المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الرؤيا الجمالية في شعر بشرى البستاني (3)

2 - الرشاقة الجمالية: لاشك في أن الرشاقة الجمالية، أو السلاسة الجمالية من محفزات بنية القصيدة المعاصرة التي اعتمدت الانتقال، على مستوى التقنيات، من السرد إلى الحوار، ومن الحوار إلى الدراما، ومن الدراما إلى الوصف، ومن المشهج المجرد إلى اللقطات التصويرية بالاعتما على تقنية المونتاج والكولاج في السينما، ولهذا تعد الرشاقة الجمالية، من فواعل الرؤيا الجمالية ومؤثراتها، ولعلنا لانجافي الحقيقة في قولنا:

إن نجاح أي عمل فني إبداعي مؤثر يعتمد الرشاقة الجمالية التي تولدها المجازفة الفنية، أو المقامرة الإبداعية الناجحة بطيفها الإيحائي المتجدد، ورشاقتها الإيحائية في توليد الأطياف الجمالية التي تظهر بين أجزاء العمل الفني، ولهذا كان (جان برتليمي) محقاً فيما وصل إليه: " لا يكون الجمال جميلاً دون الرشاقة الجمالية التي تشع في العمل الفني" (42) . والتي ترقى به إبداعياً، فالفن هو رشاقة جمالية وتوالد إيحائي على الدوام، ولهذا، لا تنتهي مثيرات الفن الجمالي طالما هو بتوالد، واستمرار إيحائي على الدوام، وطالما أنه يسير نحو التحقيق الأمثل لهذا الحراك، والرشاقة الجمالية؛ يقول برتليمي: " الرشاقة الجمالية تظهر الحركة قبل أن تختفي، كما لو كان تحققها يسير نحو التحقق . لهذا كان الفنان الحقيقي الذي يعود إلى منبع نشاط الكائنات لكي يستوعب دفعتها بدرجة أعلى، إنساناً يصور الجهد التجديدي للطبيعة بطريقته هو" (43) . وبقدر تنامي هذه الرشاقة تتبدى دينامية المقامرة الجمالية وتثمر في مسعاها الفني، وإشعاعها الجمالي على الدوام، ومن هنا، فإن الرشاقة الجمالية لا تقل درجتها الفنية عن الرؤيا؛" لأن استشراف الرؤيا يحتاج إلى الرشاقة في تمثيلها، والرشاقة في لملمة جزئياتها، وتبيان القوى الخفية الفاعلة في تحريكها؛ فهي القوة الإيحائية الخفية التي يختزنها المنتج الفني، والتي وراءها تكمن قيمة المنتج من جهة، وقيمة الفعل الإبداعي ومنتوجه المثمر من جهة ثانية. ولهذا كان يقال إن أكثر مظاهر الفن إثارة هو النشاط الذي يحركه فينا المنتج الفني المؤثر، وهذا النشاط مبعثه الرشاقة الجمالية المختزنة، أو الطاقة الجمالية الإيحائية المشتقة داخل المنتج الفني؛ وقولنا هذا يناقض قول (مايير) الذي يقول: " إن للفن حقائقه، بعيدة عن الواقع الذي تكشفه البديهة، وهو نتاج عمل أكثر منه نتاج رؤية، وجوهره العمل، فإن كان الفنان يبقى وقد تعود الواقع، فذلك بالقدر الذي يبين به الفن أن هناك في الأمر مادة وإنساناً يعمل. وهكذا يعطي الفنان لنفسه حق قيادتنا بعيداً عما هو قائم. ومهمته هي إنكار الواقع، بقصد إعادة بنائه" (44) .

فالفن- من منظور- (مايير) هو فن صنعة، وتفنن في هذه الصفة، وليس فن رؤيا، وتفنن في هذه الرؤيا؛ وهذا القول يناقض حقيقة الفن خاصة، وحقيقة الإبداع عامة؛ لأن الرؤيا هي مركز ثقل المنتج الإبداعي، بوصفها تمثل لب الإبداع وجوهره؛ فكيف يتم تغليب ما هو سطحي، عما هو جوهري في الفن والإبداع؟! .. وبهذا الفهم نخالف (مايير) ونقول: إن جوهر الفن الرؤيا، والرشاقة الجمالية في التعبير عن هذه الرؤيا والتقنيات الجمالية في تمثلها أو تجسيدها إبداعياً، ولا غنى لهذه الرشاقة عن جودة الشكل وتآلفه مع جوهر الرؤيا، وإشعاعها الفني. وبرأينا: إن الفن الإبداعي الحقيقي هو الذي يولف بين فنية الرؤيا، وجمالية الشكل الذي تتجسد فيه هذه الرؤيا؛ والرشاقة الجمالية في بث إشعاعاتها الجمالية بين الحيثيات التجسيدية لهذه الرؤيا؛ وهذا ما يجعل المنتج الإبداعي أكثر جاذبية، ورشاقة وسلاسة جمالية في تلقيه. ولا غنى للفن الإبداعي الحقيقي عن مصدر جماليته، وهو الرشاقة، والنشاط الجمالي الذي يولده فينا؛ ليحرك نبضنا، وأحاسيسنا الداخلية إلى تلقيه؛ بوصفه جزءاً لا يتجزأ من تجربتنا وإحساسنا الوجودي. ولذة معاشرتنا للذي فقدناه من زمن. ولهذا يقال: إن الفن الحقيقي هو الذي يبقى مسكوناً فينا، ولا نغادره، هو الذي يحرك فينا ما نعجز عن تفسيره، فالفن في هدفه وتخليق جماله ستار إيحائه الرؤيا الجمالية التي يوحي بها؛ يقول (بيرجسون): "الفن في ستار الكلمات... يصنع جماله بالذات في نسيج لغته.. ومن المحال أن نبعد هذا الستار.. وإن أنت مزقته تكون قد قضيت على الفن" (45) . وهذا الستار أو الحجاب الشفيف هو الذي يحرك النشاط الفني، ويحرك الإشعاع الجمالي؛ فكم من الأعمال الفنية قد استهلكت لخفوت إيحائها، ومبعث جمالها فلم يبق لها ذلك البريق الذي فجرته لحظة بروزها، وامتشاقها الفني، وعنفوان إيحائها العميق، واستعلائها الجمالي المثير الذي يستثير الرؤى، ويفجر الأحاسيس لتلقيها، والانشداه إلى إشعاعها، وبريقها الساحر؛ ولهذا أبدع الناقد الجمالي (بايير) في رؤيته الجمالية التي تقول: " إن حركة إنسانية تسكن عالم الفن، وإن صح التعبير، هي عبارة عن صعود روحي دؤوب للنوع" (46) . وهذه الحركة الإنسانية، والروحية مبعثها الحراك الجمالي أو النشاط الجمالي الذي تولده لذة تلقي الفن، ولذة الإحساس به، أو التأثر بقيمه الوجودية أو الجمالية التي يخلقها لحظة تلقيه الجمالي، ولهذا، يعد "بيرجسون" الفن رشاقة جمالية بوصفه وسيلة للإغراء" (47) . والفن الذي لا يخلق الرشاقة الجمالية أو النشاط الجمالي يعد فناً صامتاً، أو فناً مائتاً، والفن الحقيقي بعيد عما هو ساكن بالمطلق، ويعضد "بيرجسون" رأيه قائلاً: " فلا قيمة للوحات إذا لم تقدم شعوراً لطيفاً، رغم فعل الصدفة التي توحي به، وإن هي لم تبعث فينا لذة ما حين ننظر إليها" (48) . وهذه اللذة مبعثها رشاقة الإيحاء، والصدمة الجمالية التي تولدها المقامرة الجمالية في تخليق اللذة الجمالية، إثر تلقي المنتج الفني المؤثر، ولا غنى لأي عمل فني إبداعي خلاق –بحق- عن لذة الرشاقة الجمالية التي تولدها الفنون في مغامرتها الإبداعية، لتخليق عنصر الإثارة والتأثير. ولهذا كان الأستاذ الجمالي (بايير) واقعياً في رؤيته الجمالية بقوله: " إن الفن يتميز بطاقة خاصة تسمح بالتجسيد، وحتى الظلام الذي يخيم على الوسائل الفنية، هي التي تصنع التماسك القائم بذاته للفنون" (49)

وهذا القول دقيق جداً، فالفن يتميز بطاقته الإبداعية التي تحددها الوسائل الفنية، أو الطرائق الفنية في توليف حيثيات هذا المنتج الفني، وبقد ما تظلله هذه الوسائل من إيحاءات ورؤى متفاعلة يخلق العمل الفني تماسكه ونشاطه الجمالي.

وتبعاً لهذا، رأى بيرجسون أن الإغراء وحده ليس هدف الفن، لأن للفن نشاطاً داخلياً جمالياً يثيره الهدف الفني؛ والشكل الجمالي الإبداعي المخصوص في تحقيق هذا الهدف؛ إذ يقول: " ليس بالإغراء وحده تبهرنا مصورات" الموزاييك" التي قدمها رافين، ولا العالم الجهنمي الذي قدمه جويا؛ وإنما بالنشاط الجمالي الذي تجسده، والمبعث الإيحائي الذي تستثيره؛ وتحرك معه الحس الجمالي أو الصدفة الجمالية" (50) .

ومن المؤكد أن الفن الجمالي لا يقصد اللذة قصداً، وإنما تأتي اللذة نابعة من صدفة ما أثارته الرؤيا الفنية، والأسلوب الجمالي المتبع في تخليقها، والنشاط والرشاقة الإبداعية التي أثارته بين حيثياتها الجزئية، لتوليد الاستثارة الجمالية، والحراك والرشاقة الجمالية لاستظهاره جمالياً؛ وهذه هي لذة الفنون الإبداعية المؤثرة التي لا غنى عنها للرقي المعرفي، والجمالي على الدوام.

وتعد الرشاقة والسلاسة والخفة الجمالية من مكمن شعرية الرؤيا في قصائد بشرى البستاني التي تتنوع برؤاها ومداليلها العميقة، وتثير الحساسية الجمالية برشاقة مؤثراتها، وسلاسة معطياتها الجمالية، فالقصيدة – لديها- ليست سكونية، وليست وصفية بقدر ماهي متحركة في تقنياتها ومؤثراتها ومتحولاتها الجمالية، فهي تنزع دوماً إلى خلق متغيرها الجمالي في الرؤيا، والأسلوب الانزلاقي في تمثيلها وتجسيدها إبداعياً، وللتدليل على ذلك نأخذ قولها:

" لا تقفل نوافذ البحر دوني

فالشجر الناهض في احتدام الموج ِ

يُظلّ روحي...

افتح نوافذ البحر عليْ،

كي لا أضيع خارج الشِباكْ.

**

لا تغمض عينيك ْ..

احتاجهما كي ترتعش الحشائشُ داخلي

ويشتعل عبير الزنابق المتفتحة ِ

في حدائق الكون ْ

**

لا تغمض عينيك ْ

فعلى بحرهما اكتب قصيدتي

وفي إيقاعهما تتخطفني الجزرْ.

افتحْ شُرف الليل عليْ

كي تظل الصفحة ُ البيضاءُ واعدة ً بالنقوشْ" (51) .

إن القارئ يتلذذ بهذه الجمالية التي تثيرها على مستوى الرؤيا، وما تفيض به من مواجد، وأحاسيس لاهبة، برشاقة وخفة جمالية في اختيار النسق الجمالي الذي يبدع بفيوضاته الوجدية، وملامحه الجمالية، وكأن شيئاً من التنامي والانشراح الروحي يفيض من رحيق الأنوثة في هذه القصيدة (افتح شرف الليل عني كي تظل الصفحة البيضاء واعدة بالنقوش) ؛وهذه الانسيابية في الانتقال من صورة إلى أخرى بريشة الإحساس والتنامي الجمالي هي ما تجعل من مؤثرات الرؤيا محفزاً جمالياً من مغرياتها ومحركاتها الجمالية، كما في قولها: [ لا تغمض عينيك ْ..احتاجهما كي ترتعش الحشائشُ داخلي]؛ وبهذا الإحساس الجمالي في التقاط الصورة الانسيابية الوارفة بدلالاتها تحقق الشاعرة دهشتها الجمالية التي ترفع وتيرة الجمال والشعرية في قصائدها، سواء في شكل الصورة، أو موحيات الرؤيا الصوفية وما تفيض بها من معانٍ ورؤى ودلالات مفتوحة تبثها على مستوى أنساقها الشعرية.

وقد تعتمد الشاعرة الرشاقة التصويرية، بالانتقال من نسق استعاري إلى آخر، لتحريك إيقاع القصيدة، وتحميلها من الدلالات ما يغني رؤيتها، ويكثف قيمها الجمالية، لاسيما عندما تغذي هذه الرشاقة الرؤيا وترفع وتيرة شعريتها على هذا النحو المكثف من الفاعلية والتأثير، كما في قولها:

"في الليل أنتظركْ ...

ندخلُ جذور َ الرياح معاً،

نبحثُ عن مستقرْ ..

أختبئُ في قلبك فأجدُ سفنَهُ المثقلةَ نائمة ْ

أتطهّرُ في دمكَ من خطايا الجوع ِ والظمأ ْ،

وألوبُ بالياسمينْ .." (52) .

لابد من الإشارة إلى أن الرشاقة الجمالية التي تولدها الرؤيا الصوفية – في قصائد بشرى البستاني- تهبها القوة والتميز وتنوع الدلالات، لاسيما عندما ترتبط بالصور وتنقلاتها السريعة من نسق تصويري موارب إلى آخر، بذات الفاعلية وقوة التأثير، لتنصهر كلها وتصب في خانة واحدة هي الرؤيا الشعرية التي تنطوي عليها هذه القصائد؛ بمعنى أدق: إن مرجعية الرؤيا وعمق الإحساس الجمالي بها هو ما يحقق إثارتها في قصائدها الصوفية التي تتنفس عبير المواجد ورقة الدلالات وانسيابها الدافق، وعلى ما يبدو في النسق الشعري السابق تتمفصل الرؤيا على حرارة الصورة الصوفية ورشاقتها في إبراز حالة التوق والوله القصوى التي وصلت إليها: [ألوب بالياسمين- أختبئ في قلبك فأجد سفنه المثقلة نائمة]؛ وهكذا، تتأسس الصور الصوفية على حراك الدلالات، وتناغم الرؤى وتفاعل الإيحاءات المرتبطة بها، وهذا ما يهبها التميز والإثارة والرشاقة الجمالية.

وبتقديرنا: إن فاعلية الرشاقة الجمالية لاتتبدى في رشاقة الصور، وتنوع مؤثراتها الجمالية فحسب، وإنما في اختلاف الرؤى، وكثافة المغريات الاستعارية، من خلال الجمع بين ما هو محسوس وما هو مجرد، كما في قوله:

"وأدثركِ بغصون المنى.

وإذ تحلقين على أجنحة الغمامِ

سأعتنق عبيرَك، وأرتدي أرديةَ الريح ِ،

كي أحرسَ ما يشعُّ من لآلئ نورك على الكونْ." (53) .

بادئ ذي بدء، نشير إلى إن إثارة الرؤيا الجمالية –في قصائد بشرى البستاني- تتنوع بين ما تجسده على مستوى الصورة وما تثيره على مستوى الدلالات والرموز، لهذا، تنبني الصورة على دلالات عميقة تتجاوز جسدها اللفظي، لتنفتح بانفتاح الرؤى واختلاف مؤثراتها الجمالية، وليس ذلك فحسب وإنما تتغور آفاق الرؤيا الصوفية، وتفتح مكنونها الجمالي، وهاهنا بدت الرشاقة الجمالية في هذه الصور المتضافرة والمتفاعلة في نسقها (سأعتنق عبيرك= أرتدي أردية الريح= أدثرك بخيوط المنى]؛ وهذه الصور متضافرة في إبراز شعرية المشهد الصوفي، بكثافة ما تمثله الأنساق الاستعارية من رؤى، وما تثيره من إيحاءات ودلالات بالغة الإيحاء والفاعلية والتأثير.

وهكذا، فإن فواعل الرؤيا الجمالية في قصائد بشرى البستاني تتنوع بحسب المشاهد والصور وتعدد الدلالات، والرؤى والاستعارات والمعطيات الجمالية التي تفيض بها لتحقق متغيرها الجمالي، بكل ما تثيره في القارئ من دلالات وإيحاءات مختلفة في نسقها الشعري، مما يجعلها مغرية في مؤثراتها وفواعلها الجمالية لاسيما على مستوى الأحداث والمشاهد والصور التي تثيرها في هذا النسق الشعري، أو ذاك؛ وهذا ما يجعلها في حراك دلالي ورؤيوي على الدوام.

3- الإثارة الجمالية:

لاشك في إن الإثارة الجمالية من منابع الشعرية المعاصرة، هذه الشعرية التي تعددت آساليبها وتقنياتها، بتعدد الأشكال، والرؤى، والفواعل الجمالية التي اعتمدتها لتحفيز القارئ، وإثارته جمالياً؛ ومن هذا المنطلق، تختلف شعرية النصوص الإبداعية باختلاف درجة تشكيلها وإبداعها جمالياً، ولا غرو أن نذهب إلى أبعد من ذلك، إذ نقول:

إن نجاح أي منتج فني مؤثر يتبدى في مقامرته الجمالية، بحثاً عن الإثارة الجمالية، أو اللذة الشعورية التي يثيرها في نفس المتلقي، لجذبه إلى دائرته الإبداعية؛ ولهذا، يعد البحث عن الجمالية بحثاً مقامراً عن قيمة جمالية مثلى يولدها المنتج لحظة تلقيه، وهذه القيمة غالباً ما أطلق عليها علماء الجمال ب[ اللذة الجمالية] بوصفها خلاصة المغنطة والجاذبية للمتلقي، إذ إن المتلقي لا يتفاعل إلا مع المنتج الفني الذي يستثيره، ويولد في داخله نشوة ما، غير قادر على ترجمتها شعورياً، سوى بالتطهير والتفريغ، والارتياح؛ ولهذا، ربط بعضهم اللذة الجمالية بالإدراك، ومنطق العقل، يقول جان برتليمي: " هل يجب أن نكرر ما قلناه من أن المتعة الجمالية تأتي عن طريق الحواس، وقد أضاءها العقل المفكر؟" (54) . ولهذا، عد (كانط) الإثارة الجمالية أعلى درجات المقامرة الجمالية في المنتج الفني المؤثر، لأن المقامرة الجمالية لا تحقق منتوجها الإبداعي الحقيقي إلا حين تولد اللذة في المتلقي، وهذا ما وضحه بوله: " إن الجميل هو الذي يبعث السرور بصورة كلية، وبدون تصور محدد... وهو الذي لا يقبل الانفصال عن تتابع الأنغام أو المقاطع التي تطرق أذني، وعن الألوان التي تقع تحت عيني" (55) .

ولذا ؛ فالفن الجميل هو الذي يبعث الراحة والاطمئنان في نفس المتلقي بآفاقه الرؤيوية، ولذته الجمالية؛ وبهذا المقترب يقول الشاعر عبد الكريم الناعم في فن الشعر قائلاً: " الشعر ليس نمطاً محدداً... كل قصيدة تثير في النفس اللذة الفنية، وتنطوي على بناء فني جميل، هي لشاعر جيد، وقصائد الشاعر ذاته ليست على سوية واحدة، فقد تتفاوت، والشاعر من يحافظ على (سويات) ، ولا أقول (سوية) واحدة، إذ الأمر يختلف، بناءً ومعالجة، وصياغة بين قصيدة طويلة، أو قصيرة، أو ومضة، الشرط الأول والأخير إثارة الدهشة، والجذب، وإثارة الشعور الداخلي بما يحمله إلى عوالم ترتاح إليها الروح، إذ الشعر من غير روح جثة هامدة " (56) .

وتأسيساً على هذا، فإن الإثارة الجمالية تحقق أقصى درجات الدهشة في المنتج الفني، وهي التي ترفع سوية تلقيه، وسوية منظوره الفني المتطور، ولما كان الفن في أساسه مجازفة ومغامرة فإن ما يثير هذه المجازفة المتعة الجمالية التي تحققها، وتثيرها في المنتوج الفني المثير، ومن هذا المنطلق لا يثيرنا الفن إن لم يكن مؤثراً باعثاً للذة ما؛ أو محققاً تفاعلاً ما بين مبدعه/ ومتلقيه، ولهذا، يرى عالم الجمال (مورياك) " أن مهنة الفنان تتضمن إغراءات خطيرة للغاية" (57) . وهذه الإغراءات هي التي تضمن لمقامرته الجمالية في نتاجه الفني نجاحها وجاذبيتها للقارئ، يقول الناقد والشاعر علي جعفر العلاق: " إن ما تبعثه القصيدة فينا من نشوة، أو قوة، أو أسى لا يترشح إلا عن مستواها الشكلي أولاً، ومن خلال هذا الشكل بتفاصيله، ومكوناته تنجح القصيدة في إشاعة مناخها الجمالي والفكري في كيان المتلقي؛ وتستدرجه بعد ذلك إلى فضائها الداخلي، وشباكها الخادعة، أي إلى أبهة البناء الشعري وبهائه الساطع" (58) .

ولعل اقتران الجمالية أو اللذة في الشكل لأمر مبالغ فيه، فكل ما في القصيدة من شكل، وبنية هو الذي يحقق نجاح القصيدة في مقامرتها الجمالية، لاستثارة القارئ، وجذبه إلى دائرته الإبداعية؛ وهذا ما صرح به قائلاً: " إن النص الشعر شكل قبل أي شيء آخر، ونحن حين نستقبل النص فإننا لا نؤخذ في المرحلة الأولى للمتلقي إلا بشكله أولاً، أي أن الخضة الأولى التي تعترينا لا تنبعث في الغالب إلا من شكل النص، أو عناصره الشكلية الحسية، أما بناء النص فإن اكتشافه مهمة يصعب على المتلقي الأول إنجازها دائماً، لذلك فإن كل قراءة لاحقة تطل اقتراباً من بنية النص واختراقاً لظلمته البهيجة" (59) .

وما ينبغي ملاحظته والتأكيد عليه أن قيمة العمل الفني تكمن في إثارته وطريقة صنعته؛ ومقامرته الإبداعية في إبداع طريقة جمالية مبتكرة في التحفيز والتحريض الفني؛ وبهذا، يسمو الفنان على الصانع بدرجات الإبداع، والرشاقة الفنية؛ وبهذا يقول (آلان) ما يلي: " الواقع أن الفن أحسن من المهنة بكثير، كما أن الفنان أكثر تفنناً، وإتقاناً، ودهشة من صاحب الحرفة بكثير، والذي يميز أحدهما عن الآخر قبل كل شيء هو أن صاحب الحرفة ينقل نموذجاً في حين أن الفنان يخترع شكلاً" (60) .

وثمة فرق واضح في درجة الفن بين من يخترع، ومن ينقل أنموذجاً أمام عينيه يقلده، وبهذا يقول: إن ميزة الفن الاختراع: الفنان يخترع شكل، اً ومرة أخرى نقول: إن هذا الشكل لا ينبثق عن العقل منذ اللحظة الأولى، بل إنه يظهر عندما يتلامس والمادة. ويتضح تدريجياً مع عملية التنفيذ أما العامل فهو لا يهتم بمثل هذا البحث وتلك التحسسات، وذلك العمل الجاد المتواصل. فهو يتلقى تصميم المنزل أو رسم قطعة أساس، أو صورة تفصيلية لتمثال ما، وعليه أن ينقذ ذلك التصميم، أو هذا الرسم كما هو بكل دقة ممكنة، ولا يتعين عليه حتى إذا استطاع ذلك أن يقدم من نفسه للمادة ما تتطلبه منه، وإن هو فعل ذلك هذا لذهب عنه صفة صاحب الحرفة. وكلما سبقت الحرفة التنفيذ أو نظمته كان الأمر أمر صناعة لا فن" (61) .

والملاحظ حقاً أن الإثارة الجمالية تحقق أعلى قيمة يمكن أن يتصف بها الفن، ولهذا، من الطبيعي أن يرقى الفن عن الصناعة، لأن الفن خلق، وابتكار، وتجاوز، وإضافة في حين أن الصناعة هي صنع لأنموذج، أو شكل محدد دون لمسات فنية إضافية على المنتج، ولهذا، فالفن لا يسمو فقط ببداعة صناعته، وإنما بمقامرته بكل شيء ليسمو الفن عن غيره من الفنون.

ومن يطلع على قصائد بشرى البستاني لاسيما الصوفية منها يلحظ خصوبة مردودها الجمالي، وغناها بالمثيرات الجمالية؛ومصدر جماليتها لا يقتصر على شكل دون آخر؛ أو رؤية دون أخرى، إنها اشتغال مركز على تقنيات فاعلة في تشكيل بنية القصيدة؛ لإبراز متغيرها الجمالي الآسر؛ من خلال تنويع الرموز، وغنى المعجم الصوفي لديها بالدلالات، والمفردات الجديدة، وهنا؛ تكمن الإثارة الشعرية في قصائدها من خلال فواعلها الكاشفة، ومتحركاتها النسقية الخلاقة، كما في قولها:

تلتصق دمعتي

على ليل يتكسر في دمي

ثم يضيء في غفلةٍ أطراف الوجود

ينهض عشبٌ وردي على ساعديك

وتنهمر النجوم في غفوتي الأخيرة

آه.. يا لذلك البرق الذي أضاء شِعابَ الغابة

سأل عنك الشجرَ والنبعَ ونجمةً بعيدة

لكنهم صمتوا" (62) .

بادئ ذي بدء، نشير إلى أن الإثارة الشعرية التي تحققها قصائد بشرى البستاني تتمركز الحدث الشائق والصورة الصوفية اللاهبة، والدلالة المضاعفة، والرؤيا الخلاقة، والأنساق التشكيلية المراوغة، والرشاقة السردية، والتناص المتلاحم في النسيج الشعري؛ وكأنه جزءاً لايتجزأ من شعرية القصيدة ومنتوجها الجمالي.

ولو دققنا في المقتطف الشعري السابق لأدركنا جمالية الصور الصوفية المركبة، ونقصد بالصورة الصوفية المركبة: الصورة التي ترتكز على الأخرى، وترتبط دلالتها بها ولاتنفصل عنها، والغاية منها تعميق الرؤيا الصوفية، وخلق صورة مبتكرة من تداخل صورتين أو أكثر في النسق الشعري الواحد، وهذا ما اعتمدته الشاعرة في الصور المركبة التالية: [تلتصق دمعتي/على ليل يتكسر في دمي/ثم يضيء في غفلةٍ أطراف الوجود]، إن الصورة السابقة ترتكز على ثلاث صور، للدلالة على فاعلية المزج والتركيب الرؤيوي في النسق الصوفي للتعبير عن معنى مركب ودلالات متداخلة، وهذا الأسلوب المزجي في تركيب الصور تعضده جمالياً بصور مفردة أحياناُ، ومركبة في بعض الأحيان لتكثيف منتوج الرؤيا الصوفية، وإبراز ملمحها الجمالي على شاكلة الصور المفردة التالية: [ ينهض عشبٌ وردي على ساعديك/وتنهمر النجوم في غفوتي الأخيرة]؛وهذا دليل خصوبة الرؤيا الصوفية بالدلالات والإيحاءات الجديدة التي تكشف الدلالة العميقة، والمعنى المراوغ.

وقد تعتمد الشاعرة في تحقيق الإثارة الجمالية على النسق التصويري المبتكر، ودلالاته المحمومة في السياقات الوجدية التني تتطلب حرارة في الموقف، وبلاغة في إصابة المعنى البعيد، كما في قولها:

"فأعتذرُ لوجنتيكَ من برد أصابعي

ولخصرك من وهج ساعديْ

ولقلبك أعتذرُ من ضجيج شوقي

هل صار الرحيلُ غريمي

كيف وكرمةُ دمعي تشرب عبير وجنتك

وقلبك يضمِّدُ ذعرَ صمتي

والصفصافُ يخونْ" (63) .

لاشك بداية في أن منابع الإثارة الجمالية في قصائد بشرى البستاني تتنوع بتنوع الرؤيا والصور الملتهبة في تمثيلها وتجسيدها فنياً؛ وهاهنا؛ حققت الشاعرة منابع هذه الإثارة عبر حساسية الصور البليغة والدلالات الوجدية المحمومة بحنكة عالية الإثارة والتركيز، كما في نسق الاستعارات التالية: [ فأعتذرُ لوجنتيكَ من برد أصابعي/ولخصرك من وهج ساعديْ]؛ واللافت بلاغة الرؤيا المرتبطة بها كحالة من الدلالة بعمق عن منتوجها الرؤيوي اللاهب، وإحساسها العاطفي الوجدي المحموم، وكأن الصورة تخرج من جسدها اللفظي لتلبس الحساسية الجمالية برقة بالغة الإثارة والتعبير عن وهج الحالة، وعمق ما أصابته في النفس من لذة ومتعة، على شاكلة قولها: [ كيف وكرمةُ دمعي تشرب عبير وجنتك/وقلبك يضمِّدُ ذعرَ صمتي]؛ وهكذا، تتأسس الرؤيا الصوفية على مرجعية الرؤيا والحدث الجمالي في تشكيلها، مما يدل على أن منابع الإثارة الشعرية في قصائد بشرى البستاني متنوعو لكنها جلها تصب في بوتقة التشكيل والرؤيا البليغة، والحدث الجمالي المعبر عن عمق الحالة، ومردودها الخلاق.

 

......................

هوامش

(42) المرجع نفسه، ص531.

 (43) المرجع نفسه، ص531.

 (44) المرجع نفسه، ص537.

 (45) المرجع نفسه، ص 543.

 (46) المرجع نفسه، ص 545.

 (47) المرجع نفسه، ص 547.

 (48) المرجع نفسه، ص548.

 (49) المرجع نفسه، ص546.

 (50) المرجع نفسه، ص547.

 (51) البستاني، بشرى- البسي شالك الأخضر وتعالي، ص66.

 (52) البستاني، بشرى، كتاب الوجد، ص25.

 (53) البستاني، بشرى/2014- البسي شالك الأخضر وتعالي، ص35.

 (54) برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال، ص 382.

 (55) المرجع نفسه، ص382.

 (56) شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية (حداثة السؤال أم سؤال الحداثة) ؟!، ص144.

 (57) برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال، ص 363.

 (58) شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية (حداثة السؤال أم سؤال الحداثة) ؟!، ص 345.

 (59) المصدر نفسه، ص345.

 (60) برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال، ص 211.

 (61) المرجع نفسه، ص210.

 (62) البستاني، بشرى، 2014- البسي شالك الأخضر وتعالي، ص66.

 (63) المصدر نفسه، ص164.

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3851 المصادف: 2017-03-22 03:57:00