المثقف - أقلام ثقافية

عندما يصبح "العقّاد" عيبا!

asya rahahliaنحن نعيش عصر الرداءة بلا منازع، ولو تنافست الأزمنة منذ بدء الخليقة على كأس الوجود لتدنّي الذوق وهبوط الحس الفني والأدبي لكان لزماننا هذا شرف الفوز عن جدارة واستحقاق.أحيانا يُخيّل إلي أنني أعيش فوق كوكب آخر أو أنني جئت قبل زماني أو بعده، لكثرة ما تصدمني مواقف أجدني أمامها كالمصعوق.

ابنة أختي طالبة في الجامعة وتعجبها كتاباتي كثيرا... أخبرتها إنني أفكر في جمعها في كتاب ونشرها يوما ما...فصاحت " جميل! " ثم قالت " ولكن خالتي لا أظن أنّ أحدا سيشتريها" عندما سألتها لماذا أجابتني متسائلة ومستغربة "من الذي يقرأ اليوم مقالات عاطفية رومانسية!؟."

أحتفظ دائما في السيارة بأشرطة لأم كلثوم وكلما أردت الاستماع لها وكان ابني المراهق معي إلا وصاح بي" أمي، من فضلك لا أريد أن أنام ! " ويضع هو موسيقى غريبة يهتز لها جسمه ويهتز المقود في يدي وأدعو الله أن نصل بسرعة كي لا افقد أعصابي وتوازني وتكون الكارثة.. وأتعجب من هذا الجيل... أمّ كلثوم ! ..الهرم الفني !...معجزة الصوت والأداء... تلك التي كان العشاق وغيرهم يسهرون ﻷجلها ليال بأكملها...و كان مجرد سماع المقدمة الموسيقية ﻷي أغنية من أغانيها يطيّر النوم من عيون متعبة أو نعسانة...أمّ كلثوم أصبحت تجلب النوم!

أحيانا أضطر إلى ركوب تاكسي وأفاجأ بما يشبه الموسيقى ينطلق من راديو السيارة وكلمات ليست كالكلمات وأنظر إلي السائق وهو يهز رأسه جذلا ويردد الأغنية مع المغنّي ...و أتعجب من الفرق بيننا .. وأتساءل...ما الذي يجعله يطرب ويجعلني أكاد أنفجر من الغيظ ؟. وأندم لأنني حرصت على أن لا تتورّم ساقاي من المشي فتورّم ذوقي وأهين سمعي...

أذكر أنني كنت أستمع يوما إلى إحدى الإذاعات الوطنية وكان البرنامج غنائيا منوّعا وطرحت المذيعة سؤالا عن أغنية ' يا جارة الوادي '، وجاء الجواب على الخط من إحدى المستمعات لتقول " أغنية يا حجرة الوادي ...." وقبل أن تكمل قاطعتها المذيعة " يا أختي الكريمة...عبد الوهاب لم يغن أبدا على حجرة ".أقفلتُ الراديو بعصبية وخرجتُ إلى الشرفة . أحسستُ بضيق في التنفس..

أبناؤنا في الشوارع والمدارس يعرفون أدق التفاصيل في حياة الممثلين الأمريكيين والأوروبيين ومغنيي 'الراب ' و'الروك' وأبطال أفلام الرعب و' الأكشن'...يعرفون قصص طلاقهم وزواجهم وأسماء كلابهم ومساحة منازلهم وماركات سياراتهم...و يجهلون كل شيء عن علمائنا وأدبائنا وكتّابنا سواء القدامى أو المحدثون وما روته لنا مؤخرا زميلة، أستاذة أدب عربي، يمكن وصفه بالبلية التي تضحك.فقد طلبت من تلاميذها-في الصف الثانوي-تعريف العقّاد فأجابها أحدهم بكل ثقة " هو عيبٌ من عيوب القافية "...

تلميذنا النبيه يعرف أن للقافية عيوبا ولا يعرف أن للأدب والنقد عَلَم اسمه العقّاد.

و أسفاه على زمن صار فيه العقاد عيبا وأم كلثوم منوما!.

2009

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3101 المصادف: 2015-03-02 23:12:48