المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

قراءة في قصيدة: ندىً من حجر للشاعر يحيى السماوي

goma abdulah1- قصيدة الشاعر السماوي الكبير:

ندى من حجر

 

جَـزِعَــتْ مـن جَـزعـي نــفــسـي

وأضـنـانـي

عِــتـابـي لـلــعــتـابْ

 

فـأنـا بـتُّ ســؤالاً مُــبـهَــمـاً

يـنـبـشُ فـي مـقــبـرةِ الأيـامِ بـحـثـاً

عـن جـوابْ

 

نَـضُـبَـتْ قـارورةُ الـعـمـرِ

سـوى

بـعـضِ حُـبـابْ

 

ونـدىً مـن حَـجَـرٍ

شـجَّ زهـورَ الـلـوزِ فـي وادي الـمـرايـا

فـالـيـنـابـيـعُ لـهـيـبٌ

والـفـراشـاتُ صـخـورٌ

والــشــذا ظُـفـرٌ ونـابْ

 

فـلـمـاذا أتـشـظّـى

حـاسِــراً عـن قـلـقِ الـرحـلـةِ

مـا بـيـن ذهـابٍ وإيـابْ ؟

 

مـا الـذي تـخـسـرُهُ الـصـحـراءُ

لـو جَـفَّ الـسـرابْ؟

 

إنـنـي الأعـمـى

فـمـا الــضــرُّ إذا أظـلــمَ صُــبـحٌ

وإذا الـبـدرُ عـن الـمـقـلـةِ غـابْ ؟

 

أشــروقٌ مُـشـمِـسٌ دون غِــيـابْ؟

شَــيَّـعَـتْ أشـذاءَهـا الـوردةُ

واشــتـاقَ تـرابـي

لـلـتـرابْ

 

خَـدَعَـتـنـي صـهـوةُ الـلـذةِ فـي مـضـمـارِ

أحـلامِ الـشـبـابْ

 

وصـهـيـلـي بـيـن كـهـفٍ وبـسـاتـيـنَ

وصـحـراءٍ وغــابْ

 

سـيـدي .. مـولايَ

هـبْـنـي شِــربـةً مـن خـمـرةِ الـعـشـقِ

تَـقـيـنـي عـطـشَ الـروحِ لـكـأسٍ مـن شــرابْ

 

وأغِـثْـنـي مـن شـيـاطـيـنـي ..

أعِـدنـي لـلـتـرابْ

 

نـقـطـةً بـيـضـاءَ فـي آخـرِ سـطـرٍ مـن كـتـابـي

فـيَـمِـيـنـي الان تـخـشـى مـن يـسـاري

حـيـن تـأتـي بـالـكـتـابْ

 

آنَ لـيْ أنْ أغـلـقَ الـكـأسَ عـن الـراحِ

وأنْ أفـتـحَ بـابْ

 

لـحـبـيـبٍ

كـنـتُ عـن فـردوسِــهِ الـنـابـضِ نـوراً

فـي غـيـابْ

***

× اريد ادخل مباشرة في القصيدة، دون ذكر مكانة الشاعر العملاقة، في سماء الشعر . اعتقد ان القصيدة حفلت بالمتجددات، في تقنيات الشاعر وتكتيكاته في اسلوبه التعبيري، الذي يحمل قوة تعبيرية مؤثرة، حافلة بالجمالية المتألقة، في فضاءات عالم الشعر، في قوة المستفزة من الايحاء البليغ في اشاراته، وفي رنين وقع الصدى في دلالتها الدالة . القصيدة حملت رؤية الاستنباط الداخلي والوجداني، في مشاعره الداخلية الملتهبة بنار التوجع والالم، وكشف ارهاصاتها الى الظاهر والمكشوف . في صراعها الداخلي وتصديره الى الخارج الظاهر، في رؤية المفارقة ومفاهيمها ومضامينها، في ناحية التعارض والاضداد والتضاد، في داخل الصورة الشعرية نفسها، ولكنه اتخذ منحى اخر في تعاطي صيغة مفهوم المفارقة، في منحى ابداعي متألق ومتجدد، لتسليط الصورة الكامنة في الذات، التي تشتعل في نارها وشدة وقوة خلجاتها المؤلمة، في صرخات الذات المؤلمة (جزعت من جزعي نفسي / وأضناني / عتابي للعتاب) . هذا الهم المؤلم وجد ناصيته التعبيرية، في المفارقة في دلالات المستفزة داخل الذات، وتسويقها او كشفها الى الظاهر العام، او الذات الواقع الموضوعية، في اسلوب تضاد بين المعنى الباطن، والمعنى الظاهر، في مبدأ التضاد، ليوصلنا ان المكتشف الحقيقي الدال، لعمق المؤثرات الداخلية، التي طفحت على السطح، في نمطية انماط الواقع، في صيغة الصراع الناشب، بين الداخل والخارج . لذا فان الادوات التعبيرية في اشارتها الدالة، في نسيج وبناء القصيدة المركبة، على ثنائية التعاطي والتعبير، في رسم معاني الصورة الشعرية، في تقنيات وتكتيكات شعر ية متجددة، ليدل الشاعر بأنه يظل يبحث عن محطات جديدة . تحمل وشائج التعبير البليغ، بصورة فنية من الجمالية الشعرية . لذلك جاءت القصيدة، حافلة برؤية المفارقة المتجددة، في مفارقتها الوجدانية والحياتية، المدوية في صراخات الالم والتوجع (فأنا بتُ سؤالاً مبهماً / ينبشُ في مقبرة الايام بحثاً) وعلى الواقع المتضاد ان يجد (عن جواب) . لاشك ان هناك تلاعب مبدع في صيغة المفارقة والتضاد، في ناحية معادلة التوازن، الذي عرفت به مفاهيم المفارقة (سلب . ايجاب)، حتى تكمل صيغة التوازن الدلالي . لكن السماوي يقلب معادلة التوازن الدالي، الى (سلب . سلب) (ما الذي تخسره الصحراء / لو جف السراب ؟) وهذا دأب السماوي، في تحويل نمطية قواعد الانماط والاشكال الشعرية، بخلقها بروحية جديدة، فهو الباحث والصياد، عن بؤر تعبيرية في تقنياتها الحديثة، يبحث عن اكثر مرفئ ضوء كاشف لدعم الجمالية الشعرية المتوهجة، في اشاراته الدالة في قوة التأثير التعبيري المؤثر، وقد برز الشاعر الجواهري الكبير، في تعاطي اسلوب المفارقة، في قصيدته العظيمة (نامي جياع الشعب نامي . حرستك آلهة الطعامِ) . وهذا يدل في صور القصيدة الكاشفة، قوة الجرح الداخلي وألمه الحارق، في دلالاته البليغة، ان تصرخ بكل قوتها في الالم الموجع . وفي طرفي التناقض في المفارقة (إنني اعمى / فما الضرر اذا أظلم صبح)، هذه الصورة الشعرية في مفاقة السماوي الجديدة (سلبية . سلبية) اي ان هناك تنافس في رؤية السلبية . منْ هو الاسوأ، العالم الداخلي أم العالم الخارجي؟ . ولكن لابد من الاشارة . في توظيف المفارقة، ليس سهلاً، تستلزم الامكانيات المتمكنة القديرة، وكذلك الفطنة والذكاء في التلاعب في طرفي التضاد، ان يحمل خبرة معمقة في اساليب الشعر وامكانياته، حتى لا ترد بشكل معكوس في صغة استخدام المفارقة، وتوظيف محسناتها . والسماوي عملاق في كل شيء . اللغة والبلاغة والشعر، وناصية الموهبة الملهمة والفذة، لذلك يطرق طرق التجديد والتحديث، بكل قدرة فائقة ومتمكنة . ان يجسد احاسيسه الوجدانية، في اي طريقة شعرية، متألقة في الابتكار التحديث . لذا فكان قديراً في ادارة صيغة المفارقة في شكلها الجديد، في طرفي الصراع والتعارض والتضاد . وجاء الاخلال في التوازن في معادلة صيغة المفارقة، في نصية الابداع الجميل، بهذه الصور الناطقة بالف صوت واحساس يمور في نيرانه الداخلية

آنَ لـيْ أنْ أغـلـقَ الـكـأسَ عـن الـراحِ

وأنْ أفـتـحَ بـابْ

لـحـبـيـبٍ

كـنـتُ عـن فـردوسِــهِ الـنـابـضِ نـوراً

فـي غـيـابْ

اقول لقد كان السماوي اميناً في نقل رسالة الوحي الشعري، الذي هبط عليه لدقائق معدودة، ورتل هذه القصيدة الملهمة من الالهام الشعري . واقول كان السماوي اميناً، في نقل الرسالة، دون تعديل وشطب، دون تغيير وحذف، وكانت مجلجلة في قوتها التعبيرية الدالة

ودمت في صحة وعافية والشفاء العاجل والتام

 

جمعة عبدالله

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

أخي وصديقي الناقد المبهر والرائي الجميل أ . جمعة عبد الله : لك من قارورة قلبي كأس نبض ، يقفوه إكليل قبلات بفم المحبة لرأسك الأشم ..

قبل دقيقة ـ وربما أقل ـ كنت في محادثة مع أخينا وصديقنا المشترك الأديب الباحث القدير ماجد الغرباوي ، سألني إن كنت قد قرأت دراستك الثرة هذه ، فأجبته ـ وقد تلبّسني الخجل من حماقة تقصيري غير المتعمد : لا لم أقرأها ( وأشفعت له بالسبب : صورة آنية لدرجة ارتفاع نسبة السكّر ) ..

أتساءل سيدي : من سنين كثيرة كثيرة كثيرة ، وأنا : أتنفّس هواءً مُرّاً ، وأشرب ماءً مُرّاً ، وآكل خبزاً مُرّاً ، وأمشي في طريق مُرّ ، وأجلسُ على فِراءٍ مُر ، و حتى حين أضحك فإنني أضحك بمرارة ـ فكيف أصابني مرض السكّر ؟

*

سيدي ، دراستك هذه : وسام جديد يضاف الى عديد الأوسمة التي قلّدتنيها ، فشكرا لك ما بقي قلبي نابضا .

يحيى السماوي
This comment was minimized by the moderator on the site

السماوي الكبير
انت وسام الابداع الشعري الجميل . لولا رائعتكم الشعرية , لما كانت اصلاً هذه المقالة . اقول بصدق انت متلبس بوحي شعري ملهم , يتسلق سلم الابداع بكل ثقة وجمال شعري مبهر , ولا اعرف الى اين يصل بنا هذا الاندهاش الشعري , في تقنياته الجمالية الحديثة
اتمنى لك الصحة والعافية والشفاء العاجل والتام بعون الله تعالى

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد الجليل جمعة عبدالله
محبتي واعتزازي

......." السماوي يقلب معادلة التوازن الدالي، الى (سلب . سلب) (ما الذي تخسره الصحراء / لو جف السراب ؟)"..

ان توكيدك على هذا الجانب الدلالي لمقلوب معادلة التوازن المتعارف عليها ومنحها صيغة (سلب . سلب) التي تتمحور عليها مقالتك لهو توكيد على دقة قراءتك وحصافة رؤياك واستقراء التوظيف الباهر لشاعرنا الكبير في قصيدته هذه في الشكل والمضمون.

لكما مني تمنيات بدوام الصحة

طارق الحلفي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير طارق الحلفي
السماوي دأب على خلق الابداع المتجدد . في ابتكار صيغ جمالية من الاشكال الادبية التقليدية . بتجديد صيغها. لتكون من تقنياته الجمالية , لذلك يتربع على قمة الشعر الحديث . بروحيه الوثابة للخلق الابداع الجمالي
ودمت بخير وصحة

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

جناب الناقد القدير الأستاذ جمعة عبد الله المحترم
صباح الخير والعافية
أصابتني الدهشة وأنا أتمعن قبل قليل برائعة الشاعر الكبير الأستاذ يحيى السماوي ( ندى من حجر ) في أحد المواقع الالكترونية، والآن تيقنتُ أنَّ النقدَ في بيتنا الثقافي بخير حين تابعت استنباطات دراستك النقدية الرائعة.
دمت متألقاً أخي الكريم وناقدنا المميز الأستاذ جمعة عبد الله، وللسماوي الكبير الصحة الدائمة، وللمثقف الغراء التقدم والازدهار.
لَطيف عَبد سَالم

لَطيف عَبد سالم
This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد القدير الاستاذ لطيف عبد سالم
وانا معك في الاندهاش في قصيدة السماوي الكبير ( ندىً من حجر ) اعتقد انها تدخل ضمن تطوير وتحديث تقنياته الشعرية , حتى تضرب عصفورين بحجر واحد . الروعة الجمالية الشعرية , والتعبير البليغ في الاشاراته الايحائية . والنقد صدى ابداعي اخر , يستلهم الابداع , انهما وجهان لعملة واحدة . يعني ابداع يخلق ابداع اخر وهو النقد
وشكراً من القلب . ودمت في صحة وعافية

جمعة عبدالله
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4074 المصادف: 2017-10-31 13:47:03