المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الخراب في رواية المراسيم القديمة للقاص والروائي وحيد غانم

nabil jamil2تعتمد رواية (المراسيم القديمة) لوحيد غانم في بنائها السردي على صوت واحد هو (الراوي، البطل) الذي نراه من خلال تصاعد وتيرة الأحداث وديمومتها، له معرفة كاملة بالشخصيات، رؤاهم الفكرية /هواجسهم/ معاملاتهم اليومية الحياتية / وتداعياتهم، بل وحتى استرجاع ذكرياتهم وحواراتهم مع الأموات، لذا نلاحظ بأن هناك احداث تروى على السنة مختلفة، صحيح انها متقاربة في ايصال نفس الصورة عن الهمّ الجماعي، الاّ ان طريقة انتقاء المفردات تختلف من شخصية الى أخرى، وخاصة التداخل الموجود في احاديث (سامية) مع (الدكتور جبّور)، وارشاداته لها رغم انه من الأموات، وهذه لعبة المؤلف في اتقان مثل هذا الجمال في السرد، والتفنن في رسم الشخصيات .

سلّم موسيقي شجي

1224 almarasimالراوي تمكن من ارسال اصوات الشخصيات دون تعقيد، فهو لم يجعل المسافة تسع بينه وبين شخصياته، وكذلك لم يتلاعب باللغة لتضيع منه الحكاية، بل اذاب روايته في سلّم موسيقي شجي، جعلت اسلوبه مرصوصاً بعناية، وهذا مؤشر على عدم تشظي السرد والإخلال بالحكاية الرئيسة، لذا كان واضحاً وهو يكشف الغطاء عن انفصال واتصال الأحداث في واقع يمثل هو جزءاً منه، كون (الراوي)  شاهداً ويسمح له التفرّد في سرد الأحداث . ومثلما هو معروف بأن السرد مرتبط بشخصية الراوي ورؤيته في تقديم : الحدث/ الشخصيات/ الزمان والمكان/ لذلك لابد ان تظهر العديد من التداخلات، سواء الجاذبة أو النافرة، والتي يهتم بها عدد من المؤلفين في استمرار العلاقة بين الشخصيات والراوي، حتى انهم يستخدمون الايهام والاسترجاع وتداخل الازمنة أو الغاؤها، وطبعاً هنا تكمن مقدرة كبيرة على استيعاب البنى المتممة لكتابة رواية ناجحة، بمعنى ان الراوي هو خالق ومصدر نِعَم والمروي له هو المتلقي لهذه الهبات.

من خلال عملية السرد يتضح بأن المؤلف انطلق من نقطة تحديد موقف من الدمار الذي لحق بالعراق بعد عام 2003، وهذا يعتبر الحدث الأهم، حيث ان موقف الأديب يحسب له الف حساب، تجاه التقلبات الدينية والأيديولوجية وغيرها، بعكس موقف السياسيين المريبين بصورة عامة، وقد اثبتت التجارب بأنهم يتطلعون بعين واحدة ومن أجل مصلحة خاصة، حيث يندر في هذا العصر وجود السياسي الوطني.

هناك العديد من العوامل والصراعات ساهمت بتأجيج العنف، سواء الخارجي أو الداخلي، وبذرت شرارة الفتنة والاقتتال في جسد العراق، فمن حروب ونزاعات خارجية الى حروب داخلية.. قتل/ تهجير/ استيلاء على عقارات واملاك/ غسل ادمغة/ شراء ذمم... الخ، أراد المؤلف الإشارة الى كل هذا الخراب، من خلال وخز القارئ بجملة حوارية أو وصف دقيق وواف. ولأنه لا يريد ان تكون روايته تقليدية دأب على التلميح فقط، ساعياً الى اشراك القارئ وجعله أحد الشخوص المساهمين في الأحداث .

وصف دقيق

وكناتج ضمني وجدت ان الحالة النفسية لكل شخصية هي الأقرب للتأويل، فهي تتدرج وحسب اشتغالات الراوي عليها، حيث تترك كل شخصية تأويلاً خاصاً بها، وان اندمجت في ذات الواقع، فشكلت مشهداً مكثفاً من مشهد الخراب الكبير، فنلاحظ التأويل والمقاربة من ناحية البيئة والحالة النفسية ومستوى الثقافة (ارتعش حاجباه وهو يتصل بالحاج مغمغماً بأسماء الأطباء الذين تمّت تصفيتهم من قبل مجهولين في الآونة الاخيرة) ص  136 .

ان هذا الوصف الدقيق يولد انطباعاً لدى القارئ بأنّ المؤلف استقى روايته من واقع مفتت، يحكمه قانون الغاب مجهول الغد ليبرهن انّ عراق مابعد  2003 صار مجهول المصير، تحوم حوله آفات تبتكر مشاجرات وصراعات يومية بغية تأجيل ربيعه القادم الذي ربما اذا حلّ سيساعد في ازدهار واستقرار نمط الحياة .

تدور الرواية في مكانين مختلفين، هما الصحراء والمدينة، لقد تعامل المؤلف مع بيئة وفضاء المدينة بطريقة تختلف عن تعامله مع اجواء الصحراء،  من خلال نقل الصورة المكانية واستخدام علامات دلالة خاصة لكل منهما، لكنه مازج بين الاثنين وقدّم عملاً مكتملاً، سواء في المكان الجزئي لكل بيئة أو الكلي لكليهما (وجدت نفسي اتريث هناك قبالة امتداد صحراوي لا آخر له . تلفحني زوابع الريح الرملية ولظى الشمس . هنا دارت الحرب، السواتر الأولى المدمّرة، مواضع محطّمة، مدفونة، كنت اسلّم نفسي لعوامل الخراب، متلقياً هباتها المظلمة) ص  98  .

لا أريد ان اتناول الرواية مكانياً، بقدر ما يمكنني من تناولها في الجانب النفسي، وتأثير ذلك على شخوصها وقرائها، صفاتهم حواراتهم طبائعهم وتنوع النظرات الى الواقع الجديد (ارتال جيوش الحلفاء التي تمتد وتتلوى كالحيّات طيلة اشهر، ففي اعقاب تلك الجحافل المدججة بدروع لامعة، انتشرت آلاف الجثث لجنود المحافظات والأعراب والحيوانات على مدّ النظر، ممزقة، متفحمة، ممتزجة بالآليات المنصهرة / لم نحظى بفرصة انتشالها) ص 5 . سرد بلسان الراوي وهو أحد الموظفين المخوّلين المهتمين بجمع بقايا رفات الجثث المطمورة في الصحراء، ووضعها بعد الترميز ببقايا العناوين ان وجدت في اكياس، ثم فرزها في المستودع بانتظار قدوم من يأتي للتعرف عليها لغرض التسليم، وهذا السارد يتصدر لسان حاله معظم احداث الرواية فنجده عليماً بكل الأحداث، يؤرخ احداث مدينته، البارزة منها والمخفية في خلجات الصدور، سواء من خلال ما يراه أو المدفون في دواخل الشخوص وخيالاتهم وانعكاسها المظلم على صفحات النفوس، شخصية الراوي لو تتبعناها لوجدناها.. غريبة الأطوار / مغلّفة بغبار رِمَم الموتى /شرود في الذهن /عدم الاهتمام بالمستقبل /لا يوجد لها مكان ثابت للاستقرار / العزوف عن الزواج / عزلة دائمة /كآبة وانطواء . نقرأ: (اكتشف مقدار الكآبة التي رشحت من السطور في مخاطبة تجارية عادية سبق لي طباعة ما يماثلها، كانت رسالة أليمة ملؤها الندم والحيرة، تنضح بتعبيراتها بالأسف ومحاولة تبرير اخطاء البشر) ص 14 . ونقرأ أيضاً على لسان الراوي (أثارني كلامه، قلت له، ربما يمنح وجودي بين الرفات ايحاءً بحلول لعنة أبدية عليّ) ص 148. وعندما تم ترك المستودع والانتقال الى المستشفى القديم على تخوم النجد وكان في اصله محجراً صحياً لمرضى السّل نقرأ ايضاً (كان المنظر يشبه مدرجاً قديماً تملؤه هياكل بشرية، بينما لسعني شعور بالحسد للشخص الذي عني بهذه البقايا) ص 150 .

ان شعور الراوي بأن هذا المكان هو مكانه من خلال نظرات الحسد التي المّت به لحظة مشاهدته القاعات الكبيرة وما بداخلها من عظام وجماجم وقد رصفت على رفوف خشنة عريضة بعناية فائقة، يوحي هذا الشعور بأن الراوي يريد للقارئ ان ينزل معه الى جحيم المدينة (اعتقد ان مشاعر امتلاك هذا المكان الكبير غمرتنا بالفخر) ص 151 . (كان نور سماء صحراوية قاحلة يغمرني فيما تخلل الهواء نسيم بارد مضيء . المكوث من جديد في مكان ناء لا يبعث احساساً بالعزلة) ص 160 . مرة اخرى يتحول مكان مقفر آخر معزول الى مكان طمأنينة وراحة نفسية ! أيّ راوٍ هذا ؟ يحاول ان يهضم عصارة موتى لمدينة منكوبة، كانت فيما مضى بوابة حلم المهاجرين، لكنها في الحروب القديمة كانت ممراً للغزاة ! بوابة جحيم ! بساحلها البحري وصحراءها الممتدة المفتوحة ثم صعوداً الى وسط وشمال البلاد، انها مدينة جاذبة للغزاة .

مشاهد مأساوية

في المستشفى القديم  يتخذ الراوي حجرة صغيرة مأوى له (اخترت السكن في حجرة صغيرة تطل على منبسط اخضرّ بالأشواك البرية، فهنا يمكن ان المح ظلاً لآثار البشر الذين لاقوا حتفهم، بستان الموبوئين الذين عزلوا عن العالم) ص 160 . نلاحظ ان الراوي وفي اكثر من مشهد يؤكد على نزوله في اعماق ظلام المدينة الخربة، ساحباً معه شخص القارئ لإيغاله اكثر في عمق ما تحويه الرواية من كآبة وغم وكبت ورماد، النظرة المأساوية التي كان يراها، وكأنه يزيل قشرة ثمرة فاسدة متلذذاً وبتروٍّ شديد ليرينا خراب ما تعرضت له مدينته محاولاً تذكيرنا بأن ما نسكنه من بيوت، هي عبارة عن جحور وممرات تؤدي الى ذات الجحيم، وهي ليست عوالم متخيلة بل واقع مرير، يفيض بشوارع سوداء وأشجار مقطوعة الرؤوس وسماء بلا غيوم، قسوة بكل ما تحمله هذه المفردة من معنى، أراد ان يوقظنا من السبات، ليعرّفنا على ماكنّا عنهم غافلين وموهومين، من ارتال لجيوش الحلفاء وقادة جاؤوا معهم على ظهور الدبابات، يؤسس لنا مرثية التئام ولمّ شمل واهن، انزياح نحو غموض غلّف كل شيء، وأغلق كل البوابات، إلاّ بوابة اليأس والسقم، بوابة الجحيم، يرغمنا على الانصات لدبيب الموت الزاحف وحفيف حركاته، وهو يلف المدينة، يدعونا للتكيّف معه (هل تراهم ؟ أهم في توابيت ؟ آ ... جسمي يرتجف لذكرهم .. انت تذكرني بمامون ! وعندما أسألها من يكون فإنها ترد بعد لحظة صمت " الأمير ! الأمير مامون .. محب الموتى ! كان هنا ذات يوم وراء النهر، الى هذا الحد لا تطيق عشرة احد؟) ص 23 . لا تشبيه آخر الى هذا التوق سوى ان الراوي يشبّه نفسه بمامون أو هو مامون حسب ما همس له الدكتور جبّور في ص 166 (لا تقس عليها مامون ! ايها الساقط ! عدني!) .

رواية دائرية

المراسيم القديمة رواية دائرية تقرأ من أيّ صفحة نختارها، فهي حدث مستمر واحد، تجمع بين الماضي والحاضر، فهناك أحياء وأموات يتكلمون ويتناقشون ويأخذون بآراء بعضهم، ظلال وارفة على فضاء مزدحم بالآهات، مرضى وجوعى محرومون وأيتام.. لحن متعاقب تخاله وهماً أحياناً، وأخرى حقيقة، ضمن نظرية الخراب العراقي المتواصل والدائر حول محور الخطيئة الذي خلّفته الحروب .

(فنسير بين خرائب مهدّمة، وتحييني أشباح الحمّالين، بأصابع متلظية، وفي بعض الأحيان يتمهلون ويلقون اليّ بعظمة ذات شكل غريب، وبينما كان ملمس العظام يريحني أشعر بسلطتي المطلقة إذ ينتشر وعيي في الغبار السحيق، في حين تمضي سامية الى جانبي وهي تميل نحوي هامسة، " هل ترى حبيبي .. لقد شفاك الدكتور جبّور ! ") ص 167  .

انها خاتمة الموت، خاتمة رحلة ساهمت بها اللغة الشعرية العالية، والتي تعد من أبرز الصلات والوشائج في مسار السرد الحديث على تجرّع (المراسيم القديمة)، وذلك بسبب ما تتركهُ من آثار وإرهاصات حزن مغبرّ، والذي يعد المهيمن الرئيس على جوّ الرواية، فهي رواية تستحق ان تسمى وبجدارة انشودة موت.

 

نبيل جميل - البصرة

.....................

• المراسيم القديمة: رواية للقاص والروائي وحيد غانم . صدرت عن دار تموز دمشق/ ضمن اصدارات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين في البصرة  2014.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحليل موضوعي، يتعرض للشخصيات وللزمن والمكان في قليل من المفردات.. شكرا لك.

معمر بختاوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ معمر بختاوي انحني تقديرا لرأيكم سيدي الكريم . دمت بالف خير . تحياتي

نبيل جميل
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4170 المصادف: 2018-02-04 01:39:13