المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

رواية: (مَدشَرِ الضّيَاع لمصطفى الجرتيني تكشف عن ضياع المغرب العميق

moamar baktawi2تقديم: الرواية التي تقع بين أيدينا في 124 صفحة من الحجم المتوسط، صدرت في 2016 عن (دار نت للنشر والتوزيع) لمصطفى الجرتيني. يتوسط الغلاف عنوان بارز بخط كبير "مدشر الضياع". وفي الأعلى يبسط الكاتب بظله على الجميع قائلا: أنا صاحب هذه الرواية. وهي مكونة من إهداء وتقديم، وعشرة فصول. والغلاف زين من طرف يونس الكاف.

1- قراءة في العنوان

العنوان يَشي بمضمون الرواية ويفصح عنها، وهو بذلك النوع الصادم للأول وهلة، ويعرف القارئ بأنه بعيد عن اللغة الشاعرية و(الفانطازية)، بل تأخذ الواقعية بحذافيرها.

ويمثل في الأسفل صعودا، (المدشر) الذي يشبه قرية (زقورة) التي بنيت في عهد النمرود. فهي مدمّرة، وتظهر بعض المباني من طوب على الجانب الشمال من غلاف الرواية. ومن جهة اليمين هناك (الفراغ) الذي اختار له الرسام لونا مناسبا، ويمثل اللون الرمادي المختلط ب(الفراغ). وهي كما أسماها صاحبها، فهي: سيرة قروي معطّل، وتمثل الصراع بين المدشر والمدينة.

العنوان في العمل الإبداعي غالبا ما يحيل بصفة مباشرة على أحد مكونات النص: الشخصية الرئيسية، أو الحدث الهام، أو المكان المركزي، أو الفكرة التي يتمحور حولها موضوع الكتاب... وهو هنا يمثل المكان والضياع المضاف إليه. وبعيد عن الانزياح عن المألوف، وينبني على مقصدية تتوخى تفهم المتلقي، وعدم تكسير أفق انتظاره. وعندما يصطدم بعناوين مخالفة للمعتاد ومثيرة للتساؤل والاستفهام. وهكذا، فإن العنوان الذي يبدأ به الكاتب - باعتباره أول جملة في النص- سيؤثر في تأويل ما يليه.

وإذا كان بعض الباحثين في لسانيات النص-الخطاب- يعتبرون العنوان موضوعا للنص، فإن (براون) و(يول) يعدّانه "أحد التعبيرات الممكنة عن موضوع الخطاب."(1) لأن العنوان في نظرهم يثير لدى القارئ توقعات قوية حول ما يمكن أن يكونه موضوع الخطاب. بل كثيرا ما يتحكم العنوان في تأويل المتلقي.

2- شخصيات الرواية

إذا نظرنا إليها على أنها شخصيات أرقى منّا فسنكون أمام عالم البطولة، وإذا نظرنا إليها على أنها مساوية لنا فسنكون في نطاق الواقعية، وإما إذا نظرنا إليها باحتقار فسنكون أمام عمل من النمط الساخر. وشخوصنا تنتمي إلى الفئة الأولى والثانية.

* سْمُوحمّاذ

في هذه الرواية ينشطر العالم الروائي إلى: عالم الخير وعالم الشر. عالم الخير ويضم من جهة الأب (سْمُوحَمَاذ) وهو يبدو في خلاف مع جميع سكان (المدشر)، بسبب تعاطيه للعشبة (الكيف) ويظن أنهم يحسدونه وخصوصا لما أنجب ذكرا. الأب يسمع كلاما نابيّا من طرف (المدشر). وكانت موته في نفس اليوم الذي سيعود الابن إلى البلد.. لا يعرف النفاق ولا الرّياء، لذا أصبح يعيش في عزلة قاتلة. فهو الرجل الجريء الذي استطاع أن يتعرى على (الفقيه) و(عليلو) ومن معهما أمام المسجد؟ لأنه لم يعد يتحمل نفاقهم ولا خذلانهم.

أحد الرجال يقول عنه: "الحمد لله على السلامة يا ولدي إدريس... أبوك (سموحماذ) أراده الله فأخذه... فلا مردّ لقضاء الله وقدره... (ص67) ويجيب آخر ممّن يمقتون الأب حين وافت المنية: "انعس آ المصيبة... تهنينا من طاسيلتك آ المسخوط... مشية بلا رجعة.(ص69) ولكن الولد إدريس يذكر الفقيه ومن والاه: "اذكروا أمواتكم بخير أيها الفقيه... أبي لم يكن يدري معنى النفاق والخداع..(ص7).

* الصراع الداخلي (النفسي)

إذا كان من السهل تبين الصراع الخارجي نظرا لتجسده في قوتين ماديتين محسوستين، فإنه يصعب علينا تبين الصراع الداخلي (النفسي) وتحديده بسهولة، لأنه يدور في أعماق نفس الشخصيات، ولا يتجسد إلا عبر صور التصادمات والنضالات المفجعة. مثلا إدريس يقول في صمت: "اولاد الكلااااااااب... فلوس الأرض وما دير!" (ص56).

في هذه الرواية وخصوصا في الفصل العاشر، لا نعرف من يتحدث، أهي الشخصية أم الكاتب "أحيانا نختار سلك طريق المغامرة، لنظفر، إما بنتيجة مرضية ترقى لمستوى طموحنا، أو بخبيات كثيرة، وجب علينا تحمل عواقبها، لأننا نحن من اختار سلك هذا الطريق..(ص97). وفي حوار لا نعرف من يتكلم، "لم يستوعب إدريس ما يحصل له، هل هو حظه في هذه الدنيا التي لم تذقه سوى مرارتها، أم هناك لعنات ما تطارده أينما حلّ وارتحل.." (ص105). أضن أن الكاتب نسي نفسه وانساق مع حوار داخلي/جواني.

والشخصية عند (أمبرتو إيكو) "لا تمثل نفسها، وإنما تمثل العالم الذي تنتمي إليه، أي هي علامة دالة على ذلك العالم، فقد تمثل الشخصية شريحة اجتماعية، أو عسكرية، أو اقتصادية كاملة، إذا امتلكت نفس المقومات الدلالية لتلك الشريحة (2)..

3- تيمة طلب العلم

* إدريس

هذا الطفل إدريس، يولد في (مَدْشَر) من بلاد المغرب العميق، فهو كثير المرض والعطب، يأتي لوالدين بعد طول انتظار وسادس الأخوات.. يقفز الأب فرحا للمولود لأنه رزق ذكرا... ولكن الفرحة لم تتم، فحلّ بالطفل سقم دون سابق إنذار..(ص27). وكغيره من الأطفال حرمه فقيه هذا (المدشر) بالاتحاق بالمسجد، لا لشيء إلا لخصومته مع (سموحمّاذ). إدريس هذا طفل عصامي، وجد في المعلمين من يعينه على الصعوبات في شراء كتبه، وخصوصا الحسن ابن (دوّاره) الذي رأى فيه مثلُه الأعلى. كان مثل الأرضَة، يقرأ الكتب بنهم، وعندما كبر والتحق (بالخيرية الإسلامية) بدأ يسمع الشيخ إمام وفرقة العاشقين... فعرف داخل أوساط النضال وهو صغير. وتمكن من الفوز بالشهادة الإعدادية. شعر بخيبة كبيرة عندما تنكر له "رفاقه" في النضال في (الخيرية الإسلامية) "ويحشرونك في متاهات لا مخرج لها ثم يجلسون للتفرج عليك من بعيد" (ص80). فيجعله يتدفق إحساسا بالحقد على جنس البشر الذي لا يكف عن استغلال ضعف الآخر.. وعندما رأى أحدهم إدريس راجع إلى المدشر خاوي الوفاض: "آش قولت لكم؟ هاهو رجع القح... ديماه للدوار، القراية ساهلة.."(ص44).

* فلسفة إدريس

تكونت لدى إدريس فلسفة تشاؤية منذ صغره، وهذه الفلسفة استقاها من والده الذي كان مافتئ يقول: "العبد إيلا ما دّا ليك ما يعطيك... الإنسان حكّار أولدي حكّار أولدي إدريس". والإبن يجد في هذه الحياة: "الله يرحمك عليها الوالد... ما كاين غير ولاد الكلاب اللي يحرمو عليك العيشة فهاد الدنيا" (ص85) وهذا المجتمع الذي يعاشره.. هؤلاء القردة لا يستحقون غير التبّول عليهم. وعندما تسودّ في وجهه أبواب الحياة يقترح عليه (العطاشة) بالعمل بالحفر في البيارد، وهناك يسب في نفسه المجتمع "الله بُول بُوكُومْ أولاد الكلاب.."(ص93 )

* إدريس والمجتمع

ينال إدريس حظوة كبيرة لدى المجتمع بسب كفاحه ودراسته وجديته، وحينما ينجح في أخذ الباكالوريا يحسده كل أهل (المدشر). يصل إلى الجامعة بمجهود جبّار مادامت الفرصة التي بقيت له لم يُوفتّها. لم يستكنف بيع السجائر بالتقسيط ليعيش مادام بعض الطلبة يمارسونه.

* المعاناة من أجل طلب العلم

وبسبب نظام الأكل الذي اعتاده في المدشر وفي (الخيرية الإسلامية) وعند خاله اعتاد بطنه على نظام واحد، القطاني من فول وعدس... وذلك كان يسبب حرجا أمام أصدقائه... ويخاطب كرشه "والله يا يمَّاك وتغرغر دابا حتى نشرك بوك" (ص10). وكان قد خطط لصرف منحته على النحو الذي يخول له عبور ما بين المنحتين، ليبدأ دوّامة أخرى من الصّراع المرير مع الجوع والفاقة.. لذلك كان طالبا نجيبا مجدّا ومنضبطا... ولحبه الكبير لمهنة المحاماة جعله يبدع في تعلم فنّ الكلام.ّ.

* رحمة

وإطلاق الكاتب اسم رحمة على الأم، لأنها رمز للحنان والودّ والصفاء.. وموتها كان صدمة كبيرة لإدريس، ومن ثمة اكتمل يتمه وهو في عزّ الشباب.. "لقد رحلت وتوارت تحت التراب، بكى لفراقها وفقد حنانها..."(ص121) وهناك أصيب بإحباط وظل وحيدا يصارع اكتئابه وحسراته.. في (المدشر). والحلم الذي ضاع.. رغم ذلك لن أيأس، "ربّما يولد من المعاناة بريق أمل".(ص124). فهو يكافح جميع أهل الدوار الذين يسهرون في تدخين الكيف.

الأمّ التي لم تكن تفرق بين درهم وعشرة أو أربعة، وكان مشغلوها يستغلون سذاجتها ليستخدموها بأبخس الأثمان... ولذلك تحملت الإهانة، والسب، والشتم، وحتى تحرش "الضباع"..(ص35). أمام إصرارها على بيع أرضها لتعول أبناءها، وعلى ابنها إدريس ليكمل دراسته، ولو باللجوء إلى "المخزن". فإن الوكالة الموقعة ببصمة إبهامها والمطلية بروث البقر.. وبفعل ظنك العيش وأعباء تحصيل الرزق والعمل في حقول "إقطاعي" الدوار.. فإنها تأتي عليها حالة تسب جميع السكان (المدشر) وعلى رأسهم (الفقيه) ومرورا (بعليلو) العدوين اللدودين لعائلة سيموحمّاذ.. فهي المرأة التي تكافح وتناضل دون كلل.

في معرض الحديث عن رحمة يقول الخال: "بقاي ديري شوية د الحنة الله يهديك... واه؟ واش هادو يدين ولا فيسان (معاول)".(ص53) وهذا سبّ وشتم في حق أخته، متناسيا أنها صارت من كثرة الشقاء والعمل في حقول الإقطاعيين في (المدشر). وهي دائمة الحديث عن ابنها إدريس بمناسبة وبغير مناسبة.. "وَلْدي عْطاوْه مسكين جَدارْمِي ومَبْغاش.."(ص48).. وترد عليها خديديج: "ولدك آرحمة سنانو طاحو غير بكازا والكيف".(ص49) ويُقال في المدشر: "إن رحمة أصيبت ب"فقصة" في أيامها الأخيرة شديدة... خانتها صحتها التي كانت رأسمالها الوحيد..." (ص117). وبقيت مقعدة الفراش إلى أن وافتها المنية.

وكانت فلسفتها في الحياة: "العمر أقصر من أن تضيعه في الإصغاء لتفاهة الآخرين" (ص79). وعندما تداعب ابنها إدريس كانت تقول له: "إن الخنزير لا يتفرغ للحفر واللغط من ورائه" وكان يرد عليها: "دابا الوالدة واش عندك الراجل ولا الحلوف؟" فتجيبه: " كل حلوف فعينين يماه غزال أولدي". (ص80)

* الحسن

صديق إدريس الحميم، مجاز في القانون لم يستطع استكمال دراسته العليا بسبب جو عائلته، فهو بدون عمل، ناضل وسط الطلاب أيام الدراسة. فطرد من السكن. أمّه عرّافة. يشتم الشهادة ويلعن المطبوعات، وانصهر في أشغال الرّعي "حتّى نسي أن قدميه وطأتا يوما أقسام المدرسة" (ص77). وكان (ولد الخمار) رجلا طيبا كالحسن، صادقا وخدوما. لم يكن يرّدّ لسموحمّاد أي طلب...

* العربي

لا يريد أن يخسر زوجته، لأنه يعرفها حين تفتح فاها لا يسكته أحد، فهو يخاف منها. مراوغ، وهو لا يفتأ يكذب على الكل، ولكن حين تتصل به زوجته خلسة يقول لها أحد الزملاء ".. ياك ا قالك فسيان؟ راه يديرها الكذاب لاخور". وهو كثير التشدق والبالغة، يعيش في جبة الغير، وهو يتصور أنه شخص (لاجودان)، ويظن أنه من الضباط الذي يعتمد عليه الجيش: "الكونونير" يوصي ويعاود راه ما يعرف يدير والو بيا..." (ص54)

* الزوهرة   

هذه الزوجة لها وجهان، حين يأتي العربي بإدريس من (المدشر) ليقيم عندهما لمتابعة الدراسة تنهض في وجه زوجها، وتفتح فاها صائحة: "...جمع شطايطك آش كاتساين؟(ص55) ولكن بمجرد ما عرفت بأن المال الذي أتى به من طرف والدة إدريس والذي باعت قطعة أرضية، تتحول من النقيض إلى النقيض، ويصبح إدريس ذلك الشاب المرحب به: "مرحبااااااااا وأف مرحبا... إيلا ما هزات الدار نهزوك فوق ريوسنا أسيدي..." يجيبها إدريس في صمت: "اولاد الكلااااااااب... فلوس الأرض وما دير!" (ص56). وهي ما تفتأ تقول لزوجها: "واش مازال ما بغاش يعهفو عليك الله من الكذوب المسخوط؟..(ص61)

 * العربي والعطاشة

يكون العربي في خلاف تام هو وزوجته، فهو يتهمها بالزنا مع ابن أختها إدريس، حين رآها قد أقلبت ظهر المجن أمام ما كانت تحدق عليه: "ياك ما كان كيبرد ليك السواكن وأنا ما فخبرايش؟ أدوي السلكوطة.." فتجيبه على الفور ودون انتظار.. "السلكوطة هي أمك".(ص63). وحين يقوم إدريس بالتمرد على السيد المكلف بالأعمال بالورش في البناء، الذي يلعن ويسب والده (سيموحمّاذ) يثور إدريس ويقول: "..إلا أن تشتم والدي وهو في دار البقاء يا ابن الباغية... لنكحتك يا وجه الكلب"(ص82،83). ولكن كان هؤلاء العمال من (الزوافريا) ينتظرون إشارة من طرف رب الورش. ويتحرك الجنس في أجساد هؤلاء (العطاشة) وهم المكبوتون، ويسيل لعابهم لهذه الوجبة الدسمة التي أتت إليهم من دون ميعاد. "اليوم سيروون ظمأهم." لقد قال إنه سينكحني هذا "العروبي" الزنديق... "ها هو ذا بين أيديكم، أروني فيه قدرتكم وفحولتكم.."(ص83).

ويرسم الكاتب (لعليلو) رسما (كاريكورتيا) وهو المتعلق بفقيه المسجد، "فهو يقضي معظم وقته "مدليا" خصيتيه على حصيرة مهترئ كالحمار.." (ص24) هنا أسلوب سخرية ممزوجة بحقد دفين على شخصية (عليلو).

4- تيمة الحب الجنس

* حنان

كانت حنان _واختيار الاسم له دلالة_ تشعر أن إدريس يعاني الوحدة، وهو يعوضها عمّا فاتها من حنان الوالدين. ولكنها عاشت مرارة الفراق كذلك. "كانت حنان فتاة خجولة مكتملة الأنوثة" (ص112) استطاعت برقتها وأحاسيسها المرهفة أن تنتشل صديقها إدريس من عالم الأحزان. تكلّلت السنوات الجامعية لإدريس بالنجاح معها. كانا قد قررا التسجيل في السلك الثالث، واجتياز كل المباريات.

 ولكن إدريس انقطعت الأواصر بينه وبين حنان، فانقطعت أخباره فلم يعد له أثر، وعندما طالت غيبته في (المدشر) بسبب وفاة أمه، انتظرت حنان ولم يبق أمامها سوى الموافقة على اقتراح الزواج من الشاب الذي تقدم لها بعد التخرج من مركز تكوين المعلمين.

5- الصراع والبناء الدرامي

 لكي ينمو الفعل في النص لروائي، لا بد أن يقوم بين الشخصيات "صراع حول أمر ما، قد يكون مبدأ خلقيا أو قضية اجتماعية أو طموحا شخصيا".(3) فالصراع هو المحرك الأساس للفعل الدرامي. وهو من المقومات الضرورية للشخصية.. وبدون هذا الصراع الذي يؤكد وجود الشخصية ويميزها تظل الشخصية (مسطحة). لأنها ستفتقر لأهم مقوم فيها. والكاتب الروائي عندما يترك شخصياته تسير في اتجاهات متوازية، أي لا يصادمها مع بعضها، أو مع الواقع، أو الوسط، فإنه يعرض عمله للسكونية وعدم الإثارة التي تنبعث من اصطدام الشخصية بالمؤثرات التي تحفزها على الفعل. ويضمن للعمل الروائي حيويته وديناميته. ونظرا لأهمية الصراع مبدأ عاما في الحياة، فإن (هرقليطس) كان يقول "بأن الصراع لو انتهى لانتهى العالم، وأن كل شيء في صيرورة دائمة". (4)

6- الخطاب الديني

 (الفقيه) ومن يلف لفّه هو عامل الشر في هذه الرواية، فهو فقيه جامع (المدشر) والذي يمثل السلطة الدينية والسلطة السياسية، وينافق الجميع، "أرا فلوس القراية... راه من الصباح وحلقي خارج." ويجيبه ّإدريس، يخلص الله آ الفقيه. (ص71) لا يعمل شيئا بالمجان. وهو و(عليلو) الذي يلازمه كظله، المهووس به. وعندما يموت (سموحماذ) يظهر أسفا وحزنا عليه نفاقا وتظاهرا... فهو لا يفوت فرصة دون الركوب عليها لاستمالة ضعفاء الحال بكل بشاعة. يأتي سكان (المدشر) ببهيمة "شارفة"يذبحونها. ثم يقولون: إن هذه المساعدة أتتهم من "سعادة" الرئيس... لأجل التصويت في الانتخابات المقبلة.. ولن يكون لغير رئيسهم، ثم يوهمون الناس بأنهم "لا يرجون منها سوى ابتغاء مرضاة الله". (ص74) و(عليلو) وأصحابه ما يفتون يشيدون بين سكان (المدشر) ببركة (الفقيه) ويذمّون المستشفيات وأتعابها الكثيرة.

 ومن يتكلم عن (الفقيه) بسوء أو بفظاظة ويكون الرد عليه: "...الفقيه ما معاهش للعب... والله حتى نحش للقح... د ياه الركابي بالدعاوي."(ص25) ولما تزور رحمة (الفقيه) يقف (عليلو) لها بحزم.. "الدوا آبنت عمي عبسام ما يكنوشي بالبيض د (الحراصة).. الفقيه خاصو الصحيح، خاصو المال أ مراة سموحماذ.."(ص28).

7- اللغة في الرواية

* الحوار

من أوصاف الحوار الجيد، أن يكون موضوعيا فعالا وغائيا شائقا، نابعا من أبعاد الشخصية الروائية، وأن يتجاوب مع طبيعتها وموقفها، حتى لا تتحول إلى بوق يردد آراء الكاتب ومواقفه. وأن يكون مصاغا وفق ما تتطلبه الحركة العامة للنص، كما ينبغي أن يتسم بالحيوية والقدرة على الإيحاء. فلا يظل على وتيرة أو إيقاع واحد، حتى يستطيع أن يؤثر في المتلقي، ويشوقه إلى متابعته إلى نهايته.

 لقد اتسمت اللغة في هذه الرواية، إلى غاية الفصل العاشر، بطول الجمل والإفاضات، و لاسيما في المواقف التي تنحو إلى التفسيرية والخطابية، مما جعل الفعل الروائي في كثير من الأحيان يتصف بالسكون والاستقرار.

* أسلوب السخرية

يكثر الكاتب في أسلوبه من التورية، وهو الإتْيَان بِلَفْظ له مَعنَيان، مَعْنى قَرِيب ظَاهِر غَير مَقصُود، وَمَعْنى بَعِيد خَفِيّ هو المقْصود. مثال ذلك عندما يتحدث أحد الأشخاص بتهكم وبسخرية مع المختار على (سيموحمّاذ) بأنه لم يجد من يعينه، ولا من يعيره أدوات الفلاحة يقول آخر: "باركا عليه الحرث رحمة... آش بغا بالفلاحة؟ الفلاحة خاصها الريجال المختار.." (ص25). وعندما يسمع الجميع أن (سيموحمّاذ) لا يلد غير البنات وليس عنده ذكر يرثه: "وماذا سيرث منه؟ الزلط؟" (ص15). ويقول ثالث: "لقد فاته الغرس قبل مارس".

وعندما يبدأ الموسم الدراسي، يدخل إدريس القسم أول مرة، فيرحب به التلاميذ كأنه عريس: "الصلاة والسلاااااااام على رسول لله... إيلا جاه جاه سيدنا محمد... الله معا الجاه العالي"(ص37). ومنهم من أقرانه من التلاميذ من يلقبونه ب"الوالد" لكبر سنه. ويسأله معلم (المدشر): ما اسمك يا عمّي؟ لوقاره، فيجيب في هدوء: إسمي إدريس بن (سموحمّاذ) من التْشَّار (...) السّي. فلمّا يُسأل عن عمره في أفناه فيجيب بباسطة: "آه... التشارد الضياع". قل! وأين كنت طول هذه المدة حتى فاتك وقت التسجيل؟ ويجيب: "كنت أرعى الغنم والبقر والماعز.." ويندهش المعلم لما سمعه من هذا التلميذ.

ولما ينظر مدير مدرسة في ملف إدريس نظرة يقول مندهشا: "هذا آلشريفة راجل تبرك الله، خاصو يخدم بالفاس... ماشي يتقيد ف المدرسة" (ص35). ويحسب إدريس بأنه قال لها يذهب به إلى فاس، فنظر إلى أمه وقال: لماذا تبكين يا أمّي؟ الم تسمعي أن الرجل قال إنني سأشتغل في فاس؟ (ص35) التضاد بين (بِفَاس) المدينة المغربية والفَأْس الأداة المعروفة للحفر.

ولما يُطرد للمرة الثانية من المؤسسة التعليمة قال لوالده: "طردوني الوالد... راه كنا كنا ناضلو..."(ص43) وقال له والده في غمزة "شكون اللي ناضلو أولد الحرام؟ ها؟ اهدر آ بالكيدار لاخور... واش أنا صيفطتك تقرا ولا تقابل اللي ناضلو (ص43). وهنا كناية عن الانتصاب.

ولما تضيق عليه السبل، يلتجأ إدريس إلى شخص كان يعرف والده، ويتسلح في طريقه بأنواع من الأسلحة، لأن الوصول إليه تكون ليلا: "كبوفنتشيل" وسكين "بنقشة"... كان كل من رآه على هذا الحال يظن أنه في طريق إلى غزوة كبرى، من أجل فتح "تاينزة"، و"ايسلان"، وغمارة" أو "كتامة" (ص87). وعندما يخيب ظنه في ما قصده إليه يتبول على فراش الذي ضيفوه وسخرون منه، حين شبه أحدهم يديه بيده العروس، ويعود إلى (مدشر الضياع) خاوي الوفاض.

 وبعدما يقنع "الحسن" إدريس بالعودة إلى المدرسة يتأمل أهل المدشر فيقول في غمّ: "يأكلون كل شيء، وينكحون أي شيء، حيوانا أو جمادا حتى..." (ص78). ولما يلتجئ إلى (مدشر) آخر للبحث عن عمل، تنظر فتياته خلف النافذة فتقول أحداهن: "آ يمّا، هاد الوّد جا يخطب واقيلا ياخ... فتجيبوها أمها: "جَا يَخْرا هاد الكنس النّاقص.."(ص88) ويشير الرجل أثناء السهر مع إدريس خارج البيت: "القضية عيانة هاد العام والوقت خارية مزيان... كاين ع المازوزي، وحتى هو قليل.."(ص90) وينصح إدريس بالرجوع إلى أهله ويرى العمل لأن الحفر بالآبار عمل صعب.

* اللغة الصادمة

هناك من الكتاب من يعتني بلغة روايته وبتزينها وتجذيبها من كل الكلمات النابية والصادمة، لكن مع كاتبنا مصطفى الجرتيني، يصرح منذ البداية بأنه ستكون لغته صادمة ونابية، ولا يختار ها "بل هي من تختار نفسها.. وحتى وإن أردت اختارها فلن أستطيع" (ص5) وكأننا أمام كاتب يكتب ولا يحتار في أمره مع كلماته ومفرداته وأسلوبه. ويعرف بأن الكلمة هي الأسلوب...

يقول (سيمُوحمّاذ) في لغة صادمة: "أولاد الكلاب هؤلاء... إنهم لا يكفون عن مضايقتي ليل نهار... لا ادري ماذا فعلت لهم، هل ضاجعت أمهاتهم أم ماذا؟". (ص17) المضاجعة، كلمة نابية يقولها في معرض كلامه عن من يشير له بسوء. ويردف قائلا:"سأريكم الكشكوكة، يا أبناء الزنا جميعا... لا تستعجلوا".(ن،ص) يقولها عندما يعترض أحدهم عن عدم إنجاب الذكور. ويضيف"لن أصلي خلف فقيه زان... وعندما يلج المسجد، يأخذ سبحته ويشرع في الكذب على الناس.." (ن،ص) فالأب يتهم الفقيه بالزنا، والفقيه يكيل التهم على عواهنه ل(سيموحمّاذ). يقول أحد الجيران: "واش هادا (سيموحماذ )ولا كذبت. فيعري الأب على عورته قائلا: "ها البركة أولاد الق..."(ص18). وعندما سمع أن سكان المدشر ما قاله المختار قال: "الله ينعل جد بوهم الكلب... لقد بعت رزقي منذ أيام لأحد سكان الدوار المجاور". ويقول: "أولاد تسعط رهط... قالوا اليك ووالله شي واحد ما ما يشري منك!"(ص20).

وحين يريد (العربي) أن يتودد عند زوجته في أن تمده بمبلغ من المال لشراء الكيف.. "ما نجابت الصايار: (وهي تشير إليه بإصبعها الأوسط): "ها الصايار... ها هو"(ص30).

 وعندما يريد أن يسمي ابنه في العقيقة يقول لزوجته"...باباك كان عا شفار.." (ص24) وإن رصدتها عيون المجتمع الصغير في "كاميرات المراقبة" فيقول "تجمع خراءها شرويط"(ص36). وعندما تمّل (رحمة) من الأشغال في البيت، والعمل عند الأسياد في (المشدر) تنتفض في عصبية في وجه هؤلاء القوم التي استغلوها هي و(سموحمّاذ) كل هذه الأعوام وهي صامتة.. "ما حشمتوش يا وجوه الذل؟ عيشتوه في الجحيم حياتو كاملة ودابا باغين ديرو ليه الحفلة! لعنة الله عليك. (ص72)

 وحين يطرد إدريس من "الخيرية الإسلامية" وتسد الأبواب في وجهه، يقول الأب للأم سنرسله عند بعض (الجوامع) لكي يتعلم القرآن.. وتنتفض في وجهه "ولله لا كانت ليك... حتى نسيفط ولدي يحنّش ف الجوامع ويجيب لك باش نشري الكيف."(ص32). ولمّا تعيش (الحكرة) الداخلية ونيران المحيط تثور في وجه (سيموحمّاذ)، "أنا ولدي نخمس عليه ونقريه... ما بغيتش نبقى ضحكة للشمايت... الشماتة الكبير... آ قليل النفس."(ص32).

فرجال الشرّ وأعداء (سيموحمّاذ) مافتئوا يصيحون بنصر (الفقيه) وعلى من عاداه، ويُعلون بالجامع الذي يؤدون في الصلاة، في كناية على الفقيه. وعندما يُكلّف ولد الخمار أن يتوسط بين (سيموحمّاذ) وبين جماعته فيرد ولد الخمار: "والو آسموحمّاذ... حلفت عليك الجماعة... هذا جهدي أجاري". ويرد عليه هذا الأخير: "آودي ربّي كبير... الله يخلف على الرجال ويبعد عنا الشمايت..(ص26)

8- المكان في الرواية

غالبا ما يحدد المؤلف المكان الروائي، أو يأتي في سياق حوار الشخصيات. إلا أنّنا لاحظنا أن الأماكن في هذه الرواية (مدشر الضياع) التي تجري فيها هذه الأحداث، إما مكان مغلق، أو مكان شبه مغلق. وهذان المكانان بنوعيها ينتميان إلى حقول دلالية متنوعة، منها الاجتماعي، والديني، والسياسي، والثقافي الحضاري.. إلا أن أحيانا الإشارة التي يرسلها المكان تعبر عن مفارقة بين الشخصية والمكان.

وأول ما تبدأ الرواية به بيوم بارد فيها الأمطار تصر على إغراق الدوار، "لا أحد يجرؤ على مغادرة بيته. كل السكان مقرفصون حول "الكانون" لتدفئة أضلعهم المتجمدة" (ص11). وحماية الناس أنفسهم تتمّ ضدّ قوة الطبيعة. ويقول الانسليون بأن الجملة الأولى التي يبدأ بها السّرد في الرواية هي التي تكون المبدأ التي تسير باقي السرد إلى النهاية.

والملاحظ أن الكثير من الأماكن تكون مغلقة: كالمسجد، والزاوية، وبيت سيموحمّاذ، والدوار، والمستوصف الذي يرسو فيها كل سنة التلقيح المجاني. والمسجد تكثر فيه النميمة والبهتان من طرف (فقيه) المسجد ومساعده (عليلو) الذي ما فتئ يقول عنه، فكل نساء الدوار يقصدنه فيشفين على الفور. "بركته تتجاوز "بركة" المستشفيات العمومية، وأتعابه ليست كثيرة".(ص26)

أما سيموحمّاذ فيقول عنه: "أتريدني أن أرتاد مسجد الدوار؟...لن أصلي خلف فقيه زان..."(ص15) ويُعرّه الناس الذين يصلون وراءه، ونساءهم يرتدن أماكن أخرى يا معشر البهائم. ولكن (فطيطم) كانت على علم بكل ما يروج بكواليس المسجد عن طريق زوجها. بأن (سيوحمّاذ) كشف عن (أريه).. وأخبرت تفاصيل عن رفض (الفقيه) علاج ابنه إدريس، وما تعرضت له من استفزاز من طرف (عليلو)، وقالت له: إنه لم يعد له مكان بين الجماعة.

وكلمة الدوار تتردد الكثير من المرات للدلالة على سلبية شخصية (سيموحمّاذ)، الذي أصبح مثلا للتنكيت والتوبيخ، لأنه لم يلد سوى البنات وليس له ذكر. ولكنه ما ولد له ذكر أصبح يمشي لأول مرة في أرض الدوار مزهوا مختبرا. وفي ليلة الحفل، توجه نحو منزل البراح ليطلب منه إشعار أهل الدوار بحلول حفل العقيقة(ص19).

وإذ يصل إدريس إلى الدوار يصادف جنازة "رجل". وأثناء مروره بجوار الطريق المحاذي لمقبرة الدوار، والمؤدي إلى منزلهم، تبين أن الأصوات التي تردد "لا إله إلا الله سموحماذ عباه الله" يدرك أن أباه آنئذ هو الذي مات.

وكان (عليلو) يصرح بأنه يعشق الفقيه ومعه (الجامع دياليا)، عند ذلك يصرخ من شدة الفرح: الله ينصر (الفقيه) على من عاداه، نكاية في (سيموحمّاذ). وعُرف (عليلو) عنه في الدوار، إنسان كسول وثرثار، شغله الشاغل هو تقصي أخبار الناس وعرضها على رواد المسجد لمناقشتها، والتشفي فيهم.

وممّا أقلق (رحمة) في الدوار، هو أثناء أفرغت ما في جعبتها من أكاذيب على ولدها إدريس، حين قالت بأنه لم يقبل بوظيفة (الجندرمة). وعندما أفاضت بها الكيل واجهت زوجها بكل عنف "اهدر آلجرو بالجرو لاخور... عجباتك هاد الشوهة؟ ها؟ وسختيني ووسخت ولادك قدام الناس دالحومة!"(ص29). وعندما يصّمّم العزم على بيع قطعة أرضية صغيرة للغير، كان قد ورثها عن أبيه يعارضه من أهل (المدشر). وعندما يأتي موسم الحرث، لن يجد في يده (الحمارة) والبقرة اللتّان سبق أن باعهما، آنئذ يعرف الزلة التي وقع فيها.

والأرض تأتي تكرارا في الرواية، لأنها هي البؤرة التي تشتد حولها الخصومة بين (رحمة) وأخوتها، وبين (رحمة) وزوجها، وحين تريد أن تبيعها للحصول على مصاريف لإدريس، يقوم أحد الإخوة "اﻷرض إلى ما تشرات ما تباع الشريفة."(ص52) ويضيف "وحنا اللّي كنحكمُو... فين عمرك شفتي شي مْرَا كاتبيع الأرض؟" وهذا محال في عرف أهل (المدشر). ولكن أمام إصرار (رحمة) على بيع أرضها، تقف لهم بالمرصاد ولو التجأت إلى (المخرن). ويأتي أحد الأخوة بحيلة فتبيعها له، يقول لها: بأنه بمجرد ما ينتهي من بناءها حتى يُخصّص لابنها بيتا من هذه الأرض.

والدكان، مكان كان يتردد عليه إدريس ليأخذ حاجياته من المعيشة، ولذلك استيقظ باكرا لكي لا يراه (باالمفضل) فيطالبه بالدين الذي عليه. هنا يبرز شظف العيش الذي كان عليه إدريس.

وكانت (رحمة) تفرح فرحا عامرا، حين تفتح الجامعة أبوابها لأن إدريس سيحقق حلمها، وخصوصا حين يتذكر جوّ الجامعة، وما كان يحدثه صديقه الحسن عن ظروف الامتحانات التي تكون في نهاية السنة. غير أن فرحتها لم تكتمل حين علمت أنه لم يكن باستطاعة أن يدفع المال، الذي هو مطالب به قبل الشروع في التداريب ليصير محاميّا. بل وعجزت عن إرساله ثانية إلى المدينة للاستكمال دراسته بالسلك الثالث.

* خاتمة

أتت رواية (مدشر الضيّاع) لمصطفى الجرتيني، لتعّري جوانب من المغرب العميق، وتكشف عن الخروقات التي يعيشها الناس البسطاء أمام سلط ما فتئت تفتري على السكان في الدوار. وأعوانها الذي يكذبون على الناس مقابل دراهم معدودة. وصور الدرس التعليمي في القرى والمداشر البعيدة، والجامعات ومشاكلها، والطبقة الفقيرة... واستغلال البسطاء من العمال في الأرض وفي البناء. إنه عالم مرّ، يسخر منه الكاتب بطريقته الخاصة، وكأنه يضحكنا ولكن يُبكينا.

 

د. معمر بختاوي

..........................

المصادر

1- نقلا عن محمد خطابي: لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، المركز الثقافي العربي، ط 1، 1991، بيروت، الدار البيضاء، ص 60 .

2 - إمبرتو إيكو: سيمياء العرض المسرحي، نقلا عن المرجع السابق، ص52 .

 3- د. عبد القادر القط: من فنون الأدب المسرحية. دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت،1978، ص24 .

4- نقلا عن د. عدنان رشيد: مسرح برشت، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1988، ص 62.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4163 المصادف: 2018-01-28 04:32:03