المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

خرائط الشتات.. شهادات تتكرر للقاص والروائي محمد عبد حسن

nabil jamil2يوفر العمل الروائي لكاتبه فرصة لتسجيل الوقائع اليومية والتاريخية بتفصيلات موثقة، ربما لا تتوفر للشاعر أو لكاتب القصة القصيرة، فقط قد تمنح المسرحية هذه الفرصة لكاتبها، اذ ان مساحة الحركة للروائي والمسرحي هي اكثر ارتياحاً واتساعاً منها لدى الشاعر أو كاتب القصة القصيرة، وهذا ما يمكن ان نلاحظه لدى الروائيين ممن اهتموا بتوثيق وقائع واحداث)**

لاشك ان التغيير الذي حصل في العراق بعد عام 2003 أثّر في جميع مفاصل الحياة، البعض اعتبره استجابة لما كان يدعو له الشعب، والآخر اعتبره بداية لصراعات جديدة ستكمل انهيار بناء الدولة ومؤسساتها، اذن نحن امام عتبة جديدة على المستوى الثقافي، وهذا الجانب يهمنا في بناء مساحة تجمع للثقافة العراقية قيمتها، بعد ان تشوّهت وتآكلت في عهد المديح والمنافع ابّان النظام السابق، ولكن عدم الوضوح في قدرة تحمّل التغيير من قبل السلطة وما رافقه من مساومات ومحاصصة في توزيع المناصب، شكّل عائقاً أمام بناء دولة المؤسسات، وبدوره أثّر هذا العائق على مسيرة كافة المنظومات الحياتية، ومنها المنظومة الثقافية التي تخصنا كأدباء وكتّاب، وما يهمنا الآن ونحن بصدد قراءة رواية (خرائط الشتات ) للقاص محمد عبد حسن هو مشروع الرواية العراقية بعد التغيير، ومدى تقبلها لدى القارئ العربي بصورة عامة، وكيفية اقناع الذائقة الفكرية التي باتت مصدومة بانهيار الحكومات الواحدة تلو الأخرى تحت ما يسمى بالربيع العربي، خاصة وان كتابة الرواية أخذت منحىً آخر بعد تخلصها من قبضة الرقيب، لذلك ظهرت لنا روايات فيها خروج عن أسس وقوانين الرواية المتعارف عليها، من شكل ومضمون ووجد بعض الدارسين بأن هذا يعتبر شرخاً في مسيرة السرد، وتصدّعاً ربما لا يليق بما أسّس له الرّواد، وايجاد طرق جديدة لعمليات تجريب متواصلة بغية الخروج بصناعة رواية عراقية جديدة، وفق رؤية كتّابها الذين يرومون استذكار فترة ما قبل التغيير وربطها بما بعده، أي يشكلون ما يشبه الجسر في ربط الأحداث، ومقارنتها وفق انساق سردية أرادوا من خلالها استيعاب كل شيء وكتابته، على اعتبار ان الرواية تتحمّل، كونها أكبر الأعمال السردية .

1212 mohamadتشتغل (خرائط الشتات) تقنية السرد التعبيري برؤية واسعة، من حيث الجمع بين الوصف والمنولوج الداخلي الذي يمكن للقارئ ان يستخرج حواراته، سواء في الماضي حيث الاستذكار والمقارنة بين حالتين أو في لملمة الذات من تداعي يتواشج أو يتقاطع مع مسيرة (الراوي/البطل)، (حين تقرر الرحيل تتفقد امتعتك وكلما اقترب موعده اكثر تعيد ترتيبها من جديد) ص5. (لا أدري كيف يفكر شخص، ينوي عبور البحر بزورق محطم) ص6. بداية الرواية تشكيل وحدة موضوعية بسرد متناغم لاكتمال بنى سوف تتصاعد وذروة الأحداث، تساؤل سوف نراه يتكرر على لسان الراوي، ومنه سوف يعرف القارئ بأن الرواية هي سيرة ذاتية لشخص مأزوم، ولا اقصد الكاتب طبعاً، حيث نجد ان هكذا تساؤلات تتكرر على ألسنة شخصيات أخرى، اذ انها تتحدث عن نفس الموضوع المهيمن على جوّ الرواية، من تشرّد وحرمان واعتقال... الخ، ملامح ذات صفة واحدة تتماسك في ايصال الحدث الرئيس، خلاصات محددة ورصد لهواجس وافكار، في الداخل أو في المنافي، على شاطئ بحر في انتظار عملية التهريب أو على جرف شط العرب لمراقبة عيون شرطة الحدود، صعوبات شتى تنتقل عبر (الراوي/ البطل/ كاتب المذكرات..) بانتظار موت قادم، أن مفردة الموت هنا لا تأتي فقط للدلالة على من فارق الحياة بل تنطبق ايضاً على من يعيش بجسده مذهولاً بضبابية ضياع قيمته الانسانية حيث المنغصات والخوف من المستقبل .

اذا كان الحاضر يمثل الماضي من خلال الفهم والمغايرة نحو الأفضل، فعلى أيّ محدد اشتغل الكاتب روايته؟ أقصد ماذا اضاف بطروحاته وهل هذه الطروحات عكست وجهة نظره الخاصة؟ أم هي تأريخ شعب مرّ بمرحلة من الزمن وكان الكاتب شاهداً عليها، ثم هل ان (خرائط الشتات) تقيَّم ضمن روايات التأريخ ؟ بالتأكيد ان الروايات العراقية التي صدرت بعد عام 2003 شكلت اثراً لدى الدارسين والمهتمين بتطورها، ولاشك سوف توضع في خانة خاصة تميزها عن روايات الأجيال السابقة، اكثر من (500) رواية صدرت بعد التغيير والى لحظة كتابة هذه القراءة، حملت أسماء معروفة وأخرى جديدة، لكن معظمها تناول مرحلة حكم حزب البعث وما تلتها من أعوام، وبهذا وجدنا بأنّ هناك اعادة ترتيب للمنجز الروائي العراقي أي التميّز في عملية الشكل وبقاء المضمون نفسه، ولا أدري هل ان هذه الأسماء سوف تفتح لنا افاقاً جديدة أم انها ظلت تكرر ذات المضمون خاصة بعد انعدام وجود الرقيب.

(العراق / ايران/ سوريا/ الأردن/ ليبيا) في هذه الأماكن تدور احداث الرواية، ولو تتبعناها لوجدنا ان كل مكان له طبيعة جغرافية وعادات اجتماعية تختلف عن الآخر، لكن الراوي استطاع ان يجمع بينها بخطوط متساوية من ناحية استمرار موضوعه (أوراق مهمة كتبها رجل غير مهم) ومشروعه المؤجل (لطالما كان هذا مشروعاً مؤجلاً ألحّ عليَّ كثيراً وأخّرته كثيراً متعللاً بإمكانية حصولي على استقرار نسبي استطيع معه ترتيب أفكاري بشكل ما) ص8. هل انه مشروع مؤجل فعلاً؟ أم انه تبرير ليضعنا في متاهة وشتات ورحلات محفوفة بمخاطر لإثارة حالة من التشويق والإيغال اكثر لمعرفة النهاية، حالة من الحلم، امتداد وكأنه دوّامة، انفتاح مضطرب نحو وصول غير مستقر، خلق صور لإثارة عاطفة، حكايات لنقد السلطة الحاكمة وجدها الكاتب مادة جاهزة، حقيقة تأريخية مؤكدة تمس ذهن القارئ حالما ينسجم معها، استفهامات عديدة للقارئ غير العراقي تتصادم لتخرج بمحصلة نهائية الغاية منها اقناعه بما مرّ به العراق اثناء فترة حكم حزب البعث.

اذا كان الراوي ينتظر فما بال القارئ سوى الانتظار ايضاً (هل سيجيئ ذلك الوقت؟ على أية حال.. ها انت تنتظره، تحلم به) ص10. هذا التداعي وغيره يحيلنا الى عمليات تعويم مماثلة كثيرة جعلت الرواية في حالة سير داخلي يدور حول نفسه، فليس تعدد أسماء المدن والأماكن الأخرى هو من يجعل الرواية تتحرك، بل التلاعب والتفنن بالجملة واللغة هي الأدوات الاكثر مراهنة على نجاح أية رواية، حتى لو كانت رواية سيرة، لكنني لم اجد فيها شيئاً من الخيال لتعطي نكهة لمشروع رواية عراقية حديثة فبدت واقعية تسجيلية. لو قرأنا رواية تأريخيه مثلاً والمعروف ان التأريخ لا يمكن التلاعب به، فسنرى ورغم ان الأحداث التاريخية تشكل نسبة 70% منها الاّ ان الكاتب استحوذ على 30% المتبقية وجعلها طوع مخيلته، لكن في (خرائط الشتات) لم أجد ما يوحي لذلك هذا اذا ما اعتبرناها ضمن الروايات التاريخية كما اسلفت سابقاً، فهي وعلى الرغم من الشكل الذي تميّزت به، الاّ ان المتن كان عبارة عن نقل للواقع كما هو، فبدت الرواية وكأنها اعترافات أو حكاية طويلة.

يقال بأن الحلم مثل الأمنية المؤجلة أو التنبؤ المرتبط بالخيال، أحيانا يكون الخيال أسبق من الواقع ليس بدرجة كبيرة طبعاً لكن الذات الحالمة تعشق الإقناع بذات.. الحلم /الرؤيا/الأمنية/التنبؤ، فيبقى الإلحاح مستمر في الذهن يطرق برغبات وتطلعات، يرسم أفقاً يتقارب من علاقة الحالم بما يرغبه الذهن، (وكنت قريباً من باب الحظيرة، كلما يوشك جفناي على الانطباق أرى كلباً يقترب مني محاولاً نهشي، ذكرني ذلك بحلم طالما رأيته في طفولتي.. كلب أسود يقول لي: "اريد ان آكلك.. من زمان ما اكلتك") ص42. رؤيا الحلم ترمز الى حضور واستمرار ذات النسيج الذي بدأ به الراوي، الهمّ الذي لا ينتهي.. خوف/ تشريد/ تهجير/ حرمان ترقب.. الخ من هواجس صاحبتهُ منذ ان تحمّم في بغداد (اتذكر انني تحممت آخر مرة هناك في بغداد وقبل ان تحملني سيارة نقل كبيرة باتجاه الجنوب الملتهب كنت اذهب يومياً الى كراج النهضة لمعرفة آخر الأخبار من القادمين "البصرة سقطت" قال لي احدهم) ص 18. يشكل هذا الحدث نقطة الانطلاق بالتفكير للهروب من العراق، التخلص من العاصمة اولاً بأية وسيلة تجاه البصرة مسقط رأس البطل ثم الى الأهواز للبحث عن ضفة آمنة مثل أي عراقي في تلك الفترة التي اشتعلت فيها شرارة المعارضة للنظام، التّمسك بوحدة موضوع واحد لا أكثر كي لا يتشتت الذهن بأبعاد أخرى قد تهشم مشروع المطلب الرئيس لشخصية البطل، ازمة سياسية، اغتراب داخلي نفسي، قمع وساحات اعدام مرتجلة، شيوع أخبار تساقط المدن بيد المنتفضين، زخات رصاص، اصوات قنابل مدفعية ثقيلة، دوي طائرات حربية، معارك بين كرّ وفرّ، تشتت في قوات الجيش وذهول..

(- اعتقد ان الأمر سينتهي بكارثة .

- كيف؟ (سألته).

- المنتفضون غير منظمين . ليس لهم القدرة على مواجهة قوات نظامية) ص 31.

جسور مهدمة وطرقات مقطوعة، اعمدة دخان تتصاعد، نقاط تفتيش في كل مكان، اعتقالات بالجملة، ترقب دخول قوات اسناد شيعية عبر قضاء شط العرب (انت تعلم انني كنت اعبر الى قضاء شط العرب كثيراً لتجهيز الأسلحة والذخائر، وفي كل مرة اسمع من يقول "غداً يأتي السيّد.. غداً يأتي السيد" ولم يجئ هذا الغد.. ولا جاء أي سيّد) ص66. يستمر السرد وسط هذا الاضطهاد بين احتفاظ و اختفاء للأحداث وبشكل معاناة، من خلال حكايات تروى بنفسٍ واحد، وهذا يؤكد اختفاء الراوي وراء شخصية البطل بالإضافة الى شخصيات أخرى تتقاسم الأزمات، اتصال وانفصال واستلاب جسدي عبر استغراق بالوصف لإيصال الثيمة الرئيسة، انبثاق متقن واقتران بين فصول الرواية بثبوت عملية الروي، تدوين يحيل الى وقائع حقيقية تنفتح دون تزويق والتباس وتقوّل، رواية استحقت تسميتها (خرائط الشتات) عبر اصرار تكفّله الراوي العليم الذي نراه مشاركاً في اغلب الفصول، اعتقال في سجون العراق ثم الهرب والاختفاء في احدى قرى الجنوب، بعدها عبور الحدود الى ايران والخروج منه بجواز مزوّر (كم من الوقت مر على ذلك ؟ الأشهر التي قضيتها في سوريا يوم دخلتها قادماً من ايران بجواز سفر مزور.. بقاؤك في الأردن مزروعاً كنبات الصبار على حدود المزارع ثم وأنت هنا مرمياً كصخرة آثار مهملة على جانب طريق لا يمر به أحد) ص63.

استطيع القول عن (خرائط الشتات) بأنها رواية تحدي، باعتمادها على تحميل شحنة كبيرة من مواقف التوتر والانفراج بلقطات آنية أو مستذكرة، وهي في معظم الأحوال تمثل احصاءً ذاتياً في رسم الجوّ العام أمام عين المتلقي لإشراكه اكثر في جراح مجتمع عانى من تخبط نظامه السياسي لمرحلة وصفت بالأسوأ في تأريخ العراق، أكد الكاتب فيها حضوره في مجال السرد الروائي وهذا يشكل خطوة تحسب له كونه كاتب قصة قصيرة بامتياز، لكن هناك ثمة تساؤلات تصب في حظوظ من يتواصل في هذا العالم.. وهي عملية اتقان هذا الفن؟ هل ان رواية ما بعد التغيير أجادت في حصولها على مكان في خانة الرواية العراقية؟ ولماذا تفردت أسماء معينة بالشهرة والدراسة والمبيعات رغم ان الثيمة هي ذاتها التي اشتغلت عليها معظم الروايات؟ لا اريد رواية تعكس الواقع مائة بالمائة، بل ابحث عن انفراج ودهشة ومؤشر لقدرة كاتب يأخذني بعيداً ويعوم بي أنا القارئ، من خلال مخيلته واسلوبه، يجعلني احلّق في فضاء روايته مثل طائر يستروح هبة نسيم مطمئناً في طيرانه.

 

نبيل جميل

........................

* خرائط الشتات. رواية للقاص محمد عبد حسن. صدرت عن دار ضفاف للنشر (الشارقة – بغداد) عام 2014.

** د . سمير الخليل ـ مقاربات نقدية لنصوص حداثية ـ دار الجواهري/ بغداد ـ 2013. ص 251.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4156 المصادف: 2018-01-21 02:05:19