المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

قراءة في قصيدة "مراقبة" للشاعر ضياء العبودي

ali alhajلم تكن قراءتي قصيدة "مراقبة" للمبدع ضياء العبودي من قبيل الصداقة أو لغرض الكتابة، لان ذلك لم يكن ليعنيني بقدر ما تعنيني القراءة ذاتها، بالرغم من ان "ضياء" شخصية ابداعية مهمة، وهو من جيل عاش ألم الماضي والحاضر المرير، وتقاسم مع أقرانه مرارة الحرب والحصار، ومن ثم الارهاب والفساد الذي عانت منه البلاد طويلا، وجاء ليكون ثورة على أوضاع مجتمعية، أشار اليها مختزلا في قصيدته، "مراقبة" وهي قصيدة تستحق التأمل والمراجعة.

مراقبة

وأنا اراقب :

الامهات امام طوابير الخبز المغلف بنظرات الجياع ..

العمال وهم يتقاسمون البطالة والتبغ ..

لعاب الكناسين امام نفايات المترفين .

العصافير وهي تمارس نفس الزقزقة والرتابة ..

الزحامات وهي تقضم تاريخ ميلادك ..

الباعة المتجولين وعرباتهم المثقلة بعرق تحول الى دهن مكدس ..

المواخير وهي تضج برائحة لا تليق بالصباح ..

الطلاب وهم يرسمون البسمة رغم انف شفاههم ..

الكلاب والقطط وهي تتشارك الخرائب كعائلة لقطاء ..

الاشجار الضجرة قرب دكاكين البترول ..

الازقة تغسل وجهها بعبق الرطوبة والجوع ..

أيقنت ان بلادي أبية ..

لن تستسلم للسعادة .

لم يهرب شاعرنا من الواقع المحزن، كما نهرب كل يوم، بل بات يرسم مايراه، فجاءت قصيدته التي اعتبرها ذاتية (الشاعر)، ثورة تخاطب الروح والنفس، لتشير الى واقع يومي اسود، نراه كل صباح، واعتقد بانها انتفاضة من متمرد يواصل ثورته، هاتفا بهؤلاء الذين "يبست قلوبهم، وتصلبت شرايينهم، وتسمرت خطاهم"، هؤلاء المدعين بأشكالهم المهجنة، اين انتم من هذا كله؟..

الجوع والاملاق والشظف والشقاء والالم الذي يعتصر قلوب الأمهات.. (الامهات امام طوابير الخبز المغلف بنظرات الجياع).

الفراغ والكساد.. (العمال وهم يتقاسمون البطالة والتبغ).

الحرمان والعوز والعسر والفاقة.. (لعاب الكناسين امام نفايات المترفين).

الاجترار والنمطية.. (العصافير وهي تمارس نفس الزقزقة والرتابة).

السأم والتبرم والملل والغم.. (الزحامات وهي تقضم تاريخ ميلادك).

البطالة المقنعة.. (الباعة المتجولين وعرباتهم المثقلة بعرق تحول الى دهن مكدس).

الرذيلة والإثم والمنقصة والخزي والمعصية والدعارة والفجور.. (المواخير وهي تضج برائحة لا تليق بالصباح).

البراءة والامل أمام مستقبل مجهول.. (الطلاب وهم يرسمون الابتسام رغم انف شفاههم).

انعدام الخدمات الصحية بكل اشكالها.. (الكلاب والقطط وهي تتشارك الخرائب كعائلة لقطاء).

تلوث البيئة.. (الاشجار الضجرة قرب دكاكين البترول).

انعدام البنى التحتية.. (الازقة تغسل وجهها بعبق الرطوبة والجوع).

مستقبل الوطن الأبي.. (أيقنت ان بلادي أبية)..

وختم بسخرية مرة.. (لن تستسلم للسعادة).

واكاد اشعر يقينا بحرقة فؤاده متأججا، وهو يكتب او يرى او يروي التشرد والحرمان والجوع والالم والجراح التي لا تزال تنزف دما عبيطا، وهي تصوير واقعي لبلد يعاني من (الجوع، والبطالة، والحرمان، والرتابة، والضجر، والرذيلة، مع انعدام الصحة العامة وتلوث البيئة).

وقد جسدت القصيدة الهم العراقي بصوره اليومية المؤلمة، مشيرة الى حالات التخلّف، والجوع، والمرض، ودعتنا الى التأمل بمعاناتنا اليومية، وبالتالي العمل على تغيير الواقع الاسود الذي نعيشه إلى واقع أفضل.

وفي الجانب الفني كانت الصورة في القصيدة مجالا لتأدية المعنى، وليست عنصر زخرف أو تزيين، ومن يقرأ القصيدة يجد أن الصورة الفنية فيها انسانية تعبر عن "حزن جنوبي، وموال نعي لثكلى"، وقد انسكب الحزن على المتلقي ايضا، بمعنى اخر لا نحتاج الى قراءة هذه القصيدة للبحث عن الانسجام بين أجزائها، لاكتشاف المعنى الحقيقي فيها.

وتضمنت القصيدة أسئلة جوهرية مقلقة، لعل أبرز ما يميزها حالة الالم والحزن، وهي ظاهرة إنسانية عمقتها ظروف الحياة الجديدة، فباتت هذه الظاهرة علامة فارقة في الشعر الحديث، وقد تعامل معها الشاعر تعاملا وجوديا خالصا، انطلاقا من وعيه الشعري ومن إحساسه المرهف بالوجع الإنساني.

من جانب اخر وجدت ان تجذر ظاهرة الحزن في القصيدة "العراقية" المعاصرة، لم تثر مناقشات او جدلا، وكأن الجميع قد وافق سلفا باننا هكذا ويجب ان نبقى كذلك، بل يمكن أن يقال إن الحزن موضوعها الرئيس، وقد استفاضت هذه الظاهرة في جل قصائد الشعر العراقي بما فيه الشعر الشعبي، إذ ترى فيها جليا "العصر المرتهن بالوجع والفجائع الانسانية، فباتت هذه الظاهرة علامة فارقة في القصائد اغلبها، فيما تعامل معها ضياء تعاملا وجدانيا خالصا، انطلاقا من وعيه الشعري ومن إحساسه المرهف بالوجع الإنساني.

ما قرأته -على قلته- ينبئ بشاعر كبير، يمتلك ثورة عارمة، نتيجة لما يشعر به ويعانيه من قلق وإحباطات وصراعات تحيط ببلده، وبما يعتري بعض مجتمعاتنا من تناقضات وآفات مرضية كبيرة، وقدم لنا صورة حية عن الصباح اليومي وهمومه في العراق، وصورة واقعية عما يدور حوله، وكل هذا تعبير عن حرارة التجربة وصدقها.

وعليه، فقد تميزت لغة القصيدة بسهل ممتنع من الشفافية والوضوح، فهي بعيدة عن لغة التعتيم، تلك اللغة التي تلفها الضبابية والرمزية المبهمة، فلغته ناصعة بينة لا غموض فيها، وعبر عن مضامينه بأسلوب سلس وواضح، نعرف من خلاله ان قاموسه الشعري لا يحتاج إلى كد ذهني وبحث في دهاليز اللغة، لان رؤيته واضحة وألفاظه معبرة بذاتها.

وأخيرا، ختم بسخرية الشاعر الذي يحس بمرارة الموقف، سخرية أقوى من الثورة ذاتها، (ان بلادي ابية.. لن تستسلم للسعادة).

 

علي الحاج

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

قراءة تفصيلية، اضفت على القصيدة جمالا فوق جمالها، وألبستها فوق حلتها البهية حلة أظهرت محاسنها ومفاتنها، وقد أحسن الإثنان في الطرح والتصوير، فالشاعر طار بمفردات القصيدة ببساط السلاسة والوضوح، فيما حلق علي الحاج بقراءته إياها الى سماء، أمطرت على المتابع والمطالع غيثا، أحيا به دفينا من المشاعر تدفق روحا وإحساسا وتفاعلا مع القصيدة. أرى أن القراءة في القصيدة جاءت كفرشاة رسمت أحرفها على لوحة، فولج اللون بالمعنى، والصورة بالمشاعر، فكان الناتج بانوراما او مسرحية او فلما وثائقيا، يشد القارئ والمشاهد والسامع على حد سواء. سلمت أناملك سيدي الفاضل علي الحاج على ما أبدعته.

علي علي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3861 المصادف: 2017-04-01 06:25:26