المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

قراءة في قصّة (موسم الذباب) للقاصّ جمال حكمت

nomida jrofiتبدأ القصّة بذلك الفجر الذي مازال يحتفظ بخيوطه الحمراء، لكن في صحراء جرداء من بلد مُحطّم ومنهوب، بعيون ساكني ذلك الخلاء  والسّبب هو طائفيّة شتّتتْ العوائل نفسها، والأحباب والأصدقاء.

ثمّ القاصّ جمال بحكمته حدّد لنا المكان بقوله:

(على مسافة أميال من المدينة والمدنية)

وشرح لنا حالة السّاكنين في ذلك العراء حيث الصحراء بقوله:

(أرضه تلتمع بالرمال، لا عوسج فيها، ولا عُشّ غراب)

والقاصّ جعل الأحمر يطغو على كتابته هنا بقوله:

(فجر لم تختفِ خيوطه الحمراء بعد) و(الرز المصبوغ بالماء الأحمر).

إنّه لون الدماء من الحروب، لون الدماء البريئة المراقة، لون دماء الشهداء الأبرار لأجل الوطن.

المبدع القاصّ جمال، شرح لنا حالة العوز التي يعيشها أولئك النّازحين للصّحراء من خلال ما يتناولون وما يسدّون به جوعهم في قوله:

(يقذفون حبّات الرز في أجوافهم الخاوية لعلّها تسدّ جوعا بات مستديما عندهم، بعد أن شحّ عليهم الأكل والمء،مذ هروبهم مع أهلهم من مدينتهم).

ثمّ شرح حالة النساء هناك، من حزن وبؤس، من ثكل وترمّل، من فقد الأب والأخ والزوج والإبن. بكلّ بساطة، الكاتب هنا شرح لنا حالة العراق وما وصل إليه من وجع وبؤس وحزن وألم دفين وطائفية وسوء حال من سيّء لأسوأ.

وعن الحالة البائسة التي كانوا يعيشونها هناك حيث تنعدم كلّ مرافق الحياة والنظافة يقول:

(الذباب منتشر في كلّ مكان، يموج حول صحون الرز وحول الخيام، يشارك الأطفال غلتهم، ويزيد عليهم بؤسهم. يسرق الأكل وبقاياه من شفاههم. لقد اعتاد الأطفال والناس عليه هذا الأيام واعتاد الذباب إليهم،فهم مصدر رزقه، ولو يعد له موسم محدد لتكاثره بل كلّ فصول السنة أصبحت أدرانا تعشعش فيها أسرابه المنتشرة في كل مكان، وما عاد من سبيل للقضاء عليه إلاّ بتنظيف البلاد منه).

لكن لو تمعنّا أكثر في الفقرة نستنتج ما كان يرمي إليه القاصّ، فنرفع له القبّعة للمغزى العميق، إنّه يشير إلى ذباب المنطقة الخضراء، فالشعب المسكين مصدر رزقهم وعيشهم، وسرقاتهم اللاّمتناهية، ومن خلال المواطن البسيط تزداد جيوبهم امتلاءا دون شبع.

أعجبتني عبارة القاصّ جمال في قوله:

(بعد أن شاعت أخبار حلول موسم النظافة في البلاد   وتحسين حال العباد).

هي أحد الأحلام التي يتوق إليها كلّ الشعب من تنظيف البلاد من المفسدين فيها، فالعراق يحتاج حملة غربلة في الحكومة لبعض البرلمانيين الذين أفسدوا ولم يُصلحوا شيئا، بل زاد الطين بلّة،  وعبثوا في خيراتها وشوّهوا الكثير والكثير فيها.

نعود لتلك الذبابة التي قذفتها الريح القوية حيث زجاج تلك الصالة الفاخرة التي اجتمع فيها بعض الأشخاص لتداول أمر في غاية الأهمية، وهم يتشاورون فيما بينهم.

وصف لنا القاصّ أولئك الموجودين بدقّة أدبية تستحقّ الالتفات لكلّ واحد في قوله:

(في وجه أحدهم صورة عراف كان يقيم السحر والشعوذة، يعد من فارقها زوجها بعودته إليها، ومن تريد الهروب من زوجها بالردة عليه، ومن اختارت حبيبا لها وتريد أن لا يخطف منها، يعطيها سر الأسرار، ومن فقدت ولدا أو اختفى منها عزيز، يعيده إليها بكلمات تتبخر في ليلة شتاء مطرية...أخذت تدقق بوجه آخر،بدا لها كالوطواط، وضع نظارة شمسية على عينيه متباهيا بها وهو داخل الغرفة، وآخر ارتفع كرشه أمامه جانحا على الأريكة كي لا يختنق، وآخر كثير الكلام لم يدع أحدا يقاطعه وكأنه رئيس جلستهم، وآخر كان حماسه كلهب الحداد، في كلّ مرة يتحدث فيها يضرب الطاولة بكفه وكأنه يحمل كيسا يريد ملأه)

فالعرّاف مشعوذ وكاذب، يسخر من الجميع ويوهمهم بالخيال بخرافاته فيعطيهم آمالا لا تتحقق أبدا ورغم ذلك يثقون فيه   ويصدّقونه.

و الوطواط يبقى بنظارته الشمسية ليخفي عينيه لأنّه ما يزال نعسانا من ليلة حمراء في الملاهي والمراقص والمواخير، حيث يصرف أموال الشعب المسروقة على بغيه وعاهراته.

و صاحب الكرش الذي أشبع نفسه وجوّع شعبه، وزاد من نسبة الفقر، يعيش هو متخما شبعا ورفاهية ولو مات غيره جوعا   وعطشا، يبقى نهما والناس حوله التصقتْ جلودها بعظامها، ناهيك عن الأمراض التي تصيب أولئك الذين لا يجدون ما يسدّون به قوت يومهم وأجسادهم التي ينهبها المرض المزمن.

و الطامّة الكبرى أنّ حديثهم كان يدور حول كيفيّة زيادة معاناة شعبهم في قول القاصّ:

(كانوا يتحدثون حول تقسيم حصصهم وزيادة معاناة شعبهم)

وسط هذه الذئاب والثعالب، كان هناك خروف لكنّه شجاع، حيث انتقد جماعته على قرارهم، وبعد محاولاته المريرة نجح في جعل الأمر محسوما إليه.

لكن تهبّ الرياح بما لا تشتهي السفن في قول القاصّ:

(بينما حاول النطق ببنود الاتفاق، طارت الذبابتان نحوه، قرصته احداهما في شفته كي لا ينطق، ولما حاول الكتابة بقلمه، قرصته الأخرى في كفه، فتدحرج القلم من أصابعه وسقط).

لكنّه قتل ذبابة بينما هربت الثانية.

و في آخر المطاف امتصّوا غضبه، إذ عدل عن قراره، ووعدوه بتأييده في اجتماعهم القادم، سيطروا عليه حتّى صار واحدا منهم في قول القاصّ:

(عاد حديثهم مثلما كان، هذا لي، وهذا لك، دون رقيب ولا ضمان، وللفقراء ربّ رحيم لا يعرف النسيان)

تهرب الذبابة الناجية في الأخير لتزفّ لجماعتها خبر بقاء موسم الذباب.

القاصّ المبدع جمال حكمت، تألّق هذه المرّة بقصّة جديدة واقعيّة من عراقنا المسكين والمسلوب الحقوق.

قصّة خطّها بأدب راقي فيه نوع من الخيال حيث أدخل فيها الذباب وجعله يسمع ويتكلّم وله دور في تعطيل قرار الثائر الذي غلبوه على أمره حتّى عدل عن قراره وصمت للأبد ليجاريهم في فسادهم.

 

نوميديا جرّوفي، شاعرة ، كاتبة،باحثة وناقدة.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

تسلم.يا.اخي.العزيزعلى.الروح.الوطنيه.تتحدث.على.واقع.العراق

جمال.حكمت
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4101 المصادف: 2017-11-27 03:04:57