المثقف - كتب وإصدارات

آراء نقدية في كتاب: الفن التشكيلي .. قراءة سيميائية في أنساق الرسم للدكتور بلاسم محمد..

hekmat mahdijabarوقع في نظري كتابا للأستاذ الدكتور (بلاسم محمد) يحمل عنوان (الفن التشكيلي .. قراءة سيميائية في أنساق الرسم). وقد صدر الكتاب منذ خمس سنوات وبالتحديد في سنة 2008 عن دار مجدلاوي للنشرالتوزيع في الأردن. وقد اثارني عنوان الكتاب لأنني رأيت فيه يحمل عنوانا لموضوع يناقش تخصصي الدراسي العلمي وهو الفنون التشكيلية.وبالتحديد فرع الرسم.

جاء في مقدمة هذا الكتاب جملة من ملاحظات المؤلف وهي ملاحظات جديرة بالأهتمام وبالمتابعة.وقد قمت بتلخيصها على شكل نقاط:ـ

1 – أشارات الى ما شهده القرن العشرين من تناول الباحثين والمتخصصين والفنانين الى جميع الظواهر الفنية في العالم والتي اعتبرها (مرحلة المحك) الفاصلة بين فترتين.فترة اعتبرها الرائدة والتي شملت المنجزات الأولى المعروفة في مسيرة وتأريخ الفنون التشكيلية عامة والتي ترسخت في الأذهان عهود من الزمن.وفترة جاءت ساعية لتحديد أسما جديدا لها .سماها بـ (المواجهة) لتلك المنجزات الأولى (الراسخة).    

2 – عاش تاريخ الفن التشكيلي اشكال من الصراع بعضه هاديء وبعضه صاخب.بأعتبار أن الفترتين الزمنيتين كما جاء في الفقرة واحد هي صراع من أجل الانتقال من هوية الى هوية أخرى في الفن التشكيلي.وما الهوية الجديدة في الفن التشكيلي الا مرحلة تتطلب رؤية وقراءة ومفهوم بجدة عالية.

3 – وذكر أن البحث في الفنون التشكيلية (دائما يتضمن الخطر)، لأن كل جديد يعتبر مشاكسة وهو كمحاولة من أجل احداث تغيير في مفاصل الفنون التشكيلية من ذوق ومفهوم ورؤية. تلك التي رافقت مسيرة الفنون التشكيلية عبر عمرها الطويل.

4 – أشارالى قضية (النقد الفني) في الوطن العربي وأعتبره انه ظل (خارجا عن موضوعه الذي هو في أبسط تعريفاته تفسير الاعمال الفنية). ليكتفي بـ (الأطار) فقط .بحيث كانت محاولات تحليل اللوحات الفنية محاولات ضعيفة قياسا لحجم المنجز الابداعي العربي.وراح النقد باتجاه الذوق الفردي للمتلقي القاريء والمشاهد تحت حجة ان الفن غير عقلاني يجب أن يترك للقاريء ليتذوقه كما يمليه عليه ذوقه.وهكذا فأن النقد الفني ظل في حدود العموميات والسرد التأريخي والانطباعات الشخصية والانشاء اللغوي والتكرار.لذلك كان لابد من مواكبة التقدم في النقد الفني العالمي ومراجعة مناهجنا النقدية وايجاد طرق تحليل جديدة متونا ومصطلحات ومفاهيم.

ولازلنا في فقرة النقد الفني التي اشار اليها المؤلف حيث يقول:ـ بأن دراسة الفن يجب أن تركز اولا على العمل الفني ذاته (اللوحة). وقد ظهر منهج نقدي في فرنسا يعتمد شرح (اللوحة) وفي المانيا ظهر منهج (التحليل الشكلي) وفي روسيا منهج (الشكلانيين) وفي انكلترا منهج اختراق اللوحة ومن ثم المنج البنيوي والسيميائي والتداولي والتفكيكي ...الخ.

5 – ومن هنا أستدرجنا المؤلف ليضع تلك الأسباب مع ظهور التيارات الحديثة دافعا له ليعين بحثه في منهج نقدي فني وهو علم العلامة (السيميائية) معتبرا اياها بأنها ربما تكون منهجا يمكن أن يقود الى (أبعاد جديدة داخل المنتج الفني) على حد قوله. وكذلك جعل منه بأنه منهج فيه امكانية كبيرة للتطبيقات النقدية والفكرية ليس في مجال فن الرسم وأنما يتعداه الى الخطابات الفلسفية والأدبية والأجتماعية والثقافية الأخرى.ويقول أيضا: أن (السيميائية) كما حددته (جوليا كريستيفا) بأمكانها أن تعد انظمة شكلية مماثلة لأنظمة أخرى.

وهكذا حدد الباحث الأهمية المميزة (للسيمياء) بمايلي:ـ

أ – لدى تطبيقاتها النقدية لاتتوقف عند حدود تحليل بنية العمل الفني انما تكشف دلالاته فتجعله خطابا آخر بمستويات معينة من الدلالات فتمنح العمل الفني عمقا فكريا جديدا.ورغم ان تطبيقات (السيميائية) على حد قول الباحث ظلت محدودة لكنه أشار الى دور (موكا فسكي) الذي قدم دراسة حول الفن معتبرا أياه (كواقع سيميائي) لكنه واقع مازال غير واضحا.

ب – اما في الواقع الفني العربي، فأن الأشتغال بـ(السيميائية) ظل محدودا على الخطاب الأدبي اللغوي.لذلك ترى هذا المنهج في القصة والشعر والرواية .فضلا عن وجود دراسات نظرية عن علم السيمياء.اذن هي قليلة في مجالات الفنون الجميلة ولكننا قد نراها في المسرح كما اكد ذلك (عادل فاخوري) فيما يخص حركات الممثلين والأيماءات .

ج – يقول الباحث أن فن الرسم ظل بعيدا عن السيميائية.بل تهيب النقاد من دراسته على أساس (سيميائي) فضلا عن خلو المكتبة العربية من دراسات متخصصة في ميدان الفن التشكيلي وخاصة فن الرسم .ويوعز خوضه لهذا العمل الفكري الفني وربما النقدي في هذا الكتاب الى كل تلك الأسباب.فيقول:ــ

أن التصدي لهذا الموضوع أمر مهم، فعسى أن يكون بداية لدراسة فن الرسم ومن التأسيس لمنهج قراءة من نوع آخر، وأيجاد أسلوب في معرفة النظم والأنساق التي تتحكم في الحقبة الفنية التي نتصدى لها.

ومع انه خاض في هذا الموضوع لكنه اكد على انه موضوع ليس بالهين تناوله.وهو من الناحية العلمية (محفوف بالمخاطر) والمزالق اذ يتطلب من منجزها المشاركة في كثير من العلوم، ومن ثم فقد واجهتنا صعوبات متعددة في صياغة كل فقرة منم فقرات هذا البحث.فحاولنا تذليلها ما استطاع لأسباب تتعلق بمشكلة التأسيس ومشكلة المصطلح الذي لم يعتد عليه القاريء ومن ثم صعوبة مصطلح الرسم نفسه بكونه منظومة غير عقدية يتطلب تحليلها كثيرا من التجريد.

ويقول الباحث في مقدمته: أن هناك مشكلة في صعوبة (ألأيصال) في مثل هكذا بحوث.لكن الرغبة في التعلم والبحث المتواصل كفيلان في في تذليل عملية (الأيصال) تلك.وربما يتمكن القاريء العام والمتخصص من فهمه وأدراكه.

وبعد قراءاتين للكتاب وجدتني قد عانيت من صعوبة الفهم والتعب في أدراك ماجاء به الباحث.لكنني أصريت على اختراق تلك الصعوبة لأقرأه مرة ثالثة.فوجدت ان أستاذنا الفاضل بلاسم محمد قد أكد على تطبيقات سيميائية على فن الرسم، وتقنيات اللوحة المعاصرة وآلية تنفيذ مفردات عناصر العمل الفني التشكيلي الحداثوي.

وقد جاء الكتاب بلغة معاصرة فيها من العلمية والفلسفية أكثر من السرد التأريخي أو النقد الفني التقليدي.وقد افرط في استخدام المصطلحات والنصوص العبارات الصعبة الفهم حتى اكاد أن اقول اني عندما أروم شرحها كأني أقوم بترجمتها من لغة أخرى لتعقيدها.وربما كانت الدوافع التي جعلت الباحث أن يستخدم تلك المصطلحات والعبارات الصعبة ناتجة عن حرصه على الأسلوب الفلسفي الرصين أو أمانة النقل العلمي لما جاء به المتخصصون من نقاد وباحثون غربيون وعرب.فضلا عن انطلاقه من كوننا نعيش في زمن يتطلب التجديد والتحديث في طرائق ومناهج البحث الجديدة التي تستدعي استخدام مثل هكذا لغة.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2688 المصادف: 2014-01-14 02:27:31