المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

شعر الطبيعة في الأدب الأندلسي

البيئة الطبيعية الأندلسية

الأندلس بلاد جميلة، منحها الله من طيب الخيرات ما حرمه الكثير من الأقطار ففيها الأشجار الخضراء والحدائق الغنّاء والبساتين الفيحاء، وفيها الأنهار الدائمة الجريان، والسماء الصافية والمناخ الملائم، يقول لسان الدين بن الخطيب ([1]): (خص الله بلاد الأندلس ما حرمه الكثير من الأقطار مما سواها) ففي حدائقها أكثر أنواع الأزهار وأروعها.

وقد اشتملت على كثير من مزايا الأقاليم فهي: (شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها،هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظيم جناتها) .

ويرى المراكشي: أن الله خصها من دون الأقاليم بأطايب الأشياء وأفضلها فهي كما يقول ([2]):   (مطلع شموس العلوم وأقمارها،ومركز الفضائل وقطب مدارها أعدل الأقاليم هواء وأصفاها جواً، وأعذبها ماءً، وأعطرها نبتاً، وألذها ظلالاً، وأطيبها بكراً مستعذبة وآصالاً) .

فالأندلس بلاد ساحرة الجمال، فاتنة المنظر عذبة المياه، مكسوة الأرض بالخضرة مزدانة الأشجار بالنضرة، تخترقها الأنهار الكثيرة، منها نهر شقر ونهر الوادي الأبيض والوادي الكبير وغيرها .

هذا الجمال وهذا السحر، صوّرها جنة الخلد في نظر شاعرها وابنها البار ابن خفاجة، فهتف قائلاً  ([3]):

يا أهل أندلس لله دركم    ماء وظل وأنهار وأشجار

ما جنة الخلد الا في دياركم   وهذه كنت لو خيّرت أختار

وقد تحدثت المصادر ولاسيما الجغرافية منها عن الطبيعة الأندلسية وسجلت خصائص الأقاليم وميزات المدن من حيث الأرض والتربة والسماء والأشجار والأنهار والثمار والفواكه والطير والحيوان وكل ما أسبغه الله عليها من نعمه التي لا تحصى . ([4])

وقد أطنب في وصفها الواصفون وانتهى المقري الى أن ([5]): (محاسن الأندلس لا تستوفي بعبارة، ومجاري فضلها لا يشق غباره وأنى تجارى وهي الحائرة قصب السبق في أقطار الغرب والشرق) .

 

شعر الطبيعة

الطبيعة أم حانية على الإنسان، وان قست عليه أحياناً فهي قسوة الوالدة المشفقة، في قسوتها الرحمة وفيها الخصب والعطاء والحب .

   ولقد هام الإنسان بجمالها وصفاء سمائها، وأعجب بأشجارها وأنهارها وترنم على نوح ورقها وتغريد أطيارها، فجادت قريحته بالخالد من القول والرائع من الفن في مجالي الطبيعة، الطبيعة الصائتة والطبيعة الصامتة ونقصد بالأولى: كل ما اشتملت عليه الطبيعة وحوته من أحياء ما عدا الإنسان .

 ونقصد بالثانية: مظاهرها وظواهرها ووجودها ممثلاً في أرضها وما اشتملت عليه من سهول وجبال ووديان وتلال ونبات وثمار .

   وفي سمائها وما فيها من نجوم وأفلاك، تزين سمائها وتسير في مداراتها أو تسبح في أفلاكها ومن شمس وقمر، وغير ذلك من الظواهر الكثيرة كالبرق والرعد والمطر .

  فشعر الطبيعة اذن، هو الشعر الذي يمثلها في قسميها: الصائت والصامت كما خلقها الله سبحانه سابغاً عليها الشاعر من خياله ما يزيدها جمالاً وروعة وبهاء ومن نفسه ما يزيدها انسانية وحياة ([6])، وشعر الطبيعة قديم في أدبنا العربي، عرفه الشعراء في الشكل الذي أوحت به بيئتهم البدوية، فتأملوا الطبيعة وافتنوا بها وبثوا آلامهم وأشركوا في أحزانهم وهمومهم .

إلا أنه لم يتميز وقتذاك فناً شعرياً قائماً بذاته، وإن كان استقلاله أخذ يظهر في الشعر العباسي، وبلغ ذروته على يد الشاعر أبي بكر الصنوبري شاعر الشام، وتابع شعر الطبيعة تطوره بتطور العرب أنفسهم وصعودهم سلم الرقي الحضاري إلى أن وصل درجة رفيعة من الانفراد والاستقلال وأصبح فناً شعرياً مستقلاً له شعراؤه في الأندلس .

 

بواعث شعر الطبيعة في الأندلس

كان لهذا الجمال الطبيعي أثر كبير عند الشعراء، فشغفت بها قلوبهم وهامت بها نفوسهم وأغنت قرائحهم، فأخذوا يترجمون هذا الشغف وذلك الهيام شعرا يعبرون به عما يعتمل في صدورهم ويجيش بين ثنايا ضلوعهم، وما تعلقت به نفوسهم، فكانت الطبيعة غذا طيبا لقرائحهم ومصدرا لا ينضب لشعرهم فهي الجنة ويكفي أن تهب نفحة نسيم عليل لتحرك مشاعر الشاعر ابن خفاجة، فيصرخ منشدا: ([7])

إن للجنة، في الأندلس،    مجتلى حسن وريا نفس

فسنا صبحتها من شيبِ     ودُجى ظلمتها من لعسِ

   فإذا ما هبّتِ الريحُ صباً     صحتُ: وا شوقي إلى الأندلسِ

فلهذه الطبيعة الرائعة الخلابة التي عبرت فيها الأرض عن نفسها أجمل تعبير وأروعه، بما أطلعته على سطحها ونثرته في مختلف أرجائها وشتى مناحها، والشغف بهذه المحاسن التي حبا الله بها الطبيعة في الأندلس والفتنة بهذا المجال السحري عدة بواعث منها:

  • استلهام الشعراء واستمدادهم منه فيضا لا ينضب من شعر الطبيعة الذي قالوه تمجيدا لجمال بلادهم وتخليدا لمحاسن وطنهم .
  • مجالس اللهو والطرب والأدب دور كبير في شعر الطبيعة .
  • المجالس الأدبية التي جعلت الأندلس أشبه بقيثارة ترسل ألحانها هنا وهناك في كل الأوقات .
  • حب الأوطان والحنين إليها وخاصة عند الرحلة أو الانتقال من مدينة إلى أخرى .

و من ذلك قول ابن زقاق البلنسي: ([8])

 بلنسية إذا فكرت فيها       وفي آياتها أسنى بلاد

 واعظم شاهدي منها عليها    بأنَّ جمالَها للعينِ باد

   كساها ربّنا ديباج حسن      له علمان من بحر وواد

لقد دخلت حياة الأندلسيين الطبيعة التي خالطت نفوسهم وتغلغلت في أشعارهم، وأبرز ما يدل عليه:

- الطبيعة والمرأة: تشبيه محاسن المرأة بالطبيعة، ومن ذلك ما قاله المعتضد بن عباد:

نضت بردها عن غصن بان منعم    نضير كما انشق الكمام عن الزهر

- الطبيعة والخمر: وكثيرا ما حلت المرأة والخمرة معا في شعر الطبيعة، مثال ذلك قول ابن عباد:

 شَرِبنا وَجَفنُ اللَيلِ يَغسِلُ كُحلَهُ    بِماءِ الصَباحِ وَالنَسيمُ رَقيقُ

- الطبيعة والمديح: تجلت هذه الظاهرة المحدثة على نحو أبرز في كثير من مدائح الأندلسيين، ومن ذلك قول أبو بكر بن عمار:

 أدِرِ الزُّجاجَةَ فالنّسيم قـد انـبـرَى     والنجمُ قد صَرف العنَان عن السُّرَى 

- الطبيعة والشعر الحماسي: تعانقت في أحيان كثيرة معاني الطبيعة ومعاني الحماسة في شعر الأندلسيين، ومن ذلك قول المعتمد بن عباد:

 أثمرت رمحك من رؤوس كماتهم     لما رأيت الغصن يعشق مثمـرا 

 

بواكير شعر الطبيعة في الأندلس

أما في الأندلس وفي هذه البيئة الجديدة، وجدوا كل ما افتقرت إليه بلادهم من حدائق فيحاء وبساتين غناء وأشجار خضراء وأزهار متفتحة وورود زاهية وبحار واسعة وأنهار جارية وحقول فسيحة ومراعي خصبة، إلى غير ذلك مما اللب ويخطف الأبصار .

و من أوائل المقطوعات الشعرية التي قيلت في الطبيعة الأندلسية، وأخذ شعر الطبيعة ينمو قليلا قليلا، ويدرج رويدا رويدا، إلى أن بلغ ذروته في القرن الخامس الهجري، وقيل هذا نجد بواكير شعر الطبيعة، حيث تناول شعراء الطبيعة الصامتة والصائتة، فهذا مثلا أحمد بن عبدربه المتوفى سنة (328هــ) يصف روضة فيقول: ([9])

و ما روضة بالحزن حاك لها الندى    برودا من الموشي حمر الشقائق

يقيم الدجى أعناقها ويميلها            شعاع الضحى المستن في كل شارق

إذا ضاحكتها الشمس تبكي بأعين     معللة الأجفان صفر الحقائق

و وصفوا في الطبيعة الصامتة الورود والأزاهير وفضلوا بعضها على بعض، فهذا الشاعر محمد مسرور الجياني يدعونا إلى مصاحبته والتطواف بعرش الياسمين قائلا: ([10])

اعتبط بالياسمين وليا    فستؤتى منه خلا وفيا

     يغدر الروض فيمضي ويبقى   نوره طلعا وغضبا جنيا

و هم إلى جانب وصفهم الطبيعة الصامتة ممثلة في نباتها وأنهارها وكواكبها وظواهرها وصفوا الطبيعة الصامتة، فعند الشاعر أبو الحسن علي بن حصن، يصف فرخ حمام:

و ما هاجني إلا ابن ورقاء هاتف     على فنن بي الجزيرة والنهر

مفـستق طـوق لازورد كلــكل       موشى الطلى أحــوى القوادم والظهر

 

الطبيعة في شعر القصيد

  • الطبيعة الصامتة

تنعم الطبيعة الأندلسية بجمال آثر، وفتنة آسرة، وتصطبغ بظلال وارفة وألوان زاهية، فتنت الشعراء، فاندفعوا بشاعريتهم تذكيها المناظر الخلابة التي وقعت عليها عيونهم، فكانت ميدانا رحبا لفتهم، وبالإجمال لم يدع شعراء الأندلس شيئا مما يخلب اللب ويفتن البصر إلا وقد وصفوه وذكروه .

أولا: الروضيات

و هو وصف الرياض والحدائق فقد تغنى الشعراء بوصف بيئتهم واستطاع الشاعر أن يميز رياض الحزن ورياض السهل، فرياض الحزن، أنظر وأجمل وعطرها أضوع، ومنها قول ابن خفاجة:

و النور عقد والغصون سوالف     والجذع زند والخليج سواد

ثانيا: الزهريات

و هي النواوير والأزهار والورد والنرجس والرياحين وشقائق النعمان والقرنفل والبهار وأزهار الأشجار المثمرة، مثل: الخوخ واللوز وغيرها، ومن ذلك قول أبو محمد عبدالحق بن عطية متعجبا بزهرة النرجس، قائلا:

 

نـرجس باكـرتُ منـه روضـةَ      لذّ قطعُ الدهر فيها وعذُبْ

حثّت الريح بها خمرَ حيـاً    رقصَ النبتُ لها ثم شَرب

ثالثا: الثمريات والشجريات

أي افتتان الشعراء بالأشجار والثمار، فوصفوا شجر النارج والتفاح والسرو والفاكهة الحلوة، ومن ذلك وصف ابن خفاجة للعنب الأسود، قائلا: ([11])

 واسْوَدّ معْسولُ المَجَاج لو أنَّه    لمى شفةٍ لم أرْوَ يوماً من القُبَلِ

حكى ليلة الهجر اِسْوداداً وإنَّهُ    لأشهى وأندى من حتى ليلة الوصْلِ

رابعا: المائيات والثلجيات

و جاء الشعر هنا في وصف الماء والثلج والأنهار والبحيرات والبحار، ومن ذلك وصف الشاعر أبو الوليد يونس بن محمد القسطلي غديرا في لوحة غناء يتلألأ منسابا إلى بحيرة يصب فيها، قائلا:

 وفوق الدوحة الغنا غدير   تلألأ صفحة وصفا قرارا

إذا ما انصب أزرق مستطيلاً    تدور في البحيرة واستدارا

 

  • الطبيعة الصائتة

لم يتوقف الأمر على اهتمام الشعراء بالطبيعة الصامتة فقط وإنما تعدى ذلك حتى ارتبط شعرهم بالطبيعة الصائتة كذلك الأمر ووصف الطبيعة الحية كما في قديم الشعر العربي، ومن ذلك وصف الخيل والحيوان والعصافير والحمام من الطيور، ومثال ذلك قول الشاعر ابن الزقاق يصف فرسا يطير إلى الحرب:

يخترق النقع على أشقر     ينقض منه في الوغى كوكب

تطير في الحضر به أربع    يطوى لها المشرق والمغرب

و من ذلك أيضا وصف الذئب والكلب، وهذا الوصف ليس جديدا على الشعر العربي وكثر وصف الذئب والكلب في البيئة الأندلسية كونها بيئة زراعية، ومن ذلك وصف كلاب الصيد عند ابن المرعزي النصراني الإشبيلي، وقوله: ([12])

لَمْ أَرَ مَلْهًى لِذِي اقْتِنَاصِ    وَمَقْنَعَ الكَاسِبِ الحَرِيصِ
كَمِثْلِ خَطْلاءَ ذَاتِ جِيدٍ    أَغْيَدَ   تِبْرِيَّةِ   القَمِيصِ
كَالقَوْسِ فِي شَكْلِهَا وَلَكِنْ    تَنْفُذُ كَالسَّهْمِ  لِلقَنِيصِ

و في ذلك أيضا وصف الطير، وقد كثرت الطيور في البيئة الأندلسية، لأنها بيئة شجرية، وفي وصف ذلك قال الشاعر أبي بكر سوار، قائلا:

و لم أر من بكاء بعثنه    فزدن به في لوعتي وغرامي

 

الطبيعة في الموشحات الأندلسية

الموشحات لون جميل من ألوان النظم في الأدب العربي، اتخذت سمتا معينا بالنسبة لتعدد الأوزان الشعرية، وقد نشأت في الأندلس واشتملت على أغراض الشعر التقليدية من غزل ومدح ورثاء وزهد وتهنئة ووصف .

و من الأغراض التي تناولها وشاحوا الأندلس البيئة الطبيعية الأندلسية حيث حظيت برعايتهم ونالت حظا وافرا من عنايتهم فوصفوها في مجالس أنسهم ولهوهم ممثلة في ورودها وأزهارها وأشجارها ورياضها وبساتينها وأنهارها وبروقها وسحابها ومن كبار الشعراء الذين رفضوا تمثيل شعر الطبيعة في الموشحات ورفضوا أن يسلكوا طريق الوشاحين واعتبروها غرضا، أمثال: ابن خفاجة، وابن الزقاق البلنسي، وابن صارة، وابن العطار . ومن الموشحات النادرة التي جاءت وقفا على الطبيعة وحدها، موشحة لأبي الحسن علي بن مهلهل الجلياني، حيث وصف الطبيعة وصفا رقيقا في موشحة، يقول: ([13])   


النهر سل حسامًا       على قدود الغصون
وللنسيم             مجال
والروض فيه         اختيال
مدت عليه           ظلال
والزهر شق كماما       وجدًا بتلك اللحون
أما ترى الطير         صاحا
والصبح في الأفق       لاحا
والزهر في الروض      فاحا
والبرق ساق الغماما      تبكي بدمع هتون

أعلام شعراء الطبيعة في الأندلس

كانت بلاد الأندلس تمثل الجناح الأيسر للدولة الإسلامية الفسيحة وبلغت الحضارة في ربوعها مبلغا رفيعا، فاتسعت فيها آفاق العلوم والفنون والآداب والفلسفة وساعدت الطبيعة الفاتنة هناك على نضوج الشعر وحلاوته وكان لمجالس الأنس والبهجة الأثر الكبير في تنوع أغراض الشعر بخاصة شعر وصف الطبيعة، فوصف الشعراء الطبيعة الفاتنة، كما وصفوا الحدائق والقصور والأبنية وما بها من صور وأشكال وتماثيل وبرك ووصفوا مجالس الشرب والسمر والغناء والرقص وآلات الطرب، ومن أبرز هؤلاء الشعراء: ([14])

  • أبو الحزم بن شهور، واصفا الزهريات:

الورد أحسن ما رأت عين وأز    كى ما سقى ماء السحاب الجائد

  • أبو بكر بن هذيل:

هبت لنا ريحُ الصَّبا فتعانَقت             فذكرتُ جيدَكِ في العناقِ وجيدي

  • محمد بن الحسين:

و النهر مكسو غلاله فضة     فإذا جرى سيل فثوب نضار

  • أبو الحسن بن زنباع:

أبدت لنا الأيّـام زهـرة طيبهـا      وتسربلت بنضيرهـا وقشيبهـا

  • أبو الصلت أمية بن عبدالعزيز الإشبيلي:

قم يا غلام ودع مخالسة الكرى     لمهجر يصف النوى ومغلس

  • ابن خفاجة:

وأتحفـنـي فـيـهـا الـربـيـع بـــورده    عبيـراً بـه الأنفـاس إذ فتـق النـورا

  • ابن الزقاق البلنسي:

و حدائق خضر المقاطف ألبست    من حسن بهجتها ثياب زبرجد

  • أم علاء الشاعرة:

لله بستاني إذا يهـ   فو به القصب المندى

  • أبو الحسن بن حاج:

حكم من التدبير أعجزت الورى    ورأى بها المخلوق ألطف خالق

  • ابن حمديس:

يا باقة في يميني بالردى ذبلت    أذاب قلبي عليها الحزن والأسفُ

  • أبو الوليد بن

انظر إلى خد الربيع مركبا    في وجه هذا المهرجان الرائق

 

  • ابن غالب البلنسي الرصافي:

حمراء عاطرة` النسيم كأنها       من خد مقتبل الشبيبة مترف

  • ابن الورد:

نرجس باكرت منه روضة    لذ قطع الدهر فيها وعذب

  • الصنوبري

مررنا بشاطئ النهر بين حدائقٍ     بها حَدَقُ الأزهار تستوقف الحَدَق

  • أبو الوليد بن زيدون

دونَكَ الراحَ جامِدَه   وَفَدَت خَيرَ وافِدَه

و مجمل القول أن شعراء الطبيعة الأندلسيين قد جودوا التجويد كله في تناولهم شعراء الطبيعة، وكانت أخيلتهم معينة وأساليبهم متقنة الصنع، وقد استفاد فريق من شعراء المشرق حتى نسجوا لنا فنا قديما حديثا وجميلا معبرا، يصور لنا مدى جمالية الأندلس وروعة وصف شعرائها .

 

الخصائص والملامح الفنية لشعر الطبيعة

 يتميز شعر الطبيعة بالأدب الأندلسي، بمجموعة من الخصائص الفنية، أبرزها:

- النسيج اللغوي: حرص الشاعر على اختيار ألفاظه واهتمامه بانتقاد مفرداته، لأن الكلمة هي مادة الأدب .

- التأثر بالمشارقة: ولا غرابة في ذلك، فاللغة واحدة وهم يحنون إلى المشرق حنين المحب وحنين رحلة علم وأدب .

- الابتكار والتجديد: الأصالة في الشعر وقدرة الشاعر على تصوير البيئة الطبيعية في الأندلس، بحيث يبني عن استعداد فطري عند الشاعر وموهبة حقيقية .

وأما ملامح شعر الطبيعة الفنية فأبرزها، ما يلي:

- التصوير الحسي: وهي تتبع الشاعر الأندلسي للظاهرة الحسية أو المادية .

- النظرة التجزيئية: تصوير المشهد في البيت الشعري من جميع جوانبه، وإعطاء كل بيت معنى خاص ومستقبل وكأن الشاعر يصوغه مفردا .

- الاندماج العاطفي: أن يعد الشاعر نفسه جزءا من الطبيعة، ويحرص على الالتصاق بها ويضفي عليها من نفسه ومشاعره ما يزيدها تألقا وحياة . 

الخاتمة

لقد شمل شعر الطبيعة وصف الطبيعة الأندلسية بشقيها الصامت والصائت، بكل مظاهرها وظواهرها كما خلقها الله فهم يصفون رياضها وبساتينها وزهورها وأشجارها، كما يصفون سماءها وأرضها ونجومها وأفلاكها وأنهارها وطيرها وحيوانها .

و قد انعكست الحالة النفسية للشاعر على المنظر الطبيعي، فهي ضاحكة وطروب في أوقات السرور والبهجة باكية حزينة في أوقات الألم والشدة وإن كانت السمة الأولى هي الغالبة عليها في أشعارهم وموشحاتهم .

و وصف الطبيعة عند الشعراء مرتبط بالغزل والخمر ولا غرابة في ذلك، فإن هذه الموضوعات تعد وثيقة الصلة ببعضها، فهم يخرجون إلى الحدائق والبساتين، فيعقدون مجالسهم ويسمرون فيدور عليهم الغلمان بالقداح وتعنيهم القيان، فتفعل الخمرة في نفوسهم فعلتها .

كما أن الصلة وثيقة بين المرأة والطبيعة، إذ كثيرا ما نجد المرأة ماثلة في وصفهم الطبيعة، وقد عني بعض الشعراء بتشخيص الطبيعة ومناجاتها، واختفاء الحياة عليها كما فعل ابن خفاجة في بعض قصائده .

كما أن الشعراء في عصر المرابطين لم يقتصر على تقليد اخوانهم المشارقة والاحتذاء بهم إنما تجاوزوا ذلك إلى التجديد والابتكار في كثير من الصور الشعرية كصياغة الشيء الواحد مرات كثيرة بطرق مختلفة وتصوير حالهم من خلال الطبيعة وقوة التشخيص، ويبقى الموشح قمة التجديد والابتكار عند الأندلسيين، ويكفيهم فخرا أنهم أول من اخترعه ونظم فيه .

  

إعداد وتقديم: شادي مجلي سكر

...........................

المصادر والمراجع

أحمد بن محمد المقري (ت: 1041 هـ)، نفح الطيب من غصن الأندلسي الرطيب، تحقيق الشيخ محمد بن محيي الدين عبدالحميد، دار الكتاب العربي، بيروت .

- أبو نصر الفتح بن خاقان القيسي (ت: 529 هـ)، قلائد القيان ومحاسن الأعيان، ط 1 .

- أبو منصور الثعالبي، يتيمة الدهر، تحقيق محيي الدين عبدالحميد، ط 1، القاهرة – مصر .

- جودت الركابي، (1970 م)، الطبيعة في الشعر الأندلسي، طبعة الشرقي -  ط 2، دمشق .

- جودت الركابي، (1960 م)، في الأدب الأندلسي، ط 2، دار المعارف في مصر.

- ديوان ابن زقاق البلنسي، قدمت له عفيفة محمود ايراني، ط 1، دار الثقافة – بيروت .

- ديوان ابن خفاجة، (1961 م)، أبي إسحاق ابراهيم، ط 1، دار الثقافة – بيروت .

- شهاب الدين التلمساني، (1939)، أزهار الرياض في أخبار عياض، المجلد الأول، مطبعة القاهرة .

- عبدالمنعم الحميري، (1988 م)، صفة جزيرة الأندلس، ط 2، دار الجيل، بيروت – لبنان .

- عبدالواحد المراكشي، (1947 م)، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق محمد سعيد العريان، القاهرة .

- عمر الدقاق، (1975 م)، ملامح الشعر الأندلسي، ط 1، دار الشرق – القاهرة .

- محمد رضوان الداية، (2009 م)، في الأدب الأندلسي، دار الفكر – بيروت .

- مصطفى الشكعة، الأدب الأندلسي، دار العلم للملاين، ط 10، بيروت –  لبنان .

  هوامش

[1] - أزهار الرياض في أخبار عياض. تأليف شهاب الدين أحمد التلمساني.198.المجلد الأول، ص 61 .

[2] - المعجب ص 115

[3] - ديوان ابن خفاجة، تحقيق سيد غازي، الناشر منشأة المعارف بالإسكندرية، ط2، 1979م.

[4] - صفة جزيرة الأندلس، الروض المعطار، المغرب في حلي المغرب، نفح الطيب، صفحات متفرقة كثيرة.

[5] - النفح125:1

[6] - جودة الركابي، الطبيعة في الشعر الأندلسي، ص: 12 – 13

[7] - ديوان ابن خفاجة، ص 136

[8] - ديوان ابن زقاق البلنسي، ص 135

[9] - يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، لأبي منصور عبدالملك الثعالبي .

[10] - المصدر السابق

[11] - ديوان ابن خفاجة، ص 274

[12] - الأدب الأندلسي: موضوعاته وفنونه، مصطفى الشكعة، ص 80

[13] - المصدر السابق

[14]  - المصدر السابق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3806 المصادف: 2017-02-05 13:14:01