المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الغابر الظاهر.. من السطحي إلى العميق

abdulhaq alsalikiنساهم في هذه الأيام التكريمية لأستاذنا الكبير د. أحمد بوزفور، تعبيرا منا عما نكنه له من تقدير واحترام وفضل على طلابه، وعلى المعجبين بفنه في القص، وأسلوب الدرس .

تنطلق هذه المداخلة من ملامسة سيميائية قام بها د. محمد مفتاح لنص "الغابر الظاهر" للأستاذ أحمد بوزفور، مبتدئة بسطح النص لتتجه صوب عمقه، متسائلة بعد عن جدوى هذا العمق في علاقته بالشكل كتجل يختزل الغابر والظاهر النصي في نفس الآن .

نص "الغابر الظاهر" خرافة ذات بنيات أسطورية، تقوم أساس يتميز " بالتنا قض وازدواجية المواقف " (1) . كما أنه نص متماسك لتوفر جملة عناصر وتفاعلها فيه، كامتزاج الثقافة " الشعبية " بالثقافة " العالمة "، وعلاقة التمطيط الرابطة بين النص وعنوانه، واستهلاله، إذ هما " أيقونان وأمارتان على مجال السرد وعالم الحكي " . (2) كما يوجهان آليتي الترابط والتداعي في النص . وباعتباره نصا اسطوريا فان بنية التقابل تهيمن عليه على مستوى المعجم والتركيب لتعكس الصراع بين عدة عوالم كعالم البطولة داخل الغابة وعالم الخيانة خارجها، عالم القانون وعالم اللاقانون، المثال / الواقع الخرافة، الحقيقة، الأسطورة .. فنص الغابر يخرق المعهود، فلانجد حضورا لما هو ثقافي صرف، ولا لما هو طبيعي خارق، بصفة مستقلة، ذلك هو سبيل السخرية من الواقع الذي تلتقي فيه التناقضات وتتعايش رغم ما فيها من تناقض وصراع، لكن تختل الموازين؛ مما يطرح ضرورة العودة إلى التوازن وقد يكون السبيل هو الدين، أو الكوثر "انا أعطيناك الكوثر"، الذي هو الزاد والكثرة أو الثورة اذاما قلبت بعض أحرف كلمة الكوثر .. أو المصلحة والأنانية التي عبر عنها النص في أكثر من موقف: (موقف الأخ الأكبر، تصالح الإخوة، رجال البلاد) . لكن ما علاقة الخرافة ـ الأسطورة بالواقع وبمقصدية المبدع؟ وكيف الانتقال من الخرافة إلى الواقع؟

 إن نص الغابر الظاهر تتحكم فيه بنيتان: بنية لها إحالة ومرجع مباشر، وبنية ظاهرها يحيل على اللاواقعي واللامعقول . فمن مؤشرات الأولى التراكيب التالية: (العرجا تنقز الحيطان، والعورا تخيط الكتان ن والطرشا تسمع الخبر    فيماكان) وهي وان كانت أفعالها تصف حالات العجز، فانه عجز غير تام وإنما جزئي . ومن تلك التراكيب نذكر أيضا، التعبير الذي تردد أكثر من مرة (وكانوا اذا لقوا بعضهم قالو نحن إخوة، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) .

ومن العبارات الدالة على البنية الثانية نذكر: (وقع الظل على الطفلة كوثر، فالتفتت ورأتها . قالت المرأة مبتسمة ـ " تعالي معي ") ... (و باقي الحوار الذي دار بين كوثر ومع ما عبر عنه بالظل / المرأة) – (وحين التفتت كوثر لم تجد المرأة) – (وسارت الطفلة والنار نحو بعضهما)، (قالت الأشجار)، (قالت الأحجار)، (قالت البوم) .

إلى غير ذلك مما لانجد له إحالة مباشرة، ولكن يمكن ذلك عن طريق التأويل عبر قنوات المجاز والاستعارة وتفسير العقد والأحلام ومختلف التأثيرات على الدماغ واللغة والنفاذ إلى المخزون الثقافي للمبدع، وإلى كل ما له تأثير مباشر أو غير مباشر على ممارسته، مما لا يكتفى معه بقراءة المكتوب وتصوير المشاهد (بفتح الهاء) وإنما استكناه شعور الذات المبدعة، وأن لنا ذلك ؟

 إلا أن ما لايدرك كله لايترك كله، فبعض المفاهيم الحديثة كمفهوم التشاكل (isotopie) تسمح بإيجاد بعض القرائن تسعفنا في تأويل بعض التراكيب كإحالة الأشجار العارية الحبلى إلى البادية وسكانها، والأحجار الساهرة الثكلى إلى المدينة وسكانها، والبوم اليقضان المتكلم بالحكمة إلى المثقفين ... إلا أنها تأويلات تبقى نسبية حب منطق الدارس والمرحلة التي كتب فيها النص . كأن تكون الغابة، مثلا، في " الغابر الظاهر " تحيل إلى " المجتمع وتنظيماته "، لكن المجتمع مجتمعان: عالم من المثل والفضائل في نظر الرومنسي، أو عالم من الوحشية والألم في نظر الواقعي، أو هو لا هذا ولا ذاك وإنما أحجية للتسلية وجلب النوم .

إلا أن تظافر جملة من العناصر المحلية والخارجية هو الذي يغلب تفسيرا دون آخر ويرجح التخريج الذي يحظى بالموافقة . موافقة القارئ الذي يفترض أن تجمعه بالمبدع والدارس قواسم ثقافية، والا صارت الممارسة النقدية مطالبة بتغيير ترسانتها بحثا عن الرضى . فالنصان الإبداعي والنقدي يخضعان في تداوليتهما للإقليمية التي ولدت لغتها، ولكل حيز مشابه . والانتقال إلى مجال مغاير يستدعي البحث عن مدلولات أخرى للدوال التي ننطلق منها .الشيء الذي لانعدمه في السيميائيات المطعمة بجملة من المفاهيم / الأدوات المختلفة المصادر والمنطلقات ...

إن الدراسة التي قام بها د . محمد مفتاح " للغابر الظاهر " سلكت جملة من التقنيات فاستطاعت أن تجد الإحالة الرابطة بين جملة من الدوال ومدلولات الواقع العام للنص والمبدع، وبقيت أخرى كالتي عبرنا عنها سابقا بالبنية ذات الإحالة اللامعقولة واللاواقعية، بالإضافة إلى تقنية الكتابة وجمالية النص نفسها التي أفلحت في تعايش جملة من المتقابلات أو المتضادات كتعايش " الشعبي " معنى ومبنى مع العالمي معنى ومبنى في سياق وداخل بنية لغوية واحدة، ولعل هذا المعطى من أهم ما ميز النص ـ الذي ليس من المفروض ـ دائما ـ أن يكون لغزا وطلسما ينبغي فك أسراره، وإعمال الذهن للوقوف على العميق من بناه .

ان نص " الغابر الظاهر " يجمع، في آن واحد، بين جمالية الأدب، والتزاميته وهما قيمتان يبقى أي نص في غيابهما مشابها لما وصفه وأشار إليه استهلال " الغابر الظاهر "، بل لن يكون إلا الغابر الظاهر بالمعنى الشعبي .

 

و شكرا

عبد الحق السالكي - الدرالبيضاء الكبرى.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

hna bghena tahlil nass alghabir dahir

YAYA
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4138 المصادف: 2018-01-03 01:47:02