المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

قراءة تحليلية في مسرحية (عودة المجنون)..إدريس يزيدي

moamar baktawi2إلى روح الصديق.. إدريس يزيدي. الذي تواعدنا أن لا أنشر هذه الدراسة حتّى يشير لي بذلك، وذلك قبل سنتين، واليوم استسمحك بنشرها.. وأقول لك: الوداع..

- قراءة في العنوان:

إن العنوان باعتباره عتبة النص المسرحي، يؤثر حتما في تأويل النص الدرامي."كما أن الجملة الأولى من الفقرة الأولى لن تقيد فقط تأويل الفقرة، وإنما بقية النص أيضا، بمعنى أننا نفترض أن كل جملة تشكل جزءا من توجيه متدرج متراكم يخبرنا عن كيفية إنشاء تمثيل منسجم" (1). وهو هنا (عودة المجنون)، العودة الضد الغياب، ومن الذي غاب، ومن الذي حضر، وهناك عاقل وهو الخيام والشبح هو المجنون، وهو مجنون في نظر العامة، وأشباههم من الطبقات الشعبية.

والمسرحية تعرف ككتابة الدرامية، تقسيمات النص، واختيار عناصر الحوار، والبناء، والتركيب، واختيار الشخصيات، وتصوير أبعادها، ودلالاتها، واستعمال اللغة الدرامية، وزاوية النظر إلى الجمهور... وهذا يؤدي إلى اختلاف في الرؤية للعالم. يشمل تقنية الكتابة الدرامية، وتقسيمات النص، واختيار عناصر الحوار، والبناء، والتركيب، واختيار الشخصيات، وتصوير أبعادها، ودلالاتها، واستعمال اللغة الدرامية، وزاوية النظر إلى الجمهور... وهذا يؤدي إلى اختلاف في الرؤية للعالم.

وإذا كان اختيار العناوين وإطلاقها على الفصول والمشاهد في المسرحية، يعود إلى الكتاب الدراميين الكلاسيكيين والرومانسيين الذين كانوا يجعلون عناوين لفصول مسرحياتهم، أو لمشاهدها اقتداء بكتاب الرواية التاريخية.. فإن العنوان في العمل الإبداعي غالبا ما يحيل بصفة مباشرة على أحد مكونات النص: الشخصية الرئيسية، أو الحدث الهام، أو المكان المركزي، أو الفكرة التي يتمحور حولها موضوع الكتاب. والانزياح عن المألوف في العنوان ينبني على مقصدية، ويتوخى إرباك المتلقي، وتكسير أفق انتظاره.. عندما يصطدم بعناوين مخالفة للمعتاد، ومثيرة للتساؤل والاستفهام. وهكذا، فإن العنوان الذي يبدأ به الكاتب - باعتباره أول جملة في النص- سيؤثر في تأويل ما يليه.

النص المسرحي الذي أمامنا (عودة المجنون) يقوم على شخصية (الخيام) وهو العمدة في الفصل الأول، وشخصية (المريض) يحتل النصف الثاني من الفصل الآخر، فهو الشخصية التي تقوم عليها الحوارات التي تتولد الإحساس (التراجيكوميدي) وفيها ينصهر المضحك مع المحزن.

الدكتور: أخوك حيران…! مات قبل أن يولد؟ وتبكيه؟ ! والله لا أحسبني الآن إلا بين شبحين لا شبح واحد.

يفتح الدكتور أوجاع المريض، حين يذكره بموت أخيه (حيران) وهو في بطن أمه، ويظن الطبيب أنه بين شبحين شبح (الخيام) وشبح (حيران).

منذ الفصل الأول، نتعرف على الشخصية الأولى في المسرحية وهي، عمر الخيام، منهمكا كاسف البال. مستعينا بشخصية ثانوية (حيران). والبعد الدلالي لهذين الشخصيتين: هما، (الخيام) وهو شخصية واقعية، تاريخية، إشكالية، لبست الغموض في حياتها وفي مماتها. و(حيران) الشخصية التابعة لها، مشتق من الحيرة، والإبهام، والغموض، والقلق...

حيران: على رسلك يا سيدي ما الذي ألم بك؟

يجيب الخيام..

الخيــام: كنت في الحانة يا حيران.

وعندما يسأل إلى أين ذاهب.

الخيام: إلى حانة أخرى (يرتفع توتره ويشير بيديه إلى الخلف) إن خمر الحانة التي كنت فيها... خمر مغشوشة..

2- الصراع في مسرحية (عودة المجنون).

إن الصراع الذي نصادفه في هذه المسرحية، وهو صراع إرادي. فهو لا يحدث بالصدفة، بل يخضع لمبدإ الحتمية. ومن هنا كانت الشخصيات ذات البعد التراجيدي تعي مسؤوليتها نحو أفعالها كما شخصية الخيام، فهي تتصرف من أجل تأكيد وجودها الإنساني، عن طريق ممارسة الحرية في أفعالها.

* التناقض في الشخصية يخلق مأساة.

المريض: وما علاقة جوعنا بخيرات الوطن... آه (يضرب جبهته براحة يده) أستغفر الله أستغفر الله الوطن السعيد.. آآآه وما علاقة كبتنا وحرماننا بالحسناوات من فتيات بلادنا...( بصوت منخفض) أنستقيم لشرع الله ونقتل فينا غرائزنا؟ أم نتجرد من ربقة الدين وتعاليمه وتنفلت الحور العين من أيدينا؟ رباه من أين لنا بالباءة للزواج حتى نحظى بالحسنيين؟ (يرتفع صوته)... رباه أي مضايقات فرضت علينا حتى نلزم حدودك؟... (يزيد يرتفع صوته) عفوك رباه؛ عفوك رباه... ( يسقط باكيا... يتوقف عن البكاء ويواصل) ربي إني ما عصيتك استخفافا بك، ولكن لعف في نفسي، فأذن لنجمي أن يسطع بين الناس وأذن لقلبي أن يعشقك، إئذن له ألا يخفق إلا لك.. إلا فاذن له ألا يخفق أبدا.)

هذا صوت/ كلام جاء على صوت مريض/ عاقل.. هنا نجد فلسفة تخرج من مريض مكبوت شبعان/ جوعان.. يرى خيرات البلاد ثم يرى الحرمان والجوع.. وما علاقة الفتيات الحسناوات بالحيران.. أنكفر بنعم الله حين تغلب علينا حواسنا وغرازنا.. وحين يعرف أنه بدأ يخرج له الدين، يبدأ من الغلواء ويستغفر ربه. وهنا نلتقي من الشخصية التراجيدية تعيش في التناقض بكاء/ فرح.. هزيمة/ انتصار.. حلم/ يقظة.. أنكفر/ أم نلتزم.. عدم الاستخفاف/ ضعف في الإنسان..

الدكتور: الوطن السعيد، هذا هو طبعه، نجوع حتى يشبع الآخر... ما ضرهم لو شبعنا جميعا؟ينطق الدكتور بلسان الجياع المعوزين المحاجين.. أ وهو صادق أم هو يخدع المريض؟

المريض: يضرهم الكثير، يضرهم أن البطن إذا امتلأ ينطلق اللسان، وإذا انطلق اللسان فضحت الملفات جميعها.

ينطق المريض بالحكمة القديمة (إذا البطن إذا امتلأ ينطلق اللسان) إذا شبع الإنسان بطنه طالب بحقه في أشياء التي من حقه..

* فعل الخروج.

إن من بين الأشياء التي تخلق الإحساس والوعي التراجيدي، حضور الشخصية في الفعل الدرامي، أي عندما تستطيع أن تختار وتمارس حريتها. وكذلك تناقضها مع الواقع والمجتمع الذي ترفضه وتتصادم معه.

القاضي: عمر... توقف.

الخيــام: ماذا تريد يا سيدي؟ (يحاول القاضي أن ينبس ببعض الكلام ولكن الخيــام يقاطعه) لا عليك يا سيدي سأريحك مني تماما... لن يسفر الصبح حتى أكون في عداد الغائبين عن نيسابور.. سأذهب إلى باريس أو لندن، هناك يجد العالم ضالته.. أما هنا فقد انقضتْ فرصة العلماء.

يسأم (الخيام) من الناس ومن حوله، وهو يعرف مهما يعيش، يعش مقيدا.. مراقبا. وهناك، في ذالك العالم.. باريس.. ولندن.. حيث يشرع له الخمر، وهو مسألة شخصية.

الخيــام: والله يا سيدي إني لا أجدها. إنها رائحة الدم. أنظر إلى القنينة التي عثر عليها جنودك.. إنه سائل أحمر.. (يضحك) صدقني سيدي، إنه لون الدم الذنب بدأ يغرقنا.

الخيام شخصية مموهة، الخمر ترجع في الواقع يصير دم. لتماثل الخمر مع الدم، والدلالة ذلك انها تسري مجرى الدم الذي يسيل في بدنه..

القاضي: (ظانّا أن الخيام يهذي) ولكن لا تؤاخذني. فلكم أحببت العلماء، وتمنيت أن أخدمهم... ولكن لماذا عساني أن أصنع لك وجل الفقهاء يعتقدون بخلاف ما تنشره بين طلابك.

والخيام يعرف بأن يأمر بقتله لو أراد، ولكن بإمكانه أن يوقف هذا عن السيحان في ملك الله.

الخيــام: (مبتسما)لا عليك يا سيدي. لقد خدمتني أنك لم تقطع رأسي (يزيد مبتسما) هذا الرأس الذي من أجله أشرد في الأوطان وعما قليل يصيرني بلا وطن. (يضيف منفعلا) ولكن هناك، في الضفة الأخرى من المتوسط وطن من لا وطن له.. نعم سيدي القاضي، إنهم منافقون. إنهم بلا دين لأنه لا دين لهم.. ونحن بلا دين لاننا بعنا ديننا.

وينطق بالحقيقة المرة، ومنها جعله يتغرب، وهنا هذه الضفة يسكنها المنافقون بلا دين. ومن خلال الحوار بين القاضي وبين الخيام، نستنتج أن غربته غربة جوانية، يعيشها وهو داخلها، وهي غربة فلسفلة، وهي تلغي الوجود وتتمسك بالداخل.

الخيــام: وهكذا العالم يا سيدي، كيف ينسلخ عن أفكاره أينما حلّ وارتحل. إنه الضياع... الضياع يا سيدي (تترتق عين القاضي بالدموع. ويدير له الخيــام ظهره ويضيف في سكينة)

والخيام حين تُسأل القاضي الخيام يجيب أنه ترك زجاجة صافية.

الخيــام: سأذكر نيسابور بكل خير، فقد وجدت فيها زجاجة صافية.

وتعاطف معه القاضي لأنه عالم، فلكي، وشاعر.. ولكن (عمر) ليس في يده حيلة. المعتقة حين تناديه كمعشوعة فائق الجمال يلبّي النداء.. وهو يزحف إليها طواعية.

ومن الأشياء التي تفاجأ به (حيران) هو قصة حب الخيام، وكان يعتقد أنه سيقصّ عليه قصة غرامه، ولكن ما إن سمع كلمة (البلوط) حتى استحال الاستبشار استنكارا، ورنت في خشبة المسرح موسيقى مأساوية للحظات وبادره بالقول.

حيران: ولكن قبل ذلك يا سيدي.. علمتك شاعرا فلكيا وخبرتك فيلسوفا رياضيا. ولم أدرك أنك مزارع تتكلم عن شجر البلوط.

يبتسم الخيــام لملاحظته ويردف قائلا.

الخيــام: نعم... كل عابر في هذه الحياة لم يبلغ مرامه، أولى به في آخر حياته أن يستظل تحت شجر البلوط، ويتخذ له لحدا هناك ويبقى من سر أسراره.

يعود الخيــام إلى حيرته وكسوفه.

الخيــام: التقيت اليوم بصديق قديم دلّني على ليلى.

حيران: من؟ ليلى! ألم تزل حيّة؟ لقد أخبرتني أنّها ماتت؟

الخيــام: نعم لم تزل حيّة.

حيران: وهل رأيتها؟

الخيــام: نعم اصطحبني إلى مرقدها. كانت تنتظرني هي أيضا. كانت تؤمن بلقائنا.

حيران: وهل حدثتها؟

يدور الحوار بين شخصيتين هما: الخيام وحيران، ولكن يقع سوء بينما.. حوار الصم، (حيران) يتكلم عن ليلى الفتاة التاريخية، والخيام يتكلم ليلاه، أي الخمر.

حيران: ولكن... قل لي يا سيدي عندما التقيت ليلى... يقاطعه في لهف.

الخيــام: ما بها ليلى؟

حيران: (يحاول الدعابة تخفيفا لما ألم بسيده) هل قبلتها؟ (يضحك بصوت جهوري).

الخيــام: (في استنكار طفيف) ماذا تقول؟

حيران: (مصرا على الدعابة) لو قبلتها لمد الله في عمرك.

الخيــام: (أخيرا يستسلم لدعابته ضاحكا) آه... كبرنا على مثل هذا الكلام.

* الخيام والوهم.

(الخيام) يظهر بئيسا، كارها للدنيا لا يستطيع نوما ولا راحة.. إنها شخصية قلقة، وجودية، لا تعرف ما تريد..

الخيــام: ولكني سوف لن أستطيع النوم ما دام هذا القلب البئيس يغزوه الوهم، وشاطئ للجد، وفجأة يتغير من حال إلى حال..

الخيــام: حيران... حيران..

حيران: نعم يا سيدي

الخيــام: اذهب واتني ببعض النبيذ..

هو يشرب الخمر لكي يروي شيئا ما، يطفئ جمرة.. يوقف عاطفة.. يسدّ ريحا لما يعرف متى تهبّ. وحين (حيران) يشهده في هذه الحالة يتلطف مع (الخيام):

حيران: ألا ترحم شيبي يا سيدي؟ آآه!

(حيران) خادم ابتلُي بسيد معقد، مركب، يتعذب في شيخوخته معه.

يصمت (الخيــام) ويرنو إلى أمام، ثم يقول والدموع تترتق في عينيه.

الخيــام: ارحم أنت كآبتي وحيرتي يا صديقي.

ولكن الخيام كأنه يقول له" تمسك غريق بغريق". أنت هدّتك الدنيا، وأنا الكآبة والحيرة، حطب يكوياني..

وحين يلّبى له ما طلب، وتكتمل نشوته، ويتملكه التيه والسكر، ويحس باللذة المفقودة، يصيح كطفل وجد لعبته المفقودة العزيزة عليه:

الخيــام: ما أجمل هذا النبيذ؟

ولكن (حيران) حين يعرف سر (الخيام) بهذه الخمر، وسبب عتاقتها:

حيران: إنه معتق منذ النكبة.. منذ أن دخل اليهود أرضنا وحانات العرب تعتق خمورها.

والخيام، يجهل ما سبب النكبة، ولا يعرف بالحروب ولا هم يحزنون.

الخيــام: آه.. نعم.. نعم يا حيران. لقد أدركت السرّ يا صاحبي، إن هذا القدح لا شك أنه كان رمشا لعيون ليلى.

حيران: ومن تكون ليلى؟

الخيــام: حبٌّ قديم.

وهنا كما يجرى حوار بين أصمين، الخيام يتكلم عن حب ليلى، والحيران يتكلم عن الحرب بين العرب وإسرائيل.

* سوء تفاهم .

حيران (خادم) يهتم بشؤون العباد والعباد، وبشؤون السياسة، و(الخيام) العالم العلامة... لا يفهم فيها ظفر قلامة. (الخيام) لا يدري في السياسة ولا السياسيين.. ومتى اختلت إسرائيل بلاد فلسطين، ولا النكبة.. ومن هي إسرائيل.. هو يعرف سوى المعتقة. حيران يتكلم عن النوم الذي يكون ليلا بسبب العياء، والخيام يحدثه عن النوم اّلأبدي، الموت.

حيران: إني نعسان... وأنت؟ ألا تنام يا سيدي؟

الخيــام: لا تتعجل النوم... سننام طويلا.

(الخيام) له عهد طويل بالليل، والنجوم..

* محكمة وقاض وشهود:

القاضي: ضبطت وأنت سكران... فماذا تقول؟

الخيــام: العاشق يفضحه دمعه، والسكران يفضحه تسكعه في الطرقات، وأنا لم أتسكع في الطرقات.

وهذا الحوار بين الخيام وبين القاضي، ينطوي على ذكاء الخيام وبلادة القاضي.

الرجل: ولكن ضبطناك ومعك قدح الخمر تحسوه... وكنت لم تسكر بعد.

يرد الخيــام في شيء من المداهنة.

الخيــام: بل قصدك أن تقول أن الخمر لم يكن بعد ليلعب بعقلي، فنحن لا نسكر بطوعنا... نريد أن نشرب فقط... ولكنه يسكرنا... حاكموه إن شئتم.

والخيام يفلسف مسألة شربه للخمر، ويلتقي بالعامة/ الصخرة الصماء. يأتي دورهم في تأليبها على من تكن العداوة، وتريد السلطة أن تنصب حبل المشنقة حول عنق الخيام. ويأتي متدخل آخر من ضمن الحاشية.

المتدخل: إذن إنه يعترف (يتوجه إلى القاضي)، اجلده يا مولاي، إنه يستحق الجلد.

ويقف القاضي يسترد هيبته:

القاضي: وهل ستعلمني ما سأفعل (يعود إلى كرسيه ويردف) لينصرف الجمع.

القاضي يمثل أمام الشعب الجد والصرامة. وحين ينصرف الجميع، يتوجه إلى الخيام.

3- الكوميديا السوداء.

الخيــام: رواية.. تقصد كتاب تاريخ؟

الفتى: لا يا سيدي.. إنه فن لم تدركهُ.

الخيــام: فن جديد صنعته العرب إذن؟.

الفتى : لا يا سيدي.. الحقيقة أنه صنيعة الغرب، ولكن العرب أتقنوه.

هذا الحوار، ما بين الفتى والخيام ينطوي على سوء الفهم، الخيام لا يعرف بالرواية إلا التاريخ وما يرويه الرواة، والفتى وليد العصر الحديث، يعرف الرواية كمصطلح أدبي مستقل، تولد عند الغرب وبرع فيه العرب، استنبتوه وأجاده بعض كتابه.

غرابة العنوان للرواية (عالم بلا خرائط) حسبه الخيام لعبة أو تسلية، اكتشفوها العرب للتسلية فقط.

الصديق: ولكنه عنوان جميل.

الخيــام: نعم، معك حق. سمعت الكثير منها مما يسمونه رواية. عناوين جميلة.. لكنها   خاوية... إتني برباعياتي أنقحها وأعيد صياغتها.

وإذا اتفق (الخيام) على العنوان الجذاب لمجموعة من الروايات، فهي عنده مجرد (كأعجاز نخل خاوية) وهذه الجملة اقتبسها من القرآن الكريم. ويطلب الخيام برباعياته لكي ينقحها بالزيادة والنقصان...

المريض: إنه شعر.

الدكتور: أعلم أنه شعر وهل يستطيع العرب أن يقرأوا غير الشعر؟

المريض: (يقاطعه) لا... إنه ليس أي شعر، إنها رباعيات الخيــام.

الدكتور: آآآه.

المريض: (في استهزاء) آه... وكأنك تعرفها؟

ويتهم الدكتور العربَ أنهم لا يعرفون غيرَ الشعر. ويحتجّ المريض بأن الرباعيات شعر، ولكن فوق الشعر. ولما يبين بأن الدكتور على بينة بالرباعيات، يستهزئ به ويقول له (وكأنك تعرفها)؟؟.

الدكتور: (يقول في جدية) نعم أعرفها خير المعرفة..

المريض: آش كتعرفو يا الطبّا؟ كتعرفو تجمعو غي لفلوس.

هذه المناسبة بأن يطلق جامّ غضبه على الأطباء (كتعرفو تجمعو غي الفلوس) وهذا أدخل المؤلف جملة بالدارجة، لكي يغير الجو النفسي الذي كانت المسرحية تغرق فيه.

الدكتور: ولكن ضع الكتاب على الطاولة ريثما نفرغ من الكشف.

المريض: (ينظر إليه بشزر) لا، هذا أنا وأنا هو، يستحيل أن نفترقا.. يستحيل.

يستحيل على المريض أن يفارق الكتاب. لأنه الكتاب هو، وهو الكتاب، وهذه مقولة لأحد المتصوفة..

الدكتور: كم تلبس من القمصان؟

المريض: سبعة.

الدكتور: (مازحا) أهذا كل ما وجدت في الدولاب؟

المريض: (في جدية) لا..

الدكتور يستهزئ بالمريض (كم تلبس من القمصان)؟ ويجيبه بكل صراحة وفخر (سبعة)، ويزيد في نكايته..

الدكتور: ما هذا الذي في كتفك؟... منذ متى؟

غرابة العنوان للرواية (عالم بلا خرائط) جعل الخيام لعبة أو تسلية، اكتشفوها العرب للتسلية فقط.

الصديق: ولكنه عنوان جميل.

الخيــام: نعم، معك حق. سمعت الكثير منها مما يسمونه رواية. عناوين جميلة.. لكنها كأعجاز نخل خاوية... ايتني برباعياتي أنقحها وأعيد صياغتها.

وإذا اتفق (الخيام) على العنوان الجذاب، لمجموعة من الرويات وعنده مجرد (كأعجاز نخل خاوية) وهذه الجملة اقتبسها من القرآن الكريم.. ويطلب بربائعاته التي تستحق التنقيح والمتابعة.

المريض: لا أدري بالضبط في أي مرحلة من مراحل تشكلي في بطن أمي... ولكن قبل أن أخرج من بطنها.

الدكتور: (يتساءل بصوت يسمعه المريض) يا للعجب مما تكون هذا؟

المريض: كانت أمي تتوحم على "الهندية" ولم يكن أبي يملك بما يشتري لها ما ترغب فيه... (يضحك) وكانت ذريعته أنها تحدث مشاكل في التبرز.

الدكتور أراد أن يستحمق المريض، فيظهر العجب، مما تكون هذا، فيجيب المريض على سجيته، كان أبوه يخاف لما كان يحدث عند التبرز.

الدكتور: (يلمح برتقالة في أسفل ظهره) وما هذا؟ إنها تبدو كبرتقالة.

المريض: نعم سيدي نحن في مدينة بركان... مدينة البرتقال، نشتاق إلى البرتقال.

الدكتور: سكان مدينة البرتقال يحرمون من البرتقال، إن هذا أمر لا يخطر على البال.

المريض يشير إلى حقيقة ناصعة، وهي أهل مدينة البرتقال يحرمون من أكل البرتقال، (الكليمونتين) ذي الجودة العالية، لأن الكل يصدر إلى الخارج، مصدر العملة الصعبة، وما يبقى (الديشي) لأهل البلد. وهو مجرد ذكر مدينة (بركان) يكفي بخلق الإيهام المسرحي..

المريض: لو أردت أن تفحص فخذي ستجذ بستانا من فواكه كثيرة.. سترى التين والزيتون النخل والرمان... (يضحك رافعا صوته) سترى... سترى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا... (مقهقها)

أصبح المريض أعقل من الدكتور، لما عرض عليه الفواكه التي نبت بين فخذيه (التين والزيتون والنخل والرمان..) ويضحك عليه انتصارا.. ويقتبس من الدين (سترى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا..)

المريض:...أتدري يا دكتور لو رأف بي الله وفقدت ذاكرتي في الدنيا، أتنازل عن حقي في الجنة يوم القيامة... لا أريد أن أتذكر شيئا (يصرخ) لا أريد أن أتذكر ثدي أمّي المترع بالفراغ، ورأسي المترع بالهموم منذ أن وعيت ( يضرب براحتيه في الأرض) رباه... إن كان الناس يسألونك الفهم فأنا لا أسألك إياه... أنا لا أريد سوى... (يلتفت إلى الدكتور) ماذا أريد يا دكتور؟

يرغب المريض التنازل عن حقه في الجنة يوم القيامة، بسبب تذكره ثديي أمّه الخاويتين حتى الفراغ، وسبب رأسه العامر بالهموم مذ وعى، ويصرخ في يأس وحزن ويصرخ (رباه).. ومن المواقف الكوميديا السوداء. ينقلنا المريض معه من موقف التراجيدي، ومن الحديث عن الفواكه، إلى أن نسمع يقول: (رباه) إن الآخرين يسألون الفهم الذي ينقصه، فجأة يفقد الذاكرة ويعود إلى طبعه الأول.. والمؤلف مزج بين المضحك / المبكي في توليفة جميلة متقنة..

المريض: (موليا ظهره للدكتور) أرأيت؛ إن الحكماء يتحدثون عن ناي العراق... حتى ناي العراق ألهم العلماء؛ لهذا احتلها الأمريكان... الكل يغازل العراق والكل يعاتب العراق.. من بداية فنون العرب إلى آخر ما انتهوا إليه، الكل يشفق على العراق. (يشير بيده للدكتور من وراء ظهره رافعا صوته) أما أنتم فمن يطمع فيكم؟

يتعرض المؤلف لمأساة العراق، وكيف كان وكيف صار، وعبر العصور عرف حضارات وأمجاد، منذ (كالكاميش..) إلى عهد الراشدين.. ثم المنصور..

وعرف فنون الشعر والناي.. ولكن بقي الناي يتيما، وتيتم الأطفال ورُعّبت الأمهات.. أين العراق.. (الكل يعاتب العراق) و(الكل يشفق على العراق).

المريض: هُمْ. الفئة المثقفة من الطبقة الجائعة، والشريحة السامية من مجتمع الحمقى والمغفلين.

يربط المريض بين الثقافة وبين الجوع في توليفة عجيبة، ولكن غير مقبولة من مريض في عيادة، عندما يربط الشريحة السامية العالية، ويحصرها فقط في الحمقى والمجانين.. لأن الطبقة هي التي تحدد الرؤية العالم للإنسان، وبالتالي يحكم عليه المجتمع نظرة جماعية.

المريض: أذكر حينما كنت صغيرا، وكنت كثيرا ما أبكي أخي حيران الذي مات في بطن أمي قبل أن يولد، كنت أحبه كثيرا وكنت أتوسم فيه الذكاء وكان يريد أن يصبح عالم فضاء.

4) الفضاء المسرحي في عودة لمجنون.

هو (المكان) الذي تمارس فيه الشخصيات سلطتها بحرية. ويكون بالنسبة لها مكانا مألوفا. ويكون للمكان هنا بعد نفسي، إلى جانب الوظيفة الفنية، والبعد الاجتماعي، والتاريخي، والعقدي تلتجئ إليه الشخصية الدرامية من أجل الهروب من القهر والظلم، وكل أشكال الملاحقة، وحيث "الحرية، والانطلاق والاكتشاف والإفلات من سطوة السلطة، وابتكار القيم الجديدة.

وتصل الشخصية إليه عبر الحلم، أو الرؤية. أو عبر التخيل، أو التوهم، فرارا من الواقع. ويتميز هذا الفضاء بالغرابة، والاستحالة، والغموض، والسحر. وقد يتخذ أوصافا، وأجواء أسطورية. كما تلتمس فيه تعويضا عن الفضاءات القاهرة الأخرى.

* في عيادة الطبيب.

وفي عيادة الطبيب نكتشف الشخصيات غيرها من الشخصيات. وفي هذه العيادة، تجتمع كل من الشخصيات: الوزير، الدكتور، العالم الخيام.. وحيران، والشاب، ويتعرف التعرف بينهم.. وفيها تلتقي الحقيقة والواقع والخيال..

الشاب: من هذا يا دكتور؟

الدكتور: (يضرب كفا بكف في جنون)

يضرب الدكتور كفا بكف علامة الحيرة والضياع، والإعلان عن الحقيقة والإقرار بها.

الشاب: ما بك يا دكتور؟ (يهمس في أذنه) انه رجل من القرون القديمة جدا.

الدكتور: نعم صدقت... ولذلك سأصارحك بالحقيقة...انه ش... ش... شبح .

يخمن الشاب أن الشبح رجل ينتمي للقرون القديمة بحكم اللباس والهياة.. ولكن حين يصرح له الحقيقة في أذنه يندهش الشاب لأنه لم ره في حياته. يفاجأ الشاب بحضور الشبح بينهم، ولكن حين سمع بأن شبح الخيام لم يعد زالت المفاجأة، لأنه مُسّلمَ، مؤمن بأن الأرواح مجندة لبعضها البعض، ويعتبرها من قبيل الكرامات..

الشاب: شبح... ولما لا؟ الأرواح جنود مجندة؛ وأنا أومن بظهورها... إنها من قبيل الكرامات..

الشبح: (لا يكترث له) اتهامات وأنا حي وأخرى وأنا ميت.

الشبح/ الخيام عاش المأساة في الخمرة، التي تكشف عنها رباعياته، وهو الآن يعيشها شبحا.. وهذا غير معقول.. إنها قمة المأساة أن تعيش في الحياة وضعية تحارب طواحين الهواء كدون كيشوت..

الشاب: نعم... المظلوم حيا وميتا.

يؤكد الشاب للخيام هذا المأساوي، المتأتي بسوء الفهم، الذي جاء من الخيام بالتهمامه بالكفر. بل حين سأل الشبابَ عن قراءة ما وصل منها، يوفجأ بأنهم لم يقرأوها أصلا. وهذه تزيد في تراجيديته.

الشبح: وماذا يقولون؟

الشاب: إنها أقوال كثيرة..

الشبح: تقصد اتهامات كثيرة.

الشاب: ولكن لا تقلق؛ هناك ثلة ممن يمثلون هيئة الدفاع عنك.

حين يتأزم الخيام من الاتهامات في حياته وفي مماته، وهي مجرد اتهامات، يخبره الشاب أنها هناك هيئة للدفاع عنه حياّ وميتّا.

الشبح: ماذا؟ المظلوم حيّا وميتا؟

الشاب: دائما أخلص إلى تسميتك بهذا الاسم؛ انك أهل له.

الشبح: نعم... صدقت؛ أنا المظلوم حيا وميتا.

وتنتهي المسرحية باليأس، والقنوط، والظلم، والضياع.. وكم من عالم، وحكيم... ضيعته العامة، أو السلطة بيد الشعب..

5) الإرشادات المسرحية / النص فوق النص.

إن الإرشادات المسرحية في هذا النص، وجدت من أجل مساعدة القارئ على تلقي النص، وتخيل الأحداث وكأنها تمثل أمامه، وأيضا على مساعدة المخرج الذي ينوى إخراج هذه المسرحية، وعلى الاستفادة من تلك الملاحظات التي وضعها المؤلف، وكذلك من خلال تلك الإرشادات يمكن معرفة انفعالات تلك الشخصيات، حركاتها، والأماكن التي تدور فيها الأحداث أيضا. وهي أيضا تؤدي دورا في إضفاء جمالية على المسرحية وتسهم في الفهم وتصور الأحداث والمشاهد والأمكنة والأزمنة والأدوار..

* الشخصية من خلال الإرشادات.

هنا الإرشادات المسرحية تبين الحالة النفسية للشخصيات: ميولها، طبائعها، شكوكها، نجاحها، وهيأتها... (يخرج الخادم وتعتم الخشبة إلا موضع الخيــام الذي يبدي تجهما ملحوظا...). وكذلك في التالي: (جلس على أريكة بجانبه كأنه منهار ويضيف). وكذلك: توضح الشخصية ميولها الديني، والوظيفة: (خشبة المسرح تخلو إلا من الخادم الذي يمسك بين يديه كتابا للحديث الشريف يقرأ فيه بصوت يسمع من حوله). وتبين كذلك مستواها الثقافي.

وفي الإرشاد التالي، (يسدل الستار، ضوء خافت يغشى الخشبة التي تحوي سريرين متباعدين تتخللهما كتب متناثرة وأوراق هنا وهناك، الخيــام نائم على سرير وخادمه على الآخر، يستيقظ الخيــام يريد حاجة من خادمه فيناديه.)

فنحن أمام مسرح العلبة الايطالية التي فيها يسدل الستار مع انتهاء الفصل.. (وخفوت الإنارة) إشارة إلى الزمان، والليل، والمكان/ المظروف، يحتوي سريرين متباعدين، التباعد يدل على طبقية، والفوضى في هذا الفضاء يدل على أن الشخصيات قلقة، غير راضية بما فيه. والإرشاد التالي (تظلم الخشبة، وينتهي المشهد). ويتم يأتي إسدال الستار يعقبه الإظلام ويأتي به المشهد. بعد ذلك (بغتة يتحرك الخادم في يديه كأرجوحة ويتبين أنه قد مات، ثم يصرخ.)

الإرشاد المسرحي يظهر أن الخيام مات في نومه، ثم يليه صراخ حيران.

(يمشط على وجنته ويضيف كمن طار عقله.) حيران في هذا الإرشاد المسرحي كان يعز صديقه، وكذلك يبين لوعة فراقه.

(في الزاوية اليسرى من خشبة المسرح أحجار كبيرة متراكمة، وفي الأسفل منها بركة ماء تكونت نتيجة المياه المنسابة من خلال الأحجار. على القرب من البركة فتاة حسناء في أوج صباها تحمل جرة تملأها بالماء. يدخل الخيــام الخشبة وقد بلغ منه الكبر كل مبلغ وغطاه المشيب وانحنى ظهره. يريد أن يشرب من البركة فيقترب منه)

وفي هذا الإرشاد المسرحي الذي يتميز بالطول، عنى المؤلف بالفضاء الدرامي، فقسّم الخشبة إلى زاويتين، يُمنى ويسرى، وهناك في هذه الأخيرة أحجار كبيرة متراكمةّ. تشكل من عين ماء، والشخصية الجديدة. ويحيي المؤلف الخيام من جديد، وأعطانا أوصافا له من قبل... الكبَر، الشّيب، وانحانئة الظهر، ويريد أن يشرب..

الفتاة: (تهز رأسها تعجبا واستغرابا)

ويأتي من الخيام في سره، كل هذا الجمال، والبهاء، والنقاوة، والطراوة يصير إلى تراب؟؟

(تنصرف الفتاة ويجلس الخيــام و آية الكآبة والشيخوخة تكتنفه ثم يقترب منه فتى أنيق الطلعة يحمل في يده كتابا، الشيء الذي يفهم منه الخيــام أنه طالب علم.)

يأتي الإرشاد هنا ليبرز لنا حالة الخيام أكثر كآبة وشحوبا، ويضيف المؤلف شخصية الشاب، (أنيق الطلعة) يحمل ( أكسسوارا)، وهو يبرز لنا وظيفية هذه الشخصية.

الفتى: (في انبهار) عمر الخيــام... إمام خراسان وعلامة الزمان.

ويشير الإرشاد المسرحية إلى انبهار الشخصية وهي حالة نفسية..

الفتى: (مستهينا به) مضى زمن تلك الأفكار... بل الدقة هي التي توضح الأشياء... وهذا ما يجعلنا نفهم فهما سليما يسيرا.

الإرشاد يبين الشاب يعجب بالعلوم الحديثة، والتقنية العالية، مقابل العلوم القديمة من جملتها (الرباعيات).

الخيــام: (في جدية وغضب) إذا فهمت شيئا فقل لمن يليني أن الخيــام قد بلغ من حمقه حتى تبرز فتمضمض.

الخيام يغضب في حدة، وهي حالة نفسية.

(تعتم خشبة المسرح ثوان معدودة ثم تضاء من جديد فيطوي الخيــام الكتاب ثم يسجد لله سجدة ويقوم يناجي الله والدمع على خده.)

الإرشاد المسرحي يقدم: الإضاءة التي تعطي وقت المساء، (ثم تضاء) وتقوم الشخصية الرئيسة بِطَيّ الكتاب (الإكسسوار) ثم يقوم بممارسة العبادة في خشوع، وهذا يقطع الشك بالرقين ويحكم على الخيام بالإيمان، وينفي عنه الإلحاد.

(إلى يمين الخشبة مكتب أنيق عليه حاسوب وتقابله مكتبة حديثة، وفي المكتب يجلس شاب أكثر أناقة يرتدي قميصا أبيض وربطة عنق زرقاء وهو يعمل على الحاسوب، كما أنه على المكتب لافتة صغيرة مكتوب عليها الدكتور حسن / الطب العام، وراءه رواق أبيض خصص لتغيير الثياب خلفه... يقرع الباب.)

ينم الإرشاد على فضاء مختلف عن السابق، (إلى يمين) مكتب وعليه حاسوب، مكتب عصري، ويقدم أول مرة الشخصية، ويقدم (اللباس). (واللافتة أمامه) مكتوب عليها، تعريف بالشخصية (الدكتور حسن/ الطب العالم) ويصف المكان، واللباس.

(تدخل الممرضة وهي فتاة جميلة ترتدي وزرة بيضاء فتضع ملفا أخضر من الورق المقوى على المكتب و الدكتور يحمل سماعته ويشير بالمريض أن يسترخي على السرير حتى يقيس الضغط ودقات القلب.

هو لا يعبأ بها.

يبين الإرشاد المسرحي بيان الشخصية (فتاة جميلة) والزيّ (وزرة بيضاء) واكسسوارا (ملف أخضر).

(يدخل المريض بهندام مهلهل يتأبط كتابا يبدو أنه عزيز عليه، ونظراته تنم عن شخص مثقف عفا عليه الزمن)

يبين الإرشاد صفة الشخصية المسرحية (المريض) والتركيز على اللباس (مهلهل) و(اكسسوار).. و(يحمل كتابا)، وهو يمثل عاطفة إنسانية (وهو عزيز عليه). وتعطينا خلاصة عن الشخصية (مريض، مثقف، عفا عليه الزمان).

(يلتفت الدكتور إلى ظهره ويرمق على كتفه الشمالية حفرة على شكل إجاصة، وحولها ما يشبه وخز أشواك الشيء الذي يبهر الدكتور.)

يبرز لنا الإرشاد المسرحي، هنا جملا لا يظهر منطق بينهما. ولكن من جو المرح مع المريض الذي يبوح بالهزل..

المريض: أوف (يقف ويخلع القميص تلو القميص وكلها ممزقة حتى يبلغ القميص السابع)

كلمة الإرشاد (أوف) جملة تعبر عن التذمر، حين سيكشف عدد الأقمصة الذي يلبس، كلها ممزقة حتى القميص السابع. وهنا يسعى المؤلف لتغيير المأساوي التي وضعنا فيه.

(يدخل الوزير بجلباب أبيض ملتحيا ويتصافحا.)

الإرشاد يعرّفنا بالصفة الجديدة (الوزير) واللباس (جلباب أبيض) مما يرمز إلى الفقهاء (ملتحا) وما بينما من وبين الدكتور من ودّ.

(يجلس الوزير في صمت يرفض الحديث في حضرة الشبح، والدكتور يخيط الخشبة جيئة وذهابا في حيرة بادية.)

وبين الإرشاد المسرحي مكانة الشخصية (الوزير) ورفضها الكلام أمام العامة، وترفعها فوق الشعب. والدكتور قلق، وكيف يخبر الوزير أن يوصله أنه أمام شبح.

وممّا توصلنا إليه، ومن خلال نماذج من الإرشادات المسرحية.. وهي كثيرة في هذه المسرحية، أنها خدمت المسرحية، وأضاءت النص، وجوانبه، ما كان للقارئ أن يعرفها. وكشفت عن جوانب الشخصيات، وأضاءت عن الفضاء، الزمان والمكان وبينت اللباس والإكسسوار...

6) الإيهام المسرحي.

الدكتور: لماذا الكتاب؟ لقد جاء إليك الخيــام بشحمه ولحمه.

المريض: بشحمه ولحمه!؟ لماذا؟ انه شبح (يتوجه إلى الشبح) أليس كذلك؟

يريد الدكتور أن يبرهن للمريض أن الخيام أمامه حقيقة لا خيال، وهم..

الدكتور: رباه... ما هذا اليوم الأغبر.

المريض: بل يوم أغر... زارنا الخيــام... الله أكبر

ويستعمل المريض، الجناس الغوي.. (الأغر والأغبر) والتقابل بين كلمة الأغر، وبين كلمة الأغبر بَوْن شاسع..

الدكتور: (فاقدا صوابه في هدوء) وأين شحمك ولحمك؟

الشبح: لا أظنهما الآن إلا قصعة أو جرة.

يجيب الشبح ببرودة، بأنه قد أُكِل.. في وهذه اللامبالاة لها دلالتها، في كلمة أظنها الآن..

المريض: (متوجها للدكتور) ويلي عليك وويلي منك يا رجل، ألم تستوعب شيئا مما قرأته عليك من رباعياته؟... الآن تسأله عن شحمه ولحمه، تفو... لقد فضحتنا أمام الأموات. أأنت دكتور أنت؟ أهذا ما تخرجه الجامعات؟

يوبخ المريضُ الدكتورَ على أشياء من المفروض في دكتور أن يعرفها، وهي معروفة في رباعياته.. وقد فضحهما بين الأحياء وبين الأموات.. ويسخر فيه العلم الذي طلقاه في الجامعة.. وهذا طبعا كلها كلام مريض جاء به على سبيل الإيهام المسرحي..

المريض: (في استهزاء) إنها أعلى شهادة علمية... إنها قمة العلم.

الشبح: أعلى درجة علمية! جميل، أريد أن أسألك...

المريض: (يقاطعه) لا تسأله... لن يجيبك عن شيء.

الشبح: حسن... حسن...

يتعجب الشبح عندما يسمع (أعلى شهادة علمية) ويريد أن يسأل الدكتور عنها، ولكن الشبح يكسّر أفق الانتظار، بقوله (لا تسأله... لن يجيبك عن شيء).

7) التناص في المسرحية.

يأتي الكاتب المسرحي بمناصّات، سواء شعرا أو نثرا، ليعزّز به معان يرى فيها غناء لنصه المسرحي، أو تنويعا وتفاديا للملل.. الخيام، عالم، وفيلسوف، وشاعر عرف بالرباعيات. وجري فيها على الأوزان معينة. وشحنها بفكره وملأها بشكوكه وبحوره..

وهو يرى أن الدهر غير مبال بنا.. ماش في طريقه في بطء، ونحن ماذا استفدنا من طول الانتظار.. حائرين بين الموت والحياة.

أري الدهر عكس مرامـــــــنا فهل جدنا يجدي أم الفكر ينفع؟

جــــلسنا زمانا حائــرين لأننا للعـيش أبطأنا وللمــوت نسرع

نحن حائرون أمام هذا الدهر، الذي ما جدّ فكر، ولا نفعت معه حيرة.. الحياة أم نحن نسرع للموت.

إني وإن ذقت الغـــرام وقل لي        من مبهم الأسرار ما لم يفهم

فاليوم حين فتحت عين بصيرتي     أصبحت أعلم أنـــني لم أعلم

السرّ الذي يوجد في الغرام ليس يفهمه إنسان، وحين فتح عين العقل ليرى شيئا يقينيا، لم يرَ شيئا يَعمَلهُ.

بكر الربيع ومر الشـــــتاءْ    حياتك تـــبـلى وأورقــــــها

لا تأس واشرب فان الهمــــوم هي السم والراح ترياقـــــها

في هذه الأبيات، دعوة صريحة إلى تعاطي المدام، لأن الزمان يمر كشجرة سقطت أوراقها، فالهموم سموم وترياقها الخمر..

دع كل مفروض ومندوب من         قوت لديك فأطعــــمن الناسا

لا تؤذ خلق الله أو تغتبهم وأنا الضمين غدا فهات الكاسا

فمن هته الأبيات وهي كثيرة في رباعياته، هي التي أدخلت الخيام مع الكفار، الذين لا يؤمنون بكتاب ولا سنة، ولا بفرض وبلا مندوب، ولا تعليم رسول الله الكريم..

إن كنت تفقه يا هذا الفــــقيه فــلم تلحو فلاسفة دانو بأفكاري

هم يبحثون عن الباري وصـــنعته وأنت تبحث عن حيض وأقذار

خاض الخيام حروبا مع فقهاء زمانه، وهو يشبه أبو العلاء المعري.. الذين كانوا لا يعرفون في مما سطحي وحرفي، ولا يعرفون تفسفلا في الدين، وهم الباحثون والفقهاء عن الحيض والنفاس كما يصفهم الخيام.. وشتّان كما يقول الخيام كمن يبحث في الله (عزّ وجل) وفقيه يبحث في أمور تافهة.

فكرت في الدين أقوام كما حار بين الشك والقطع فريقْ

فإذا الهاتف يدعوهــــم أيا بله لا هذا ولا ذاك الطريـــــقْ

سمّى الخيام الناس بالبُلْه، حين رأى من بينهم حائر في ما الشك واليقين، وجميعا هم خاطئون..

كم جبت من واد وسهل دون أنأحظى بتحسين لبعض أموري

قد سرني أن الحياة قد انقضت عني وان تك مانقضت بسرور

سار الخيّام في الأرض طولا وعرضا، ولم يصل إلى السرّ الذي يشف غليله، ولم يكتشف السرّ الذي جرى وراءه طول عمره، والشيء الوحيد الذي اكتشفه، هو أن الحياة لا تستحق أن تعاش...

 

د. معمر بختاوي

....................

المصادر

د. معمر بختاوي: دلالة الخطاب في المسرح الهاوي (دراسة تطبقية)، مطبوعات رابا نت، ط1، 2013.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4197 المصادف: 2018-03-03 05:21:29