المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

فلسفة العشق والحياة في نصوص الشاعر عبد الجبار الفياض

أولاً- المقدمة: عندما يتناول الناقد القصيدة، يتلقّفها بحرص وتوجّس، يقرأها قراءة أولية، يعيد القراءة مرات حتى تألفه ويألفها، ثم يبدأ بعدها تعامله معها.... عندما قرأت الًقصيدة بدايةً، من العنوان تنبأت بأن القصيدة فلسفية المذاق، وعندما وصلت إلى نهايتها أيقنت أنني على حق، فالشاعر هو الفيلسوف الكبير عبد الجبار الفياض .. لا أخفيكم تهيّبت عندها ... لكن تدفق سيالة القصيدة بانسيابية مدهشة رغم عمق المعاني المتجذّرة، جعلتني أقبل عليها بكل حماس ...(زوربا) هي رواية للكاتب نيكوس كازانتزاكيس. تدور أحداثتها عن قصة رجل مثقف، اسمه باسيل، غارق في الكتب يلتقي مصادفة برجل أميّ (زوربا) مدرسته الوحيدة هي الحياة وتجاربه فيها. سرعان ما تنشأ صداقة بين الرجلين ويتعلّم فيها المثقف باسيل الذي ورث مالاً من أبيه، الكثير من زوربا عن الحياة وعن حبها وفن عيشها. وشخصيةزوربا هي شخصية حقيقية قابلها نيكوس في إحدى اسفاره، وقد أعجب به إعجابا شديداً، فكتب رواية باسمه. الملفت في رواية زوربا، هو قدرة نيكوس على وصف شخصية زوربا بشكل مطوّل ومفصّل وعميق، حتى أنك تشعر لوهلة أن زوربا هو الشخص الأعظم في هذا الكون. المميز في زوربا هو أنه يحب الحياة بكل أشكالها، لا يذكر الحزن، بل يذكر الفرح دائماً في لحظات حزنه الشديد، أو سعادته الشديدة، يرقص رقصته المشهور، (رقصة زوربا)....

ثانياً- البؤرة الأساسية الثابتة للكاتب Static Core:

متلازمة الحبيبة والوطن بالماضي والحاضر والمستقبل، وفلسفة عشق معكّرة بشوائب المحيط الزماني والمكاني، تلك الفلسفة التي تحيل العشق إلى إطار رفيع يحيط بلوحة، هي اختصار لكينونة الوجود المكاني والزماني بكل ألوانه ومساحاته، حتى نظن أن الشاعر ما قصد العشق والبوح كغرض أساسي للقصيدة، وإنما قصد كل ما عداه، رسالة إنسانية مؤداها الحنق والنزق والغضب من كل حقائق الظلم المجتمعي، والفساد السياسي والخيانات التاريخية ...

من هذه البؤرة الأساس أنطلق إلى كشف مخبوءات النص، من خلال الدلالات السيميائية والبراغماتية الرمزية، وتفصيلات أخرى مؤجلة، وهنا ساحتي التي أجول فيها، أتفق أو أختلف مع من عداي ...

ثالثاً- الاحتمالات المتحركة في النصوص شكلاً ومضموناً Dynamic Possibilities:

نأتي هنا لملاحقة مجريات القصيدة الداخلية والخارجية، نتناولها بالتحليل،حلقات الأفكار المتصلة فيما بينها شكلاً ومضموناً، والجري خلف الدلالات والرموز والمدلولات والمفاهيم، سيمانتيكياً وبراغماتيكياً، والغوص في عمقها لاستخراج مخبوءات القصيدة ....

بدأ الشاعر الفيلسوف نصه بعنوان (زوربا)، الشخصية الحقيقية التي قابلها نيكوس كازانتزاكيس في أحد أسفاره، وكتب رواية باسمه، أظهره نيكوس إنساناً يعشق الحياة، لا يظهر إلا الفرح، حتى في لحظات حزنه الشديد، تميّز برقصته الشهيرة، أميّ لا يعترف بالكتب، وهذا ما جعله ساخراً من (الرئيس) الذي كان يعيش بين الكتب ...

زوربا سيظهر بسياق القصيدة بفكر الشاعر وأيديولوجيته الحرة هو، نيكوس جعله ندّاً مكمّلاً، لكن الشاعر هنا سيجعله انعكاساً مطابقاً، وهذا أمر أراه طبيعي جداً، لطالما وجدت الكاتب يضع في روايته بعضه، أما الشاعر فيضع في قصيدته كله ...وهذا تناص متواز بين النثر والشعر وهو أمر غريب لا يستطيعه إلا جبابرة القلم ....

بدأ استهلال القصيدة بضمير المخاطب المؤنث (أنتِ) مبتدأ، والتالي أخبار متضمّنة أوصافاً متعددة، يشير إلى الحبيبة، وجودها اختصاراً لمستقبل سيأتي، هنا يخرج عن المألوف بغرائبية، إذ كيف يرى شيئاً لم يأت بعد؟ ليعود مستدركاً، متوقعاً ما يمكن أن يكون، مذعناً للقدرية، أن هذا القادم إن أتى ولم تكن هي فيه، فهو لن يبصق فيه، وهنا يظهر زوربا، الذي كان يبصق على كتب الرئيس قائلاً:" كتبك تلك أبصق عليها، فليس كل ما هو موجود، موجود في كتبك ". أين يبصق الشاعر إن خلا الآتي من حبيبته؟ لا يبصق على كتاب رآه زوربا حاضراً كاذباً، بل يبصق على منظر يثير الاشمئزاز كموكب زعيم ساس رعيةً خرساء، والساكت عن الحق شيطان أخرس، التورية هنا قوية جداً ...

كل هذا النزق من الآتي، فما حال الماضي ؟ حكم عليه ب ( لابأس)، لأن الحبيبة كانت فيه، وهنا تدخل الرومانسية من باب واسع، فهو الأجمل، تتظاهر فيه الطبيعة، بل الكون، لترسم البهاء والجمال والطهر، السماء والنجوم، وينابيع الماء، والشمس، تجتمع كلها لتنطق بالحياة ...

يناوب الشاعر في قصيدته بين حزن وفرح، بين ماض وحاضر، بين شباب وشيخوخة ... بين المتناقضات، يدير دفة الواقع والموجودات الحسية بمغرفة الزمن، شمس الماضي الشابة، شاخت في ظل أحداث الحاضر، حروب متلاحقة وغزو واعتداء سافر، على الشعوب الفقيرة، والقمر الذي كان ملهم شعراء الغزل، يرغد بالترف، بات كالمتسول، يخفي بهاءَه دخانُ الحروب، تلفٌ بعد رغد... و رمادُ خراب فرش كل شيء، حجب كل رموز العشق، ليلى الأخيلية، ولّادة بنت المستكفي، وغيرهن، إن استحضار الشاعر لهذه الرموز يظهر لنا مقدار الحنين إلى ذلك الماضي، ونراه يغالي في ذلك ليصل إلى المعلقات، يستحضر مثالاً معلقة امرئ القيس، من العصر الجاهلي، ثم قصيدة علي بن الجهم التي هام بها بعيون المها بين الرصافة والجسر، يستدعيه الحنين إلى فن روبنز الرسام البلجيكي الذي أبدع في رسم (ماري من ميديشي) ملكة فرنسا... تساؤلات عديدة طرحها الشاعر الفيلسوف كجدليات، كات إرهاصات محرّضة، أيقظت زوربا القابع في صدر الشاعر وحرّضته على الانفلات، فهنا محيطه، وهنا صالة رقصه، وساحة تمرّده، سماء تحلّق فيها النوارس، تثير رغبته بالرقص، رقصة زوربا ترجمة لفلسفته بالحياة، وفكرة الشاعر أن لكل إنسان مهما قلّ شأنه، ومستواه الفكري والثقافي، له أيضاً فلسفة حياتية لا تقل أهمية عن فلسفة الكبار، زوربا السكير الجاهل المستهتر، الذي لا يلقي بالاً إلا للحظات لذته، له فلسفته مع الحزن، وله مواقفه الهازئة من العلم عندما يغلفه الزيف، ويعرف كيف يعيش الفرح، ويرقص زوربا اليوناني، إن كان زوربا زير نساء فقد ترك في العشق بصمة، رقصة تبهر بخطواتها الجميع، رشيقة برشاقة الأميرة ديانا، فلسفة لملم فيها الكون بقفزة، كما ترك في الشعر تمرّد، فسكتت الأقلام وتمرّدت الحروف، لقد احتوى زوربا برقصته الحياة، الحياة بكل تناقضاتها، هكذا رآه الشاعر، ومجّد فلسفته، إذ أن غاية الخلق أن تكون الحياة سفينة حب، نوح عليه السلام لم يبنِ سفينة من خشب ومعدن، بل بنى حياةً بين متضادين، بين متكاملين، وكان ذلك سر الخلق، السر الذي احتوته هي (الأنثى) وهو (الذكر) في كتاب (قصيدة) تعشق الحياة ...

أكتفي بهذا الكم من الصيد، من الاحتمالات المرجئة وأترك لغيري استخراج ما بقي، بالقدر الذي يشاء .

رابعاً –المدخل البصري:

لقد ارتدت االقصيدة ثوبها اللائق، قصيدة نثر، انتظمت ضمن عمود يضيق ويتسع، جمله متوافقة لا كسر فيها، لم يغفل الشاعر أدوات التنقيط، بل جاء بها بمواضعها، إشارات التعجب التي جاءت لتدعم روح القصيدة الفلسفية الحائرة، وإشارات الاستفهام التي أكدت تلك التساؤلات، والنقاط الثلاث المتتابعة، دوال فلسفية مخبوءة برمز التنقيط.

 الموسيقى الشعرية والصور الشعرية:

تحققت الموسيقا الشعرية كموسيقا داخلية كون القصيدة قصيدة نثرية، نظمتها الأحاسيس التي أثارتها القصيدة أنغاماً داخلية في نفس المتلقي، اختيار الشاعر للمفردات المتضادة ساهم في انتظام هذا الإيقاع، كما أن اللفاظ بالمجمل سهلة، سلسلة، مترابطة ومتماسكة، متجاذبة، كل فقرة، لها ألفاظها التي تناسب موضوعها، استخدم حرف القاف، وهو حرف قوي عندما كانت نبرته غاضبة نزقة ( قذرة، بصقتي )، ورقت حروفه عندما كان في حقل الرومانسية، إن تلاعب الشاعر بالمفردات أعطى القصيدة انزياحاً رمزياًعالي الدرجة، وهذا لا غرابة فيه إذ أن القصيدة فلسفية التركيب، كما أن استخدام الصور الشعرية المختارة بدقة متناهية حققت للقصيدة انزياحاً خيالياً عالي الدرجة أيضاً.

لذلك جاءت هذه القصيدة مزيجاً عجيباً بين العاطفة والعقل، التجربة الشعورية للشاعر جاءت مغلفة بغطاء الفلسفة التي امتهنها في حياته،

أنتِ

اختصارٌ لكلِّ مسافاتِ الآتي

إنْ أتى

ولستِ فيه

فإني أحترمُ بصْقتي

قد أحتاجُها للوحةٍ قذرةٍ

حينَ يمرُّ موكبُ شيْطانٍ أخرس . . .

قصيدة خطابية تقريرية مباشرة في مقدمتها، تستمر حتى نهايتها بمنهج السهل الممتنع، تتخلله بعض الصور الرومانسية الخجلة، إن استخدام لفظ العجوزللشمس يختزل كل الزمان من الماضي حين كانت عذراء إلى أن كبرت وصارت عجوزأ،الشمس تمر بكل مراحل الفتاة، عذراء فعجوز حذاؤها (الحاضر) غبار الغزاة، ما أبدع هذه الصورة .

شمسُهُ العذراء

لم تكنْ هذه الشمسُ

العجوز

ترتدي غبارَ أحذيةِ الغُزاة

تطاردُ المعدمينَ تحتَ صفيحٍ ساخن . . .

والقمرالذي كان شاعراً غارقاً في قصائد الغزل في الماضي، صار في الحاضر متسولاً:

قمرُهُ

يمسي شاعراً

يستحمُّ في بحيراتِ غزل

متسولاً على أبوابِ دخانِ حروبٍ

هناك صورة لفتتني جداً فيها مزج بين الملموس واللاملموس والمرئي والمسموع:

فيروزُ

تطرّزُ أردانَ الصّباحِ بضوءٍ مسموع . . .

صورة أخرى يحمّل فيها الرصاص صيدها وقنصها، لتكون الكناية عنها:

تمرُّ من فوّهاتِ بنادقِهم أنفاسُ شوارعٍ مقطوعةِ الرّؤوس . .

 البيئة الشعرية:

بيئة الشاعر المكانية، وطنه العراق الغارق في الحروب والنزاعات، وهو أصلاً بلد العلم والشعر والرغد يما مضى من أزمان ...

البيئة الداخلية أو النفسية هي بيئة الشاعر الثقافية والفلسفية والأدبية، فهو فيلسوف وشاعر .

- الموضوع أو الثيمة ومقاييس الدقة في الإبداع الشعري:

إن الرسالة الإنسانية التي ضمّنها الشاعر في قصيدته، نراها جلية، مؤثرة في النفس الإنسانية، الحال المزري للأوطان والشعوب، انحسار العشق والحب والمشاعر الإنسانية الراقية عن مسرح الحياة المعاشة، ونتلمس تلك الرسالة من خلال نقد المعنى والعاطفة، ضمن مقاييس عادلة، من أبرز مقاييس نقد المعنى:

1- مقياس الصحة والخطأ:

التزم الشاعر بالحقائق التي ساقها في القصيدة، الحقائق التاريخية التي جعلنا نبحر معه في جوهرها، سواء أكانت دينية أم تراثية، أم فلسفية ولا غرابة في ذلك فهو فيلسوف، والتاريخ عالمه، كما أن الحقائق العلمية جاءت أيضاً مشهود بصحتها، وكذلك اللغوية، فهو شاعر ثري بكنوزه المعرفية واللغوية .

2 - مقياس الجدة والابتكار:

إن الموضوع الذي تطرق إليه الشاعر ليس جديداً، ولا يشترط أن يقدم الشاعر معانٍ جديدة لم يتطرق لها أحد قبله، فذلك شبه مستحيل ...

لكن المطلوب أن يقدم الشاعر معانيه بطريقة جديدة، بأسلوب مبتكر تبدو فيه كالجديدة، وأرى أن ذلك محقق و إذ أنها لمغامرة جداً جريئة أن ينطق الشاعر قصيدته على فلسفة زوربا، أو بروح زوربا، ويطعّمها بشخصيات تاريخية من الشرق والغرب، ليلى وولادة، امرؤ القيس وعلي بن الجهم، زوربا و روبنز و ديانا ....

3- مقياس العمق والسطحية:

لقد أخذتنا القصيدة إلى أماكن بعيدة، واستدعت إلى مخيلتنا الكثير من المعاني والخواطر، بدلالاتها السيميائية المستشفة من الموجودات والمخبوءات التي انطوى عليها النص، وهذا يعكس موهبة الشاعر ومقدرته وملكاته الذهنية وثقافته العالية، الحكمة التي فاض بها النص تعكس هذا العمق، إذ أن الحكمة تمثل اختزال قدر كبير من من التجربة الإنسانية .

أما على صعيد العاطفة فنقدها يكون على مقاييس:

1 - مقياس الصدق والكذب:

العاطفة صادقة لأن الدافع الذي دفع الشاعر لنظم هذه القصيدة كان صادقاً وحقيقياً و لا يستطيع أحد أن ينكره .

2 - مقياس القوة والضعف:

لا أظن بحال من الأحوال، أن هذة القصيدة لم تهز وجدان أي متلقي، أتحدّث عن مجمل – أنا منهم – لقد هزّت وجداني لأنها قصيدة وجدانية أساساً، فيها الغضب والحنين والحسرة، وفيها الحب والرومانسية، وفيها الفلسفة التي أعشق...

خامساً- المدخل اللساني Linguistic Trend:

لقد انتقى الشاعر ألفاظه من المجال الذي ارتأى أن يدخل مضمون قصيدته منه، المجال الفلسفي بدءاً من العنوان (زوربا) الذي يعتبر بحال من الأحوال رمز عشق بفلسفة معينة، جمع بين العشق والنظرة الفلسفية للحياة، استخدم الشاعر الصور البيانية من كناية واستعارة وتشبيه:

كناية

أنتِ اختصارٌ لكلِّ مسافاتِ الآتي: كناية عن أنها المستقبل

حينَ يمرُّ موكبُ شيْطانٍ أخرس . . .: كناية عن الشعب الساكت عن حقه

صمتٌ يخرجُ منهُ مَنْ نقّ على ملةِ الضّفادع . . . كناية عن الذي يتكلم مخالفا للملة أو الطائفة

تمرُّ من فوّهاتِ بنادقِهم أنفاسُ شوارعٍ مقطوعةِ الرّؤوس . . .كناية عن غنيمة الرصاص المنطلق من البنادق .

استعارة:

فإني أحترمُ بصْقتي: جعل البصقة شخص يحترم

لم تكنْ هذه الشمسُ العجوز

ترتدي غبارَ أحذيةِ الغُزاة

يستحمُّ في بحيراتِ غزل

لافتاتٌ تسخرُ منها الأعمدة

أصيخُ السّمعَ لصريخِ جدرانِه

سلافة أحتسيها

فيروزُ تطرّزُ أردانَ الصّباحِ بضوءٍ مسموع . . .

لا كتابةَ حينَ تتمرّدُ الحروف . . .

تشبيه:

قمرُهُ يمسي شاعراً

حتى نزفَ من الشّعرِ أعذبَه !

زوربا في داخلي يرقُص . . .خطوات بايقاعِ عاشقٍ

برشاقةِ ديانا وقوسِها الذّهبيّ . . .

لم يبنِ نوحُ النّبيّ سفينةً بلْ بنى قلباً عائماً للعشق !

سادساً -المدخل السلوكي:

التساؤلات التي طرحها الشاعر في القصيد، لم تكن تساؤلات عادية، فهي تساؤلات فلسفية، جدلية، اجتماعية وسياسية، استفزت الشاعر واستمالته، يحاول الإجابة عليها، على أن تكون إجاباته مطبوعة بالوضع والبيئة الاجتماعية أو الأدبية أو الفلسفية التي أثيرت فيها، فعل ورد فعل صراع أيديولوجي بين الشاعر والمظاهر الإنسانية السائدة في مجتمعه، نلقي الضوء على

بعضها:

متى كان الدّمعُ سحراً في العيون؟

أللكحلِ لونٌ آخرُ؟

تساؤل استنكاري حائر، هل للحزن سحره؟هل كان بهياً في أي زمان، أو في أي مجتمع؟ هل يمكن أن يكون الكحل غير أسود؟

كأنه يجيب إجابة مبطنة، نعم إن للكحل سحره بالعيون، لكن هل الدمع والحزن كحل؟ هل يمكن أن يكون الكحل بلون الدمع؟ ننظر إلى أي كم من التساؤلات والجدليات يقودنا تساؤل واحد ...

هناك تساؤل يجرنا ربما إلى مخالفة الشاعر بشرعية طرحه:

كيفَ لهذا البضِّ أنْ يكونَ للدّودِ مَتاعاً ؟

قد يفسره البعض بأنه اعتراض على القدر، لكن يمكن أن نقول بأنه أحد الأسئلة التي يقف الإنسان عندها ويقول: الخلق كلهم إلى فناء، وكلهم سيبعث بعثاً آخر، فعلام العجب، ودوام الحال من المحال؟

و متى يغدو الماضي الجلف أبهى من الحاضرالناعم إلا عندما يستطيل الظلم والبغي؟ تساؤل ضمني يطرحه الشاعر...

وسؤال آخر يراود الشاعر بل ويراودنا بالمعظم عندما يأخذنا العجب بالجمال المخلوق:

أيُّ إلهٍ وثنيّ في أعماقي يرقد؟

نغرق في حناياه، وقد نغفل عن خالق هذا الجمال حتى لنظن أننا نعبد الجمال مجسّدا معاذ الله !

إن الجمال لم يكن يوماً إلا آية الله لخلقه ...

 النفس البشرية تعشق الجمال أينما كان وبأي زمان، وهل يعني ذلك أن الشاعر وثني الهوى ؟ ! سؤال مطروح كجدلية ...الشاعر يقول أن لا سؤال، في حين أن المنطق أن يقول أن لا جواب، هذه المعكوسات تضفي على القصيدة غرائبية تدعم فكرة القصيدة الحائرة بين المتناقضات، جدلية السؤال جوابها صمت في حاضر يسوده إرهاب وترهيب لكل من خرج عن الملة، التطرف الفكري والعقائدي الذي أنتج أجناساً جديدة من البشر، نافست الوحوش وتجاوزتهم بمراتب، رفعت رايات نصرها رؤوساً مقطوعة عن أجساد أصحابها، غاباتها متاريس نصبوها في شوارع الأوطان، يقتنصون منها الأعضاء البشرية، بشعارات مزيفة، وضحاياهم يهللون لديمقراطية يجهلونها، ما عرفوها يوماً، أليس من الحمق أن يموت المرء شهيد فكرة يجهلها؟ تساؤل ضمني آخر طرحه الشاعر كجدلية بحق الشعوب المساقة بغفلة منها أو جهل ...

سابعاً– المدخل العقلاني:

تناص الشاعر مع أدباء آخرين، ما أثرى إنتاجه وأكسبه ثقافات واتجاهات فكرية، ترافقت مع إرهاصاته الشخصية، فكان النتاج غنياً ثقافياً وأدبياً وعلمياً، عكس عمق ورفيع ثقافة الشاعر، تناص مع الكاتب اليوناني نيكوس كازانزاكس، الشاعر الجاهلي امرئ القيس، الشاعر العباسي علي بن الجهم، تناص مع القرآن في ذكر سفينة نوح، تناص مع شعراء معاصرين في ذكر أعلام معاصرين و كل ذلك نراه مذكوراً بوضوح في القصيدة ...

ثامناً- المدخل الاستنباطي (التقمّصي):

مجموعة العبر والحكم والدلالات الإنسانية التي حفلت بها أركان القصيدة التعبيرية والسردية:

لا كتابةَ حينَ تتمرّدُ الحروف . . .

تقف الأقلام عن مهامها عاجزة، حينما تثور الحروف، عندها لا تنفع الكتابة ولا عقلانية الأشياء، بل لندع جنون المشاعر، لندع الحب يسري في الأوصال، ولو كان الفرح رقصاً...

احتواءٌ لا تفسرُهُ أبجدياتِ الكوْن !

ليكنِ الطّوفان

لم يبنِ نوحُ النّبيّ سفينةً

بلْ بنى قلباً عائماً للعشق !

 نعم، ليكن الطوفان،يجوبه القلب سفينة عائمة، تحتوي العشق تنجو به من الفناء، فسفينة نوح كان عليها من كل نوع زوجان، ألف بينهما الحب، ليعمرا الأرض .

تاسعاً- التحليل الرقمي الذرائعي الساند: Digital Analysis Supporting

الدالات الفلسفية:

أنتِ اختصارٌ لكلِّ مسافاتِ الآتي 5+

إنْ أتى ولستِ فيه فإني أحترمُ بصْقتي 7+

قد أحتاجُها للوحةٍ قذرةٍ4+

حينَ يمرُّ موكبُ شيْطانٍ أخرس . . .8+

لا بأس ما كانَ عليهِ الأمس عيونَ ماء . . .10+

شمسُهُ العذراء2+

لم تكنْ هذه الشمسُ العجوزترتدي غبارَ أحذيةِ الغُزاة8+

تطاردُ المعدمينَ تحتَ صفيحٍ ساخن . . .8+

قمرُهُ يمسي شاعراً يستحمُّ في بحيراتِ غزل7+

لا متسولاً على أبوابِ دخانِ حروبٍ 6+

فرشتْ بساطَ رمادٍ على جميعِ الأرصفة . . .8+

حجبتّْ ليلى ولاّدة 3+

متى كان الدّمعُ سحراً في العيون ؟7+

أللكحلِ لونٌ آخرُ؟ 5+

حتى نزفَ من الشّعرِ أعذبَه !6+

أتلصّصُ على نساءِ مردان العاريات اكتناز 6+

أصيخُ السّمعَ لصريخِ جدرانِه4+

كيفَ لهذا البضِّ أنْ يكونَ للدّودِ مَتاع ؟8+

سلافة أحتسيها بفلسفةِ دمٍ للعشقِ أبيض6+

أيُّ الهٍ وثنيّ في أعماقي يرقد ؟7+

لا سؤال 2+

صمتٌ يخرجُ منهُ مَنْ نقّ على ملةِ الضّفادع . . .11+

تمرُّ من فوّهاتِ بنادقِهم أنفاسُ شوارعٍ مقطوعةِ الرّؤوس . . .11+

متاريسُ لافتاتٌ تسخرُ منها الأعمدة6+

شواهدُ موتٍ ديموقراطيّ3+

تجمعُ كلَّ حروفِ الزّيفِ لوطنٍ مبتورِ السّاقيْن . . .10

لأرى النّوارسَ تستعيرُ اللّونَ الأزرقَ من عمالِ الموانئ . . .11+

فيروزُ تطرّزُ أردانَ الصّباحِ بضوءٍ مسموع . . .9+

زوربا في داخلي يرقُص . . .7+

خطوات بإيقاعِ عاشقٍ 3+

نشوةٌ تلّونُ كلَّ الوجوه . . .7+

أقدامٌ ترسمُ أرضاً غيرَ الأرض 5+

للعشقِ أجنحةٌ 2+

تعبرُ كلَّ مسافاتِ الفلاسفة . . .7+

ألقى الشّعراءُ أقلامَهم 3+

لا كتابةَ حينَ تتمرّدُ الحروف . . .8+

احتواءٌ لا تفسرُهُ أبجدياتِ الكوْن !6+

ليكنِ الطّوفان 2+

ما لامرأةٍ غيرُك وأنا يعرفان مْن أكونُ 7+

ومَنْ تكونين ؟3+

في القصيدةِ 2+

أنتِ فقط ! 3+

مجموع دوال الفلسفة =234

دوال الحكمة والموعظة:

أصيخُ السّمعَ لصريخِ جدرانِه 4+

كيفَ لهذا البضِّ أنْ يكونَ للدّودِ مَتاع ؟ 8+

أيُّ الهٍ وثنيّ في أعماقي يرقد ؟لا سؤال 9+

صمتٌ يخرجُ منهُ مَنْ نقّ على ملةِ الضّفادع . . .11+

احتواءٌ لا تفسرُهُ أبجدياتِ الكوْن !6+

ليكنِ الطّوفان 2+

لم يبنِ نوحُ النّبيّ سفينةً بلْ بنى قلباً عائماً للعشق !11+

ما لامرأةٍ غيرُك وأنا يعرفان مْن أكونُ ومَنْ تكونين ؟11+

في القصيدةِ أنتِ فقط !5+

مجموع دوال الحكمة والموعظة =67

دوال العاطفة:

أنتِ اختصارٌ لكلِّ مسافاتِ الآتي 5+

قمرُهُ يمسي شاعراً 3+

يستحمُّ في بحيراتِ غزل 4+

أرقبُ ذاكَ البدويّ الذي فقدَ صوابَهُ6+

 بين الرّصافةِ والجسر 3+

حتى نزفَ من الشّعرِ أعذبَه !6+

زوربا في داخلي يرقُص . . .7+

خطوات بايقاعِ عاشقٍ3+

برشاقةِ ديانا وقوسِها الذّهبيّ . . .7+

نشوةٌ تلّونُ كلَّ الوجوه . . .7+

أقدامٌ ترسمُ أرضاً غيرَ الأرض 5+

للعشقِ أجنحةٌ 2+

بلْ بنى قلباً عائماً للعشق !6+

ما لامرأةٍ غيرُك وأنا يعرفان مْن أكونُ 7+

ومَنْ تكونين ؟3+

في القصيدةِ2+

أنتِ فقط !3+

مجموع دوال العاطفة =82

 عاشراً- حساب الميل البراغماتي لرصانة النص وشاعرية الشاعر:

٢٣٤دالات فلسفية +٦٧ دالات حكمة +٨٢دالات عاطفة=٣٨٣وحدة لمجموع المدلولات والمفاهيم الحسية بتوزيعها على قوامها المئوي =97٪‏ سبع وتسعون بالمائة شاعرية الشاعر وهي أعلى نسبة شعرية

الميل البراغماتيكي لتوصيف الشاعر والشعر الذي ينظمه

٢٣٤=٥/٢ ثلاث مرات ونصف من (٤٠٠) فهو شاعر فلسفي بثلاث مرات ونصف بمقارنته مع الحكمة والعاطفة التي تشكل =٥/١ من نفس المجموع الدلالي ....

يكون التوصيف النهائي للشاعر= شاعر فلسفي عاطفي حكيم بدرجة الريادة....

الخاتمة:

أتمنى أن أكون قد أعطيت هذه القصيدة الرائعة حقها من الدراسة، ولا أظنني فعلت، فأنا لست ناقدة بحضرة النقاد الكبار، وإنما مطبّقة للنظرية الذرائعية، أو أحاول أن أطبق النظرية الذرائعية، أرفع تحياتي والتقدير للشاعر الفيلسوف عبد الجبار الفياض على هذا النص الباذخ والمائز والماتع ...

د.عبير خالد يحيي

............................

زوربا / عبد الجبار الفياض

 

أنتِ

اختصارٌ لكلِّ مسافاتِ الآتي

إنْ أتى

ولستِ فيه

فإني أحترمُ بصْقتي

قد أحتاجُها للوحةٍ قذرةٍ

حينَ يمرُّ موكبُ شيْطانٍ أخرس . . .

لا بأس

ما كانَ عليهِ الأمس

عيونَ ماء . . .

شمسُهُ العذراء

لم تكنْ هذه الشمسُ العجوز

ترتدي غبارَ أحذيةِ الغُزاة

تطاردُ المعدمينَ تحتَ صفيحٍ ساخن . . .

قمرُهُ

يمسي شاعراً

يستحمُّ في بحيراتِ غزل

لا متسولاً على أبوابِ دخانِ حروبٍ

فرشتْ بساطَ رمادٍ على جميعِ الأرصفة . . .

حجبتّْ ليلى

ولاّدة

فوْز

قفا نبكِ مهفهفةً بيضاء

بترائبَ مصقولة

يورقُ تحتَ أقدامِها الطّلل !

متى كان الدّمعُ سحراً في العيون ؟

أللكحلِ لونٌ آخرُ؟

أرقبُ ذاكَ البدويّ الذي فقدَ صوابَهُ

 بين الرّصافةِ والجسر

حتى نزفَ من الشّعرِ أعذبَه !

أتلصّصُ على نساءِ مردان العاريات

اكتناز

ما مثلهُ أبدعتْ ريشةُ روبنز . . .

أصيخُ السّمعَ لصريخِ جدرانِه

كيفَ لهذا البضِّ أنْ يكونَ للدّودِ مَتاعا ؟

سلافة

أحتسيها

بفلسفةِ دمٍ للعشقِ أبيض

أيُّ إلهٍ وثنيّ في أعماقي يرقد ؟

لا سؤال

صمتٌ

يخرجُ منهُ مَنْ نقّ على ملةِ الضّفادع . . .

دنيا خاليةٌ من جنود

تمرُّ من فوّهاتِ بنادقِهم أنفاسُ شوارعٍ مقطوعةِ الرّؤوس . .

متاريسُ

لافتاتٌ

تسخرُ منها الأعمدة

شواهدُ موتٍ ديموقراطيّ

تجمعُ كلَّ حروفِ الزّيفِ لوطنٍ مبتورِ السّاقيْن . . .

أنفتلُ

لأرى النّوارسَ تستعيرُ اللّونَ الأزرقَ من عمالِ الموانئ . . .

فيروزُ

تطرّزُ أردانَ الصّباحِ بضوءٍ مسموع . . .

زوربا في داخلي يرقُص . . .

خطوات

بإيقاعِ عاشقٍ

برشاقةِ ديانا وقوسِها الذّهبيّ . . .

نشوةٌ

تلّونُ كلَّ الوجوه . . .

أقدامٌ

ترسمُ أرضاً غيرَ الأرض

للعشقِ أجنحةٌ

تعبرُ كلَّ مسافاتِ الفلاسفة . . .

ألقى الشّعراءُ أقلامَهم

لا كتابةَ حينَ تتمرّدُ الحروف . . .

احتواءٌ لا تفسرُهُ أبجدياتِ الكوْن !

ليكنِ الطّوفان

لم يبنِ نوحُ النّبيّ سفينةً

بلْ بنى قلباً عائماً للعشق !

ما لامرأةٍ غيرُك وأنا

يعرفان مْن أكونُ

ومَنْ تكونين ؟

في القصيدةِ

أنتِ فقط !

. . . . .

عبد الجبار الفياض

مايو / 17

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3918 المصادف: 2017-05-28 04:42:31