المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الإيقاع في أغنية (يا نبعة الريحان) التراثيَّة

abdulreda ali (يانبعةِ الريحان) واحدةٌ من الأغاني الخالدةِ التي حَظيَتْ باهتمامِ أكثر من صوتٍ شجيٍّ، واستمعَ إليها الآلافُ من محبِّي التراثِ الطربيِّ، والغناءِ الرصينِ الرافضِ للابتذال.

 وقد جاءَ إيقاعُها على نظمِ (القوما)، وهو نظمٌ غير مُعربٍ، لا تُراعى فيه قواعد اللغةِ العربيّةِ، استُخدِمَ قديماً في دُعاءِ السحورِ، وأنَّ تسميَتَهُ بـ (القوما) قد تمَّ اشتقاقُها من قولِ المسحر: (قوما نسحر قوما) ووزنهُ :

مُسْتَفْعِلُنْ فَعْلانْ ..... مُسْتَفْعِلُنْ فَعْلانْ

مع مراعاة ما قد يصيبُ حشوَهُ من زحافِ الخبن، وهو حذف الثاني الساكن من (مُسْتَفْعِلُنْ)، فتصير (مُتَفْعِلُنْ)، فتُنقلُ إلى (مُفاعِلُنْ) المساوية لها بالحركاتِ والسكنات.

 يُجمِعُ دارسو الأدب - سواءٌ أكانوا قدامى أم محدثينَ – على سردِ قصّةٍ مفادُها أنَّ رجلاً يدعى (أبا نقطة) كانَ يجيدُ نظم القوما، وينشدُهُ في سحورِ رمضان، وأنَّ الخليفةَ الناصر (1158 – 1225م) كان يطربُ لإيقاعِهِ، فجعلَ لهذا المسحّرِ البغدادي مرتباً سنويَّاً، فلمّا مات أبو نقطة أرادَ ابنُهُ الذي كان يجيدُ نظمَ (القوما) كأبيهِ أنْ يُعرِّفَ الخليفة المنصور بموتِ أبيهِ، فوقفَ قربَ قصرِ الخلافةِ في رمضان، وأخذَ يُغنّي بصوتٍ شجيٍّ رخيمٍ ابتغاء إيقاظ الخليفة لتناولِ السحور:

يا سيِّدَ السادات ..... لك بالكرمْ عاداتْ

مُسْتَفْعِلُنْ فَعْلانْ ..... مُسْتَفْعِلُنْ فَعْلانْ

أنا ابن ابو نقطة..... تعيش ابويا ماتْ

مفاعِلُن فعْلُنْ..... مفاعِلُنْ فَعْلانْ¹

 وتجدونَ - أيها الأصدقاء - رابطَ أغنيةِ (يا نبعة الريحان) بصوتي: عليّ بدر، وغِزلان بعد أن تقفوا على إيقاعاتها، علماً أنَّ صوتَ المطربةِ غزلان كان مناسباً في مجاراتهِ لصوتِ المطرب عليّ بدر، على الرغمِ ممَّا في صوتِها من بُحّةٍ غجريّةٍ حزينة:

يا نبعةِ الريحانْ..... حِنِّــي على الولهانْ

مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ..... مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ

جِسمِي نحلْ والروحْ..... ذابت وعظمي بانْ

مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ..... مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ

*****

ما عنـدي كل اذنوبْ..... إلا هوى المحبوبْ

مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ..... مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ

لاهُوْ ذَنِبْ واتوبْ..... واتصبّــرِ الرحمنْ

مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ..... مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ

*****

من علّةِ الـ بحِشايْ..... ما ظَلِّ عِندي رآيْ

مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ..... مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ

دائـي صعبْ ودوايْ..... ما يعرفه إنـسانْ

مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ..... مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ

*****

يوم الذي حبّيـــتْ..... يا مُنيــتي جنّيتْ

مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ..... مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ

حاير أنا ظليـتْ..... ما أدري ذنبـي شجانْ؟

مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ..... مُـسْتَفْعِلُـنْ فَعْلانْ

https://www.youtube.com/watch?v=JupTFNaLeJA

أ. د . عبد الرضــا عليّ

...................

(1) يُنظر: أ ـ ابراهيم أنيس : موسيقى الشعر، ط6: 214 ـ 15، مكتبة الأنجلو  المصريّة، القاهرة، 1988م.

ب ـ الشيخ جلال الحنفي: العروض تهذيبه وإعادة تدوينه، ط2: 709، مطبعة الرشاد، بغداد، 1985م.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (5)

This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد الكبير
هذا هو قيمة الجمال النقدي التحليلي , الذي يرتكز على معارف في شتى الميادين , لكي يعطي زخماً مضاعفاً في التشويق والمتعة واللهفة , اضافة انه يعطيه معارف قيمة للتراث الغنائي الموروث , بجمال ايقاعها الموسيقي وترنمها العطر , الذي يخفق لها القلوب والعواطف , وهذه هي اصالتها الاصيلة . وقد دأبتم بروعة وشوق الناقد الكبير , اختيار , من هذا الموروث الغنائي الشعبي نماذج , بالتحليل الرصين والمبدع , واضفتم اليها اكسير الحياة والتشويق اكثر , رغم انها ظلت خالدة في عشبة الخلود
ودمتم بخير وصحة , ونأمل في الدرس النقدي القادم , الفياض بجمال قلمكم الثر في العطاء والتألق

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي وشيخي ألأستاذ د. عبد الرضا علي
سلاما ً ومحبة

أحببت ُ أن أضيف أن الإيقاع ( الموسيقي ) للأغنية هو ( الجورجينا ) ، وهو من الإيقاعات التي تعتبرها الأذن العربية والفارسية والتركية نشازا ً . لكنه يشكل هوية الإيقاع البغدادي العراقي المحض . وهو إيقاع ما يسمى بين أهل بغداد ( المربع ) . ويشتمل على الضرب التالي :
( دُم تك تك دم تك )
تقبل فائق تقديري واحترامي شيخي وسيدي الأكرم .

د
This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب الأستاذ السخيّ في الطيّبة ، والنبالة جمعة عبد الله

أنتَ يا سيِّدي الكريم لم تكتبْ تعليقاً، إنَّما كتبتَ قصيدةً جميلة
رصّعتها بالجمانِ الثمين، وزيَّنتَ بها جيدي الذي كان يشكو العطل

ليسَ لي غير تقبيلِ جبينكَ الوضّاح عرفاناً على ما أضتَ بهِ عليَّ من أدبِكَ الرصين، وخلقكَ الزاكي الأصيل
مع محبَّةٍ بلا حدود.

عبد الرضا عليّ.
This comment was minimized by the moderator on the site

ع. عفواً للخطأ

على ما أفضتَ بهِ عليّ .... إلخ

عبد الرضا عليّ.
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي وشيخي ألأستاذ د. عبد الرضا علي
سلاما ً ومحبة

أحببت ُ أن أضيف أن الإيقاع ( الموسيقي ) للأغنية هو ( الجورجينا ) ، وهو من الإيقاعات التي تعتبرها الأذن العربية والفارسية والتركية نشازا ً . لكنه يشكل هوية الإيقاع البغدادي العراقي المحض . وهو إيقاع ما يسمى بين أهل بغداد ( المربع ) . ويشتمل على الضرب التالي :
( دُم تك تك دم تك )
تقبل فائق تقديري واحترامي شيخي وسيدي الأكرم .

د. سعد الصالحي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3886 المصادف: 2017-04-26 04:31:47