المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الشاعر معد الجبوري فضاء الشعر.. فضاء الحياة

amjad mohamadsaeedمنذ أكثر من خمسة واربعين عاما، اعرف الشاعر الكبير معد الجبوري، قبل الشعر والادب والسفر والدراسة، اذ نحن من منطقة موصلية توشك ان تكون واحدة (أنا من شهرسوق وهو من باب العراق، او شغسوق وباب عْغاق باللهجة الموصلية) وبين المنطقتين خط وهمي بعرض شعرة لا يرى بالعين بل يتداخل بالمشاعر والرؤى، ثم جمعتنا بعدئذ الدراسة الجامعية في بغداد، وكان قد التحق بها قبلي بعام .

ومنذ منتصف الستينات حتى الآن ظل معد أكبر من صديق وأخ ورفيق درب، وكما قال في حفل عام: إننا لم نفترق الا لضرورات السفر، ولم يُكَدِّر احدنا الآخر مطلقا. وحين سافرت الى اللاذقية نهاية عام 2004ومنها الى مصر منتصف 2005، كان معد آخر من كنت التقيهم يوميا من أصدقائي، على محبتي العميقة لهم جميعا اخوانا ومبدعين ورفاق عمر جميل، وظلت العلاقة شبه يومية بيني وبينه من خلال الهاتف والانترنيت والبريد الألكتروني، حيث ينقل لي المشهد الموصلي بصحوه وغيومه، وانقل له بانوراما القاهرة .

منذ بداياته الشعرية اللافتة للنظر في منتصف ستينات القرن الماضي، أشعل معد الجبوري شمعة القصيدة في ظلام هذه الحياة  التي عاشها، وعشناها معه، وأطلق من فضاء مكاننا القصي بين البيوت الموصلية الجصية العتيقة المتداخلة في بعضها البعض، شمس القصيدة التي ما غابت أبدا منذ طلعت، متحدية قوانين الفيزياء الزمكانية المؤقتة . كان مثل دجلة ينساب هادئا صافيا بين ضفتي الفستق والزيتون، ولكن بقوة ورسوخ ومعرفة الشاعر الموهوب.

وأنا اعتقد أن معد الجبوري ولد شاعرا بالسليقة والفطرة، حتى إذا تقدم الزمان صقل كل ذلك بحفر عميق في جسد القصيدة، وعندما أختار شكل القصيدة الحديثة، اقصد قصيدة التفعيلة، فأنه عرف وأصر على أنها ستكون الشكل الأكثر قربا اليه، والتي آمن أنه سيبني عليها مشروعه الشعري الكبير الذي توجه أخيرا بأصدار مجموعته الشعرية الكاملة في القاهرة، واعقبها بمجموعة شعرية جديدة هي (مخطوط موصلي)، كانت كأنها تختصر بعض مسافات معد الشعرية والحياتية، وتقدم مشاهد اكثر شفافية واغزر دمعا .

ورغم أن معد الجبوري كتب القصيدة العمودية بأقتدار عالٍ منذ الستينات حين كان طالبا في كلية الشريعة ببغداد، ونال جوائز على مشاركاته في مهرجانات السنوات الاولى من تلك الفترة في بغداد، الا انه ظل يعتبر ان شعره الحقيقي، هو الذي ينجزه عبر قصيدة التفعيلة الحديثة، وربما اقتنع أخيرا بأن شيئا من النثر داخل القصيدة، سيكون نوعا من الحال المقبول، في عصر بدأت فيه قصيدة النثر تأخذ حيزا ثقافيا وأدبيا واضحا على الساحة الادبية العربية .

غير ان معد الجبوري، ظل صارما دقيقا في بناء قصيدته، بحيث تبقى جزءا من حركة التطور الشعري العربي المحسوب بدقة، والمنطلقة أساسا من مرجعياته الفنية التراثية والتاريخية، وظل بعيدا عن التأثر بانحيازات حداثوية غير محسوبة، كما رأيناها في الستينات والسبعينات والثمانينات، حتى غدت الآن واقعا ملموسا، تراه هنا وهناك، سواء أكانت تمتلك مشروعية فنية وصدقا ابداعيا، أم كانت احدى مظاهر التخبط العشوائي السائد المغطى بدعوات أقلام غير مبدعة تستخدم الحداثة للتغطية على نقص مواهبها .

في قصيدة معد الجبوري تستطيع ان تتتبع القصة او الموضوع او التجربة، وتعرف ما يريد الشاعر قوله بوضوح غير مخل، وتعرف بأية طريقة اوصله الى المتلقي، وما هي أساليب القول الفني التي استخدمها، وستعرف ان الشاعر معد الجبوري، سيحسب بموضوعية متبادلة بينه وبين القارئ المسافة التي ينبغي له ان يقف عندها بقافية مستمرة، او بقافية جديدة، ولم يتخل ابدا عن القافية ولم يتهاون في التعامل معها، حتى قرأت له في آخر دواوينه مخطوط موصلي، بعض قصائد تدافعت فيها الجمل مثل السيل الهادر، وتشابكت دون اصرار سابق على ايراد القافية الا بعد حين، فهو يحسب حساب النغمَ والسكتة وأخذ النَفَس كجزء من موسيقى القصيدة، هو في التفاعل مع الموسيقى الشعرية واحد من ابرز من عرفتهم من الشعراء الذين يمتلكون احساسا عميقا بتنوعها واختلافاتها سواء في شكلها الكلاسيكي او الحديث، ولا اعتقد انه خرج يوما عليها، او حاول اللعب في استخدامها، استجلابا لنوع جديد من التأثير الموسيقي في قصيدته .

كتب الشاعر معد الجبوري القصيدة الطويلة والقصيدة القصيرة والومضة، كما كتب بأقتدار مشهود نصوصه المعروفة في المسرح الشعري، التي لاقت استحسانا لافتا وقدمت مرات كثيرة على مسارح العراق وترجمت للغات اخرى .

والباحث الأكاديمي الذي يتعامل مع شعر معد الجبوري، سيجد الكثير من الاشكال الفنية التي استخدمها، سواء بالاستفادة من انثيالات العالم الرومانسي، اواستنهاض القدرات الدرامية للشعر، او الاستفادة من الموروث الثقافي العراقي والعربي والعالمي، واستخدام الاقنعة التاريخية والمعاصرة. وعبَّر معد الجبوري بشكل كثيف ومتنوع وأساسي عن الموروث الخاص لمدينته الموصل، وما تزخر به من جماليات في المكان، وما تحفل به من أعاجيب الزمان، وتواريخ شاهدة على الاصول والفروع، وديالكتيك الموت والحياة .

كان صوته دائما واضحا جليا وهو يدافع عن قضايا وطنه وامته العربية والشأن الانساني العادل ضد قوى البغي والعدوان، وها هو ذا يعري بقصائد غاية في الثورة والغضب، والحزن والامل، جريمة احتلال بلده وتدمير شعبه ووطنه، وسيأتي الزمن الذي يراجع فيه النقاد المنصفون الاحرار من وقف ضد الاحتلال، ومن طأطأ رأسه استسلاما لديمقراطية الاجنبي الزائفة، ولنوازع وقتية مشوهة .

اما لغته فظلت فصيحة وصحيحة وجميلة في الوقت نفسه، واضحة مبنية على الاسس المعرفية للغة العربية، التي تعمق فيها من خلال قراءاته الخاصة ودراسته الأكاديمية  التخصصية. لغة حافلة بالظلال والانزياحات في الصور المبتكرة الجديدة، والمعاني النابعة من سماوات الدهشة والفجاءة .

معد الجبوري، شاعر، اهتم ببناء مشروعه الثقافي الشعري كأهم ما يشغله في الحياة، لا يداني هذا الهم أي هم آخر، ما كانت القصيدة لديه مظهرا اجتماعيا زائفا، ولم تكن سُلّما لغاية اوهدف، بل ظلت لديه فنا مقدسا، وحالة ابداعية ذات مردود جمالي يملأ النفس والعقل والقلب .

لقد كان رائدنا الذي سار في الطريق قبلنا، وظل يتقدمنا الى الامام في طريق الشعر والابداع، تعلمنا منه الاخلاص لقضية الشعر وكم أفادنا بملاحظاته العميقة، ونحن به وبشعره فرحون مستبشرون .

وبالرغم من كل ما كتب عنه، الا انه لم يأخذ حقه من النقد العراقي الذي عاصره، والحديث عن ذلك ذو شؤون وشجون، حتى بدأ المنصفون يلتفتون اليه (والى بعضنا)، ولن يبقى الا الاصيل الجميل الجميل .

أمجد محمد سعيد - القاهرة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3873 المصادف: 2017-04-13 13:38:39