المثقف - كتب وإصدارات

العدد الجديد من "مجلة قضايا اسلامية معاصرة" مساعي مثابرة لتحرير الخطاب الديني من دوغمائيته..!"

يتضمن العدد الجديد (59-60) من مجلة "قضايا اسلامية معاصرة"، الذي صدر في اواخر عام 2014 ، العديد من الموضوعات والدراسات والترجمات المتنوعة، التي تأخذ من الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية، منطلقا لها. والعدد الراهن هو الجزء الثالث من سلسلة تصب في هذا الاتجاه. تواصل المجلة في التأكيد على ما اعلنته سابقا على صدر صفاحاتها الاولى:

" تبني الرؤى والمفاهيم التي تهدف الى مواكبة العصر ، وتعزز المصالحة بين المتدين والمحيط الذي يعيش فيه، وهي مهمة فكرية اكثر مما هي عملية، فأن غياب وجود مفاهيم مشتركة تلقي الضوء على النشاطات الإنسانية ويعزز المشترك فيها يكون عائقا للوصول الى المشترك الانساني"، كما شدد د.عبدالجبار الرفاعي ، رئيس تحرير المجلة، مرة اخرى ، في الافتتاحية التي كتبها تحت عنوان " ستون"، التي هي إشارة الى بلوغ المجلة عددها الستين، على استقلالية المجلة التامة. واضاف الى ان اصرارهم على اصدار المجلة هو " تعبير عن مسؤليتهم التاريخية في إعادة بناء الحياة العقلية والروحية الاخلاقية في مجتمعاتنا." ص.5

تليها مقالة الباحث العراقي علي المدن بعنوان " المسألة الدينية ومحطات الوعي الثلاث في الثقافة العراقية"، التي عرض فيها للمسيرة التاريخية لتشكيل التفكير الديني في العراق خلال المائة عام الاخيرة. وقد ركز الباحث المدن على الفكر الشيعي وجهوده في هذه المسيرة للمساهمة في نشر الفكر الديني. وتمثلت هذه المحطات ب" مجلة العلم" التي اصدرها هبة الدين الشهرستناني عام 1910، و مجلة " الاضواء" التي صدرت عن جماعة العلماء في النجف عام 1960، التي لعب السيد محمد باقر الصدر الدور الرئيسي في تحريرها. وقد خطى السيد الصدر على هدى أفكار السيد قطب، احد قادة الاخوان المسلمين في مصر، الذي جعل من الاسلام ايديولوجية تقود نشاطات المجتمع وتضبط سلوكه اليومي في كل صغيرة وكبيرة، على الرغم من ان الصدر لم يلجأ، كما قام السيد قطب بذلك، الى تكفير المجتمع القائم. أما المحطة الثالثة فهي مجلة " قضايا إسلامية معاصرة" التي صدرت منذ عام 1997 وما تزال مستمرة على الصدور. وتتميز "قضايا إسلامية معاصرة " كما يلاحظ الباحث علي المدن، هو قدرتها على تجاوز ما بدأه الاخرون وتجاوز عثراتهم " لتتعامل بروح نقدية منفتحة، واستيعاب أعمق لمناهج الفكر الغربي ومفاهيمه ونظرياته ، مع مراجعة وفهم أشمل وأكثر واقعية لتراثنا الأسلامي." ص.15،أي الانتقال "من أسلمة المعرفة الى نقدها". الا ان الباحث لم يقدم تبريرا ما عن سبب اقتصار مقالته على الفكر الشيعي فقط، في الوقت الذي نعرف بوجود مساهمات اسلامية اخرى خارج هذا الفكر، سيما ان عنوان المقالة يوحي بالتعميم وليس التخصيص على فكر ديني معين. وإن كنا لم نعثر على مجلة اسلامية جادة متميزة؛ تؤشر وتؤرخ لانطلاقة مرحلة من مراحل الاسلام السني الحديث في العراق، منذ ظهور الصحافة حتى سقوط صدام حسين.

نطلع ايضا في العدد على حوار مع المفكر الايراني " محمد مجتهد شبستري". وقد القى الحوار الضوء على مسيرته وتطوره الفكري منذ ان بدأ دراسة العلوم الحوزوية في قم عام 1951، ثم رحيله الى المانيا عام 1969 وعودته الى ايران ايام الثورة الايرانية عام 1978. وقد اشار شبستري أن وجوده في المانيا كان له الدور الكبير في تحولاته الفكرية، فقد " توصلتُ الى نتيجة مفادها ضرورة ان تكون لنا نظرة تاريخية الى ماضينا" ص23، و لاحظ " أن لا احد هناك يتعرض للآخرين بالأذى، وقد توافق الجميع على التعايش ضمن عقد اجتماعي- سياسي (...) لقد منحنا هناك الحرية الكاملة في الكتابة عن أفكارنا الأسلامية ونشرها بين الناس"ص22. ومن خلال التجربة والتحولات التي مرّ بها عبر الاقامة في اوروبا والقاء المحاضرات فيها ، المساهمة في الثورة ثم التدريس في الجامعة وغيرها من النشاطات، وصل شبستري الى نتيجة " بعد سنوات من البحث للكشف عن المفاهيم السماوية، وجدت أن رغبتي تجاه التقاليد الدينية كانت عبارة عن نشاط هرمنيوطيقي"ص38. وقد ساعدته " نظرية التأويل" في أعادة فهم الاسلام ومكوناته، لكنه يميز بين الرفض وعدم الفهم في هذا التأويل، إذ كما يقول "فالرفض يحصل عندما تقيم الدليل على بطلان نظرية ما ؛ فترفضها وتنبذها على هذا الاساس، اما عدم الفهم فيحدث عندما نشهد تغيرا في منظومة القيم ويختل التعقل" ص33. ومن هنا يمكن القول، انه لم يرفض الافكار الاسلامية بل انه يحاول ان يمنحها معان جديدة، من موقعه كعالم ديني، او كما يشير "وانظر الى عدم فهم اللغة الدينية في هذه الوتيرة المتسارعة من المتغيرات، منذ عصر المشروطة وحتى الثورة الاسلامية، واسعى الى التوصل الى لغة دينية لا تعاني من انعدام الفهم."ص35. فهو ينشغل، كما يشير في مقاله " القراءة النبوية للعالم ب" كيف تم تفسير الوحي في القرآن نفسه، ولا ادعي ما الذي يعنيه الوحي أو دليل الحجية من الناحية الفلسفية " ص39. ومع ذلك فهو لا ينكر، وعلى ضوء استخدامه للهرمنيوطقيا ، ان ظاهرة اللغة هي نشاط بشري.ص41 وعليه فان أهتمامه الحالي ينصب على " أن افهم كيفية تحقق هذا النشاط الانساني، واين يمكن العثور عليه ، وما معناه؟ص42 .ويبدو من الحوار ان شبستري لم يتجاوز ما بدأه مفكرون مسلمون آخرون، الذين يعودون الى ذات المقولة، كلما واجهتهم بعض الاسئلة النقدية الشكّاكة حول دور الشريعة الاسلامية في ما نشهده من تخلف فكري وحياتي، ويكتفي بإلقاء اللوم على الطريقة التي تفسر بها الشريعة، او كما يلخص ذلك بنفسه، عندما كان حاضرا في مؤتمر في المانيا "إنما الحقيقة تعود الى كيفية تفسير الشريعة" ص51، اي على الاسلوب والمنهج وليس على الجوهر الذي يكمن في الشريعة ذاتها.  

659-rifaieبعد ذلك يسلط د.علي مبروك ، استاذ فلسفة في كلية الآداب جامعة القاهرة ، في دراسته المعنونة " قولٌ عن النخبة والقرآن والخطاب" الضوء على دعوة شيخ الازهر " حول وجوب احترام حريات الاعتقاد والتفكير والتعبير والابداع والبحث" ص53، حيث يشير د.مبروك أن قضية الحرية لا تتعلق بإلقاء خطاب وانما" الاصل المهدّد للحريات العامة هو - في العمق- الخطاب الذي تقوم على حراسة اصوله المتخفية ، المؤسسة نفسها التي يقف الشيخ الجليل على رأسها"ص53. ولهذا فهو يطالب بتفكيك" مايرقد في العمق " في هذا الخطاب. ويرى ان الحل لمشكلة الحريات وترسيخها "يكمن في تفكيك البنية المعرفية العميقة للخطاب الديني المهيمن الذي يوجه النصوص"ص54، والأسس التي يقوم عليها الخطاب الديني المهيمن المتمثلة ب " الناسخ والمنسوخ والاجماع والعبرة بعموم اللفظ وغيرها من القواعد التي باتت لرسوخها من قبيل ما يستحيل أن يكون موضوعا لتفكير او سؤال"ص54. ولهذا يدعو د. مبروك شيخَ الازهر، الذي يسعى للاهتداء بالنصوص السمحة الموجودة في القرآن لدعم الحريات في مصر، الى أن" يتجاوز ذلك؛ إلى الوعي بدور معرفي يساهم في دعم الاتجاهات الساعية إلى التفكيك المعرفي النقدي لبنية الخطاب الديني المهيمن، وتعرية مضمونها الايديولوجي، والكشف عن آلياتها المعرفية التي ترسخ بها سيادتها التي تستعصي على أي تحدٍ" ص54.ويكرر د.مبروك هنا ان المشكلة " ليست في نصوص القرآن ، بل في الطريقة المستقرّة التي رسخها الخطاب للتفكير فيها" ص54.وهو هنا يتفق مع شبستري، بمعنى آخر تفكيك بنية الخطاب الديني المهيمن دون المساس بمصادره الفكرية ومنها نصوص القرآن، فهناك دراسات تذهب الى بشرية وتأريخانية هذه النصوص. ذلك ان الهرمنيوطيقا او "نظرية التأويل" لم تكتفِ أصلا بتناول الفكر الديني الذي أنتجته قراءات واستخدامات النصوص الدينية المقدسة او ما يجاورها، بل بحث نقديا في جوهر تلك النصوص ذاتها. مع ذلك لا ينبغي خلط افكار د.مبروك التي تتقدم بخطوات كبيرة تجاه اصلاح الخطاب الديني الراهن مع الخطابات الاسلامية المحافظة التي تؤكد على إلوهية النصوص القرآنية. فهو يوجه النقد الى الطرفين سواء مؤسسة الازهر التي تكتفي بخطاب حيي عن الانفتاح على العالم وخطاب الاسلاميين " أولئك الذين يجعلون من أنفسهم وكلاء حصريين للسلف ، بما يدور عليه خطابهم من وجوب مراقبة الافراد وزجرهم "ص59، الذين خلطوا الدين بقضايا السياسة وحولوه الى اداة لخدمة مصالحهم.

ضمت المجلة ايضا عددا من المقالات المترجمة، ومن بينها مقالة " تطور الهرمنيوطيقا - من البدايات إلى عصر التنوير" للباحث ويرنر ج، جينوريد، التي يعرض فيها لتاريخ الافكار والمراحل التي مر بها طور مصطلح او مفهوم الهرمنيوطيقا، منذ عهد الاغريق ومرورا باليهودية والمسيحية وحتى عصر التنوير. ويلخص تعريف مفهوم الهرمنيوطيقا، الذي اصبح حسب تعبيره مقبول عالميا ب" نظرية تفسير النص" ص65 . ومما يلاحظ ان المترجم استخدم في اكثر من مكان مفردة التفسير بدلا من التأويل. وكان الافضل هو العكس، اي استخدام مفردة "التأويل" بدلا من "التفسير" للفروق المتأصلة في المفهومين معرفيا ولغويا. والى جانب ذلك ضم العدد دراسة مترجمة للدكتور علي حاكم صالح عن الانجليزية لرودولف بولتمان" مسألة الهرمنيوطيقا" ، التي تدور في نفس السياق، رغم ان بولتمان لا يقوم بعرض لتأريخ الافكار الذي تطور في سياقه المفهوم ، بل يقوم بمناقشة الهرمينوطيقا التي بدأت عند ارسطو بقصد تأويل النصوص الادبية ومرورا بديلثي ، و شلايرماخر ، فنكلمان، وكارل بارث وغيرهم ، التي عالجت النصوص اللاهوتية. وحسنا فعل المترجم بالالتزام بمفردة" تأويل" بدلا من "تفسير"، الا ان ما يلاحظ انتقاله من مفردات وصياغات يمكن ان تثير بعض التساؤل حول دقة الترجمة.على سبيل المثال لا الحصر" " يجب أن يكون هنا ايضا تأويلا ، نفسي"ص111 ، ثم يتبعه بنفس الصفحة " الذي لا يكون مادة تأويل موضوعي بل تأويل ذاتي، حدسي"ص111. و" .إذا ما كنّا مؤولين ننقل أنفسنا تجريبيا" ص112، " بل أن ما يشرطها إختلاف عملياتهم النفسية من حيث الدرجة"ص111، و " إن التأويل عمل فني شخصي، تشترط ممارسته التكميلية بعبقرية المؤول" ص112، و" اعني الحياة الشخصية "ص114، "ان الحياة النفسية" 114 ،و " أن يفهم العمل الفردي"، ثم "ان تتجه الحاجة الى التأمل في فردية المؤلف والمؤول، وفي عملياتها النفسية" ص114-115. فكما نلاحظ ان هنالك انتقالات وخلط بين مفردات "النفس، النفسي، الذات،الذاتي، الفرد،الفردي،الشخص، الشخصية، النفسية الخ". ولانني لا امتلك مصدر النص المترجم فمن الصعب عليّ اعطاء حكم قاطع بصحة ما اطرحه ، خصوصا أن المترجم يمتلك خبرة سابقة في الترجمة. وما دفعني الى طرح هذه الملاحظات هو التاكيد على ضرورة التدقيق اكثر خصوصا حين نتعامل من نصوص ذات طابع فلسفي لكي تجنب الى اقصى حد ممكن، الوقوع في اشكالية المعنى المحدد للمفهوم في اصله. فمثل يمكن ان يُفهم ب" العمليات النفسية" بالتحولات السايكولوجية ، بينما الامر المقصود من وجهة نظرالهرمنيوطيقا، ومن خلال سياق النص المترجم، فهو "العمليات الذاتية" للمؤول. لان "العمليات الذاتية"، هي اكثر اتساعا وانفتاحا على المفهوم، و لا تقتصر بالضرورة على النشاط والفعل السايكولوجي، بل تتعداه الى الفعل العملي والفكري.

نقرأ بعد ذلك دراسة د.عبدالله بريمي، من جامعة مولاي إسماعيل، المعنونة "من رمزية الشّر إلى الهرمنيوطقيا". ويتناول فيها رؤية العالم الفرنسي باول ريكور حول فكرة الشر ودلالاتها الرمزية. وتدور أسئلته حول ارادة الانسان ودورها في الفعل الانساني. وكان هاجسه " هو تحديد الابعاد البنيوية لمسألة الشر في حدودها وابعادها المشخصة"ص135. وقد رأى في كل نص او رمز ثقافي معنين ظاهري وباطني، ولهذا فطبقا لريكورفان من الضروري "ارجاع الرمزية بكل ابعادها ومظاهرها .. الى طبيعتها الاصلية بنزع القناع الاسطوري عنها وكشف القوى التي تختبيء وراءها" ص135-136. وقد بحث ريكور جذور الشر في المسيحية لغرض "تأويل عقيدة الخطيئة الأصلية والكشف عن معناها وأبعادها الدلالية والاخلاقية" ص138.وهو لا يكتفي بما حملته تلك الرموز من دلالات ظاهرية توحي به التفاسير البلاغية القديمة، بل يسعى الى " كيف نستطيع أن نفكر انطلاقا من الرمز دون العودة الى التفسير البلاغي القديم، ودون الوقوع في شراك الغنوصية؟ وكيف نستبطن من الرمز معنى يجعل الفكر في حالة حركة ثم كيف يمكن الإمساك بمباشرية الرمز وتوسط الفكر؟ "ص 139. من هنا يمكن القول كما يشير د.بريمي ان ريكور يريد ان يسبر اعماق " العلاقة الدائمة والملازمة لكل من الفكر والرمز، وقد شكلت رمزية الشر، بما في ذلك مفهوم الخطيئة الإصلية، مناسبة ومنطلقا خقيقيا للتفكير في هذه العالقة" ص139.وقد قاده ذلك الى توجيه النقد في تأويله لرمزية الشر" في عمقه الى نقد اللغة اللاهوتية" ص 141 هادفا بذلك "الى " كشف اقنعة كل الاساطير الى تحرير العمق الرمزي الكامن خلف هذه الاساطير"ص141. اي باختصار تفكيك الاسطورة ونزع طابعها الايديولوجي. يمثل الشر بالنسية لريكور "صورة من صور اللاعقل " ولهذا فهو" يمثل تحديا مزدوجا سواء بالنسبة للفلسفة او بالنسبة للاهوت" ص143.كما انه يتجلى بمظهريه عند" الانسان المذنب والضحية". ويميز ريكور، من خلال دراسته للنص باعتباره بنية من الرموز التي تحمل معها معانيها ودلالاتها الخاصة، بين ثلاثة مستويات دالة في التكوين الرمزي له: "الرموز البدئية، والرموز الاسطورية، اما المستوى الثالث فيوضح" كيفية انتقاله الى الموعظة الدينية الذي تُظهره عقيدة الخطيئة الاصلية بنقد هذه الاخيرة وتدمير مفاهيمها، وإزالة كلّ ما هو غنوصي داخلها" ص147. وهو يرى ان هناك مشكلة "عندما تتحول هذه الاساطير الى دوغما او عقيدة تخدم ايديولوجيات ومصالح جامدة لا تقبل التغيير(....) بحيث " صارت الاساطير الى حالة ثابتة تعكس جملة من المعتقدات التي تحرسها المؤسسة الدينية، وتعمل على عدم تعريضها للتفسير او التأويل" ص147-148. لكن ريكور لم يكتف في البحث في بنية اللغة الرمزية وتحليل تركيبها بل النظر اليها فلسفيا. حيث تعني الهرمنيوطيقا عنده "إستعادة للمعنى الكامن في النص"ص165، وبذلك يمثل "التأويل" هنا اضافة جديدة لما لا يقوله النص او يوحي به مباشرة.

في هذا السياق تعالج مقالة د.فؤاد مخوخ، استاذ الفلسفة من المغرب ، "هرمنيوطيقا الرموز في الاسطورة والدين من منظور إرنست كاسيرر". الاسطورة والدين حسب كاسيرر"مكّونان اساسيان من مكونات الثقافة الانسانية، ويندرجان ضمن شكل رمزي مستقل، تسعى الروح ، من خلاله، الى التعبير عن نفسها والوعي بذاتها". مع ذلك فانه لا يميز بين الاسطورة والدين الى درجة الانفصال او التعارض"لأن هذا يعود طبقا له الى" انتماءهما الى شكل رمزي واحد". وهو لهذا يؤكد على الترابط والتمايز والاستقلالية في آن واحد ف"وحدة وظيفتهما الرمزية لا ينفيان خصوصية كل واحد منهما؛ لانهما ليس الشيء نفسه، بل بينهما اختلافات دقيقة"ص179 وهذا الاختلاف يكمن في " الجانب الاخلاقي" حيث ان الاديان التوحيدية الكبرى " وليدة القوى الاخلاقية وتتركز على نقة واحدة هي مشكلة الخير والشر" ص179. ولهذا تتمحور مقاربات كاسيرر حول سؤال مهم : من هو الانسان؟

يطرح د.مخوخ الاسئلة التالية : هل ما تم إنتاجه في مجال الاسطورة والدين مجرد تصورات وأشكال لا قيمة لها في بناء الثقافة الإنسانية وتطورها، أم ان الرموز الأسطورية والدينية ساهمت في تقدم تلك الثقافة وتشييد صرحها؟ وهل تنتمي الأساطير والأديان الى مجال مستقل له آلياته الخاصة به التي تحدد قيمته ويتميز بفضلها عن غيره من الأشكال الثقافية، أم أنه مجرد ملحق ثانوي توجد عناصره منصهرة وذائبة في مجالات أخرى؟" ص167. وللاجابة على تلك الاسئلة فان الباحث يستند الى" فلسفة إرنست كاسيرر حول الاشكال الرمزية ، وإستنطاق نصوصه التي تحدث فيها عن الاسطورة والدين وإنتاجاتهما الرمزية، وحدد فيهما كيفية فهم بنيتهما وعناصرهما" ص167. وهو يقوم بذلك من خلال نقطتين رئيستين:" الرمزية الاسطورية والدينية جزء من بنية العالم الانساني، وسمات الوظيفة الرمزية الاسطورية والدينية"ص167. لكن كاسيرر، كما يشير د.مخوخ، رغم تأكيده على الطبع الاخلاقي للدين فانه "لم يحصره او يختزله فيه؛ بل فتحه على عناصر تاريخية تعود جذورها إلى علاقة الاديان بالاساطير."ص181.

أما د.احمد الفرحان ، استاذ الفلسفة من جامعة ابن طفيل- المغرب، فانه يلقي الضوء على النص المقدس انطلاقا من فهم جان غرايش في دراسته " النص المقدس في ضوء العصر الهرمنيوطيقي للعقل عند جان غرايش : نحو اختلاق فلسفة الدين". وثمة وحدة، كما يلاحظ د. الفرحان، بين رؤية غرايش للهرمنيوطيقا وافكار ريكور وهايدجر في حقلي فلسفة الدين ونظرية التأويل، حيث تحولت " الهرمنيوطيقا الفلسفية او الدينية الى فلسفة هرمنيوطيقية" ص185. وقد استخدم التأويل الفلسفي في فهم الظواهر الدينية، فهو لم يكتف باستخدام النزعة النقدية العقلية حول مكانة الديانات السماوية، بل سعى الى النظر الى اهمية دراسة " اشكال التعبير الفردي والجماعي عن الدين" ص190 الموجودة تقريبا في كل الاديان " كالطقوس والمعتقدات والمواقف الروحية"ص190. وكان محور اهتمامه ينصب على قضية" القدرة على إعادة "النص المقدس" في فهم معنى الوجود الانساني" باعتباره "مقولة وجودية" تقوّم الفهم الانساني للذات والآخر والكون"ص192.وهكذا فان التأويل بالنسبة لغرايش نشاط عملي يدخل في صميم الظاهرة الدينية ذاتها، مما يتجلى عنه وجود صور جديدة من الايمان تغتني بالتجربة الدينية للانسان بابداعاته الفكرية والثقافية والفنية والعملية.ص203.

من الدراسات التي ضمها العدد ايضا دراسة د.علي الديري، ناقد وباحث من البحرين، الموسومة"الوظيفة المعرفية للمجاز في خطاب ابن عربي"، ويعالج فيها موضوعات عدة تتعلق بعلاقة الخطاب الصوفي بخطاب الفلسفة وفيما اذا كانت هناك اختلافات في آليات الصياغات للحقائق التي يطرحها الخطابين.ص207. ويحاول ان يعثر على اجابات من خلال تسليط الضوء على المجاز في الخطاب الصوفي لابن عربي، المتمثل بمبحث " وحدة الوجود" باعتباره "محاولة لتفسير الوجود وحدة واحدة"ص208. و يشير د.الديري انه لا يمكن تجريد المجازات من خطاب ابن عربي " لانها بمثابة الارض التي يحفر فيها مفاهيمه الصوفية والفلسفية عن الوجود والله والانسان"ص213 . ويلخص الباحث هذه المجازات في خمسة هي: النكاح ، التجلي، التشجّر( الخيال)، الكنز( الانسان)،و النور."ص220.

يناقش الباحث محمد حسين الرفاعي، وهو مدير تحرير المجلة، في الجزء الثاني من دراسته مسألة "الفكر العربي المعاصر وتساؤل الهرمنيوطيقا: ممارسة إبستمولوجية من أجل الهرمنيوطيقا في الفكر". ويتناول في مبحثه قضية التأويل او التي يلخصها في " الفهم"ص244 ، ثم الموضوعات التي يشكلها الفهم ذاته، من بينها " الذات، الموضوع، الانتماء، حب الموضوع، النص ..الخ" ص244. ويشير الباحث ان هذا التعدد في الفهم يقود الى "لانهائية الفهم"ص247 ، بمعنى وجود قبول واقرار وجود تنوع وصراع في حقل المفاهيم.

وتحت باب افكار للمناقشة وهو من التقاليد الثقافية الجديدة للمجلة، التي تنسجم مع اطروحاتها التي تؤكد على"أن التنوع والاختلاف حالة بشرية"ص289 علاوة على ان " النزعة الاقصائية في مجتمعاتنا(..)هي سبب الاستبداد السياسي والافقار الفكري، وتعطيل فاعلية العقل في الاجتهاد والابداع"ص.289 . ومن هذا المنطلق فقد حمل العدد دراسة محمد مجتهد شبستري "نظرية القراءة النبوية للعالم" ، التي تمثل جزءا من مشروعه الفكري الذي يستخدم "نظرية التأويل" في فهم النص الديني ومحاولته النزول بهذا النص في سياق تأويله الى نشاط عقلي بشري. يتبع هذه الدراسة رد من د. آرش نراقي، باحث واستاذ فلسفة ايراني من جامعة مورافين الاميركية، في مقالة معنونة" نقد نظرية القراءة النبوية للعالم- فرضيات غير المؤمنين في فهم القرآن في ضوء آراء محمد مجتهد شبستري". كما يناقش د.عباس أمير ، من جامعة القادسية - العراق، افكار شبستري المطروحة في كتابه "الهرمنيوطيقا- الكتاب والسنة"، الذي صدر عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد عام 2013، كجزء من نشاطات المركز للتعريف بالافكار الاخرى وللتوسع في المعرفة الدينية في ضوء العلوم الانسانية الجديدة.

يختتم عدد المجلة بملحق" ستون عددا ستون عاما". يتضمن مجموعة من الآراء حول الموضوعات والقضايا التي عالجها وانشغل بها د.عبدالجبار الرفاعي باعتباره صاحب المشروع الرئيسي لاطروحات المجلة، التي سعت باستمرارإلى تسليط الضوء على طبيعة المحنة التي يواجهها الفكر الديني والمؤمن في آن واحد في ظل تصاعد الحركات الاسلاموية ذات التوجهات الايديولوجية التي خلطت بين الدين والسياسة فاضاعتهما معا، مما تسبب في العبث بقضية الايمان الفردي والاضرار بالمعرفة الدينية وتحويلهما الى ادوات للتجييش الشعبي الخالي من اي ايمان روحي هدفها الرئيسي الحصول على الثروة والجاه والنفوذ والسلطة.

وقد اصاب المعهد البابوي في الفاتيكان بتصنيف المجلة باعتبارها "أهم دورية بالعربية متخصصة في تحديث التفكير الديني في ربع القرن الاخير، وخصص كتابه السنوي لها سنة عام 2012، الذي صدر بالايطالية والفرنسية والانجليزية" ص406. وما يحسب للمجلة والقائمين عليها انها جمعت "أطرافا ثقافية علمية يصعب تجميعها في الحالات العادية، وتمكنها من ردم الهوّة والتدابر الدارج بين التيارات الثقافية والفكرية، ذات المنشأ العلماني، او تلك المنبثقة عن التيارات الدينية المختلفة، مسيحية او اسلامية، وايضا استقطبت أسماء كبيرة من المؤسسات الدينية الرسمية ."ص408، وهو امر نادر في ظل التخندق الايديولوجي لكل طرف. وبهذا تكون مجلة " قضايا اسلامية معاصرة" علامة بارزة على طريق تحرير الفهم الديني من دوغمائيته، ومنحه روحا انسانية جديدة تليق بالمحبة الانسانية وتوقها الدائم الى الحرية.      

  

قحطان جاسم

شاعر وباحث عراقي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3104 المصادف: 2015-03-06 22:39:13