المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

شعراء بواحدة (6): مالك بن الريب

1 - مالك بن الريب يندب نفسه:

تقول ابنتيْ لمّا رأت طولَ رحلتي ** سِفارُكَ هذا تاركي لا أبا ليا

فللهِ درِّي يوم أتركُ طائعاً ***** بَنيّ بأعلى الرَّقمتَينِ وماليا

وأشقرَ محبوكاً يجرُّ عِنانه * إلى الماء لم يترك له الموتُ ساقيا

خذاني فجرّاني بثوبي إليكما **فقد كنتُ قبل اليوم صَعْباً قِياديا

يقولون: لا تَبْعَدْ وهـم يَدْفِنونني ** وأيـنَ مكانُ البُعدِ إلا مَكانيا

فيا ليتَ شعري هل بكتْ أمُّ مالكٍ **كما كنتُ لـو عالَوا نَعِيَّكِ باكِيا

اقلبُ طرفي حول رحلي فلا أرى *به من عيون المُؤنساتِ مُراعيا

وبالرمل منا نسوة لو شَهِدْنَني*** بَكينَ وفَدَّين الطبيبَ المُداويا

فمنهنّ أمي وابنتايَ وخـــالتي *** وباكيةٌ أخـــرى تَهيجُ البواكيا

قصيدة رثاء ليست كبقية قصائد الرثاء، فلا تجد نظيرتها لدى الشعراء، فرثاء النفس أشجى، وأدمى، وأمرّ، وأقسى مواويل البكاء والنحيب والندب، لا تقدر أن تطيع نفسك إلا أن تطاوعها، فالإنسان وجهة الإنسان، هو سانحه، وهو بارحه، هو شارقه، وهو غاربه، يرى في مماته يوم مماته، ويرى في دنياه أنس حياته، الإنسان وإن طال المدى هو الإنسان، تتعلق به، وتتبع أخباره، تتجادل حوله، وقد تموت لأجله،، وإن مضى ومضى أجله، وهنا سرّ عظمته، وتميّز خلقته، ألم ترَ الناس يتركون الجبال الشاهقة الشامخة، لأنها بنت الطبيعة الساكنة الجامدة، ويحجون فيعجّون بين الأهرام، وما الأهرام إلا من صنع الإنسان، ويعكفون عن اللآلئ والمرجان، ويتزاحمون على المتاحف والآثار والبلدان، لأنها من بدائع خلق الإنسان، فمن هذا المالك بن الريب الذي خلب قلوب الناس، وأشجى نفوسهم، وأدمع عيونهم، وكسر خاطرهم من قديم الآباد والأزمان حتى عصرنا، وهو يثير الأشجان بالوجدان ؟ !!

مالـك بـن الريـب (توفي نحو 60 هـ / 680 م) من شعراء الواحدة،أي من الذين اشتهروا بقصيدة واحدة خلدتهم على مدى العصور،ولم تعرف لهم قصيدة أخرى- ربّما لهم مقطوعات نادرة - ونذكّ أمثال رك بعدّة منهم دوقلـة المنبجـي، ابن زريـق البغـدادي، سحيـم عبـد بنـي الحسحـاس،توبـة بن الحِمْيَـرْ، ومالك بن الريب، محور حديثنا الحالي .

ولو أنني أميل أن أضيف إليهم عدّة شعراء آخرين ذاع صيتهم بخريدة واحدة،ولو أنَ ديوانهم ضمّ قصائد أخرى بقيت في بطون الكتب خامدة جامدة، المهم هذا المصطلح يعود إلى أول كتاب نقدي أدبي عربي، وهو (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام الجمحي، وكان يعني بهم من أجادوا بقصيدة، واشتهروا بها، بالرغم من كثرة أشعارهم كعنترة في ميميته، وطرفة في داليته، وكلتاهما من المعلقات، الموضوع يحتاج لحلقات مستقلة، نرجع للمالك !!

يذكر خير الدين الزركلي في (أعلامه):

مالك بن الريب بن حوط بن قرط المازني التميمي: شاعر، من الظرفاء الادباء الفتاك، اشتهر في أوائل العصر الاموي، ورويت عنه أخبار في أنه قطع الطريق مدة، ورآه سعيد بن عثمان ابن عفان بالبادية في طريقه بين المدينة والبصرة، وهو ذاهب إلى خراسان وقد ولاه عليها معاوية (سنة 56) فأنّبه سعيد على ما يقال عنه من العيث وقطع الطريق واستصلحه واصطحبه معه إلى خراسان، فشهد فتح سمرقند، وتنسك، وأقام بعد عزل سعيد، فمرض في (مرو) - قلب طهران حالياً - وأحس بالموت فقال قصيدته المشهورة، وهي من غرر الشعر، وعدتها 58 بيتا. (1)

أمّا ابن قتيبة في (شعره وشعرائه)، قيذكر عنه:

" هو من مازن تميم، وكان فاتكا لصا، يصيب الطريق مع شظاظ الضبي الذي يضرب به المثل، فيقال ألص من شظاظ ومالك الذي يقول:

سيغنينى المليك ونصل سيفى *** وكرات الكميت على التجار 

وحبس بمكة في سرقة، فشفع فيه شماس بن عقبة المازني، فاستنقذه وهو القائل في الحبس

أتلحق بالريب الرفاق ومالك *** بمكة في سجن يعنيه راقبه

ثم لحق بسعيد بن عثمان بن عفان، فغزا معه خراسان، فلم يزل بها حتى مات .

ولما حضرته الوفاة قال:

ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة *** بجنب الغضا أزجى القلاص النواجيا

فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه ** وليت الغضا ماشى الركاب لياليا " (2)

وقال أبو علي القالي: كان من أجمل العرب جمالاً، وأبينهم بياناً، وقيل لما كان ببعض الطريق أراد أن يلبس خفه، فإذا حية في داخلها فلسعته، فلما أحس الموت استلقى على قفاه ثم أنشأ قصيدته يرثي بها نفسه، وأن مالك يوم أو ساعة أحس الموت، أحس إحساسا مأساويا عميقا بالغربة، وندم ندما شديداً يوم أصبح في جيش ابن عثمان غازيا وفي بلاد غريبة، ودفن في مكان غريب في قفرة بعيداً عمن هو عزيز عليهن، ولذلك تسمى أحياناً بالقصيدة المبكية المحزنة، إذ تصل إلى القلوب،وتذهل العقول لمن يفقه الأدب العربي حقّاً وصدقاً، ومثل ما أقدّم لكم مراراً وتكراراً هذا المخزون التراثي العربي، لعلّنا نتذكّر و تتذكرون، ونشكر وتشكرون، إليكم إياها !!:

1 - ألا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلةً ** بوادي الغضَى أُزجي الِقلاصَ النواجيا

2 - فَليتَ الغضى لم يقطع الركبُ عرْضَه* وليت الغضى ماشى الرِّكاب لياليا

3 - لقد كان في أهل الغضى لو دنا الغضى ** مزارٌ ولكنَّ الغضى ليس دانيا

4 - ألم ترَني بِعتُ الضلالةَ بالهدى ***وأصبحتُ في جيش ابن عفّانَ غازيا

5 - وأصبحتُ في أرض الأعاديَّ بعد ما ** أرانيَ عن أرض الآعاديّ قاصِيا

6 - دعاني الهوى من أهل أُودَ وصُحبتي* ** بذي (الطِّبَّسَيْنِ) فالتفتُّ ورائيا

7 - أجبتُ الهوى لمّا دعاني بزفــرةٍ ****** تقنَّعتُ منــــها أن أُلامَ ردائــيا

8 - أقول وقد حالتْ قُرى الكُردِ بيننا ****جزى اللهُ عمراً خيرَما كان جـازيا

9 - إنِ اللهُ يُرجعني من الغزو لا أُرى ***** وإن قــلَّ مالي طالِباً ما ورائيا

10 - تقول ابنتيْ لمّا رأت طولَ رحلتي **** سِفـــــارُكَ هذا تاركي لا أبا ليا

11 - لعمريْ لئن غالتْ خراسانُ هامتي**** لقد كنتُ عن بابَي خراسان نائيا

12 - فإن أنجُ من بابَي خراسان لا أعـــدْ ****إليها وإن منَّيتُموني الأمــــانيا

13 - فللهِ دّرِّي يــــوم أتركُ طائــــــعاً ***** بَنيّ بأعلى الرَّقمـتَينِ وماليا

14 - ودرُّ الظبَّاء السانحات عشيــــــــةً **** يُخَبّرنَ أنّي هالك مَـنْ ورائيــا

15 - ودرُّ كبيريَّ اللذين كلاهـــــما * ****عَليَّ شفــــيقٌ ناصح لـو نَهانيا

16 - ودرّ الرجال الشـــــــاهدين تَفتُكي *****بأمريَ ألاّ يَقْصُروا مــن وَثاقِيا

17 - ودرّ الهوى من حيث يدعو صحابتي ***** ودّرُّ لجـــاجاتي ودرّ انتِهائيا

18 - تذكّرتُ مَنْ يبكي عليَّ فلم أجــدْ *****سوى السيفِ والرمح الرُّدينيِّ باكيا

19 - وأشقرَ محبوكاً يجرُّ عِنانـــــــه **** إلى الماء لم يترك له الموتُ ساقيا

20 - ولكنْ بأطرف (السُّمَيْنَةِ) نســـــوةٌ ** ** عزيزٌ عليهنَّ العشيـــــةَ ما بيا

21 - صريعٌ على أيدي الرجــــــال بقفزة **** يُسّوُّون لحدي حيث حُمَّ قضائيا

22 - ولمّا تراءتْ عند مَروٍ منيتـــــي****** وخلَّ بها جسمي، وحانتْ وفاتيا

23 - أقول لأصحابي ارفعوني فإنّــــــه **** يَقَــرُّ بعينيْ أنْ (سُـــهَيْلٌ) بَدا لِيـــا

24 - فيا صاحبَيْ رحلي دنــا الموتُ فانزِلا ***** برابيــــــةٍ إنّــــي مقيمٌ لياليا

25 - أقيما عليَّ اليوم أو بعضَ ليلــــةٍ ***** ولا تُعجلاني قـــــــد تَبيَّن شـــانِيا

26 - وقوما إذا ما استلَّ روحي فهيِّئـــــا ***** لِـيَ السِّدْرَ والأكفــانَ عند فَنائيا

27 - وخُطَّا بأطراف الأسنّة مضجَعــــي ** **** ورُدّا علــــى عينيَّ فَضْلَ رِدائيا

28 - ولا تحسداني بــــــاركَ اللهُ فيكما **** من الأرض ذات العرض أن تُوسِعا ليا

29 - خذاني فجرّاني بثوبي إليكمـــــا *****فقـــــد كــنتُ قبل اليوم صَعْباً قِياديا

30 - وقد كنتُ عطَّافاً إذا الخيـــــل أدبَرتْ ***** سريعاً لدى الهيجا إلى مَنْ دعانيا

31 - فَطَوْراً تَراني فـــــي ظِلالٍ ونَعْمَــةٍ ***** وطوْراً تراني والعِتــــــاقُ رِكابيـا

32 - ويوما تراني في رحاً مُستديــــــرةٍ ***** تُخـرِّقُ أطرافُ الرِّمـــــاح ثيابيـا

33 - وقوماً على بئر السُّمَينــــة أسـمِعا *****بها الغُرَّ والبيضَ الحِسان الرَّوانيا

34 - بأنّكما خلفتُمـــــــاني بقَفْــــــرةٍ ***** تَهِيلُ عليّ الريحُ فيــــــها السّوافيـا

35 - ولا تَنْسَيا عهدي خليليَّ بعــــد مـا ***** تَقَطَّـــعُ أوصالي وتَبـلى عِظاميا

36 - ولن يَعدَمَ الوالُونَ بَثَّا يُصيبهــــم ***** ولـــــن يَعدم الميراثُ مِنّي المواليا

37 - يقولون: لا تَبْعَدْ وهــــم يَدْفِنوننـــــي ***** وأيــــنَ مكـانُ البُعدِ إلا مَكانيا

38 - غداةَ غدٍ يا لهْفَ نفسي علــــى غــــدٍ ***** إذا أدْلجُوا عنّـي وأصبحتُ ثاويا

39 - وأصبح مالي مــــن طَريفٍ وتالدٍ ***** لغيري، وكان المالُ بالأمس مالـيا

40 - فيا ليتَ شِعري هل تغيَّرتِ الرَّحــا ***** رحا المِثْلِ أوأمســتْ بَفَلْوجٍ كما هيـا

41 - إذا الحيُّ حَلوها جميعاً وأنزلــــوا ***** بهـــــا بَقراً حُمّ العيون سواجيا

42 - رَعَينَ وقد كـــــادَ الظلام يُجِنُّــــها *****يَسُفْنَ الخُزامى مَــــرةً والأقاحيــا

43 - وهل أترُكُ العِيسَ العَوالـــيَ بالضُّحى ***** بِرُكبانِها تعلـــــو المِتان الفيافيا

44 - إذا عُصَبُ الرُكبانِ بـــينَ (عُنَيْزَةٍ) **** و(بَوَلانَ) عاجوا المُبقياتِ النَّواجِيا

45 - فيا ليتَ شعري هل بكتْ أمُّ مــــالكٍ ***** كما كنتُ لـــــو عالَوا نَعِيَّكِ باكِيــا

46 - إذا مُتُّ فاعتادي القبورَ وسلِّمــــي ***على الرمسِ أُسقيتِ السحابَ الغَواديـا

47 - على جَدَثٍ قد جرّتِ الريحُ فـــــوقه ***** تُـــــراباً كسَـــحْق المَرْنَبانيَّ هابيـا

48 - رَهينة أحجارٍ وتُـرْبٍ تَضَمَّنــــــتْ **** قرارتُها منّـــي العِظــــامَ البَوالـيــا

49 - فيا صاحبا إمــا عرضــــــتَ فبلِغــاً **** بنــي مــــازن والرَّيــب أن لا تلاقيا

50 - وعرِّ قَلوصي فـــــي الرِّكـــــاب فإنها ***** سَتَفلِقُ أكبــــاداً وتُبكي بـــواكيا

51 - وأبصرتُ نارَ (المازنيـــــاتِ) مَوْهِناً *****بعَلياءَ يُثنى دونَها الطَّرف رانيـا

52 - بِعودٍ أَلنْجوجٍ أضاءَ وَقُودُهــــــا *****مَهاً فـــي ظِلالِ السِّــدر حُوراً جَوازيا

53 - غريبٌ بعيدُ الدار ثـــــاوٍ بقفـــــزةٍ *****يَــدَ الدهر معروفاً بأنْ لا تدانيـــا

54 - اقلبُ طرفي حـــــول رحلي فلا أرى *****بـــه مــن عيون المُؤنساتِ مُراعيا

55 - وبالرمـل منّــــا نسوة لو شَهِدْنَنـــــي *****بَكينَ وفَدَّين الطبيــبَ المُــداويا

56 - فمنهنّ أمــــي وابنتــايَ وخــــــالتي *****وباكيـــةٌ أخـــــرى تَهيجُ البواكيـا

57 - وما كان عهدُ الرمل عندي وأهلِـــــهِ ****ذميمـــــاً ولا ودّعتُ بالرمل قالِيا 

يشرع قصيدته بهذا المطلع الإنساني الرائع:

ألا ليت شعري هل أبيتاً ليلة*** بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا

هذا المقطع - على أغلب ظنّي - جاء بعد تأوّهٍ وبكاء وتجهش، وربما كفكف الدموع بأردانه أو يده، والحق هذا الموقف يخالج نفس كلّ إنسان غريب تنقطع عنه كلّ أسباب حياته بين أهله وناسه وبيئته التي نشأ فيها وترعرع بها، فجاء ذلك على شكل استفهام التمني (ليت شعري)، وأعقبه بـ (هل)، فصبت بمصب التمني، وما أمنيته - يا ترى - أن يكون جنب (الغضى)، وهو شجر يكثر في نجد، كنى به عن الحياة بين أهله وناسه وأصحابه وصويحباته !! وهو يلاحق ناقته الفتية السريعة التي طالما أنجته من السقوط المهلك !!

 فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه **** وليت الغضى ماشى الركاب لياليا

هذاالبيت فيه تمني مستحيل، لأن الغضى قد قطع الركب عرضه ومضى، وتم الأمر، وليس كتمني البيت الأول، ثم هل الركب يقطع عرض الغضى ؟!! كيف؟ وكيف السيد الغضى يمشي؟ هل هو إنسان، يمشي ويركض؟ طبعاً هنا استعارتان مكنيتان، حذف المشبهان، وهما أحد أوجهي الشبه في التشبهين، وكذلك في البيت الثالث الآتي شبّه الضلالة بالشيء الذي يباع (استعارة مكنية)، وهنالك طباق بين الضلالة والهدى:

ألم ترني بعت الضلالة بالهدى **** وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا

وهكذا تستمر القصيدة على هذا المنوال الشاعري القديم الجميل الملهم الذي يدخل القلوب دون استئذان، تقرأ، ولا تملّ، وتنتشي بسرّ خفي، وتطلب المزيد، وتزيد، لأنها أحاسيس إنسان شاعرة صادقةغير مزخرفة، ولا مغلفة بدلالات مبهمة غامضة، لا يحلّ رموزها، إلا شيطان رجيم، وفي أحسن الأحوال ملك رحيم !!!

الشاعر يصب مواويله، والدنيا تأمّله، والموت يترقبه،ابنته تقول، و(لله درّي) يقول، وهو أسلوب مدح مألوف، في تعظيم الإنسان لعمله الصالح، ويعقبه بأسلوب قصر، ينفي ويستثني (فلم أجد سوى السيف ...)، والسيف والليل والخيل من رفاق الشعراء القدماء، فلا بد له أن يذكر (الأشقر المحبوك)، والحق المرأة العربية هي رفيقة الرجل الأولى من امرئ القيس حتى امرئ (الفيس)، ولكن النقاد العرب، إما غفلوا أو تغافلوا، وقد كان مطلع قصيدتي عن المرأة في عيدها السنوي : (رفيقة الدّهر هل باليوم تذكارُ)، وهذا المالك الريب يقدم النسوة على الرجال في سؤالهنّ عليه، وشعورهن به:

ولكن بأكناف السمينة نسوة***** عزيز عليــهن العشية ما بيا

فياليت شعري، هل بكت أم مالك **كما كنت لو عالوا بنعيك باكيا

على أغلب الظن هذه (أم مالك) هي زوجه، وليست أمه، لأن أمه باكية باكية عليه، لا محالة، فلا يعقل أن يسأل عن بكائها ونحيبها .

لا أطيل عليك، إنّها لبكائية لا متناهية في حزنها، من عاش ملذات الحياة، وتطلع إلى مباهجها، وأمّل نفسه في تخيّله لمفاتنها، يصارع كالطير المذبوح جزعاً للبقاء في مغانيها، وتغريد أغانيها، ولطف غوانيها، والشاعر المرهف الحساس أكثر الناس تعلقاً بها، لاجرم أن يبث أشجى خوالج نفسه للتعبير عن الأسى لفقدانها، والتحسر المؤلم لفراقها:

فلله دري يوم أترك طائعا *** بني بأعلى الرقمتين وماليا

هذا التحسر المؤلم يكرّ عليه في لحظة، وإذا بلحظة أخرى تدهمه، فيصحو إلى فروسيته:

وقد كنت عطافا اذا الخيل ادبرت *** سريع لدى الهيجا الى من دعانيا

وهكذا ولدت قصيدة عشق الحياة إبان عوالج الممات !!

تم الممات، وفاتت الأسباب، سيان بسهام أم لدغات، يا حسرتي !! ماذا تجدي نداءات الأمنيات أو أنّات الكسرات؟ مالكٌ لا يناجي إلا مالكاً، ولا مجيبٌ في وحشة القفار، وغربة الديار، ضنكٌ ويأسٌ وأخطار.

تارة يحاور نفسه، ويتشبث ربما بمن يسمع أنين صوته:أقول وقد حالت،يقولون: لا تَبْعَدْ، أقول لأصحابي ارفعوني .

وطوراً تمنيات ...نداءات ...تساؤلات، ألا ليت شعري!، هل أبيتن ليلة؟ فليت الغضا ! هل تغيَّرتِ الرَّحا؟ هل بكتْ أمُّ مــــالكٍ؟ ...أساليب بلاغية فنية رائعة، تبثها آهات وزفرات نفسية حرمت، فتذكًرت، فانفجرت، ما كان يدورفي ذهن هذا المخلوق في تلك الديار والقفار؟!! وكم أثرت المرأة في حياته حتى احتلت كل مساحة وجدانه:

فمنهنّ أمــــي وابنتايَ وخــــــالتي ***وباكيةٌ أخـــــرى تَهيجُ البواكيا 

لا أريد الإطالة، وأمامنا شاعر يرثي ابنه، وفلذة كبده، هذه هي الحياة، " وما تدري نفس بأي أرض تموت " الموت حقٌّ، وقد قال الشاعر ذات يوم:

مشيناها خطى كتبت علينا **** ومن كتبت عليه خطى مشاها

ومن كتبت منيته بـأرضٍ ***** فليس يموت في أرض سواها

نعم الموت هو الموت، والحق هو الحق، ولكن ليس بإمكان كلّ إنسان أن يصف مشاعره، وخلجات نفسه، وما يجيش في وجدانه،فيجيشك مشاعراً، ويثيرك عواطفا،، ويبكيك دموعاً، وينزفك دماً، مهما يكن من أمر، نترك مالكاً شاعراً نابضاً حيّاً على الدوام بقصيدة واحدة خالدة، وإلا جمع وحقق شعره الدكتور نوري حمودي القيسي بديوان صغير (3)، أدمى قلوبنا هذا القلب الدامي من يومه حتى هذه الأيام !!

 

كريم مرزة الأسدي

......................

(1) الأعلام: خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي (المتوفى: 1396هـ) - الجزء 5 ج5 ص261 - دار العلم للملايين - الطبعة: الخامسة عشر - أيار / مايو 2002 م

ويذكر الزركلي : وللدكتور حمودي القيسي " ديوان ملك ابن الريب، حياته وشعره - ط "، ثم يدوّن المراجع التي ترجمت له:

خزانة البغدادي 1: 317 - 321 وجمهرة أشعار العرب 143 والمحبر 213 و 229 - 30 وسمط اللآلي 418 ثم 3: 64 ورغبة الآمل 5: 25 المتن والهامش. وفي المرزباني 364 أن الّذي عفا عنه وآمنه " بشر بن مروان " وأنه كان مع " سعيد بن العاص " ومجلة المجمع العلمي العربيّ 38: 524، 732، وأمالي القالي 3: 135 والمورد 3: 2: 232.

(2) الشعر والشعراء ابن قتيبة الدينوري 1 /71 - مصدر الكتاب: الوراق - الموسوعة

الشاملة .

(3) ديوان مالك بن الريب بتحقيق الدكتور نوري حمودي القيسي

مستل من "مجلة معهد المخطوطات العربية" مج 15، جـ 1

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

استاذنا الجليل كريم مرزة الأسدي
ودّاً ودّا

شكراً على هذه السياحة الأدبية الرائعة التي أعادتنا الى أجمل وأعظم مرثية في الشعر العربي وكيف لا والشاعر هنا يرثي
نفسه .
كلما قرأت هذه القصيدة الفريدة , اتذكر قصيدة الشاعر العراقي الراحل يوسف الصائغ وهي بعنوان اعترافات مالك
بن الريب وهي ايضاً من القصائد الفريدة في الشعر العراقي الحديث وقد اتخذ الصائغ من شخصية مالك بن الريب
قناعاً شفّافاً يبث من خلاله همومه ورؤاه الشعرية .
شعراء الواحدة في العربية شعراء كبار بقصيدة واحدة , وهذا يعني مجازاً ان كل بيت في واحدتهم تعادل قصيدة
عند غيرهم .
دمت في صحة وبحوث وإبداع استاذي الجليل

This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العزيز وأخي الكريم الشاعر والناقد والمترجم الكبير الأستاذ جمال مصطفى المحترم
السلام عليكم والرحمة
أشكرك جزيل الشكر على المرور الكريم ، والمداخلة الجميلة ، أعتقد ،على أغلب ظني ، قصيدة يوسف الصائغ ( العودة إلى مالك بن الريب ) وليس اعترافات ، هو مالك المسكين ما عنده اعترافات ، ربما شاعرنا المرحوم يوسف الصائغ عنده اعترافات واعترافات هههههههههه ، نعم القصيدة الآن تؤخذ كوحدة عضوية غير قابلة لتجزئة أبياتها ، ربما ذكرت هذا للمبالغة مجازا ، لاريب لو لم تكن القصيدة الواحدة قمة في الإعجاز لما اخترقت سنوات التاريخ كله وخلدت ، قصائد ابن زريق البغدادي ومالك بن الريب والتهامي واليتيمة الدعدية ، كل واحدة تعادل دواوين ، لأنها خلدت صاحبها ، الحق معك ، احتراماتي ومودتي الخالصة لصديقي العزيز الجمال المصطفى .

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3814 المصادف: 2017-02-13 13:25:49