المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

جدلية الغواية والهداية.. قراءة في نص فاطمة نزال: غواية البدايات

تغويني تسابيح البدايات

وتعوي في لا وعيها انكساراتي

تهيم لا حصرًا ولا سدّا يوقف مدَّها

ولا تَتَعلم الدّرْس

في كل كبوة تقفز كما مهرة تراوغ السائس

لا تقوى على البعد

ولا يقوى على امتلاك الناصية...

• القراءة:

بين الشاعرة نزال ومفهوم الغواية علاقة خاصّة، فقد قدّت منها عمودا لشعرها، بها يُعرف ويُقرأ، وبها وسمت نصّا أعصم (نص غواية)..وهي إليها تعود، واقعة في غواية الغواية، متخذة منها أرضا لميعادها الشعريّ، فإذا هي "منبت أنق وروض معشب" (البحتري)...

1) الغواية هويّة...

بها تَعْرف المتكلمة نفسها وتعرّفها وتصفها:

تغويني تسابيح البدايات

فتبدو الحال مفتوحة..سيرورة بلا حدّ ولا غاية في الزمان..عنوانا للكينونة ووسما للهويّة ..تعلمها ولا تعلم لها بدءا..بل تعلم أنها غاوية كما الشعراء غاوون...وأصل الغيّ المخالفة والخيبة فالضلال..اهتداء إلى سبيل الحقّ، أي ما تراه الذات الحق، وإن يكن، عند من لا يدركون، سفها وباطلا..

كذلك حال الغيّ / الغواية / الإغواء في الشاعرة: أثر وعمل واقع عليها..فهي المنفعلة (تغويني) الفاعلة المريدة، لأنها تعمل بها تراه بعين الغوايةالحق، وإن خالف وخرج وكان في عرف الجماعة عصيانا ومروقا..

كذلك كانت ونشأت وتأصلت ورأت ذاتها والعالم بمنظار الغواية..ولذلك كان القول الأول فاتحة وبيانا جامعا :

تغويني تسابيح البدايات..

فجاء مطلقا في كل شيء، مفتوحا على كل شيء، خلاصة تجربة ووجود وكيان، تأليفا صاهرا خارجا على منطق الاختلاف، ثلاثيّ التركيب لغة ودلالة:

أ) حال الغواية أثرا وتأثيرا

ب) عامل الإغواء: التسابيح

ج) منشأ الإغواء : البدايات

وبين المنشأ والعامل اتصال ووحدة، اتصال التركيب ووحدة المعنى والعمل..وفي توسط (التسابيح) للقول ما يمكن أن نمثل له بهذا الشكل :

فيتجرد مفهوم الإغواء من معناه المباشر، ويترك حيّز التوتّر الثنائيّ، حين يصبح مندمجا اندماجا ماهويّا في فعل ينزّله في دائرة المقدّس (تسابيح) فنكون بإزاء وحدة خصبة ولود مانحة موسّعة لأفق الفهم والتعبير..ومن عجيب ما نكتشف أن بين الغواية والتسبيح صلة بل صلات لا تقولها المعاجم وإن قدمت بعض مادّتها. من ذلك أن الغواية تخرج صاحبها من سكونه إلى حركة تأخذه من السباحة اتساعا وتماديا وسيلانا واسترسالا، فيسبح كالطير أو الجواد / المهرة أو الجارية / المركب ولا يقف تيها وحرّية..إلى التسبيح صلاة ونشيدا / كلاما..ومن أطرف ما حفظته المعاجم عن التسبيح أنه :

* نشيد، ترتيل (بوشر) وهو لحن فرح على إيقاع طويل مؤثر يرتله الفقهاء (صفة مصر 14: 209)

* أذان نصف الليل (محيط المحيط)

* التسبيح عند النصارى: صلاة السحر (ألكالا، ألف ليلة 1: 201).

* سمى نوع من أنواع الموسيقى في الرمز لصلوات " تسابيح "(دوزي)

وفي الاتصال الإعرابي الدلالي بين فعل الإغواء وعامل الإغواء ما يفتح أفقا تأويليا مفتوحا بلا منتهى..كالتسابيح لا تنقطع.فيبدو العامل صوتيّا / مسموعا..بحسّ أو بلا حسّ..فالتسابيح أصوات قد تكون مسموعة وقد لا تكون..ومن الأصوات / التسابيح ما لا يسمعه إلا ذوو السمع..

ويجوز أن ننزل التسبيح / التسابيح / أي ما يُسمع أو يُدرك، منزلة الصورة الاستعارية، إيحاء بالمنشأ وما يتمتع به من طاقة إغوائية إيحائية تجعله نداء ملحّا في لطف وإغراء..

2) الولع بالفجر ..بالبدايات

وليس للمضاف (تسابيح) انفصال عن المضاف إليه (البدايات)..فهي المنتهى في القول والمبدأ في الأصل والنشأة..ولنقل إنّ بؤرة الدلالة هذه "البدايات"..فهي متعلق الغواية ومنشؤها، وهي ما يعمل في المتكلمة عمل السحر والفتنة..وهي في جمعها (بدايات) كثرة لا من حيث أنها تعدّ أو لا تعدّ، بل لأنّها لحظويّة البعد، متجددة، واجبة التجدّد، وإلا انتفت بداية، وأضحت نهاية..وهي آنٌ وحال حاضرة ماثلة منقدحة منبلجة سحريّة أخّاذة..

ولذلك فهي بدايات، وإن اختلفت، فجاءت تجربة تعقب تجربة، وأملا يعقب خيبة، وتوقا من وراء انكسار..وهي كذلك في الحياة الراهنة، تتخذها المتكلمة محكّا ومعيارا تميز به ما ومن يستحق أن يكون البداية أبدا، لا يؤول ولا ينقضي، ولا يفضي إلى الخيبة والانكسار..فهي الأول من كل شيء، بلا ثان ولا ثالث..فيه نشوة اللّمسة الأولى.."أوّل الحبّ" (درويش)

وفي الجمع (بدايات) أيضا معنى جامع بين العسر واليسر، والشقاء والسعادة، والخيبة والأمل..وهذا ما يجعل منها عنوانا للحياة في أحق ما فيها وأجدر بالحياة والرغبة واللهفة والشوق..حتى لا نكون فيها كالأنعام أو الأبقار في مسرح وفير الكلأ..

ومن ضمن البدايات، ومن بداية إلى بداية، قد ننتهي إلى البداية، في وهجها الأبديّ وأصالتها الأولى..

كذلك هي البدايات، تشدّ وتشوق وتشقّ على من أراد أن تكون حياته بداية أبدا..مشروعا متجددا وأفقا مفتوحا على اللانهاية..وبحثا عن البداية الحقّ...

3) البداية بداوة.. ابتداء

بداوة الأمر هي أول ما يبدو منه..وفي هذا ما يوسع حقل التأويل ويخرج بالمفهوم من اقترانه، كما جاء سلفا، بالحال الراهنة إلى ما سلف من حياة..فينصرف المريد الباحث عن البداية إلى ما كان عليه أول أمره، أي إلى بدايته أو بداياته، لعله يسيتعيدها كلها أو بعضها..فيسعى إليها لعلها تظهر(تبدو...)

و في البداوة (البداءة) والبادية ما يقرّب من مفهوم البداية باعتبارها اللحظة الإنسانية المفقودة المستعادة أبدا، لتكون البداءة البداهة (أول ما يفجؤك..)وصولا إلى المبدي الذي " أنْشَأَ الأَشياءَ واخْتَرَعَها ابْتِداءً من غيرِ سابقِ مثال."

وفي الطريق إلى الابتداء يكون الشعر ويكون الحبّ مسيرة بحث لتجد الكينونة امتلاءها بما غاب عنها...

4) السبيل الشاقة إلى البداية..

ينتشر النص "حجاجيّا" فيفسر بعضه بعضا، ولنقل يفسر كلّه مطلعه، أي "غواية البدايات.."كيف تكون؟ ما هي صورها؟ تقلباتها؟ آلامها؟ صراعاتها؟ جموحها؟...

وكل ذلك يحصل في شكل مسيرة أو رحلة بحث شاقة عن "البداية" أو بداية البدايات أو البداية الأصل..

وتنشأ علاقة تلازمية دلالية بين البدايات متعلقا ومحركا للفعل والانكسارات، صورة للخيبات في بلوغ المبتغى، وللجمع هنا أيضا دلالة "سردية" تكرّريّة تعكس تعلقا بالغاية وسقوطا متواترا دونها، ونهوضا وتجددا للعزم والفعل في سبيلها:

وتعوي في لا وعيها انكساراتي..

فتتكثف مسيرة صراعية موسومة بالعنف والعنف المضادّ، جموحا وعنادا وعزما وتوقا ورغبة وتمردا وعصيانا وخرقا للنواميس وامتثالا للصوت (التسالبيح / العواء) المنادي أن تعاليْ إلى البداية..

ويمثل النفي أسلوبا متعدد الوجوه والآليات تعبيرا عن هذه المسيرة الصراعية..وتقوم لا النافية مقام العلامة أو البوابة الخارجية لهذا الحقل النصي المزروع نفيا..

لا حصرا

لا سدا

لا تتعلم

لا تقوى

لا يقوى

وبهذه الصورة يتجلى الصراع نفيا لإثبات أو مقابلا له أو ردا عليه وتحديا .. وفي جدلية النفي والإثبات ما يسم الصراع بالديمومة والامتداد والانفتاح على مستقبل بلا غاية منظورة ..فلا يدفع الفعل إلا ما يسكن النفس من تعلق ببلوغ المراد..

وتتواتر اللاءات مؤطرة السيرورة الغوائيّة، حاضنة إمكانات دلالية ثرّة، منها:

• التعالق المنطقي بين حال الإغواء وما ينتشر عنها من عمل ووجوه للتصدي والقمع مكثفة، فيضطلع النفي المعجميّ بإبراز عنف المواجهة والشدة القائمة بين الإرادتين المتواجهتين: فالحصر عمل والسد عمل أو امتداد لعمل الحصر، وكلاهما موسوم بالقوة والسلطة وإرادة النفي، إثباتا لضديد الغواية، وهو الهداية..

• اتسام الصراع بالتوازن بين الغواية والهداية باعتبارها السلطة السائسة...

والسياسةُ (في الأصل) فعل السائس. يقال: "هو يَسُوسُ الدوابَّ إِذا قام عليها وراضَها، والوالي يَسُوسُ رَعِيَّتَه." وبين سياسة الدواب وسياسة الرعية وجوه من الاتصال كانت من مقومات القول الشعري هنا..

• اقتران الهدي / الهداية بالتعلم صورة للامتثال وتمثل قواعد العيش كما يضبطها السائس..

• فشل مشروع الترويض (التعلم) وبطلان مفعول "الدرس" باعتباره نفيا للحرية..وهذا يعني أن عمل الإغواء أوقع أثرا من عمل الترويض والإهداء، أو هو يكافئه ويضاهيه فعلا..

• التعاضد الدلالي بين حال الغواية وحال الهيام باعتبار الهيام ضربا من التيه والجنون والسير على الوجه..وفي التوسع الدلالي للهيام ليصبح رديفا للعشق الجنوني والخروج في سبيل المحبوب، ما يبرز البعد الروحي لتجربة الغواية..

• في ثنائية المهرة والسائس والتقابل بين الكبو والقفز ما يقرب المعنى ويحرك تمثلات الحصان / المهرة الطوطم، رمزا للحرية وتعلقا بالحركة المطلقة داخل حقل الوجود..

• انفتاح المعركة على مآلات متقابلة ممكنة باعتبار التكافؤ في القوة والتعلق بالغاية والوقوع دونها (لا يقوى / لا تقوى) فينفتح الأفق مبشرا منذرا..ولكن الحازم يظل متوقيا رغم عنفه، والمهرة تظل جموحا عنيدة رغم الانكسار والألم:

" كما يتوقّى ريّض الخيل حازمه" (المتنبي)

 

الحبيب بالحاج سالم

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3932 المصادف: 2017-06-11 04:06:47