المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

قراءة في الصفحات الزرقاء.. أوراق من دفتر الشعر

najat zebayerأكتب. لا أكتب.

نكاية في الجدوى أكتب.

الدكتور مصطفى الشليح

هو لا يتكىء إلا على ذراع القصيدة تقوده في شعابها، فلا يحسن الغناء إلا في مراعيها.

يحمله الحنين دوما إليها ، فنراه يلهث خلف روعتها.

فأي كلمات تلك التي تهرب من كفي كي تعانق ممراته؟، وهو  ذلك الشاعر الذي زرع نغماته في صدر القصيدة العربية التي تعطرت ببذاخة حضوره، وأية قوة تلك التي ينسج بها أشعاره التي تتوهج لغتها في الأزرق اللانهائي؟

كلما اقتربتَ من عالمه، اصطادتك إشاراته، وهزت ريح اختلافه أبوابك ونوافذك، فترى أغصان ثقافته تحوم حول جذع تميزه.

فهل هو ذلك الشاعر الذي يحمل فانوسا سحريا، تتراقص أمام ضوئه فراشات الوجود؟، أم أنه ذلك الرحالة في وريد الأزمنة، الذي سكر من التراث العربي والعالمي فجاءت كتاباته  مضفورة بالكثير من القضايا الأدبية التي أولاها اهتماما في مؤلفاته؟

 سيقول قائل، نعم هو شاعر كبير، فأقول: بل هو منارة يهتدي إليها كل المغرمين بالإبداع الجاد .

 فهو ذلك الشاعر الذي يدمن السفر في أرخبيل الذات، وهو يستمع باهتمام كبير لتلك اللحظة الزمنية التي يعبر من خلالها الصمتَ نحو الكلام المتجسد في ميلاد قصيدة ما.

يقول:

ذاتك ليلٌ فأسرجْ بها قنديلا.

كتابه الأزرق مرايا اختارت الحرف ملاذا، فاخضرت الصفحات رياحين، استقبلت عصافير الدهشة التي تغني على عتبات فجر جديد. حيث يرى بأن لا أرض غير أرض الشعر، بجغرافيا لا محدودة و سقف يوشوشنا أحلاما لا تنتهي.

هي سماء تقطر حبرا تروي ظمأ العطاشى لأسرار الكينونة،  وكأنها النقطة الأزلية لكل الينابيع التي لا تُقفرُ. 

يقول:

الشِّعرُ أرضكَ. لولا الشَّعرُ لا أرضُ = تمشي إليكَ إذا تمشي كأنْ ومضُ

 وأنت تجدف من ضفة إلى أخرى يصلك صوته عميقا، ينساب نرجسا في حانة الكون.

ـ نخبكَ سيدي..

يقول العشق وهو يرفع كأسه نشوانا بين قصائده

 لكن ناي الحزن يعلو أنينه أيضا في أوطانه، فيركض في أرق الليل، جوارحه شجن تروي حقول ابتهالاته، وكأن كل شيء تحول إلى دخان بين يديه.

إنها ملحمة إنسانية تقاسمها مع القارىء حين سكب دمع روحه بين سطور ضوئية تستحق منا التوقف.

هي مرثية للحب الذي لا ينتهي صبيبُه، فهل أصبح مجرد إهاب متنقل في ثوب الفقد لا تكاد تميز ملامحه، حتى أضحى طيفا تكسوهُ مداِمعُه؟.

 في قصيدته  العملاقة "شبَحي .. شاربٌ قدَحي"، التي نعدها من عيون الشعر العربي، فيها تدق المشاعر مسامير تيهها، و يمَّحِي الشاعر بين محاجر التذكر.

إنها والدته التي جعلته يطرز المسافات بعويله، فكان بحق خير من رثى فقيدا في شعرنا المعاصر، إذ خصص لها ديوانا كاملا تابعنا جمالياته في أفقه الأزرق.

يقول:

.. تتبسَّمُ أمِّي. تمدُّ يديْها ليعرجَ قلبي إليها. وقلبي أنا مَددٌ في يديْها. تَضُمُّ على البحر أجنحةً وتَهُمُّ بما قالَ لي الموجُ في رحلةٍ تتكسَّرُ رائحةً مِنْ يَدَيَّ إليَّ وسابحةً في أزرق اللانِهائيِّ مِسْبحةً مُتأرجحةً بين قلبي وقلبي.

تلمُّ البقيةَ من أرق الأمْس كيْ أتجلَّى على الماء شمسًا وظلا. لهمس النَّدى في يديْها المسافةُ تقطرُ طلا. يداها الصَّباحاتُ تنثرُ فُلا. الحديقةُ لي أنا. أمِّي تقولُ. فيا ولدي لكَ كلُّ الحَدائق ضوئيةً تتأرَّجُ مثلَ انهمار السَّنى. خذ كتابَكَ أنَّى تَشاءُ إلى ما الرقائقُ مائيةً لا ترفُّ سوى في سؤالِكَ قولا. (من قصيدة طويلة)

يا لطقوسه التي تجعلنا نتدحرج فوق بساط الأبجدية، يتساقط علينا رذاذ من المشتهى، فلا نسمع غير هسيس ينتعل قصائده، يقرأ بعمق فاتحة اللغة، وفي حي الجمال تصلي.

إن الشاعر الكبير المفرد بصيغة الجمع الدكتور مصطفى الشليح اختار الكتابة طواعية، وذاب في سحرها، فهي بيته الأول الذي لا يمكن أن يهجره، يقول:

" أحببت، في سن مبكرة، أن أقول شعرا، وأن أمارس الثقافة، وأن أصير أستاذا جامعيا،هل كان اختيارا صائبا ؟ ليس مهما افتحاصه.

الأهم أنني مطمئن إليه، ومطمئن إلى الكتابة التي علمتني كيف أقرأ، وإلى التدريس الذي أهلني لمصاحبة نماذج عليا في الثقافة الإنسانية منذ بداية البدايات.

لذا، لا أشتكي من التدريس."

هذه بعض من ملامح الشاعر الكبير الذي يستضيف قُرَّاءَهُ كلَّ يوم بالجديد في صفحته الزرقاء، والمهموم بمسار القصيدة المغربية المعاصرة، المشتغل على أسئلتها الملحة، أوليس فارسا من فرسان النقد؟

إذن فمائدته النقدية أشبه بمائدة قلعة كاميلوت، يردم العدم بكتابته الرصينة، ويلاحق بنبله وثقافته جوهر الوجود بعيدا عن إيقاعات العظمة الكاذبة.

 

نجاة الزباير

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3951 المصادف: 2017-06-30 05:18:16