المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

القصة القصيرة المكثفة (القصيرة جدًا)

هي نوع أدبي جديد مثير للجدل، ملائم جيد ومناسب لروح العصر الذي عزف فيه الكثيرون عن إنفاق الوقت الكافي في القراءة لأحداث سردية فارغة، بحكم التقدم العلمي والحاسوبي للعقل البشري، والتوجه الذهني نحو التفكير العلمي الدقيق في كل الأمور ومنها الأدب. وإطلاق العنان للعقل بدلًا من البصرو فحلّ التبصّر، فتحرّك المضمون في هذا النوع على حساب الشكل، فقام كتّابها المتبصّرون بإطلاق العنان للأعمدة الرمزية والإشارة لكل المفاصل النصية بالتكثيف الرمزي. حيث أن السرد يحوي بداخله الأسلوب، والأسلوب بداخله العمق، والعمق بداخله الانزياح نحو الرمز والخيال، فإذا اختفى السرد اختفى الأدب...

ماذا فعل المتبصّرون؟ عوّضوا عن الشكل الأدبي المفقود بالعمود والقرين، وهذه إشكالية في القص القصير جدًا، فلا يجوز أن يكون القص القصير جدًا إخباريًا، لأنه في هذه الحالة يفقد العمق، وحين يفقد العمق يتحوّل من أدب إلى صحافة.. وهذه أيضًا من إشكاليات القص القصير جدًا حيث ضاعت جماليته بين الإخبار والعمق.

فهي قص قصير بكل عناصره من عنوان ومقدمة وانفراج ونهاية، لكن غياب النقد الرصين من الساحة الأدبية جعل بعض المتشدّقين يقومون بتخريب هذا الجنس الجميل، وإعطائه أبعادًا غريبة وغير موجودة في الأدب العربي، رغم أن هذا الفن الأدبي موجود في الأدب العربي قديمًا باسم مصغّر للقصة القصيرة (الأقصوصة)، وكان السرد فيه يخضع للعمق المعروف بالإطناب، أي استخدام التكثيف في معاني المفردات بشكل فصيح.

والعمق في اللغة العربية، هو الذهاب نحو جذورها الفصحى، إذن هو شكل من الأشكال الجمالية.. وتسري عليه عناصر البنائين، البناء الفني والبناء الجمالي كما في القص القصير.... وقد أساء البعض لهذا الجنس الجميل بنعته بكلمة (جدًا)، فهو خطأ ترجمي، فبدل من أن يقولوا مكثف قالوا جدًا، كلمة (جدًا) أخذت به نحو الحبك الإخباري الفارغ أدبيًّا، وأدخلته تحت جلباب الخبر الصحفي التقريري، فصارت حبكة ملخصة فارغة من العمق الأدبي والجمال النصي والرمز. فسار باتجاه صحفي إخباري تقريري بحت....

هل تخضع القصة المكثفة للنقد؟

نعم ولا...

نعم: إذا كانت مكثفة، أي بأسلوب رمزي، لذلك يكون بناؤها الفني مخبوءًا من تشابك سردي وعقدة وانفراج ونهاية.

لا: إذا كانت إخبارية فقط، لأنها تكون حبكة خالية من البناء الفني والجمالي ، أي خالية من الأسلوب.

 

د. عبيرخالديحيي

حركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي - لجنة الذرائعية

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4100 المصادف: 2017-11-26 11:38:56