المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

قارب الموت والظمأ العظيم.. تحليل طبي نفسي ونقد أدبي لقصص مجموعة "أوان الرحيل" للدكتور علي القاسمي (8)

husan sarmak(8): "الهروب إلى الموت" .. تحليل قصّة "المشاكسة"

(إن لدى الإنسان رغبة دفينة في الندم تسبق الشر، بل وتخلقه .. وإن عطر الندم ليقودنا نحو الشر كأنه حنين إلى بلاد أخرى)

(إميل سيوران).

مع كلّ قصةّ من قصص مجموعة القاسمي هذه أتذكّر لازمة سيّدة الحكّائين شهرزاد التي تقولها في الذروة المبهجة لكلّ حكاية :

"وجاء مفرّق الجماعات وهادم اللذات"

وهو الموت .. الحيّ الذي لا يموت .. يأتي دائماً في لحظات الإنجاز والنشوة والبهجة القصوى، وكأنّه عقاب يحلً بنا . ألهذا تحذّر كل الأديان من الفرح المُفرط والمزاح المنتشي؟! ألهذا ندعو الله إلى أن يجعل ضحكنا خيراً، وكأن المُثكل يقف لنا خلف الباب يحسب علينا لحظات فرحنا وانفلاتات سعادتنا؟

وفي قصّة "المُشاكسة" يصف القاص حالة "فاطمة" العائدة من مدرستها الثانويّة إلى منزلها، وهي تشعر بسرور واعتزاز، فقد جاء ترتيبها الأوّل بين زميلاتها . وها هي تتصوّر فرحة أهلها الغامرة بنتيجتها الباهرة، فترتسم البسمة على شفتيها (ص 267)

ولكن هل يختار لاشعورنا طرقاً نعاقب فيها أنفسنا على الإنجاز الذي نحقّقه وكأنّه إثم اقترفناه؟

للتحليل النفسي كلام طويل عريض في هذا الشأن قد يجرّنا بعيداً عن فاطمة التي قرّرت الآن تنفيذ رغبتها في الذهاب إلى معهد اللغة الإسبانية في وسط المدينة قبل أن تذهب إلى أهلها لتبلغهم بالبشارة ! تريد أن تتعلّم لغة إضافية .

تتمّ فاطمة إجراءات التسجيل في المعهد، لكنها لا تعود بالحافلة لتبلغ أهلها بالبشارة التي ينتظرونها، بل تقرّر أن تقطع المسافة سيراً على الأقدام ! أغواها الجوّ الرائق، والسماء الصافية، في ذلك اليوم الربيعي المُشرق. تورّد خدّها بنظارة الشباب . الحافلة ستحرمها من متعة المشي في المدينة الزاخرة بالناس والحركة والحياة . شعرت بسعادة غامرة ... لكنّها أحسّت أنّ شخصاً ما يسير خلفها .. يتبعها .. يسير إلى جانبها، ويدعوها إلى مرافقته لقضاء وقت جميل .

لا تدري كيف تجيب على كلامه . لم يعلّمها أحد كيف تردّ، وتناقش ذَكَراً غريباً . فهي أنثى .. فتاة .. وعلى الأنثى أن تحذر دائماً من الذكور، وأفضل سبل التعامل مع الذكور الغرباء هو "الهروب" . ولو راجعنا أغلب أدبيّات علم النفس وعلم الإجتماع لوجدناها ترى في السلوك الهروبي "دعوة" للمتحرّش للإيغال في سلوكه المؤذي، وتؤكّد – بالمقابل – على المواجهة .. مواجهة تقوم بها الفتاة المُتحرّش بها للشخص الذي يتحرّش بها من خلال نظرات رادعة أو كلمات حادة توقفه عند حدّه، أو بتهديده، أو الاستغاثة بالشرطة، أو بمن حولها من الناس، أو ... أو الكثير من السلوكيات التي تُشعر المتحرِّش بالرفض الحازم، وبقوّة الضحيّة، لا باستكانتها وانرعابها . وكل هذه السلوكيات التهرّبية هي ما تُدرّب عليه الأمّهاتُ بناتهن عندنا طلباً للستر!!

وهذه فاطمة (لا تعرف كيف تجيب على كلامه) .. كلام الشخص الذي تحرّش بها، وتذكّرت فوراً أنّ أمّها نصحتها بعدم الإجابة في مثل تلك الحالات، لئلا يجرّ الرفض إلى ردّ فعل سيّء !!

ولأنها لم تلتفت، ولم تتكلّم، ولم تردّ على الدعوة التحرّشية بأي كلمة وتظاهرت بأنّها لم تسمع شيئاً، فإن دائرة التحرّش قد انفتحت بما إنّ طلب المتحرّش لم يُرد عليه و "يُغلق" بصورة نهائية . بل على العكس مما يجب أن يحصل، أمعنت فاطمة في سلوكها الهروبي، ليصبح فراراً حركيّاً فعليّاً حين أسرعت في مشيتها أملاً في التخلّص من هذا الغريب المُشاكس، لكنّه بدوره – وهذا ما هو متوقّع – أسرع في مشيته، يسبقها ويسدّ عليها الطريق . يقول شيئاً غاضباً بصوتٍ عالٍ لا تفهمه، بسبب الخوف الذي يستحوذ عليها (ص 268)

وهنا، يقدّم القاسمي صورة لأعلى اشكال المهانة واحتقار الذات والإنرعاب من الحياة التي تربّي العوائل بناتها كأناث عليها، وهي الهروب من معضلات الحياة إلى الموت!! ففقدان الإحساس بالكفاية الشخصية وهشاشة الإرادة أو غيابها وعدم التعوّد على المواجهة منذ الطفولة ؛ الهروب – وهذا أقسى النتائج التي تثير الغثيان – من تحمّل مسؤوليّة الذات نفسها، يجعل الفتاة تشعر بأن عليها أن تلعب دور الضحيّة الكاملة الذي لا ينتهي عادةّ إلّا بموتها:

(دون أن تتفوّه بكلمة، تجد نفسها تستدير بصورة مفاجئة، وتندفع من الرصيف في اتجاه الجانب الآخر من الشارع، لتتخلّص من  هذا الشخص المشاكس . في تلك اللحظة تصل سيّارة مسرعة، تدهسها وسط الشارع) (ص 268)

ولا أدري كم سيكون وقع الخاتمة مؤثّراً لو توقف القاص عند هذا الحدّ بلا هذه الإضافة النهائية التي تأتي كاستطالة بعد الموت :

(تسقط فاطمة أرضاً مضرّجة بدمائها . أمّا هو فيواصل سيره من غير أن يلتفت ..)

ومن وجهة نظري الشخصية أرى أن الخواتيم التفصيلية تُضعف المفاجأة التي بطبيعتها "مفاجأة" كضربة سريعة موجزة ومباغتة .

ذيل إحصائي مخيف:

وقد كشفت دراسة للمندوبية السامية للتخطيط، وهي مؤسسة حكومية في المغرب، في الآونة الأخيرة، أن 40.7 في المئة من الشابات في المغرب بين 18 و24 سنة تعرضن للعنف بما فيه العنف الجنسي والتحرش.

كما دُهشتُ، بل صُدمتُ لتقرير بثّته الـ BBC  عن وجود (26) ست وعشرين ألف حالة تحرّش جنسي بالأطفال في المغرب سنويّاً .

القصّة التي تمّ تحليلها:

المشاكسة / د. علي القاسمي

تستقلُّ فاطمة حافلة مدرستها الثانويّة عائدةً إلى منزلها، وهي تشعر بسرورٍ واعتزاز. فقد وزَّعت إدارة المدرسة نتائج الفصل الدراسيّ. جاء ترتيبها الأوَّل بين زميلاتها. تتصوّر في مخيَّلتها فرحة أهلها بالنتيجة الباهرة. تتردَّد في ذهنها عبارات التشجيع التي سيغدقونها عليها. ترتسم بسمةُ المسرَّة على شفتيْها.

تراودها رغبةُ الذهاب إلى معهد اللغة الإسبانيّة في وسط المدينة قبل أن تعود إلى المنزل، لتنخرط في دروس تعلّم اللغة الإسبانيّة، فقد شجعتها نتيجتها الجيّدة على ادّخار بعض الوقت لتعلّم لغة إضافيّة. تنزل من الحافلة بالقرب من المعهد. سرعان ما تتمّ إجراءات التسجيل. تغادر المعهد وعلامات الرضا باديةٌ على تقاطيع وجهها الجميل المفعم بالحيويّة.

المسافة بين المعهد ومنزلها لا تستغرق أكثر من عشرين دقيقة سيراً على الأقدام.  الجوُّ رائقٌ، والسماء صافيةٌ، في ذلك اليوم الربيعيّ المُشرِق. النسيم المنعش يلامس وجهها فيتورّد خدّاها بنضارة الشباب. تبدو لها شوارع المدينة زاخرةً بالناس والحركة والحياة. واجهاتُ المحلات التجاريّة مملوءةٌ بالمعروضات المُتنوّعة من الألبسة الأنيقة، والمأكولات الشهيّة. تشعر بسعادةٍ غامرة. يخطر في بالها أنّ حافلة المدرسة تحرمها من متعة المشي في المدينة.

فجأةً تحسُّ أنّ شخصاً ما يسير خلفها، يتبعها. يتبادر إلى ذهنها أنّ ذلك لا يعدو أن يكون محض مصادفة. لا يستغرق الأمر طويلَ وقتٍ ليتأكَّد إحساسها، إذ يسرع ذلك الشخص ليسير إلى جانبها، يخاطبها، يدعوها إلى مرافقته لقضاء وقتٍ جميلٍ معاً.

لا تدري  كيف تجيب على كلامه. تتذكّر أنّ أُمّها نصحتْها بعدم الإجابة في مثل تلك الحالات، لئلا يجرّ الرفض إلى ردِّ فعلٍ سيئ. تستمرُّ في سيرها، لا تلتفت ولا تتكلّم. تتظاهر بأنّها لم تسمع شيئاً. يواصل هو توجيه كلامه إليها. تسرع في مشيتها أملاً في التخلّص من ذلك الغريب المشاكس. لكنَّه هو الأخر يسرع في مشيته. يسبقها ويقف في وجهها سادّاً عليها الطريق. يقول شيئاً غاضباً بصوتٍ عالٍ لا تفهمه، بسبب الخوف الذي يستحوذ عليها.

دون أن تتفوّه بكلمةٍ، تجد نفسها تستدير بصورةٍ مفاجئةٍ، وتندفع من الرصيف في اتجاه الجانب الآخر من الشارع، لتتخلَّص من هذا الشخص المشاكس. في تلك اللحظة تصلُ سيّارةٌ مسرعة، تدهسها وسط الشارع.

تسقط فاطمة أرضاً مضرّجةً بدمائها. أمّا هو فيواصل سيره من غير أن يلتفت.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ العزيز الدكتور حسين سرمك حسن المحترم:
أسعدتم صباحاً وصبحكم الله بالخير والصحة والعافية ، وتحياتي القلبية لك اخا عزيزا ، وإنسانا وأديبا ومفكرا وطبيبا وناقدا قديرا ، وتحياتي أيضاً للأخ العزيز الكاتب والقاص والمفكر الدكتور علي القاسمي ...
سيدي ، الشئ الجميل في ما يخص الأعمال الأدبية ، هو عندما يتناول القارئ عملاً نقديّاً للقراءة ، لناقد قدير وواعٍ للمادة الأدبية ، ذات القيمة التي تستحق الجهد في تسليط الضوء عليها ، وابراز ميزة جمالية الشكل للمادة ، واهمية المضمون وعمقه . والذي يجذبني ، ويشدني للقراءة والمتابعة ، هنا ، هو أنّي اقرأ لمنتج رائع للعمل القصصي ، وهو الدكتور علي القاسمي ، وفي الوقت نفسه اقرأ لناقد رائع وقدير ، الدكتور حسين سرمك حسن ، فأي قارئ ، عندما يقرأ ، يضحي ، بجزء من وقته ، وجهده الفكري ، وبصحة نظره اوبصره ، وهذه الجوانب الثلاث التي يضحي بها القارئ المتابع ، يجب ان تكون المادة المقروءة تستحق كل هذه التضحية . وهذا ما اراه وأتابعه وبكل شوق في قراءتي لكل ما يكتبانه الأديبين الرائعين الدكتور حسين سرمك حسن ، والدكتور علي القاسمي .
فقصة "المشاكسة" التي يقدمها الناقد الدكتور حسين سرمك حسن ، من ضمن سلسلة قارب الموت والظمأ العظيم.. تحليل طبي نفسي ونقد أدبي لقصص مجموعة "أوان الرحيل" للدكتور علي القاسمي (8) و "الهروب إلى الموت" .. تحليل قصّة "المشاكسة"
وكما نعرف أن الناقد الرائع الدكتور حسين سرمك حسن لا يتناول اي عمل للنقد ، تناولا تقليديا أ سطحيا ا مزاجيا أو روتينيا ، ومن جانب واحد ، وهوتسليط الضوء على الجانب الفني البنيوي الشكلي ، وللمجرد التأليف فقط ، وإنّما يتناوله من مختلف الجوانب ، وحتى أبعد وأعمق من رؤى مؤلف ذلك العمل الذي يتناوله ، يعود كل هذا لثروته من لأمكانيات الغنية والمتعددة ، لدى الناقد الدكتور حسين سرمك حسن ، وهي معروفة لدى الجميع ، الأدبية والطبية وعلم النفس الطبي والنقد الأدبي ، والمنظومة الفكرية المتكاملة ، المبنية على الأسس الصحيحة . ومن خلال كل هذه الأمكانيات العظيمة لدى الدكتور حسين سرمك حسن ، لا يمكن ان نحصل على عمل نقدي ضعيف ، لمادة فقيرة .
فالقصة هنا "المشاكسة" للقاص الدكتور علي القاسمي ، هي في الحقيقة اكبر ، وأعمق معنىً من عنوانها !
ولكن الدكتور المؤلف علي القاسمي سمّى القصة بهذه التسمية ، من جانب واحد ، وهو مشاكسة ( ذكر) لفتاة يافعة في مقتبل العمر تدعى فاطمة ، وتؤدي هذه المشاكسة بموت الفتاة ، نتيجة عدم تسلّحها بالمعرفة الصحيحة في الدفاع عن نفسها والتخلص مما تعرضت له من قِبَل ذلك الشخص ، من تصرف غرائزي حيواني غير منضبط . وقد بيّن الدكتور حسين سرمك حسن بشكل جميل ودقيق ومن منطلق تحليل طبي نفسي للحالة التي واجهتها هذه الصبية من قبل المشاكس لها اثناء سيرها في طريق عودتها من مدرستها الى منزلها ، وهي فرحة وفي متنهى السرور لما حصلت عليه من " نتائج الفصل الدراسيّ. جاء ترتيبها الأوَّل بين زميلاتها " وهي تحمل الفرحة لأهلها ، فالذي تفضل به الدكتور حسين سرمك حسن هو " لا تدري كيف تجيب على كلامه . لم يعلّمها أحد كيف تردّ، وتناقش ذَكَراً غريباً . فهي أنثى .. فتاة .. وعلى الأنثى أن تحذر دائماً من الذكور، وأفضل سبل التعامل مع الذكور الغرباء هو "الهروب" . ولو راجعنا أغلب أدبيّات علم النفس وعلم الإجتماع لوجدناها ترى في السلوك الهروبي "دعوة" للمتحرّش للإيغال في سلوكه المؤذي، وتؤكّد – بالمقابل – على المواجهة .. مواجهة تقوم بها الفتاة المُتحرّش بها للشخص الذي يتحرّش بها من خلال نظرات رادعة أو كلمات حادة توقفه عند حدّه، أو بتهديده، أو الاستغاثة بالشرطة، أو بمن حولها من الناس، أو ... أو الكثير من السلوكيات التي تُشعر المتحرِّش بالرفض الحازم، وبقوّة الضحيّة، لا باستكانتها وانرعابها . وكل هذه السلوكيات التهرّبية هي ما تُدرّب عليه الأمّهاتُ بناتهن عندنا طلباً للستر!! "
وكما قلت ان الناقد الرائع الدكتور حسين سرمك حسن ، بنباهته وفطنته وسعة افق معرفته ، يلتقط جواهر المعنى ، ويسلط ضوء بصره وبصيرته على تلك الجواهر المعنوية ، ويفك شفرات رموزها ، ليدخل في اعماقها ، ويبين القيمة الحقيقية في ذلك العمق المعنوي المكنون في ما تناوله .
"وجاء مفرّق الجماعات وهادم اللذات" ما أجمل هذه العبارة التي بدأ بها نقده لقصة "المشاكسة" للقاص الدكتور علي القاسمي ، وتناولُ الدكتور حسين سرمك حسن للعبارة المستقطعة من حكايات الف ليلة وليلة ، ليس من باب الجمالية الشكلية التعبيرية ، وانما تناولها بحسه الثاقب لأهم نقطة فاعلة في الوجود ، محسوسة ومرافقة لكل شئ موجود في الكون ، ولكنها غير مرئية ، فهي مُرّةُ ، كالدواء ، ولكن مرارته ليست سلبية، وهذه النقطة المهمة التي اشار اليها الدكتور حسين سرمك حسن ، وحصرها في تلك العبارة اعلاه
"وجاء مفرّق الجماعات وهادم اللذات" ، هو الموت ، فما أصعبه ، وما أقسى مرارته ، وما اثقلها من كلمة ، ولكن من دونها يعني الفناء والموت الكلي لصيرورة الحياة .
فما ان يسمع الأنسان العاقل بهذه الكلمة ، حتى يهتز كل كيانه ومشاعره وأحاسيسه ، وتدلهم امام بصره وبصيرته الدنيا وما فيها ، ولعظم اهمية هذه الكلمة ومرارة طعمها على الأنسان الواعي ، وحتى لا تكون عاملا سلبيا في شل مسيرة حياته في البناء والتقدم والعطاء ، أشار سيد البلغاء والمتكلمين ، أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب عليه السلام ، لهذه المسألة بهذه العبارة الجميلة والعظيمة "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا" لأن الأنسان بجمال طموحه وتطلعاته الى الحياة ، وسروره وفرحه بها ، وبسعيه واجتهاده المتواصل ليل نهار في تحقيق رغباته وامانيه ، من اجل غد افضل وهدف منشود ، وبكل هذه المحفزات التي تدفعه وتشد من عزيمته في المضي قدماً في الحياة ، وإذا بالموت المحسوس والغير مرئي ، يصطدم بكل هذه الأشياء المحفزة للحياة والمتفاعلة معها ، ولهذا اعطى الحل لهذه المسالة في مقولته تلك ، لأن الأنسان اذا انشغل بفكرة الموت والتي هي سنة من سنن الله في ديمومة الحياة ، ومن دون هذه السنة ( الموت ) يعني الهلاك والفناء والزوال الكلي ، فالموت كالدواء مرٌّ في طعمه ، حلوٌ في ما يعطيه ! ولهذا اعطى الأمام علي عليه السلام الحل الصائب والناجع في مسيرة حياة الأنسان " إعمل لدنياك ، كأنك تعيش أبدا ..."، لكي يحيا ويستمر في الحياة ويسعى في مناكبها ، لأنه خلق لا للموت أو التقوقع في اجوائه الكئيبة والمثبطة لعزائمه وطموحاته وأمانيه ، بل خُلق الأنسان ليبني ويُعَمّرَ الكون ، لا للحياة من أجل الحياة ، وأنما لما وراء الحياة ، لأن الحياة الدنيا هي زائلة بأنطفاء شعلتها وهي الشمس، ولكن العمل والبناء بها ، من اجل الحياة الأسمى ، في عالم الخلود والبقاء الدائم ، هذا من جانب حث الأنسان على العمل الخلاّق والبناء في الحياة ، حتى تستمر في تقدمها ، اما في القسم الثاني في كلام الأمام علي (ع ) " واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا" فهو ينبه الأنسان على الموت وهو خاتمة كل شئ ، ولا يمكن تجاهله ، وللموت جانبين مهمين ، الأول وقد بينت اهميته لديمومة الحياة ، ولأنه الوجه الأخر للميلاد ، واما الجانب الآخر للموت وهو درس وموعظة للأنسان في سبيل ان لا يطغى ويتجبر ، وحتى لا يظن انه خالد في هذه الدنيا ، فعند تذكره بانه سيرحل من هذه الحياة الدنيا من دون ان يـأخذ معه اي شئ من كل ما افنى حياته في سبيله ، بمختلف الطرق والأساليب ، وليس له من كل ما جمعه في هذه الدنيا إلاّ الذكر الطيب في الدنيا والبشرية ، واما في ما بعد الموت فسيواجه اعماله التي مارسها في الحياة الدنيا ، فان كانت اعماله حسنى ، فيُجزى عليها بالحسنى ، وان كانت اعماله سيئة ، فيُجزى بمثلها ، وكما في قوله عز وجل " فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ " .
كل هذه الأستفاضة في حديثي عن الموت من الجانب الفلسفي والنفسي والأجتماعي للكلمة ، وهي النقطة المهمة التي تناولها الناقد والمفكر الكبير الدكتور حسين سرمك حسن ، في قصة الدكتور على القاسمي الموسومة "المشاكسة" ، وبأشارته لهذه النقطة حفزني على ان اسهب في الحديث عن هذه المفردة " الموت " التي حقاً وحقيقة مهمة وعميقة في المعنى الحسي ، والمعنى الواقعي الذي نعيشه ، فالقارئ عندما يبدأ قراءة القصة عن الفتاة وهي في ربيع عمرها ، يعني الحياة بكل جمالها ومعانيها وآمالها وابعادها بالنسبة للفتاة ، وكما رسمها لنا القاص الدكتور على القاسمي ، وبالمقابل رسم الى جانب الحياة المتمثلة في شخصية الفتاة المدعوة فاطمة ، رسم الموت الذي يلتصق بأذيال ثوب الحياة الجميل ، كما يدور الظل حول الأشياء حسب الضور المتسلط على ذلك الشئ ، صحيح اننا لا يحق لنا ان نعترض على الموت باعتباره سنة من سنن الله في خلقه ، ولكن هنا اسباب متعددة للموت ولو ان الموت واحد ، وكما قال الشاعر : ( تعددت الأسباب والموت واحد ) ، ولكن نحن لا نعترض على الموت ، كموت بذاته ، وانما نبدي رأينا ونعترض على السبب والمسبب والأسلوب ، وهو القتل الذي ازهق روح الأنسان ، وادى الى موته ، وحرمانه من الحياة ، وهذا الموت يعتبر جريمة بالعقل والدليل ، ان بقصد او من غير قصد ، ومثالا على ذلك ، تعرض انسان لضرب اثناء مشاجرة ، تودي بحياة ذلك الأنسان ، ومن دون نية مسبقة للقتل ، فهي تعتبر جريمة ارتكبها الجاني ، حتى وان لم تكن له نية تبيت أنتواء القتل ، ومثال آخر ، شخص قام بفعل ، بقصد السرقة ، ولكن اثناء ذلك الفعل ادى الى ارتكابه جريمة قتل الذي اراد سرقته .
ولا اريد ان اطيل اكثر في مسألة الموت التي اشار اليها الأخ العزيز الناقد الدكتور حسين سرمك حسن ، والتي تضمنتها قصة " المشاكسة " للأخ الكاتب والمفكر والقاص الدكتور علي القاسمي ، والعنوان الذي يعبر عن فعلة الشيطان في إزهاق روح الأنسان ، في شتى انواع الجريمة ، وبمختلف الوانها وحجومها ، كالذي يفعله الشيطان الأكبر امريكا واذنابها في قتل الملايين من البشر ، كل ذلك في سبيل اطماعها وتوسيع مساحة رقعة ظلمها وهيمنتها !
ارجو المعذرة عزيزي دكتور حسين على الأسهاب والأطناب
مودتي لكما معا وفائق احترامي
اخوكم ابراهيم

الدكتور ابراهيم الخزعلي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الأعز الأديب الدكتور ابراهيم الخزعلي المحترم
تحية الأخوّة والإبداع
ولا تتصوّر مقدار سعادتي وأنا أقرأ تعليقاتك الدقيقة والعميقة التي تعبّر عن سعة ثقافتك ونفاذ رؤاك فتأتي تلك التعليقات وكأنها قراءة مُضافة فيها الكثير من العبر والدروس المثمرة التي تحرّك تأويلات ووجهات نظر جديدة ومُغنِية تُثري النص القصصي والنقدي.
تحية إليك على هذا الجهد القرائي والنقدي والنظرة الإنسانية العالية المتوازنة إلى معضلة الحياة والموت.
تقبل فائق احترامي وتمنياتي بالصحة الدائمة والنماء والعطاء.
أخوك : حسين سرمك حسن

حسين سرمك حسن
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3903 المصادف: 2017-05-13 03:53:51