المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

العراق بين الماضي والحاضر بعيون خاتون بغداد

1227 hadilأول ما يطالعنا في رواية خاتون بغداد للكاتب شاكر نوري عنوانها، حيث يقصد الكاتب بكلمة خاتون أو الخاتون نساء الطبقة الراقية في عهد الاحتلال العثماني للعراق، وما بعده من القرن الماضي. لكنه يقصد من الكلمة في روايته (مس بيل)، حيث زينة صورتها غلاف الرواية. وهي شخصية اكتسبت أهميتها في المجتمع العراقي لشدة اندماجها فيه وتأثيرها الكبير عليه.

 الرواية تمثل التاريخ وتحاكي أحداثه. رواية كُتبت عن التاريخ وكأنها توثق لفترة قديمة من تاريخ العراق، المتمثلة بانتهاء الحكم العثماني واحتلاله، ووضع البلاد تحت سيطرة الانتداب البريطاني واحتلاله. لكنها كُتبت بروح روائية ميزتها عن الوثائق والكتب التاريخية. تدور أحداث الرواية حول (مس بيل) أو (صانعة الملوك) أو (راسمة الحدود) أو (خاتون بغداد)، تلك الانكليزية التي عشقت الشرق والروح الكامنة فيه، خاصة بغداد، عشقت بلاد الرافدين وفُتنت بها وبأساطيرها وحكاياتها، فجاءت لتعمل كسكرتيرة للمندوب السامي واستقرت في بغداد، كان هدفها الاساس هو البحث والتنقيب عن هذه البلاد وآثارها وجمالها. تقدم الرواية مس بيل كشخصية مميزة ومثيرة للجدل، كيف اندمجت بتاريخ العراق وكانت جزءا منه، حبها وشغفها للبلاد والشعب وسعيها للحفاظ على البلد وآثاره وخدماتها التي تمثلت أهمها بالمكتبة الوطنية والمتحف الذي حوى كل الآثار التي جمعتها ونقبت عنها، ومع هذا هي مبعوثة لتمثل الغرب، تلك الدولة المحتلة التي قضت على الحكم العثماني وحلت محله، ليس محبة للبلاد بل خدمة لمصالحها. كانت خاتون بغداد الحلقة التي جمعت بين الغرب والشرق.

تشير الرواية إلى الصراع الذي كانت تعيشه الخاتون، بين عملها ومحبتها لهذه البلاد، بين تنفيذها لما يصدر من الخارج ومحبتها في صنع كتلة عراقية في الداخل. تقدم صورة عن الخاتون بنصفيها البريطاني والعراقي.

الرواية سلسة لغتها سهلة وبسيطة، الشخصية الرئيسة فيها هي خاتون بغداد، توجد شخصيات ثانوية معها لكن المحور الرئيس للرواية هي وحياتها وانجازاتها وصراعاتها.

 تُروى الرواية بأكثر من صوت، لكن يبقى صوت (مس بيل) هو الظاهر والمهيمن على الرواية، ثمة سارد عليم يروي، لكنه يظهر تارة ويختفي تارة أُخرى؛ ليترك المجال الرحب في السرد للخاتون، لتتحدث بلسانها، فتظهر وكأن هذه هي حياتها الفعلية بكل ما تعيشه، وكأنها تروي لنا سيرتها الشخصية، ترويها هي ويكتبها آخر. وإذا ما نظرنا إلى المكان، سنجد ثلاثة أماكن كانت هي الأبرز والأكثر تأثيرًا في حياة الخاتون، تمثلت هذه الأماكن بدول ثلاث، لندن وإيران وبغداد، كل منها كان لها وجود وحضور داخل حياة الخاتون وروحها، كل مكان منهم ترك بصمة وأثر في الشخصية، لندن كانت في الرواية مثال للمكان المحبب الاليف الذي جاءت منه الخاتون، موطنها الأصلي، ثم تحول فيما بعد للغربة والخوف المتمثل بصرامة الاب في تعامله مع ابنته، كانت لندن هي بمثابة ركن الحزن الذي لطالما ابتعدت عنه (مس بيل) وأكدت على عدم رغبتها في العودة اليه، لأنها اكتشفت ان دولتها لم تحقق ما وعدت به لأهل العراق فكان حالها حال اي محتل، هنا أدركت ان مدينتها أصبحت رمزا للخداع، فضلا عن صرامة الاب وقسوته عندما منعها من الارتباط بمن تحب. بغداد هي المكان الثاني الذي مثل روح الخاتون وجمال الشرق وسحر حكايات الف ليلة وليلة، تلك المدينة التي وجدت نفسها فيها، بدأت بغداد كمكان محبب تتطلع للقاءه الخاتون، وحافظت على مكانتها في روح الخاتون، بقيت المكان الذي شعرت فيه بالمحبة والالفة، حتى انتهت حياتها فكان مكان موتها ودفنها. اما المكان الثالث فتمثل في إيران، البلد التي جمعتها بمن تحب وعاشت اجمل اوقاتها معه، فكانت مكان الالفة والحب والحياة. وثمة مكانين، رغم انها ثانوية، إلا أنها مثلت الحزن لمس بيل، (بحيرة لار) التي كانت سبب وفاة حبيبها الأول، والثاني (مقبرة غاليبولي) التي ضمت قبر حبيبها الثاني.

اما الزمان فنلاحظ امتداده من الماضي إلى الحاضر، والتنقل فيما بينهم من خلال الرواية بصورة توحي لك بالاستمرار في الاحداث دون ارباك او انقطاع، وكأن الماضي يعود للحاضر بصور اخرى، الاحتلال يكرر نفسه، وعبارات المحتل ذاتها، الصحفي القادم بعد وفاة مس بيل يقابل فيرناندو القادم بعد الاحتلال الاخير لمعرفة احوال المكتبة الوطنية والبحث في سبب حريقها وتلف مافيها. سنجد استرجاع للزمن من خلال ست شخصيات تبحث عن مس بيل في الحاضر الممتد من الماضي، وان الزمن المستمر من الماضي من خلالهم هو امتداد لذكر الخاتون الممتد عبر الاجيال، وكأنها اشارة للتذكير بأهمية هذه المرأة وأهمية انجازاتها للبلاد، والتي لا احد يذكر منها سوى انها كانت مع المحتل وقسمت البلاد ورسمت الحدود وعينت الملك وفق ما تريد دولتها. وثمة فصل في الرواية الحديث فيه مستمر ومتصل دون توقف او اي علامة للترقيم، الحديث هو لهؤلاء الستة وهم في حانة، يتبادلون الاحاديث من الماضي للحاضر، يقترحون ويقدمون صور عن الخاتون في الماضي، يتحدثون عن حال البلاد بعد الاحتلال، عن اماكنه الاثرية والمهمة، يطرحون تساؤلات عن اوضاع البلاد، ويقدمون صورا لما حل بها، وكأنها اشارة لاستمرار الحياة العبثية في هذه البلاد، والحانة هي الصورة المصغرة من البلد والأشخاص هم حالة الشعب الذي ثمل وفقد عقله من كثر ما اصاب البلاد من ويلات ومصائب.

في الرواية اشارات لأحوال البلاد وما يمر على العراق منذ أن تأسس وحتى الاحتلال الاخير وسقوط النظام، وثمة انتقادات لبعض الظواهر الموجودة في المجتمع. تقدم صورا عن احداث البلاد بعيدا عن روح الموت واليأس والحروب، وكأنها تريد أن تقول للقارئ، أن العراق بلد الحياة وما حدث فيه هي اشياء ثانوية ستزول وإن طالت.

 قدمت الرواية بغداد من خلال الخاتون بأبهى صورة، تلك الجميلة التي مهما انحنت ستقف، ومهما مرت بالموت ستحيا، رغم كل المرات التي أُحتلَّت فيها وعانت إلا انها تعود مره اخرى للحياة، وإشارة العنقاء التي شُبهت بغداد فيها بالرواية دليل على ان هذه البلاد في تجدد مستمر، وفي كل موت تنهض من جديد، صورة للحياة التي تولد من ركام الموت. سنجد في الرواية وصف للمجتمع العراقي وطبقاته، وللعراقيين انفسهم بكل أطياف هذا الشعب، وللأماكن المهمة والأثرية الموجودة في بغداد.

 بدأت الرواية بخاتون بغداد في الماضي، واستمرت بالخاتون حاضرًا مستمرًا باستمرار حياة هذا البلد ووجوده .

 

الرواية: خاتون بغداد

الكاتب: شاكر نوري

الطبعة الأولى: 2017م

اصدار: دار سطور عام ٢٠١٧.

 

هديل حسام - ماجستير لغة عربي 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4173 المصادف: 2018-02-07 01:26:10