المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

صوت الأنا المهيمنة وصمت الآخر المقهور (1)

laith alsandoq2ربما عُدّت الغنائية مثلبة لدى الكثير من الرعيل الأول من شعراء الحداثة العربية ومن جايلوهم من النقّاد والكتاب الذين وجدوها  مفتقدة للرؤى الفلسفية العميقة والمركبة التي عوضت عنها بيقينية ساذجة ما عادت تنسجم مع عالمهم المتغير والمتحوّل . وربما عابوا عليها ضيق حيزها السردي والحكائي بما يجعل من بنيتها الدلالية غير مؤهلة لاستيعاب العناصر الكونية والشمولية . وربما ازعج بعضهم ضجيج خطابيتها الذي يصمّ الآذان من جهة، لكنه من الجهة الأخرى يفتقد إلى الدوافع الفكرية والتصورات الذهنية التي تجعل  منها مصدراً للحكمة ومنجماً للعقل . وربما هناك فريق آخر عاب عليها عنايتها ببنيتها الخارجية المزوّقة التي تتستر على محتوى داخلي فارغ، وربما هناك اتهامات ومثالب ونقائص أخرى كثر سواها ما يهمنا منها أنها جميعاً تضافرت لتدفع المتهمين - بكسر الهاء - إلى البحث عن مهرب من الغنائية، ومن إرثها الملازم للقصيدة العربية منذ عهودها الأولى، وإيجاد النقيض المخلّص، فوجدوه في خارج منظومتهم الثقافية في القصيدة الدرامية التي جيء بها من تخوم أوربا وتراثها الثلجي العريق، ثمّ لاقحوها بما استصفى لديهم من أرثهم التاريخي والحضاري الصحراوي الحار لتخرج بعد ذلك صناعتهم الشعرية دافئة ومسبوكة بتقنيات جديدة هي مزيج من الحوار وتعدد الأصوات والأسطورة والرمز والقناع، بل وحتى المرايا (2) .

وما زال هذا الموقف من  الغنائية يُتوارث حتى اليوم لدى الكثير من الشعراء، وتُعالج تأثيراته  بنفس الحلول التقنية السابقة .  لكن الشاعر سلام دواي هو بالتأكيد ليس من هؤلاء، فهو لا يجد مسوغاً لعد الغنائية سُبّة أو مثلبة، وهو ليس مضطراً للبحث عن مهرب تقني أو موضوعي للخلاص منها، فهي منجمه الإبداعي الغني الذي يزوّده بكل احتياجاته اللغوية والصوتية والصورية . كما أنه غير معني بالرد على التهم التي توجه إليها، فهو مشغول بشعره وليس في الردود والدفوعات، إلا أنه ربما ألمح إلى المتهمين - وليس إلى التهم - في بعض قصائده ومنها قصيدة (لا تصادق نصف إله) (ص /50) التي سنأتي عليها لاحقاً .

هذا الموقف الشخصي والتقني من سلام دواي بالتمسك بأرث صار مشكوكاً في غناه، وفي بيئة معادية ورافضة له، لا بدّ أن يجعل منه أحد دعاة الغنائية الشباب المبرزين مثلما جعل منها أبرز أدواته التعبيرية والإدائية، يستخدمها ببراءته الطفولية ونقائه الروحي في أسمى صوره الإنسانية في مجموعته الشعرية الأولى (أغنية شخصية) التي هي بحق أغان شخصية يرسخ توصيفها الإصرار على أن تكون صوتاً للشاعر لا ينافسه فيها أحد، فضمير المتكلم / صوت الشاعر لا يغيب إلا عن عدد محدود جداً من القصائد . وقد اختزلت العنونة بمفردتيها حقيقة التوجهات الغنائية والذاتية لكل نصوص المجموعة بالرغم من أنّ عنوانها هو عنوان أحد نصوصها، وقد أكد هذه التوجهات وتوافق معها النص الحاف الأول المرافق للعنونة وأعني به صورة الغلاف الأول وهي لرجل وحيد مجلل بالسواد يقف أمام سلم منتصب يصل الأرض بالسماء، وفي حين تمتدّ الأرض الخلاء حتى تنتهي حافتها السفلى برغوة موجة منحسرة فأن حافتها المنتهية بأفق الأرض الكروية المحدودب أوشكت أن تتغطى تماماً بقزع من الغيوم . ويبدو وجود الرجل والسلم متقابلين وجوداً عبثياً، فليس ما بين الفراغين (الأرض والسماء) ما يُقنع منطقياً بالوصول إليه عبر السلم .

أما عناوين القصائد فهي – نسبياً – أقل احتفاءً - على عكس نصوصها – ب (أنا) الشاعر، فمن بين (82) قصيدة هي مجموع قصائد المجموعة هناك:

- تسعة عناوين تضمنت فعلاً فاعله ضميره مستتر تقديره (أنا) .

- ستة عناوين تضمنت ضمير المتكلم المتصل (الياء) .

- عنوان واحد تضمن ضمير المتكلم المنفصل (أنا) .

أما العناوين الأخرى فغياب مظاهر الأنا عنها صراحة لا يلغي حقيقة حضوره فيهاً ضمناً ما دامت متونها هي ملفوظاته، ويمكن تعليل غياب الأنا عن ثريات المتون الأنوية بأنه محاولة لاجتناب النمطية و التكرار، أو ربما هو محاولة لتغليف النص بغلالة من الريبة تُحرّف القاريء عن مقاصد الشاعر، وتحجب عنه نواياه، وبمعنى آخر أنه جزء من الحُجُب التي تغلف النص (من حيث أن للنصّ حُجُباً تُمارس فعل المراوغة والمخاتلة مع القاريء) (3)  . وباستثناءات قليلة توجهت العناوين إلى غائب أو مخاطب مجهولي الصفة بالعموم بعكس متونها المنطوقة بصوت المتكلم . أما القصائد التي غابت عن متونها أنا الشاعر غياباً تاماً فهي:

- في قصيدة (لا أمل للنباتيين) (ص / 28) حضر ضمير المخاطب، ومع ذلك فليس من قرينة تمنع من تأوّل تلبس الأنا في هذا الضمير المخصص أصلاً لشاعر ما يمكن أن يكون هو الشاعر نفسه وقد تبوّأ موقعين في وقت واحد، موقع المخاطب وموقع المتكلم الذي توارى وراء نصيحته من دون أن يترك دليلاً نحوياً يدلّ على موقعه:

(ليس جميلاً

أن تُلقي شعرك في غابة)

- قصيدة (صورة الكلام) (ص / 35) مخصصة بكاملها لغائب ما .

- في قصيدتي (في الريح الخطأ) (ص / 60) و (الحرب الأهلية) (ص / 62) استعاض عن ضمير المتكلم المفرد بصيغة الجمع (ضمير المتكلمين) .

- ألقصائد (ألوطن دودة) (ص 78) و (بنتظار الباص) (84) و (جنون) (ص / 113) و (الفوز بعزلة) (ص / 139) مخصصة بكاملها لضمير المخاطب .

مع ملاحظة أن القصائد التي غاب عنها ضمير المتكلم غياباً تاماً هي (8) قصائد وهذا العدد يشكل نسبة (8 %) من مجموع القصائد، بينما كان مجموع القصائد التي حضر فيها ضمير المتكلم (74 %) بما يشكل نسبة (89 %) من مجموع القصائد .

وبعكس اتجاه التقنيات الدرامية المتعالية يستجلي الشاعر مفهوماً بديلاً لأسطرة الذات يمنحها بموجبه بعداً سردياً تكون ضمنه لها الهيمنة على الآخر بتحجيمه أو تجريده من دوره المفترض أو بإلزامه بحدود الدور الذي وضع فيه . وفي كل الأحوال لا تطمح الذات المؤسطرة أن تلعب دوراً بطولياً خارقاً يضعها في مصاف أبطال المثولوجيات الكلاسيكية، بل أن كل ما تطمح إليه هو أن تتمكن من تحرير صوتها المجروح والمعذب أحياناً، وأحياناً أخرى الساخر والهازل، تحريره من قيود التبعية للآخر وإيصاله إلى العالم، أو ربما إيصاله إلى الآخر الذي تحرر من عبء التبعية له، والذي سبق أن أخضعه لاشتراطاته النحوية القاسية . ولذلك لا غرابة أن يجنح الشاعر في الأغلب الأعم من قصائده للاستفادة من تقنيات القصة القصيرة جداً (أو الأقصوصة) التي تتحاشى الإكثار من الشخصيات وتتجنب التفاصيل الدقيقة وتقلص الزمان والمكان إلى حديهما الأقصيين . وفي تلك القصائد تتجلى شخصية الشاعر الرائي الذي يرصد ما حوله ويحوّل العناصر المرئية إلى تكوينات سردية في بنية يحتكم بها موضوع محدد يسخّره ليكون واجهة عرض مخصوصة لذاته المهيمنة وهي تهمس مونولوجها الداخلي، بينما الآخرون هم الأصداء االفاضحة لذلك المونولوج الداخلي المهموس . ولكن هل يجوز لنا توصيف قصائده بقصائد موضوع ؟ وهل حقاً يجوز توصيف مواضيعه بكونها محددة ؟ أي أن أبعاد ومكونات بنيتها السردية مرسومة بشيء من الضبط يعصمها من الانفراط والتفتت، أم أن الشاعر بمهارته وتقنياته الذكية يوهمنا بوجود تلك الحدود ما دام يُحسن التلاعب بعناصر تلك البنية ويُحركها بحذق نسّاج ماهر لا يترك لنا فرصة نتبيّن خلالها نواياه إلا بعد أن نكون قد أنهينا القراءة واحتكمنا إلى تحليلها لنجد أن ما كنا قد توهمناه موضوعاً ذا ملامح وأبعاد سردية ليس سوى وهم . فالبدايات تنتهي بما يؤكدها بعد أن يُعاد تركيبها بصيغ مغايرة ومخادعة بذكاء، وبذلك تتخذ حركة القصائد منحى دائرياً تتماهى فيه البداية مع النهاية بما يجعل من تكرار البنى والصور والمفردات أبرز أدوات الإيقاع الداخلي للقصائد . ففي قصيدة (كيف توقظ ريحاً نائمة ؟) (ص / 95) وهي قصيدة ذات بنية دائرية من الناحيتين الزمنية والدلالية يحدد الشاعر منذ البدء زمنية نصه بالحاضر:

(أكتشفت اليوم

وعلى نحو قاطع وأكيد

لا يمكن لرجل حتى لو كان عنيداً مثلي

وتجوّل كثيراً في غابة من السنين الموحشة

أن يجعل ريحاً نائمة منذ سنين

تحت شجرة أن تتحرّك)

(ص / 95)

وبعد أن يستذكر تجاربه التي أوصلته إلى اكتشافه هذا عائداً بسلسلة الزمن إلى الوراء حيناً ومنطلقاً إلى الأمام / الحاضر حيناً آخر بدلالة صيغة الفعل المضارع (وها أنا أقف مجدداً على ساق واحدة) (ص / 95)  لتنتهي القصيدة من حيث بدأت بهذا الزمن (مثلما يحدث معي الآن) (ص / 96) . أما من الناحية الدلالية فمن الواضح أن اكتشافه الإستهلالي يتمحور حول عجزه، بالرغم من عناده، وتجاربه القاسية في (غابة السنين الموحشة) عن (أن يجعل ريحاً نائمة منذ سنين تحت شجرة أن تتحرّك) ليُنهي قصيدته بذات الريح النائمة تحت شجرة، مع تحويرات لمّاحة بشكل مدهش أعفته من تحريك الريح النائمة، وجعلته يقرّ - بعد كل التجارب المريرة التي خاضها - بجمال الحياة، بيد أن هذا الإقرار العفوي لا يشكل مصدر تأثير ونقطة حسم إلا بعد أن تتلقفه (فتاة جميلة) وتردده بعفوية مقابلة لتكون الفتاة بهذا الإقرار قد استحوذت على مصدر التأثير، ولتكون لحظة ترديدها له هي لحظة الحسم، ولينوب منطوقعا عن الشاعر بتحريك الريح النائمة، أو ليؤدي منطوقها ما كان قد عجز عنه:

(فقالت دون أن تدري

أنها جميلة، نعم بلا شك

فاهتزت الشجرة وأيقظت الريح)

(ص / 96)

وبذلك استحضر الشاعر البداية من دون أن يستنسخها، علماً أن وجود (فتاة جميلة) كان ذلك العنصر المفاجيء الذي فجرّ نمطية الصورة وتمكن عبره من تكرار البداية وتدويرها في النهاية من دون أن يشعر المتلقي برتابة الإيقاع ما دام وجود (الفتاة الجميلة) لاحق على البداية، وما دامت الريح النائمة الإبتدائية هي غير الختامية، أو هكذا أوهمتنا لعبة التكرار والتحوير، فالريح الأولى لم تتحرّك بإرادة الشاعر، والثانية تحركت بإرادة ثنائية من (ملفوظ الفتاة الجميلة + الشجرة المهتزة) دون أن تكون لإرادة الشاعر الواعية دور في ذلك، مع عدم نكران دوره اللاواعي في استثارة منطوق الفتاة الجميلة (لكنني دون أن أشعر قلت) .

هذا النموذج هو لتقنية التكرار المسنودة بقاعدة سردية ذات موضوع، أما القصائد المتحررة من أطاري السرد والموضوع فيبدو التكرار فيها أوضح، ولعل قصيدة (صلع) (ص / 130) تقدم مثالاً لذلك، فقد تكررت مفردة الصلع بصيغها العديدة ست مرات في القصيدة القصيرة المكونة من اثني عشر سطراً وكالتالي:

- مفرد مذكر (أصلع) / 1

- مفرد مؤنت (صلعاء) / 2

- جمع مؤنث (صلعات) / 1

- مؤنث مجازي (صلعة) / 2

والصلع كصفة أو وجه شبه يشمل العناصر المادية الملموسة، والعناصر المحسوسة، بل حتى المجردات على حد سواء، وقد يجمع التشبيه بين عنصرين معاً في صورة مركبة واحدة مع إلغاء أداة التشبيه ووجه الشبه للعنصر المادي، واستحضار الأداة دون وجه الشبه للعنصر المجرّد :

ألظهيرة صلعاء

مثل فكرتي

(ص / 130)

وقد يستدعي التكرار صورة من ضمن مجاله الدلالي أو قريبة منه بحسب المسافة الذوقية التي تحددها عين الشاعر، ف (البحر / أصلع) و (نساء البحر – أي المستحمات - / صلعاوات) و (الشمس / صلعاء) و (الغيمة / صلعاء) مع ملاحظة التحديد في نسب الصلع في كل من (نساء البحر بأثواب السباحة الملونة - إلى اللون) وفي (الشمس – إلى الصيف) وفي (الغيمة – إلى النهر):

ألبحر هو الآخر أصلع

ونساؤه صلعات ملونة

ألشمس صلعة الصيف

والغيمة صلعة النهر

(ص / 130)

وقد تتباعد محددات عين الشاعر عن محددات عين القاريء الذي ربما يجد أن التكرار قد استدعى صوراً بعيدة تماماً عن مجالها الدلالي كما في المقبوس الأول، ولكن التمعن في باطن الصورة قد يوصل الطرف المتطفل / القاريء إلى اتفاق تأويلي تتقارب فيه رؤيته مع رؤية الشاعر، ف (الفكرة) بصيغتها المطلقة لم تُشبّه ب (الصلع)، بل اقتصر التشبيه عليها تحديداً في حالة بعينها كان الشاعر خلالها يحثّ الخطى إلى البحر، وهنا تبدو الصورة منسجمة أكثر من السابق مع منطق التأويل، فالتماع صفحة البحر وقت الظهيرة (الصلعاء) قرّبت صورته للشاعر من الصلع، وهذا الفضاء الذي يهيمن عليه الصلع، أو التماعة الصلع (الظهيرة + البحر) أنعكس على (فكرة) الشاعر فأضفى عليها صفاته (الصلعاء) . ولكن ال (فكرة) بصيغة المفرد ستتحوّل بشكل مفاجيء ومن دون مسوغات تمهيدية إلى صيغة الجمع، وبجمعها تنضاف إليها صفة إنسية أخرى هي (الحفاء):

لم أحصد هذا الصباح

سوى أفكار حافية

(ص / 130)

وبالرغم من (صلع) الفكرة و (حفاء) الأفكار، والحالين يوحيان بعوائق ما تعترض مسيرة الشاعر إلى اللامكان، إلا أنّ ثقة الشاعر بالوصول أكيدة، والبحث عن محطة الوصول غير المحددة في نهاية القصيدة يُعيدنا إلى بدايتها حيث يحثّ المتكلم / الشاعر الخطى باتجاه البحر / الأصلع، وهذا الحث يستكمله المتكلم في النهاية سائراً تحت سماء صلعاء:

لكني سأصل، هكذا أقول لنفسي

بينما الريح تدفع الغيمة الوحيدة

فأسير تحت سماء صلعاء

(ص / 130)

وهكذا يرسم التكرار أفقه الدلالي بإيقاعات غير منتظمة، لكنها في النهاية مخادعة بمهارة وذكاء، تُشوّش رؤية المتلقي وتُخلخل قناعاته وتوهمهه بجدوى هذا اللعب الساحر بالصور .

وبلجوء الشاعر إلى تقنية السرد / الشعر يتخذ من الضمير الأول راوياً عليماً، وعلمه لا يقتصر على قراءة ظاهر وأعماق الشخصيات الإنسانية (المخاطبة والغائبة) فحسب، بل يتعدى ذلك إلى استجلاء مظاهر الوعي مثل مشاعر الخوف لدى الكائنات غير الواعية، ثمّ التعبير عنها بردود فعل مؤنسنة مثل (الهروب):

أسير في الغابة لا أحمل فأساً

ومع ذلك تهرب الأشجار

والنهر يخاف ويبكي

(ص / 55)

بل وحتى المجردات تخضع للأنسنة والرصد الداخلي من قبل الراوي الذي حولته اناه المهيمنة إلى راوٍ فائق العلم، وهذا الإجراء يتم بربط المجرّد بفعل ذي تأثير مادي (يتلون) مثلاً:

عيناي بنيتان

أعشق الصباح

ومزاجي يتلوّن باستمرار)

(ص / 97)

وغنائية الصوت الوحيد المجسّدة بالضمير الأول المهيمن، والذي قلما يفسح المجال لإشراك ضمير الغائب المفرد، قلما يفسح المجال أيضاً لإشراك ضمير الغائب (بصيغة الجمع) وإن قُبلت المشاركة فهي ليست بدون ثمن . فهناك ثمة إيحاء بوجود اشتراط ضمني، ففي قصيدة (لا تصادق نصف إله) (ص / 50) يُجرّد الضمير الأول الغائبين - في مقابل قبوله بمشاركتهم - من بعض فضائلهم المُدّعاة، وهذا التجريد يتطلب الاستناد – من أجل أن يكون مقنعاً – إلى أدلة إدانة مؤكدة ومضمونة لفعل حدث وانتهى وترك أثر الإدانة قائماً، ولكن أدلة الإدانة هنا ليست لفعل من هذا النوع، بل هو افتراض لما سيحدث في المستقبل، تؤكده صيغة التشكيك (على الأغلب) التي يفتتح بها النص، وكذلك (سين الاستقبال) التي لحقت فعل الإدانة الذي أعقبها مباشرة (يتحدثون) مما يعني أنهم لم يرتكبوا فعل القول / الإدانة إلى حد زمن الاستهلال:

على الأغلب

سيتحدثون عن ألوهيتهم

حين يجتمع أصدقائي العظماء

يبحثون عن مزاياهم

ويخترعون أوصافاً لم تذكرها اللغة

(ص / 50)

هذا الافتراض غير القاطع والمشكوك في احتمال حدوثه سيدفع الأنا إلى اتخاذ قرار قاطع بالنهي عن مصادقة أنصاف الآلهة والتخلص من ضمير الغائب مجسداً بهم:

لا تصادق نصف إله

على الأغلب

سأتخلص من أصدقائي العظماء

(ص / 51)

وهنا نتأوّل هذا القطع الحازم بأنه قرار الذات على التمسك بضميرها وصوتها المغرّد المفرد المهيمن وإصرارها على عدم إشراك الآخر معها في الهيمنة اللغوية على النص، أو بمعنى آخر، أنها الغنائية المطلقة التي تقطع الطريق على احتمال ظهور أية حوارية ممكنة، أو على اية تعددية صوتية واعدة . وأن تفسير تضخم الضمير الغائب بادعائه الألوهية ليس سوى محاولة لتبرير التخلي عنه وحرمانه من حق المشاركة او التنافس على قيادة النص مع ضمير المتكلم، لاسيما أن احتمال ادعاء الألوهية المرجأ حتى زمن التلفظ بالنص لم يتحقق فعلاً، بل لم يؤكد الصوت الوحيد تحققه فعلاً حتى الخاتمة .

وبصرف النظر عن هذا الأمر، فأنه من الضروري ملاحظة أنّ الفاصلة البنائية ما بين المرحلتين السابقتين، مرحلة ما سيدعيه الضمير الغائب، ومرحلة اتخاذ قرار المقاطعة هي فاصلة تمهيدية – كما يُفترض - لاتخاذ القرار نهائي، ولكنها في الحقيقة فاصلة لازمة لإسناد ودعم ضمير المتكلم، وتقوية حضوره، ومنحه الحجّة بمقاطعة الضمير المنافس والتخلص منه . وتفكيك هذه الفاصلة يمنحنا الفرصة لتأمل الآلية الأسلوبية التي بُني على وفقها النص، فبعد الاستهالال  الإفتراضي السابق الذكر تحاول الذات الناطقة إقناع نفسها بصحة موقفها من الأصدقاء الأدعياء (أنصاف الآلهة) وهذه المحاولة تستند إلى عنصرين من خارج المجال الدلالي الحقيقي للطرف المنافس (ضمير الغائب / الأصدقاء أنصاف الآلهة) لكنهما ربما يكونان من ضمن مجالهما الدلالي المفترض بحسب قناعة الشاعر، ألعنصر الأول قد استُعير له بديل تشبيهي هو القمر (لا يبزغ قمر بالتوسل) (ص / 50) باعتبار أن هناك ثمة وجه شبه ما بين الآلهة والقمر في السمو والارتفاع على أقل تقدير . والعنصر الثاني هو اللغة (ولا تصنع اللغة نصف إله) (ص / 50) وربما يكون هذا العنصر إحالة ضمنية للصيغ القولية والملفوظات البلاغية والمواهب الكلامية التي يتفاصح بها هؤلاء الآلهة الأصدقاء بما يستفزّ عفوية الشاعر . وإن كان العنصر الأول يستند إلى صيغة بلاغية استعارية تضع القمر في مواجهة الأصدقاء الآلهة، إلا أنها نفت بشكل مبطن صحة المقارنة، واضعة البزوغ الحتمي للقمر كظاهرة فيزياوية، في مقابل البزوغ (أو ادعاء الصفات القمرية) بالتوسل للأصدقاء الأدعياء . وسرعان ما يكشف الشاعر أنّ حضور العنصرين (القمر واللغة) في الحجاج لم يكن سوى مونولوج داخلي شطر فيه الشاعر الذات الواحدة إلى شطرين، الأول (أنا) المتكلم، والثاني النفس المصغية (هذا ما كنتُ أحدث به نفسي) (ص / 50) بينما كان هناك طرف ثالث لطالما رافق الشاعر في جولاته واعني به الكلب الذي يتكرر حضوره مقروناً بضمير المتكلم المتصل في عدد من النصوص وبدلالات ووظائف شتى، ولكن حضوره هنا لا يتم من خلال كينونته المادية، بل من خلال نُباحه المتلاشي ولهاثه المتسع اللذين يؤديان هنا وظيفة ساعة التوقيت التي تؤذن بانتهاء السجال الذاتي في الموضوع واتخاذ قرار نهائي بخصوصه:

وأنا أغذ الخطى

في الطريق الطويل

وكلبي نباحه يتلاشى

ولهاثه يتسع

(ص / 50)

إن ربط السلسلة النصية (الاستهلال الافتراضي + محاولة الاقناع بالاستناد إلى عنصرين خارجيين (القمر واللغة) + حديث النفس التي يحضر معها الكلب بلهاثه) هذه السلسلة ستتعرّض عند حدها الأخير إلى قطع مفاجيء دون أن يُحدد الشاعر موقعه بفواصل، بل واصل سرديته الشعرية من فضاء آخر مغاير تماماً:

أكتشفت اليوم حصى ملوناً

ومحاراً غريباً

سآخذ منه قليلاً إلى البيت

(ص / 50)

ومن هذا الفضاء المغاير يتقدم خطوة استكشافية أخرى تضعه في منتصف المسافة ما بين فضائه الأصلي والفضاء المغاير، خطوة ما زالت خارج الهدف الذي يبغيه، لكنها في النهاية تُقرّبه منه:

واكتشفت أيضاً

أن لا شيء لديّ أخاف عليه

حتى حياتي غامرت بها من قبل

(ص / 51)

ليصل بعد تلك الاكتشافات إلى قرار العنونة (لا تصادق نصف إله) في دورة نصية بدأت ثم انتهت بالعنونة من أجل تأكيد حقيقة هيمنة ضمير المتكلم وارجحيته على ضمير الغائب / مدّعي الألوهية، والمفارقة أن تأتي العنونة بصيغة النهي الموجه إلى مخاطب ما، وربما يكون الشاعر / الناهي يتخفى وراء موقع االمخاطب أيضاً في الوقت ذاته الذي يتبوأ فيه موقع المتكلم، وكأنه من خلال الموقعين يحاول دعم موقف الذات من احتمال أي تراخ إزاء أنصاف الآلهة.

 

ليث الصندوق

...............

(1) أغنية شخصية – شعر – سلام دواي / ألروسم للنشر والصحافة والتوزيع – بغداد / 2014

(2) حسب الدكتور حاتم الصكر أن أدونيس وحده هو الذي اختص بتقنية المرايا، ويذكر أن إحسان عباس هو أول الدارسين الذين تنبهوا إلى تقنية المرايا لدى أدونيس (ص / 71 وما بعدها) – مرايا نرسيس – الدكتور حاتم الصكر – ألمؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع

(3) ألعنوان في الشعر العراقي الحديث – دراسة سيميائية / حميد الشيخ فرج (نقلاً عن علي حرب – نقد النص) ص / 105– دار ومكتبة البصائر – لبنان - 2013

     

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4173 المصادف: 2018-02-07 13:52:15