المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

نصوص قصصية في "بيت السرد" تعبر عن هموم أصحابها في واقع متوتر

من النصوص القصصية التي تناولتها بحضور أصحابها في "بيت السرد" بدار الثقافة ببن عروس/ تونس، "المخابرة" لمصطفى المدايني، "التميمة" لعمار العوني، "مقام ضيع المقال" لسلوى الراشدي، "الفراشات لا تغضب" لسليمى السرايري، وهي نصوص كتبت حديثا وعبرت عن هموم نفسية ازاء التغيرات الاجتماعية العاصفة التي غيرت الكثير من مضامين القص، ولكنها عبرت عن أشياء حدثت وأخرى ستقع من حيث لا نتوقع، وآن الأوان لننظر فيها وأن نسبر أغوارها انطلاقا في التفرس في الذات والواقع، عبر معالجات فنية تختلف من قاص الى آخر وحسب أفقه المعرفي وآليات معالجته لهذه الفكرة التي تلقي بثقلها على هذه النصوص القصصية.

"المخابرة" لمصطفى المدايني

"المخابرة" هي لوحة قصصية بقلم الأديب مصطفى المدايني، عبرت عن الاحساس الشخصي للشخصية القصصية عبر الاعترافات والخطاب الباطني. إذ يفيق الراوي على صدى مخابرة شخص يدعوه لمقابلته، وتتداخل عليه الأمور بين الوعي واللاوعي إن كانت المخابرة حقيقة أم محض هذيان. وفي المقابل فهو يجمع أحداثا وصورا ويتمعن فيها في ركن المنزل الذي يحتفظ بأدراج الذاكرة، في محاولة منه لربط الصلة بين محتوى المخابرة وبين الأشياء المخزونة في ذاكرته. 

فالمخابرة حدث يفضي إلى التذكر في حالة الصحو، بل هناك مثيرات أخرى وظفت في النص للتعبير عن حالة التيقظ: القهوة، مواجهة المرآة، الرؤية بوضوح، الحركات المستقيمة والمنظمة للراوي.ثم يقوم بدمج الحلم بالواقع، المتخيل بالحقيقي عبر عملية التذكر.

 فالمخابرة هي صدى للواقع وإن كانت تهيؤات أو مكالمة حقيقية، هي تصوير لهم نفسي في عصر معقد يستطيع أن يلتقط تفاصيل الإنسان وما يجول في باطنه عبر وسائل الاتصال الحديثة القادرة على تذكير الإنسان بان حقيقة أخرى تنتظره، هؤلاء الذين يدعونه إلى التمعن جيدا في ذاكرته، وينبهونه إلى اشياء ستحصل في نوع من الاستباق.لذلك بني النص، على الارتداد للماضي المفضي للحاضر.

 قصة "التميمة" لعمار العوني

  قصة "التميمة" لعمار العوني أو "العوذة التي تعلق على الإنسان لأن العرب يعتقدون انها تمام الدواء والشفاء".

يستهل السارد القصة بمشهد قنديل يطفو ونار تزداد سعيرا بالبخور وطرطقة اللبان الذكر. والنار من منظور سحري تمثل طقسا لاستثارة اللامرئي والمخفي أو الجن والأرواح الشريرة. وقرب القنديل تتجسم صورة العجوز يلقي على الشاب دم الصحابة ليبوح، فيعود بنا إلى تاريخ دموي للتنازع على الخلافة.

تنكشف دلالة النار في لون الدم، وتكتمل الصورة حين يكشف الشاب عن ظهر لسعته السياط. وتأثير السياط على الظهر يشير الى التعذيب عبر ما عبر عنه بالعلاج الروحي بيد الشيخ الذي بدا مبتهجا وهو في حالة بلل مما يعطي للنور مدلولا جنسيا فهي متنفس عن كبت. وهي تشير الى مراجع أخرى خارج النص تجسمت رمزيا وهي الحلول الماورائية/ الدينية في مجتمعاتنا التي أفضت الى العنف الجسدي تحت ما يسمى الطهارة، وكأن الأفراد كانوا في حالة إثم وأن السبيل لتطهيرهم هو العقاب المسلط على الجسد.

 النار في النص تستثير ما هو تأملي أيضا، فيخترق السحر عوالم الطبيعة من خلال بعض الطقوس والتمائم.

ولم نلاحظ شخصيات عجيبة تتشكل في هيئات غريبة تحدث الرعب وإنما نحن ازاء شيخ يكتسح لحظات هذيان الراوي وهي يتمثل العديد من الصور، في حين بدا الشيخ في حالة نشوة وهو يستحضر صورة الحلم في شكل امرأة مغرية. 

كل ما هو سحري هو شعري ورمزي بالأساس لأنه يخاتل الواقع ويعبر عن الحلم المشتهى، في اعتقاد منه أنه يحرر الذاكرة من القسوة ومن الألم، ويطهر الجسد، وهو يسترجع صورة الحلم التي وشمها الشيخ على زنده.  وفي رغبة منه لاستحضارالعجيب والغريب وقدرته على استحضار الحلم الغائب عبر تقديم علاج سادي للواقع.

القصة مشحونة بالرموز، وتعبر عن الرعب من واقع يقدم علاجا لا يقوم على العلم والعقل بل عبر اضطهاد الجسد.

"مقام ضيع المقال" لسلوى الراشدي

نقطة انطلاق هذا النص الأدبي هي الواقع الاجتماعي بعد الثورة بعين مدير صحفي. فالنص القصصي قادر على استيعاب الواقع المكتظ بالتفاصيل في مشهد هستيري، أشبه بدفتر مسودات يخلو من النظافة والنظام، اضرابات، فوضى هجرة سرية، غلاء الأسعار، افتكاك أملاك الغير، والكل يبحث عن التموقع، الخيبات، والصحافة تجابه باللامبالاة فهي تزعج الجميع النادل والزوجة والمؤسسة، ولا يبقى إلا حلم مخدر كرحيق النخيل النازف في مدينة يكسوها الدمل ربيعها خريف. وقد غاب الحوار في النص وحلت محله لغة الرسائل والحوار الباطني.

 عنوان النص يشير الى كتابة مقال يجب أن يفصل على قياس صاحب المقام، بطريقة تنسف المشهد كما هو وتستعيض عنه بعبارات النظافة والتناسق  ويبدو أن وظيفة الكتابة الأدبية ودوافعها لا تقل اهمية عن وظيفة الصحافة الحقيقية كسلطة. والدافع لكتابة قصة هو ذاتي وهو نقدي يجرح هذا الواقع المتشظي.

وظيفة المونولوج  في هذا النص هو البوح الذي يعري شخصية منغمسة في الواقع شاهدة عليه بالصمت. لتنكشف الشخصية المحورية بالشكل الكافي، وهي في النهاية تكشف عن معاناتها فهي واعية بهذا الكم من الهموم ولم تجد الطريق السالك لمواجهتها بالقلم، الكتابة بدورها مسودة او خرقة يقابلها الجميع باللامبالاة.

"نذر الصباحات يركض وراء فكرة مستعصية وحروف غير مطيعة"، وفي المقابل صديقة غير مبالية لا يعنيها غير المتعة.  وعلى الرغم من كثرة هذه الأفكار فقد حاكتها القاصة بسلاسة حتى أن الحدث نواة القصة فقد جسد ثنائيات بين عالمين متناقضين. عالم نسغ بكلمات مقتضبة في رسائل هاتفية وعالم صاحب قلم مكتظ بالهموم وبالصور الاجتماعية، وجه لا مبال وآخر يتفرس في عمق الأزمة. طرف يبحث عن آخر بدون قضايا وبدون هموم وبدون قلم يزعج السلطة.

و قد توزعت القصة بين سرد داخلي وبين صوت خارجي يؤدي وظيفة تواصلية وأخرى مجازية ابداعية تدعو إلى المغامرة "طين جسدك كاتم يقيك من هذا الانهيار العصبي الجماعي".

المونولوج يتحدث عن واقع مرير يبدو الراوي غير قادر على مواجهته.عن الغربة والاحباط "لم أعد من فرط اكتظاظي ألحق على المخشب من الاغصان ولا اليابس من الاعواد".المونولوج هو نتاج عجز عن التصريح على الورق فتقوم الشخصية بفضح نفسها بصوت عال. وبقدر ما تطول لحظات المونولوج بقدر ما تنكشف أفكارها ومواقفها.

التماهي الحكائي قصدي في هذه القصة نظرا لحضور الواقع الخارجي بكل مكوناته اجتماعية وسياسية واقتصادية وإعلامية والفترة التاريخية.

والنص ينطوي على أكثر من حكاية:حكاية الصحفي مع الكتابة وحكاية الصحفي مع صديقة تدعوه للمغامرة الجسدية وهو بين هذا وذاك مشغول بأزمة يقع علاجها بما عرضته الصديقة،حتى أنه اختار المغامرة الجسدية على المواجهة الفكرية وهو يكشف عن شخصية حسية في واقع تعوزه الأفكار النقدية. 

الفراشات لا تغضب لسليمى السرايري

في نص "الفراشات لا تغضب" لسليمى السرايري يبدو النص وثيقة أدبية رومنسية لتحصين النفس من توتر المجتمع وتجاذباته، لا يخلو من الصدق التخيلي كتب بلغة مرهفة شفافة تصطفي شخوصها من الطبيعة، كائنات حرة شفافة تصدر موسيقى في أجواء مناخية متقلبة للتعبير عن الاحساس بالبهجة، تعبر فيه الكاتبة عن أفكارها من خلال لغة نثرية فنية، فيكشف النص التمثل النفسي للانفصال عن الواقع والنظر للعالم من خلال زاوية "طبيعية منفصلة جميلة" تحل محل الواقع في مواجهة الهزات الحياة الرامزة اليها عن طريق الريح. فالفراشة رمز للجمال الغريزي والعصفور رمز للحرية وموسيقى الروح تبعث كون جديد عبر تجربة شعرية، وقد اعتمدت على مفردات تتميز بعاطفة شعرية وخيال أثيري، والنثر الفني يختار مفرداته الموحية يهندس عبر صور مشهدية شاعرية لبناء نص قصصي فرضت اللغة أسلوبه وطريقة بناء القصة وطريقة السرد. نحن ازاء قصة شعرية بشخوصها وأحداثها وأطرها.

 

بقلم هيام الفرشيشي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3811 المصادف: 2017-02-10 03:13:09