المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

قراءة في ديوان: المكابدات للشاعرة أمينة المريني

عند تصفح ديوان "المكابدات" للشاعرة أمينة المريني إن أول ما تصادفه عينك إهداء، من خلال معاينته يتبادر إلى ذهننا أنها تقصد أحدا ب "إليه .. هو .. هو .. هو ..هو" قبل أن تكشف لنا أكثر أنه الحاضر الغائب لتنتقل بنا بعدها إلى قصيدة شعرية في طابع صوفي، عنونتها بعنوان إحدى قصائد الدكتور عبد السلام بوحجر، لكنها تخالفه في مضمونها، ويتضح من خلال قراءة القصيدة أنها تعارضه في قصيدته الشعرية التي تحمل نفس العنوان والأسلوب الفني لكنها تختلف جذريا في المضمون، كون أن قصيدة الشاعر عبد السلام بوحجر قصيدة ذات طابع غزلي، في حين قصيدة الشاعرة أمينة المريني ذات بعد صوفي تتغنى فيها بالحضرة الإلهية، ونفس الشيء في القصيدة الثانية نجد الشاعرة بنفس الحس الصوفي تتغنى بحبيبها، ولعل تقصد هنا الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، فيتضح أنها لا زالت تصارع النفس الأمارة بالسوء، التي تجعل الروح سجينة طينها، فلا تنفك تحاورها وتقارع طينها، وهي التي تعودت أن تسبح إلى ملكوت الله تعالى بروحها، وهذا ما نلاحظه كذلك في قصيدتين "السجينة1" و"السجينة 2" تناولت الشاعرة نفس الرؤيا للذات الانسانية الطينية، وأبانت عن الصراع الداخلي الذي بين روحها والجسد الطيني، وذلك ما سنلاحظه في باقي  قصائد الشاعرة أمينة المريني، فهي لا تنفك أن تخرج عن دائرة محبة الله تعالى، والتغني بحبه والميل إلى حضرته للارتقاء من العالم الطيني نحو البرزخ العلوي، وفي قصيدة "العابر" تكشف عن ذلك ضمنيا، إذ تقول الشاعرة في مجمل قولها:"ماذا يبقى ؟ إن غادرت الطين .. مواويل حروفي .."ص:38. فالشاعرة تتساءل هنا عن حالها بعد موتها، أي بعدما ستفارق روحها جسدها الطيني وتسمو إلى خالقها، وتتساءل بخصوص أشعارها ماذا سيحل بعد موتها، هل ستكون كتاباتها الشعرية في ميزان حسناتها، أم أنها ستتبرأ منها وتدعها يتيمة تصارع مصيرها لوحدها.

ونجدها في قصيدة عنونتها ب"حبيبي .." تصف فيها مدينة شفشاون الخلابة، وخصوصا نبع رأس الماء الساحر بشفشاون، إذ قسمت هذه القصيدة إلى مقاطع شعرية، وسمت كل قطعة باسم من أسماء الله تعالى، منها "بديع" نسبة إلى ملكوته تعالى الذي أبعد فيه وجعل عرشه فوق الماء، "ودود" نسبة إلى رحمته تعالى بعباده ورأفته بهم، "لطيف" و"حليم" و"سلام"، كل هذه صفاته عز وجل التي لمحتها الشاعرة في ملكوته وعظمته ورحمته التي تجلت بهذه المدينة الخلابة.

وفي قصيدة "هاتف" تطلعنا الشاعرة على تجليات العالم العلوي، كأن هاتفا أتاها من السماء يخاطب روحها، فيهز وجدانها ويزيد من اشتياقها وولهها للبرزخ العلوي، ومن أجل الوصول لهذا البرزخ لابد من مكابدات وتحمل المصائب والصعاب، وهذا ما نلاحظه في قصيدتها "موقف الهلاك" فالشاعرة تستطيب الصعاب والهلاك والعذاب الذي تلاقيه في سبيل حب الله تعالى ونيل رضاه، كأن العذاب باب إلى رحمة الله تعالى، في حين قصيدة "موقف العبور" كأن الشاعرة تريد أن تحيلنا إلى ديوان آخر لها، وهو ديوان "خرجت من هذه الأرخبيلات"، فهذا الترابط بين دواوين الشاعرة أمينة المريني، ملاحظ لمن اطلع على دواوينها الأربعة، وديوانها يحيلنا كذلك إلى ديون آخر للشاعرة  وهو ديوان "مكاشفات" وديوان مكاشفات بدوره يحيلنا إلى ديوان "سآتيك فردا"، التسلسل البنائي حاضر حتى في نفسية الشاعرة وحالتها، بحيث تجد نفسك مضطرا إلى قراءة الديوان السابق لمعرفة الديوان اللاحق، وهذا الديوان الذي بين أيدينا يستدعي ذلك، وبتتبعنا لقصائد ديواوينها الشعرية، نجد هذا التسلسل حاضر على مستوى القصائد، فقصيدة "مكابدات" تظهر الصراع القائم بين هوى النفس الفاتنة وهوى الروح الطاهرة، فالهوى الأول من الذات الطينية اتجاه الذات الطينية، ويبقيك في طينك إلى أن تفارق الروح الجسد، أما الهوى الثاني فهو من الروح التي هي نفح من روح الله تعالى إلى الله تعالى وحده، والتي تنسل بك من الطين نحو الملكوت الأعلى، فالشاعرة تكابد جسدها الطيني للارتقاء نحو الأعلى حيث أصل روحها، حيث يتلاشى الشقاء والمعاناة.

لا يخفى على قارئ ديوان "المكابدات" للشاعرة أمينة، أنه ديوان شعري بامتياز بما يحمله من أساليب فنية وجمالية في غاية التناسق والدقة والروعة، فلغتها الصوفية والشاعرية تستدعي على القارئ التسلح بعدة مقومات بلاغية ونحوية وتركيبية ودلالية، والتسلح بالأساس بمجموعة من المصطلحات من المعجم الصوفي، كما تقتضي معرفة معاني تقتضي بالضرورة الاطلاع على دواوينها الشعرية الأخرى، بدءا من ديوانها الأول "سآتيك فردا" ثم ديوان "مكاشفات" ثم "المكابدات" ثم "خرجت من هذه الأرخبيلات" فالشاعرة لها نسق بنائي واحد متماسك، كما تقتضي كذلك الاطلاع على بعض القصائد لبعض الشعراء الذين ينتمون إلى جيل الشاعرة، كقصائد الشاعر عبد السلام بوحجر التي ذكرت في الديوان الشعري، إضافة إلى كل هذا يجب على القارئ الإلمام بالقراءة الشعرية للعديد من شعراء الذين لهم نفس نسق الشاعرة أمينة المريني، فكل ما يمكن أن نقوله حول هذا الديوان "المكابدات"، أنه يستحق أن يقرأ مرات عديدة لعلنا نستطيع أن نصل فيه إلى تأويل يرضي تفكيرنا ورغبتنا الجامحة إلى المعرفة والتلذذ بالشعر المغربي المعاصر.

 

بقلم: أناس الكنوني 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3802 المصادف: 2017-02-01 14:11:57