المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

قراءة نقدية تحليلية برؤية براغماتية لديوان: الأخير الأخير للشاعر الأردني محمود أبو الهيجاء (1-3)

 أولاً: مقدمة: إذا كانت الموسيقى لغة عالمية تفهمها وتتفاعل معها كل مخلوقات الكون من بشر وحيوان ونبات وجماد، وإن كان الأدب انعكاس وجدان الأديب على مرآة من ورق، يحدد ملامحه بقلم من فكر، يستمد مداده من روحه ومعتقده، جاعلاً من تجاربه الشخصية والعامة مخزوناً لا ينضب، يضخّه كلما ضغطته الحياة، فإن الشعر تحديداً هو متنفس النفس وحديث الروح للروح، والقلب للقلب، والعقل للعقل، حديث محمول على بساط من الخيال، يطير بنا عبر الأثير، ينقلنا عبر الأزمان والأماكن والأكوان، فنهيم مع قائله في كل وادٍ، نتقافز مع بطولاته، ونتأوه مع آلامه، ننتشي بانتصاراته، نتأجج بحماسه، ونجاريه في عشقه وولهه...

والشعر هوية، إن لم نقل أنه بصمة يتفرد بها كل شاعر، تتضافر في صنعها عوامل شتى، أو خلفيات مختلفة تنبت في تربة الشاعر الرسالية والنفسية والتربوية والإنسانية والأخلاقية، وتشكل بالمجمل شخصية الإنسانية والفكرية التي توسمه كبصمة تمييز، ومنه ينطلق نحو الانتشار والشهرة ً، لذلك ليس من السهل أن نقيَم أي عمل أدبي بمعزل عن هذه البصمة، وهذا ما يسمى بالتكنيك ، أي بصمة الشاعر التي يتميز بها عن الآخرين، فإن لم تكن موجودة فيه، فهو، إذاً يقلّد ، كما أنه ليس أن نقييم العمل الأدبي مَا لم نمتلك قاعدة نقدية عريضة، تمكّننا من الغوص في عمق أعماق العمل الأدبي دون وجل، وفيها نتمكّن من استخراج ما غاب عن النواظر من مخبوءات من تلافيف وجدان الأديب عموماً، أو الشاعر خصوصاً، آخذين بعين الاعتبار أن الشاعر قد ائتمننا على دواخل الحشا، وعيَننا حراساً على نبضات وجدانه، ووضع بين أيدينا عصارة فكره ومشاعره، فلا نستسهل ولا نستهين بما بين يدينا، بل علينا أن نحمله بمنتهى العناية، ونتفحّصه بكل اهتمام وعناية، ونتعامل معه بكل احترام وتقدير ....

وقد اتجهت المناهج الأدبية الحديثة الغربية وما بعد الحداثة اتجاهاً مادياً بحتاً مع الأدب ونقده، لم تجد فيه إلّا عملاً لغوياً، لم تعبأ بما يحمله النص الأدبي العربي الرصين من قيم وفكر أو فلسفة أو رسالة، ولم تعد تهتم بوظيفته ودوره في التعبير عن هموم المجتمع العربي، ولا صلته بالناس والحياة...وهذا انحراف خطير لا يتفق مع المنهج الإسلامي الذي يقدر الأدب بما يحمله من رسالة وخصوص النصوص القرآنية المقدسة والكتب السماوية الأخرى، حيث أن قيمة الكلمة في المنهج الإسلامي، موظفة بما يخدم رسالة إنسانية بقيمتها ومدلولها، إذ لا يكفي أن تكون جميلة الإيقاع، رنانة، باهرة مدهشة وممتلئة، بل يجب أن يقترن الدال والمدلول فيها، والجوهر والمظهر، وقيمة الأدب في مادته وأدائه، وفي مضمونه وشكله، ولا يجوز بحال من الأحوال إسقاط إحدهما أو إيثار الآخر، لا عند الشاعر ولا عند الناقد .....

وقد كثرت الممارسات السلبية، ومارس الكثير من النقاد ظلماً كبيراً بحق المبدعين، حيث جلدت سياطهم نصوص العديد من المبدعين، إلى أن ظهرت في النصف الثاني من القرن المنصرم، أفكار وأيديولوجيات ونظريات تنصف الأديب وتعطيه الحق بالدفاع عن نفسه، حينها ماتت البنيوية التي كانت تتعمد التدخل في أحاسيس الأديب، وتوجيه إحساسه مادياً نحو آراء متبعيها في الفردية المبنية على الجهل والتسلط والأنانية والتشدق، بعدها جاءت النظريات التفكيكية التي أنصفت الأدب، وسلّحته بمنهجية علمية في التقييم وهو النقد التفكيكي، وأنقذت الأديب من نهش ذئاب النقد المتبنين للنظرية البنيوية والنظريات الأخرى التي تركز على الأخطاء اللغوية، والأخطاء التعبيرية، وتهمل مكنونات النص، ونذكر من النظريات التي أنصفت الأديب النظرية السيميائية، التي أعلنت موت الأديب بعد نشر نصه، واعتبرت النص نقدياً ملكاً للمتلقي والناقد، وليس ملكاً للأديب، والمتلقي يفهمه كيفما شاء، حسب وعيه وثقافته ومخزونه الإنساني والثقافي، بشرط أن يكون النص مستوفياً لمبدأ التنصيص Texualization بشرط أن يحوي النص الميزات ا السبعة، الربط Cohesion والانسجام Coherence ، القصدية intentionality ، الموقفية situationality ، الإخبارية informality ، المقبولية acceptability والتناص intertextuality،،،،

ويذكر أندرسن إمبرت في مقدمة كتابه (مناهج النقد الأدبي):" الأدب تعبير والنقد دراسة"، ودون شك حركتي الروح هاتين، التعبير والدراسة، تلتقيان في الشخص الواحد نفسه، ففي كل شاعر ناقد يساعده على أن يعنى ببناء قصيدته، وفي الوقت نفسه يوجد في أعماق كل ناقد شاعر يعلمه من الداخل كيف يتعاطف مع ما يقرأ، والأديب الجيد يبقى في تجديد مستمر، لا يرضى عما يكتب بسهولة، بل يبقى يعدّل وينقد ويبدّل كل كلمة في كل قراءة من قراءاته لنصه، وقد يستمر في ذلك عدة أشهر أو حتى عدة سنوات، حتى يشعر أن النص قد استقر تماماً......

ثانياً: توطئة:

لما ذا اخترت الرؤية التحليلية الذرائعية (البروغماتيكية) في قراءة هذا العمل الادبي:

وأنا هنا في نقد هذا الديوان سأتبع/ الرؤيا النقدية الذرائعية في تحليل النص الأدبي /

Pragmatic Opinion in Analyzing the Literary Text

يذكر الناقد العراقي، الأستاذ عبد الزراق عوده الغالبي، من خلال متابعته لمدة عشرة سنوات تقريباً وأكثر خلت، للمسيرة النقدية في العالم:" خرجت بفهم يقر أهمية النص الأدبي العربي الإنساني للمجتمع، مقابل النظريات النقدية المادية التي تغطي المنظومة الفكرية والادبية العالمية، وهو شيء غائب عن ذهن المتلقي العربي الذي لا يعي معطيات تلك النظريات التي لا تلائم الدين الإسلامي، ويعتبر التفكيك أهم نظرية حديثة تحترم النص المبني على اللاغوس، والذي لا ينسجم مع الرؤية العربية الإسلامية، لكون التفكيك) (قاد تياراً نقدياً عرف (ما بعد البنيوية)، وهو ضد النظرية البنيوية، التي استكانت لافتراض التناسق في بنية النص الأدبي بناء على ما ينطق، وقوانين لغوية صارمة وحاسمة لا تقبل النقص أو التغيير أو التعديل، ولا تتأثر بشيء خارج نطاقها، لذلك لجأت النظرية التفكيكية إلى التشكيك بالعلاقة اللغوية ذاتها، وفي منطق اتساقها وقوانينها، إذ لم يعد النص - في نظرها - يمثل بنية لغوية متسقة منطقياً، تخضع لنظم دائمة وتقاليد ثابتة يمكن رصدها، بل يمثل النص تركيبة لغوية تنطوي في داخلها على تناقضات وصراعات وكسور وشروخ وثغرات عديدة، تجعل النص قابلاً لتفسيرات وتأويلات لا نهاية لها، وليس هناك من نص يستعصي على التفكيك كي يخرج من باطنه ما يخفيه، لذلك تبدأ النظرية التفكيكية بتكسير السطح اللامع للنص الأدبي لكي تبلغ أعماقه المعتمة والتي لا يبوح بها، ومن هنا تختلف الرؤية البراغماتية في تحليل النص الأدبي، فهي تحترم الظاهر والباطن معاً، خصوصاً للنصوص القرانية والكتب المقدسة الاخرى، فبعضهما يكمل بعض، والكثير من النقاد والمتلقين لا يعرفون مضمون تلك النظريات وخطورتها على النص الأدبي العربي، ولا ماهية النص الأدبي العميق، بشكل حقيقي، فاتباع تلك النظريات، يقود نحو الهرطقة، وتهديم الشكل الجميل للنص الأدبي العربي، لذلك حاولت الرؤية النقدية الذرائعية(البروغماتيكية) تعديل هذا المسار الجائر والتعريف بالنص العربي، من أرض ولادته وحتى نضوجه ونشره بعد خروجه من تحت قلم النصّاص أو الأديب، ومعرفة ماهية النص أمر مهم، ليتسنى للقارىء او الناقد قراءته وإقرار أهميته .....

لذلك انفردت تلك الرؤية بالخروج على تفكيك دريدا النقدي، لكونه تهديم للنص، نحو رحاب التحليل الذرائعي، من خلال بوابة الاختلافات التي تعد نقصاً وثغرة في جوهر التفكيك الموجهة، بشكل خاص، نحو النص الأدبي العربي، وهو دفاع مشروع عن النفس والمقدسات، على الاقل .. بذلك خرجت الرؤية الذرائعية عن التفكيك، بالجانب الذي لا ينسجم مع التفكيك او التهديم، والوقوف بجانب عمق النص وظاهره الأدبي العربي وخصوصياته التجنيسية والبصرية والسردية التي تعد خصوصية منفردة، تميز النص العربي عن باقي النصوص في اللغات الاخرى، والتي تقود الى خصوصية وعظمة اللغة العربية وقوتها في التعبير.

 فقد تعتمد الرؤية الذرائعية تلك، على الجانب التحليلي للنص الأدبي العربي وليس التقكيك وذلك لعظمة شكل النص العربي واعادة بناء مفاصله مرة اخرى بعد التحليل، ضمن معطيات نفسية وسلوكية تتحكم في عقل الأديب العربي والقارئ في نفس الوقت ....."

من خلال هذه الرؤية، سأبدأ بدراستي النقدية لديوان / الأخير الأخير / للشاعر محمود أبو الهيجاء .

ثالثاً: تعريف بالشاعر:

الشاعر محمود أبو الهيجاء، شاعر أردني، من الشعراء الشباب، يكتب الشعر العمودي والحر، والنصوص النثرية، له دراسات صوفية في المعرفة الصوفية والتصوف كمنهج فكري ومعرفي وديني، له اهتمامات بالحكمة وومطالعات بالفلسفة ومثله الأعلى وقدوته العملاق / محمود درويش /.

مجموعة / الأخير الأخير/هو اول إصدار ورقي له، وهناك أخرى بصدد النشر هي / رؤيا الغريب /

رابعاً– مبحث الشكل اوالتكوين البصري

لا يمكننا بحال من الأحوال فصل النقد عن الأدب، فالعلاقة بينهما علاقة أبوية روحية، حيث يعتبر النقد عراب الأدب بشكل عام، لا يمكن لأي جنس أدبي أن يستقيم بمعزل عن النقد، فالنقد هو الذي يضع الأنظمة والقوانين والمصطلحات التي تجعل الأدب ينتظم في طريقه، والنقد الأدبي فن وعلم معقد يستلزم أدوات يجب أن تتوفر لدى النقاد والأدباء من كتاب وشعراء، ونقد الشعر تحديداً، أكثر تعقيداً من باقي أجناس الأدب بالشكل، كون الشعر من أهم الأجناس الأدبية وأكثرها انتشاراً، وأوسعها معنى وتعبيراً، ولا يقتصر النقد فيها على المبنى والمعنى، بل يتعداها إلى دراسة وحدة المبنى والموسيقا، والغوص في العاطفة والحالة الشعورية للشاعر، وهذا يقتضي من الناقد أن يفرد بحثه التحليلي على كل جوانب ومفاصل النص الشعري لإعطاء التحليل الشكلاني الأولي المستوفي لجميع الشروط النقدية من خلال النقاط التالية:

1- الموسيقي الشعرية:

إن المطّلع على ديوان (الأخير الأخير) للشاعر محمود أبو الهيجاء، يمكنه أن يلحظ بسهولة أن القصائد فيه تنتظم بتنضيد سليم، حرص عليه الشاعر، وأولاه عناية فائقة.

والموسيقى نوعان، داخلية تخص الشعر والنثر، وخارجية خاصة بالشعر فقط .

الموسيقى الداخلية: وهي ذلك النغم الخفي الذي تحسه النفس عند قراءة أو إلقاء النص الشعري أو النثري، نغم يشعرنا بالحزن والكآبة، وآخر بالحماس، ومصدر هذا النغم هو حسن اختيار الأديب لكلماته بدون تنافر بين الحروف وسهولة بالنطق، وقد لاحظ النقاد أن حروف الهمس (السين والصاد والزاي) تناسب أوساط الفخامة كمجالس الملوك التي يغلب عليها الهدوء والاحترام، حروف المد (الألف والواو والياء)تكثر في أدب الرثاء لأن طول الصوت يناسب الحزن .

الموسيقى الخارجية:

وهي المتولدة من الأوزان، والقوافي وهي خاصة بالشعر وتشمل الدراسة العروضية والتفعيلة، موسيقى اللفظ والتأليف، من ضمن الأدوات التي يجب على الشاعر أن يحرص عليها ويوليها اللاهتمام اللازم، ويتجلى ذلك في جرس الكلمات والوزن والقافية والسجع والتفعيلات، وفي الموسيقى الداخلية المنسجمة المناسبة لمضمون النص، وقد لمسنا ذلك عند شاعرنا، استخدم ألفاظاً فصيحة مناسبة لمواضيعه، بعيدة عن الابتذال، ما دلّنا على ذائقته العالية وتمكنه اللغوي وثقافته الواسعة، امتزج فكره بالعاطفة، واستعان بالخيال والصور الكثيرة التي نقل لنا من خلالها أحاسيسه ومشاعره بأناقة وتنسيق لافت، أظهرتها عباراته وألفاظه المشرقة

تنوعت القصائد في الديوان بين شعر التفعيلة والنص النثري، وجدت قصيدة واحدة شعر قريض أي شمل كل الحالات الموسيقية، وبدأ ديوانه بقصيدة قريض عنونها ب / تجليات/:

ألا في سجود الروح سرٌ لرؤيتي

   ورؤيا بسري بين روحي ولذّتي

وغيّبت نفسي عن هواها فما قضَت

   إلا لسرّ القرب من سرّ غيبتي

سلام على قلبٍ أصابته صعقةٌ

   فيا أيها الحبّ رفقاً بصعقتي

وما اخترتُ وصلَ الروح إلا بمذهب

  سبيل في الجمال مذهب صحوتي

 

وكثر في الديوان قصائد التفعيلة أذكر منها قصيدة / حالة حب عذرية/ والتي يقول:

إنه يحبها بوضوح النصف الأول من

عواطفه

ويغني الليلَ قصيدةً للحياء

والنصف الآخر لا يُرى من

فرط الشفافية

كشجرة ثابتة حبُّه

فرعها هنا .. وأصلها في السماء

النصوص النثرية كان لها نصيب لا بأس به، وأشير هنا إلى/بصر وبصيرة /

أيها الحب أرني أنظر إليك

إنك لن ترى – قال الحب واحتجب –

سأمسح البصر بعرق السر منك لعلي أرى

تجلّى الحبّ على بصري

فخر قلبي صعقاً

الموسيقا الداخلية في القصائد موجودة بدون كسور تذكر، وهذه نقطة هامة تُحسب للشاعر، تصب في ميزان قدراته الشعرية.

أما التفعيلات، وجدتها في بعض القصائد موزونة بتفعيلة على حرف واحد، بتفعيلات متقاربة ومتباعدة في نفس القصيدة وبتناسق موسيقي جميل مع الموسيقى الداخلية الشاملة للنص وبجمل أدبية شعرية قصيرة .

 ومثالي على ذلك قصيدة / ترتيب الوجع/

سأعيد ترتيب المساء

هنا حلم

وهنا أنا

وهنا ما لا أريد

سأعد ترتيب ثقافتي المسائية

بعبثية جديدة

هنا حب

وهنا موت بحياة

وهنا ربما المزيد

سأشتق من أنايَ

معنى آخر لمعناي

هنا خطاي

تلك رؤاي

وهنا في الذاكرة ..

وجع جديد

...........

ونثرت قصائدي في وجه الريح

جهة الأرض المدنسة

كيف ستسعني الحياة

الليل أقصر من حلمي

سأرتب حلمي الليلة بعد الفجر

سأحلم من غير خجل ..

سأجتهد بتأويل ما أرى

سأجتهد وحدي

أنا هو المتعدد..

وأنا

هو الوحيد.

وبعدها تتباعد التفعيلة حتى نظن أنه قد أغفلها ليفاجئنا بها تعود في نهاية القصيدة بجمل متكاملة طويلة كتدوير، ليدوّر القصيدة موسيقياً على حرف الدال من خلالها، وهذه نقطة تحسب للشاعر بحصر القصيدة موسيقيا بتفعيلتين واستهلالية ونهائية على حرف الدال، كأنما حصر القصيدة بين قوسين موسيقيين جميلين .

وهنا أخذ مداه في مساحات بصرية أتاحت له حيزاً معقولاً من الحرية لإغناء النص بالمزيد من المعاني والخيال، وليتمتع بدرجات انزياح مناسبة، تبعده عن المباشرة في التعبير في الجمل الشعرية المحبوكة، ليلقي بالمفردات من خارج جدار النص، ما أكسب النص أبعاداً رمزية تضيف للشاعر نقطة بالتفوق النصي، وجمال بياني وبديع، بمفردات جسّد فيها الغير ملموس ملموساً، فرافق المساء من كل جهاته وكأنه يحتضنه، وجعل الليل يؤذي ليله، وأعطى لليل أرضا مقدسة، وهنا نرى عبقرية الشاعر بالتلاعب بالمفردات وإعطائها عمقاً دلالياً رمزياً خيالياً، وبذلك تفوق الشاعر برسم صور شعرية جميلة، وكأنه رسام يرسم بالكلمات بدلاً من الألوان، أو عازفاً يعزف بالكلمات بدلاً من الأنغام، كما نرى بالمقطع التالي...

سأرافق المساء من كل جهاته

لعلي أرى ما فعل الليل بليلي

اخلع نعليك قبل أن تطأني

إن أرض الليل مقدسة

فكلما عجلت لتلك الأرض

تركت خلفي جسداً يلهو بسحر الفتيات

فإن عدتُ غضبتُ

هناك قصائد كانت فيها التفعيلة على حرف واحد لكن متقاربة جداً، بجمل قصيرة كما في قصيدة / كناية الحب/ وهذا ما جعلها تقترب من الغنائية بالمجمل:

إذ أكون

ترافقني كظلي

أخبئ نصفي مني

فتسرقني كلّي

تناجي أكثري

فيخجل أقلّي

هي مناسك عشقي

حين يداعبني التجلّي

فتفنى مني الروح

ويختلط آخري بأولي

أصوم عن ذكر وجودي

وأذكرها

حين

أصلي

2- شكل اللغة أو الألفاظ:

تراوحت بين كلمات مبسّطة- لكنها سهل ممتنع- وبين كلمات عميقة، لم أجد مفردات قديمة، لا يحتاج من يقرؤها إلى فتح القواميس، مبتعداً عن فوضى السريالية وغموضها، ما جعل شعره في متناول شريحة واسعة من المتلقين، بمستويات ثقافية متباينة، وفئات عمرية مختلفة، إذ أن حرصه على الوصول إلى النفوس والقلوب جعله يتحرّى في البحث وانتقاء الألفاظ والجمل، مستخدماً الأسلوب الأدبي المبسط دونما إسفاف أو سطحية، أسلوب سهل ممتنع وعميق المعنى، أجراه على كلا النوعين، شعر التفعيلة وقصيدة النثر يشكل نغمي مموسق، الموسيقا الداخلية حاضرة فيهما كليهما .

في نص صوت وصوت:

يرتدّ إليّ صوتي من الصدى

ويعانقني

عناق الورد للندى

هنا ثمة شيء

وقد حرص الشاعر على الإتيان بالفواصل وعلامات الترقيم أو أدوات التنقيط ما أعطاها الشكل الطبيعي الأنيق للنص العربي، كما حرص الشاعر على ترتيب جمل القصيدة والنص النثر بأعمدة وتنسيقات بصرية تلاءمت مع الألفاظ والسياقات الشعرية واللغوية، والتي منحت النص الشكل الذي يجب أن يكون به متكاملاً شكلاً ومضموناً وموسيقياً، حتى يتخذ موقعه المحدد من الشعر المحسوب، وعلى هذا الاساس، يمكننا أن نجنس النصوص الواردة في الديوان بصرياً بأنها (مسلينيا) تنوعت بين شعر حر بتفعيلة، وقصائد نثرية وشعر قريض.

3- درجة العمق والانزياح نحو الخيال:

تنطوي قصائد الشاعر محمود أبو الهيجاء تحت نظرية الفن للفن في معظم قصائد العشق التي حفل بها الديوان، رأينا فيها المدرسة الرومانسية بوضوح وطغيان بيان التشخيص (personification) بصور واضحة حين جعل من الطبيعة والجمادات مجسدة وناطقة .

جاء الانزياح بدرجة عالية في الكثير من القصائد أذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر قصيدة/ حالة حب عذرية /

كان ينتظر قمراً يسقط في حضنها

لينكسر ظلُّها وتظهر كالنور بلا ظلّها

كان ينتظر قدراً يكشف نومها المغطى

بغمامة بيضاء

كان ينتظر مطراً جديداًيغسل قمرها

المعتّق بالعاطفة

والحال هو ذاته في معظم القصائد .

أما أسلوب المباشر والتقرير فجاء جزئياً وبخيال بسيط كالحال في قصيدة / عذرية القهوة /

وحدها لي

كلما استطاعت إليّ سبيلا

وحدها لي

كلما استطعتُ

أن أعلّق هزائمي التي انتصرتُ بها في

الحبّ

على جدران قهوتي

*أسلوب مختلط، مباشر وخيالي (درجة الانزياح نصف)

ومثال عليه قصيدة /حديث الحب/

كلما غفوت مشت النجمة على قلبي

لتصوّب أخطاء الحلم

وترتب حديث الحبّ في المنام

كلما صحوتُ أبصرتُ النجمة

كيف تصعد بسري

لتروّض التأويل هناك

حيث يبتعد بعيدُها عن اليعيد

أصدّق_ أحياناً_

أن الحبّ مكان مجازي

قرب نجمةٍ مجازية

الخيال هو الملكة التعبيرية التي يسبح فيها الإنسان في أثير السحر اللامحدود، حيث يسافر الشاعر قاطعاً المسافات متجها نحو النجوم والقمر والشمس، وهو جالس على كرسيه ماسكا قلمه، وهو عنصر أصيل في الأدب العميق الآخاذ بالسحر وفي الشعر بوجه خاص، ويقلَ في شعر الحكمة والموعظة، ويكثر في الأغراض الوجدانية، تتجلى أهميته عندما نرى إبداع الأديب في تصوير مواقف مألوفة ومعتادة في حياتنا، لكن الشاعر يبث فيها حياة وحركة ووجدان، تضفي عليها الإثارة والطرافة، والشعر الخالي من الخيال لا يعد شعراً، فهو قليل التأثير في النفوس، لذلك كان لزاماً على الشاعر، ولضمان أن تبقى قصيدته –إن لم نقل خالدة، نقل مؤثرة- في نفس المتلقي، وهذا بحد ذاته هدف أسمى يسعى إليه الشاعر، عليه أن يجيد الكتابة بالأسلوب الأدبي العميق والأسلوب الأدبي، الذي يعتمد الممازجة بين الأسلوب الخبري والانزياحي (الخيالي) ليأتينا بلهجة حيوية حميمية، يستعين بالصور والأخيلة التي تجعل المتلقي يسرح بالخيال، فتشارك الطبيعة وتحيا الجمادات، وتبرز ذاتية الكاتب بكل أفكاره وعواطفه ورؤاه ..

وفي معرض ذلك، لابد من استخدام المحسنات البديعية كالجناس والطباق والمقابلة والتورية ..

 

بقلم: عبير خالد يحيي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3828 المصادف: 2017-02-27 01:09:49