المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

قصيدة النثر بين سطحية الرؤية ودهشة الجمال.. شعر نيران التميمي أنموذجا

raheem algharbawi2قصيدة النثر فن جمالي مؤثر بدأ ظهوره بعد عصر ما بعد الحداثة؛ ليعبِّر عن تطلعات وأحلام وآراء ومواقف ومشاعر بألوان شتى من الرؤى التي تفتح مغاليق الكون عبر استشراف عوالم الجمال في دنيا الشعور، وقصيدة النثر تمتلك جاذبية معينة من خلال المعنى أو ربما ما يحققه أسلوبها جمالياً أو أنَّها تكتنز بصور مدهشة، أم بإيقاعها المؤثِّر .

فالجمال عند الإغريق ارتبط بكل مايثير الإعجاب والتقدير سواء فيما يخص ميدان الحواس أو الخصائص الروحية، فمن تعريفات الجمال التي لاحصر لها، ولعلنا نؤسس لمقالنا التعريف المادي الحسي المجرد للجمال بأنَّه وحدة العلاقات الشكلية بين الأشياء التي تدركها حواسنا، ومنهم من يرى أن تتوافر في الجمال صفات أساسية في الشيء الجمالي وهذه الصفات تنحصر في مفاهيم: الكمال، والانسجام، والتوافق، ثم الوحدة، والتوازن الإيقاعي، والتباين، والتنوع، والنظام، والتناظر، والرشاقة .(1)

ولكون الجمال يرتبط بالفن الإنساني لإنتاجه وإبداعه، فقد ارتبط مفهوم الجمال الفني أيضاً بالبعد الميتافيزيقي كون الفن " محاولة إنسانية ذات طابع وجداني لتفسير الطبيعة والسيطرة عليها، إذ أصبح أسلوب الفنان أشبه باكتشاف أو محاولة غزو الطبيعة وفتح مغاليقها أمام عقله ومشاعره، بل ولإمتاع حاسته الجمالية "(2) ويبدو أنَّ لشعرائنا جمالاً روحياً ينتظمه على شكل إبداع تلقائي يجسد فيه الخصوصية التي تبذخ بها رؤاهم وإن كانت هواجس وأحاسيس تعبر عن مشاعر جياشة فيها الحلم والتفاؤل أو تباريح هوى يؤججها القلب الجموح، ومن بين هؤلاء الشعراء شاعرتنا المبدعة نيران التميمي التي تعزف سمفونية الجمال في فضاء مخيالها، فقد استطاعت أن تبث مفاتن الجمال بصوره المتنوعة، مازجة بين ملامحه الحسية والمعنوية، فهي تقول:

تعال، أميري

امسحْ السنينَ العجاف من مملكتي

فبعدَك قفلتُ أبوابي ونوافذي

فذبلتْ زهوري

وتغيرتْ ألواني

...

تعلَّمتُ عشقَ الليل

أدمنتُ أحلامي؛

لأرسم عينيك بنورِ اللقاء

فهل من لقاء ؟

نجدها ترسم بمشاعرها المتوهجة مملكةً وإيَّ مملكة تحتويها ! فهي ترسم صورة الحبيب أميراً، تخاطب الغائب كأنَّه حاضرٌ عندها؛ ليمسح السنين العجاف  فبعده قفلت أبواب قلبها، لتفتح طريقاً إلى قصرها الذي يمكن أن يدخله السفراء والمريدون وابناء شعبها وخدَمُها، وهي التي كانت تعيش الازدهار حيث كانت مزهرة الروح وهاجة الوضاءة من خلال تعبيرها الآني قبل أن تفقد كل ماهو جميل فيها؛ لتبني لنا من خلال ذلك جمالية الرسالة المنسجمة من حيث ترابط الفكرة ورسم الصورة ونقل وقائع الشعور حسب ما يضفيه عليها إحساسها، وهي تنتظر الغائب الحبيب؛ ليحيي فيها ذلك الموات .

ثم تنتقل لتخبرنا أنَّها تعلَّمت عشق الليل، فأدمنت الأحلام، وهي ترسم عين الحبيب بنور اللقاء؛ لتتساءل عن لقاء أيقنته مفقوداً .

ولعلَّ الشاعرة تتحدث عن أمرٍ أكبر من ذلك، وهو فقدان الأمل الذي يفتقده اليوم جلّ الشباب وهم يبحثون عنه عساه أن يشفع لهم ظلام أيامهم، ويحررهم من الذبول والقنوط والاغتراب في عصر يلج بالضغوطات التي جعلتهم يبحثون عن ملاذات آمنة فيها بصيص من الشعور بالسعادة المُفتقدَة .

وفي نصها الآخر تقول:

بين شرفات الليل تُولد قصص وتنتهي قصص

يعزف لحن حزين

ولحن عشق جديد

تنهمر دموع الوداع

وتُخلق ابتسامةٌ بريئةٌ !

تلك هي الحياة

بين عطاءٍ وسلب .

وهكذا ترى حياة الناس وهم ينازعون وجودهم بين قصص الليل التي تتنوع حكاياتها بين لحنٍ حزين، ولحن عشقٍ جديد حيث تنهمر دموع الوداع، فالتقابلات (لحن حزين وعشق جديد، دموع الوداع وابتسامة بريئة) تشكل لنا عقداً من التباينات والتناظرات، والانسجامات الإيقاعية فيما بينها، لتحدث لنا دهشة الجمال التي طرزتها لنا مشاعر الشاعرة نيران التميمي .

أما في نصها الثالث الذي تقول فيه:

كانت تنتظر فارسها

وقت السحر؛

لتعزف لحن الفراق

المحتَضِر،

بيد أنَّ عطرها يهفو، يفوح

بين نسمات السهر

كالليل،

يعانق غفوات السمر !

بحسِّها الرومانسي الخميل تعلن انتظارها وقت السحر إشارة منها إنها مازالت طول الليل ترقب ذلك الفارس إلا أنَّ وقت السحر كان محطتها الأخيرة من ذلك الليل وهو وقت الطمأنينة لهدوئه لكنه مصدر قلقٍ ؛ لأنَّ في أطرافه إذا ما انقضى انقضى معه الانتظار ودبَّ اليأس، لذلك جعلته وقت عزفٍ للفراق الذي بات يحتضر؛ ليبلغ مرحلة التلاشي، لكن بمفارقةٍ جميلة نرى أنَّ عطرها بات ينسلُّ ولادةً وهو يفوح بين نسمات السهر، فنجده يعانق المتخيَّل مثلما هو الليل الذي يعانق غفوات السهر، إذ نجد الألفاظ: (ينتظر، الفراق، المحتضر، غفوات) جميعها تدلُّ على غياب الأمل الذي ينتظره الانسان ويبقى ممعناً له أزماناً إلا إنه ليس من كوَّةٍ سوى الاستلاب والنجوى لما هو مجهول المصير .

يتضح أنَّ القصيدة وإن نطقت رؤيةً بسيطةً إلا أنَّها تحمل مع صبواتها أكاليل من الجمال الذي يحكي ريادة الانسجام والتنوع والنظام، ثم الكمال، فالفن حسب الناقد (كروتشه) يمثل انعكاس خيال الفنان وبصيرته على الواقع . وشاعرتنا نيران التميمي أجادت بمخيلتها لأن ترقى إلى روح الجمال من خلال القصيدة، وهي تحاكي واقعها إلا أنَّها تعلو بمخيلتها على شكليته؛ لتضفي عليه تشكيلات شعرية رسمتها لنا قدراتها الفنية الطامحة .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

........................

(1) ينظر: معنى الفن، هربرت ريد: 37

(2) المصدر نفسه : 300

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4074 المصادف: 2017-10-31 13:50:14