عيون الثيران

...

الأحمر كفرٌ وبهتان،

وسيحرق كل الألوان .

ومنه لون الحرية التي تمثل الحياة

لاتثريبَ عليك ... الأحمرُ لونُ حياةٍ للحرية

لونٌ يفتحُ باباً نحو الفنِّ جسوراً

للأبدية .

فالحياة في الحرية وهو ما يفتح باباً للفن الخالد بوصفه يقوم على التضحية في سبيل الهدف المنشود .

أما اللون الاخضر فقد استعمله الشاعر للدلالة على انبلاج الأماني، ولعل الخضرة تمثل الخصب والنماء، والشاعر أسمى قصيدته بـ (سؤال أخضر) إشارة منه إلى الأمل الندي، يقول:

يصعقني الأخضر، يربكني

أتخيَّل كلَّ ظنوني

وخيالي ينسابُ قصائد

فوق شجوني .

فالحرية لايمكن أن تتحقق من دون تضحية من أجل الخلاص من دهماء الشرور من أجل العيش في حياة خضراء بأمنها وأمانها .

ولعله في قصيدته (انتماء) يذكر لنا ثلاثة ألوان، منها: الأسود يجعله لون للأرض لأصالته، بينما الأبيض يشتاق للأصفر، والأحمر يجمع الأسمر دلالة على عدم التفرقة بين الأجناس البشرية، فهو المنتمي للإنسانية والأصالة، فهو يطابق بين الألوان؛ ليخرج منها دلالات متقاربة .

 

بقلم د. رحيم عبد علي الغرباوي  

..................

الهوامش:

(1) ينظر: تحليل النص الشعري، سعيد عبد الهادي المرهج: 19

(2) أودنيس أو الإثم الهيروقليطي، عادل ضاهر: 113

(3) المعنى الشعري، د. عباس صادق عبد الصاحب: 62 .

 

يمثل حضور المرأة في القصيدة الصوفية جانباً من عملية نسيجها الفني، وآلية من آليات تواصلها، حين تبرز بوصفها رمزاً لأفتتانه بالوجود وحنينه الى أصوله في شكل حسي أغترابي، فالانثى ما هي الا انعكاس لجمال الذات الالهية . لأن الله اساس الجمال و"لولا جمال الله لما ظهر في العالم جمال، ولولا حسن المخلوق لما عُلم حسن الخالق".

ويرى بعض النقاد ان شعراء الصوفية فيما قد يبدو قد مروا بتجربة الحب الانساني قبل  ان يدخلوا في منطقة الحب الالهي،لانه لايعرف الشوق الإ من يكابده، ويويد ذلك انهم تركوا لنا تراثاً في الغزل ينم عن تجربة كاملة للحب".

وقد نسج الشعراء الصوفيون قصائدهم على منوال الشعراء العذريين، مستخدمين لغة الحب نفسها، بحيث لانستطيع التمييز بين ما يتغنى فيه الشاعر الغزلي بالحب الانساني، وما يتغنى فيه الشاعر الصوفي بالحب الالهي،"إذ تطالعنا القصيدة الصوفية منذ نعومة أظافرها على تبنيها أسلوب الغزل الانساني المأثور في الشعر العربي متخذين  منها ستاراً لغوياً واسلوبياً لمعاني الحب الالهي"، لكنهم نزهوا الحب عن ان يكون بشرياً، ووجدوا من الحري به ان يكون الهّياً، فجعلوه في منتهى النقاء، خالصاً من كل حضور مادي او جسدي فلا يبقى سوى الله مؤهلاً للتوجه اليه.

فالمرأة بوصفها المحبوبة، رمز الانوثة الخالقة، للرحم الكونية، وهي بوصفها كذلك علة الوجود، ومكان الوجود، والعاشق لكي يحضر فيها يجب ان يغيب عن نفسه، عن صفاته، يجب ان يزيل صفاته لكي يثبت ذات حبيبته. إذ إن وجوده متعلق بوجودها، وكينونته رهن لتماهيه فيها، إذ لا وجود للثنائية والتعدد في هذا المقام، يقول الششتري:

قد كساني لباس سقمٍ وذلة              حبُ غيداء بالجمال مُدله

سلبتني وغيبتني عني                  وغدا العقلُ في هواها مُوله

سفكت في الهوى دمي ثم قالت        يا طفيلي ـ عشقتني؟ أنت أبله

إن تُرد وصلنا فموتك شرطٌ           لا ينالُ الوصال من فيه فضله

لن يستأنس بنار الحبيبة المنادية، الإ كل مقتحمٍ لبحار الهلاك، ولن يقتبس من فضلها الإ سندباد الاهوال والمخاطر، فالحبيبة ـ كما الحقيقة ـ لا تعطي نفسها لكل خاطب، إذ أن شرطها هو سلب الارادة، فكل من تجرد من ثوب الارادة بعد سلوك ومقامات، فقد تمسك بكنه الارادة وجوهرها، يقول ابن العريف:

الأ قل لمن يدعي حبنا                  ويزعم إن الهوى قد علق

لو كان فيما إدعى صادقاً              لكان على الغصن بعض الورق

فأين التحول وأين الذبول              وأين الغرام، وأين القلق

وأين الخضوع وأين الدموع           وأين السهاد وأين الأرق

لنا الخائضون بحار الهلاك           إذا لمعت نارنا في الغسق

والشاعر الصوفي عمل على تكريس خطاب العشق الذكوري في الثقافة العربية، وشروطها التأريخية والبيئية، متخذ من المرأة مجلى من مجالي الجمال، ومقاماً من مقاماته التي شدت انتباه الصوفي، واستعبدت أهتمامه، فيقول محمد بن سهل:

اجلك أن أشكو الهوى منك إنني       أجلك أن تومي إليك الأصابع

وأصرف طرفي نحو غيرك صامداً على إنه بالرغم نحوك راجع

ان الشوق والحنين والتعلق والافتتان هي الروابط الرئيسة التي شدت الصوفي الى المرأة التي ترك غيابها  عن ناظره مجالاً للحلم والخيال الخلاق، وهو الخيال الذي شكل  المرأة من الحجارة المكومة في تجارب الغزل، يقول ابن العريف في إحدى مقاماته العشقية:

إن لم أمت شوقاً إليك فإنني            سأموت شوقاً أو أموت مشوقاً

ألبستني ثوب الضنا فعشقته           من ذا رأى قلبي ضنى معشوقا

لاقر قلبي في مقر جوانحي            إن لم يطر قلبي إليك خفوقا

وبرئت من عيني إذا هي لم تدع      للدمع في محرى الدموع طريقا

إنَّ بهاء الكلمات وأشراق العبارات وتوهج العواطف وسخاؤها هي المقولات الكبرى في هذا المقطع الشعري على الرغم من انه ـ أسترفد من تجارب شعرية سابقة، وأستنار من قبسها.

 

الاستاذ المساعد : ليلى مناتي محمود

كلية اللغات / جامعة بغداد

 

الوارث الحسنبين النقد الأدبي القديم والحديث

تمهيدا لمناقشة هذا الموضوع، وتمهيدا بالتالي للحديث عن علاقة النفس بالنص الأدبي (الإبداع)، لابد من الإشارة إلى هذه العلاقة من منظور نقدي وبلاغي. ونستهل هذه الإشارة بالقول بأن هذا الموضوع قد شكل ميدانا فسيحا في الدراسات النقدية والبلاغية القديمة منها و الحديثة، واحتوى العديد من الآراء من جانب الشرح والتفسير.

وفي هذا الصدد، اهتم النقاد القدامى كثيرا بدراسة علاقة النص الأدبي بنفسية صاحبه من خلال « البحث في صحة المعاني أو فسادها في الدلالة على حالة الشاعر وملاءمتها لمزاجه وطبعه، وفي العناية بتقويم المحسنات وأساليب الجمال الفني»(1).

وهكذا،روي عن يونس بن حبيب قوله: « كفاك من الشعراء أربعة امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهيرا إذا رغب، والأعشى إذا طرب، وعنترة إذا كلب»(2). وهذا يفيد في القول،بأن اختلاف الإنتاج الأدبي له علاقة وطيدة بتباين الأمزجة والطباع. كما يفيد، في القول أيضا، بأن الفروق في تركيب البنية النفسية للشعراء له دور مهم في الاستجابة لدوافع الرغبة و النفور من جهة و دواعي التميز و التفرد . وكان عبد القاهر الجرجاني قد أشار إلى هذا الاختلاف في قيمة الإنتاج الشعري، وذهب إلى القول بأن الشاعر « قد يكون في المديح أشعر منه في المراثي، وفي الغزل واللهو والصيد أنفذ منه في الحكم والآداب»(3).

وكانت أوضح إشارة نقدية إلى علاقة الأساليب الأدبية والبلاغية بنفسية مستعمليها، هي التي سجلها ابن قتيبة، في كتابه (الشعر والشعراء)، والتي اعتبر فيها« أن للشعر تارات(اوقات) يبعد فيها قريبة ويستعصب فيها رُيّضه، وللشعر أوقات يسرع فيها أتيُّه، ويسمع فيها أبُّهن منها أول الليل [...] ومنها صدر النهار [...] ومنها الخلوة[...]»(4) . كما عبر غيره من النقاد من بعده،على علاقة البنية النفسية للشاعر بالأساليب الأدبية وربطوها بالعملية الإبداعية ربطا وثيقا. وهكذا يقول القاضي الجرجاني: « ثم تجد الرجل منها (في القبيلة) شاعرا مفلقا، وابن عمهن وجار جنبه ولصيق طنبه بكئا مفحما، وتجد فيها الشاعر أشعر من الشاعر والخطيب أبلغ من الخطيب، فهل ذلك إلا من جهة الطبع والذكاء وحدّة القريحة والفطنة؟ وهذه أمور عامة في جنس البشر لا تخصيص لها بالأعمار ولا يتصف بها دهر دون دهر» (5). ثم يضيف « والقوم يختلفون في الآخر، ويسهل لفظ أحدهم ويتوعر منطق غيرهن وإنما ذلك بحسب اختلاف الطبائع وتركيب الخلق»(6). وأكد عبد القاهر الجرجاني من جهته هذه العلاقة، معتقدا أن العملية التعبيرية الفنية تتحكم فيها أمور غيبية تعلق بالعقل والنفس، وهي التي تهدي المتلقي إلى إدراك المعاني الدلالية الخفية وقال: « فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعرا أو يستجيد نثرا، ثم يجعل الثناء من حيث اللفظ فيقول، حلو رشيق، وحسن أنيق، وعذب سائغ، وخلوب رائع، فاعلم أن ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف، أو إلى ظاهر الوضع اللغوي، بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده، وفضل يقترحه العقل في زناده»(7)، ثم أضاف عبد القاهر الجرجاني إلى أن معرفة هذه المعاني صعب المنال، لأنها معان خفية، « لا تبصرها إلا ذوو الاذهان الصافية والعقول النافذة، والطباع السليمة والنفوس المستعدة لأن تعي الحكمة، وتعرف فصل الخطاب»(8). وقال الجرجاني في موضع آخر مؤكدا السابق و « اعلم انه لا يصادف القول في هذا الباب موقف من السامع ولا يجد لديه قبولا حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة وحتى يكون ممن تحدثه نفسه بأن لما يومئ إليه من الحسن واللطف أصلا وحتى يختلف الحال عليه عند تأمل الكلام فيجد الأريحة تارة ويعرى منها أخرى، وحتى إذا عجبته عجب، وغذا نبهته لموضع المزية انتبه»(9).

وقد قفا هذا النهج كثير من النقاد التابعين مثل: ابن طباطبا العلوي (ت، 322هـ) وقدامة بن جعفر (ت 337هـ)، والحسن بن بشر الآمدي (ت 370هـ)، وعلي بن عيسى الرماني (ت 384هـ)، ويوسف السكاكي (ت 626هـ)، وضياء الدين بن الأثير (ت 637هـ)، وحازم القرطاجني (ت 684هـ) وغيرهم… ممن تنبهوا إلى العلاقة بين النص الأدبي، ومزاج وطباع المبدع له.

وبناء عليه،يمكن القول إن القدامى من النقاد والبلاغيين يعنون بالقضايا النفسية في علاقتها بالأساليب الأدبية من الناحية الفطرية وأن غايتهم لا تخرج عن كونها إشارات وملاحظات مقتضبة تعكس خلاصة تجارب الناقد والبليغ وخبرتهما . واهتمت دراساتهم أساسا بمعرفة أحاسيس الشعراء وانفعالات مشاعرهم وتحديد المؤثرات البيئية والاجتماعية التي توجه سلوكهم وميولاتهم الفطرية والغريزية، ووصف تعاملهم مع الألفاظ بأوصاف تنسجم وطبيعة كل منهم» أكثر من أي شيء. ومن ثمة أيضا، كان عنترة بن شداد عندهم مثلا: فارس شجاع، وشاعر مجيد، سهل الألفاظ، رقيق المعاني، على حسب ما يقتضيه كل غرض… وزهيرمثلا، قاض حكيم، وشاعر فحل، يضع اللفظة موضعها، ويجمع كثير من المعنى في قليل المنطق…. وباختصار، فقد ركز النقاد والبلاغيون القادى في دراستهم لهذه الظاهرة على نقطتين رئيسيتين:

الأولى: معرفة البواعث التكوينية التي دفعت القول الشعري إلى الظهور، وبالتالي معرفة الأسس الفعالة، والمؤثرات العامة التي تكمن وراء كل عمل أدبي، في إطار العلاقة بين الشعور الداخلي والتجارب اليومية والممارسة الفنية وخاصة فيما يتعلق بمعرفة قدرة الشاعر على جعل النتاج الأدبي نوعا من التعويض ينحاز إليه كلما أحس بالنقص (نفسي، أو جسماني، أو اجتماعي)، له انعكاس سلبي على طبيعة حياته اليومية.

والثانية: معرفة الأحوال التي تقف وراء تأثير الأساليب التعبيرية في المتلقي (الرسالة)، إذ كثيرا ما اتجه النقاد والبلاغيون وخاصة في دراسة الصىور الشعرية والأساليب التعبيرية، المباشرة منها وغير المباشرة(10) إلى إبراز دورهما النفسي، ومدى قيمتها الدلالية الوجدانية وتأثيرها في المتلقي.

وأخيرا فقد ركز النقاد العرب القدامى في دراستهم لهذه الظاهرة على ثلاثة عناصر، هي: المبدع، الرسالة، المتلقي.

وإذا انتقلنا إلى الدراسات العربية الحديثة في هذا المجال(11)، فإننا نجد عباس محمود العقاد في طليعة الدارسين الذين ناصروا الاتجاه النفسي في الدراسات الأدبية، وأكدوا على وجود علاقة وطيدة بين الأدب عموما، ومبدعه من الناحية النفسية. بل لقد تأثر العقاد بمناهج ونظريات مدرسة التحليل النفسي الحديثة واعتبرها « أقرب المدارس إلى الرأي الذي ندين به في نقد الأدب، ونقد التراجم، ونقد الدعوات الفكرية جمعاء، لأن العلم بنفس الأدبي أو البطل التاريخي يستلزم العلم بمقومات هذه النفس، من أحوال عصره وأطوار الثقافة والفن فيه، وليس من عرفنا بنفس الأديب في حاجة إلى تعريفنا بعصره وراء هذا الغرض المطلوب، ولا هو في حاجة إلى تعريفنا بالبواعث الفنية التي تميل به من أسلوب إلى أسلوب»(12).

وهكذا اقتنع العقاد بوجود علاقة وطيدة بين العوامل البيولوجية والسيكولوجية للشاعر أو الأديب… والعملية التعبيرية خصوصا أو النص الأدبي عموما، كما في قوله مثلا: « لا تعوزنا الأدلة على اختلاف أعصاب ابن الرومي وشذوذ أطواره من شعره أو من غير شعره، فإن أيسر ما تقرأه له أو عنه يلقي في روعك الظنة القوية في سلامة أعصابه، واعتدال صوابه، ثم يشتد بك الظن كلما أوغلت في قراءته والقراءة عنه حتى ينقلب إلى يقين لا تردد فيه»(13)، ثم أضاف: « وكل ما نعلمه من نحافه وتقزز حسه، وشيخوخته الباكرة، وتغير منظره، واسترساله في الوجوم، واختلاج مشيته، وموت أولاده، وطيرته ونزقه وشهوانيته الظاهرة في تشبيهه وهجائه، وإسرافه في لهوه ولذاته، ثم كل ما نطالعه في ثنايا سطوره من البدوات والهواجس، قرائن لا تخطئ فيها الدلالة الجازمة على اختلاف الأعصاب وشذوذ الاطوار، بل لا تخطئ فيها الدلالة على نوع الاختلال ونوع الشذوذ»(14).

وهكذا،وجد العقاد أن اختلال أعصاب ابن الرومي، كان له الدور الفعال في إبداعه الشعري، وبالتالي، فإن واقع الشاعر وشعره شيء واحد عند العقاد، « فموضوع حياته هو موضوع شعره، وموضوع شعره هو موضوع حياته»(15).

وقد أكد أمين الخولي من جهته وجود صلة وثيقة بين النص الأدبي وصوره وأسلوبه، بل ومختلف تعابيره من جهة ونفسية مبدعه من جهة ثانية، فحث الدارسين والباحثين على الاهتمام بعلم النفس لتحليل الجوانب النفسية، بل ومختلف الوقائع والأحداث التي رافقت شخصية المبدع، عن طريق « وصل الأديب بأدبه، بحيث نفهم الأدب بشخصية صاحبه، كما نفهم شخصية الأديب بآثاره الفنية»(16).

وبناء على ذلك،تركزت أعمال الخولي في هذا الشأن على دراسة التكوين الداخلي للمبدع، ومعرفة سلوكه الخارجي، ومختلف تصرفاته، التي تظهر بين الفينة والأخرى في إنتاجه الأدبي، عبر ثنايا الأسلوب(17).

وقد ساند محمد خلف الله تلك الآراء، لكنه دعا إلى دراسة النصوص الأدبية أو الأدب بشكل عام، انطلاقا من مناهج النقد الأدبي القديم، مبديا في هذا الصدد إعجابه وتأثره، بنظرية عبد القاهر الجرجاني في هذا الشأن، ومعتبرا إياها جزءا « من تفكير سيكولوجي أعم، يطبع كتاب الأسرار بطابعه، فالمؤلف لا يفتأ يدعوك بين لحظة وأخرى إلى تجربة الطريقة النفسانية التي يسميها المحدثون (الفحص الباطني)، وذلك ان تقرأ الشعر وتراقب نفسك عند قراءته وبعدها، وتتأمل ما يعروك من الهمزة والارتياح والطرب والاستحسان، ويحاول ان تفكر في مصادر هذا الإحساس»(18) . ثم أكد على أنه من الممكن الاستفادة من نظرية الجرجاني النفسية عن طريق توظيف منهاجها واستغلال أفكارها، لتغذو نظرية حديثة «تنهض بما لم يفطن إليه من نواحي النظرية الأدبية، وتبين ما أجمله من مسالك الأدب إلى النفوس، تعالج ما أشار إليه من ضروب الصور الذهنية [...] منتفعة في ذلك بنتائج الدراسات الأدبية الحديثة، وبما وصلت إليه الفروع الإنشانية المختلفة التي تمت إلى الأدب والفن بأوثق الصلات»(19).

وكتب مستنتجا: « والواقع أن ميدان التحليل النفسي من أخصب ميادين علم النفس، من جهة علاقاته الأدبية، فإن تنقيبه في أعماق النفس الخفية، يقفه وجها لوجه أمام طائفة من المعضلات التي شغلت باحثي الأدب قرونا، ولا تزال تشغلهم»(20).

هكذا دعا محمد خلف الله إلى تبني التحليل النفسي لدراسة الأدب وفنونه بل ودراسة طبيعة الشعر وأغراضه وأساليبه التعبيرية(21).

ولم يخرج محمد النويهي، عن سابقيه في أفكارهم ومناهجهم التطبيقية .وجاءت تفسيراته لهذه العلاقة من خلال دراساته النفسية والبيولوجية لشخصية بعض الشعراء من مثل: ابن الرومي(22) وبشار بن برد، وأبي نواس، انطلاقا من استكشاف العوامل المؤثرة في شخصيتهم وبعض مظاهر سلوكهم، من خلال أشعارهم و طريقة كتاباتهم و أخبارهم، معتمدا فـي كـل ذلك على مناهج نفسية حديثـة مختلفة، حيث أكــد قــوله:

« فإنني لم أتبع فرويد هذا الاتباع المذهبي الضيق [...] وإنما تخيرت من شتى الفلسفات النفسية الحديثة الأخرى ما رأيته نافعا في شرح موضوعي الخاص الذي تناولته»(23).

وقد علق أحمد كمال زكي على آراء محمد النويهي في كتابه (شخصية بشار)(24) وقال: « والكتاب في جملته جاء مظاهرة للتأثير الاجتماعي في الشاعر العظيم»(25).

في حين انتهى محمد النويهي في كتابه الثاني (نفسية أبي نواس) إلى أن هذا الشاعر الذي في رأيه « ولد رقيق التكوين، مشحوذ الأعصاب، بالغ الحساسية، وإلا لم يكن الشاعر الذي نعرفه في حدة شعوره، وسرعة تأثره، ودقة استجابته الشعرية لمؤثرات حياته. ومثل هذا الطفل المستوفز الإحساس يكون عظيم التأثر بأحداث طفولته. فصفحة نفسه غشاء بالغ الرقة تنطبع عليه تجاربه العاطفية انطباعا عميقا، وتهز كيانه هزا عنيفا»(26)، كان يجد في شرب الخمر، و « ارتشافها، ارتضاء لشهوته تلك»(27)، ومحو آثار فقدانه لحنان الأبوة والأمومة (28)، وبالتالي « عجز عن التخلص منها (الخمرة) طوال حياته»(29)، فأقر أن حاجة أبي نواس للخمرة هو كحاجة الطفل نحو أمه وأبيه، وبالتالي رأى أن هذا الشاعر كان يعاني من عقدة نفسية رافقته في نشأته وتربيته الأولى، وتجسدت بجلاء في شذوذه الجنسي(30).

هكذا أثبت محمد النويهي بدوره نجاعة التحليل النفسي الحديث في الكشف عن مختلف البواعث التكوينية التي دفعت الشعر إلى الظهور، وبالأسس الفعالة التي تكمن وراء كل عمل أدبي قام به الشاعر أو الأديب.

وبناء على هذه الآراء والدراسات يلاحظ بجلاء ولا شك، تأثر الدراسين العرب المحدثين بمناهج النظريات النقدية القديمة من جهة وبمناهج التحليل النفسي للدراسات الغربية -علم النفس- من جهة ثانية، واتفاقهم جميعا في القول بأن الشعر كمعطى تعبيري أسلوبي، لا يمكن فصله بأي حال من الأحوال بالبواعث التكوينية والعوامل المؤثرة في شخصية الشاعر، وبأن الشعر بمختلف أساليبه التعبيرية لا يمكن فهمه وتبين ملامحه إلا بالرجوع إلى واقع الشاعر، إيمانا منهم بأن الشاعر ليس سوى نتيجة لهذا الواقع، ومرآة عاكسة له. وبعبارة أدق، يعكس هذا الاتجاه، إيمانهم بأن فهم النص الأدبي، ومختلف أساليبه لا يبدأ من الشعر، بل يبدأ من واقع الشاعر. ومن ثم، جاءت محاولات هؤلاء الدارسين لتحديد خصائص وملامح علاقة الأدب عامة أو الشعر خاصة بنفسية صاحبه، وواقعه المعاش، وكأنها خاضعة لهذه النظرة، أي أنها تخدم أولا وقبل كل شيء فكرة العلاقة الحتمية والبديهية، بين هذا النص وحياة صاحبه.

 

بقلم: الدكتور الوارث الحسن

أستاذ باحث - المغرب

..........................

الهوامش:

(1) تاريخ النقد الأدبي عند العرب، إبراهيم طه، ص: 72.

(2) العمدة، 1/204 .

(3) الرسالة الشافية، عبد القاهر الجرجاني، ص: 126.

(4) الشعر والشعراء، 1/86-87.

(5) الوساطة، القاضي الجرجانين ص: 16.

(6) نفسه، ص / 17-18.

(7) أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، ص: 3.

(8) نفسه، ص: 50.

(9) دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ص: 279.

(10) ونقصد بالأساليب المباشرة، أساليب علم المعاني، الطلبية منها وغير الطلبية، وبالأساليب غير المباشرة، المحسنات البيانية والصور البديعية.

(11) ونود ان نذكر في هذا الإطار، أن الدراسات العربية الحديثة، لا تزال متكئة اتكاء كاملا على ما أنتجه الغربيون. ويكفي ان نذكر، علم النفس واستغلاله في دراسة الفن عامة خاصة من طرف: فرويد Sigmond Freud وجاستون باشلار Gaston Bachelard وشار مورون Charles Mouron، وغيرهم…

(12) دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية، عباس محمود العقاد، ص: 112-113.

(13) ابن الرومي، عباس محمود العقاد، ص: 101.

(14) نفسه، ص: 101.

(15) نفسه، ص: 12.

(16) مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، أمين الخولي، ص: 332.

(17) راجع نفس المصدر، ص: 327 وما بعدها.

(18) من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده، محمد خلف الله، ص: 135.

(19) نفسه، ص: 138.

(20) نفسه، ص: 22.

(21) راجع: المرجع نفسه، ص:76، وما بعدها.

(22) راجع تعليق أحمد كمال زكي في كتابه: النقد الأدبي الحديث، ص: 184، حول ما جاء به النويهي من آراء في تحليل شخصية ابن الرومي. وانظر الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، عبد القادر فيدوح، ص: 173.

(23) نفسية أبي نواس، محمد النويهي، ص: 185.

(24) راجع: شخصية بشار، محمد النويهي.

(25) النقد الأدبي الحديث، كمال أحمد زكي، ص: 184.

(26) نفسية أبي نواس، محمد النويهي، ص: 79.

(27) نفسه، ص: 46.

(28) نفسه، ص: 80.

(29) نفسه: ص: 52.

(30) راجع نفس المصدر، ص: 55.

 

 

 

احمد الشيخاويفي محاولة لوضع حجر الأساس لمشروع شعري، يبدو أن الذات صمتت عن تفاصيله طويلا، من خلال تشفير أرهق الروح وأنهكها حدّا لا يُطاق، كي يثمر بالنهاية، بوحا يزهد في الخطاب القناعِي، ويجيء عاريا متنكّرا لمحطات الجلْد الأنوي، وإن كان لا يرفع كثيرا من المسؤوليات عن هذه الأخيرة، أيضا في مسرح ما يمكن للكائن فتح جبهة للنضال ضدّ روتينه، بعدّ الهوية الخاصة نواة معادلتنا الإنسانية، سواء بالمفهوم الفرداني أو داخل السّرب.

 وعيا يولّد صياغة بعينها، ليمنح الذاتيه معنى، ويؤثر في باقي الصياغات، وهي تمارس سلطتها، موجّهة في التشكيل، على نحو مباشر أو غير مباشر، متلاعبة بملامح مركزية كما كونية الفرد، تبعا لقياسات إذابة هذين المفهومين في ملمح السيادة أو الخصوصية الجماعية.

صمتت هذه الذات، متأمّلة مشهد ما قبل الفعل الإبداعي الضاج بثغرات أنويتنا الميّالة، في كثير من الأحيان، وفجأة انقلبت على ذاكرة طمر العيوب ومواراتها، خلف فخفخة ما تنفكّ تفضي إلى اصطدام فجائعي بفولاذية الواقع.

إنّ الشاعر محمد حياري، و هو يتوجع بترجمة مثل هذه الحمولات، ينبّه إلى عظمة وجلال الكلمة، والتي إن وفّقنا في احتواء عمقها ودوالها، بمعزل عن أضرب التكلّف والصنعة الإبداعية المشوّهة لنقل المعنى، نكون فقط قد تجاوزنا العقدة الأجناسية .

وهو طرح غامز بالرؤية الموسوعية المحيلة على طاقة إبداعية هائلة، وعبرها رفع منسوب التحكّم في الذات والزمكان، بما يتيح مساحات أوسع للتصالح والتصافي وترتيب المشهد الوجودي، وفق تصور يقوم على أنقاض فضح عيوب الكينونة، ينهض من رمادها، مكاشفا بكتابة إشراقات ولادات ثانية، وبعد برزخية، لتلكم الأنا المتخمة بخرائط طابو الأعطاب.

تجربة كهذه تتهمّ غطرسة الجماعي وتدين إشتراكيته الجائرة، إذ تتمحور على إذابة الهوية الفردية، وهي تبرز كأقصى ما يكون الفعل الإبداعي، مدى إشاعة ثقافة كون إنسانيتنا أكبر من الكلمة وسفسطة المنظومات الفلسفية المفتية بروح العام على نقصانها وجشع تغذّيها على تجاذبات إفقار الذات.

لكن تقبع القصيدة لسان الأبد في ذودها عن هذه الإنسانية المفقودة والمهدورة والمنوَّمة أحيانا.

يحضر سرد تكامل بين الأضداد لا تجاذب، ممّا يشي بتوجّه مغاير، يحسب للأصوات الجديدة، لما تخفض جناح الذل فقط للتجريب دون سواه.

إنها أبجدية تمجيد الدندنة الروحية، لا يهمها إن رفعت سقف ومضة الهايكو، أو أشركت معنى الإستذئاب الأيديولوجي، في نصغ لعبة كلامية، تنتصر للحياة وقيم الخير والمحبة والتسامح والنضارة والجمال، الخ...

في مناسبة ارتجالية، مع أنها تسجل للذات المبدعة عدم ركضها الممل، خلف الكلمات، بما يراكم معاني الانتصار لروح الفردانية، يقول:

[يكفيني سندويشا في المساء

لأحلم أني ألف الأرض مرة

 ومرتين بلا قدمين وبلا يدين

تحملني عجوز جميلة تمسك سيجارة بـــــــــفلتر

تخرج الدخان من أنفها

كلما سقطت نجمة في الجنوب](1).

ولو أن إطار الاشتغال، لا برح مستنقع أعطاب الذات: الخيانة، شحّ الضوء، الاعتراف بالرداءة النرجسية، الجنون خارج القصيدة، تأليه عبثية الأعمار، مرور الرموز الخاطف والخجول والذي يؤجج الظمأ لفراديس إنسانيتنا فوق ما يشعر بالحدّ الأدنى من الرواء، إلى ما ذلك من معاني يناوب على إنتاجها وتناسلاتها، عمق النصوص وبراءة لغتها وكريستالية معجمها وإنسانية خلفيتها وهي الأهم ههنا في مجموعة، لم تمنعها عذريتها، من مناطحة أفق المفارقات المحقّقة للوظيفة الجمالية والإدهاشية المرتجاة، من ممارسة الشعر.

من الديوان ندرج هذه الشذرة وكيف أنها تتماهي بتجليات العكسي أو المضاد، رافعة الحلم إلى رتبة صياد، استغراقا لوحشية قذرة ضمنية، يطارد الذات خارج حدود فردانيتها، بحيث لا يكون المنجد، سوى التشبّع بثقافة الاعتراف بالأعطاب الأنوي، كغيث كاذب، تغذّيه إرهاصات مصاردة الحلم للذات، لا العكس،  توسّلا برمزية وهوية الذات في عمق انتمائها إلى طقس العالمية:

[ بالأمس كنت طريد أحلامي

قفزت فوق أسوار المدينة

تخفيت بفروة ذئب

تكلمت لغة النمل

حتى سمعت غيمة حديثي

ففاضت عيناها بالدمع](2)

كذلك هي كتابة رصد الأعطاب، حين تبحث في المعنى الزئبقي، دفقا بألوان تغذية هوية الكائن الفردية، مثلما تُلهم هذه المجموعة الشعرية الباكورة .

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

.........................

هامش:

(1) نص نجمة سقطت في الجنوب، صفحة52/53

(2 )نص تفاصيل صغيرة، صفحة 45

كلّ هذا وأكثر (شعر) طبعة أولى2019، إصدارات جامعة المبدعين المغاربة، الدار البيضاء.

 

 

رحيم الغرباويالشعر هو شعور يتجاوز المحسوس إلى عوالم فسيحة على الرغم من انطلاقه من عالمه، فنراه يتشاكل مع الروح ؛ ليحلق معبِّراً عن لحظات البوح المثالية، ذلك ما افترق الشعر عن غيره من الكتابات الإنسانية، ولعل الشعر النسوي أو النسائي كما يسميه البعض هو شعر وجدان يطابق الواقع إلا أنه يحلق إلى مدارك أوسع إذا ما نظرنا أن المرأة الكائن الجميل التي تسعى دائماً لوصف ذاتها أو ما حولها؛ فتصف أفراحها أو أتراحها تجاه واقعة أو حدث معين أسعدها أم ألمَّ بها، لكن طابع ماتمنحه من تصاوير أو رموز وإن كانت بادية للعيان يمكن للقراءة النقدية أن ترسم من خلال اللاوعي الجمعي صورة مغايرة للمعاني المباشرة بوصف الشعر هو  ما بإمكانه إحداث الدهشة والالتفاته في ذات المتلقي ؛ " لأنَّ للغة الشعر خواصاً خفية تكاد تكون سحرية لاسيما عندما تتحول الأحاسيس والمشاعر إلى صرخات تعبِّر عن مشاعر بدائية إزاء حركة الزمان وإلفة المكان " (1)، ولعل العزف على وتر الضياع في الشعر العربي ؛ نتيجة الظروف التي فرضت سطوتها على المواطن العربي سياسياً واجتماعياً لاسيما المرأة جعلتها تنزع إلى البوح بما يخالجها من أنين، وهي ترسم صورة المشاعر تجاه الأشياء، ولنا وقفة مع نماذج (ميرال يونس) الشعرية التي تكتب لنا بأحاسيسها المفرطة بالاحباطات من فعل التزاماتها بالعادات والتقاليد المفروضة، فضلاً عن الحالة غير الطبيعية التي يمر بها بلدها سوريا، فنراها تخالج نزعاتها بروح جميلة طروبة، إذ لاتنسى جمال الطبيعة وهي توظفها من خلال جمال روحها في النظر إلى الأشياء، فنشاهدها توظف الياسمين، والغناء، والأحلام، والرقص وجميعها تحمل معاني الترف، تقول :

على جيدي يثمل الياسمين متراقصاً

وبصوتٍ شجيٍّ لايملُّ الغناء

علمتُ أنَّ أحلامي تحوَّلتْ  أطلالاً

ذبلتْ على أسوارِ الظروف

واعتصمتْ في سجنِ الأعرافِ

لكنَّني أقسمتُ أنْ لا أملَّ الرقصَ بين جنباتِ ذكراه

لعلَّ في ذكراه الخلود .

فهي بتلك الألفاظ تعقد مقارنة بين حالين : الأول : ترف الذكريات والسلام والطمأنينة مع من تهوى بصدق، فتبوح بعشقها للوطن وللأرض وللطبيعة الساحرة  إزاء هول الواقع المثخن بالمحظورات من فعل الحروب التي أضافت على سجن الأعراف ضيقاً ؛ مما جعلها ترسم لنا بريشتها الندية رموز الترف التي أصبحت تعيش في وهدة السكون، فهي تمازج بين جيدها الذي يمثل مكان القلادة ومسرحها والياسمين تلك الأزهار الرقيقة والطيبة الشذا وهي تغني على نبضات قلبها المتسارعة الانغام بفعل قسوة الواقع المضني بدلالة (صوت شجي)، ومن جسامة الأحداث حتى غدا الياسمين ثملاً متراقصاً على أنغام حزن شاعرتنا، متناغما مع قلبها بعدما تحولت أحلامها أطلالا ؛ في إشارة إلى خلو الحياة من أملٍ في الانطلاق نحو مستقبل أفضل ؛ مشيرة إلى الظروف والأعراف وكلاهما سجنان لكل أمنية تخطر على بال من حَلُمَ يوماً ؛ ليعيش بهياً سعيداً، لكننا نجد تصميماً من شاعرتنا، وإرادة لا يمكن مواتها على الرغم من التحديات العسيرة من خلال فعل القسم الذي نراه حاضراً لديها بأنها سترقص بين جنبات ذكراه، ولعل في ذكراه تخلد الحياة بالأمان، ويبدو أنَّ رقصها هو انتقالة شعورها إلى بدء الخليقة، إذ كان الرقص هو لون من ألوان العبادة في المعابد حيث كانت تلك الرقصات تمثل حركات عبادية تتوسلها المرأة ؛ كي تستجيب لها الآلهة ولتحقق مطالبها المحجوبة .

أمَّا في نصها الآخر الذي تقول فيه :

أسامر الليل وشاطئ البحر في الحديث عنك

خوفاً من الناس أنْ يلمحوك في أحداقي

دمعةً،

أو بين ثنايا القلب نبضه

بل في حنايا روحي روحاً

فأكشف  ....

أنَّك سرٌّ في بئرِ أعماقي

ويبدو أنَّ الليل مساحة العشاق ودهاق المظلومين ؛ لما له من سكون (والليل إذا سجى)، كما أنه ستر من الرقباء، يقول المتنبي:

وأزورهم وسواد الليل يشــفع لي    وأنثني وبيــاض الصبح يغري بي

بينما البحر يمثل موطن الاسرار، فهو يدَّخر الكنوز وما فيها من أسرار، تجعلها تلحق رؤيتها بهذين الرمزين، وهي تسامرهما ؛ كونهما أليفين لها بوصفهما أيضاً يمثلان محطة لأنين العاشقين وملاذاتهم . أمَّا الدمعة التي رمزت لها بالحبيب بوصف البكاء من القلب إيذاناً بحس الفجيعة المدمرة التي دهمتها، " وليس أمام الذات سوى أنْ تعلن حدادها ... مما يدل على أنَّ الاغتراب كلي وليس جزئياً، داخلياً ولا خارجيا، وإنه ضارب في العمق، هو التحول من دلالة الحزن إلى دلالة الألم، وأحد الظواهر الوجدانية المشحونة بالوجع " (2)، كما أنها تجعل من الغائب نبض القلب كونه معجوناً به، بل وروحاً خلد في روحها، لشدة تعلقها بطيفه،   فجعلها تخشى أن يراه الناس دمعةً في أحداقها، فيكتشفون سر معاناتها، ثم ترمز إلى موطن الأسرار وكأنه البئر في إشارة إلى إخفاء سرها عن أعين الوشاة والحاسدين ؛ ليبقى الحبيب حياً مع روحها وهي تنبض به حباً واشتياقاً وأنين .

 

أ‌. م .د. رحيم عبد علي الغرباوي

.......................

(1) جمالية فلسفة الدهشة، د. سلام الأوسي : 57.

(2) معارج المعنى في الشعر العربي الحديث، د. عبد القادر فيدوح : 61

 

جمعة عبد اللهالمبدع الكبير (أحمد خلف) من ابرز كتاب القصة والرواية الحديثة العراقية . بأنه يمتلك اسلوبية بالغة الجودة في الابداع، في التنوع واقتحام كل الاشكال السردية بالتنوع في الحبكة الفنية وتقنياتها الحديثة . اضافة انه يملك رؤية ناضجة في الصياغة الفنية ومنصات التعبير في الرؤية الفكرية، التي يستخلصها من الواقع الحياتي والمعاشي، ويصوغها في خيال فني خصب في آفاقه الواسعة والمتمددة، ليجعل النص الروائي في سعة التناول الواسع . انه يغوص في صلب الاشياء وعمقها، ليخرج منها، الجوهر بالمعنى التعبيري في، في دلالاته العميقة . وتجربته الطويلة في تجربة الفن الروائي، أكسبته خبرة ومهارة وصنعة احترافية، في الاشكال السردية وتقنياتها، التي تعطي القوة التعبيرية في طرحها وتشخيصها، لذلك نجد في رواية (محنة فينوس) وظف عدة اساليب متنوعة، من اسلوب التداعي الحرالذي سكبه في انسيابية شفافة في الحبكة السردية، التي تملك العمق بلغتها المشوقة والمرهفة، وكذلك توظيف الرمز في التعبير، وفي استخدام التناص في الاسطورة، وجرها الى الواقع العراقي، قديماً وحديثاً، في بؤرة سماته البارزة والمكشوفة . لذلك استخدم في هذه الرواية (محنة فينوس). الاساطير الرومانية والاغريقية . ومهما اختلف اسمائها ومسمياتها، وانما ان نأخذ الجانب الرمزي في المغزى والدلالة . (فينوس الرومانية / يقابها افروديت الاغريقية) او (مارس الروماني / يقابله اريس الاغريقي) وهكذا . (اثينا / تمثل بغداد) . لذلك نهتم في البعد الرمزي ومنطلقاته التعبيرية في هذه الرموز، بالقصد والمقصود . من اجل تسليط الضوء على ازمنة الاستبداد والطغيان الشمولي، مهما كانت مسمياتهم، سواء كانوا آلهة واباطرة والطغاة مأجورين في حكمهم المطلق، اومن صنف البشر من الطغاة المتوحشين . لان الجامع المشترك بين هؤلاء، هو اللهاث على الحصول على صولجان السلطة، مهما يكون حتى بطريقة التدمير والخراب للبلاد . فهكذا دمروا بالخراب بغداد والعراق، واهلكوا اهلها وحرثها . في صراعات دامية وحامية الوطيس، كلفت انهار من الدماء واطنان من الجماجم التي سقطت في ساحة الوغى والحرب، في سبيل الاستيلاء على صولجان السلطة . الذي يأتي دائما عبر الخرائب والنيران الحارقة . يتجرع الناس فيها مر العذاب وكأس الحنظل . وحين يستولون على صولجان السلطة، يطلقون العنان للوحش الرابض في عقولهم في التوحش . في هلاك البلاد والعباد، وممارسة اساليب البطش والتنكيل بكل صفاتها الوحشية، اضافة الى استخدام سلاح التجويع والفقر والارهاب، وامتلأ السجون وزنازين الموت بالضحايا، حتى دفن الابرياء في الحفر وهم احياء . هذه الصفة العامة لازمنة الاستبداد والطغيان القديمة والحديثة . ولكن من المهازل السخرية التراجيدية . يتم سرقة الصولجان عن طريق الخدعية والمكر الثعلبي والشيطاني بالاحتيال، وما حقيقة سرقة آله الحرب والشر والدمار (مارس) للصولجان، جاء نتيجة احتيال وخديعة عن طريق التوسل الى رب الارباب الالهة (زيوس) يطلب منه ان يعيره الصولجان، لليلة واحدة فقط ثم يعده اليه، ولكن حين مسك صولجان السلطة أشتعلت نيران الحرب المدمرة والطاحنة بينهما، ماهي إلا صورة طبق الاصل، لكل الانقلابات العسكرية التي مرت على تاريخ العراق . وكبدت العراق خسائر فادحة وباهظة لا تعوض، بالخراب والموت وسفك انهار من الدماء . التي عصفت في أثينا (بغداد) واطلقت العنان لعقلية الحواسم والعلس، وثقافة الحقد والكراهية والعداوة . وبالتالي كانت النتيجة المأساوية في اغتصاب الحب والجمال، وافراغهما من محتواهما الانساني والحياتي، وتحولهما الى محنة، مثل محنة (فينوس) آله الحب والجمال، حينما اغتصبها، آله الشر والموت والدمار (مارس) ليجرد الحب والجمال من اشراقاته، من خلال فض بكارة (فينوس) وحملها في احشائها الجنين، من حيامين الشر والحرب والخراب . هذه العدوانية الدنيئة والخسيسة . ليجرد اثينا (بغداد) من معالم الحب والجمال، وليخلق محنة حياتية عويصة، هي بالضبط مثلما اغتصبت الانظمة الطاغية في الاستبداد الشمولي، في كل مسمياتها العسكرية والدينية، مثلما هو الواقع العراقي عبر مراحله السياسية . الذين دفعوا العراق الى الخراب والدمار، في صراعهم المسعور على صولجان السلطة . ان يعبثوا بالخراب والفوضى في صراعهم الدامي . ان يشعلوا النيران وبشن الحروب العبثية والمجنونة بالفوضى، لكي تحترق اثينا (بغداد) . وما على المساكين الناس والفقراء، إلا تأدية فروض الطاعة . وتقديم القرابين تلو القرابين، من اجل بقاء صولجان السلطة بأيديهم الى الابد (بعد ما ننطيه / او دار السيد مأمونة) . وهم يتلاعبون في ارواح البشر . في البطش والتنكيل والاغتيال . على صرخات كرنفالات المجد والتعظيم الى (زيوس) العظيم رب الالهة الجبار، السيد المطلق . مثلما كان سابقاً (قائد الضرورة العظيم) او حالياً (الاصنام المزيفة المقدسة) . وما على اهالي اثينا (بغداد) سوى تقديم كرنفالات الفرح العظيم، على الدموع والنحيب والعويل بالحزن والخراب والتعاسة، على توابيت الاموات التي أمتلئت بهم المقابر، ولكن الويل من يحتج ويعترض على الامر الآلهي المقدس، على حكم الالهة والباطرة والطغاة والفاسدين، عليه ان يضع حياته على راحة عفريت مجنون، عليه ان يكتب على نفسه الموت والاغتيال المحتم والمحتوم . ان يجد الوحشية الدموية امامه بالصدمة المروعة (حين بلغ الاباطرة الاسياد احتجاجات نفر من الشباب، أرسلوا لهم عشرة من رجال اشداء مدججين بالهرواة والقبضات الحديدية وعملوا بهم ضرباً مبرحاً وراحوا يسومونهم اصناف العذاب على مرآى ومسمع من اهاليهم، بعد ذلك الضرب المبرح، لم يعد الاهالي يعلمون ماذا حل باولادهم وفي اي المغارات دفنوا او حشروا حتى قيام الساعة) ص16 . . ان كل الطغاة قديماً وحديثاً، متشابهون بنهج سلوك الوحشية الدموية في العنف المفرط، حين يكون بحوزتهم صولجان السلطة . من اجل خلق مناخ الرعب والخوف والفزع . حتى تتكامل المدينة الديستوبية الفاسدة في اثينا (بغداد) . في تجنيد العسس، و حتى تجنيد الذباب والصراصير، حتى الجدران تكون لها اذان، تسمع وتسجل . هذا ما حل الخراب في اثينا (بغداد)، وهذه محنة فينوس، التي اغتصبت وحملت من اللعين والشرير،آله الشر والموت والدمار (مارس) حتى يختفي الجمال بالتشويه والتخريب بالعبث والفوضى، على دموع ونحيب (فينوس) بالحزن والنجوى، ان يترك اثاره على جسدها البض، وهي في حالة ذهول مأساوية (وقد تركت الاثار في جسدها البض ميسماً واصابها الذهول مما جرى لها من مارس اللعين، سكبت فينوس دموعاً ومداراة وبكت ساعات طوالاً ولم يرأف بحالها احد) ص28 . هذه معالم الدولة الفاسدة التي يخلقها الاباطرة الطغاة، ان يحولوا الحب الى عهر وفساد ورذيلة، وان يحولوا الجمال الى خراب وخرائب تجتاح الحياة (اذ ليس مثل مدينتنا مدينة اخرى تحملت عبث الالهة وجنون الاباطرة ولهو سدنة المعابد، كانت اثينا مضطرة الى فتح ابوابها لكل عابر يروم من رحلته حفنة من ثرائها المتبقي .. انني ارى ما حل باثينا من خراب حتى احد المارة صاح في اطراف الغابة منادياً زيوس الجبار ومتحدياً اياه ؛ (اذا كانت فينوس التي اصبحت عاهرة ينالها كل مفلس هي سبب الخراب فماذا ستفعل بالجنين المسخ في احشائها ؟ واين ستلقي به يا زيوس) ص46 . ولكن هذه حقيقة الخراب الذي حل في اثينا (بغداد)، ان حول الازمة الحياتية، الى حالة الاذلال والمهانة، والالهة والاباطرة الطغاة المأجورين، يتنعمون بنعيم الحياة في الرفاه والرخاء، ويطلقون وحوشهم وكلابهم السائبة والضارية، تفتك بعامة الناس، حتى اصبحت الناس تخاف من خيالها، فكان الرعب والخوف يلاحقهم اينما كانوا . وفتحوا ابواب الحروب العبثية، التي احرقت واهلكت الحرث والنسل . تحت شعارات مزيفة (النصر لنا والهزيمة لاعدائنا / او كل شيء من اجل المعركة، او الدفاع عن الوطن الذي ينتهك الشرف والاعراض)، هذه السخرية التراجيدية، التي ابتلت بها اثينا (بغداد)، وهم يقدمون القرابين تلو القرابين . حتى فقدت القيم والاخلاق قيمتها في الحياة، حتى تزعزع الايمان وتبعثر الحق هارباً خوفاً من عنف ودموية الباطل، في حديث لسجين نجى من الموت في اعجوبة، بعد طمره في حفرة مع الاخرين احياء واهالوا عليهم التراب لايمسحوا مكان الجريمة، هذه افعالهم الوحشية والمخزية (- أتحقد عليهم الآن؟

(- أحقد ؟ أتريد الحق لقد زعزعوا ايماني بكل شيء) ص128 . هذه الانظمة الباطشة، اطلقوا العناق لاخلاق الحواسم والعلس، بعقلية قطاع الطرق، من السراق والمجرمين، والذين جاءوا من مواخير الفساد والرذيلة، جعلوهم يتحكمون في مصير الناس المساكين (- نعم بكيت عندما هددوني ذات يوم بالفعل المشين، لانهم قايضوني بين تقبيل احذيتهم وبين ان يطؤوني الواحد بعد الاخر، لم اتوان ولم اتردد في الانكفاء على احذيتهم لأقبلها الواحدة اثر الاخرى وانا اجهش بالبكاء، والدموع كانت تنهمر من عيوني على الاحذية) ص126 . ولكن اللعنة والخراب حلت في اثينا (بغداد) . حلت فيها العقاب الالهي، دون رحمة ولا شفقة (اثينا، اثينا، اية لعنة حلت عليكِ، ان غضبي لن يهدأ ما لم اجعلكِ مجرد حجارة على حجارة اخرى، ايتها الجاحدة، الناكرة لسطوتي ورعايتي لكِ، لن يمر بك الصحو ما لم اوجه اليكِ العقاب المناسب على افعالك ايتها الشمطاء يا اثينا) ص166 . وكان العقاب الالهي يترجم بحذافيره على الواقع العراقي .

- الرواية: محنة فينوس

- المؤلف: احمد خلف

- الطبعة الثالثة: عام 2018

- عدد الصفحات: 171 صفحة

الطبع: في مطبعة جعفر العصامي للطباعة والتجليد الفني / مؤسسة ثائر العصامي

 

 جمعة بدالله

 

صالح الرزوقزينب ساطع عباس من الأسماء الواعدة في مجال القصة القصيرة. ولكن هذا لا يعني أنها تكتب قصة بالمعنى المعروف الكلمة، إنما هي تقتحم دائرة طالما انتشرت في الستينيات من القرن الماضي، وأبرز معالمها غياب الشخصية الواضحة، اختصار الأحداث والفعل الجمالي، تكثيف اللغة واعتمادها على المجاز، وزيادة جرعة القلق دون موضوع محدد ومباشر.

تأتي زينب ساطع كجزء لا يتجزأ من معنى القصة النسوية. فهي تمتلئ بالعاطفة وتنظر بعينيها إلى داخل شخصية افتراضية نادرا ما يكون لها اسم أو صفات. ودائما تكون في حالة مخاض وشك إما بالذات أو الموضوع.

وهنا يطيب لي تقديم مداخلة عابرة.

الذات في هذه القصص هي مجاز أو إحالة، لأنها تدل على فكرة أكثر مما تدل على موضع نفس شخصي من الوجود. بمعنى أنها لا تعكس موضع القاصة من مجتمعها ولا معنى هذا الوجود كما تراه وتعايشه وإنما تركز على المحرضات والدوافع. مثلا لماذا يرفض الرجل المرأة المطلقة في قصة (قراران). ولماذا تهرب بطلة (شمعدانات من رسائل) من شريك حياتها وهكذا..

وهي تؤجل الشرح والتبرير إلى النهاية لتلعب بمثابة:

١- خاتمة مباغتة، و ٢- فلاش باك يذكرنا بأسلوب بداية الحكاية، و٣- نقطة تنوير توضح و تنقل العقدة أو الحبكة إلى معنى إدراك.

بوجيز العبارة إنها تبني قصصها بشكل معكوس مثل كل الأساليب الحديثة. تضع العقدة أولا، ثم المقدمة، لتبرير ضرورة الحدث، ودور كل شخصية من الشخصيات، ثم تنتهي بنقطة تنوير.

أما الموضوع فهو أشبه بخيال، لأن الواقع عند زينب ساطع إدراك وليس تصورات أو محاكاة. وإذا كانت هناك سطوح عاكسة فهي مجرد عدسة موجهة للداخل، لمتابعة الهياج النفسي والمعاناة مع الوجدان، وليس لرؤية الظاهر فقط (كما في قصة عدسة الأمل). إن الموضوع في المجموعة هو أي شيء يتحرك بحرية ونعتقد أنه موجود بذاته وبشكل مستقل عن إرادتنا، وكمثال على ذلك البيت والأب ورموز وعلامات المجتمع الميتافيزيقي أو القهري.

وتحمل زينب ساطع كل بصمات دستويفسكي في معالجة الموضوعات والعقدة. فهي تنفصل عن واقعها الخارجي وتوفر لنفسها عزلة نسبية من شروط الحياة والواقع، وتدخل إلى داخل شرنقة حياتها الخاصة.

ولذلك تكتمل شروط بناء الشخصية من خلال مونولوج فردي، ويعلو صوت النفس المفكرة وانعكاسات تلك الأفكار على الحواس. وهذا أسلوب متبع ومعروف عند النساء أكثر من الرجال.

وفي أدبنا الحديث مجموعة نماذج من هذا النوع. وإذا كانت البداية من غادة السمان وليلى بعلبكي وكوليت خوري (فلسفة الأظافر الطويلة التي تعادي المجتمع وتعلي من شأن الذات وألمها وصراعها ضد الواقع) فإن هناك نماذج منضبطة وأليفة تعيش لحظة الفاجع من خلال تنمية ورعاية الأسباب. فالمرأة تحمل صخرة سيزيف لأنها أنقى

وعليها فروض تستوجب الطاعة، وليس لأنها إنسان مكتوب عليه الاستسلام لمصيره وأقداره.

وهذا يضاعف من عذابها.

من رموز النمط الثاني أليس إلياس القاصة الشابة التي لم يمهلها القدر لتقديم سوى تجربة يتيمة صدرت في دمشق، وقمر كيلاني مؤلفة (اعترافات امرأة صغيرة) و(امرأة من خزف) وسوى ذلك. وفي هذه القصص لا نرى أي نوع من الاحتجاج أو التمرد، ولكن ما يشبه سلوك تضميد الجراح والتعايش مع المحنة وانتظار اللحظة المناسبة لإلغاء الأثر. لا توجد هنا أطافر طويلة ولا سياسة تكسير واحتجاج، ولكن عتاب صامت فقط.

وأعتقد أن زينب ساطع من هذا النوع أيضا مع جماليات أخلاقية شفافة فرضها فهمها لمعنى اللغة والمرأة وفن القصة.

وربما هي على أبواب تقديم أفضل خلاصة ممكنة لهذا النوع من الكتابة.

 

صالح الرزوق

 

عدنان حسين احمدمن روايات "القائمة القصيرة" لجائزة "بوكر" العربية

تحاول الروائية السورية شهلا العجيلي أن تلعب على الشكل في روايتها الرابعة "صيف مع العدوّ" الصادرة عن منشورات "ضفاف ومجاز والاختلاف" فتبدأ الرواية من حيث انتهت الأحداث لتعيد سردها بضمير المتكلم، الذي تراه "مخاتلاً وحميميًا". أما المضمون في هذه الرواية فقد تنوّع ليشمل عِلم الفَلك، وعالَم الخيل، والموسيقى الكلاسيكية، والتنقيب الأثري، والاعتقالات السياسية، والرحلات الفضائية، والحروب التي امتدت على مدى قرن من الزمان بدءًا من حرب القرم في القرن التاسع عشر، وانتهاءً بسيطرة داعش على مدينة الرقّة التي اتخذها التنظيم الإرهابي عاصمة لدولته الإسلامية المزعومة.

تحتشد الرواية بالكثير من الأحداث التي تدور في مدن عدّة مثل دانزيغ، وبراغ، وبيت لحم، والقاهرة، وبيروت، وكولونيا، وهايدلبرج، والرقّة وغيرها من المدن والحواضر العربية والعالمية. وعلى الرغم من تعدد الشخصيات، وكثافة الأحداث، وتنوّع الأمكنة، وامتداد المدة الزمنية إلى قرنٍ أو يزيد إلاّ أنّ العمود الفقري للرواية يعتمد على ثلاث شخصيات نسوية وهي الجدة كرمة، والبنت نجوى، والحفيدة لميس أو "لولو" كما يُطلقون عليها تحبّبًا، أما الشخصيات الرجالية فتحضر لتؤثث النص السردي، وتُكمل سير الأحداث بالدرجة الثانية، وكأنّ الروائية تتعمّد إزاحتها من المتن إلى الهامش، فما إن تومض الشخصية الرجالية حتى لو كانت مهمة مثل نجيب أو عبّود أو نيكولاس لكنها سرعان ما تنطفئ أو تغيب متلاشية خلف الشخصيات النسوية الثلاث اللواتي يهيمنَّ على مساحة كبيرة من المتن السردي للرواية.

تتألف الرواية من سبعة فصول يتعانق فيها الشكل مع المضمون، إذ تنحو الأحداث منحىً بوليسيًا منذ الفصل الأول الذي الذي عنونتهُ الروائية بـ "جريمة صامتة" لن تتكشّف حقيقتها إلاّ في الفصل السابع والأخير "بيغ بانغ" بينما تغيب تمامًا على مدار الفصول الخمس الباقية "سجل عائلي"، "رائحة الهجر"، "ليالي المقطورة الأخيرة"، "يوم التفّاحة"، و "رجال كارمن الثلاثة".

تُعيدنا استذكارات لميس وعبّود في مدينة كولونيا إلى الرقّة التي شكّل فيها الرجال الذين ذهبوا إلى أوروبا الشرقية للدراسة "كومونة" تختلف عن بقية الوحدات السكنية في المدينة، وأنجبوا أولادًا وسيمين مُهجّنين أسموهم أولاد الأجنبيات الذين يقطّرون الفودكا في منازلهم، ويستمعون إلى الموسيقى الكلاسيكية، وقد منحت هذه العائلات المتنوّرة مدينة الرقّة أجنحة تحلّق بها في فضاء الحرية الذي لا تسمح به منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية في سبعينات القرن المنصرم. لم ينسجم أسعد مع زوجته التشيكية "آنا" التي أنجبت له ولدها الوحيد عبّود، وحين تزوّج عليها عادت إلى براغ على أمل أن يعود لها ابنها ذات يوم.

تنجح شهلا العجيلي في تشيّيد البنية المعمارية للرواية حين تمنحها طابعًا بوليسيًا حيث يرتدي عبّود، بالاتفاق مع لميس، جوربًا أسودَ في رأسه ويعتلي شبّاك الجدة ليخيفها فتموت من الرعب لكن الحفيدة تشعر بالإثم وتأنيب الضمير على مدى خمس وعشرين سنة وتتعطّل فيها صداقاتها، ومشاريعها، وأحلامها الرومانسية. وبما أنّ أحداث الرواية واسعة ومتشعّبة ولا يمكن الإحاطة بها جميعًا لذا سنتوقف عند أبرز المحطات الرئيسة فيها. فالجدة التي ماتت من "الرعب" كانت راقصة في صباها مع فرقة بديعة مصابني الشهيرة التي تتنقل بين القسطنطينية، وبيت لحم، والقاهرة، وبيروت حتى تتعرّف على الآغا إبراهيم الذي ينتشلها بسيارته البونتياك الزرقاء ويأتي بها إلى الرقّة لكن ماضيها يظل يطارد أفراد الأسرة برمتها ويقف حائلاً أمام تحقيق بعض الأمنيات التي تدور أذهانهم، ومع ذلك تُنجب كرمة "نجوى ونجيب" حيث تضطر نجوى للزواج بعامر بينما كانت تحب شقيقه فارس الذي يعتقد أن رجولته معطّلة، لكن أحد الأصدقاء نصحه بالذهاب إلى الماخور، وهناك صادف امرأة استطاعت أن تُطلق رجولته فتزوجها، وسافر معها إلى اليونان، ولم يعد من غربته الاختيارية. أما شقيقه عامر فكان يمارس خياناته المتكررة كلما سافرت الأسرة إلى الخارج، لكن الجرة لن تسلم دائمًا فقد أخرجته نجوى ذات يوم من غرفة "أحلام" وقد أُصيب بالجلطة في أثناء اللقاء الحميمي، فلم تعد هي إلى البيت، وسوف يلتحق عامر بأخيه في اليونان لتُصبح امرأة مهجورة من قِبل رجلين شقيقين فتفوح منها رائحة الهجر الواخزة. وحين يأتي نيكولاس، العالِم الفلكي الذي يعمل أستاذًا في جامعة ميونخ يصبح رجلهما المشترك، فتتعقد شخصية لميس حين تراه يداعب أمها، ويحنو عليها، وقد شعرت في تلك اللحظة أن شيئًا ما قد تهاوى في داخلها لذلك ستنقطع هي إلى عالَم الخيل، بينما تنْشدّ الأم إلى عالم الكواكب والمجرّات. تتفاقم معاناة لميس بسبب الغياب، فلقد غاب عبّود حين ذهب إلى براغ ومنها إلى كولونيا، وغاب الأب في اليونان، وثمة احتمال لغياب الأم التي تعلّقت بهذا العالِم الألماني وتماهت معه في قصة حب لم تعد خافية على أحد. في عالَم الخيل نتعرّف على أبي ليلى وزوجاته الأربع وما تعرّض له أولاده الثلاثة الذين اشتركوا في المظاهرات المناوئة للنظام حيث يتهمهم الوالد بالتخريب والخيانة، فيما يتهمونه بالعبودية للسلطة. لقد قضت لميس صيفًا كاملاً مع عدوها نيكولاس الغارق في خرائط الحب، وأطالس السماء مُذكرًا إيانا بالعالِم الفكلي البتّاني الذي صحّح العديد من أوهام بطليموس عن الأبراج والنجوم وحركة الأرض. يعود نيكولاس إلى ألمانيا فتعاني الأم وابنتها من الفراغ القاتل، فتدخل الأم في سن اليأس لتودّع مباهج الروح والجسد إلى الأبد بعد رحيل نيكولاس.

تندلع المعارك بين قسد وداعش فينزح الأهالي عن الرقّة، فتموت الأم ميتة بشعة إذ تنبتر ساقيها بينما تصل لميس إلى كولونيا لتلتقي عبّود وتصارحه بالجريمة المشتركة التي ارتكباها معًا حين وافقته على إفزاع جدتها وبعد نقاشات طويلة متوترة نكتشف أنّ الجدة قد وقعت في المطبخ وماتت بالجلطة، ولم تكن في سرير نومها. تلتقي لميس بكارمن التي تعود بنا إلى زوجها بسّام الفلسطيني- السوري الذي لم يقدّر استثنائيتها فخانها مع امرأة أخرى لذلك نسفت الجسور كلها مع الشريك الخائن. تتشعب قصص كارمن مع الطبيب النفساني غونتر، والمهندس الإنشائي الثري دانييل لكنها لا تستطيع أن تحظى بهم جميعًا "مثلما لا نستطيع أن نحظى بوجوه النرد كلها في رمية واحدة". تتردد لميس بين اللجوء إلى عبّود أو نيكولاس لكنها تحسم أمرها وتذهب إلى نيكولاس الذي أطفأ شرارة الحب في قلبها، ومضت نحو عدوّها القديم بساقيّ أمها المقطوعتين.

ثمة حكايات أخرى تشبه الأضلاع المحنية المتصلة بالعمود الفقري مثل قصة كارمن، وأمها الشاعرة البولندية التي سوف تكتشف بعد أكثر من خمسين عامًا أن زوجها هو الذي قصف منزلها وقتل أفراد عائلتها. وهناك قصة نجيب، شقيق نجوى الذي انتمى للحزب الشيوعي المعارض للنظام فأعتقلوه ومات في المعتقل. ولعل قصة محمد فارس، رائد الفضاء السوري هي الأكثر رمزية ودلالة لأنها تذهب بنا إلى الفضاء وتحررنا من مدار الأرض لكن حتى هذا الرائد قد انشقّ عن النظام وهرب مع عائلته إلى إستانبول ليكشف عن بشاعة النظام القعمي الذي شتّت السوريين في مختلف أرجاء العالم، ومن خلال هذا الشتات ترصد الروائية التحولات الكبرى في سوريا والعالم العربي.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

749 هياكل(إننا الروائيين سوف نكون أشباه الآلهة) فرنسوا مورياك الروائي وشخوصه – ترجمة علا شطنان التميمي ص78. دار المأمون ط1.

قول في التصنيف والتعريف:

هذه الرواية أو كما عرفها المؤلف بنص سردي، فمن المعروف أن كل رواية أو قصة هي نص سردي، ولكن ليس كل نص سردي رواية، لكن السؤال ماذا أراد المؤلف من وراء هذا التوصيف لمؤلفه هذا ولغيره كما درج عليه مهدي علي ازبين، هل يريد أن يؤكد مقولة تداخل الأجناس الأدبية وذوبان أو ميوعة وتداخل الحدود فيما بينها؟؟

أو أن الكاتب أراد أن يترك للقارئ والناقد عملية التصنيف والتعريف بمنجزه الإبداعي دون أن يفرضه عليه أو يقيده بحدود توصيفه كونه قصة أو رواية أو خاطرة... الخ

أرى أن التفسير الأخير لدلالة المؤلف وتعريفه لمنجزه، فهو لا شك نص إبداعي سردي يفيض بالجمال ومشبع بالدلالة وعمق المعنى والفرادة والتميز في اختيار الراوي العليم (الكلب) في الرواية العراقية، ولكن هل هو رواية ؟

(إن الرواية تعبير إنساني، وجد منذ القدم، واغتنى بإضافات عديدة من لدن مبدعين ينتمون إلى ثقافات وحضارات متباينة، من ثم يصعب القول بوجود شكل روائي فرنسي أو أمريكي أو روسي أو عربي، بل هناك شكل مفتوح، مستوعب لمختلف الإضافات، يتوفر على مكونات نصية وجمالية تتعدى (الأصل) الاثني أو الثقافي لأنها مكونات تعتمد السرد والتخييل والحبكة وتعدد اللغات والأصوات، وهي جميعها عناصر مشتركة في التراث الروائي الإنساني المتفاعل باستمرار) ص49 الرواية العربية ورهان التجديد د. محمد برادة مايو 2011

تعريف جان غوستاف لوكليزيو للرواية (تقوم الرواية على اللايقين والتساؤلات وإعادة النظر أنها نظرية من لا اكتمال الحياة. الرواية جنس تعبيري للحاضر، إنها وصف لحالة العالم والمجتمع والذات، وبهذا المعنى فهي تلائم تمامًا عصرنا الذي هو عصر شك وعدم تيقن من المستقبل) ص40 الرواية العربية ورهان التجديد .

(الرواية كلا ظاهرة متعددة في أساليبها متنوعة في أنماطها الكلامية، متباينة في أصواتها... الرواية تنوع كلامي (وأحيانا لغوي، اجتماعي منظم فنيًا وتباين أصوات فردية) ص9-11 الكلمة في الرواية – ميخائيل باختين – ترجمة يوسف حلاق ط1 دمشق 1988.

فلو راجعنا مختلف تعريفات وتوصيفات الرواية التي اعتمدت من قبل كبار الروائيين والنقاد لوجدنا أن (هياكل خط الزوال) رواية بدون شك.

فهي بالأساس فن سردي يقص حكايات بصورة نثرية سواء من الواقع المعاش أو من بنات مخيلة المؤلف والذي غالبًا تمتد جذوره في أرض الواقع مهما كانت درجة عجائبيته وغرائبيته، ولكنه مشروط بعد استنساخ الواقع بل تخليقه وتصنيعه فنيًا وأدبيًا فلا يكون سردًا تاريخيًا أو تسجيليًا...

كما أن الرواية هي عملية تذكر غالبًا ما يكون أحداثًا تروى إما بشكل متسلسل زمنيا أو متداخل ينتقل فيه الراوي من زمن إلى آخر قد يكون اللاحق سابقًا ومستهلاً للرواية أو يسير سيرًا تقليديًا متواترًا، كما أن الرواية تتطلب حضورًا للمكان والزمان أثناء عملية السرد وقد تكون شخصيات الرواية بشرية أو تروى على لسان الحيوان كما في روايتنا فالروائي العليم هنا (كلب).

وفق ما تقدم يحق لنا أن نصنف ونجنس (هياكل خط الزوال) برواية لأنها تمتلك كل مقومات الرواية وشروطها الأساسية.

العنوان ودلالته:

عنوان الرواية أو عنوان أي نص أدبي هو من يملك المفتاح السحري لمغاليق العمل الروائي ومصباح إضاءة وإنارة لخبايا وزوايا ودلالات النص الأدبي والروائي على وجه الخصوص...

عنوان رواية (هياكل خط الزوال) في الحقيقية إجابة استباقية على تساؤلات القارئ الناقد حول مكان وزمان الرواية، فخط الزوال هو خط التلاشي والذي تنطلق منه أو تستدل به كل خطوط العرض والطول في الكرة الأرضية، ونقطة تقاطع خطوط العرض والطول هذه تحدد المكان المعين على الأرض، وحينما تكون الرواية هياكل خط الزوال فهي أحداث وصور وأساليب تمارس على كل الأرض دون استثناء ولا تخص دولة بعينها أو أرضًا بعينها دون غيرها، هذا يشير لنا تاريخ البشرية وتاريخ الشعوب ضمن مسيرتها الطويلة ولحين التاريخ، فهو تاريخ حروب وصراعات دموية هوجاء سواء أكانت داخلية بين الشعوب وحكامها أو بين الطبقات الاجتماعية والأديان والطوائف في داخل البلد أو بين الشعوب وحكامها، أو كونها حروبًا خارجية بين دولة وأخرى أو بين عدد من الدول كما في الحرب العالمية الأولى والثانية .

فالكاتب هنا لم يذكر لنا مكان وزمان الرواية؛ وإن كانت تدل حيثياتها وإحداثها أنها حرب نظام مستبد وطاغية على أبناء شعبه وربما يمكننا الاستنتاج أنها مستلة من أحداث إخماد الانتفاضة الشعبية الآذارية عام 1991 ضد نظام الديكتاتور بعد هزيمته في حرب الخليج .

الكلب والإنسان \ الكلب شخصية محورية في الرواية:

تذكر بعض البحوث والدراسات في ما يخص علاقة الإنسان بالحيوان فتشير إلى أن الإنسان روّض الكلب أو الكلب رافق وصادق الإنسان منذ 14000 إلى 150000 ألف سنة خلت، فهو من أقرب الحيوانات إليه، وقد تميز عن العديد من الحيوانات كونه تميز بالوفاء والإخلاص الأعمى لسيده الإنسان ومصاحبته في مختلف الظروف، ربما يشاركه في هذه الصفة الحمام الزاجل حين يعتاد على مكان محدد، فنرى أن البقرة والحمار والفرس حينما تباع أو تساق إلى مالك جديد أو مكان جديد تتأقلم معه وتتعايش مع سيدها الجديد ولكن الكلب يصعب تطويعه وجعله ينسى ويتناسى سيده وصاحب نعمته الأول لذلك كان له ذكر واسع في التراث الأدبي والحكواتي وحتى الديني للإنسان وليس خافية علينا قصة أهل الكهف وخامسهم كلبهم.

كتبت العديد من الروايات والقصص العراقية والعربية والعالمية على لسان الحيوان وخصوصا الكلب ونذكر بعضًا منها على سبيل المثال وليس الإحصاء:

- رواية (حرب الكلب) لإبراهيم صنع الله.

- تحريات كلب – لفرانز كافكا .

- رائحة الكلب- للكاتب الجزائري جيلالي خلاص.

- مذكرات كلب عراقي- للروائي العراقي عبد الهادي سعدون .

- كلب آل باسكرفيل – آرثر كونان .

- الكلب الأبلق الراكض عند حافة البحر - جنكيز ايتماتوف .

- رواية حوار كلب – للروائي الاسباني ميغيل دي ثيربانتس سافيدرا.

- الكلب السائب - للكاتب الإيراني صادق هدايت .

- موت كلب – قصة للكاتبة بثينة الناصري

- (كبرياء كلب وحنان كلب، وغيرة كلب، وبصمة كلب) أربع قصص قصيرة للقاص والروائي حميد الحريزي .

هنا نريد أن نقول إن الكاتب مهدي علي ازبين الأول في كتابة رواية يكون فيها الراوي العليم الكلب ونؤكد كونه أبرز من اجترح هذا الأسلوب من السرد الروائي في العراق خصوصا حسب علمنا.

 

مراحل حياة (كلب) ازبين وتحولاته:

لا يعطينا الكاتب صورة عن شكل ولون ومميزات كلبه الراوي العليم، فهو لم يؤثثه؛ بل وصفه بجرو يتعرض للملاحقة والمطاردة بدفع من قبل السلطات للقضاء عليه وعلى أبناء جنسه كونه مخلوقًا فائضًا سائبًا فائضًا عن حاجة الإنسان في بلد الدكتاتور الذي أراد أن يطوع الإنسان في بلده على العنف والكراهية وتمرينه على القتل دون تساؤل ودون تردد مبتدئًا بالحيوان المسالم البريء، ليعده نفسيًا وسايكلوجيًا وسلوكيًا لمهاجمة وقتل أبناء جلدته من البشر أيضًا دون تردد ودون تساؤل وإنما لإرضاء رغبة الحاكم والنظام القائم وهو ما حدث بعد ذلك ليكون (الجرو) شاهدًا على قتل الإنسان وإذلاله واغتصابه وليأخذ دور حاميه والمدافع عنه والمحافظ على وجوده وكرامته حيًّا أو ميتًا المهدورة من قبل أخيه الإنسان...

فكان الجرو المدافع ضد وجود سيدته ضد من فهم أن خطيبها يريد سلبها منه وخطفها من عائلته فعاجله بعضّة شرسة دامية في إليته حينما كان يتبختر ببدلة عرسه الجديدة...

ولكنه أحس بالجبن والعجز بالدفاع عن سيدته حينما تعرضت للاغتصاب من قبل العسكري حامل المدية الذي اقتحم الدار هو وزمرته واغتصب الابنة الكبرى وربما والدتها، مدعيًا بأن لا حول ولا قوة له بصدّ الجاني المغتصب بينما تصوب إلى جمجمته فوهة سلاح حارس المغتصب. فيردد مع نفسه متهمًا إياها بالتخاذل (ألوم نفسي "متخاذل") ص45.

وهنا إشارة بأن الحيوان الحامي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإنسان في الدفاع عن حريته وصيانة كرامته، فماذا عساه أن يفعل حيوان لا يمتلك سوى أنيابه ومخالبه وسط خضوع وخنوع كل سكان المدينة مغلقة الأبواب خوفًا وهروبًا من بطش العسكر الذي استباح المدينة...

ولكن هذا الجرو الذي أصبح كلبًا ناضجًا كفر عن ذنبه ومهادنته وانهزاميته هذه في الاستبسال حد الموت في منع الكلاب والذئاب والثعالب والقطط من تمزيق جسدي سيديه الأب وابنه الأوسط اللذين وجدهما مقتولين في الأرض الجرداء، وتمكن من صد هذه الحيوانات المتوحشة وتمكن من دفنهما والحفاظ عليهما حتى حضور الأم الزوجة والولد الأكبر والعثور على جثتيهما بدلالة الكلب الوفي الذي ربما فارق الحياة بعد ذلك في المكان نفسه.

نسبية الخير والشر، الإنسانية والتوحش:

وفي الوقت الذي أشار فيه الروائي إلى نسبية نزعة الخير والشر نزعة الإنسانية والتوحش عند البشر كذلك هي موجودة في عالم الحيوان ومنها الكلاب...

فكما كان كلب العائلة متمثلاً بأرقى قيم الإنسانية من حيث الرحمة والإخلاص والوفاء التي تخلّى عنها الكثير من البشر، كذلك هناك كلاب وحيوانات شريرة ومفترسة وشريرة، وقد تعرض أشرسها للهزيمة من قبل كلاب خيرة تمكنت من إصابته بعدد من الجروح وبتر ذيله الذي أصبح لعبة من قبل القطط!!

كذلك هناك تناظر لحالات الخيانة والدونية بين الأعداء في عالم الحيوان وعالم الإنسان حيث يكون الفرد وسيلة للإيقاع بابن جلدته متعاونًا مع عدوه، كما هو حال الكلبة الخائنة المتواطئة مع الثعلب وتمكينه من افتراس دجاج القرية في الوقت الذي يجب أن تكون هي الحامية لها من شر الثعالب.

للتعبير عن موضوعيته في سرد الأحداث وتظهير السلوكيات ذكر لنا الكاتب سلوكيات متباينة من قبل حتى عساكر النظام فربما يكون بعض منهم مغلوبًا على أمره وغير قادر على العصيان والتمرد للانتصار للقيم الإنسانية وقيم الحرية والعدالة ولكنه يحاول إثبات إنسانيته متى توفرت له الفرصة الممكنة غير القاتلة، مثال ذلك الضابط العسكري فارع الطول وبالغ الهيبة الذي أخذ الطفل الجريح وتطبيبه في الطبابة العسكرية وإعادته إلى أمه سيدة المنزل وهو طافح بالحنان والرقة والإنسانية، بالضد من العسكري حامل المدية وهي إشارة وتلميح ربما لقادة فدائي صدام وجلاوزة عدي أو بعض أفراد الحرس الجمهوري الخاص الذي كان بالغ العنف والشر والذي اغتصب النساء في المنزل دون رحمة، وعجز الجندي المتعاطف مع الضحية وكانت دموعه تسيل على خديه ألمًا وغضبًا لما جرى من عملية انتهاك واغتصاب لعفة وعذرية الفتاة الشابة في المنزل.

كذلك أشار لنا الروائي إلى وجود حالة من التضامن والمحبة بين الناس بعضهم البعض رغم كل أساليب السلطات على قتل هذه الروح ومحاولة تفكيك المجتمع وتجريف كل قيمه الايجابية النبيلة، كان هذا الموقف ممثلا من مجازفة ومغامرة الجارة على إيصال المرهم الشافي والضمادات للبنت التي أصيبت بالحرق في قدمها جراء انسكاب الزيت المقلي عليه، متحدية الرصاص والخوف متسلقة الجدار البيني بين المنزليين تمتلكها روح التضامن والدعابة لتخفف من الأم الجارة رغم المخاطر ولعلعة الرصاص.

الحبكة الروائية وأسلوب السرد:

الرواية يمكن عدّها من الروايات المدورة حيث تبدأ من حيث تنتهي، كما الرواية تنحو منحًا غرائبيًا عجائبيًا حينما تجعل كلبًا راويًا عليمًا وليس أحد الشخصيات الروائية كما في العديد من الروايات التي أشرنا إليها سابقًا، وتجعله يصارع الكثير من الكلاب وغير الكلاب من الحيوانات المفترسة، بأشكال وهيئات مختلفة، ينطقها ويجعلها تحاور بعضها، وتجري في دواخلها منولوغًا حواريًا داخليًا، وكأنه يقوم بمتابعة وتظهير مشاعر الكلاب وتصوراته واسترجاعاته في أوقات مختلفة محاولاً قدر الإمكان أن يكون مستترًا خلف الكلب المأنسن بعد تكالب الإنسان المدجن من قبل السلطات ولم يحِد الروائي الكاتب عن هذه الحالة إلا في مداخلته وتساؤله حول سلوك الكلب وقيامه بحماية الجثتين لسيديه الأب وابنه الأوسط (ميتان منذ صباح الأمس، ملقيان على الأرض.. والعجيب هذا الكلب لا يفارقهما، يتنقل بين الرجل والفتى. هل يحرسهما؟؟) ص59.

نرى أنه إيضاح فائض عن الحاجة أكيد القارئ سيصل إلى هذه النتيجة وهو يتابع معاناة الكلب وإصراره على حفظ جثتيهما وحمايتهما من الحيوانات كي لا تنهش جسديهما، وقيامه بعملية دفنهما وتوسد قبريهما إلى حين حضور الزوجة والبنت والابن الأكبر، وكأنه يسلمهما الأمانة وليسلم روحه معهما بعد أن تعرض لأذى كبير وجروح خطيرة أثناء عراكه مع الكلاب والثعالب والقطط .

كان الكاتب فطنًا وذكيًا ومتابعًا لحركات وسكنات الكلب منذ دخوله لاجئًا إلى بيت الأسرة التي رعته وحتى هلاكه وهو يحرس الجثتين..

كما أنه كان دقيقًا في توصيف الضحايا وهم ناس مسالمين لم يحملوا السلاح ضد السلطة، فمثلا الأب طلب تزويده بعصا ليهشّ بها الكلاب الذي قد تعترض طريقه ولم يحمل سلاحًا ناريًا ولا سلاحًا جارحًا، وهي إشارة إلى مدى وحشية النظام وقذارته واستهدافه للناس العزل من كل سلاح وهذا بالفعل ما حصل للكثيرين أثناء أحداث انتفاضة آذار عام 1991.

رغم ذلك نرى أن هناك صعوبة في إقناع القارئ أن الكلب ذو حاسة الشم القوية جدا يقدم على شرب النفط متوهمًا كونه ماءًا، وكذلك صعوبة إقناع القارئ بأن الكلب قادر على الإمساك بقنينة الخمر ودلق محتوياتها في جوفه فيسكر، ناهيك أن شارب الخمر لا يمكن أن يرمي قنينة الخمر إلا بعد إفراغها تمامًا.. لا نرى أن للمؤلف حاجة في ذكر هذين المشهدين ولو من أجل تلطيف جو السرد وإدخال نوع من الطرافة في الرواية المشحون بالألم والمشاهد المؤلمة والحزينة، كنا نأمل أن يكتفي بطرافة عضّ الكلب لخطيب البنت، وبوصية الكلب الثري بأملاكه للناس من موظفين من دون ذكر القاضي الذي جعل من الكلب المذموم إنسانا مرحومًا طمعًا بحصوله على جزء من ثروته (ألم يوصي المرحوم بشيء آخر) ص62.

وتوصيف كلابنا للأجنبي محاولاً إقناعه بأن كلابنا أكثر ذكاءً من كلاب الغربيين، فهناك كلب يقوم بدور الشرطة السرية، والكلب الوسخ الملطخ بدهن السيارات (إنه يصلح السيارات)، والكلب الغاطس في بركة قذرة (إنه كلب عاطفي وحساس لقد سمع للتو بنبأ وفاة حبيبته) ص68

و(هل أصبحت محلتكم كلها كلابًا) ص69

من خلال سرد وعبارة رشيقة وجملة محكمة شدنا الروائي إلى متابعة حركات أفراد العائلة من كونها عائلة سعيدة ومنسجمة وهانئة ومحبة للخير وللحيوان، إلى عائلة مكلومة منكسرة فقدت الأب والابن الأوسط ، وعفة وشرف الأم والبنت الكبرى، ولكنه يبدو غير مقنع من الناحية المنطقية للأحداث وخطورة الوضع القائم أن يجعل الأم تقرر العودة ثانية إلى المدينة بدعوى تفقد الدار بعد أن تركتها مجبرة تحت تهديد السلاح وطلب العسكر إخلاء المدينة بأسرع وقت، مما عرضهما لمهاجمة العسكر والتعرض للاغتصاب خصوصًا وأن الزوجة تعلن موقفها حين تقول (خسارة الأموال يمكن تعويضها، أما خسارة الإنسان لذاته فلا تعوض) ص57 بمعنى أنها تفضل الحفاظ على النفس على المال كمبدأ حياتي لها فما الذي يدفعها للعودة للدار وتفقدها صبيحة اليوم الثاني رغم جسامة المخاطر؟ وكأنه لم يجد وسيلة لاغتصابهما إلا بعودتهما، في حين كان الأمر ممكن الحدوث قبل مجيئهما للواحة في المرة الأولى، كما أنه صنع هذه العودة ليبرر حالة عدم التقاء رب الأسرة وولده الأوسط للزوجة والبنت الكبرى ومن ثم البحث عنهما ومقتلهما في الطريق صوب المدينة.

نرى هنا خلل في الحبكة ويمكن اختزال الحدث واعتماد الحدث الأول لتصنيع وهندسة مشهد الاغتصاب ومقتل الأب وولده..

نرى أن الروائي تطرف في عملية الاختزال والتكثيف للمشاهد والصور التي يفترضها الحدث محملاً القارئ عملية تصنيع المشهد المفترض كما في توصيفه لعملية الاغتصاب وما يفترض أن يرافقها من صراخ ومقاومة وتمزيق ملابس الضحية ومصاحبة دماء النزف للضحية العذراء ضمن عملية الاغتصاب الوحشية من قبل العسكري المتوحش.

كما أن الروائي لم يؤثث شخصيات الرواية فهي مجرد تسميات أب وأم وطفل وبنت كبرى وولد أكبر والوسط وخطيب، دون ذكر أي توصيفات لأشكالهم وأطوالهم ولون العيون والحركة المميزة لكل منهم، لترتسم في ذاكرة القارئ صورة للشخصية تعايشه بعد الانتهاء من قراءة الرواية، كما فعل مثلا في توصيف ولو مختصر جدا للضابط الملازم أول الذي احتضن الطفل وتطبيبه في الطبابة العسكرية كونه شابًا فارع الطول ذا كبرياء وشموخ، وقسماته التي تدل على الحزن وعدم الرضا عما يحدث. في حين لم يصف المجرم المغتصب بما يتناسب مع شخصيته المتوحشة الشريرة.

كما أننا لم نستمع إلى الحوار الداخلي لأغلب هذه الشخصيات: البنت المغتصبة، والأم المكلومة، والأب الملهوف لرؤية ولقاء زوجته وابنته العزيزة وما اعتراهما في طريقهما للمدينة وتوصيف اللحظات الأخيرة لهما قبل الموت قتلا برصاص العسكر، بل حصر هذه الحوارية بالكلب فقط .

كذلك الحال بالنسبة للمكان فليس هناك توصيف للمكان: البيت، الحي، الواحة، فهي ليست أكثر من دوال الحضور بدون أية سمات وأشكال ومواصفات، ربما يرتبط هذه برغبة الروائي عدم الإفصاح عن مكان وزمن الحدث بالضبط كما أسلفنا عند الحديث حول عنوان الرواية.

لا شك أن الروائي أدهشنا في سعة خياله واجتراحه لهذا الراوي العليم غير المسبوق في الرواية العراقية على الأقل، وكما يقول أحدهم (لو اكتمل الشيء مات) فليس هناك عمل روائي مكتمل .

رواية (هياكل خط الزوال) عمل سردي مميز ومتفرد من حيث الثيمة وأسلوب السرد تحتسب للروائي المبدع مهدي علي ازبين .

 

بقلم: حميد الحريزي

 

جمعة عبد اللهمعالم المهارة الشعرية وتقنياتها، واضحة المعالم. في ثنايا القصيدة القصيرة، التي تعتمد في مقوماتها، على الايجاز والتركيز والتكثيف. من اجل ابراز معالم الومضة في الصورة الشعرية، ومنصاتها في الايحاء والمغزى الدال . تملك هذه القصائد القصيرة، البناء الشعري المتين، في الصياغة والتعبيري. الذي يمتلك الفعل الايقاعي في ديناميكيته وحركته وتنقلاته، داخل التعبير الشعري الدال . الذي يجسد التجليات والتداعيات ضوئية الحب في عمق رؤيته، في الهواجس والمشاعر الذات الداخلية، التي تصبو وتهفو الى الحب بكل جوانحها المحترقة، في لذة الشوق والاشتياق . في لذة وطعم قبلة الحب، وتذوق عسلها اللذيذ بشهوة الرغبة والاشتهاء الجامح . في شهوة الحلم المشتهى والمبتغى، لكي يقطف ثماره .ولكي يسلك الحب في الدروب التي تعطيه، هواء ونسائم وقوة تدفعه، في عدة اتجاهات، مهما كانت التضاريس والطقوس، سواء كانت في الحلو أو في المرارة . سواء كان حاضراً أم غائباً . او كان في حالة الخفوت، او حالة السخونة . ولكن المشتهى المنتظر يبقى الحلم المبتغى اليه، في التولد والانبعاث في ولادته الجديدة، لكي يسلكان الطريق معاً، على نبض وخفقات الروح المتيممة بضوء الحب . مهما كانت احزانه وعذاباته، ومهما كانت العواصف التي تجتاحه، فيبقى الحب هو الرغبة المشتهاة، بالاشواق الحارة المتلهفة، يبقى المرام الى قطف وتذوق عسله، بالقبلات التي تتذوق طعم عسل الشفاه . هذا الحلم الاثير في حواس الوجدان والروح . أشتغلت عليه قصائد الديوان الشعري: أسميك (الضوء) . لندخل في ثنايا هذا الضوء العشقي في الحب . الذي يحمل زهرة حمراء، لكي يبعد الوحشة والخوف عن بستان الحب . لذلك صدحت الشاعرة (فرح دوسكي) . في اشتعال اشواق الروح والقلب . في نار الاشتياق المرهف والساخن . فقد قسمت الديوان الشعري، الى أربعة ابواب . لندخل بوابات الحب الاربع:

1 - الباب الاول:

 الحب الصالح للموت:

حين تتصدع جدران القلب، ويواجه المتاعب والاهوال، وتحزن اطيافه التي تنطبق على الروح بالشجن . يكفي اشعال شمعة لكي يهتدي الحب الى طريقه . ويهمس في رجفة: (أحبك) فأنها تفتح باب ريح للانبعاث بعد المغيب

قبل أن يمسك يدي قال: أحبكِ

اوقد شمعة

زرعها في قلبي

فتح باب الريح بعد المغيب ...

ولكي يتبدد الصقيع في الحب، لكي لا يصبح زهرة متعبة، لا احد يعشقها . فهي مملوكة لعاشقها الواحد . لتبصح هي وهو، واحد . تنام على صدره، وتبدد الصقيع بالقبلات الساخنة .

قالت: أنا زهرة متعبة لا أحد يعشقني

سأتقدم بهدوء وأنام على صدرك

قال: تعالي إليَّ لنلغم صقيعها بالقبلات

فأنتِ وحيدة، وأنا وحيد ...

...................

أنا التي لم أنمْ ... الضائعة في عقارب الساعة

حتى ولو كذباً، قل: أحبكِ

لو مرة ً (سأجعلها حقيقة طيلة عام) ..

2 - الباب الثاني:

(أمطرته عشقاً):

علمها الحب ان تكون فراشة او عصفورة والعاشق عصفور . عصفوران يتذوقان طعم عسل القبلات . حتى تصبح قرين لروحهما . فأن ابتعد العصفور عن ثغر عصفورته، تموت .

كيف علمتني كل هذا الحب

رغم أنك عصفور !

 نعم .. أموت .... إذا ابتعدت ثغرك عني .....

مطر الحب الذي يفيض بالروح، يجعل كل كيانه يهتز بالشق والاشتياق . هذا المطر الذي يبلل اويغسل الروح، يلهم القلب بالمزيد من المطر .

وادلهمت حين أمسكت بها

أمطرت .. كل حبكَ ... من كياني ...

.................

لاني في حبك متبلل

اللهمَّ ألهمني مزيداً من هذا المطر ! ...

وكر الحب المشتعل بالشوق المرهف والمتلهف الى بناء عشه وكراً للحب، حتى تنام عميقاً في سماوات الحب حثيما تشاء .

وأنا مشتعلة بالشوق

احتاج ان أبني بين يديك لعشي وكراً

وأنام عميقاً في سماوت عينيك وتنام حيث أشاء ..

3 - الباب الثالث:

(متاهة انثى):

هدأة الحب لابد ان يكف ان يجوب مسالك الدروب المتعبة معاً . لابد للقلب ان يهدأ ويستكين . حتى يطلق اجنحة الحلم في الليل . حتى تجيء العاشقة في الحلم .حتى يعرف الناس . انهما عاشقان، رغم الدمعة التي تسيل على الخد .

قال: كي لا نجوب الدروب معاً

لابد للقلب من هدأة

سأجيء الليلة في الحلم

ليعرف الناس بأننا عاشقان

أومضت بعينها دمعة مالت على الخد

 اي وحشة القلب، حين يغيب الحبيب ويترك قلب الحبيبة وحيداً، يرتجف بوحشة وخوف،، لذلك يأخذها الحنين والشوق، الى مناداة الحبيب، لكي يطمئن قلبها من الخوف والوحدة في الليل، لذلك تمسد حلم اللقاء، بمنادة الحبيب . حبيبتي لا تخافي .

أي ليل هذا الذي تركتني أنا فيه ؟!

من دون عينيك موحش جداً

عد وناديني: حبيبتي لا تخافي

أنا امسد حلم اللقاء

 كيف يتجبر الحب بالصبر بلا ارق، وهي ممتلئة بالقهر، لذلك تحاول ان تلملم انكسار الحب .

 من أين أستدين صبراً بلا ارقٍ

وأنام ممتلئة بالقهر كي ألملم انكساري ! . .

...................

اجمل ما في الحياة إنك فتحت لي طريقاً اليها

لذا سأبتعد عنك وعنها

لن تتسلقني بعد اليوم ! .....

4 - الباب الرابع: (وطن)

بغداد لن تركع، وهيهات ان يصلوا اليها لكسرها . وفيها الشعر والنساء والابطال .يصولون في حب بغداد، ينمو في قلبوبهم، زهوراً وعبيراً .

هيهات يا بغداد أن يصلوا

وفيكِ الشعر نساء والابطال تصول ....

روحكِ فينا حدائق وزهوركِ للعواصم عبير . .

والعراق هنا لا يموت، وانما ينتظر ولادة جديدة اً، ليملي الفراغ طفلاً ينعم بولادته . لا يمكن ان يموت، فهو ينتظر مخاض الولادة بعد العسر غدا .

لا يموت بعد الفقس !

صار يخبرها

أنا العراق

 (هنا)

وهذا رأسي

لا واقفاً كان ولا قاعدا

بغداد

نبغي الولادة غدا

ليحبو في مدار الفراغ طفل ..

هيا اركضي حافية

لان البيت القصيد هو خنق العراق بالقيود والاصفاد، هم الحمقى، اللص والحاكم

كل شيءٍ عن كل شيءٍ تخلى

قيدونا، وقلدوها وساما

حمقى ..... اللص والحاكم

لذلك بتنا خراف لنكرة الاعياد، ياليت كنا بشراً بلا أضحيات

بتنا خرافا نكرة الاعياد

يا ليتنا كنا بشرا بلا أضحيات

لذلك توظف الاسطورة في الاستنجاد بها، في شكوى مريرة لحال بغداد المزري، في قيد الوفاة، لذلك تشكو الى امنا السومرية (عشتار)

يا أمنا عشتار

أهذه بغداد ؟

نارا وارقاًماً في قيد وفاة !

لا أحد ... يسألني

فألف حاكم ما اجابوا !

حتى (حمد) لا يشعر بمحطة الفراق، وهو يروم الوصول الى سكة العراق ولا ينسى قصيدته .

حمد شاعر والمحطة فراق

السكة وصول والمنصة عراق

لا تنسى قصيديتك إصلها معك !

 

- المجموعة الشعرية: أسمك (الضوء)

- المؤلف: الشاعرة: فرح دوسكي

- تاريخ الاصدار: الطبعة الاولى عام 2018 / أور للطباعة والنشر

عدد الصفحات: 288 صفحة

 

 

جمعة عبدالله

 

 

محمد المسعوديقراءة في ثلاث تجارب قصصية جديدة

تختلف انشغالات القصة المغربية الجديدة باختلاف البيئة التي نشأ فيها كتابها، وباختلاف مشاربهم الثقافية والمعرفية، وباختلاف تجارب حياتهم وطبيعة هذه التجارب، كما أن للمقروء الأدبي عامة، وفي القصة خاصة أثر بين في تنوع أشكال اشتغالهم الفني وبناء عوالمهم السردية. وإن الناظر في نصوص الأعمال التي اتخذناها عينة لمقاربة هذا الموضوع يُلفي الاشتغال النصي يتعدد في صيغه ويتنوع في قضاياه وإشكالاته، كما يتنوع في عوالمه من كاتب إلى آخر. وتتكون العينة التي انطلقنا منها لتناول هذا الموضوع من ثلاثة أعمال قصصية، وهي بحسب تواريخ صدورها:

-زقاق الموتى، عبد العزيز الراشدي، منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب، الدار البيضاء، 2004.

-هذه ليلتي، فاطمة بوزيان، منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب، الدار البيضاء، 2006.

-هروب، عبد الواحد استيتو، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط، 2006.

*     *     *    

تبدو بيئة صحراء (زاكورة) بعوائدها ومعاهدها المعمارية التي تنتمي إلى عالم الواحة جلية في قصص عبد العزيز الراشدي في مجموعته "زقاق الموتى". إن أجواء الصحراء بقساوتها وشحها، وما تفرضه من وحشة وعزلة وإحساس بضآلة الإنسان وصغره أمام امتداد مهول للخلاء، وما تعرفه واحات الصحراء من بناء معماري منحصر وسط قصبات وأزقة ضيقة ودروب في شكل متاهات، من أهم انشغالات القصة لدى الراشدي. ومن هنا كان الموت والفقدان والرحيل والعبور إلى المجهول من الثيمات التي تكشف عن صعوبة مواجهة طبيعة القساوة في بيئة القاص ومحيطه. ومن ثم تصبح الكتابة لديه نمطا من أنماط البحث عن دفء إنساني وعن غنى تواصل الإنسان فيما بينه. ولعل هذا ما جعل قصص المجموعة تقطر بالشجن والأسى، وتبدو الذوات فيها تصارع نفسها من جهة، وتصارع العالم الخارجي من جهة أخرى ممثلا في كائنات الطبيعة وظواهرها، والكائنات الغريبة (الجن مثلا)، والآخر. كما تصارع قُوى التلاشي والموت والدمار التي تبدو للإنسان في كل آن وحين وتأتيه من حيث لا يحتسب.

إن قصصا مثل: اللسعة، وزقاق الموتى، وفقدان، ووجع الرمال، وولائم الجنوب، تبني عوالمها الحكائية عبر رصدها لحياة الناس في هذا الجنوب الذي يتميز بسمات خاصة يأبى سارد القصص إلا الوقوف عندها طويلا في حكاياه التي لا تخلو من غرابة وإدهاش. يقول السارد في قصة "عزلة الكائن":

".. القرية تضيف إلى رصيدها من الغرابة كل يوم صورة. النساء دربن على تلقين الحيطة أبناءهن. ستحكي كل واحدة بيقين مضلل كيف تعيش العجوز! ودون أدنى انتباه لتضارب أقوالهن، يبالغن في مط الكلام.. وهن يكسرن حبات العلف، وخطاهن تسوقهن إلى الحقول، وهن ينتظرن اختمار العجين. حتى وقت تمارس إحداهن ارتباكها أمام الظلمة، تدعي بيقين أنها رأت خيال عجوز: كانت أسفل الماء تمسك الدلو بيدها، وكان البئر مظلما. فقيه القرية سيوضح أنها تعاشر "دوك الناس"، يجتمع بالرجال ليتحاكوا أمرها.. لكن، ما سر كل هذا العداء؟ لأنها وحيدة لا سند لها؟ لأن القرية موطن السكون والرتابة و"قلة ما يدار"؟ لأن الناس عادة يحترفون الدهشة، وامتطاء صهوات خيالاتهم؟ ربما لأنها فعلا تمارس شرورا غامضة؟ بما يتناثر سيصوغ الأطفال صورتهم، يحومون حول الشجرة، ويبحثون عن فرصة لاقتحام المكان، هل سيتخطون المدخل المعتم؟؟ (زقاق الموتى، ص.20)

هكذا تسيطر على المشهد عوالم الغرابة، وطقوس الخرافة، وحالات الالتباس والخوف من المجهول: الجن. وبهذه الكيفية اشتغلت القصة بالمتخيل المحلي وجسدته من خلال عالم القرية المغلقة على خيالاتها الجمعية الخرافية الطابع. وبهذه الشاكلة نرى القصة تصنع عوالمها المتخيلة انطلاقا من إجماع أهل القرية على أن العجوز التي تعيش بين ظهرانيهم تعاشر الجن، وتعيش معهم، بل ذهب الخيال ببعض النساء إلى أنها من تمسك بالدلو في قعر البئر... وغيرها من الشائعات التي لم يتورع حتى فقيه القرية عن تأكيدها وتردادها. وبهذه الكيفية نرى السارد يؤثث متخيله من أفق بيئة قروية منحصرة في حيز جغرافي –على الرغم من متاهته وشساعته- ضيق يفسح مجالا محدودا للتفاعل مع المحيط ومعرفة الحياة. ومن هنا نرى عقلية الخرافة وعوالم الماوراء في بعدها السلبي تطغى على هذا المتخيل. غير أن الاشتغال الفني لدى الكاتب يتميز بالقدرة على اقتناص هذه الخصوصية المحلية وتقديمها في سياق سردي متزن محكم القواعد مشرق العبارة. ونظرا إلى أن العالم الذي يقدمه السارد يتميز بنوع من الغموض والالتباس واللامعقول، فإن القصة بمداورتها، وبنقلاتها المتنوعة استطاعت أن تنقل أجواء الأحداث إلى المتلقي، ومن ثم تجعله يتقاسم مع ساردها ومع الأطفال الإحساس بالغرابة والدهشة مما يروى لهم. ويتميز سرد الراشدي في هذه المجموعة القصصية بغنى إمكاناته الفنية وخصوبة الأشكال الفنية التي تتخذها القصة وتقدم من خلالها رؤاها عن الواقع، وعن تمثلات السارد عن الحياة وما يجري من حوله.

أما قصص فاطمة بوزيان فتنتقل بنا إلى عالم بعض مدن شمال المغرب (الناظور) التي لا تسلم بدورها من انغلاق وانعزال من نوع آخر تجسده عدد من الطابوهات والعوائد التي تجعل الحياة متاهة أخرى ومعاناة لا تقل عما صوره الراشدي قساوة ووحشة وعزلة وبرودة في التواصل وفي ضخ دماء البعد والقطيعة بين بني البشر. غير أن المتخيل، هنا، لا يظل لصيقا بالخرافي وعوالم الغرابة المتصلة بحكايات شعبية جمعية تؤمن بالجن والأرواح والأشباح وما شابه ذلك من عوالم. إن المتخيل القصصي في نصوص الكاتبة فاطمة بوزيان تنفتح على آفاق أخرى لكسر عزلة الكائن وطابوهات المجتمع المنغلق. وهكذا نجد عددا من النصوص تحكي عن بطلات ارتبطن بعالم التواصل الرقمي، أو ارتبطن بالكتابة، واتخذن منهما وسيلة للانعتاق من ربقة الخوف والوحدة والعزلة، وللتحرر من رقابة الأسرة والمجتمع، كما نجد في قصص: أسرار- بريد إلكتروني- عادي- الازدحامولوجي- محاولة للتذكر.. محاولة للنسيان- الطرز القاسي. تقول الساردة في قصة "أسرار":

"-سارة كبرت، هل انتبهت؟ هل تبدو لك عادية؟ أخاف عليها.. أخاف أن يكون ذلك الحلم تحذيرا.. كنت بين النوم واليقظة، كنت صليت الفجر، وبعد على وضوء.. كانت البنت ترقص في حانة ثم رافقت أحدهم وضاعت.. كنتَ صامتا ومحايدا وكنت أهزك، أصرخ وأبكي.. ماذا نفعل يا رجل؟

-الضغط يولد الانفجار، من هنا انفجار البرجين، انفجار السيارات، انفجار الانتحاري..

-أنا أتحدث عن البنت، لينفجر العالم، لينفجر الكون.. أنا أتحدث عن سارة ابنتنا، لماذا تعمم؟ تعوم الأمور هكذا وترتاح في حيادك؟ هذا يوجعني الآن أكثر من أي وقت مضى.

-أنت تتوهمين، البنت عادية، ربما قرأت ما قادك إلى ذلك الحلم. فكري، ربما سمعت شيئا عن البنات وانحرافهن، ولهذا تدفق لاشعورك بذلك الكابوس.

-لا، لم أقرأ ولم أسمع، كان تحذيرا قلت لك، تحذيرا.. انتبه معي يا رجل أو لتظل في حيادك، ما عدت أهتم..

ماذا بوسعي أن أفعل؟ الهاتف الصغير يظل لصق كفها، وحين تنام يحرس الكود خفاياه، علبها الإلكترونية أيضا محروسة بكلمة السر، أجرب اسمي، اسمها، مرتبا، مبعثرا، مقلوبا، اسم عطرها، تاريخ ميلادها، اسم الشارع، اسم المدرسة، لعبتها المفضلة.. تصر العلبة على خطأ كلمة السر اللعينة.. أكره مكتوب، أكره ياهو، أكره الهوتمايل، أكره الأوتمايل، أكره الإيميل، أكره كلمة السر، أكره الأسرار، تجعلني هذه الكلمة وسط ركام من أشياء غامضة، تستثير حزني وتحفزي، تهز جذع ذاكرتي فينثال منها..." (هذه ليلتي، ص.14-15)

يكشف هذا المقطع عن خوف الساردة الأم على ابنتها سارة. وهذا الخوف ناجم كما يبدو من سياق المنطوق عن غياب التواصل بين الأم وابنتها المراهقة، وعن عدم الثقة المتبادلة بينهما. ومن ثم نجد القصة تشتغل على نمط آخر من العزلة والوحدة، بحيث لا يملأ فراغ الفتاة المراهقة سارة ، ولا يشعرها بالدفء الإنساني، وانفصالها الوجداني سوى الآلة التي صارت موطن "أسرار" بالنسبة إليها. ولعل خشية الساردة الأم -في القصة- كان الدافع إليها حكايتها مع حبيبها خوليو، واسترجاعها لمعارضة الأب ووقوفه في وجه حبها المراهق، وهذه المعطيات تجعلها تتطلع إلى معرفة خبايا ابنتها بعدما رأت كابوسا يتعلق بفرار الإبنة واختفائها.

وبهذه الكيفية تشتغل القصة على هواجس إنسان يحيا في بيئة مدينية لها مشاكلها الخاصة وعوالمها المتميزة عن عوالم القرية. وبهذه الشاكلة اشتغلت القصة على وقوف المجتمع في وجه الحب البريء، وعدم الاعتراف بالآخر المختلف عقديا (حالة الأب ووقوفه ضد خوليو وحؤوله دون استمرار علاقته بابنته: الساردة الأم في قصة "أسرار"). وبهذه الشاكلة تجلي القصة عزلة الفتاة وانفرادها في عالمها الافتراضي الخاص من جهة، وتجلي عدم قدرة الأم على التواصل معها من جهة ثانية، وخوفها من تكرار ابنتها تجربة انكسارها هي وحرمانها الذي عانت منه، أو ارتكابها حماقة الفرار مع مجهول من جهة ثالثة.

وبذلك كانت المحلية، هنا، منفتحة على مستجدات الحياة وعلى العوالم الافتراضية التي صارت تشكل جزءا من حياة الإنسان المعاصر. وانطلاقا من تراوحها بين الحاضر ومستجداته الخطيرة، وبين الماضي المتمثل في قصة الأم وخوليو، تصنع القصة عوالمها المتخيلة وتبني رؤيتها لما يجري في واقعنا المعاصر متمثلة نظرتها إلى الحياة في أفق سردي يضع نصب عينيه الارتباط بالبيئة والانطلاق منها لتشكيل نص قصصي يحمل هموما إنسانية لا ترتبط ضرورة ببيئة الكاتبة، وإنما نجد لها امتدادا في بيئات أخرى. وقد تميزت الكتابة القصصية لدى فاطمة بوزيان بتنوع أشكال صياغتها السردية، وتعدد الإهاب التي تلبسه القصة ما بين سرد خالص، وتوظيف للرسالة، وأشكال الرسائل الإلكترونية القصيرة، والبرقية، والومضة، مع امتداد النفس السردي، وجمال العبارة وحيويتها.

ومن الأفق الإنساني الشامل وارتباطا بالآخر وثقافته تشتغل قصص عبد الواحد استيتو على الرغم من انطلاقها، بدورها، من متخيل لصيق ببيئة الكاتب وما تعرفه من حالات وتحولات. وفي جل القصص تهيمن توجسات الشخصيات من الحياة والواقع، ومن حالات العزلة والوحدة، مع الرغبة الملحاحة إلى الهروب بعيدا عما ينغص الوجود الإنساني السوي في موطن السارد ومدينته (طنجة). وهذا ما نلمسه في عدد من قصص "هروب" مثل: فرجينيا- امرأة في الأربعين– رهان خاسر– اغتراب –فراق –هروب.

ونتخذ قصة "فرجينيا" نموذجا ننطلق منه لكشف انشغالات القصة لدى عبد الواحد استيتو واشتغالاتها الفنية. يقول السارد في المشهد الأخير من القصة:

".. وينتهي الأسبوعان اللذان قررتِ أن تمضيهما معي، تعبرين عن إعجابك بكل لحظة قضيتها هنا وتقولين أنك لن تنسي هاته الأيام. وأقول أنا كلاما عن أشياء لا أدركها.. مجرد همهمة بفرنسية رديئة.

وها أنذا أوصلك إلى المطار، مدركا كل الإدراك بأنك محبطة. أنت لم تجدي ما كنت تتوقعينه وأنا لم أعدك بشيء. رغم ذلك أحس بتأنيب الضمير، رغم أنني أديت واجب الضيافة كما يجب.

-اسمعي (فرجينيا).. أنت تعيشين في عالم متفتح إلى أبعد الحدود، ويمنعني الحياء أن أقول أنه منحل. الناس هناك –مثلا- لن يلتفتوا إليك إذا ما رأوا رجلا يدخل بيتك. أشياء كثيرة تختلف بين مجتمعينا أتمنى أن تكون قد أدركتها بفطنتك. لكنني أعدك أن تكون الأمور أفضل في الزيارة القادمة.

أعرف أن لا زيارة قادمة هناك. هذا واضح من ملامحك. أنت كنت تتوقعين مراقص وملاه ليلية وأشياء من هذا القبيل. لكنني –وبإرادة استغربت لها أنا نفسي- عارضت كل اقتراحاتك تلك.

وها أنت تلوحين لي بكفك الصغيرة دون أن أنجح في رؤية عينيك اللتين ألححت على إخفائهما خلف نظارة قاتمة. هل كنت تبكين؟ لن أستطيع الجزم بذلك. لكنني متأكد أنني –عندما رأيت طائرتك تحلق مبتعدة- أحسست بدمعة ساخنة تنحدر فوق وجنتي، وأنا أجر قدمي مبتعدا" (هروب، ص. 14)

بهذا الحكي القائم على البوح والاعتراف بالشجن والشجى، وبالأسف والأسى يكشف هذا المقطع الختامي من قصة (فرجينيا) عن تحكم الطابوهات الاجتماعية في علاقات الأفراد، وعن تمكنها من كسر أفق المحبة وإمكانات القربى حتى في بيئة تدعي الانفتاح، وتتميز فضاءاتها بالتنوع: حانات ومراقص وملاهي ومقاهي تعرف إقبالا ملحوظا للأجانب وغير الأجانب. وهكذا نلاحظ أن القصة تصور حالة إحباط مزدوج لدى بطل القصة أو شخصيتها المحورية، ولدى صديقته الفرنسية التي زارته في مدينته، وكانت تتطلع إلى ما هو أبعد من الصداقة، إلى الحب هربا من خواء حضارتها، وغياب دفء الأواصر الإنسانية، لكنها وجدت في صديقها: راوي القصة تزمتا ومحافظة جعلتها تشعر بخيبة الأمل، لتمضي آسفة دامعة العين نحو بيئتها. بهذه الشاكلة اشتغلت قصة عبد الواحد استيتو على خداع الواقع ومفارقته، فبينما توهم مدينة طنجة بالانفتاح الحضاري، وبإمكان الحرية، وتقبل ثقافة الآخر بقدر ما تختزن تحكما خفيا لطابوهات المجتمع وتمكنها من الفرد إلى درجة الحؤول بينه وبين محبوبه. وبهذه الكيفية كان اشتغال قصة "فرجينيا" لعبد الواحد استيتو قريبا من اشتغال قصة "أسرار" لفاطمة بوزيان. وهما قصتان كشفتا عن تحكم "أسرار" من نمط خاص في حياة إنسان المدينة الذي يصبو إلى المحبة والحرية، وهي عبارة عن ممنوعات اجتماعية تتزيى في لبوس ديني، بينما كشفت قصة "عزلة الكائن" عن سيطرة "أسرار" أخرى في حياة إنسان القرية، أسرار ما ورائية منسوبة إلى كائنات خرافية.

وكما تميزت القصة لدى الراشدي وبوزيان بتنوع الأساليب وتعدد أشكال الصياغة نجد قصة استيتو توظف أشكالا فنية متنوعة، وتخرج في لبوسات أسلوبية مشرقة قادرة على تمثل ما يجري في الحياة من حوله، وما يعرفه الواقع الإنساني من تبدلات.

انطلاقا من كل ما سبق نصل إلى نتائج استخلصناها من قراءتنا لكل نصوص المجاميع التي اشتغلنا بها، نجملها في العناصر التالية:

1- اشتغال نصوص المجموعات الثلاث باليومي واحتفائها بالمواقف الساخرة والمفارقة، من جهة، وبالمأساوي والتراجيدي من جهة ثانية.

2- قدرة هذه القصص على الغوص في تحليل تناقضات الشخصيات وحالاتها النفسية المختلفة عبر السرد ودون سقوط في فذلكات وصفية وترهات كلامية بحيث إن الأحداث تكشف عن المراد وتكشف حقائق الشخصيات المتخيلة.

3- تميز الكتب الثلاثة بانتماء نصوصها إلى حساسيات قصصية متنوعة من حيث أشكال الصياغة والكتابة، ومن حيث الأساليب التي يوظفها كتابها لتجسيد رؤيتهم إلى الوجود والحياة من حولهم.

4- قصص ممتدة طويلة النفس عند الراشدي وفاطمة بوزيان، مكثفة سريعة الإيقاع عند استيتو.

5- لغة سردية تميل إلى الشعرية عبر الانزياح وتوظيف التكرار والتوازي والتقطيع عند استيتو، بينما تتميز لغة الراشدي وبوزيان بالميل إلى الجمل السردية الخالصة وإلى توظيف الوصف والإغراق في التفاصيل.

6- استناد قصص كثيرة على الحوار بنوعيه، وخاصة المونولوج لكشف دواخل الشخصيات وحالات عزلتها وانفرادها، ولكشف توزعها بين تلبية رغبات الذات والخضوع لطابوهات المجتمع وتأثيراته.

 

د. محمد المسعودي

 

رحيم الغرباويفي قصيدتها: قديسة الكرستال من أعمالها الشعرية (لاترثى قامات الكرستال).

لعل الشاعر حينما يعيش واقعاً مريراً لما حوله، يجعله يعبر عن المعاناة التي يراها، فيحاول المقارنة بين عالمين: الأول عالم الصفاء الذي يمثله الغاطس من الذكريات الجمعية في أصل كل إنسان، وهو عالم النور والأسطورة الأزلي، والآخر: العالم الفاحش الذي يراه في الواقع ممثَّلاً بعالم الظلمة والخداع والدنس ويبدو أنَّ مرسيا إلياد هو " خير من بحثَ في العود الأبدي وعلاقته بالأسطورة، وخير من فرَّق بين الزمن الأبدي والزمن التاريخي، فهو يرى أنَّ الزمان والمكان والأشياء يمكن أنْ تُصنَّف إلى نوعين أحدهما مقدس أبدي، والآخر مدنس تاريخي، والمنظومة المقدسة هي من صنع الآلهة ( أو الإله الواحد )، أما المدنسة فهي مرتبطة بالإنسان " (1)، ولايمكن الوصول للمنطقة الأولى داخل الذات إلا بفلسفة الشعر الذي يمكن للشاعر أنْ يرسي سفينة إبحاره في موانئها الصافية الأمواه بوصف الشعر جمالاً يخلقه الإنسان؛ ليعبِّر عن السيرورة الأولى أمام منغصات الواقع، ولعل الفن والفلسفة شكلان من أشكال الوعي الإنساني الذي يمد جذوره عميقاً في الذاكرة بوصف الفلسفة هي " التفسير العقلي للظواهر، وغاية الفن هي استبطان الشعور الحي وتجسيمه والمشاركة الحيوية التي هي ضرب من التماس الوجدان والتفاعل مع الصورة الحيوية " (2) وعلى الرغم من أنَّ أحكام الشعر مشتقة من العواطف والحواس، وأنَّ أحكام الفلسفة قائمة على التفكير إلا أنَّ القصيدة الحداثية، قد كسرت المفهوم القديم ومازجت بين الشعور والفلسفة فكليهما خُلِقا توأماً في رحم الوجود الإبداعي، وكليهما يحاول أنْ يظفر بحركة الأشياء وأبعاد الزمن الكلي، ويبدو أنَّ فلسفة الشعر مرتبطة بالدين، فيرى أدونيس " أنَّ كلَّ ما يفعله الشعر موجَّه من خلال الدين، فيحول دون أنْ يكون الشعر موضوعاً يؤدي البحث فيه إلى الشك في المعرفة الدينية، أو المروق إلى الزندقة، كل هذا أثَّر على مفاهيم كثيرة مثل الجميل والقبيح، والحق والخير والشر، فالشعر ليس ما يراه الشعر جميلاً، بل ما يراه الدين " (3)

والشاعرة وفاء عبد الرزاق في أعمالها الشعرية (لا ترثى قامات الكرستال) التي تحمل فيها أوجاع الواقع أمام ذاتها الناصرة لكل ما هو مقدس بوصفها قامة من قامات الكريستال التي لاتصدأ، بل تظل مزهوة بجمال الروح التي تؤسس الفعل الجميل من أجل المقدس الروحي، وهي تواسي أبناء شعبها العراقي؛ كونهم يعيشون محنة الاستلاب والفقر والفاقة؛ لتجسد في أشعارها رحلتها بين الميتافيزيقيا والواقع، ومن خلالهما تترجم فلسفتها للحياة شعراً؛ فنراها تمازج بين المتخيل والحقيقي؛ لتدس الشروط التي بها نشعر بالجميل، الذي وضع له الفلاسفة المثاليون شروطاً معرفية " يتناغم فيها الحس مع مطلب كلي ألا وهو الفكر، فالفن لايتنكر إلى طبيعة الذات العارفة التي تشترط الاستمتاع والتذوق والحكم التي لها وقع خاص على المتلقي يجعلنا نصفها بالجمال، إذ يتفق العقل والحس؛ لتحقيق وجودهما الفعلي وقيمتهما بما ينسجم والحاجات الاجتماعية التي تدفعه فيما بعد لإصدار الحكم عليها، إذ هو اتساق داخلي نسحبه على مضمون خارجي؛ ليكوِّن معه وحدة فنية مرهونة فهماً واستيعاباً بالخبرة " (4)؛ ذلك هو الشعر الجديد الذي يتعامل مع الأفكار والأحاسيس بأساليب فنية تتعالق مع حقيقة الذات وما تلفَّعت به مما يحيطها من غوائل؛ لتعود إلى حقيقتها الروحية، فتسكبها بذوق فكري يترجم حقيقة الوعي في ضوء المقدس الماكث بأعماق الذات .

ولعل الشاعرة في قصيدتها

(قديسة الكرستال) تمهر لنا شجنها للواقع الذي يعيشه أبناء بلدها، فنراها تقول:

أقدِّس الحزن؛ لأنه ابن أمي .

أقدِّس تدفق الحليب في دعائها

أقدِّس العراء

أبا الفقراء

وملاذ أطفال

يمسحون الأحذية

أقدس روحاً عفَّفتها الحاجةُ

وصارت قنديلاً

بعضَ سُحبٍ وأعناب

أقدِّسُ رحمَ الأرض

فقد أنجبَ رغم الشكِ

أركانَ الخضرةِ .

وقال اسجدوا للسدر

سفينة العابرين .

فقد أشاعت الشاعرة القداسة في النص الشعري؛ بوصفه إدراك لمعاني العالم، وإعادة تعريفه بصوره مثالية، فالمقدس لدى الشاعرة هو تكوين أصيل يولد مع ولادة الإنسان، ويكون المقدس جوهراً له ... اسمه الشعور الديني الذي هو بنية أصيلة في الإنسان والمجتمع، لم تكن ممارسة الطقوس والاعتقاد بالأساطير إلا مرحلة من مراحلها " (5)، فالحزن الذي دهم نبي الله يونس صار مقدساً، ولعل الحليب حين يتدفق مع دعاء الأم منحها القداسة؛ بوصفها المعينة والمغذية والراعية لديمومة الحياة، كما أنَّ العراء هو أبو الأطفال مثلما الأنبياء والولاة الذين طالما اهتموا بالفقراء والطمأنينة على أحوالهم، فهو يمثل الحنو والدفء؛ بوصفه الراعي لهم؛ ليمنحهم الصبر والقوة والتجلد على تحملهم له، كما أنها تقدس الأطفال وهم يمسحون الأحذية؛ كي تعيش أسرهم كريمة متعففة، مقارنةً باللصوص الذين باتوا ينهبون خيرات بلادهم أولئك الذين لايحترمون القانون الأخلاقي عن عمد . كما أنها تقدس الروح التي عففتها الحاجة من دون النظر إلى ما في أيدي الآخرين، فأصبحت قنديلاً وبعض سحب وأعناب؛ إشارة إلى خلودها بفعلها الاستثنائي الذي يحولها من التاريخ القابل للنسيان والاندثار إلى الأسطورة الخالدة، ملمِّحةً إلى الجشع والطمع والتهالك على الغنائم التي تسود بلادها من قبل المتصارعين من أطراف شتى، وجشعهم في أخذ مابيد الآخر ولو تطلب سفك الدماء، ثم هي تقدس رحم الأرض التي تنجب أركان الخضرةِ، فهي السومرية التي تعتقد " عمليات البذار وكأنها طقوس دفن الحبوب في الأرض المعبرة عن موت الإله (ديموزي) أملاً في نهوضه في الربيع القادم " (6)، فالأرض هي البطن التي تنجب الخضرة؛ لذلك نرى شاعرتنا تمنح الأرض والنبات القداسة بوصف الأرض الأم التي تبذر في أحشائها الحياة، بينما الخضرة ممثَّلةً بالنباتات بوصفها تتمثل بالشفاء والطيبة، وهي المانحة للخلود والقوة . ولعل السدرة إلى يومنا هذا نراها تُنحر لها القرابين عند اقتلاعها، لما ورد بوصفها الشجرة الفارعة بجانب العرش وهي من تولد من أحشاء الأرض ولعل إله الخضرة (آبو) أو ديموزي كان يجري الاحتفال بزفافه من إنانا سيدة الطبيعة والخصب (7)، لذا فالسدرة رمز الخصب التي يمكن السجود تحت ظلالها؛ لتكون سفينة لهم؛ كي يعبروا إلى بر الأمان في إشارة إلى من لا يعمر الأرض بل يسعى في خرابها ذلك هو من يظل أسيف التأريخ .

ثم تقول:

أقدِّسُ المزيد المزيد

من العشاق

وأقدِّسني لأنِّي تلوتُ صلاتي

بطريقتي

ومددتُ يديَّ

طليقةً بقبضةِ الماء

لا فضلَ لأحدٍ عليها

من ذا الذي يشهدُ الآن

بأنَّني في هذا الشهد

الذي قدَّستهُ

أقربُ من ألفِ عِمَّةٍ

وألفِ عِمَّة إلى الله . ص23 – 24

ثم هي تقدس المزيد من العشاق ممن أنصفوا أنفسهم وحقيقتهم المتجذرة، لا ممن هم مراؤون، أو لا يعنيهم شأن سوى أنفسهم، كما أنَّها تقدس ذاتها؛ لأنها أيقنت أنَّ فكرة وجود الحق ناضبة في كل ضمير حي يستشعر آلآم الآخرين ويقدسها من خلال الحنو والعطف والوقوف أمامها باحترام لا بسخرية أو نفاق، ولعل طريقتها بتأدية صلاتها مع العمل بدواعي الإنسانية هي أنصع بكثير من طرق المضللين والمرائين الذين ما فتئوا يتلاعبون في مصائر البرايا من طريق إضفاء المقدس على أنفسهم؛ ليستغلوا الناس الجهلاء بتلك المظاهر المقنعة التي تفشَّت في عصرنا الحاضر، بينما تشير إلى الماء الذي يمثل أصل الأشياء كما يمثل يعدُّ رمز التطهير؛ لذلك أشارت له أنه حالٌّ في قبضتها، فمن ذا يكون بهذا الشهد ؟ والشهد رمز الحلاوة والطعم الذي لا يدانيه في التذوق أيُّ طعم؛ كونها اقتربت من المقدس رمز الإنسانية، وذلك أقرب ما يكون إلى الله وليس مظهر القداسة هو ما ينمُّ عن المقدس، إنما العمل الصالح والضمير الحي الذي يرقى به الإنسان حينما يلامس المقدس روح الجماعة من فقراء وكادحين وعشاق بصدق النوايا ونقاء الضمير .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

...................................

(1) العود الأبدي، د. خزعل الماجدي، الدار العربية للموسوعات،

بيروت – لبنان، ط1، 2011 م: 17 .

(2) فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة، د. محمد علي ابو ريان الدار القومية

للطباعة والنشر، الإسكندرية، مصر ط1، 1964: 9 .

(3) محاضرات الإسكندرية، أدونيس، دار التكوين، لبنان، ط1، 2008م: 75

(4) الوعي الجمالي بين فلسفة العلم والراجماتية، د. هيلا شهيد، منشورات الرافدين، بيروت، ط1، 2017 م: 229

(5) العود الأبدي: 52

(6) المصدر نفسه: 36

(7) ينظر: المصدر نفسة والصفحة نفسها .

 

ثائر العذارينشرت ثقافية (المدى) الغراء في عددها الصادر في ٣/٢/٢٠١٩ مقالا للناقدة د.نادية هناوي ردا على مقالي المنشور في الجريدة نفسها يوم ١٥/١/٢٠١٩ الذي حاولت فيه توضيح اللبس الذي سبب الخلاف العلمي بيني وبين الزميلة التي أحمل لها كل التقدير، لكني تفاجأت بإصرارها على الخلط بين مصطلحات لا يربط بينها رابط  واستعمال اللغة الاستفزازية ذاتها في المقال وتوظيف كلمات مثل التساجل والتمحل النقدي والمعاندة والأغراض الجانبية والمنفعة الذاتية وتموسوعاته وغير ذلك كثير مما يعطيني الحق في معاتبة الدكتورة هناوي لأن هذا تهجم شخصي لا يمت للعلم بصلة. وفي هذا المقال أحاول إعادة صياغة المفاهيم من غير أن أدخل القراء الكرام في متاهات قوائم الأسماء الغربية والمصطلحات المتشابكة.

ثمة إشارت أرى أنها ضرورية قبل الدخول في المفاهيم والتعريفات:

فأما الأولى فهي أني لم استعمل في أي مقال كتبته في الموضوع مصطلح المتوالية السردية الذي تصر د.هناوي نسبته إلي لأني أعي تماما أن هذا المصطلح التودوروفي إنما هو وصف لتقنية الكتابة السردية كما رآها تودوروف في استعماله مصطلح fiction sequence   الذي يقصد به تراتب الصفات والأفعال في نص واحد، وتبعه نقاد آخرون منهم روبرت شولز الذي سببت ترجمة كتابه هذا الخلط، فهذا من مبادئ الدرس السردي.

وأما الثانية فهي أني لم أنكر في أي مقال استعمال الأستاذ جاسم عاصي للمصطلح، لكني لا أرى أنه كان يقصد المتوالية القصصية مدار النقاش ولم يكن عمله متوالية قصصية مستوفية شرائطها كما سأبين لاحقا في هذا المقال، وهذا لا يقلل من أهمية تجربة الأستاذ عاصي خاصة إذا ما وضعت في سياقها التاريخي، فلا شك في أنها تجربة جريئة ومتقدمة في وقتها.

وأما الثالثة فإن اعتماد الدكتورة نادية هناوي على ترجمة الغانمي لكتاب شولز ليس تخمينا مني ولا اتهاما فهذا ما دلت عليه د.هناوي نفسها في المقال حيث اقتبست النص: "إن هذه قصة لأنها متوالية من القضايا التي تتضمن الموضوع نفسه....." ووضعت في آخر الاقتباس رقم الصفحة (١٥٢) مدفوعة بأمانتها العلمية والنص موجود فعلا في هذه الصفحة من ترجمة الغانمي، أما في النسخة الانكليزية وهي غير متوفرة على النت ولا في المكتبات العراقية، فالنص الذي سبب اللبس يرد في الصفحة ٨٩ كما سبقت الإشارة في مقالي السابق، وقد أرفقت مع المقال صورة للصفحة لم يتسن للجريدة نشرها، ولا أرى أن من العيب الرجوع إلى الترجمة لكن ينبغي التأني في التعامل مع المصطلحات.

وأما الرابعة فهي الإشارة المهمة التي وردت في مقال الدكتورة هناوي حول حيرة النقاد الغربيين أمام تجنيس المتوالية القصصية، ولا أدري لمَ تستكثر الناقدة القديرة على دارس عربي أن يكون له هو الآخر موقف نقدي، على أن حيرة النقاد انتهت منذ عام ١٩٧١ حين أصدر فورست انجرام كتابه.

وأما الخامسة والأخيرة فهي قول د.هناوي أني لم أدل على المضان التي تشير إلى أن المتوالية القصصية جنس أدبي، فالواقع أني كنت أرسل صورا مع كل مقال إلا أن  ظروف النشر كما يبدو تحول دون نشرها كلها وأنا أدعو القارئ إلى البحث عن كتاب انجرام Representative Short Story Cycles of the Twentieth Century, Studies in a literary genre,   أو في الأقل تأمل عنوانه والتركيز على  أداة التنكير a   في العنوان الثانوي. وهذا أول كتاب عد المتوالية القصصية جنسا أدبيا بينما كان كتاب جنيفر سميث هو الكتاب الأخير في سلسلة من الكتب والدراسات، وأرجو القارئ الاطلاع على الفصل الأخير من كتاب The American short story cycle   الذي عنونته جنيفر سميث Atomic genre  وناقشت فيه متوالية قصصية للقاصة الأمريكية جنيفر إيغان لتبين عبرها ملامح التجنيس. ومن المهم الإشارة إلى بحث لوشار المتوالية القصصية كتاب مفتوح في الكتاب الذي حررته سوزان لوهافر وكان عنوانه نظرية القصة القصيرة في مفترق الطرق وأطروحة جنيفر سميث للدكتورا المعنونة (الواحد والمتعدد) حيث أحصت فيها كما كبيرا من الدراسات التي عدت المتوالية القصصية جنسا أدبيا، وربما تشبهها أطروحة كو لويفن للدكتورا المعنونة The Short Story  Cycle  in Ireland:   From  Jane Barlow to  Donal  Ryan فهي تضم إحالات لدراسات أخرى غير تلك التي كتبت في أمريكا. ومن المهم أيضا الإشارة إلى أن بعض الجامعات تجعل دراسة المتوالية القصصية فصلا دراسيا للدراسات العليا ومثال هذا ما تدرسه البروفيسورة ميرسيدس جارثيا في جامعة سلامانكا الأسبانية التي تقول في تلخيصها للفصل أنها تهدف إلى بيان التعقيد الذي يتسم به هذا الجنس الأدبي منذ مطلع القرن العشرين.

بعد هذا يمكنني الدخول في صلب الخلاف ولأبدأ بمفهوم المتوالية القصصية، فهذا الاسم هو الذي استعمله الكتاب العرب لتجنيس أعمالهم في مقابل short story sequence   عند الانكليز و short story cycle  عند الأمريكان، وهذه التسميات الثلاثة تدل على مسمى واحد هو ما سنعرفه الآن.

المتوالية القصصية هي كتاب يضم مجموعة من القصص القصيرة ترتبط ببعضها بروابط  يحددها الكاتب، فمثلا يمكن أن تحدث القصص جميعا في مكان واحد، أو تتمحور القصص كلها حول شخصية واحدة، أو تشترك القصص جميعا بثيمة محددة....الخ. وكلما ازدادت الروابط بين القصص  أصبح الكتاب أكثر اقترابا من كونه مشروعا قصصيا واحدا، ولهذا تقع المتوالية القصصية بين الرواية والقصة القصيرة شأنها في ذلك شأن القصة الطويلة والرواية القصيرة أو النوفيلا، وفي الانكليزية يستعمل بعض النقاد مصطلح (sub genre  الجنس الفرعي) لوصف هذه الأجناس السردية.

ولكي يكون العمل متوالية قصصية ينبغي أن تتوفر فيه شروط عدة هي:

- أن تكون المتواية القصصية كتابا يتضمن مجموعة قصص تكون نظاما مغلقا له بداية ونهاية. ولهذا لا يمكن أن نعد عمل الاستاذ جاسم عاصي المهم متوالية قصصية بالمعنى الحالي. فالمتوالية ليست قصتين تنشر في مجلة أو صحيفة تباعا.

- لابد أن تشترك القصص بثلاث سمات أسلوبية توسعت في دراستها جنيفر سميث بطريقة تطبيقية، وهي النغمة التي يقصد بها السمات اللغوية للقصة، كأن تكون لغة ساخرة أو بسيطة أو معقدة أو حزينة أو غير هذا مما يشبهه. والثانية هي الشكل القصصي من حيث التعامل مع الزمن وطريقة الاستهلال والنهاية. والثالثة هي المنظور أو الموقف من العالم والوجود، الذي يجب أن يكون واحدا في كل القصص.

- لابد أن تكون الروابط بين القصص واضحة ومقصودة لكنها لا تخل بكون كل قصة وحدة نصية مستقلة، على أن تؤدي قراءة الكتاب كاملا إلى أثر يختلف عن الأثر الذي تتركه كل قصة منفردة.

تنطبق هذه الشروط  على كتاب القاص العراقي محمد الأحمد (زمن ما كان لي) الصادر عن دار الشؤون الثقافية عام ٢٠٠٧، فهو مكتوب بوعي واضح بفكرة التوالي، وسنكتب عنه دراسة مستقلة في مقال آخر.

في عام ١٩١٤ جاء شاب إيرلندي طموح إلى أحد الناشرين يحمل مجموعة تتألف من ١٥ عشر قصة، وبعد أن قرأها الناشر قال له هذه ليست مجموعة قصص بل هي كتاب، ويعرف المختصون أن كلمة كتاب بالانكليزية في ذلك الوقت كان من أحد معانيها رواية، ذلك الشاب هو جيمس جويس وتلك المجموعة هي Dubliners  التي ترجمت إلى العربية بعنوان أهالي دبلن، ومنذ ذلك الوقت أثارت المجموعة مشكلة التجنيس حتى أن معظم طبعاتها أغفلت وضع المشير التجنيسي على الغلاف. ومن الطريف أن الطبعة العربية التي ترجمها أسامة منزلجي كتب على غلافها كلمة رواية، بينما تعامل معها النقد وقتها على أنها مجموعة قصصية.

إن ما أتحدث عنه ليس وهما ولا تمحلا كما تتهمني بذلك الناقدة الكبيرة د.نادية هناوي، فعملية (جوجلة) بسيطة عن short story cycle   ستظهر للقارئ الكريم مئات النتائج التي تقرن بين هذا الاسم وبين كلمة genre  التي تعني جنسا أدبيا.

 

د. ثائر العذاري

 

نجوى السودةكلاريس ليسبكتور

1920 – 1977

بقلم: نيلسون إتش

ترجمة: نجوى السودة

"لا يمكنني أن أقتضب نفسي لأن من أصعب الأمور أن تضع كرسيا مع تفاحتين . إنني كرسي وتفاحتان . وأنا لا أضيف، "كلمات أقرتها الأنثى في رواية كلاريس لسيبكتور (مجرى الحياة) في تتبع سردي محاولة البحث عن ذاتها حتى تدرك أن هويتها هي مجموعة من الأشياء لا يمكن أن تعبر كلمات عن حقيقة ما تشعر به . إذا ماكانت التفاحة ترمز إلى المعرفة فإن الكرسي هو عنصر الألفة، هذا الصوت يؤكد في كل حين أنها أعظم من جنسها . على الرغم من النضال المستميت بالكلمات، إلا أن بطلات ليبسكتور النسائية رغم كل شئ ينفجرن، يُحْدثن شررا من الظهور غير المتوقع لكائنات لها قدسيتها يصحبها وعي بما يدور في ذاتهم والتعبير عنه في حدود اللغة ومن خلال المواقف التي تُحاصرهم . تلك البطلات التي تروي على لسانها الأحداث يظهرن أيضا تجارب النزوح والإختلاف الذي بدلا من أن يُوقِظ أحاسيس الغربة، يوسع دائرة المعرفة بالذات، كما جسدتها أنثى أخرى بالرواية، وهي جي إتش إذ تقول:" من يعش حياته بطولها وعرضها، يعيشها له وللآخرين . "

يتسم أسلوب ليسبكتور النثري أيضا بأنه ينقل القارئ معه نحو الأحاسيس الروحانية المثيرة للذكريات فائقة الوصف، طلاقة في التعبير تشكل من خلالها للمتلقي أسلوب لغوي غامض، لغة تتجاوز بها شكل الكلمة الصحيح تُمكن شخصياتها و قرائها من أن يمارسوا نغما حسيا عالي الرفاهية، الإحساس الذي "تعجز عنه الكلمات ,"والذي عرفه المثقف واللاهوتي آبراهام جوشوا هيشل، في "الإنسان ليس وحيدا (1951)"، يعرفه بأنه"الجذر الذي يساعد الإنسان على ممارسة الأنشطة الإبداعية في الفن، والفكر، وفي الحياة الكريمة . "

744 كلاريسوُلِدت كلاريس ليسبكتور في10، ديسمبر، 192في شيشيلنك، أوكرانيا (روسيا) لأبوين من اليهود المُهاجرين، ماريتا (1889-1930)وبيدرو (بنخاس) ليسبكتور(1885-1940)، الذين فروا من المذابح ومعهما إبنتيهما، إليسا وتانيا . سافروا على مركب، ووصلوا البرازيل في عام1921 التي كانت تحت خط التنمية وتقع في الشمال الشرقي، حيث كانت كلاريس تبلغ من العمر شهرين فقط . بعد أن تقدم بها العمر، كانت ليسبكتور تشير إليها بأن وُلِدَت في"الفرار "وكيف أن تلك التجربة قد أثرت على إحساسها في عدم الإنتماء إنتماءا كاملا، خاصة إنتمائها لنفسها .

في عام1925 إنتقلت العائلة إلى مدينة ريصيف المدينة الرئيسية التي تقع على الساحل الشمالي الشرقي . ماريتا، والأم، ومدبرة البيت، وهي إمرأة مريضة، ماتت في عام 1930حينما كانت كلاريس في التاسعة من عمرها . في عام1933، إنتقل بيدرو وبناته الثلاثة إلى ريو دي جانيرو، حيث ماتزال الإبنة الثانية، تانيا ليسبكتور تقطن . أما الإبنة الأكبر إيليسا ليسبكتور (1911-1989)، التي صارت كاتبة وطنية معروفة بالأدب القصصي الذي يتناول النفس البشرية وبروايتها شبه-السيرة الذاتية "في المنفى" (1948) عن عائلة يهودية ليست كعائلة ليسبكتور . على الرغم من أن اللغة التي إستخدمت بالبيت هي لغة يهود أوروبا، إلا أن كلاريس وهي الأصغر سنا، كانت تتكلم اللغة البرتغالية لغة البرازيل، ولغتها الأولى، على الرغم من أنها تحمل الجنسية الروسية التي تخلت عنها حينما صارت مواطنة برازيلية في عام 1943. في الفترة من عام 1930-1931إلتحقت بالمدرسة البرازيلية العبرية التي تدرس لغة يهود أوروبا في ريصيف، حيث أبلت بلاءا حسنا، ونفس الحذو فعلته في كل المدارس التي إلتحقت بها . كان والدها رجلا ذكيا يقرأ التوراة بانتظام ويعشق الكتب والموسيقى، عمل في بداية حياته تاجرا قطاعيا (عميلا) ومن ثم تاجرا إضطرته الظروف أن يدعم عائلته وأن يتخلى عن عشقه للدراسة . وكما أشارت إلى ذلك إبنته تانيا كوفمان أن، بدرو ليسبكتور كان رجلا متحضرا كان في جعبته الكثير عن ثقافة التوارة، أجاد اللغة التي يتحدث بها يهود أوروبا إجادة تامة وكان يطلع على جريدة نيويورك التي تصدر بلغة يهود أوروبا بصورة منتظمة. وتبعا لذلك فإن عائلة ليسبكتور عاشت" عيشة يهود أوروبا"أثناء طفولتها، حتى ماتت أمها . شجع بدروالذي مات في عام 1940، بناته وحثهم على النجاح إلا أن القدر لم يمهله حتى يرى ثمار إنجازاتهم :صرن الثلاثة كاتبات، إثنان تخصصتا في الأدب القصصي والثالثة في الكتب الفنية . تعيد كلاريس لذاكرتها الشدائد الإقتصادية التي تعرضت لها الأسرة في بداياتها في الساحل الشمالي الشرقي، عبرت عنها من خلال وجدانها وتعاطفها مع جموع الفقراء في البرازيل.

تعرضت كلاريس للكثير من النقد لتكتمها على موروثها اليهودي والذي إنبثق من إستيعابها السريع لثقافة البرازيل وغياب مرجعيتها للثقافة اليهودية في معظم أعمالها.

بينما كانت الروح الوطنية متأججة في البرازيل في الفترة من عام 1930حتى 1940ومُناخ مُعاداة السامية والفاشية وكُره الأجانب ربما يكون قد أسهم في أنها أخفت جذورها ولم تظهرها علنا، تكشف التوجهات الثقافية الحديثة أن أعمال كلاريس ليسبكتور بها نزعة يهودية قوية، على الرغم أن هذا يتناقض مع السرد الذي يتسم بالعرقية الصريحة لدى الكتاب المهاجرين . لم يكن أدب كلاريس القصصي عرقيا ولا ملتزما بالمذهب الطبيعي . قاومت كلاريس في كتاباتها التصنيف وكما أنها نبذت فكرة التسمية بالأنثوي، على الرغم من إستحواذ الشخصيات النسائية في أدبها القصصي . إنها كلاريس ليسبكتور، علامة من علامات الأدب لكاتبات جيلها من النساء في البرازيل وأمريكا اللاتينية، كانت كلاريس تكتب بوحي من وجدانها، وكانت تُوظِف اللغة تبعا لأصولها والغوص في أعماقها بحثا م عن معضلات ومشاكل الذات البشرية والموضوعية بالإضافة إلى أوجه الإختلاف في الهوية، والظروف النفسية والروحية التي تًصاحب المنفي . مارست كلاريس أيضا الأشكال المختلفة للرواية والمونولوجات الداخلية بعيدة المدى وتكنيكات السرد مثل تيار اللاوعي مما أدى إلى مقارنتها بمثيليها من المحدثين من أمثال فرجيينيا وولف وجيمس جويس .

Clarice Lispector.

Courtesy of Anat Falbel.

بدأت كلاريس ليسبكتور كتابة القصص وهي في سن المراهقة . درست القانون الجنائي في مدرسة الحقوق القومية في ريو دي جانيرو في الفترة من 1940حتى 1943، عملت أثناءها كمحررة وبعدئذ صحفية في جرائد مختلفة في كاريوكا بالإضافة إلى جريدة الطالب بالجامعة، والتي نشرت بها بعضا من قصصها . حصلت كلاريس على البكالريوس في الحقوق، لكنها لم تُمارس مهنة المحاماة أبدا . كتبت كلاريس في حمية شديدة روايتها الأولى في غضون عشرة شهور بدأتها من عام 1942، "على مقربة من القلب غير المستأنس، والتي نُشرت في عام 1943، نفس العام الذي تزوجت فيه من أحد زملائها بكلية الحقوق، موري جورجل فالنتي، الذي صار دبلوماسيا برازيليا في عام 1944. غادر الزوجان في ذلك العام ريو لمدة ستة أشهر حيث تم تعيينه في شمال البرازيل، وتبع ذلك سلسلة من الوظائف الدولية أبعدتهم عن البرازيل في الفترة ما بين 1944حتى1959، باستثناء زيارات سنوية قصيرة .

حصلت على جائزة جراسا أرانها القومية رفيعة المستوى في عام 1944، عن روايتها الأولى، والتي تبدو في جزء منها مثل السيرة الذاتية، وهي الرواية التي أثنى عليها الناقد البرازيلي المعروف أنتونيو كانديدو واعتبرها "محاولة تترك أثرها في النفس تأخذنا من حرجنا في إسلوبنا اللغوي لتنطلق بنا إلى آفاق نكاد بالكاد نستكشفها، وترغمنا على أن نتبنى طريقة ما في التفكير مليئة بالغموض . " تلك الطريقة في التفكير وضعتها فيما بعد أولجا دي سا تحت عنوان "إشكالية الأنطولوجي، "نجدها بالفعل متواجدة في بحث لدى أولى بطلاتها الأنثوية لروايتها، جوانا، التي إندمجتا شخصيتها وبحثهامع عملية السرد نفسها، وبهذا يُطرح التساؤل حول العلاقة ما بين الحقيقة والخيال/اللغة أم الوجود والوعي، كما تمثل في الكلمات التي جاءت على لسان من نطقت به، جي إتش :"إن العيش ليس هو الشجاعة، بل أن معرفتك أنك تعيش في كل ثانية ودقيقة، تلك هي الشجاعة. " في أثناء الفترة التي عاشت فيها في إيطاليا، سويسرا، إنجلترا، ورحلات لفرنسا وأسبانيا، قامت فيها ليسبكتور بدورها على أكمل وجه كزوجة دبلوماسي لكنها لم تكن تنعم بالسعادة بهذا الدور ؛حيث أقرت بذلك واحدة من صديقاتها في فترة وفاتها :"كانت ضد الدبلوماسية . . والمظاهر البراقة . ولا النافخة الكدابة . كانت عاجزة عن ذلك لأنها شخصية تميل إلى العُرف والتقاليد . "وُلِد إبنها الأول، بيدرو في بيرن في عام1948وولدها الثاني، باولو، عام 1953في واشنطون، بمقاطعة في الجزء الشرقي من الولايات المتحدة، حيث كانت تقطن العائلة في الفترة من 1953حتى 1959.

بعد أن لاقت نجاحا أكبر في مهنتها، تعرضت حياتها الزوجية للمشاكل مما إضطرها إلى أن تعود مع ولديها إلى ريوعام1959وأدى هذا الإنتقال إلى الإنفصال بين الزوجين قانونيا عام 1968. في هذه الأثناء في أوروبا كتبت كلاريسونشرت روايتين،

الشمعدان (1946) والمدينة المحاصرة (1949)، , (1946) والتي تتناول تباعا حول إمرأة شابة ومحاولتها"التنوير الذاتي"، ووعي إمرأة ودوافعها .

لا تعرض هذه الروايات مرجعيات صريحة لليهود ولارد فعلها حول الهولوكست . في الوقت الذي يتعجب فيه المرء من الحالة التي ينبغي أن تكون عليها إمرأة يهودية تعيش بأوروبا مع نهاية الحرب العالمية الثانية، نجد في المدينة المحاصرة وحدها سرد إستعاري مكني يصور بقوة في مُناخ شوفيني حالة الهلع التي يعيشها النازي .

عملت كلاريس فيما بعد، خلال إقامتها بواشنطن، على مجموعة قصتها القصيرة الشهيرة "روابط عائلية التي ترسم الروابط الإجتماعية والعائلية التي غالبا مايقيدها ويكبح صوت النساء، خاصة الطبقة المتوسطة من الزوجات والأمهات . كما أكملت أيضا مسودات روايتها الأنطولوجية الطويلة، تفاحة في الظلام . كلا من هذه الأعمال الأدبيةنُشِرت في عام1960 وعام 1961 على التوالي، ونالت جوائز أدبية رفيعة المستوى . كانت فترة الستينات والسبعينيات فترة مثمرة لدى ليسبكتور –ستة روايات، سبع مجموعات من القصص وأربعة كتب للأطفال . أرغمت الظروف الإقتصادية كلاريس على العمل كصحفية، فكانت تكتب بالعمود الأسبوعي للجريدة الومية اليومية، صحفة البرازيل، في الفترة بين أغسطس 1967وديسمبر1973.

هذه الأعمال الأدبية المتعارف عليها ب(تأريخ )، هي قطع أدبية تتضمن أحيانا شذرات وبعضا من رواياتها وقصصها . تلك الشذرات التي أسمتها "محادثات السبت، "، قامت بتدوينها في مجلد حوالي 781صفحة، نُشرت "إكتشاف العالم في عام 1984، قصص مقتضبة، تأريخات منتقاة، في عام 1996.

قامت لبيسبكتور بعدد من الرحلات السياحية القصيرة وزيارة عودة للمدينة التي أمضت بها طفولتها في الساحل الشمالي الشرقي قبل وفاتها بعام، جعلت ليسبكتور من ريو دي جانير وطنها حتى ماتت بعد إصابتها بمرض السرطان في9من ديسمبر، 1977. إنبثق عالم ليسبكتور الإستطرادي في جزء منه من أحاسيسها كيهودية، حيث تنسج باستعاراتها المكنية وأفكارها نسيجا مبهما يعكس تجاربها مع التوراة اليهودية وفترة النفي التي تعرض لها اليهود عام 538قبل الميلاد .

في الهيام كما تراه جي إتش، جعلت كلاريس مُحاورتها تعاني من ثقافة وأنطولوجي الآخر بأن إعتمدت على الصحراءمجازيا يعبر عن العزل ليثير النضال غير الديني من أجل الخلاص والهيام الروحاني .

الفقرة التالية من هذه الرواية يبرهن على جهاد السير في الصحراء من خلال الأسلوب الإستعاري والتهكم في سبيل العثور على صندوق المجوهرات دون أن يكون هناك نجم تستدل به على الطريق :" وفي صندوق المجوهرات، بريق المجد، والسر الخفي . (...) لقد عجزت عن أن أعثر على إجابة للمعضلة . لكن الأكثر من ذلك، يا الأكثر من ذك :لقد عثرت على المعضلة نفسها . " لذا تسافر جي إتش في" رحلة ضمنية "رحلة سوف تُجردها من هويتها المنعزلة /ذات بنت نفسها وركزت على الأنا بمحدودية في الموضوعية مما أودى بها إلى مستويات بنائية عميقة وممتدة من الحياة . على على ذلك، فإن جي إتش التي أكلت صرصارا " نجسا "يشير إلى تحدي ليسبكتور للتلمود المقدس وفي جزء منه فهي تتماشى في ذلك مع" المسخ "لكافكا، لأن البطلة تكابد من أجل "التغيير " الشديد في الوعي وإن كان لحظيا . نجد ليسبكتور هنا "تقضم كافكا حرفيا لتصور المسخ بطريقة مسرحية تجسد فيها وجهة نظرها عن الوجود الإنساني وتعبر عنه بالكتابة . أصابت مجموعتها القصصية "محطات الجسد "صدمة النقاد والعديد من القراء، التي تتسم باستخدامها القليل من الوجدان ولجوءها للأسلوب الحاد ويرجع ذلك إلى إستخدامها إشارات علنية وشهوانية عن الجسد، والتي على الفور تثير تساؤلا حول واجبات الأمومة والكبت الجنسي عند كل النساء، الصغيرات منهن والكبيرات.

نُشرت أقصوصة ليسبكتور وكتابها الأخير، "ساعة النجم "بل وفاتها بشهر، وقدمت للجمهور "إتجاها جديدا"، يتناول موضوعات إجتماعية من خلال الهر الإقتصادي والإجتماعي الذي تعيشه الشخصية النسائية غير الملحمية، ماكابيا التي تعاني فقرا، والتعليم غير الجيد، والتي أطلق عليها هذا الإسم بعد الشخصية الملحمية ماكابيس . عن طريق اللعب بالألفاظ، أبدعت كلاريس في خلق سردا مُركبا يخرج منه صوتا رجوليا متهكما، لكنه صوت يتعاطف وجدانيا مع الأنثى ليصور الأحداث تصويرا دراميا ليس فقط بطريركيا وقهرا إجتماعيا-إقتصاديا، لكنه أيضا يظهر مدى مقاومة الشخصية غير البطلة ماكابيا ومجابهتها لكل الغرائب، حتى الموت، لتمثل ذلك"البريق"من الحياة، ذلك الشئ الذي يعاني إهمالا من وقت لآخر، وينتهك عرضه من ساسة الدنيا . إنه هذا البريق الذي يميز كلاريس ليسبكتور كمؤلفة روحها روح إمرأة .

 

نجوى السودة

كاتبة ومترجمة مصرية

 

وجدان عبدالعزيزيبقى الانسان يبحث عن ذاته في كل ساحات حياته، فتقدير الذات واحترامها يعبّران عن شعور الفرد بقيمته وقدراته، التي تُعدّ أساسيّةً لهويته،ولكن هذه الذات لايمكن ان تكون الا بوجود الاخر، فنأخذ ديكارت، الذي شك في كل شيء و"مسح الطاولة" حسب تعبيره (طاولة فكره)، مسحا ولم يبق لديه أي شيء آخر غير كونه يفكر: ومن هنا جاءت قولته الشهيرة: "أنا أفكر إذن أنا موجود". وهذا يقتضي أن وجود "الأنا" سابق ومستقل عن وجود العالم وعن أي وجود آخر، فكان كل وجود غير وجود  "الأنا"، هو "آخر" بالنسبة لها، وبالتالي فعلاقة التغاير هي علاقة بين الأنا والآخر ابتداء: سواء كان هذا الآخر، هو الأشياء المادية المحسوسة، التي يتوقف وجودها على يقينه بوجودها، أو كان الشيطان، الذي افترض أنه قد يكون، هو الذي ضلله فصار يشك في كل شيء، أو كان، هو الله الذي اطمأن هذا الفيلسوف  إليه أخيرا، باعتبار أنه لا يمكن أن يضلله -لكون فكرة الله في ذهنه تشير إلى كائن منزه من الخداع والتضليل-  ومن ثم جعله ضامنا ليقينه ذاك الخ. هذا الصراع نقلته لنا الشاعرة ليلى غبرا من خلال قصيدتها (فنجان قهوة بيننا)، بحيث وجدنا مفهوم الاخر عندها لاينشأ بمعزل عن ذاتها، سواء كان فرد، او جماعة، والمعبر بالفرد انت، والمعبر عن الجماعة بالنحن، وجعلت الفنجان هو المعادل الموضوعي لهذه العلاقة من خلال قولها:

(فنجان قهوتنا ...

إبحار على نبضاتٍ شقية

قصيدة تتنفس دون رئة

أغنية تغّنى بلا حنجرة

ومن وهج فنجاني

سيقرأ عمر أحلامي)

فكانت جلسة السمر وفنجان القهوة، هي التي خلقت قصيدة خالدة تتنفس ابدا، اي انها بدون رئة، ومن الفنجان تنعرف سنين عمر حلمها السرمدي، كونها تعيش اجواء الحب والرومانسية، فكانت لحظات اللقاء، هي سنين بحالها، حتى تحولت الى قصيدة خالدة، نثرت حروفها على شروقات الشمس، ذات الضياء السرمدي..

***

2ـ قصيدة (عهد)،

والحب الروحي..!

وجدان عبدالعزيز

الشعر فضاءات مفتوحة، ورغم انفتاحه وانفلاته، الا انه من الصعب ان يكون الاناء الوحيد لاستعياب مشاعر الانسان، واحتياجاته الحياتية المتعددة، وقصيدة (عهد) للشاعرة ليلى غبرا، حاولت ان تستوعب مشاعر ليلى غبرا وهواجسها، ولكنها بقيت في اجواء الامل، فالأمل هو مجموعة تتكون من قوّة الدافع وقوّة الإرادة، التي يمتلكهما الإنسان من أجل أن يبلُغ أهدافه، فأهداف الإنسان هي الخبرة أو النتائج التي يرغب في تحقيقها، فيتكون الأمل من ثلاثة مكوّنات هي: قوة الإرادة، والطاقة الذهنية، فهي الدافع المُحرِك للأهداف التي يطمح الإنسان من أجل الوصول إليها، وخلق المسارات، وهي قدرة الإنسان على إيجاد تلك المسارات من أجل أن تعكس الخطط الذهنية، وكأني بقصيدة الشاعرة ليلى غبرا، تقول: كل الأشياء التي من حولنا ليست سيئة وليست جيدة، وليست إيجابية ولا سلبية، لكن نحن الذين نصبغها بهذه الصبغة، ونشكل لون حياتنا وطعمها بحلوها ومرها، فلا تلقي اللوم على الحياة فيما تشكو منهُ. وإذا كان الأمس قد ضاع من بين يديك، فلكَ اليوم، وإذا كان اليوم سيجمع أوراقهُ ونسماتهِ ويرحل، فلديك الغد! فلا تحزن على أمس ذهب لأنهُ لن يعود، ولا تتأسف على اليوم لأنهُ راحل، ولكن أحلم وأسعد بنور مُشرق في غدٍ بهي وجميل. وكن مُتفائلا، ولا تستسلم مهما كانت مُحاولاتك فاشلة للوصول إلى هدفك وآمالك، الذي تجلب لك الآلام قبل الفرح كجزء من مُتطلبات الحياة، لذا تقول الشاعرة:( عهدٌ علي  عهد/أن أكون له البوح والسند/يوم اللقاء المنتظر).. اذن تبقى الشاعرة في امل اللقاء المنتظر، لماذا؟ لان (حب الفؤاد إليك دائما/ حبُ الأبد)، وتعني بهذا الحب، الحب الساكن في الاعماق يغذيه الصدق الروحي، ليس بالضرورة الحب الحسي المقترن بالحب الروحي، انما تكتفي الشاعرة بالحب الروحي هنا ..

***

3ـ قصيدة (ثورة عش)، وعملية الايض الرومانسي..!

وجدان عبدالعزيز

الحياةُ في اللغةً نقيض الموت، حيث تعتبر حالة تميّز جميع الكائنات الحيّة على اختلافها – حتى الكائنات الدقيقة – عن غير الأحياء من كائناتٍ ميتة، ويتميّز الكائن الحي بمقدرته على العيش والنمو عن طريق التكاثر والاستقلاب لضمان استمراريّة نوعه الحيوي، ومن هذا المنطلق تتحوّل الفيروسات إلى نوعٍ من المظاهر الحيويّة عند استضافة كائن حي لها، بحيث يسمح لها بالتكاثر على الرغم من كونها لاخلويّة ولاتقوم بأي نوع من الاستقلاب، بمعنى ان الحياة معناها مرتبط بالاخر، أي وجود زوجية حياتية، هذا التمهيد يكشف لنا خبايا قصيدة (ثورة عشق) للشاعرة السورية ليلى غبرا، كون العشق يطلق عليه اسم إيروس نسبةً إلى الإله اليوناني الذي يرمز للخصوبة، وهو أول ما يخطر على الذهن عند التفكير في الحب والرومانسية، ويساعد هذا النوع من الحب على إشعال شرارة بداية الحب والعلاقة، ونلاحظ ان الشاعرة عبرت عن حالات العشق من خلال اللغة، فاللغة هي نسق من الرموز والإشارات التي يستخدمها الإنسان بهدف التواصل مع البشر، والتعبير عن مشاعره، واكتساب المعرفة، وتعدّ اللغة إحدى وسائل التفاهم بين الناس داخل المجتمع، ولكل مجتمع لغة خاصّة به، ولماذا اختارت الشاعرة ليلى اللغة الشعرية للتعبير عن دواخلها؟، كونها أكثر من وعاء لحمل المعاني،وأكثر من وسيلة للتعبير عن الأفكار، فهي المعنى نفسه، بحيث تتحول إلى مقصد أساسي في الخطاب الشعري، وإلى هدف مركزي في العملية الإبداعية، تقول الشاعرة ليلى غبرا:

(سكبت عطر الشوق في

حروفي

كأن نصفي يروي بالهوى

نصفي

أضيء كشمعة ذابت حنيناً)

اذن هي تذوب وتسكب الشوق بالحروف، كي تُروى هي، ويُروى هو الذي يمثل نصفها، وحينما تحدث عملية الارواء، تُضيءُ هي كشمعة ذابت حنيناً، وهنا تشكلت لدينا معادلة هي + هو = حياة، وبهذا شكلت الشاعرة من خلال اللغة الشعرية الحياة بشرط وجود الاخر، الحامل لجينات العشق والتمسك بعملية النمو، وهنا تبين لنا الشاعرة تمتلك الثقافة والمرجعيات الفكرية وكل العوامل الذاتية والموضوعية، التي تساهم في تجاربها الشعرية، طبعا مع التأثر بالعوامل الاجتماعية والقيم الاخلاقية لتكون وفيّة لبيئتها، تقول :

(قايضني هواك ..!!

وخذ عمراً مرسوماً في

كفي

أخذت كل الورق ومزجت

فيها ألواني

فكنت أنت فرحي وبهجة

أعيادي

أبادلك العشق في صباحي

ومسائي)

فاستعملت فعل الامر (قايضني)، لماذا؟ لان الحياة لاتتكون الا بالتقرب والتزلف الرومانسي، لتحدث عملية الايض في المشاعر، مثلما تحدث عملية الايض الغذائي، لذا تقول الشاعرة ليلى: (أبادلك العشق في صباحي/ ومسائي)، فالحب كما الغذاء يتحرك باستمرار ليحدث نمو العلاقات الكائنة بين الانثى والذكر، أي ايض غذائي وايض رومانسي، لتشكيل الحياة بالنمو في الاول، واستمرار العلاقة بالتكاثر في الثاني، وتؤسس الشاعرة بتكوين هذه العلاقة والتعبير عنها من خلال قولها :

(ويبقى حبي لك

ثورة عشق على

حروفي

وأبياتي)

فحبها ثورة عشق تحملها جينان الشعر من خلال الحرف والكلمة بمعنى اللغة، وهكذا فان الشاعرة ليلى غبرا تحمل الكثير من المعاني في اشعارها..

 

وجدان عبد العزيز

 

 

رحيم زاير الغانمتُعدُ الرواية القصيرة، رواية جريئة لاعتمادها على تقنيات سردية محددة من شأنها جذب المتلقي إلى متنها الحكائي، وتتحقق نجاعة العمل الأدبي في ضوء إستراتيجية سردية خاصة بهذا النوع الأدبي، وهذا بالضبط ما لمسناه في رواية ( يوسف لا يعرف الحب) للروائي واثق الجلبي، الذي قدم لنا متنا حكائيا راعى فيه استحضار إستراتجية غير تقليدية، يمكننا تلخيصها باستئثار الراوي العليم للسرد بشكل عام تقريبا، حتى أنه استأثر في روي المنلوج العائد إلى بطلي الرواية ، (يوسف وسماء)، أو الشخصيات الأخرى، في تقويض بيِّن، مما سرع  بدوره في وتيرة الحدث وتناميه تناميا متصاعدا، وهذا ما هيأ إلى غياب تام للفلاش باك/ الاسترجاع، الذي ألقى بضلاله على الحوار فانحسر هو الآخر.

قد يرى البعض استئثار الراوي العليم بالسرد، من أساليب الروي التي عفا عنها الزمن، باعتبار ان الرواية الحديثة تعتمد توزيع الأدوار من اجل الخلاص من دكتاتورية الراوي العليم، كونه ضمير ووجدان المؤلف، إلا ان في الرواية القصيرة قد تستدعي هكذا تقنيات سردية، خصوصا إذا ما لمسنا تسرب الأسلوب الشعري المتعالي والخطاب الهادئ للمتن الحكائي، اللذان أضافا مسحة جمالية للنص المسرود، في نأيٍ عن الملل والحشو والترهل الذي نشهده في العديد من النتاجات الأدبية في مجال السرد،  تحديدا الروايات الطويلة التي استدعت عزوف القراء.

في رواية (يوسف لا يعرف الحب)، ذات، (75 صفحة)، تظهر شخصيتين رئيسيتين هما شخصية (يوسف وسماء)، مع ظهور شخصية ( أميرة/ أخت سماء) وشخصيتا، (رامي و سعد) صديقا يوسف، في الثلث الأخير من الرواية، لكنهن شخصيات  هامشية، ليس لها تأثير في مجمل الأحداث.

اعتمدت الرواية على حدث رئيسي، ممثلا بقصة حب بين شابين، (يوسف وسماء) دامت لخمس سنوات ملؤها الرومانسية والوصال الشفيف، علاقة شبه مثالية، لكنها ترتطم بالواقع الاجتماعي، وما يثار من أسئلة حول نهاية العلاقة، بلسان (أميرة)، كون (يوسف) لم يتقدم بخطوة واحدة للجم ألسنة الآخرين للاقتران ب(سماء)، معتبرا من جري العمر حتى، علما أن (سماء) تكبر يوسف بالعمر، وقد بان الشيب عليها، يوسف الفتى الذي أنهى دراسته حديثا، ألتحق لتأدية الخدمة الإلزامية بعدها تقف الظروف حائلا بينهما كعدم توفر العمل لكساد البلد بشكل عام، صحا (يوسف) على حب (سماء) والشعر والرسم، المغلف بالبطالة، التي استشرت في العقد التسعيني إبان الحصار الاقتصادي، لتحيل الظروف القاسية وقتها الحب إلى أزمة وعنت دامت لسنتين مضافة للسنوات الخمسة العذبة، تنتهي بالفراق،  وهذا ما صرحت به (سماء)، (يوسف لقد تعبت صدقني. سالت دموع سماء على خديها لكن يوسف لم يستطع تقديم منديلا واحدا)ص40، وفي هذا المشهد إيذان لنهاية قصة حب دامت سبعة أعوام، وبفقدها قد، (مرت عليه الأيام كأسنان الليث على جسد غزال لم يبلغ الحلم...)41، وقد أظهر يوسف خنوعه للظروف بتبرير غير مقنع، كونه من نوع العشاق الذين يطلبون الخلود للحب، وهو بالضبط ما يقع فيه الرجل الرومانسي، هروبا من واقع أليم حيث الفقر والفاقة التي لا تؤهله لتوفير بيت للسكن ملائم أو إمكانية إنجاب الأطفال وتوفير العيش الكريم لهم، كما توفر لصديقه (رامي) آنف الذكر، وهذا كله يمكننا عده في خانة القص العادي، وهو محور حكائي أول يمكننا التنبؤ به حتى في ظل قساوة العقد التسعيني، والذي يعد منطلقا للمحور الثاني في الرواية لما يثيره، (يوسف) من تساؤلات عن الوجود والإنسان والحياة بطرح جدلية الحب والخلود لتأخذ آفاقا أبعد، في استحضار الصورة النهائية لكل هذا الفعل الجمالي، ان الحب الذي ينتج خلودا، لا يجده في الزواج، إذ عد الجنس، قتلا له، (قرر يوسف أن ينهي لعبة الجسد ليبقى حبه خالداً) ص55، هل أن الجنس/ الزواج،  بعد قصة حب ناجحة لا خلود فيه، أم أن اليأس والفقر والفاقة صورتا الحقيقة معكوسة، وقد نجد عند غيره موقفا مخالفاً عن الجنس/ الزواج عند المتصوفة مثلا، وهذا ما تحقق لابن عربي عندما تزوج بمريم بنت محمد الباجية، (أتاح له الزواج خوض تجارب نادرة امتزجت فيها النشوة بالانجذاب الصوفي، ليتكشف له الحب الصادق الذي تصحبه رغبة ملحة، يعد سبيلا إلى تحقيق التكامل الإنساني والانسجام الكوني...)ص100 من كتاب (الفناء في الإنسان): هالة العوري، إذا الجنس بعد الزواج، يأخذ أبعادا أسمى تصل إلى الانسجام الكوني، التي يمكننا معادلتها في ضوء موقف يوسف من خلود الحب بإضفاء العذرية عليه، فما الأجدى مواصلة الحب والعيش بكنف حبيبة أم التشرذم والضياع وهذا ما أقر به الراوي العليم معبرا عن خلجات (يوسف) البطل، ( ربما كذبه الخلود وخدعته الأحلام فكان قميصه عرضة للتآكل؟! ربما أحب سماع الأصوات المسكوبة على خنصره ببهاء الخيبات المتلاحقة؟! ) ص74.

تتجه البوصلة القرائية إلى المحور الثالث الذي لا يقل شأنا عن سابقيهِ، رمزيتي (يوسف) و(زئبقية القميص) في المتن الحكائي من ناحية تحولات المعنى،  بحسب الحال أو الظرف الذي يمر به البطل (يوسف) وبحسب الأجواء النفسية أو الانتقال من مكان إلى آخر، وهنا يذهب بنا القول إلى ما تطرحه الرواية من تناص مع قصة يوسف النبي (ع)، فالقميص الذي تسوقه الرواية، (القميص العاري، القميص البلوري، قميص ذاته، القميص السارد،  القميص الكاتب القميص الرابت، قميص واحد، أقاصي القميص، القميص الأبيض...... الخ)

إذن يجب التنبه ان التناص لم يأخذ أبعاد المضمون، بل اكتفى باللفظ/ الشكل، يعني لم يقدم يوسف الذي أُسقط بالبئر، بل الذي أسقط نفسه بعد اليأس، (يوسف لا يحب الحزن ولهذا سقط في بئره بصورة غير واقعية) ص51، وهو خلاف قصة يوسف (ع) لقوله تعالى، (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجبت....) آية10سورة يوسف، إذن في الأول اختيار للمصير وفي الثاني إجبار،  هذه من مفارقات السرد التي تحسب للرواية، وكذلك رمزية القميص التي يتغير معناها بحسب مقتضى الحال، فهو حين يسرد لنا عن أيام العسكرية يضيف لفظة المُذنب، (القميص المُذنب)، وكما نعرف في لفظة المذنب إشارة لرصاصة التنوير، ليعرف المتلقي أنه على الساتر في فترة تطوعه للجيش، وهي أول ردة فعل بعد فراقه ل(سماء)، ، أو (لحد القميص الغارق بتوافه الأزرار وألوانها) ص52، وفي هذا ترميز عالٍ، أن خلفَ الأزرارِ مباهج تافهة وصفها باللحد، وهنا يجد تحقق الموت في الأشياء المادية، على العكس من الأشياء غير المحسوسة تنعم بالخلود والسمو الدائم، وهذا ما يتوافق مع المتصوفة، وهو بالضد من القميص الذي بعثه نبي الله يوسف (ع) بعدما ابيضت عينا أبيه، نبي الله يعقوب (ع) بعدما تلقيه خبر سرقة ولده صواع الملك وتم حبسه، لقوله تعالى، (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيراً....)آية 93 سورة يوسف، فهو يحمل  ريح يوسف (ع).

وبهذا نؤشر إلى مغايرة أخرى واستقلالية للمعنى عن المعنى الذي ذهبت إليه الآية القرآنية في سورة يوسف، وإنتاج معانٍ عدة، إذ إننا في كل مقطع من مقاطع الرواية (الخمسة عشرة) نجد الرواية تطرح معنى يتحلى بالجدة والمغايرة عن ذات قميص يوسف بطل الرواية حتى أنه يذهب به إلى كونه سكنا، وهنا يتشظى المعنى من السكن الروحي/ الحب، إلى السكن المادي/ البيت، وما رمزية الأزرار السبع بمدة علاقة الحب التي ربطت، (يوسف وسماء) إلا دعوة لاقتفاء المعنى المتجدد بالرواية.

لا يمكننا بعد ما تقدم إغفال استئثار آخر مُثِلَ في شخصية الرجل الشرقي الذي بيده مقاليد كل شيء حتى الحب والغرام، هو من يقرر إعلان الحب وهو من يحدد نوع الحب، عذري أم حسي، من النوع الفاني أم الخالد، فان توافق مع ظروفه أراده حسيا، وان لم يأتِ بحسبها انصرف إلى العذري، معللا الخلود سبيلا له، أو الفناء نهاية له، بل أن ذاكرة المحبوبة حتى في ليلة زواجها من شخص آخر تشتره وتستحضر ذكراه، لينهي عنت بكارتها المتضخم بأناته الغائبة الحاضرة.

 

رحيم زاير الغانم

 

ثائر العذارينشرت جريدة طريق الشعب في ٤/٢/٢٠١٩ مقالا بعنوان (التجنيس في القصة القصيرة بين المتوالية sequence والدورة cycle) للناقدة د. نادية هناوي وهو واحد من مجموعة مقلات نشرتها في صحف متعددة يعرف القارئ المتابع أنها ترد عبرها على ما أكتبه أنا في الموضوع. وهذا رابط مقالها بعد أعادت نشره في موقع الناقد العراقي

https://www.alnaked-aliraqi.net/article/60996.php

ومع أن الرد حقي قانونا وأخلاقا فقد رفضت الجريدة نشره بحجة أن فيه قسوة، بينما لم أكتب فيه إلا الحجج التي يستطيع القارئ التأكد منها وإنه لغريب أن يكون هذا موقف طريق الشعب آخر قلاع الالتزام.

في البداية أود القول أن الكتابة والنشر مسؤولية وأمانة، فنحن مسؤولون عن كل كلمة نكتبها، وحين يبدو لنا أننا كنا مخطئين في تصور ما كنا قد كتبناه فلا مناص من الاعتراف للقراء بالخطأ والاعتذار، أما العزة بالإثم فهي قصيرة العمر وسرعان ما تعود على صاحبها بالحرج، فقراء جريدة مثل طريق الشعب لا ينبغي الاستخفاف بهم وكلهم من خيرة مثقفي البلد. وانطلاقا من هذه المسؤولية وجدت أن علي الكتابة وبيان الأوهام والتناقضات التي حفل بها مقال د.هناوي.

في هذا المقال كما في مقالات سابقة تخصص الكاتبة أكثر من نصفه لتنصيب نفسها الكاهنة العظمى لمعبد النقد فتسمح وتطرد وتهب وتمنع وتوزع التهم والانتقاص يمينا وشمالا، فترى أن غيرها مدع ضبابي الرؤية وأنها وحدها تمتلك الحقيقة، ومن يقرأ المقالات التي كتبتها في الموضوع كلها سيكتشف بسهولة تناقضاتها وضبابية رؤيتها وجهلها بالموضوع من أساسه، وهكذا ينطبق عليها المثل العربي (رمتني بدائها وانسلت)، وسأركز على المغالطات والأوهام التي انطوى عليها هذا المقال الذي لا يتعدى طوله الصفحتين.

قرأت المقال بتأن ثلاث مرات ولم أفهم إن كان اعتراض د.هناوي الذي يشير إليه العنوان، فهل تعترض على تجنيس المتوالية القصصية أم على تسميتها؟ ولذلك سأرد على الاحتمالين مبينا الخلل في رؤيتها وأسبابه.

أما قضية التجنيس فلطالما كررت د. نادية اتهامي بالتلميح مرة كما في هذا المقال وبالتصريح أخرى بأنني أخترع تجنيسا أدبيا، وأنا لا أدري ما أساس هذا الاتهام، ولم يسبق لي أن ادعيت هذا، غير أني كتبت أن المتوالية القصصية جنس أدبي، لكن هذا ليس اختراعا ولا تقليعة كما قالت، فهذا الضرب من الكتابة السردية يشار إليه منذ ثلاثينيات القرن الماضي بأنه جنس أدبي والغريب أن الدكتورة لا تنتبه أن كل الدرسات التي تذكرها والتي كنت قد ذكرتها في مقالات سابقة لي تقر ابتداء من العنوان بأن المتوالية القصصية جنس أدبي مستقل على أن أذكر القارئ الكريم أن كلمتي نوع وجنس باللغة العربية تستعملان بمعنى واحد مقابل كلمة genre الإنكليزية، إذ لا يشار إلى الأجناس الأدبية بغيرها في تلك اللغة. فضلا عن أن د. هناوي تخطئ في الترجمة فتخرج بنتائج لا علاقة لها بالمقاصد الحقيقية.

أما قضية التسمية ففيها وهم كبير وقعت فيه الكاتبة بسبب عدم معرفتها المفهوم الحقيقي للمتوالية القصصية ولذلك وقعت في تناقض وتخبط، ففي البداية كانت تدافع عن مصطلح المتوالية القصصية وتدعي أنه مصطلح عراقي اخترعه الأستاذ جاسم عاصي، ثم أصبحت تسميها في مقالات أخرى المتوالية السردية وكتبتها بالانكليزية narrative sequence وفي هذا المقال تقول إن من يسميها بهذا الاسم مخطئ، والحقيقة أنها هي الوحيدة التي استعملت هذا المصطلح، أما الاسم الذي استعمله في كتاباتي فهو short story sequence أي متوالية قصصية ولم استعمل أبدا مصطلح المتوالية السردية لأنه مصطلح وضعه تودوروف يخص بنية الجملة في القصة ولا علاقة له بموضوعنا.

إن (المتوالية القصصية) هو واحد من الأسماء التي يستعملها النقد الغربي للإشارة إلى هذا الجنس الأدبي وهناك أسماء أخرى كثيرة منها حلقة القصة القصيرة (وليست دورة كما ترجمتها د. هناوي) وأفضل استعماله لأن كتابا عربا وعراقيين استعملوه لوصف أعمالهم، وعندما يشيع مصطلح ما فلا جدوى من الاعتراض عليه ما دام الاتفاق على دلالته قائما، ولدينا في العربية عشرات المصطلحات الأدبية التي لا تمت دالاتها المعجمية بصلة إلى معناها الاصطلاحي، ولعل المثل الأبرز هنا هو كلمة التداولية التي وضعت مقابل كلمة pragmatic الإنكليزية التي تعني النفعية.

يعد كتاب فورست انجرام ( Representative Short Story Cycles of the Twentieth Century: Studies in a Literary Genre) الذي ذكرته الكاتبة في مقالها كتابا مؤسسا في دراسة المتوالية القصصية، ولو أنها قرأته لعلمت أنه كتاب فني صرف لا علاقة له بالثيمات. وأبين هنا الأخطاء الجسيمة التي وقعت بها في تعاطيها مع الكتاب لأنها كما أظن استمدت معلوماتها من مراجعة للكتاب لا الكتاب نفسه لأنه نادر وغير متاح على الانترنت.

من العنوان يتضح أن انجرام يدرس المتوالية على أنها جنس أدبي مستقل ويبدأ كتابه بتعريف المتوالية القصصية (التي يفضل هو تسميتها حلقة القصة القصيرة) في أول سطرين فيقول:

"A story cycle is a set of stories so linked to one another that the reader's experience of each one is modified by his experience of the others."

وتمتاز لغة انجرام بسهولتها الكبيرة بحيث لا يحتاج القارئ إلى خبرة كبيرة باللغة الإنكليزية لفهمها، فكيف لمن يخطئ في فهم انجرام أن يفهم أساليب معقدة مثل أسلوب تودوروف. واقتبس هنا ترجمة د.نادية للتعريف:

"وقد قنن انجرام في هذا الكتاب فاعلية ( دورة القصة القصيرة) بوصفها مجموعة من القصص المرتبطة بعضها ببعض، يوزعها المؤلف بطريقة متوازنة ضمن وحدة معينة، في شكل مجموعات أو سلاسل، ولكل قارئ أن يقوم بتعديل تجربة ما من تجارب الآخرين."

هذه ترجمة مشوهة معتمدة على استخراج المعاني من القاموس فحرفت التعريف عن مراده الحقيقي، وكما يرى القارئ الكريم فالتعريف هو (حلقة القص هي مجموعة من القصص المترابطة جدا بعضها ببعض بحيث تتعدل التجربة القرائية لإحداها بالتجربة القرائية للقصص الأخرى.)

وأضع هنا صورة للصفحة الثانية من فهرس الكتاب لأشير إلى خطئين جسيمين آخرين:

738 ثائر العذاري

أما الأول فهو قولها أن انجرام ناقش في الكتاب التكنيكات المشتركة مثل الراوي والشخصية المركزية، ونظرة سريعة إلى الفهرس تكشف أن انجرام لم يكن يدرس هذه التكنيكات على أنها مشتركة بل لأنها مما يميز عمل شيروود أندرسون في كتابه Wisenburg,Ohio الذي يعده انجرام وغيره أول متوالية قصصية ناضجة منذ صدورها عام ١٩١٩. فهذه مباحث فرعية من الفصل الخامس الذي قصره المؤلف على دراسة هذا الكتاب واستغرق فيه أكثر من ربع حجم كتابه فهو يبدأ من صفحة ١٤٣ وينتهي بصفحة ٢٠٠ وهي نهاية الكتاب كله أيضا.

تقول الكاتبة ان انجرام ختم كتابه بدورانية التطوير النفسي التي درسها في ثلاثة مباحث هي النار والريح وايماءة والضبط. وأنا أرجو القارئ الكريم أن ينظر إلى القسم الرابع من الفصل الخامس نفسه الخاص بكتاب أندرسون لنكتشف بسهولة أن الدكتورة هناوي لا قرأت كتاب أندرسون ولا كتاب انجرام ولا حتى فهرسه. فعنوان المبحث هو تطوير الرموز في المتوالية وهو يدرس هنا تكنيكات اندرسون في الترميز واختار منها الريح النار اللتين تظهران في الفقرة الأولى من القصة الأولى حيث يستدعي جورج ويلارد نجارا ليجعل سريره بمستوى النافذةبينما كانت الريح الباردة تعصف في الخارج والنار في الموقد. أما ما ترجمته الكاتبة ايماءة فهو كما يتضح في الصورة التلويح باليد، لأن اندسون استعمل هذا الرمز في القصص كلها.

أما الخطأ البالغ فهو في الثالثة التي ترجمتها د.هناوي الضبط، وهذا يكشف عدم اعتيادها على قراءة الدراسات السردية بالانكليزية لان هذه الكلمة من مبادئ المصطلح السردي الإنكليزي، فهي لا تعرف ان النقاد يستعملون كلمة setting مقابل مصطلح (الزمان والمكان) في العربية وهذا ما كان يدرسه انجرام في هذا المبحث، فهذه الكلمة في السرد لا تعني ضبط كما هي ترجمتها في أجهزة الموبايل.

ثمة خطأ مركب تقع فيه الكاتبة في آخر المقال حين تذكر كتاب ( Short Story Cycle: the Ethnic Resonance of Genre) وتنسبه لسوزان فيرجسون والحقيقة أنه لجيمس ناجيل James Nagel ، فضلا عن ترجمتها الخاطئة للعنوان التي بنت عليها نتيجة خاطئة أيضا، فقد ترجمته صدى التشظي في النوع، والحقيقة أني لا أعرف ما أقول، فلا أظن هناك أحدا لا يعرف معنى كلمة Ethnic فهي بفضل الله من أكثر الكلمات التي تتكرر في العراق ومعناها الإثنية أو العرقية وعنوان الكتاب هو أثر الإثنية في الجنس الأدبي. وهو الكتاب الذي اعتمدت عليه جنيفر سميث في تطويرها لفكرة العلاقة بين التنوع العرقي في المجتمع الأمريكي وظهور المتوالية القصصية أواخر القرن التاسع عشر، فهي ترى أن شكل المتوالية القصصية يحاكي شكل عرقيات متنوعة كانت تسعى للاندماج لتكون أمة واحدة هي الأمة الأمريكية وهذا المعنى لا علاقة له بقضايا أخلاقية مثل الحضانة والاجهاض والطلاق كما رأت د.نادية.

ترى الكاتبة في المقال أن هذا جنس يمتاز بالميوعة وهذا يحول دون تجنيسه، وهذا فهم واهم لفكرة السيولة والميوعة، فجنس أدبي كتب فيه جيمس جويس وشيروود أندرسون وهمنجوي وكافكا وفيرجينيا وولف لحري بأن يدرس مستقلا. أما الميوعة والسيولة فهذه سمة من سمات القصة القصيرة لا المتوالية القصصية فالقصة جنس أدبي لا يستقر على شكل واذا سايرنا رأي د.هناوي فيجب أن نلغي مصطلح قصة قصيرة من قاموسنا لانها جنس مائع. على أن سوزان لوهافر التي تعد أشهر المتخصصين بالقصة في عصرنا عدت هذا الشكل المراوغ للقصة القصيرة واحدة من أهم السمات الفنية للجنس وبنت عليه كتابها الشهير Coming to terms with the short story الذي أتمنى أن يقرأه كل مهتم بالقصة القصيرة.

 

ا. د. ثائر العذاري

 

رحيم زاير الغانممجموعة (الحب في زمن الطنطل) اختيارا

ان الأنواع الأدبية بمختلف أشكالها وأساليبها تمتلك القدرة على زجّ السخرية في مفصل من مفاصل النص ولكن قد تتفرد القصة القصيرة بالقيام بإنشاء نص سردي بمعمار ساخر معولا على القصر الذي تتسم به، مع تقبل المتلقي إلى هكذا خطاب حكائي، الذي قد لا نجد له مقبولية في الرواية الطويلة أو المتوسطة، وبذا تحقق القصة القصيرة أهدافها، لمبررات تطور الأشكال الأدبية، بشكل لافت، ومما لا شك فيه يمكننا عدّ هذا التطور دليل عافية في كافة مجالات الأدب.

لذا بمقدورنا عدّ القصة القصيرة من الأنواع الأدبية الخطرة لتماهيها ومتطلبات العصر، لما تتسم به من أحادية أو ثنائية ساندة من حيث الحدث والشخصية والمكان والزمن، وما قد تضفيه الموضوعة اليومية من ملامسة حياة شخصيات مغمورة وعدهم أبطالا من شأنها خلق الدهشة لدى المتلقي، فعندما تحرص القصة على تبني المهمل والذي يمكننا تصنيفه، على اعتبار انه مهمل لنسق اجتماعي معتاد، لا تعتبر إعادته إلى الواجهة ذا قيمة عند المتلقي العادي، لذا نجد القصة القصيرة تراعي هكذا موضوعات، بطريقة ساخرة، والسخرية ليست من باب التسطيح، بقدر كونها وعيا لموضوعات تلامس وجدان المتلقي الخبير الذي يراقب  تطلعات ومشاعر الإنسان التي تهدر لأدنى الأسباب، وهذا ما سيتم معاينته في أقصوصة، (دَين- الحب في زمن الطنطل- سجائر)، من مجموعة، (الحب في زمن الطنطل)، للقاص ضاري الغضبان.

1- القصة الأولى (دَين):

تعتمد قصة، (دَين) في معمارها السردي على حدث ولادة طفل بالدَين، الذي يتشظى إلى إحداث تدور في فلك واحد، الرابط الرئيس بينها موضوعة الدَين على اعتبار أنها موضوعة يومية، لارتباطها بالفقر والفاقة، إذ أضحت مديونية العائلة تتفاقم منذ زمن الولادة، تحديدا من أجرة القابلة، والاعتياد على اقتراض المئونة من الجيران، وتسرب العدوى لبطل القصة الطفل، في استدانة كرة القدم التي لا تعاد لأصحابها إلا بعد ثقبها، أو بشراء ملابس المدرسة بالأجل التي لا رغبة له في ارتيادها ليتركها سريعا، كي يتربى في حجر أبيه السائق، ك(سكن)، ليفقه أصول المهنة على أصولها ليس كسائق، بل أبن لمقترض حريف في عدم التسديد، في إشارة هامة لتعطيل دور الأسرة، المؤسسة الأم، نواة المجتمع وبذرته الأولى، في تقديم تربية صالحة، إذ إننا كمتلقين في مواجهة خطاب سردي صارم احتاج منا الوقوف في منتصف الحكاية، لنسأل من يا ترى المتسبب في التعطيل هنا المحيط المجتمعي وتشكيلاته الشعبية أم المؤسسة الرسمية، كي نحقق للمتلقي متعة الحياد أو لوعة الشراكة مع منظومة اجتماعية جعلت لمؤسسة السلطة اليد العليا في إشاعة الفوضى، وما لسكوتها إلا فعل العصا التي تتوكأ عليها لبسط خذلانها مرة وللاسترخاء من اللاجدوى في مرات عدة.

ويستمر القص بإهمال الوالد للحافلة وتراكم مبلغ إيجار البيت الذي لا يدفع، ثمَّ موته، وذهاب إلام إلى دار المسنين، إلا البطل/ الطفل، فأنه صار أكثر سعادة في دار سكنه الجديدة، حافلة والده بعدما صارت خردة، وبفضل عمال البلدية الذين سحبوها لطرف المدينة، غير مأسوف عليها، بيت سكن للوريث الوحيد، ومن سخريات القدر ان الطفل تقبل كلبة وجرائها من دون ان يطالبها بإيجار، كونه أكثر رأفة من البشر، فمهما عمدوا إلى هدم بنيانه داخليا، إلا انه أبى على إنسانيته ان تنصاع لحكم الغاب، ليحيا سعيدا في مكانه الجديد ومع رفقة أكثر وفاء.

2- القصة الثانية، (الحب في زمن الطنطل):

السرد في هذه الأقصوصة يبدو اخذ منحى مختلفا حيث أننا إزاء ثيمة الحب والفراق في ان واحد بزمن ممتد لأكثر من ثلاثين عاما الذي مهد لتعدد الأمكنة والأحداث، إذ تبدأ القصة بعودة، (سيماء) وأهلها من غربتهم، ثمَّ يبدأ الراوي العليم باسترجاع ما مضى/ الفلاش باك، كان حاضرا وبقوة في هذه القصة، مع تعدد الأشخاص، وتنامي الحوار ونشاطه في مشاهد دون غيرها، كل ما تقدم أعطى للقاص إمكانية توظيف أحداث الماضي وسحبها إلى منطقة الحدث الرئيسي، كونها أحداثا لا تقل شأنا عنه، مثل حدث ارتباطه ب(سيماء)عاطفيا وهو بسن قريبة من عقد العشرين من عمره، أو حدث التحاقه بالجيش، وما حدث اعتقال  والدها وعمها الذي اضطرهم للهجرة بحدث عادٍ، إلا أننا نرجح كفة عودة محبوبته سيماء كونه حدثا رئيسيا هاما يشتغل على الزمن الحاضر، فهو حدث تتشظى عنه أحداثا على الرغم مما تداخلت معها من مشاهد تبدو اعتباطية، إلا انه أفرز لنا كمتلقين مشهدا أخيرا استثنائيا وأخص جلوس، (غلوب) ابنة (سيماء) بقربه وهو يقود السيارة، الذي استنهض في داخله ما أهملته (سيماء) و(تماضر)، الفتى العشريني، الذي أحب فتاة عشرينية بعمر (غلوب) وجد فيها تقبلا لذاك الشاب العاشق الوله، موقظة ما أهمله ممن حوله من قبل ثلاثين عاما من أول بيت (أبوذية) لم يكتمل على يد سيماء، أو بعد الرجوع باهت المذاق،إهمال عانى منه أبا سامي، الذي يدرك تماما أن (غلوب) ليست اقل شأنا من والدتها في النكران، لكنه أحب ان يعيش اللحظة بقتل مؤقت لثرثرة سيماء وتماضر والطنطل.

3- القصة الثالثة (سجائر):

ان قصة (سجائر)، تقدم حدثا رئيسيا تدور في فلكه أحداثا فرعية لكنها جميعا في أفق سردي بخطاب أنساني واحد عن مرض البطل أستاذ هشام ومنع الطبيب إياه من التدخين، هذا الموضوع اليومي الذي يثير شجون وآلام من اكتوى بنار السيجار ولم تطاوعه نفسه من الإقلاع عنه، لكن البطل هنا تم له ما أراد لما أبداه صديقه، وزوجته/ أي زوجة أستاذ هشام، من توفير دعم لوجستي له، وفي تبادل للأدوار لم يعرفا قيامهما به إلا في لحظة مكاشفة لم تكتمل هي الأخرى،  في ترميم ما انكسر من ثقة بطل القصة في العودة للحياة عبر إرشادات الطبيب المتأخرة لترك أنيس عُمره، قد يبدو أقدم من أنس صديق وزوجة، فرغبته في مواصلة التدخين لم تنهه من تعجيل نهاية عمر لا بقية فيه، بمواصلة تعاطيه إياه.

نعم قد نهمل مثل هذا التعايش بين الإنسان وقاتله/ السيجار، جراء ما قد يبتلي به الجسد من أمراض، على تحمل نتيجة ارتشافة إضافية من سحبة واحدة لا علبة سيجار حتى، لكن بحسب ما نستشف ان الوصل ليس بسيحار بل بمحبوبة ورفيقة لوعة وفرح، أو لحظات تماهيهما و (استكان الشاي) أو (فنجان القهوة)، قدسية حري به الوفاء من أجل ديمومة طقوسها، بالعمر الذي يدرك أيامه المعدودات، قد يَهمل هكذا لحظات من استساغ أوامر الطبيب وجانب لحظات السمر بحرقة عقب سيجار يتكرر لفافات من رماد يسوقها الريح إلى مثوى رجل حكيم آثر الوفاء لأنيس الصبا والشباب والكهولة بعدما استشعر انه سيودع الحياة إلى مثواه الأخير وبرفقته ذكرى صديق وزوجة بعدما خبر أنهما من يحفظ الحب.

 

*رحيم زاير الغانم