ابو الخير الناصريللزهرة رميج (*)

1- دلالة العنوان: عنوانُ الرواية من الناحية التركيبية مركب إضافي مكون من مضاف (قاعة) ومضاف إليه (الانتظار). وهو من الناحية النحوية خبرٌ لمبتدإ محذوف تقديره اسم الإشارة (هذه).

ووفقا لهذا التقدير (هذه قاعة الانتظار) فإن عنوان الرواية يشير إلى مكان إشارةً تُكسبه التعريف، فيتوقع القارئ للعنوان أن يصير بعد قراءة الرواية عارفا بهذه القاعة، مُلمّا بمحتوياتها، عالماً بما تشهده من أحداث وأحاديث.

ولا نكاد نتقدم صفحات معدودات في القراءة حتى نجد ذكراً لقاعة الانتظار أول مرة في إشارة عابرة، وذلك في قول الساردة: "نهضتْ فدوى دون أن تنبس بكلمة، وقد فهمتْ أن الدكتورة أنهت المقابلة التي لا شك أنها طالتْ أكثر من اللازم على حساب وقت المرضى المزدحمين في قاعة الانتظار" (ص31- 32).

إنها مكان في عيادة غاصٌّ مخصص للمرضى المنتظِرين دورَهم في زيارة الطبيب. هكذا يحضر هذا المكانُ في أوائل الرواية، وهكذا يحضر في آخر ظهور له عند قول الساردة: "نظرت [فدوى] حواليها. وجدتْ قاعة الانتظار غاصة بالمنتظرين. هالها منظرُها فقد أُزيلت الأرائك واستُبدلت بكراسي ضيقة رُصَّتْ في صفوفٍ طويلة. أحستْ وكأنها أمام إحدى القاعات بمؤسستها التعليمية" (ص524).

غير أن هذا الظهور الأخير للقاعة في الرواية يُسجّل بعض التحولات الطارئة على المكان، وأهمُّها حلولُ الكراسي الضيقة محلَّ الأرائك، إشارةً إلى اكتظاظٍ ناتجٍ عن تزايد عدد رواده من المرضى وذويهم.

في ضوء هذه المعطيات فإن عنوان الرواية يدل على مكان في مصحة مخصص للانتظار. لكن تجاوز هذه المعطياتِ والاقترابَ من أحاسيس المنتظِرين داخل القاعة والإنصاتَ إلى أحاديثهم يَقودُنا إلى مَنْح هذا المكان معنى آخر، وذلك بضَرْبٍ من ضروب التأويل المستند إلى معطيات نصية روائية.

ففي الفصل السادسَ عشرَ من الرواية (ص172- 193) نقف على حوار داخل قاعة الانتظار بين فدوى وميرة بن المدني المصابة بالسرطان، وهو حوارٌ يتجاوز موضوع المرض إلى قضايا تشغل الوطن كلَّه، ومن اللحظات الحوارية بينهما قول ميرة "لماذا تُصرف ملايين الدراهم في الغناء والرقص والمشاريع التافهة، ولا يُصرف شيء على هذه المنطقة [الريف] التي لم تحل بها لعنةُ السرطان وحسْب، وإنما لعنة الغضب أيضا؟" (ص179).

وفي الفصل السادس والعشرين (ص253- 260) نجد حوارا بين فدوى وبعض النساء موضوعُه الجنس وخيانةُ الرجل للمرأة إذا مرضتْ.

- وفي الفصل الثلاثين (ص288- 297) نقرأ حواراً بين فدوى وحمادة موضوعُه سرقة المال العام وعدمُ محاكمة السارقين.

- وفي الفصل الثامن والثلاثين (ص371- 386) نتابع فدوى ونزهة تناقشان السرقة والسيبة في الدار البيضاء.

إن مثل هذه الحوارات المليئة بالحزن والأسى تؤكد أن قاعة الانتظار ليست مجرد مكان ينتظر فيه المريض وذووه دورَه لزيارة الطبيب والاستفادة من حصة علاج، ولكنها مكان لمناقشة الشأن العام وإبداء الامتعاض من السياسات الجائرة. إن "قاعة الانتظار" من هذه الناحية معادلٌ لأمكنة كثيرة تَشهد نقاشات كالنقاشات المذكورة (المقهى/ ساحة الكلية/ قاعة الندوات/ المنزل/ مقر الحزب/ مقر النقابة....).

ليس المراد إذن بـ"الانتظار" في عنوان الرواية انتظارَ علاج من المرض فحسب، ولكنه انتظارُ علاج الوطن كله من أمراض تنهكه كالجهل، والفقر، والسرقة، والتبذير، وتمجيد التفاهة..وهي أمراض ناقشتها فدوى، وميرة، ونزهة، حمادة وغيرُهم من شخوص الرواية.

واستنادا إلى ذلك يغدو المراد بقاعة الانتظار المغربَ بأغلب أمكنته وفضاءاته، وتصير "قاعة الانتظار" داخل المصحة صورة مصغَّرة تعكس ما ينتظره جلُّ المغاربة من تغيير في مختلف المجالات، وهذا ما تؤكده مقاطع نصية كثيرة، في الرواية من أكثرها دلالة قول: "الأوساخ تتزايد..التلوث يتزايد..الغش يتزايد..النهب يتزايد..عدد الأثرياء يتزايد..عدد الفقراء يتزايد..عدد الأمراض يتزايد..إلهي من يوقف هذا الطوفان الأسود؟ إلهي، أين المفر" (ص438). إنه انتظار الخلاص، خلاص المجتمع من أدوائه الكثيرة، وليس خلاص فرد واحد أو مجموعة أفراد من السرطان فحسب.

2- قسوة الطبيب في علاج الحبيب

"قاعة الانتظار" هي قصة امرأة [فدوى] أصيب زوجها بالسرطان، وأخبرها الطبيب أن زوجها سيموت بعد ثلاثة أشهر، لكنها لم تستسلم، وتشبثت بالأمل، وناضلتْ عنايةً واهتماما بصحة زوجها من جوانبَ متعددة أبرزها الاهتمام بتغذيته تغذية طبيعية صحية.

لم يمت زوجها يوسف بعد ثلاثة أشهر، بل عاش عاميْن بعد علمه بمرضه، ثم مات مخلّفا زوجته فدوى وولديْه عاطف ودنيا، ومخلفا وصية غريبة لحمادة (والد طفل مات بالسرطان) كي يتزوج فدوى ويرعى ولديْه بعد مماته.

وبين بداية الرواية ونهايتها تتناسل أحداث وحكايات وحوارات عديدة تجعل من هذا العمل الروائي عملا غنيا ومفتوحا على قراءات متعددة؛ وذلك لأنه يناقش قضايا متعددة منها على سبيل المثال: أدوار المرأة المغربية في المقاومة (مقاومة الاستعمار والفساد)، وسياسة الدولة تجاه أبناء الريف، ومعاناة مرضى السرطان وذويهم جسديا ونفسيا بسبب سوء أحوال القطاع الصحي.

ولقد اخترتُ أن أتحدث عن جانب واحد من جوانب هذا الموضوع الأخير، مركزا على العنصر البشري لكونه أهم عنصر يسهم في العبور بالمرضى إلى بَرّ الأمان أو يغرقهم في مزيد من المعاناة والعذاب. وبعبارة أخرى: اخترتُ أن أبرز صورة الطبيب كما تُجلّيها رواية "قاعة الانتظار"، ساعيا للكشف عن بعض الآليات والتقنيات التي اعتمدها هذا العمل الروائي لإبراز قسوة الطبيب في علاج الحبيب (حبيب فدوى). وسأتحدث، في هذه الورقة، بإيجاز وتركيز عن ثلاث آليات تبيّن تلك القسوة، وهي: التشبيه، والمقارنة، والتسمية.

أ- التشبيه

تعتمد الرواية التشبيه آلية من آليات بيان قسوة الطبيب وعدم رفقه بالمرضى. وأقترح لبيان هذه الآلية أن أقرأ بعض التشبيهات المتصلة بيوسف وزوجته فدوى وأوازنها بتشبيهات أخرى تتصل بالبروفيسور حجاج.

يجد القارئ للرواية في الصفحة الستين مقطعاً يكشف نظرة فدوى لزوجها يوسف وقد أخبرتْه الدكتورة منال بإصابته بالسرطان، بَدا لها "كأنه تائه في صحراء قاحلة، يكاد يموت عطشا، ولا واحة في الأفق. كأنه طائر جريح يحلق بعيدا ودماؤه تنزف من الداخل" (ص60).

التائه في الصحراء عطشان يحتاج إلى مَن يمده بالماء، والطائر الجريح محتاج إلى من يضمد جُرحه. والفعلان معا (تقديم الماء وتضميد الجرح) لا يَصدران إلا عن قلب رحيم تَجاوز الإحساسَ بآلامه إلى استشعار آلام الآخرين.

إن مشاعر الرحمة هذه هي ما يستدعيه في نفس المتلقي قراءتُه لمقطع من الفصل الرابع يُبين كيف بدتْ فدوى لخادمتها بعدما علمتْ بإصابة زوجها بالسرطان "انتابها [الخادمة] فرحٌ طفولي وهي تساعدها [فدوى] على غسل شعرها، وتمرر كيس الصابون على جسدها. لكن فرحها سرعان ما تلاشى وهي ترى حالة الوهن التي بدت عليها. فهذا الجسد الذي لم تره قط إلا منتصبا ومشدوداً إلى الأعلى بدا لها اليوم وكأنه شجرة منخورة إن لم تسنده هَوى إلى الأرض" (ص57).

هكذا تظهر فدوى وزوجها في أوائل الرواية: هي مثل شجرة منخورة، وهو مثل تائه في صحراء ومثل طائر جريح، إنهما معاً في حاجة إلى رعاية وعناية وهما مقبلان على ارتياد المصحات بحثا عن علاج ليوسف من السرطان. فهل لقيا ما كانا يبحثان عنه؟

تصف الساردة البروفيسور حجاج في أول لقاء بينه وبين فدوى وزوجها فتقول: "بَدا لها البروفيسور كعملاق جبار بقامته الفارعة وجسده الممتلئ. أثارت انتباهها ذراعُه المفتولة وهو يمد يده إليهما مودّعا. لم تدر لماذا تذكرت في تلك اللحظة  جزار الحي الذي كان يقوم وحده بذبح كل أكباش سكان العمارة في عيد الأضحى" (ص79).

يُشبّه البروفيسور، في هذا المقطع، بعملاق وبجزار الحي الذي يُفترض فيه ألا يكون قلبُه فيض رحمة تُجاه الأكباش حتى يستطيع وضع نهاية لحياتها، فهذا التشبيه يبين أن فدوى/ الشجرة المنخورة ويوسف/ التائه في الصحراء والطائر الجريح وجدا نفسيْهما داخل المصحة أمام جزار مستعد للذبح.

على أن من اللافت للانتباه أن تشبيه البروفيسور بالجزار يتكرر في أواخر الرواية: "في قاعة الانتظار راحتْ فدوى تتخيل البروفيسور وهو يفرغ الماء من رئة يوسف، ويُلصقها بأضلعه، فيقشعر بدنُها. عادت إليها صورة جزار الحي المفتول الذراعيْن وهو ينحر أضاحي العيد ويداه ملطختان بالدم..تخيلت يوسف مثل كبش الفداء، مستسلما رغم أنفه لعدوه" (ص401).

إن تكرار هذا التشبيه رغم التراخي الزمني  (ص79/ ص401) ورغم تنامي أحداث الرواية يبتغي تثبيت صورة الطبيب القاسي في ذهن المتلقي، فقسوة الطبيب هي هي لم تتغير ولا تتغير وهو يجرّب أنواع الدواء في جسد المريض الذي لا يستطيع أن يدفع عن نفسه هذه القسوة. لذلك ظهر يوسف في التشبيه الأخير "مثل كبش الفداء مستسلما لعدوه".

ولتأكيد هذا المعنى فإن الرواية تقدم مقاطع أخرى يبدو فيها الطبيب عديمَ الإحساس بمآسي الناس وأحزانهم. ومن أبرز هذه المقاطع تشبيه البروفيسور حجاج بالصخر وهو يخبر فدوى وزوجَها بانتقال السرطان إلى رئته: "لم تظهر عليه أي ذرة تعاطف مع يوسف. بدا لها كجلمود صخر لا أثر لحرارة الإنسانية فيه" (ص432). ومن المقاطع الدالة أيضا في هذا الجانب تشبيه كلام البروفيسور بالقذائف: "كان كلامُه كقذائفَ نارية" (ص321)، وتشبيه كلامه بالحشرة العطشى التي تُدخل خرطومها الطويل في وجه يوسف وتمتص كامل دمه (ص321).

إن هذه التشبيهات تؤكد كلها معنى واحدا هو قسوة البروفيسور حجاج في مراحل علاجه ليوسف حبيب فدوى الذي أرادتْ له أن يُعالج برحمة وإنسانية وفق ما يقتضيه قسَم أبقراط.

ب- المقارنة

من آليات الكشف عن قسوة الأطباء في هذا العمل الروائي المقارنةُ بين البروفيسور حجاج صاحب مصحة السعادة وبين أطباء آخرين من خارج المغرب ومن داخله.

مثال ذلك الحسرة التي طبعت حديث فدوى عن البروفيسور برنار ديسكوت الذي قرأتْ مقالا عنه في مجلة "الصحة للجميع". تقول فدوى بعدما قرأت عن تجاربه في العلاج بمنتوجات النحل: "آه يا بروفيسور ديسكوت، لَوْ حَظينا في المغرب بأطباء حقيقيين. أطباء باحثين وإنسانيين مثلك يضعون علمهم وخبرتهم لصالح الناس، لا للمتاجرة بها وخدمة  مصالحهم الخاصة. أطباء متواضعين لا يعتبرون أنفسهم مالكين للحقيقة المطلقة، لا يؤمنون بالطب الحديث والأدوية الكيميائية فحسب، وإنما ينصتون إلى تجارب الناس، ويستفيدون منها" (ص170).

فهذا المقطع ينطوي على مقارنة بين البروفيسور ديسكوت وبين البروفيسور حجاج الذي كان سَخِرَ من كلام فدوى عن أهمية الغذاء الطبيعي ودوره في علاج السرطان، ودعاها إلى ألا تمنع زوجَها من أكل ما تشتهيه نفسُه، لأنه سيموت – بزَعْمه الواهم – بعد ثلاثة أشهر.

ومن المقارنات الدالة في هذا الجانب حديث فدوى عن الدكتورة كوسمين صاحبة التجارب في علاج المصابين بالسرطان بواسطة النظام الغذائي الطبيعي (ص284- 287).

إن حديث فدوى عن هذه الطبيبة وإنْ خلا من أي إشارة إلى البروفيسور حجاج، إلا أنه لا يُفهم حق الفهم إلا باستحضار السياق الذي دعا فدوى إليه وهو اتباعُها نظاما غذائيا طبيعيا لعلاج زوجها، خلافا لرأي الدكتور حجاج في هذه المسألة.

ومما يدخل في هذا الباب أيضا تلك المقارنات المتكررة في صفحات من الرواية بين البروفيسور حجاج الشبيه بالجزار وبين الدكتور رحيمي المشْبَع إنسانية ورحمة، وذلك كقول فدوى في مقطع من الرواية وقد أُعجبتْ كثيرا بطريقة إخبار الدكتور رحيمي لزوجها بإصابة كبده بالسرطان: "الدكتور رحيمي يمتلك قلوبَ كل المرضى نساءً ورجالا بتفهّمه وإنسانيته. لو كان البروفيسور حجاج مكانه، هل كان تعامُله بمثل سَعة صدره ورقته؟ حمدتُ الله لكون الدكتور رحيمي مَنْ يُشرف على علاجه الكيماوي" (ص236).

إن هذه المقارناتِ كلَّها تبتغي مزيد بيان لقسوة البروفيسور حجاج صاحب المصحة ولغلظته وافتقاده للرحمة والإنسانية اللازمتيْن في مجال الطب.

ج- التسمية

ذلك، ومما يسهم في خدمة المعنى المتحدث عنه في هذه الورقة (قسوة الطبيب) طبيعةُ الأسماء التي تطلقها الروائية على الأشخاص والأمكنة. وأمثل بإيجاز لكل منهما فيما يلي:

أما الأشخاص فحسبي أن أشير إلى اسم البروفيسور "حجاج" الذي أذاق فدوى ألوانا من العذاب النفسي على امتداد فصول الرواية. إن هذا الاسم (حجاج) يدعو المتلقي لاستحضار اسم آخر في تاريخ العرب والمسلمين هو الحجاج بن يوسف الثقفي المشهور بقسوته وغلظته ودمويته.

لقد اختارت الروائية للبروفيسور اسماً مشحونا بحمولة سلبية تجعل المتلقي ينفر منه لأنه يتوقع منه القسوة والشدة في موضع يتطلب الرأفة والرحمة وهو موضع التداوي وطلب العلاج.

وأما الأمكنة فأشير إلى تسمة المصحة "مصحة السعادة" التي تنطوي على مفارقة ساخرة تُجاه أناس مرضى لا تحتمل نفوسُهم الهشّة السخرية. ومن المقاطع المعبّرة عن هذا قولُ يوسف لزوجته فدوى عند وصولهما أول مرة إلى هذه المصحة: "السعادة ! قال متهكما. كيف يلتقي النقيضان؟ السعادة والسرطان" (ص72).

وجدير بالذكر أن تسمية الأشخاص والأمكنة في الرواية لا ينفك عن الآليتيْن السابقتين (التشبيه والمقارنة)، فتسمية البروفيسور حجاجا – مثلا – لا تنفك عن تشبيهه داخل الرواية بالجزار الذي يذبح الأضحيات دونما رحمة بها، تماما كما كان الحجاج بن يوسف الثقفي يفعل بخصومه.

ولما كان الحجاج بن يوسف يقدّم نفسه، هو الدمويُّ القاسي، مدافعاً عن الإسلام منفذا لتعاليمه الرحيمة بالناس فإن البروفيسور حجاج يقدّمُ نفسَه سبيلا لإسعاد الناس؛ لذلك سمّى مصحته "مصحة السعادة"؛ فكان بذلك كالحجاج بن يوسف يُناقض قولُه فعلَه، خلافا – مثلا – للدكتور رحيمي الذي كان في سلوكه رحيما بالمرضى مسهما في الرأفة بهم.

تلكم بعض الآليات التي اعتمدها هذا العمل الروائي للكشف عن واقع المصحات الخاصة ببلادنا، وإبرازِ قسوة الأطباء في علاج المرضى. والحقُّ أن الروائية وُفقتْ كثيرا –بتلك الآليات وغيرها - في الكشف عن هذا الواقع المرير الذي باستمراره وبقائه نبقى في قاعة انتظار كبرى، انتظارِ تحسُّن الأحوال ببلادنا في مختلِف المجالات، في الصحة، والتعليم، والعدل وغيرها.

 

أبو الخير الناصري

......................

(*) الورقة التي شاركت بها في حفل توقيع الرواية في المركز الثقافي بالقصر الكبير يوم الخميس 28 من مارس2019م.

 

 

عدنان حسين احمدعُرضت على خشبة مسرح باترسي للفنون في لندن مسرحية "إكس عدرا" للمُخرج السوري رمزي شُقير المقيم في مدينة مارسيليا حاليًا، ونالت استحسان المُشاهدين البريطانيين الذين ينتمون إلى جنسيات مختلفة. لا تنتمي الشخصيات الست الرئيسة للعمل المسرحي إلى عالم التمثيل لكنها تمكنت من تأدية أدوارها بمهارة معقولة لا يتوفّر عليها الناس العاديون. فهنّ لسنَ فنانات مُحترفات، ويمكن اعتبارهنَّ هاويات تمامًا لكنهنَ مُصرّات على تقديم هذا العمل الفني الذي يروينَ بواسطته حكاياتهنَّ المريرة ليكشفنَ عن بشاعة النظام السوري في عهد حافظ الأسد، والابن بشّار الذي سارَ على خطوات أبيه وأوغل في القتل والتخريب والتشريد، وأمعنَ في مصادرة الحريات الشخصية والعامة فأدخل البلاد في نفق مظلم يصعب الخروج منه إلاّ بخسائر جمّة، ومَنْ ينجو بجلده من سجون النظام ومعتقلاته، سيئة الصيت والسمعة، فإنه يحمل معه سجنه الانفرادي أو زنزانته الجماعية التي تحمل في العادة أسماء الأحزاب السياسية المناهضة للنظام مثل "زنزانة الإخوان المسلمين" أو "زنزانة الشيوعين" وهكذا دواليك، فحزب النظام هو الصفوة والأنموذج، بالنسبة لرؤيتهم المِعوجّة، والآخرون جميعهم يقفون على الضفة المناوئة لهم، ولا يجدون حرجًا في تسميتهم بالخندق المعادي للشعب مع أنهم يشكلّون الغالبية العظمى فيه حيث تُنتهك حقوقهم وإنسانيتهم في كل لحظة أمام أنظار العالم من دون أن يُحرّك ساكنًا ليُوقف هذا الدمار الكبير الذي يلحق بأشقائنا السوريين القابعين تحت قصف الطائرات، ودويّ البراميل المتفجرة أو المحشورين في سجونه ومعتقلاته المبثوثة في طول البلاد وعرضها.

تتمحور فكرة المسرحية على سجن الناشطات السياسيات السوريات من مختلف المشارب والأعمار، وهنّ بكلمات أخر، النخبة الفكرية للمجتمع، وصفوته الثقافية التي تزاول حراكها السياسي بإصرار عجيب على الرغم من قساوة النظام ووحشيته التي يندر أن تجد لها مثيلاً في مجمل دول المعمورة. أما الزمان في المسرحية فيمتد منذ ثمانينات القرن الماضي حتى انطلاق الثورة السورية المجيدة عام 2011 بتداعياتها المعروفة للجميع الأمر الذي يتيح للمخرج وكاتب النص أن يسلّط الضوء على حقبة الطاغية حافظ الأسد ونجله في الوحشية والدمار الذي لم "يبشِّر" شعبه إلاّ بالقتل والتجويع والتشريد والاعتقال. تنفرد الشخصيات الست للعمل المسرحي بخصوصيات ذاتية دقيقة لكنها تشترك جميعها بمحنة السجن والاعتقال بغض النظر عن المُدد الزمنية على الرغم من أهميتها وتأثيرها على شخصية السجينة، وقدرتها على تحمّل الظروف الشاقّة التي لم تعهدها من قبل. يتكئ العمل المسرحي على ست شخصيات وهي على التوالي: هند القهوجي، وعلي حامدي (عُلا سابقًا) ومريم حايد، ورويدة كنعان، وهند مُجالي، وكندا زاعور، إضافة إلى المغنية هلا عمران، الآصرة التي توحّد شخصيات العمل المسرحي وتشدّ بعضها بعضًا.

تستهل المطربة هلا عمران المسرحية بأغنية معبّرة جدًا تلامس شغاف القلوب مفادها:" يا نجمة الصبح فوق الشام علّيتي/ الجْواد أخذتي، والنِذال خلّيتي/ نذراً عليّ إن عادوا حبابي ع بيتي/لأضوّي المشاعل وحنّي العتاب". ثم تتوالى الشهادات، ويتعمّق البوح، فالسجينة "إكس" لا تعرف مكان سجنها وكأنهم زجّوها في تجربة اللامكان الذي سوف يفضي بالضرورة إلى اللازمان أيضًا، وربما تنتهي إلى المنطقة العائمة التي تتوارى فيها الأبعاد الأربعة، وهذا الضياع ناجم عن فظاظة الجلادين الذين يُنزلون بضحاياهم أقسى العقوبات، ولم يبقَ أمامها سوى خيارين لا ثالث لهما فإمّا الموت بشرف أو نيل الحرية بكرامة، وينبغي على هذه السيدة أن تغادر هذا المكان اللعين.

ليس بالضرورة أن نتوقف عند السجينات الست إذا ما استثنينا المطربة هلا عمران، فهند القهوجي، وهي أكبرهن سنًا تعود بذاكرتنا إلى بداية الثمانينات حيث سُجنت مرتين بسبب انتمائها لحزب العمل الشيوعي السوري، ففي عام 1982 زُجت في السجن لمدة سنة واحدة  تحمّلتها على مضض، لكن هذه المدة ستطول عام 1984، وسوف تقبع في السجن لمدة سبع سنوات وسبعة أخرى أشهر تقضي بعضها في زنزانة انفرادية ثم تُنهي بقية محكوميتها في سجن "قَطَنة" المخصص للنساء، ولعلها المرة الأولى التي ينقلوا فيها معتقلة سياسية إلى سجن مدني. وعلى الرغم من معاناتها الشديدة خلال هذه السنوات الطوال إلاّ أن وجود الطفلة "سُميّة" سوف يخفّف عنها وطأة الألم، والتوحّد، والشعور بالغربة وهي في دمشق، قلب بلدها النابض.

إذا كانت قصة هند القهوجي تذكّرنا بمحنة الأطفال الذين يولدون ويترعرعون بين جدران السجون المُوحشة فإن حكاية الإعلامية رويدة كنعان تُحيلنا إلى الغياب القسري لصديقها خالد الذي سُجن بسببها ولم تعرف مصيره حتى هذه اللحظة مع أنها كانت تحبه بصمت لكنها قطعت على نفسها عهدًا بعد غيابه بأنها سوف تظل تحبه وتنتظره إلى الأبد.

تأخذنا الشابة التي أُعتقلت في سن الثامنة عشرة في عام 2009 إلى تُهم غرائبية من قبيل "إضعاف الشعور القومي" أو "المساس بهيبة الدولة" وقد تعرّضت هذه الضحية لشتّى أنواع التعذيب. وحينما أُفرج عنها أجبرها والدها على الزواج من ابن خالها رغمًا عنها. أما القصة الموازية لها فهي قصة صديقتها "منال" التي تعرضت للاغتصاب على يد السجّان باسل بطريقة بشعة بعد أن ثبّتها في دولاب سيارة، وقيّد معصميها بجامعة يدوية، ثم نال وطرهُ منها بخسة ودناءة، تاركًا إياها تتخبّط في يأسها وانكسارها وكرامتها المجروحة.

لا تخلو قصة عُلا التي تحولت جنسيًا إلى علي وبعث في خاتمة المطاف رسالة إلى أمه المتوفاة يخبرها بأنه لم يكن بنتًا ذات يوم ولن يكون في المستقبل، وقد علّمه السجن بأن يكون رجلاً، أما عُلا السابقة فقد ماتت ولن تشرئب برأسها ذات يوم.

أفادَ المخرج المبدع رمزي شُقير من تقنيات الفوتوغراف، والكتابة، والشاشة البيضاء في عرضِه المسرحي الذي عزّزه الدراماتورغ وائل قدّور، كما لعبت الإضاءة المتقنة لفرانك بيسون دورًا مهمًا في التناغم مع المناخ السردي المؤلم. ويبدو أن المخرج قد أخذ بعين الاعتبار الجمهور الإنجليزي فلاغرابة أن يسند عملية الترجمة الدقيقة إلى أربعة مختصين وهم فرح عليمي، وعمّار حاج أحمد، وأميلي سكاريت ونادين لطيف الذين لم يَفُتْهُم شيئًا من المعاني الحقيقية والمجازية، ولهذا تفاعل الجمهور مع العرض المسرحي، وظل يصفق لدقائق طويلة مُعربًا عن إعجابه بقدرات الممثلين الأدائية، والتقنيات الصوتية والبصرية التي تألق فيها الفنيون، هذا إضافة إلى الرؤية الإبداعية المُرهفة لمخرج النص وكاتبه الذي استطاع أن يطوّع مادته السردية إلى هذه الدرجة الاحترافية بحيث لم يشعر المتلقون بأي نوع من الملل، بل بالعكس كان الجميع متفاعلين مع قصص الضحايا، ومتعاطفين معهم إلى درجة أن البعض منهم كان ينشج في بعض المواقف المؤلمة سواء في التعذيب أو الاغتصاب، أو القتل الوحشي اللامبرر.

 

عدنان حسين أحمد

 

(بلا أذنين ولا شفتين أودعني الحق ظله، كانَ الثَّمنُ أبخس من رعشةِ ذبابة، هددني الغول بالمزيد إنْ لم تسند ظهره أصابعي المكسَّرة، مع أول رمشة بوح صفعتني مطرقة القاضي الذي أنكر معرفتي في حفلة التعذيب...)، صحيفة المثقف، ٣/٧/٢٠١٩

http://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/938081

المقدمة:

إن الحضارة الغربية رغم كلِّ ما أبدَعته من الإنجازات المادية والعلمية والتكنولوجيَّة، وما ترتَّب عليها من رفاهية مادية، كانت وما زالت في موقع الاقتدار المدني، فلا شكَّ أنها تَشهد الآن انحدارًا منحرفا وانْحِطَاطا متقهقراً في المعايير الأخلاقية والحضارية في مقابل مضاعفة الإنهماك الجامح في الإشباع الذاتي المادي الحِسي، للتعبير عن حقيقة حال المجتمع الغربي، الذي طغَت عليه قِيَمُ الاستهلاك، ونَزعة إشباع الغرائز بشكل مجنونٍ؛ حيث ينتشر الفساد

و تتفشى الإبَاحيَّة، ويعم الإِنْحِرَاف

والانحطاط الأخلاقي ويذاع التزييف الثقافي.

ولعل تلك التداعيات بتفاعُلها السلبي، مع التناقضات البنيوية الأخرى التي تُعاني منها الحضارة الغربية - ستكون من أهم عوامل انهيارها، رغم كل عناصر الاقتدار المادي التي تعمل على إطالة عُمرها إلى أقصى سقفٍ زمني مُمكن.

لا يُمكن أن تكون الحضارة الغربية

ﻣﻨﻬﺞ ﺣﻴﺎﺓ، ﻭﻣﺸﺮﻭﻉ ﺣﻀﺎﺭﺓ، ﻭﻣُﻨﻄﻠﻖ ﺩﻋﻮﺓ، ﻭﻭﺛﻴﻘﺔ ﺇﺻﻼﺡ، ﻭﺣﻞّ ﻟﻤﺸﻜﻼﺕ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ، ﻭﺷﻔﺎﺀ ﻷﺳﻘﺎﻡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ، ولا نمطا عالميا نبيلا، تَحظى بقَبول شعوب العالم الأخرى، وهي لَم تزَل تَغَصُّ بالعشرات من الجرائم الأخلاقية والسلوكيات المنحرفة؟! كالتغطرس والإحتلال والإنتهاك والإستعباد .

التحليل الأدبي والفني:

ديستوبيا..العنوان نكرة لقصة بيانها ناطق، ولفظها دافق، وأسلوبها سامق.

القاصة دعاء عادل سلطت الأضواء على أبعاد عظيمة المرغب وجليلة المقصد ..

قلّت ودلت، مكثفة الإيحاء مشبعة الاثارة والمفارقة والقفلة الصادمة المدهشة.. أفعال حركة ماضية، مجاز وكناية، لوحة اخبارية تقريرية وسرد أدبي بليغ البيان، غاية في الوصف، آسرة في الحبك ساحرة في السبك. من خلال توظيف أسماء ذات معانى عميقة، واسهاب وافر لتبحر بنا الى عالم الإستبداد بكل أشكاله وتجنح بنا الى الفتنة الغاشمة والتوتر الهدام وتدنو بنا

الى التسلط الطاغي والحكم الظالم والإحساس الهمجي، للتاريخ، القيم والمبادئ وبالخصوص ضرب الانسان في كرامته وفطرته، وتاريخه.

(ديستوبيا): ﺑﺪﺍﻳﺔً ﻣﻊ عنوان.. كاشف ﻟﺪﺧﻮﻝ ﺍﻟﻤﺘﻦ .. ﻣﻔﺮﺩﺓ ﻭﺍﺿﺤﺔ المعلم، ظاهرة المقصد واضحة المرغب هادفة المغزى .

العنوان يعد بيت القصيد ..لقصة ققج بليغة السبك، فصيحة الحبك، صقلتها الكناية المجازية وحوتها الإستعارة والبيان، أبعادها أنثروبولوجية، أكاديمية، علمية، دينية، سياسية وفلسفية .

ديستوبيا كلمة يونانية..قلت ودلت احتوت البنية السردية، لمفهوم إصطلاحي معناه المكان الخبيث ..لفظ يرمز بها أدب المدينة الفاسدة او عالم الواقع المرير: (بالانجليزية: Dystopia) هو ذلك المجتمع الخيالي، المنحرف والفاسق، مذموم ومنبوذ غير مرغوب فيه . وقد تعني الديستوبيا مجتمع متوحش غير فاضل، تسوده الفوضىٰ، لعالم وهمي ليس للخير فيه مكان، تحكمه قوى الشر المطلق، وتسيره أيادي آثمة فاجرة ومن أبرز ملامحه الخراب والقتل والدمار والقمع والفقر والمرض، بإختصار هو عالم يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته، فتغيب البصيرة والبصر ويتحوّل فيه المجتمع إلىٰ مجموعة من المسوخ تناحر بعضها بعضاً.

"بلا أذنين ولا شفتين أودعني الحق ظله"...الفقرة مشبعة بالدلالة السيميولوجية، نستنبط لمسات بيانية تلميح وتصريح لإقصاء لغة الحوار وإلجام العقل وصفد الافواه وتكبيل حرية المحبة وإبعاد أواصر التلاحم والاخوة وفرض ثقافة القساوة وفنون الصلابة .

"كانَ الثَّمنُ أبخس من رعشةِ ذبابة "...الفقرة ترمز للظلم وضرب المثل بالذبابة مجاز للمبالغة حتى تصل فكرة الإحتقار والإستصغار والمذلة وهوان الروح البشرية.

"هددني الغول بالمزيد إنْ لم تسند ظهره أصابعي المكسَّرة".. الفقرة اشارة لتشبيه الحاكم بالغول والمثل يضرب في الشيء الوهمي الذي لا وجود له، يرمز للتَحْذِير، والتَنْبِيه، واطلاق آلة التَرْهِيب، التَفْزِيع والتَهْدِيد .

"مع أول رمشة بوح صفعتني مطرقة القاضي الذي أنكر معرفتي في حفلة التعذيب".. تلكم المفارقة الصادمة والقفلة المدهشة ..المقام رهيب، انقلاب سلم القيم وتحول القيم البشرية إلى أشياء هامشية، ومن ثم سطوة الأحزاب السلطوية والشمولية على الناس والشعوب ليكونوا مجرد أرقام في الحياة بلا مشاعر ولا عواطف، وليس لديهم طموحات أو آمال، حيث يعملون كالآلات خوفًا من سياسة الحديد والنار. حب التسلط والهيمنة والمناصب نوع من العشق، فحب السلطة وجنون العظمة وهذيان الأنفة، يسكر الانسان ويعمي بصيرته، فيظلم ويستبد ويعمل المستحيل حتى يبقى في طغيانه وعدوانه، فيعادي ويسيئ اقاربه ويضر حتى أحبابه.

 

ابراهيم ميزي/ الجزائر

 

عدنان النجمكيف لي أن اخبر (حميد الحريزي) بان روايته التي اهداها لي بأجزائها الثلاثة قد ضاعت بين قبائل المستعيرين.. دون ان اقرأ منها حرفا واحدا ؟؟.. وبعد عناء وطول انتظار عاد اليّ (البياض الدامي).. ولكن كيف لي ان استطلع بياضا دون (عربانه) توصلني الى (كفاح).. ادركت الحرج الشديد.. حينما كان متلهفا وهو يريد ان يرى خلجات وحيه ماثلة على وجهي.. تذكرت يوما ان (أبا أمجد) اهداني رابطا الكترونيا لمحطاته عبر حوار بيني وبينه على (الماسنجر) لذلك عدت الى المحادثات القديمة.. فكم كانت فرحتي لا توصف وانا اظفر بالرواية باجزائها الثلاثة عبر هذ الرابط..

 لذلك كانت قرائتي لها مختلفة، تتمثل بشوق عارم يحدو بي للولوج في عوالم حميد الحريزي، فضلا عن الرغبة الجامحة لإيفاء حالة الانتظار للرواية.. كما أن قرائتي لهذه الرواية انتهت بأبعاد مختلفة، لانها تمحورت في اربعة اتجاهات، الاتجاه الاول: هو قراءة ترتكز على ايجاد الابعاد الفنية في الرواية فيما يتعلق بقواعد السرد الروائي كالراوي والزمان والمكان والعقدة والشخصيات والحوار والحبكة والخيال والاساليب واللغة وغيرها..

فيما كان اتجاه القراءة الثاني وهو ما يتعلق بصفتي قارئا باحثا عن المتعة والتشويق والاثارة التي غالبا ما كنت ابحث عنها في سرديات حميد الحريزي سواء كانت في مجال القصة القصيرة او القصيرة جدا او القصة الطويلة او الرواية القصيرة وغيرها من فنون السرد .

أما الاتجاه الثالث وهو الغوص التاريخي باطار روائي محترف ضمن فن الرواية التاريخية الذي يعد مشوقا ومثيرا وخصوصا ما امتازت به (المحطات) من سلوك ممر التاريخ الوطني الشامل .

اما الاتجاه الرابع: فهو أجمل ما اكتشفته في الرواية من خلال ما تضمنته من ابعاد اجتماعية ومحاولة أرشفة الواقع الاجتماعي العراقي بعاداته وتقاليده ومقدرة الكاتب العجيبة على تدوين الاستعمالات اللفظية للادوات والاصطلاحات التي يعجز حتى ابن الواقع نفسه من استذكارها نظرا لضخامة الكمية ودقة النوع..

 ولكي اكون منصفا في هذه القراءة كان يجب أن تأتي وفق هذه الاتجاهات الاربعة.. لكني ساكتفي ببحثين ربما هما سيكونان كافيين لابراز معالم هذا الانجاز الجبار.. ضمن حلقتين هما:

الحلقة الاولى (من عربانة حميد الحريزي الى بياضه الدامي.. البنية السردية وعوامل الابداع الفني في رواية محطات)

الحلقة الثانية (المصطلح التراثي في رواية محطات للروائي حميد الحريزي)

 

 

 

 

 

الحلقة الاولى (من عربانة حميد الحريزي الى بياضه الدامي.. البنية السردية وعوامل الابداع الفني في رواية محطات)

1- محاور الرواية (عناصر السرد)

 تبنى الرواية عادة على ثلاثة محاور يسميها بعضهم عناصر السرد (الراوي – المروي – المروي له) وهو ما يراه عمر عيلان في كتابه (مناهج تحليل الخطاب السردي).. وعند تقصي العناصر الثلاثة في محطات حميد الحريزي نكتشف ما يلي:

 أولا: الراوي:

هو ذلك الشخص الذي يروي الحكاية او يخبرعنها.. بمعنى ان لا وجود للراوي بدون (مروي) ولا وجود لمروي بدون (مروي له).. رغم ان هناك من يرى بأن الراوي ليس هو (الكاتب) نفسه، حيث ان الكاتب هو من يخلق العناصر الثلاثة.. بما فيها تقنية الراوي التي قد تكون بضمير (الأنا).. حيث سيكون فيها بطلا مفترضا داخل الراوية، أو ظلا من شخصية سردية لا يجب ان تظهر في الاحداث والوقائع وازمنة الرواية . وقد عرفه حميد الحميداني في كتابه (بنية النص السردي) على انه: (الاداة أو تقنية القاص في تقديم العالم المصور، فيصبح هذا العالم تجربة انسانية مرسومة على صفحة عقل او ذاكرة او وعيا انسانيا مدركا) .

 وهكذا فإن الراوي الذي صنعه حميد الحريزي في محطاته متغيرا بحسب فصول السرد فكان في جزئها الاول ضميرا منفصلا يشاهد ما يرى.. وخبيرا عارفا مهيمنا على جيلين من الزمن.. ومُشاهدا حيا لعوالم الفت الموت.. فكان الراوي غير متقيد بزمن معين ولا بشخصية ثابتة ضمن شخوص الرواية وان كان (كفاح) بطلا افتراضيا يبدو في مطلع الاحداث (شخصا مجنونا) يحاول الراوي اظهار هويته رويدا رويدا..ثم تتوالى الاحداث التي يسوقها ضمن مشاهد متعددة يبدو فيها (كفاح) وحبيبته (احلام) وهما يتبادلان الغزل المشروط بسرد الاحداث وهكذا يتحول الراوي من شخصية وهمية الى واقعية تمكن (الكاتب) من خلقها لتكون هي الرواي في معترك الانهمار السردي الى اخر الرواية .

 وغالبا ما يعهد المؤلف او الكاتب الى الراوي مهمة سرد الحكاية..لكي يكتسب وجود احد عناصر نجاح روايته.. وتمكن حميد الحريزي من ايجاد راو ٍ مميز عاش زمن الرواية بكل تفاصيله، حتى انه لا يمكن تحديد هويته الاجتماعية او السياسية حيث منحه صلاحية ابن القرية وابن الهور وابن المدينة على حد سواء، كما البسه ثوب السياسي الحاذق والمفكر الملهم وهو يكشف حيثيات الاحداث وظروفها، ولم يكتفي بذلك بل قلده مهمة المكافح والمناضل .

 أراد حميد الحريزي من خلال (الراوي) اقحام ذاته بما تحمله من ايديولوجيا، فتارة يصبح الراوي مفسرا للاحداث، كاشفا للافكار، مبررا للمسارات التي تتجه اليها الرواية، وتارة اخرى يجعل (الكاتب) من الراوي اداة مهمة لتوجيه رسائله الاجتماعية والسياسية، فكان الرواي عنصرا مهما وجادا في صناعة احد اركان الراوية باجزائها الثلاثة .

ثانيا: المروي (الرواية):

يعرفه محمد ابراهيم في مجموعة السرد العربي على انه: (كل ما يصدر عن الراوي وينتظم ليشكل مجموعة من الاحداث مقترنة باشخاص ومؤطرة بفضاء الزمان والمكان، وتعد الحكاية جوهر المروي والمركز الذي تتفاعل كل العناصر حوله)

 وكان حجم المروي الذي هيأه المؤلف في رواية محطات كفيلا بأن يضع مهمة معقدة للراوي حيث تراكم الاحداث وازدحام الامكنة وتعدد الشخوص، الامر الذي اجبره على الخوض في ازمنة متعددة فضلا عن الامكنة التي تنوعت بحسب سير الاحداث، هذا الكم الهائل من (المروي) يحتاج بالتأكيد الى (حبكة سردية متقنة) وهذا ما امتازت به المحطات وهي تكشف عن مادة روائية متراصة.. الامر الذي هيأ ليكون المتن الروائي عبارة عن مجموعة متون متحدة (مظلوم وقصته – كفاح واحلام وقصتهما – الاقطاع – الثورات – مراحل النظال – سعيدة – سرحان....الخ) كلها اجتمعت في متن واحد هو (مراحل التغيير السياسي في العراق لستين عاما مضت)، واتخذ الراوي اسلوب التدرج السردي من اجل الظفر بالعقدة الرئيسية للرواية ومنح هذه التدرجات السردية شكلا فنيا مميزا لتبدو مجموعة كبيرة من العقد الفرعية (فعقدة العربانه) و(وعقدة العلاقة بين مظلوم وغنودة) و(عقدة العلاقة بين مظلوم وغزالة) و(عقدة احلام وكفاح) و(عقدة سعيدة وسرحان) و(عقدة التكيف للعيش في المدينة) و(عقدة التكيف للعيش في العاصمة) فضلا عن العقدة الرئيسة التي جعلها الراوية تتماهى ضمن الاطار العام والتي قد تكون (الثورات الجماهيرية وانحرافاتها) او (قصة حياة مظلوم ورحلته الايديولوجية) أو (العراق في العهود الجمهورية حتى عام 2003) .

 وكان السرد والحكاية بصفتهما وجها المروي ماثلين بشكل واضح وجلي في كل صفحات الرواية، إذ تمكن المؤلف من رسم معالم السرد سواء كان باسلوبه او بلغته او بنقاط الحوار، وان كان بالاسلوب الكلاسيكي لكنه اخذ بعين الاعتبار (الحشو الحكائي) في كل مقطع او في كل جملة.. حتى في التسطير التاريخي (الذي سأتناوله في عنوان اخر) بدا السرد واضحا مبتعدا تماما عن تقليد التدوين الذي يعتمده المؤرخون .

 ان ميزة الانهمار الحكائي وكثافة السرد شكلت سمة خاصة انفرد بها حميد الحريزي في رواية محطات.. حيث مطاولته في نزف المزيد من الاجزاء وان وصلت ثلاثة، لكنه جعلها مفتوحة لتبتلع اجزاء اخرى تحمل المعالم والعوالم نفسها وتكشف بنية روائية جديدة تعكس صورة (مطلوم آخر) ضمن مرحلة ما بعد التغيير .

ثالثا: المروي له (القارئ)

 يقول صادق قسومه في كتابه (طرف تحليل القصة) (ان وجود راو يروي القصة (نظريا ومنطقيا) يقتضي وجود طرف ثاني يتلقى الرواية باعتبارها شكلا من اشكال التواصل القائم – وجوبا- على ثنائية المرسل والمتلقي)

 ولذلك فالمتلقي كشحصية الرواي في الرواية، يبنيها قبل الشروع في الحكي، وحميد الحريزي عندما شرع بكتابة روايته وحدد الراوي لم يحدد المروي له بل جعله مجهولا يبتكره الزمن، وربما كانت غايته ايصال (المروي) الى الانسان.. الانسان الذي قد يكون ممثلا بشعب، او عدة شعوب، او الانسان الذي قد يكون مناضلا او مكافحا، او الانسان الواعي والمفكر أو البسيط المتواضع، الانسان العاشق الرومنسي .

 ولكنه في مواضع مختلفة من روايته يبدو حميد الحريزي مخاطبا (الضمير).. الضمير الحي القادر على تمييز الجمال من القبح، او الضمير الحاكم بمطلق العدالة الانسانية، او الضمير المثالي الكامل.. حيث ان (الاعدامات الكيفية) أو (التعذيب في السجون) أو حتى (التقاليد العرفية المنحرفة) أو (الخدع الاجتماعية)...الخ، هي كانت رسائل واضحة للضمير الحي، فضلا عن كونها أرشفة تاريخية موجهة للاجيال القادمة تكشف غياب هذا الضمير او انتحاره في زمن ما من ازمنة (العراق) .

2- البنية السردية

ليس السرد هو الحكي أو القصّ.. وانما هو تحليل مكونات الحكي وآلياته، كما يراه عبد الله ابراهيم، وان البنية السردية هي عملية (الحبكة) التي تنتج سيلا من الاحداث مستغرقة زمنا معينا.. ويذهب البعض الى ان القص مبنيّ على الجملة الفعلية عادة (أكل – شرب – ذهب....الخ) بينما تأتي الرواية لربط هذه الافعال بآليات محكمة وفق اسلوب فني عالي التقنية، فضلا عن تبيرير الفعل (لماذا أكل – لماذا شرب – لماذا ذهب...) او (كيف اكل – كيف شرب – كيف ذهب....) او بمرافقة الزمن لتصبح (متى أكل – متى شرب – متى ذهب...) هذه الكيفية غالبا ما تكون هي قواعد البنية السردية المتمثلة بالحبكة التي يعتقدها (والاس مارتن) . وقد استعمل حميد الحريزي في المحطات بنية سردية متكاملة العناصر، كيف لا وهو العارف المتمكن والناقد المتمرس بأصول السرد،

 ومن اجل الاطلاع على البنية القوية في رواية محطات نستطلع ثلاثة من عناصر البنية السردية فيها وهما (الشخصية والزمان والمكان)

 (أ) الشخصية: تعد الشخصة العنصر الذي يحرك احداث الرواية ويدرك الكتاب عموما اهمية اختار الشخصية لاسيما الشخصية المركزية (الرئيسية) في الرواية، ويهتم الكثيرون بجعلها مميزة وتمتلك خصائص مهمة ونادرة،ولذلك فإن شخصية (مظلوم) التي اظهرتها احداث رواية محطات على انها الشخصية الرئيسية، ليست خيالية الى الحد الذي يجعلها مستحيلة على الواقع، ولا واقعية بما تمتلكه من امكانات وقدرات خلاقة، فقرويته وطيبته من جهة واميته وجلهه من جهة اخرى ربما ستكونان عاملي الاستحالة على من مثله التعاطي مع الافكار والتناغم مع الوقائع وهو الذي كل جهده ليحيا برفقة (عربانة اللبلبي) ليصبح مفكرا ثوريا ووسيلة فاعلة من وسائل السمو الاجتماعي، نعم وان كان الكاتب يريد تضمين رسالة مفادها (ان الفكر الذي آمن به مظلوم هو فكر البسطاء والكادحين والمظلومين)، لكنها ستظل شخصية (مظلوم) علامة فارقة ميزت البناء السردي في المحطات .

 كما عكست الشخصية الرئيسية (المركزية) بما تحمله من صفات انسانية خيرة روح الكاتب وفكره وهو الذي تعمق كثيرا في كشف تفاصيلها النادرة، ودلّ ذلك العمق على مقدرة الكاتب الفذة من التوغل بعيدا في جوهر الانسان العراقي (المكافح) وهو يكشف حتى التفاصيل الدقيقة في مفاصل حياته..

 وقد بنى حميد الحريزي شخصياته وفق متضادين ظاهرين هما الشخصية السلبية والشخصية الايجابية وان كان منحازا الى الشخصية الايجابية التي تحمل روح رسالته التي يريد ايصالها الى الجمهور فبناءه لشخصية (حاشوش) بالتأكيد يختلف عن المادة التي بنى عليها شخصية (سرحان)، إذ ان الراوي عادة ما يكون محايدا وهو يكشف بواطن شخصياته، غير انه في رواية محطات عمد الى الوقوف بجانب (سرحان) – مثلا- مبررا له تحركاته وافعاله واهدافه، بينما حاول عرض الفعل الذي قامت به شخصية (حاشوش) دون العناء في ايجاد المبرر سوى انها شخصية شريرة، وفي ذلك دلالة واضحة لبيان اهمية رسالته كـ (كاتب) .

 والجدير بالاشارة والملاحظة ان شخصيات حميد الحريزي (الايجابية) امثال (الاستاذ منير وحسن وجمال وكفاح وحيوته وغزيله وحتى غنودة...) هي شخصيات لا يمكن عدها (ثانوية) نظرا لأهميتها في تشكيل الاحداث وبناءها، واجتهد حميد الحريزي كي يربطها بسلسلة الاحداث المهمة في الرواية من اجل خلق دراما مميزة تشد المتلقي وتجذب المتابع .

 (ب): الزمن / تقول مها حسن القصراوي في كتابها (الزمن في الرواية العربية) (ان الزمن هو محور الرواية وعمودها الفقري كما هو محور الحياة ونسيجها) ولذلك فعملية تحليل الزمن نقديا تحتاج الى قراءة دقيقة وفاحصة للرواية، وهكذا حينما نريد تفحص الزمن رواية محطات يجب ان تحاط جميع اجزاءها باهتمام دقيق واستغراق تام، من اجل الحصول على رؤية حقيقية لزمن المحطات، وحينما يقسم النقاد الزمن في الرواية الى ازمنة متداخلة في الخطاب الروائي هي زمن المغامرة، وزمن النص، وزمن الخطاب، نجد ان حميد الحريزي اعتنى كثيرا بها من اجل اتمام ابعاد الراوية المهمة وتهيئة قالبها الحقيقي وتقديمه للقارئ جاهزا .

 فكان زمن المغامرة، أي زمن القصة الحقيقي ضمن الرواية هو زمنا طويلا نسبيا حيث امتد ليشمل جيلين كاملين (1952- 2005)، وهي دلالة على الامكانية السردية في المطاولة لدى الراوي، كما ان الزمن في رواية محطات لم يكن رتيبا مملا، حيث كان زاخرا بالحوادث المتراكمة وهي تحكي حقبة تاريخية في زمن العراق حافلة بالثورات والانقلابات والتغييرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فضلا عن التطورات المتسارعة في الفكر والايديولجيا، والتي تمكن الكاتب من تضمينها والاحاطة بها بشكل ملفت للنظر، يدل على اتساع الذاكرة الروائية وعمق الفهم والتحليل، في المقابل كانت تلك الحقبة الزمنية حديث المئات من الكتب والمجلدات والبحوث والاطاريح، لكن الراوي تمكن من رص ّ الزمن بما يحتويه من حوادث في ثلاثة اجزاء من القطع المتوسط، كانت كفيلة لتعكس للقارئ صورة واضحة وجلية للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للعراق في تلك الفترة من خلال المصادر الحية التي اعتمدها الكاتب سرد بعض الاحداث الواقعية .

وقت استعمل الكاتب ترتيبا زمنيا مباغتا.. أسس فيه عنصري المفاجأة والتشويق، فهو انطلق باسلوب السرد الاستذكاري او (الاسترجاع) كما تسميه (سمر روحي الفيصل) في كتابها الرواية العربية البناء والرواية، فكانت اول لبنات البناء الرواي انطلقت من دخول قوات الاحتلال الامريكي للعراق، حيث يبدو كفاح المجنون، ومن خلاله انتقل الكاتب بالزمن نحو (احلام) في منتصف الزمن تقريبا ليعودا – كفاح واحلام – سوية مستحضرين الزمن والحوادث.. ويرى حميد الحميداني في بنية النص السردي ان التلاعب بالزمن يدل امكانية الكاتب في الاحاطة بموضوعه وهو يحافظ على الثيمة النهائية للرواية، وهذا ما يحسب لحميد الحريزي بصفته روائيا محدثا ومعاصرا..

 اما زمن النص، وهو الزمن الذي استغرقه الكاتب في كتابة الراوية، يبدو انه يشغل احتمالات عدة، لعل ايرزها ان الكاتب شرع في كتابة روايته منذ ظهور كفاح المجنون على الساحة حيا يرزق، وربما منذ الاختلاف الايديولوجي حول ماهية الاحتلال الامريكي والوقوف معه من عدمه.. وقد يكون الشروع في الكتابة نتيجة موقف مشابه او حادثة مؤثرة يجهلها القارئ، لكن كل تلك الاحتمالات لا يمكنها الغاء حقيقة ان الروائي يشرع في كتابة نصوصه داخل جمجمته اولا، ومن ثم يحاول ترجمتها على الورق، سواء كان زمنا قصيرا او طويلا، ويرى بعض النقاد ان الرواية المشبعة بالامكانيات السردية هي تلك التي يطول زمن ولادتها، أو انها تنام وتستيقظ طويلا في رأس الراوي، والمحطات هي جزء من حياة الروائي حميد الحريزي وهو ما يؤكد مثولها طويلا في ذاكرته لما تحمله من العديد الحوادث التي خلدت ضمن مسيرته المهنية والسياسية .

 بينما كان زمن الخطاب - وهو الزمن الذي يستغرقه القارئ للرواية – عبارة عن اداة فاعلة ربطت الراوي بالمروي له وتمكن حميد الحريزي من الاخذ بيد القارئ نحو تقليص تقليص الزمن ومحاولته الفاعلة في تأجيج مبادرة المقارنة الزمنية من خلال اصطحاب المتلقي لممارسة زمن المغامرة وان كان يسمى هذا الزمن بالزمن النفسي، غير ان الزمن الخارجي الذي يحيط متلقي النص الروائي يعتمد كثيرا على عدد الاسطر وحتى الكلمات، فضلا عن اعتماده على مقدرة المتلقي في تفسير الجمل والالفاظ واستغراقه في معاينها، غير ان حميد الحريزي اختصر ذلك كثيرا على المتلقي وهو يثبت الزمن بالتاريخ واليوم للكثير من الاحداث، الامر الذي يساعد المتلقي على اختصار زمن الخطاب ويبعده كثيرا عن عناء احتساب الزمن الذي هو ليس من مهمة المتلقي .

 فكان زمن الخطاب سلسا للغاية في رواية محطات رغم انها بثلاثة اجزاء بمعدل 200 صفحة للجزء الواحد.. كما ان اشعال عنصر التشويق في العديد من مقاطع الرواية يساعد كثيرا على تخطي الملل حينما يتعلق الامر بسرد الحوادث وتفاصيلها .

(جـ) المكان او الفضاء: يعد المكان بأنه المسرح الذي تجري عليه احداث الرواية، وقد استعمل حميد الحريزي الامكنة المفتوحة في محطاته من اجل خلق عملية الاتصال بين شخوص روايته فضلا عن قابلية انتاج مسرح واسع للسرد بما تقتضيه حاجة الحدث .

 وقد تنوعت الامكنة في في رواية المحطات تبعا لخيال الكاتب وانسجاما مع متطلبات القص، فكانت (القرية) احد ابرز الامكنة التي اتاحت للكاتب الانفتاح والتخيل حيث ولادة مظلوم ونشاته، كما انها نقطة انطلاق الطيبة والبراءة من جهة والجهل والتخلف من جهة الاخرى ومنها ايضا انبثقت الامكنة الفرعية كالنهر والبستان وحقول الزراعة وصولا الى تفرعات دقيقة كشفها الكاتب بحكم خبرته ودرايته بفضاءات القرية وتفاصيلها .

 ثم انتقل الكاتب يتبع بطله (مظلوم) في المدينة (ولاية النجف) لتكون مكانا واسعا لمجريات الاحداث الكبيرة كالمظاهرات والاسواق والازقة والشوارع والبيوت العالية وغيرها، وعندما علم انه بحاجة لمسرح اوسع حمل بطله واتجه الى العاصمة (بغداد) ـ حيث هناك تبدأ الاحداث بحاجة لأمكنة اكثر التصاقا بمجريات الرواية كالمطبعة والمعسكرات والبيوت والحدائق، فضلا عن نهر دجلة الذي يعد ابرز الامكنة الرومنسية والتي حاورها الكاتب كثيرا..

 وعندما تطلب النضال مساحة اخرى انسحب متجها للاهوار حيث كانت غايته الكشف عن هذه البيئة بطبيعتها وسكانها كما جعلها محطة لمجريات العديد من الاحداث .

 هذه الامكنة وظفها الكاتب من اجل الحصول على الحياة ممثلة بمجالات عدة، فمنها الرومنسية، حيث بساتين النخيل والحقول، او بيت غنوده، او الانتقال الى نهر دجلة وبستان فؤاد او العودة الى الاهوار والمشحوف وغابات البردي والقصب، او منها الاماكن الاجتماعية كـ (المضيف) في القرية أو المقاهي في المدن، او تجمعات الصيادين في الاهوار، أو منها الاماكن الاقتصادية، كالاسواق وغيرها .

 في الختام.. ان رواية محطات بجميع اجزائها (العربانه – كفاح – البياض الدامي) كانت في معظم احداثها قد تضمنت افكارا متناقضة فيها الصراع بين الوجود واللاوجود، وذلك يعود الى خيال الراوي وطبيعة ما تحتويه من حقائق تاريخية وواقعية، لقد كان الراوي هو من صناعة الكاتب في اغلب تفاصيل الرواية، وقد اراد الكاتب ان يكون الراوي قريبا من ذاته وهو يكلفه بعملية السرد والنطق والعرض لوجهات نظره ولا تظهر الشخصيات الاخرى الا من خلاله او من خلال علاقته معهم، فضلا عن تضمينها لشخصيات نموذجية وتاريخية كشخصية عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وسلام عادل وحسن سريع وغيرهم .

 تحددت المدة الزمنية للرواية من خلال تقنيتين وهما تبطئة السرد في بعض الاحداث التي تتطلب الوقوف عندها كثيرا، مفصلا، ومفسرا، ومحللا، ومبررا، كما استعمل ايضا تقنية تسريع السرد تحديدا في المدة الزمنية التي تواجد فيها الراوي في الاهوار ايام الثمانينيات والتسعينيات وايام الحصار، ويعود السبب في ذلك بحسب وجهة نظري الى فسح المجال لتناول هذه المدة الزمنية وتحديدا في الاهوار الى سرد اخر سواء منه او من كتاب اخرين .

 وقد حمل المكان ايضا دلالات كثيرة حينما اجاد الراوي في تخطي الامكنة المفتوحة وان كان قد ركز كثيرا ووقف الى جانب مكاني الاهوار والقرية، نظرا لتعلق الكاتب بالطبيعة الحية وتفرعاتها في هاتين البيئتين الجميلتين .

يتبع

 

عدنان النجم

..................

الحلقة الثانية (المصطلح التراثي في رواية محطات للروائي حميد الحريزي)

 

 

1007 مزامير المدينةرواية مزامير المدينة أنموذجا

تأتي رواية مزامير المدينة الصادرة عن دار الفؤاد للنشر والتوزيع عام ٢٠١٨ إتماما وتكملة لهذيانات ومرثيات التوجع العراقي في رواية الصورة الثالثة للكاتب الصادرة عام ٢٠١٥

حيث كانت القواسم المشتركة بالهموم والمواجع وفقدان بوصلة الأستقرار للشخصيات التي جاءت بمستويات سردية لتمثل اختزالا لمرحلة من الضياع عانته

قاعدة عريضة من الجمهور كان يبحث عن لحظة أمان ويتطلع الى بارقة أمل يمنح هذه الجموع المحرومة قسطا من الحلم وبحبوحة من السلام ولكن للحرب جنونها وللسلطة شهوتها وتوق الحاكم لكتابة تاريخ بدماء الضحايا ولأن الطاغية لايفكر يوما بضحاياه يعمد جنونه ببطولات وهمية وكوارث منقوشة على جدران الذاكرة التي تشوهت بصور الموت والخراب والخواء في رواية الصورة الثالثة كانت البطلة سلوى المرأة الممشوقة جمالا ونقاءا وسحرا وإنوثة وكان الشاب محسن الذي أرهقه الفقر  والحاجة وطاردته أشباح الحرب وزبانية اللون الزيتوني فكانت تلك هي بوابات النفي والعقم التي إستلذ بها الطاغية لتمنحه مزيدا من الزهو الفارغ ولو ان السرد لم يقترب من الأرهاصات السياسية وجذور الفواجع الكونية وألقى تبعتها على الحرب ضمن عناوينها وفواجعها الكارثية العريضة .فقد مثلت البطلة سلوى الحاضرة في ذهن ووجدان الشاب محسن المحروم عاطفيا وماديا والتي قد تغيبت بوجودها الواقعي في فضاء رواية مزامير المدينة والتي أضحت رمزا جوانيا  للرغبة والحنين ومن زاوية اخرى صورة لفداحة الخسارات المتوالية وجسامة مرثيات الوطن على بوابات عويل ضحاياه هكذا تتراسل الحواس مع شخصيات الرواية مزامير المدينة ليستكمل البطل محسن هذياناته الضاجة بالهول والفزع والخيبة مما آلت اليه المصائر والأرادات فكانت الأرض الباثة للثراء والجالبة للغنى لكل من أخذ بتلابيب الأثر

ومواريث السلطنةالروحية الموهوبة من فجر التاريخ في وطن تناوشته الخطوب وأنهكته الحروب وكما جاء في الرواية على لسان والد محسن في وصف الحرب انها مثل طابوقة نامت لن تتزحزح فكانت العبارة

بوابة السرد ومرثية هذيانات أبطال السرد وهم يتناولون يوميات القرف بأيقاع سردي يتوسط بين السرعة والأبطاء ولكنه مشحون بمخلفات حربية لن تتزحزح كما هي الحرب في وعي الناس ومواجعهم اليومية فجاءت رواية مزامير المدينة تؤرشف محنة وطن في مرحلة دقيقة من صخب مراياه الأنسانية والكونية

حيث لملمت إغترابات الوطن والمواطن الذي يتطلع نحو الحرية والخلاص ليجد نفسه في أزمة متاهات جديدة يفتحها التصارع المحموم على السلطة والثراء والبذخ بعد زوال الكابوس حيث رصد الروائي عبر هذيانات التراسل الشفاهي بين البطل محسن والأصدقاء مجتبى ومحمود وناهض وآخرين ليرصد الحكي مستويات التفاوت الطبقي والزمن الفائض بالعبث والخواء واللا أدرية بين مجموعة محسن أصدقاء الثقافة والهموم اليومية المزمنة    والوجدانية كما يكشف الملفوظ السردي في لعبة الرواية انعدام الترابط الحميمي مع تكالبا مشوبا بالجشع على المنافع والمواريث وشهوة الأستحواذ على جغرافيا المكان الجاذب للثراء والوجاهة والسلطة على مرأى مواجع المعدمين والمهمشين والمغيبين بالفقر والعوز والحرمان.

فقد لجأ الروائي علي لفته في بناءه الفني لرواية مزامير المدينة في تتويج اللعبة السردية

وإتمام هوس التوجع والتأسي ومراجعة ثرثرات التاريخ وتقليب أوراقه الصفراء عبر شخصية في ظل السرد إبتكرها الروائي تشارك البطل محسن في سردياته فهذه الشخصية الكامنة في الخفاء كانت ترسل برقيات الشحن النفسي والأخباري بيوميات الفقد والألم والثرثرة التي عايشها البطل محسن ورفاقه فالشخصية المبتكرة في الظل كانت شخصية كلية العلم مطلعة على خبايا وأسرار بقية الشخصيات واتصفت بكم معلوماتي واسع عن شخصية محسن وباقي الشخصيات فضلا عن المحيط الأجتماعي ودوامة الصراعات الأجتماعية والطبقية حيث مثلت الضمير الجواني الناطق والراصد لشخصية محسن والمشكل لوعيه والراصد لصيرورة تحولاته الزمكانية .

ان لجوء الروائي الى إظهار شخصية تحاكي شخصية محسن الى اظهار الدور الخفي للضمير الغائب الذي فرضه الروائي للمراجعة والتثبت اضافة الى منحه فضاءا أوسع وأطلق خيال السرد في ابتكارات أحداث ومواقف إتصفت بالمشهدية والحالية كما أغنت الرواية عبر ملفوظها السردي من خلال مواقف الأبطال ويومياتهم المجترة بهذيانات تتراسل من حوارات وسرديات الشخوص ليشكل صداها فضاء الواقع الجديد وأزمة ضمير تحاصر البطل محسن بأنزياحات متوالية

لتضييق عوالم المكان والزمان وخنق عالم الشخصية وأحلامها المرتقبة .لم يكن اختيار البطل للأمكنة خيارا  بل كان قدرا قاهرا معمدا بالفقر والخواء التي ورثها الأبطال من طبول الحرب وشتات المدن الصاخبة برهانات الربح والخسارة فتنقل البطل محسن من شخصية تعد الأرصفة بمتاهات المدن الى مشغل مولدة في فندق في رواية الصورة الثالثة الى جندي يساق الى جبهات الحرب ثم الى مهازل يوميات الفراغ المقيت واستسلامه للعمل حفار قبور في رواية مزامير المدينة . جاء في السرد .......

دعني يامحسن أستريح وأرتاح قليلا وأنت ماعليك سوى أن تلقي جسدك على اي قبر وأغمض عينيك واحلم ...كن شبيه روحك فتنطلق من حيث لاتدري الى الدموع ص٤٨

وقوله... عندما خرجت من بطن القبر تمنيت الا يكون هناك أحد يرى الشكل المترب الذي يشي بميت عاد الى الحياة وتمكن من الخروج من القبر .

كان المكان المقبرة والعمل فيها يشكلان معادلا موضوعيا للمقبرة الأكبر التي تحتضن عوالم الشخصية فهو المكان السلب والعقم الذي يقضم مناخات الأرتقاء والسلام والبحبوحة فكل شيء يشي بالجدب فكانت رحلة الهروب من القبر الى القبر التي تلاحق البطل الباحث عن الأمان والعيش الكريم ...

لكن الأبطال لايملكون الا صراخهم اليومي وعبثهم الذي يطارد أشباح الخواء والخدر ذلك الهذيان الذي يتجاذبون به أطراف الهم اليومي والخدر الزمني الوئيد ليجتر كل من الشخصيات مواجعه وتأوهاته.

 

للناقد ظاهر حبيب الكلابي

 

عبد الجبار نوريان أنبثاق الفكر الأنسانوي كان تعبيراً عن عهد الأصلاح الديني في عهد النهضة بالتحديد في القرنين الخامس عشر والسادس عشر في الغرب الأوربي بالذات، فقد أستطاع الأنسان هناك تأويل نصوص الكتاب المقدس من دون العودة إلى تعاليم الكنيسة التي أحتكرت عقائد الأيمان ومناهج التفسير، من دون الشعور بالخوف بأن السلطات البابوية ستطاردهُ إذا ما خرج عن ثوابتها المبنية على تفسيرها القديم، وبفعل الأتصال الذي بدأ مع الحروب الصليبية وتدرج مع أهل الأندلس مستمراً حتى اليوم، توضحت (الأنسنة) في الغرب على أساس الأعتراف بأن الأنسان هو مصدر المعرفة، وحدثت اللاعودة بالقطيعة دراماتيكياً بين الجذور الكهنوتية ومراجع الديانات الأخرى وغيبياتها، بأن {الأنسنة هي ضرورة الأعتناء بمصير الأنسان} .

يعتبر الشعر أرقى أشكال التعبير اللغوي، وهو من أوائل الفنون العربية والعالمية الجميلة التي تستجيب لحاجات البشر وطموحاتهِ، أن شعر الشاعر " شلال عنوز " شعر وجداني يصدر عن أحاسيس الشاعر وأبداعاتهِ الشخصية وتجاربه الذاتية بأعتباره أنساناً حياً واقعياً يعايشُ هموم شعبه وأستلابات وطنهِ، فهو في دوامة تفكير مستمر يحس ويتخيّلْ لذا تألق في رسم صورة للمجتمع الذي عايشهُ متحسساً همومهُ ومستشعراً حاجاته وطموحاته، وقد وجدتُ "النزعة الأنسانية " بأرقى صورها في القصيدة  متماثلة مع الشعر المهجري أمثال جبران خليل جبران ميخائيل نعيمه أيليا أبو ماضي، ولنا في أستذكار صفحات التأريخ التي تزدحم في ذاكرتهِ الأدبية قامات أدبية  وشعرية أمثال الجواهري والبياتي ومظفر النواب والسياب وناظم حكمت، وشعراء الثورة الفرنسية والثورة البلشفية وثورة العشرين في العراق ومحمود درويش أيقونة المقاومة الفلسطينية .

شاعرنا عاش الغربة ليس بالضرورة في منافي خارج الحدود بل جاء من (غماس) أحدى مقاطعات الديوانية إلى حواضر العراق مراكز مدنها ليعايش جميع الأنظمة من الملكية عميلة بريطانيا ولثورة 14 تموز 1958 وأنفتاح أبواب الحرية وأنعتاق الكلمة الحرة مشاركاً مباديء مدرسة الحزب الشيوعي العراقي الثورية، مسايراً لخطهِ الثوري في تحريك الشارع العراقي  مكتوياً بأوجاع أنقلاب شباط الأسود 1963 وأنتكاساته وحروبه العبثية ثمّ القرن ال21 والأحتلال الأمريكي البغيض 2003 ونكوص الوطن بقيادة  التيار الديني الراديكالي .

في نص سرديات القصيدة أدخل الشاعر حكاية الترقيم في البناء المعماري لقصيدته " هذيان عند فم العاصفة " من 1—4 في بدأ كفاحه الواحد لكي يعلن أنهُ على السكة الصحيحة في حكاية القدم الأول في طريق الألف ميل والوصول الغرائبي تحت وابلٍ زخات الأوجاع المجلببة بآلام القهر والأستلابات الروحية والجسدية المرعبة، وهي مولد الأرادة الجماهيرية في طلب التغيير المطلوب ماركسيا في حركة التناقضات الطبقية في حركة التأريخ تلك الأمنية التي يلهث ورائها الشاعر بعناد وأصرار للوصول للتغيير، بأنسياقهِ نحو الواقعية والأنطولوجية الرقمية لهندسة أفكاره الأنسانية  ببرمجيات معلوماتية ذات فائدة جمة للجمهور المستلب المكتوي بعذابات الشمولية الساحقة لآدمية الأنسنة .

وللبحث عن التكامل الجمالي في قصيدة "شلال العنوز " لابدّ من البحث عن دلالات مقومات وخصائص القصيدة في أساسيات بنائها المعماري في أيماءات الأستلابات والوعي بالقهر والأرادة في التغيير والألتزام ولابد من معطرات ومطيبات في أشراقة رومانسية للحب مع نفثات تراجيدية موجعة، وتكون نزعة الأنسنة واضحة في القصيدة لكونها ذات طابع درامي مبنية على العناصر الأساسية في الشعر التراجيدي والتي هي مركزية الأنسان والصرع الطبقي والناقضات المجتمعية، أن التناصية السردية في أبيات القصيدة تحمل لغة الدراما المكتوية بآلام الأنسان العراقي في وجوده ومصيره خلال سرد مفعم بالموسيقى التصويرية شكلا ومضمونا معبرا عن الواقع المرير، فيستحضرها الشاعر في هذه الأبيات من القصيدة :

كان يؤميء بسبابته المبتورة

نحو فراديس الموت

لكن الريح المجنونة

كانت

تبتلع عاصفة الدُمى

 وتشير للمساءات

بالبكاء

وفي الفصل الثاني من القصيدة في ممارسة معاناة مرارة الواقع  في لعبة الفناء والرعب يجسدها الشاعر الذي عايش تلك الأوجاع ضمن قدره في ذلك المجتمع الأسيرفي ذاته وصيرورته، هذيان الشاعر العنوز يتجسّرْ صداه مع الهذيان الأكبروالأعمق لذلك الجمهور من الغافلين والمحرومين والضائعين في متاهات الصراع المجنون، فهو هذيان عند فم العاصفة،حين يكون المستلب الضحية في لجة الغرائبية السوداوية عند فجيعة (المنافي) لتدق أجراس الخلاص والأنعتاق في شعار تكونوا أم لا تكونوا يقول :

في تفحم حوصلة القهر

يستفيق الرقاد بلا مئذنة

وتلد الأمهات أشباحاً من وجع

حيث تخلو الطرقات

من خطى العابرين

الجُددْ

أن الشاعر لم يتجلبب رداء الواعظ فوق خشبة (المنبر) بل هو ذلك الشاعر الثوري الجيفاري المؤمن بالحل الجذري وبائناً للتوفيقية  يجسّد عذابات وحشية زمكنة المعاناة المرّة في الأغتراب القسري وهو يقول في المقطع الثالث :

وحشية الأمكنة

تأكل صراع الحنين

فتتجندل الأماني مذبوحة

على قارعات النصب

والحاكمون بأسم الله

يجتثون آخر رقصة 

وفي الترقيم الرابع للقصيدة وببلاغة نقدية متمكنة من شاعر محترف للحرية تواق لوطنٍ حر وشعب سعيد مقدماً معاناته الشخصية كفرد في هذا المجتمع منتقلاً إلى السوسيولوجية الجمعية وهو في خضم العاصفة الهوجاء المرعبة، وتألق الشاعر الأنساني شلال في الأشارة إلى الأغتراب الفكري الذي هو أقسى أنواع الأغتراب، لابدّ من كسر القيود وأنتزاع الحرية، فهي محاولة جادة في لغة حداثوية في التغيير وكسر القيود بشجاعة أقتحامية نادرة، كأن القرن العشرين قرن أنعتاق ونزع جلباب الماضي،  يقول :

وحدك ---

تندب الفرج عند بوابات الغوث

أدمنتُ صلاة الغائب

حيث لا غائب يعود!!!----

كأن القرن العشرين قرن أنعتاق نزع جلباب الماضي والأتجاه نحو التجديد مع أبراز نظرية أمتلاك الحقيقة والتركيز على الرفض في متاهات المنافي وغرائبية الذات، ورأيتُ في القصيدة بلاغة الخطاب، أبدع الشاعر العنوز في تحليل العقل العراقي من خلال معايشته للعاصفة السياسية ومطباتها المرعبة في تغييب لغة الأنسنة الروحية والظواهرية في أغتيال الكلمة الحرة، القصيدة ثرية بالثقافة الفكرية للأنسان، وظهر لي أن الشاعر مثقف مهموم بزمكنة الواقع المرير فهو معلول بالأنسان، والقصيدة محاولة لتحليل الأنظمة الأستبدادية الشمولية، أيقونة الوجود الأنساني في القصيدة تعاني  الغرائبية وزخات من الأوجاع، ويسير الشاعر في تصوير عذابات وأستلابات المكان بتصوير درامي مشحون بالتأهب والخوف والقلق وهو ما يعرف عندهُ بالهذيان الأقوى والأكبر في أصراره مواجهة جمهوره المحروم وهو مبرر بشكلٍ أرادي للوصول إلى (التغيير) الجذري نعم التغيير الثوري الذي يأبى التوفيقية والصفقات، وليسمح لي الشاعر بأستعارة أضواءهِ الكشافة لآسلطهاعلى وضعنا المأساوي اليوم بعد عقدٍ ونيّف من الأحتلال الأمريكي البغيض أن وطننا بيع جملة وتفصيلا في العهد الأمريكي الذي يسير نحو اللاعودة من الصعوبة الحلول التوفيقية والشعبوية بل تغيير جذري بالشكل والمضمون كما يصفه الشاعر المتألق الأنساني شلال عنوز في قصيدته " هذيان عند فم العاصفة .

 

عبد الجبار نوري

...................

بعض المصادر والهوامش

رأس المال – نقد الأقتصاد السياسي – كارل ماركس – موسكو 1985 كتاب ألكتروني

كوته والعالم العربي كاترينا مومز –ترجمة د/ عدنان عباس

الصورة الفنية في شعر الشريف الرضي1985 / د- عبد الآله الصائغ

الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية / د- عزالدين أسماعيل

 

 

كل شيء في الوجود له عالمه الخاص به، ولغته التي تميزه عن غيره من الأشياء، فالإنسان كائن بيوثقافي يمتلك لغته الخاصة به وعالمه المميز الذي يعيشه، وكذا الجماد-ككل- والحيوان لهم عالمهم الخاص بهم، ليتوافق الجسد مع لغات العالم جميعها ويمتلك لغة خيالية صامتة ناطقة للجميع، وتنتظر من يفك قيود الغازها وسحرها.

الجسد: ركيزة أساس تدور حوله الأعمال الأدبية -شعراً، قصةً، روايةً...الخ- إذ يعد غاية لأختراق المحرم، وقد استطاع جيل الحداثة الشعرية العربية، أن يوظف الجسد داخل الأعمال الأدبية، لإضفاء معنى ايروتيكي جديد.

ومن المتعارف عليه في اوساطنا الأدبية والثقافية، إن الجسد شكل أهمية كبيرة في حياة الناس؛ لأنه ذا قيمة روحية كبيرة، فالحديث عنه أجده مرهوناً بالمناسبة، فكما نعلم أن لكل حادث حديثاً، أي أن الشاعر لا ينفرد بالحديث عن الجنس فقط، إنما يربطه بالجسد؛ لأن الجسد لغة رشيقة ناطقة بذاتها، وداخل ذاتها.

وهو تعبير رمزي يوظفه الشعر الحديث ليكشف انزياحات الزمن عن طريق تنوع الثقافات، وهو نص له قيمة ثقافية قبل أن يكون ذا قيمة جمالية، وهذه العلاقة الثقافية لا تتحقق دلالتها إلا عن طريق سياقها الذي أنتجها أول مرة، وهو مصطلح يوحي بموقف ايديولوجي، واختراقه يعد عملاً ثقافياً جاداً؛ لأنه عملاً من أعمال المثقف.

عبد الوهاب البياتي، ينتمي إلى جيل الحداثة الشعرية، من رواد المدرسة الشعرية، شعره متعدد اللغات؛ لأنه نابع من عالمية خاصة به، ورحلات سفر عدّة، خاضها الشاعر، بين اسبانيا التي اشتركت في بناء الكثير من نماذجه الشعرية، وهذا ينم عن وعي متقدم للشاعر، وثقافة شعرية، صاغ قصائده عن طريقها، وهذا هو اسلوب شعراء الحداثة أغلبهم، فشعرهم جاء مزيجاً للحداثة الناطقة بلغة الممنوع، والمجردة لذاتها من قيد النمط التقليدي الكتابي.

يقول في قصيدة (صلوات):

انني استنشق الهواء العذب الخارج من فمك

وأتأمل كل يوم في جمالك

وأمنيتي هي أن اسمع صوتك الحبيب

الذي يشبه حفيف ريح الشمال

إن الحب سيُعيد الشباب إلى أطرافي

أعطني يدك التي تمسك بروحك

وسوف احتضنها واعيش بها

نادني بأسمي مرة وإلى الأبد

لن يصدر نداؤك ابداَ بلا إجابة عنه

وقال لي

أنك ستحترق بنار صوتك

وستغدو رمادا

مثل كريم

لغة النص مفتوحة على نافذة المباشرة، ليعبر عن طريقها البياتي عمّا يغازل دواخله من صراعات نفسية واضطرابات شبقية، وجنسية متوهجة، (انني استنشق الهواء العذب الخارج من فمك)عن طريق عملية ابداعية نقلت تصورات الشاعر على أكثر من مستوى، وتعمق نحو الكتابة الإيروسية ذات اللغة الشهوانية، فشعرية مثل هذه القصائد شعرية سردية قائمة على إساس الملاحقة، إذ وظف الشاعر عبارة (أتأمل كل يوم في جمالك)، وهي جملة تدل على رمزية الذات المعذبة من الطرف الآخر، (وأمنيتي هي أن أسمع صوتك الحبيب) ذات الشاعر هنا ترتقب الأمنيات المؤجلة العالقة تحت محطة الأنتظار المميت؛ لأنه هو الذي يراقب، ويتأمل، ويحاكي ذاته بذاته، فالنص عكس الصورة المتولدة من الملاحقة وتحولالت المشهد.

وجاءت لغة النص الشعري بسيطة وغير متكلفة، إذ ابتعدت عن جفوة البلاغة وثقلها، فالنص يأخذ مفرداته من الجسد والروح الأنثوية، وما يسجل على النص هو أن الشاعر أجدهُ يعمد إلى خلخلة الثابت من القيم الثقافية المكبوت عنها، يجعل اللغة الشعرية وسيلة تعبير أكثر منها وسيلة بناء، (أعطني يدك التي تمسك بروحك) لتكون وسادته المتعبة الموجوعة المتألمة(وسوف احتضنها واعيش بها).

ومن جانب اخر نجد تحولاً في مسار الحديث من المباشر غير المعلن، إلى الجنس المعلن، إذ تتحول القصيدة-صلوات- إلى المراقبة، وشكل المراقبة تمثيل للرغبة وعدم المبالاة

(أنك ستحترق بنار صوتك

وستغدو رمادا

مثل كريم)

(كريم) الأسم الذي يحمل اكثر من دلالة في معناه، هذا يدل على أن الشاعر وظفه بصيغة قصدية مفتعلة

أضيف، حققت الكتابات الأدبية الحديثة حضوراً مميزاً في خرق الممنوع، والكتابة بصياغة جديدة، وبلغة ناطقة للرموز، ووسائل فك الشفرات المغلقة، عن طريق كلمات بسيطة لاتحتاج إلى اعمال الذهن لفهمها، بل تحتاج إلى وعي متقدم لما هو مكتوب، وايمان حقيقي بحرية الفكر الحر.

 

د. وسن مرشد

 

سعد الساعديبعيداً عن معنى العنوان وما يعنيه، وما قاله مؤسسو المدارس النقدية والمنظرون في هذا المجال، والتعريفات الخاصة به، نحاول الوقوف عند العنونة الطويلة للكثير من النصوص الشعرية لاسيما القصائد التجديدية أو مأ أطلق عليها قصيدة السرد التعبيري .

نجد في القصيدة التجديدية مساحة واسعة جداً لعنونة النص كأسلوب متفرد جديد مقصود كما لو انه ملخص البحث في دراسة معينة، أو دلالة لمعنى يبتغيه الشاعر كصورة ابداعية . تتكرر القصائد بشكل مضطرد يومياً بعد الانتشار الواسع لقصيدة النثر التجديدية بشكلها الأفقي كما اتفق عليه بناتها وكتّابها، وهي تحمل العنوان الواسع بمعناه، كثير الكلمات في جملته .

الدراسات الكثيرة التي كتبت عن عنونة النص كعتبة او مفتتح القصيدة، او رأس النص، والارادية التالية المفسرّة لما يأتي من اللاحق، لكننا لم نر فيها َ دراسة جديدة تطرقت لطول العنوان بشكل عام، سواء القصيدة العمودية التي نحى بعض شعرائها مؤخراً بكتابة جملة اسمية أو فعلية طويلة، أو بيت من الشعر كعنوان يسمي القصيدة، أو كتاب القصيدة التجديدية، وهذه المرة الثانية لنا في محاولة الكتابة عن العنوان الشعري في محاولة لملء بعض فراغ من الضروري الوقف عنده طالما أن مرحلة الكتابة الادبية تحاوزت فترة ما بعد الحداثة الى الحداثة التجديدية التي يسير معها كل شيء في ظل عولمة فكرية نتمنى ان تكون انسانية خالصة بعيداً عن كل شيء من أجل سعادة الانسان ليس إلاّ .

تقول الشاعرة الليبية نعيمة عبد الحميد عن طول العنوان كونها أحد الجدد مع تشكيلة من يكتبون القصيدة التجديدية وأصدرت مؤخراً ديواناً لها :

" العنوان مهم جدا للنصوص الإبداعية بصفة عامة، لانها مرآة تعكس الحالة الشعورية للنص، و أيضا للعنوان قصة يجب أن يرويها بشرط اختلافها عن باقي القصص ان شئت " .

من هنا نستشف أن القصيدة التجديدية الجديدة هي حالة ابداعية عنوانها له دلالة حضورية واقعية مؤثرة على المتلقي الباحث عن الجديد دائماً، كما أن العنوان محفز وجداني للشاعر يرصف كلماته بشكلها المنتظم كراوٍ لقصة مختلفة تماماً عن كل ماضٍ سابق، وتضيف :

" فهو الكاشف عن كنوز النص الشفافة، و معري جزره المغمورة، لذلك اقول دائما يأتي النص و العنوان معه، مهما أحتار و انشغل به، فهو يدور داخل النص، قد اكتبه بكلمة واحدة لكن هناك نصوص تأتي بعناوين طويلة حيث أجدها معبرة عنها خاصة و انا اكتب السردية التعبيرية أراه يليق بها يلخص نفسية النص".

ونكتشف هنا جديداً آخر هو الكشف عن نفسية النص، وبالتأكيد يكون أول الانطلاق من سيكولوجية الشاعر وارهاصاته ودواخل روحه الحالمة، او المتألمة، أو العاشقة التي نرى الكثير من القصائد التجديدية تميل اليها، وتسير على نهجها حتى وإن كانت وصفاً لحب مغادرٍ او يحتضر فأمام الرجل امرأة شاهدة على البناء، وأمام المرأة رجل تصبو اليه .

وتختم الشاعرة نعيمة عبد الحميد زهرة الناردين قولها بعد سؤالي لها قائلة : ' لذلك ابتعد عن العناوين الرنانة التي تستهدف الجذب، و لا تعبر عن القصيدة، فهو المعبر عن اكتمال النص، و وجه النص الذي احرص ان يكون مشرقاً ".

وبرغم الاشارة الصريحة من الشاعرة بعدم استهدافها الجذب او الاثارة من العناوين الرنانة، لكننا وكذلك المتلقي المتابع، نجد عناويناً هازّة بقوتها، مثيرة بكلماتها، جاذبة بصورها، وتحتاج لتأويل ما في الكشف التالي عن المضامين المسطورة بدفق الكتلة البنيوية سواء الرمزية او الإنزياحية أو الواقعية الصريحة كما في كتابات الكثير ممن يكتب هذه القصيدة.

في حين نجد الشاعر العراقي كريم عبدالله وهو من رواد كتاب القصيدة التجديدية أنَّ قصائده غزيرة بالعناوين الطويلة أكثر من غيره، وربما لانه العاشق المخلص للقصيدة التجديدية الجديدة والحديثة بكل ما نقرأه طالما وصفت الحياة، والحب، والمرأة، والطبيعة بعيداً كل البعد عن كتابة الخواطر النفسية التي عاد بعض الكتاب اليها، متناسين الأسس والمقومات والشروط الواجب بها كتابة القصيدة التجديدية من اجل تجنيسها كنوع وجنس ادبي معترف به حسب كل معايير الاجناس الادبية والتي تستحقها بجدارة .

وللتأكيد أيضاً مرة أخرى مع ما اوضحته في دراسة سابقة انني اميل الى تسمية قصيدة السرد التعبيري الى القصيدة التجديدية، وقد يختلف، او يتفق معي البعض كون السرد يعني الحكاية بعيداً عن الاختزال في الوصف والتكثيف وهذا ما لا ينطبق على القصيدة هنا لانها ليست سردية قصصية، نعم، يمكن تحويرها وتحويلها الى قصة قصيرة بإدارة فنية من قِبَل قاص - شاعر، لكنها ليست قصة كما تؤكد الوقائع، ويقول بذلك كتابها، وهي ايضاً ليست خاطرة مع أن جزءاً قليلاً ربما يكتب بهذا الأسلوب لسببين اولهما : انه لم يتقن الصنعة بعد لانها مستحدثة، وثانيهما ان خطه ما زال عالقاً بنمط الخاطرة التي مضى عليها الكثير لكنها باقية .

التأويل المقصود في هذا البحث، هو مشاركة القارئ والكاتب والنص، في خلق الابداع الموجود في المكان والزمان، وفق ما يمكن تسميته بالجمال الحقيقي والتلقي المقبول حين يُعرض النص على بساط التخيل والنقد والتحليل، هذا يبدأ انطلاقاً من عنونة مقصودة تدفع بلا عنف نحو الادراك والتصور، مع ان القارئ ليس مبدعاً لنص شعري، لكن ذائقته الجمالية فيما يقرأه تساهم بشكل فاعل في مزيد من انتاج ابداع متواصل كما في الرسائل الاعلامية المفهومة بلا تشويش من المتلقي، ما يعني انها ادّت غرضها بنجاح، وبلا أية صعوبات وخلل، وأثّرت فعلياً بما جاءت به من أغراض نتيجة رجع الصدى المقبول الذي يستشعره الكاتب، وهنا المقصود الشاعر، لانه جزء من عملية اتصالية جماهيرية اعلامية واسعة النطاق، وليست محدودة.

شاعر آخر من كتاب القصيدة التحديدية وله دواوين فيها وهو الشاعر العراقي عدنان جمعة، وبرغم كتابته لعناوين قصيرة  لكنه يقول :

" انا اعتمد على العناوين القصيرة جدا والتي لا تتعدى ثلاث كلمات في الغالب، ودائما اكتب العناوين بكلمة او كلمتين . اما لماذا يكتبون بعناوين طويلة ؟ فهو عدم ايجاد عنوان مختصر للقصيدة ليعبر عنها لذا يلجا الشاعر الى كتابة عنوان طويل حتى يوصل فكرة القصيدة للمتلقي من عنوانها " .

من ذلك يتضح بشكل جليّ أن فكرة القصيدة، او فلسفتها الخاصة بما يريده الشاعر بعد نضوجها التام تحتاج لعنوان طويل كي لا يتعب القارئ بما يراه امامه من زخرفة لغوية تمتاز بها القصيدة التجديدية، وإشعاره بمتعة تليق به كمتلقي وجهاً لوجه مع نص يمتاز بوصف كثير المعاني، وجمال لغوي، ومعنى قابل للتأويل او التأمل، والتفسير وفق الحاجة النفسية، والشعورية، والخلفية الثقافية ، بما يسعى اليه الشاعر كمرسل لفظي لبيان مكتوب على الورق، يخترق الكيانات الروحية بالصور الجميلة، وهذه كلها أسس وخلفيات اعتمدتها القصيدة النثرية التجديدية، مع ملاحظة أخرى أن البعض لا يعترف بما يسمى قصيدة النثر، فإما النثر الفني المركز بكثافته وبنائه، أو الشعر المرسل، ولكلٍ وجهة نظره الخاصة به، لكن الواقع الجديد على الأرض أثبت المقدرة العالية لقصيدة التجديد .

 

سعد الساعدي

 

 

عباس داخل حسن(عندما شرعتُ أستجيب لدفقتي الشّعوريّة والفكريّة والإبداعيّة في كتابة "أكاذيب النّساء" كانت تسيطر الفكرة عليّ؛ ولذلك سمحتُ لنفسي بأن أستخدم أيّ تجريب يخطر في بالي مادام ذلك سيقودني إلى هدفي الرّئيس، وهو تسجيل وثيقة إدانة لفساد الطّبقات النّخبويّة والمتنفّذة)... د. سنـاء الشـعلان

عن الكذب:

إنّ التّعريف الشّائع للكذب هو الإخبار عن الشّيء على خلاف ما هو عليه عمداً أو خطأ، والكذب يناقض الصّدق والحقيقة والواقع، ومترادفات الكذب عديدة: الخرص، والبهتان، والإفك، والافتراء، والخداع، والتّدليس، والحنث باليمن، وخلاف الوعد ....الخ

وقد عني الفلاسفة وعلماء الاجتماع والنّفسانيين ورجال اللاهوت والفقهاء بتفسير فعل الكذب ونبذه وتجريمه؛ لأنّه قول يجافي الحقيقة مع العلم بها، واختلفوا حول السّهو، أو الخطأ، إلاّ إذا أصرّ المخطئ "الكاذب" عليه، وبعضهم ناقش كذب الخرافات من باب الاعتقاد والاقتناع والتّخيل، ولم يعدّوه كذباً؛ لأنّه لا يترك آثاراً على الآخرين، أو صنّفوها من الأكاذيب البيضاء التي أدانها "كانط" بشدة، بينما يقبلها الفيلسوف الإنكليزي "جيرمي بنثام" من باب أنّها غير ضارة.

إنّ أغلب الأديان تعدّ الكذب ومرادفاته من أسباب الفجور، وقد ذُكر الكذب في القرآن 250 مرة، وإنّ التّاريخ والتّاريخ السّياسيّ يعج ّبالكذب.

ويقترن الكذب بعدد من الجرائم، مثل: الغشّ، والنّصب، والحنث باليمين ... ، وكلّ هذه الأفعال يحاسب القانون عليها " والكذب يتخّذ طابعاً إنجازيّاً، وذلك؛ لأنّه يتّخذ في الوقت نفسه وعداً بقول الحقيقة وخيانة لذلك الوعد، وقدّم "جاك دريدا" في كتابه "تاريخ الكذب" أطروحات تحليليّة وتمهيدية "تمكّنت من بلورة جينالوجيا تفكيكيّة لمفهوم الكذب، هو التّساؤل حول إمكانيّة تشكيل تاريخ خاصّ بالكذب من حيث هو كذلك، فهناك صعوبة لا يمكن تخيّلها إذ عزمنا على القيام بمشروع من هذا القبيل، وهي تكمن في ضرورة التّميز بين تاريخ الكذب، بوصفه مفهوماً وتاريخاً في حدّ ذاته، الأمر الذس يحيل إلى عوامل تاريخيّة وثقافيّة، ويساهم في بلورة الممارسات والأساليب والدّوافع التي تتعلّق بالكذب التي تختلف من حضارة لأخرى، بل إنّها تختلف حتى داخل الحضارة الواحدة نفسها". 2

1003 سناء الشعلان

عن أكاذيب النّساء

هي المجموعة القصصيّة الـ 16 للأديبة الشّعلان، وتحتوي على خمسة عشر عنواناً، إلاّ أنّها تناهز 190نص تعالقيّ بين القصّة القصيرة والقصّة القصيرة جدّاً والومضة والشّذرة، مستفيدة من البنى الحكائيّة في التّراث العربيّ، وهذا واضح في أكثر من قصّة من قصص المجموعة ذات الأشكال المتوالدة والمتداخلة القائمة على المفارقة واستدعاء الأشكال في السّرد والحكي التّراثيّ، وتركيز الأحداث والأزمان والأزمات في حدث قلق واحد، واجتهدت القاصّة في استخدام تقنيّة السّرد التّراكميّ "إنّ مثل هذا التّداخل السّرديّ يعني فيما يعنيه، تقسيم الحكاية الواحدة إلى مجموعة من الأحداث المكتفية بذاتها معنى ودلالة، لكنّها لا يمكن أن تعطي المعنى العام للحكاية الأمّ ما لم تتداخل مع بعضها، حيث يتداخل الأوّل والثّاني بالأوّل والثّالث، وهكذا يستمرّ التّداخل حتى تكتمل الحكاية، أي أنّ الحدث يركّب على الحدث الذي قبله، ويدخل في الحدث الذي يليه "3 على سبيل المثال في قصص: "أكاذيب النّساء" التي أخذت المجموعة عنوان لها، و"أكاذيب العدالة"، و"صهوات الكذب".4

وقد استخدمت القاصّة أسلوب القصص الفرعيّة، مثال: قصّة "أفراح التّدليس ومصارع الصّادقين" 5، وهذا أسلوب تراثيّ وجوده الأدبيّ يتجلّى عند الفيلسوف " عبدالله بن المقفع" في كتاب " كليلة ودمنة"، أو في قصص ألف ليلة وليلة؛ فالأبواب التّسعة لقصّة أفراح التّدليس ومصارع الصّادقين": فيما ورد في باب فضائل اللّصوص الشّرفاء، وفيما ورد في باب فضل الكذب الكبير على الكذب الّصغير، وفيما ورد في باب مصارع الصّادقين ومهالك الورعين، وفيما ورد في باب اختلاف أقدار الصّادقين والكذابين، وفيما ورد في باب التّاريخ لأهل التدليس، وفيما ورد في باب حسن الاغتنام عند أهل الإفك والبهتان، وفيما ورد في باب مُلح أهل النّفاق والرّياء، وفيما ورد في باب أكاذيب الغواني وترّهات الشّطار، وفيما ورد في باب من عشق نساء الخنا وما استطاع أن يعشق غيرهن.

شكّلت هذه الأبواب المختلفة النّصّ، إلاّ أنّها متّصلة بالموضوع، وانطوت على استحضار مقاصد اللّغة ببعدها التّداولي والسياقي خدمة للخطاب الحجاجيّ بمستوياته المتعدّدة للتّعبير عن الاعتلال القيميّ وانحطاط السّلوك الإنسانيّ، وكشفت عن الأساليب والممارسات والدّوافع المتعلّقة بفعل الكذب ونتائجه الكارثيّة ثقافيّاً واجتماعيّاً التي تسود علاقة المجتمع من أعلى الهرم الاجتماعيّ والسّياسيّ إلى أسفله.

كلّ ذلك يتحقّق من خلال دلالات مباشرة ومضمرة داخل هذه النّصوص "الأبواب"، وضمن السّياق الحكائيّ والسّرديّ. ومثلما تكون الدّلالات مباشرة وغير مباشر، فعلاقة تلك النّصوص بنصوص أخرى علاقة ظهور وخفاء حسب "جيرار جينيت"، وهكذا يكون التّناصّ مباشر وغير مباشر.

عن ألفة الكذب:

إنّ قصص هذه المجموعة فضح صارخ لألفة المجتمعات الإنسانيّة على الكذب تحت ذرائع ومبرّرات نفعيّة واستغلاليّة متعدّدة، حتى بات السّاسة والحكام يكذبون على شعوبهم بالوسائل كلّها لممارسة الحكم، وتقول المفكّرة والفيلسوفة الألمانيّة الشّهيرة "هانا آرنت" (1906-1975م) اللّجوء إلى الكذب في ممارسة السّياسة هو مسّ فاضح بكرامة المواطن وهدم بيّن للعقد الاجتماعيّ بين النّاس: "ذلك السّياسيّ المحنك أتقن الكذب والسّرقة، كما أتقن أن يقوم بهما بحرفيّة مجيدة؛ فهو يفضّل الأناقة والحرفيّة على عمل الهواة، وتجارب المبتدئين، ولذلك عندما يكذب، فهو يقدم الكذب وجبة شهيّة "6

والإعلام يزيّف الحقائق ويكذب: "هو يدين بالكثير للوسط الذي جعله يحوّل موهبته في الكذب من هواية ضالّة إلى تخصّص علميّ وموهبة فريد" 7

والإعلانات تكذب، والبعثات الدّبلوماسيّة لا تتوانى عن استخدام الكذب والدّيماغوجيّة ليل نهار، والأزواج تكذب، والخدم والأسياد يكذبون، وهكذا دواليك حتى أصبحنا في شبكة معقّدة جداً من الأكاذيب.

وهذا ما يؤكّد نكوصنا الإنسانيّ وتدهور العلاقات الاجتماعيّة والأسريّة "فلو كان للكذب كما هو شأن الحقيقة وجه واحد، لكانت العلاقات بيننا أحسن ممّا عليه، فيكفي أن نحمل على محمل صدق نقيض ما ينطق به الكاذب منا، إلاّ نقيض الحقيقة له مائة ألف وجه، ولا يمكن الإلمام كلياً بالحقل الذي يشغله " 8

ولكن تبقى الحقيقة ليست مرادفاً للواقع، بل قيمة أكثر إطلاقيّة وتسامياً منه، فلجأت القاصّة إلى عنونة نصوص قصّة "أكاذيب النّساء" 9 الفرعية باستخدام مفردة حقيقة لتعميق دلالة العنوان السّيميائيّة، وإعطائها بعداً فلسفيّاً: أكاذيب العانس/ حقيقة العانس، أكاذيب الخادمة / حقائق الخادمة، أكاذيب الزّوجة / حقائق الزّوجة، أكاذيب الجميلة/ حقائق الجميلة، أكاذيب العروس/ حقائق العروس، أكاذيب الحرّة/ حقائق الحرة ، أكاذيب السّاحرة/ حقائق السّاحرة.

في هذه الحكايات القائمة على اجتراء نقيضين متضادّين؛ الكذب / الحقيقة، لا يلحق الكذب فيهاالأذى بالآخرين، بقدر أنّه خداع للذّات "الايحاء الذّاتيّ"؛ لأنّ الحقيقة والواقع شيئان مختلفان، والحقيقة هي قول الصّدق، لكن الحقيقة لا تقبل النّسبيّة كما الصّدق المنتمي إلى الأكسولوجيا "القيم والمثل العليا "، والضّد للكذب المنتمي للرّذيلة والسّقوط.

ويتجلّى الخطاب الحجاجيّ في الاستهلال الأوّل لهذه المجموعة بوصفه صرخة احتجاج مدويّة ضدّ الكذب والكذابين لتحقيق نمط حجاجيّ بالمخاطبة بواسطة الإهداء: "إهداء كاذب" إليهن عندما يجدن الكذب كي يوارين الألم خلف الصّمت .

إليّ لأنّني أفوقهنّ قدرة على الكذب .

إلى مولانا الكذب الذي يهبنا الهراء كلّما احتجنا إليه في عالم لا يدين إلاّ له ولمريديه من الخرّاصين".

وفي الصّفحة التّالية صرخة أو إجابة بصيغة سؤال احتجاجيّ.

درب : لولا الكذب ما كانوا، وما كان الألم .

إجابة: هذه هي أكاذيبهنّ، فماذا عن أكاذيبكم؟"10.

وخلصت نصوص هذه المجموعة بخطابها الحجاجيّ وفق رؤية تحريضية /ثوريّة جديدة للواقع، وكما أكّد "رولان بارت" في إبداعيّة الخطاب "الخطاب ليس تمثيلاً للواقع، بقدر ما هو خلق لهذا الواقع وفق رؤيّة جديدة تجعلك تفكّر فيما لم يفكر فيه أحد، بعبارة أخرى تفكّر فيما حجبته الألفة والعادة عنك"، وهنا نجحت القاصّة "الشعلان" من خلال المسرود من حيث هو حبكة لاستحضار ما نفهم به الواقع الذي حجبته الألفة والعادة عنّا من خلال الموضوع الجماليّ الذي اختارته "لكنّه موضوع مُرّر من خلال رؤية معينة وفق اقتضاءات جنس أدبيّ معين، وتوجيه فنيّ ما، وخلفيّة معرفيّة معيّنة، ومتحكمات محّددة، والمقصود بتحديد الرّؤية من خلال هذه العناصر أن يصير الموضوع ممرراً من وجهة نظر أيديولوجيّة."11

الملفت للنّظر في هذه المجموعة بوصفها وثيقة سرديّة بتنويعاتها المختلفة إثارة انتباهنا لسيل الكذب الجارف المستحكم في مجتمعاتنا الذي ألفناه دون أن نحتجّ عليه، ويبرّر البعض كذبه للعرف السّائد، وهذا لا يستقيم مع العرف بوصفه مفهموماً نستتر به بقول الكذب وارتكاب الأفعال المشينة والمنحطّة، فمفهوم العرف: هو الأمر الذي اطمأنّت إليه النّفوس، وعرفته، وتحقّق في قراءتها وألفته، مستندة في ذلك إلى استحسان العقل، ولم ينكره أصحاب الذّوق السّليم في الجماعة، وعكس ذلك هو بهتان وتدليس للحقيقة .

مجتمعنا العربيّ زاخر بالكذب بأنواعه كلّها تحت طائلة الأعراف والعادات دون إخضاعها للعقل والذّوق السّليم، ولا تستقيم أمور العباد أو الجماعة التي تشترط للعرف أن تطمئنّ النّفوس له، ولا يكفي اعتياد الأكثريّة عليه، ليصبح عادة، فهناك نسبة كبيرة من الأعراف الفاسدة نحتكم إليها، ونتمسّك بها، وتتمسّك بنا.

"عندما اجتمع رجال أسرتها، وقررّوا بكلّ رجولة صداحة، وعدالة صارمة أن يذبحوها؛ لأنّها جرّت العار عليهم برفضها الزّواج بمن اغتصبها، وخسارة امرأة أهون من خسارة رجل في عرف القبيلة" 12

وما أكثر الجماعات التي تلبس كذبها بالدّين زوراً وبهتاناً، ويمارسون كذبهم باسم "الحقيقة المقدسة"، ويحملون فكراً دينيّاً متخلفاً وأفكاراً قطعيّة، حيث لا مجال للتّفكير وإعمال العقل هم جماعات هشّة، ولا قوة لها، ولو تُركت وشأنها، فستأكل نفسها بنفسها؛ لأنّ القضية لديهم ليست قضية خطأ وصواب، وإنّما هي قضية حلال وحرام، ثم تعاظمت إلى إيمان وكفر ثم استباحة دماء، وهي جماعات هزيلة وغشيمة" 13تعطّل التّفكير واللّجوء لمسلّمات ميتافيزقيّة تكهنيّة مليئة بهراء تاريخ زبالة يعجّ بالكذب والأفّاقين، ولا تعطيهم الحقّ؛ لأنّ الحقّ قائم بذاته وفرض آراء خرافيّة لا تمتّ للعقل والتّفكير الإنسانيّ لا من قريب ولا من بعيد ويقول "كانط" فيلسوف السّلام الأبديّ والمثاليّة: "إنّ البشر كلّهم يُولدون بقيمة جوهريّة أساسها أنّهم قادرون على اتّخاذ القرار باستقلال تامّ والكذب يفسد القدرات الأخلاقيّة للإنسان، ويعيق الآخر في السّلوك بعقل وباستقلال، وبالتّالي هو مسّ بالكرامة الإنسانيّة التي نادت الأديان السّماويّة بها.

تحتج "أكاذيب النّساء" بقوّة في العالم المبني على الكذب الذي يمارس من أجل  تغييب الحقيقة، فلا غرابة في أن يشيع الظّلم والعبوديّة بسبب الكذب والكذّابين تحت ذرائع ومسمّيّات شتى وأعراف بالية لم يعد لها معنى أو قيمة في حياتنا المعاصرة، وتسحق الشّرائح المستضعفة، وتستغلّها، والنّساء أوّل هذه الشّرائح المستغلّة، ويحدث كلّ ذلك مرة باسم الدّين وأخرى باسم الأعراف المحكومة بجندريّة قاسية ومميتة.

إنّ قضية المرأة في مجتمعاتنا العربيّة هي قضيّة معقّدة ومركبة وشائكة، مثل الكذب نفسه، وتشارك المرأة في خذلان نفسها لاستسلامها للكذب، بوصفه طريقاً لدرء مخاطر محيطها، والدّفع بقبولها الكذب بوصفه وسيلة دفاعيّة، وأتت هذه القصص من تجربة اجتماعيّة نعيشها جميعاً بتجليّاتها وآثارها بشكل يوميّ أصبح الكذب متلازمة مرضية أصابت المجتمع ونخبه الفاسدة السّاقطة في الرّذيلة والابتذال، المتوارية خلف الكذب وأقنعته المتعدّدة التي تملكها؛ لتخفي حقيقة واحدة كبرى، وهي أنّها كاذبة ومتهالكة، وساقطة، وتسير بالمجتمع، والحضارة والإفراد نحو الفساد والإفساد والخراب والدّمار، وأصبح العالم الإنسانيّ يبتعد عن الأمن والأمان؛ لأنّ دول تمارس الكذب والاحتيال على دول أخرى.

استخدمت القاصّة السّخريّة والفنتازيا، كما استخدمت المفارقة والتّقابل والتّضادّ في سبيل استمالة القارئ وإقناعه بالخطاب المرسل إليه سعياً لتأكيد الحقيقة التي تدافع عنها، ليس من منطلق يوتوبيا أو فلاطونيّة أو مثاليّة، بل تروي قصص من الواقع وإسقاطاته وتعريته، كما هي الحقيقة عارية، وعلى القارئ أن يستنطق الدّال والمدلول لإقامة الفهم أو المعنى "ولن يأتي ذلك إلاّ بتحديد مرجعيّة خاصّة بمعرفة حقيقة الأشياء، أو الأمور المتحدث عنها، أيّ حقيقة ما وراء الكلام، وهي حقيقة قد تظلّ معلّقة في النّصّ الأدبيّ رغم إصرار علماء اللّسان وعلماء الخطاب على أنّ القيمة المرجعيّة حاسمة في بناء النّصوص قد تبهت، وقد تختفي، لكنّها لا تضمحل، ولا يمكن الاستغناء عنها أبداً" 14

ولا تغفل هذه القصص كذب المهمّشين والمستضعفين اضطراراً نتيجة الاستلاب النّفسيّ والوجوديّ والنّساء في مجتمعنا العربيّ تبقى فرائس مستهدفة بشراسة، ولا تختلف كثيراً في المجتمعات الأخرى التي تدّعي التّحضر.

لقد نجحت نصوص هذه المجموعة بجملة الأساليب الحجاجيّة التي اضطلعت بحمل المتلقي "القارئ على الإقناع بمبرراتها السّرديّة بما عرضته وكسر التّوقعات لسلوك شرائح نخبويّة، كما تسمّي نفسها تقوم بأفعال لا تتطابق، ولا تتوافق مع ما هو متوقّع في أذهاننا، وبضدّها تبنى الأشياء والأفعال والسّلوكيّات في مجتمعات متهاوية ومتورطة بالرّذيلة والفجور تدين للكذب والكاذبين، وهذا جلي من خلال الخطاب الحكائيّ المبني على البلاغة لتتّسع إلى خصائص جديدة مع نصوص هذه المجموعة المرتكزة على الخطاب الحجاجيّ، وهو محطّ أنظارنا حصراً في تناول هذه النّصوص القصصيّة والحكائية في المجموعة انطلاقاً من "إنّ الحكي بمعنى الخطاب هو الذي يمكن دراسته أو تحليله تحليلاً نصيّاً، وذلك لسبب بسيط هو أنّ القصّة، أو السّرد لا يمكن أن يوجد إلاّ في علاقة مع الحكي، وكذلك الحكي، أو الخطاب السّرديّ لا يمكن أنّ يتم إلاّ من خلال حكيه للقصّة، وإلاّ فليس سرديّاً، وأنّ الخطاب سرديّ بسبب علاقته بالقصّة التي يحكى وبسبب علاقته بالسّرد الذي يرسله" 15

ويمكن القول إنّ هذه المجموعة تنحو منحى الكتابات النّثريّة المتخصّصة لنخبة من القراء، وهي بذلك مضنون بها على غير أهلها؛ ولذلك غلب عليها الحجاج والتّدليل والنّقاش؛ لأنّها تنبثق من فكرة الاستدلال والإقناع بغية تسجيل الرّفض والاحتقار للكذب والكذابين.

والمجموعة تجربة فريدة وخاصّة في توثيق سير الكذابين لاسيما في أوساط النّخب المزورة التي أفسدت الإنسان والمجتمعات، وهي تعرية لهم جميعاً بغية فضحهم وتجريمهم ولعنهم في الذّاكرة والتّاريخ.

ومن هذا المنطلق تعدّ هذه النّصوص السّرديّة ليست مجموعة قصصيّة تستهدف قطاعات القرّاء جميعها، بل هي تتوجّه نحو النّخب أيّاً كان وضعها أكانت نخب متسلّقة مفروضة على المجتمع، وهي رمز للسّقوط و الانتهازيّة والخواء، أم كانت نخب حقيقيّة تعاين ما يحدث حولها من فجور وكذب، وتلوك القهر، وفي الغالب هي مغلوبة على أمرها وصامتة، وهاربة نحو العزلة والاعتكاف بعيداً عن فساد المفسدين وكذب الكذّابين.

من هنا أصبحت هذه النّصوص وثيقة إدانة تاريخيّة وخطاب احتجاج صريح، وأنّ في وسع الخطاب أن يكون أكثر اتّساعاً من النّصّ، لكن النّصّ أكثر بقاء، وأثبت مع الزّمن لم يرتهن للحظة الإرسال .

كما نجحت القاصّة في استخدام السّخرية والفنتازيا والمفارقة والتّقابل والتّضاد في سبيل استمالة القارئ وإقناعه بالخطاب المرسل إليه سعياً لتأكيد الحقيقة التي تدافع عنها ليس من منطلق يوتوبياويّ أو افلاطونيّ؛ لأنّها تروي قصص من الواقع وإسقاطاته وتعريته، كما هي الحقيقة عارية.

وهي كذلك لا تغفل كذب المهمشين والمستضعفين اضطراراً نتيجة الاستلاب النفسيّ والوجوديّ، والنّساء في مجتمعنا العربيّ تبقى فرائس مستهدفة من القريب والبعيد نتيجةلاختلال العدالة التي أخضعها الذّكور لسلطانهم.

كتبت القاصّة في مجموعتها "أكاذيب النّساء":" كان الأمر أسهل ممّا تتخيّل، اغتنم فرصة بقائها وحدها في بيتها، واغتصبها بكلّ سهولة وسطوة بعد أن استفرد بها، قاومته بشدّة، لكنّه كان أقوى منها جسديّاً، وبذلك حظي ببكارتها، وثم سلّم نفسه للشّرطة معترفاً بجريمته، ومعلناً أنّه على أتمّ الاستعداد للزّواج بها وفق ما يقرّه القانون من حقّ المغتصب بالزّواج ممن اغتصبها، وكان القانون مفصّل بعناية لخدمة المجرم" 16

"انتهت المجموعة القصصيّة ، لكن لم ينته الكذب ! كُتبتْ هذه المجموعة ذات صدق " هكذا ختمت د. سناء الشعلان مجموعتها أو وثيقة الإدانة للكذب والكذّابين .

وبعد؛

تنتمي هذه المجموعة القصصيّة إلى القصة المعاصرة التي تقوم على التّجريب على مستوى الشكل( وبتعديلها عن الخطوط المستقيمة، وتركت هذا العالم البسيط لتقيم عوالم أخرى تعتمد على توازي الخطوط وتقاطع الأحداث وتعدد المستويات، حتى تتمكّن من شقّ بطن الواقع والنّفاذ إلى أحشائه بدلاً من الانزلاق على سطحه ) متّخذة من التّكثيف الدّراميّ لمعاناة بطلاتها بتبادل الرّمز الضّديّ للكذب وشجرته مقابل الحقيقة والصّدق تارة بالمجاهرة والوضوح، وتارة تعتمد على التّورية للإشارة إلى موضوعات شائكة، مثل انعدام العدالة الاجتماعيّة والقهر والرّضوخ لسلطات متعدّدة، وكذلك الجنسيّة الاجتماعيّة تخضع لفاشية المجتمع الذّكوريّ في مختلف الأنظمة حتى في ظلّ الأنظمة التي تظهر تضامناً مع النّساء، وهي أنظمة نتجت من الصّراع الطّبقيّ عن الأساس واستغلال المرأة، والاتّجار بها بوصفة سلعة اقتصاديّة، وبعض القصص تمثّل إدانة للنّساء الخانعات للقيم والعادات نتيجة الرضا والخنوع والقبول بالاستلاب والعبودية.

وقد أثارت القاصّة "سناء الشعلان" قضية بالغة الأهميّة من خلال خطاب حجاجيّ مؤكّدة "لا يمكننا الزّعم بأنّ كتابات النساء جميعها تنطلق من منظور مؤنّث، وتحمل قيماً مؤنّثة، بل لا يمكننا الزّعم بأنّ أيّ شيء تكتبه النّساء نسويّاً بطريقة أو بأخرى.

وعليه يتبع من هذا الخطّ الفكريّ سؤال مثير للفضول: هل( يمكن أن يُقال عن الرّجل الذي يتّفق مع هذا، ويعبّر عنه أنّه نسويّ؟ أعتقد أنّ الإجابة هي نعم، بينما يجب أن نعترف في الوقت نفسه بأنّ الرّجل النّسويّ يعبّر دائماً عن وضع عن المرأة النّسويّة في علاقتها بالعدالة الاجتماعيّة القائمة على أساس النّوع )، وهذا أمر مفروغ منه.

 

عباس داخل حسن / هلسنكي

................................

الإحالات:

1- أكاذيب النّساء: سناء الشعلان، مجوعة قصصيّة، دار أمواج للنّشر والتّوزيع، عمان، الأردن، ط1 ،2018 م

2- تاريخ الكذب: جاك دريدا، ترجمة وتقديم رشيد بازي، المركز الثقافيّ العربيّ، بيروت، لبنان، ط1، 2016، ص32-6

3- ألف ليلة وليلة سحر السّرديّة العربيّة: سلمان داود الشّويلي، منشورات اتّحاد الأدباء العرب "الالكتروني"، 2000م، ص42

4- أكاذيب النّساء: ص 17-41-67 القصص المذكورة.

5- نفسه: ص79، قصّة أفراح التّدليس ومصارع الصّادقين.

6- نفسه: ص 105، قصّة كاذبون بمنتهى الصّدق.

7 – نفسه: ص 167.

8- تاريخ الكذب: جاك دريدا، ص29-30

9- أكاذيب النّساء: ص 17، قصّة أكاذيب النّساء.

10- نفسه: ص5-7

11- القصّة القصيرة ومأزق التّجريب ضرورة جماليّة مكوّنة للأدب: عبد الرّحيم جيران، جريدة القدس العربيّ، 19 ابريل 2015

12- أكاذيب النّساء: ص 41 ، قصّة أكاذيب العدالة.

13- لقاء مع المفكّر المصريّ محمود إسماعيل، أجرته الدّكتورة نجلاء مكاوي، مجلة الاستغراب، الصّادرة عن المركز الإسلاميّ للدّراسات الاستراتيجيّة، بيروت، لبنان، العدد الرابع، 2016

14- خطاب الحكاية: جيرار جينيت، ترجمة محمد معتصم، مطبعة النّجاح الجديدة، الدّار البيضاء، 1996م، ص38

15- النّصّ الأدبيّ وإشكاليّة القراءة والتّأويل: الدكتور محمد خرماش، الشّبكة العنكبوتية "انترنيت"، رابط: https://www.aljabriabed.net/n67_03kharmach.htm

16 – أكاذيب النّساء: ص44 ، قصّة أكاذيب العدالة.

 

 

ثائر العذاريفي الامتحان النهائي لطلبة المرحلة المنتهية لهذا العام وضعت سؤالا عن رواية نجيب محفوظ (اللص والكلاب) بعد أن كنا قد قرأناها وحللناها في أثناء العام الدراسي، وكان السؤال: هل كان سعيد مهران في رأيك شخصية طيبة أم شريرة؟ ولماذا؟ وجاءت إجابات طلبتي مثلما توقعت تماما، تشي بصعوبة الحكم والحيرة فيه، فقد تراوحت إجاباتهم بين من رأى أنه شخصية شريرة أو طيبة أو الاثنين معا ولكل منهم أدلته.

يوظف محفوظ في هذه الرواية وروايات أخرى وفي عدد من قصصه القصيرة كما في مجموعة (همس الجنون)، تقنية خفية تدفع القارئ نحو التعاطف مع شخصياته مهما كانت سيئة، أو السخرية منها مهما كانت طيبة، وهذا ما يؤدي إلى بناء أثر الشعور بالذنب عند القارئ كما سنبين.

أضاف (كلينث بروكس) فصلا إلى كتابه (فهم السرد Understanding Fiction) في طبعته الثانية، عنونه (المسافة Distance)، يرى فيه أن ثمة تنويع مهم في صيغة الروي لم يحظ بالاهتمام المناسب، ذلك هو مقدار ما يستطيع الراوي معرفته من أفكار الشخصية الرئيسة ومشاعرها، وهو ما سماه المسافة بين الراوي والشخصية التي تتيح مروحة كبيرة من التنويعات في صيغة الروي.

وفي كتاب (بلاغة السرد The Rhetoric of Fiction) يرى (واين بوث) أن من السخف ان نحاول حصر صيغ الروي بثلاثة أنواع أو أربعة، لأن هناك الآلاف من الاحتمالات.

ويمكننا الدخول إلى صيغة الروي في (اللص والكلاب) بالجمع بين المدخلين السابقين، إذ إن صيغتها من تلك الأنواع التي قصدها (بوث) التي يصعب تصنيفها، بينما يمكننا أن نكتشف أن المسافة بين الراوي و سعيد مهران تساوي صفرا.

تبدأ الرواية هكذا:

"مرة أخرى يتنفس نسمة الحرية ، ولكن في الجو غبار خانق وحر لا يطاق. وفي انتظاره وجد بدلته الزرقاء وحذاءه المطاط، وسواهما لم يجد في انتظاره أحدا. ها هي الدنيا تعود، وها هو باب السجن الأصم يبتعد منطويا على الأسرار اليائسة.

هذه الطرقات المثقلة بالشمس ، وهذه السيارات المجنونة…"

تتسم هذه البداية بسمات يفترض أنها ستحدد صيغة الروي، فمعظم الذين كتبوا عن الرواية رأوا أن الراوي فيها راوٍ عليم، فهو يقدم سعيد مهران بصيغة الغائب، فضلًاعن تمكنه من الكشف عن أفكاره.

يستغل نجيب محفوظ شعور القارئ بموثوقية الراوي العليم، لكنه لا يجعله يتحدث بلغة تعبر عن حياديته، فالمفردات التي استعملت في هذا المفتتح تحمل شحنات عاطفية تعبرعن شعور سعيد حال خروجه من بوابة السجن. فهده الانزياحات الممتدة في هذه الأسطر لا يمكن أن نكون مشاعر الراوي، فمن يشعر بتنفس الحرية والغبار الخانق وبعدم وجود من ينتظر وجنون السيارات، مثلا، هو سعيد مهران لا الراوي، لكنها تشي بانعدام المسافة بينهما، وهذا ممكن في تقنية الراوي العليم القادر على النفاذ إلى وعي الشخصيات، لكن غير الممكن هو:

"... ولا شفة تفترعن ابتسامة. وهو واحد، خسر الكثير، حتى الأعوام الغالية خسر منها أربعة غدرا، وسيقف عما قريب أمام الجميع متحديا. آن للغضب أن ينفجر وأن يحرق، وللخونة أن ييأسوا حتى الموت، وللخيانة أن تكفر عن سحنتها الشائهة. نبوية عليش، كيف انقلب الاسمان اسما واحدا؟، أنتما تعملان لهذا اليوم ألف حساب، وقدما ظننتما أن باب السجن لن ينفتح، ولعلكما تترقبان في حذر، ولن أقع في الفخ، ولكني سأنقض في الوقت المناسب كالقدر … استعن بكل ما أوتيت من دهاء، ولتكن ضرتك قوية كصبرك الطويل وراء الجدران . جاءكم من يغوص في الماء كالسمكة ويطير في الهواء الصقر ويتسلق الجدران كالفأر وينفذ من الأبواب کالرصاصن …"

ففي هذه الأسطر القليلة تتغير صيغة الروي ثلاث مرات، من غير علامة ترقيم تدل على الانتقال من صيغة إلى أخرى، فبشكل مفاجئ يظهر صوت سعيد بصيغة المتكلم بعد أن كان يشار إليه بضمير الغائب، ثم فجأة، أيضا، يتحول إلى مخاطب، ثم يعود إلى صيغة الغائب.

يمكن، عبر الفحص اللغوي، أن نصل إلى أن الرواية كلها تقدم العالم كما يراه سعيد مهران بعينيه وفكره، فهو موجود في كل مشاهدها من اول كلمة إلى آخر كلمة، وليس هناك حدث صغير واحد يحدث في غيابه، رأينا عليش ونبوية وسناء ورؤوف علوان ونور والجنيد والشرطة، بعينيه هو، ولم نجد أثرا لقدرة الراوي العليم على النفاذ إلى وعي الشخصيات، فكل شخصيات الرواية، عدا سعيد نفسه، رسمت من الخارج كما يراها هو، وإذا ما أبدلنا ضمير الغائب الذي يشير إليه بضمير المتكلم فلن نحتاج إلى تعديل أية فقرة في الرواية. وهكذا يكون من الصعب عد الراوي عليما. كما لا يمكن القول أن الراوي سعيد نفسه لأن الصيغة اللغوية التي تشير إليه بضمير الغائب تمنع ذلك.

إن من السهل بمكان الاستدلال على الشبه الكبير بين سعيد مهران وراسكولنيكوف، وكما رأينا العالم بعيني سعيد هنا، كنا نراه بعيني راسكولنيكوف في (الجريمة والعقاب). فنجيب محفوظ يوظف الصيغة نفسها التي وظفها معلمه دوستويفسكي، إذ يبدو كما لو أن الراوي يجلس في رأس كل منهما، فيطلع على تفكيره ومواقفه من العالم الذي سيشاركه رؤيته. ولهذا ستكون كل أفعالهما مسوغة ومقنعة، مع الإيهام بموثوقية الراوي باستعمال ضمير الغائب، وهكذا سنتعاطف معهما على الرغم من معرفتنا أنهما مجرمان.

ولأن الراوي يجلس في رأس سعيد سيتوحد معه إلى الدرجة التي تختلط فيها الضمائر (أنا، أنت، هو)، وهذا ما يفسر اختلاط الصيغ في مفتتح الرواية.

إن تنويعات صيغة الروي التي يتيحها عامل المسافة بين الراوي والشخصية، هي أحد أهم أسباب سخرية واين بوث من محاولة تصنيف الصيغة، فكلما اقترب الراوي من وعي الشخصية تغيرت طبيعته، وقل بالضرورة مقدار ما يعرفه من وعي الشخصيات الأخرى، حتى إذا أصبحت تلك المسافة صفرا، اصبحت قدرة الراوي على النفاذ إلى وعي الشخصيات الأخرى منعدمة.

أسمي هذا النوع من صيغ الروي (الراوي الملتبس)، ولا أقصد إضافة مصطلح لصيغة روي جديدة، بل هو مصطلح يمكن أن ندخل فيه كل صيغة روي لا تدخل في التصنيفات المعروفة.

 

د. ثائر العذاري

 

رواية (عركَشينة السيد) للقاص والروائي سلمان كيوش

قرأنا العديد من الروايات والقصص من الشفاهيات المنقولة مع الاستماع إلى الأغاني والشعر بشقيه الشعبي والفصيح والتي بمجملها تتحدث عن موضوع العشق الذي يُطلق عليه (عشق الشروكَية) لأنه محصور في منطقة الماء مابين دجلة والفرات والأهوار وتحديدا محافظات الناصرية والعمارة. وعادة مايكون مصير العاشق هائما على وجهه سائحا في الأرض بعيدا عن أرض المعشوق أو مجنونا (مسودن) أو الموت منتحرا وغالبا بالغرق في الماء..

ولطالما أُثير تساؤل أهل المدن التي تصلها رياح هذه القصص محملة بعبق القصب والبردي وأصوات الطيور وطعم القيمر واللبن الرائب.. كيف يمكن أن يكون العشق بهذا الجنون والعمق حتى أنه يؤدي بصاحبه إلى الهلاك هل يعقل أن يكون هناك من يعشق بهذه الطريقة؟ هي ليست روايات وقصص متخيلة أو أشعار واغنيات مفترضة على سبيل التمني. بل حقائق على الأرض التي تغمرها المياه.

ويأتي الجواب من القاص والروائي سلمان كيوش في روايته (عركَشينة السيد) هذه الرواية التي لم يكن هم كاتبها سرد الأحداث في حكاية العاشق السيد هاني الناجي بطل الرواية، بل كان هم سلمان كيوش هو أن يشرح ويفسر حالة العشق والهيام إلى حد الانتحار في آخر الأمر على لسان بطل روايته ومن الروعة والجمال أن هذا البطل المدعو السيد ناجي كان مثقفا صاحب شهادة دراسية وموظفا في مجال التربية والتعليم مما جعله متمكنا وقادرا على التعبير بلغة كانت أقرب إلى الشعر بل أكاد أجزم أنه الشعر بعينه وهو يسرد حكايته مع معشوقته التي رفض ذكر اسمها في الرواية للنهاية وعلى الرغم من أن صاحبه الذي يستمع له يُحضّر الدكتوراه في علم الاجتماع إلا أنه لم يستطع أن يجاري السيد هاني في أسلوبه السردي لحكايته.

(يبدأ الحب في اللحظة التي نقتنع فيها جازمين بفذاذة الحبيب، وأن فيه، هو وحده، مايكمّل عوزا حادّا فينا، في أرواحنا تحديدا، وأنه أجمل، أو في الأقل، بجمال الصورة نفسها التي دأبنا على رسمها منذ أن غادرنا أثداء أمهاتنا مكرهين، وكأن الحب خلاص من وطأة البحث الحثيث عن أثداء أخرى نعوّض فيها جسامة خسارة الفطام الكبيرة الأولى). هذا مقطع مقتطف من الرواية وضعها الناشر على الغلاف الأخير للرواية.

لقد كانت الحكاية بسيطة في الرواية وهي تشبه حكايات العشق التي قرأناها وسمعنا عنها ولكي لاتكون رواية عادية ومكررة اشتغل الكاتب سلمان كيوش على الحوار المعتمد على الوصف أكثر من الأحداث والشخصيات حيث كانت محدودة إلى حد كبير. واختص السيّد هاني بحواراته الطويلة التي بدت في لحظة ما وكأننا أمام مونودراما مشحونة بالكثير من الشجن وهو يصف لنا علاقته بمعشوقته بأدق تفاصيلها الحسية بينما اكتفت بقية الشخصيات بجمل قصيرة جدا تبدو مبتورة أحيانا لكنها ممتلئة بالقصد والمعنى حتى أنه جعلها سببا مباشرا في تحويل مجرى الأحداث حين تشعرك بالصدمة إذ تجيء في لحظات غير متوقعة وهو مايبقيك مشدودا لمتابعة القراءة.

كما أن للمكان حضوره المستقل والمؤثر في مسار الرواية فالجسر الذي كان شاهدا على علاقة العاشقين يكاد يكون أحد شخصيات الرواية حيث منحه السيّد هاني قيمة روحية امتزجت مع مشاعره الجياشة العاشقة بكل عنفوانها فكان حاضرا في كل أجزاء الرواية بعلاقة روحية عميقة حياة وموتا حتى أننا نشعر في أكثر من لحظة أنه كان على الكاتب أن يجعل الجسر عنوانا لروايته لولا خاتمة الرواية التي بيّنت أهمية عركَشينة السيد في كونها رمزا معنويا للبطل وإرثا لصديقه الذي تأثر كثيرا بشخصية هذا العاشق المتفرد.

وأخيرا لابد من الإشارة إلى أن العامل المشترك لكل قصص العشق الشروكَية هو جمال المعشوقة الذي هو السبب الحقيقي والأول لبداية أي قصة من هذا النوع والتغزل بهذا الجمال هو محور كل مايقال في حضرة هذه القصص ويبدو أن جمال الطبيعة هو السبب فجمال المرأة هو مكمل لجمالها لذا يُسلب لب الرجل من النظرة الأولى. 

لقد نجح الروائي في جعل روايته متفردة بمعالجتها فقد أرادها أن تكون رسالة وإن كانت طويلة موجهة إلى الحبيبة ومطالبتها بأن تكتب مايعتمل في صدرها من هذا العشق على غرار مافعل السيد بسرده للحكاية ويبدو أن شخصية سلمان الصديق هي نفسها شخصية الكاتب وقد حمل إسمه نفسه وعنوانه الوظيفي.

 

منتهى عمران - البصرة  - العراق

 

عبد الكريم قاسمقراءة سيكولوجية في سواقي العسل المر للقاص احمد الجنديل

تقدمة: ان رسم لوحة أو كتابة قصة كاملة للانطباقات الفصامية Schizophrenia غير ممكن حيث يتعارض فيها الفكر مع المشاعر والتحايل مع الاكتشاف الحدسي والسطح مع القعر. علينا فك التشابك للبنى الفصامية التي يضخمها المرض، نجد من الضروري أن ندع المريض يلخص بنفسه التشاكل لنظام القمع ألظلامي ويختار طريقه المناسب العقلي أو الغريزي.

(سواقي العسل المر)1 للقاص العراقي المبدع أحمد الجنديل؛ جسد أدبي غير معافى يتقطع الى 18 قصة قصيرة ويتمدد عند القراءة على ثلاثة مستويات سريرية هي:

الأول، الطاووس 2:

للوهلة الأولى الرمزية الحيانية شديدة الغموض لأنها كثيرة الشيوع، تحتمل التقويم سلبا مع الزواحف والجرذان وإيجابا مع الحمام وما شابه. إن قراءة الأنموذجات الرمزية الحيوانية تبدأ بتأمل عالميتها وشعبيتها. نستطيع أن نلحظ بعضها توصف بالذكاء أو المكر أو التبختر..في سلوكياتها. إن الحيوان يبدو في تفكير بعض الشعوب كتجريد عفوي بدائي أو تمثيل رمزي كما في الوعي المتمدن. يبدو على هذا الأساس بأن الرمز الحيواني يحتل مركزا مرموقا في العقلية الجماعية والمخيال الفردي هذا ما يوصلنا الى التساؤل: ما هو الخط البياني الذي يمثله النموذج الحيواني الطاووس؟.

الحيوان المثالي عند الجنديل هو المتعدد الدلالات. الأسطوري الواجب تلطيفا صورته لتجعل منه الأنموذج الأساسي الذي يختصر قاموس التفاخر والعجرفة. يصوّر بجناحين وذيل فيه الأطياف وقدرة سماوية رمز الاكتمال وجميع الإمكانيات؛ يصبح خيال تجميعي.

يحرك صاحب السلطة مشاعر الذنب عند الإنسان وتستغل وجدانه، تقلق ضميره، توتره كي تؤلبه ضد الخارج عليها. تخفي الكراهية الموجهة ضدها بإزاحتها عن الطريق. من هنا تولد الشعور بالذنب الوهمي؛ ذلك الشعور يتمثل بالخوف من العقاب أو برموز بديلة. يتماها الجبار مثلا بالأب الحنون أو تراث السلف الصالح، فيقدم نفسه للشعب رمزا لهما.

هكذا تظهر السلطة أمام الوعي بمثابة المضطهد أو تراث الأمة المهدد بالدمار والاندثار. بذلك تنتقل الى لا وعي الفرد البطانة، الأديب أو الفنان..الفقيه أو شيخ الطريقة صاحب السماحة. هو جسر بين السياسي والرعية، هي محنة المثقف واشكاليته. من هنا تتسرب مشاعر محبطة الى الذات والتأثير في السلوك والوعي، وإقامة صورة كاريزمية للحاكم.

ٍ  الحاكم في قطاع اللاوعي Unconscious  والاستعارات والمأثورات، يمثل اللذاعة واللوعة، يلقاهما المواطن الحر في التعامل مع الجبروت. هنا تسلط السياسة على ألعلائقي والغوري، البادي والكامن، قيعان الأنا والنحن. الخوف الواعي كما اللاواعي، من السلطة، شديد التجذر في النفوس، يحذر منهما في قوالب المألوفيات ومعاناة الإنسان من الجور والانقهار.

إن الطاووس رمز الكبر والغرور، جنس خاص حتى لكأنه ليس من هذا العالم المرئي. ليس لصيقا بالأرض، خص بالأجنحة رمز الطيران والاتصال بالأفق. اقترن في أذهان الناس من خلال التجارب والحكم والأمثال والأساطير بحيث أصبح من خلال إسقاط عالم الإنسان عليه وسيلة من وسائل التعبير عن العالم الأرضي ونظامه وما بين أفراده من العلاقات. دليلا ورمزا ضمن خطاب عقائدي كبير هو عنصر منه لا يكتمل معناه بدون إدراجه ضمنه.

الثاني، الرأس 3:

نتساءل في البداية: ألا تعتبر لعبا على الكلام عملية إتباع أنموذج السلطان، الرأس السياسي، بدراسة الرأس بمعناه التشريحي والجسدي؟.

على الفور نجيب: أن الكلمات دائما لها مغزى بالنسبة للباحثين في مجال النفس والاجتماع. وإذا كانت الأنساق العمودية تلتقي في الكون الاجتماعي الكبير مع انموذجات السلطان كما تلتقي في الكون الطبيعي الأكبر مع تقييم القمم فإننا سنلحظ أنه في الكون المصغر الذي يشكله جسم الإنسان تنتج العمودية عدة ثوابت رمزية اقلها الرأس، الذي يشبهه روحانيو الارتقاء بقبة السماء.

ففي وصف الشخصية الفصامية التي قدمها القاص علينا أن لا نسهب فيها، بل أن نرى البنى الفصامية للتصور داخل القصة حتى لا يوهمنا القاص بهذيانها. سوف نستكشف من عرض الشخصيات الملامح البنيوية النموذجية للذهنية العقلانية، التي تجد سعادتها في المجرد، في الساكن، في الصلب والجامد، فهي تفكر أكثر مما تحس ولا تتحرك بشكل عفوي بل تتوصل الى تحديد شكل التمرد. يتراءى لنا من هذا أن شخصياتها منطلقة من خلفية اجتماعية مفكرة مضطهدة تستند الى حجج لكي تصل الى العلائية.

البنية الفصامية التي نوه عنها القاص احمد الجنديل في شخصياته ليست مرضية لكنها تظهر من خلال التضخيم والتركيز على المعطيات التي تشكل مواقف ردات الفعل الطبيعية. يصبح هذا البعد فقدانا للتعاطي مع المعيوش ونقصا ذرائعيا ونفيا لوظيفة الواقع.

هنا يحصل الانطواء على أنه انفصال وليس انفصام عن الواقع والدليل الفكر يأخذ منحى ذاتي. يرتبط بالقدرة على تميز الإنسان الذي يفكر على هامش المجتمع والخوف من دخوله الى الوسط لقلب الطاولة. نكتشف تعطش الشخصيات الى نظام واضح انطلاقا من تضحياتها التي تستعير لعبة الأقنعة السيكولوجية الفصامية المقلقة لدلالات الظلمة وسقوط  الزمن المميت الذي تحول الى صورة طائر جميل يسر الناظرين لكنه يحصد بذيله الذي يشبه المروحة الذين يفكرون بعقلهم وحواسهم الوطنية من الهامش فقط ، ويبقي الذي استنبتهم تحت مخرجه من شعراء وكتاب وأهل الفن.. وحاول ضم الآخرين لكنه يموت وتتم قراءة (الفاتحة)ص83 عليه هؤلاء أنفسهم يتناسلون ليعيدوه.

عندما يسخّر القاص الجنديل الخيال في خدمة المصغرات  لا يتوقف في الطريق، ومن الناحية التشريحية، فإنه يفتش، في سياق عملية تصغير بديلة، تشريحية الرأس الجمجمي. تبرهن لنا الرمزية أن القدرة على التصغير تتمثل على السواء بالرأس المرفوع أو الذكر في حالة الانتصاب الذي يخصيه الطاووس وأخرى بيد البطانة.

عليه فإن هنالك انتقالا طبيعيا وتعاكسيا رمزيا بين الرأس وعضو الذكورة. يكون خصاء المفكرين عند الطاووس موازيا لقطع الرؤوس المشتملة على العقول التي تحمل نظرية التغيير. هكذا يتحول الرمز من، عن طريق البديل، أولا الى علامة ثم الى كلمة ليتخلى فيما بعد عن دلالته لمصلحة السيمياء.

أصبح الرأس المقطوع هو المرقاة، رمز للصعود، للسمو الروحي، كأننا نرمز ظاهرة التحول النفسي والاجتماعي الى ما هو أرفع، أرقى، أكثر تقدما باتجاه القيم التي سوف تتحقق عند حيازة السلطة والعرش.

الثالث، البطل وأسلحته 4:

تفرض انساق وأنموذجات العلائية نهجا جدليا محددا. فالخلفية الفكرية التي تواجهها هي هجومية تجعلها تتصدى لنقيضاتها. هكذا نتخيل الصعود ضد الهبوط والنور ضد الظلام. عند الإصرار على العمودية، والبقاء فوق، أنها تترافق بإحساس التأمل السيادي يصغّر الكون ويمجد العملقة ويتغنى بالطموح وبأحلام الصعود. دينامية صور كهذه تنم عن تصورات قطعية شرسة. سرعان ما يتحول النور الى صاعقة أو سيف براق، يتوصل الصعود الى سحق عدو مهزوم. هكذا ترتسم وراء رموز المشاهدة أو التمييز، الخطوط العريضة لصورة المحارب البطل الصامد في  وجه الظلمة والهاوية.

أن التسلح يمكن أن يؤدي برمزيته الجنسانية الى أبهام وان يدمج السيف والقلم بالذكورة. أن التماثل يربط العمودية بالعلائية وبالرجولة التي تظهر هنا من خلال رمزية السلاح الممتشق المجرد، لكن هذه الرجولة تأخذ هنا صيغة هجومية يمدها بها الرمز نفسه.

راموز كل الأبطال، أسلحة روحانية أو قتالية، هي التي يركز عليها التحليل النفسي في قراءته لكوكبة رمزية في(سواقي العسل المر)هي التي تدور حول النشاط الفكري والعضلي(القلم/الأب/صاحب العربة/الأم الخبازة/الطالب المجد،الحلاق..).

عدد الأبطال الذين يكافحون للقضاء على المسوخ وافر أولهم الشباب العاطل ومن الأسماء والمهن يتعرف القارئ عليهم. ولا يوجد تفريق أخلاقي نقيمه بين استعمال الهراوة أو السيف أو الشفرة أو القلم.

لا يمكن للإنسان المهدور أن يتحمل بسهولة ولمدة طويلة واقعه الوجودي(المر في سواقي العسل)الذي يعصف به، وقد يزلزل كيانه، كما لا يمكنه أن يتعايش مع هذه الصورة المبخسة وفاقدة القيمة عن ذاته، التي تكاد تنحدر من حالات الهدر الشديد الى مستوى القيمة المضادة. الاستجابة الحيوية الطبيعية تتراوح ما بين الانفجار الذي لا يبقي ولا يذر، والانتحار الذي يحمل دلالة ذعر خواء الكيان وفشله.

هناك آليات دفاع ضد الهدر متعددة تنوعت تبعا لظروف المهدورين جعلهم القاص إبطالا لقصصه وان توشحوا بالهذيان، منهم طبقة الطاقات الحية الوثابة الطامحة للنماء والتوسع، إنها تمثل الجانب الأصيل من أنفسنا. يشكل بلوغها الدخول في اتصال حقيقي مع الذات في كل وجداناتها المتفجرة من فرح، ورغبة في الثورة والتغيير، حتى يقلبون دلالة الوجود من خواء الى امتلاء الى استحقاق.

تبدو للقارئ الرموز الارتقائية مدموغة كلها بطابع استرداد قوة مفقودة حيوية أضعفها الضغط. يظهر هذا الاسترداد نحو فضاء ميتافيزيقي5 يرمز إليه الحب و الزواج وتعتبر مرحلة طمأنينة سامية. ثم تأتي صورة،  المرتقب أو المشرع المحارب، يرمز إليه الرأس والفكر السلاح.

ماذا عسانا ان نقول:

1ـ بدأت بالطاووس وانتهت بالفاتحة، القصص، تدور في مجتمع يغلب عليه طابع إسلامي. مبتنية بالمرض النفسي والأسطورة. تعبر  تشكيليا ودراميا عما تعبر عنه الماورائيات بطريقة جدلية 6.

2ـ المرض النفسي والفكر الأسطوري حاضران في نسيج الخطاب الديني الإسلامي واضطلعت بوظيفة فكرية مهمة مع تقدم المعرفة. ذلك أن بعض الأمراض النفسية والأساطير أسهمت في بلورة المفاهيم بطابع الدين وتثبيتها بإخراجها في صورة درامية تتحدث بحسب الضرورة. في مراحل دينية كان الطاووس يتمتع بقداسة، فهو كائنا ملك أو خليفة واجب التقديس. القاص بإبداعه، سّوق هذه البنية بشكل الحاكم الذي يقطع الرؤؤس ولا يسأل، بل مفترض الطاعة.

3ـ انتقل الجنديل من مواجهة العقل الى تجاويف اللاوعي؛ حيث البس شخوصه بعناية أزياء المصحات الذهانية Delirium لكي تتسرب من أفواههم الأفكار بدون رقابة تبعية الطاووس.

4ـ المدنس جرى ترقيته تحت تبريكات ما تحت ذيل الطاووس؛ فئة من كتاب الشعر والفن ورجال فقه وفكر واقتصاد.. ملاصقة لمخرجه تتلقى برازه نعمته، تصفق وتنحر الذبائح بعد كل قراءة فاتحة من قبل الشعب، واجبها اختلاق الطاعة وداعمة لدوام الطاووس ورغبة في قطع الرؤؤس.

بصمات:

استطاع القاص تحريك شخوصه بطريقة  ذكية، علينا عدم قبولها باشتراطاته، حيث أننا تحققنا من ان مواقف التخيل هي التي توصل لبنى التصور الفصامي، الارتقائية تبشر بالسلامة السريرية للشخوص التي تسبب الريبة للظالم.

أما الرئيس هو الرأس، المفكر عنها، عظيمها وصدرها، وجهها والقائد لها، يتقابل الرأس والرئيس. الرأس في الجسد من حيث الوظيفة الإيديولوجية، الرئيس في السلطة ملك، هو رمز الامتلاك، لذلك؛ يقطع الرئيس الرأس ويبقي الجسد، مطية له لأنه من ملكياته.

هنا نقل القاص بذكاء وظيفة الرأس الى مدلول جديد اقتصادي. تعطيل دور الرأس لماذا؟ لأن الرأس بالعمل والصراع Conflict ينتزع الاعتراف بالذات ويحظى بالآخر مقرا له بمهاراته، مشاعر الانتماء للجماعة حيا أو في الرمازة يكون الموت أبرز فقدان وخسارة، وتخلص من عدو طاووس مناهض للبروليتاريا.

 

عبدالكريم قاسم

........................

1ـ سواقي العسل المر/قصص احمد الجنديل/مطبعة الرفاه/بغداد 2013 .

2ـ ص 7،26 ،54،..

3ـ ص 34، 38، 46 ، 76 ،..

4ـ ص 31 ،42 ، 63 ، 81، ..

5ـ ص49 ،..

6ـ ص39 ،..

 

عدنان حسين احمدتندرج رواية "الاغتيال" لمحمد عامر الصادرة عن مؤسسة "أروقة" في القاهرة ضمن أدب المقاومة الأحوازية، ولو شئنا الدقة لقلنا إنها رواية واقعية تستمد مادتها من أحداث حقيقية وقعت بالفعل على أرض الواقع، وأنّ بعض الأسماء ليس وهميًا مثل الشيخ كاظم آل علي، المُحرّض على عملية الاغتيال، وفايز، العقل المدبّر الذي ساهم في عملية القتل، ووهاب أبو شجاع هو المناضل وهاب خانجي الذي نظّم زباري في جبهة تحرير عربستان ليصبح عضوًا بارزًا ومؤثرًا فيها، أمّا بقية الأسماء فهي وهمية صنعتها مخيّلة الروائي تفاديًا لعمليات الثأر التي يمكن أن تمزّق النسيج الاجتماعي للأُسَر والقبائل العربستانية.

تكمن أهمية هذه الرواية الواقعية في الإجابة على السؤال المحوري الذي ورد في العنوان قبل أن يرد في التيمة الرئيسة وهو: مَنْ قتلّ زباري؟ الشاب الذي سينخرط في جبهة تحرير عربستان ويسعى بكل السُبل المتاحة لتحريرها من الاحتلال الإيراني؟ وعلى الرغم من أنّ الحكومات الإيرانية المتعاقبة منذ أيام رضا خان حتى الآن كانت العدوّ الأول لعربستان إلاّ أنّ تيمة هذه الرواية تؤكد بأنّ الخونة والعملاء ومخالب المحتلين هم أكثر خطرًا من الاحتلال نفسه، وبغية تحرير البلد من ربقة المحتل ينبغي تنظيف البيت العربستاني والتخلّص من كل المتواطئين الذين يتعاملون مع الأجهزة الأمنية الإيرانية وعلى رأسهم الشيخ كاظم وغيرهم من المرتزقة والمأجورين.

تقع الأحداث في عدة قرى عربستانية وعراقية من بينها قرية "نهر يوسف"، وجزيرتي "الحاج صلبوخ"، و"البوارين" كما تتوسع دائرة الأحداث لتشمل البصرة، والمحمّرة، وعبادان. وبما أنّ الرواية لا تخلو من اللمسة التاريخية فلاغرابة أن نصادف بعض الإحالات إلى الصفويين والإنجليز والانتفاضات التي أعقبت وفاة الشيخ خزعل عام 1936 في مقر إقامته الجبرية في طهران وظلت تندلع بين آونة وأخرى حتى يومنا هذا.

يمكن اختصار تيمة الرواية بأن تنظيم "جبهة تحرير عربستان" يُكلّف زباري المحمراوي باغتيال الشيخ كاظم لكن شاءت الظروف أن تنقلب الخطة رأسًا عقب فبدلاً من أن ينفّذ منصور عملية اغتيال الشيخ يتحول هو وأبناء عمومته (صمد وفايز وحسين) إلى قتلة يتناوبون على إطلاق الرصاص على الضحية زباري ويردونه قتيلاً أمام عينيّ ولده الأكبر نعيم الذي كان يصرخ بأعلى صوته:"لا تمت يا أبي، لا تمت".

تتساوى في رواية محمد عامر الشخصيات والأحداث، وتشتبك مع بعضها بعضًا إلى درجة التماهي بحيث يصعب التمييز بين الشخصية والحدث، وهذا الأمر ينطبق على الشخصيات المُقاوِمة مثل زباري، وعزيز، ووهاب، ومحي الدين آل ناصر، وزوجته ملوك، وعلي الشيخ حميدان وسواهم الكثير، وشخصيات الاحتلال وأزلامهم مثل العقيد رضا نوروزي، والشيخ كاظم، وعبادي، وطهران الكعبي، وفايز، وصمد وحسين الذين سيتجرعون كأس الخيانة ولم ينجُ منهم سوى منصور الذي كان يُطلق النار على الأرض بعيدًا عن رأس الضحية المغدور زباري المحمراوي. 

تحتاج الرواية إلى أنساق متعددة تؤثث المتن السردي الذي يتآزر مع الحبكة لتشيّيد الهيكل المعماري سواء أكان واقعيًا أم فنتازيًا أم بينَ بينْ. ولو تأملنا هذه الرواية جيدًا لوجدناها تقوم على أربعة أنساق سردية رئيسة يقودها على التوالي زباري المحمراوي، وعزيز ناصر الشغيني، والشيخ كاظم، والعقيد رضا نوروزي، ويجب ألاّ ننسى الأنساق السردية الأخرى مهما كانت صغيرة وامضة مثل السجين العربي الذي يتعرّض للتعذيب، أو الأهبل الذي ينطوي على معنى رمزي واضح، وشخصيات مقاومة تظهر وتختفي لكنها تؤازر تيمة الرواية وتمنحها نكهة وطنية آسرة.

يتضمن النسق الأول نشأة زباري وعمله في تهريب البضائع والمتاجرة بها في البصرة والمحمرة وعبادان. وفي أثناء تردده على البصرة ينتمي إلى "جبهة تحرير عربستان"، ويكلّف بقتل الشيخ كاظم، أحد عملاء السافاك في المحمرة. تتحسن أوضاعه المادية ويوافق برحابة صدر على تقديم المساعدة لأبناء عمومته وأصدقائه الأربعة صمد وفايز وحسين ومنصور الذين منحهم فرصة العمل في التجارة وتصريف البضائع المهربة التي يجلبها من البصرة. يعمل فايز سائقًا عند الشيخ كاظم، وسوف يستعمل سيارته في نقل البضائع المهرّبة وتصريفها من دون أن يفتشها أحد. وحين يعلم بالمؤامرة التي تُحاك ضد الشيخ يخبره بأنّ زباري هو العقل المدبر لعملية الاغتيال، وأنه ينوي تكليف ابن عمه منصور بهذه المهمة الصعبة.

يتوسّع الشيخ كاظم في النسق الثاني الذي يعرّي الشخصية العميلة التي تقف بالضد من الشخصيات الوطنية مثل زباري وعزيز ومحي الدين آل ناصر وغيرهم. وسنعرف أنه يتمتع بفراسة قوية ويعرف ما يدور في ذهن مُحدّثه، كما يخشاه الكثير من الشيوخ وزعماء القبائل حتى صار أكثرهم أهمية وحظوة في مدينة المحمّرة بعد أن ارتبط بأجهزة السافاك الأمنية. وبموازاته ينتظم النسق السردي الثالث الذي يرويه عزيز الشغيني الذي يقيم في مدينة التنّومة حيث يشرف على تدريب فايز الذي جنّده السافاك لأكثر من سبب، الأول هو التأكد من إصرار زباري على تنفيذ مهمة الاغتيال، والثاني: معرفة إن كان قد كلّف منصور بهذه المهمة أم لا؟ أما النسق الرابع والأخير فيتمثل بدور العقيد رضا نوروزي، الضليع في عمله الاستخباري حيث يُعيد صياغة اللعبة من جديد ويحبكها بالطريقة الأمنية المناسبة له حيث يورط فايز مع أبناء عمومته الثلاثة الذين يستدرجون زباري من حفل الزواج إلى الساتر الترابي ويشرعون بإطلاق النار عليه تباعًا باستثناء منصور الذي كان يتفادى التصويب إلى جسد زباري الملطخ بالدماء بينما كانت صرخات ابنه البكر تشقُّ عنان السماء أمام مرآى ومسمع عشرين فردًا من المخابرات الإيرانية الذين كانوا يتأكدون من مقتل زباري وهم يتنكرون بالزي العربي خلف أشجار النخيل الباسقة التي تتوارى تحت جِنح الظلام.

يسترجع الكاتب محمد عامر في هذه الرواية جانبًا من ثورة 1943 التي فجّرها الشيج جاسب، نجل الشيخ الراحل خزعل الذي آزرته القبائل العربية في عربستان لكنها سرعان ماخذلته بحجة عدم التكافؤ مع القوات المُهاجمة، كما منعت الحكومة العراقي آنذاك مدّ العربستانيين بالذخيرة والمؤونة والرجال، وقد استشهد في هذه الثورة محي الدين آل ناصر الذي كان يشغل منصب رئيس "جبهة تحرير عربستان". وفي سياق المقاومة التي تفضي غالبًا إلى السجن يمكننا أن نعدّ هذه الرواية من "أدب السجون" ولعل شخصية العربي المُعتقَل الذي تعرّض لمختلف أنواع التعذيب هو خير نموذج لأدب السجون في عربستان، فقد تعرّض إلى قلع الأظافر، والحرق بالمكواة، والصعق بالأسلاك الكهربائية، والوخز في المناطق الحسّاسة.

يتمتع الروائي محمد عامر بنَفَس سردي جيد، وقدرة واضحة على رسم الشخصيات ومتابعة نموها، وتطورها الذهني الذي يقنع المتلقي بأنه يقرأ نصًا روائيًا واقعيًا، مكتمل الأركان لكن يجب تنبيه الروائي إلى الأخطاء اللغوية التي جاوزت العشرين خطأً لأنها تربك القارئ في أثناء القراءة، وتسرق منه فرصة الاستمتاع بالتدفق السردي الذي تتمتع به الرواية منذ مُستهلها وحتى جملتها الختامية. جدير ذكره أن الشاعر والروائي محمد عامر قد سبق له أن أصدر مجموعة شعرية بعنوان "أول المشوار" ورواية "طيور الأحواز  تُحلِّق جنوبًا".

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

ساطع الجميليقراءة في مجموعة الشاعر ولاء الصواف

يقول هارولد بلوم ان لكلمة معنى جذور تقود الى فكرة أو قصد وترتبط بكلمة أنين أو شكوى تلك القصيدة، ذاتها،فالقصائد نفسها تعلمنا كيف تعمل على تحطيم نفسها أي الشكل لخلق المعنى أو الافصاح عن أنين خاص، أما الشكل فقد عرف عند بيرك في الادب بأنه ( إنارة الرغبة واشباعها) وهذا لا يأتي إلا من الجاهزية التامة التي هي جزء من العطاء في أي مجال كان، اذن هناك حضور للأدوات الحسية والمعنوية والوسط المحيط هو البساط التي تقوم عليه بناء القصيدة .

الشاعر العراقي ولاء الصواف أصدر مجموعته الشعرية (أغاني الصموت) عام 2018 عن دار الصواف للطباعة والنشر كان لها صدى ووقع بين أوساط الأدباء والمهتمين بالشأن الأدبي الشعري، آثرت مراجعتها فكانت لي هذه القراءة الاولى لها .

تبدأ المجموعة بإهداء تضمن (الى حبل الغسيل الأزرق لأرجوحتي) وهنا يبرز سؤال بخصوص التركيز على اللون الأزرق في محطات الصوّاف الشعرية، يقول الشاعر محمود درويش (إنَّ التشابه للرمال وأنت للأزرق) فلطالما ألهم اللون الأزرق الفنانين لارتباطه بالطبيعة والسماء والبحر والعيون، فعلماء النفس يقولون ان شعبية صفة اللون يجذر نمونا التطوري فالإنسان الصياد يتعرض للسماء والمياه الصافية ومن هنا أصبح هذا اللون وصفاً مميزاً بين الالوان أما الارجوحة التي ذكرها واستخدمها الشاعر ترتبط بالحبل وربما أراد الشاعر من خلال ذلك الانكفاء جانبا والجلوس بحرية ذهابا وايابا ويرى الاشياء كأنها تصعد وتنزل أمامه وكذلك للأرجوحة اسطورة رومانية فهي رمز ديني وروحي مقدس (عن لطفي سعيد).

أولى القصائد الطوال (هذا أوان البنفسج) أيضا تضمنت لون وهو البنفسج انفتح الشاعر صوب الوجود بسماواته بنجومه بفصوله بأسرار آلهته فكانت رحلة الوجود والمفردة المعبرة وطابع الدهشة والخروج عن المألوف فيقول في القصيدة آنفة الذكر ص9 (مثل نجمة / في سماء سابعة / أرقبها / أشدُّ الضوء/ فيهمي على العشب/ لون الضحى/ فيا آلهة الخصب / استميحك عذراً / لأني أزهرتُ في الخريف).

يشعر الشاعر بالفخر حين يحاول ايقاظ وبعث الحياة في تفاصيل الوسط الذي يضمه فيقول في ذات القصيدة : (يا آلهة الخصب اشهدي / اني ضفرت للوردة جدائلها / فتنفس العطر فيها / وأيقظت لحناً / من بعد دهر صموت)، يحاول الشاعر استفزاز الوسط بفنه الشعري فيستنفر مخياله الى أقصاه لأجل توفير مستلزمات القصيدة بانزياحات جديدة مغايرة يدخل بها جولة ما بعد الحداثة وما بعدها . التناص كتابة نص على نص أي أن يستشهد الشاعر بنص ما لينتج لوحة فسيفسائية أو قطعة موزائيك من زخارف متنوعة فطغت وظيفة الجمالية على وظيفة التوصيل أو أنهما أديا غرضيهما معا عندما أنجز الشاعر القصيدة الاولى (هذا أوان البنفسج) بخاتمة كانت بمثابة تأمل ثاقب نجم عن ومضة داخلة حاذقة: ( اني اصطفيتكِ / دون آلهة الزهر رباً / وارتضيتكِ نجمةً / وآمنتُ بكِ عطرا).

وفي نص (دقيقة صمت) ص 38، لم تكن دقيقة انما أزمان من العوالم والالم النفسي والبشري يتجلى في ان هذا الالم والحرمان فيه من العتب والرثاء الكثير والصور ناطقة بأحلام المغيبين وكل الذين خسروا أحلامهم وما يملكون فكانت أزمان صمت بالإنابة فهو يقول في بعض سطورها: (سأقرأ جرحاً لمّا يزل يلثغ بالآه / سأقرأ ما تناسل من حروبي / فتحاً فتحا / وما انهمر من الردى / ساعة الصفر).

قصائد الشاعر ولاء الصواف لم تغادر الطبيعة والمرأة إلا قليلا أو أنها مادة أغلب القصائد، والصورة النفسية هي المنحنى المعبر عن أغراض الشاعر لأغراض الطبيعة والاسطورة والمرأة، بل هي رحلة مع ألم النفس، وطبيعة الصورة لدى الشاعر الصواف تأتي من منظور مستوى وظيفي وخيال رابض مع الحالة الشعورية اليومية .

في قصيدة (الفزاعة) ص30 يفصح الشاعر عن ذاته بألم ويستعرض عوالم الاحتراق في بعد جمعي يمر من خلال فعل تواصلي باتجاهات كثيرة،وبما ان النص الشعري يقوم على التشكيل والبناء والايماء وتبعا لذلك تنوعت توظيفات الشاعر لمكنونات رؤياه الشعرية في أروقة وزوايا القصيدة، ففي زاوية من زوايا القصيدة آنفة الذكر يقول: (فزاعة أنا يا أبي / تسحرني هداة الأهداب / حين يغازلها الندى / وتطربني رعشة الشفتين / لو رانها خدر) والقصيدة المذكورة آنفاً تمثل ماهية الشاعر ورد فعل وافصاح صادق عن ذات بيضاء ازاء ما يراه من واقع حوله .

وفي قصيدة (فكرة بيضاء مثل سحابة)، استطاع الشاعر أن يوظف أكثر من فكرة وموروث واسطورة وتناص في بضعة سطور من النص وعلى النحو التالي كما في ص45 .

(مغارتي باردة / لا مريم لي ولا رعاة / أطرافي موشاة بندب المسامير / لا مواريث لا مزامير / ولا سرب قطاة يبسم لي / لا زمزم بطعم التوت / ولا نبي بعكاز يفلق البحر البعيد)

المغارة ـــ مريم، مزامير ــــ داود، ندب المسامير ـــ عيسى، سرب القطا ـــ العباس بن الاحنف، زمزم ــــ بئر في مكة، نبي يفلق البحر ـــ موسى .

واضح من خلال ذلك انه نتج عن الاستخدامات آنفة الذكر تشكل نص جديد من مسميات سابقة بحيث يغدو النص خلاصة لمرموزات اختصرت المكان والزمان معا ..

 

ساطع الجميلي

 

تتفاجأ من البداية بالدفق الدلالي الذي يتراكم متجاوزاً سرعة الحوار؛ الذي يحلو أن أسمّيه (الحوار الأعرج)، حين يتجاوز إبداع الدكتور عليّ القاسمي فكرة الحوار الثنائي من جهة، والمونولوج من جهة أخرى؛ ليخلق نمطاً - وسطياً - يخترق إجراءات الحوار الفعّال، والأسى الخالق لسوداوية الذات في المونولوج !!!

أعترف أن السرعة القاتلة في السرد، المبنية على صناعة نمط تقابلي غير ظاهر، ربما هو نوع من التضادّ الخفي الكاسر لأفق التوقع جعلت من (فطور الصباح) ذات أبعاد دلالية مترددة، أو فلنقل تحمل (زيغاً دلالياً) أخّاذاً؛ فالفطور ليس الفطور " تعال معي لنتناول فطور الصباح " جملة تفترض الثبات الدلالي والبدء برسم لوحة، لكن الدكتور القاسميّ يزلزل تلك الصورة " إنهم يتناولون فطورهم، أو بالأحرى يحتسون قهوتهم " ليس لك من خيار في لفظ أنفاسك حيال هذا الخرق والانزياح، فالعقل ما زال غير قادر على تجميع شتات الصورة الأولى، ليعاود البحث عن أجزاء الصورة الثانية، وهنا يكمن السرّ في صناعة دراماتيكية التلوين والصوت والحدث والضوء في (فطور الصباح) !!

نحن في مواجهة حدث متداخل رسم المبدع تشكيلته من الصورة المركبة؛ ولا أعني هنا بالتركيب معناه الأرسطي المبني على تعاقد الأجزاء؛ بل تركيب متعاكس في تداخله، يضعنا أمام تساؤل فيزيائي قديم - لو صحّ التعبير - وهو (كم صورة سترى عند وضعك مرآةً أمام أخرى)؛ فـ(فطور الصباح) الواقع تداخل بصرياً مع (فطور الصباح) لجاك بريفير، كلاهما يتماهيان في نفسيهما لا تكاد تعرف ماهية الأول، وذات الثاني؛ عبقرية الدكتور القاسمي لم تلجأ للمنحى الفيزيائي في حلحلة هذا الاشتباك؛ بل لجأ لخرقٍ آخر تجاوز حدود التوقع عندما رفض فكرة المعرفة باللغة الفرنسية !!

هكذا عادت صورة أحادية، وربما ممتزجة بطريقة تلغي تعددهما، أو تغايرهما !!!

ويستمر الدكتور القاسمي لتستهويه لعبة التداخل، والخرق الذي يكسر صمت التداخل؛ ليصنع زيغاً دلالياً جديداً " وإذا كنت لا تُجيدُ الفرنسية فسأقرأ لك القصيدة ذاتها بالعربية، فقد نقلها إلى العربية الشاعر نزار قباني، وأعطاها عنوان (الجريدة) ... ولكنه نسيَ أن يكتب كلمة (ترجمة) عليها ..."، وها هو القاسميّ يعود ليضع (الجريدة) في قلق الدلالة حين تتداخل ثانية " وإذا كنتَ لا تُحبذ الشعر وتفضّل الإنكليزية فلنقرأ قصةً قصيرة للكاتب الأمريكيّ (رون كارلسون) بعنوان (قراءة جريدة) ..." ويعود ثانية للتقنية نفسها التي تجعل هذا التركيب المتعاكس في مهبّ الريح؛ ليكسر هذه المعادلة " ماذا تقول : أنت تجهل اللغة الإنكليزية " .

(فطور الصباح) صوتان؛ أحدهما قويّ بارز بوضوح مثير للانتباه، والآخر خافت يكاد يكون معدوماً، بل يقترب كما أسلفنا إلى منطقة (المونولوج) الحرّة .

سوداوية مرّة كمرارة القهوة؛ ولا يكاد تراسل الحواس الولوج الى حيز مفاهيمها؛ لتعود (باردة) تفقد قدرتها على تلمسّ الحواسّ وإخبارهنّ بكنهها وهويتها.

الدكتور القاسميّ المتألم السوداويّ يرمي بحيرة حزنه الراكدة بحجارة تلو الأخرى لينتظر من (زيغ الدلالة) صنع دلالات جديدة تعكس ذلك الحزن القاتم بلونه وصوته معاً ...

- لم تُعجبكَ قصّتي ؟

- ليست لها مواصفات القصة ؟

- لا تُريد أن تَسمع شيئاً من الأدب الفرنسيّ ولا الإنكليزي ؟

عُدْ إلى رُشدكَ أيّها القارئ النهم لهذا الجنون من تدافع الدلالات المأزومة حزناً وقلقاً لتجد عمقَ المأساة حين تفتح باباً لمأساةٍ أكبر " إذن سنقتل الوقت بقراءة الصحف العربية " ...

تُذكرني المفارقات التي يصنعها الدكتور القاسمي في (فطور الصباح) بتلك الخروقات الصانعة لشاعرية (أحمد مطر)؛ المبنية على خارطة طريق مسدود يفتح باباً لطريقٍ مسدود، هو أقربُ لنفي الإلحاد بالتسلسل المنطقي والدور الباطل؛ فالاحتمالات اللا متناهية من الطرق المغلقة تحكي بوضوح قتامَ الصورة والشعور في آنٍ واحد !!!

يدفع الدكتور القاسمي بمجموعة بصرية خاطفة تعتمد التناقض (المرأة التي تُسرَق حقيبتها بالقوة - الشرطي اللامبالي بها بسبب الفساد الإداري وموت الضمير)، (النادل وقهوته الباردة - التظاهر بالتلذذ بشربها)، (نجاة برويز الإنقلابي - الرئيس الفاسد المزوّر)، (القتلى اللبنانيين - سرقة أموال الصيانة)، (الجرائم الإسرائيلية - موت الضمير العربي والاعتياد على رخص الدم الفلسطيني)، (الأمريكان يقتلون العراقيين بدم بارد - ثقافة الكاوبوي)، (المقابر الجماعية في العراق - تعلم الحكم الصالح) ... سخرية وسوداوية تعتمد الجرأة على خلق توافق منطقي لجمع الأضداد؛ وهو الأمر الذي سيسخط أرسطو الذي سيظل يصرخ " الأضداد لا تجتمع ولا ترتفع في وقت واحد " ليجيبه الدكتور القاسمي ساخراً متألماً " هل تريد أن تسمع مزيداً من الأخبار؟ لا؟ لنغيّر الموضوع إذن. والآن كيف نبحث عن عمل " .

 

الدكتور حسام الجبوري

كلية الآداب ـ جامعة بغداد

.................

للاطلاع على قصة: فطور الصباح للدكتور علي القاسمي

 

 

صباح شاكر العكامباب الخان محلة من محلات مدينة كربلاء القديمة التي تعج بأسواقها وأزقتها وناسها من عرب وعجم وهنود وباكستانيون وروس وأفغان من الاغنياء والفقراء والذين يمارسون مختلف المهن من تجار وكسبة في مختلف المهن والحرف وعتالين وشقاوات ولصوص ومثقفين وعمال، فهي تحوي جميع شرائح المجتمع فتكون جمهورية مصغرة .

صدر عن دار الفؤاد للطباعة والنشر رواية (جمهورية باب الخان) للشهيد علاء مجذوب، تحتوي الرواية على (312 صفحة) من الحجم المتوسط، وتعد وثيقة تاريخية يجسد واقع محلة باب الخان أقسامها، شوارعها، أزقتها، أهلها على اختلاف طبقاتهم وأصولهم، دكاكينها وخاناتها، أسواقها التي تعج بمختلف المهن والحرف، شقاواتها وقحابها ولوطيها . كما توثق الرواية محلات كربلاء القديمة وأسواقها المحيطة بمحلة باب الخان .

الرواية تحوي على مقدمة وستة فصول، فالمقدمة وصف مفصل لمحلة باب الخان وحياة الناس فيها وهي منطقة شعبية عاجة بالحركة من الفجر وحتى ساعة متأخرة من الليل، كما تضمنت الحياة في مدينة كربلاء القديمة من أيام الدولة العثمانية وأهم معالمها التاريخية، القشلة بشرطتها وحراسها الليليين، وفترة الاحتلال البريطاني وأنشائها لبناية دائرة الكهرباء عند طرف باب الخان والتي زودت البيوت والمحلات بالكهرباء فأصبحت الحياة فيها نابضة  بالحيوية .

كما تضمنت المقدمة وصف تفصيلي لمحلة باب الخان الذي يتوسط مدينة كربلاء القديمة وخاصة سوق الفسحة فيها الذي يضم دكاكين الكسبة الذين يزاولون مختلف المهن والحرف ومقاهي ومطاعم وعربات النقل بكل أنواعها .

كان محور الرواية شخص من سكنة باب الخان اسمه (سيد عدنان) صاحب خان لبيع التمور، وله مكانة متميزة في باب الخان يرجع اليه الناس لحل الخلافات بينهم، ويقدم المساعدات لهم في أفراحهم وأحزانهم ويشاركهم فيها مشاركة فعالة .

في الفصل الأول (دفاتر بيضاء) وقد تضمن:

990 علاء مشذوب حياة دافئة: تضمن أبرز الأحداث التي حصلت في مدينة كربلاء في سبعينيات القرن الماضي، فهي توثق الحياة في سوق الفسحة الذي يتوسط باب الخان منذ الصباح الباكر، عند دخول سيد عدنان اليه على دراجته الهوائية، واستعراض أبرز الأشخاص في السوق وطبيعة عملهم، وهو توثيق مفصل للحياة اليومية في هذه المنطقة الشعبية، كما يوثق أبرز الأسواق في مدينة كربلاء القديمة من خلال جولة سيد عدنان وصديقه سيد حليم فيها .

كما تطرقت الرواية إلى واقعة الطف التي حصلت عام 61هـ  وتأثيرها على أهالي مدينة كربلاء والتي أصبحت جزءاً من واقعهم بكون الأرض التي قامت عليها مدينتهم هي في الأصل أرض المعركة .

الرواية وثقت العادات والتقاليد لمدينة كربلاء، فوثقت طقوس عاشوراء، ومراسيم تغسيل وتكفين الموتى وتشيعهم، وطقوس عيد النوروز (المسمى دخول السنة) لدى العوائل الكربلائية، ودخول أول بث تلفزيوني لمدينة كربلاء ومتابعة أهلها للبرامج التلفزيونية .

الفصل الثاني (المجزرة) وقد تضمن:

رواية أريف الأرمنية التي كانت تعمل ممرضة في أحدى مستشفيات كربلاء، وقابلة لتوليد النساء والمتزوجة من يوسف المضمد المسلم الديانة عند استدعائها من قبل سيد عدنان لتوليد امرأة  جاره وصديقه، وقد تأخرت الولادة فجلست معهم وأخذت تروي لهم تفاصيل الابادة الجماعية التي تعرض لها الأرمن على يد العساكر العثمانيون في بداية القرن العشرين ونزوحهم الجماعي إلى مدن سوريا ومدينة الموصل في العراق وكما روتها لها أمها قبل وفاتها .كما روت ما حصل في مدينة (وان) الأرمنية عندما قتل الرجال واغتصبت النساء وادخال الأطفال في مدارس خاصة لتغيير ديانتهم وتحويلهم إلى مماليك لخدمة الدولة العثمانية .

الفصل الثالث (طقوس) وقد تضمن:

طقوس رمضان في مدينة كربلاء، أوقات الصيام والافطار في رمضان، لعبة المحيبس، طبول السحور، ثم قدوم العيد والمراسيم الخاصة به . كما وثقت ذهاب الحجاج إلى مكة والمدينة، ومراسيم وصولهم بعد ادائهم مناسك الحج . وكان من ضمن الحجاج الواصلين الحاج أيوب زوج سعدية صاحبة دكان لبيع الفاكهة والتي كانت سيئة الخلق، سليطة اللسان، وكان لها أربعة أولاد وبنت واحدة علقت في رأس أحد الشباب بعد أن كان دوره الرابع عليها، وقد أجبر على الزواج منها من قبل قاضي المحكمة، وقد أنجبت له البنين والبنات .

كما وثقت الطقوس العاشورائية خلال شهري محرم وصفر لاستذكار واقعة الطف واستشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وآل بيته وسبي عياله، ومن أبرز طقوسها ركضة طوريج في اليوم العاشر من محرم وزيارة الأربعين في يوم العشرين من شهر صفر .

الفصل الرابع (تجدد القصص) وقد تضمن:

تهجير العوائل الكربلائية من التبعية الايرانية وهم أما ايرانيين جاءوا لزيارة العتبات المقدسة واستوطنوا في كربلاء، أو عراقيون سجلوا أنفسهم كتبعية ايرانية للتخلص من الخدمة العسكرية أيام الدولة العثمانية، أو من العرب المتزوجين فارسيات أو الفرس المتزوجين من عراقيات . وقد وثقت الرواية تسفير بعض العوائل وما تعرضوا له من انتهاكات بإخراجهم من بيوتهم ونقلهم بحافلات ورميهم بالعراء امام الحدود الإيرانية بدون السماح لهم بأخذ أموالهم ومقتنياتهم الذهبية ومصادرة أثاث بيوتهم وأموالهم وعقاراتهم واحتجاز أبنائهم من الشباب ومن ثم اعدامهم . 

كما استعرضت الرواية أحداث مايس غام 1941م، عندما أستولى رشيد عالي الكيلاني مع الضباط الأربعة على السلطة في بغداد وهروب الوصي عبد الاله ونوري السعيد إلى خارج العراق، ثم احتلال بغداد من قبل القوات البريطانية وارجاع عبد الاله ونوري السعيد، وما أعقب ذلك القتل والفرهود الذي طال اليهود في بغداد .

الفصل الخامس (رياح شرقية ) وقد تضمن:

ذهب سيد عدنان إلى مقهى (عباس منسي) التي كانت ملتقى المثقفين والسياسيين والوجهاء والعمال والكسبة لغرض الاتفاق مع صاحب العبد (أبو طرب) صاحب فرقة موسيقية شعبية لإحياء احتفالية طهور أبن جاره، وقد وثقت الرواية طقوس الطهور التي كانت تقام في ذلك الزمان . كان في المقهى مجموعة من الشباب ومنهم الشاب (منتصر جبر) ذلك المثقف الذي ينتمي إلى عائلة شيوعية بكل أفرادها، وقد دار نقاش بين الشباب حول الدين وما ورد من تناقض في القرآن الكريم وكانت الأسئلة توجه إلى منتصر مباشرةً فيقوم بالرد عليها والذي لا يخلو من الحاد . بدأ النقاش عندما وجه أحد الشباب سؤال إلى منتصر عن فكرة الموت وعالم البرزخ، وكان منتصر يجيب عن أسئلة الشباب ومما قاله:" التراث الديني وفقهه ما يعجز العقل عن استيعاب الكثير مما يطرحه " . ورد عن سؤال لأحد الشباب عن الفرق بين الكُتاب في الغرب وفي الشرق فأجاب " كُتاب الغرب متصالحون مع أنفسهم يكتبون ما يعتقدون، ويعتقدون ما يكتبون بسبب وجود قانون يحميهم، بينما كُتاب الشرق يكتب أغلبهم بزيف كبير دون الاعتقاد به بسبب الخوف وغياب الحرية وضعف الوعي" . وقد ضرب أقوال لعدد من الفلاسفة منهم ستاندال وفريدريك نيتشة وعبد الرحمن بدوي والتي كانت الحادية ورفضهم فكرة الدين . سخن الحديث بين الشباب إلى نقاش وصياح وتبادل الشتائم حتى وصل إلى الاشتباك بالأيدي .

الفصل السادس (الرحلات) والذي تضمن:

رحلة السيد عدنان والسيد حليم مع عائلتيهما إلى قضاء عين التمر وناحية شثاثا، وفيها وصف لبحيرة الرزازة وللطريق الرابط بين كربلاء وعين التمر وفيها وصف لبقايا أقدم كنيسة في العراق قبل الإسلام التي تزخر جدرانها برسوم مختلفة للصليب وقبور رهبانها . وكان مرورهم بقصر الأخيضر الذي كان قلعة صفراء وحصناً مربع أو مستطيل الشكل وفيه فتحات للحراسة يقف فيها الجنود، وعند وصولهم إلى عين التمر قضوا فيه بقية النهار، وعند مغيب الشمس توجهوا إلى أحمد بن هاشم وقضوا الليل فيه .

كما تروي الرواية قصة بيت جليلة شماعية بائعة التمر والخضروات واللبن وزوجها غيض الأعور بائع الثلج في سوق الفسحة، تتكون عائلتهم من أربعة شبان وثلاث بنات وهي عائلة مجنونة بكل تصرفاتها وموسومة بالخبل بين الناس، فأحد أبنائها أمتهن السرقة فكان مصيره السجن، تزوجت أحدى بناتها بينما البنتان الأخريان فقد انحرفتا عن الطريق القويم مما أدى إلى انتحار أخوهما الثالث حرقاً والذي كان بطل المحافظة بالمصارعة .

أخبر منتصر سيد عدنان أن حرباً قادمة بين العراق وإيران مستنداً على بعض الأحداث التي حصلت بين البلدين منذ عام 1975م على أثر توقيع اتفاقية الجزائر بين البلدين وتم بموجبها تقاسم السيادة على شط العرب بين العراق وإيران مقابل أيقاف إيران الدعم للحركة الكردية في شمال العراق، والتي ولدت تخوفاً كبيراً منها لسيد عدنان.

بعد الثورة الإيرانية التي قدها الخميني وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ورفعها شعار تصدير الثورة الإسلامية وان استرجاع القدس يتم عبر بغداد، وبغداد تريد أسقاط دولة الفرس الإسلامية، وبسبب ألغاء بغداد لاتفاقية الجزائر حصلت خروقات متبادلة عبر الحدود بين البلدين، كل تلك المسببات  أشعلت أوار الحرب بين البلدين . لقد أعلن العراق بدء الحرب واستدعاء عدة مواليد لخدمة الاحتياط لكي تكون حطباً للحرب الملعونة التي أستمرت ثمان سنوات سقط فيها من البلدين مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمعوقين والأسرى ويُتِمَ فيها ملايين الأطفال ورُملت الآلاف من النساء وحرقت الحرث والنسل .

ختاماً أقول ان رواية جمهورية باب الخان تعد وثيقة تاريخية لمدينة كربلاء القديمة التي أنشأت على الأرض التي دارت عليها معركة الطف عام 61هـ، فقد وثقت محلاتها، أسواقها، سكانها، أبرز الأحداث التي حصلت فيها، الطقوس التي تمارس بها سواء كانت خلال شهري محرم وصفر أو في شهر رمضان، كما وثقت محلة باب الخان، شوارعها، أزقتها، أسواقها، أبرز أشخاصها والمهن التي يمارسونها، فهي خليط من مختلف الفئات الاجتماعية والطبقية، ففيها المثقفون والتجار والعمال والبقالون والحمالون والشقاوات واللصوص وجميع المهن لذا أطلق عليها المؤلف (جمهورية) . لقد وثق المؤلف أهم الأحداث التي حصلت في أواخر سبعينيات القرن الماضي وهي تسلم صدام حسين رئاسة الجمهورية وارتكابه مجزرة لرفاقه بالحزب وتهجير العوائل من التبعية الإيرانية ونشوب الحرب العراقية الإيرانية . ومما يلفت النظر ما ورد عن (منتصر) من أفكار لا تخلو من الالحاد لنقده الفكر الديني مستنداً على العقل والمنطق، والتي قد تكون مطابقة لأفكار مؤلف الرواية التي اغتيل على يد القوى الظلامية .          

 

صباح شاكر العكام

 

سعد الساعديقراءة في ديوان فستان بلا ازرار للشاعر العراقي عدنان جمعة

الصور اللغوية الجديدة تتجلى بوضوح يوماً بعد آخر في القصيدة التجديدية أو ما تسمى قصيدة السرد التعبيري  لما بعد الحداثة التجديدية والتي أميل الى تسميتها بالقصيدة التجديدية بدلاً عن السردية التي يفهم منها معنى السرد وهي قطعاً خلاف ذلك ، كما هو واضح  في  ديوان الشاعر عدنان جمعة، فستان بلا ازرار، وغيره ممن يكتبون هذه القصيدة  اضافة الى ما يريده الشاعر من اثارة الوعي لما هو موجود واقعاً،  كحالة  يومية معاشة عشقاً أو حلماً او بخيال سارح بين الجمال والامتاع ، رغم رفض التصوير الواقعي المباشر الذي تبنته الحداثة  وما تلاها، تتابعاً الى يومنا هذا، مما ابتُكِر كتجريد فني لغوي، يرتكز أيضاً على منظومة قيمية متعددة الجوانب الفنية والبيانية .

الإشكالية النقدية الشعرية لما بعد الحداثة التجديدية في النثر المركز والسرد التعبيري أو (قصائد النثر) اللذين ما زالا بلا تجنيس بيّنٍ  وربما الشكلين يلتحفان جلباباً واحداً، لا نجدها في (فستان بلا أزرار)  حتى لو تم تشطيره بنصوصه السردية الحداثوية التجديدية الجميلة، كون لغته  الشعرية واضحة السبك، بصور ابداعية، متزينة بلغة  سارت  بمختلف الاتجاهات، لكن الخط البيّن صراحة ومضموناً هو العشق والحب الذي اتسمت به كتابات الشاعر هنا وفي دواوينه الأخرى  .

في قصيدة ليل بعباءة الشوق دلالات واضحة عن حياة عاشق: (نطفئ الشمع بعري الليل ، أيها المخفي والمستور لماذا الوقت غير كافٍ، أسرع بالعناق وأجسادنا مصلوبة ..) فهو عاشق حد الثمالة بكلماته على الورق والحياة ، هذه اللغة كأنها لغات متعددة تنحدر من نفس الأصل، ولأن لغتنا العربية ـ كعرب ـ تختلف كثيراً عن غيرها من اللغات بما تتضمنه من اشتقاقات واسعة، ومترادفات كثيرة وعميقة، حتى أننا نجد لكلمة واحدة أحياناً أكثر من ثلاثين معنى، وكل معنى يختلف عن غيرة ككلمة (عين) مثلاً؛ ما يجعل حتى ترجمة النص الشعري الى لغة أجنبية في غاية الصعوبة مع ما ترجم منها ، لان كلمة واحدة ربما تحتاج لمجموعة كلمات مترابطة كي تعطي نفس المعنى أو ما يقاربه.

ماذا يدلّ ذلك؟ في غرائبية النص الشعري اختلاف واضح عما تسعى اليه الروايات في مرحلة الحداثة التجديدية، فهي إن عبرت عن واقع مسخ كما يعرّفها البعض فالشعر يعبر بطريقة اخرى عن محاولة من الشاعر الجمع بين واقع وخيال بعبارات مختزلة، واعتقد أنه من الوهم القول بان الرواية سحبت البساط كلياً من تحت الشعر واصبحت هي ديوان العرب كما يرى الكاتب المغربي (الكبير الداديسي)، فالقصيدة التجديدية اليوم احتلت مكانتها المميزة لتكون الغرائبية في بنائها تعطي المعنى اللغوي العربي الصريح في انها الذهب او الفضة كما تقول معاجم اللغة، وهي فعلا كذلك.

إنها دلالة واضحة على تجدد اللغة من خلال الناطق بها، ومن يكتب فيها، وهذا ايضاً وجدناه في ديوان الشاعر عدنان جمعة فستان بلا ازرار الصادر مؤخراً عن دار المتن في بغداد، والذي تُعَد كتاباته تجديدية مائزة بكل احترافية، فهو متجاوز للزمن في وصفه للمرأة وجمالها والحاجة اليها، لأنه أراد عبور مكان حلولية الزمان ، وشكّل عناصرَ متآلفة بعيداً عن التعقيد، ولم يجعل المكان دائرة ضيقة تحيطه، فجاءت مساحاته في الكتابة متسعة، تستطيل بكل الاتجاهات، لتضع هناك ما مطلوب بيانه، واحتلال مكانه وفق خطة وفكرة النص الذي وضعه الشاعر نازلاً من بين هواجسه، وخلجاته التي طفت لاحقاً على نصوصه.

إن القصيدة  التجديدية تناضل من أجل الانتصار بما تطرحه من جديد متجدد يسمو بالأدب، ويرتقي بالشعر، حين يعرف الشاعر استخدام أدواته بطريقة متقنة، ويشتغل عليها بوضوح وشفافية تامتين فانه يؤدي ويوصل رسالته تامة، وهذا ما سار عليه، وفعله شاعرنا في فستان بلا أزرار بما يوحيه هذا العنوان من خصوصية بتمازج صورتين لرجل وامرأة احتلت واجهة الكتاب بسيميائية منفردة التعبير عما سيراه ويقرأه المتلقي ويفك بعض الرموز الكائنة بين حوايا متون الصفحات.

وحين ينتقل القارئ من عنوان الديوان لقراءة الاهداء تواجهه صورة جديدة وهو يقرأ خمس كلمات فقط : (الى من تترقب حروفي بصمت)، اذن هي المعشوقة المنتظِرة لعاشق عبّر عن نفسه بـ : (يا حلوتي، أنا والليل غريبان، يتقافز الدهر فرحاً برحلتي بلا متاع، والجرح بهيبة النزف بلا صراخ،عند أبواب الاعتراف) كما في قصيدة بشارتي مواكب عزاء .

لقد وظّفَ الشاعر حالة جَمعَ بها مبنيين : الرمزية والواقعية؛ أي ظلت الواقعية ملازمة للعمل كما في احدى القصائد التي حمل اسمها اسم الديوان (فستان بلا ازرار)، مهما أرادت الابتعاد عنها الكتابات الحداثوية والتجديدية  لكن الوقع يبقى مؤثرا وهنا جاء العشق والتغزل بالمعشوقة . لقد نجح فيها حين رسم ذلك وفي كثير من قصائد الديوان   . كما نجد رمزية طاغية أحياناً هنا وهناك، وانزياح واضح منذ الوقوف عند عنونة النص  بشكل تام في الوصف، وسيميائياته العميقة، حتى الصور السريالية تجسدت فيها .

وهذا ما تمتاز به كتابات القصيدة التجديدية، أو النثرية بشكل أعمّ، والتي تضمنها ديوان فستان بلا أزرار. النصوص الكثيرة التي جاءت في الديوان تستحق نظرة تأملية واسعة، أسوة بغيرها من الكتابات التجديدية الجميلة التي دأب عليها الكثير من الشعراء اليوم مجاراة مع الغرب، أو تفرداً جديداً يحسب للشعراء العرب كلون يبتعدون به عن كل القيود ..

الغرائبية في النص الشعري قد تكون جديدة عليه وفق المعنى الاصطلاحي الأعمّ اذا انطلقت تفسر الواقع بمرارة حزنه ومآسيه وما يقع على رأس الانسان المسكين في كل بقاع الارض، لكن مضامين النصوص التجديدية في قصائدها ومسارات شعرائها اتخذت ثلاثة محاور، أو مسارات واتجاهات انتعشت بها القصيدة، ووُفّقَ بها الشاعر وهي اللغة البنائية للنص، وجمال الوصف ، والمعنى الطافي على سطح القصيدة التي اخذت الغزل عنوانا شاسعاً في كتاباتها واضح بشكل جليّ فيما تضمنه ديوان فستان بلا ازرار الذي يختم الشاعر فيه آخر سطر له قائلا: (حينها اغني مترنحاً، وانا المقصود بالحبيب الاول) بعد أن وصف حاله وحال حبيبته  في أول عبارة من الديوان: (كنّا كالسحب النقية، ندخن الحكايات للفجر، مستنشقين رائحة الحاء والباء، ممزوجتان بسعير النيران الى  انجناءةِ الضحى ..) .

 

سعد الساعدي

 

 

ضمن الموسم الرمضاني الذي تتسابق فيه القنوات التلفزيونية إلى عرض الأحدث والأفضل من أعمال أنتجتها طوال السنة التي سبقته، دخل سباق الدراما العراقية العمل التلفزيوني (الفندق) الذي جنَّسه كاتبه على أنه "رواية تلفزيونية"، وأثار هذا العمل منذ حلقته الأولى الكثير من الجدل في الأوساط الثقافية والفنية وكذلك بين المشاهدين بمختلف مستوياتهم الثقافية، فانقسمت المواقف بين من أصدر حكمه وعبَّر عن رأيه منذ الحلقتين الأولى والثانية وهم أيضا لم يجمعهم رأي واحد وانطلقوا من منطلقات مختلفة فنية وأخلاقية وسياسية، فانقسموا إزاء العمل بين موقفين حانق ومعترض أو مشجع ومادح، بينما اكتفى قسم آخر من المشاهدين بالمتابعة إلى أن استقر العمل منتظرا نهايته لإصدار الحكم وقول الرأي، ومنهم كاتبة هذه الدراسة. فماصلة هذا العمل بالأدب الروائي المعروف؟ ولماذا أُطلقت عليه صفة الرواية التلفزيونية وليس الدراما أو المسلسل التلفزيوني كما هو معتاد عليه؟ ما الأمور التي قرَّبت هذا العمل من النصوص الروائية المقروءة

تتمظهر علاقة هذا العمل بالرواية في اتجاهين، الأول الجنس الكتابي الذي صنفه الكاتب ضمنه، وأما الاتجاه الثاني فقضية اقتباسه من عمل روائي عراقي شاع مؤخرا أنه (مسروق) منه. فأما الاتجاه الأول فيمكننا النظر فيه انطلاقا من السؤال أعلاه، بعد أن نبحث في ماهية الرواية التلفزيونية وفي فرقها عن المسلسل التلفزيوني وما علاقتها بالرواية بوصفها جنسا أدبيا مقروءا بعيدا عن الفنون المرئية وقريبا منها في آن واحد.

يطرح الكاتب السوري نهاد سيريس تساؤلا مفاده "هل الرواية التلفزيونية حقيقة أم إننا نطلق على المسلسل التلفزيوني اليومي هذه التسمية كي نرفع من سوية نصوصنا التي نكتبها، على الأقل، بإطلاق التسميات الكبيرة على أشياء أقل منها أهمية؟" (سيريس، 8/12/1998) ليجيب لاحقا منطلقا من المقارنة بالدراما التلفزيونية واستعارتها لمصطلح الدراما من الحقل الأدبي والمسرحي بالتحديد قائلا: "لا أعتقد اننا نتجرأ على ذلك إذا لم تكن لدينا أسباب تشابه الأسباب التي دعت المشتغلين بالفنون التلفزيونية لإطلاق تسمية "الدراما" على مسلسلاتهم مستعيرينها من المسرح ومن الرواية أيضاً" (سيريس، 8/12/1998) وهنا يعطي الكاتب للرواية التلفزيونية شرعية توظيف المصطلح للدلالة على جزء من الأعمال التلفزيونية التي تتسم بسماتها الخاصة المميزة لها، فلمصطلح الرواية التلفزيونية جذوره وامتداداته غير العربية إذ يدل مصطلح (تيلينوفيلا) الإسباني الأصل على مسلسلات الدراما الشعبية التلفزيونية التي تعرض في قنوات الدول الناطقة باللغة الإسبانية في كل من أمريكا اللاتينية، والبرتغال، والفلبين، وإسبانيا وأمريكا الشمالية ولا سيما المكسيك والولايات المتحدة. وتتكون كلمة (Telenovela) من مختصر كلمتين مركبتين هما: تيلي اختصار لكلمة تلفزيون ونوفلا التي تعني الرواية، فالتيلي نوفيلا هي الرواية التلفزيونية (ويكيبيديا)، أما (المسلسل) فهو مصطلح فرنسي الأصل وسمي أيضا بـ(الفيلم ذي الحلقات) أو (الرواية السينمائية) "وكانت حلقاته تظهر في الصحافة في وقت معا، وإنه المعادل السينمائي للحلقات الروائية المسلسلة في الصحف التي يستغل منها مبدأ القلق الذي تثيره، فكل حلقة تتوقف عند لحظة حرجة تتيح إبقاء المشاهد في حالة النفس المقطوع" (جورنو، 2007)، وهناك فرق بين المسلسل والسلسلة، التي يقصد بها الفلم المكون من عدة أجزاء تشكل كلا واحدا نجد فيه بطلا واحدا تستمر مغامراته من فيلم إلى آخر مثل جيمس بوند واينديانا جونز وغيرهما (جورنو، 2007)، ولاننس أن المسلسل ارتبط بشاشة التلفزيون بينما ارتبطت السلسلة بالشاشة السينمائية، ويجمع بين كليهما كونهما سردا صوريا يقترب كثيرا من السرد المقروء في الأعمال الروائية، لا بل قد يقتبس عنها أو يبنى على أساسها، وفي حالة اقتباس العمل عن نص روائي مكتوب تتم الإشارة إلى ذلك في تايتل العمل، وقد يُبنى على غرار عمل روائي معروف كما نجد في عمل (ليالي الحلمية) لرائد الرواية التلفزيونية (أسامة أنور عكاشة) الذي لقب  (نجيب محفوظ الدراما التلفزيونية)، إذ بني العمل على أساس أنه ثلاثية كما هو الحال مع ثلاثية محفوظ، وبعد أن حصل على شعبيته أكمل بجزئين آخرين، وحملت هذه الخماسية التلفزيونية الروح المحفوظية وصيغت على غرار الثلاثية الشهيرة وبنيت فنيا بناء أشبه ببنائها، ومن هنا يرى بعض الباحثين أن "واقع المسلسل التلفزيوني يشابه واقعي الرواية والفيلم السينمائي، لهذا يمكن اعتبار المسلسل التلفزيوني سرداً روائياً بالصورة (هذا لايعني إلغاء الحوار) أي اننا يمكن أن نطلق على المسلسل اسم الرواية التلفزيونية إذا توفرت فيه بعض التقنيات التي طورتها الرواية الأدبية مثل الاهتمام بالعالم الداخلي للشخصيات وإظهار ميولها وضعفها وقلقها وحالاتها النفسية وغيرها. كما أن على الرواية التلفزيونية أن تبني عالمها بدقة وفق نسق واحد على صعيد وحدة الزمان والمكان والبيئة واللغة والثقافة الشفوية والملابس والموسيقا وغيرها. أيضاً على الرواية التلفزيونية أن تُعنى بتعدد الأصوات وأن تطرح القضايا الفكرية والفلسفية والسياسية وغيرها من الأنشطة الإنسانية. إن الفارق بين المسلسل العادي والرواية التلفزيونية يتطابق مع الفارق بين أفلام المقاولات والأفلام الفنية ومع الفارق بين رواية التسلية التي تكلم عنها ليونيل آيدل وبين الرواية الأدبية الغنية" (سيريس، 8/12/1998)، وهذا ما تؤكده علاقة رائد الرواية التلفزيونية عكاشة مع الأدب التي تجاوزت امتلاكه لعدد من النصوص الأدبية المقروءة يصدرها بصفة دورية، بل وصلت إلى إصراره على أن النص المرئي هو نص أدبي رفيع المستوى وليس فقط مجرد نقل المكتوب إلى مشاهد مرئية، وهذا دفعه لوصف ما يقدمه من أعمال مرئية بأنها ما هي إلا (رواية تلفزيونية) وليست مسلسلات، وبالنتيجة استطاع أن يطبع سيناريو (ليالي الحلمية) لقناعته أن النصوص المرئية تنتمي إلى عالم الأدب،  وكرر تجربة الطباعة مع فيلمه (الاسكندراني) عندما لم يجد المنتج الذي يستوي بوساطته العمل كما يريد كاتبه (صالح، 31/5/2010)، وحصلت أعمال عكاشة على شهادة نجيب محفوظ التي يرى بعض الباحثين أنها أكدت أننا نعيش زمن الرواية التلفزيونية، "فقد قال محفوظ لأسامة: (ليالي الحلمية) وقبلها (الشهد والدموع) هي روايات مرئية ميزتها أن غير المتعلم يستطيع أن يقرأ ما فيها بسهولة ومتعة، وما أكثر غير المتعلمين في العالم العربي !وكأن محفوظ بهذه الكلمات يشير إلى أهمية رواية التلفزيون التي يقدمها الكاتب في شكل مسلسلات. وقبل ذلك بسنوات، كان الأديب عبدالله الطوخي قد أعلن صراحة في مقال حزين وشهير عن "غروب الأدب" وكتب تحت هذا العنوان يقول :إن مسلسلات أسامة أنور عكاشة أكثر تأثيراً في مستوى القاع الشعبي من أعمال نجيب محفوظ، واقترح أن تعقد مصالحة أو يتم زواج الرواية الأدبية والتلفزيونية فيما يمكن أن يسمى بـ(التليرواية)" (الجمل، نوفمبر 2000)، وإن انطلقنا من منطلقات التعريفات أعلاه للروايات التلفزيونية ومن استقراء أعمال عكاشة فإننا نذهب إلى أن العمل قيد الدراسة لا ينتمي إلى جنس الرواية التلفزيونية، وإنما ليس سوى مسلسل تلفزيوني درامي اعتيادي، فمن ناحية الشخصيات حاول الكاتب الغوص في دواخل الشخصيات لكنه تاه في عوالمهم الداخلية ولم يستطع رسمها ولا بنائها بناءً متقنا بحيث تصير مقنعة للمتلقي من خلال إظهار ميولها وضعفها وقلقها صوريا وبطريقة معبرة، إلا فيما ندر، لكنه استعاض عن ذلك بالحوارات المنطوقة بين الشخصيات فضلا عن مونولوجات الشخصيات التي تعرض فيها مشاعرها وحالاتها النفسية، أما فيما يخص الرؤية البوليفونية أو تعدد الأصوات في العمل قيد الدراسة فقد غابت تماما، ذلك أن العمل بأكمله يروى من وجهة نظر واحدة، وهي وجهة نظر الصحفي (كريم نعمان) الذي أدى دوره (محمود أبو العباس) واتضح لنا في نهاية العمل أننا رأينا كل شيء من خلال عيني هذه الشخصية.

غير أن (الفندق) التزم من سمات الرواية التلفزيونية انه بني على أساس وحدة الزمان والمكان والبيئة وأخفق في اللغة والثقافة الشفوية من وجهة نظرنا ولاسيما في شخصية (ماري) التي لعبت دورها (سناء عبد الرحمن)، فضلا عن أن العمل طرح عددا كبيرا من القضايا الفكرية والسياسية السائدة في المجتمع العراقي، حتى أنه تاه في زحمتها فظهرت مجمَّعة على غير هدى وسطحية لاحلول لها ولا نهايات شافية لمشكلات متعددة طرحها العمل كالبطالة، والإدمان، وتجارة الممنوعات، والاتجار بالبشر، وتجارة الأعضاء، فضلا عن سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي، والابتزاز، وزنا المحارم، والانتحار، وفساد الطبقة السياسية العراقية والمتعاملين معها، وازدواجية الشخصية العراقية والشخصية المتدينة على وجه التحديد.

أما الاتجاه الثاني في علاقة العمل الدرامي (الفندق) بالرواية، وهو قضية اقتباسه أو أخذه من رواية عراقية سابقة له، فقد صار النقاش قي هذه المسألة مبتذلا جدا على صفحات الجرائد وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وخرج من باب الادعاء بأحقية النص ونسبته لشخص بعينه ليصل إلى التطاول والاستهزاء والإساءات الشخصية التي لاتمت للنقد بصلة من قريب ولا من بعيد، ولم تتوقف الاتهامات والمشادات بين المؤلفين فقط وإنما بدأت تطول كل من أصدر حكما في هذا الخصوص سواء مع العمل الروائي المقروء أو مع العمل الدرامي المرئي تلفزيونيا، وهذا ما يرتبط بموضوعية الأحكام ومصداقيتها. ومن البديهي في أي حكم نقدي أن يطَّلع المُوازِن أو المُقارِن بين العملين طرفي النزاع على العملين كليهما، فضلا عن ضرورة أن يتخلص من الدافع الذاتي في الحكم لتصير الموضوعية هي الدافع والمحرك الوحيد للحكم عليهما، وهذا لا يتحقق من وجهة نظري إلا إن نحَّينا المؤلفِينَ عن أن يكونوا أطرافا في المقارنة، واعتمدنا فقط على النصوص الروائي المقروء/التلفزيوني المرئي بقطع الصلة عن مؤلفيهما فهل الثاني مقتبس من الأول أو مبني على أساسه أم لا وما سمة هذا الاقتباس إن كان موجودا أو مانوعه.

والاقتباس عن الأعمال الأدبية يحصره (جانيتي) في ثلاثة و"بالتطبيق الفعلي تقع أغلب الأفلام في مكان ما بين هذه الاصناف" (جانيتي، 1981) وأول مستوى من مستويات العلاقة بين الرواية والسينما هو الاقتباس الأمين الذي "يحاول إعادة خلق المصدر الأدبي بالتعبير الفلمي محافظا على روح المصدر الأساسي قدر الإمكان، لقد شبه أندريه بازان المعد الأمين بالمترجم الذي يحاول أن يجد المعادلات للأصل" (جانيتي، 1981)، أما المستوى الثاني من الاقتباس فهو الاقتباس غير المشدود الذي يتمثل بأخذ فكرة وموقف أو شخصية مأخوذة من مصدر أدبي ثم يتم تطويرها بصورة مستقلة (جانيتي، 1981)، فالاقتباس ليس محاكاة العمل الروائي وإنما عبقريته خلاقة تعمل على استلهام حر يوجب على صانع الفلم النظر إلى النص الروائي لتخطيط ما يمكن اتباعه بدقة وما يجب استبداله ليتوافق مع رؤية صناع الفلم (ديك، 2015)، وأما النوع الأخير من الاقتباس فهو ما يسميه جانيتي مرة بـالأدبي ومرة بـالحرفي ويقتصر فقط على الاقتباس من المسرحية، ذلك لأن "لغة المسرح الرسمي وأحداثه صالحة للتحويل سينمائياً، وأهم التغييرات في الإعداد الحرفي يحتمل أن تشمل الاختلافات في الزمان والمكان وليس اللغة" (جانيتي، 1981)، وبناء على هذا نجد أن لاوجود لاقتباس حقيقي في عملنا قيد التحليل، إذ اختلف العملان اختلافا كبيرا، وهذا لاينفي التشابه الحاصل بينهما، من نواحي جزئية وتفاصيل كثيرة، فنص السيناريو قد أخذ الأفكار البارزة في العمل الروائي، ووظفها دراميا في نصه التلفزيوني، وبنى عليها هذا العمل، ما يعني أن العمل الثاني (التلفزيوني) لم يكن اقتباسا للعمل الأول وإنما كان أشبه بعملية إعادة خلق من المواد الأولية نفسها، سواء كانت أفكار أو حوارات أو طريقة بناء، إلا في الشخصيات فقد اعتمد النص التلفزيوني على شخصيات مختلفة يضمها فضاء مختلف، كما تعددت الاماكن في العمل الروائي وبالمقابل اختصرت في العمل التلفزيوني، وقد يكون هذا التشابه وإعادة الانتاج سبب إرباكا في بناء النص المرئي، الذي ضاع في زحمة اخفاء الاخذ من نص سابق له، وفي الوقت نفسه إضفاء الروح الدرامية على العمل وجعلها روحا عراقية خالصة بأماكن عراقية، تختلف عن الرواية التي جرت أحداثها لعراقيين خرجوا ولجأوا إلى دول أخرى في زمن يسبق 2003، بينما المسلسل وأحداثه في عام 2018.

وإن مررنا بموضوعية على مواضع التشابه بين العملين بعد الاطلاع عليهما ودراستهما تفصيليا، نجدها قسمين، الأول مأخوذ حرفيا من الرواية، كفكرة وجود الشبح وقصته، وكوابيس البطلة (عشتار/منار)، واشياء أخرى انطلاقا من الثيمة الأساسية للرواية، المتمثلة بأن القارئ يقرأ العمل بأكمله ليكتشف في نهايته (المشهد الأخير) أنه وقع في فخ لعبة سردية لعبها المؤلفان بتقديم أحداث متكاملة محبوكة للقارئ من وجهة نظر خارجية بدون تدخل الراوي، وهي أشبه بالرواية بعين الكاميرا، ليكشفا بالنهاية أن كل تلك الأحداث ليست سوى أحداث رواية يكتبها الاثنان، وهذا ما حصل أيضا في العمل التلفزيوني، الذي يقدم في عشرين حلقة أحداثا متعددة ليكتشف المشاهد أخيرا في الحلقة الأخيره انها ليست سوى رواية يكتبها أحدهم. غير أن الرواية التي تكتب في العمل المقروء تكتبها شخصيات من خارجه، أما الرواية في العمل المرئي فتكتبه شخصية من داخل العمل نفسه، وتضع نفسها بطلة فيه، وهذا أيضا من التشابهات إذ وضع أحد المؤلفين نفسه بوصفه شخصية داخل العمل الروائي المقروء. ومن التشابهات الجذرية بين العملين التي اخذها المسلسل حرفيا من الرواية فكرة الأرواح الهائمة، التي يرد سردها تفصيلا في المشهد7 من الرواية، على لسان (زهراء) وهي إحدى الشخصيات التي تسكن مع (عشتار/منار) في المنزل، تقول: "إن هذه المنازل بنيت على قبور العبيد الذين كانوا يقتلون على يد صاحب القصر في أواخر القرن الثامن عشر، امرأة فاحشة الثراء جميلة، قاسية، انتزعت من قلبها الرحمة، حتى على زوجها وبنتيها تحتكم على عدة هكتارات من مزارع الذرة والبطاطا والشعير وبضعة عشرات من العبيد الذين يطيعونها طاعة عمياء وإن خالف أحدهم أمرها أو أخطأ فقد أضحى آبقا.. كانت تتفنن بتعذيبهم قبل قتلهم أما جثثهم فتأمر بإخفائها في الأقبية المنتشرة تحت القصر والتي تنتهي بغرف ترمى فيها دون أن توارى التراب، مما يعني أن منازلنا تقع على أعشاش الموتى.. إنهم يفقسون عن أرواح يحلوا لها الطيران فجرا في بيوتنا(...)وهم ودودون ، إنهم ليسوا أرواح وإنما أشباح تفتش عن الر احة في القصاص بمن جعلها تموت دون ذنب" (رشيد و محمد، 2016) وهذا بالحرف ماورد في المسلسل الذي ترافق أبطاله روح امرأة ثرية هائمة قتلت دون بيان الأسباب لتبقى روحها تسكن المكان مطالبة بالقصاص من قاتليها. ونجد كذلك شخصية (عشتار/منار) في الرواية تشترك مع شخصية (كريم) في المسلسل في تخيلاتهما المتعلقة بالأشباح والأصوات والكوابيس وحتى حادثة الإغماء فهما يتعرضان لها كليهما، غير أن الفرق بينهما أن (كريم) يدخل الفندق وهو مريض نفسي يعاني هلاوس سمعية بصرية، بينما تدخل (منار) الآفو سليمة تعاني من ضغوط الهجرة وعدم الاستقرار، لكن المجرم في الرواية يضع لها حبوب تصيبها بتلك الهلاوس.

أما القسم الثاني فيشابه ماورد في الرواية لكن ليس خاصا بها، إذ قد يؤدي سير الأحداث منطقيا في العملين إلى توظيف هذه التفصيلات، والوصول إلى هذه النتائج، ولاسيما أن الأفكار المناقشة في العملين تدور في الفلك نفسه، وهذا نجده مع شخصية (عشتار/منار) في الرواية التي يمكن ربطها مع شخصية (سعدية) في المسلسل ولاسيما في مشهد تسلمها للسكن في الآفو، وأيضا في كون ابنها ليس ابنا بايولوجيا لها، بل هو ابن متبنى، وسعدية تستلم السكن في الفندق بطريقة مشابهة ولها أبناء ليسوا أبناءها بايولوجيا. وأيضا من التشابهات التي يمكن أن نعدها من هذا النوع عدد الشخصيات المتلازمة في الرواية (جلال،عبد الله، نبيل) مع اختلاف التفصيلات نجد أمامنا في المسلسل (سنان، واثق، ماجد)، وأيضا يمكن وضع تحت خانة التشابهات هذه الأقوال التي ترد في الرواية وكتبت في متنها بأقواس اقتبسها الراوي من أدباء وأعلام في مختلف المجالات، نجدها ترد أيضا في العمل المرئي، لكن الفرق أنها ترد على لسان الشخصيات على اعتبار غياب الراوي في العمل المرئي وتنازله عن موقعه للكاميرا، بينما يتمتع بموقعه في العمل الروائي المقروء بكامل ميزاته.

ومن الطريف أن الأخطاء التي وقع بها العمل المرئي في موقع الراوي ووجهة النظر سبق أن وقع فيها العمل المقروء نفسه، وهذا يتمثل في المشاهد التي كتبها (محمد محسن) إذ يرد بعضها بصيغة المتكلم وبعضها بصيغة الغائب، وهذه الضمائر تعبر عن وجهة النظر الساردة للأحداث، إذ قدم بعضها من الداخل، وقدمت الأخرى من الخارج، وهذا ايضا لاحظناه في العمل المرئي، إذ وجدنا عددا من المقاطع الروائية التي يكتبها (كريم) يكتبها بضمير المتكلم وبعضها الآخر بضمير الغائب.

ومع إثبات أن العمل المرئي التلفزيوني مأخوذ من العمل الروائي المقروء (عناكب الآفو) لابد أن نشير إلى حقيقة مفادها أن الرواية قد كان لها جوانبها التي تميزت بها، كبناء الشخصيات المتقن والتسلسل المنطقي للأحداث، والاهتمام بالبناء النفسي للشخصيات وربط ما تبديه من ردود أفعالها مع ماتتعرض له من ضغوطات، وسيطرتها على مصائرهم جميعا، فضلا عن تميزها بتقديم قصتين متوازيتين يجمع بينهما زمن واحد وتفصل بينهما أمكنة متعددة، في حبكتين تسيران بالتوازي وتتقدمان مع بعضهما خطوة خطوة. كما أن لها جوانب أخرى أخفقت بها، وأبرزها المبالغة باللغة الشعرية والانزياحات المتتالية في جمل الرواية سردا وحوارا، حتى جاءت جمل الشخصيات جميعها مصاغة بالاسلوب ذاته، الذي صيغت به الجمل السردية والوصفية، وهذه الانزياحات المتتالية أدت بالقارئ إلى الانشغال بها وباستعمالاتها غير المألوفة للغة لتشتت نظره إلى الحدث وترابطه في بعض الأحيان، لابل حتى الكاتب قد وقع في غفلة منه بهذا التشتت عندما أوصل شخصيته الرئيسة (نبيل) إلى بيت (الدكتور حميد وابنته نادية) في نهاية المشهد 26، إذ يقول الراوي: "اتصل بنادية قبل وصوله إلى الآفو لكنها لم ترد، فعاود الاتصال بالدكتور حميد ليخبره بأنه قادم، رد عليه الدكتور حميد بأنهم جميعا بانتظاره،(...) كان يشاور عقله في كل نقطة يقف على حافتها الحادة وهو يراجع موقف نادية من حضوره، ولم يلتفت إلى ممارسات التضليل التي برع فيها جزء قلبه الضعيف اتجاه مشاعر الحب عندما اتخذ سبيل المراوغة في خلق الأعذار والتبريرات الكثيرة..." (رشيد و محمد، 2016)، وينتتهي المشهد دون أي إشارة إلى مغادرة (نبيل) لبيت (نادية) بينما نلتقي به في بداية المشهد التالي 27، يتجول في مدينة أمستردام وأحيائها المتعددة، فكأن الراوي نسي (نبيل) هناك ليعود فيما بعد ويضعه في مكان وزمان مختلفين لاربط منطقي بين الاثنين. وفي سياق متصل باللغة، فإن الرواية وقعت في عدد لايحصى من الأخطاء اللغوية والطباعية والإملائية لاتخفى على أحد. فضلا عن أنها، أي الرواية، وقعت في عدد من حواراتها بالافتعال والمبالغة كما في المشهد 21، الذي أخطأت فيه باسم الشاعر (شيركو بيكس) فورد اسمه في هذا المشهد (فائق بيكس) (رشيد و محمد، 2016).

وأخيرا لنتفق على أن هذه الإشكالية وهذا الارتباط بين العملين أسدى خدمة كبيرة لكليهما، فكم من مشاهد للمسلسل دفعه الفضول للاطلاع على الرواية وقراءتها بحثا عن حقيقة السرقة، والعكس وارد أيضا، فكم من قارئ للرواية أعاد مشاهدة المسلسل بعد أن قرأها ليجد الحقيقة أو يدلي بدلوه في هذا السياق.ومع الضجة المثارة حول التشابه الكبير والسرقة المدعاة، صار القارئ ضعيف الثقة بالنص الثاني، (الفندق) وصار يبحث عن أي تشابه في ثنايا رواية (عناكب الآفو)، لأنه رسخ في لاوعيه أن الأول مسروق من الثاني، فباتت التشابهات المقصودة وغير المقصودة بعين القارئ شيئا واحدا يثبت أخذ النص المرئي تلفزيونيا من النص المقروء بحذافيره، مع تغييرات تشوش على المشاهد ولا تحيله إلى الرواية لو كان قرأها مسبقا.

 

كوثر جبارة - ناقدة واكاديمية

جامعة دهوك / مركز بيشكجي للدراسات الانسانية

 

مادونا عسكرقراءة  في نصّ للشّاعر التّونسيّ محمّد بن جماعة

أوّلاً- النّصّ:

"أنا بكلّي لك

ولا يَكلُّ كلّي

والكلّ بكلّك كلّي!.."

ثانيا- القراءة:

العشق واحد والسّبل إليه متعدّدة، إلّا أنّ المراحل الّتي يتدرّج فيها العاشق تتجلّى من خلال الخبرة العشقيّة والتّجربة اللّتين تعبّران عن خصوصيّة يتفرّد بها كلّ شاعر على حدة. وها نحن أمام نصّ يحمل في حناياه ما يقارب العشق المطلق، أو التّلبية المشابهة لتلك الّتي هتف بها الحلّاج المنفتح على النّور الإلهيّ. ولعلّها المرحلة الأخيرة الّتي يقترب بها العاشق من الكمال، فيعاين بقوّة ذلك النّور حتّى يكاد لا يطيق المكوث داخل ذاته.

الشّعر ليس نسقاً واحداً، ليس بحسب الاختلاجات الشّعريّة المتعدّدة والتّعبير عن الذّات المتنوّع  والانفلات من الوجود إلى عوالم النّور فحسب، بل إنّه يختلف من إحساس إلى آخر ما يترك آثاره النّصّية والأسلوبيّة والتّكوينيّة في النّصّ، فبين كلّ نصّين متشابهين في الفكرة ثمّة ما هو مختلف؛ فإذا ما صرخ الحلّاج (لبّيكَ لبّيكَ يا سرّي ونجوائـــي // لبّيك لبّيك يا قصدي ومعنائـي)، يختصر محمد بن جماعة ذات المعاني بثلاث كلمات (أنا بكلّي لك)، بل كأنّه استمع إلى أبيات الحلّاج واتّخذ منها موقفا إيجابيّا بثمثّل الحالة عند المستمع المقصود فكان الشّاعر نفسه.

ويعبّر الشّاعر بالاختصار عن موقفه ذاك، والاختصار أشدّ كثافة من الإسهاب، وأقوى تأثيرا في السّامع، وأشدّ قسوة على الشّاعر نفسه؛ لأنّه كلّما اتّسعت الرّؤية ضاقت العبارة (النّفري). فرؤية محمد بن جماعة اختُزلت بكلمة (بكلّي) لتكون عبارة كونيّة تتّسع  لرؤى خاصّة عند الشّاعر تضيق بها عبارة التّلبية (أنا بكلّي لك). "كلّ" الشّاعر في هذه العبارة أبعد وأعمق من وجوده. فهو يتطلّع إلى أبعاد أخرى في وجود آخر يتوجّه إليه بكلّه ويوجّه كلّه إليه. قد يختلف نصّ الحلّاج عن نصّ بن جماعة بالمضمون، لكنّ الاتّجاه نحو السّماويّات يتضّح للقارئ من خلال (الكلّ). والاتّجاه نحو السّماويّات لا يلغي الحركة الدّيناميكيّة في الوجود لبلوغ وجود آخر (ولا يكلّ كلّي) فالشّاعر في سعي دؤوب وحركة وفيض حبّ، لا يهدأ ولا يرتاح ولا تطمئنّ  كينونته إلّا في داخل الكلّ الآخر. وهذا الارتياح مرادف للاكتمال الإنسانيّ والشّعريّ الّذي يحدّد هويّة الشّاعر. فكأنّي به يقول إنّه يدرك أبعاده الكونيّة والشّعريّة بالاتّحاد بالكلّ المنتظر الاتّحاد به عشقيّاً. والاتّحاد العشقيّ هو غير الذّوبان في الآخر، فهو أشبه بشجرتين لجذور واحدة. كلّ واحدة متفرّدة بكينونتها إلّا أنّ الاثنتين معاً تجسّدان معنى الاتّحاد، إذ إنّهما تنموان بذات الفعل الحيويّ. هو أبعد من تكامل وأعمق من انجذاب نحو الآخر. إنّه مسيرة حجّ وانتظار مقدّس واتّحاد آنيّ بقوّة الرّجاء والحبّ.   

(أنا بكلّي لك) عبارة جمعت كلّ وجود الشّاعر في أبعاده الأرضيّة الوجوديّة وأعماقه الإنسانيّة وكينونته كشاعر، وانسكبت في (لك) كفعل اتّحاد عشقيّ يحمل في عمقه قراراً واعياً. فالشّاعر يدرك ويعي أنّ كلّه مرتبط جذريّاً بكلّ آخرَ لا يكمّله وحسب، وإنّما يحقّق كينونته (والكلّ بكلّك كلّي) ما يدلّ على عدم انفصال ضمنيّ بين الوجود الحاليّ والوجود الآخر. وبذلك ينتفي مفهوم الآخر بالنّسبة للشّاعر على مستوى النّصّ أوّلا الّذي هو تابع بالضّرورة إلى الإحساس بعمق الوجود والاتّحاد، لينتفي ذلك الانفصال الّذي يبيّن أنّ هناك آخر مسايراً للشّاعر في وجوده. هذا الإدراك معنيّ به الشّاعر وحده، ويتسرّب إلى القارئ شذرات نورانيّة، لا يمكن بلوغها إلّا بالتّأمّل باتّجاهين: الأوّل اتّجاه نحو قلب الشّاعر لإدراك ما يمكن إدراكه من حبّه وتصوّفه وإلهامه الشّعريّ. والثّاني، اتّجاه نحو السّماء للانفتاح على ذلك النّور الّذي يتدفّق ويتجلّى شعراً. 

حمل النّصّ فعلاً واحداً (يكلّ) ما دلّ على ثبات متأصّل في نفس الشّاعر. وهو غير الرّكود الخالي من أيّ فعل. فالفعل هنا يقتصر على حركة الشّاعر داخل العشق وحسب. فكلّ اهتماماته وأهدافه تنصبّ في بلوغ تمام العشق حتّى تتحقّق صورة الشّاعر في الكلّ الآخر الّذي هو فعليّاً كلّه. ما يترادف وقول الحلّاج:

يا كلّ كلّي يا سمعي و يا بصري

         يا جملتي و تباعيضي و أجزائي

يا كلّ كـلّي وكلّ الكـلّ ملتبس

          وكلّ كـلّك ملبوس بمعنائــي

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

صالح الطائيقراءة انطباعية في رواية "حفرة السلمان" لصالح مطروح السعيدي

حتى قبل أن يمتهن أجدادنا العمل السياسي، كانوا قد ابتكروا لمناوئيهم ومنافسيهم حفرا ومصائد ليلقوهم بها، فيتخلصون من خطرهم، وكانوا أحيانا يلقون بها الأبرياء من وغيرهم، ومن لا ذنب لهم لكي يرهبون الناس بأفعالهم، ويزرعون في نفوسهم الخوف، ويدخلوا الوجل إلى قلوبهم والخشية إلى أرواحهم، لكي لا يفكروا بتحديهم أو الكيد لهم، أو مجرد معارضتهم، والعمل على خلاف مناهجهم، ولذا لا غرابة أن تجد السجن شاخصا في حضارتنا الجاهلية، حيث كان للحارث بن عبد بن عمر بن مخزوم سجن في جبل نفيع بمكة، كان يحبس فيه سفهاء قومه. وكان لحجر بن الحارث الكندي، والد أمرئ القيس، سجنا حبس فيه بعض سادات بني أسد لأنهم ثاروا عليه. وفي الشام حبس عمرو بن جفنة الغساني بعض القرشيين بطلب من عثمان بن الحويرث الأسدي بسبب رفض قريش تنصيب الأخير ملكاً عليها من قبل قيصر الروم. وفي الكوفة اتخذ المناذرة سجن الصنّين لسجن أشخاص من بينهم عنترة بن شداد وعدي بن زيد.

ولا غرابة في أن تجد حضارتنا الإسلامية وقد سارت منذ أيامها الأولى على النهج نفسه، صحيح ان النبي لم يكن له حبسا، ولا لأبي بكر، ولكن عمر الذي استخلف في شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة النبوية، أي بعد مرور ثلاث سنوات فقط على موت النبي؛ سرعان ما أحيا موروث السجون، واتخذ مكانا، وصيره سجنا، مثلما ورد في مجموع فتاوى ابن تيمية.

أما في زمن الأمويين فقد توسع الحكام في اتخاذ سجون عامة وخاصة، علل البعض وجودها بسبب تزايد الحركات السياسية المناوئة للسلطة، وكان معاوية بن أبي سفيان أول مَن أنشأ السجون بشكلها المعروف اليوم، وخصص لها حراساً.

وفي مكة تماهى معهم عبدالله بن الزبير، فبنى سجناً خلف دار الندوة، عُرف بسجن عارم نسبة إلى سجين قتل فيه.

وعلى منوال سجون معاوية، أنشأ الأمويون سجوناً في الحجاز، وحوّلوا دار عبد الله بن سباع الخزاعي في المدينة إلى سجن عُرف بسجن ابن سباع. كما تحوّلت دار ابن هشام في المدينة إلى سجن في أواخر العصر الأموي. وأنشئ سجن في عسفان بين مكة والمدينة في خلافة هشام بن عبد الملك، وسجن آخر في تباله قرب الطائف. وكذلك ظهر سِجن في العقيق من بلاد بني عقيل، وسجن دوّار في اليمامة.

أما في العراق فقد كان الحجاج خلال السنوات العشرين التي عين فيها واليا على العراق (السنوات 70ـ 95هـ) قد اتخذ سجونا عديدة، بعضها مطامير لا يعرف المسجون فيها ليله من نهاره، وبعضها لا تقي من حر ولا برد، وقد مات في حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألفا عزباوات، وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد. وبعد موته عُرضت السجون، فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفاً، لم يجب على واحدٍ منهم قتلٌ ولا صلبً.

منذ عصر الحجاج فصاعدا وصولا إلى الاستعمار العثماني، ثم الحكم الملكي وحكم المستعمر الإنكليزي للعراق، تطورت السجون كثيرا، وتنوعت مصادر التعذيب، وكانت بعضها في منتهى السوء، حتى أن سماع اسمها يجعل الأعصاب تنهار، ومنها سجن (نقرة السلمان) الذي أنشأه الانكليز، وهو يقع في محافظة المثنى (السماوة ـ ناحية السلمان) في منطقة صحراوية على أطراف الحدود العراقية السعودية، في منطقة نائية تحميها الصحراء المترامية، التي تهدد من يفكر بالهرب بموت بطيء.

وقد أصبح سجن نقرة السلمان أنموذجا تقاس صعوبة باقي السجون نسبة إليه، وإلى ما يعانيه السجناء وعوائلهم، ولاسيما بعد أن قام النظام البعثي في صبيحة 3 تموز 1963 بإصدار مرسوم جمهور يقضي بترحيل سجناء السجن رقم واحد وهو أحد سجون معسكر الرشيد إليه، وغالبية السجناء كانوا من الشيوعيين، وقد أرسلوا إليه لغرض تصفيتهم.

امتدادا لهذا التاريخ المفعم بالأذى والعذاب، وإحياء لذكرى الوجع القديم السابت في النفوس، كتب الروائي الواسطي الأستاذ صالح مطروح السعيدي روايته الرمزية (حفرة السلمان) التي تؤرخ لهذه المرحلة الحساسة من تاريخ شعبنا وحركاته الوطنية، وأحزابه التقدمية، ومثلما تؤرخ لنظمه القمعية الإجرامية، لتكون لبنة أخرى في المنجز السياسي لهذا الكاتب اليساري المعروف، تؤرخ لصور تزدحم بها ذاكرته لأصدقاء وزملاء ورفاق ومعارف وأقرباء، طحنتهم طاحونة العجرفة السياسية، ولتكون (نقرة السلمان) صورة للحياة التي مرت على العراقيين في عقود ولت، بعدما تحول الوطن كله إلى (حفرة)، لا وجل ولا مانع من أن تسمى (حفرة السلمان).

حفرة السلمان استذكار لمرحلة تاريخية خطيرة وشائكة ومعقدة من مراحل تاريخ العراق الحديث، سطرها الأديب الواسطي الكبير صالح مطروح من ذاكرته كونه أحد المشاركين بصنع أحداثها، كانت أحداثها مزدحمة بالحب والعذاب، بالعلاقات السوية والمنحرفة، بالسادية والرحمة، بالحرية والانعتاق ضد العبودية والهمجية والتقييد وتكميم الأفواه وسلب الحريات. تم استدراك ذلك كله في صفحات تئن، تتألم، تتوجع،  تكاد تسمع آهات وجعها، صرخاتها، شكواها، منذ فصلها الأول "الدخول الى الداخل"، حيث تتلمس تحدي الألم ومواطن الوجع:

"أنا وأنت وجعان فوق سفوح الألم.

أنت وأنا نافذتان نخرت ألواحهما ريح الغروب.

أنا وأنت دمعتان في مشابك الدمع تتأرجحان.

إرادة تشظت، ثم التمت، فتعلقت بأودية الحياة؛ إرادتان.

أنا وأنت  مصير واحد مكبل بقيود لا نقوى على قد أغلالها (صفحة: 11)

حيث تستشف الوجع من خلال تلك الكلمات التي شكلت النص: وجعا.. الألم.. نخرت.. دمعتان.. مصير.. قيود.. أغلال.. مصير. وهي كلمات تدل على خيال مشبع بالوجع والآهة، ويسعى لأن يخرج كل ذلك الوجع ليتشاركه مع الآخرين عسى أن يشعر بالراحة التي كان ينشدها منذ أيام وعيه الأول، في ريعان شبابه، ولحين أن سلبه الزمان مكمن قوته، ولم يبقِ له سوى هيكلا يكابر باستحياء خوف أن يشمت به الأعداء.

وهو حتى في محاولة استرجاع الذكريات الجميلة كما في الفصل الثاني "امرأتان"

عجز عن مغادرة مفردات الوجع: "ببياض يدي، بحجم تواريخ الأسى، باحتشاد اسئلتي على أرصفة التشظي، ببقايا ارادتي، بأسمال الحروب، بقبعة الحضارات المثقوبة من الوسط، خارج أنا عن وطني، بل محرر من إسار تعلقي به، محمل بفيض انكساراتي، باشتعال سنواتي، برماد احتراقاتي، ذاهب بصمت ذهولي الى منفاي، بكل أعبائي وإسقاطاتي(ص: 10)

هكذا تكرر معزوفة الحزن: تواريخ الأسى.. أرصفة التشظي.. بقايا.. أسمال.. مثقوبة.. إسار.. فيض انكساراتي.. اشتعال سنواتي.. رماد احتراقاتي.. صمت ذهولي .. منفاي.. أعباء.. إسقاطات.

هكذا تحتشد كلمات الوجع لترسم فصول الرواية، فصلا بعد آخر، وتسير بك من محطة تسمع فيها صراخ الأجساد المعذبة إلى محطة تسمع فيها صراخ الضمائر المستلبة، حينما يتعامل عنصر الأمن المنزوع الضمير مع فتاة في مقتبل العمر، فيسرق منها عفتها وبرائتها باسم الدفاع عن النظام، والنظام نفسه يبارك له عمله الدنئ.

إن الغوص في فصول الرواية السبع في قسمها الأول، وفصلي ورسالتي القسم الثاني، يتنقل بك من المواجهة، إلى عجلات الموت، إلى عام المرارة، ليستقر في الخاتمة في حفرة السلمان، فمع كل الألم المحتشد في فصول الرواية بما يشعرك وكأن الهزيمة حلت بالخير والصلاح والوطنية والعفة ومحاسن الأخلاق، ستجد في خواتيمها ولادة جديدة لأمل دافق بالمتعة، يحفزك لأن تؤمن بأن الحياة سوف تنتصر على الموت، والخير سوف ينتصر على الشر مهما طال الصراع بينهما: "الله ما أجمل الحياة حين تجتمع تحت خيمتها جميع التناقضات" (ص:349) هكذا أراد صالح مطروح لروايته أن تعلن انتصار الحب والجمال وإرادة الحياة على دعوات الموت الصفراء: "ازحت الرمال بيدي وثمة ضوء شفيف يتدفق بعيني. عملت بجد ومثابرة، أزحت طبقة الأرض، حفرت حفرة تكفي خروج جسدي، واخيرا استطعت أن ألج في ذلك الشق واخرج غلى الحياة"(ص:350).

تقع الرواية في 353 صفحة نصف أي فور، تزين واجهة غلافها لوحة جميلة ومعبرة للمصممة أمينة صلاح الدين، وقد تولت دار تموز ديموزي السورية إصدارها ونشرها في عام 2019.

 

الدكتور صالح الطائي/ العراق