المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

تقنيات المؤلف: التفتيت والتركيب وإعادة التركيب

1199 ihsayniعناصر منفصمة، وليست منفصمة، لا داخل السياق الروائي ولا خارجه في الواقع الذي تعبر عنه الرواية؛ بل الأصح، أن هذه العناصر المنفصمة متداخلة مع بعضها فيما تمتلكه من تأثير في الأحداث، أو تأثير الأحداث فيها، في فترة الاحتلال الفرنسي للمغرب، متزامنة مع ظروف قيام الحرب العالمية الثانية. 

إن التجانس لايمكن تلمسه إلا من خلال التناقض بين الشخوص [عبد الحميد، عباس، طاموزوجة عباس، وابنها كبور، . ومن ثم رابحة، وابنتها سعاد، وهناك أيضاً الدربالي وشخصيات ثانوية غير نامية، هي بمثابة الكومبياريس مثل جانيت، ودجوفاني الإيطالي، وجعيبة] ولهذه الشخوص نكهة تقليدية أشبعت تناولاً في روايات عربية سابقة مثل " المصابيح الزرق"لحنا مينا، و"زقاق المدق" لنجيب محفوظ، لكن كاتب الرواية محمد الإحسايني، سعى منذ البدء إلى تفتيت أحداث روايته تفتيتاً وصل أحياناً إلى الجزئيات الصغيرة جداً، ثم أعاد تركيبها ثانية بصياغات متعددة ليبعد عمله هذا عن تهمة البناء التقليدي الذي شاع في الرواية العربية الكلاسيكية. لجأ إلى ما يشبه التداعيات الذهنية عبر وعي الشخصية الرئيسية عبد الحميد مرة، ومن ثم الانتقال إلى الشخصيات الأخرى بطريقة الإخبار، والسرد أحياناً، أوعبر ذهن الشخصيات مرة أخرى.

من الواضح أن الكاتب الإحسايني لم يكن يبتغي لأن يؤكد " نمطاً" اجتماعياً ذهنياً، ولا يريد أن يُؤْثر وجوداً اجتماعياً ذهنياً بقد رما حاول أن يعبر عن حالة ممكنة الحدوث.ذلك أن إمكانية تحققها ليست غريبة أوصعبة. لذا تنوع في دمج هذه العناصر المنفصمة حتى فيما يتوافر من اختلاف أو تشابه بينها.وهي جميعاً سمات وملامح واقعية لمعظم مجتمعات العالم الثالث التي تعاني من قسوة الاحتلال، ولم تخرج منه إلا وآثار الندب والجروح والتشويه قد طبعت بصماتها على تاريخ الشخصيات.من حدود الصلابة إلى نقاط الضعف ومن السير بقامات مرفوعة إلى الكبوات وإلى السقوط. .لأن جدل الحياة والواقع يقودان إلى الخطإ أحياناً بقسرية ليست ناتجة عن فراغ. ليس هذا تبريراً أوتبرئة من الكاتب لـ عبد الحميد وليست هي إدانة، بل كشف ذو أبعاد عديدة قد لا يفلح الكاتب نفسه بالتعبير عن جميع تلك الأبعاد، فشخصية عبد الحميد من النمط المثقف الذي كان ممتلئاً بالطموحات، والآمال، والمرتبط بحب رابحة .هذا الحب الذي نكتشفه في نهاية الرواية[...]، والذي يقود إلى الموت.الآمال والوطن وحلم الاستقرار والتحرر من عبودية الغير كلها ضاعت وضاع معها النقاء من روح عبد الحميد لأنه سقط في أحضان الأجنبي ؛ بل إنه تحول إلى مخبر [طمأنك المراقب ألمدني ...لاشيء يصعب أمام رجالنا...فكان ذلك نهاية  السقوط ص2 1] وصار دليلآً [أنت الوحيد تأخذك السيارة العسكرية كل ليلة في مهمة حتى إذا وصلت السيارة إلى الحي العربي، أخرجوك منها منسدل غطاء رأس الجلاتية ؛ فتدلهم على منزل فدائي، أوشخص مشبوه...ص 9] ابتعد عبد الحميد كثيراً عن الدرب، وعن رفاقه المناضلين، وابتعدوا عنه، 

وتبرأ منه أبوه، [أهو ذا ابني عبد الحميد، ثمرة غرسي، ينحرف، إمني لا أصدق أن يمسح جبات الفرنسيين؛ وقد عجزوا لأعوام قريبة، عن حماية أنفسهم، يصالح، يتلقى الحوالات؟...غب، اخرج من بيتي!]. وفتح الفرنسيون الطريق أمام عبد الحميد، فوعدوه أن يصنعوا منه باشا، ومن ثم، خرج الفرنسيون ولم يفوا له بوعدهم، لكنه تقلب في سلك الوظيفة إلى أن عين باشا في عهد الاستقلال، فسولت له نفسه أن يغتصب زوجة سائقه، فطرد بسبب ذلك من وظيفته، ومن ثم، فتح له مكتباً يديره على أنه مكتب تصدير واستيراد؛وهو في حقيقته مكتب التجارة الرخيصة التي أخذت تدر عليه أرباحاً طائلة. غير أن الثابت في الأمر، أن هذا المكتب، هو همزة وصل بأوروبا وأمريكا، بعد أن فقد مهنة التجسس على مواطنيه  وتأسف عليها، وبعد فقدان وظيفته الرسمية.

إن شخصية عبد الحميد منذ بدء الرواية، كانت تحاول أن تفلسف الخيانة عبر وعيه الخاص من خلال البحث المتواصل عن آبائه وأجداده، عن أصولهم وانحدارهم.

وتأتي المفاجأة حين يصل عبد الواحد مبعوثه إلى الديار السوسية محملاً بالوثائق التي توضح نسب عبد الحميد إلى أبي عبد الله الذي سلم مفاتيح غرناطة إلى الطاغية فرناندو مصحوباً بـ إزابيلا، " في يوم مشهود، وهو على خذلانه غير محسود؛ بل ترثي له له قلوب العدا" ص 143 .

إن الخيانة أمر يجري في عروق الإنسان، وقد انتقلت إليه بالوراثة، بمعنى أن الخيانة وراثية؛ وعلى هذا الأساس سيظل الإنسان خائناً مادام واحد أوأكثر من أجداده قد خان.ولن تنفع بعد، أية وسيلة ما دام الأمر مقرراً وراثياً مع سبق الإصرار!

ألا يبدو مثل هذا التصور غير منطقي؟ ويبدو أن الكاتب أراد أن يخرج بنا بمفهوم" تاريخية الخيانة"، لادفاعاً عن الخيانة كفعل منبوذ؛ بل إنه سعى إلى الكشف الذي يندرح تحت " الخطإ التاريخي" لإنسان ما. قد يندرج تحت راية الخيانة التاريخية التي لن تمحى من الذاكرة.

ماذا يريد الكاتب أن يقول من هذا الربط بين خيانة عبد الحميد، وخيانة أجداده" لاأعتقد أنه أراد التأكيد على التاريخ أبداً، حتى إن عبد الحميد نفسه أدرك ذلك وفرح به.

ولكي يضع المؤلف نهاية لعبد الحميد، ولتكن نهاية دراماتيكية، جعله يقتل على يد رابحة [؟] التي أحبته وهامت به في الماضي منذ كان طالباً" وما حضرت حفلة طامو إلا لتجسد أمام عينها كل صور الحب...مضت ستة شهور على سفر عبد الحميد.لم يرسل إلا رسالة واحدة من العاصمة العلمية...وكان حبها له، قد قوي مع مرور الأيام، وقد خيل إليها أنه يحترق مثلها، فهي لم تر فيه سوى شخصية متميزة ص 124 . ويصور حلم رابحة أمنيتها في حلم:"ويعود متخرجاً من فاس، ليبحث عن أبيها عبد القادر: " أريد أن أخطب رابحة" يجيبه والدها:" ابنتي مخطوبةلابن عمها الثري في وجدة" " ص 125." ويتجرعان مرارة الأحزان، ..."، " ما العمل؟ إنني خسرت كل شيء. علينا بالهرب إلى فاس، حيث الهدوء، والحب، والحدائق العربية...يحتطفها إلى فاس ص 135."

لكنها تعود محملة بالفشل. أراد المؤلف أن يضفي شيئاً من الضبابية القليلة، لكي يبتعد عن التقريرية، أوالمباشرة. فمن خلال جملة هنا، وأخرى هناك، نتلمس أن سعاد ابنة رابحة . وسعاد هذه قدكبرت، واخذت تستعد للسفر إلى الولايات المتحدة، لإكمال دراساتها العلمية. وتشاء الظروف، أو الصدف، أن تلتقي بـ عبد الحميد دون أن يعرف أنها ابنة رابحة.

وتدرك رابحة أن ابنتها على علاقة بـ عبد الحميد، تجد صورته في ملفها الخاص بالبعثة. لآن عبد الحميد عرض عليها مساعدته لأنه يعرف كثيرين هناك سيسهلون لها الأمور. بعد كل هذه الوقائع، لابد لرابحة أن تخطو لقتل عبد الحميد [؟] في الليل،  فتطلق عليهالرصاص لتصفي حسايات كثيرة، ومنها خيانته للدرب، وأهل الدرب يوم كشفت له معرفتها بهذه الخيانة، قائلة:" أهلاً بالأديب الذي يركع تحت الحكام الذين يبسطون على شعوب الأرض أيديهم النحاسية.هلا ذهبت إلى أولئك الحكام واعتكفت في محرابهم! هل نبذوك؟" ص 127.

هناك شخصيات بارزة في الرواية تحتاج إلى دراسة منفصلة مثل شخصية عباس الحداد، وزوجته طامو وابنهما كبور.ذلك أن شخصية مثل عباس، تمتاز بالقوة العضلية، وبضخامة جسم غريبة، إلى جانب فحولة قوية.ولكن كل ذلك لايشير إلى خط صاعد على الدوام، إذ نجده سرعان ماينهار أمام امرأة غريبة عن الدرب أدلته علناً أمام الناس وأبرزت سطوتها بخذلانه حتى إنه قررالاختفاء من حياة الدرب نهائياً دون أن يهتدي إل مكان اختفائه أحد، حتى إن ابنه كبور ظل عائشاً على أمل عودة أبيه. ولكنه لم يعد رغم عودة "الجواد الأدهم"، الذي هرب على متنه.تتصاعد الأحداث حتى نجد كبور ينخرط مع المقاومة، بينما تظل أمه تعاني من شظف العيش مما يضطرها إلى أن تعمل خادمة في بيت دجوفاني، العجوز الإيطالي.

 ثم إن هناك شخصية " دربالي"، المغني الأعمى الذي ظل يوهم الجميع أنه فاقد البصر، حتى جانيت اليهودية صاحبة البارالتي أحبها وأحبته، ولكن سرعان ما نبذته، وتخلت عنه. وفي النهاية، ينكشف لنا أن "الدربالي"، أوما يسمونه مشيكة، لم يكن أعمى، بل كان يأخذ من عماه ستاراً لممارسة النشاط السياسي في الخفاء، وتوزيع المنشورات.

تبقى هذه الشخصيات في حاجة إلى تحليل منفصل، رغم أنها ليست الشخوص الرئيسية في الرواية، إلا أنها تمثل وجهاً آخر في الإيجابية المناقضة لسلبية " عبد الحميد".

 

 نعمان مجيد الربيعي 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4138 المصادف: 2018-01-03 01:36:47