641 طلال الغواروسط موجة الكتابات الشعرية، المتفاوتة في جودتها وبنيتها النصية، ومفردات الشعرية الحسية، وانزياحاتها، وأوزانها وقوافيها، وصورها، ورؤاها،وثيماتها، ووحدة موضوعاتها،حتى صار أمر الحصول على نصوص شعرية تمتلك الجودة العالية أمر يحتاج إلى فحص وتمحيص وتدقيق ، ورغم وجود نخبة طيبة من الشعراء امتلكوا ناصية التكوين الشعري وتشكيله وفق سياقه الفني الصحيح، وعبر مساره الصحيح النابع من وعي وخبرة ودراية الشاعر بأدوات بناء القصيدة، سواء كانت تلك القصيدة عمودية أو تفعيلة أو نثرية، ولكل نمط من هذه الأنماط أدواته الأساسية التي تشكل بناء النص،ولم يتوقف الأمر إلى هذا الحد، فلا يعني إجادة بناء القصيدة الأمر الضروري الذي يتطلب من الشاعر إتقانه، وإنما الأهم من ذلك هو ملاحقة موجة التطور الحاصل في تلك الأنماط الشعرية، واللحاق  بها والسير معها، وفي المجموعة الشعرية (احتفاء بصباحات شاغرة) للشاعر طلال الغوّار، نحصل على هذا النموذج الذي ينتمي الى تلك النخبة التي خبرت فن صناعة القصيدة بكل أنماطها، فهو يقدم لنا القصيدة العمودية، وقصيدة النثر، بشكلها وتكوينها وبناءها الذي يمنحها بكل جدارة روح الشعر وعالمه وكل ما يتعلق بتدوين القصيدة، ومن الجدير بالذكر وكما أشرت في جلسات أدبية متعددة،أن من يمر على صياغة القصيدة العمودية التي تعتمد على الوزن والقافية والبحور والإيقاع والموسيقى، وكذلك من يمر على قصيدة التفعيلة، سيكون موفقاً تماماً في امتلاك مقومات صناعة قصيدة النثر بشعريتها وإحساسها وإيقاعها وموسيقاها، لأنه قد نمى الذائقة الشعرية داخله وصارت المفردة أينما وجدت وأينما كتبت تمتلك هذا الحس الشعري العميق المتأصل والناتج عن تلك التجربة، وهكذا فإننا نجد في هذه النصوص هذه السمات التي منحتها صفة القصيدة الشعرية، كون الشاعر طلال الغوّار لم ينحرف من كونه شاعر لكل أنماط الشعر، وأنه يستطيع تدوين أي نص شعري وفق متطلبات بناءه، حيث ما اقتضت الضرورة لذلك، هذه الثيمة، وهذا الموضوع، وتلك الإنثيالات الشعرية المتدفقة لا يمكن أن تصل إلا بقصيدة عمودية موزونة، وتلك الفكرية وتلك الانطلاقات الحسية الشعرية لا يمكن لها إلا أن تكون قصيدة نثر، وهكذا هو الشاعر يتحكم بأدواته التي تشكل بناء النص وفق ما يجده ضمن السياق الفني الصحيح، فتوافدت الى هذه النصوص الثيمات، والتدفقات الشعرية والهواجس الحسية الشفافة، لتتشكل وتتنوع وكأنها باقة ورد تحمل جميع الألوان وتعبق بكل العطور، حيث نجد طواف واسع وكبير لكل نواحي الحياة، وتداعيات كبيرة وكثيرة تتعلق بالحب، والشوق، والهيام، والوله،وكذلك نجد تداعيات الذات المنكسرة التي تتأسى على ما حل بنظام الحياة القويم، وفي البلد، وفي بغداد،وحتى في العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة، ويمر على الفساد والخراب، ويدعوا إلى صباحات مشرقة ويتوق للوصول إليها، وهكذا فإننا سوف نشهد طواف متسع يحمل تنوع كبير، ولكنه لا يخرج عن واحة الشعر الأصيل الذي يناسبه بإيقاعه وموسيقاه وهو يخرج من الوجدان ليدخل الوجدان، وها نحن نشاركه هذا الطواف، حيث نقف مع قصيدة (بغداد) التي حملت شحنة من الأسى والألم لما وصلت إليه:

أما آن لي

أن أكسر عروة مساءاتكِ

فأرى دجلةَ

تفتحُ أحلامها

في كتاب الضفاف

أما آن لي

أن أرى

جسرك الممتدُ من قلبي

إلى رصافة أحلامكِ

يستعيد عشاقه

وفي القصيدة الشعرية القصيرة (شوق) نجده أيضاً يناجي قريته بعد عودة من غياب طويل:

كلما جئت قريتي

اقتادتني خطايَ

إلى طفل ما زال ينتظرني

خلف شجرة

منذ خمسين عام

لكني لا أراه

كما أود أن أشير هنا إلى أن خير من ينسج قصائد الغزل، والحب، والشوق،والانثيالات الوجدانية التي تتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة، هو الشاعر طلال الغوّار، كوننا نحسها انطلاقة حسية عاطفية مفعمة بالأحاسيس الجياشة التي تتصل بهذا الجانب المهم، وهذا ما نجده في مطولته المرقمة (تشرقين في قصائدي) إذ نجدها إشراقة موفقة:

1

كلمّا

تهجّيتُ حبكِ

زهرةٌ

زهرةٌ

وقلتُ إنِّي وصلتُ ايكِ

اتّسعت أمامي

حقول المعاني

وغاب الطريق

16 –

لأنِّي أحبّكِ

كل صباح

أنحرُ بين يديك

قصائدي

20 –

أفتح أزرار بهاءك

وفي لغة الأصابع

أكتبكِ

قصيدة عارية

أما قصيدة (بلادي) فأنها تأخذنا بحس مفعم بالوطنية، ومملوء بالأسى  في رحلة مع ما آلت اليه لحوادث في البلاد:

بلادي

شاحبةٌ وحزينةٌ

ليس سوى الخرابُ

يمشي في طرقاتها

وتنشر في مراياها الشروخُ

لم نعد نراها

كما هي في أعماقنا

لقد فخخوا فيها الصباحات ِ

وعن الربيع المزعوم نكون مع القصيدة الشعرية (ربيع مدمى) الذي يضع فيه أمامنا هذا الربيع المزيف:

نبكي نجوماً كثيرةٌ

وملامحنا هاربة

كلماتنا لا يخرج منها غير الدخان

فتخط أوجاعنا

على صباحات مقطعة

ونعيش مع الليل والشاعر والقصيدة، في النص الشعري (قصيدة)

آخرٌ الليلِ

وحدها القصيدةُ

تصغي الى نزيفِ الكلمات

وتقلبني

حرفاً

حرفاً

كما لو أنها

تقلب تاريخاً طويلاً

من الجراح

بعدها نكون مع قصيدة (عناد) التي تستعرض أمامنا عناد الحبيب لحبيبته بلغة مفعمة بالاصرار:

سأظل ألوحُ لكِ

يا حبيبتي

با الصباحات العنيدةِ

ألوّحُ لكِ

بالقصائد الجميلةِ

حتى تستيقظ

الأنهار

والجزرُ

النائمةُ تحت وسادتك

وفي قصيدة (إحتفاء بصباح شاغر) نكون مع اشراقة من صباحات الشاعر وهو يخاطب محبوبته:

في مرايا صباحاتك

أجدني وحيداً

وأنا أبدأ خطواتي

في طرق لا أعرفها

هل كنتُ أكتشف وجهي

كلمّا أوغلُ فيك بعيداً

كان للشجر نوافذ

تفتح أوراقي للغيبِ

وللأقاصي إيماءة

وهي تلحن أحزاني

وفي قصيدة (وحشة) نعيش الوحشة لفراق الحبيبة بنسق شعري متناسق وقصير:

أمسُ

رأيتُ الحديقةَ

تجهش بالغربةِ

في شجرة بلا ظل

كخطواتي

- كم كان غيابكِ قاسياً

يا حبيبتي

يبدو أن حالة الانكسار النفسي الكبير الذي ألم بالشاعر عندما عاد إلى قريته بعد غياب خمسين عاماً، فلم يجدها كما تركها، ولم يجد حلم الطفولة فيها، ولم يجد أشياءه الذي تركها، كل شيء تغير وصار لا يشبهه، وهذا الحس الهادئ المؤثر كانت له مسحة محببة على النصوص الشعرية، حيث نجد حالة الاستغراب قد غلفت الصور الشعرية بدلالاتها المعبرة، وهذا ما يتضح لنا ونحن نعيش خيبته في قصيدة (خيبة):

حينما زرت قريتي

التي لم أراها

منذ خمسين عاماً

رأيتني

أهزُّ بجذعِ الذكرى

فتساقط طفولتي

حلماً

حلماً

وأنا أقرأ

في حفيف الشجر

أحزان الريح

وفي قصيدة (شارع المتنبي) يضعنا الشاعر أمام حقيقة أن ليس كل ما يكتب شعر، بل أحياناً أنها محاولات شعرية فاشلة، وكأنه يخاطب هؤلاء الشعراء أين الشعر، ويشعر بالزهو كونه يجد أن قصائده وحدها تسير الى جانبه:

في شارع المتنبي

رأيت دخان الشعر

يتصاعدُ كثيفاً

لكن

أين النار

.....

في شارع المتنبي

لم أرَ

غي قصائدي

وحدها هي التي

تسير إلى جانبي

ضمن هذه المجموعة الشعرية العديد من النصوص الشعرية التي تطرح عبر بنيتها النصية ثيمات كثيرة.

المجموعة الشعرية( احتفاء بصباحات شاغرة) للشاعر طلال الغوّار، رحلة شعرية حافلة بالعطاء الشعري الأصيل،حيث نجد فيها ما يروي ظمأنا من رحيق هذا العالم الرحب، وقدم القصيدة النثرية شكلها الذي ينسجم وسيابقها الفني الاصيل، مضيفاً اليها الحسية الشعرية الأصيلة، التي تنطلق من واحة الشعر لتستقر في ثنايا النص، وكان ذك شأن الأنماط الأخرى من الشعر التي ضمتها المجموعة.

 

يوسف عبود جويعد

....................

من إصدارات امل الجديدة طباعة، نشر، توزيع، سوية، دمشق لعام 2017

 

 

 

محمد المسعوديصدرت للكاتب المغربي محسن اليزيدي باكورة أعماله القصصية التي حملت عنوان "مشاهير في مطعم" عن مطبعة سليكي أخوين، خلال شهر يوليوز من السنة الجارية 2018. وقد اشتملت هذه الإضمامة القصصية على اثنتي عشرة قصة، وهي حسب ورودها بين دفتي الكتاب: مشاهير في مطعم، البيت الجديد، دكان العياشي، إبليس وفخامة الرئيس، مزرعة السيد حاكم البلدة، الفاطمي، اللحم، سيرين، حمادة ولد عبد السلام الجيار، زقاق سعيد بن جُبير، رجل العمارة، الرجل الغريب. وهذه النصوص بعض مما دبج قلم الكاتب وسطره عبر مسيرته الأدبية، اختار منها أهم ما كتب، وبعضا مما نشر في مواقع مختلفة. وتتميز قصص المجموعة بقدرتها على اقتناص لحظات طريفة من واقعنا المعاصر بما يعج به من مفارقات وتناقضات، ويقدمها في حس ساخر، أحيانا، وفي سياق درامي حزين، أحيانا أخرى، ولكنها تستند جميعها إلى توليد المفارقة والانطلاق من هذه السمة لتشكيل متخيلها السردي المتميز.

فما تجليات جمالية المفارقة في المجموعة؟ وما طبيعة السخرية فيها؟ وكيف تُسهم هاتين اللمحتين الفنيتين في تشكيل المتخيل القصصي، وبناء الدلالة في نصوص القصص التي يشتمل عليها الكتاب؟

تبدو المفارقة منذ النصوص الأولى في هذه المجموعة القصصية، وتستمر حاضرة إلى آخر نص فيها. ولعل القصة الأولى التي حمل الكتاب اسمها "مشاهير في مطعم" أول تجل يكشف عن التوظيف الفني المتقن لسمة المفارقة لدى محسن اليزيدي. تحكي القصة عن صاحب مطعم مغرم بوضع صور الشخصيات الهامة والبارزة التي تناولت طعامها بمحله، واعتزازها بالدفتر الذهبي الذي تخط فيه بعض هذه الشخصيات كلماتها في مدح المطعم، ونظامه، وفنون أكله، ونظافته. وتمضي القصة في كشف معدن "با إدريس" ومغامرته في جعل أسفل بيته الموجود بزقاق ضيق غامض وسط مدينة أصيلة المغربية مطعما خاصا بالسمك، وكيف آمن بفكرته على الرغم من نصح بعض معارفه من التجار بترك هذا المشروع لفشله المحقق. ولكن الرياح جرت بما اشتهت تطلعات "با إدريس" وأكثر، بحيث صادف افتتاح مطعمه تنظيم مهرجان أصيلة الشهير الذي يحضره رجال الفكر والأدب والفن والسياسة، فكان بعضهم يتردد عليه، ويتناول وجباته عند الرجل الذي لم يدخر جهدا في أخذ صور لهؤلاء المشاهير رفقته، أو منفردين، ثم يختار أجود اللقطات ليزين بها مطعمه الذي أضحت جدرانه مزينة بالكامل بصور المشاهير. غير أن لحظة أقبلت، وحدثا غريبا طرأ على المطعم، إذ صارت بعض هذه الصور تختفي فجأة من أماكنها التي علقت بها. شك "با إدريس" بالعاملين في مطعمه، فصار يترصدهم، ويتملى أفعالهم وردود أفعالهم دون أن يعرف حقيقة ما يحدث. وكاد يزرع في محله كاميرات تراقب ما يحدث فيه، لولا أن نصحه أحدهم بعدم الإقدام على ذلك، لأن الشخصيات البارزة التي تتغذى بمطعمه تعتبر هذه اللحظة من خصوصياتها، ومن ثم ستتخلى عن التردد إلى محله. وبعدما عجز عن معرفة سارق لوحاته وعجز عن الوصول إليه بنفسه حتى يداري فضيحته التجأ إلى الشرطة. وهنا ستتضح المفارقة في أجلى صورها، وتتشكل جمالية توظيفها لتكشف عن غير المتوقع. وعبر هذا التوظيف ينجح الكاتب في تصوير اختلاف وجهات النظر إلى الواقع والحياة، وإلى السياسة بين جيلين: بين الأب (با إدريس)، وابنه الأصغر. كان إدريس الذي لا يعرف في السياسة شيئا يهتم برزقه ورزق أبنائه ورزق عماله المخلصين، وكان حرصه على وضع صور الشخصيات البارزة من وزراء سابقين، أو غيرهم فوق جدران المطعم من باب منح صيت لمطعمه وإغراء الزبناء، وليس وراءه أي غرض سياسي أو مكسب من أي نوع، أما الإبن فكان يأخذ صور الساسة الذين يكرههم ويكره ممارساتهم السياسية لا ليبيعها وإنما ليلقي بها في القمامة، وكان رمي هذه الصور في الزبالة يريحه ويرضيه، وهكذا تؤكد القصة مفارقة بينة بين منظور الأب المسالم الذي لا يهتم سوى بكسب لقمة عيشه، ويرضى بأمر الواقع ويتكيف معه، ورؤية الإبن الجامعي الرافضة المتمردة على ما يقع سياسيا، وما يجري اجتماعيا على الرغم من أن رفضه واحتجاجه تم في سرية وصمت، ولكنه استطاع أن يعكس وجهة نظره تجاه تلك الشخصيات المتنفذة في الحياة المعاصرة.

بهذه الكيفية كانت المفارقة الثاوية في صلب الفعل القصصي سمة تكوينية أساس في تطور الأحداث وانبناء وجهات نظر الشخصيات المختلفة، وتولد الصراع الذي يعد عنصرا فعالا في تحقيق جمالية المفارقة السردية.

وفي قصة "الفاطمي" ينقلنا الكاتب إلى سياق آخر، وعوالم حكائية تتصل هذه المرة بالمدرسة وأجواء الفصل الدراسي. وعبر رصده جوانب من سيرة الأستاذ "الفاطمي" وسلوكاته، ومن خلال تصوير طبيعة ممارسته التعليمية يجعلنا السارد نقف عند اختلالات التعليم، والمفارقات الناجمة عن أفعال المدرسين والإدارة من جهة، وعن مكر التلاميذ ودهائهم وهم يتعاطون مع الظواهر المضطربة والمقررات الكاذبة والمعلومات المغشوشة التي يخضعون لتلقيها، من جهة ثانية. وهكذا كانت جمالية المفارقة نابعة هنا من تركيز الكاتب على تتبع غش المدرس الفاطمي، وإدلائه بشهادات طبية كاذبة تعفيه من مزاولة مهام التدريس آخر كل شهر، حينما يعلم بأن رواتب الموظفين قد مرت في حساباتهم البنكية، وهو يكون في هذه الأثناء يعاقر الخمر في حانات المدينة رفقة صديقه الطبيب. وتمضي القصة لتطلعنا على مواقف التلاميذ مما يتم عرضه عليهم من دروس. وهكذا كان درس مادة "التربية على المواطنة" والمتعلق بموضوع "العدل"، وبقراءة محتوى النصوص المتصلة به، بابا لتوليد السخرية، وانقداح المفارقة في أجلى توظيفها الفني. وعبر ما يمعن السارد في الكشف عنه من خلال ردود فعل التلاميذ وتعليقاتهم الذكية، وإدلائهم بآرائهم حول ما يجري حولهم، تُسفر القصة عن مفارقة الممارسة التربوية التعليمية، وعن إدراك التلاميذ لا جدوى ما يتلقونه، وعسف ما يمارس عليهم من طرف الإدارة والأساتذة والمجتمع. وقد نجح الكاتب في تلمس الاختلالات العويصة التي يتخبط فيها المجتمع ويكون ضحيتها الأطفال الصغار، كما يكشف وهم المنظومة التعليمية وإغراقها في مثاليات لا تجدي نفعا أمام بؤس الواقع وبشاعة الحياة المعاصرة.

وتنقلنا قصة "سيرين" إلى مستوى آخر من مستويات تجلي المفارقة في الحياة الاجتماعية. تحكي القصة عن ظاهرة انخداع الشباب بحركات وسلوكات بعض الفتيات المتظاهرات بالعفة، بينما حقيقتهن غير ذلك. إن المفارقة تكمن في هذا السلوك المزدوج، وهذا التناقض بين إظهار الحشمة والعفة والرغبة في امتلاك بيت، وتأسيس أسرة، وبين حقيقة العهارة والتفسخ والانحلال التي تكون الأصل الخفي. وتركز القصة على غفلة الشباب الذي يسعى إلى التحصن وسقوطه ضحية إغراء الجمال الجسدي ومكر الأنثى. وهكذا نجد الشاب جمال الذي فشل في زواجين سابقين من روسية وألمانية يسعى إلى زواج ثالث من مغربية مثله يفترض فيها الصلاح والعفة، وفعلا تم له ذلك، فتزوج سيرين، وأخذها معه إلى ألمانيا، وأنجب منها طفلة، وكانت حياتهما تمضي كحياة أي زوجين، غير أنه سيكتشف في مقهى بشاطئ طنجة –خلال عطلة صيفية عاد ليقضيها في مدينته- حقيقة زوجته التي كانت مومسا سابقة، وسيعرف لماذا كانت توهمه بأنها لا تحب مقاهي كورنيش المدينة التي تتميز حسب قولها بالتسيب والوقاحة. ومن ثم لم يجد أمامه من مفر سوى أن يعود في أقرب وقت إلى بلد إقامته، مفوضا لمحام مباشرة إجراءات الطلاق بالثلاث.

بهذه الشاكلة كانت هذه القصة التي تعزف على نغمة الأمل، والرغبة في إقامة الأسرة على أساس الصدق والوفاء، قصة مفارقة خالصة لأن بين طياتها سكن اليأس، واستتبت الخديعة والكذب والمكر. وبهذه الكيفية غاصت القصة في تصوير جانب من أخطر ما أصاب المجتمع المغربي، ومجتمعات أخرى، من علل وأوصاب، واختلالات وأعطاب. وقد وفق السارد في جعل المفارقة أساس هذا النص السردي الممتع، وأن يوصل رؤيته القصصية إلى المتلقي بأسلوب سردي سلس، وببناء فني متقن.

وإذا تأملنا نصوصا أخرى في الكتاب نجد السخرية تشكل بعدا جوهريا من أبعادها، وعنصرا فعالا في تأسيس جمالية المفارقة فيها، وخاصة تلك التي اتخذت من معالجة قضايا السياسة منطلقا لها، كما نرى في قصص: إبليس وفخامة الرئيس، ومزرعة السيد حاكم البلدة، والرجل الغريب. غير أننا سنتناول بالتحليل نصا آخر من نصوص المجموعة شكلت السخرية فيه سمة تكوينية جوهرية، هو نص "حمادة ولد عبد السلام الجيار"، وهو نص شكلت المفارقة فيه دورا حيويا، وأدت السخرية فيه دورا هاما. تحكي القصة عن شاب اسمه حمادة، يبلغ من العمر أربعة وثلاثين سنة، يزاول مهنا مختلفة لكسب بعض الدراهم التي تعينه على تلبية حاجاته ورغباته. هو فتى تعثر في دراسته، فصار يتدبر أموره بطرق عدة. وهو صاحب غرائب لا يكف عن الحركة والمغامرة. وترصد القصة بعض طرائف حمادة وعجائب ما يقع له، فكم نجى من موت محقق حتى اشتهر بين الناس بأنه كالقط له سبع أرواح. وكم وجد في نقم الناس نعمة، فحين أعلنت الإذاعات وقنوات التلفزة عن "أنفلوانزا الطيور"، وصار الناس يخشون أكل الدجاج، كان حمادة يدعو ربه أن يديم نعمة الأنفلوانزا، وأن يطيل مرض الدجاج لأنه أصبح يبتاع كل صباح فروجا ليذبحه في بيت والديه، ومن ثم يتنعم به بعدما تعده أمه، وتطهوه كما يحب ويشتهي. ويمضي السارد في تتبع طرائفه ومغامراته، غير أن حمادة -الذي سرق صندوق شباك رقم ستة من صناديق السرك الإسباني الذي عمل فيه أثناء مروره بمدينته- سيصير شخصا آخر مختلفا تماما حينما سيذوق تجربة السجن، وسيعيش بين جدرانه سنتين كاملتين. إذ خرج من السجن وهو في سمت جديد بحيث اكتحل وأطال شعره، ولبس القميص الأبيض وقصر الثوب، وتغيرت مشيته من السعي والهرولة إلى التثبت والبطء، واستحالت نظراته المستفزة الساخرة إلى نظرات هادئة داعية إلى التوقير، وزايل الهزل والمزاح وكف عن مخالطة الآخرين..

بهذه الكيفية ترصد هذه القصة الساخرة مفارقة هذا النموذج الاجتماعي الذي صارت تشهده مدن وبلاد كثيرة، بحيث يكون السجن مكانا لتحول الشخصية إلى درجة النقيض. وتصبح الشخصية صارمة حادة الطباع، تغيب عنها ليونة الطبع المنفتح المتسامح. وبهذه الشاكلة كانت المفارقة عنصرا هاما في تبيان طبيعة هذه الشخصية واختلال موازين النظر لديها، كما تبين جوانب من اضطراب المجتمع وتناقضاته. وقد وفق السارد في جعل السخرية بابا نحو كشف طبيعة هذه الشخصية، وجعل المفارقة بين الطبع الأول الهازل المرح، والطبع الثاني المتشدد الصارم عنصرا جوهريا في رصد تحولات الشخصية، وتحول نظرتها إلى الحياة والمجتمع من حولها.

وتتميز كل نصوص المجموعة بتمكنها من تصوير واقعنا المعاصر في أفق متخيل يمتلك حسا جماليا راقيا وأبعادا دلالية ورمزية غنية. ويوظف الكاتب محسن اليزيدي المفارقة والسخرية أساسا لتشكيل عوالمه الحكائية، وتأثيث رؤيته لما يجري الآن وهنا في حياتنا المختلة المضطربة التي غابت عنها القيم الرفيعة، وطغت عليها مظاهر الزيف والخداع والكذب والنفاق وانعدام احترام الآخر، واحترام الذات، كما حاولنا أن نبين من خلال النماذج التي تناولناها سابقا.

ومحسن اليزيدي كاتب متمكن من أدواته القصصية ولغته الأدبية تمكنا ينبئ عن ميلاد أديب جاد ومبدع ينضاف إلى لائحة المبدعين المغاربة الجادين المجتهدين الذين يأثثون المشهد القصصي المغربي بأزهار سردية يانعة ذات شذى آسر ومنظر خلاب وتجذر أصيل في تربة الإبداع الأدبي الحق. والقارئ المغربي والعربي ينتظر منه أعمالا أخرى لا تقل عن إضمامته الأولى من حيث الإتقان الفني والغنى الدلالي والرمزي.

 

محمد المسعودي

....................

محسن اليزيدي، مشاهير في مطعم، منشورات سليكي أخوين، طنجة، يوليوز 2018.

 

عدنان الظاهرلم يردْ ذكرُ المجوس والمجوسية في القرآن (ذكر الإنجيل المجوس: إذا مجوسُ من المشرق ... / إنجيل متّي) "1" فكيف عرفهما الشعراء العباسيون الكبار دون شعراء العصر الأموي؟ لم يرد ذكر المجوس ـ على حدّ علمي ـ في الشعر الجاهلي ولا في شعر العصر الأموي. ورودهما في الشعر العباسي يعني أنهما كانا معروفين ومتداولين في ذلك العهد فما كانت مصادر تلك المعرفة؟ طبيعي أنْ تكون المصادر محصورة في نطاق الشعراء والكتاب والفقهاء والمفسرين وعلماء اللغة الأعاجم من غير العرب في الأصل في طليعتهم ابن المقفع وربما الجاحظ والشعراء بشار ابن بُرد وأبو نؤاس وأبن الرومي وأبو تمّام اللاتينيّ الأصل كما هو معروف عنه. وماذا عن المتنبي وأبي العلاء المعرّي وهما عربٌ أقحاح؟ كيف عرفا الديانة المجوسية واستخدماها في شعريهما مجازاً أو مباشرةً بل وذكرها المعري أكثر من مرّة  في ديوانه سقط الزند "2" . عرف عرب الجاهلية الديانتين اليهودية والنصرانية بفضل وجود اليهود والنصارى في جزيرة العرب وقريباً منها في اليمن ثم الحبشة .. والمجوسية كما تذكر بعض المصادر فضلاً عن الديانة الحنيفية التي ذكرها القرآن مراراً. عرف تجّار قريش النصرانية خاصة من خلال رحلاتهم الصيفية للإتجار في بلاد الشام حيث الغساسنة النصارى هناك والكنائس والأديرة والصومعات المنتشرة على طول الطريق الذي يربط الحجاز بأرض الشام.

أبدأ بأول مّن ذكر المجوس من بين الشعراء أعني بشار ابن برد . نقرأ في كتاب " شرح ديوان المتنبي "3" تأليف أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري ت 468 هجرية " في الصفحة343 ما يلي:

(حدّثنا أبو الفضل العروضي إملاءً قال: حدثنا أبو نصر محمد بن ظاهر الوزير قال: أخبرنا سعيد بن محمد الذهلي عن العنبري قال: بينا بشّار في جماعة من نساء يداعبهنَّ قلن له: ليتنا بناتك فقال: وأنا على دين كسرى) يعني أنه مجوسي فالمجوسية كانت ديانة كسرى وقومه حينذاك. والمجوسية تبيح الزواج بين الآباء وبناتهم.

الشاعر الثاني في هذا المسلسل هو أبو تمام القائل " 4 ":

بأبي مَنْ إذا رآها أبوها

شَغَفاً قالَ ليتَ أنّا مجوسُ

وثمّةَ شاعر آخر" 5 " لا أعرف بالضبط تأريخ حقبته الزمنية هو عبد الصمد بن المُعذّل كان قد قال في جاريته (كان يسميها بنته) بضعة أبيات أقتطف منها ما يلي:

أُحبُّ بُنيتي حُبّاً أراهُ

يزيدُ على محبّاتِ البناتِ

....

....

أرى حُكمَ المجوسِ إذاً لدينا

يكونُ أحلَّ من ماء الفُراتِ

يُحل الشعراء ممارسة الجنس مع بناتهم ولكن حسب شريعة المجوس ! لم يكتفوا بأزواجهم الحليلات ولا بالجواري والسبايا والفتيات والغلمان وما ملكت أَيمانهم فأحلوا ممارسة البنت زوجاً أو خليلة محظية بانتحال المجوسية ديناً !

وماذا عن شاعرنا أبي الطيّب المتنبي .... هل تناول المسألة المجوسية في شعره ووظفها في أمور تخدم أغراضاً محددة؟ الجواب نعم ولكنْ؟ لم يُخالف الشعراء الذين سبق ذكرهم في توظيفه لمفردة المجوس لكنه استعملها إستعمالاً خاصاً وفي موضع أشد خصوصية لا علاقة له به من حيث إباحة زواج البنت من أبيها والأخت من أخيها فمعروف عنه أنه لم يقترن بأية إمرأة بعد وفاة عقيلته أم مُحسّد. قال المتنبي "6" في قصيدته الذائعة الصيت التي هجا فيها إسحق بن إبراهيم بن كيغلَغ التي مطلعها:

لهوىِ القلوبِ سريرةٌ ى تُعلمُ

عَرَضاً نظرتُ وخِلتُ أني أسلمُ

يا أُختَ مُعتنِقِ الفوارسِ في الوغى

لأَخوكِ ثَمَّ أرقُّ منكِ وأرحمُ

 

يرنو إليكِ مع العفافِ وعندهُ

أنَّ المجوسَ تُصيبُ فيما تحكمُ

إختلف شُراح ديوان المتنبي وغيرهم في تفسير هذه الأبيات ففيهم من شرّق ومنهم مَنْ غرّب وشطَّ من قبيل (قال ابنُ جنّي / يرميه باخته وبالأُبنة ..) ... (قال أبو الفضل العروضي: شبب بإمرأة أخوها مُبارز قتال هو على قساوة قلبه وإراقته الدماء أرحمُ منكِ ...) ... (وقال ابن فورجة:شبب بإمرأة ومدح أخاها ...  ثم قال لحبيبته: أنتِ قاسية القلب وأخوكِ على بسالته إذا لقي العدو كان أرحم منك لي وأرق منك عليَّ، ثم أراد المبالغة في ذكر حسنها فقال: أخوكِ يودُّ لو كان دينه دين المجوس فيتزوج بك، والنهاية في الحسن أنْ يودَّ أخوها وأبوها أنها تحلُّ له ولآجل هذا قال أبو بكرٍ الخوارزمي " تخشى عليها أُمُّها أَباها ". علي بن إسماعيل بن سيّدة المُرسي الأندلسي 398 ـ 458 هجرية " 9 " أحد أذكياء قدامى نقّاد الشعر من حيث الموضوعية والرصانة وبعد النظر فيما يقول وهو فيه متفق مع ما قال كلٌّ من العروضي وإبن فورجة سالفي الذِكْر. أنقل عنه ما قال بشأن هذين البيتين من الشعر ففيما قال نسف لتفسير إبن جنّي لهما وسوء فهم أو سوء نيّة بعض شرّاح ديوان المتنبي الآخرين. قال ((قيل: يخاطب محبوبته، جعلها أختاً تعفّفاً عنها وتنزّهاً عن الفجور بها. " لأخوكِ " يعني نفسه (لا يعني المتنبي نفسه ! إنه قصد أخاها ... مُعتنق الفوارس / ملاحظتي، عدنان) ـ ثّمَّ ـ أي في موضع القتال واعتناق الفوارس أرقُّ منكِ في الهوى وأرحمُ، ذلك على قساوته في الحرب. " يرنو إليكِ مع العفافِ " أي أنَّ أخاكِ ـ وهو يعني نفسه ـ ينظر إليكِ فيُعجبه حُسنكِ إلاّ أنه يعفُّ تشرّفاً لا تديّناً وعنده مع عفّته أنَّ المجوسَ تُصيبُ في حكمها الذي هو نِكاح الأخوات. يتابع إبن سيّدة فيقول: وإنْ شئتَ قُلتَ إنه يتغزل بأخت رجلٍ شجاع فيقولُ لها أخوكِ على شدّته وبسالته أرقُّ منكِ وأرحمُ، ثم أخبرَ عنه أنه يرنو إليها مع العفاف الذي توجبه منافرة الطبيعة لنكاح الأخوات فيذمُّ نفسه على ذلك العفاف الطبيعي وعنده أنَّ المجوسَ تُصيب في نكاح الأخوات. وقد قيل في هذين البيتين قولٌ لا ينبغي أنْ يُلتفتَ إليه لسُخفه)).

ما رأي القرّاء الكرام وخاصة الشعراء ونُقّاد الشعر ومحبيه في تفسير أبيات المتنبي هذه؟

هل في الأمر أُبنة وهل لتهمة الأبنة هذه علاقة بصورة المتنبي الشعرية المُذهلة في قوله [يا أُختَ مُعتَنِقِ الفوارسِ في الوغى]؟ أين دلالات الأبنة؟ مُعتنق الفوارس تعني في نظري المشتبك بالفوارس الذي يباغت عدوه بالهجوم عليه وضمه إليه بقوة ليغرز في قلبه أو بطنه أو ظهره خنجراً أو أية آلة مدببة جارحة وقال مثل هذا الإيطالي ميكيافيللي بعد قرون في كتابه " الأمير " [عانق عدّوك ثم اغرزْ في ظهره خنجرك]. كيف ولماذا يذهب بعض النقاد وبعض قرّاء شعر المتنبي هذا المذهب الغريب في تفسيراتهم؟ لقد ذهب هذا المذهب الغريب حتى بعض قرّاء ومترجمي ملحمة كلكامش إذْ زعموا أنَّ علاقة جنسية مِثلية كانت تربط هذا بصديقه أنكيدو !! المتنبي يتغزل كعادته في مطالع غالبية قصائده العظمى ولا علاقة لغزله هذا بإسحق بن إبراهيم الذي قال هذه القصيدة في ذمّه، لذا فالأُبنة ـ إنْ كانت موجودة ولا أحسبها كذلك ـ لا تخص الرجل المذموم إنما تخص الفارس الذي تغزل المتنبي بأخته:

يا أُختَ مُعتنِقِ الفوارسِ في الوغى

لأخوكَ ثَمَّ أرقُّ منكِ وأرحمُ

يرنو إليكِ مع العفافِ وعنده

أنَّ المجوسَ تُصيبُ فيما تحكمُ

في هذه اللوحة عناصر ثلاثة رئيسة هي: أخت قاسية ظالمة وأخ فارس مقدام رقيق رحيم يجد في العنصر الثالث " الدين المجوسي " ما يخوّله حق النظر إلى أخته نظرة المتشهي الراغب فيها زوجةً حسب الشرع المجوسي. إنها لوحة لا ريبَ معقدة شائكة تثير في البعض الهواجس والشكوك والريب لكنَّ هذا هو شأن ودأب المتنبي في أغلب شعره ففيه التحدي وفيه شئ من السوريالية الحديثة. رقّة فارس شجاع جسور تقابلها قساوة وظلم أخت هذا الفارس الشجاع ... فالمتنبي هو الأمير في شأن جمع المتناقضات في شعره.

الآن، وقد فرغنا من أمر شعراء الحقبة العباسيّة وما قالوا في المجوس والمجوسيّة أرى من الطريف أنْ أذكر شاعراً عراقياً عاصرناه لعقود حتى فارقنا مأسوفاً عليه ... أقصد المرحوم الشاعر عبد الوهاب البياتي فما خطبه؟ كيف تناول موضوعي المجوس والمجوسية وبِم اختلف مع ما سلف من قدامى الشعراء بخصوص هذين الموضوعين؟ سنرى أنَّ الفرق هائل وجسيم لا علاقة له بالزواج من البنت والأخت بل وربما حتى بالأم. هل أنَّ البياتي يميلُ إلى مسألة النار وعبادتها لدى المجوس وما الذي يُغريه في النار وما دلالتها بالنسبة له وهو كما هو معروف عنه رجل عراقي عربي مسلم يميل للمتصوفة وغير معروف الطائفة .. هل هو شيعي أم سُنيّ؟ له فيديو يصلي في حضرة عبد القادر الكيلاني في بغداد.. هل فعل ذلك لأنه سُني الطائفة أم لأنه من أتباع الكيلاني ومدرسته القادرية في التصوف؟ إني مع التفسير الثاني الذي لا ينفي التفسير الأول. على أية حال...  إنه بيّاتي وكفى... رجل مستقيم نزيه يعاقر الخمرة خفيفةً لكنه، كالمتنبي، لا يصوم رمضان ولا يزني ولا يلوط ولا يلعب القمار، مخلصاً لزوجه وابنة عمّه السيدة أم علي، لم يعرف من النساء بعد زواجه غير هذه الزوجة الصابرة المخلصة المتفانية وبهذا فإنه مخالف للشاعر نزار قباني الغارق في عالم النسوانيات إلى أعلى من أُذنيه.

قصيدة البياتي " المجوسي "  7 " هي بيت القصيد، نجد بعدها مباشرة قصيدة للشاعر تحمل عنوان "هكذا قال زرادشت " وزرادشت هو نبي الديانة المجوسية ! وعنوان القصيدة هذه هو بالضبط عنوان كتاب شهير للفيلسوف الألماني نيتشة " هكذا تكلم زرادشت " .. وقد سبق وأنْ نشرتُ مقالة عنه ناقداً مواقفه من المرأة عموماً. لست أنوي نقد قصيدة المجوسي للبياتي فهذا ليس أوان نقدها ولا مكانه لكني سأنتقي من أبيات هذه القصيدة ما يلائم ويخدم منهجي في مقالي هذا وسنرى أنه غير معنيٍّ بمسألة الزواج من البنات والأخوات والرجل ليس مزواجاً مكتفياً بما لديه. كل ما قال البياتي في قصيدة " المجوسي " لا علاقة له بالمجوسية كديانة ولا بنبيّها زُرادشت سوى أنه كتب في مطلع المقطع الثاني من هذه القصيدة ما يلي:

المجوسيُّ من الشرفةِ للجارِ يقولْ

يا لها من بنتِ كلْبةْ

هذه الدنيا التي تُشبعنا موتاً وغُربةْ

كان قلبي مثل شحّاذٍ على الأبواب يستجدي المحبةْ

وأنا لم أتعدَّ العاشرةْ

فلماذا أغلقوا الأبوابَ في وجهي؟

لماذا عندليبُ الحبِّ طارْ

عندما ماتَ النهارْ

نقرأ في المقطع الرابع والأخير:

 

وجدوهُ عند باب البيتِ في الفجرِ قتيلْ

وعلى جبهتهِ جُرحٌ صغيرٌ وقمرْ

وتعاويذَ وقطراتِ مطرْ .

 

أيعود الضمير في الفعل الماضي " وجدوهُ " إلى المجوسي أم إلى الشاعر نفسه؟  أين المجوسية كدين وأين صاحبها زُرادشت النبي؟ لم يضف البياتي شيئاً والظاهر أنه لم يجد ما يقوله حول المجوس والمجوسيّة لا في بيوت نيرانهم على رؤوس الجبال ولا في تحليلهم الزواج من البنت والأخت إذاً: ما سبب اختياره للعنوان المثير المغري بأمور لم يتناولها البياتي في هذه القصيدة. أتذكر أنَّ البياتي قال في واحدة من قصائده إنَّ أباه مجوسي ! سأبحث عنها للتثبت من صحة وقوة ذاكرتي. كلمة " المجوسي " التي جعلها البياتي عنوانَ إحدى قصائدة أراها لفظة فارغة جوفاء خالية حتى من الهواء فكيف يقبلها منه قرّاء شعره؟ في الإمكان وضع أي عنوان لهذه القصيدة من غير أنْ يتغير شئ في مضمونها الذي لا علاقة له بالمجوس والمجوسية (المجوسيُّ من الشرفةِ للجارِ يقولْ) ... في مقدورأي شخص مهما كان دينه أنْ يقول للجار ما يشاء أنْ يقول فلماذا المجوسي هنا وأنا لا أعرف مجوسياً في العراق أو هل في العراق مجوسيون؟ هل يتغير مضمون القصيدة إذا كان مُكلّمُ جاره بوذيّاً أو هندوسيّاً أو ملحداً أو مسلماً أو مسيحياً أو ... أو ...؟

تتكرر ذات الظاهرة مع قصيدة " هكذا قال زرادشت " .... قال البياتي في بيت واحد فقط:

فمتى يهبطُ "زارا " ويناديكَ كما ناداهُ أطفالُ المجوسْ

لا من علاقة تربط باقي هذه القصيدة بما في كتاب " هكذا تكلم زرادشت " ولا بالديانة المجوسية !!

إذا كان الشئ بالشئ يُذكر فلا من بأس في أنْ أذكر الشاعر اللبناني المنتحر خليل حاوي الذي ذكر هو الآخر المجوس في المجموعة الكاملة لدواوينه الشعرية " 8 " فما قال الحاوي وهل أضاف أو سلط ضوءاً جديداً غير مسبوق أو معروف؟ لا شئ ! كصاحبه البياتي سوى ملاحظات قوية ذكيّة ينتقد فيها بعض وجوه حضارة ومدنية العالم الرأسمالي في أوربا .. ليته رأى ما في أمريكا !. نقل في مقدمة الجزء الخاص بعنوان " المجوس في أوربا " ما قرأنا في إنجيل متّي سابق الذكر أو شيئاً قريباً منه: (وإذا مجوسٌ من الشرق يتقدمهم نجمٌ ... ولما رأوا الطفلَ خرّوا وسجدوا له). أنقل بعض ما جاء في هذا المقطع الموسوم " المجوس في أوربا "

يا مجوسَ الشرقِ هل طوّفتمُ

في غمرةِ البحرِ على أرض الحضارةْ

لتروا أيَّ إلهٍ

يتجلى من جديدٍ في المغارةْ؟

مِن هنا الدربُ هنا النجمُ

هنا زادُ المسافرْ !

ساقنا النجمُ المغامرْ

عَبْرَ باريسَ .. بلونا صومعاتِ الفكرِ،

عِفنا الفكرَ في عيد المساخرْ،

وبروما غطّت النجمَ، محتهُ

شهوةُ الكُهّانِ في جمر المباخرْ

ثمَّ ضيّعناهُ في لندنَ، ضِعنا

في ضباب الفحمِ، في لُغزِ التجارةْ !

ليلةَ الميلادِ، لا نجمَ

ولا إيمانَ أطفالٍ بطفلٍ ومغارةْ

ليلةَ الميلادِ .. نصفَ الليلِ .. ضيقٌ ..

....

ذكر الشاعر في هذا المقطع كلمة " المغارة " خمسَ مرّات وواضح أنه يقصد المغارة التي وُلِد فيها المسيح في مدينة بيت لحم. ذكر كلاً من باريس وروما ثم لندن أكبر العواصم في أوربا وأكثرها شهرة وعراقة فباريس مدينة الفكر والفلاسفة وجنرالات الحروب .. أما لندن فهي مركز التجارة والصناعة والفحم الحجري والبخار والكهرباء وقاطرات السكك الحديد وأخيراً روما الفن والأباطرة العظام ومركز الفاتيكان والكاثوليكية. أوربا المعاصرة لا يُنقذها ميلاد مسيح جديد بل ليست بحاجة إليه وإلى مّن يهديها سواء السبيل [[ليلةَ الميلادِ لا نجمَ ولا إيمانَ أطفالٍ بطفلٍ ومغارة ..]]. باريس ولندن وروما ليست بحاجة إلى أنبياء ورُسل أنبياؤها كهنة فاسدون وتجارة وضباب وفحم فمن بحاجة إلى مريم وعيسى جديد؟

أوربا ليست بحاجة إلى مّن يتنبأ بميلاد نبي ولا إلى نجمة تدلّ السحرة والمنجمين على مكان ولادته. .. الصناعة والتجارة والسلاح والمال هي أنبياء هذا الزمان.

 

عدنان الظاهر

.........................

المصادر

1ـ العهد الجديد، إنجيل متّي الإصحاح الثاني، دار الكتاب المقدّس في الشرق الأوسط 1985 وقد تُرجم من اللغة اليونانية (ولما وُلِدَ يسوعُ في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك إذا مجوسٌ من المشرق قد جاءوا أُورشليم قائلينَ أين هو المولودُ ملكُ اليهود. فإننا رأينا نجمةً في المشرق وأتينا لنسجدَ له.. حينئذٍ دعا هيرودس المجوسَ سرّاً وتحقق منهم زمانَ النجم الذي ظهر.....).

2ـ  أبو العلاء المِعرّي، ديوان سقط الزند دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت1980 م

قال في القصيدة التي رثى فيها والدته  " سألتُ متى اللقاء " الصفحة 40:

إذا الحِرباءً أظهر دينَ كسرى

فصلّى،  والنهارُ أخو صيامِ

ونقرأ في حاشية هذه الصفحة: أظهر دينَ كسرى أي أظهر عبادة الشمس، فعل الفرس. وهذا خطأ .. فالفرس المجوس لم يعبدوا الشمس إنما عبدوا النار ودين كسرى هو المجوسيّة.

ثم قال في قصيدة " دِرعٌ كثوب الحيّة " الصفحة 270:

كإنما حِرباؤها عائمٌ

في لُجّةٍ سالمةِ العومِ

 

يصلى، إذا حاربَ، شمسَ الظُبى

فِعْلَ مجوسيِّ الضُحى، المُسلمِ

نقرأ في حاشية الصفحة 270 ما يلي: أراد بالمجوسي الحرباء، اي الدويبة المعروفة ... نعتها بالمسلم لإعتباره أنها تُسبّح الله .... وبالمجوسي لإعتباره إيّاها تعبد الشمس.

3ـ شرح ديوان المتنبي، تأليف أبي الحسن عليّ بن أحمد الواحدي النيسابوري ت 468 هجرية، دار ابن الجوزي، القاهرة ط1ـ القاهرة 2010 . الصفحة 343 .

4ـ المصدر الثالث الصفحة 343 .

5ـ المصدر الثالث الصفحة 343

6ـ المصدر الثالث الصفحة 342

7ـ ديوان عبد الوهاب البياتي المجلد الثاني، دار العودة، بيروت، الطبعة الرابعة 1990 الصفحة 215 .

8ـ  ديوان خليل حاوي، دار العودة ـ بيروت الطبعة الثانية 1972، ديوان نهر الرماد،

X III

بعنوان " المجوس في أوربا " الصفحة 109 وما يليها.

9ـ شرح مُشكل أبيات المتنبي، تأليف أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيّدة المُرسي الأندلسي 398 هجرية ـ 458 هجرية، تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين. دار الطليعة للطباعة والنشرباريس / الجمهورية العراقية، وزارة الإعلام الطبعة الأولى، صدر بمناسبة مهرجان المتنبي بغداد تشرين أول 1977. الصفحات 186 ـ 187 .

 

عبير خالد يحيىتأخذ الذرائعية النص الأدبي وتغوص فيه بشكل متتالي بمستويات واستراتيجيات علمية (نفسية وبحتية) متتابعة كثيرة، لتحصي كل شاردة وواردة فيه، بنقد علمي إغنائي يثري النص والنصّاص معًا، ويفلتر ما يفيد المجتمع من نفحات الأدب، لذلك هي تفصل بين النقد العلمي والانتقاد السلطوي الإنشائي الذي نراه الآن في ساحات الأدب العربي، تحت اسم انطباعي، فهي تغرق النص في كل مستوى من المستويات الذرائعية المتعددة لتتفحّص جزئياته بدقة واحترام واحتراف متناهي:

1- مستوى التبئير Core Level:

ارتكزت الفلسفة الأوروبية من([1] ) عهد (أفلاطون) على مبدأ أحادي رغم وجود فلسفات ثنائية وتعدّدية وثائرة على كل نظام، إلا أن البارز منها في سوح الجدل الفلسفي هو التيار الأحادي، ويبطن تلك النظرة الأحادية البعد  تمركزها على الوعي، وهو مركز الحضور في حدّ ذاته، أو الوجود المسمى بـ(الذات)، وهذا الحضور الذي سماه (هايدغر) بـ(التحديد الأنتولاهوتي للوجود)، وعلى أساسه، أصبح الوعي أرضًا غير آمنة لمدلولات المعنى، وقد بينت ساره كوفمان في كتابها "قراءة دريدا" ([2] ) ذلك بوضوح، حين أعلنت بأن  فرويد -الذي رفض نظام الوعي اللاهوتي- فهم اللاوعي كنظام لا مكان له، لكونه لا يتّسم بصفة الحضور، وأنه يولد اللانظام في عالم الأنا  كمفهوم الكتابة أو الاختلاف عند (دريدا)، الذي يهزّ كيان  الميتافيزيقا السوسيرية  بقوة...

ويعدّ سوسير أول من فهم أهمية الاختلاف وأعتبره أساس في عمل الدوال، فاللغة عنده نظام من الاختلافات، ولا وجود لبنية دون اختلاف في وحداتها، وتعمّد  دريدا بعدم تبرير  كتابته لكلمة "اخت(لا)ف"(difference-deferrence) بهجاء غريب، وخاص خاطىء، ليثبت أن تلك الكلمات تلفظ كلفظ هجائها، وهي في الوضعين الهجائي الصحيح والخاطىء، لكن معناها سيكون مختلفًا عن دلالتها المكتوبة في الحالتين أيضًا، لأنه ليس حبيس منطق جدلي، والمبرر المنطقي في ذلك، يتجلى بإمكانية قراءة وكتابة هذا الاختلاف الإملائي من قبل الآخرين، ولكن ليس بالإمكان سماعه، فقدرة الاختلاف تتجاوز كل الأشكال الثنائية بدليل أن الحرف الأول من الأبجدية اللاتينية يغيب أحيانًا، ودريدا يعتبر الاختلاف استراتيجية ومغامرة، فالاستراتيجية تشير إلى عدمية وجود حقيقة ترنسندنتالية (transcedentalism) تحكم الكتابة، لكون الكتابة ضد كل أشكال الأنتولوجيا واللاهوت. والمغامرة، لأن الكتابة لا تسجن نفسها بهدف معين أو باستراتيجية تسعى للبرهنة على صحة امتلاكها من جديد، لذلك فالاختلاف ليس مسكنًا جديدًا للحقائق والمدلولات، بل زحفًا تفكيكيًّا ضد سوسير وبنيويته . فالدال عند سوسير يظهر للوجود لحظة غياب الموجود، لذلك فهو ثانوي والاختلاف نتيجة ذلك ليس له إلا وجود مؤقت، ويحاول دريدا تجاوز هذا الاختلاف المؤقت الذي يظل حبيس الحضور، ولسانيات سوسير، رغم احتفاءها باللغة وبالدليل، تظل سجينة الميتافيزيقا حسب رأي دريدا، وهكذا برهن دريدا أن الكتابة ضد الوعي ، لكونها أنثى، والوعي يخشى كل ما هو أنثوي، ويخشى تحويله إلى كتابة، لأن ذلك يفقده قدسيته وتعاليه، فالكتابة إيذان بموت الإله وتجاوز لمنطق الهوية.....

وهكذا يهدّ داريدا المدّ اللاهوتي ويسحق البنيوية، ثم يبدأ بتيار جديد يدعى (ما بعد البنيوية) لمجابهة الميتافيزيقية السوسيرية، حين يقرّ فكرة ديناميكية المعنى وحركته المستمرة، وبذلك ينفي  التمركز في المعنى بنيويًّا، ويرى أن " البنيوية تبدأ من البنية، لذلك يشكّك بالعلامات الدلالية، لأنها تنتج تزامنًا مسبقًا قداسيًّا يتعلق بخلود الله الثنائي في المستويين المحكي والمكتوب، ولذا يهتم دريدا بتمزيق البنية وتفكيكها، وينفي قطعيًّا وجود  بنية أو تمركز داخل النص، بل يحاول بنيانه خارج النص وداخله، فتنتج تلك الفكرة تناوب بين التمركز واللاتمركز، قاد ذلك نحو تفتيت الميتافيزيقا البنيوية السوسيرية، ونظام المتعارضات البينية الذي سلكه المنهج البنيوي، الذي يفضي نحو تطبيقات أيديولوجية، ومنها يبدأ برسم حدود ثابتة بين ما هو مقبول ومرفوض، وذات ولا ذات، صادق وكاذب، معنى ولامعنى، عقل وجنون، محوري وهامشي، سطحي وعميق ووعي ولا وعي وحضور وغياب...

ومن ذلك أظهر داريدا بأن المنهج البنيوي ذو أبعاد ميتافيزيقية أيديولوجيًّا،  وقرن دريدا هذا المفهوم بفلسفة الحضور والغياب، ودريدا في تفكيكه الذي مارسه على مستوى المقولة السوسيرية عن (الاختلاف)، يصل  إلى مقولته التي ترفض وتتناقض بالكامل مع

مقولات "سوسير" عن حدوث الدلالة([3])، التي تتحقق بمطابقة الدال لمدلول معين، ولكي تتحقق الدلالة قال "سوسير" بأن اللغة نظام علامات( signs) تحكمه علاقات الاختلاف، فالعلامة تكتسب معناها بسبب اختلافها مع علامات أخرى، لا لصفة في ذاتها، لكن هذا التطابق عند"دريدا" لا يحدث أبدًا، لأن الدال لا يستقر عند مدلول معين، منتجًا بذلك لمعنى أحادي أو حقيقة ثابتة، طالما أن المدلول في حالة مراوغة دائمة للدال، فإن ذلك يعني انفتاح النص على التأويل(interpretation) وإعادة التأويل لو كتب، أو تأجّل زمنيًّا خلف لحظة التكلّم، في حين أن العلامة اللغوية بالنسبة لدريدا تؤكد الغياب، لذلك نجد (الغالبي) في ذرائعيته يخرج عن مراوغة الدال للمدلول بتجاوز ديناميكية المدلول نحو إستاتيكية المفهوم، مادامت كل علامة تؤدي وظيفة مزدوجة في حركة المعنى من الاختلاف والتأجيل، وهذا يعني إن المعنى سيدخل عملية التأويل أي توالد المدلولات، وينتج بدوره توالدًا ذرائعيًّا لانهائيًّا للمعنى المسوّر بالمفهوم، وتلك الحقيقة الديناميكية تؤسس  لذرائعية الاحتمالات المؤجلة(prospective meaningful situations)، ليس من خلال الدال والمدلول بشكل مباشر، بل بحلقة دائرية لإنتاج معنى المعنى  في النص الأدبي، لأن الأدب حسب رؤية(الغالبي) ديناميكي التكوين بواقعه ومنطقه وحضوره،  فهو يحتضن بين جنبيه الخيال والكذب والرمز ومهارة التكوين والإعجاز في اللغة، كما العلم منطقه الحقائق العلمية، أي أن بنية العلامة فيه هي الاختلاف الذي يغني تشظي المعنى نحو التعدّد، ويثبت هذا الرأي عند إمكانية التحليل في الحركة التي يتمركز فيها المعنى في قلب المدلول في الفسحة الإيحائية (inspiration gap)  ليكون مهيئًّا للتوالد الذرائعي إدراكيًّا، ومن هذا الجدل  ينتج أن التفكيك هدم لا يخدم المعنى أو يتوافق مع مكونات ومكنونات النص العربي المترع بالمعاني المتمثلة بالمثل والأخلاق العربية الإسلامية، ويرى (الغالبي) حين نظر للقضية بمنظور معاكس تمامًا: إن المعاني المؤجلة عند الذرائعية هي الهدف، فهي لا تشكل بنية كاذبة، بل سلسلة من معان واعية وحاضرة، واعتبر هذا الغياب التفكيكي حضورًا ذرائعيًّا ديناميكيًّا في المعنى لسلسلة من حالات تأويلية لمعاني عديمة النهاية مضمرة في مخزون اللغة الساندة (discourse Language) في الذهن الإنساني، تستدعي حضور المدلولات الذرائعية التي تتجه نحو مفهوم (  (conceptيسوّرها ليمنعها من الخروج من نطاقه المقفل، لكونها أوضاعًا لغوية(meaningful situations) لسانية ذرائعية رديفة، تحكمها نيّة المتكلمين في التواصل، ومصنوعة بدقة وجمالية فائقة في المكتوب، وهذا يبرهن ويثبت أن النص المكتوب ماهو إلا مزيج من وحدات ثابتة (static) (سيمانتيكية) وأخرى متحركة (ذرائعية) (dynamic)، لهذا السبب يكون النص نسبي في درجة الانزياح،  وهو أكثر وأدق صياغة وجمالية وتوثيقًا بمدلولاته من النص المنطوق، فهو بنفس الوقت يبرهن حضور فاعله بمعكوس عدمية الخلق وموجودية الخالق ...

لذلك يستهل المنظر العراقي (عبد الرزاق عوده الغالبي) ذرائعيته ببؤرة ثابتة ( Core) ([4])بذريعة الثيمة (theme or gist)،  ليعطي منطلقًا ملخصًا، ينقل فيه روح النص نحو بقية المستويات المختلفة للرؤية الذرائعية، مشيرًا بتجذير فلسفي بأنه صناعة إنسانية يقوم بها (نصّاص) مختص يبني نصه على بؤرة ساندة ينتقيها من هموم الناس في المجتمع، منطلقًا من المنظور الذرائعي) الأدب عرّاب المجتمع (يقابل الفائدة بالإسناد الأنثربولوجي للمحرك الإنساني في الحياة  لكل فرد داخل المنظومة الإجتماعية، وتلك قضية من موجبات الأدب الرصين أهملها بعض الأدباء العرب تأثرًا وإيغالًا أعمى في المدارس الأجنبية التي لا تمتّ بصلة للواقع العربي الإسلامي كالسريالية وغيرها، يشترك فيها ضفتي نهر الديمومة العلم والأدب، بحفظ المعرفة الجارية في استمرارية الوجود بين تلك الضفتين، بعد تزكيتها بنقد علمي بناء، حاملًا للسلوكيات البشرية التي تصب بمحيطات الإنسانية، لذلك تناقض الذرائعية  فكرة التمركزعلى (اللاغوس) (logocentric  )،  مقابلًا للصوت (phonocentrism)، التي مركز عليها التفكيكيون نظريتهم، ومجّ (الغالبي) التمركز التفكيكي على الكتابة (graphocentrism) والدخول بمتاهات الاختلاف والإرجاء، واعتبر التفكيك هدامًا لتبنيه مسلك المعارضة لأولوية الروح وسلطة الوسيط، وتحدّيه لما هو أخلاقي، والانغمار في الحياة الدنيوية، والدعوة لاختفاء الرب أو موته...

ويعدّ (الغالبي) ذلك هدمًا لأخلاقيات النص العربي، وهروبًا نحو التعقيد والجدل غير المثمر بالنتائج، وقد أبرز المنظّر العراقي بنظرته المعاكسة والمستندة على مبدأ تمركز ذرائعيته على القرآن الكريم  سيد النصوص المكتوبة، والمنصوص بيد الخالق، والذي يقرّ وجوده بالوعي والبرهان والحواس، بأن حضورالإله مقرور ذاتيًّا بالوعي والعقل، وبالقول المكتوب وليس الملفوظ، حين يأمر  أصحاب اللغة وينهاهم عن فعل لا يرضيه في (سورة الشعراء :(الآيات 224 و225و226و227) منطلقًا له من هذا الحضور المقرور مسبقًا وعيًا وحسًا ووجودًا، وليس فيزيائيًا بموجودية فعله وأوامره المكتوبة، وهذا يجرّنا إلى أن النص المكتوب، هو برهنة دلالية لحضور كاتبه، لكون الحضور هنا يعد حسيًّا وعقليًّا مثبتًا بمقبولية الفعل المنجز في الواقع، وليس جسديًّا، فما عُرف الخالق إلا بالعقل وليس بالتجسيد، لكونه تحصيل حاصل في كل الأحوال، ويبدو (الغالبي) وكأنه يروم القول للتفكيكيين: (أنكم تريدون من الله أن يخاطبكم لسانًا في كل مرة يوجّه فيها أمره لخلقه ليثبت وجوده لكم، مادامت دلالاتكم محكية)، وهذا الخطاب الذرائعي يخلق عقبة أمام الناقد لا شأن له بها، حتى وإن كان اعتقادهم الراسخ بأن كتابة النصوص - وحتى المقدسة منها- تعدّ في نظرهم اختلافًا أحاديًّا تشير نحومفهوم وجودي متدني بموت الإله، وتلك جدلية معتمة وطريق مغلق أراد داريدا فيه إثبات فكرة وجودية، بفحوى قوله : من أن الكتب المقدسة السماوية أقرت موت كاتبها، لكونها حين تخضع للتفكيك تظهر شروخًا ونواقصًا وتناقضات في مضامينها ([5])، وهذا الرأي بعيد عن آلية تعقب المنقوص بالنظرة الأحادية في نقد النصوص، والحقيقة اللغوية تثبت بأن تسمية النص تُبَرْهن بنعته عند كتابته وليس بلفظه، لأنه في لفظه إعلانًا لغيابه  واضمحلاله بعد لحظة التكلم مباشرة، وهذا الرأي أو الاعتقاد بحدّ ذاته يعدّ خروجًا جدليًّا معقولًا ومحايدًا من المأزق الوجوديًّ في الفلسفة الأوربية الأحادية وفلسفة الاختلاف والإرجاء التفكيكية باتجاه الساحة الذرائعية العربية الإسلامية، بتوافق معقول مع الواقع العربي الإسلامي المتدّين بالخلق والإنسانية، تثبته سورة الكرسي وسورة الإخلاص  وسور وآيات كثيرة  في القرآن الكريم والكتب السماوية الأخرى بما يخصّ خلود الإله وصمديّته‘ أما ما يخصّ الكاتب وموته فما يخرج عن هذا الرأي مطلقًا، فالنص العربي المكتوب لا يبرهن موت كاتبه، بل بالعكس ،فهو يعد خلودًا دائميًّا ثابتًا لسلوكه الأدبي، يتجاوز فلسفة الحضور والغياب، وها هو امرؤ القيس يعيش بيننا ولا نعرف حتى متى ولد بل نعرف (قفا) حرفًا حرفًا، لكون النص كيان من دلالات حيّة لا تمسها يد في التغير وإن مات كاتبها، طبقًا لمبدأ التضاد النسبي في الوجود والغياب، تظل مدلولاتها ومفاهيمها مخزونة في عقول الأحياء، تنتقل من جيل الى آخر وهذا ما يشهده ويبرهنه الواقع والتراث الأدبي والمعرفي الإنساني المكتوب والمطبوع والعكس تمامًا في حصة الملفوظ...

وخلاصة القول، فإن داريدا صاحب التفكيك هو رجل فيلسوف وليس ناقدًا أدبيًّا، وضع أسس فلسفة الحضور والغياب بمبدأ حضور الإله (اللوغوس) الذاتي وغيابه، ولكن زجّه الفلاسفة والباحثون في متاهة النقد الأدبي بكتاباتهم المستمرة عند حياته، حتى كسر ظهر الدلالة بغرافية التمركز والاختلاف، باعتباره أن الدلالة اللغوية المكتوبة تصبح ظلًّا للدلالة اللغوية المنطوقة التي تمثل ذاتية حضور الإله، والأخرى المكتوبة تبرهن موته، فهي إذًا تنتج اختلافًا في المعنى يتجلّى في الإرجاء والأثر، وقد يجيء مغايرًا لها حين تكون منطوقة ، ومن هنا انطلقت الذرائعية بتثبيت أقدامها على أرضية النص المكتوب، بشكل مغاير تمامًا لما ثبته داريدا آنفًا بنتيجة موت الإله.. وذلك باللجوء لحيثيات تسلسل المعنى بشكل يعكس حالات لغوية ذرائعية ومفاهيم منفصلة، تعطي أوضاعًا اجتماعية  تتجلى صوريًّا (فالصورة اللغوية اليوم ترسم كالصورة الفتوغرافية، بعد أن دخل الأدب حيز الفن، وتقرّ قوة النص بصورته الجمالية طبقًا لعلم الجمال وعلم البلاغة)، وتدرك في قناة التواصل (communicative chanel ) والفسحة الإيحائية بشكل مختلف حسب إدراك التأويلات السياقية التي توجهها اللغة الساندة (الرديفة) (Discourse Language) داخل العقل البشري طبقًا للسلوك البشري في إدراك النصّاص العقلي، والتوليد التشومسكي في مركز اللغة في المخ البشري بالعمليات الفسيولوجية العقلانية حسب مراحل آلية الإدراك في المستوى العميق للرؤية الذرائعية.....

يتبع....

 

 د. عبيرخالديحيي

................................

المراجع:

1-رشيد  بوطيب- دريدا: تفكيك فلسفة الحضور - مقالة

2-- Derrida lesen » Sarah Kofman، aus dem Französischen von Monika Buchgeister und Hans-Walter Schmidt، Edition Passagen، Seite :53

3- الأستاذ مجدي عز الدين – مقالته – المنشورة في موقع الحوار المتمدن محور الفلسفة- تفكيكية جاك دريدا: نقل سؤال الحقيقة إلى مجال التأويل (4) عن فلسفة الحضور والغياب – رابط الموقع http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=295919

4- عبد الرزاق عوده الغالبي – الموسوعة الذرائعية – المجلد الثالث – الموسوم الذرائعية في التطبيق – المستويات الذرائعية الطبعة الثانية المنقحة – دار النابغة للطبع والتوزيع – جمهورية مصر العربية

 

جمعة عبد اللهيقتحم الاستاذ (حسين سرمك) الموسوعي في خبرته الواسعة في الجوانب التالية (طبيب . ناقد . أديب . مفكر) عالم الرواية من اوسع ابوابها الابداعية . في تقديم رواية نوعية في انجازها الابداعي المدهش . رواية غير تقليدية، بل اعتقد انها افضل نتاج روائي من أدب الحرب . رواية صادمة تصدم القارئ من أول وهلة، ويدخل في مناخها المرعب في السريالية المدمرة، يعيش اعماق كوابيسها السوداء، المفزعة والمروعة، ويستفز بالسؤال الصادم . ماذا بعد الجحيم؟ أنها روية مختلفة في الطرح وتحليل وتشخيص،  آثار الحرب المدمرة، بالجرأة والشجاعة التي عرف بها الاستاذ (حسين سرمك) . بالرؤية الفكرية الموضوعية، التي تسلط الضوء الكاشف، في بانوراما الحرب المدمرة بالموت والهلاك، والاحباط النفسي، الذي يقود الى الجنون، في تدمير الانسان من الداخل، ان يجعله فريسة الكوابيس السوداء، ان يخرج من طور عقله السوي الى طور الجنون والعدوانية، الى المعاناة التي تحطم وتفتت الحديد والصخر . لذلك يسلط الضوء برؤية طبيب نفسي، سايكولوجية دمار الانسان، ان يكون مثالب الصراع الاحباط والانكسار في الانهزام والتقوقع في شرنقة الذات المضغوطة من اثار الحرب، التي هي هلاك للانسان والحياة والمجتمع معاً، ان يدخلهما في سريالية مدمرة، تنسفه نحو الدمار والمعاناة، في السلوك والتصرف، والتعامل في جزئيات الحياة وتفاصيلها . لاشك ان الاستاذ الموسوعي (حسين سرمك) استثمر واستغل بذكاء وفطنة فذة، معاناة الحرب من افواه التي عانت الجحيم، لكي يجسيد هذه الاهوال البشعة في المتن السردي،ان قصص الحرب المدمرة  تخلق اضطرابات وصراعات نفسية قلقة وعدوانية وانطوائية كابوسية، تجعل الفرد  يفقد بوصلة العقل . لاشك ان وظيفته كطبيب نفسي، لابد وان مروا على عيادته الطبية، مئات من الحالات المماثلة، بالاحباطات النفسية المدمرة، يشكون فيها من الصراع والخناق النفسي المهلك . يجعلهم يتصرفون بغرابة، تجاه محيطهم،  وتعاملهم القاسي حتى مع عوائلهم، ان يدخلوا في نزق الجنون والتعامل القاسي بالخشونة في تصرفاتهم، حتى مع اقرب الناس اليهم، او الى احب الناس اليهم . مثل تصرفات الجندي (شامل) الذي عانى الاهوال والويلات من سنوات الحرب الطويلة في جبهات الحرب، ان يفقد عاطفته وحنانه وحبه الابوي و مع عائلته وزوجته (صديقة) رغم ما يملك من الحب والحرص الكبير كامن في داخله، ولكن نوازع القسوة والخشونة، تفتت حبه الكبير الى أبنه (احمد) والى زوجته (صديقة) التي يعتبرها قديسة (هذه اليد المقدسة، أضعها على رأس . أنتِ البركة يا صديقة المقدسة) وبدواعي الحرص الشديد على مستقبل أبنه (احمد) يتفجر بسلوك فظ وخشن تجاهه، ويفقد صفاء العقل والتعامل الحسن  . لكنه حين يعود الى رشده، وتختفي صور الحرب الماساوية من ذهنه، تلعب في ذهنه الرقة الانسانية والصفاء الروحي تجاه عائلته . ويحاول ان يكيف نفسه، لا شك الغياب الطويل عن عائلته، الذي يفيض بالشوق الحارق اليهم، وكذلك يلعب دور حرمانه الجنسي، بتواجده الطويل في خنادق الموت، وتلعب به الشهوة الجنسية الحادة الى زوجته، فيكون لقاء الحب والمعاشرة الزوجية، لتفريغ شهوته الجنسية الملتهبة، فيحتضن زوجته (صديقة) بلهفة مرهفة، ويقول لها بدلال (- سأمزقك اليوم) (- أرجوك، اجل الموضوع الى الليل) (- جئت من الموت وأنتِ تطلبين التأجيل .... مستحيل) (- اذن، انهي الامر بسرعة ... فدو ... الاطفال يحسون) (- أي أطفال؟ سبعة واربعون يوماً في المعركة ولا رفيقة لي سوى البطانية العسكرية) يقول هو يفح بشهوته الغريزية (- كيلو حليب صافي) (- نزول عليك . كنت أظن ان الحرب سوف تعقلك) (- من الذي سلب عقلي غيرك؟ تعالي) . ولكن حين يفرغ شهوته الجنسية، ينزوي ويجهش في البكاء، بفعل الصدمات المفجعة، من اهوال وبشاعة الحرب المهلكة والمأساوية، تجعله يتقوقع في اليأس والاحباط والانكسار النفسي والروحي المهزوم . من المشاهد المروعة التي لا يحتملها العقل . من الجثث المتفحمة المتناثرة حول خنادق الموت، لتكون في نهاية المطاف طعما للكلاب السائبة، كأنه يعيش في عالم من الكوابيس المرعبة، لقد صدمت روحه من المشاهد المرعبة (لقد صدأت روحه من مناظر الجثث المتفحمة من الموت والدمار، الذي عصف بحياته في الجبهة . كأن جنوناً ويوم قيامة، وليس معركة سبعة واربعون يوماً من الجنون الدامي . منْ يقول ان الانسان لديه عقل؟ )، تصرعه هذه الكوابيس وتخرجه عن طوره السوي، الى الجنون السريالي في عدوانيته (أنا مجنون واحارب في (مجنون) واتعامل مع مع مجنونة، ولي ولد مجنون . أعيش في عالم الجنون) لذلك يطرحه هذا الارهاق النفسي الصادم، ويعجز في التعامل والتكيف الحياتي مع الواقع، ومع عائلته، ويحاول الهروب من هذا العالم المرهق والمؤلم بالضغط النفسي الهائل من الصدمات النفسية التي تنهكه وترهقه بعذابها، كأنها ترافقه كظله، بان يتخذ معاشرة الخمرة وسيلة للخلاص والهروب، لكنها توقعه في ازمة متوترة جداً مع عائلته، يتفتت في اعماقه، ولا يعرف كيف يتصرف، بل يعاني الاحتقار الروحي (أريد ان اسكر، اريد اهين هذا الجسد المتجبر . احتقر هذا الجسد) هذه تأثيرات الحرب المدمرة، ان تجعل الحياة تافهة وحقيرة ورخيصة . حياة لا تطاق يتفتت بها الصخر والحديد، لانها تنتهي في طوافات بالعذاب والموت المجاني، تصبح الحياة عديمة لا ضمان لها، بل ان الكلاب السائبة حياتها، هي افضل من حياة الجنود في خنادق الموت والدمار . ان الجندي (شامل) يعاني الصدمة المروعة والهائلة في تصدع روحه وفتتها، بفعل موت صديقه الجندي الشاعر (سلام) قرين روحه يواسيه في خنادق الموت، في مداولات بالشعر والادب. لكن فجأة تخطفه قذيفة طائشة، تحوله الى اشلاء متفحمة، وتتفسخ جثته حول الخندق، وتصبح طعماً للكلاب السائبة . ولم تفارق ذهنه الصورة المروعة والبشعة، صورة الكلب الاسود، الذي نهش الجثة، ويسحب مصران (سلام) لعدة امتار، هذا الفزع المرعب، يتصور بأنه لا محالة ينتظر ابنه (احمد) الذي فشل في دراسته، واذا رسب سيساق حتماً، الى الخدمة العسكرية، ويذهب الى جبهات الموت، ليكون بعد ذلك طعماً للكلاب السائبة، انه لا يتحمل هذا المصير المرعب والاسود الذي ينتظر أبنه (احمد)، لذلك يشدد في قسوة معاملته الخشنة الى العدوانية المفرطة، رغم ما يحمل من حب وحنان ابوي له، فكان في خلوته في خندق الموت، يخرج صوة ابنه (احمد) ويجهش في البكاء المر، لانه يدرك بأن أبنه، سيفشل في الامتحان ويرسب في سنته الدراسية الاخيرة، فيساق الى جبهات الموت، وهو شاب غض وصغير وغرير، لهذا فأنه يعامله من دافع الحرص الابوي، لكي يحاول ن يجنبه المصير الاسود الذي ينتظره، لكن في معاملة عدوانية قاسية، تفشل وتخفق في مرامها، ويعترف ان بفشل محاولاته في تجنب ابنه المصير الاسود . فيبتعد عن عائلته ولا يزورها في الاجازات، حتى يرسل الراتب بيد الجنود، فقد اتخذ قراراً ان يبتعد عن عائلته، لان معاملته القاسية، اصبحت لاتطاق له ولهم، رغم انه يؤنب نفسه، بأنه يقترف اسلوب المعاملة العدوانية، تجاه عائلته وابنه، وانه يحملهم عبء وذنوب فوق طاقتهم، دون وجه حق . و(شامل) لم يعرف بأن زوجته مصابة بالسرطان وتعالج بالكيمياوي،انه في الفترة الاخيرة اخذ ينتشر في جسمها رغم العلاج الكيمياوي، فقد اخفت عنه خبر مرضها بالسرطان، حتى لا تزيد احمالاً اخرى في همومه ومعاناته في خنادق الموت  . وزوجته (صديقة) تدرك حجم الحب الكبير الذي يكنه لها والى ابنه (احمد)، وتعرف انها وحيدة ويتيمة، ليس لها في الدنيا معين ونصير، سوى زوجها، وابنها (احمد) وأبنتها الصغيرة (سناء) . لذلك تدعو يومياً في صلاتها الله ان يحفظه ويعيده سالماً من جبهات الموت . ويحاول (احمد) اصلاح علاقته مع ابيه، بعد سيق الى جبهة الحرب في (بنجوين) وتكتب (صديقة) الى زوجها، بأن (احمد) اصبح رجلاً شهماً ذو ادب واخلاق عالية، وانه قرأ كتبه، واصبح اديب مرموق ينشر قصصه في الجرايد، ويتمتع باحترام الناس، في سلوكه الطيب وانه يسعى الى مواصلة دراسته . وان لابد للعائلة ن تجتمع سوية، وان يعيد أليها الوئام والصفاء العائلي، بفتح صفحة جديدة من التفاهم، وتمتلك رغبة اللقاء الحميم والحار، بين الاب والابن، فيسافر الابن الى ابيه في الجبهة الجنوبية الى (مجنون) ويسافر الاب في نفس الوقت، الى (بنجوين) لملاقاة ابنه الحبيب، لكن القدر الاسود كان لهما بالمرصاد في الاستهتار بالجنون السريالي، في قذيفة طائشة تحول الاب الى اشلاء متفحمة، ونفس القذيفة الطائشة كانت بالمرصاد الى ابنه لتحوله ايضاً الى اشلاء متفحمة، في الموت العبثي والمجاني، ان يمزق حياتهما الى الابد، والنهاية بعد الجحيم، لايتوقف مسلسله المرعب والسريالي، بأن (صديقة)، تستعد لمواجهة الموت المحتوم، بعد تغلب عليها مرض السرطان . في نهاية تراجيدية للجحيم (صديقة القديسة أكملت صلاة الشكر مع بزوغ شمس الصباح الجميلة، وضعت المصحف الذي بللته دموعها تحت وسادة صغيرتها، ونزعت ثوب الصلاة الابيض الواسع الطهور، ولبست دشداشة ملونة بزهور حمراء كبيرة، واشعلت البخور وفتحت الشبابيك والابواب، استعداداً للقاء الحاسم، الذي صممته الحرب) .

هذه فاجعة الاحزن في ملحمة ما بعد الجحيم، في سريالتها الجنونية، التي تتطابق في التشابه والتطابق، مع ملحمة الجحيم العراقي، الذي نعيشه اليوم، بأن العراق مصاب بمرض السرطان في جميع انحاء جسمه، ولا يفيده العلاج الكيمياوي، بل انه يسير الى الموت المحتوم، ولكن يستفز السؤال الكبير . ماذا بعد الجحيم؟؟!!

 

جمعة عبد الله

 

معراج احمد الندويتحتل الرواية العربية الحديثة منزلة سامية في الثقافة العربية المعاصرة وترتبط ارتباطا وثيقا بنبض الإيقاع الداخلي للحياة العربية في ابسط صورها وأعقد تجلياتها فحملت بذلك أحاسيس الانسان العربي وانفعالاته وانشغالاته بقضاياه. فإن لدينا من الروايات العربية التي أرخت جماليا لمسيرة الإنسان والمجتمع في القرن العشرين مما جعلها تتمتع بميزة ديوان العرب.

إن حياة العرب مرت بمراحل مختلفة عبر القرون والعصور. كانت حياتهم ساذجة محدودة في العصر الجاهلي مع ذلك كانت أدابهم على ذروة الفن والكمال. ثم جاء الإسلام فأثر على حياتهم تأثيرا عميقا في كل ناحية من نواحي الحياة ووسع نطاق ثقافتهم وآدابهم وحكوماتهم في العصر من الأموي والعباسي حتى عد عصرا ذهبيا للمسلمين ثم تضاءلت هذه الأنوار واللمعان وتفككت الحكومة وأنشئت حكومات طائفية في مختلف الأقطار العربية. ظلت مصر وسائر البلاد العربية في انحطاط وتخلف شاملين زهاء ثلاثة قرون تحت حكم الأتراك والعثمانيين سادت فيه الفوضى وعدم الاستقرار وغلبت الشعوبية العربية على أمرها بما شاع فيها من الفقر والجهل والمرضى والذلة والانحلال.

وكانت فترة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فترة حاسمة في تاريخ الأدب العربي الحديث ووقعت في هذه الفترة تغيرات كبيرة وتقلبات عظيمة لا تزال تذكرها في التاريخ العربي. وكذلك حدث فيها حركات وطنية واتجاهات أدبية كثيرة. وكانت تتميز هذه الفترة من الزمن بانقلابات هائلة في العلوم والفنون والتكنولوجيا والصناعة والمستجدات المتنوعة. وكان هناك تبادل كبير بين الثقافات والحضارات المختلفة التي أثرت إحداها على الأخرى. فكان من الطبيعي أن يخضع الأدب العربي لهذه التطورات.

فإثر هذا الاقتحام تغير مجرى التاريخ وانقلب تيار المجتمع المصري. شعر المصريون بتخلفهم وتأخرهم في جميع مجالات الحياة ولفت المصريون إلى ما أصاب الغربيون من تقدم في العلم. فكان دخول نابليون في مصر نقطة انطلاق من التخلف إلى التقدم ومن الجمود إلى الحركة. تطورت مظاهر الحياة فيها على اختلافها في مجال المادة والمعنى. وكانت هذه الفترة التي فيها ذاقت معظم البلدان العربية طعمة الإستعمار ولوكانت الاستعمار الفرنسي أو الاستعمار الإنكليزي. وبالرغم ذلك كله فقد كانت لهذه الفترة ميزاتها وخصائصها ، وذلك لأن في هذه الحقبة من الزمن إندلعت من الحربان عالميتان لم يشهد لها هذا الكون مثيلا. ومن الميزات الأخرى لهذه المرحلة من التاريخ هي نشؤء الوعي القومي الذي يعد من التيارات الأدبية والفكرية الحديثة في الأدب العربي المعاصر. قد تأثروا الأدباء والشعرا كثيرا من خلال الاحتكاك بالأفكار الحديثة والثقافة الغربية وساروا في دربها في انتاج أدبهم نثرا وشعرا. فهذه الكلمات تفيدنا بأن أدباء القرن العشرين تأثروا كثيرا بالأفكار الحديثة والثقافة الأوروبية وساروا في دربها.

بدأت حركة شاملة للترجمة والنقل من الآداب الغربيةإلى العربية عندما أبدى محمد علي رغبة شديدة في ترجمة الكتب العلمية والتكنولوجية. وقد أولى عناية بوجه خاص على الترجمة في المدارس كما ألزم على الطلاب المبعوثين إلى الغرب بترجمة النصوص التي يدرسونها في المدارس الأجنبية في أوربا لأن الغرب أصبح أسوة تحتذي ونموذا يقتدي ولكن مع الاحتفاظ باصالة الثقافة العربية. وتعتبر الفترة ما بين 1834-1934م أخصب الفترات من ناحية الترجمة. ثم أخذت الترجمة تتسع في كل ناحية من أنحاء البلاد وشاعت حركة الترجمة في عهد إسماعيل وكثرت الكتب الأدبية المترجمة من الآدب الغربية إلى العربية وبخاصة القصص والروايات.

الرواية العربية من الفنون النثرية الحديثة والمعاصرة التي ازدهرت في أدب العربي بسبب ازدهار الوسائط الجديدة كالطباعة والصحافة والترجمة والتعليم. قد أجمع النقاد والباحثون على أن الرواية هي نتاج تواصل تاريخي متمازج من حركة الترجمة والمحاكاة والخلق والإبداع. وتعتبر الرواية الفن الأحدث بين انواع القصة والأكثر تطوراً وتغيراً في الشكل والمضمون.

تطورت الرواية العربية خلال القرن العشرين تطوراً ملحوظا واستقطبت اهتمام القراء والنقاد على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم كما تنوعت أساليب كتابتها واختلفت أشكالها وتعددت أنواعها وتياراتها وصيغ تقديمها. تحتل الرواية العربية الحديثة منزلة سامية في الثقافة العربية المعاصرة وترتبط ارتباطا وثيقا بنبض الإيقاع الداخلي للحياة العربية في أبسط صورها. هكذا تتمثل الرواية كسجل واقعي دقيق لحياة الإنسان ترتسم على صفحاته تاريخ الإنسان وتاريخ الحضارة بكل جزئياته وتفاصيله.

 دخلت الرواية في أدب العربي من جملة ما دخل في حياة العرب من مظاهر وأثار الحضارة الغربية ومنها تطورت الرواية وبرزت أولا بالترجمة من الآداب الغربية وكانت الترجمة مصدرها الأول حتى إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. ثم توجه بعض المؤلفين إلى التأليف للرواية وازدادت حركة التأليف زيادة كبيرة بعد الحرب العالمية الأولى وحصلت عليها الآن تطورا كبيرا في ميدان التقدم وهي جاءت إلى العربية بالترجمة في بداية الأمر.

إن ميلاد الرواية الفنية في الأدب العربي الحديث إنما جاء على يد محمد حسين هيكل. وفي هذا الصدد يقول الدكتور حمدي السكوت "إن التاريخ الحقيقي للرواية المصرية والعربية بالمعنى الدقيق للكلمة إنما يبدأ بعام 1913م حين ظهرت رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل بعنوان "زينب" مناظر وأخلاق ريفية بقلم فلاح مصري.

ازدهرت الرواية العربية في مصر في فترة الثلاثينات وبرزت على الساحة عديدا من الأسماء مثل المازني، وتوفيق الحكيم، وطه حسين، وعباس محمود العقاد ثم ظهر اسم نجيب محفوظ في  مجال الرواية. وكان له أثره في تطوير هذا القالب الأدبي في لبنان وفي كل الأقطار من البلدان العربية الأخرى. ولا يختلف اثنان في أن نجيب محفوظ أعظم وأبرز الشخصيات التي ظهرت في القرن العشرين في تاريخ الرواية العربية. ولم يستطع أحد أن يقترب ما أنجزه محفوظ في غزارة الإنتاج وتنوعه وأصالته وجديته وابتكاره.

أخذت الرواية العربية من مصر أرضا خصبة ومسرحا نشيطا لها بعد أن فتحت عيونها في بلاد الشام ثم توسعت في الخمسينات وبعدها انتشرت في جميع الأقطار العربية. ابتدأت الرواية العربية مرحلة جديدة في تاريخ الرواية العربية بظهور نجيب محفوظ في المشهد الروائي الذي أصدر ثلاث روايات منذ 1939م إلى 1945م ثم أخرج ثلاث روايات في الواقعية الاجتماعية وأثبت جدارته على صعيد العالمي.

مرت الرواية العربية بمرحلة الطفولة والشباب حتى بلغت نضجها في الخمسينات على يد نجيب محفوظ. وكما أن واليوم قد بات واضحا أن الروائيين العرب منذ خمسين سنة الماضية قد اتقنوا فنهم وأظهروا قدرة على تقديم رؤية أكبر وأوسع تمكن الأدب من تخطي حدود الزمان والمكان. ثم بدأت الرواية العربية مرحلة جديدة في تاريخ الرواية العربية بظهور نجيب محفوظ في المشهد الروائي الذي أصدر ثلاث روايات منذ 1939م إلى 1945م في الواقعية الاجتماعية وأثبت جدارته على صعيد العالمي. اليوم، فإن لدينا من الروايات العربية التي أرخت جماليا لمسيرة الإنسان والمجتمع في القرن العشرين مما جعلها تتمتع بميزة ديوان العرب. ففي هذا التفاعل السياسي والاجتماعي والفكري ولدت الرواية العربية الحديثة وتطورت ونشأت حتى أصبحت ديوان العرب واحتلت مكان الرياسة في جميع الفنون الأدبية.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا -الهند

 

631 رماح الملائكةالواقعية الاجتماعية إحدى الأنماط السردية الأكثر شيوعا في عالم الرواية، كونها تمثل نافذة حية نطل من خلالها على الواقع المعاش، لكن برؤية فنية تتفاعل مع الملتقي بطريقة أكثر تقبلا واستساغة من الواقع الفج، عن طريق صناعة الخيال، وهذا ما عبر عن ذلك الروائي نجيب محفوظ بقوله (الفارق بين الحكاية المحضة والقصة الفنية هو الخيال).. في رواية (رواح الملائكة) للروائي إبراهيم حسين حسن، الصادرة عن دار سطور 2019 .. نجد سيادة هذا النمط السردي على السياق العام للنص، عبر أحداث اجتماعية واقعية، تتخللها رؤى وأحلام، تنطلق من معاناة ذلك الواقع وإسقاطاته على العقل الباطن، الذي لجأ الى صناعة الخيال كوسيلة دفاعية، للهروب إلى الأمام لتغيير هذا الواقع المأساوي الذي يعيشه البطل السارد (جواد)، والذي كان  المحور الرئيسي في صناعة الحدث الروائي وتدويره، والمحرك الرئيسي له وللأبطال الآخرين، على امتداد البناء الهرمي للنص، فقد استعان الروائي بتقنية السارد الضمني لخلق ما يعرف اصطلاحا (وهم الإقناع) أي جعل السارد جزءا من النص لإيهام القارئ بجدية وصحة مايجري داخله، بل ذهب إلى ابعد من ذلك، حين لمح في أكثر من موقع في الرواية إلى إن البطل جواد ماهو إلا الروائي نفسه، وان ما نقرئ ماهي إلا عملية اجتزاء لمشاهد حياتية عاشها الكاتب، ووضعها في قالب سردي روائي، لذلك يمكن اعتبار رماح الملائكة رواية (اتوبيوغرافية) أي تعبيرية، لحضور الروائي فيها بقوة وفعالية.

يبدأ النص بعتبة سردية اختلط فيها الواقع بالخيال، عبر رؤى لم تخرج عن حيز الموروث الاجتماعي الشعبي، وتراكماته في العقل الجمعي للمجتمعات الشرقية، حين يتنبأ الإنسان بقرب اجله، ودنو ساعته، وعندما يتحول الأطفال الموتى إلى ملائكة وطيور جميلة.. مدخل سردي صادم وموغل بالحزن والوجع، لطفل مريض يحتضر في أحضان أمه المفجوعة به، يُحدثها عن رؤى يعيشها وهو يطالع نافذة الطائرة التي أقلتهما عائدين من رحلة علاج غير مجدية، ينتهي المشهد بموته بطريقة دراماتيكية، ينتقل بعدها السرد إلى تفاصيل أكثر واقعية  يمكن أن تمر بها أي عائلة عراقية في مثل هكذا ظرف صعب وحزين، ثم يكسر الروائي هذه الرتابة، بحادث مأساوي آخر، وهو موت الأم حزنا على فقدها لطفلها .. يقف النص عند هذه العتبة،  ثم ينطلق من زاوية جديدة، تمثل محور النص وفلسفته، حين ينتقل عبأ ماجرى إلى جارهم (جواد) الرجل الذي شارف على التقاعد من وظيفته، وحمل شخصية، ساكنة، مرتبطة بثوابت المكان، مسالمة، متدينة، مستسلمة لاقدارها، حاول الروائي أسطرتها وكسر هذا القالب الروتيني لها برؤى خيالية، ومنحها كل هذا الاهتمام والمسؤولية.

الطفل مليك الذي توفي في أحضان أمه، يتحول إلى كائن خيالي يشبه الملاك، ويصبح زائرا مواظبا يؤنس ليالي جواد التي تسودها الظلمة والترقب، لغد قد يكون أفضل من سابقه.. فقد تحولت نهارات جواد إلى محطات انتظار مضنية تشوبها المتناقضات ( اليأس والأمل، الحزن والسعادة ) لليل سيتمكن فيه من رؤية مليك الطفل الذي أحبه وتعلق به في حياته.. تسيدت هذه النهارات على الوجه العام للنص وشكلت الجزء الأكبر منه، وعضدت هرميته بتفاصيل تكررت كيوميات عراقي يعيش محنة الفوضى والإرهاب ونقص الخدمات، حتى وصلت حد الإسهاب، واعتقد إن الهدف الذي كمن وراء هذا التكرار، هو لإعطاء صورة كاملة لحالة البطل النفسية والذهنية المأسورة لهذا الواقع، والتي قادته لهذه الرؤى والأحلام.. كما عبر عن ذلك هنري جيمس بقوله (إن مهمتي التي أحاول الاضطلاع بها هي أن أجعلكم ترون).

من الملاحظ إن البطل (جواد) حاول جاهدا على طول الامتداد الأفقي والامتداد العمودي للنص، إثبات مصداقية مايحلم به للآخرين، من خلال حوارات ماراثونية تبريرية مع زوجته أم رباب، وتستمر هذه الحوارات لتنتهي بعملية (سرد ممسرح ظاهري) قام به أمام مجموعة من أقاربه في مدينة العمارة، لعب فيه دور الحكواتي، عبر تقنيات (الاستذكار والاسترجاع والتلخيص) كان الهدف منها لملمة شتات نصه وبيان دلالته، وإقناع الحضور بجدية وحقيقة رؤاه .. لكن مثل هكذا نصوص سردية يختلط فيها الواقع بالخيال ويتداخلان بطريقة تفاعلية، لاتحتاج كل هذا الكم الكبير من التفسير والتبرير ومحاولة ايجاد مخارج منطقية لاحداثها من قبل الروائي، بل كان الأجدر ترك النص حرا يعبر عن نفسه كيفما يشاء، دون ممارسة كل هذه السطوة عليه من قبل الكاتب، فالجيش الذي شكله الطفل مليك مع مجموعة من الأطفال القتلى ضحايا الإرهاب، لمقاتلة الإرهابيين والثأر منهم، كانت نتائجه الملموسة تبدو واضحة للعيان على ارض الواقع، لكن بتجليات وسببيات أخرى، لم يكن يدركها سوى جواد نفسه، وهي بالمنطق غير قابلة الحدوث، لذلك كانت محاولة إثباتها عملية غير مجدية .. لذا فأن الرؤية الأدبية التي يعدها الناقد تودروف ( بأنها أهم شيء في العمل الأدبي)، نجدها هنا قد توحدت في هذا النص بين البطل جواد والكاتب إبراهيم حسين، وهذا جعل من الأحداث تُفسر بوجهة نظر واحدة وأفق ثابت، حتى تداخل السارد الخارجي العليم الذي يعرف كل شيء عن الأحداث، وماجرى وما سيجري، مع السارد الداخلي الذي يعرف جزء من الحقيقة.

في رواية رماح الملائكة، استخدم الكاتب نوعين من  التكنيكات السردية، الغرض منهما تعضيد نصه وهما:

1- صناعة (القرين) أو مايعبر عنه سينمائيا بالبطل الظل، الذي يتشارك مع البطل في جزء مهم من أفكاره ورؤاه وهمومه، أو يشابهه في ظروف حياته وأقداره، فقد كان (سوار) حفيد البطل (جواد) قرينا استعان به الروائي ليثبت صحة مايراه بطله الرئيسي (جواد) ويدركه، فكان سوار يرى بعضاً من رؤى جده، ويعيش شيء من معاناته، وهو يرى مليك وأصدقائه الموتى. 

  2-  القصص جانبية التي تشير إلى نفس المعنى العام للنص الرئيسي، وهي دلالات توضيحية للجو  الذي يحيط بالبطل، مثل (قصة الطفلة دنيا التي قتلها الإرهاب، قصة الطفل سهيل الذي كان ضحية للإرهاب، قصة سالم ابن جواد ومقتله في حرب الخليج الثانية) حيث هيمنت القصة الأخيرة على الوعي القائم للبطل، وكانت سبباً رئيسياً في تولد الأحلام والرؤى التي عاشها وتأثر بها.

كانت لغة النص بشطريها السرد والحوار، نخبوية بعض الشيء، انطلقت من بيئة ثقافية ثابتة، لم تراعي المستوى الثقافي والتعليمي للأبطال، وهذا مطب سردي يقع فيه اغلب الكتاب، حتى الكبار منهم.. لكنها في نفس الوقت كانت لغة سلسة مرنة غير متناقضة ولا متكلفة، قادرة على إيصال سيميائية الصورة والحدث بدقة وعفوية.. إضافة إلى أن الروائي اعتمد مقاربات واستعارات قرآنية، واستخدم فيها الأفعال الإخبارية الماضية، والتي تفيد التقرير، أي تجعل من أحداث الرواية يقينية واجبة الحدوث ..لذا يمكن أن نطلق على (رماح الملائكة) بالرواية الواعدة، التي تبشر بظهور روائي له القدرة على صناعة الحدث الروائي بطريقة غرائبية، وباستطالة سردية أفقية تغطي هذا الحدث وتغنيه.

 

احمد عواد الخزاعي

 

احمد شحيمطإبراهيم الكوني الروائي الليبي في سردياته انهمام بالصحراء وعشق للطبيعة والذات . الصحراء البكر برمالها وسكونها وليلها الذي يرخي سدوله للإنصات للوجود . في قلب الصحراء كائنات. الإنسان والحيوان والنبات . في أجوائها يهتدي الإنسان للراحة وسكينة العيش . الفضاء الذي تسكنه الألفة والمحبة . يزيد الإنسان إحساسا ببساطة العيش وتنفس الحرية . الصحراء فردوس مفقود والواقع حسب الكوني أن العرب تنصلوا لرسالة الصحراء . ففي سرديات الكوني الصحراء روح وتجربة حية لإنسان لا يبرح المكان ويعود إليها من جديد عند الالتقاء بالمياه. هذا المكان المسكون بالعشق وعدم الفرار من الحياة في الصحراء دليل على تكيف الإنسان في قلبها . ليس المكان مرادفا لشظف العيش والقهر والرياح الهوجاء بل في المكان سحر لا يتمثله إلا من شربت نفسه عذوبة الصحراء وترسخت في أعماق اللاوعي نبضات المكان المفعم بالحياة والعطاء.

في تأملات الكوني الصحراء فضاء للرحيل والانتقال والعبور من مكان إلى آخر . انتقال لا يعني السكون والاستقرار بل انتقال بالأجساد والنفوس في أمكنة من الصحراء للبحث عن هناء الضمير والعيش الرغيد بحثا عن دواء يروي ظمأ الإنسان وكائنات الصحراء. انتقالا تغذيه نواميس وأعراف وتقاليد الإنسان في عدم الاستكانة والمكوث في مكان زمن أطول. حالة الرحل على مرة الزمن في الترحال والتجوال . القبض على الزمن في حياة سكان الصحراء والالتفاف على المكان ووصف العيش في قلبها من مهام الروائي في تبليغ رسالة فحواها أن الزمن هنا لا يقاس بالساعات واللحظات والمكان ليس الفضاء أو الحيز بل في وحدة الزمان والمكان إيقاع للحياة السريعة والممتعة . فالبحث عن المكان الذي منه انطلقت الرسالة الإسلامية للعالم في العبور نحو السهول والجبال والأودية . رؤية الكوني للعالم والحياة إنسانية وفلسفية .وبالأدب يرتفع الكوني نحو تأملات عميقة في الوجود والموجود . ويسخر القلم للكتابة للتعبير عن تنصل العرب لرسالتهم التي انطلقت من الصحراء وتنصل السياسة للهوية المنبثقة من التراب والأرض . الصحراء غدير ينبض عطاء وسخاء. ألفة ومحبة في سبيل ذلك يعود الكوني ليعيد استنبات الأصيل في ثقافتنا من البيئة برؤية أدبية ممزوجة بالفلسفة وذاكرة حية مليئة بأحداث من المكان . ويستعيد الزمان ليروي الحكاية من عبق التراث الفكري والعلاقات الإنسانية في الصحراء .

من قال أن ميزة القبيلة في الصحراء الصراع والتناحر . لكن الكوني يفند الرؤى السلبية من قلب الصحراء ومجتمع الطوارق عندما يحكي عن الجزء المنسي من الحكاية . الجميل في سرديات الكوني أن الرواية حكاية تحكى معه من البادية وخصال البدو الرحل وليس من المدينة .وليست كملحمة بورجوازية بتعبير جورج لوكاش . الرواية هنا عكسية من الصحراء تحكي وتعبر عن حياة غنية بكنوزها وأساطيرها وقيمها . الصحراء التي يتغنى فيها الكوني هي الفضاء الذي عرف ميلاد حضارات ودول وكيانات ومنها كان العبور إلى بلدان أخرى . حضارة الطوارق التي أنصفها ابن خلدون في كتاب " المقدمة " وقال أنها امة عظيمة . أقيمت فيها دول وكيانات . فالكوني لا ينفي الجذور وهو يقيم في سويسرا الباردة ويعبر بقلمه واليات الكتابة السردية المقتبسة من القراءة المتشعبة للسرديات الغربية والعالمية كذلك .

النهضة المفقودة يعيد إنتاجها الإنسان . والحرية لا بديل عنها فهي جوهر الإنسان الذي سكن الصحراء . والرحيل استجابة لنداء وجودي . نداء الحقيقة على طريقة مارتن هايدغر . نداء لانكشاف الحقيقة والإنصات للوجود بدل الموجود . الكوني بصراحة ليس روائيا أو شاعرا فقط بل فيلسوفا يحسن الإنصات للوجود ويعتبر أن الصحراء مكان ضائع يؤسس للوجود والموجود . الحرية جوهر ونداء يبحث عنها الإنسان في ذاته وفي الرحيل والالتقاء والعبور من هنا إلى هناك .يرحل الكوني من الفضاء الأصلي إلى روسيا ومنها إلى سويسرا ويعود للصحراء من جديد ويعيد السفر إلى أمكنة متعددة .يعثر على ذاته العزلة والعودة من جديد . وفي قوة سرديات الكوني حضور قوي للرموز الدينية والأساطير والتاريخ والتراث . شعرية المكان وسيميائيته يضفي لمسة دلالية على الفضاء الذي ولد فيه الكوني وشب في أحضان الجماعة وقيمها .وبين الفينة والأخرى يعود إليه من جديد من سفر طويل في الغرب .

ناموس الصحراء تلك القيم النابعة من عمقها . ولما ينقسم الناس في الصحراء بين الاستقرار والعبور بفعل دخول القيم البديلة .والصفائح الإسمنتية والبيوت العالية . حيث اقتلعت رمال الصحراء بفعل الجرافات والآلات الباحثة عن خيرات الأرض في سوائلها . الغاز والنفط مصادر في تدمير العيش وفق ناموس الصحراء . نداء ما كان بعيدا عن أهل الصحراء وبطولاتهم في الدفاع عن منطق الصحراء إلى حدود المياه . شدة الناس ولينهم مأخوذة من محبة الخير وكراهية الظلم . والنساء تسري عليهن الحرية وعشقهن للشعر والشعراء مبدأ قويم في الأنوثة . ولو خيرت المرأة بين البطل والشاعر وأصحاب المال لاختارت الشاعر بلا تردد . فالصحراء خلاء مشغول بالفراغ . في الصحراء لا يتقيد الإنسان بالزمان . السير والسهر واللقاء في الليل واحتساء الشاي والقول المتين في مرامي اليومي وتأملات في السماء . في الصحراء أكثر الكنوز هي الحرية وفرار الإنسان من عبادة للإنسان. لذلك قال إبراهيم الكوني في كتاب " نزيف الروح "  قولة مأثورة " في الصحراء لا يوجد شيء .

في الصحراء يوجد كل شيء "السكون . والعرف والتقاليد . والألفة . وحيوان الودان . ونداء الحقيقة في سكون الصحراء. في المكان الضائع يخلق الكوني حوار بين الغريب في قواعد الصحراء يرسل الأبله لاستطلاع الحقيقة وعند العجز ترسل الحسان ويسميهم الكوني بأسمائهن : تفران . تمريت . تامنوكالت. تاهلا . تامولي . تديكت . زهور الرتم . فالغرباء بطبعهم متكتمون في طبائعهم وخفايا نواياهم . غامضون وعابرون للمكان . الغريب لا يملك القدرة في إخفاء ذاته أمام دهاء النساء وينتهي الكوني من كل حكاية لإبراز ناموس الصحراء دون قيود القوانين الوضعية أو السير على خطى المدنية المعاصرة. لا يصنع المكان كفضاء متخيل للسرد على مقياس السرديات المعاصرة بل المكان حقيقي يضفي عليه الروائي لمسة جديدة من الكلمات والشخصيات المتخيلة . والأحداث التي تنفلت من الوصف والسرد . فالكوني يميل الى استعمال ترسانة من الكلمات المفعمة بلغة شعرية فياضة للوصف ورؤية مثالية وإنسانية في القبض على المكان الضائع من الرواية .

حديث الكوني عن الروح والنزيف ومظاهر العيش والتنقل والفرار والكائنات الموجودة في الطبيعة هو بالفعل كلام في التناغم والسكون . الطوارق يعشقون الصحراء عشقا صوفيا لان الصحراء رمز للبساطة والسعادة . ونداء الحقيقة في عمقها يوجد الإنسان بعيدا عن التيه والاغتراب . يسكنها ولا يبرح مكانها إلا للانتقال والسفر في دروب الأمكنة والأزمنة والعودة إليها من جديد. هنا يوظف الكوني الرموز والأساطير والقيم الدينية المختلفة للتعبير عن شجون الإنسان واغترابه في عالم الماديات والمظاهر .ويبحث عن إمكانية القبض على تلك الوحدة بين الزمان والمكان في الصحراء . في مجتمع الصحراء الحرية جوهر الكائن . الصحراء هي الانتماء والأصل والانبعاث والاستمرارية في مقابل مجتمع التبر . هكذا يعبر إبراهيم الكوني في تأملاته عن الوجود والموجود في فضاء الصحراء .المكان الضائع في ترسيخ قيم الحرية والمحبة وانتشال الإنسان من التيه والاغتراب بفعل التحول من القيم الأصيلة للقيم المادية . ومن المجتمع البسيط إلى المدن الإسمنتية . والأكيد حسب الكوني أن ما يعانيه العرب اليوم من أزمات سببها بالأساس تخليهم عن قيم الصحراء . ومن يقرأ في روايات عبد الرحمان منيف عن خماسية مدن الملح في كل أجزائها يدرك نتائج التيه عن بوصلة القيم واختيار التبر وحياة الرخاء على السكون والألفة  . وعندما كان يسأل عبد الرحمان منيف عن ذلك في المبالغة من المخاطر المحدقة بالعالم العربي يكون جوابه في غالب الأحيان أن الانتقال من البداوة إلى الحضارة كان يمكن أن توازيه صحوة في الوعي وبناء الحضارة وفق معطيات القيم المحلية . والتأثر بالحضارة الغربية ينبغي أن يكون متوازنا .

يعتبر إبراهيم الكوني روائي كبير يكتب بلغة الضاد ويعبر من المكان البعيد – سويسرا- عن ذكريات وتجارب الإنسان في الصحراء في قوة المشاهد والحكايات المروية من عبق التاريخ الفردي والجماعي  يصنع عالمه الخاص في اختيار شخصيات من المكان وينزوي بالذاكرة في العودة للذات وللمعيش . فالمكان الذي يسكنه الشخص مرآة للطبائع والسمات النفسية والثقافية وحياة الشخصية الفردية والجماعية تعكسها بصورة دقيقة المكان . وما يميز إبراهيم الكوني الإنسان كلامه القليل في السياسة واستلهامه المعرفة من مصادر متنوعة من القران الكريم وسفر التكوين والعهد القديم ومن الأساطير . وفي نداء الحقيقة يكشف الكوني عن طبائع أهل الصحراء ومنها الرفض المطلق للعبودية والاستعباد . ومن يتأمل في مرامي سرديات الكوني يخرج بانطباعات أن الكوني نتاج للسفر والترحال بين الأمكنة والأزمنة .وان كان قوله يأتي من بعيد فان الرجل سكن الصحراء وسكنته رمالها وليالي انسها وجمال طبيعتها . وفي سردياته انهمام بالذات والوجود بحثا عن ما هو أصيل في قيمنا على شاكلة ما يرمي إليه الفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر . وأخيرا يمكن القول أن الكوني في أعماله الروائية واستناده في وصف الصحراء وقانونها الداخلي وطبائع البشر فيها يعتبر بالفعل فيلسوف الكينونة بامتياز .

      

بقلم احمد شحيمط - كاتب من المغرب

 

احمد الشيخاويفي ديوانه" طقوس المكان" للجزائري بادر سيف، المعروف بغزارة نتاجه الشعري، يذهب بنا إلى عوالم، أقل ما يقال عنها أنها تجديف في بحبوحة الوهم المدغدغ اللذيذ.

معجم سيف في مجمله من المعيشي واليومي الطافح بمعاناة الكائن، ومكابداته، بدء بأولى قصائده المفجّرة لأوبئة مجتمعية عديدة، وتجوالا في محطات الكينونة الهامسة، الملغومة على امتداد رفع الصوت الشعري، وتسريع إيقاعاته، عبر تلوين المنجز بقصائد انقلابية، تمتح من عنكبوتية تداخلات الهواجس والانشغالات، مابين الذاتي والمشترك الإنساني والكوني.

بحيث تكتسي تجربة سيف رائد الشعرية، طابع الفرادة والاستثناء، من طاقة الذات المبدعة القادرة على التوغل في الجرح الإنساني، ملامسة صميمه.

من خارطة بوح ينساب ويتدفق بعفوية، دونما كلفة، أو إسفاف، ليغازل المتلقي بجدّة المعنى وثراء المشهدية والصور، وعمق الرؤى وتنويعات الايقاع.

استهلالا بنص" بوح لزند المعنى" والمتلقي يتوهّم معه، موقع سقوط الطلقة، بوص الكلمة رصاصة، من نوع وعيار خاص، ألم يقل بحقها أحد الشعراء القدامى العرب فيما معناه أن النار بالفم توقد وبه تُطفأ أيضا.

كناية عن المعنى في وظيفتيه القاتلة والباعثة المحيية، على حدّ سواء..؟

[على خيط دخان

نعم أعرض في الشارع جلد أفعى

أجنحة المشانق

أعبر النهر حافيا باكيا، لا بد أن أعبر النهر

إلى ضفة الأبجدية

حيث السنابل ووسائد العشق

ملاءات الغنج ونسك الشعوب

وراء التخوم](1).

وإذن...ما الوراء المتخيل ههنا؟والمتاحة معه فرص اقتناص حظوظ ومعاني الحياة الموازية، هنا/هناك، بعيدا/ ٌريبا/ حاضرا/غائبا، في الضفة الأخرى.

تلكم جريرة إدمان الكتابة، وحدها كفيلة بمنح العبور الإنساني مخملية وغنجا من طراز خاص، تجاوزا لراهن الأوبئة الموغلة في إدماء إنسانية وروح الكائن.

[لا تكن قيدا للرغبة

لتكن سمائها الحزينة، تحبل قرب سرة الدروب

كن منحدر الفضائل

رقصة السكر

واحرس طريق الليل

من وشوشات التحري

كن كما كانت الريح

عازفة لحن السلام، وهي مشنّفة بشناعة الضياء

واجعل من رقصة البحر

ملمسا لطوب النكاح

كي تهدهد غصن الوسن] (2).

في هذا الاحتمال، مثلما هو مستلهم من عتبته، نفطن إلى أن استعمالات سيف للمفردات المجلجلة والنافرة نوعا ما، ضئيل جدا، ولا يتمّ إلاّ عند الضرورة القصوى، مثلما هو وارد في سطر" ملمسا لطوب النكاح"، كونه استعمالا محظورا، أقول محظورا تبعا لقاعدة رمزية ضمنية، قد لا تستشعرها سوى الأذن الموسيقية للمتلقي، والحدوس النقدية المتقدة، فقد زان مثل هذا التوظيف الذكي للمفردة" نكاح" طوب النكاح، بعدا طوباويا غامزا بمعاني الاحتمالات المثقلة بها عتبة النص، بالنهاية.

[ألفع ثوب الحبر العابر للظن

أعصر الرّفض

تأتي الشمس ضيفة طيعة

يبكي نهاري المطوق المنعزل

ما هذا الهجر؟ اليأس اليأس

مدن تنام في قعر الجبّ

البجع مكانس لمدائن اليباس

وفعل الشواطئ عود إلى تاريخ الحضرة

الآدمية ](3).

فنصوص تتوالي وتطّرد، ممعنة في بهرجة مثل هذه الفسيفساء الكلامية، وفتحها على حيوات موازية، أظلّ أسمو، صوت المدينة، العاشق، الرائي، المتّهم، إقامة، بطاقة عبور، تعاليم من جهد الزنابق، تهويمة، أمواج، رايات، موسيقى لضفاف الشمس، فمطوّلة وسن تحت ظل الصهيل.

[في المدن المنسية، لا التاريخية

بابل، بغداد، سرمن رأى، أقصد خربشات الأغاني

زمن الوصل

عيون العذاب

هذا الجنون الذي يلطّخ السحاب

بأماني تضحك جدران الأسى

يرسم برعما على هيأة الوردة، يلسعه

يأمره:تحرك، دب، كن

ما لا يقدر عليه ولا يجب

يمر طير فوق النوافذ المهشمة

يلهو بغبار النساء وزبد الراحة](4).

حيازات للمعنى في النصف الآخر من الذات، أو الضفة الآدمية الثانية، حيث الحياة موازية، مترعة باستدعاءات الموروث الملحمي والديني والإنساني، ومترفة بوصايا الاحتفاء بمكامن النبل والجمال والنضارة والعنفوان في إنسانية الكائن.

صرخة على مقاس التحريض على العود إلى الحضرة الآدمية، مثلما مرّر في أكثر من مناسبة، إمّا بشكل مباشر، أو إيحائي، هذا الشاعر المتّهم، وهو يستثمر في مفردات إثراء لغة الحذف، منبّها إلى قوة وجبروت الصوت داخل دوائر ودهاليز ما لم تغتصبه الألسن بعد، ليظل متروكا للبياض، في عذريته وإلهامه، كونه الأفصح في التعبير إلى حاجة غائرة في النفس البشرية الملدوغة بوجع كوني متوحّش، تفيد حجم غبننا إلى حياة نقية قليلة الانتهاكات، تعبر بنا إلى أفق المكسب الروحي، ضمن ثقافة إنسانية جامعة.

وهل هذه الطقوس، طقوس المكان الديوان ههنا في حالة الشاعر الجزائري الجميل سيف رائد، وبمعنى من المعاني، إلاّ محطات تحدّ وانتفاض وفرض للذات، محطات ثلاث تصبغ العمر الآدمي، مثلما هو ملغوم بها بالتمام، وأقرّته شعرية الديوان: الولادة، الدينامية، الكينونة..؟

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

....................

هامش:

(1) نص بوح لزند المعنى

(2) نص ربما.

(3) نص الرائي.

(4) نص طقوس المكان.

 

جودت هوشيارعاش الكاتب المصري صنع الله إبراهيم بضع سنوات في موسكو في مطلع عقد السبعينات طالبا في معهد سينمائي بمنحة سوفيتية لأحد الأحزاب العربية اليسارية . وقد أصدر في عام 2012 أي بعد حوالي أربعين عاما من إقامته في موسكو، وأكثر من عشرين عاما على تفكك الإتحاد السوفيتي   رواية بعنوان " الجليد "، وهي على شكل يوميات موزعة على 126 مقطعا، بعضها أقل من نصف صفحة، وبعضها الآخر صفحة واحدة أو أكثر قليلا، بطل الرواية شكري طالب دكتوراه مصري في معهد (التأريخ المعاصر) ويقيم في المنزل الطلابي (الأبشجيتى)، ولا يحسن من اللغة الروسية سوى بعض الكلمات والعبارات الدارجة. ويعيش في دائرة مغلقة ضيقة هي غرف المنزل الطلابي، ومرافقه الخدمية، أو الشوارع القريبة من المنزل . يومياته متماثلة، فهو يفعل اليوم ما فعله بالأمس من دون أي تغيير يذكر .

الراوي رجل في الثالثة والخمسين مصاب بالتهاب البروستاتا، ولكن هذا لا يمنعه من اقامة علاقات حميمة عابرة مع عدد كبير من الطالبات من المنزل الطلابي الذي كان يسكن فيه، وأحياناً حتى مع نساء اخريات تعرّف عليهن في المقاهي والمطاعم .

الرواية مكتوبة بضمير المتكلم (أنا) . والراوي في الرواية الحديثة هو في العادة غير المؤلف، ولكن شكري يشير في احدى يومياته الى انه صاحب رواية " امريكانلي " وهذه احدى روايات صنع الله نفسه . ونفهم من ذلك ان " "الجليد" هي يوميات المؤلف / الراوي صنع الله.  الراوي لا يهتم الا بالجنس، ولا نرى في يومياته أي تجليات للروح والعاطفة والشعور، وكل شيء يجري على نحو آلي، ليس ثمة لهفة لقاء أو خفقان قلب . العلاقة التي تبدأ في كل مرة بالتعارف، ثم شرب الفودكا او الكونياك، تنتهي غالبا في الفراش . يوميات لا تتغير فيها شيء سوى اسم الطريدة (مادلين، زويا، اميليا الإيطالية، فاليا،، تاليا، فيرا اليهودية، أولجا، ناتاشا، لامارا، ليديا، ايزادورا، لاريسا، هيلين اليونانية، سفتلانا التشيكية، أنار الكازاخية، دينا الأوزبيكية التي يسميها دينكا، تمارا، لينا، يوديت المجرية وغيرهن) .

" الجليد " رواية آيروسية، ولغتها بورنوغرافية خادشة للحياء، وبوسعنا أن نقف عند مقطعين –بعد حذف الجمل الفاحشة منهما – لنتعرّف على هذا الأسلوب التسجيلي المكشوف:

" وفى الخامسة وفدت مادلين . كانت برازيلية فى منتصف العشرينيات، دقيقة الحجم، سوداء الشعر، أسنانها العلوية بارزة بعض الشىء. وكنت قد تعرفت بها هى وماريو أثناء دراسة اللغة. احتضنتها وأحضرت أبريق الشاى من المطبخ. أرتنى فى انفعال أسطوانة روبرتو كارلوس البرازيلى الذى يغنى بالبرتغالية وأهدتى عطرا رجاليا رشاشا. وضعنا الأسطوانة فوق «البيك أب» الصغير وأغلقت الباب بالمفتاح. خلعت بنطلونى... " .

" كانت زويا تجلس بجوار هانز فوق فراشه واستلقت تاليا بعرض الفراش المقابل مسندة رأسها إلى الحائط. وجلست أنا على المقعد الوحيد بجوار المائدة. اقترحت زويا إطفاء النور وأشعلنا شمعة. جذبها هانز ليرقصا فاستسلمت لأحضانه. لم أتحرك من مكانى. كان بصرى معلقا بوجهها وساقيها العاريتين "

تزييف واقع الحياة في المنازل الطلابية وفي موسكو عموماً،على هذا النحو، يذكرني بما كتبه ليف تولستوي في مقدمته الرائعة  لأعمال موباسان الروائية والقصصية  : " إن الكاتب الذي يصف الشعب على النحو الذي فعل موباسان، والذي لا يصف بتعاطف الا " الأفخاذ والنهود " والخادمات البريتونيات فقط، يقع في خطأ فني كبير، لأنه يصف الموضوع من جانب واحد فحسب، هو الجانب الممل، الجانب الحسي، ويهمل تماماً الجانب الأكثر أهمية – الجانب الروحي الذي يشكل جوهر الموضوع. "

ويقول ايضاً : " ان الشعب الفرنسي لا يمكن أن يكون على هذه الصورة التي يصفونها . واذا كانت ثمة فرنسا التي نعرفها بأبنائها العباقرة الحقيقيين، وبتلك الأنجازات التي حققها هؤلاء العظماء في العلم والفن والحضارة والتكامل الأخلاقي للأنسانية، فأن الشعب العامل - الذي حمل ولا يزال يحمل على أكتافه فرنسا التي تعرفها بأناسها العظماء  - يتألف ليس من البهائم  بل من أناس يتحلون بصفات روحية عظيمة " .

وبطبيعة الحال لا يمكن مقارنة نتاجات صنع الله المتواضعة بنتاجات كاتب عظيم مثل موباسان . ومع ذلك أقول أن الواقع الروسي لم يكن على النحو الذي يصفه صنع الله بنظرته الشرقية الذكورية.

لقد اتيح لي أن أعيش لسنوات عديدة في المنزل الطلابي التابع للجامعة التي كنت طالباً فيها، ولفترات اطول من اقامة صنع الله في أحد المنازل المماثلة العائدة للمعهد الذي كان يدرس فيه.

كل المنازل الطلابية اكانت تخضع لضوابط صارمة : الطالبات في الطوابق العليا والطلاب في الطوابق السفلى . وكان يمنع على الطلاب المبيت في الطوابق العليا، ولا يسمح لأحد بدخول المنزل، الا بعد التحقق من شخصيته، وترك هويته او جواز سفره لدى المناوبة أو كما يسميها الراوي (صنع الله)  حارسة الباب. وكان باب المنزل يغلق في الساعة الحادية عشرة مساءً . واذا تأخر أي زائر أو زائرة عن موعد الإغلاق تأتي المناوبة وتطلب خروجه او خروجها من الدار على الفور .

رب قائل، ان الواقع شيء والرواية شيء آخر، وهذا صحيح . ولكن الرواية الفنية الحقيقية تتسم دائما بالصدق الفني، وتبدو منطقيا ومقنعا. وثمة خطر جسيم يلازم نسج الأكاذيب، فقد لا يصدقك الناس .

غياب البنية الفنية

لا تتوافر في رواية (الجليد) مقومات العمل الفني، فالرواية ترقى وتسمو بقدر ما تمثل من الحياة الداخلية لا الخارجية، يوميات شكري تسجيل مباشر لأحداث وأفعال يومية عادية لمراهق خمسيني من دون أي محاولة لتحويلها الى عمل فني، فلا حبكة ولا نمو في شخصية البطل، أو في الشخصيات الثانوية، ولا سبر لأعماق عوالمها الداخلية وعواطفها وهمومها، ولا افكار جديرة بالتأمل . رواية (الجليد) تعتمد على السرد التسجيلي المباشر من دون الحوار، الذي يعد من أهم تقنيات الفن الروائي . وبوسعك أن تبدأ بقراءة اليوميات من أي نقطة، أو صفحة تختارها، حيث لا يوجد فيها أي تسلسل للأحداث، ولا ذروة تحتدم عندها المواقف . يوميات لا تتبدل فيها سوى أسماء الطالبات والنساء، اللواتي لا يرى الراوي  فيهن سوى دمى لإشباع نزواته .

كتب صنع الله عن موضوع لا يعرفه، وحاول إيهامنا أنه اطلع على الأدب الروسي، ولكن كل ما عرفه الراوي عن الأدب الروسي كان عن طريق أصدقائه وصديقاته دون أن يكون قد قرأ شيئا من هذا الأدب باللغة الروسية، لأنه ببساطة لا يعرف هذه اللغة بما يكفي لقراءة وفهم الأعمال الأدبية . ومعظم المعلومات التي يوردها خاطئة وسنكتفي بمثالين فقط

يقول الراوي :" فتحنا زجاجات الشمبانيا والفودكا وتبادلنا الأنخاب. عرضت علينا (إيرما) ألبوم صورها وديوان شعر إسحق بابل الذى تعرض للتعذيب فى لوبيانكا، مبنى المخابرات السوفيتية سنة 1939

ولكن اسحاق بابل لم يكن شاعراً قط، ولم ينشر له سواء خلال حياته او بعد اعدامه اي ديوان شعر، ولا حتى قصيدة واحدة، بل كان كاتباً قصصياً شهيراً.

ويقول الراوي :" فلاديمير فيسوتسكى، وهو نجم سينما شاب وممثل مسرحى حقق شعبية واسعة بين الشباب . قالت زويا إن بعض أغانيه تتناول موضوع معسكرات العمل فى سيبيريا، حيث قضى بعض الوقت قبل عام 1955"

فيسوتسكي المولود عام 1938 لم يعتقل، ولم يقض في أي معسكر للعمل ولو يوما واحدا، خلال حياته، وقبل عام 1955 كان صبيا لا علاقة له بالسياسة .

العيش خارج الزمن

عاش الراوي في موسكو في وقت كانت فيه موجة الشعر الروسي الجديد طاغية على الحياة الثقافية السوفيتية، والجيل الجديد المتطلع الى التغيير والتجديد يقرأ بنهم لرواد هذه الموجة (يفغيني يفتوشينكو، أندريه فوزنيسينسكي، بيلا أحمدولينا وغيرهم) . ولم يكن يمر اسبوع دون أن يلتقي شاعر أو كاتب ذائع الشهرة بالجمهور الظاميء الى الكلمة الحرة الجديدة . ومن عاش في موسكو في عقد السبعينات، ولو لعدة أشهر، يعرف انها كانت في هذه الفترة زاخرة بالأنشطة الثقافية، حيث تقدم على مسارحها الفنية الراقية عروض مسرحية رفيعة المستوى، وتقام على قاعات الفنون التشكيلية فيها، معارض لرواد الإتجاهات الفنية ولفنانين شباب تجريبيين، كما أن موسكو غنية بمعالمها الحضارية ورموزها الثقافية . لا أثر لكل هذا في يوميات طالب دكتوراه في التأريخ . فقد توارت اهتمامات الراوي الثقافية والعلمية، ولا توجد أي إشارة حتى الى ما كان يدور في أروقة المعهد، ولا أي إهتمام بالتأريخ، بل إننا لا نعرف حتى عنوان رسالته العلمية، ولم يعد يبحث في عاصمة هائلة ومعقدة مثل موسكو، سوى ما يشبع هوسه الجنسي، حيث حوّل هذه المدينة العظيمة الجميلة الى " ماخور"، فهو لا يري في زميلاته الطالبات أو في صفوف النساء في المدينة سوى مومسات رخيصات .

الحب والجنس في موسكو

لم تكن ثمة في موسكو في الحقبة السوفيتية ما يسمى بحياة الليل، فقد كانت كل المطاعم والمقاهي والبارات تطفيء أنوارها وتغلق أبوابها في الحادية عشرة مساءً . يفال ان سائحا غربيا استوقف رجلا من موسكو وسأله : أين أقرب كابريه ؟ فأجابه الرجل : في هلسنكي . وقد زار الكاتب والناقد الراحل د.لويس عوض روسيا في عام 1971 أي في السنة ذاتها التي التحق فيها الراوي بمعهد التأريخ في موسكو. يقول عوض في كتابه " رحلة الشرق والغرب: " أربعة عشر يوما قضيتها في روسيا بين موسكو ولينينغراد وبعض الريف . لم أر فيها متعطلا او شحاذا او رجلا او امرأة في أسمال أو بغيّا تنساب بيت مصابيح الشوارع . ولا شك أن هناك نماذج من من هؤلاء  وأولئك، ولكنها نادرة لا تراها الا العين المترصدة، ولم أر مخمورا رغم شهرة الروس في قريعة الفودكا " .

بالطبع كان هناك جنس في روسيا كأي بلد آخر في العالم . ولكن الغالب على العلاقات العاطفية بين الجنسين كان الحب الحقيقي المتبادل . كان النظام السوفيتي متزمتاً جداً، لا مشاهد قبلات في الأفلام أو في العروض المسرحية، ولا أي وصف صريح للعلاقات الحميمة بين الجنسين في الروايات . وكان ثمة حذر من الأجانب زرعه النظام في النفوس . ولم يكن من السهل ان يقيم الطالب الأجنبي علاقة حميمة مع طالبة سوفيتية رزينة، الا بعد لقاءات عديدة حيث يتعرف كل منهما على الآخر جيدا،وينشأ بينهما علاقة حب، لذا فإن إيفانوفا قالت عين الحقيقة .

غالبية النساء السوفيتيات كن محتشمات في ملابسن وسلوكهن، وهذا لا يعني عدم وجود البغاء أو النساء المنحرفات، ولكن الدولة كانت تحارب مثل هذه الظواهر بشدة وقسوة.

المرأة السوفيتية بالأمس والروسية اليوم تتمتع بكامل حقوقها اسوة بالرجل .ولكن النظرة الشبقية المتخلفة الى المرأة كوعاء ولعبة للرجل لا تقتصر على المتزمتين في بلادنا، بل تشمل – ويا للمفارقة – بعض الكتّاب الرائجين .

 

جودت هوشيار

 

ضياء نافعصدرت هذه الرواية عام 2016 في القاهرة بترجمة عن الروسية مباشرة، والتي قام بها الاستاذ الدكتور محمد نصر الدين الجبالي – رئيس قسم اللغة الروسية في كلية الالسن بجامعة عين شمس المصرية الشهيرة . تقع الرواية في (261) صفحة من القطع الكبير، وهي من تأليف الكاتبة الروسية المعاصرة يلينا تشيجوفا (ولدت عام 1957 في مدينة بطرسبورغ)، والرواية هذه هي اول عمل ابداعي لها ينشر بالعربية، وقد صدرت الرواية عن الهيئة المصرية للكتاب ضمن (سلسلة الجوائز)، وهي سلسلة تعنى بترجمة الاعمال الادبية الحاصلة على جوائز من محتلف اللغات . لقد بدأت بقراءة رواية (زمن النساء) صباحا، وانهيتها مساء، وبعد الانتهاء من القراءة خنقني الحزن، اذ ان هذه الرواية كانت تدور حول نفس ذلك الزمن، الذي كنت انا فيه ايضا في موسكو، وتذكرت طبعا كل الاحداث التي عشناها في فترة الستينات، عندما كنّا نقلّي البطاطا بعد عملية تقشيرها مثل هؤلاء النساء في تلك الرواية، من اجل ان نتناول العشاء (الفاخر اللذيذ !)، وكنّا نغسل ملابسنا بايدينا ونغليها بسطل خاص بعض الاحيان في المطبخ مثل ابطال تلك الرواية، وكنّا نقف بالطابور وقتا طويلا جدا لشراء اللوازم الضرورية مثل ابطال تلك الرواية، وكنّا نقرأ الشعارات المعلقة في كل مكان عن المستقبل الوضّاء الذي ينتظره ذاك الجيل، الذي سيعيش في ظل النظام الذي سيأتي قريبا، حيث سيأخذ كل مواطن فيه ما يريد حسب حاجته ورغبته، ويمنح المجتمع كل ما يستطيع حسب طاقته وقدرته الذاتية دون اي رقابة من الآخرين، اذ ستختفي حتى الدولة نفسها !!!.

وتذكرت ما كتبه الشاعر العراقي احمد الصافي النجفي عندما عاد الى مدينته الحبيبة بغداد وهو اعمى (بعد سنوات طويلة من الغربة عنها) وقال بيت الشعر الذي ذهب مثلا وهو – (يا عودة للدار ما أقساها ++ اسمع بغداد ولا أراها).

لقد عدت أنا ايضا (اثناء قراءة صفحات تلك الرواية) الى مرحلة شبابي قبل اكثر من خمسين عاما، عندما كنت طالبا في موسكو، وكنت (اسمع!) مثل احمد الصافي، موسكو، ولا اراها، ولكني رأيتها فعلا على صفحات رواية (زمن النساء)، عندما كانت النساء يقشرن البطاطا ويقلونها لتناول العشاء، وعندما كانت النساء يغسلن الملابس باليد، او يغلونها في سطل خاص في المطبخ، وعندما كنّ يقفن بالطابور عدة ساعات للحصول على الطعام، وكيف كنّ يخفتن اصواتهن عندما يتكلمن خوفا من الوشايات وكتابة التقارير، وعندما كنّ يستمعن الى نشرات الاخبار الموجهة في جهاز التلفزيون، الذي حصلن عليه بعد اللتي واللتيا وبالاقساط ...

الرواية تسير بهدوء، واحداثها بسيطة للغاية، فهي تدور حول حياة ومصير ثلاث من السيدات العجائز مع طفلة بكماء ولدت نتيجة علاقة خداع قام بها رجل مع بطلة الرواية انطونينا ولاذ بالفرار، وتموت الام بمرض السرطان وتترك ابنتها في رعاية تلك السيدات الثلاث، اذ انها لا تريد لها ان تذهب الى حضانات الدولة وهي بهذه العاهة وذاك التاريخ غير الشرعي المعيب. وتتمحور كل الرواية في الحياة اليومية لمجموعة النساء، وهي الحياة السوفيتية في الستينات، والتي لا يفهمها ولا يتصورها على حقيقتها الا الذين عاشوها فعلا، هذه الحياة المليئة بالصعوبات الانسانية، والتي ترسمها كاتبة الرواية – وبمهارة وموهبة - عبر تلك المعاناة اليومية الصغيرة . ولا يمكن لي ان اكتب خلاصة او مضمونا وجيزا لهذه الرواية سوى القول، ان القارئ الذي يريد ان يعرف كنه الحياة السوفيتية في النصف الثاني من القرن العشرين، عليه ان يقرأ هذه الرواية البسيطة والعميقة والرائعة بكل ما تعني هذه الكلمات .

ختاما، اريد ان احيي مترجم الرواية أ.د. محمد نصر الدين الجبالي على هذا العمل الترجمي الممتاز،اذ استطاع فيه ان يصل الى المستوى الذي يحلم ان يصل اليه كل مترجم حقيقي وأصيل، وهو ان يمنح للقارئ نصا عربيا سليما، بحيث لا يشعر القارئ بانه يقرأ نصا مترجما، ولولا بعض المفردات الروسية البحتة (والتي وضّحها المترجم بهوامش دقيقة)، فان القارئ – اكرر- لا يشعر بان هذا العمل الابداعي الجميل كان مكتوبا باللغة الروسية . اضافة الى ذلك، فاني اريد ان احييه ايضا على تلك المقدمة العلمية والموضوعية والشاملة حول الادب الروسي المعاصر وكل السمات التي يمتاز بها هذا الادب الجديد (وهي سمات وصفات جديدة كليّا بالنسبة للقارئ العربي المعاصر)، والتي كتبها الجبالي من الصفحة رقم (7) الى الصفحة رقم(15)، والتي يمكن تسميتها ببحث علمي واضح المعالم . واخيرا، اريد اشير الى اني وجدت بعض المقاطع في تلك الرواية وكأنها مقاطع من الشعر (وهي طبعا تأكيد رائع لموهبة المترجم)، واختتم هذا العرض بمقطع من تلك المقاطع التي تمتاز بهذه الروح الشاعرية –

(الذكرى الاولى من طفولتي – الجليد .. باب كبير وفرس نحيل أبيض، وأنا وجداتي نمضي متثاقلات خلف عربة أحصنة . الحصان ضخم، ولكن متسخ لسبب ما، وهناك ايضا جرافات طويلة تنخر في الثلج المتراكم، وثمة شئ ما داكن يتمدد في العربة . تقول جداتي انه نعش . أعرف هذه الكلمة، لكني أ تعجب من ذلك، لأن النعش في نظري يجب ان يكون شفافا ومصنوعا من الزجاج، حتى يمكن للجميع أن يروا امي وهي نائمة، ثم يرونها عندما تصحو بعد قليل . أعرف ذلك لكني لا أستطيع التعبير..)

 

أ. د. ضياء نافع

 

627 اوراق فارغةالإفصاح عن ما يجول بخجلات النفس من إرهاصات تتصاعد وتيرتها على مر الزمن بدخول المتلقي والمتتبع إلى معترك أخر غير الذي خرج منه بالأمس، هذا الإفصاح يختزل صوراً بضميرها الوجداني ويعرضها بشكل صور معانات تتنامى بهيئة الحلم الذي يفكر أو يكون محط التفكير للخروج من دوامة الأجواء المضطربة التي تتصاعد في هواجس الكاتب ليبلغ أجواء التمرد بإلحاح والمعاندة وفق شكل اللغة الناتجة عن تنامي خارطة كيانه بإنتقاله من الفرد الى الجمع ليعرض للآخرين ذاته المتأزمة وهكذا تتبلور لدى الكاتب لغة جديدة تولد مستعصية بعض الشيء ببساطتها الموغلة بالواقع والمباشرة متضمنه الكثير من الفعل الصوري المنطلق من موهبة قابلة للتطورالسريع .

رعد الكرعاوي: اسم يدخل دائرة الكتابة النثرية ببصمة واضحة ومستمرة بالأداء الدائم الذي يجمع بين التعبير والنص الذي تلهو به العواصف والبشر ويثار بينهما التساؤل اللامفضي، الكاتب رعد الكرعاوي أصدر كتابه الاول بعنوان أوراق فارغة نثر على فضاءات الفن الطبعة الاولى 2019 ضم اكثر من ثمانين نص راجعتها أكثر من مرة وقد كانت لي وقفه أوجزها في القراءة التالية :

مازالت هنالك تجربة وعشق مرير إذاً هناك أحزان رقيقة وناعمة ولكن ليست مريرة هناك إنعكاس جميل بالإفصاح عن المشاعر التي تستعرض هذه التجربة التي ستكون منهاجاً للعمل الجديد والخطوات الجديدة وسوف لن أدخر وسعاً وجهداً إلا وإستعرضت من خلاله الصور الفنية وعناصرها المفارقة والجهد الشعري والتوظيف والنص.

في ص 15: (فأنتِ انا وأنا بروحك الغاضبة فلك حكم لقمان وصورة يوسف ونغمة داوود وعفة مريم، ولي حزن يعقوب ووحشة يونس وآلام أيوب وحسرة آدم)

استخرج الكاتب عنصر جوهري في بنية النصوص الابداعية وتلقيها وكثف فاعلية اللغة وتماهيها .

في ص 18 وضمت نص (أكرهك لأنك تشبهينني أكرهك كثيراً) ثمة أسطر بمثابة قصة قصيرة جداً وهي (في غيابك تيممت برائحتك ورتلت فرائض عشقي حتى كسر احدنا الجرة، تلك التي كانت تحتوي مدخرات هائلة داخلها يعج بالسرية مطرزة بالجمال والحب والذكريات لا تمحى، ثم تصبح فيما بعد خزف حزين)

ثمة لغة سرد يشوبها العبث الذي ظل ملازماً لنصوص الكاتب وهي بمثابة عنصر من عناصر النص القصصي فهو يقول في (السهم المسموم) ص 19

(ما الذي أسقاك سهم العشق بكأس الحياة حتى سئمتِ الكتابة ؟ فأصبحت ترى حروفك كمدينة حل بها الحطام من الداخل لتملأها غضب وحزن وأمل ضائع وأمل وحنين) وجدانيات ومشاعر لها طعم الإستراحة عند التأويل لأغراض الحكمة لها دلالات تتكثف أحياناً أبعادها كل ذلك في النص الذي أخذ المنجز إسمه أوراق فارغة ص 22

(حتى المشاعر أحياناً تتغير حيث يحدث لك موقف صادم فإما أن تتقدم أو تجعلك تكتفي بنفسك)

إحتوى نص أوراق فارغة حرف الجر عن ثمانية عشر مرة قد تكرر ما يعكس أنها أوراق ليس فارغة كون التساؤل يأتي بعد حرف عن دائماً أنها أي النصوص حية ونشطة تتم عن وجود لا ينطفئ .

في ص 35 وضمن نص (صنوبرة عمري)

يخرج الكاتب من دائرة الضجر الذي ألم به وغربته، الملازمة له إلى عالم يعيد الثقة بالذاكرة الجمعية فيتوفر مع بذرات روحية لفعل إنبعاث مستقبلي في التعامل مع الحياة والآخرين فيدخل في حالة من الوعظ وفيها يذكر .

(فإياك والنظر للخلف فمن يرحل عنك فلك التهاني وله العزاء ومن يطعنك من الخلف دع الجرح يطيب وتماسك.. ومن يطعنك في القلب اخرج خنجره بيدك خبأه في الذاكرة وعد إليه كلما شعرت بالضعف أو زارك الحنين لتتذكر طعناتك وترفع رأسك وتتابع سيرك إحمل كرامتك كعرشك وإياك أن تحملها كنعشك ..

نص عقول مذبوحة بشفرات الأرواح ص 58 هذا النص له أبعاد فلسفية يستعرض الكاتب في متنه العلاقة بين الروح والعقل وهو يؤكد ان الروح أي العاطفة وإعتقادي جازم بقصده وَهْمٌ بالنسبة لمنطقية العقل بل ويجزم الكاتب أن مصيبته إجتماعهما أي العقل والعاطفة .

أخيراً أن الكاتب رعد الكرعاوي دخل دائرة الأدب من باب النصوص والكتابة النثرية وبنفس قادر على التصوير والتصور والتعبير لهموم الزمن ووجع الإنسان اليومي وأنا على ثقة أن أوراقه هذي متخمة بالحيوية والنشاط الإبداعي الكتابي وبلغة بسيطة مشحونة بالحياة .

 

 ساطع الجميلي

 

عند الاديب:عبد الرزاق عودة الغالبي

لقد شغل المعنى اهتمام الكثير من الباحثين والناقدين منذ القديم، فالمعنى هو ثمرة النص وفاكهة الكتابة، ومنجزها الحقيقي، والمعنى في النص هو ما يريد الكاتب أن يفهمه القارئ وما يفهمه المخاطب وليس ما يقوله، لأن القول في الرؤية الذرائعية هو القناة البسيطة الأولى لنقل المعنى وليس هو المعنى ذاته ، وبين هذا وذاك مساحة قد تكون شاسعة أم ضيقة حسب نوعية التأليف، وترتبط هذه المساحة بعمليتي التفسير والتأويل، وإذا كنا نرجع التفسير إلى الحقل السيمانتيكي حيث أنه يعتمد على المنطق والواقع في تفسير الكلام ويشتغل على مطابقة المستوى المعجمي للمستوى الدلالي، فإن التأويل هو البحث عن المعنى العميق خلف المعنى الظاهر، أي الانتقال من المعنى السطحي الذي لا يشغل اهتمام النظرية الذرائعية إلا بما ينقلها من السطحي إلى العميق والغائر والمتواري والخفي والخيالي والكذب، والتأويل ليس عملية بسيطة ، بل هي عملية عقلية معقدة تتطلب تحويل الكلام من شكله اللساني الصرف إلى شكله التواصلي أي تداولية المعنى لا الكلام، وهو مرتبط بالعديد من الأنظمة والوحدات، وإذا عدنا إلى الآية الكريمة: (لا يعلم تأويله إلا الراسخون في العلم) يتأكد لنا أن البحث عن المعنى الحقيقي وتأويله يلزم الرسوخ والمقدرة والعلم وهذا ما ينفي الكذب والخيال عن النص القرآني لكنه يتصدر بإعجازه إذ إنه يحتمل معان مؤجلة وأنه ليس كلاما عاديا فيفهم من القراءة الأولى غالبا، لذلك اختص فهمه وتأويله بالعلماء، ولكن ماذا عن المعنى في النص الأدبي؟

لقد آمن المفكر عبد الرزاق عودة الغالبي أن لكل علم راسخون وأن النقد ليس انطباعيا ولا إنشائيا إنما هو علم، لكنه اصدم بحقيقة أن الأدب فن وخيال وما ارتباطه بالعلم والواقع إلا على قدر ما يجعله خطابا عرابا للمجتمع وللعالم ، وهنا نتساءل كيف تملص المفكر من الانتقاد القائل بأنه كيف يطوف العلم الفن على اختلاف طبيعة كل منهما قد يبدو الأمر هرطقة فارغة لا صلة لها بالممارسة، ولكن الدارس للذرائعية يجد الجواب الكافي الشافي والمنطقي، إذ إن علمنة النقد على مستوى الإنشاء وليس على مستوى الإطلاق، وقد حاول الدكتور في نظريته الذرائعية أن يصل إلى نموذج يكون راسخا في النقد إذا ما تعلق الأمر بالعملية النقدية والقارئ إذا كان الحديث عن التواصل بين مخاطب ومتلقي أو مخَاطب، منتقلا بالنقد من الإنشائية الفارغة إلى العلمية على جميع المستويات وعلى رأسها المستوى العميق،  وأكد الغالبي أن انتقال المعنى من المستوى السطحي إلى العميق يمر عبر مراحل أو آليات وأن هذه المراحل تشكل ما أسماها اصطلاحا بالفسحة أو الهوة الإيحائية الذرائعية Inspiration Gap

ولكي يصل الناقد إلى المستوى العميق ، فإنه يتوجب عليه أن يدرك جيدا طبيعة هذه الفسحة ،ووحداتها الإدراكية ، وهو حين ذاك لا يدرك المعنى فقط بل يدرك طبيعة تشكل المعنى وهذا هو أرقى درجات النقد العلمي، فالناقد الذرائعي يوصف يؤول وينقد ذرائعيا . فما هي الفسحة أو الهوة الإيحائية؟

الفسحة الإيحائية يقصد بها تلك المساحة التي تفصل المعنى الأصلي عن المعنى المراد في الخطاب، أي انتقال المعنى من اللغة العادية إلى اللغة الفوقية، ويرى الدكتور بأن هذه الفسحة هي قلب الذرائعية النابض، لأنها تدخل في التواصل من جهة ولأنها من صميم الأدب، فالأدب كما يقول الدكتور يتبنى الخيال كما يتبنى العلم الواقع، ولكن المعنى لا ينشأ دفعة واحدة، فالفكرة تسبق الإنشاء، والفكرة تسبق اللغة ولذلك فإن مرحلية الإنشاء ترتبط بمدخلات الدماغ وخبراته وتجاربه الذاتية والإنشائية تتم عبر عدة وحدات إدراكية هي كما قدمها الدكتور على التتابع:

- اللغة الرديفة (discourse language): وهي اللغة التي تعتلي اللغة العادية وهي لا تتخذ من التراكيب اللفظية والتجاور المعجمي إلا تعبيرا ثانويا يفترض إحالة إلى معان أعمق، وهي ما يتوصل إليها بدراسة المستوى التداولي الذي يبحث في السياق وفي طبيعة المتكلم والمخاطب، وطبيعة اللغة المستعملة التي يخرجها التداول من المستوى الدلالي إلى المستوى الإيمائي، وينتقد الدكتور أولئك الذين يقرنون اللغة العادية بالخطاب مؤكدا أنها لغة كاملة لها أنظمتها المتعلقة بنظم اجتماعية ونفسية يقول :" وقد عرفت اللغة الرديفة تعاريف كثيرة أبعدتها عن معناها الحقيقي، وواجبها الفسيولوجي والبايلوجي الأساسي، حين قرنوها بالخطاب وتحليله، وهي ليست خطابًا، بل لغة كاملة فوق اللغة العادية، ولها عملياتها الفسيولوجية الداخلية والخارجية ونظامها التركيبي ونظامها الذرائعي في المعنى، وتتناول التضمين وتجهيزه لإعطاء تأويل مناسب...."

- التضمين (connotation): يفرق الدكتور عبد الرزاق بين مصطلحين، مصطلح ستاتيكي الذي يقر ثبات المعنى بعد انتهاء المفعول السيمانتيكي، أي المفعول المعجمي، وهذا حسب الدكتور وقوف عند حد المنطق والواقع وهو ليس من اهتمامات الذرائعية إلا بقدر ما تنقله للمستوى العميق، وهذا المفعول يقف عند اللغة العادية، اللغة العلمية التي لا تتجاوز التلفظ أو اللسانيات الصرفة، وهناك مصطلح التضمين (connotation)، أو المعنى المضمر، وهو يتجاوز الدلالة إلى المعاني الؤجلة التي يحتضنها السياق التواصلي والتداولي ، وينطلق هذا المعنى عند حدود المفهوم بعد نفاذ المفعول السيمانتيكي.

- التأويل (interpretation) ومنها يرحّل المعنى أو المدلول المشار إليه إلى مرحلة تقرير تطابق المعنى بين المعنى الحقيقي وتطابقه مع نوايا المتحدثين. والتأويل ليس التفسير، فالتأويل هو بحث عن المعاني المضمرة المؤجلة والتفسير بحث في الدلالة المعجمية، ووقوف عند الواقع، لذلك فإن التأويل من اهتمامات الذرائعية عكس التفسير،

- التحويل (changing) من لغة الإخبار السيمانتيكي الدلالي إلى لغة التأويل الإيحائي الذرائعي.

التطابق (meaning match): وهو تطابق النوايا بين المتكلم والمخاطب، والظفر بالمعنى الأصلي الذي قصده المؤلف من خلال عملية التأويل النهائية التي تفصل اللغة الرديفة عن اللغة العادية. لأن الأولى تتميز بالديناميكية والامتداد والاتساع فهي تتحرك في أفق النص لتقدم لنا في كل مرة دلالات جديدة تخدم السياق والمعنى الكلي للنص. فيفترض المؤول أنه بلغ المنتهى في النص لكن قارئا آخر يأتي ليستنبط الأكثر عمقا وكله من نوايا المؤلف وكله صحيح مادام تحت مشروع تأويل صحيح المقدمات، وسواء دلت المعجمية على دلالتها المنطقية وتمركزت حول الصوت، أم تجاوزتها للغة الرديفة فإن على الناقد أن يركز على اللغة المكتوبة أكثر من الدالة الملفوظية، لكونها صناعة لغوية مدروسة ومحبوكة مسبقا، <<وهي التي تقر معناها الموجه من قبل صانع النص، بالرغم من الاختلاف الذي تعكسه تلك الدلالات بشكل متعدد، لكون هذا التعدد يشكل نوعية وديناميكية إنجازية للغة الأدبية، فالتواصل في سياقاته المتنوعة يستند إلى التغذية الراجعة feed back عندما يحدث سوء الاستقبال أو الاستيعاب أو التشويش أو الانحراف الانزياحي وتلك التغذية تأتيه أما من المخزون الداخلي أو من تجليات النص..>>(1)

- المفهوم (concept)، عندما يستقبل الدماغ مادة معرفية خارجية وتمر بمراحل الإدراك تتقرر في الذهن كمفهوم مخزن يستعيده العقل كلما احتاجه حيث يصبح مخزونا ومكتسبا وتجربة تم استيعابها.وكذلك الأمر بالنسبة للمعاني . فإنه متى يستقر معناها فهو مفهوم ويرجع حينها إلى منطق التفسير، يقول عودة: "وقد أدركت أن المفهوم من خلال الدلالة التي تشير نحو مدلول، والمدلول يشير نحو معنى، والمعنى يشير نحو مفهوم، إذًا المفهوم يستقرّ في نهاية المطاف، وهو الذي يحدّد استقرار المعنى بجينات لغوية ثابتة لا يخرج عنها"، وهنا تظهر دائرية البحث عن المعنى، وهو ذرائعيا بحث عن الاستحداث والابتكار وهي فسحة الفسحة في الذرائعية، وهذا ما يغفل عنه الكثير من المفسرين والباحثين في النظرية الذرائعية، التي تنادي بتحديث مستمر للمادة الأدبية، فالمفاهيم تحشد في منطقة الخيالي لتولد أخرى أوسع فسحة، وبالتالي ديمومة الإبداع وتوالده من ذاته، وهي نقطة سأكرز عليها في مقال لا حق بإذن الله.

علاقة المستوى العميق بالقارئ والناقد:

هناك إذا دائما فسحة بين التركيب الظاهري للألفاظ وبين الدلالة وبين المعنى وبين معنى المعنى، وهذه الفسحة هي التي يتحدث عنها الدكتور عبد الرزاق عند حديثه عن المستوى العميق، لكن ما سنتطرأ إليه هنا هو مرحلية الإنشاء، ومرحلية التفسير ومرحلية التأويل، وارتباطها بمدخلات الدماغ وخبراته ومفاهيمه الراسخة، فالإنسان لا يفسر ولا يأول إلا بالاستعانة بخبراته وتجاربه، لذلك يختلف تلقي نص من قارئ لآخر، لكن في هذه الحالة سنتصادم مع ذاتية التفسير أو التأويل، لذلك لم يغفل الدكتور في مجلده الحديث عن الانطباعية ومقابلة الانطباع بالذوق ، حيث إن تذوق النص تخضع لمثيرات لها صلة بتلقي المستوى العميق، وبدراسة النص ككل، (2)

فكان يبحث عن النموذج الذي يكشف ويتتبع مرحلية الإنشاء ومرحلية التأويل هي التي توصلنا دائما إلى علمية الذرائعية، ومن نبوغ المفكر أنه استهل ببؤرة ثابتة، فتحديد البؤرة الثابثة في النص هو تحديد للمركز وتأطير لعملية التفسير وهنا يبتعد المتلقي أو الناقد عن ذاتيته، حيث يضطر إلى استدعاء منظومات فكرية جديدة تؤهله لمكافأة الكاتب حالة العوز، ومكافأة النص، لكننا نحتاج دائما للوصول إلى المركز الانتقال عبر الضواحي، أي الأجزاء ثم الانتقال من الجزء إلى المركز، هذا التحليل أو التفكيك للنص ليس تفكيكا للنص من باب داريدي الذي رفض الإحالة ونادى بالعدمية وموت النص والمؤلف، بل هو تحليل وتفكيك من أجل بناء النص مرة أخرى بعد أن يتم استيعابه شكلا ومضمونا، وهذا ينطلق من الوعي بالإحالة والمركزية في النص

- الوعي والنص والمستوى العميق:

إذا كان النص هو خلاصة وعي معين تجاه ظاهرة معينة، فإن هذا الوعي لا يكتب خارج العالم، وهذا معناه أن القارئ لا ينطلق إلا من وعيه بالظاهرة وبوعيه بها، ودرجة استجابته لها وتأثره بها ، وفي هذا

يقول ميرلوبونتي :<<نظرية الظواهر ترتبط ارتباطا مباشرا بوعي الذات، فهو ليس حقيقة خارجية خالصة ولا عملا عقليا صرفا>>

مؤكدا أنه أنه لا فكر خارج العالم، أو خارج الكلمات،(3)

وإذا كنا لا نتفق مع ميرلوبونتي في ما ذهب إليه من حيث ارتباط الفكر بالكلمات، حيث إنه يمكن للإنسان أن يبتكر طرق عديدة للتعبير عن الفكر، إلا أننا نتفق معه إلى أبعد حد في قوله لا فكر خارج العالم، ذلك أن جميع الخبرات الإنسانية مصدرها احتكاك الإنسان بعالمه ، وبمنجزات الماضي والحاضر فيه ، ولذلك فإن عملية تفكيك الكلام للوصول إلى المعنى الأصلي هو انطلاق من الوعي نحو تفسير وتأويل الكلام، وقد أكد علماء النفس والاجتماع أن الإنسان يفسر الكثير من الظواهر رجوعا إلى خبراته وتجاربه الذاتية والشخصية، فالإنسان المغترب يسيقرأ الغربة في أي نص، والإنسان العاشق سيقرأ الجمال في أي نص، ولعل هذا ما يحيل إليه قول الشاعر "كن جميلا ترى الوجود جميلا" ولذلك فقد كان لزاما على الناقد أن يستند في تلقيه النص على مجموعة من المداخل العلمية التي تؤطر عملية التحويل ومطاردة المعنى الخفي الحقيقي، انطلاقا من مركز أي أن عملية التأويل تتخذ شكلا دائريا حركيا ديناميكيا ، وإذا كان ديلثاي

قد توصل أثناء شرحه لنظرية التأويل إلى ما أسماه "الحلقة الهيرمنيوطقية" ومفادها: كي نفهم أجزاء أي وحدة لغوية لا بد أن نتعامل مع هذه الأجزاء وعندنا حس مسبق بالمعنى الكلي ، لكننا لا نعرف المعنى الكلي إلا من خلال معرفة مكونات أجزائه(4)

فإنه لم يفت المفكر عبد الرزاق أن يستهل بالبؤرة التي تحيل مباشرة للحس الكلي المسبق، وبهذا يؤطر تجربة تلقي النص مبتعدا عن الانزياح والانحراف الذي ينتج عن الانطباعية واللامنهجية...ومن ثمة تنظيم هذا التفكيك عن طريق استرجاع تجربة الكتابة ، في ظل مبدأ المكافأة، ولعل أقرب طرح يتناول مبحث الاستعادة هو الطرح الظاهري الذي قدمه هايدغير وغادامير في التأويلية ، فالفهم الحقيقي للأدب والنصوص الإنسانية الأخرى يتأسس على استعادة القارئ للتجربة (التجربة الداخلية) التي يعبر عنها النص، أما غادامير فقد أكد على ضرورة اتباع قواعد التأويل الصحيح التي تجنب سوء الفهم، رابطا الفهم الصحيح بالتجربة الكلية للإنسان، (5)

ووعي الدكتور عودة الغالبي بمبدأ المكافأة والاستعادة جعله يعزز عملية الدراسة بمداخل أخلاقية وسلوكية وعقلانية مؤكدا على استدعاء الذات الكاتبة، وعدم إلغاءها لأنها تشكل المفتاح الأساسي لتجربة تأويلية مطابقة لنوايا الكاتب والوصول الصحيح إلى أعمق نقطة في النص وهذا أيضا يحسب للمفكر في تأثيث النظرية في هذا المستوى بالعلمية والموضوعية.

المستوى العميق والنص الأدبي:

الخيال هو هوية الأدب وجنسيته، والخيال في النص الأدبي هو بلاغة وجمال ورمزية، ولعل أهم ما يفصل النص الأدبي عن أي نص آخر هو نمطه التعبيري الذي يعتمد الخيال والانزياح اللذين يشكلان المسافة بين الواقع واللاواقع ، ومتى فقد النص هذا التشكل الجمالي فقد قيمته الأدبية وانزاح ناحية العلمي، وبالتالي فقد الهوية وفقد الإمتاع، ولذلك فإن الكاتب يبحث دائما عن مد الفسحة أو تعميق الهوة حتى يجد القارئ المتعة في القراءة والمتعة في التأويل موفرا الأدبية، فمطاردة المعنى متعبة لكنه تعب لذيذ، ممتع يستغرق فيه الكاتب حتى ينفصل عن ذاته وينغمس في الكتابة، الكتابة الثانية التي تحوصل المعاني المضمرة، وإذا كان "الرمز هو أصل التأويل، فإنه يرتبط بمتعة البحث عما هو يختفي وراء الظاهر للعيان" (6)

أما الفسحة التي تصنعها الهوة أو الفسحة الإيحائية فهي جوهر العلاقة بين الكاتب والنص واللعبة المشتركة، فاللعب يتم حول مركز لا ينبغي لهما هدمه بأي حال من الأحوال، وهو ما يصنع دينامية الكتابة ودينامية التلقي على السواء.

خاتمة:

وأخيرا وليس آخرا نخلص أن الرؤية الذرائعية في مستوياتها المختلفة تقتنص الشرعية للممارسة النقدية واحتواء النص الأدبي مرورا بالمستوى السطحي وصولا إلى المستوى العميق تشكيلا ومعنى، وأن البحث في المستوى العميق وتتبع تشكلات وتمددات الفسحة هي من صميم النظرية الذرائعية من جهة ومن صميم النقد الأدبي من جهة أخرى مادام هذا المستوى يصب في طبيعة الجنس وهوية النص وكذلك معانيه المؤجلة.

 

عقيلة مراجي

.....................

الهوامش:

(1) عبد الرزاق عودة الغالبي، الذرائعية في التطبيق، (طبعة منقحة)، ص125

(2) ينظر الذرائعية في التطبيق، طبعة منقحة، تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي، تطبيق عبير يحيى، ص 113.

(3) ميرلوبونتي، نقلا عن علي محمد يوسف، وعي الذات في التفكير الفلسفي، صحيفة المثقف، ع4498،2018

(4) ميجان الرويلي وسعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، ص89

(5) نصر حامد أبو زيد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص30

(6) سعيد بنكراد: سيرورات التأويل من الهرموسية إلى السميائيات، ص12

المصادر

حامد أبو زيد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء، ط 1،2013.

سعيد بنكراد: سيرورات التأويل من الهرموسية إلى السميائيات، منشورات الاختلاف الدار العربية للعلوم ناشرون، دار الأمان، الرباط، ط 1، 2012

عبد الرزاق عودة الغالبي، النظرية في التطبيق، (طبغة منقحة)تطبيق عبير يحيى، دار الكتب المصرية

ميجان الرويلي وسعد البازعي: دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء، ط 1، 2003

نصر حامد أبو زيد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، ط1، 2003

 

 

البحث عن قالب مسرحيّ عربيّ، مختلف ومغاير عن مسرح الآخر/الغرب، أدى إلى ظهور تنظيرات وبيانات تسعى إلى البحث عن هوية المسرح العربي، مسرح يستمد أصالته من التراث، ويحافظ على بعض القوانين الأرسطية للمسرح، يصبو للحفاظ على الكينونة العربية الإسلامية، وفى نفس المسار، يحاول الإجابة عن تساؤلات تتعلق بالقضايا الاجتماعية والحاجة إلى النهضة والتقدم، وفي هذا السياق توالت الأعمال المسرحية، حيث قدم ألفريد فرج "النار والزيتون"، وقدم عبد الرحمن الشرقاوى "وطني عكا"، ومعين بسيسو "ثورة الزنج"، وسعد الدين وهبة "المسامير" و"يا سلام سلم الحيطة بتتكلم" و"رأس العش"، وغيرهم كثير، وهنا نجد، مثلا، أن عبد الرحمان الشرقاوي اتخذ من شخصية الحسين بن علي بطلاً دراميا معبراً عن حرقة الحاضر/المظلم من خلال مسرحيتيه "الحسين ثائراً" و"الحسين شهيداً". لقد كانت شخصية الحسين، شخصية ثائرة، لذلك وجد فيها بعض المسرحيين ضالتهم في معالجة قضايا العصر، فها هو محمد علي الخفاجي يستحضره في "ثانية يجيء الحسين"، ويستحضره محمد عفيفي في "هكذا تكلم الحسين"، إنها رؤية برغماتية لتوظيف التراث في المسرح، برغماتية تستند إلى إيديولوجيا المرحلة التاريخية.

والملاحظ من خلال عناوين هذه المسرحيات، أنها قدمت في سياق تاريخي متأزم، وفي جو مشحون بالغضب إثر الهزائم التي منيت بها الدول العربية، وما يميز شخصياتها أنها متمردة ثائرة، عكس مجمل شخصيات مرحلة التأسيس، كرد فعل لحالة الهزائم التى أصابت المجتمعات العربية فى تلك الفترة العصيبة، إنه تعاط مختلف مع التراث، تعاط يتجاوز ماضي السلطة وحاضرها، وإلى الانتفاضة والثورة على الثقافة الكلاسيكية السائدة، وبالتالي فإنه رفض ضمنيّ للسلطة القائمة، بمفهوم السلطة الواسع، السلطة الإدارية والدينية والثقافية والاقتصادية.. وبهذا النوع من المسرحيات، لم يعد، في نظرنا، التراث محنطا وساكنا، إنه فعل مستمر في الزمان والمكان، وهذا ما منح التراث حيوية وتجددا، غاب في مرحلة الاستعمار، تعاط يجسد أيضا مواجهة الواقع الجديد الذي استفاقت عليه الأمة العربية.

وللحديث عن نزعة تجديد التفاعل بين المسرح والموروث الثقافي، منذ منتصف القرن العشرين، سنبرز ذلك من خلال الاحتفالية والمسرح السياسيّ، مركزين على عبد الكريم برشيد في النظرية الأولى، وسعد الله ونوس في الثانية، لأنهما وظفا التراث من أجل التعامل مع القضايا الاجتماعية، إنها رؤية برغماتية للتراث، تشكل بؤرة لتقاطع التيار السلفي واللبرالي، ومن خلالها طرحت أسئلة على ما يمكن أن يكون عليه المسرح، لذلك دعا رائد الاحتفالية في كتابه الأخير إلى "الاحتفالية المستقبلية".

الاحتفالية: فلسفة التجاذب بين الحاضر والماضي

أولى عبد الكريم برشيد أهمية كبيرة للتراث، سواء على مستوى التنظير أم على مستوى الكتابة الإبداعية، حيث وظفه بأنواعه المختلفة، الإنسانيّ والأدبيّ والشعبيّ والأسطوريّ، لإضفاء نوع من الخصوصية على المسرح العربي والمغربي، إنه صورة أخرى للتأصيل في إطار ثنائية الأنا والآخر، وهو على أي حال، لا ينكر أخذه عن التجربة المسرحية الغربية، وتأثره ببعض تياراتها، الاحتفالية بهذا المعنى، تحقق للأصالة والمعاصرة بشكل من الأشكال، بحث آخر عن هوية المسرح العربي شكلا ومضمونا بالعودة إلى التراث والانفتاح على المسرح الغربي.

تقوم الاحتفالية على استلهام التراث باختلافه وتنوعه، وما يميزها أنها ترى التراث "ذاكرة حية، وفي هذه الذاكرة الجماعية نخبئ إرثنا الثقافي والفكري والفني فيها"[1]. وإضفاء صفة الحياة على التراث، يقابلها ما كان عليه المسرح في مرحلة التأسيس أو الاستعمار (الموت/ الجماد/ السكون)، وبهذا تميز تعامل عبد الكريم برشيد مع التراث، إنه بحث عن نص غائب من خلال التفاعل بين الحاضر والماضي، نص يعكس رؤية فنية وجمالية تراثية، تستجلي هموم الإنسان البسيط، ففي مسرحيته "ابن الرومي في مدن الصفيح"، فشل النموذج الأول في التعامل مع التراث من خلال شخصية ابن دانيال، الذي اعتلى خشبة المسرح يسرد الحكايات القديمة دون مراعاة المشاهدين، فانشغلوا عنه باللعب، قبل أن تتدخل ابنته دانيازاد، لتنبهه بأن ما يحتاجون إليه هو التطرق لقضايا عصرهم، وسرد هموم الناس، وهو انتقاد صريح للتعامل السلبي مع التراث، أو الرؤية السلفية للتراث التي تغلف الحاضر بالماضي.

إن برشيد في طرحه النظري والإبداعي[2]، يحاول تأسيس وعي بأهمية التراث في حفظ الهوية الثقافية لشعوب دول العالم الثالث، وهو الفعل الذي بوأ هذه النظرية مكانة كبيرة في العالمين، العربي والإسلامي، خصوصا بعد استشعار خطر العولمة والتثاقف والأسلبة، ومنه، تكون شعرية برشيد مبنية بشكل كبير على التراث، إذ يتضاعف توظيفه فوق خشبة المسرح من منظور سيميائي ليخلق نوعا من الجمالية الأصيلة، المرتبطة بالهوية والخصوصية الثقافية، سواء كان مضمونا أم رقصا أم أغاني شعبية أم أشكالا فرجوية كالحلقة وغيرها، غير أن نظرته للتراث مختلفة بشكل كبير عما كان سائدا، فلا معنى لكل هذا التراث إن لم يكن من أجل التغيير، من أجل تحقيق الممكن.

وبهذا المعنى، أصبحت علاقة الاحتفالية بالتراث علاقة انصهار وتجاذب، حيث يصير المسرحيّ والتراثيّ في قالب احتفالي يرمي الوصول إلى النص الغائب، تجاوز الكائن إلى ما يجب أن يكون، نص فرجوي يحمي خصوصية الشعوب وهويتها من الحداثة المقلدة حسب تعبير طه عبد الرحمان، بل "أكدت العديد من الدراسات الجامعية والنقدية التي أنجزت حول مسرح برشيد، خلال العقود الثلاثة الماضية، أن هذا المسرح قد وجد هويته، ترك للتراث الشعبي، وللتراث العربي المدون، حرية السيطرة على الشكل المسرحي وعلى مضمونه، وذلك خارج شروط اللعبة المسرحية وخارج قوانينها الغربية "الأرسطية" و"البرشتية" فجاءت كتاباته، تراثية الشكل، وتراثية المضمون، احتفالية الاتجاه والرؤى"[3]، إنها رؤية حداثية تتضمن رؤيته للعالم، تنبني أساسا على علاقة الاحتفالية بالتراث، دافعُها المحافظة على الخصوصية الثقافية، ولكن في ظل الانفتاح على قضايا العصر، إنها رؤية وسط بين التأصيل والمثاقفة، غير أن الركن الأول في تصور برشيد كان محط انتقاد حاد في الدراسات النقدية المسرحية، لكون "المسرح الأوربي الذي اعتمد على ثقافات الشرق مسرحا متوهجا، ولم يتهم بأنه مستلب أو غير طبيعي لأن أوربا تجاوزت الرؤية المرضية للخصوصية، وهي الرؤية التي تسوق لها الاحتفالية بشكل مرضي وهستيري"[4]. وبالرغم من أننا نرى عكس ما ذهب إليه سعيد الناجي، لأن التراث في الاحتفالية متجدد، خرج من دائرة التحنيط، وأصبح معطى للقراءة والتأويل مستفيدا كما قلنا سابقا من الغرب نفسه، لأن "المسرح الاحتفالي في بحثه عن الخصوصية لم يقطع كل خيوطه مع الغرب، فهو يؤمن بأن الآخر جزء أساسي من مكونات الذات، من هنا كان التمييز بين التبعية وبين التثاقف الفكري والفني"[5].

ولعل في رأي سعيد الناجي جانبا من الصواب فيما يتعلق بالتنظير؛ لأن الارتكان إلى التراث والتاريخ والتغني به، بغية الحفاظ على الخصوصية المغربية أو العربية، قد يجعل جيلا أو جيلن يسكنون إلى الماضي، معرضين عن الحاضر والمستقبل، أو يعيشون الحاضر في الماضي، وهنا تكمن خطورة التعامل مع التراث، مما يؤدي إلى تقوقع سلبي على الذات الجماعية، فيجعلها ذلك خارج حركة التاريخ، ولكن، يجب الإشارة إلى اختلاف علاقة الاحتفالية بالتراث على مستوى الإبداع، ذلك أن الدعوات التنظيرية باستلهام التراث جعلت الأمر يبدو وكأنه انغلاق على الذات، في حين كان التراث في الأعمال الإبداعية منفتحا على الواقع وقضايا الإنسان المعاصر، وإلا فماذا يفعل امرؤ القيس في باريس في مسرحية "امرؤ القيس في باريس"؟  ولماذا جاء عبد الكريم برشيد بابن الرومي ليعيش في مدن الصفيح في مسرحيته "ابن الرومي في مدن الصفيح"؟

ومنه نؤكد مرة أخرى أن الاحتفالية في تعاملها مع التراث، قد استطاعت أن تقطع مع التعامل الذي أرسى أسسه المسرحيون في مرحلة الاستعمار، إنها تجعل التراث فعلا حيا على خشبة المسرح، تراث يحتويه الحاضر ولا يحتويه الماضي، لذلك لا يمكن تشكيل صورة عامة حول هذا التجاذب إلا من خلال استحضار التنظير والفعل الإبداعي. وعلى الأقل هذا جانب إلى ما كان يدعو إليه المفكرون العرب في التعامل مع التراث، ومنه يمكن القول إن المسرح العربي بعد النكسة شهد تعاملا مختلفا مع التراث، رؤية ثورية، لكنها اصطدمت بجملة من العراقيل التي قلصت من امتدادها، من بينها مسرحيون ذوو توجهات يسارية، عارضوا التراث في المسرح، وجعلوه غربي الشكل والمضمون.

المسرح السياسي.. سعد الله ونوس وإحياء التراث

إن ما يهمنا من حياة سعد الله ونوس المسرحية، هي تلك الفترة التي سافر فيها إلى فرنسا، حيث تكون في معاهدها، وتأثر بثلة من المسرحيين الحداثيين الذين حاولوا تجاوز التقنيات المسرحية الكلاسيكية، أمثال بروتلد برشت وبسكاتور وأنطوان أرطو، وعند عودته إلى سوريا، بدا تأثره واضحا وهو يستمد مضامين مسرحياته من التراث، فمزج في فرجته بين الأصالة والمعاصرة، الأمر الذي يشترك فيه مع عبد الكريم برشيد، وتجلى ذلك بالخصوص في بياناته المنظرة لمسرح عربي، فها هو يطرح سؤالا على المخرج المسرحي الفرنسي جان ماري سيرو: "ماذا كنت تفعل لو أنك في بلد كبلادي حيث لا توجد تقاليد مسرحية، أي نصيحة تقدمها لنا كي نجد مسرحنا؟ فأجاب(سيرو: "ينبغي الانطلاق من كل ما هو حكاية شعبية وتقاليد، وقد وجد دائمًا في التاريخ الإسلامي… فلديكم تراث غني بالنقد الذكي. (جحا) مثلاً هو شخصية لا تستطيع أن تقوم بثورة، لكنه تراث شعبي، استطاع أن يحتفظ عبر قرون طويلة بصفاء الهجوم على مفاسد الإقطاع، فالتراث الشعبي قاعدة جيدة للانطلاق، وهي مليئة بالإمكانيات… بوسعكم أنتم بالذات أن تساعدوا التجربة المسرحية على الخروج من أشكال التجمد التي وصلت إليها أوروبا"[6]. إنها النصيحة التي عمل بها ونوس، غير أنه مزج بين الانفتاح على الغرب واستلهام التراث، من خلال الأخذ بتقنيات المسرح الغربي، إنها رؤية جديدة لتفاعل المسرح مع المروث الثقافي، رؤية جدلية ماركسية تصبو لمساءلة الماضي، ومد الجسور بينه وبين الحاضر، وهنا تتشكل هوية جديدة، هوية منفتحة على النص الغائب، ما نريد أن يكون عليه المسرح، ما نريد أن يكون عليه المستقبل، وفي رؤيته هذه، لابد من الإشارة إلى أن ونوس قد تأثر ببروتلد برشت وبيسكاتور.

وفي ظل السياق السوسيوثقافي المضطرب بسبب وقع الهزيمة على الشعوب العربية، سيظهر مفهوم تسييس المسرح، حيث أصبح بالنسبة لونوس أداة للتحفيز والمساءلة، فاستمد التراث ليكون عنصرا فاعلا في مسرحه، تراث يغلفه الحاضر ولا يغلفه الماضي، إنها رؤية حداثية للتعامل مع الموروث الثقافي، حيث عمد ونوس لاستلهام المضامين التراثية، الحكايات والأساطير المعروفة، ليس بدافع تسليط الضوء عليها، بل من أجل مناقشتها، ومعالجة قضايا العصر، وعلى هذا الأساس كتب مسرحيته "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران"، ومسرحية "الفيل يا ملك الزمان"، و"رأس المملوك جابر"، إنها مسرحيات تستلهم التراث وتجعله معاصرا في طرحه وأدائه فوق الخشبة.

استلهام يختلف في رؤيته عن التوظيف السطحي السائد في فترة الاستعمار، الذي رفضه هو الآخر متأثرا بآراء المفكرين الغربيين والعرب، الذين انتقدوا بحدة التيار السلفي، رفض أن "تكون أشكال الفرجة الشعبية مجرد حلية شكلية، وهي بذاتها ليست ضمانة لأي أصالة، إن ما يؤصل المسرح هو قوله وكيفية القول، وفي سياق هذه العملية المركبة، يمكن أن نستفيد من تاريخنا وأشكال فرجتنا، كعناصر في البنية العضوية للعمل"[7].

لقد سعى سعد الله ونوس من خلال مسرحه السياسي إلى مسرح جدلي، مسرح يعري تناقضات المجتمع، ويشكل وعي الطبقات الاجتماعية المضطهدة بواقعها، وهو ما جعل التراث، في مسرحه، وسيلة وليس غاية، إنها رؤية حداثية بامتياز كما يصفها يونس محمد عبد الرحمان عندما يقول بأن "استخدام التراث والأسطورة في المسرح هو رؤية حداثية، وكثيرا ما تكون تقدمية طليعية كمسرحيات صلاح عبد الصبور، الأميرة تنتصر، ومأساة الحلاج، والحسين ثائر لعبد الرحمان الشرقاوي، ومسرحيات سعد الله ونوس، الملك هو الملك، ومغامرة رأس المملوك جابر"[8].

لقد استوعب ونوس المادة التراثية، ولم يجعلها تسيطر عليه، بل وظفها للنقد والرفض والسخرية من مفارقات الواقع، وكان يقتضي توجهه هذا أن لا يكون منتقيا للأحداث كما فعل غيره، بل تعرض للأحداث التاريخية المتأزمة في التاريخ العربي، وهو ما يتناسب مع منطقه الجدلي في أعماله المسرحية، إنها كتابة إبداعية نقدية في نفس الوقت، إبداعية بأسلوبها وشعريتها الخاصة، ونقدية لأنها تنتقد مظاهر انحلال المجتمع وتناقضاته، والتطرق للقضايا المؤرقة للإنسان العربي من هزائم وتراجع على مختلف المستويات، لذلك سيعتمد أساليب تغريبية تراثية مثل الحكواتي الذي يكسر الجدار الرابع لمخاطبة الجمهور والتفاعل معه، فضلا عن الشكل أيضا، مثل توظيف الحلقة ليخرج عن قوالب المسرح الغربي بما يناسب الجمهور العربي كما فعل ذلك في مسرحيته "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران" "فالناس الذين يسمرون يجتمعون على شكل حلقة يتحلق الناس حولها في ليالي الصيف المقمرة"[9] وذلك ليخلق نوعا من الألفة بينه وبين المتلقي العربي حتى لا يجد نفسه غريبا عن العمل المسرحي المقدم أمامه.

وهذا ما يجعلنا نقول بأننا انتقلنا في مرحلة مابعد الكولونيالية من إحياء التراث إلى تكريس نوع من الوعي بالتراث، لقد تحولنا، بتعبير محمد عابد الجابري، من كائنات تراثة إلى كائنات لها تراث، حيث أصبحت الذات تخلق مسافات بينها وبين الموروث الثقافي، وهو الأمر الذي مكنها من مساءلته وتحليله، بل والشك فيه أحيانا في أفق خلق مصالحة شاملة مع الماضي.

وفي هذا السياق، يمكن اعتبار توظيف سعد الله ونوس للتراث بمثابة إحداث قطيعة إبستيمولوجية مع توظيفه في مرحلة التأسيس أو الاستعمار، وهو يدخل ضمن تجربة جديدة لاستلهامه، مع ثلة من المسرحيين العرب، بعد الاستعمار في ظل الهزائم المتتالية، إنه لا يعود فقط إلى التراث الذي يجسد الانتصارات والأمجاد، بل يعود، أيضا، إلى التراث الذي يعكس الانتكاسات، ويوافق طرحه وأسلوبه الجدلي، ومن هنا كانت انعطافة ونوس في استلهام التراث بمختلف أنواعه، فتحقق نوع من الرهان، البحث عن هوية المسرح العربي، شكلا ومضمونا، لكن هذا الأسلوب، وإن كان مناسبا للفترة التاريخية التي عاش فيها ونوس، فإن الألفية الثالثة، وخصوصا بعد الربيع العربي، بدأت تتكشف تجربة جديدة في التعامل مع التراث، وفق معطيات العصر الحديث. فما مظاهر هذا التجديد؟ وكيف يمكن للتراث في الفعل المسرحي أن يكون رؤية جديدة ومتجددة؟

 

عبيد لبروزيين

.......................

1- عبد الكريم برشيد، الاحتفإلىة مواقف ومواقف مضادة، دار نشر المعرفة، 2001، ص: 61.[1]

2 - إننا نميز بين طروحات عبد الكريم برشيد النظرية والإبداعية، إذ نجد اختلافا ملحوظا بينهما، لأن طروحاته النظرية تكون غالبا ردة فعل لانتقاد الاحتفالية، وهو ما يجعله يعرف المسرح تعريفا غامضا "المسرح حفل واحتفال"، كما أن كتاباته في هذا الجانب تطغى عليها شخصيته الإبداعية، لذلك لا يمكن الإلمام بما جاء به نظريا إلا بالعودة إلى منجزه الإبداعي. وهو المنجز الذي بوأ الاحتفالية انتشارا واسعا على المستوى العربي، بغض النظر عن كونه يشرح المنجز النظري.

3- محمد أديب السلاوي، المسرح المغربي، جدلية التأسيس، منشورات مرسم،  ص: 197.[3]

4- سعيد الناجي، مهنة المسرح المغربي، مسارات وتقاطعات، ضمن كتاب جماعي، المسرح المغربي بين التنظير والمهنية، منشورات المسرح والدراما التابعة لكلية الآداب والعلوم الانسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، ص: 42.

5- عقا أمهاوش، الفعل المسرحي المغربي والنظريات الغربية الحديثة، م س، ص: 133.

6 - سعد الله ونوس، بيانات لمسرح عربي جديد، ط1، دار الفكر الجديد، بيروت, لبنان، 1988م، ص: 232.

7- سعد الله ونوس، بيانات لمسرح عربي جديد، م س، ص: 132.[7]

8- يونس محمد عبد الرحمان، تأثير ألف ليلة وليلة في المسرح العربي المعاصر والحديث، دار كنوز الأدبية، ط1،1995، ص: 47.[8]

9- أحمد صقر، توظيف التراث في المسرح العربي، مركز الاسكندرية للكتاب، 1998، ص: 46.[9]

 

وجدان عبدالعزيزنص الكاتبة ذكرى لعيبي (من تزعل توحشني الدنيا) حمل لنا رسالة انسانية مفعمة بمشاعر حب الحياة، والتمسك بجمالها وهوالحب، فبدأت نصها بفعل "اكتب" لماذا؟ "لأني احبك"، فربطت فعل الكتابة بعالم الحب، فالحب هو ذلك الشعور الخفي، الذي يتجول في كل مكان ويطوف الدنيا، بحثا عن فرصته المنتظرة، ليداعب الإحساس ويسحر العيون، ثم يتسلل بهدوء ويستقر في غفلةٍ من العقل، ورغمً عنا داخل تجاويف القلب، ليمتلك الروح والوجدان، ويسيطر على كيان الإنسان ..اذن هوالشعور، الذي يتملك الإنسان في داخله، ويطوف به العالم، حيث يشاء بأفراحه وأحزانه، يجول في كل مكان، فوق زبد البحر يمشي، دون أن يغوص في أعماقه، وهو ذلك الوباء اللذيذ المعدي، الذي يصيب جميع الكائنات، دون استثناء وبدونه لن تستمر الحياة على أي كوكب، فمع بداية كل صباح تشرق الشمس من ظلمة الليل الموحشه، لتبعث الانتعاش في النفوس بنورها، ومع بداية كل مساء يضيء القمر ليهدئ النفوس من وحشة الليل المرعبة، ويبعد عنها ظلمته، وكأن الشمس والقمر يربطهما علاقة محبة وتعاون ووجدان وغموض، يتحدى الافهام..لذا كررت الكاتبة اللاءات مرات عديدة، لتنفي عن نفسها القدرة في تفسير سلوكيات الرفض والقبول داخلها، وبقت اسيرة الحيرة في الاجوبة، لكن يبقى الانسان فى حاجه الى ان ينشط وتُمرنّ مشاعره الانسانية..فقلب الانسان وخياله فى حاجة الى ان ينبضا بحب انسان اخر..ومن هنا فكان افتراضنا ان الحب هوالعلاج، لكن هناك دوافع اخرى، قد تكون نفسية بالدرجة الاولى، تقول الكاتبة لعيبي:

(لا أعرف كيف أفسّر احتراقي والأجواء حولك صافية،

ولاأعرف كيف أفسّر انتمائي إليك رغم أننا مختلفان في العقيدة والمذهب والوطن،

ولاأعرف كيف أفسّر قناعتي بأنكَ العشبة التي غفل عنها انكيدو، فجاءت بها رماح السنين، لتعيد لروحي الحياة.

ولا أعرف كيف أفسّر إدراكي بأنك لستَ مذنباً كونك لم تحبني كما ينبغي

ولا أعرف كيف أفسّر براءتي من حزنٍ فُرض عليَّ)

فهذه الحيرة، التي تعيش في داخلها الكاتبة وقلق الاسئلة وفلسفة الحياة، يجعلنا نبرر ان النص جاء بطريقة النثري الشعري، كي تعطي لنفسها الحرية الكافية في التعبير عن رؤيتها الخاصة، لذا الاحظ أن سلوك الكاتبة يكون دائما مدفوعا من الداخل تغذيه حاجات لم تكشف عنها الكاتبة، كما هي، بل راحت تضع تبريرات، كي تخفف ذلك التوتر المخلوق من جراء غياب الاخر، الذي يبادلها عاطفة الحب، فهي تقول: (لا أعرف كيف أحتويك، لأنك لم تحتويني،/ لستَ مرغماً أن تحتويني،/ لستَ مذنباً أن أحببتني أقل مما أستحق/لا أعرف كيف كتبت هذه الرسالة في لحظة عزلة عن النبض)، وهنا فسرت ان الحب حرية، لانه نبض يسري بالقلوب، وبالتالي هويتحول الى التزام اخلاقي، كما الكتابة هي حرية، لكنها موقف والتزام، فحينما عاتبته بشدّة، رجعت، وبررت كتابتها، (لا أعرف كيف كتبت هذه الرسالة في لحظة عزلة عن النبض)، فكان التزامها وصدقها مع اعماقها يمنعها ان تعاتبه، الا انها عاتبته ورجعت بررت هذا العتاب، وكأني بها تعتذر عن هذا..!

 

ـ نص(لا تزعل توحشني الدنيا) للكاتبة ذكرى لعيبي

http://www.almothaqaf.com/b/c1d/933830

 

وجدان عبدالعزيز

 

 

1900 الى 1960

الشعر كما كل مناحى الحياة الاخرى يتأثر بالبيئة المحيطة به ويتأثر – ايضا – بامزجة الناس وبعاداتهم وتقاليدهم وهو فى هذا مرآة صادقة للمجتع يظهر فيها على سواءه وجلاءه دونما كذب او رياء او مداهنة والشاعر – بهذا – هو صوت المجتمع الصادق منذ ان عرف الناس الشعر والى اليوم الذى نعيش فيه الآن . هذا وان كانت تركيبة السودان السكانية ونسيجه الاجتماعى المعقد قد كان لها مكانا عليا فى التحاورات الفكرية، والانعكاسات السياسية، والعلاقات الاجتماعية، فان الشعر وبذات المعنى المشار اليه آنفا قد كان ذا حضور كبير فى ذلك الزخم الذى ظل يسود الساحة السودانية منذ الاحتلال الثنائى والى اليوم حول ازمة الهوية فى السودان.

دار بخلدنا ونحن نطالع بعض نمازج الشعر السودانى فيما بين 1900 - 1960 بان هنالك مايشبه اليقين بان الشعر السودانى قد حاول معالجة بعض الاشكالات التى صاحبت ازمة الهوية الثقافية فى السودان، ونريد فى هذا المقال وعبر سياحة سريعة اننستظهار مراحل ذلك الصراع المريرا لذى قاده بعض الشعراء لوضع الشعر السودانى فى مكانه الصحيح فى ظل واقع كان يختزل السودان بكل اعراقه المتباينة فى عنصر واحدولغة واحدة ثقافة واحدة، فى تهميش متعمد لكم هائل من الثقافات الاخرى التى كانت تتمتع – على اقل تقدير- بالانتماء للوطن (السودان) .

دار بخلدنا تأثر الشعر بذلك التشابك الكثيف فى تركيبة السودان الاجتماعية، وما فطن اليه اولاءك الشعراء وفى ذلك الوقت المبكر من ان السودان العربى الافريقى هو حقيق بان يكون له شعره المميز دون الانتقاء المخل لثقافة واحدة وطرح ما عداها، ومما لا شك فيه ان اولاءك الشعراء قد وضعوا ايديهم على لب المشكلة فى اطرها الاجنماعية و الثقافية السياسية فى محاولتهم الجسورة لطرح ازمة الهوية فى الشعر السودانى، فالى اى مدى نجح اولائك الشعراء فى معالجة ازمة الهوية فى السودان من خلال الخطاب الشعرى ؟؟

(الخطاب االشعرى فى السودان من اكثر ضروب الابداع الثقافى هجسا لقضية الهوية والبحث عن الجذور الثقافية للمجتمع) الصحافة 25\1\2000، وقد ظل ذلك الخطاب ومنذ وقت مبكر يتلمس طريقه الوعر فى دهاليز تلك القضية الشائكة بعزيمة قوية وارادة صادقة وفكر مستنير، ففى عشرينيات القرن الماضى بدأت الثورة على الخطاب العربى الجاهلى فى الشعر السودانى والذى انتظم السودان منذ بداية ذلك القرن باعتبار ان ذلك الخطاب كان ذا نبرة عربية استعلائية، فالسودان بتركيبته الاجتماعية المعقدة وبقبلياته المتعددة وثقافافته المتعددة كان اكبر واشمل منان تسود خطابه الشعرى تلك النبرة الموغلة فى البداوة دون النظر الى ثقافات اخرى لها حق التعبيرعن نفسها ولها – بعد حق الانتماء – بذلك التعبير الى وطنها الكبير دون ان يحجر عليها احد .

لكل هذا بدأت الثورة على الخطاب العروبى الخالص غريبة وخافتة اول امرها فى كم هائل من التقاليد العروبية الراكزة وسط الطبقات المستنيرة فى ذلك الوقت .

كان الخطاب الشعرى فى السودان فى بداية القرن الماضى عربيا خالصا يتحدث عن فراق الاحبة، ويتغنى بالاطلال والدمن ويشيد بمجد العرب وحضارتهم التى عمت الآفاق ... كان الشعر يومذاك يجارى ما قال امرؤ القيس والمتنبىء، وكان يصعب عليك وانت تقرأ ذلك الشعر التصديق بان طبيعة السودان الاستوائية الحارة هى التى اوحت الى اولائك الشعراء ما قالوه، تماما كما يصعب عليك ان تتخيل ان من بين سكان الوطن الذى ينتمى اليه اولائك الشعراء من لا يعرفون حرفا واحدا من اللغة العربية

جد بالرضا وارحم حشاشة ووامق

دنف يؤرقه ائتلاق البارق

لله من ظعنواو كان قرارهم

بين الضلوع وبين خلقبى الخافق

(الشاعر محمد سعيد العباسى)

 

امم الهلال مقالة من صادق

والصدق اليق بالرجال مقالا

هذا هلالكم تكفل بالهدى

هل تعلمون م عالهلال ضلالا

سرت الحضارة حقبة فى ضؤه

ومشى الزمان بنوره يختالا

(الشاعر عبد الله البنا)

هكذاكان الخطاب الشعرى فى السودان فى ذلك الوقت عربيا قحا قبل ان يعلن حمزة الملك طمبل معارضته السافرة لذلك الخطاب ثم تبعه من بعد الامين على مدنى منادين – بحق – ان يكون الخطاب الشعرى سودانيا فى مبناه وملتصقا بهموم الناس فى معناه ومعبرا عن اشواقهم الحقيقية فى مبتدأه ومنتهاه، ولكن اصطدم ذلك التوجه بمعارضة عنيفة من شعراء ذلك الوقت فلم يقو على الوقوف امام تقاليد الثقافة العربية الراكزة بين شرائح المجتمع المستنيرة فى ذلك الوقت.

ثم جاءجيل الخمسينيات وفى معيته – ايضا- رؤية مغايرة لخطاب السودان الشعرى آنذاك ذكاها ونماها لديهم تزايد المد الافريقى فى حركاته التحررية التى بدأت تطل برأسها وسط ليل بهيم تراكمات المظالم التى صنعها الاستعمار، فتغلغلت لغتهم الشعرية فى وجدان الامة السودانية فى بعدها الافريقى ممتثلين فى ذلك لحتميات التاريخ التى شكلت مجتمع السودان من عرقيات متباينة ومختلفة ومتجاوزين – كذلك – لفرضيات جعلت من السودان وطنا خالصا للعنصر العربى

انا من افريقيا ارض الكنوز

لم تزل اعماقها مثل الرموز

 

قد مشينا نتحدى القــــــــدرا

لنحيل الارض كونا اخضرا

(الفيتورى)

وعيونهم مصلوبة الاجداث تمعن فى القرار

ترتاد اودية السراب

تلوذ بالوهم المحنط فى تراب الغافليين

(كجـراى)

ربما يكون ردة الفعل هى التى جعلت ذلك الجيل ينتقل من الخطاب الشعري العربي الخالص الى خطاب افريقى حاد من موضوع القصيدة الى ادق مفرداتها ويهمل منجانب آخر المكون العربى فى اشارة لوضع خطاب السودان الثقافى كله فى اطار افريقى كامل .

مهما يكن من امر فان ذلك الجيل قد نجح فى وضع الثقافة السودانية فى بعدها الافريقى على السطح بعد ماكانت مقصورة لازمان طويلة تحت ركام أنسيان والتجاهل، ولكنه رغم ذلك لم يستطع ان يوائم بين كلتا الثقافتين لابراز خطاب شعرى سودانى موحد ذو مكونات عربية افريقية

بحلول عقد الستينات برزت رؤية اخرى لجيل آخر اراد ان يتدارك اشكالات هوية الشعر السودانى فطرق بقوة على ابواب تأصيلا لخطاب الشعرى حتى تفتحت مغاليقه وولج بعد ذلك الى لب الازمة مستصحبا حلم الوحدة الكبرى التى يمتزج فيها العرب بالافارقة، وقد نجح ذلك الجيل الى حد مافى (طرح الاسئلة المتعلقة بالهوية الجذرية التى كان قد اثارها ناقصة وملتبسة بالهم التحررى الوطنى جيل الثلاثينيات عبر تساؤلات واشكالات الحداثة ثم انداحت تساؤلات جيل الستينات حول هوية الكيان السودانى ذاته ومركباته السلالية الانثربولجية حول هوية الثقافة السودانية) مجلة الملتقى اول ماس 1994م

انا من افريقيا

صحرائها الكبرى وخط الاستواء

سحنتنى بالحرارات الشمـــــوس

 

وشوتنى كالقرابين على نار المجوس

ارهقتنى فانا منها مثل عود الابنـوس

(صلاح احمد ابراهيم)

 

الليلة يستقبلنى اهلى

اهدونى مسبحة من اسنان الموتى

ابريقا جمجمة .. مصلاة من جلد الجاموس

رمزا يلمع بين النخلة والابنوس

(محمد عبد الحى)

 

اذن فقداستطاع جيل الستينات ان يحدد ازمةالهوية فى الشعر السودانى بما اجترحه من رؤى جديدة فى تلك الازمة تمثلت فى (اعادة صياغة لمفاهيم والاسئلة المتعلقة بالهوية العربية الافريقية من جديد) الصحافة 25\1\2001

وقد لازمه التوفيق - الى حد ما - فى تلك الرؤية حينما سعى الى توحيد الخطاب الشعرى ليكون معبرا عن الثقافة العربية الافريقية فى السودان متجاوزا فى ذلك الانحياز الى اى من الثقافتين كما فعل قبله جيل القرن الماضى او جيل الثلاثينيات منه، كما لازمه التوفيق - ايضا- فى (رؤية الكون واستكشافه سابقا فى ذلك علوم السياسة والاجتماع ومتقدما على مجمل الحركة السياسية فى البلاد والتى استعصى عليها ان ترى عروبة السودان موضوعة بين قوسين) الصحافة 25\1\2001م ، فكان خطابه المتوازن ذاك خير معين للحركة السياسية والاجتماعية للنهوض من تكلسها الغير مبرر لمواجهة اشكالات التعدد العرقى بمفهوم موضوعى مستنير، ومعالجة تلك الاشكالات بانصياع كامل لواقع السودان الماثل، تماما كما فعل اولائك الشعراء فى مناداتهم المستمرة لابراز سودان عربى افريقى موحد .

فهل - يا ترى – نحلم بيوم تسود فيه وحدة الخطا ب الشعرى بكامل معناه وتجذيره نهضويا فى انسجة المجتمع السودانى؟

اماان تأثير القوى السياسية والاجتماعية التقليدية سيظل كابحا لتلك الوحدة ومانعا لها من التحقق حيث تظل العربية والافريقية فى السودان تسيران فى خطيين متوازيين لا يلتقيان الا فى الانهاية .

 

بقلم: ناجى احمد الصديق - السودان

  

عقيل هاشممرايا الذات، نصوص من شعرية اللاشكل

"تشاكل"

(تمنيت ان اجعل من عينيك سكني: لكني اكتشفت أن -الحواسم -سبقوني)

عتبة تاويلية:

أخذت الكتابة تنهج نهجاً مغايرا في الآونة الاخيرة، وباتت ظاهرة تداخل الاجناس والتكثيف الدلالي والاختزال اللفظي سمة أسلوبية بارزة، مما نتج عنها ظهور العديد من الأجناس الأدبية الجديدة والمتداخلة ، نصوص أدبية متشابكة من الناحية الشكلية والمضمونية وأيضاً المقصدية؛ فهذه النصوص تعتمد على فهم المتلقي، وتفاعله، ومدى إدراكه للنصوص الجمالية ،تلك حساسية جديدة، تنفلت من قواعد المحظور، وتبوح بدوافعها دون حاجز أو قيد ، أسئلة تعبر عن مدى الدهشة والرفض والاستهزاء،وهذا الجنس هو شكل من أشكال الكتابة والتعبير لإثبات الذات عابرة للتقاليد الفنية للكتابة و خلق حالة من الدهشةِ والغرابةِ لدى القارئ الَّذي يطمئنُّ إلى أنَّ الأحداثَ تسيرُ وفق مسارٍ معين..

أقول (النص السردى) هو نص متمرد شكليا مهمته سبر أرض المدونة السردية لسارد مغاير يسرد نصوصه وكشف تحولاتها وتضاريسها وشفراتها النصية بإصغاء متعاطف وبوصفها ظاهرة إبداعية لا تقل تعقيدا عن عصرها، وتنفتح برحابة على الفنون الأخرى، فتسقط الحدود بين الحقيقى والمُتوهم، وتغرم بالتمرد .إذن هذاالخرق الفني هو تجريب احتجاجي يجنح إلى البذاءة والقبح تعبيرا عن الرفض والاستنكار.

اقتباس:

انسداح":"

(احرن به جواد الوقت عند بوابة كبيرة .اخبره الحرس:ان القائد يحلحل الواقع المتشابكة ،بمشاركة كبار الرتيب.ينشتل على لوح الانتظار .يلتمس ابتسامة الامل المحبوسة خلف الابواب .سيعرض ظلامته .ويضع بوصلة حياته على بساط المسؤولين.تتناوس الدقائق في مناخ سياسي خانق وطقس مستعر.لتنسدل على الساعات ..عيناه ملتصقتان على ساج الباب.فجاة .تزكم انفه رائحة طعام شهي يخطف باتجاه الباب فتنزاح ضلفة منه .ينكشف المشهد عن ضابط كبير ينحني على طاولة البليارد يحرك بيده عصا اللعب .تحيطه ثلة من الرتب ,خلفهم لوحة مبهرة .باح جزء منها (وقل اعملوا فسيرى الله...)

عتبة سردية:

"مَسُ من يباب "نصوص سردية ميتاواقعية قراءة في صراع الذات/الموضوع ونقدها ،كشف من ظواهر بنى سايكولوجية وأسئلتِها المعلَّقة على احتمالات مفتوحة بإجابات نجدها منثورة على لسان كاتبها لضحايا لم يكونوا طرفا فيها ، لذلك جاءت عتبة العنوان (مس من يباب) انزياحا للوجه الرمادي لنص شعري (ارض اليباب) هذه المدونة الرمادية هي كشف كوني وهمّا جمعيا متناقضا في ذاته وتوجهاته تحت سلطة الاستبداد،في الخلاصة نصوص اختصرت صورة الحياة اليوم بهذه الماساة .

اقتباس:

"مس من يباب"

(تطرح الموظفة السجل المعبا بعبق الماضي .تتشرح اوراقه الناطقة بلون الموت .يشهق صفارها بوجه الضوء .وتنطق تراسيم حروف واشارات مكبلة بالذكريات .تقاطع السطور السود تعبير حمر بداخلها الاخضر .تشغل الاستدراكات تعابير حمر... ص53)

هذه النصوص في مجملها قد اهتمت بالمضمون الفني لتكشف بصراحة الدلالات والإيحاءات الخفية التي تضمنتها النصوص هي محاولة لتسليط الضوء وفتح باب التأويل في عتمة اللغة بتعدد القراءات والدلالات ،والتي وظف الكاتب رموزها بعناية فائقة في خدمة قضية الوعي واللاوعي ودورها في بناء واكتمال الصورة الفنية التي تخطت تقاليد السرد الفني ببنيتها الإبداعية . هي محاولة جادة في البحث عن عمل إبداعي يستوعب متطلبات الواقع بتناقضاته وانكساراته وهي أيضا محاولة لتفكيك عميق للوعي واللاوعي الجمعي بعدد مستوياته وتعدد شخصياته الهلامية لتسليط الضوء على الأزمة المصيرية التي يواجهها الانسان امام مايجري من تراكمات فوضوية بتراكماتها وانعكاساتها السلبية.

اقتتباس:

"انفلات"

(الديك مات .تبرق عينا البنت .تترقرق ماقيها.يتهستر الانفعال يلحق بصراخ .يخرج نصالا حادة من الضحك :الحمدلله ...ينفتح غشاء جفنه ببطء .ثم ينسدل منطفئا.ليترك عينه نصف مغمضه...ص66)

هذه النصوص المثقلة باليأس والأحزان والخيبات يسيطر عليه اللاوعي واللاشعور إلى حدود الهذيان والجنون في محاولة الوصول إلى تحقيق نزعاته ورغباته المكبوتة ، اذن هي جريئة ومستفزة وشكل من أشكال الرفض ضد سلطة العنف والتعسف ، وترسم خريطة الوعي الممكن لتحقيق كل ما هو جديد ومختلف بحسب القناعات الفكرية والثقافية لساردها.

هذه الفوضى وما ينتج عنها من الشعور بالقلق والتوتر والحزن والنظر إلى البعيد عبر مراجعة الذات والاستفادة من التجارب، رغباتها تتجاوز الحوار الصامت والأنماط الجاهزة إلى الحوار بصوت عال ومباشرة..

وأخيرا ..أقول إن النصوص السردية في (مسُ من يباب ) كتبت باسلوب شعرية اللاشكل مثلما نقلها لنا كاتبها (مهدي عي زبين) إمعانا في توظيف هذه الجنس المتداخل وانعكاس مترجم لمدى السخرية من مرايا الذات، ومرارة التهكم من واقع اجتماعي متداعي، ومن خلال سرده هذا استطاع أن يشقّ لها مسارا مبطّنا بخصوصية التلاعب اللغوي هي نصوص اقول.تاويل هذا الهامشي كمعادل موضوعي للدمار وانحراف السياسة والدين..

اذن هي نصوص سردية فوضوية لاتظهر الا في زمن الفوضى وما ينتج عنها من الشعور بالقلق والتوتر والحزن ، ساردها تجاوز الحوار الصامت والأنماط الجاهزة إلى الحوار بصوت عال ومباشرة.

 

قراءة عقيل هاشم الزبيدي

 

614 متوالية قصصيةنشرت (المدى) في عددها الصادر يوم 22/7/2018 مقالا بعنوان (روبرت شولز والمتوالية السردية) للناقدة د.نادية هناوي، وهو واحد من مجموعة مقالات نشرتها في الآونة الأخيرة كانت تؤكد فيها على خطأ من يعد المتوالية القصصية جنسا أدبيا ووهمه، وكانت في كل المقالات متحاملة بطريقة غريبة حتى وصلت في أحد مقالاتها إلى عد أولئك الدارسين (وأنا منهم) مجرمين وأنهم يرتكبون جناية، وكنت أستغرب هذا التحامل حتى وقعت على هذا المقال مصادفة لاكتشف السبب، فالمشكلة كلها هي الترجمة وفوضى المصطلحات، فالدكتورة هناوي تتحدث عن شيء سمته المتوالية السردية  أحيانا والمتوالية القصصية أحيانا أخرى والاثنين معا في هذا المقال وغيره، بينما كتبت أنا عدة مرات عن شيء آخر هو المتوالية القصصية مختلف تماما عما تعنيه الناقدة، وأحاول هنا بيان هذا اللبس.

في البداية أود أن أعبر عن كل الاحترام والتقدير للدكتورة هناوي التي أحترم عقليتها وإخلاصها لكتابتها، وما سأقوله هنا ليس سوى خلاف علمي، أثق أنها ستتقبله مني.

كشف هذا المقال أن الناقدة تخلط بين مفهومين لا يربط بينهما رابط سوى مشكلة الترجمة الأول الذي تتحدث عنه هي هو تقنية سردية ولا يمكن أن يقول أحد أنه جنس أدبي ومعها الحق في كل ما قالته، والثاني هو شيء آخر، هو جنس أدبي مستقل والواضح أن الدكتورة انشغلت بالفهم الأول ولم تقرأ شيئا عن الثاني ولم يقع في يدها متوالية قصصية لتقرأها وتعرف عن أي شيء نتحدث ولماذا نختلف.

اعتمدت د.هناوي في مقالها على ترجمة الأستاذ سعيد الغانمي لكتاب (السيمياء والتأويل) لروبرت شولز (من غير أن تشير له) ونقلت نصوصا منه، والأستاذ الغانمي مترجم فذ يختلف عن غيره بكونه متخصص بالأدب، لكن مشكلة المصطلح المترجم تعترض حتى المتخصصين مهما توخوا الدقة لانعدام الاتفاق على صيغ موحدة للمصطلحات.

بنت الناقدة مقالها على فصل في كتاب شولز يحلل فيه قصة (إيفلين) لجيمس جويس مستفيدا من منهج سيميائي يجمع بين تودوروف وجينيت وبارت، وما يعنينا هنا هو منهج تودوروف في الديكاميرون الذي ينطلق من مقاربة العمل السردي نحويا، وهو ما وضحته باختصار جميل د.نادية هناوي في مقالها واقتبست من ترجمة الغانمي العبارات التي رأت أنها مهمة، وقد جاء في كتاب شولز المترجم ص 151 هذه العبارة:

"لكن ما القصة؟ يساعدنا تودوروف على الدقة في الإجابة عن هذا السؤال. القصة هي نوع من توالي القضايا. والقضايا القصصية على نوعين: الصفات والأفعال. وأهم متوالية قصصية هي الصفة...."

ويبدو أن هذه العبارة هي التي سببت المشكلة، وهي مشكلة ترجمة، ولو عدنا إلى النسخة الأصلية سنجد عبارة شولز هكذا  في ص89 كما تبين الصورة المرفقة:

But what is a story?Todorou will help us be precise in answering

that question, A story is a certain kind of sequence of propositions

Fictional propositions are of two kinds: attributions and actions.

The most fundamental fictional sequence is attribution,

ووقع الإشكال في العبارة الأخيرة التي قصدنا كتابتها بخط غامق، فتودوروف الذي ينقل عنه شولز لم يكن يتحدث عن متوالية قصصية ولا متوالية سردية، بل يتحدث عن اللغة في قصة أو رواية أو حكاية واحدة، ليقول أن القصة نتاج توالي الصفات والأفعال، والتعبير fictional sequence هو الذي فيه إشكال الترجمة فالأستاذ الغانمي ترجمه متوالية قصصية، وأنا أتصور مكابدته وهو يترجم هذه الجملة، ولو أنه ترجمها السلسلة السردية لكنا تجنبنا الوقوع في هذا الفخ، ففي الإنكليزية كلمتان يترجمهما المترجمون (سردي أو قصصي) وهما (fictional, narrative)، لكنهما مصطلحان مختلفان تماما، فكلمة fictional تصف العمل السردي وقد أصبح جاهزا للتلقي، بينما تصف كلمة narrative عملية السرد داخل العمل، وكلاهما لا علاقة له بالمتوالية ولا بالقصة، وإنما كان الحديث عن توالي الصفات والأفعال.

بعد هذا الحديث تهاجم الناقدة أكاديميين يحملون طلابهم على الكتابة عن جنس أدبي اسمه المتوالية القصصية وتتهمهم بالوهم والجهل، وأنا أوافق على ما ذهبت إليه لو كان المقصود ما فهمته هي، لكن المشكلة أنها تتحدث عن شيء آخر غير الذي نعنيه وهو جنس أدبي دون شك.

تسمى المتوالية القصصية بالانكليزية أسماء عدة أشهرها ثلاثة، ففي أمريكا يسمونها حلقة القصة القصيرة Short story cycle بينما يسمونها في بريطانيا الكتاب القصصي Story book أو المتوالية القصصية Short story sequence، وسأسمح لنفسي أن أسأل سؤالا شبيها بسؤال شولز، فما هي المتوالية القصصية؟ وسيجيبنا على هذا السؤال فورست إنجرام وهو أول من ألف كتابا خاصا بالمتوالية القصصية حيث نشر كتابه (حلقة القصة القصيرة في القرن العشرين – دراسة في الجنس الأدبي) عام 1971، حيث عرفها في ص19 من كتابه بأنها:

"كتاب يضم مجموعة من القصص التي قصد المؤلف أن تكون مترابطة بمستويات متعددة ما يدفع القارئ إلى تعديل تجربته القرائية عند إتمام الكتاب."

فعلى الضد مما هو معتاد عند كتاب القصة من نشر كل قصة يكتبونها منفردة في صحيفة أو مجلة ثم يجمعونها في كتاب يطلقون عليه تسمية مجموعة قصصية، تكون المتوالية القصصية مشروعا واحدا، فيقرر القاص أن يكتب سلسلة من القصص المستقلة عن بعضها، بحيث يمكن قراءة أي قصة منفردة، لكنها تشترك بشيء واحد يربطها، فمثلا يمكن أن يكون بطل القصص جميعا واحد، أو أن القصص كلها تحدث في مكان واحد محدد، أو أن كل القصص تنتهي نهاية متشابهة، أو تتحدث عن ثيمة واحدة، وهكذا سيكون الانطباع النهائي بعد قراءة الكتاب بأكمله مختلفا عن الانطباع المتولد من كل قصة منفردة. فمتوالية القاص الكويتي طالب الرفاعي (الكرسي) مثلا فيها موضوع كل قصة كرسي مختلف، كرسي الحلاق، كرسي رئيس مجلس الإدارة، كرسي التعذيب، ...... .

ويقدم القاص المصري منير عتيبة نمطا مبدعا من المتوالية القصصية المبنية على المكان كتابه (حاوي عروس) فكل القصص تحدث في منطقة (خورشيد) وهي من أطراف الإسكندرية المهملة إلى حد كبير، كل قصة تقدم شخصية من خورشيد وبيتا من بيوتها، وحين نكمل المتوالية نكون قد رسمنا خارطة لهذه المنطقة.

بقي أن أقول أن لا أحد في الكتابات الإنكليزية يناقش فيما إذا كانت المتوالية جنسا أدبيا أم لا، وكل من يكتب عنها يصفها بأنها جنس أدبي كأن القضية مفروغ منها، إلى أن أصدرت جنيفر سميث كتابها (حلقة القصة القصيرة الأمريكية) أوائل العام 2018 مخصصا لبيان سمات هذا الجنس الأدبي وإطاره النظري. والطريف أن إحدى طالباتي أنجزت رسالتها للماجستير بعنوان (المتوالية القصصية جنسا أدبيا) قبل صدور كتاب جنيفر سميث بعامين.

 

د. ثائر العذاري

 

عبد الله الفيفي(الدوبيت): وزنٌ عَروضيٌّ، قيل إنه دخل العربيَّة من الفارسيَّة. ويدلّ اسمه الفارسي على ذلك، وعلى أن الأصل فيه أن يُنظم على بيتين بيتين. منه رباعيٌّ، تكون أشطر بيتَيه الأربعة بقافية واحدة، وأعرج يندّ الشطر الرابع عن قافية الأشطر الثلاثة، ومنه ما يلتزم الوزن ويقفِّي على طريقة القصيدة العربيَّة، دون تنويع. ويسمِّيه (عبدالستار النعيمي) "بحر الميزان"، ذاهبًا إلى أنه "بحر متأصّل بتفاعيله من بحور الشِّعر العربي التي استنبطها (الخليل)، يرحمه لله. عربيّ المنشأ، شأنه شأن الموشَّح؛ لكنه، كما وجدنا أكثر التراث العربي، قد طُلِي بصبغة أعجميَّة صِرفة نتيجة ضياع أو طمس أولياته".

ومهما يكن من أصلٍ، فإن من يسمع هذا الوزن مغنًّى يُدرك موسيقيَّته غير النابية عن الأُذن العربيَّة، غير أنه سيحار في إدراجه في العَروض العربي، وفق بحوره الستة عشر. وهذا ما حَدَثَ لي حيال نشيدٍ أرسله إليّ صديقٌ كويتيّ لإبداء الرأي، ومعرفة معاني بعض الكلمات. وهو عن قصيدة للشاعر اليمني (عبدالله العلوي الحداد)، التي نشرها الشاعر الكويتي (عبدالله الفرج)، وقام بغنائها (عبداللطيف الكويتي)، وغيره، ومنها:

الحمدُ لمَنْ قَدَّرَ خَيرًا وقَبَالا

والشُّكرُ لمَنْ صَوَّرَ حُسْنًا وجَمالا

فَرْدٌ صَمَدٌ عَنِ صِفةِ الخَلْقِ بَرِيْءٌ

رَبٌّ أَزَلَيٌّ خَلَقَ الخَلْقَ كمالا

بالمَجدِ ، وبِالجُوْدِ ، وبالجدِّ تجَلَّى

ما مالَ عَنِ العَدْلِ، ولا نالَ ملالا

ذو القُوَّةِ، ذو الطَّوْلِ، وذو الفَضْلِ، مَلِيْكٌ

ما دَوَّحَتِ الأَرْضُ جَنوبًا وشَمالا

فوزن هذه الأبيات (مستفعلتن/ مفعولُ/ مستفعلتن تن) في الشطرين. ذلك أن أصل وزن الدوبيت (مستفعلتن/ مفعولُ/ مستفعلتن). ومن صُوَره أن يأتي مرفَّل العَروض والضرب، أي بزيادة سببٍ خفيفٍ في آخر التفعيلة الأخيرة، فتصير: (مستفعلتن تن). ويدخل حشوَه الخَبْنُ والطَّيُّ، على التعاقب، أي إذا دخل أحدهما لم يدخل الآخَر. لذلك تُصبح (مفعولُ) تارةً (مَعُوْلُ)، وتارة (مَفْعُلُ).

وبغضّ النظر عن ركاكة الأسلوب في قصيدة العلوي، فما يعنينا هنا أن الدوبيت خيارٌ موسيقيٌّ شِعريٌّ رائق في الذائقة العربيَّة. وغناؤه يكشف عن جمال موسيقيَّته أكثر من قراءته.

ومن المعروف في التراث العربي أن وزن الدوبيت عُرف منذ القرن الثالث الهجري، وازدهر في شِعر القرون المتأخِّرة، من السابع الهجري إلى الثاني عشر. ومنه ما اشتهر في الغناء العربي، كقصيدة (البهاء زهير):

يا مَنْ لَعِبَتْ بهِ شَمُوْلٌ

ما أَلْطَفَ هذهِ الشَّمائلْ

نَشْوَانُ يَهُزُّهُ دَلالٌ

كالغُصْنِ مَعَ النَّسيمِ مائِلْ

لا يُمْكِنهُ الكَلامُ لكنْ

قد حَمَّلَ طَرْفَهُ رَسائِلْ

ما أطْيَبَ وَقتَنا وأَهْنى

والعاذلُ غائبٌ وغافِلْ

وكثيرًا ما نجد وصف هذه الأبيات في الأوساط الغنائيَّة بأنها "موشَّح". وهذا خلط، فليست بموشَّح، بل هي "دوبيت". وقد ذكر محقِّقا ديوان البهاء زهير، (محمَّد أبو الفضل إبراهيم ومحمَّد طاهر الجبلاوي)، أن القصيدة "من بحر السلسلة، وهو مجزوء الدوبيت"! والصواب أنها ليست من مجزوء الدوبيت، بل من تامِّه، مكشوفِ العَروضِ حَذَّائها، مكشوفِ الضربِ حَذَّائه. أي أن تفعيلاته: (مستفعلتن/ مفعولُ/ مستفْ) في المصراعين.

فما أكثر المهمل من تراثنا العربي وما ألطفه، لو أحياه العرب، عِوَض تلقُّف التجارب، غربًا وشرقًا!

 

بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

 

615 علي لفتهجميعنا يعرف  (مثلث الرياضيات) و(مثلث برمودا)، لكن (مثلث الموت) ثيمة جديدة تبعث إلى الشجن والدهشة؛ لأنها ارتبطت بمفهوم (الموت).

من هنا أستثمر الروائي (علي لفته سعيد) تقانة هندسته الفكرية والرمزية في بناء عنونة روايته (مثلث الموت)، والتي صاغ عن طريق متنها السردي واقعية معاشة بأمتياز ابتعدت عن المبالغة والصياغة المفتعلة.

نحن نقرأ نجد ذاتنا تكمل صياغة المشهد ورسم أحداثه؛ لأنه مشهد معاش بأمتياز من الواقع وجذوره الجديدة التي صاغته بإزاء مجانية الموت والخراب المجاني للبلاد.

ولا تبتعد سردية الرواية عن فكرة الطائفية-بل هي الفكرة الرئيسة في بناء عنونة الرواية، وصياغة حبكتها -، لتشكل الهندسة الرياضية حضوراً في بناء اضلاع المثلث، فالمثلث بأضلاعه الثلاثة مثل هرماً رأسه المدبب يرمز للموت الطائفي، وضلعاه القائمان المتصلان بالرأس والقاعدة يمثلان الدين والأحزاب والسياسة، وقاعدته الجماهير المسحوقة الضعيفة الفاقدة لمصيرها ومستقبلها" إنه صراع الموت.. الاحتلال بحاجة المقاومة، والمقاومة بحاجة إلى موت والعنوان هو القفل".

تسرد الرواية صحبة ثلاث شخصيات تعمل في مهنة الصحافة، كانت شخصية (سلام) أقوى من شخصية( أحمد وخضير)، أما (منتظر) فهو زميلهم أيضاً لكنه صحفي متملق، بعكس (سلام، وأحمد، وخضير) فإنهم صحافيون ملتزمون.

تجري أعمالهم في المناطق الساخنة التي تمثل حبكة (مثلث الموت) وهي( اللطيفية، والمحمودية، واليوسفية)، شكلت هذه المناطق أخطر أماكن بغداد بعد(2003) لاسيما في المدة مابين(2006، 2007)،إذ سيطر رجال الدين السياسيين المزيفين على المناطق أغلبها، والجماعات الدينية بأسم المقدس الديني المبطن بالضغط السياسي المفتعل، التي نجحت في فرض السيطرة على مساحة هذه المناطق بالكامل، مما تسبب في حصد عدد كبير من القتلى، فضلاً عن الأقتتال بسلاح الهوية الطائفية المميت.

ويحمل الطابع المرجعي للرواية هماً وجودياً أو قلقاً فكرياً، فالشجن سيطر على بناء السردية أغلبها.

أهتمت السردية بمناقشة قضية" أهمية الدين واستغلاله" ؛لأنه تحول إلى  أستعمالية مجانية .

حصرت الرواية سرديتها ضمن نطاق محدد ينحصر بواقع بغداد أولاً، والعراق ككل ثانياً.

وشخصيات الرواية مثقفة واعية نقلت واقع يومي معاش، ابتعدت عن الخيالية والمبالغة، وانطلقت في رسم فضاء روائي متقن.

أضيف، أن القارىء لرواية (مثلث الموت)، يجد أمكانية متقنة في نقل الواقع بتجلياته جميعها، ولم نجد ذاك الكم السردي الخيالي، فكلما أقترب المتن السردي من القضية الأجتماعية كلما وجد حضوراً تشهد له الساحة الأدبية والنقدية.

 

بقلم: د. وسن مرشد