المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

وجع المنازل لجمال حريفي.. تُعري الواقع المغربي

moamar baktawi2طلع علينا هذا العام الكاتب المغربي جمال الدين حريفي برواية (وجع المنازل)، وهي من إصدارات كلمات "لينا"، سنة 2017، وفي 198ص. صورة الغلاف للفنان والقصاص والمسرحي عبد الحفيظ مديوني.. وجاءت لوحة الغلاف معبرة عن الأوجاع التي تعبر عنها الرواية. بحيث الصورة كناية عن وجه مفتوح في وسط اللوحة، تحيط بها مربعات مختلفة الألوان والأشكال، وغالبا تميل من الصفرة لون القيْح والدّم، واللّون الأسود يرمز إلى كل ما هو غير مرغوب فيه. ويقسمّها صاحبها إلى سبعة أبواب باستثناء الألم البارد1 والألم البارد2 يمكن جمعهما في الألم البارد 1. 

السارد/ المحكي

يروي السارد وهو يخاطب نفسه، عن العجز أو الطمع وحدهما لا يجعلان أحدا يراجع موافقه السياسية أو الفكرية أو سيرة الذاتية. وهو يفلسف نفسه أمام الموت والحياة، لأنه شخص مريض حتّى النّخاع، وهو مشدود إلى السقف ومنخرط إليه، لأنه محكوم عليه بالنظر إلى فوق لأنه ممدّد على السرير بسبب المرض.."يحيطون بك، يحملون إلى سيارة الإسعاف" (ص8). والسارد ينتظر الصبح بفاغر الصبر أو كالمحكوم عليه بالإعدام. وهو بين بين، بين الروائح النتئة، وبين بطنه المنتفخ بالسوائل التي تمنعه حتى جرعة منه..

اختلط عليه الأمر، أهو في حالة مرض أم في حالة اعتقال، "وكنت تمسّد قدميك من أثر "الطيّارة". ولكن كيف وجد نفسه هنا المعتقل/ المصحة، وهو لم يتبين الطريق التي مرّ منها حتّى وجد نفسه في المعتقل/ المصحة، وربما تذكر في نفس الوقت أنه في المصحة التي مرّ منها بالطريق من "أكَدال" حتى "قوس النصر" في الرباط.

وهو ينتقل بعد صفحات من روايته، للأخذ بيدنا ونجوب معه الأضرحة قبل ثلاثين سنة أو أقل بسنتين. قبل أن تخبره العرافة بأنه يحب البحر، وهو مريض، "لأن صدرك امتلأ ماء، وبطنك امتلأ ماء، ولأن كل أعضائك ملتهبة" (ص12). ويتساءل عن السبب؟ فهل ذلك ما فعلوك بك حين الاعتقال؟ أم أنه كان يلعب بالنار فاعتقلوه، فهو لا يعرف أهو معلق (بالطيّارة) أم ممدّدّ على سرير في المصحة.

الحنين إلى المنزل الأول (المدشر)

ويتداخل السرد بين الماضي الحاضر، وذلك للتنويع بين كلام الأب وبين كلام السارد، ويتقاطع مع رحيل

السارد يتكلم بلسانه من الصفحة الخامس والسبعون وما بعدها حتى الصفحة المائة وخمس وثلاثون. ليبدأ السرد عن الطفولة والشباب الأول حتّى اليفاعة. ويستأنف من جديد كأنه توق إلى السرد القديم... فهو لا ينسى الأب، فهو يقول عنه كان أبي فلاحا فقط.. ولكنه كان من أصحاب تعدد الزوجات..

السخرية في الرواية

تحبل الرواية "وجع المنازل" بسخرية مبطنة، والسارد يدعي أنه لا يعرف أنه حيّ أم ميّت. مثلا يقول له صاحب المكتبة، سمّن الكتاب، سمّن الكتاب. وهو لا يدري ما يعني بسمّن الكتاب.. فظنّ أنّه يقصد عدد الصفحات أو اختيار العنوان الملائم، لكنه زاد موضحا: "-فليكن الاسم الأول الذي تفتتح به العمل سميكا ووازنا ليغري الناس بجدية الكتاب ويعطيك قيمة بين المؤلفين". (ص17)  وفي حديث عن التجربة المريرة التي مرّ بها شبه نفسه بالمسيح (عليه السلام) في الألم. فلأنه لم يتنبه للتحذيرات التي كان تُقدم له محمل الجدّ، ولكنه كان يقول أنا من مواليد الثور، فهم عنيدون، صادقون، وسذج... وفي لحظة ما يختلط عليه الأمر، فهو "يشبّه لهم بأنه أخاه لا السارد المبعوث عنه. فلهذا فقد قلبّوا المنزل منقبين، وجعلوا أعلاه سافله" (ص22). وهو يعاني مرضا عضالا، مما تسبب له في الوقوع في هلوسات وأحلام مريعة ونفسية عصيبة عانى منها الأمرّين..

المرض النفسي

 السارد يبدأ الحكي عن مرضه النفسي وتجاربه مع الأولياء والصالحين والأضرحة التي عانى منها ما عانى. وهو ابن البادية، لم يتذكر العملية الأولى، كان حينها في حجر أمه "والآن أنا أقف وهي تنحي على قدمي لتغسلهما.."(ص151). قبل هذا الابتلاء يتذكر يوم استدمت به السيارة التي كانت تقوم للدعاية السباق على الطريق، في حين كان يقوم العدّاءون  بمسابقة دهسته سيارة (الكورش). فحمل إلى المستشفى وهو بين الحياة والموت.

لمّا وصل تاريخ دجنبر 2015 يبدأ السارد لحياة أخرى كأنه لا صلة بالتاريخ الماضي، وهنا تذكير ببعض الرفاق عن الإضرابات والنقاشات التي لا تنتهي. كلام/خطاب في الفكر في الفلسفة، وأصدقاء لا يمكن أن يُنسون.. والحديث عن رفاق الدرب، والجامعة.

كلمة أخيرة

تتخلل الرواية جمل شاعرية فيها مجاز وتورية.."وفوق الجميع، تضحك شمس الله الرحيمة، وتتابع رحلتها مشرقة كما لم تكن أبدا" (ص177). وفي الصفحات الأخيرة يعود السارد إلى الحديث عن نفسه وتجربته المرضية.

ويتم الرواية أّخيرـ "غدا يا أبي، هو اليوم السابع". كأنه انسجام مع فصول الرواية التي قلنا عنها سبعة. "كل السّحر يا أبي، كان مخبوء تحت العتبات السبع للأيام". (ص194). وكأنه في تجربة المرض الذي كادت أن تقضي عليه كان يكمن في سبعة أيام. 

وختام

تعد رواية (وجع المنازل) للكاتب جمال حريفي، مختلفة عن غيرها من الروايات كأنها تلخص كل الأوجاع التي تلتهب في منازلنا... ولعلها تجربة فريدة.

 

.......................

هامش

رواية "وجع المنازل". جمال الدين حريفي، ط1، سنة 2017.

"         "  ص 8 .

"         "  ص12.

"        "  ص 17.   

"     "  ص22.

"     "   ص151.

"     "  ص177.

"     "  ص194.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4123 المصادف: 2017-12-19 12:58:50